البيان و التبيين - ج1

- عمرو بن بحر الجاحظ المزيد...
321 /
5

الجزء الاول‏

مقدمة عامة

كتاب البيان و التبيين من أضخم مؤلفات الجاحظ، و هو يلي كتاب الحيوان من حيث الحجم و يربو على سائر كتبه. و إذا كان كتاب الحيوان يعالج موضوعا علميا فإن كتاب البيان و التبيين ينصب على معالجة موضوع أدبي. و لكن الجاحظ في هذين الكتابين، شأنه في جميع كتبه، ينحو منحى فلسفيا. فهو لا يقتصر في كتاب الحيوان على أخبار الحيوانات و خصالها و طباعها، بل يتطرق إلى موضوعات فلسفية كالكمون و التولد، و الجواهر و الأعراض، و الجزء الذي لا يتجزأ، و المجوسية و الدهرية الخ. و في كتاب البيان و التبيين لا يكتفي بعرض منتخبات أدبية من خطب و رسائل و أحاديث و أشعار، بل يحاول وضع أسس علم البيان و فلسفة اللغة.

إن إبراز هذه الناحية الفلسفية في آثار الجاحظ هو الذي حداني على تأليف كتاب «المناحي الفلسفية عند الجاحظ» ، و إعادة النظر في رسائله العديدة و إخراجها في طبعة جديدة تضمها جميعا، و تمتاز بتبويب دقيق و مقدمات و شروحات وافية. و هو الذي يحفزني الآن على إعادة طبع كتاب البيان و التبيين. لقد طبع هذا الأثر الثمين مرارا، و خير تلك الطبعات تم على يدي‏

6

حسن السندوبي، و عبد السلام هارون. و قد بذلا مشكورين جهدا في التحقيق و الشرح و الفهرسة. و لكنهما أغفلا ناحيتين هما المنحى الفلسفي و التبويب. أما المنحى الفلسفي فسأعالجه في المقدمة و الشرح. و أما التبويب فأعني به تجزئة الكتاب و وضع عناوين لموضوعاته و فقره. إن العناوين التي نلفيها في الطبعات السابقة قاصرة، و لا تنطبق في معظمها على الموضوعات التي يدور حولها الكلام، و هي على الأرجح من وضع النساخ الذين قبسوها من بداية الفقر.

و أما تجزئة الكتاب فلم يقطع بها بشكل نهائي و منطقي. لقد قسمه السندوبي ثلاثة أجزاء، و قسمه عبد السلام هارون أربعة و ترجح بين تقسيم المؤلف، و تقسيم المصنف، و يعنى به الناسخ أحمد بن سلامة بن سالم المعري، الذي فرغ من عمله سنة ثلاث و ثمانين و ستمائة هجرية، فأثبت الاثنين معا: فالجزء الثاني ذو بدايتين، بداية أولى حسب تجزئة المؤلف أي الجاحظ، و بداية ثانية حسب تجزئة المصنف، و بينهما 207 صفحات فقط. أما الجزء الثالث فقد اتفق المؤلف و المصنف و المحقق في بدايته و لكن المحقق انفرد عنهما بأن اجتزأ نحو مائة صفحة من آخره و جعلها جزءا رابعا مع الفهارس.

و الواقع أن الجاحظ جعل الكتاب في ثلاثة أجزاء، و الدليل على ذلك أنه ابتدأ كلا من الجزء الثاني و الثالث بعبارة تعلن بدايته و انتهاء سابقه. فالجزء الثاني يبدأ بالعبارة التالية: «أردنا أبقاك اللّه أن نبتدئ صدر هذا الجزء الثاني من البيان و التبيين بالرد على الشعوبية في طعنهم على خطباء العرب و ملوكهم... » .

و في مطلع الجزء الثالث نلفي العبارة التالية المماثلة: «هذا أبقاك اللّه الجزء الثالث من القول في البيان و التبيين... » . و لقد اعتمدنا على هذا الدليل الواضح و التزمنا بتجزئة المؤلف و قسمنا الكتاب ثلاثة أجزاء.

و يعني الجاحظ بالبيان الدلالة على المعنى، و بالتبيين الإيضاح. و قد عرف الكتاب خير تعريف بقوله الوارد في مطلع الجزء الثالث: «هذا أبقاك اللّه‏

7

الجزء الثالث من القول في البيان و التبيين، و ما شابه ذلك من غرر الأحاديث، و شاكله من عيون الخطب، و من الفقر المستحسنة، و النتف المستخرجة، و المقطعات المتخيرة، و بعض ما يجوز في ذلك من أشعار المذاكرة و الجوابات المنتخبة» .

و هكذا نلفي في كل جزء من أجزاء الكتاب الثلاثة بحثا في البيان و التبيين، و مجموعات من الأحاديث و الخطب و المقطعات و الجوابات و الأشعار.

و لقد التزم الجاحظ هذا التصميم و قصد إليه قصدا ليجنب القارئ الملل أو السأم بتنويع الموضوعات. و قد عبّر عن ذلك بقوله: «وجه التدبير في الكتاب إذا طال أن يداوي مؤلفه نشاط القارئ له، و يسوقه إلى حظه بالاحتيال له، فمن ذلك أن يخرجه من شي‏ء إلى شي‏ء و من باب إلى باب، بعد أن لا يخرجه من ذلك الفن، و من جمهور ذلك العلم» (1) .

بهذا برر الجاحظ طرقه الموضوعات ذاتها في كل جزء من أجزاء الكتاب. فموضوع علم البيان و فلسفة اللغة توزع على الأجزاء الثلاثة: في الجزء الأول تحدث عن مفهوم البيان و أنواعه، و آفات اللسان، و البلاغة و الفصاحة. و في الجزء الثاني تحدث عن الخطابة و طبقات الشعراء. و في الجزء الثالث تكلم على أصل اللغة و قيمة الشعر. و في كل جزء من الأجزاء الثلاثة أورد أبو عثمان منتخبات من كلام الأبيناء، خطبا و مقطعات و أحاديث و رسائل و أشعارا، نسبها إلى مختلف طبقات الناس: عقلاء و حمقى، نساك و متهتكين، أعراب و متحضرين، رؤساء و سوقة. و إذا سئل الجاحظ: لم لم تجمع كلامك على البيان و فلسفة اللغة في مكان واحد من الكتاب؟و لم لم تضم أخبار الزهاد و النساك و أقوالهم في باب واحد و لم وزعت أخبار النوكى و أقوالهم على الأجزاء الثلاثة، و لم عدت إلى الكلام على الخطابة و الخطباء مرارا و بعثرت خطبهم هنا و هناك الخ ردد صاحبنا الجواب ذاته و اعتل بالعلة ذاتها.

____________

(1) الجاحظ، البيان و التبيين، ج 3 ص 64، (طبعة دار الفكر للجميع، بيروت، 1968) .

8

ألّف الجاحظ كتاب البيان و التبيين (القسم الأول منه) في الفترة التي اتصل فيها بالقاضي أحمد بن أبي دؤاد المعتزلي النزعة (بعد 232 هـ) و نال عليه جائزة سنية تبلغ خمسة آلاف دينار، و أتمه بعد انتقاله إلى البصرة عند ما طعن في السن‏ (1) . و قد شرع بتأليفه بعد كتاب الحيوان كما يتضح من كلام الجاحظ ذاته حيث يقول: «كانت العادة في كتاب الحيوان أن أجعل في كل مصحف من مصاحفه عشر و رقات من مقطعات الأعراب و نوادر الأشعار لما ذكرت عجبك بذلك فأحببت أن يكون حظ هذا الكتاب من ذلك أوفر إن شاء اللّه» (2) .

و يلاحظ أن الجاحظ تناول موضوع البيان في مقدمة الحيوان و الجزء الأول من البيان و التبيين مرددا الأفكار ذاتها، و إذا كانت مقدمة «الحيوان» كتبت بعد الفراغ من تأليفه فهل يعني ذلك أنه طرق الموضوع على عجل في مقدمة «الحيوان» ثم استأنف التوسع فيه في «البيان و التبيين» ؟.

مهما كان من أمر فقد جاء كتاب البيان و التبيين استجابة لاهتمام العرب في ذلك العصر بصناعة الكلام لأن الكلام هو الوسيلة المثلى لنشر المبادئ السياسية و العقائد الدينية في زمن كثرت المذاهب و اشتد الصراع بين زعمائها و احتدم الجدل بين أنصارها. فمست الحاجة إلى التمرس بالخطابة و المناظرة و إلى وضع أصول لها تتعلم أو يرجع إليها. و قد أشار الجاحظ إلى النشاط الذي بدأ يبذل في تعليم أسس الخطابة حيث يقول: «مرّ بشر بن المعتمر بإبراهيم بن جبلة بن مخرمة السكوني الخطيب، و هو يعلم فتيانهم الخطابة، فوقف بشر، فظن إبراهيم أنه إنما وقف ليستفيد أو ليكون رجلا في النظارة، فقال بشر:

اضربوا عما قال صفحا و اطووا عنه كشحا، ثم دفع إليهم صحيفة من تحبيره و تنميقه» (3) . كما أشار إلى حاجة المتكلم الماسة إلى البيان لأنه مضطر

____________

(1) ياقوت الحموي، معجم الادباء، ج 16، 79-80.

(2) الجاحظ، البيان و التبيين، ج 3، ص 14-.

(3) المصدر ذاته، ج 1، ص 94-95

9

للاحتجاج على أرباب النحل و زعماء الملل و أنه لا بد له من مقارعة الأبطال و من الخطب الطوال‏ (1) .

و قد يخطر على الذهن افتراض آخر و هو محاكاة الجاحظ أرسطو في معالجة هذا الموضوع. لقد بحث أرسطو في الحيوان فجاء الجاحظ يطرق الموضوع ذاته، و بحث أرسطو في الخطابة و في الشعر، فهل أراد الجاحظ معارضته في هذا المضمار أيضا؟من الثابت أن كلا الرجلين بحثا الموضوع ذاته، و لكن الخلاف بينهما في الآراء و المنهج كبير. و لم يكن الجاحظ من المعجبين بأرسطو، و قد انتقده مرارا في كتاب الحيوان و في كتاب الحيوان و في كتاب البيان و التبيين. لنسمعه يقول عن أرسطو: «و لليونان فلسفة و صناعة منطق، و كان صاحب المنطق نفسه بكي‏ء اللسان غير موصوف بالبيان مع علمه بتمييز الكلام و تفصيله و معانيه و بخصائصه... » . أضف إلى ذلك أنه لم يذكر أنه اطلع على كتاب الخطابة لأرسطو أو على كتاب الشعر، بينما ذكر كتاب الحيوان لأرسطو مرارا عديدة.

لقد تكلم الجاحظ على صفات الخطيب مثل أرسطو و لكنه اهتم على عكس أرسطو بظاهره و لم يحفل بباطنه و أخلاقه. و رأى أن أهم صفات الخطيب جهارة الصوت وسعة الفم و رباطة الجأش و سكون الجوارح و قلة اللحظ، و أبشع عيوبه العي أو الحصر ثم اللثغة و اللحن و اللكنة و التشديق و التقعيب و التزيد.

و تحدث على غرار أرسطو عن أنواع الخطب و لكنه لم يتعمق في ذلك كأرسطو و اكتفى بذكر بعضها دون توقف مثل خطبة المحافل، و خطبة النكاح، و خطبة الوعظ.

و بحث في بناء الخطبة كأرسطو، و لكنه اقتصر على الناحية الفنية و لم يحفل بالناحية الفكرية. فلاحظ أن الخطبة تكون طويلة أو قصيرة، و تبدأ بالتحميد و التمجيد و إلا عدت بتراء، و توشح بآي القرآن و إلا سميت شوهاء.

____________

(1) المصدر ذاته، ج 1، ص 14.

10

و أسهب في الكلام على شرط البلاغة في الخطبة و هي تعني إبلاغ المعنى إلى السامع بكلام واضح فصيح موافق لمقتضى الحال.

بيد أن الجاحظ طرق ناحية لم يحفل بها أرسطو هي الموازنة بين الموهبة الخطابية عند مختلف الأمم. و قد رأى أن العرب أخطب الأمم قاطبة لحضور بديهتهم و زرابة لسانهم و فطرتهم المطبوعة.

و تنبه إلى مكانة الخطيب الخطيرة التي بدأت ترتفع منذ العصر الأموي بينما أخذت مكانة الشاعر تنحط. و عزا سبب ذلك إلى اتخاذ الشعر مطية للتكسب و إلى تعاظم شأن الخطابة للحاجة إليها و لمعالجتها أمورا سياسية و دينية خطيرة. و أوضح رأيه بقوله: «كان الشاعر في الجاهلية يقدم على الخطيب لفرط حاجتهم إلى الشعر الذي يقيد عليهم مآثرهم و يضخم شأنهم و يهول على عدوهم و من غزاهم، و يهيب في فرسانهم و يخوف من كثرة عددهم و يهابهم شاعر غيرهم فيراقب شاعرهم. فلما كثر الشعر و الشعراء و اتخذوا الشعر مكسبة و رحلوا إلى السوقة و تسرعوا إلى أعراض الناس صار الخطيب عندهم فوق الشاعر... » (1) .

و ثمة سبب آخر دعا المتكلمين إلى الاهتمام بعلم البيان و اللغة العربية لأن اللغة العربية لغة القرآن الذي ينطوي على الوحي و الشريعة و عليه مدار أبحاثهم، و على قدر تضلعهم منها يكون إدراكهم لمعاني القرآن و تمكنهم من تأويل آياته و قد عبر الجاحظ عن هذه الناحية بقوله: «فللعرب أمثال و انتقادات و أبنية، و موضع كلام يدل عندهم على معانيهم و إرادتهم. و لتلك الألفاظ مواضع أخر و لها حينئذ دلالات أخر. فمن لم يعرفها جهل تأويل الكتاب و السنة و الشاهد و المثل، فإذا نظر في الكلام و في ضروب من العلم و ليس هو من أهل هذا الشأن هلك و أهلك» (2) .

