محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - ج2

- الراغب الأصفهاني المزيد...
774 /
5

الجزء الثانى‏

بِسْمِ اَللََّهِ اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ

الحدّ الثاني عشر في الإخوانيّات‏

(1) حدود الأخوّة

سئل بعضهم عن الأخوة فقال: هي الموافقة في التشاكل. و قال إبراهيم الموصلي: قلت لاسباط الشيباني: صف لي الأخوّة و أوجز فقال: أغصان تغرس في القلوب فتثمر على قدر العقول.

قيل لبعض الحكماء: ما الأصدقاء؟قال: نفس واحدة في أجساد متفرقة.

*الترغيب في اقتناء الإخوان‏

قال أمير المؤمنين رضي اللّه عنه: عليكم باقتناء الإخوان فهم عدّة في الدين و الدنيا. أ لا ترى إلى قول اللّه عزّ و جل في حكاية عن أهل النار في النار: فَمََا لَنََا مِنْ شََافِعِينَ `وَ لاََ صَدِيقٍ حَمِيمٍ (1) .

قيل أغبط الناس من لا يزال رحله من صالح الإخوان موطأ، و قيل: المرء كثير بأخيه. و قيل لأبقراط (2) : ما أفضل ما يقتني الإنسان؟فقال: الصديق المخلص، و قال عمرو بن إبراهيم:

إن السرور إذا بلغـ # ت بوصفه كنه النّهايه‏ (3)

خلّ تؤانسه ودو # د و الرّجوع إلى الكفاية

قال شاعر:

أخاك أخاك إنّ من لا أخا له # كساع إلى الهيجا بغير سلاح‏ (4)

____________

(1) القرآن الكريم: الشعراء/100.

(2) أبقراط: من أشهر أطباء الإغريق الأقدمين (460. ق. م) ، هو من مواليد جزيرة كوس. اعتمد في تشخيص الأمراض على اكتشاف أثر الهواء و الغذاء في اضطرابات الأخلاط. ترجمت بعض مؤلفاته إلى العربيّة و منها طبيعة الإنسان.

(3) الكنه: الحقيقة و جوهر الشي‏ء.

(4) الهيجا: مخفّف الهيجاء، يدعو الشاعر إلى حفظ رابطة الإخاء و أن يصون الأخ لأنه عماده في الحياة و ملاذه و مشبّه الذي لا أخاله بالذي يخوض المعركة دونما سلاح.

6

و قد أحسن الذي قال: إن الأخ الصالح خير لك من نفسك لأن النفس أمارة بالسوء و الأخ لا يأمرك إلا بالخير.

*الحثّ على الإكثار منهم‏

قال محمود الوراق:

تكثّر من الإخوان ما استطعت إنهم # عماد إذا استنجدتهم و ظهور (1)

فما بكثير ألف خلّ و صاحب # و إنّ عدوّا واحدا لكثير

*تفضيل الصديق على النسيب‏

قيل لعبد اللّه ابن المقفع‏ (2) : أ صديقك أحب إليك أم نسيبك؟فقال: إنما أحب النسيب إذا كان صديقا. و قال: الأخ نسيب الجسم و الصديق نسيب الروح. قال أبو فراس:

نسيبك من ناسبت بالودّ قلبه # و جارك من صافيته لا المصاقب‏ (3)

و قال آخر:

أخو ثقة يسير بحسن حال # و إن لم تدنه منّي قرابه

أحبّ إليّ من ألفي قريب # تبيت صدورهم لي مسترابه‏ (4)

قال بعضهم: الصديق الموافق خير من الشقيق المنافق.

قال بشّار (5) :

يخونك ذو القربى مرارا و ربّما # و فى لك عند الجهل من لا تقاربه‏ (6)

و في المثل: ربّ أخ لك لم تلده أمّك.

____________

(1) يدعو الشاعر إلى الإكثار من اتخاذ الأخوان و اكتسابهم و ادّخارهم للاعتماد عليهم في النوائب.

(2) عبد اللّه بن المقفع: هو أحد كبار الكتّاب في أوائل العصر العبّاسي. و هو فارسي الأصل نشأ في العصر الأموي و تتلمذ لعبد الحميد الكاتب، ثم برز في أيام المنصور و يقال بأنّه قتل بإيعاز منه، قتله و الي البصرة. عني بترجمة العديد من الكتب نقلا عن الفارسية و من آثاره كتاب كليلة و دمنة و الأدبان الصغير و الكبير و رسالة الصحابة مات سنة (759 م) .

(3) النسيب: القريب-الودّ: المحبّة-صافيته: أخلصت له الودّ-المصاقب: الموافق من صاقبه مصاقبة أي قاربه.

(4) مسترابة: اسم مفعول من استراب أي وقع في الريبة، و الريبة القلق و اضطراب النفس و الشكّ.

(5) بشّار: بشار بن برد (714-784 م) شاعر هجاء من الكبار فارسيّ الأصل، عاش بالبصرة. أكثر من التشبيب بالنساء. هجا المهدي فسخط عليه. و رآه مرة سكران يؤذّن فرماه بالزندقة و ضربه سبعين سوطا حتّى مات. كان أعمى غليظ المنظر.

(6) من لا تقاربه: من لا تناسبه، يقول: قد يخونك قريبك مرارا و يقابلك بالوفاء من هو بعيد عنك.

7

*إجراء الصديق مجرى الشقيق‏

قال أبو تمّام‏ (1) :

و إذا رأيت صديقه و شقيقه # لم تدر أيّهما ذوو الأرحام‏

و قال رجل من خثعم‏ (2) :

ذو الود منّي و ذو القربى بمنزلة # و إخوتي أسوة عندي و إخواني‏ (3)

*مدح مصاحبة الأخيار و تجنب الأشرار

قيل: صحبة الأخيار تورث الخير و صحبة الأشرار تورث الشرّ، كالريح إذا مرّت على النتن حملت نتنا و إذا مرّت على الطّيب حملت طيبا.

و قال النبي صلّى اللّه عليه و سلم: مثل الجليس الصالح كمثل الذي إن لا يجدك من عطره يعلقك من ريحه. و مثل الجليس السوء كمثل التّبن إن لم يحرقك بشرره يؤذك بدخانه.

*الحثّ على مصاحبة من ينتفع به‏

قيل: لا تصاحب إلا رجلا ترجو نواله أو تخاف يده أو تستفيد من علمه أو ترجو بركة دعائه. و قال أبو جعفر بن محمد: عليك بصحبة من إن صحبته زانك، و إن خدمته صانك، و إن نزلت حاجة ما بك أعانك، و إن سألته أعطاك، و إن تركته بذاك، إن رأى حسنة أظهرها أو سيئة سترها.

و قال بعض من سمع ذلك لابن عيينة: ما أراه إلا أمره أن لا يصحب أحدا، فقال:

بلى إنه أدرك الناس و هذه الأخلاق فيهم، فأوصى بقدر ما عرف.

*كون الإنسان مصاحبا شكله‏

(4)

قال النبي صلّى اللّه عليه و سلم: المرء على دين خليله فلينظر امرؤ من يخالل. و قال إياس: قدمنا بلدكم فعرفنا خياركم من شراركم في يومين. قيل له: كيف؟قال: كان معنا خيار و شرار فلحق خيارنا بخياركم، و شرارنا بشراركم، فألّف كل شكله. قال شاعر:

و كلّ امرئ يصبو إلى من يجانس‏

و قال آخر:

فإنّما الناس أشكال و ألاّف‏

____________

(1) أبو تمّام: حبيب بن أوس الطائي (788-845) شاعر عبّاسي. نشأ في دمشق و توفي في الموصل.

مدّاح الخلفاء و لا سيّما المعتصم. أهم آثاره الحماسة التي ضمنها درر الشعر العربي حتّى عصره.

(2) خثعم: بنو خثعم من قبائلة العرب.

(3) الأسوة: القدوة، أو ما يتعزّى به، و السّواء العدل و ساوى فلان فلانا ماثله.

(4) مصاحبا شكله: الشكل أي المثيل و المشابه أو النظير.

8

و قيل: اغلب المحبة ما كان عن تشاكل. بالمشاكلة دوام المواصلة. قال شاعر:

و لا يصحب الإنسان إلا نظيره # و إن لم يكونا من قبيل و لا بلد

و مما يؤكد ذلك:

و إنّ البزاة البيض لا تألف القطا (1)

و قال آخر:

لكلّ امرئ شكل من الناس مثله # و أكثرهم شكلا أقلّهم عملا

و قيل: الشدّ بالقد أهون من مصاحبة الضدّ.

*اعتبار المرء بإخوانه و أنّ من يصاحب صاحبا ينسب إليه‏

قال شاعر:

و من يصاحب صاحبا # ينسب إلى مستصحبه

و ربما عرّ صحيـ # حا جرب بجربه‏

و أخذ جماعة من اللصوص فقال أحدهم: أنا كنت مغنيا لهم فقيل له: غنّ، فغنّى:

عن المرء لا تسأل و سل عن قرينه # فكل قرين بالمقارن يقتدى‏ (2)

قيل له: صدقت و أمر بقتله. قال شاعر:

يقاس المرء بالمر # ء إذا ما هو ماشاه

و للنّاس على النّا # س مقاييس و أشباه‏

و قيل: انظر من تجانس، فقلّ حصاة طرحت مع حصاة إلا أشبهتها. قال مسكويه:

يقولون لي إن الرئيس محمدا # يؤول إلى رأي كريم المناسب‏ (3)

فقلت دعوني قد عرفت اختياره # بطلعة منصور و خطّ ابن كاتب‏

*الحثّ على مصاحبة العقلاء

قيل: جالس العقلاء أعداء كانوا أم أصدقاء، فالعقل يقع على العقل.

و قيل: العاقل بخشونة العيش مع العقلاء أشبه منه بلين العيش مع الجهّال، و قيل: آخ الكريم و استرسل إليه و عليك أن تصحب العاقل و إن لم يكن كريما لتنتفع بعقله، و اهرب كل الهرب من اللئيم الأحمق.

و قيل: من صبر مع الأحمق فهو مثله، و قد مضى في فضل العقل باب مثل هذا.

____________

(1) القطا: الحمام البريّ، جمع قطاة.

(2) القرين: النظير و المثيل.

(3) آلى يؤول إلى: رجع.

9

*صنوف الإخوان‏

قال لقمان: الإخوان ثلاثة: مخالب و محاسب و مراغب، فالمخالب الذي ينال من معروفك و لا يكافئك، و المحاسب الذي ينيلك بقدر ما يصيب منك، و المراغب الذي يرغب في مواصلتك بغير طمع.

و قال المأمون: الإخوان ثلاثة: أخ كالغذاء لا يحتاج إليه كل وقت، و أخ كالدواء يحتاج إليه أحيانا، و أخ كالداء لا يحتاج إليه أبدا.

*اختبار الصديق عند الغضب‏

قيل: إذا أردت مصافاة رجل فأغضبه، فإن ملك نفسه فصاحبه، و إلا فلا تصاحبه.

قال الشاعر:

لا تحمدنّ امرأ يرضيك ظاهره # و أخبر مودّته في العتب و الغضب‏ (1)

و قيل: كان بين حاتم طيئ و بين أوس بن حارثة ألطف ما كان بين اثنين. فقال النعمان لجلسائه: لأفسدنّ ما بينهما فدخل على أوس، فقال: إن حاتما يزعم أنه أفضل منك، فقال: أبيت اللعن صدق و لو كنت أنا و أهلي و ولدي لحاتم لوهبنا في يوم واحد.

و خرج فدخل على حاتم، فقال له: مثل ذلك، فقال: صدق و أين أقع من أوس و له عشرة ذكور دونهم أفضل منّي؟فقال النعمان: ما رأيت أفضل منكما.

اعتبار من تريد مصادقته بصديقه قبلك‏

قيل: إذا أردت أن تعرف صاحبا كيف يكون لك، فانظر كيف كان من قبلك، فإن أحمدته فاستخلصه لك و إن ذممته فتنكّبه.

*الاعتبار بالعين و الاعتماد على ما في القلب‏

قيل: اعتبر ما في قلب أخيك بعينه، فالعين عنوان القلب. و قيل: شاهد الحب و البغض اللحظ، فاستنطق العيون تعلم المكنون. قال شاعر:

تقلّب أحوال الفتى في أموره # تبيّن عمّا تقتضيه ضمائره

و في لحظ عينيه و في حركاته # دليل على ما تحتويه سرائره‏

قال إسحاق:

ستور الضّمائر مهتوكة # إذا ما تلاحظت الأعين‏ (2)

____________

(1) يدعو الشاعر إلى عدم الركون إلى ظاهر الأشخاص مشدّدا على اختبارهم في أوقات اللوم و الغضب.

(2) مهتوكة: من هتك الستر خرقه ليكشف ما وراءه و هتك اللّه ستره فضحه-يقول إن العيون حين تتلاحظ قادرة على كشف ما يجول في الضمائر و البواطن.

10

و قال ابن بسام‏ (1) :

ألا إنّ عين المرء عنوان قلبه # تخبّر عن أسراره شاء أم أبى‏

و قال كشاجم:

و يأبى الذي في القلب ألا تبيّنا # و كلّ إناء بالذي فيه يرشح‏ (2)

*متابعة الصديق في رشده دون غيّه‏

استشهد ابن الفرات أيام وزارته علي بن عيسى بغير حقّ، فلم ينصره، فلمّا رجع كتب إليه لا تلمني على نكوصي في نصرتك بشهادة زور، فإنه لا بقاء لاتفاق على نفاق و لا وفاء لذي مين و اختلاق، و أحرى بمن تعدّى الحق في مسرتك إذا رضي أن يتحرى الباطل في مساءتك إذا غضب، و قد تقدم هذا الخبر. قال شاعر:

أ لم تعلمي أنّي إذا الإلف قادني # إلى الجور لا أنقاد و الإلف جائر

و دعا أعرابي فقال: اللهمّ أني أعوذ بك ممّن لا يلتمس خالص مودّتي إلا بالتأتّي لمواقع شهوتي.

*متابعته في غيّه و رشده‏

قال عروة (3) :

و خلّ كنت عين الرشد منه # إذا نظرت، و مستمعا سميعا

أطاف بغية فنهيت عنها # و قلت له أرى أمرا فظيعا

أردت رشاده جهدي فلمّا # أبى و عصى عصيناه جميعا

قال بشّار:

و ما كنت إلا كالزّمان فإن صحا # صحوت و إن ماق الزمان أموق‏ (4)

قال أحمد بن صالح:

أنا كالمرآة ألقى كلّ وجه بمثاله‏

و قال رجل لصديقه: ما رأيك في كذا؟فقال: أنا من غزيّة. يريد أني تابع لك إشارة إلى قول دريد:

و هل أنا إلا من غزيّة إن غوت # غويت و إن ترشد غزية أرشد (5)

____________

(1) ابن بسّام: على بن محمد (844-915) أديب و شاعر بغدادي هجّاء خدم المعتضد و من تصانيفه:

«أخبار عمر بن أبي ربيعة» .

(2) كل إناء يرشح: و في رواية ينضح أي يخرج ما فيه.

(3) عروة بن الورد العبسيّ: توفي نحو 596 من شعراء الجاهلية الصعاليك قتل في إحدى غزواته.

