حياة الحيوان الكبري - ج1

- الدميري المزيد...
520 /
3

الجزء الأول‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم

المقدّمة

عصر (1) المؤلف‏

أولا:

عاش المؤلف كمال الدين الدّميري، في عصرين متجاورين، هما عصر دولة المماليك البحرية و المماليك البرجية، و قد عاصر من سلاطين الفترتين اثني عشر سلطانا ابتداء من عهد الملك الصالح إسماعيل بن محمد بن قلاوون الذي تقلد السلطنة سنة 743 هـ حتى 745 هـ، و انتهاء بالملك الناصر فرج بن برقوق المتوفى سنة 814 هـ.

الحال السياسية:

و إذا كانت الفترة الأولى قد تميّزت بنوع من الاستقرار السياسي، خصوصا في بداياتها أيام بيبرس و قلاوون و ابنه حسن، فإن هذا الأمر لم يكن متاحا دائما في الدولة الثانية، و لو أن العصر شهد سلاطين أقوياء مثل برقوق، و برسباي، و غيرهما. و لكن الاضطرابات الداخلية لم تتوقف طيلة العصر، بسبب الشهرة إلى السلطة و التنافس عليها و الحسد، و كثيرا ما كان يثور حاكم المنطقة ضد سلطانه، و كذلك القواد و كبار الأمراء، و كان الاستيلاء على السلطة في أي وقت أمر متاح للقادة الكبار في الجيش لأن السلطة شبه عسكرية، مركزية، و القواد العسكريون، يتمتعون بنفوذ واسع. و الخليفة لا يملك إلا الاسم و التوقيع فحسب. و كذلك عامة الناس كانوا أبعد ما يكونون عن المتغيرات السياسية، و هم الذين يتحملون أوزار الانقلابات العسكرية و الثورات دائما.

الحروب و الأوضاع العسكرية:

خاض المماليك، في الدولة البحرية، و منذ قيامها، حروبا عدة مشرفة، كان أولها معركة عين جالوت سنة 662 هـ التي أوقفت الزحف المغولي و وضعت له حدا، بل تراجع المغول بعد تلك المعركة منهزمين نحو الشرق، و توالت المواجهات بعد ذلك، أيام الظاهر بيبرس الذي أمضى

____________

(1) الدولة المملوكية الأولى (البحرية) : 648 هـ-784 هـ.

الدولة الثانية (البرجية) : 784 هـ-922 هـ.

4

سبعة عشر عاما، و هي مدة سلطنته، مجاهدا مقاتلا ضد الصليبيين و المغول، و استطاع أن يحرر الكثير من المواقع التي احتلها الفرنجة على سواحل الشام. و الواقع إن هذه الفترة من حكم المماليك قد انقذت ما تبقى من بلاد الإسلام، و تصدت بشجاعة للغزوين المغولي و الصليبي. و قد أعاد السلطان الظاهر بيبرس الخلافة العباسية إلى سابق مجدها و جعل القاهرة مقر الخلافة بعد سنة 656 هـ حيث سقطت بغداد بأيدي المغول، و استمر الوضع العسكري على هذا المنوال في الدولة الثانية، حيث كان الفرنجة يحاولون النزول على سواحل الشام أو مصر بين وقت و آخر، فكانوا يتصدون لهم، و ببسالة، حتى إن برسباي تعدى ذلك إلى أن غزا قبرس و أسر ملكها و غنم الغنائم العظيمة.

أما الحجاز، أيام الدولة الثانية، فكان يخضع للسلطة المركزية، في القاهرة، و كان السلاطين، يتدخلون عند الضرورة، لفض النزاعات على الحكم في مكة و ما يليها. كما امتدت سلطة الدولة المملوكية إلى اليمن و السواحل الشرقية لشبه الجزيرة العربية.

الحال الاجتماعية:

إن التنافس على السلطة، و المعارك الجانبية التي كانت تشب هنا و هنالك في مصر و الشام، بالإضافة إلى المواجهات العنيفة ضد المغول و من بعدهم الفرنجة الصليبيين، كانت تستنزف الطاقات المالية و الاقتصادية في مصر، مما دفع الكثير من الملوك لفرض ضرائب جديدة كلما دعت الحاجة، مما أثقل كاهل الناس، خصوصا في مصر. و لم يقتصر الأمر، على الإنفاق الحربي، لكن اشتركت عوامل أخرى في تعقيد الأحوال المعيشية، من ذلك: الطاعون‏ (1) و الأوبئة الأخرى التى كانت تتفشى من وقت لآخر فيذهب آلاف الناس ضحية لذلك، و بالتالي ينعكس الأمر سلبا على البلاد لفقدان الأيدي العاملة في الزراعة و في الحرف الأخرى، و أكثر ما يلاحظ ذلك في الدولة الثانية، حيث تفاقمت الضرائب‏ (2) ، و ازدادت المصادرات، و تغلب الجند على مقدّرات البلاد و العباد، و كثرت ثورات الأعراب، خصوصا في صعيد مصر. و يضاف على ذلك، ما كان يسببه انخفاض النيل من أزمة في ري المزروعات فتقل المواسم و ترتفع الأسعار، و يكثر السلب و النهب و المصادرات.

أما طبقات الشعب، فكانت الطبقة الحاكمة، طبقة المماليك السلاطين، و الأمراء، و الجنود و معظمهم كانوا يتحدرون من أصول غير عربية، و بعضهم لم يكن يتكلم العربية. و عامة الشعب، و تنقسم إلى تجار متوسطي الحال، و السواد الأعظم من الناس من المزارعين و الفقراء.

الحال الثقافية:

إن الأوضاع السياسية، غير المستقرة، و الأحوال الاقتصادية المتدهورة، و الحروب التي لا

____________

(1) مطالعات في الشعر المملوكي: 46.

(2) بدائع الزهور: 3/59.

5

تكاد تتوقف، حتى تشتعل في غير مكان، كل ذلك كان عائقا في وجه أي نهضة علمية شاملة، و لم يكن من السهل تخطي ذلك الواقع، خصوصا و أن بغداد عاصمة العلم و الحضارة في المنطقة كلها قد سقطت وضاع بسقوطها تراث أجيال، في العلوم المختلفة، و تشتت أهل العلم، فمنهم من قضى نحبه، و منهم من هام على وجهه ينشد الأمن و النجاة، و كان لحسن حظ بعضهم أن يمموا شطر مصر، فأفادوا منها و أعطوها من غزير علومهم، و بذلك تحوّلت الحركة العلمية إلى القاهرة فتوافد أهل العلم من جميع الأقطار الإسلامية، و العربية، إلى عاصمة الخلافة، نظرا لما تحتله هذه العاصمة من مكانة في قلوب أهل الإسلام باعتبارها ترفع راية الجهاد ضد قوى الطغيان و الغزو، فضلا عن الرعاية التي لقيها أهل العلم في العهود المختلفة و في الدولتين.

و رعاية المماليك للعلم و العلماء، تتمثل بإقامتهم للمدارس، و قد اوقفوا لها الأوقاف، و أجروا الرواتب على المعلمين و المتعلمين، و اهتموا بالمساجد، فعينوا لها الخطباء و الأئمة حتى غدت هي أيضا مراكز علمية مشعة، فمن المساجد التي لعبت دورا بارزا في النهضة، الجامع الأزهر و قد ساهم في إحياء العلوم المختلفة، علوم اللغة و الطب و الرياضيات و الموسيقى و الحديث النبوي و علوم القرآن و غير ذلك من علوم العصر، و من المساجد التي لعبت الدور نفسه، جامع العطارين بالاسكندرية، و جامع دمياط، و جامع اسيوط، و قوص، و قفط. كما رعى السلاطين المدارس الدينية التي كانت تدرس الفقه على المذاهب الأربعة، و جامع عمرو بن العاص الذي كان يضم أربعين حلقة.

و من الجدير بالذكر، أن ديوان الإنشاء كان من المؤسسات التي ساهمت في الإبقاء على العربية كلغة للتأليف و الكتابة، باعتبار أن هذا الديون، هو الأكثر نشاطا في حقل الكتابة، فهو السجل الرسمي للدولة و فيه تدون كافة الوثائق الصادرة، و الواردة، و كان يقوم بذلك كتاب أدباء بلغاء عملوا على إغناء العربية بأساليبهم الرفيعة، و لو طغى عليها بعض التصنع في بعض الأحيان.

و لا يفوتنا أن ننوه بما كان للقضاء من دور مميز، هو الآخر، حمل عبئا غير قليل في التّمكين للعربية و لأساليب التعبير من خلال ما يدونه القضاة من عهود و مواثيق و أحكام. و نظرا لما تقدم، فباستطاعتنا أن نرصد مئات الأعلام، علماء و أدباء، فمن المؤرخين أبو المحاسن، يوسف بن تغري بردي المتوفى سنة 874 هـ، و شمس الدين السخاوي المتوفى سنة 902 هـ، و تقي الدين المقريزي المتوفى سنة 845 هـ. و ابن إياس المتوفى سنة 930 هـ. و في اللغة و الأدب: جلال الدين السيوطي المتوفى سنة 911 هـ و الذي تعد مؤلفاته بالعشرات في كل علم و فن: في التفسير و الحديث و الفقه و اللغة و النحو، و ابن تيميه المتوفى سنة 728 هـ.

و من الجدير بالذكر أن أهل السلطة كانوا يقربون أهل المعرفة و الأدب، و لكنهم تشددوا مع المنحرفين عن الدين، و مع أهل الفلسفة، و من أهل الفلسفة التفتازاني سعد الدين، و عبد الرحمن الإيجي و نصير الدين الطوسي، و غيرهم.

6

و قد تنافس أهل العلم في اقتناء الكتب و جمعها، حتى ليقال إن نجم الدين بن حجي‏ (1)

ترك بعد وفاته ثلاثة آلاف مجلد من الكتب النفيسة. و ذكر المقريزي، في القاهرة وحدها أربع عشرة مكتبة عامة. و لم تكن دمشق تقل شأنا في هذا المجال، و عرف فيها من المدارس العمرية و الناصرية، و خزانة للكتب.

و في حلب عرفت نهضة علمية، تمثلت بعدد المدارس التي كانت فيها حتى اجتياح تيمور لنك لها سنة 803 هـ. إذ بلغ عدد مدارسها ثلاثمائة مدرسة، دمرها الغزو المغولي في ذلك الوقت، و لكن نشأت مدارس أخرى منها: الشعبانية، و العثمانية، و المنصورية، و الخسروية (2) ، و كانت لها أوقاف جارية.