____________

(1) الجاحظ، البيان و التبيين، ج 1 ص 164.

(2) الجاحظ، الحيوان، ج 1، ص 153.

11

و نستطيع إضافة سبب آخر حمل الجاحظ على وضع «البيان و التبيين» هو الرد على الشعوبية التي طعنت في بلاغة العرب و موهبتهم الخطابية. و قد كرس لهذه الغاية قسما لا بأس به من الكتاب (باب العصا في الجزء الثالث) .

و يمكننا القول إن كتاب البيان و التبيين أقدم و أهم محاولة لدراسة علم البيان و فلسفة اللغة. و يعتبر الجاحظ رائدا في هذا المضمار لمن جاء بعده أمثال ابن فارس و ابن جني و السيوطي. و قد سبق فرديناد دي‏سوسر إلى القول بأن فقه اللغة يجب أن يكون فرعا من علم أوسع يشتمل على مختلف أنواع الدلالات سماه الجاحظ علم البيان حيث يقول: «و البيان اسم جامع لكل شي‏ء كشف لك قناع المعنى، و هتك الحجاب دون الضمير، حتى يفضي السامع إلى حقيقته و يهجم على محصوله، كائنا ما كان ذلك البيان، و من أي جنس كان الدليل، لأن مدار الأمر و الغاية التي يجري القائل و السامع إنما هو الفهم و الإفهام. فبأي شي‏ء بلغت الأفهام و أوضحت عن المعنى، فذلك هو البيان في ذلك الموضع» (1) .

و قد حصر الجاحظ أنواع البيان بخمسة لا تزيد و لا تنقص هي اللفظ و الإشارة و العقد و الخط و الحال.

و هو يعتبر الإشارة بالجوارح كاليد و الطرف و الحاجب مرفقا كبيرا يعين الناس في أمور يحاولون سترها عن البعض دون البعض. و لولاها لم يستطيعوا التفاهم في معنى خاص الخاص‏ (2) .

أما الخط أو الكتابة فهو وسيلة التبيين في الكتب، و نقل المعرفة عبر الزمان و المكان، و لولاه لاندثر العلم. و من ثم كانت أهمية الكتب و أفضليتها لأن الكتاب يدرس في كل زمان و مكان بينما لا يعدو اللسان سامعه‏ (3) .

____________

(1) الجاحظ، البيان و التبيين، ج 1، ص 55.

(2) المصدر ذاته، ص 57.

(3) المصدر ذاته، ص 58.

12

و لا يقل الحساب أهمية عن الخط، و به تعرف منازل القمر و الشمس و النجوم و عدد السنين و الأيام الخ.

أما النصبة فهي الحال الناطقة بغير اللفظ و المشيرة بغير اليد. و ذلك ظاهر في خلق السماوات و الأرض، و في كل صامت و ناطق و جامد و نام و مقيم و ظاعن و زائد و ناقص. فالدلالة التي في الموات الجامد كالدلالة التي في الحيوان الناطق، فالصامت ناطق من جهة الدلالة، و العجماء معربة من جهة البرهان» (1) .

بقي اللفظ، أهم وسائل البيان، و قد تحدث عنه الجاحظ بإسهاب و درسه دراسة عميقة شاملة.

و قوام اللفظ الصوت، فكل لفظة تتألف من مجموعة مقاطع، و كل مقطع يتألف من مجموعة حروف، و كل حرف عبارة عن صوت. و الصوت ينتج عن حركات اللسان في الفم. يقول الجاحظ موضحا ذلك: «و الصوت هو آلة اللفظ و الجوهر الذي يقوم به التقطيع و به يوجد التأليف، و لن تكون حركات اللسان لفظا و لا كلاما موزونا أو منشورا إلا بظهور الصوت، و لا تكون الحروف كلاما إلا بالتقطيع و التأليف» (2) .

و يعتني الجاحظ بملاحظة العلل التي تعتري البيان و أهمها الحبسة و اللثغة و اللكنة و اللحن.

و الحبسة عقدة تصيب اللسان فلا يستطيع المرء النطق بسهولة، و يثقل عليه الكلام، فينتج عن ذلك عدم القدرة على التعبير جيدا عن أفكاره و إفهام الآخرين. و كان موسى يعاني من هذه العقدة فسأل اللّه حين بعثه إلى فرعون بإبلاغ رسالته أن يحل تلك العقدة التي كانت في لسانه أو الحبسة التي كانت في بيانه‏ (3) .

____________

(1) المصدر ذاته، ص 59.

(2) المصدر ذاته، ص 58.

(3) الجاحظ، البيان و التبيين، ج 1، ص 8.

13

أما اللثغة فأكثر شيوعا و أقبح مظهرا، و تقوم بإبدال حرف بحرف آخر، و قد أحصى الجاحظ الحروف التي تدخلها اللثغة فوجدها أربعة هي القاف و السين و اللام و الراء. فاللثغة التي تعرض للقاف يجعل صاحبها القاف طاء فيقول طلت بدل قلت. و اللثغة التي تعرض للسين يجعل صاحبها السين ثاء، فيقول: أبو يكثوم بدل أبي يكسوم، و يقول بثم اللّه بدل باسم اللّه. أما اللثغة التي تقع في اللام، فيجعل بعض أصحابها اللام ياء و يقول اعتييت بدل اعتللت، و جمي بدل جمل. و يجعل بعضهم الآخر اللام كافا فيقول مكعكة في هذا بدل ما العلة في هذا. و أما اللثغة التي تقع في الراء فتتم بأربعة أحرف هي الياء و الغين و الذال و الطاء. و يقول أصحابها عمي بدل عمرو، أو يقول عمغ بدل عمرو، أو يقول مذة بدل مرة، أو يقول مظة بدل مرة (1) .

و اللكنة هي إدخال حروف العجم في حروف العرب. و هي علة تقع للأعاجم الذين يتكلمون العربية. فالنبطي الذي نشأ في سواد الكوفة مثلا قد يتكلم العربية المعروفة و يتخير ألفاظه و تجود معانيه، و مع ذلك يعلم السامع لكلامه و مخارج حروفه أنه نبطي، و كذلك الخراساني و الأهوازي. و السندي الذي تعلم العربية كبيرا يجعل الجيم زايا، و النبطي يجعل الزاي سينا فيقول سورق بدل زورق، و يجعل العين همزة. و هذه اللثغة التي تعتري الأعاجم تختلف عن اللثغة التي تعتري الصبيان أو الشيوخ و من ينشأ من العرب مع العجم. و أهم مظاهر هذه اللكنة أبدل السين شيئا و الطاء تاء و الحاء هاء. «قال فيل مولى زياد لسيده مرة «اهدوا لنا همار وهش» يريد حمار وحش، فقال زياد: ما تقول ويلك!قال: اهدوا إلينا أيرا، يريد عيرا، فقال زياد: الأول أهون، و فهم ما أراد» (2) .

و من علل اللسان التمتمة و الفأفأة و اللفف و اللجلجة و الحكلة. و التمتام هو الذي يتعتع في التاء، و الفأفاء هو الذي يتعتع في الفاء، و الألف هو الذي

____________

(1) المصدر ذاته، ج 1، ص 28-30.

(2) المصدر ذاته، ج 1، ص 51-54.

14

يدخل بعض كلامه في بعض، و اللجلاج هو الذي يبطئ في كلامه و ينقص منه. و ذو الحكلة هو الذي لا يبين كلامه و يعجز عن اللفظ حتى لا تعرف معانيه إلا بالاستدلال‏ (1) .

أما اللحن فهو الخطأ في تحريك حروف الكلمة من ضم و كسر و فتح و سكون. و قد شاع اللحن في العصر العباسي بسبب اختلاط العرب بغيرهم من الشعوب الأعجمية التي أرادت أن تتكلم العربية فلم تستطع المحافظة على سلامتها من الخطأ في اللفظ و الحركات. و قد أورد الجاحظ أمثلة كثيرة على هذه الظاهرة اللغوية. يقول: «قال بشر بن مروان، و عنده عمر بن عبد العزيز لغلام له: ادع لي صالحا. فقال الغلام: يا صالحا. فقال له بشر: الق منها ألف. قال له عمر: و أنت فزد في الفك ألفا» (2) .

و لم يقتصر اللحن على الأعاجم الذين تكلموا العربية و لا على المدن التي كثر فيها الاختلاط بين العرب و الأعاجم، بل فشا بين العرب الأقحاح و بين أهل الأمصار التي تعتبر معقل العربية مثل المدينة «ثم اعلم أن أقبح اللحن لحن أصحاب التقعير و التقعيب و التشديق و التمطيط و الجهورة و التفخيم، و أقبح من ذلك لحن الأعاريب النازلين على طرق السابلة، و بقرب مجامع الأسواق.

و لأهل المدينة ألسن ذلقة، و ألفاظ حسنة و عبارة جيدة، و اللحن في عوامهم فاش، و على من لم ينظر في النحو منهم غالب» (3) .

لم يكتف الجاحظ بملاحظة وجوه الخطأ التي تقع في اللفظ بل راح يبحث، بفضوله العلمي، عن علاقتها باللسان و الأسنان و التنفس و الشفاه التي تشترك في إخراج الحروف معتمدا على السماع و الملاحظة و التجربة.

فالشفة الفلحاء أو العلماء تؤثر في حسن التلفظ، يقول الجاحظ مشيرا إلى ذلك «و قال عمر بن الخطاب رحمه اللّه في سهيل بن عمرو الخطيب: يا

____________

(1) المصدر ذاته، ج 1، ص 31-32.

(2) الجاحظ، البيان و التبيين، ج ذاته، ص 167.

(3) المصدر ذاته، ج 1، ص 102.

15

رسول اللّه، انزع ثنيتيه السفليين حتى يدلع لسانه، فلا يقوم عليك خطيبا أبدا، و إنما قال ذلك لأن سهيلا كان أعلم من شفته السفلى» (1) .

و أثر الأسنان في البيان أوضح و أقوى، فسقوط بعض الثنايا يشوه اللفظ و خير من سقوطها جميعا إذا استحال وجودها جميعا. و تدل الملاحظة و التجربة «على أن سقوط جميع الأسنان أصلح في الإبانة عن الحروف، منه إذا سقط أكثرها، و خالف أحد شطريها الشطر الآخر، و قد رأينا تصديق ذلك في أفواه قوم شاهدهم الناس بعد أن سقطت جميع أسنانهم و بعد أن بقي منها الثلث أو الربع» (2) .

أما اللسان فهو آلة الكلام الرئيسية، و كلما كان سليما جاء اللفظ صحيحا، و كلما ازداد حجمه بحيث يصك جوانب الفم و يملأه لم يترك خلاء لمرور الهواء كان أوفى بالغاية. و في هذا الرأي يوافق الجاحظ الفيلسوف اليوناني أرسطو، و يطبق ذلك على الإنسان و الحيوان. يقول الجاحظ: «و قال أهل التجربة، إذا كانت في اللحم الذي في مغارز الأسنان تشمير و قصر سمك ذهبت الحروف و فسد البيان، و إذا وجد اللسان من جميع جهاته شيئا يقرعه و يصكه، و لم يمر في هواء واسع المجال و كان لسانه يملأ جوبة فمه، لم يضره سقوط أسنانه إلا بالمقدار المغتفر، و الجزء المحتمل. و يؤكد ذلك قول صاحب المنطق، فإنه زعم في كتاب الحيوان أن الطائر و السبع و البهيمة كلما كان لسان الواحد منها أعرض كان أفصح و أبين و أحكى لما يلقن و لما يسمع كنحو الببغاء و الغداف و غراب البين و ما أشبه ذلك... » (3) .

و يقسم الجاحظ اللفظ إلى طبقات كما ينقسم الناس أنفسهم إلى طبقات فمنه الجذل و السخيف، و منه المليح و الحسن، و منه القبيح و السمج،

____________

(1) المصدر ذاته، ج 1، ص 44.

(2) المصدر ذاته، ج 1، ص 46.

(3) المصدر ذاته، ج 1، ص 46-47.

16

و الخفيف و الثقيل. و من حيث الفصاحة يوجد ثلاث مراتب: الغريب الوحشي، و الفصيح، و السوقي المبتذل. و خيرها اللفظ الفصيح الذي يقع وسطا بين الغريب الوحشي و السوقي المبتذل «و كما لا ينبغي أن يكون اللفظ عاميا و ساقطا سوقيا، فكذلك لا ينبغي أن يكون غريبا وحشيا إلا أن يكون المتكلم بدويا أعرابيا، فإن الوحشي من المتكلم يفهمه الوحشي من الناس كما يفهم السوقي رطانة السوقي... » (1) .

و من صفات اللفظ الفصيح توافق الحروف ضمن الكلمة الواحدة. و قد لاحظ أبو عثمان أن في العربية حروفا لا تجتمع، فالجيم لا تقارن الطاء و لا القاف و لا الغين في تقديم أو تأخير، و الزاي لا تقارن الطاء أو السين أو الضاد أو الدال بتقديم أو تأخير (2) .

و تقتضي الفصاحة أيضا عدم تنافر الكلمات ضمن الجملة الواحدة. و إذا تنافرت الألفاظ صعب النطق بها و بدت غير متلائمة و غير متوافقة. من ذلك قول الشاعر:

و قبر حرب بمكان قفر # و ليس قرب قبر حرب قبر

و قد ظن البعض لجهلهم بعلم البلاغة أن هذا البيت من أشعار الجن لأن المرء لا يستطيع إنشاده ثلاث مرات في نسق واحد دون أن يتعتع أو يتلجلج‏ (3) .