(4) ماق يموق: تظاهر بالموق أي الحمق.

(5) غزية: قبيلة-غوت: ضلّت-و في هذا البيت دلالة على العصبية القبلية.

11

*الحثّ على نصرة الصديق على جميع الأحوال‏

قال النبي صلّى اللّه عليه و سلّم: انصر أخاك ظالما أو مظلوما. و قيل: حافظ على الصديق و لو على الحريق.

و قيل: أفضل الكرم أن يكون الرجل عند النائبة أكرم وفاء و أمحض صفاء و لتكن معاونتك أخاك بمهجتك عند البلاء، أكثر منها عند الرخاء.

*مماراة (1) الصّديق و الحثّ على تركها

قيل: مع الاختلاف طمع في الائتلاف و رب مخالفة دعت إلى محالفة و معاسرة (2)

تحمل على المعاشرة. و قيل بإحياء الملاطفة تستمال القلوب العارفة. و قيل: استدم مودّة أخيك بترك الخلاف عليه، ما لم تكن عليك منقصة أو غضاضة. و قال يموت بن مزروع:

سمعت أبي يقول قرأت خمسين ألف بيت و ما وقع لي مثل قوله:

و ما أنا بالشي‏ء الذي ليس نافعي # و يغضب منه صاحبي بقئول‏

*الأمر بالإغضاء على عيب الصديق‏

قيل إن جعفرا الصادق كان يقول: لا تفتّش على عيب الصديق، فتبقى بلا صديق.

و أحسن ما قيل في هذا المعنى قول بشّار:

إذا كنت في كلّ الأمور معاتبا # صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه

فعش واحدا أو صل أخاك فإنّه # مقارف ذنب مرة و مجانبه‏ (3)

إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى # ظمئت و أيّ النّاس تصفو مشاربه؟ (4)

و قال آخر:

و من لا يغمض عينه عن صديقه # و عن بعض ما فيه يمت و هو عاتب

و من يتتبع جاهدا كلّ عثرة # يجدها و لا يسلم له الدهر صاحب‏

و قيل: لا يجد رفيقا من لم يزدرد ريقا. و قيل: من عاتب في كل وقت أخاه فجدير أن يملّه و يقلاه‏ (5) . و على عكس ذلك قال الشافعي-رحمه اللّه-: ليس بأخيك من احتجت إلى مداراته.

____________

(1) المماراة: مصدر مارى مراء و مماراة (فلانا) : جادله و نازعه و لاجّه.

(2) المعاسرة: المخالفة و المضايقة.

(3) مقارف: من قارف الذنب أي اقترفه و ارتكبه و خلاف ذلك المجانبة أي الترك.

(4) يقول: إنّ الناس لا تصفو مشاربهم دائما و أنت محمول على مواصلتهم لأن المرء لا يسعه أن يعيش وحيدا و قد شبّه بشار هذا بالحاجة إلى الماء فأحدنا قد يشرب الماء أحيانا كدرا على ما فيه من القذى دفعا للظمإ.

(5) يقلاه: يكرهه و يبغضه.

12

*محافظة من يوفى بمحاسنه على مقابحه‏

قال لقمان: إذا أردت مصاحبة رجل فانظر، فإن كانت محاسنه أكثر فارتبطه، و قال ابن المقفع: إنّ في الناس طبائع أربعا فارتبط من رجحت محاسنه.

و قيل لبزرجمهر: هل صديق لا عيب فيه؟فقال: الذي لا عيب فيه يجب أن لا يموت. قال شاعر:

و حيث اختبرت النّاس حقّ اختبارهم # رجعت إلى وصلي و أنت ذميم‏

و نحوه:

و ترجعني إليك و إن نأت بي # ديار عنك، تجربة الرجال‏

*الإغضاء على إساءة الصديق المحسن‏

قال ابن المقفع، و قد بلغه عن رجل شي‏ء يكرهه: ينبغي للرجل أن يكذّب سوء الظن بصديقه ليكون ذا ودّ صحيح و قلب مستريح. قال منصور التيمي:

إذا ما الصّديق أسا مرّة # و قد كان من قبلها مجملا (1)

حفظت المقدّم من فعله # و لم يفسد الآخر الأولا

و قيل: احتمل لأخيك ثلاثة: الغضب و الدالة و الهفوة. و قيل من صحّت مودته احتملت جفوته.

*حمد المعاتبة بين الإخوان و ذمّها

قيل: ترك المعاتبة دليل على قلّة الإكتراث بالصديق. المعاتبة تزيل الموجدة. أفضل المحبة ما كان بعد المعتبة. قال شاعر:

و يبقى الودّ ما بقي العتاب # العتاب حدائق الأحباب‏

و قال ابن المعتز (2) :

نعاتبكم يا أمّ عمرو لحبّكم # ألا إنّما المقلي من لا يعاتب‏ (3)

و لآخر:

علامة كلّ اثنين بينهما هوىّ # عتابهما في كلّ حقّ و باطل‏

و قيل: العتاب ضربان: عتاب يحيي المودّة، و هو ما كان في نفس الودّ

____________

(1) أسا يأسو (هنا) : أي أساء و خلاف ذلك أجمل أي أحسن.

(2) ابن المعتز: أبو العباس عبد اللّه 861-908 أمير عبّاسي شاعر و أديب ولي الخلافة يوما و بعض يوم.

لقّب المرتضى باللّه مات خنقا، له طبقات الشعراء و كتاب البديع.

(3) المقلي: المبغض.

13

و عتاب يميتها و هو ما كان في ذنب و موجدة (1) .

التقى أعرابيان فتعاتبا و إلى جنبيهما شيخ، فقال: انعما عيشا، إن العتاب يبعث التجنّي و التجني ذرء (2) المخاصمة و المخاصمة أخت العداوة فانتهيا عمّا ثمرته العداوة. و قال العبّاس:

إن بعض العتاب يدعو إلى البغض و يؤذي به المحبّ الحبيبا و قيل: التجنّي وافد القطيعة. قال شاعر:

و دع العتاب فربّ أمر هاج أوّله العتاب‏

و قال الآخر:

و بدء الصّرم من ملل العتاب‏ (3)

و قيل: العتاب بدء العقاب.

*النهي عن تضييع حقوق الإخوان‏

قيل: أقلّ الناس عقلا من فرّط في اكتساب الإخوان. و أقلّ منه عقلا من ظفر بأخي صدق فضيّعه. و قال عمر: إذا رزقك اللّه ودّا من رجل فتمسّك به.

و قيل: لا يقطع الرجل أخاه إلا لواحد من اثنين لا خير فيهما: لملاله أو لسوء اختياره للصداقة.

*الحثّ على المصافاة و ترك المداجاة

(4)

قال سفيان لرجل: لا تكوننّ صديق عين و عدوّ غيب‏ (5) . و سئل خالد بن صفوان عمّا يجب للإخوان، قال: تجنّب طريق النفاق و لا تقصر عن الاستحقاق قال إبراهيم بن عباس:

خلّ النفاق لأهله # و عليك فانتهج الطريقا

و اذهب بنفسك أن ترى # إلاّ عدوا أو صديقا

و في مدح من يحفظ أخاه بظهر الغيب، قال بعضهم:

موكل النّفس بظهر المغيب # أقصى رفيقيه له كالقريب‏

قال المثقّب العبدي:

فإمّا أن تكون أخي بصدق # فأعرف منك غثّي من سميني

و إلاّ فاجتنبني و اتخذني # عدوّا أتّقيك و تتّقيني‏

____________

(1) الموجدة: الغضب.

(2) ذرء المخاصمة: خلفها.

(3) الصرم: القطيعة و الجفاء.

(4) المداجاة: المراءاة و الممالطة و التملّق.

(5) عدوّ الغيب: أي العدو الذي لا يواجهك في عداوته بل يطعن بك دون أن يواجهك.

14

و قال آخر:

و لا تك ممّن إن نأى عنه صاحب # فغاب عن العينين غاب عن القلب‏

*الحثّ على مداجاة العدوّ

قيل: إذا صافاك عدوّك رياء فتلقّى مصافاته بأوكد مودة، فإنه إذا ألف ذلك اعتاده و خلصت مودّته. و قال ابن السماك: لن لمن يجفو فقلّ من يصفو.

و قال ابن الحنفية: ليس بحكيم من لم يعاشر من لم يجد عن معاشرته بدّا حتى يجعل له فرجا و مخرجا. قال التنوخي:

ألقى العدوّ بوجه لا قطوب به # يكاد يقطر من ماء البشاشات‏ (1)

فأحزم الناس من يلقى أعاديه # في جسم حقد و ثوب من مودّات‏

*وصف أخوّة صادقة

مدح أعرابي صديقا فقال: مجالسته غنيمة و صحبته سليمة و مؤاخاته كريمة، هو كالمسك إن بعته نفق و إن تركته عبق‏ (2) .

و عاتب رجل خليله فقال: لو علمت أن يومي أهنأ من يومك لاخترت أن أوثرك به.

قال شاعر:

و ذي لطف لو كان يعلم أنّه # شفائي دم من جوفه لسقاني‏

و قال آخر:

قد تخللت مسلك الرّوح منّي # و بذا سمّي الخليل خليلا

و قيل: لم يسمع بأطيب و أعذب من قول البحتري‏ (3) :

وجدت نفسك من نفسي بمنزلة # هي المصافاة بين الماء و الرّاح‏ (4)

و قال يصف خليلا:

أخ و أب لي ثم أمّ شفيقة # تفرّق في الأحباب ما هو جامعه

سلوت به عن كلّ من كان قبله # و أذهلني عن كائن هو تابعه‏

و لآخر:

و نحن كروح بين جسمين قسّما # فجسماهما جسمان و الروح واحد

____________

(1) القطوب: العبوس.

(2) عبق: فاح و انتشرت رائحته.

(3) البحتري: أبو عبادة (820-897) شاعر عربي طائي ولد في منبج اختص بالمتوكل و وزيره الفتح بن خاقان. اشتهر بالوصف و له كتاب الحماسة على مثال حماسة أستاذه أبي تمّام.

(4) المصافاة: التصافي-الراح: الخمر-يقول: إن نفسينا في صفاء و انسجام كالماء و الخمر.

15

*متآخيان اختلف مذهباهما

قال الجاحظ (1) : لم ير أعجب حالا من الكميت و الطرمّاح، فإن الكميت كان عدنانيا شيعيا يتعصب لأهل الكوفة، و الطرماح كان قحطانيا خارجيا يتعصب لأهل الشام، و كان بينهما من المخالطة ما لم يكن بين اثنين قط و لم تجر بينهما جفوة و لا قطيعة و لا اعتراض.

و قيل لهما: كيف اتفقتما مع الخلاف بينكما؟فقالا: اتفقنا على بغض العامة. و وصفهما جعفر المصري فقال:

فنحن من ودّ و حبّ كما # كان كميت و الطّرمّاح‏

و كان عبد اللّه الأباضي و هشام بن الحكم شريكين في البزّ و بينهما من الخلاف ما لم يكن بين اثنين، كان الأباضي يزعم أن عليا لم يزل مستسرّا بالكفر حتى أظهره يوم التحكيم و هشام يثبت الإمامة لعلي رضي اللّه عنه. قال هشام: ما خالفني إلا مرة: اشترينا جارية فقلت: أجعلها لي، فقال: أنت عندي كافر و هذا فرج، و لا أحبّ أن أبيحه لك. قال العباس بن الأحنف و هو مما يتمثّل به هاهنا:

زاوج حيتانها الضّباب بها # فهذه كنّة و ذا ختن‏ (2)

*اصطحاب نذلين‏

في المثل: وافق شنّ طبقة. وافقه فاعتنقه. قال شاعر:

كأنس الخنافيس بالعقرب‏

و لأبي الحسن:

كلاكما بالمجد مستهتر # و بابتناء المجد مفتون

و فرّق ما بينكما واحد # أنت رقيع و هو مأفون‏ (3)

و أنت لوطيّ على ظنّه # و ذاك بالإجماع مأبون‏ (4)

*استبقاء الإخوان بالإفضاء (5) عليهم‏

قيل: إذا سرّك أن يثبت لك الصديق، فليكن لك عليه الفضل. قال شاعر:

إذا أنت لم تفضل على ذي مودّة # و كنت و إيّاه بمنزلة سوا

____________

(1) الجاحظ: أبو عثمان (775-868) من أئمة الأدب العبّاسي ولد في البصرة. نسبت إليه الجاحظيّة من فرق المعتزلة. صوّر أحوال عصره و حياة أهل زمانه تصويرا يمتزج فيه الجدّ بالدعابة من مؤلفاته:

«الحيوان» و «البيان و التبيين» و «البخلاء» .

(2) الختن: الزوج.

(3) الرقيع: الأحمق الذي أخلق عقله-المأفون: ناقص العقل.

(4) المأبون: المعاب.

(5) الإقضاء: مصدر أفضى عليه أي أعطاه و غمره بنواله.

16

فلا تك ذا عتب عليه و إنّما # يعاقب بالذّنب المثيب على الرّضا

*الحثّ على مشاركة الصديق في سرّائه دون ضرّائه‏

قالت امرأة يحيى بن طلحة له: أما ترى أصحابك إذا أيسرت لزموك و إذا أعسرت تركوك؟فقال: هذا من كرمهم يأتوننا في حال القوة منّا على الإحسان إليهم و يتركوننا في الضعف عنهم:

يعرف الأبعد إن أثرى و لا # يعرف الأقرب إن يفتقر

و لآخر:

أبو مالك قاصر فقره # على نفسه و مشيع غناه‏

و قيل: فلان يتحسى المرّ و يسقي إخوانه العذب.

*الحثّ على مشاركة الصديق في ذات اليد

رأى بعض الحكماء رجلين لا يفترقان فسأل عنهما فقيل: هما صديقان. قال: ما بال أحدهما غني و الآخر فقير؟و قيل: لا خير في صحبة من لا يرى لك مثل ما يرى لنفسه.

و قال محمد بن علي: أ يدخل أحدكم يده في كمّ أخيه فيأخذ حاجته؟قالوا: لا.

قال: فلستم إذا بإخوان.

*الحثّ على أن تشارك في السرّاء من يشاركك في الضرّاء

قال أكثم بن صيفي: حقّ أن تشارك في النعم من يشاركك في المكاره. قال أبو تمّام:

إن الكرام إذا ما أيسروا ذكروا # من كان يألفهم في المنزل الخشن‏ (1)

و قال جحظة البرمكي:

قل للوزير أدام اللّه دولته # أذكر منادمتي و الخبز خشكار (2)

إذا ليس بالباب برذون لنوبتكم # و لا غلام و لا بالباب طيّار (3)

و قال آخر:

شركناك في مرّ الزّمان فكن لنا # إذا الحلو منه درّ غير شريك‏

*ذمّ من أعرض عنك في حال يساره‏

صبغت أميّة في الدماء رماحنا # و طوت أميّة دوننا دنياها

____________

(1) إن الكرام لا ينسون في غناهم من كان يعرفهم في فقرهم.

(2) الخشكار: من الخشكر و هو ما خشن من الطحين و اللفظة فارسيّة.

(3) البرذون: دابة الحمل الثقيلة، و التركيّ من الخيل-الطيّار: الفرس السريع.