و على وجه العموم، فإن العصر المملوكي، بفترتيه، عرف نشاطا ثقافيا ملحوظا، في سائر العلوم و الفنون، للأسباب التي أشرنا إليها حتى عدّت المؤلفات بعشرات الآلاف في مدة زمنية لم تتجاوز ثلاثمائة عام، تعاقب خلالها على الحكم سلاطين أشدّاء، وجهوا همهم إلى الحرب و الجهاد، و لكنهم لم يغفلوا أبدا عن تشجيع العلوم و تقريب العلماء، فلا يخلو عصر أحد منهم من بناء جامع أو مدرسة، أو مكتبة كما فعل قلاوون، و ابنه الناصر، و الملك الظاهر جقمق، و بيبرس و قايتباي و قانصوه الغوري. و بعضهم كان مثقفا كالمؤيد شيخ الذي كان «يركز الفن و ينظم الشعر، و له أشياء كثيرة من الفن دائرة بين المغنين الآن» (3) .

ترجمة المؤلف‏ (4)

اسمه و نسبه:

محمد بن موسى بن عيسى بن علي الكمال أبو البقاء، الدّميري الأصل، القاهري الشافعي. كان اسمه كمالا بغير إضافة، و كان يكتبه كذلك بخطه في كتبه ثم تسمّى محمدا، و صار يكشط الأول، و كأنه، لتضمنه نوعا من التزكية مع هجر اسمه الحقيقي.

نشأته و شيوخه:

ولد في القاهرة سنة 742 هـ، و تكسّب بالخياطة، ثم أقبل على العلم، فسمع جامع الترمذي على مظفّر الدين العطار المصري، و على علي بن أحمد العرضي الدمشقي. كما سمع بالقاهرة من عبد الرحمن بن علي الثعلبي، و من محمد بن علي الخزاوي: كتاب «الخيل» للحافظ

____________

(1) فقيه و قاض توفي في القاهرة سنة 888 هـ. انظر: مطالعات في الشعر المملوكي: 67.

(2) المصدر السابق: 65.

(3) تاريخ ابن إياس: 2/9.

(4) انظر ترجمة المؤلف في: الضوء اللامع للسخاوي: 10/59. و فيه: أن اسم المؤلف كان «كمالا» بغير إضافة ثم تسمّى محمدا» . العقد الثمين: 2/372. الأعلام: 7/118.

7

شرف الدين الدمياطي عنه. كما سمع «العلم» للمرهبي، و من غيرهما شيوخهما.

و في مكة المكرمة، سمع من الجمال محمد بن أحمد بن عبد المعطي: صحيح ابن حبّان، و غير ذلك. و سمع فيها سنن ابن ماجة، و مسند الطيالسي، و مسند الشافعي، و معجم ابن قانع، و أسباب النزول للواحدي، و المقامات الحريرية و غير ذلك، على كمال الدين محمد بن عمر بن حبيب الحلبي.

و ممن أخذ عنهم الشيخ بهاء الدين أحمد بن الشيخ تقي الدين السّبكي، و قد أجاز له النويري أبو الفضل كمال الدين بالفتوى و التدريس بناء على طلب السبكي.

و من شيوخه في الفقه جمال الدين عبد الرحيم الإسنائي، و في الأدب الشيخ برهان الدين القيراطي.

مؤلفاته:

و قد برع الدميري، في التفسير و الحديث و الفقه و أصوله، و العربية و الأدب، و له تصانيف في العلوم المختلفة منها:

1-الديباجة، في شرح سنن ابن ماجة، و هو في خمس مجلدات.

2-النجم الوهّاج، في شرح المنهاج للنواوي.

3-حياة الحيوان الكبرى، و قد اختصره التقي‏ (1) الفاسي سنة 822 هـ.

4-أرجوزة في الفقه.

5-التذكرة.

6-شعر و نظم.

7-مختصر شرح لامية العجم للصفدي.

سيرته و طلابه:

كان خيّرا عابدا، صائما، و كان تصدى للتدريس و الإفتاء في أماكن كثيرة من القاهرة منها:

الجامع الأزهر و كانت له حلقة و درس أسبوعي. و درّس الفقه في القبّة من خانقاه بيبرس بالقاهرة.

من أهم تلاميذه، الذين أخذوا عنه الحديث التقي الفاسي، في مصر و الإمام صلاح الدين خليل بن الأقفهسي، في مكة المكرمة.

و قد ذكّر و وعظ في مدرسة ابن البقري، و جامع الظاهر بالحسينية، كما درّس و أفتى أثناء مجاوراته في مكة المكرمة، و كان نزلها لأول مرة سنة 762 هـ، فجاور ثم حج و كرر ذلك مرارا و تزوّج و رزق اولادا، و كان حجه الأخير سنة 800 هـ، و انصرف من حجه ذلك إلى القاهرة حيث مات فيها سنة 808 هـ، و دفن في مقابر الصوفية بسعيد السعداء.

____________

(1) تقي الدين محمد بن أحمد الحسيني الفاسي المتوفى سنة 832 هـ.

8

منهج المؤلف‏

إن الدميري، قد رتّب كتابه على حروف المعجم، و ضمنه من أسماء الحيوانات ما تنامى إلى سمعه، و من مصادر كثيرة و مختلفة تتراوح ما بين كتب يونانية و عربية قديمة أو ما كان قريبا لعهد المؤلف، الذي اطلع على تلك الكتب، المتخصصة في عالم الطب و الحيوان، و وعى ما فيها، و نقّحها، و طرح جانبا ما لم يقتنع به، و أقرّ ما رأى عليه إجماعا لدى العلماء، و مع حذره الشديد، فإنه قد أبقى على معلومات كثيرة، غريبة و عجيبة، و لكنه نقلها على ذمة أصحابها و ناقليها، فأيّد كل مروياته بإسنادها إلى رواتها، بالتسلسل المعروف وصولا إلى المنشإ الأساس، و لم يفته أن يرد، حيث يقتضي الأمر، على الأغاليط.

أما طريقته في عرض المعلومات، فإنه يبدأ بوصف الحيوان، بعد أن يضبط اسمه ضبطا تاما بالشكل، و يعرّف بالأصل اللغوي له، و يقدم بعد ذلك عرضا لبعض الأخبار و المرويات التي تدل على طبائع ذلك الحيوان، و في هذا الإطار يستحضر طائفة من الأحاديث النبوية الشريفة، و الآيات القرآنية الكريمة التي لها علاقة بالموضوع، فضلا عما جاء حوله من أشعار قديمة، و أمثال و حكم. ثم يورد ما قاله الفقهاء في شأن الحيوان المذكور من حيث الحكم الشرعي في أكله أو عدمه، يؤيد ذلك بالأقوال المختلفة، و بأحاديث نبوية و آيات كريمة، و ينتهي إلى ذكر الخواص الطبية من المنافع و المضار من لحم ذلك الحيوان أو غيره.

منهج التحقيق‏

اعتمدت في تحقيق الكتاب، الطبعة المصرية، التي توزعها مكتبة محمود توفيق الكتبي بمصر، و هي طبعة قديمة، لا تخلو من الأخطاء، و تقع في مجلدين كبيرين، و صفحاتها كبيرة يزيد عدد الأسطر في كل صفحة على ثلاثين سطرا، و عدد كلمات كل سطر يتراوح ما بين خمس عشرة إلى عشرين كلمة.

و لقد قمت بضبط نصوص الكتاب، بوضع علامات الوقف، و الحركات المناسبة في أواخر الكلمات حيث يلزم. ثم حددت بدايات: للمقاطع و الفقرات، و انتقلت بعد ذلك إلى تحقيق الكتاب، بتخريج الأبيات الشعرية من مصادرها في الدواوين، و في أمهات كتب الأدب و التاريخ، و خرّجت الآيات، و الأحاديث النبوية ما أمكنني، و لم اهتد إلى بعض الأحاديث فتركتها، و لم أشر إلى ذلك. كما خرّجت أمثال الكتاب، و عرّفت بأعلامه و خصوصا الشعراء، بإشارات سريعة، و لم اتوقف على الدقائق، و التفاصيل لغير حاجة.

و بعد، فإن ما قمت به، ما هو إلا محاولة متواضعة، أرجو أن أكون قد وفقت في مسعاي، لإخراج هذا الكتاب في حلة جديدة تليق به، داعيا المولى عز و جل أن ينفعنا به، إنه سميع مجيب.

و اللّه الموفق أحمد حسن بسج بيروت في 17 جمادى الأولى 1414 هجرية الموافق 1/11/1993 رومية

9

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم الحمد للّه الذي شرف نوع الإنسان، بالأصغرين: القلب و اللسان، و فضله على سائر الحيوان بنعمتي المنطق و البيان، و رجحه بالعقل الذي وزن به قضايا القياس في أحسن ميزان، فأقام على وحدانيته البرهان. أحمده حمدا يمدنا بمواد الإحسان، و أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له الذي لا يدرك كنه ذاته بالحدود و الرسوم ذوو الأذهان، و أشهد أن سيدنا محمدا عبده و رسوله المخصوص بالآيات البينات كل البيان، صلّى اللّه عليه و سلم و على آله و صحبه، صلاة و سلاما يدومان ما دام الملوان، و يبقيان في كل زمان و أوان.

و بعد، فهذا كتاب لم يسألني أحد تصنيفه، و لا كلفت القريحة تأليفه، و إنما دعاني إلى ذلك أنه وقع في بعض الدروس، التي لا مخبأ فيها لعطر بعد عروس، ذكر مالك الحزين و الذيخ المنحوس، فحصل في ذلك ما يشبه حرب البسوس، و مزج الصحيح بالسقيم، و لم يفرق بين نسر و ظليم، و تحككت العقرب بالأفعى، و استنت الفصال حتى القرعى، و صيروا الأروى مع النّعام ترعى، و قضوا باجتماع الحوت و الضب قطعا، و اتخذ كل أخلاق الضبع طبعا، و لبس‏ (1) جلد النمر أهل الإمامة، و تقلدها الجميع طوق الحمامة.

و القوم إخوان و شتى في الشيم # و قيل في شأنهم: اشتدي زيم‏ (2)

و ظن الكبير أنه «أصدق من القطا (3) و أن الصغير كالفاختة غلطا، و صار الشيخ الأفيق، كذات التحيين و المعبد ذو التحقيق كالراجع بخفي حنين‏ (4) و المقيد كالأشقر تحيرا، و الطالب كالحباري تحسرا، و المستمع يقول: كل الصيد في جوف الفرا (5) و النقيب كصافر يكرر «أطرق كرا» (6) فقلت عند ذلك في بيته يؤتى الحكم، و بإعطاء القوس باريها (7) تتبين الحكم، و في الرهان سابق الخيل يرى، «و عند الصباح يحمد القوم السّرى» (8) و استخرت اللّه تعالى و هو الكريم

____________

(1) لبس جلد النمر:

كناية عن المجاهرة بالعداوة.

(2) زيم: اسم فرس.

(3) جمهرة الأمثال: 1/479.

(4) يضرب لمن يرجع خائبا.

(5) جمهرة الأمثال: 2/135.

(6) جمهرة الأمثال: 1/158.