و مقياس الفصاحة في نظر الجاحظ القرآن و كلام الأعراب، إذ فيهما تحققت الفصاحة بأعلى مستوياتها، فاعتبرا المثال الأعلى للكلام الفصيح.

فكل كلام أشبههما عدّ فصيحا، و كل كلام اختلف عنهما نأى عن الفصاحة.

يقول الجاحظ مشيرا إلى ذلك: «قال أهل مكة لمحمد بن مناذر الشاعر:

____________

(1) المصدر ذاته، ج 1، ص 100-101.

(2) المصدر ذاته، ج 1، ص 51.

(3) المصدر ذاته، ج 1، ص 48-49.

17

ليست الفصاحة لكم معاشر أهل البصرة لغة فصيحة، إنما الفصاحة لنا أهل مكة. قال ابن مناذر: أما ألفاظنا فأحكى الألفاظ للقرآن و أكثرها له موافقة، فضعوا القرآن بعد هذا حيث شئتم» (1) و يفهم من هذا أن الحكم في الخلاف بين فصاحة لغة أهل مكة و البصرة إنما هو القرآن. و كذلك الحال بالنسبة إلى لغة أهل البادية التي اعتبرت مرجعا في الفصاحة «و شأن عبد قيس عجب، و ذلك أنهم بعد محاربة إياد تفرقوا فرقتين: ففرقة وقعت في عثمان و شق عمان، و هم خطباء العرب، و فرقة وقعت إلى البحرين و شق البحرين و هم أشعر قبيل العرب، و لم يكونوا كذلك حين كانوا في سرة البادية و في معدن الفصاحة.

و هذا عجب» (2) .

بعد دراسة اللفظ المفرد نصل مع الجاحظ إلى اللفظ المركب، و نلج باب البلاغة و قد استعرض صاحبنا مختلف التعريفات التي أعطيت للبلاغة، و قارن بين مفاهيمها عند الفرس و الهنود و اليونان و العرب. و في ذلك دليل على شمول ثقافته و بعد نظرته. و قد استقى مفهوم البلاغة عند الفرس من معاصره الفارسي الأصل سهل بن هارون، و استقى مفهومها عند الهند من صحيفة بهلة الهندي معاصره أيضا، و أخذ مفهومها عند العرب عن صحار بن عباش العبدي في كلام له مع معاوية الذي سأله عن البلاغة فقال: الإيجاز. و الإيجاز يعني الإجابة دون خطأ أو إبطاء. كما استشهد عليها بقول بعض الأعراب الذي سئل عن البلاغة فقال: الإيجاز في غير عجز و الإطناب في غير خطل‏ (3) . و يفضل الجاحظ التعريف التالي للبلاغة: «و قال بعضهم-و هو أحسن ما اجتبيناه و دوناه-لا يكون الكلام يستحق اسم البلاغة حتى يسابق معناه لفظه و لفظه معناه، فلا يكون لفظه إلى سمعك أسبق من معناه إلى قلبك» (4) . و معنى ذلك أن الكلام

____________

(1) المصدر ذاته، ج 1، ص 17.

(2) المصدر ذاته، ج 1، ص 70.

(3) المصدر ذاته، ج 1، ص 64-70.

(4) المصدر ذاته، ج 1، ص 81.

18

البليغ هو الكلام الذي يبلغ المعاني التي في رأس المتكلم إلى عقل السامع.

و لا يتأتى له ذلك إلا إذا كان واضحا و على أقدار المعاني. و بذا يخالف الجاحظ مفهوم البلاغة السائد أي الإيجاز. إن الكلام البليغ ليس هو الكلام الموجز و ليس الكلام المسهب بل الكلام المساوي للمعاني «و إنما الألفاظ على أقدار المعاني، فكثيرها لكثيرها، و قليلها لقليلها، و شريفها لشريفها، و سخيفها لسخيفها، و المعاني المصغرة البائنة بصورها و جهاتها تحتاج من الألفاظ إلى أقل ما تحتاج إليه المعاني المشتركة و الجهات الملتبسة» (1) .

و من شروط البلاغة موافقة الكلام لمقتضى الحال أو للموضوع الذي يجري فيه الكلام. «و يجب على المتكلم أن يوازن بين المعاني و أقدار المستمعين و أقدار الحالات فيجعل لكل طبقة من ذلك كلاما و لكل حالة من ذلك مقاما» (2) .

و من شروط البلاغة متانة العبارة التي تعني ربط ألفاظ الجملة ببعضها ربطا محكما لا هلهلة فيه و لا خلل «فأجود الشعر ما رأيته متلاحم الأجزاء سهل المخارج، فتعلم بذلك أنه قد أفرغ إفراغا و سبك سبكا واحدا، فهو يجري على اللسان كما يجري الدهان» (3) .

و من شروط البلاغة الطبع، و هو يعني الموهبة و عدم التكلف. و إذا كان الكلام صحيح الطبع بعيدا عن الاستكراه و منزها عن الاختلال، مصونا عن التكلف صنع في القلوب صنيع الغيث في التربة الكريمة.. » (4) و قد ركز الجاحظ على شرط الطبع عملا بفلسفته الطبيعية التي تفسر الفن كما تفسر المعرفة و الأخلاق بالطباع كما صدر في جميع آرائه عن مذهبه الاعتزالي الوسطي المنزلة بين المنزلتين-و طبق ذلك على البلاغة و الفصاحة، فاعتبر خير الكلام ما وقع وسطا بين الوحشي و السوقي، و ما وقع وسطا بين الإيجاز و الإطناب.

____________

(1) الجاحظ، الحيوان، ج 6، ص 8.

(2) الجاحظ، البيان و التبيين، غ 1، ص 97.

(3) المصدر ذاته، ج 1، ص 50.

(4) المصدر ذاته، ج 1، ص 61.

19

و أوضح مذهبه هذا بقوله: «فالقصد في ذلك تجنب السوقي و الوحشي، و لا تجعل همك في تهذيب الألفاظ و شغلك في التخلص إلى غرائب المعاني. و في الاقتصاد بلاغ و في التوسط مجانبة للوعورة و خروج من سبيل من لا يحاسب نفسه» (1) .

و ينظر الجاحظ في أصل اللغة، و يذهب إلى أنها توقيف، أو وحي من اللّه. فجد العرب إسماعيل بن إبراهيم ألهم العربية على غير التلقين و التمرين و هو في الرابعة عشرة من عمره. و يقدم عدة أدلة على أنها توقيف: منها كلام عيسى في المهد، و إنطاق اللّه يحيى بالحكمة صبيا، و كلام حواء و آدم. و معنى ذلك أن الإنسان يحتاج ليتفاهم مع بني جلدته إلى اللغة، و حواء و آدم لم يعلمهما أحد اللغة، فكان لا بد من أن يلهمهما اللّه إياها. و إذا لم يكن إسماعيل أول عربي تكلم العربية فينبغي أن يكون ثمة أب آخر للعرب كان أول عربي من جميع بني آدم تكلم العربية. و منها ما تفوّه به ذئب اهبان بن أوس، و غراب نوح و هدهد سليمان، و النملة و حمار عزيز و قد أنطق اللّه هذه الحيوانات بقدرته و سخرها لمعرفته، فلم لا يكون الإنسان مثلها قد أنطقه اللّه بمشيئته؟ و يربط الجاحظ تعلم اللغة بالمعرفة، و يذهب إلى أن الإنسان يعرف الأمور طباعا بواسطة ما منحه اللّه من ذكاء، و لا يحول دونه و المعرفة سوى موانع كالأخلاط الأربعة و سوء العادة و الشواغل العارضة و خرق المعلم و إذا أزال اللّه تلك الموانع و صفا ذهن الإنسان وقعت المعرفة (2) .

و ثمة دليل آخر على أن اللّه مصدر اللغة، هو وجود ألفاظ في القرآن لم يعرفها عرب الجاهلية، إنها من اختراع اللّه الذي أوحى بها إلى النبي. يقول مشيرا إلى ذلك: «و قد علمنا أن قولهم لمن لم يحج صرورة، و لمن أدرك

____________

(1) المصدر ذاته، ج 1، ص 173.

(2) المصدر ذاته، ج 4، ص 5-8.

20

الجاهلية و الإسلام مخضرم، و قولهم لكتاب اللّه قرانا، و تسميتهم للتمسح بالتراب التيمم، و تسميتهم للقاذف بفاسق. إن ذلك لم يكن في الجاهلية.

و إذا كان للنابغة أن يبتدئ الأسماء على الاشتقاق من أصل اللغة كقوله «و النؤي كالحوض بالمظلومة الجلد» و حتى اجتمعت العرب على تصويبه و على اتباع أثره، و على أنها لغة عربية، فاللّه الذي هو أصل اللغة أحق بذلك» (1) .

و يبدو أن الجاحظ استند في مذهبه إلى القرآن و السماع و نظريته القائلة أن المعرفة تحدث طباعا. و قد اقتفى أثره ابن فارس في كتابه «الصاحبي في فقه اللغة» و لكن خالفه ابن جني الذي قال إن اللغة اصطلاح، و السيوطي الذي قال إنها تقليد.

و لكن أبا عثمان لم يستطع أن ينكر ما طرأ على اللغة العربية من تطور.

فقد دخلت عليها ألفاظ أعجمية بسبب اختلاط العرب بغيرهم من الشعوب.

فأهل المدينة لما نزل فيهم ناس من الفرس، علقوا بألفاظ فارسية فسموا البطيخ الخربز، و السميط الرزدق، و المصوص المزوز. و كذلك أهل الكوفة تأثروا بلغة الفرس الذين احتكوا بهم فسموا المسحاة البال و سموا الحوك الباذروج، و سموا القثاء خيارا الخ... (2) .

و هناك ألفاظ جديدة أوجدها المتكلمون و علماء اللغة في العصر العباسي عن طريق الاشتقاق أو النحت أو الاصطلاح للتعبير عن المعاني الفلسفية و العلمية الجديدة مثل الجوهر و العرض و الهوية و الهذية الخ. يقول الجاحظ موضحا هذه الناحية: «... و هم المتكلمون تخيروا تلك الألفاظ لتلك المعاني، و هم اشتقوا لها من كلام العرب تلك الأسماء، و هم اصطلحوا على تسمية ما لم يكن له في لغة العرب اسم، فصاروا في ذلك سلفا لكل خلف، و قدوة لكل تابع. و لذلك قالوا العرض و الجوهر و أيس و ليس، و فرقوا بين البطلان و التلاشي، و ذكروا الهذية و الهوية و الماهية و أشباه ذلك. و كما وضع

____________

(1) الجاحظ، الحيوان، ج 1، ص 280-281.

(2) الجاحظ، البيان و التبيين، ج 1، ص 17-18.

21

الخليل بن أحمد لأوزان القصيد و قصار الأرجاز ألقابا لم تكن العرب تتعارف على تلك الأعاريض بتلك الألقاب، و تلك الأوزان بتلك الأسماء، كما ذكر الطويل و البسيط و المديد و الوافر و الكامل و أشباه ذلك، و كما ذكر الأوتاد و الأسباب و الخرم و الزحاف. و قد ذكرت العرب في أشعارها السناد و الاقواء و الاكفاء، و لم أسمع بالايطاء. و قالوا في القصيد و الرجز و السجع و الخطب، و ذكروا حروف الروي و القوافي، و قالوا: هذا بيت و هذا مصراع... و كما سمى النحويون فذكروا الحال و الظروف و ما أشبه ذلك؛ لأنهم لو لم يضعوا هذه العلامات لم يستطيعوا تعريف القرويين و أبناء البلديين علم العروض و النحو.

و كذلك أصحاب الحساب قد اجتلبوا أسماء جعلوها علامات للتفاهم» (1) .

و قد شعر الجاحظ بثقل الحمل الذي حملته اللغة العربية عند ما نقلت إليها مختلف العلوم المعروفة في اللغات اليونانية و الفارسية و الهندية، و دعا إلى عدم تكليف اللغة ما ليس في طاقتها، و قد عبر عن ذلك بقوله: «و ليس ينبغي أن نسوم اللغات ما ليس في طاقتها و نسوم النفوس ما ليس في جبلتها، و لذلك يحتاج صاحب المنطق إلى أن يفسره لمن طلب من قبله علم المنطق» (2) .

و يشير الجاحظ إلى حركة الترجمة التي نشطت في عصره و يرى أن الترجمان يجب أن يكون عالما باللغة المنقولة و المنقول إليها (3) . و يرى أن الشعر لا يترجم و إذا ترجم ذهب سحره و تقطع نظمه و بطل وزنه و ذهب حسنه‏ (4) .

و ثمة ناحية أخيرة عالجها الجاحظ هي تعلم اللغة. و قد رأى أن ثمة صعوبات تعترض المتعلم ترجع إلى طبيعة اللغة ذاتها و كثرة مفرداتها و ثقل مخارجها، كما ترجع إلى جهل المتكلم بمدلولاتها. و لكن أعون الأسباب على تعلمها فرط الحاجة إليها (5) .

____________

(1) المصدر ذاته، ج 1، ص 97-98.

(2) الجاحظ، الحيوان، ج 6، ص 8.

(3) الجاحظ، الحيوان، ج 1، ص 77.

(4) المصدر ذاته، ج 1، ص 74.

(5) المصدر ذاته، ج 5، ص 289.