17

و قال آخر:

رأيتك لما نلت مالا و عضبا # زمان نرى في حدّ أنيابه شغبا

جعلت لنا ذنبا لتمنع نائلا # فأمسك و لا تجعل غناك لنا ذنبا

قال محمود:

و كنت أخي أيام عودك يابس # فلمّا اكتسى و اخضرّ صرت مع الدّهر

و لآخر:

ابتاع ودّي و هو ذو عسرة # حتّى إذا نال الغنى باعه‏

و كتب المعروف بالزغل إلى بعض السلاطين:

رآني بعين النّقص أن صار ذا غنى # و أغفل قبل اليوم نقص يديه

و ما نال إلا حظّه غير أنّه # توهّم أن الرزق صار إليه

فكله إلى مرّ الليالي و صرفها # ستأتي على ما عنده و عليه‏

و قال آخر:

صديقك من يرعاك عند شديدة # فكلّ تراه في الرّخاء مراعيا

و قال آخر:

فلا يغرّنك إخوان تعدّهم # أنت العدوّ لمن كلّفته حاجة

*ذمّ من تكبّر على أصدقائه لغناه و سلطانه‏

قال صالح بن عبد القدوس‏ (1) :

تاه على إخوانه كلّهم # فصار لا يطرف من كبره

أعاده اللّه إلى حاله # فإنّه يصلح في فقره‏

قال الخوارزمي‏ (2) :

وصلتك بالسّلطان حتّى إذا اعتلى # مكانك و استمكنت لم تملك الحقدا

كمقتدح نارا بزند لحاجة # فلما تلظّت ناره أحرق الزّندا

*تغيّر الإخوان في حال العلاء

قال زياد: إذا كان لك صديق فولى ولاية و بقى لك واحد من عشرة، فليس بصديق سوء.

____________

(1) صالح بن عبد القدوس: (توفّي نحو 777) من شعراء بغداد صلبه المهدي لزندقته اشتهر بقصيدته الزينبية أكثر شعره في الحكمة.

(2) الخوارزمي: أبو عبد اللّه (توفّي 997) باحث عالم من أهل خراسان أوّل من ألّف موسوعة بالعربيّة هي «مفاتيح العلوم» .

18

و قال بعضهم: إذا كان لك أخ صافي الودّ فلا تتمنّى له منزلة، ففي ذلك تغيّر له عن الوداد.

قال شاعر:

و كلّ إمارة إلا قليلا # مغيّرة الصديق عن الصديق‏

و قال آخر:

إذا ما أردت وداد امرئ # فلا تدعونّ له بارتقاء

*نهي من بلغ صديقه منزلة من التدلّل عليه‏

قال منصور:

إذا رأيت امرأ في حال عسرته # صافي المودّة ما في ودّه و غل‏ (1)

فلا تمنّ له حالا يسّر بها # فإنّه بانتقال الدهر ينتقل‏

قيل: لا تنظر إلى صديقك إذا بلغ منزلة بعينك الذي نظرت إليه بها قبل، و إذا جعلك أبا فاتخذه ربّا. و قيل: ذو الحرمة ملوم على الإفراط في الدالة كما أن المحترم له ملوم على تناسي المودّة و الحرمة.

و قال أبو عباد يوما لأبي بكر المقري: إيّاك و الدالّة في غير مكانها فنحن بالليل إخوان و بالنهار ذوو سلطان. فرط الادلال يدعو إلى الملال.

*مدح من لم يتغيّر لمنزلة نالها

فتى زاده السلطان في الحمد رغبة # إذا غيّر السلطان كلّ خليل‏

و قال الموسوي:

و غيري إذا ما طار خلّف صحبه # دوين المعالي واقعين و حلّقا

و لما بشّر هشام بالخلافة سجد من حوله شكرا لذلك، غير الأبرش الكلبي فقال له هشام: ما منعك أن تسجد معي؟قال: إني معك ليلا و نهارا و غدا ترقى إلى السماء فتنكرني. قال: بل أصعد بك، فقال: أما الآن فإني أسجد عشرين سجدة.

*مدح من نزّه إخوانه عن استخدامهم في سلطانه‏

كان هشام يعتمّ فقام إليه الأبرش ليسوّي عمامته، فقال: مه‏ (2) فإنّا لا نتخذ الإخوان خولا (3) .

و قام عمر بن عبد العزيز رضي اللّه عنه بنفسه فأصلح سراجه، فقال واحد من جلسائه: أ لا أمرتني، فكنت أكفيك. قال: ليس من المروءة أن يستخدم الرجل جليسه.

____________

(1) العسرة: الضيق-الوغل: الدني‏ء، الضعيف.

(2) مه: اسم فعل بمعنى انكفف.

(3) الخول: الخدم.

19

الحثّ على خدمة الإخوان و مدح ذلك‏

قال النبي صلّى اللّه عليه و سلم: سيد القوم خادمهم. و في المثل: إذا عزّ أخوك فهن.

قال ابن المعتمر:

إذا أنت رافقت الرجال فكن فتى # كأنّك مملوك لكلّ رفيق

و كن مثل طعم الماء غضّا و باردا # على الكبد الحرّى لكلّ صديق‏

و قال آخر:

كأنّه عبد لإخوانه # و ليس فيه خلق العبد

و نحوه:

و عبد للصحابة غير عبد

*النّهي عن ذلك‏

قال بعضهم: إنّ لكل قوم كلبا فلا تكن كلب إخوانك. قال عبد اللّه بن معاوية:

لا تهيننّ للصديق مكرمة # نفسك، حتى تعدّ من خوله

يحمل أثقاله عليك كما # يحمل أثقاله على جمله‏

*احتمال أذى الصديق ما لم يكن فيه هوان‏

قال صالح:

أرضى عن المرء يصفيني مودّته # و ليس شي‏ء من البغضاء يرضيني‏ (1) (2)

و قال آخر:

سأصبر عن رفيقي إن جفاني # على كلّ الأذى إلا الهوان‏

قال جحظة:

تذلّل لمن إن تذلّلت له # يرى ذاك للفضل لا للبله

و جانب صداقة من لا يزال # على الأصدقاء يرى الفضل له‏

*كون الناس أصدقاء ذي المال‏

قيل لبعض الفضلاء: كم لك من صديق؟قال: لا أعلم لأن الدنيا مقبلة عليّ و الأموال موجودة لديّ، و إنما أعرف ذلك لو ولّت الدنيا. أ لم تسمع إلى قول طريح:

النّاس أعداء لكل مدقع # صفر اليدين و إخوة للمكثر (3)

____________

(1) لا تدع لأحدهم بالمراتب العالية فتتغير مودّته و تخسره.

(2) يقول: أرض بصفاء المحبة لا بالكراهية و البغضاء.

(3) المدقع: الفقير المعوز-يقول إنّ الناس أعداء للفقير و أخوة للغنيّ.

20

و لما نكب علي بن عيسى لم يطر بناحيته أحد، فلما ردّت إليه الوزارة رأى الناس حوله، فأنشد:

ما الناس إلا مع الدنيا و صاحبها # فأينما انقلبت يوما به انقلبوا

و قال عبد الملك لأصحابه: أيّكم يصف لي عامّة الناس؟فقال الوليد ابنة: إخوان طمع و أعداء نعم.

و قيل: إذا احتاج إليك عدوك أحبّ بقاءك، و إذا استغنى عنك وليّك هان عليه موتك.

الإخوان عند الجفان كثير و عند الحقائق قليل.

*ذمّ المودّة التي يجلبها الطمع‏

كلّ مودة عقدها الطمع حلّها اليأس. و قيل: إياك و من مودّته لك لحاجة.

قال إبراهيم بن العباس:

و كنت أخي كالدّهر حتى إذا نبا # نبوت فلمّا عاد عدت مع الدّهر (1)

فلا يوم إقبالي عددتك طائلا # و لا يوم إدباري عددتك من أمري‏

*حمد الغيرة على الإخوان‏

سأل الرشيد رجلا عن بني أمية فقال: كانوا يتغايرون على الإخوان كتغايرهم على القيان‏ (2) . و قيل: لتكن غيرتك على صديقك كغيرتك على صديقتك.

و قال شاعر:

و كن عالما أني أغار على أخي # و خلّي كما أنّي أغار على عرسي‏ (3)

و وفّر عليّ الحظّ منك فإنّني # خصصتك بالحظّ الموفّر من نفسي‏

*ذمّ من يصاحب من أصدقائك أعداءك‏

في كتاب الهند: من علامة الصديق أن يكون لصديقه صدوقا و لعدوه عدوا. قال شاعر:

تؤاخي عدوّي ثم تزعم أنّني # صديقك إنّ الرأي منك لعازب‏

و قيل: ليس من المروءة أن تحبّ ما يبغضه حبيبك. و قيل: لا يحبّك من يحبّ عدوّك.

و قال أيوب بن جعفر للمأمون: أنا أودّك مودّة حرة و أبغض أعداءك بغضة مرّة، فقال:

إنك تقول فتحسن و تحضر فتزين و تغيب فتؤمن.

____________

(1) نبا نبوّا: تجافى و تباعد.

(2) القيان جمع قينة: المغنية-القينة الماشطة.

(3) العرس: الزوجة-عازب: بعيد.

21

قال السريّ:

و ليس يكون المرء سلم صديقه # إذا لم يكن حرب العدوّ المخالف‏

*حمد من يصاحب منهم أعداءك‏

قال ابن المقفع: إذا رأيت صديقك مع عدوّك فلا يوحشنّك ذلك، فإنما هو أحد رجلين إذا كان من إخوان الثقة فانفع مواطنه قربه من عدوّك شرّ يلفّه و عورة يسترها و غائبة يطلع عليها، و إن كان غير ثقة فهو أولى‏ (1) به فهبه له.

*مدح رفض الحشمة بين الأصدقاء

قال علي رضي اللّه عنه: شرّ الإخوان من يحتشم منه و يتكلّف له. قال العرجيّ الصوفي: إذا صحّ الود سقطت شروط الأدب. و قال الحسن بن وهب: اعلم أن المودة لا تتم ما دامت الحشمة عليها مسلّطة.

و قال بعضهم: أسقط عن نفسي نصف همّ الدنيا بعشرة من لا أحتشمه، و قال الجنيد رضي اللّه عنه لا تصحب من تحتاج أن تكتمه ما يعرف اللّه منك.

*ذمّ فرط الانبساط

قيل: صن الاسترسال منك حتى تجد له مستحقا، و اجعل أنسك آخر ما تبذل من ودّك. و قال جعفر بن محمد: إيّاك و سقطة الاسترسال فإنها لا تستقال.

في كتاب كليلة و دمنة: بعض المقاربة حزم و كل المقارنة عجز، كالخشبة المنصوبة في الشمس تمال فيزيد ظلّها و تفرط في الإمالة فيرتد ظلّها.

و قال أكثم: الانقباض‏ (2) عن الناس مكسبة للعداوة و الانبساط إليهم مجلبة لقرناء السوء، أخذه الحارث. فقال:

إذا ما عممت النّاس بالأنس لم تزل # لصاحب سوء مستفيدا أو كاسبا

فإن تقصهم أرموك عن ظهر بغضة # فكن خلطا إن شئت أو كن مجانبا (3)

و لا تنتبذ عنهم و لا تدن منهم # و لكنّ أمرا بين ذاك مقاربا (4)

و قال: إذا أقبل عليك مقبل بودّه فسرّك أن لا يدبر عنك، فلا تكثر الإقبال عليه، فالإنسان من شأنه التباعد ممن قرب منه، و الدنوّ ممّن يتباعد منه.

مباسطة الكرام و الانقباض عن اللئام‏

و ما لي وجه في اللئام و لا يد # و لكنّ وجهي في الكرام عريض

____________

(1) أولى به: أجدر به، أحق به.

(2) الانقباض عن الناس: اعتزالهم و الانكماش عنهم.

(3) إن تقصهم: أن تبعدهم.

(4) تنتبذ عنهم: تبتعد عنهم-الكاشح: العدوّ المبغض-الصرم: القطيعة و الهجر.

22

أهشّ إذا لاقيتهم و كأنّني # إذا أنا لاقيت اللئام مريض‏

و قال ابن كناسة:

فيّ انقباض و حشمة فإذا # أبصرت أهل الوقار و الكرم

أرسلت نفسي على سجيّتها # و قلت ما قلت غير محتشم‏

النهي عن فرط (1) المودّة و العداوة

قيل: من أحببت فلا تأمنه و من أبغضت فلا تهجره. و قيل خالط الناس و زايلهم و قال أمير المؤمنين عمر رضي اللّه عنه: لا يكن حبّك كلفا و لا بغضك تلفا.

قال زياد بن زيد:

و إن امرأ قد جرّب الدهر لم يخن # تقلّب عصريه لغير لبيب

فلا تيأسنّ الدهر من حبّ كاشح # و لا تأمننّ الدهر صرم حبيب‏ (2)

و قال آخر:

فهونك في حبّ و بغض فربّما # بدا جانب من صاحب بعد جانب‏

ذمّ الاستكثار من الأصدقاء

قيل: لتكن الإخوان عندك كالنار قليلها متاع و كثيرها بوار (3) . و قال الفضيل: من سخافة عقل المرء كثرة معارفه. و قال حفص بن حميد: من لم ينقص كل يوم صديقا لا يفلح‏ (4) أبدا:

عدوّك من صديقك مستفاد # فلا تستكثرنّ من الصّحاب‏ (5)

فإنّ الداء أكثر ما تراه # يكون من الطعام أو الشراب‏

إعواز صديق صادق‏

قال الفضيل لسفيان رحمهما اللّه: دلّني على صديق أركن إليه إذا غبت و آمن معه إذا حضرت، فقال تلك ضالة لا توجد.

و قيل لرجل: من أبعد الناس سفرا؟فقال: من كان سفره في طلب أخ صالح و سمع المأمون أبا العتاهية ينشد:

و إني لمحتاج إلى ظلّ صاحب # يروق و يصفو إن كدرت عليه‏

فقال خذ منّي الخلافة و أعطني هذا الصاحب.

____________

(1) فرط: كثرة.

(2) الكاشح: العدوّ الباطن العداوة.

(3) بار بوارا: هلك، كسد.

(4) يفلح: أفلح، نجح.

(5) مستفاد منه: مقتنى-يدعو ناصحا إلى عدم الإكثار من الأصحاب.

23

و قيل لفيلسوف ما الصديق؟فقال: اسم على غير معنى. قال أبو فراس‏ (1) :

نعم دعت الدنيا إلى الغدر دعوة # أجاب إليها عالم و جهول

فيا حسرتي من لي بخلّ موافق # أقول بشجوي مرّة و يقول‏

قال الصابئ‏ (2) :

أيا ربّ كلّ الناس أولاد علّة # أ ما تغلط الدنيا لنا بصديق

وجوه بها من مضمر الغلّ شاهد # ذوات أديم في النّفاق صفيق‏ (3)

التخويف من دغل الإخوان‏

قال أعرابي: اللهمّ اكفني بوائق‏ (4) الثقات و الاغترار بظاهر المودّات. و قال آخر: اللهم احفظني من الصديق. فقيل: كيف؟قال: لأني متحرّز من العدوّ. قال علي بن عيسى:

احذر عدوّك مرّة # و احذر صديقك ألف مرّة

فلربّما انقلب الصديق # فكان أعلم بالمضرّة

و قيل: احذر من تأمنه، فودائع الناس لا تضيع إلا عند الثقات. و قيل: قلّ من يؤذيك إلا من تعرفه.