(7) جمهرة الأمثال: 1/66.

و المثل: أعط القوس باريها.

(8) جمهرة الأمثال: 2/38.

10

المنان، في وضع كتاب في هذا الشأن و سميته حياة الحيوان، جعله اللّه موجبا للفوز في دار الجنان، و نفع به على ممر الأزمان، إنه الرحيم الرحمن و رتبته على حروف المعجم، ليسهل به من الأسماء ما استعجم.

باب الهمزة

الأسد

: من السباع معروف، و جمعه أسود و أسد و آسد و آساد و الأنثى أسدة و في حديث‏ (1) أم زرع: «زوجي إن دخل فهد، و إن خرج أسد» . و له أسماء كثيرة، قال ابن خالويه: للأسد خمسمائة اسم و صفة. و زاد عليه علي بن قاسم بن جعفر اللغوي مائة و ثلاثين اسما فمن أشهرها: أسامة و البيهس و النآج و الجخدب و الحارث و حيدرة و الدوّاس و الرئبال و زفر و السبع و الصّعب و الضّرغام و الضّيغم و الطيثار و العنبس و الغضنفر و الفرافصة و القسورة و كهمس و الليث و المتأنّس و المتهيّب و الهرماس و الورد. و كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى. و من كناه أبو الأبطال و أبو حفص و أبو الأخياف و أبو الزعفران و أبو شبل و أبو العباس و أبو الحارث.

و إنما ابتدأنا به لأنه أشرف الحيوان المتوحش؛ إذ منزلته منها منزلة الملك المهاب، لقوته و شجاعته و قساوته و شهامته و جهامته و شراسة خلقه، و لذلك يضرب به المثل في القوّة و النجدة و البسالة و شدّة الإقدام و الجراءة و الصّولة. و منه قيل لحمزة بن عبد المطلب رضي اللّه عنه: أسد اللّه و يقال: من نبل الأسد أنه اشتق لحمزة بن عبد المطلب من اسمه، و كذلك لأبي قتادة، فارس النبي صلى اللّه عليه و سلم. ففي صحيح مسلم، في باب إعطاء القاتل سلب المقتول. فقال‏ (2) أبو بكر رضي اللّه عنه: «كلا و اللّه لا يعطيه أضيبعا من قريش، و يدع أسدا من أسد اللّه تعالى يقاتل عن اللّه و رسوله» . و سيأتي إن شاء اللّه تعالى في باب الضاد المعجمة.

و هو أنواع كثيرة، قال أرسطو: رأيت نوعا منها يشبه وجه الإنسان، و جسده شديد الحمرة، و ذنبه شبيه بذنب العقرب، و لعل هذا هو الذي يقال له الورد. و منه نوع على شكل البقر له قرون سود نحو شبر، و أما السبع المعروف فإن أصحاب الكلام في طبائع الحيوان، يقولون: إن الأنثى لا تضع إلاّ جروا واحدا تضعه لحمة ليس فيه حسّ و لا حركة، فتحرسه كذلك ثلاثة أيام، ثم يأتي أبوه بعد ذلك فينفخ فيه، المرة بعد المرة، حتى يتنفس و يتحرك و تنفرج أعضاؤه، و تتشكل صورته، ثم تأتي أمه فترضعه، و لا يفتح عينيه إلاّ بعد سبعة أيام من تخلقه، فإذا مضت عليه بعد ذلك ستة أشهر، كلّف الاكتساب لنفسه بالتعليم و التدريب. قالوا: و للأسد من الصبر على الجوع، و قلة الحاجة إلى الماء، ما ليس لغيره من السباع. و من شرف نفسه: أنه لا يأكل من فريسة غيره، فإذا شبع من فريسته تركها، و لم يعد إليها، و إذا جاع ساءت أخلاقه، و إذا امتلأ من الطعام ارتاض، و لا يشرب من ماء ولغ فيه كلب: و قد أشار إلى ذلك الشاعر بقوله:

____________

(1) رواه البخاري في النكاح: 82. و مسلم في الفضائل: 92.

(2) رواه مسلم في الجهاد: 42. و البخاري في الأحكام: 21.

11

و أترك حبّها من غير بغض # و ذاك لكثرة الشركاء فيه

إذا وقع الذباب على طعام # رفعت يدي و نفسي تشتهيه

و تجتنب الأسود ورود ماء # إذا كان الكلاب ولغن فيه‏

و قد ألغز بعضهم في القلم فقال‏ (1) :

و أرقش مرهوف الشباة مهفهف # يشتّت شمل الخطب و هو جميع

تدين له الآفاق شرقا و مغربا # و تعنو له ملاكها و تطيع

حمى الملك مفطوما كما كان تحتمي # به الأسد في الآجام و هو رضيع‏

و إذا أكل نهس من غير مضغ، و ريقه قليل جدا، و لذلك يوصف بالبخر، و يوصف بالشجاعة و الجبن، فمن جبنه أنه يفزع من صوت الديك، و نقر الطست، و من السنور، و يتحير عند رؤية النار، و هو شديد البطش، و لا يألف شيئا من السباع لأنه لا يرى فيها ما يكافئه، و متى وضع جلده على شي‏ء من جلودها تساقطت شعورها، و لا يدنو من المرأة الحائض و لو بلغ الجهد، و لا يزال محموما، يعمّر كثيرا و علامة كبره سقوط أسنانه؛ روى ابن سبع السبتي، في شفاء الصدور، عن عبد اللّه بن عمر بن الخطاب رضي اللّه عنهما، أنه خرج في بعض أسفاره، فبينما هو يسير إذ هو بقوم وقوف، فقال: ما لهؤلاء القوم؟قالوا: أسد على الطريق قد أخافهم، فنزل عن دابته ثم مشى إليه حتى أخذ بأذنه، و نحاه عن الطريق، ثم قال له: ما كذب عليك رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بقوله:

«إنما سلطت على ابن آدم لمخافته غير اللّه، و لو أن ابن آدم لم يخف إلا اللّه تعالى لم تسلط عليه و لو لم يرج إلا اللّه تبارك و تعالى لما و كله إلى غيره.

و في سنن أبي داود، من حديث‏ (2) عبد الرحمن بن آدم، و ليس له عنده سواه، عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «ينزل عيسى بن مريم عليه الصلاة و السلام إلى الأرض و كأن رأسه يقطر، و لم يصبه بلل، و أنه يكسر الصليب و يقتل الخنزير، و يفيض المال و تقع الأمنة في الأرض، حتى يرعى الأسد مع الإبل، و النمر مع البقر، و الذئاب مع الغنم، و يلعب الصبيان بالحيات و لا يضر بعضهم بعضا؛ ثم يبقى في الأرض أربعين سنة، ثم يموت و يصلي عليه المسلمون و يدفنونه.

و في الحلية لأبي نعيم، في ترجمة ثور بن يزيد، قال: بلغني أن الأسد لا يأكل إلاّ من أتى محرّما. و قصة سفينة مولى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، مع الأسد مشهورة، رواه البزار و الطبراني و عبد الرزاق و الحاكم و غيرهم.

و ذكر البخاري في تاريخه أنه بقي إلى زمن الحجاج، روى محمد بن المنكدر عنه أنه قال:

____________

(1) وفيات الأعيان: 5/374. و قائله مجهول.

(2) رواه أبو داود في الملاحم: 14. و البخاري في المظالم: 31.

12

«ركبت سفينة في البحر فانكسرت، فركبت لوحا فأخرجني إلى أجمة فيها أسد، فأقبل إلي فقلت:

أنا سفينة مولى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و أنا تائه فجعل يغمزني بمنكبه حتى أقامني على الطريق، ثم همهم، فظننت أنه السلام» .

و في دلائل النبوة للبيهقي، عن ابن المنكدر أيضا، أن سفينة، مولى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، أخطأ الجيش بأرض الروم، و أسر في أرض الروم، فانطلق هاربا يلتمس الجيش، فإذا هو بالأسد فقال له: «يا أبا الحارث أنا سفينة مولى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، كان من أمري كيت و كيت، فأقبل الأسد يبصبص، حتى قام إلى جنبه، فلم يزال كذلك حتى بلغ الجيش، فرجع الأسد» .

و اختلف في اسم سفينة رضي اللّه عنه فقيل رومان و قيل مهران و قيل طعمان و قيل عمير.

روى مسلم له حديثا واحدا و الترمذي و النسائي و ابن ماجة.

و دعا النبي صلى اللّه عليه و سلم، على عتبة بن أبي لهب، فقال: «اللهم سلّط عليه كلبا من كلابك» فافترسه الأسد بالزرقاء من أرض الشأم. رواه الحاكم من حديث أبي نوفل بن أبي عقرب عن أبيه و قال صحيح الإسناد.

و روى الحافظ أبو نعيم بسنده إلى الأسود بن هبّار قال: تجهز أبو لهب و ابنه عتبة نحو الشأم، فخرجت معهما فنزلنا الشراة قريبا من صومعة راهب، فقال الراهب: ما أنزلكم هاهنا؟ هنا سباع فقال أبو لهب: أنتم عرفتم سني و حقي، قلنا: أجل. قال: إن محمدا دعا على ابني فاجمعوا متاعكم على هذه الصومعة، ثم افرشوا لابني عليه، و ناموا حوله، ففعلنا ذلك و جمعنا المتاع حتى ارتفع، و درنا حوله، و بات عتبة فوق المتاع، فجاء الأسد فشم وجوهنا ثم وثب فإذا هو فوق المتاع فقطع رأسه فقال: سيفي يا كلب و لم يقدر على غير ذلك و في رواية فوثب الأسد فضربه بيده ضربة واحدة فخدشه فقال: قتلني فمات لساعته و طلبنا الأسد فلم نجده. و إنما سماه النبي صلى اللّه عليه و سلم كلبا لأنه يشبهه في رفع رجله عند البول.

فائدة: روى البخاري في صحيحه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال‏ (1) : «فر من المجذوم فرارك من الأسد» .

و في حديث آخر أنه صلى اللّه عليه و سلم أخذ بيد مجذوم و قال‏ (2) : «بسم اللّه ثقة باللّه و توكلا عليه و أدخلها معه الصّحفة» .

قال الشافعي رحمه اللّه في عيوب الزوجين: إن الجذام و البرص يعدي و قال: إن ولد المجذوم قلما يسلم منه. قلت و معنى قول الشافعي رضي اللّه عنه إنه يعدي، أي بتأثير اللّه تعالى لا بنفسه، لأن اللّه تعالى أجرى العادة بابتلاء السليم عند مخالطة المبتلي، و قد يوافق قدرا و قضاء، فيظن أنه عدوى. و قد قال‏ (3) صلى اللّه عليه و سلم: «لا عدوى و لا طيرة» ، كما سيأتي ذلك إن شاء اللّه تعالى. و أما

____________

(1) رواه البخاري في الطب: 19، و فيه: «كما تفر من.. » .