22

و قد سبق علماء التربية في العصر الحديث إلى دراسة تعددية اللغة و أدرك قبل جان جاك روسو و دكرولي أن اجتماع لغتين أو أكثر على لسان واحد يسي‏ء إليهما معا فلا يستطيع المتكلم بهما أن يتضلع منهما أو يأمن تنازعهما إياه‏ (1) .

و معنى ذلك أن اللغة الأم تشكل طريقة التفكير لدى الطفل الذي يكتسب اللغة، و ليس للفكر سوى طريقة واحدة. و إذا حاولنا تعليمه لغتين أو أكثر تنازعت هذه اللغات السيطرة على تفكيره و نافست اللغات الأخرى في أن تكون هي طريقة التفكير عنده. و لذا نصح دكرولي بأن لا نعلم الطفل قبل العاشرة سوى لغته الأم خشية أن تحل محلها لغة أجنبية أخرى.

عدا البيان و فلسفة اللغة عالج الجاحظ في كتابه موضوعين آخرين هما الزهد و الشعوبية.

و قد استأثرت حركة الزهد باهتمام الجاحظ فتكلم عليها في أجزاء الكتاب الثلاثة. في الجزء الأول أورد مجموعة من مواعظ النساك، و في الجزء الثاني ذكر أسماء الزهاد الذين عرفوا بالبيان أمثال عامر بن عبد القيس، وصلة ابن أشيم، و عثمان بن أوحم، و مؤرق العجلي، و مالك بن دينار، و يزيد الرقاشي، و رابعة القيسية، و معاذة العدوية، و أم الدرداء الخ. كما أتى على ذكر بعض المتصوفة أمثال هاشم الأوقص، و أبي هاشم الصوفي، و صالح بن عبد الجليل. و في الجزء الثالث كرس للزهد بابا واسعا أثبت فيه قدرا كبيرا من أقوالهم و مواعظهم؛ و أهم هؤلاء الزهاد الحسن البصري الذي أكثر من ذكر أقواله و مواعظه؛ ثم أبو حازم الأعرج، و أبو عبد الحميد، و عمر بن عبد العزيز، و عمرو بن عبيد أحد مؤسسي الاعتزال، و علي بن أبي طالب، و محمد الباقر. و لا ينسى الشعراء الذين نظموا أشعارا في الزهد أمثال أبي العتاهية و أبي نواس و الطرماح بن حكيم.

____________

(1) المصدر ذاته، ج 1، ص 77.

23

و اهتمام الجاحظ بالزهاد لا يدل على رضاه عنهم أو تأييد مذهبهم فلقد كان ينتقدهم نقدا لاذعا و يرميهم بالهروب من العمل و اللجوء إلى التواكل و الكسل. و يعتبر تصرفاتهم لا تمت إلى الإيمان بصلة و لا تزيد فيه شيئا. و يعكس رأيه فيهم قول أعرابي ذكر عنده رجل «بشدة الاجتهاد و كثرة الصوم و طول الصلاة فقال: هذا رجل سوء، أو ما يظن هذا أن اللّه يرحمه حتى يعذب نفسه هذا التعذيب؟» (1) .

أما الشعوبية فتعني تعصب كل شعب لقوميته و حضارته، و بغض العرب، و قد اشتدت هذه الحركة في العصر العباسي و لا سيما الزمن الذي عاش فيه الجاحظ، و نجمت عن تعدد الشعوب التي ضمها المجتمع العباسي من فرس و زنج و روم و هنود إلى جانب العرب الذين يمثلون الأمة الحاكمة. فكانت محاولة هذه الشعوب إثبات وجودها و الادلال بمآثرها و حضاراتها و البرهنة أن العرب ليسوا أفضل من سائر الأمم بل هم دونها شأنا.

و قد أعار الجاحظ الحركة الشعوبية اهتماما كبيرا فتحدث عنها في كتب عديدة: الحيوان، رسالة النابتة، رسالة فضل السودان على البيضان، رسالة الترك و عامة جند الخلافة، و كتاب البيان و التبيين. و لا يهمنا في هذه المقدمة سوى ما ورد حولها في كتاب البيان و التبيين.

خصّص الجاحظ للشعوبية قسما من الجزء الثالث عنوانه كتاب العصا، أورد فيه مطاعن الشعوبية على العرب و الرد عليها. لقد طعنت الشعوبية على العرب أخذهم المخصرة عند إلقاء الخطب. و احتجت بقولها إنه لا يوجد بين العصا و الخطبة سبب، و أن العصا لم توجد للخطابة بل للقتال أو الهش على المواشي. و أنها لا تنفع الخطيب في شي‏ء، و هي تلهي السامع. و العرب قوم رعاة اعتادوا على حمل العصا في رعي مواشيهم فنقلوا تلك العادة إلى خطابتهم.

و طعنت الشعوبية على العرب ضعف ملكتهم الخطابية، و قالت إنهم لا يضاهون الفرس و اليونان و الهنود في مضمار الخطابة و البلاغة. و الدليل على

____________

(1) الجاحظ، البيان و التبيين، ج 2، ص 135.

24

ذلك أن للفرس كتبا و رسائل محبرة مثل كتاب كاروند و سير الملوك، و لليونان كتبا في المنطق و الحكمة، و للهنود كتبا في الحكمة و الاسرار و ليس للعرب مثل تلك الرسائل و الكتب.

و فيما يتعلق بالحرب رمت الشعوبية العرب بجهلهم فنون الحرب و الأسلحة. فهم لا يتقنون تنظيم الجيوش و لا يعرفون الكمين و الميمنة و الميسرة و القلب و الجناح، و القتال في الليل. و لا يحسنون استعمال الأسلحة التي يحسنها الفرس كالنفاضة و الدراجة و الرتيلة و العرادة، و المنجنيق و الدبابة. ثم إن رماح العرب رديئة النوع لا تضارع رماح الفرس الجيدة (1) .

و قد رد الجاحظ على مطاعن الشعوبية فقال إن الرماح العربية أجود من الرماح الفارسية و هي متنوعة منها النيزك و المربوع و المخموس و التام. و ليس صحيحا أن العرب لا يحسنون القتال في الليل، إنهم يقاتلون في الليل كما يقاتلون في النهار.

أما الرسائل المنسوبة إلى الفرس فليست صحيحة، و هي منحولة ولدها أمثال ابن المقفع و سهل بن هارون و عبد الحميد و غيلان و نسبوها إلى قومهم الفرس.

أما ملكة العرب الخطابية فأمر ظاهر جلي لا يحتاج إلى برهان. و يكفي أن نأخذ بيد الشعوبي و ندخله بلاد العرب الخلص، معدن الفصاحة، و نوقفه على خطيب مصقع أو شاعر مفلق ليعلم الحق و يبصر الشاهد عيانا. صحيح أن للهند كتبا مخلدة و لكنها لا تضاف إلى رجل معروف، و أن لليونان فلسفة و صناعة منطق و لكن صاحب المنطق كان بكي‏ء اللسان، و أن للفرس خطباء و لكن كل كلام للفرس إنما هو ثمرة التفكير و الدراسة وكد الخاطر. أما العرب فكلامهم وليد البديهة و الإلهام، لا يعانون فيه جهدا و لا يجيلون فكرا. و لذلك يقطع الجاحظ بأن العرب أخطب الأمم‏ (2) .

____________

(1) الجاحظ، البيان و التبيين، ج 3، ص 39-42.

(2) المصدر ذاته، ج 3، ص 47-50.

25

و يختم الجاحظ هذا الجدل بالإشارة إلى الدافع الذي حمل هؤلاء العجم على بغض العرب و التنقص من شأنهم، إنه دافع نفسي يرجع إلى الحسد الجاثم على قلوبهم كما يرجع إلى كره الإسلام الذي جاء به العرب.

و الجاحظ، و إن انتصر للعرب ضد الشعوبية، لم يرتكب الخطأ الذي ارتكبته، فهو يذهب إلى أن الأمم ينبغي أن تكف عن البغضاء و التعصب لمزاياها، و أن تتعاون و تتآلف لأن لكل أمة مزايا و نقائص‏ (1) .

____________

(1) المصدر ذاته، ج 3، ص 51.

26

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

27

[باب عيوب البيان‏]

[العي‏]

قال أبو عثمان عمرو بن بحر، رحمه اللّه:

اللهمّ إنّا نعوذ بك من فتنة القول كما نعوذ بك من فتنة العمل، و نعوذ بك من التكلّف لما لا نحسن كما نعوذ بك من العجب بما نحسن، و نعوذ بك من السّلاطة و الهذر، كما نعوذ بك من العيّ و الحصر. و قديما ما تعوذوا باللّه من شرهما و تضرعوا إلى اللّه في السلامة منهما.

و قد قال النّمر بن تولب‏ (1) :

أعذني ربّ من حصر و عيّ # و من نفس أعالجها علاجا

____________

(1) النمر بن تولب: شاعر مخضرم فارس جواد اتصل بالنبي صلّى اللّه و عليه و أسلم.

28

و قال الهذلي‏ (1) :

و لا حصر بخطبته # إذا ما عزّت الخطب‏

و قال مكّيّ بن سوادة (2) :

حصر مسهب جري‏ء جبان # خير عيّ الرجال عي السكوت‏

و قال الآخر:

مليّ ببهر و التفات و سعلة # و مسحة عثنون و فتل أصابع‏

و مما ذموا به العي قوله:

و ما بي من عي و لا أنطق الخنا # إذا جمع الأقوام في الخطب محفل‏

و قال الراجز و هو يمتح بدلوه:

علقت يا حارث عند الورد # بجابئ لا رفل التردّي

و لا عييّ بابتناء المجد (3)

و هذا كقول بشار الأعمى‏ (4) :

و عيّ الفعال كعي المقال # و في الصمت عيّ كعي الكلم‏

و هذا المذهب شبيه بما ذهب إليه شتيم بن خويلد في قوله‏ (5) :

و لا يشعبون الصدع بعد تفاقم # و في رفق أيديكم لذي الصّدع شاعب‏

____________

(1) أبو العيال الهذلي: شاعر مخضرم عمر حتى خلافة معاوية و خرج إلى مصر و عاش فيها.

(2) مكي بن سواده البرجمي شاعر بصري.

(3) يمتح بدلوه: يستخرج الماء من البئر. الورد: قصد الماء للشرب. الجابئ: الذي يطلع فجأة. رفل التردي: من يبحر ثوبه.

(4) هو بشار بن برد، أدرك الخليفة العباسي المهدي و قتل متهما بالزندقة و اشتهر بالمديح المتكسب و الهجاء المقذع.

(5) شتيم بن خويلد: شاعر جاهلي مغمور.

29

و مثل هذا قول زبّان بن سيار (1) :

و لسنا كأقوام أجدوا رئاسة # يرى مالها و لا يحسّ فعالها

يريغون في الخصب الأمور و نفعهم # قليل إذا الأموال طال هزالها

و قلنا بلا عي و سسنا بطاقة # إذا النار نار الحرب طال اشتعالها

لأنهم يجعلون العجز و العي من الخرق، كانا في الجوارح أم في الألسنة.

و قال ابن أحمر الباهلي:

لو كنت ذا علم علمت و كيف لي # بالعلم بعد تدبّر الأمر

و قالوا في الصمت كقولهم في المنطق. قال أحيحة بن الجلاح:

و الصمت أجمل بالفتى # ما لم يكن عيّ يشينه

و القول ذو خطل إذا # ما لم يكن لب يعينه‏

و قال مخرّز بن علقمة:

لقد وارى المقابر من شريك # كثير تحلم و قليل عاب

صموتا في المجالس غير عيّ # جديرا حين ينطق بالصواب‏

و قال مكّيّ بن سوادة:

تسلّم بالسكوت من العيوب # فكان السكت أجلب للعيوب

و يرتجل الكلام و ليس فيه # سوى الهذيان من حشد الخطيب‏

و قال آخر:

جمعت صنوف العي من كل وجهة # و كنت جديرا بالبلاغة عن كثب

أبوك معمّ في الكلام و مخول # و خالك و ثاب الجراثيم في الخطب‏

____________

(1) زبان بن سيار بن عمرو الفزاري شاعر جاهلي.

30

و قال حميد بن ثور الهلاليّ‏ (1) :

أتانا و لم يعدله سحبان وائل # بيانا و علما بالذي هو قائل

فما زال عنه اللّقم حتى كأنه # من العي لما أن تكلم باقل‏

سحبان مثل في البيان، و باقل مثل في العي، و لهما أخبار.

و قال الآخر:

ما ذا رزينا منك أمّ الأسود # من رحب الصدر و عقل متلد

و هي صناع باللسان و اليد

و قال آخر:

لو صخبت شهرين دأبا لم تمل # و جعلت تكثر من قول و بل

حبّك للباطل قدما قد شغل # كسبك عن عيالنا قلت أجل

تضجّرا مني وعيا بالحيل‏

قال: و قيل لبزرجمهر بن البختكان الفارسي‏ (2) : أي شي‏ء أستر للعييّ؟ قال: عقل يجمله. قالوا: فإن لم يكن له عقل. قال: فمال يستره. قالوا: فإن لم يكن له مال؟قال: فإخوان يعبرون عنه. قالوا: فإن لم يكن له إخوان يعبرون عنه؟قال: فيكون عييا صامتا. قالوا: فإن لم يكن ذا صمت. قال: فموت وحي خير له من أن يكون في دار الحياة.

و سأل اللّه عز و جل موسى بن عمران، عليه السلام، حين بعثه إلى فرعون بإبلاغ رسالته، و الإبانة عن حجته، و الإفصاح عن أدلته، فقال حين ذكر العقدة

____________

(1) حميد بن ثور الهلالي صحابي أدرك خلافة عثمان. و الأصح نسبة الشعر إلى حميد الأرقط من شعراء الدولة الأموية، و قد قاله في الحجاج.