ذمّ من يستعدّ حين الصداقة للعداوة

ذمّ العبّاس رجلا فقال هو يترصّد في صداقته ما يتوثّب به في عداوته. قال شاعر:

احذر أخوّة كلّ من # شاب المرارة بالحلاوه

يحصي الذنوب عليك # أيام الصداقة للعداوه‏

قلّة نفع مودة مكرهة

فلا خير في ودّ امرئ متكاره # عليك و لا في صاحب لا توافقه‏

و قال آخر:

ألا إنّ خير الودّ ودّ تطوّعت # به النفس لا ودّ أتى و هو متعب‏

ذم من يضمر عداوة و يظهر صداقة

قال بعضهم: تظن فلانا يضحك لك و هو يضحك منك فإن لم تتخذه عدوا في

____________

(1) أبو فراس الحمداني (932-968) ولد في الموصل هو ابن عمّ سيف الدولة صاحب حلب الذي قلّده إمارة منبج. أسره البيزنطيون أربع سنوات. استولى على حمص بعد وفاة سيف الدولة فقتل: أشهر قصائده: «الروميّات» .

(2) الصابئ: إسحاق إبراهيم (925-994) كاتب حرّاني خدم بني بويه. اشتهر برسائله. له ديوان شعر.

(3) الغلّ: الحقد و الكراهية و الغشّ.

(4) البوائق: جمع بائقة و هي الشرّ.

24

علانيتك فلا تتخذه صديقا في سريرتك. و قيل: من عاشر الإخوان بالمكر كافأه بالغدر.

قال يزيد الحكمي:

لسانك لي أري و قلبك علقم # و شرّك مبسوط و خيرك ملتوي‏ (1)

و قال آخر:

زعمت صديقى طاب مرأى و مسمعا # صدقت و لكنّ المغيب معيب‏ (2)

و قال آخر:

إذا أنت فتّشت القلوب و جدتها # قلوب أعاد في جسوم أصادق‏

تأسّف من تكدّر ودّه بعد الصفاء

أخ كنت آوي منه عند ادّكاره # إلى ظلّ آباء من العزّ شامخ

سعت نوب الأيام بيني و بينه # فأقلعن منّا عن عدوّ و صارخ‏ (3)

و قال أعرابي: يا حسرتي فقد صفرت من فلان عياب‏ (4) ودّي بعد امتلائها و اكفهرت‏ (5) وجوه كانت بمائها. فأدبر ما كان مقبلا و أقبل ما كان مدبرا.

ذمّ من يتجنّى على صديقه طلبا لصرمه‏

إن الملول إذا أراد قطيعة # ملّ الوصال و قال كان و كانا (6)

و قال آخر:

زماني كلّه غضب و عتب # و أنت عليّ و الأيام إلب‏ (7)

و قال ابن المقفع: ينبغي للعاقل أن يكذب سوء الظن بصديقه ليكون ذا ودّ صحيح و قلب مستريح. و قال ابن سيرين: إذا بلغك عن صديقك ما تكرهه فالتمس له عذرا، فإن لم تجد فقل: لعلّ له عذرا و أنت تلوم.

معاتبة من أساء الظنّ بصديقه‏

قيل لرجل ما ظنك بأخيك؟قال: ظني بنفسي. قال المتنبّي:

إذا ساء فعل المرء ساءت ظنونه # و صدّق ما يعتاده من توهم

____________

(1) الأري: الشّهد و العسل-العلقم: الحنظل، و كل ما مرّ فهو علقم.

(2) المغيب: الغيبة و النميمة.

(3) نوب: جمع نائبة مصيبة.

(4) العياب: العيوب، و العياب الصدور و القلوب تشبيها بعياب الثياب و عياب الودّ من باب المجاز.

(5) اكفهرّ اكفهرارا اللّيل: اشتدّ ظلامه.

(6) القطيعة: الصرم و الجفاء-لصرمه: لهجره و الانقطاع عن صحبته.

(7) الإلب: القوم تجمعهم عداوة واحدة، و ألب إلبا: جمع و ألّب: أفسد، و ألّب من الأضداد و يفيد الجمع أيضا.

25

و عادى محبّيه بقول عداته # فاصبح في داج من الشكّ مظلم‏

و له:

و من يك ذا فم مرّ مريض # يجد مرّا به الماء الزلالا (1)

قال الموسوي:

من ساء ظنّا بما يهواه فارقه # و حرّضته على إبعاده التهم‏

معاتبة من سلا عن صديقه‏

مالي جفيت و كنت لا أجفى # و دلائل الهجران لا تخفى

و أراك تشربني فتمزجني # و لقد عهدتك شاربي صرفا

من كفّ عنك أذاه فهو صديق صدق. خير ما في اللئيم أن يكفّ ضرره.

قال المتنبّي‏ (2) :

إنّا لفي زمن ترك القبيح به # من أكثر النّاس إحسان و إجمال‏

و قال آخر:

لي صديق لديه نصح و ودّ # غير أنّ الدماغ فيه مرمّه

فإذا ما سعى ليدفع عنه # في الملمّات صار عون الملمّة

ليته كفّ خيره و أذاه # و رعى لي بذاك حقّا و حرمه‏

و قال آخر:

قد جناها أخ عليّ كريم # و على أهلها براقش تجني‏ (3)

ذمّ من يعادي أصدقاءه‏

قال السري الكندي:

رأيتك تبري للصّديق نوافذا # عدوّك من أوصابها الدّهر آمن‏ (4)

و قال آخر:

لنا أخ يطلب غير ثاره # يطوي العدا و ينتحي لجاره

و الكلب لا ينبح من في داره‏

____________

(1) الماء الزلال: العذب، الصافي، و الزلال: الكثير الزلق، و زلّ: سقط و زلق.

(2) المتنبي: أبو الطيب (915-965) من كبار شعراء العرب ولد في محلّة كندة بالكوفة. و قتل في طريقه من فارس إلى بغداد. امتدح سيف الدولة ثم كافورا ثم عضد الدولة. كان شجاعا طموحا متكبّرا.

أفضل شعره في المدح و الهجاء و الفخر و الحكمة.

(3) براقش: جمع برقش، طائر صغير ملوّن الريش. و يقال جنت على أهلها براقش و هو: مثل أصله أنّ قوما كانوا هاربين من أعدائهم و الوقت ليل فنبحت كلبتهم براقش فاهتدى إليهم الأعداء و أوقعوا بهم، فذهب القول مثلا.

(4) الأوصاب: الأوجاع و الآلام، جمع وصب.

26

تفضيل صداقة من قدم إخاؤه‏

قال معاوية لكاتب له: عليك بصاحبك الأقدم فإنّك تجده على مودّة واحدة و إن قدم العهد و بعدت الدار. و إيّاك و كلّ مستحدث فإنه يجري مع كل ريح. و قيل لا تستبدلنّ بأخ لك قديم، أخا مستفادا ما استقام لك. قال شاعر:

كيف يبقى لك الجديد من النا # س إذا كنت تطرح الخلقانا (1)

قال أبو الشّيص‏ (2) :

نقل فؤادك حيث شئت من الهوى # ما الحبّ إلاّ للحبيب الأوّل‏ (3)

كم منزل في الأرض يألفه الفتى # و حنينه أبدا لأوّل منزل‏

عكس ذلك‏

قيل: عليك بمستظرف الإخوان تستفيد منهم مستطرف الإحسان، و تأمن منهم بوائق‏ (4) الشقاق:

فللعين ملهى في التّلاد و لم يفد # هوى النفس شي‏ء كافتياد الظرائف‏

و لهذا الباب و ما تقدّم نظير في حدّ الغزل.

العتب على المتلوّن و ذمّه‏

قيل: مودّته متنقلة كتنقل الأفياء و أخوّته متلونة كلون الحرباء. قال صالح:

قل للذي لست أدري من تلوّنه # أنا صح أم على غشّ يداجيني

تغتابني عند أقوام و تمدحني # في آخرين و كلّ منك يأتيني‏

و قال آخر:

أخ لي كأيّام الحياة إخاؤه # تلوّن ألوانا على خطوبها

إذا عبت منه عيبة فتركته # دعتني إليه خلّة لا أعيبها

و كتب عبد اللّه بن معاوية: قد عاقني الشكّ في أمرك عن عزيمة الرأي فيك، فإنك ابتدأتني بلطف من غير خبرة، و أعقبتني بجفاء من غير ذنب، فأطمعني أوّلك في أخائك و أيأسني آخرك من وفائك. فسبحان من لو شاء كشف الغطاء، فأقمنا على ائتلاف أو افترقنا

____________

(1) الخلقان: البالية.

(2) أبو الشيص محمد: (توفّي 811) شاعر عباسي مطبوع من أهل الكوفة ابن عمّ الشاعر دعبل. عمي في آخر حياته. امتاز بوصف الخمرة و المديح.

(3) يقول: مهما تتقلّب في حبّك فالحبّ الأمثل لا يكون إلا للحبيب الأوّل. و لئن ألف الفتى في حياته الوجدانية منازل شتّى فرجوعه دائما للحبيب الأول و هذا الشعر منسوب إلى شعراء منهم أبو تمّام.

(4) البوائق: المهالك، جمع بائقة.

27

على اختلاف.

و قيل لئن أبتلى بمائة جموح لجوج أحبّ إليّ من أن ابتلى بمتلوّن.

قال إبراهيم بن العباس:

يا أخا لم أر في الناس خلا # مثله أسرع هجرا و وصلا

كنت لي في صدر يومي صديقا # فعلى عهدك أمسيت أم لا؟

و قال بعضهم لمغنية:

مرحبا ثم مرحبا # بحبيب تغضّبا

فأجابته:

أنت كالريح لا تدو # م جنوبا و لا صبا (1)

عتب من ترعاه و هو يجفوك‏

و أعجب من جفائك لي و صبري # على طول ارتفاعك و انخفاضي

سروري أن تدوم لك الليالي # بما تهوى كأنّي عنك راضي‏

الحثّ على مصارمة من تبغضه‏

قال رجل لآخر: لي أخ إذا كلّمته آذاني و أثمت، و إذا كرهته أراحني و سلمت فأنشده:

و في البعد مسلاة و في الصّرم راحة # و في النّاس أبدال سواه كثير (2)

و قال آخر:

ودّ ما لا تشتهيه النفس تعجيل الفراق‏

المسرّة بفراق من لا تحبّه‏

قال منصور الفقيه:

و مستوجب شكري بإعراضه عنّي # أجلّ يد عندي له بعده عنّي

تلافى بهجري بعض ما كان جرّه # عليّ بوصلي قبل إعراضه عنّي‏ (3)

و اعتذر رجل إلى آخر بتأخّره عنه فقال: ما رأيت إحسانا يعتذر منه سوى هذا. و قال إسحاق الموصلي: ذكرت للعبّاس العلوي رجلا فقال: دعني أتذوّق طعم فراقه فهو و اللّه لا تشجى له النفس و لا يدمى لفراقه الجفن. قال شاعر:

كلانا غنيّ عن أخيه حياته # و نحن إذا متنا أشدّ تغانيا

____________

(1) الصبا: ريح مهبّها جهة الشرق.

(2) الصرم: الهجر و القطيعة.

(3) بوصلي: وصله ضدّ هجره-إعراضه: أعرض عنه: تجنبه و ابتعد عنه.

28

الحثّ على مصارمة من رثّ حبل ودّه‏

في المثل: خلّ سبيل من و هى سقاؤه. و قيل: لا تصحب من لا يرى لك في الودّ مثل ما ترى له. و قيل: شغل المرء بمشتغل عنه مسقطة من العيون، و إقباله على معرض عنه معرضة به لسوء الظنون. و قيل: جدعا لمن أعطى الرغبة من أعطاه الزهادة و ما أدري أيهما ألأم. قال شاعر:

من لم يردك فلا ترده # هبه كمن لم تستفده‏

قال البحتري:

شرّق و غرّب تجد من معرض عوضا # فالأرض من تربة و النّاس من رجل‏

و قال آخر:

أرى الغبن كلّ الغبن وصلي صارما # و إن كان ذا فضل و يرى جافيا

و قال آخر:

و لربّ مصحوب ترفت بلونه # فلفظته قبل التطعّم عاجلا

المجاملة في إعراض من رام صرم حبالك‏

يستحسن في ذلك قول الأقرع بن حابس:

أصدّ صدود امرئ مجمل # إذا حال ذو الودّ عن حاله

و لست بمستعتب صاحبا # إذا جعل الهجر من باله

و لكنّني قاطع حبله # و ذلك فعلي بأمثاله

و ما أن أدلّ بحقّ له # عرفت له حقّ إدلاله

و إنّي على كلّ حال له # من إدبار ودّ و إقباله

لراض لأحسن ما بيننا # بحفظ الإخاء و إجلاله‏

فصل إيثار الوحدة و الحثّ عليه‏

قال النبي صلّى اللّه عليه و سلم: أحبّ العباد إلى اللّه الأتقياء الأخفياء الذين إذا غابوا لم يفتقدوا و إذا شهدوا لم يقربوا، أولئك أمة الهدى و مصابيح الظّلم.

و قال مالك بن دينار لراهب: عظني، فقال: إن استطعت أن تجعل بينك و بين الناس سورا من حديد فافعل. و قيل لسقراط: أ لا تشاهد الملوك؟فقال: وجدت الانفراد بالخلوة أجمع لدواعي السلوة. و قيل لآخر: ما تجد في الخلوة؟قال: الراحة من مداراة الناس و السلامة من شرّهم:

و قالوا لقاء الناس أنس و راحة # و لو كنت أرضي الناس ما عشت خاليا

29

و قيل: العزلة توفر العرض و تستر الفاقة، و ترفع ثقل المكافأة. و قيل: ما احتنك أحد قطّ إلا أحبّ الخلوة.

و قيل توحّد ما أمكنك فمن وطئته الأعين وطئته الأرجل.

و قال حكيم: العاقل مستوحش من زمانه منفرد عن إخوانه. و قيل: استوحش من النّاس كما تستوحش من السبع.

و قال الجنيد دخلت على السري فقلت أوصني فقال: لا تكن مصاحبا للأشرار و لا تشتغل عن اللّه بمجالسة الأخيار.

و قيل لذي النون رحمه اللّه: متى أقوى على عزلة الأخيار؟فقال: إذا قويت على عزلة النفس. قيل: و متى يصح الزهد؟قال: إذا كنت زاهدا في نفسك هاربا من جميع ما يشغلك.

من أنس في الخلوة بالعبادة و القراءة

قال حاتم الأصم: الزم بيتك فإذا أردت الصاحب فاللّه يكفيك، و إن أردت الرفيق فرفيقاك رقيباك، و أن أردت أنيسا فالقرآن يؤنسك، و ذكر الموت يعظك:

تركت الأنس بالأنس # فما في الأنس من أنس

و أقبلت على القرآ # ن درسا أيّما درس

عسى يؤنسني ذاك # إذا استوحشت في رمسي‏

ذمّ الخلوة و الوحدة

قيل: أجهل الناس من استأنس بالوحدة و استكثر من الخلوة. و قيل: إيّاكم و العزلة فإن في ملاقاة الناس معتبرا نافعا و متعظا واسعا، فإن البيت رمس ما لزمته.