(2) رواه الترمذي في الأطعمة: 19.

(3) رواه البخاري في البيوع: 36. و مسلم في السلام: 102-109.

13

قوله في الولد: «قلما يسلم منه» فقد قال الصيدلاني: معناه أن الولد قد ينزعه عرق من الأب فيصير أجذم. و قد قال‏ (1) صلى اللّه عليه و سلم لرجل قال له: إن امرأتي قد ولدت غلاما أسود «لعل عرقا نزعه» و بهذا الطريق يحصل الجمع بين هذه الأحاديث.

و جاء في الحديث أنه صلى اللّه عليه و سلم‏ (2) : «لا يورد ذو عاهة على مصح» و إنه صلى اللّه عليه و سلم أتاه مجذوم ليبايعه، فلم يمد يده إليه بل قال‏ (3) له: «أمسك يدك فقد بايعتك» .

و في مسند الإمام أحمد أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «لا تطيلوا النظر إلى المجذوم، و إذا كلمتموه فليكن بينكم و بينه قدر رمح» .

و قد ذكر الشيخ صلاح الدين العراقي، في القواعد، أن الأم، إذا كان بها جذام أو برص، سقط حقها من الحضانة، لأنه يخشى على الولد من لبنها و مخالطتها، و استدل بقوله‏ (4) : صلى اللّه عليه و سلم: «لا يورد ذو عاهة على مصح» . و الذي ذكره ظاهر و هو المختار. و يؤيد ما أفتى به ابن تيمية (5)

صاحب المحرر، من الحنابلة رحمه اللّه و صرح به أئمة المالكية، أن المبتلي لو أراد مساكنة الأصحاء في رباط أو غيره، منع إلاّ بإذنهم. و لو كان ساكنا و ابتلي أزعج و أخرج. و أما أصحابنا فصرّحوا بأن الأمة إذا كان سيدها مجذوما وجب عليها تمكينه من الاستمتاع و هذا مع إشكاله قد أورد في الروضة في الزوجة المختارة للمقام مع الزوج المجذوم، و قد يفرق بينهما بقوة الملك. و اللّه أعلم.

و قد جاء في الحديث أن النبي صلى اللّه عليه و سلم، قال لامرأة: «أكلك الاسد فأكلها» .

و روى الطبراني و أبو منصور الديلي، و الحافظ المنذري، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه، أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «أ تدرون ما يقول الأسد في زئيره؟» قالوا: اللّه و رسوله أعلم. قال: «إنه يقول:

اللهم لا تسلطني على أحد من أهل المعروف» .

فائدة أخرى: روى ابن السني، في عمل اليوم و الليلة، من حديث داود بن الحصين، عن عكرمة عن ابن عباس عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنهم أنه قال: «إذا كنت بواد تخاف فيه الأسد، فقل: أعوذ بدانيال و بالجب من شر الأسد ا هـ. (6)

أشار بذلك إلى ما رواه البيهقي في الشعب: أن دانيال عليه السلام طرح في جب و ألقيت

____________

(1) رواه الترمذي في الولاء: 4. و ابن ماجة في النكاح: 58.

(2) رواه مسلم في السلام: 104. و البخاري في الطب: 53 و فيه: «لا يورد ممرض.. » .

(3) رواه مسلم في السلام: 126. و ابن ماجة في الطب: 44، و روايته: إنا قد بايعناك» .

(4) رواه الإمام أحمد: 1/78-233.

(5) هو أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد اللّه بن أبي القاسم الخضر النميري الحراني الدمشقي الحنبلي، أبو العباس. اشتغل في الفقه، أقام في دمشق، و طلب إلى مصر و سجن فيها لفتوى أفتاها، ثم عاد إلى دمشق فاعتقل ثم اطلق ثم اعتقل و مات في السجن سنة 728 هـ. له مؤلفات كثيرة. الأعلام: 1/144.

(6) ما ورد في سنن أبي داود: «أعوذ باللّه من شر كل أسد و أسود. و كذا رواه الإمام أحمد: 2/132.

14

عليه السباع، فجعلت السباع تلحسه و تبصبص إليه، فأتاه ملك فقال: يا دانيال فقال: من أنت؟فقال: أنا رسول ربك أرسلني إليك بطعام. فقال دانيال: الحمد للّه الذي لا ينسى من ذكره. ا هـ.

و روى ابن أبي الدنيا أن بختنصر ضرّى أسدين، و ألقاهما في جب، و أمر بدانيال فألقي عليهما، فمكث ما شاء اللّه، ثم إنه اشتهى الطعام و الشراب، فأوحى اللّه تعالى إلى أرمياء، و هو بالشأم، أن يذهب إلى دانيال بطعام و شراب، و هو بأرض العراق، فذهب به إليه، حتى وقف على رأس الجب، و قال: دانيال دانيال، فقال: من هذا؟فقال: إرميا فقال: ما جاء بك؟قال:

أرسلني إليك ربك فقال دانيال: الحمد للّه الذي لا ينسى من ذكره، و الحمد للّه الذي لا يخيب من رجاه، و الحمد للّه الذي من وثق به لا يكله إلى سواه، و الحمد للّه الذي يجزي بالإحسان إحسانا، و الحمد للّه الذي يجزي بالصبر نجاة و غفرانا، و الحمد للّه الذي يكشف ضرنا بعد كربنا، و الحمد للّه الذي هو ثقتنا حين يسوء ظننا بأعمالنا و الحمد للّه الذي هو رجاؤنا حين تنقطع الحيل منا.

ثم روى ابن أبي الدنيا من وجه آخر أنّ الملك الذي كان دانيال في سلطانه، جاءه المنجمون و أصحاب العلم، فقالوا له: إنه يولد في ليلة كذا و كذا غلام يفسد ملكك، فأمر بقتل كل من يولد في تلك الليلة. فلما ولد دانيال ألقته أمه في أجمة أسد و لبوة، فبات الأسد و لبوته يلحسانه، فنجاه اللّه تعالى بذلك حتى بلغ ما بلغ، و كان من أمره ما قدره العزيز العليم.

ثم روى بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه أنه قال: رأيت في يد أبي بردة بن أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنه خاتما نقش فصّه أسدان، بينهما رجل، و هما يلحسان ذلك الرجل، فقال أبو بردة: هذا خاتم دانيال، أخذه أبو موسى حين وجده و دفنه فسأل أبو موسى علماء تلك البلدة عن ذلك، فقالوا: إن دانيال نقش صورته و صورة الأسدين، و هما يلحسانه، في فص خاتمه كما ترى لئلا ينسى نعمة اللّه عليه في ذلك. ا هـ. فلما ابتلي دانيال عليه السلام بالسباع، أوّلا و آخرا، جعل اللّه تعالى الاستعاذة به في ذلك تمنع شر السباع التي لا تستطاع.

و في المجالسة للدينوري، عن معاذ بن رفاعة، قال: مر يحيى بن زكريا عليهما السلام بقبر دانيال النبي عليه السلام فسمع صوتا من القبر يقول: سبحان من تعزز بالقدرة، و قهر العباد بالموت، فمضى فإذا هو بصوت من السماء أنا الذي تعززت بالقدرة، و قهرت العباد بالموت، من قالهن استغفرت له السموات السبع، و الأرضون السبع، و من فيهن. و كان دانيال عليه السلام، قد أتاه اللّه تعالى النبوة و الحكمة، و كان في أيام بختنصر. قال أهل التاريخ: إن بختنصر أسر دانيال مع من أسر من بني إسرائيل، و حبسهم ثم رأى بختنصر رؤيا أفزعته و عجز الناس عن تعبيرها ففسرها دانيال فأعجبه و أكرمه، قالوا: و قبره بنهر السوس‏ (1) و وجده أبو موسى الأشعري رضي اللّه عنه فأخرجه و كفنه و صلّى، ثم قبره في نهر السوس و أجرى عليه الماء.

و في المجالسة أيضا، قال عبد الجبار بن كليب: كنا مع إبراهيم بن أدهم في سفر فعرض لنا

____________

(1) السّوس: بلدة في خوزستان فيها قبر دانيال عليه الصلاة و السلام.

15

الأسد فقال إبراهيم: قولوا: اللهم احرسنا بعينك التي لا تنام، و احفظنا بركنك الذي لا يرام و ارحمنا بقدرتك علينا، لا نهلك و أنت رجاؤنا يا اللّه يا اللّه يا اللّه. قال فولى الأسد عنا هاربا.

قال: فأنا أدعو به عند كل أمر مخوف فما رأيت إلا خيرا.

فائدة: قال بعض العلماء المحققين: و مما جرب لإذهاب الخوف و الهم و الغم أن يكتب هاتين الآيتين، و يحملهما فإن اللّه تعالى يبارك له في جميع أحواله، و ينصره على أعدائه، و هما ينفعان للأمراض الباطنة، و كل ألم يحدث في بدن الإنسان، و كل آية منهما تجمع الحروف المعجمة بأسرها، و تكتب في إناء نظيف و تمحى بدهن ورد، أو زيت طيب، أو شيرج يطلى به الألم كالدمل و الطلوع و الحرارة و الريح و الثآليل و النفخ و القروحات بأسرها فإنه يزول و يبرأ من يومه في الغالب كما جرب مرارا و هما من الأسرار المخزونة كذا قاله شيخنا اليافعي رحمه اللّه.

الآية الأولى من سورة آل عمران قوله‏ (1) تعالى: ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ اَلْغَمِّ أَمَنَةً نُعََاساً إلى قوله تعالى: عَلِيمٌ بِذََاتِ اَلصُّدُورِ* . الآية الثانية من سورة الفتح قوله تعالى:

مُحَمَّدٌ رَسُولُ اَللََّهِ إلى آخر السورة انتهى. و ذكر بعض أهل التاريخ، أن ملكا من الملوك خرج يدور في ملكه فوصل إلى قرية عظيمة فدخلها منفردا فأخذه العطش فوقف بباب دار من دور القرية، و طلب ماء فخرجت إليه امرأة جميلة بكوز فيه ماء، و ناولته إياه فلما نظرها افتتن بها فراودها عن نفسها، و كانت المرأة عارفة به فعلمت أنها لا تقدر على الامتناع منه، فدخلت و أخرجت له كتابا و قالت انظر في هذا إلى أن أصلح من أمري ما يجب و أعود فأخذ الملك الكتاب و نظر فيه فإذا فيه الزجر عن الزنا، و ما أعد اللّه تعالى لفاعله من العذاب الأليم، فاقشعر جلده، و نوى التوبة، و صاح بالمرأة، و أعطاها الكتاب، و مر ذاهبا و كان زوج المرأة غائبا فلما حضر زوجها أخبرته الخبر، فتحير الزوج في نفسه، و خاف أن يكون وقع غرض الملك فيها، فلم يتجاسر على وطئها بعد ذلك و مكث على ذلك مدة، فأعلمت المرأة أقاربها بحالها مع زوجها فرفعوه إلى الملك فلما مثل بين يدي الملك، قال أقارب المرأة: أعز اللّه مولانا الملك، إن هذا الرجل قد استأجر منا أرضا للزراعة، فزرعها مدة ثم عطلها فلا هو يزرعها و لا هو يتركها لنؤجرها لمن يزرعها، و قد حصل الضرر للأرض، و نخاف فسادها بسبب التعطيل لأن الأرض إذا لم تزرع فسدت، فقال الملك لزوج المرأة ما يمنعك من زرع أرضك؟فقال: أعز اللّه مولانا الملك إنه قد بلغني أن الأسد دخل أرضي، و قد هبته، و لم أقدر على الدنو منها لعلمي بأن لا طاقة لي بالأسد ففهم الملك القصة فقال: يا هذا إن أرضك أرض طيبة صالحة للزرع فازرعها بارك اللّه لك فيها، فإن الأسد لن يعود إليها ثم أمر له و لزوجته بصلة حسنة و صرفه.