(2) بزرجمهر بن البختكان حكيم فارسي لعب دورا هاما في انتساخ كليلة و دمنة من كتب الهند.

31

التي كانت في لسانه، و الحبسة التي كانت في بيانه: وَ اُحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسََانِي `يَفْقَهُوا قَوْلِي .

و أنبأنا اللّه تبارك و تعالى عن تعلق فرعون بكل سبب، و استراحته إلى كل شغب، و نبهنا بذلك على مذهب كل جاحد معاند، و كل محتال مكايد، حين خبرنا بقوله: أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هََذَا اَلَّذِي هُوَ مَهِينٌ. وَ لاََ يَكََادُ يُبِينُ .

و قال موسى عليه السلام: وَ أَخِي هََارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسََاناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي و قال: وَ يَضِيقُ صَدْرِي وَ لاََ يَنْطَلِقُ لِسََانِي رغبة منه في غاية الإفصاح بالحجة، و المبالغة في وضوح الدلالة، لتكون الأعناق إليه أميل، و العقول عنه أفهم، و النفوس إليه أسرع، و إن كان قد يأتي من وراء الحاجة، و يبلغ أفهامهم على بعض المشقة.

و للّه عز و جل أن يمتحن عباده بما شاء من التخفيف و التثقيل، و يبلو أخبارهم كيف أحب من المحبوب و المكروه. و لكل زمان ضرب من المصلحة و نوع من المحنة، و شكل من العبادة.

و من الدليل على أن اللّه تعالى حل تلك العقدة، و أطلق ذلك التعقيد، و الحبسة، قوله: رَبِّ اِشْرَحْ لِي صَدْرِي. `وَ يَسِّرْ لِي أَمْرِي، `وَ اُحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسََانِي `يَفْقَهُوا قَوْلِي. `وَ اِجْعَلْ لِي وَزِيراً مِنْ أَهْلِي `هََارُونَ أَخِي. `اُشْدُدْ بِهِ أَزْرِي. `وَ أَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي إلى قوله: قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يََا مُوسى‏ََ . فلم تقع الاستجابة على شي‏ء من دعائه دون شي‏ء، لعموم الخبر.

و سنقول في شأن موسى عليه السلام و مسألته، في موضعه من هذا الكتاب إن شاء اللّه.

و ذكر اللّه تبارك و تعالى جميل بلائه في تعليم البيان، و عظيم نعمته في تقويم اللسان، فقال: اَلرَّحْمََنُ `عَلَّمَ اَلْقُرْآنَ. `خَلَقَ اَلْإِنْسََانَ `عَلَّمَهُ اَلْبَيََانَ ، و قال تعالى: هََذََا بَيََانٌ لِلنََّاسِ ، و مدح القرآن بالبيان و الإفصاح، و بحسن التفصيل و الإيضاح، و بجودة الإفهام و حكمة الإبلاغ، و سماه فرقانا كما سماه‏

32

قرانا. و قال: عَرَبِيٌّ مُبِينٌ ، و قال: وَ كَذََلِكَ أَنْزَلْنََاهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا و قال:

وَ نَزَّلْنََا عَلَيْكَ اَلْكِتََابَ تِبْيََاناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ ، و قال: وَ كُلَّ شَيْ‏ءٍ فَصَّلْنََاهُ تَفْصِيلاً .

و ذكر اللّه عز و جل لنبيه عليه السلام حال قريش في بلاغة المنطق، و رجاحة الأحلام، و صحة العقول، و ذكر العرب و ما فيها من الدهاء و النكراء و المكر، و من بلاغة الألسنة، و اللدد عند الخصومة، فقال تعالى: فَإِذََا ذَهَبَ اَلْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدََادٍ . و قال: وَ تُنْذِرَ بِهِ قَوْماً لُدًّا . و قال:

وَ يُشْهِدُ اَللََّهَ عَلى‏ََ مََا فِي قَلْبِهِ وَ هُوَ أَلَدُّ اَلْخِصََامِ ، و قال: آلِهَتُنََا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مََا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاََّ جَدَلاً بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ . ثم ذكر خلابة ألسنتهم، و استمالتهم الأسماع بحسن منطقهم، فقال: وَ إِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ .

ثم قال: وَ مِنَ اَلنََّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي اَلْحَيََاةِ اَلدُّنْيََا مع قوله: وَ إِذََا تَوَلََّى سَعى‏ََ فِي اَلْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهََا وَ يُهْلِكَ اَلْحَرْثَ وَ اَلنَّسْلَ .

و قال الشاعر في قوم يحسنون في القول و يسيئون في العمل، قال أبو حفص: أنشدني الأصمعي للمكعبر الضبي‏ (1) :

كسالى إذا لاقيتهم غير منطق # يلهّى به المحروب و هو عناء

و قيل لزهمان: ما تقول في خزاعة؟قال: جوع و أحاديث! و في شبيه بهذا المعنى قال أفنون بن صريم التغلبي:

لو أنني كنت من عاد و من إرم # غذيّ قيل و لقمان و ذي جدن

لما وقوا بأخيهم من مهولة # أخا السكون و لا حادوا عن السنن

____________

(1) أبو حفص كنية عمر بن أبي عثمان الشمري.

المعكبر الضبي هو حريث بن عفوظ.

الأصمعي: هو عبد الملك بن قريب الباهلي (123-216 هـ) اخباري و راوية كبير اتصل به الجاحظ و أخذ عنه.

33

أنى جزوا عامرا سوأى بفعلهم # أم كيف يجزونني السوأى من الحسن

أم كيف ينفع ما تعطي العلوق به # رئمان أنف إذا ما ضن باللبن‏

رئمان، أصله الرقة و الرحمة. و الرءوم أرق من الرءوف. فقال: «رئمان أنف» ، كأنها تبر ولدها بأنفها و تمنعه اللبن.

و لأن العرب تجعل الحديث و البسط، و التأنيس و التلقي بالبشر، من حقوق القرى و من تمام الإكرام به. و قالوا: «من تمام الضيافة الطلاقة عند أول وهلة، و إطالة الحديث عند المواكلة» . و قال شاعرهم، و هو حاتم الطائي:

سلي الجائع الغرثان يا أم منذر # إذا ما أتاني بين ناري و مجزري

هل أبسط وجهي أنه أول القرى # و أبذل معروفي له دون منكري‏

و قال الآخر.

إنك يا ابن جعفر خير فتى # و خيرهم لطارق إذا أتى

و رب نضو طرق الحي سرى # صادف زادا و حديثا ما اشتهى

إن الحديث جانب من القرى‏

و قال الآخر:

لحافي لحاف الضيف و البيت بيته # و لم يلهني عنه غزال مقنع

أحدثه إن الحديث من القرى # و تعلم نفسي أنه سوف يهجع‏

و لذلك قال عمرو بن الأهتم‏ (1) :

فقلت له أهلا و سهلا و مرحبا # فهذا مبيت صالح و صديق‏

____________

(1) عمرو بن سنان شاعر و خطيب و سيد مدح الزبرقان بن بدر و هجاه و لم يكذب في مديحه و هجائه فأعجب النبي به و قال «إن من الشعر حكما و إن من البيان سحرا» .

34

و قال آخر:

أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله # و يخصب عندي و المحل جديب

و ما الخصب للأضياف أن يكثر القرى # و لكنما وجه الكريم خصيب‏

ثم قال اللّه تبارك و تعالى في باب آخر من صفة قريش و العرب: أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلاََمُهُمْ بِهََذََا و قال: فَاعْتَبِرُوا يََا أُولِي اَلْأَبْصََارِ و قال: اُنْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ اَلْأَمْثََالَ . و قال: وَ إِنْ كََانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ اَلْجِبََالُ .

و على هذا المذهب قال: وَ إِنْ يَكََادُ اَلَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصََارِهِمْ . و قد قال الشاعر في نظر الأعداء بعضهم إلى بعض:

يتقارضون إذا التقوا في موقف # نظرا يزيل مواطئ الأقدام‏

و قال اللّه تبارك و تعالى: وَ مََا أَرْسَلْنََا مِنْ رَسُولٍ إِلاََّ بِلِسََانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ ، لأن مدار الأمر على البيان و التبيين، و على الأفهام و التفهم. و كلما كان اللسان أبين كان أحمد كما أنه كلما كان القلب أشد استبانة كان أحمد.

و المفهم لك و المتفهم عنك شريكان في الفضل، إلا أن المفهم أفضل من المتفهم و كذلك المعلم و المتعلم. هكذا ظاهر هذه القضية، و جمهور هذه الحكومة، إلا في الخاص الذي لا يذكر، و القليل الذي يشهر.

و ضرب اللّه عز و جل مثلا لعيّ اللسان و رداءة البيان، حين شبه أهله بالنساء و الولدان، فقال تعالى: أَ وَ مَنْ يُنَشَّؤُا فِي اَلْحِلْيَةِ وَ هُوَ فِي اَلْخِصََامِ غَيْرُ مُبِينٍ . و لذلك قال النمر بن تولب:

و كل خليل عليه الرعا # ث و الحبلات، ضعيف ملق‏

الرعاث: القرطة. و الحبلات: كل ما تزينت به المرأة من حسن الحلى، و الواحدة حبلة.

و ليس، حفظك اللّه، مضرة سلاطة اللسان عند المنازعة، و سقطات الخطل يوم إطالة الخطبة بأعظم مما يحدث عن العيّ من اختلال الحجة، و عن‏

35

الحصر من فوت درك الحاجة. و الناس لا يعيرون الخرس، و لا يلومون من استولى على بيانه العجز. و هم يذمون الحصر، و يؤنبون العيّ، فإن تكلفا مع ذلك مقامات الخطباء، و تعاطيا مناظرة البلغاء، تضاعف عليهما الذم و ترادف عليهما التأنيب. و مماتنة العيّ الحصر للبليغ المصقع، في سبيل مماتنة المنقطع المفحم للشاعر المفلق‏ (1) ، و احدهما ألوم من صاحبه، و الألسنة إليه أسرع.

و ليس اللجلاج‏ (2) و التمتام، و الألثغ و الفأفاء، و ذو الحبسة و الحكلة (3)

و الرتة (4) و ذو اللفف‏ (5) و العجلة، في سبيل الحصر في خطبته، و العييّ في مناضلة خصومه، كما أن سبيل المفحم عند الشعراء، و البكي‏ (6) عند الخطباء، خلاف سبيل المسهب الثرثار، و الخطل المكثار.

ثم اعلم-أبقاك اللّه-أن صاحب التشديق و التقعير (7) و التقعيب من الخطباء و البلغاء مع سماجة التكلف، و شنعة التزيد، أعذر من عييّ يتكلف الخطابة، و من حصر يتعرض لأهل الاعتياد و الدربة. و مدار اللائمة و مستقر المذمة حيث رأيت بلاغة يخالطها التكلف، و بيانا يمازجه التزيد. إلا أن تعاطي الحصر المنقوص مقام الدرب التام، أقبح من تعاطي البليغ الخطيب، و من تشادق الأعرابي القح و انتحال المعروف ببعض الغزارة في المعاني و الألفاظ، و في التحبير و الارتجال، إنه البحر الذي لا ينزح، و الغمر الذي لا يسبر، أيسر من انتحال الحصر المنخوب إنه في مسلاخ‏ (8) التام الموفر، و الجامع

____________

(1) الشاعر المفلق: الشاعر المجيد المبدع.

(2) اللجلاج: الذي يتصف بثقل اللسان و نقص الكلام.

(3) الحكلة: كالعجمة، عدم إبانة الكلام.

(4) الرتة: العجلة في الكلام.

(5) اللفف: البطء بالكلام.

(6) البكي‏ء: القليل الكلام.

(7) التقعير: إخراج الكلام من قعر الفم و مثله التقعيب.

(8) المنخوب: الجبان الضعيف القلب. و المسلاخ: الجلد.

36

المحكك‏ (1) ، و إن كان النبي صلّى اللّه عليه و آله قد قال: «إياي و التشادق» ، و قال: «أبغضكم إليّ الثرثارون المتفيهقون» (2) ، و قال: «من بدا جفا» ، و عاب الفدادين و المتزيدين، في جهارة الصوت و انتحال سعة الأشداق، و رحب الغلاصم و هدل الشفاه، و أعلمنا ان ذلك في أهل الوبر أكثر، و في أهل المدر أقل فإذا عاب المدري بأكثر مما عاب به الوبري‏ (3) ، فما ظنك بالمولد القروي و المتكلف البلدي. فالحصر المتكلف و العيي المتزيد، ألوم من البليغ المتكلف لأكثر مما عنده. و هو أعذر، لأن الشبهة الداخلة عليه أقوى. فمن أسوأ حالا-أبقاك اللّه- ممن يكون ألوم من المتشدقين، و من الثرثارين المتفيهقين، و ممن ذكره النبي صلّى اللّه عليه و آله نصا، و جعل النهي عن مذهبه مفسرا، و ذكر مقته له و بغضه إياه.

[لثغة واصل بن عطاء و أخباره‏]

و لما علم واصل بن عطاء (4) أنه ألثغ فاحش اللثغ، و إن مخرج ذلك منه شنيع، و أنه إذا كان داعية مقالة، و رئيس نحلة، و أنه يريد الاحتجاج على أرباب النحل و زعماء الملل، و أنه لا بد له من مقارعة الأبطال، و من الخطب الطوال و أن البيان يحتاج إلى تمييز و سياسة، و إلى ترتيب و رياضة، و إلى تمام الآلة و إحكام الصنعة، و إلى سهولة المخرج و جهارة المنطق، و تكميل الحروف و إقامة الوزن، و إن حاجة المنطق إلى الحلاوة و الطلاوة، كحاجته إلى الجزالة و الفخامة، و إن ذلك من أكثر ما تستمال به القلوب، و تثنى به الأعناق، و تزين به المعاني، و علم واصل أنه ليس معه ما ينوب عن البيان التام، و اللسان

____________

(1) المحكك: المنجذ، الذي جرب الأمور و عرفها.