وحدة الإنسان خير # من جليس السوء عنده

و جليس الخير خير # من جلوس المرء وحده‏

و في الحديث: المؤمن الذي يخالط الناس و يصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس.

الشكوى من ذهاب النّاس‏

دخل عبيد اللّه بن شبرمة على معاوية و قد أتت عليه مائتان و عشرون سنة، فقال له: يا عبيد ما شهدت من الزمان و ما أدركت؟فقال: أدركت الناس يقولون ذهب الناس ذهب الناس فلا مرتع و لا مفزع، و قيل ما بقي من الناس إلا كلب نابح أو حمار رامح أو أخ فاضح.

و كانت عائشة تنشد قول لبيد:

ذهب الذين يعاش في أكنافهم # و بقيت في خلد كجلد الأجرب‏

30

فقال ابن عباس: لئن شكت في زمانها فقد شكت قوم عاد في زمانهم إذ قد وجدوا في خزائنهم سهما مكتوبا عليه:

بلاد بها كنّا و نحن نحبّها # إذ الناس ناس و البلاد بلاد

قال أبو الدرداء: كان الناس ورقا لا شوك فيه، فقد صاروا شوكا لا ورق فيه إن نافرتهم نفروك، و إن تركتهم ما تركوك.

و قال عدي بن حاتم لمعاوية: معروفك الذي نعده اليوم منكرا معروف لم يأت. و عن أبي صالح في قول اللّه تعالى: وَ يَذْهَبََا بِطَرِيقَتِكُمُ اَلْمُثْلى‏ََ (1) أي بسراة الناس.

قال شاعر:

ذهب الرجال المقتدى بفعالهم # و المنكرون لكل أمر منكر

و بقيت في خلف يزين بعضهم # بعضا ليدفع معور عن معور

قال بعضهم: كأنّ اللّه تعالى ما عنى بقوله-: مََا تَرى‏ََ فِي خَلْقِ اَلرَّحْمََنِ مِنْ تَفََاوُتٍ (2)

في البخل و الجهل-إلا أهل زماننا فإنهم ما تفاوتوا في البخل و الجهل.

ذمّ النّاس‏

لما قدم محمد بن عبد اللّه بن طاهر مدينة السلام كتب إلى أخيه و هو بخراسان يشكو إليه قلّة الأنيس و تأذّيه بمضرة الجليس، فكتب إليه:

طب عن الأمة نفسا # و ارض بالوحدة أنسا

لست بالواجد خلا # أو تردّ اليوم أمسا

ما رأينا أحدا سا # وى على الخبرة فلسا

و قيل: خير الناس من لم تجرّبه. اخبر الناس تقليهم‏ (3) .

قال المتنبّي:

و صرت أشكّ فيمن أصطفيه # لعلمي أنه بعض الأنام‏

و قال الآخر:

ليس في الدنيا وفاء # لا و لا في النّاس خير

قد بلوت الناس فالنا # س كسير و عوير

و قال الآخر:

بلوناهم واحدا واحدا # فكلّهم ذلك الواحد

____________

(1) القرآن الكريم: طه/63.

(2) القرآن الكريم: الملك/3.

(3) أي تبغضهم من قلى يقلي قلىّ (الرجل) : أبغضه فهو قال و ذاك على الشرّ. و هذا شبيه بقول الفيلسوف هوبز: الإنسان ذئب للإنسان.

31

و قيل لسفيان: دلّنا على رجل نجلس إليه. فقال تلك ضالة لا توجد. و قال بعضهم:

الناس كلاب فإذا وجدت سلوقيّا فاحتفظ به.

و كتب بعضهم: أما بعد فإني أحمد اللّه إلى الناس و أذم الناس إلى اللّه. و قال الحكيم:

من لم يستطع مزايلة الناس بجسده فليزايلهم بقلبه.

قال المتنبّي:

كلما أنبت الزمان قناة # ركّب الدهر في القناة سنانا (1)

قلّة الاستغناء عن النّاس و الأمر بمداراتهم‏

قال رجل لابن عبّاس: ادع اللّه أن يغنيني عن الناس. فقال: إن حوائج الناس. تتصل بعضها ببعض كاتصال الأعضاء فمتى يستغني المرء عن بعض جوارحه. و لكن قل: اغنني عن شرار الناس.

و قيل: كان بعضهم يطوف و يقول: من يشتري مني بضائع بعشرة آلاف درهم؟فدعاه بعض الملوك و بذل له المال، فقال له: اعلم أن اللّه لم يخلق خلقا شرا من الناس و إن لم يكن لك بدّ من الناس فانظر كيف تحتاج أن تعامل ما لا بد منه، و لا غنى بك عنه. ثم قال: هل يساوي هذا الكلام عشرة آلاف درهم؟قال: دونك المال و لم يأخذه.

أصناف الناس‏

قال معاوية للأحنف: صف لي الناس و أوجز. فقال: رءوس رفعها الحظّ و كواهل عظمهم التدبير، و أعجاز شهّرهم المال، و أذناب أتحفهم الأدب ثم الناس بعدهم بهائم إن جاعوا ساموا و إن شبعوا ناموا.

و قال سلمان: الناس أربعة أصناف: آساد و ذئاب و ثعالب و ضأن. فأما الآساد فالملوك و أما الذئاب فالتجار، و أما الثعالب فالقراء المخادعون، و أما الضأن فالمؤمن ينهشه كل من يراه.

و قال أمير المؤمنين: الناس ثلاثة: عالم و متعلم و ما سواهما همج.

قال امرؤ القيس:

عصافير و ذباب ودود # و آخر من مجلجلة الذئاب‏

و قال علان العتابي: رأيت كلثوما يأكل خبزا في الطريق، فقلت له: أ ما تستحي؟ تأكل بحضرة الناس، فقال: أ رأيت لو كنت في دار فيها بقور أ ما كنت تأكل بحضرتهم قلت: فهؤلاء بقور؟ثم قال: إن شئت أريتك دلالة ذلك ثم قام و وعظ و جمع قوما. ثم قال: روي عن غير وجه أنّ من بلغ لسانه أرنبة أنفه أدخله اللّه الجنّة فلم يبق أحد إلا أخرج لسانه ينظر هل يبلغ.

____________

(1) و في رواية: ركّب المرء-يذم طبائع الناس لأنها مطبوعة حسب رأيه.

32

و قال رجل للشاعر: أين سكة الحمير؟فقال اسلك أي سكة شئت فكلها دروب الحمير. و قال بعض العرب طلبت الراحة فلم أجد أروح لنفسي من تركها ما لا يعنيها، و توحشت في البادية فلم أر أوحش من قرين السوء.

(2) و ممّا جاء في محبّة المعاشرين و بغضهم‏

المحبوب إلى الناس‏

قيل: فلان مودود في الورى مخصوص بالهوى.

كأنّ قلوب الناس في حبّه قلب.

و قال التنوخي:

كأنّك في كلّ القلوب محبّب # فأنت إلى كلّ القلوب حبيب‏

و قال الرفاء:

ودّ البريّة أن عمرك دائم # و كذا الربيع يحبّ منه دوامه‏

و قال آخر:

محبّب في جميع الناس إن ذكرت # أخلاقه الغرّ حتّى في أعاديه‏

و قال آخر:

محبب في قلوب الناس كلهم # فكلّ قلب إليه مائل كلف‏

اعتبار مودّة صاحبك بما عندك‏

في الأثر الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف، و ما تناكر منها اختلف. و قال بعضهم لآخر: إني أحبك. فقال: رائد ذلك عندي. و قال: رجل لعبد اللّه بن جعفر: إن فلانا يقول إنه يحبني فبما ذا أعلم صدقه؟قال: امتحن قلبه بقلبك فإن كنت تودّه فإنه يودّك، و شاهد ذلك قول بكر بن النطاح:

و على القلوب من القلوب دلائل # بالودّ قبل تشاهد الأرواح‏

و قال آخر:

قل للتي وصفت مودّتها # للمستهام بذكرها الصبّ‏

ما قلت إلا الحق أعرفه:

إنّ الدليل عليه من قلبي # قلبي و قلبك بدعة خلقا

يتجاريان بصادق الحب‏

33

و قال آخر:

لعمري لقد زعم الزاعمون # بأن القلوب تجاري القلوبا

فلو كان حقّا كما تعلمون # لما كان يجفو حبيب حبيبا

المدّعي محبّة صديقه‏

قال المتنبّي:

أحبّك يا بدر الزمان و شمسه # و إن لامني فيك السّها و الفراقد

و ذاك لأن الفضل عندك باهر # و ليس لأن العيش عنك بارد

و إن قليل الحبّ بالعقل صالح # و إنّ كثير الحبّ بالجهل فاسد

و قال إبراهيم بن العباس:

و أنت هوى النفس من بينهم # و أنت الحبيب و أنت المطاع

و ما بك إن بعدوا وحشة # و لا معهم إن بعدت اجتماع‏

و قال آخر:

فيا ليت ما بيني و بينك عامر # و بيني و بين العالمين خراب

و ليتك تحلو و الحياة مريرة # و ليتك ترضى و الأنام غضاب‏

النهي عن فرط الحبّ و البغض‏

قال رجل لأرسطاطاليس: عظني، قال: لا يملأن قلبك محبة شي‏ء و لا يستولينّ عليك بغضه، و اجعلهما قصدا. فالقلب كاسمه يتقلّب، و في الأثر: أحبب حبيبك هونا ما، عسى أن يكون بغيضك يوما ما و ابغض بغيضك هونا ما، عسى أن يكون حبيبك يوما ما.

قلة المبالاة ببغض من لا يقصد ضرّك‏

قال عمر بن الخطاب‏ (1) رضي اللّه عنه لطليحة الأسدي: قتلت عكاشة فقلبي لا يحبك أبدا. قال: فما عشرة جميلة، فإن الناس يتعاشرون على البغضاء. و قال الوليد لرجل: إني أبغضك. فقال: إنما تجزع النساء من فقد المحبّة، و لكن عدل و انصاف يا أمير المؤمنين.

و قال ابن أبي الحواري لأبي سليمان: إن فلانا لا يقع من قلبي، فقال: و لا من قلبي، و لكنّا لعلنا أتينا من قبل أنه ليس فينا خير فلسنا نحب الصالحين.

و قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه لرجل هم بطلاق امرأته: لم تطلقها؟قال: لا أحبها. قال: أَ وَ كلّ بيت يبنى على المحبة، أين الرعاية و الذمم؟

____________

(1) عمر بن الخطاب: ثاني الخلفاء الراشدين-أوّل من لقّب بأمير المؤمنين. خلف أبا بكر الصديق. اشتهر بعدله. اغتاله أبو لؤلؤة الفارسيّ في المسجد، و كانت وفاته سنة 23 هـ (644 م) .

34

أسباب المحبة و البغض و مضرتهما و نفعهما

روي في الخبر أن اللّه إذا أحب عبدا ألقى محبته في الملأ، فلا يمرّ به أحد إلا أحبه.

و قالت عائشة رضي اللّه عنها: جبلت القلوب على حبّ من أحسن إليها و بغض من أساء إليها.

و قال يحيى بن خالد: إذا كرهتم الرجل من غير سوء أتاه إليكم فاحذروه و إذا أحببتم الرجل من غير خير سبق منه إليكم فارجوه.

كون المبغض معيبا

قيل لما أراد أنوشروان‏ (1) أن يصير ابنه ولي عهده استشار وزراءه فكلّ ذكر عيبا:

فقال بعضهم: إنه قصير و ذلك لا يصلح للملك. فقال أنوشروان محتجا له، إنه لا يكاد يرى إلا راكبا أو جالسا.

فقال آخر: إنّه ابن رومية، فقال: الأبناء ينسبون إلى الآباء و إنما الأمّهات أوعية.

فقال الموبذ: إنّه مبغض إلى الناس، فقال: حينئذ هذا هو العيب. فقد قيل إن من كان فيه خير و لم يكن ذلك الخير محبّة الناس له فلا خير فيه، و من كان فيه عيب و لم يكن ذلك العيب بغض الناس فيه، فلا عيب فيه.

و قال الأحنف يوما: فقير صدوق خير من غنيّ كذوب. و قال بعض مجالسيه:

و وضيع محبّب، خير من شريف مبغّض. فقال الأحنف: هذه مثل هذه.

وصف بغيض‏

قيل: فلان لا تحبّه النّاس حتى تحبّ الأرض الدم، و ذلك لأن الأرض لا تشرب الدم.

قال الشاعر اليتامي:

يا بغيضا زاد في البغض على كلّ بغيض # أنت عندي قدح اللباب في كفّ المريض‏ (2)

و قال آخر:

رمينا بأقلى من جهنّم منظرا # و أقبح آثارا من الحدثان‏ (3)

و أكره في الأبصار من طالع الردى # و أنحس آثارا من الدبران‏ (4)

و قال آخر:

و لو أن ذا فضل لجا في حرامه # لجاء نفيل في الحرام يزاحمه‏

و قد مرّ من ذلك كثير.

____________

(1) أنو شروان: كسرى أنو شروان هو ابن قباذ أحد الملوك الساسانيين (531-579 م) احتل أنطاكية و استولى على اليمن (57 م) اشتهر بعدله و إصلاحاته.

(2) اللباب: جمع لبّ و هو الجوهر، و الخالص من كلّ شي‏ء.

(3) أقلى: أبغض-الحدثان: اللّيل و النهار.

(4) الدبران: منزل للقمر يشتمل على خمسة كواكب في برج الثور، سمّي بهذا الاسم لأنه يتبع الثريّا.

35

التعريض بثقيل أو بغيض‏

كان أبو هريرة إذا رأى ثقيلا قال: اللهم اغفر له و أرحنا منه. و قال ثقيل لمريض ما تشتهي؟قال: أشتهي أن لا أراك. و قيل أن ثقيلا قال لأعمى إنّ اللّه لم يأخذ من عبد كريمتيه إلا عوضه عنهما شيئا فما الذي عوضك؟قال: أن لا أرى أمثالك و كان لابن سيرين خاتم منقوش عليه أبرمت فقم، فإذا استثقل إنسانا دفعه إليه. و قيل من ثقل عليك بنفسه و غمك بسؤاله فولّه أذنا صمّاء و عينا عمياء.

(3) و ممّا جاء في الزيارة

وصف الزيارة بأنها تغرس المحبة

في كتب الهند ثلاثة تزيد في الأنس: الزيارة و المؤاكلة و المحادثة.

ما قيل في استزارة المحبوب‏

قال بشّار:

يا رحمة اللّه حلّي في منازلنا # و جاورينا فدتك النفس من جار

و قال آخر:

و اسقط علينا كسقوط النّدى # ليلة لا ناه و لا آمر

و قال بشّار:

قد زرتنا مرّة في الدّهر واحدة # ثنّي و لا تجعليها بيضة الديك‏ (1)

و قال بعضهم: إذا رأيت أن تحدّد لي ميعادا لزيارتك أتقوّته إلى وقت زيارتك فعلت.

و كتب ابن المعتز إلى صديق له: طالت علتك أو تعاللك، و قد اشتد شوقنا إليك فعافاك اللّه من المرض في بدنك أو أخائك، فإنك إن أتيت فبارّ مشكور، و إن تأخرت عنّا فجاف غير معذور.