و في تاريخ ابن خلكان أنه لما دخل المازيار على المعتصم و كان قد اشتد غضبه عليه فقيل له يا أمير المؤمنين لا تعجل، فإن عنده أموالا جمة، فأنشد المعتصم بيت أبي تمام‏ (2) :

____________

(1) سورة آل عمران: الآية 154.

(2) أبو تمام: حبيب بن أوس الشاعر العباسي المشهور توفي سنة 232.

16

إنّ الأسود أسود الغاب همتها # يوم الكريهة في المسلوب لا السلب‏ (1)

و قد أحسن خالد الكاتب‏ (2) حيث قال:

علم الغيث الندى حتى إذا # ما وعاه علم البأس الأسد

فإذا الغيث مقرّ بالندى # و إذا الليث مقر بالجلد

و من شعره:

ظفر الحب بقلب دنف # بك و السقم بجسم ناحل‏ (3)

و بكى العاذل لي من رحمتي # فبكائي لبكاء العاذل‏ (4)

و كان خالد شيخا كبيرا تأخذه السوداء أيام الباذنجان، و كان الصبيان يتبعونه و يصيحون به يا خالد يا بارد؛ فأسند ظهره يوما إلى قصر المعتصم و قال لهم: كيف أكون باردا و أنا الذي أقول:

بكى عاذلي من رحمتي فرحمته # و كم مسعد من مثله و معين‏ (5)

و رقّت دموع العين حتى كأنها # دموع دموعي لا دموع جفوني‏

و في روضة العلماء، أن نوحا عليه السلام، لما غرس الكرمة، جاءه إبليس فنفخ فيها فيبست، فاغتم نوح لذلك و جلس متفكرا في أمرها، فجاءه إبليس و سأله عن تفكيره؟فأخبره فقال له يا نبي اللّه إن أردت أن تحضر الكرمة، فدعني أذبح عليها سبعة أشياء فقال: افعل، فذبح أسدا و دبا و نمرا و ابن آوى و كلبا و ثعلبا و ديكا، و صب دماءهم في أصل الكرمة فاخضرت من ساعتها، و حملت سبعة ألوان من العنب، و كانت قبل ذلك تحمل لونا واحدا فمن أجل ذلك يصير شارب الخمر شجاعا كالأسد و قويا كالدب و غضبان كالنمر، و محدثا كابن آوى، و مقاتلا كالكلب، و متملّقا كالثعلب، و مصوتا كالديك، فحرمت الخمر على قوم نوح. و نوح اسمه عبد الجبار، و إنما سمي نوحا لنوحه على ذنوب أمته، و أخوه صابئ بن لامك و إليه ينسب دين الصابئين فيما ذكروا و اللّه أعلم.

(تذنيب) كان أبو مسلم‏ (6) الخراساني و اسمه عبد الرحمن بن مسلم بعد فراغه من أمر بني أمية ينشد كل وقت:

أدركت بالحزم و الكتمان ما عجزت # عنه ملوك بني مروان إذ حشدوا

____________

(1) ديوان أبي تمام: 17.

(2) هو خالد بن يزيد البغدادي المعروف بالكاتب. شاعر غزل. عاش و توفي في بغداد سنة 262 هـ.

(3) الأغاني: 20/281. و قلب دنف: قلت مريض.

(4) البيتان في وفيات الأعيان: 2/234 و في الثاني: «من رحمته» .

(5) وفيات الأعيان: 2/236 و فيه «و كم مثله من.. » .

(6) أبو مسلم هو عبد الرحمن بن مسلم الخراساني، القائم بالدعوة العباسية، و هو من ولد بزرجمهر. و كان ملكا مهيبا جوادا. قتله المنصور غيلة سنة 137 هـ. وفيات الأعيان: 3/145. و الأبيات مع ترجمته في وفيات الأعيان: 3/152.

17

ما زلت أسعى بجهدي في دمارهم # و القوم في غفلة بالشأم قد رقدوا

حتى ضربتهمو بالسيف فانتبهوا # من نومة لم ينمها قبلهم أحد

و من رعى غنما في أرض مسبعة # و نام عنها تولى رعيها الأسد

قال‏ (1) ابن خلكان في ترجمته: و كان أبو العباس السفاح شديد التعظيم لأبي مسلم، لما صنعه و دبره، فلما مات السفاح و ولي أخوه المنصور، صدرت من أبي مسلم أشياء أوغرت صدر المنصور عليه و هم بقتله، و بقي حائرا بين الاستبداد برأيه في أمره، و الاستشارة، فقال يوما لمسلم بن قتيبة: ما ترى في أمر أبي مسلم؟فقال: يا أمير المؤمنين: لَوْ كََانَ فِيهِمََا آلِهَةٌ إِلاَّ اَللََّهُ لَفَسَدَتََا (2) فقال: حسبك يا ابن قتيبة لقد أودعتها أذنا واعية و لم يزل المنصور يخدعه حتى أحضره إليه، و المنصور بالمدائن فأمر بإدخاله عليه، و كان المنصور قد رتب جماعة لقتله، و قال لهم: إذا رأيتموني قد مسحت بيدي وجهي فاضربوه، فلما أدخل عليه، أخذ المنصور يقرعه بما صدر منه ثم مسح وجهه، فبادروه فصاح استبقني لأعدائك يا أمير المؤمنين، فقال له المنصور و أي عدو أعدى منك يا عدو اللّه فلما قتل هاج أصحابه، فأمر المنصور بنثر الدراهم و الدنانير عليهم فسكنوا!و رمى برأسه إليهم، ثم أدرج في بساط فدخل على المنصور جعفر بن حنظلة، فرأى أبا مسلم في البساط، فقال: يا أمير المؤمنين عد هذا اليوم أول خلافتك فأنشد المنصور متمثلا:

فألقت عصاها و استقرّ بها النّوى # كما قر عينا بالإياب المسافر (3)

ثم أقبل المنصور على من حضره و أبو مسلم طريح بين يديه و أنشد:

زعمت أن الدين لا يقتضي # فاستوف بالكيل أبا مجرم‏ (4)

اشرب بكأس كنت تسقي بها # أمر في الحلق من العلقم‏

و كان يقال له أبو مجرم أيضا و فيه يقول أبو دلامة (5) :

أبا مجرم ما غيّر اللّه نعمة # على عبده حتى يغيرها العبد

أ في دولة المنصور حاولت غدره # ألا إن أهل الغدر آباؤك الكرد

أبا مجرم خوفتني القتل فانتحي # عليك بما خوفتني الأسد الورد

و لما قتله المنصور، خطب الناس فذكر أن أبا مسلم أحسن أولا و أساء آخر. ثم قال في آخر خطبته: و ما أحسن ما قال النابغة الذبياني‏ (6) للنعمان بن المنذر (7) :

____________

(1) وفيات الأعيان: 3/152.

(2) سورة الانبياء: الآية 22.

(3) وفيات الأعيان: 1/234 و 3/154.

(4) وفيات الأعيان: 3/154.

(5) أبو دلامة هو زند بن الجون الأسدي بالولاء شاعر مطبوع ظريف له: أخبار مع الخلفاء العباسيين. مات سنة 161. الأعلام: 3/49. و الأبيات مع ترجمته في الشعر و الشعراء 524. و فيها: «أ في دولة المهدي... » .

(6) شاعر جاهلي من أصحاب المعلقات، اسمه زياد بن معاوية بن ضباب. توفي سنة 18 ق. هـ.

(7) هو النعمان الثالث ابن المنذر بن امرئ القيس اللخمي أبو قابوس من أشهر ملوك الحيرة في الجاهلية. توفي سنة 15 ق. هـ.

18

فمن أطاعك فانفعه لطاعته # كما أطاعك و ادلله على الرّشد

و من عصاك فعاقبه معاقبة # تنهي الظلوم و لا تقعد على ضمد (1)

و الضمد بفتح الضاد المعجمة و الميم الحقد. و كان قتله في شعبان سنة ست أو سبع و ثلاثين و مائة. قال ابن خلكان و غيره: و كان أبو مسلم قد سمع الحديث و روي عنه، و أنه خطب يوما فقام إليه رجل فقال ما هذا السواد الذي أراه عليك؟فقال أبو مسلم: حدثني أبو الزبير، عن جابر بن عبد اللّه رضي اللّه عنهما، أن النبي صلى اللّه عليه و سلم دخل مكة يوم الفتح، و على رأسه عمامة سوداء، و هذه ثياب الهيبة و ثياب الدولة. يا غلام اضرب عنقه. قلت: حديث جابر هذا في صحيح مسلم قال ابن الرفعة: و في الحديث الصحيح أن النبي صلى اللّه عليه و سلم صعد المنبر، و على رأسه عمامة سوداء، قد أرخى طرفها بين كتفيه، و هو أيضا في صحيح مسلم‏ (2) . قال ابن الرفعة: و من ثم كان شعار بني العباس في الخطبة السواد ا هـ.

قيل: أحصي من قتله أبو مسلم صبرا و في حروبه، فكانوا ستمائة ألف و اختلف في نسبه فقيل من العرب، و قيل من العجم، و قيل من الأكراد، و روي‏ (3) أنه قيل لعبد اللّه بن المبارك رحمه اللّه: أبو مسلم خير أم الحجاج؟فقال: لا أقول إن أبا مسلم كان خيرا من أحد و لكن كان الحجاج شرا منه ا هـ. و كان أبو مسلم فصيحا عالما بالأمور و لم يرقط مازحا و لم يظهر عليه سرور و لا غضب، و لا يأتي النساء إلاّ مرّة في السنة، و كان يقول: الجماع جنون و يكفي الإنسان أن يجن في السنة مرة واحدة، و روي أنه قيل لأبي مسلم: ما كان سبب خروج الدولة عن بني أمية؟قال:

لأنهم أبعدوا أولياءهم ثقة بهم، و ادنوا أعداءهم تألفا لهم، فلم يصر العدو صديقا بالدنو، و صار الصديق عدوا بالإبعاد. و كان أبو مسلم مميت دولة بني أمية، و محيي دولة بني العباس.