(2) المتفيهقون: الذين يتوسعون في الكلام و يفتحون به أفواههم، مأخوذ من الفهق، و هو الامتلاء و الاتساع.

(3) المدري: الحضري، و مباني أهل الحضر بالمدر، و هو قطع الطين اليابس. الوبري: ساكن البادية، و البدو يتخذون بيوتهم من الوبر.

(4) واصل بن عطاء: مؤسس مذهب الاعتزال، خالف الخوارج و المرجئة في حكم مرتكب الكبائر، و قال إنه ليس كافرا و لا مؤمنا بل فاسق (المنزلة بيت المنزلتين) . عاش بين سنتي 80-181 هـ.

37

المتمكن و القوة المتصرفة، كنحو ما أعطى اللّه تبارك و تعالى نبيه موسى عليه السلام من التوفيق و التسديد، مع لباس التقوى و طابع النبوة، و مع المحنة و الاتساع في المعرفة، و مع هدي النبيين و سمت المرسلين، و ما يغشيهم اللّه به من القبول و المهابة. و لذلك قال بعض شعراء النبي صلّى اللّه عليه و آله:

لو لم تكن فيه آيات مبينة # كانت بداهته تنبيك بالخبر

و مع ما أعطى اللّه تبارك و تعالى موسى، عليه السلام، من الحجة البالغة، و من العلامات الظاهرة، و البرهانات الواضحة، إلى أن حل اللّه تلك العقدة و أطلق تلك الحبسة، و أسقط تلك المحنة. و من أجل الحاجة إلى حسن البيان، و إعطاء الحروف حقوقها من الفصاحة-رام أبو حذيفة إسقاط الراء من كلامه، و إخراجها من حروف منطقه، فلم يزل يكابد ذلك و يغالبه، و يناضله و يساجله، و يتأتى لستره و الراحة من هجنته، حتى انتظم له ما حاول، و اتسق له ما أمل.

و لو لا استفاضة هذا الخبر و ظهور هذه الحال حتى صار لغرابته مثلا، و لطرافته معلما، لما استجزنا الإقرار به، و التأكيد له. و لست أعني خطبه المحفوظة و رسائله المخلدة، لأن ذلك يحتمل الصنعة، و إنما عنيت محاجة الخصوم و مناقلة الأكفاء، و مفاوضة الإخوان.

و اللثغة في الراء تكون بالغين و الذال و الياء، و الغين أقلها قبحا، و أوجدها في كبار الناس و بلغائهم و أشرافهم و علمائهم.

و كانت لثغة محمد بن شبيب المتكلم، بالغين، فإذا حمل على نفسه و قوم لسانه أخرج الراء. و قد ذكره في ذلك أبو الطروق الضبي فقال:

عليم بإبدال الحروف و قامع # لكل خطيب يغلب الحق باطله‏

و كان واصل بن عطاء قبيح اللثغة شنيعها، و كان طويل العنق جدا، و لذلك قال بشار الأعمى:

38

ما لي أشايع غزالا له عنق # كنقنق الدوّ إن ولى و إن مثلا (1)

عنق الزرافة ما بالي و بالكم # أ تكفرون رجالا أكفروا رجلا

فلما هجا واصلا و صوب رأي إبليس في تقديم النار على الطين، و قال:

الأرض مظلمة و النار مشرقة # و النار معبودة مذ كانت النار

و جعل واصل بن عطاء غزالا، و زعم أن جميع المسلمين كفروا بعد وفاة الرسول صلّى اللّه عليه و آله، فقيل له: و علي أيضا؟فأنشد:

و ما شر الثلاثة أم عمرو # بصاحبك الذي لا تصبحينا

قال واصل بن عطاء عند ذلك: «أ ما لهذا الأعمى الملحد المشنف‏ (2)

المكني بأبي معاذ من يقتله. أما و اللّه لو لا أن الغيلة سجية من سجايا الغالية (3) ، لبعثت إليه من يبعج بطنه على مضجعه، و يقتله في جوف منزله و في يوم حفله، ثم كان لا يتولى ذلك منه إلا عقيلي أو سدوسي» .

قال إسماعيل بن محمد الأنصاري، و عبد الكريم بن روح الغفاري: قال أبو حفص عمر بن أبي عثمان الشمري: أ لا تريان كيف تجنب الراء في كلامه هذا و أنتما للذي تريان من سلامته و قلة ظهور التكلف فيه لا تظنان به التكلف، مع امتناعه من حرف كثير الدوران في الكلام. أ لا تريان أنه حين لم يستطع أن يقول بشار، و ابن برد، و المرعث، جعل المشنف بدلا من المرعث، و الملحد بدلا من الكافر، و قال: لو لا أن الغيلة سجية من سجايا الغالية، و لم يذكر المنصورية و لا المغيرية (4) ، لمكان الراء، و قال: لبعثت إليه من يبعج بطنه، و لم يقل: لأرسلت إليه، و قال: على مضجعه، و لم يقل: على فراشه.

____________

(1) النقنق، بكسر النونين: ذكر النعام، و الدو و الدوية و الداوية: الفلاة.

(2) المشنف: الذي لبس الشنف، و هو بالفتح: القرط في الأذن.

(3) الغالية: فرقة من فرق الشيعة غالت في آرائها (انظر: فرق الشيعة للنوبختي، و الفرق بين الفرق للبغدادي) .

(4) المنصورية: إحدى فرق الشيعة الغالية، نسبة إلى أبي منصور العجلي الكوفي قال بنبوة علي و أبنائه ثم ادعى النبوة، فتبرأ منه جعفر الصادق.

و المغيرية: إحدى فرق الشيعة الغالية، نسبة إلى المغيرة بن سعيد مولى خالد بن عبد اللّه العشيري، ادعى النبوة و إحياء الموتى و قال بالتناسخ. فقتله خالد بن عبد اللّه القسري (انظر: فرق الشيعة للنوبختي) .

39

و كان إذا أراد أن يذكر البر قال: القمح أو الحنطة. و الحنطة لغة كوفية و القمح لغة شامية. هذا و هو يعلم أن لغة من قال بر، أفصح من لغة من قال قمح أو حنطة. و قال أبو ذؤيب الهذلي:

لا درّ دري إن أطعمت نازلهم # قرف الحتيّ‏ (1) و عندي البر مكنوز

و قال أمية بن أبي الصلت في مديح عبد اللّه بن جدعان:

له داع بمكة مشمعل # و آخر فوق دارته ينادي

إلى ردح من الشيزي عليها # لباب البر يلبك بالشهاد (2)

و قال بعض القرشيين يذكر قيس بن معديكرب و مقدمه مكة في كلمة له:

قيس أبو الأشعث بطريق اليمن # لا يسأل السائل عنه ابن من

أشبع آل اللّه من بر عدن‏

و قال عمر بن الخطاب رحمه اللّه: «أ ترون أني لا أعرف رقيق العيش؟ لباب البر بصغار المعزى» .

و سمع الحسن رجلا يعيب الفالوذق، فقال: «لباب البر، بلعاب النحل، بخالص السمن، ما عاب هذا مسلم!» .

و قالت عائشة: «ما شبع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من هذه البرة السمراء حتى فارق الدنيا» .

و أهل الأمصار إنما يتكلمون على لغة النازلة فيهم من العرب، و لذلك تجد الاختلاف في ألفاظ من ألفاظ أهل الكوفة و البصرة و الشام و مصر.

____________

(1) قرف الحتي: قشر المقل.

(2) ردح من الشيزي: جفاف من الخشب.

40

حدثني أبو سعيد عبد الكريم بن روح‏ (1) قال: قال أهل مكة لمحمد بن المناذر الشاعر: ليست لكم معاشر أهل البصرة لغة فصيحة، إنما الفصاحة لنا أهل مكة. فقال ابن المناذر: أما ألفاظنا فأحكى الألفاظ للقرآن، و أكثرها له موافقة، فضعوا القرآن بعد هذا حيث شئتم. أنتم تسمون القدر برمة و تجمعون البرمة على برام، و نحن نقول قدر و نجمعها على قدور، و قال اللّه عز و جل:

وَ جِفََانٍ كَالْجَوََابِ وَ قُدُورٍ رََاسِيََاتٍ . و أنتم تسمون البيت إذا كان فوق البيت علية، و تجمعون هذا الاسم على علالي، و نحن نسميه غرفة و نجمعها على غرفات و غرف. و قال اللّه تبارك و تعالى: غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهََا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ و قال: وَ هُمْ فِي اَلْغُرُفََاتِ آمِنُونَ . و أنتم تسمون الطلع الكافور و الا غريض و نحن نسميه الطلع. و قال اللّه تبارك و تعالى: وَ نَخْلٍ طَلْعُهََا هَضِيمٌ . فعد عشر كلمات لم أحفظ أنا منها إلا هذا. أ لا ترى أن أهل المدينة لما نزل فيهم ناس من الفرس في قديم الدهر علقوا بألفاظ من ألفاظهم، و لذلك يسمون البطيخ الخربز، و يسمون السميط الرزدق‏ (2) ، و يسمون المصوص المزور (3) ، و يسمون الشطرنج الاشترنج، في غير ذلك من الأسماء و كذلك أهل الكوفة، فإنهم يسمون المسحاة بال، و بال بالفارسية.

و لو علق ذلك لغة أهل البصرة إذ نزلوا بأدنى بلاد فارس و أقصى بلاد العرب كان ذلك أشبه، إذ كان أهل الكوفة قد نزلوا بأدنى بلاد النبط و أقصى بلاد العرب.

و يسمي أهل الكوفة الحوك الباذروج‏ (4) ، و الباذروج بالفارسية، و الحوك كلمة عربية. و أهل البصرة إذ التقت أربع طرق يسمونها مربعة، و يسميها أهل الكوفة الجهار سوك، و الجهار سوك بالفارسية. و يسمون السوق و السويقة

____________

(1) عبد الكريم بن روح: أحد الرواة الذين أخذ عنهم الجاحظ و قد ذكره مرارا في كتبه و قد اتصل بمحمد بن المناذر الشاعر و عالم اللغة في عصره.

(2) السميط: الآجر المصفوف.

(3) المصوص: لحم ينقع في الخل و يطبخ.

(4) الباذروج: ريحانة معروفة.

41

«و ازار» ، و الوازار بالفارسية. و يسمون القثاء خيارا، و الخيار بالفارسية. و يسمون المجدوم ويذي ، بالفارسية.

و قد يستخف الناس ألفاظا و يستعملونها و غيرها أحق بذلك منها. أ لا ترى أن اللّه تبارك و تعالى لم يذكر في القرآن الجوع إلا في موضع العقاب أو في موضع الفقر المدقع و العجز الظاهر. و الناس لا يذكرون السغب و يذكرون الجوع في حال القدرة و السلامة. و كذلك ذكر المطر، لأنك لا تجد القرآن يلفظ به إلا في موضع الانتقام. و العامة و أكثر الخاصة لا يفصلون بين ذكر المطر و بين ذكر الغيث. و لفظ القرآن الذي عليه نزل أنه إذا ذكر الأبصار لم يقل الأسماع، و إذا ذكر سبع سماوات لم يقل الأرضين. أ لا تراه لا يجمع الأرض أرضين، و لا السمع أسماعا. و الجاري على أفواه العامة غير ذلك، لا يتفقدون من الألفاظ ما هو أحق بالذكر و أولى بالاستعمال. و قد زعم بعض القراء أنه لم يجد ذكر لفظ النكاح في القرآن إلا في موضع التزويج.

و العامة ربما استخفت أقل اللغتين و أضعفهما، و تستعمل ما هو أقل في أصل اللغة استعمالا و تدع ما هو أظهر و أكثر، و لذلك صرنا نجد البيت من الشعر قد سار و لم يسر ما هو أجود منه، و كذلك المثل السائر.

و قد يبلغ الفارس و الجواد الغاية في الشهرة و لا يرزق ذلك الذكر و التنويه بعض من هو أولى بذلك منه. أ لا ترى العامة أن ابن القرية (1) عندها أشهر في الخطابة من سحبان وائل. و عبيد اللّه بن الحر (2) أذكر عندهم في الفروسية من زهير بن ذؤيب. و كذلك مذهبهم في عنترة بن شداد، و عتيبة بن الحارث

____________

(1) ابن القرية، هو أبو سليمان أيوب بن زيد، كان أعرابيا أميا و هو معدود في جملة الخطباء المشهورين، قتله الحجاج بن يوسف سنة 84.

(2) عبيد اللّه بن الحر الجعفي: قائد من الشجعان الأبطال، و كان بينه و بين مصعب بن الزبير منافسة، صمد عبيد اللّه لرجال مصعب صمودا، و لكن أصحابه تفرقوا عنه فخاف أن يؤسر فألقى بنفسه في الفرات فمات غرقا. و كان عبيد اللّه شاعرا فحلا.

42

ابن شهاب. و هم يضربون المثل بعمرو بن معديكرب، و لا يعرفون بسطام بن قيس‏ (1) .

و في القرآن معان لا تكاد تفترق، مثل الصلاة و الزكاة، و الجوع و الخوف، و الجنة و النار، و الرغبة و الرهبة، و المهاجرين و الأنصار، و الجن و الإنس.