و قال إبراهيم الصولي: لا أعرف شعرا أحسن من قول العبّاس:

تعالي نجدّد دارس الوصل بيننا # كلانا على طول البعاد ملوم‏

و كتب الصاحب إلى أبي إسماعيل بجرجان:

يا أبا بشر تأخرت عنّا # قد أسأنا لبعد عهدك ظنّا

كم تمنيت لي صديقا صدوقا # فإذا أنت ذلك المتمنّى

____________

(1) بيضة الديك: كناية عن المستحيل الوجود أو الذي لا يكون إلا مرّة واحدة.

36

فبغصن الشباب لما تثنّى # و بعهد الصبا و إن بان عنّا

كن جوابي لكي تردّ شبابي # لا تقل للرسول كان و كنّا

المسرّة بزيارة الصاحب‏

قالوا تجشّم زائرا من بينه # فأجبتهم و النّجم بين سعودي‏ (1)

لو كان ملّكني الكرام خدودهم # لفرشت أرضا تحته بخدود

و قال ثعلب:

الفتح علقمة البكريّ خبّرنا # أنّ الوزير أبا مروان قد حضرا

فقلت للنفس هذي منية قدرت # و قد يوافق بعض المنية القدرا

و قال البحتري:

حبيب سرى في خفية و على ذعر # يجوب الدّجى حتّى التقينا على قدر

فشككت فيه من سرور و خلته # خيالا سرى في النّوم من طيفه يسري‏

و له:

فرحت حتّى استخصّني فرحي # فشبّت عين اليقين بالوهم

أمسح عيني مستثبتا نظري # أخالني نائما و لم أنم‏

و قال:

و ما زارني إلاّ ولّهت صبابة # إليه و إلا قلت أهلا و مرحبا (2)

البشارة بورود الحبيب‏

قال الخبزارزي:

و مبشّري بقدوم من أهواه # لا زال و هو مبشّر بمناه

عندي له بشرى و لو ملكته # روحي و قلبي قلّ عن بشراه‏

زيارة من لا يزورك‏

كتب بعضهم إلى آخر: كلّ جفوة منك مغفورة للثقة بك و سنأخذ بقول قيس بن الأسلت:

و يكرمها جاراتها فيزرنها # و تغفل عن إتيانهنّ فتعذر

و قال ابن الحجّاج:

و إنّي لزوّار لمن لا يزورني # إذا لم يكن في ودّه بمريب‏

____________

(1) سعود: جمع سعد، و هو نقيض النحس، سعود النجوم: كواكب عشر يقال لكلّ منها سعد.

(2) الصبابة: شدّة الشوق و الحنين إلى المحبوب.

37

و قال ابن ميّادة:

فإن هو لم يهمم بنا اليوم قادما # قدمنا عليه نحن في داره غدا (1)

الاعتذار إلى من قللت زيارته‏

لئن عاق جسمي عن لقائك مانع # فما عاق قلبي عن لقائك عائق

فإن ظهرت منّي دلائل جفوة # فما أنا إلاّ مخلص الودّ صادق‏

و قال أبو حكيمة:

فلا تنكر فدتك النفس أني # أغبّك في اللقاء و في المزار

فإنّي حيث كنت فليس ودّي # بممنوح سواك و لا معار

و قال جحظة:

فإن يك عن لقائك غاب وجهي # فلم تغب المودة و الإخاء

و لم يزل الثناء عليك يترى # بظهر الغيب يتبعه الثناء (2)

و قال الخوارزمي:

و ما بي فيك من زهد و لكن # أخفّف عنك أعباء الملال‏ (3)

و قال:

إن كنت في ترك الزيارة تاركا # حظّي فإني في الدّعاء لجاهد

و لربّما ترك الزيارة مشفق # و أنّى على غلي الضمير الحاسد (4)

اعتذر بعض الأدباء إلى أخ له في تأخره فأجابه:

إذا صحّ الضمير فكل هجر # و إعراض يكون له انقضاء

و قال:

إن محض الودّ لا يز # رى به طول تناء (5)

و انقطاع من كتاب # و تراخ من لقاء

إنما الوامق من يحمل أثقال الجفاء # و الذي تضجره الجفوة مدخول الإخاء (6)

و قال آخر:

أغيب عنك بودّ لا بغيره # نأي المحل و لا صرف من الزّمن‏ (7)

____________

(1) إذا لم يزرنا اليوم زرناه غدا.

(2) يترى: يأتي تباعا.

(3) الملال: الملل أو السأم.

(4) المشفق: الخائف-المحض: الخالص من كلّ شي‏ء-التنائي: التباعد أو التجافي.

(5) زرى زريا (فلانا) : احتقره.

(6) الوامق: المحبّ.

(7) النأي: البعد، نأى بعد بعاد-صرف الزمن: خطبه.

38

الشكوى ممّن يقلّل الزيارة

في المثل أنت كبارح الأروى قلّما يرى. قال شاعر:

و حظك لقية في كلّ عام # موافقة على ظهر الطريق

سلاما خاليا عن كلّ شي‏ء # يعود به الصديق على الصديق‏

قال أبو الجهم:

زائر يهدي إلينا # نفسه في كلّ عام‏

استقراب الطريق في زيارة الحبيب‏

و كنت إذا ما جئت سعدى أزورها # أرى الدار تطوى لي و يدنو بعيدها

و قال ابن ميادة:

تقرّب لي دار الحبيب و إن نأى # و ما دار من أبغضته بقريب‏

و قال العبّاس:

يقرّب الشّوق دارا و هي نازحة # من عالج الشوق لم يستبعد الدار (1)

و قال العبّاس:

ترى الرجل قد تسعى إلى من تحبّه # و ما الرجل إلا حيث يسعى بها القلب‏

من حثه شوقه نحو محبوبه‏

قال الموصلي:

يحثّ مطاياه تذكّركم # و ليس ينساكم إن حلّ أو سارا (2)

و قال آخر:

يعتادني طربى إليك و يعتلي # و جدي و يدعوني هواك فأتبع‏

و قال عمرو بن شاس:

إذا نحن أدلجنا و أنت أمامنا # كفى لمطايانا بذكراك حاديا (3)

و قال العباس:

لا يهتدي قلبي إلى غيركم # كأنّما سدّ عليه الطريق‏

____________

(1) نازحة: بعيدة و نائية.

(2) مطاياه: جمع مطية، الدابة التي تركب و يستوي فيه المذكّر و المؤنث.

(3) أدلجنا: سرنا في اللّيل-الحادي: سائق الإبل.

39

متابعة المحبوب‏

قال أعرابي:

و إن تدعي نجدا أدعه و من به # و إن تسكني نجدا فيا حبّذا نجد (1)

و قال المهلّبي:

إن كنت أزمعت الرحيل # فإنّ رأيي في الرحيل‏ (2)

أو كنت قاطنة أقمت # و إن منعت دنوّ سولي

كالنّجم يصحب في المسير # و لا يزور لدى النزول‏

معاتبة من ذكر شوقه‏

يا من شكا عبثا إلينا شوقه # فعل المشوق و ليس بالمشتاق

لو كنت مشتاقا إليّ تريدني # ما طبت نفسا ساعة بفراق

و حفظتني حفظ الخليل خليله # و وفيت لي بالعهد و الميثاق‏

تفضيل التزاور على التجاور

قال عمر رضي اللّه عنه: زاوروا و لا تجاوروا و قال: إدمان اللقاء سبب الجفاء. و في المثل: من يتجمّع يتقعقع، أي تقع الخصومة بين المتجاورين.

الحثّ على تقليل الزيارة و كراهة مداومتها

قال النبي صلّى اللّه عليه و سلّم: زر غبا تزدد حبا.

قال شاعر:

اغبب زيارتك الصديق # يراك كالشّي‏ء استجدّه‏ (3)

إنّ الصديق يملّ من # أن لا يزال يراك عنده‏

و قيل: قلّة الزيارة أمان من الملالة و كثرة التعاهد سبب التباعد.

قال أبو تمّام:

و طول مقام المرء في الحيّ مخلق # لديباجتيه فاغترب تتجدّد (4)

فإنّي رأيت الشمس زادت محبّة # إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد (5)

____________

(1) يقول: إن القلب لا يهوى سواكم، و أنه لا يسكن إلا حيث تسكن المحبوبة. يقيم في نجد إن أقامت و يرحل عن نجد إن رحلت، و إن همّت بالرحيل همّ به كذلك.

(2) يقول: إن القلب لا يهوى سواكم، و أنه لا يسكن إلا حيث تسكن المحبوبة. يقيم في نجد إن أقامت و يرحل عن نجد إن رحلت، و إن همّت بالرحيل همّ به كذلك.

(3) أغبب زيارتك: أي لا تكثر من الزيارة، و الإغباب الإقلال.

(4) ديباجتيه: الديباجة الوجه و الثوب، و ديباجة الكتاب: فاتحته-يقول: في الاغتراب تجدّد و على المرء أن لا يطيل في الحيّ لئلا يعتريه الخمول.

(5) ليست بسرمد: أي ليست أبديّة فهي تشرق ثم تغيب، و في هذا التحوّل تجدّد.

40

و قال آخر:

عليك باغباب الزّيارة إنّها # تكون إذا دامت إلى الهجر مسلكا

فإني رأيت الغيث يسأم دائما # و يسأل بالأيدي إذا هو أمسكا

شكوى من خفف الزيارة

قال كشاجم:

بأبي و أمّي زائر متقنّع # لم يخف ضوء الشمس تحت قناعه

لم أستتمّ عناقه لقدومه # حتى ابتدأت عناقه لوداعه

فمضى و أبقى في فؤادي حسرة # تركته موقوفا على أوجاعه‏

و قال آخر:

و زائر زار و ما زارا # كأنّه مقتبس نارا

ألمّ بالباب أخا نجوة # ما ضرّه لو دخل الدارا

نفسي فدا لك من زائر # ما حلّ حتّى قيل قد سارا

و قال ابن أبي البغل:

حبيب إذا ما زارنا قلّ لبثه # و إن هو عنّا غاب طال جفاؤه‏

و في عذر تخفيف الزيارة قال أبو العيناء: سلام معظّم، و جلوس مخفّف و انصراف متأسف.

شكاية من تأخّر عنك‏

حاذرت إذ واصلت إملالنا # فخف إذا ما غبت أن نسلو

و قال إسحاق: كنت أزور العبّاس بن الحسن فتأخرت عنه مدة مديدة فقال لي أذقتنا نفسك فلما استعذبناك لفظتنا.

و كان بعضهم يختلف إلى الأعشى فتأخّر عنه أياما فلقيه، فأنشده:

و لجّ بك الهجران حتّى كأنّما # ترى الموت في البيت الذي كنت تألف‏

قال العبّاس بن الأحنف:

من ساءل بدر الدجا # ما باله ترك الطلوعا

و قال ابن الرومي‏ (1) :

يعتلّ بالشغل عنّا ما يزاورنا # و الشغل للقلب ليس الشغل للبدن‏ (2)

____________

(1) ابن الرومي: عليّ بن العبّاس (836-896) شاعر بغداديّ من أعظم الشعراء في الدولة العباسية. ولد في بغداد من أب رومي و أمّ فارسية. أثر تراثه اليوناني في شعره. كان ضيق الأخلاق متشائما متطيرا، و قد أكثر من التغنّي بالطبيعة.

(2) يقول: إن المحبوب يتذرّع بالانشغال حتى لا يزورنا، و الانشغال في نظر الشاعر هو للقلب و ليس للبدن.

41

شكوى من قلّ الالتقاء معه‏

قال ابن سكّرة (1) :

إن أغب لم تغب و إن لم تغب غبت # كأن افتراقنا باتّفاق‏

قال الصنوبري‏ (2) :

إذا حضرنا غبت أو لم تغب # نحضر فنحن الورد و النرجس

لم يجمعا للعين في روضة # قطّ و لم يجمعهما مجلس‏

قال منصور الفقيه:

هجرت المسجد الجامـ # ـع و الهجر له ريبه

فأخبارك تأتينا # على الأعلام منصوبه‏ (3)

فإن زدت من الغيـ # بة زدناك من الغيبة (4)

زيارة من لا تحبّه‏

قالت أعرابية:

فلا تحمدوني في الزّيارة إنّني # أزوركم إن لم أجد متعلّلا

و بعث عمرو بن مسعدة إلى أبي العتاهية فاستزاره فقال:

كسّلني اليأس منك عنك فما # أرفع عيني إليك من كسلي

إنّي إذا ما الصّديق أوحشني # قطعت منه حبائل الأمل‏

و قال آخر:

يقولون زرنا و اقض واجب حقّنا # و قد أسقطت حالي حقوقهم عنّي

إذا أبصروا حالي و لم يأسفوا لها # و لم يأنفوا منها أنفت لهم منّي‏ (5)

____________

(1) ابن سكّرة: هو ابن سكرة الهاشمي. من شعراء العصر البويهي، عصر الدويلات و الإمارات. كان بارعا في فنون شتى أبرزها الغزل و المدح قال فيه صاحب اليتيمة: شاعر متسع الباع في أنواع الإبداع، فائق في قول المدح و الظرف (يتيمة الدهر: 3/3) .

(2) الصنوبري: هو أحمد بن محمد بن الحسن الضبيّ عرف بالصنوبري لذكائه و حدّة مزاجه. و الصنوبريّ من أهل أنطاكية نشأ و ربي في حلب مدح الكثير من رجالات عصره و على رأسهم سيف الدولة الحمداني.

(3) تأتينا على الأعلام منصوبة: كناية عن الذيوع و قوّة الانتشار فهي ليست نكرة و لا مهملة.

(4) الغيبة: من الغياب و الغيبة الاغتياب، و هو أن يذكر المرء بما فيه من السوء، أو يعاب. و الشاعر يعتبر غياب المحبوب موجبا لغيبته أو اغتيابه.

(5) أنف من حاله: كرهه، و من العار ترفّع عنه و تنزه.

42

و قال آخر:

إذا ما تقاطعنا و نحن ببلدة # فما فضل قرب الدار منّا على البعد

القيام للصديق الزائر

كان الأحنف مستندا إلى سارية في المسجد وحده، فأقبل بعض إخوانه فتنحّى له عن مجلسه، فقال: يا أبا بحر ما عندك من أحد و لا مجلسك ضيق فلم تنحّيت؟قال: كرهت أن تظن أني لم أهشّ لزيارتك و مجيئك فشكرت ذلك بأقرب ما حضرني من الإكرام. و قال محمد بن يزيد. حضر بعض الناس مجلس كبير فنهض له فقال له في ذلك، فقال:

لئن قمت ما في ذاك عندي غضاضة # لديّ لأني للشريف مذلّل‏ (1)

على أنه منّي لغيرك هجنة # و لكنّه مثلي لمثلك يجمل‏ (2)

و قال غيره:

فلما بصرنا به ماثلا # حللنا الحبا و ابتدرنا القياما (3)

فلا تنكرنّ قيامي له # فإنّ الكريم يجلّ الكراما

كراهة القيام‏

أقبل معاوية و عبد اللّه بن الزبير و عبد اللّه بن عامر جالسان، فقام ابن عامر و لم يقم ابن الزبير، فقال معاوية سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم يقول من أحب أن يتمثل له الرجال قياما فليتبوأ مقعده من النار، و قال صلّى اللّه عليه و سلّم: لا يقومنّ الرجل لغيره من مجلسه ثم يجلسه فيه.