و ذكر ابن الأثير و غيره أن أبا جعفر المنصور لما حاصر ابن هبيرة قال: إن ابن هبيرة يخندق على نفسه مثل النساء. فبلغ ذلك ابن هبيرة، فأرسل إليه أنت القائل كذا و كذا فابرز إلي لترى.

فأرسل إليه المنصور: ما أجد لي و لك مثلا في ذلك إلا كأسد لقي خنزيرا فقال له الخنزير: بارزني فقال له الأسد: ما أنت لي بكف‏ء فإن نالني منك سوء كان ذلك عارا علي و إن قتلتك قتلت خنزيرا فلم أحصل على حمد، و لا في قتلي لك فخر. فقال له الخنزير: إن لم تبارزني لأعرفن السباع، إنك جبنت عني. فقال الأسد: احتمال عار كذبك أيسر من تلطخ راحتي بدمك.

(الحكم) : قال الشافعي و أبو حنيفة و أحمد و داود و الجمهور: يحرم أكل الأسد لما روى‏ (4)

مسلم في صحيحه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «كل ذي ناب من السباع فأكله حرام» . قال أصحابنا:

المراد بذي الناب ما يتقوى بنابه و يصطاد. و في الحاوي للماوردي قال: الشافعي:

____________

(1) البيتان في ديوان النابغة الذبياني: 24.

(2) رواه مسلم في الحج: 451-454.

(3) وفيات الأعيان: 3/148.

(4) الصيد: 12-15. و رواه البخاري في الذبائح: 28، 29.

19

إنه ما قويت أنيابه فعدا بها على الحيوان طالبا غير مطلوب، فكان عدوه بأنيابه علة تحريمه. و قال أبو إسحاق المروزي: هو ما كان عيشه بأنيابه فإن ذلك علة تحريمه. و قال أبو حنيفة:

هو ما افترس بأنيابه و إن لم يبتدئ بالعدو، و إن عاش بغير أنيابه فهذه ثلاث علل: أعمها علة أبي حنيفة، و أوسطها علة الشافعي، و أخصها علة المروزي، فعلى العلتين الأوليين، يحل الضبع لأنه يتناوم حتى يصطاد، و تحل السنانير على قول الشافعي لأنها لم تتقو بأنيابها، و تكون مطلوبة لضعفها، لكن قد صحح الأصحاب تحريمها، كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى، في باب السين المهملة. و يحل ابن آوى على ما علله الإمام الشافعي لأنه لا يبتدئ بالعدو، و يحرم على ما علله المروزي لأنه يعيش بنابه، و هذا هو الأصح كما سيأتي قريبا إن شاء اللّه تعالى. و قال مالك: يكره أكل كل ذي ناب من السباع و لا يحرم، و احتج بقوله تعالى: قُلْ لاََ أَجِدُ فِي مََا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى‏ََ طََاعِمٍ يَطْعَمُهُ الآية (1) . و احتج أصحابنا بالحديث المذكور، قالوا: و الآية ليس فيها إلاّ الإخبار بأنه لم يجد في ذلك الوقت محرما إلا المذكورات في الآية، ثم أوحي إليه بتحريم كل ذي ناب من السباع فوجب قبوله و العمل به. قال الشافعي رضي اللّه عنه: و لأن العرب لم تأكل أسدا و لا ذئبا و لا كلبا و لا نمرا و لا دبا، و لا كانت تأكل الفأر و لا العقارب و لا الحيات و لا الحدأ و لا الغربان و لا الرخم و لا البغاث و لا الصقور و لا الصوائد من الطير و لا الحشرات. و أما بيع الأسد فلا يصح لأنه لا ينتفع به و حرم اللّه أكل فريسته.

(الأمثال) : إنما كانت العرب أكثر أمثالها مضروبة بالبهائم، فلا يكادون يذمون و لا يمدحون إلاّ بذلك لأنهم جعلوا مساكنهم بين السباع و الأحناش و الحشرات، فاستعملوا التمثيل بها لذلك. روى الإمام أحمد بإسناد حسن و الحسن بن عبد اللّه العسكري، عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص رضي اللّه عنهما قال: حفظت من رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم ألف مثل، فلذلك ذكر العسكري في كتابه الأمثال ألف حديث مشتملة على ألف مثل من كلام النبي صلى اللّه عليه و سلم فما يخص الأسد من ذلك أنهم قالوا: «أكرم من الأسد» (2) «و أبخر من الأسد» (3) و أكبر من الأسد و «أشجع من الأسد» (4) و «أجرأ من الأسد» (5) . و ضربوا المثل بالخوف من الأسد. قال مجنون ليلى‏ (6) و اسمه عامر بن قيس على خلاف فيه:

يقولون لي يوما و قد جئت حيهم # و في باطني نار يشب لهيبها (7)

____________

(1) سورة الأنعام: الآية 145.

(2) جمهرة الأمثال: 1/460.

(3) المستقصى: 1/10.

(4) جمهرة الأمثال: 1/460 و لفظه أشجع من أسامة.

(5) جمهرة الأمثال: 1/266 و لفظه: أجرأ من أسامة.

(6) مجنون ليلى هو قيس بن الملوّح أو عامر بن قيس، بن مزاحم العامري شاعر غزل من المتيمين لم يكن مجنونا و لكنه لقب لهيامه في حب ليلى بنت سعد. مات سنة 68 هـ. الأعلام: 5/208.

(7) البيتان ليسا في ديوان المجنون.

20

أ ما تختشي من أسدنا فأجبتهم # هوى كل نفس أين حل حبيبها

و ضربوا المثل أيضا بأسد الشرى و هو طريق بسلمى كثيرة الأسد، قال الفرزدق‏ (1) :

و إن الذي يسعى ليفسد زوجتي # كساع إلى أسد الشرى يشتبيلها (2)

قيل: معنى يشتبيلها: يأخذ أولادها و ينسب إلى الفرزدق مكرمة يرجى له بها الجنة، و هي أنه لما حج هشام بن عبد الملك، في أيام أبيه، طاف بالبيت، و جهد أن يصل إلى الحجر الأسود ليستلمه فلم يقدر على ذلك، لكثرة الزحام، فنصب له كرسي و جلس عليه ينظر إلى الناس، و معه جماعة من أعيان أهل الشأم، فبينما هو كذلك إذ أقبل زين العابدين علي بن الحسين بن علي رضي اللّه تعالى عنهم، و كان من أجمل الناس وجها، و أطيبهم أرجى فطاف بالبيت، فلما انتهى إلى الحجر تنحى له الناس حتى استلم الحجر، فقال رجل من أهل الشام لهشام: من هذا الذي هابه الناس هذه الهيبة؟فقال هشام: لا أعرفه، مخافة أن يرغب فيه أهل الشأم، و كان الفرزدق حاضرا فقال أنا أعرفه: فقال الشامي من هو يا أبا الفوارس؟فقال‏ (3) الفرزدق:

هذا ابن خير عباد اللّه كلهم # هذا التقي النقيّ الطاهر العلم

هذا الذي تعرف البطحاء وطأته # و البيت يعرفه و الحل و الحرم

إذا رأته قريش قال قائلها # إلى مكارم هذا ينتهي الكرم

ينمى إلى ذروة العز التي قصرت # عن نيلها عرب الإسلام و العجم

يكاد يمسكه عرفان راحته # ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم

في كفه خيزران ريحه عبق # من كف أروع في عرنينه شمم

يغضي حياء و يغضى من مهابته # فما يكلم إلا حين يبتسم

ينشق نور الهدى من نور غرّته # كالشمس ينجاب عن إشراقها القتم

مشتقة من رسول اللّه نبعته # طابت عناصره و الخيم و الشّيم

هذا ابن فاطمة إن كنت جاهله # بجدّه أنبياء اللّه قد ختموا

اللّه شرّفه قدما و عظّمه # جرى بذاك له في لوحه القلم

و ليس قولك من هذا بضائره # العرب تعرف من أنكرت و العجم

كلتا يديه غياث عمّ نفعهما # يستوكفان و لا يعروهما عدم

سهل الخليقة لا تخشى بوادره # يزينه اثنان حسن الخلق و الشيم

حمال أثقال أقوام إذا اقترحوا # حلوا الشمائل يحلو عنده نعم

ما قال لاقط إلا في تشهده # لو لا التشهد كانت لاؤه نعم

عم البرية بالإحسان فانقشعت # عنها الغيابة و الإملاق و العدم‏

____________

(1) الفرزدق هو همام بن غالب بن صعصعة الدارمي، أحد شعراء النقائض في العصر الأموي مات سنة 110 هـ.

(2) ديوان الفرزدق: 417.

(3) ديوانه: 511.

21

من معشر حبهم دين و بغضهمو # كفر و قربهمو منجى و معتصم

إن عد أهل التقى كانوا أئمتهم # أو قيل من خير أهل الأرض قيل همو

لا يستطيع جواد بعد غايتهم # و لا يدانيهمو قوم و إن كرموا

هم الغيوث إذا ما أزمة أزمت # و الأسد أسد الشرى و البأس محتدم

لا ينقص العسر بسطا من أكفهم # سيان ذلك إن أثروا و إن عدموا

مقدم بعد ذكر اللّه ذكرهمو # في كل بدء و مختوم به الكلم

أي الخلائق ليست في رقابهم # لأولية هذا أوله نعم

من يعرف اللّه يعرف أولية ذا # فالدين من بيت هذا ناله الأمم‏

فغضب هشام على الفرزدق، و أمر بحبسه، فأنفذ له زين العابدين اثني عشر ألف درهم فردّها و قال: مدحته للّه تعالى لا للعطاء؛ فأرسل إليه زين العابدين و قال له: إنا أهل بيت إذا وهبنا شيئا لا نستعيده، و اللّه عزّ و جلّ يعلم نيتك و يثيبك عليها فشكر اللّه لك سعيك، فلما بلغته الرسالة قبلها.

و الفرزدق، اسمه همام بن غالب، و الفرزدق لقب غلب عليه، و الفرزدق قطع العجين، الواحدة فرزدقة و إنما لقب به لأنه أصابه جدري و برئ منه فبقي وجهه جهما محمرا منتفخا، و قيل لقب به لغلظه و قصره. و قال ابن خلكان و محمد بن سفيان: أحد أجداد الفرزدق هو أحد الثلاثة الذي سموا بمحمد في الجاهلية، فإنه لا يعرف أحد سمي بهذا الإسم قبله صلى اللّه عليه و سلم إلاّ ثلاثة كان آباؤهم قد وفدوا على بعض الملوك، و كان عنده علم من الكتاب الأول فأخبرهم بمبعث النبي صلى اللّه عليه و سلم و باسمه، و كان كل منهم قد خلف زوجته حاملا، فنذر كل منهم إن ولد له ذكر، أن يسميه محمدا، ففعلوا ذلك. و هم محمد بن سفيان بن مجاشع جد الفرزدق، و الآخر محمد بن أحيحة بن الجلاح أخو عبد المطلب لأمه، و الآخر محمد بن حمران بن ربيعة و أما أحمد فلم يتسم به أحد قبله صلى اللّه عليه و سلم.