قال قطرب: أنشدني ضرار بن عمرو (2) قول الشاعر في واصل بن عطاء:

و يجعل البر قمحا في تصرفه # و جانب الراء حتى احتال للشعر

و لم يطق مطرا و القول يعجله # فعاذ بالغيث إشفاقا من المطر

قال و سألت عثمان البري‏ (3) : كيف كان واصل يصنع في العدد، و كيف كان يصنع بعشرة و عشرين و أربعين، و كيف كان يصنع بالقمر و البدر و يوم الأربعاء و شهر رمضان، و كيف كان يصنع بالمحرم و صفر و ربيع الأول و ربيع الآخر و جمادى الآخرة و رجب؟فقال: ما لي فيه قول إلا ما قال صفوان:

ملقن ملهم فيما يحاوله # جم خواطره جواب آفاق‏

و أنشدني ديسم‏ (4) قال: أنشدني أبو محمد اليزيدي:

و خلة اللفظ في الياءات إن ذكرت # كخلة اللفظ في اللامات و الألف

و خصلة الراء فيها غير خافية # فاعرف مواقعها في القول و الصحف‏

____________

(1) بسطام بن قيس بن مسعود الشيباني، سيد شيبان، و من أشهر فرسان العرب في الجاهلية، أدرك الإسلام و لم يسلم، و قتله عاصم بن خليفة الضبي يوم الشقيقة.

(2) ضرار بن عمرو، صاحب مذهب الضرارية من فرق الجبرية، و كان في بدء أمره تلميذا لواصل بن عطاء المعتزلي، ثم خالفه فقال إن أفعال العباد مخلوقة للّه حقيقة و العبد يكتسبها اكتسابا. و أنكر الطبائع و التولد و الكمون. و ذهب الى أن الأجسام في الطبيعة تتألف من أعراض اجتمعت.

(3) هو أبو سلمة عثمان بن مقسم البري الكندي البصري. عرف بوضع الحديث و القول بالقدر.

(4) هو ديسم العنزي أحد من هجاهم بشار.

43

يزعم أن هذه الحروف أكثر تردادا من غيرها، و الحاجة إليها أشد. و اعتبر ذلك بأن تأخذ عدة رسائل و عدة خطب من جملة خطب الناس و رسائلهم، فإنك متى حصلت جميع حروفها، و عددت كل شكل على حدة، علمت أن هذه الحروف الحاجة إليها أشد.

قال أبو عثمان: فمن ذلك ما خبرنا به الأصمعي قال: أنشدني المعتمر ابن سليمان لإسحاق بن سويد العدوي:

برئت من الخوارج لست منهم # من الغزال منهم و ابن باب‏ (1)

و من قوم إذا ذكروا عليا # يردون السلام على السحاب

و لكني أحب بكل قلبي # و أعلم أن ذاك من الصواب

رسول اللّه و الصديق حبا # به أرجو غدا حسن الثواب‏

و في مثل ذلك قال بشار:

ما لي أشايع غزالا له عنق # كنقنق الدو إن ولى و إن مثلا

و من ذلك قول معدان الشميطي‏ (2) :

يوم تشفى النفوس من يعصر اللؤ # م و يثني بسامة الرحّال‏ (3)

و عدي و تيمها و ثقيف # و أميّ و تغلب و هلال

لا حرورا و لا النواصب تنجو # لا و لا صحب واصل الغزال‏ (4)

____________

(1) يعني بالغزال واصل بن عطاء. و ابن باب هو عمرو بن عبيد، صاحب واصل و شريكه في تأسيس مذهب الاعتزال. توفي بمران سنة 144.

(2) هو أبو السري معدان الأعمى الشميطي المديبري، و نسبته إلى الشميطية، و هي فرقة من الشيعة الإمامية الرافضة، تنتمي الى أحمر بن شميط صاحب المختار. و قد قتلهما معا مصعب بن الزبير.

(3) يعصر: أبو قبيلة، و هو يعصر بن سعد بن قيس بن غطفان. و سامة، هو سامة بن لؤي، و لقبه بالرحال لأن أخاه عامر بن لؤي توعده حين فقا عينه، فرحل إلى عمان هاربا حيث لقي حتفه في الطريق.

(4) النواصب، و الناصبية، و أهل النصب: المتدينون ببغض علي، لأنهم نصبوا له أي عادوه.

و قد ذكرهم في أماكن عديدة في كتبه و لا سيما في مقدمة الحيوان.

44

و كان بشار كثير المدح لواصل بن عطاء قبل أن يدين بشار بالرجعة، و يكفر جميع الأمة. و كان قد قال في تفضيله على خالد بن صفوان‏ (1) و شبيب ابن شيبة (2) ، و الفضل بن عيسى، يوم خطبوا عند عبد اللّه بن عمر بن عبد العزيز والي العراق:

أبا حذيفة قد أوتيت معجبة # في خطبة بدهت من غير تقدير

و إن قولا يروق الخالدين معا # لمسكت مخرس عن كل تحبير

لأنه كان مع ارتجاله الخطبة التي نزع منها الراء، كانت مع ذلك أطول من خطبهم. و قال بشار:

تكلفوا القول و الأقوام قد حفلوا # و حبروا خطبا ناهيك من خطب

فقام مرتجلا تغلي بداهته # كمرجل القين لما حف باللهب

و جانب الراء لم يشعر بها أحد # قبل التصفح و الإغراق في الطلب‏

و قال في كلمة له يعني تلك الخطبة:

فهذا بديه لا كتحبير قائل # إذا ما أراد القول زوره شهرا

فلما انقلب عليهم بشار و مقاتله لهم بادية، هجوه و نفوه، فما زال غائبا حتى مات عمرو بن عبيد. و قال صفوان الأنصاري:

متى كان غزال له ابن حوشب # غلام كعمرو أو كعيسى بن حاضر (3)

أ ما كان عثمان الطويل ابن خالد # أو القرم حفص نهية للمخاطر (4)

له خلف شعب الصين في كل ثغرة # إلى سوسها الأقصى و خلف البرابر

____________

(1) هو خالد بن صفوان عبد اللّه بن أهتم، علم من أعلام الخطابة، و قد وفد إلى هشام، و كان مطلاقا.

(2) هو شبيب بن شيبة بن عبد اللّه بن الأهتم. من رهط صفوان و من منافسيه.

(3) عيسى بن حاضر، أحد رجال المعتزلة، و أحد أصحاب عمرو بن عبيد.

(4) هو حفص الفرد، ذكر أنه من المجبرة، و ناظر أبا الهذيل العلاف فأفحمه أبو الهذيل.

45

رجال دعاة لا يفلّ عزيمهم # تهكم جبار و لا كيد ماكر

إذا قال مروا في الشتاء تطوعوا # و إن كان صيف لم يخف شهر ناجر

بهجرة أوطان و بذل و كلفة # و شدة أخطار و كد المسافر

فأنجح مسعاهم و أثقب زندهم # و أورى بفلج للمخاصم قاهر (1)

و أوتاد أرض اللّه في كل بلدة # و موضع فتياها و علم التشاجر

و ما كان سحبان يشق غبارهم # و لا الشدق من حيي هلال بن عامر

و لا الناطق النخار و الشيخ دغفل # إذا وصلوا إيمانهم بالمخاصر

و لا القالة الأعلون رهط مكحّل # إذا نطقوا في الصلح بين العشائر (2)

بجمع من الجفين راض و ساخط # و قد زحفت بدّاؤهم للمحاضر

-الجفان: بكر و تميم. و الروقان: بكر و تغلب. و الغاران: الأزد و تميم. و يقال ذلك لكل عمارة من الناس، و هي الجمع، و هم العمائر أيضا:

غار. و الجف أيضا: قشر الطلعة-.

تلقب بالغزال واحد عصره # فمن لليتامى و القبيل المكاثر

و من لحروري و آخر رافض # و آخر مرجي و آخر جائر

و أمر بمعروف و إنكار منكر # و تحصين دين اللّه من كل كافر

يصيبون فصل القول في كل موطن # كما طبّقت في العظم مدية جازر

تراهم كأن الطير فوق رءوسهم # على عمة معروفة في المعاشر

و سيماهم معروفة في وجوههم # و في المشي حجاجا و فوق الأباعر

و في ركعة تأتي على الليل كله # و ظاهر قول في مثال الضمائر

و في قص هداب و احفاء شارب # و كور على شيب يضي‏ء لناظر

و عنفقة مصلومة و لنعله # قبالان في ردن رحيب الخواصر (3)

فتلك علامات تحيط بوصفهم # و ليس جهول القوم في علم خابر

____________

(1) أثقب الزند: قدحه فأخرج منه النار. و أورى الزند: ثقبه.

(2) مكحل، هو عمرو بن الأهتم المنقري.

(3) العنفقة: ما بين الشفة السفلى و الذقن. قبال النعل: زمامها.

46

و في واصل يقول صفوان:

فما مس دينارا و لا صر درهما # و لا عرف الثوب الذي هو قاطعه‏

و فيه يقول أسباط بن واصل الشيباني:

و أشهد أن اللّه سماك واصلا # و أنك محمود النقيبة و الشيم‏

و لما قام بشار بعذر إبليس في أن النار خير من الأرض، و ذكر واصلا بما ذكره به صفوان:

زعمت بأن النار أكرم عنصرا # و في الأرض تحيا بالحجارة و الزند

و تخلق في أرحامها و أرومها # أعاجيب لا تحصى بخط و لا عقد (1)

و في القعر من لج البحار منافع # من اللؤلؤ المكنون و العنبر الورد

كذلك سر الأرض في البحر كله # و في الغيضة الغناء و الجبل الصلد

و لا بد من أرض لكل مطير # و كل سبوح في الغمائر من جد (2)

كذاك و ما ينساح في الأرض ماشيا # على بطنه مشي المجانب للقصد (3)

و يسري على جلد يقيم حزوزه # تعمج ماء السيل في صبب حرد (4)

و في قلل الأجبال خلف مقطم # زبرجد أملاك الورى ساعة الحشد

و في الحرة الرجلاء تلفى معادن # لهن مغارات تبجس بالنقد (5)

من الذهب الإبريز و الفضة التي # تروق و تصبي ذا القناعة و الزهد

و كل فلز من نحاس و آنك # و من زئبق حي و نوشاذر يسدي‏ (6)

____________

(1) الأروم: جمع أرومة، و هي الأصل. العقد: ضرب من الحساب.

(2) الغمائر: جمع غمير، و هو الماء الكثير. الجد، بالضم و الفتح: شاطئ النهر، أي لا بد لكل سابح من شاطئ.

(3) ينساح: يمشي على بطنه.

(4) التعمج: التلوي. الصبب: الموضع المنحدر. الحرد: المتنحي المعتزل.

(5) الحرة: أرض حجارتها سوداء. الرجلاء: التي لا يستطاع المشي فيها لخشونتها و صعوبتها.

تبجس بالنقد: تنفجر بالذهب و الفضة.

(6) الفلز: جواهر الأرض كلها. الآنك: الرصاص قال كراع: هو القصدير. و جعل الزئبق حيا لسرعة حركته. النوشاذر: حجر صاف.

47

و فيها زرانيخ و مكر و مرتك # و من مرقشيشا غير كاب و لا مكدي‏ (1)

و فيها ضروب القار و الشب و المها # و أصناف كبريت مطاولة الوقد (2)

ترى العرق منها في المقاطع لائحا # كما قدّت الحسناء حاشية البرد

و من إثمد جون و كلس و فضة # و من توتياء في معادنه هندي

و في كل أغوار البلاد معادن # و في ظاهر البيداء من مستو نجد

و كل يواقيت الأنام و حليها # من الأرض و الأحجار فاخرة المجد

و فيها مقام الخل و الركن و الصفا # و مستلم الحجاج من جنة الخلد

و في صخرة الخضر التي عند حوتها # و في الحجر الممهي لموسى على عمد (3)

و في الصخرة الصماء تصدع آية # لام فصيل ذي رغاء و ذي وخد (4)

مفاخر للطين الذي كان أصلنا # و نحن بنوه غير شك و لا جحد

فذلك تدبير و نفع و حكمة # و أوضح برهان على الواحد الفرد

أ تجعل عمرا و النطاسي واصلا # كأتباع ديصان و هم قمش المد

و تفخر بالميلاء و العلج عاصم # و تضحك من جيد الرئيس أبي الجعد

و تحكي لذى الأقوام شنعة رأيه # لتصرف أهواء النفوس إلى الرد

و سميته الغزال في الشعر مطنبا # و مولاك عند الظلم قصته مردي‏

-يقول: إن مولاك ملاح، لأن الملاحين إذا تظلموا رفعوا المرادي-.

فيا ابن حليف الطين و اللؤم و العمى # و أبعد خلق اللّه من طرق الرشد

أ تهجو أبا بكر و تخلع بعده # عليا و تعزو كل ذاك إلى برد

كأنك غضبان على الدين كله # و طالب ذحل لا يبيت على حقد (5)

رجعت إلى الأمصار من بعد واصل # و كنت شريدا في التهائم و النجد (6)

____________

(1) الزرنيخ: معدن له ألوان كثيرة، منها الأصفر و الأحمر و الأغبر. المكر: طين أحمر يصبغ به. المرتك: مبيض الرصاص. المرقشيشا: صنف من الحجارة يستخرج منه النحاس.

(2) المها: جمع مهاة، البلورة التي تلمع لشدة بياضها.

(3) أمهى الحجر: ظهر ماؤه، إشارة إلى ضرب موسى بعصاه الحجر.

(4) الوخد: ضرب من سير الإبل.

(5) الذحل: الثأر.