و قيل: الكراهة في أن يقعد الرجل و يقيم الناس بين يديه.

____________

(1) الغضاضة: مصدر غض غضّا و غضاضة و غضاضا طرفه أو صوته أي خفضه و كفّه، و الغصن كسره و الغضاضة أيضا الذلّة و المنقصة.

(2) الهجنة: العيب و القبح.

(3) ماثلا: شاخصا للعيان-حلّ الحبا: كناية عن النهوض.

43

الحدّ الثالث عشر في الغزل و ما يتعلّق به‏

(1) ما جاء في أوصاف الهوى و أحوال العشّاق‏

ماهية العشق‏

سئل بعض الفلاسفة عن العشق فقال: جنون إلهي، لا محمود و لا مذموم. و سئل عنه آخر فقال: حركة النفس الفارغة. قال شاعر:

هل الحبّ إلا زفرة بعد زفرة # و حرّ على الأحشاء ليس له برد

و فيض دموع العين يا ميّ كلّما # بدا علم من أرضكم لم يكن يبدو

و قال بعض الصوفية: الهوى محنة امتحن اللّه بها خلقه يستدل به على طاعة خالقهم و رازقهم. و قيل لبعضهم: ما العشق؟فقال: ارتياح في الخلقة و فرح يجول في الروح و سرور ينساب في أجزاء القوى.

و قال العيني: سألت أعرابيا عن الهوى فقال: هو أظهر من أن يخفى، و أخفى من أن يرى، كامن كمون النار في الحجر، إنّ قدحته أورى و إن تركته توارى. و سئل يحيى بن معاذ عن حقيقته فقال: الذي لا يزيده البرّ و لا ينقصه الجفاء.

أحوال فروع الهوى و أنواعه‏

قال العلماء: الهوى أنواع أوّله العلاقة و هو الشي‏ء يحدثه النظر و السمع فيخطر بالبال، ثم ينمو فيقوى فيصير محبّة، و الحبّ اسم مشترك يجمع ضروبا من ميل النفس كحب الولد و المال، ثم الهوى ثم المودة ثم الصبابة ثم العشق ثم الوله و الهيام و التتيّم و هو أرفع درجات الحب لأنه التعبّد. (1)

____________

(1) يشير في هذا السياق إلى مراتب الحبّ عند العرب، و قد حرص فقهاء العربيّة على اعتبار الهوى متباين الوجوه و متعدّد الحالات قوّة و شدّة. و جاء في كتاب فقه اللغة للثعالبي قوله: أول مراتب الحبّ الهوى ثم العلاقة ثم الكلف ثم العشق ثم الشّغف فاللوعة و اللاعج، ثم الشغف ثم الجوى فالتّيم ثم التّبل و هو الحبّ المسقم و أقصى الدرجات التدليه و الهيوم و بهما ذهاب العقل من الهوى و السير على غير هدى، و يلاحظ أن الغالب الأصبهاني قد لامس بعض هذه المراتب.

44

قال شاعر:

ثلاثة أحباب فحب علاقة # و حبّ تملاق و حبّ هو القتل‏ (1)

و سئل بعض الصوفية عن الحب و الهوى فقال: الهوى يحلّ في القلب و المحبة يحلّ فيها القلب. و قيل: العشق اسم لما يفضل من المحبة، كما أن السخاء اسم لما جاوز الجود، و البخل اسم لما قصر عن الاقتصاد، و الهوج اسم لما فضل عن الشجاعة.

و قال بعض الفلاسفة: الحب و العشق و الهوى من جنس، لكن العشق اشتهار و تضرع، و الوجد هو الحب الساكن الذي إذا رأى صاحبه شغف به و إذا غاب لهج بذكره، و الهوى ما تتبعه النفس‏ (2) غيا كان أم رشدا حسنا كان أو قبيحا و لذلك ذمّه اللّه تعالى بقوله:

وَ لاََ تَتَّبِعِ اَلْهَوى‏ََ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اَللََّهِ (3) .

الأسباب المولّدة للعشق‏

زعم بعض المتفلسفين أن اللّه تعالى خلق الأرواح كلّها كهيئة كرة ثم قطعها أنصافا فجعل في كل جسد نصفا (4) . فكل جسد لقي الجسد الذي فيه نصفه حصل بينهما عشق و تفاوت حالهما في القوّة و الضعف على حسب رقة الطبائع.

و زعم بعضهم أن الصداقة على ثلاثة أنواع: إمّا لاتفاق الأرواح فيكون لاتفاق الشمس و القمر في المولّدين في برج واحد، فلا يجد أحدهما بدّا من حب صاحبه، و إمّا لمنفعة تحصل فتولد ذلك، و لهذا قال النبي صلّى اللّه عليه و سلّم: جبلت القلوب على حب من أحسن إليها، و بغض من أساء إليها و إما لألفة تجتمع مواد الحرص إليها، و لهذا قال المتنبّي:

و ما العشق إلا غرّة و طماعة # يعرّض قلب نفسه فتصاب‏

و قال الصمد المري:

و ما العشق إلا النار توقد في الحشا # و تذكى إن انضمت عليه الحوائج‏ (5)

____________

(1) الحبّ الذي هو القتل هو الذي يهلك صاحبه و في هذا قول رجل من بني عذرة عن قومه إذا أحب أحدنا هلك، إشارة إلى شدّة التعلّق و الشغف و التدلّه.

(2) غيّا: ضلالا، و خلاف الغيّ الهواية و الرشاد.

(3) القرآن الكريم: ص/26.

(4) قوله: «جعل في كل جسد نصفا» يدلّ على التأثر بالنظرة الأفلاطونية في الحبّ، فقد ذهب أفلاطون إلى أنّ الإنسان كان يعيش في عالم علويّ ثم وقع في الخطيئة فأغضب الآلهة التي طردته من عالم المثال، و هبطت به إلى عالم المادّة و شطرته إلى شطرين أو نصفين، و أن السعادة لا تتم إلا إذا تلاقى الشطران و هذه الناحية عند أفلاطون تمثل ضربا من ضروب الحبّ، و جانبا من فلسفته في هذا الباب.

(5) تذكى النار: تتأجج.

45

شدّة معاناة العشق‏

قال أعرابي: ما أشدّ جولة الرأي عند الهوى و فطام النفس عند الصبا، و لقد تصدّعت كبدي للمحبين فلوم العاذلين قرطة في آذانهم و نار مؤجّجة في أبدانهم، لهم دموع على المغاني كغروب‏ (1) السواقي.

و قيل: كلّ شهوة تخطر فمداواتها سهلة ما خلا العشق.

ما يولّده العشق من الأخلاق الحميدة

شكا معلم سعيد بن مسلمة ولده إليه، فقال: إنه مشتغل بالعشق فقال: دعه فإنه يلطف و ينظف و يظرف. و كان ذو الرئاستين‏ (2) يبعث أحداث أهله إلى شيخ يعلّمهم الحكمة، فقال لهم يوما: هل فيكم عاشق؟قالوا: لا. قال: اعشقوا و إياكم و الحرام فالعشق يفصح الفتى و يذكي و يسخي البخيل و يبعث على التنظيف و تحسين الملبس، فلما انصرفوا قال لهم ذو الرئاستين: ما استفدتم اليوم؟قالوا: كذا و كذا. قال: نعم. و إنّما أخذه ممّا روي أن بهرام جور كان له ابن أهّله للملك بعده، و كان ساقط الهمة ردي‏ء النفس سيّئ الخلق فغمّه ذلك، و وكل به من يعلّمه، فلم يكن يتعلّم. فقال معلمه: كنا نرجوه على حال فحدث منه ما أيأسنا و هو أنه عشق بنت المرزبان‏ (3) فقال: الآن رجوت فلاحه.

ثم دعا أبا الجارية فقال: إنّي مستسر إليك سرا، فلا يعدونّك‏ (4) . اعلم أنّ ابني عشق ابنتك و أريد أن أزوّجها منه فمرها بأن تطمعه من غير أن يراها فإذا استحكم طمعه فيها أعلمته أنها راغبة عنه لقلّة أدبه.

ثم قال للمعلم: خوّفه بي و شجّعه على مراسلة المرأة ففعلت المرأة ما أمرت به.

فقال الغلام في نفسه: أنا أجتهد في تحصيل ما أصل إليها به فأخذ في التأدّب و تعلم الشجاعة ثم قال أبوه للمؤدب شجّعه على أن يرفع أمرها، و يسألني أن أزوجها منه، ففعل فزوّجها من ابنه. و قال لا تزدرينّ بها في مراسلتها إليك فإني أمرتها بذلك و إنّ من صار سببا لعقلك فهو أعظم الناس بركة عليك.

قال العرجيّ‏ (5) :

تجشّم المرء هولا في الهوى كرم‏

____________

(1) الغروب: الدموع و هو أصلا عرق في العين يسقي لا ينقطع.

(2) ذو الرئاستين: هو ابن العبّاس الفضل بن سهل لأنه تقلّد الوزارة و السيف زمن المأمون.

(3) المرزبان: أي الرئيس عند الفرس.

(4) يعدونّك: أي يتجاوزك إلى سواك.

(5) العرجيّ: من شعراء الغزل المادّي في العصر الأموي، و هو منسوب إلى قرية تدعى العرج قرب الطائف و اسمه عبد اللّه بن عمر، من أهل مكة. و قد جمع بين الحبّ و الفروسية (انظر أخباره في الأغاني 1/ 383 طبعة دار الكتب) .

46

و قال آخر:

لا عار في الحبّ إن الحبّ مكرمة # لكنّه ربما أزرى بذي الخطر (1)

و قيل: لو لم يكن في العشق إلا أنه يشجع الجبان و يصفّي الأذهان و يبعث حزم العاجز لكفاه شرفا. قال شاعر:

الحبّ شجّع قلب كلّ فروقة # و الحبّ حمّل عاجزا فأطاقا (2)

ذمّ من لا يعشق و كدر حياته‏

قال أعرابي: من لا يعشق فهو ردئ التركيب جافي الطبع كزّ (3) المعاطف. كان ابن أبي مليكة يؤذّن فسمع غناء فطرب و قال:

إذا أنت لم تعشّق و لم تدر ما الهوى # فكن حجرا من يابس الصخر جلمدا

و قال:

من عاش في الدنيا بغير حبيب # فحياته فيها حياة غريب

ما تنظر العينان أحسن منظر # من طالب إلفا و من مطلوب

ما كان في حور الجنان لآدم # لو لم تكن حواء من مرغوب

قد كان في الفردوس يشكو وحشة # فيها و لم يأنس بغير حبيب‏

ذكر من عشق من الكبار

قد علم ما كان من داود عليه السلام و عشقه امرأة أوريا و التحاكم إليه و قوله تعالى:

إِنَّ هََذََا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَ تِسْعُونَ نَعْجَةً (4) الآية حتى فطن للقصة فاستغفر ربّه (الآية) . و خبر يوسف و امرأة العزيز و قوله تعالى: قَدْ شَغَفَهََا حُبًّا (5) و خبر النبي صلّى اللّه عليه و سلّم مع زينب امرأة زيد قال العبّاس بن الأحنف:

أستغفر اللّه إلاّ من محبّتكم # فإنها حسناتي يوم ألقاه

فإن زعمت بان الحبّ معصية # فالحبّ أحسن ما يعصى به اللّه‏

من قهره الهوى عن عزّه‏

كان للرشيد ثلاث جوار اشتد شغفه بهنّ فقال:

ملك الثلاث الآنسات عناني # و حللن من قلبي بكلّ مكان

مالي تطاوعني البريّة كلّها # و أطيعهنّ و هنّ في عصياني

____________

(1) أزرى به: استخفّ به و احتقره.

(2) الفروقة: الشديد الفزع للمذكر و المؤنث.

(3) الكزّ: اليابس و المنقبض، و الوجه الكزّ القبيح، يقال: كزّ اليدين أي بخيل.

(4) القرآن الكريم: ص/23.

(5) القرآن الكريم: يوسف/30.

47

ما ذاك إلا أنّ سلطان الهوى # و به قوين أعزّ من سلطاني‏

قال عروة (1) :

و كم من كريم قد أضرّ به الهوى # فعوّده ما لم يكن يتعوّد

قال كثيّر:

ضعائف يقتلن الرجال بلا دم # فيا عجبا للقاتلات الضعائف‏

و قال الخبزارزي:

و لربّ عبد في الهوى # يستعبد الحرّ المطاعا

قيل لرجل: إنّ ابنك قد عشق، فقال: عذّب قلبه و أبكى عينه و أطال سقمه قال بعض الفلاسفة: لم أر حقا أشبه بباطل من العشق، هزله جدّ و جدّه هزل، أوله لعب و آخره عطب‏ (2)

إن الهوان هو الهوى جزم اسمه # فإذا لقيت هوى لقيت هوانا

و قال آخر:

و ما كيّس في النّاس يحمد رأيه # فيوجد إلا و هو في الحبّ أحمق‏ (3)

حمد تحمّل المذلّة في الهوى‏

قال شاعر:

أن التذلّل في حكم الهوى شرف‏

و قال آخر:

لا تأنفنّ من الخضوع لذي الهوى # و اخضع لإلفك كائنا من كانا

و قيل: التذلّل للحبيب من شيم الأريب‏ (4) .

و نقشت ظريفة على خاتمها:

قصيرة من طويله # نفس المحبّ ذليله‏

قال الأصمعي: غضب الفضل بن يحيى على جارية فبعثت إلي تسألني أن أسترضيه فسألته فقال: الذنب ذنبها فقلت و كيف موقعها من قلبك أيها الأمير. قال أحسن موقع و إنما أريد بهذا الهجر تهذيبها. قلت: فاستعمل فيها وصية العبّاس بن الأحنف قال: و ما هي؟

____________

(1) عروة: أي عروة بن الورد العبسي، من شعراء الجاهلية الصعاليك مات في إحدى المعارك سنة (596 م) (انظر ترجمته في مقدّمتنا لديوان عروة-منشورات دار الأرقم) .

(2) العطب: الهلاك و الأذى.

(3) الكيّس: الظريف الفطن.

(4) الأريب: العاقل ذو البصيرة.

48

قلت:

تحمّل عظيم الذنب ممّن تحبّه # و إن كنت مظلوما فقل أنا ظالم

فإنك إن لم تغفر الذنب في الهوى # تفارق من تهوى و أنفك راغم‏ (1)

وصف الهوى بأنه جنون‏

وصف أعرابي الهوى فقال: هو طرف من الجنون، إن لم يكن عصارة السحر و عليه:

أداء عراني من جنابك أم سحر؟ (2)

و قال غيلان بن عقبة:

هو السحر إلاّ أنّ للسحر رقية # و إنّي لا ألقى من الحب راقيا

و قال ابن الرومي:

أهوى الهوى كلّ ذي لبّ فلست ترى # إلا صحيحا له أفعال مجنون‏

من شغف بقبيح ليس فيه موضع للعشق‏

تيقن من رآك تحبّ قينا # بأنّ الحبّ ضرب من جنون‏ (3)

مغالبة الهوى‏

قيل: مغالب الهوى كمغالب الدنيا. قال شاعر:

قد كنت أعلو الحبّ حينا فلم يزل # بي النقض و الإبرام حتّى علانيا

و قال آخر:

فو اللّه ما أدري أ يغلبني الهوى # إذا جدّ جدّ البين أم أنا غالبه‏ (4)

فإن أستطع أغلب فإن يغلب الهوى # فمثل الذي لاقيت يغلب صاحبه‏

استعظام المحبوب و جلالته في عين المحب‏

يستحسن في ذلك قول بعضهم:

أهابك إجلالا و ما بك قدرة # عليّ و لكن مل‏ء عين حبيبها

و قال آخر:

تمنيته حتّى إذا ما رأيته # بهتّ فلم أعمل لسانا و لا طرفا

و أطرقت إجلالا له و مهابة # و حاولت أن يخفى الذي بي فلم يخفا

____________

(1) أنفك راغم: أي و أنت مرغم و مغلوب على أمرك.