فائدة: قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي قال: حدثنا عبد اللّه بن صالح قال: حدثنا الليث قال: حدثني هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم عن أبيه، أن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم قال‏ (1) : «لما حمل نوح عليه السلام، في السفينة، من كل زوجين اثنين، قال له أصحابه: و كيف نطمئن أو تطمئن مواشينا و معنا الأسد؟. فسلط اللّه عليه الحمى، فكانت أول حمى نزلت في الأرض، فهو لا يزال محموما. ثم شكوا الفأرة، فقالوا: الفويسقة تفسد علينا طعامنا و شرابنا و متاعنا، فأوحى اللّه تعالى إلى الأسد فعطس، فخرجت الهرة منه، فتخبأت الفأرة منها» . و هذا مرسل.

و في الحلية لأبي نعيم في ترجمة وهب بن منبه أنه قال لما أمر نوح عليه السلام، أن يحمل من كل زوجين اثنين قال يا رب كيف أصنع بالأسد و البقر؟و كيف أصنع بالعناق‏ (2) و الذئب؟و كيف

____________

(1) رواه الإمام أحمد: 6، 285. و فيه أنه أمر بقتل الفأرة.

(2) العناق: الأنثى من أولاد المعز.

22

أصنع بالحمام و الثعلب؟فأوحى اللّه تعالى إليه: «من ألقى بينهم العداوة؟فقال: أنت يا رب. قال عزّ و جلّ فإني أؤلف بينهم فلا يتضررون» .

الخواص: قال عبد الملك بن زهير، صاحب الخواص المجربة: من لطخ بشحم الأسد جميع بدنه، هربت منه السباع، و لم ينله منها مكروه، و صوته يقتل التماسيح إذا سمعته و مرارة الذكر منه تحل المعقود عن النساء، إذا سقي منها في بيضة في مستهل الشهر، و من علق عليه قطعة من جلده بشعرها أبرأته من الصرع، قبل البلوغ، فإن كان الصرع قد أصابه بعده، لم تنفعه. و إذا أحرق من شعره في مكان، هربت منه سائر السباع، و لحمه ينفع من الفالج و إذا وضعت قطعة من جلده، في صندوق مع ثياب، لم يصبها السوس و لا الأرضة، و سنه إذا استصحبها إنسان معه، أمن من وجع الأسنان، و شحمه إذا طلي به اليدان و الرجلان، أمنت من مضرة البرد و إذا طلي به البدن لم يقر به القمل و ذنبه إذا استصحبه إنسان لا تؤثر فيه حيلة محتال، و قال هرمس:

الجلوس على جلد الأسد يذهب البواسير و النقرس. قال: و من أخذ من شحم جبهته و ذوبه بدهن ورد، و مسح به وجهه، هابه الملوك و جميع الناس. و قال الطبري: الاكتحال بمرارة الأسد يحد البصر. قال: و مرارة الأسد إذا سقي منها وزن دانق لليرقان، بماء برز قطونا و نعنع نفع نفعا بينا و خصيته إذا ملحت ببورق أحمر و مصطكى، و جفّفت و سحقت، و خلطت بسويق و شربت، نفعت من جميع الأوجاع التي في الجوف مثل المغص و القولنج و البواسير و الزحير و وجع الأرحام، و تشرب بماء حار على الريق. و دماغ الأسد يداف بزيت عتيق، و يدهن به الاختلاج و الارتعاش، يذهبهما و من دهن وجهه، و جميع بدنه بشحم الأسد، ذهب عنه الكسل و الكلف و كل عيب يكون في الوجه. و زبله إذا جفف و خلط به الدلوك الذي يتدلك به، نفع من البهق الظاهر، و هو نافع لذلك جدا. و إن سقي منه أي من زبله إنسان لا يصبر عن الخمر و لا يعلم به وزن دانق، ابغضه حتى لا يشربه و لا يشتهي أن يراه و مرارته تداف بالعسل، و يجعل منها على الخنازير تزول.

و شحمه إذا دق بالثوم و طلى به إنسان جسده لم تقربه السباع و اللّه أعلم.

التعبير: الأسد في المنام سلطان شديد البطش و البأس، ظالم غاشم مجاهر، متسلط بجرأته، لا يأمنه صديق و لا عدو، و يعبر أيضا بعدو مسلط، و ربما دل على الموت، لأنه يقبض الأرواح، و ربما دلت رؤيته على عافية المريض، فمن رأى أسدا من حيث لا يراه و هرب منه الرائي، فإنه ينجو مما يخاف، و ينال حكما و علما، لقوله‏ (1) : فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمََّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَ جَعَلَنِي مِنَ اَلْمُرْسَلِينَ . فإن كان قد استقبله و هرب منه، نال هما من ذي سلطان، ثم ينجو من الهلاك و المرض. و من رأى أن أسدا صرعه و لم يقتله، فإنه يحم حمى دائمة لأن الأسد لا تفارقه الحمى كما تقدم أو يسجن، لأن الحمى سجن المؤمن، و ربما دلت مصارعته على المرض.

و من رأى أنه أخذ شيئا من شعره أو عظمه أو لحمه، نال مالا من سلطان، أو من عدوّ. و من رأى أنه ركب أسدا و هو يخافه، فإنه يقع في بلية، فإن كان لا يخافه قهر عدوّا فإن ضاجعه و هو لا يخافه أمن من عدوّه. و من رأى أسدا يثب على الناس، فإن السلطان يظلم رعيته. و من رأى أنه أكل

____________

(1) سورة الشعراء: 21.

23

رأس أسد، نال ملكا و من رأى أنه يرعى أسدا فإنه يؤاخي ملكا ظالما. و من رأى أنه أخذ جرو أسد في حجره، فإن امرأته تضع غلاما، إن كانت حاملا، و إلاّ فإنه يحمل ولد أمير في حجره، كما عبره ابن سيرين رحمه اللّه. و من رأى أن أسدا قد زاره فإنه يمرض. و من رأى أن الأسد قد قتله، فإن كان عبدا فإنه يعتق، و إلاّ حصل له خوف من سلطان. و صوت الأسد يدل على تهدد من سلطان. و من رأى أن أسدا يتملق له، جرى على يديه أمور عجيبة و ربما دل على قهر عدوّ و اللّه أعلم.

تتمة: قال الإمام الشافعي رضي اللّه تعالى عنه: لو يعلم الناس، ما في علم الكلام، من الأهواء لفروا منه، فرارهم من الأسد. قال في الإحياء: فإن قلت تعلم الجدال و الكلام مذموم كتعلم النجوم، أو هو مباح أو مندوب إليه، فاعلم أن للناس في هذا غلوا و إسرافا، فمن قائل إنه بدعة و حرام، و إن العبد إن لقي اللّه تعالى بكل ذنب سوى الشرك، خير له من أن يلقاه بالكلام، و من قائل إنه واجب و فرض: إما على الكفاية، أو فرض عين و إنه من أفضل الأعمال، و أعلى القربات، فإنه تحقيق لعلم التوحيد، و نضال عن دين اللّه تعالى.

و ممن ذهب إلى التحريم الشافعي و مالك و الإمام أحمد و سفيان و أهل الحديث قاطبة، قال ابن عبد الأعلى: سمعت الشافعي يوم ناظر حفصا الفرد، و كان من متكلمي المعتزلة يقول: لأن يلقى اللّه تبارك و تعالى العبد، بكل ذنب، ما خلا الشرك، خير له من أن يلقاه بشي‏ء من علم الكلام. و قال أيضا: قد اطلعت لأهل الكلام، على شي‏ء ما ظننته قط، و لأن يبتلى العبد بكل ما نهى اللّه عنه، ما عدا الشرك، خير له من أن ينظر في الكلام. و حكى الكرابيسي أن الشافعي سئل عن شي‏ء من الكلام فغضب و قال: يسأل عن هذا حفص الفرد و أصحابه أخزاهم اللّه. و لما مرض الشافعي رضي اللّه عنه دخل عليه حفص الفرد، فقال له من أنا؟فقال: أنت حفص الفرد لا حفظك اللّه و لا رعاك، حتى تتوب مما أنت فيه. و قال أيضا: إذا سمعت الرجل يقول: الإسم هو المسمى، أو غير المسمى، فأشهد أنه من أهل الكلام و لا دين له، و قال أيضا حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد، و يطاف بهم في العشائر، و القبائل و يقال: هذا جزاء من ترك الكتاب و السنة، و أخذ في الكلام. و قال الإمام أحمد رحمه اللّه: لا يفلح صاحب الكلام أبدا، و لا تكاد ترى أحدا ينظر في الكلام إلا و في قلبه مرض و بالغ في ذمه حتى هجر الحارث المحاسبي، مع زهده و ورعه، لتصنيفه كتابا في الرد على المبتدعة، و قال له: ويحك أ لست تحكي بدعتهم أولا ثم ترد عليهم؟أ لست تحمل الناس، بتصنيفك على مطالعة كلام أهل البدعة، و التفكير فيه، فيدعوهم ذلك إلى الرأي و البحث؟و قال أحمد أيضا: علماء الكلام زنادقة. و قال مالك: لا تجوز شهادة أهل البدع و الأهواء. قال بعض أصحابه في تأويل ذلك: إنه أراد بأهل الأهواء أهل الكلام، على أي مذهب كانوا. و قال أبو يوسف: من طلب العلم بالكلام تزندق. و قد اتفق أهل الحديث من السّلف على هذا، و لا يحصر ما نقل عنهم من التشديدات فيه.