(6) التهائم: الأرض المنصوبة إلى البحر. و النجد: ما غلظ من الأرض و أشرف و استوى.

48

أ تجعل ليلى الناعظية نحلة # و كل عريق في التناسخ و الرد

عليك بدعد و الصدوف و فرتني # و حاضنتي كسف و زاملتي هند (1)

تواثب أقمارا و أنت مشوه # و أقرب خلق اللّه من شبه القرد

و لذلك قال فيه حماد عجرد (2) بعد ذلك:

و يا أقبح من قرد # إذا ما عمي القرد

و يقال إنه لم يجزع بشار من شي‏ء قط جزعه من هذا البيت.

و ذكر الشاعر و ذكر أخويه لأمه فقال:

لقد ولدت أم الأكيمه أعرجا # و آخر مقطوع القفا ناقص العضد (3)

و كانوا ثلاثة مختلفي الآباء و الأم واحدة، و كلهم ولد زمنا (4) . و لذلك قال بعض من يهجوه:

إذا دعاه الخال أقعى و نكص # و هجنة الأقراف فيه بالحصص‏ (5)

و قال الشاعر:

لا تشهدنّ بخارجي مطرف # حتى ترى من نجله أفراسا (6)

____________

(1) عليك بالغزل بالنساء.

(2) حماد عجرد: شاعر عباسي معاصر لبشار تهاجى مع بشار.

(3) الأكيمه: مصغر الأكمه، و هو الذي ولد أعمى.

(4) الزمن: ذو العاهة.

(5) هجنة الأقراف: الهجنة من قبل الأب.

(6) الخارجي المطرف: الحصان العصامي الجودة.

49

و قال صفوان الأنصاري في بشار و أخويه، و كان يخاطب أمهم:

ولدت خلدا و ذيخا في تشتمه # و بعده خززا يشتد في الصعد

ثلاثة من ثلاث فرقوا فرقا # فاعرف بذلك عرق الخال في الولد

الخلد: ضرب من الجرذان يولد أعمى. و الذيخ: ذكر الضباع، و هو أعرج. و الخزز: ذكر الأرانب، و هو قصير اليدين لا يلحقه الكلب في الصعد.

و قال بعد ذلك سليمان الأعمى، أخو مسلم بن الوليد الأنصاري الشاعر، في اعتذار بشار لإبليس و هو يخبر عن كرم خصال الأرض:

لا بد للأرض إن طابت و إن خبثت # من أن تحيل إليها كل مغروس

و تربة الأرض إن جيدت و إن قحطت # فحملها أبدا في أثر منفوس

و بطنها بفلزّ الأرض ذو خبر # بكل ذي جوهر في الأرض مرموس‏

-الفلزّ: جوهر الأرض من الذهب و الفضة و النحاس و الآنك و غير ذلك-.

و كل آنية عمت مرافقها # و كل منتقد فيها و ملبوس

و كل ماعونها كالملح مرفقة # و كلها مضحك من قول إبليس‏

و قال بعض خلعاء بغداد:

عجبت من إبليس في كبره # و قبح ما أظهر من نيّته

تاه على آدم في سجدة # و صار قوادا لذريته‏

و ذكره بهذا المعنى سليمان الأعمى، اخو مسلم الأنصاري، فقال:

يأبى السجود له من فرط نخوته # و قد تحول في مسلاخ قواد

و قال صفوان في شأن واصل و بشار، و في شأن النار و الطين في كلمة له:

50

و في جوفها للعبد أستر منزل # و في ظهرها يقضي فرائضه العبد

تمج لفاظ الملح مجا و تصطفي # سبائك لا تصدا و إن قدم العهد

و ليس بمحص كنه ما في بطونها # حساب و لا خط و إن بلغ الجهد

فسائل بعبد اللّه في يوم حفله # و ذاك مقام لا يشاهده و غد

أقام شبيب و ابن صفوان قبله # بقول خطيب لا يجانبه القصد

و قام ابن عيسى ثم قفاه واصل # فأبدع قولا ما له في الورى ند

فما نقصته الراء إذ كان قادرا # على تركها و اللفظ مطرد سرد

ففضل عبد اللّه خطبة واصل # و ضوعف في قسم الصلات له الشكد (1)

فأقنع كلّ القوم شكر حبائهم # و قلل ذاك الضعف في عينه الزهد

قد كتبنا احتجاج من زعم أن واصل بن عطاء كان غزالا، و احتجاج من دفع ذلك عنه، و يزعم هؤلاء أن قول الناس واصل الغزال، كما يقولون خالد الحذّاء، و كما يقولون هشام الدستوائي‏ (2) . و إنما قيل ذلك لأن الإباضية (3)

كانت تبعث إليه من صدقاتها ثيابا دستوائية، فكان يكسوها الأعراب الذين يكونون بالجناب، فأجابوه إلى قول الاباضية، و كانوا قبل ذلك لا يزوجون الهجناء، فأجابوه إلى التسوية و زوجوا هجينا، فقال الهجين في ذلك:

إنا وجدنا الدستوائيينا # الصائمين المتعبدينا

أفضل منكم حسبا و دينا # أخزى الإله المتكبرينا

أ فيكم من ينكح الهجينا (4)

و قال: إنما قيل ذلك لواصل لأنه كان يكثر الجلوس في سوق الغزالين، إلى أبي عبد اللّه مولى قطن الهلالي، و كذلك كانت حال خالد الحذّاء الفقيه

____________

(1) الشكد: الجزاء و العطاء.

(2) هو أبو بكر هشام بن أبي عبد اللّه سنبر الدستوائي البصري البكري.

(3) الإباضية: فرقة من فرق الخوارج، نسبة إلى عبد اللّه بن إباض، الخارج في أيام مروان بن محمد.

(4) الهجين: ولد الأمة.

51

و كما قالوا: أبو مسعود البدري، لأنه كان نازلا على ذلك الماء. و كما قالوا:

أبو مالك السدي، لأنه كان يبيع الخمر في سدة المسجد.

و هذا الباب مستقصى في كتاب «الأسماء و الكنى» ، و قد ذكرنا جملة منه في كتاب «أبناء السراري و المهيرات» .

[حروف اللثغة]

ذكر الحروف التي تدخلها اللثغة و ما يحضرني منها:

قال أبو عثمان: و هي أربعة أحرف: القاف، و السين، و اللام، و الراء.

فأما التي هي على الشين المعجمة فذلك شي‏ء لا يصوره الخط!لأنه ليس من الحروف المعروفة، و إنما هو مخرج من المخارج، و المخارج لا تحصى و لا يوقف عليها. و كذلك القول في حروف كثيرة من حروف لغات العجم، و ليس ذلك في شي‏ء أكثر منه في لغة الخوز. و في سواحل البحر من اسياف فارس ناس كثير، كلامهم يشبه الصفير. فمن يستطيع أن يصور كثيرا من حروف الزمزمة و الحروف التي تظهر من فم المجوسي إذا ترك الإفصاح من معانيه، و أخذ في باب الكناية و هو على الطعام؟!فاللثغة التي تعرض للسين تكون ثاء، كقولهم لأبي يكسوم: أبي يكثوم، و كما يقولون بثرة، إذا أرادوا بسرة. و بثم اللّه إذا أرادوا بسم اللّه.

و الثانية اللثغة التي تعرض للقاف، فإن صاحبها يجعل القاف طاء، فإذا أراد أن يقول: قلت له، قال: طلت له، و إذا أراد أن يقول قال لي، قال: طال لي.

و أما اللثغة التي تقع في اللام فإن من أهلها من يجعل اللام ياء فيقول بدل قوله: اعتلك: اعتييك، و بدل جمل: جمى. و آخرون يجعلون اللام كافا، كالذي عرض لعمر أخي هلال، فإنه كان إذا أراد أن يقول: ما العلة في هذا، قال: مكعكة في هذا.

و أما اللثغة التي تقع في الراء فإن عددها يضعف على عدد لثغة اللام، لأن الذي يعرض لها أربعة أحرف: فمنهم من إذا أراد أن يقول عمرو، قال:

52

عمي، فيجعل الراء ياء. و منهم من إذا أراد أن يقول عمرو، قال: عمغ، فيجعل الراء غينا. و منهم من إذا أراد أن يقول عمرو، قال: عمذ، فيجعل الراء ذالا. و إذا أنشد قول الشاعر (1) :

و استبدت مرة واحدة # إنما العاجز من لا يستبد

قال:

و استبدت مذة واحدة # إنما العاجز من لا يستبد

فمن هؤلاء علي بن الجنيد بن فريدي.

و منهم من يجعل الراء ظاء معجمة، فإذا أراد أن يقول:

و استبدت مرة واحدة # إنما العاجز من لا يستبد

يقول:

و استبدت مظة واحدة # إنما العاجز من لا يستبد

و منهم من يجعل الراء غينا معجمة، فإذا أراد أن ينشد هذا البيت قال:

و استبدت مغة واحدة # إنما العاجز من لا يستبد

كما الذي لثغته بالياء، إذا أراد أن يقول: «و استبدت مرة واحدة» يقول «و استبدت مية واحدة» .

و أما اللثغة الخامسة التي كانت تعرض لواصل بن عطاء، و لسليمان بن يزيد العدوي الشاعر، فليس إلى تصويرها سبيل. و كذلك اللثغة التي تعرض في السين كنحو ما كان يعرض لمحمد بن الحجاج، كاتب داود بن محمد، كاتب أم جعفر، فإن تلك أيضا ليست لها صورة في الخط ترى بالعين، و إنما يصورها اللسان و تتأدى إلى السمع. و ربما اجتمعت في الواحد لثغتان في

____________

(1) هو عمر بن أبي ربيعة المخزومي، رائد الغزل الإباحي في العصر الأموي‏

53

حرفين، كنحو لثغة شوشي، صاحب عبد اللّه بن خالد الأموي، فإنه كان يجعل اللام ياء و الراء ياء. قال مرة: مو ياي و يي ايي. يريد مولاي ولي الري. و اللثغة التي في الراء إذا كانت بالياء فهي أحقرهن و أوضعهن لذي المروءة، ثم التي على الظاء، ثم التي على الذال فأما التي على الغين فهي أيسرهن، و يقال إن صاحبها لو جهد نفسه جهده و أحد لسانه، و تكلف مخرج الراء على حقها و الإفصاح بها، لم يك بعيدا من أن تجيبه الطبيعة، و يؤثر فيها ذلك التعهد أثرا حسنا.

و قد كانت لثغة محمد بن شبيب المتكلم، بالغين، و كان إذا شاء أن يقول عمرو، و لعمري، و ما أشبه ذلك على الصحة قاله، و لكنه كان يستثقل التكلف و التهيؤ لذلك، فقلت له: إذا لم يكن المانع إلا هذا العذر فلست أشك أنك لو احتملت هذا التكلف و التتبع شهرا واحدا أن لسانك كان يستقيم.

فأما من تعتريه اللثغة في الضاد و ربما اعتراه أيضا في الصاد و الراء حتى إذا أراد أن يقول مضر قال مضى، فهذا و أشباهه لاحقون بشوشي.

و قد زعم ناس من العوام أن موسى عليه السلام كان ألثغ، و لم يقفوا من الحروف التي كانت تعرض له على شي‏ء بعينه. فمنهم من جعل ذلك خلقة، و منهم من زعم أنه إنما اعتراه حين قالت آسية بنت مزاحم امرأة فرعون لفرعون:

«لا تقتل طفلا لا يعرف التمر من الجمر» . فلما دعا له فرعون بهما جميعا تناول جمرة فأهوى بها إلى فيه، فاعتراه من ذلك ما اعتراه.

و أما اللثغة في الراء فتكون بالياء و الظاء و الذال و الغين، و هي أقلها قبحا و أوجدها في ذوي الشرف و كبار الناس و بلغائهم و علمائهم.

و كانت لثغة محمد بن شبيب المتكلم، بالغين، فإذا حمل على نفسه و قوم لسانه أخرج الراء على الصحة فتأتى له ذلك. و كان يدع ذلك استثقالا أنا سمعت ذلك منه.

54

قال: و كان الواقدي‏ (1) يروي عن بعض رجاله، أن لسان موسى كانت عليه شأمة فيها شعرات. و ليس يدل القرآن على شي‏ء من هذا، لأنه ليس في قوله: وَ اُحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسََانِي دليل على شي‏ء دون شي‏ء.

[الفأفأة و التمتمة]

و قال الأصمعي: إذا تتعتع اللسان في التاء فهو تمتام، و إذا تتعتع في الفاء فهو فأفاء. و أنشد لرؤبة بن العجاج:

يا حمد ذات المنطق التمتام # كأن وسواسك في اللمام

حديث شيطان بني هنام‏

و بعضهم ينشد:

يا حمد ذات المنطق النمنام‏

و ليس ذلك بشي‏ء، و إنما هو كما قال أبو الزحف‏ (2) :

لست بفأفاء و لا تمتام # و لا كثير الهجر في الكلام‏

و أنشد أيضا للخولاني في كلمة له:

إن السياط تركن لاستك منطقا # كمقالة التمتام ليس بمعرب‏

فجعل الخولاني التمتام غير معرب عن معناه، و لا مفصح بحاجته.

[اللفف‏]

و قال أبو عبيدة: إذا أدخل الرجل بعض كلامه في بعض فهو ألف، و قيل بلسانه لفف. و أنشدني لأبي الزحف الراجز:

____________

(1) الواقدي: محمد بن عمر بن واقد من أهل المدينة، تولى القضاء للمأمون في بغداد، و نبغ في السير و المغازي و الأخبار، عاش بين سنتي 130-207 هـ.

(2) هو عطاء بن الخطفي ابن عم الشاعر الأموي جرير.