(2) عراني: أصابني و انتابني.

(3) القين: العبد، و القين الحدّاد.

(4) البين: الفراق.

49

فلو أنّني ملكت من ثغره الذي # تمكّن فيه الدرّ قبّلته ألفا (1)

وصف حبّ تمكّن في الحشا

قال كثيّر (2) :

أباحت حمىّ لم ترعه الناس قبلها # و حلّت تلاعا لم تكن قبل حلّت‏ (3)

قال العباس بن الأحنف:

لا تحسبنّي ماذقا في الهوى # إنّي على حبّك مطبوع‏ (4)

قال عبيد اللّه بن طاهر:

شققت القلب ثم ذررت فيه # هواك فليم فالتأم الفطور (5)

تغلغل حيث لم يبلغ شراب # و لا حزن و لم يبلغ سرور

قيل لأبي العتاهية: أي شعرك أعجب إليك؟قال قولي:

قال لي أحمد و لم يدر ما بي # أ تحبّ الغداة عتبة حقّا (6)

فتنفست ثم قلت: نعم حبـ # ا جرى في العروق عرقا فعرقا

قال رجل لمحبوبه: حبك متولّ على فؤادي و ذكرك سميري، فقال له محبوبه: أما أنا فلا أحب أن يقع طرفي على سواك.

قال عمر بن أبي ربيعة (7) :

فمن كان لا يعدو هواه لسانه # فقد سار في قلبي هواك و خيّما

و ليس بتزويق اللسان و صوغه # و لكنّه قد خالط اللحم و الدّما

قال المهلّبي:

و صرنا في محبّتنا حديثا # يهجّن شرحه قيسا و لبنى‏

____________

(1) الدرّ (هنا) : الأسنان الناصعة البيضاء، شبهها بالدرّ.

(2) كثيّر: هو كثير بن عبد الرحمن من الشعراء العذريين، و صاحبته عزّة و لذا عرف بكثير عزّة، كما قيل جميل بثينة و قيس ليلى.

(3) التلاع: جمع تلعة، و هي ما علا من الأرض، و حلّت تلاعا: نزلت أو أقامت بها.

(4) الماذق في الهوى: الذي لا يخلص في ودّه.

(5) ذررت في القلب هواك: نثرت بذوره و غرستها.

(6) عتبة: جارية كانت في بلاط الرشيد أحبّها أبو العتاهية و أنشد فيها أكثر شعره الغزلي.

(7) عمر بن أبي ربيعة: من شعراء مخزوم ولد يوم مات عمر بن الخطّاب، فقيل لا حقا: أي حق قد رفع و أي باطل قد وضع. و عمر بن أبي ربيعة زعيم الغزل الحضري الصريح بشهادة النقّاد في القديم و الحديث.

50

من ذكر أن قلبه ناصر محبوبه عليه‏

قال العباس بن الأحنف:

قلبي إلى ما ضرّني داعي # يكثر أسقامي و أوجاعي

كيف احتراسي من عدوّي إذا # كان عدوّي بين أضلاعي‏

أخذ ذلك من قول النبي صلّى اللّه عليه و سلّم أعدي عدوك نفيسة بين جنبيك. قال شاعر:

يوازره قلبي عليّ و ليس لي # يدان على قلبي عليه توازره‏

و قال آخر:

أقامت على قلبي رقيبا و ناظري # فليس يؤدّي عن سواها إلى قلبي‏

قتيل الهوى شهيد

روي في الخبر: من عشق فعفّ فمات، مات شهيدا.

و قال الخبزارزي:

و حبّك ما استحسنت خير مجرّب # عليك إذا لم تنتهك فيه محرّما

و قال الفتح بن خاقان:

زفرة في الهوى أحطّ لذنب # من غزاة و حجّة مبروره‏

و قال المهلّب:

أشتهي الآن أن أصلّي على نعش محبّ قد مات في الحبّ و جدا قيل: ذنوب العشّاق ذنوب اضطرار لا اختيار، و ما كان كذلك لم يستحق عقوبة.

كون قتيل الهوى هدرا

قال عبد اللّه بن جندب: خرجت فرأيت فساقا فيهن امرأة كأنها منحوتة من فضّة فتمثلت بقول قيس بن ذريح‏ (1) :

خذوا بدمي إن مت كلّ خريدة # مريضة جفن العين و الطرف فاتر (2)

فقالت المرأة: يا ابن جندب إن قتيلنا لا يودى‏ (3) و أسيرنا لا يفدى. و قال ابن عبّاس: قتيل الهوى هدر و لا عقل و لا قود. و قال أبو حية النميري:

رمين فأقصدن القلوب ما نرى # دما مائرا إلا جرى في الحيازم

____________

(1) قيس بن ذريح: من شعراء بني عذرة و صاحبته لبنى (انظر سيرته و شعره في كتابنا أناشيد الحبّ و الجمال في الشعر العربي-دار الأرقم) .

(2) الخريدة: اللؤلؤة غير المثقوبة و الخريدة (هنا) : المرأة البكر لم تمسّ قط، و الخريد المرأة الحيّية.

(3) لا يودى: لا تقبل ديته لمنزلته و زعامته و هذا يوجب الثأر لدمه.

51

و لكن لعمر اللّه ماطل مسلما # كغرّ الثنايا واضحات الملاغم‏ (1)

و إن دما لو تعلمين جنيته # على الحيّ جاني مثله غير سالم‏

قال مسلم بن الوليد:

أديرا عليّ الكأس لا تشربا قبلي # و لا تطلبا من عند قاتلتي ذحلي‏ (2)

من أمر أن يقتصّ من محبوبه‏

قال شاعر:

خليليّ إن حانت وفاتي فاطلبا # دمي من سليمى و اطلبا بجميل‏

و قال الحسين بن الضحّاك:

غزال ما اجتلاه الطرف إلاّ # تحيّر في ملاحة وجنتيه

خذوا بدمي محاسنه و خصّوا # مقبّله و برد ثنيّتيه‏ (3)

الاشفاق من أن يلحق المحبوب إثم في قتله‏

و قال أحمد بن يوسف:

و في الموت لي من لوعة الحبّ راحة # و لكنّني أخشى ندامتها بعدي‏

استطابة الأذى في معاناة الهوى‏

قال المجنون:

يقولون ليلى عذّبتك بحبّها # ألا حبّذا ذاك الحبيب المعذّب‏

و قال آخر:

تشكّى المحبوب الصبابة ليتني # تحملت ما ألقاه من بينهم وحدي

فكانت لنفسي لذة الحبّ كلّها # فلم يلقها قبلي محبّ و لا بعدي‏

و قال آخر:

دع الحبّ يصلى بالأذى من حبيبه # فكلّ أذى ممّن تحب سرور

تراب قطيع الشاملي عين ذئبها # إذا ما تلا آثارهنّ ذرور

قال المتنبّي:

سهاد أتانا منك في العين عندنا # رقاد و قلام رعى سربكم ورد (4)

____________

(1) غرّ: بيض-الثنايا: أسنان مقدّم الفم-الملاغم: جمع ملغم و هو الفم و الأنف و ما حولهما.

(2) الذحل: الثأر.

(3) خذوا بدمي: أي أثأروا لي-المقبّل: الثغر.

(4) السهاد: الأرق و عدم القدرة على النّوم-الرقاد: النوم و هو ضد السهاد-القلام (بكسر القاف) : سهم القمار-السرب: القطيع من الظباء، و هنا الجماعة.

52

و قال:

ضنى في الهوى كالسمّ في الشهد كامنا # لذذت به جهلا و في لذّتي حتف‏

و قال:

و العشق كالمعشوق يعذب قربه # للمبتلي و ينال من حوبائه‏ (1)

لو قلت للدنف الحزين فديته # ممّا به لأغرته بفدائه‏

التبرّم بالهوى‏

قال محمّد بن عبد اللّه بن طاهر:

ليت الهوى لم يكن بيني و بينكم # و ليت معرفتي إيّاك لم تكن‏

و قال البحتري:

رحلوا فأيّة عبرة لم تسكب # أسفا و أيّ عزيمة لم تغلب

لو كنت شاهدنا و ما صنع الهوى # بقلوبنا لحسدت من لم يحبب‏

التلذّذ بالهوى عند المواصلة و التبرّم به لدى المعارضة

قال الخوارزمي:

و هذا الهوى عيش المحبّ إذا صفا # و لكن إذ لم يصف كان له حتفا

و قال وهب الهمداني:

و لي بين هجران الحبيب و وصله # مصيران موت تارة و نشور (2)

التعبّد للمحبوب و تذليل النفس فيه‏

قد أجمع الأدباء على تفضيل قول أبي الشّيص:

وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي # متأخّر عنه و لا متقدّم

أجد الملامة في هواك لذيذة # حبا لذكرك فليلمني اللوم

أشبهت أعدائي فصرت أحبّهم # إذ كان حظّي منك حظّي منهم

و أهنتني فأهنت نفسي صاغرا # ما من يهون عليك ممّن يكرم‏

و يستعذب قول المتنبّي حتى ما من أديب إلا و هو يرويه و لا مغن إلا و هو يغنّيه:

يا من يعزّ علينا أن نفارقهم # وجداننا كلّ شي‏ء بعدكم عدم

____________

(1) الحوباء: النّفس، و اللفظة من الحوبة و معناها الحاجة، و النفس موضع الحاجات، و الحوباء الآثمة و هي مؤنث الأحوب.

(2) النشور: العودة إلى الحياة بعد الموت، و أراد بالنشور هنا تجدّد الحياة بعد فراق الأحبّة الذي اعتبره بمثابة الموت.

53

إن كان سرّكم ما قال حاسدنا # فما لجرح إذا أرضاكم ألم‏

المتبرّم بمحبوبه عمّن عداه و المتبرم عند فقده بسواه‏

قال إبراهيم بن العباس:

و أنت هوى النفس من بينهم # و أنت الحبيب و أنت المطاع

و مالي إن بعدوا وحشة # و لا معهم إن بعدت اجتماع‏

قال أبو فراس:

فيا ليت ما بيني و بينك عامر # و بيني و بين العالمين خراب

و ليتك تحلو و الحياة مريرة # و ليتك ترضى و الأنام غضاب‏

و قال آخر:

و كنت إذا داري بطيبك أسعفت # رضيت على الدنيا فما أستزيدها (1)

قال الماهر:

النّاس أنت فأين عنك معرجي # و الأنس فيك فأين عنك أيمّم‏

و قال آخر:

فكلّ حياة مع سواك منيّة # و كلّ ضحىّ في أرض غيرك غيهب‏ (2)

قالت أعرابية:

فما أحسن الدنيا و عندي خالد # و أقبحها لما تجهّز غازيا

و قال رجل لامرأة: قد أخذت بمجامع قلبي‏ (3) فلست استحسن سواك. فقالت: إن لي أختا هي أحسن منّي و ها هي خلفي، فالتفت الرجل فقالت: يا كذّاب تدّعي هوانا و فيك فضل لسوانا.

الاستغناء بالحبيب عن كلّ خير و طيب‏

قال بعضهم:

و لو جاوزتنا لعام آخر لم نبل # على جدبنا أن لا يصوب ربيع‏ (4)

و قال كشاجم:

ما أرتجي بالرياض فيك غنىّ # عنهنّ لي منظر و حسن غنا

____________

(1) فما أستزيدها: أي لا أطلب المزيد.

(2) المعرج: العدول-أيمّم: أقصد و أتوجّه.

(3) الغيهب: الظلام الشديد، و الليل الشديد السواد.

(4) لم نبل: أي لم نأبه أو نكترث-الجدب: القحل-يصوّب: من صوّب الماء صبه و المقصود تصويب مطر الربيع الباعث على الخصب.

54

أدير طرفي فلا أرى حسنا # إلا أرى فيك ذلك الحسنا

إجابة الهوى إذا دعا

قال بعض بني أسد:

إذا أمرتك النفس أن تتّبع الهوى # فقل: سامع للأمر منك سميع‏

و هذا خلاف قول الآخر:

إذا أنت لم تعص الهوى قادك الهوى # إلى بعض ما فيه عليك مقال‏

و لهذا باب في أول الكتاب، و لثوبة:

و لو أنّ ليلى الأخيلية سلّمت # عليّ و دوني جندل و صفائح‏ (1)

لسلمت تسليم البشاشة أو زقا # إليها صدى من جانب القبر صائح‏

فيقال: لما مات ثوبة و مضى على ذلك زمان و تزوجت ليلى مرّت مع زوجها يوما بقبر ثوبة فقال: أ لا تسلمين عليه لننظر هل صدق في قوله و لو أن ليلى (البيتين) . فسلمت عليه فندّت هامة (2) من ناحية قبره و صرخت، فنفر جملها و سقطت فاندقّ عنقها فماتت فدفنت بجانبه.

جهل المحب بمقابح محبوبه‏

قال النبي صلّى اللّه عليه و سلّم: حبّك الشّي‏ء يعمي و يصمّ، أي يعمي عن الرشد و يصمّ عن سماع المواعظ على ذلك قال معاوية: لو لا يزيد لأبصرت رشدي. قال شاعر:

يا عتب ما أنا عن فعالك بي # أعمى و لكنّ الهوى أعمى‏

و قال آخر:

و عين الرضا عن كل عيب كليلة # كما أنّ عين السخط تبدي المساويا (3)

قال المتنبّي:

و يقبح من سواك الفعل عندي # و تفعله فيحسن منك ذاكا

قال علي بن عبد اللّه بن جعفر:

و لائم لام فيه # يبغى بذلك شيني‏ (4)

____________

(1) ليلى الأخيليّة: شاعرة عربية من بني عقيل (انظر جانبا من سيرتها في تقديمنا لديوانها-منشورات دار الأرقم) .

(2) الهامة (هنا) : طائر كالبوم يألف القبور و الأماكن الخربة و يقال له الصدى، يقال: فلان صار هامة أى مات، و الهامة طائر خرافيّ اعتقد الأقدمون أنه يخرج من رأس الميت قائلا: اسقوني، أي من دم القتيل الذي مات دون أن يؤخذ بثأره.

(3) عين كليلة: أي لا تبصر-يقول: إن رضى النفس عن شخص أو شي‏ء يجعل العين تعمى عن رؤية العيوب، بخلاف عين الساخط و الغاضب فهي لا ترى إلا المساوئ.

(4) الشين: العيب، العار.