و أما الفرقة الأخرى، فاحتجوا بأن المحظور من الكلام، إن كان هو لفظ الجوهر و العرض، و هذه الاصطلاحات الغريبة، التي لم يعهدها الصحابة رضي اللّه عنهم فالأمر في ذلك قريب، إذ

24

ما من علم، إلا و قد أحدث فيه اصطلاحات، لأجل التفهيم، كالحديث و التفسير، و تصنيف الفقه، من موضع الصور النادرة التي لا تتفق، إلا على الندور إما ادخارا ليوم وقوعها. و إن كان نادرا أو تشحيذا للخاطر فنحن أيضا نرتب طريق المحاجة لتوقع الحاجة بثوران شبهة، أو هيجان مبتدع، أو لتشحيذ الخاطر، أو لإدخار الحجة، حتى لا يعجز عنها عند الحاجة إليها على البديهة و الارتجال، كمن يعد السلاح قبل القتال ليوم القتال. قال: فإن قلت فما المختار فيه عندك؟فاعلم أن الحق فيه: أن إطلاق القول بذمه في كل حال، أو بمدحه في كل حال خطأ، بل لا بد فيه من التفصيل: فاعلم أوّلا أن الشي‏ء قد يحرم لذاته، كالخمر و الميتة و أعني بقولي لذاته أن علة تحريمه وصف في ذاته و هو الإسكار و الموت، و هذا إذا سئلنا عنه، أطلقنا القول بأنه حرام، و لا يلتفت إلى إباحة الميتة عند الاضطرار و إباحة تجرع الخمر لإساغة ما يغص به الإنسان من الطعام، إذا لم يجد ما يسيغه به سوى الخمر و قد يحرم لغيره كالبيع على بيع أخيك المسلم، في وقت الخيار، و البيع وقت النداء، و كآكل الطين، فإنه يحرم لما فيه من الأضرار. و هذا ينقسم إلى ما يضر قليله و كثيره، فيطلق القول عليه بأنه حرام كالسم الذي يقتل قليله و كثيره، و إلى ما يضر عند الكثرة، فيطلق القول عليه بالإباحة، كالعسل فإن كثرته تضر بالمحرور، و كآكل الطين، و كان إطلاق التحريم على الخمر، و التحليل على العسل، التفات إلى أغلب الأحوال، فإن تصدى لشي‏ء تقابلت فيه الأحوال، فالأولى أن نفصل فنرجع إلى علم الكلام، و نقول: إن فيه منفعة، و فيه مضرة، فهو باعتبار منفعته، في وقت الانتفاع حلال، أو مندوب إليه، أو واجب كما يقتضيه الحال، و هو باعتبار مضرته، في وقت الإضرار، حرام. فأما مضرته فإثارة الشبهات، و تحريك العقائد، و إزالتها عن الجزم و التصميم، و ذلك مما يحصل في حالة الابتداء و رجوعها بالدليل مشكوك فيه و تختلف فيه الأشخاص، فهذا ضرره في الاعتقاد، و له ضرر أيضا في تأكيد اعتقاد المبتدعة للبدعة، و تثبيته في صدورهم، بحيث تنبعث دعاويهم و يشتد حرصهم على الإصرار عليه، و لكن هذا الضرر، يحصل بواسطة التعصب، الذي يثور من الجدل.

و أما منفعته، فقد يظن أن فائدته كشف الحقائق، و معرفتها على ما هي عليه، و هيهات هيهات، بل منفعته شي‏ء واحد و هو حراسة العقيدة على العوام، و حفظها عن تشويشات المبتدعة، بأنواع الجدل إذ العامي ضعيف، يستفزه جدل المبتدع، و الناس متعبدون بصحة العقيدة، التي أجمع السلف عليها، و العلماء متعبدون بحفظ ذلك على العوام، من تلبيسات المبتدعة، و هو من فروض الكفاية، كالقيام بحراسة الأموال و سائر الحقوق: كالقضاء و الولاية و غيرهما، و ما لم تستعد العلماء لنشر ذلك، و التدريس فيه، و البحث عنه، لا يدوم و لو ترك بالكلية، لا ندرس. و ليس في مجرد الطباع كفاية لحل شبه المبتدعة، ما لم يتعلم فينبغي أن يكون التدريس فيه أيضا، من فروض الكفاية، لكن ليس من الصواب تدريسه على العوام، كتدريس الفقه و التفسير، فإن هذا مثل الدواء، و الفقه مثل الغذاء، و ضرر الغذاء لا يحذر و ضرر الدواء محذور، فإن قيل: قد جعل جماعة التوحيد عبارة عن صناعة الكلام، و معرفة طريق المجادلة، و الإحاطة بمناقضات الخصوم، و القدرة على التشدق فيها، بكثرة الأسئلة، و إثارة الشبهات، و تأليف الإلزامات، حتى لقب طوائف منهم أنفسهم بأهل العدل و التوحيد. فاعلم أن التوحيد، عبارة عن أمر آخر لا يفهمه أكثر

25

المتكلمين و إن فهموه، لم يتصفوا به، و هو أن ترى الأمور كلها، من اللّه رؤية تقطع الالتفات إلى الأسباب و الوسائط، فلا ترى الخير و الشر إلا منه تبارك و تعالى.

و هذا مقام شريف، فالتوحيد جوهر نفيس، له قشران: أحدهما أبعد عن اللب من الآخر، و هو أن تقول بلسانك: لا إله إلا اللّه، و هذا يسمى توحيدا مناقضا للتثليث، الذي تصرح به النصارى. لكنه قد يصدر من المنافق الذي يخالف سره جهره. و أما القشر الثاني فأن لا يكون في القلب مخالفة و إنكار لمفهوم هذا القول بل يشتمل القلب على اعتقاد ذلك و التصديق به، و هذا توحيد عوام الخلق و المتكلمون كما سبق حراس هذا القشر عن تشويش المبتدعة، فخصص الناس الاسم بهذين القشرين، و تركوا لبابهما و أهملوه بالكلية. و اللباب هو التوحيد المحض، و هو أن ترى الأمور كلها من اللّه تعالى رؤية تقطع الالتفات إلى الأسباب و الوسائط، و أن تعبده عبادة تفرده بها فلا تعبد غيره و اتباع الهوى يخرج عن هذا التوحيد؛ فكل متبع هواه، قد اتخذ هواه معبوده. قال‏ (1) اللّه تعالى: أَ فَرَأَيْتَ مَنِ اِتَّخَذَ إِلََهَهُ هَوََاهُ . و قال‏ (2) صلى اللّه عليه و سلم: «أبغض إله عبد في الأرض عند اللّه هو الهوى» . و على التحقيق من تأمل عرف أن عابد الصنم ليس يعبد الصنم إنما يعبد هواه، إذ نفسه مائلة إلى دين آبائه، فيتبع ذلك الميل. و ميل النفس إلى المألوفات أحد المعاني التي يعبر عنها بالهوى و يخرج عن هذا التوحيد السخط على الخلق و الالتفات إليهم. فإن من يرى الكل، من اللّه تعالى، كيف يسخط على غيره، فالتوحيد عبارة عن هذا المقام، و هو من مقامات الصديقين. فانظر إلى ما ذا حول و بأي قشر قنع فالموحّد هو الذي لا يرى إلاّ الواحد، و لا يتوجّه وجهه إلا إليه، أي يكون قلبه متوجها إلى اللّه تعالى على الخصوص. ا هـ.

و قد تكلمت على هذا المقام في كتابنا الجوهر الفريد في علم التوحيد، بكلام يشفي النفس، و يزيل اللبس، و هو كلام طويل مشبع، جمعت فيه غالب أقوال الصحابة و العلماء، فليراجع و هو في الجزء الثامن، من الباب الخامس، من كتاب التوحيد فليراجع.

و اعلم أنه قد تقدم أن تعلم علم النجوم مذموم. فنقول قد روي عن رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم أنه قال: «إذا ذكر القدر فأمسكوا، و إذا ذكر النجوم فأمسكوا و إذا ذكر أصحابي فأمسكوا» .

و قال‏ (3) صلى اللّه عليه و سلم: «أخاف على أمتي بعدي ثلاثا: حيف الأئمة، و الإيمان بالنجوم و التكذيب بالقدر» .

و قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه: «تعلموا من النجوم ما تهتدون به في البحر و البر ثم أمسكوا» و إنما زجر عنه من ثلاثة أوجه:

أحدها أنه مضر بأكثر الخلق، فإنه إذا ألقي إليهم أن هذه الآثار تحدث عقب سير الكواكب، وقع في نفوسهم أن الكواكب هي المؤثرة، و أنها الآلهة المدبرة، لأنها جواهر شريفة سماوية يعظم وقعها في القلوب، فيبقى القلب ملتفتا إليها، و يرى الشر و الخير محذورا من جهتها،

____________

(1) سورة الجاثية: الآية 23.

(2) رواه الترمذي في القيامة: 17 و لفظه: «بئس العبد عبد هوى يضله» .

(3) رواه أحمد: 5، 90 و لفظه: «ثلاث أخاف على أمتي... » .

26

و مرجوا منها، و ينمحي ذكر اللّه تعالى من القلب، فإن الضعيف يقصر نظره على الوسائط، و العالم الراسخ هو الذي يطلع على أن الشمس، و القمر، و النجوم، مسخرات بأمره سبحانه و تعالى.

الوجه الثاني: إن أحكام النجوم تخمين محض، و ليس يدرك في حق آحاد الأشخاص، لا يقينا و لا ظنا فالحكم به حكم بجهل، فيكون ذمه على هذا من حيث إنه جهل، لا من حيث إنه علم. و قد كان ذلك علما لإدريس عليه السلام فيما يحكى، و قد اندرس ذلك العلم و انمحق و ما يتفق من إصابة المنجم على ندور فهو اتفاق، لأنه قد يطلع على بعض الأسباب، و لا يحصل المسبب عقبها إلا بعد شروط كثيرة، ليس في قدرة البشر الاطلاع عليها. فإن اتفق أن قدر اللّه تعالى بقية الأسباب، وقعت الإصابة. و إن لم يقدر أخطأ. و يكون ذلك كتخمين الإنسان في أن السماء تمطر اليوم، مهما رأى الغيم يجتمع، و ينبعث من الجبال، فيتحرك ظنه بذلك و ربما يحمى النهار بالشمس، و يتبدد الغيم و ربما يكون بخلافه، فإن مجرد الغيم ليس كافيا في مجي‏ء المطر، و بقية الأسباب لا تدرى. و كذلك تخمين الملاح، أن السفينة تسلم، اعتمادا على ما ألفه من العادة في الرياح، و لتلك الرياح أسباب خفية، لا يطلع عليها الملاح، فتارة يصيب في تخمينه، و تارة يخطئ. و لهذه العلة يمنع القوم عن النجوم.

الوجه الثالث أنه لا فائدة فيه، فأقل أحواله أنه خوض في فضول لا يعني، و تضييع للعمر الذي هو أنفس بضائع الإنسان بغير فائدة، و غايته الخسران، فقد مرّ رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم برجل، و الناس مجتمعون عليه، فقال: «ما هذا» ؟قالوا: رجل علاّمة فقال: بما ذا؟قالوا: بالشعر و أنساب العرب. فقال: «علم لا ينفع، و جهل لا يضر» و قال‏ (1) صلى اللّه عليه و سلم: «إنما العلم آية محكمة، أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة» فإذا الخوض في النجوم إنما يشبه اقتحام خطر و خوض جهالة من غير فائدة فإن ما قدر كائن، و الاحتراز غير ممكن، بخلاف الطب، فإن الحاجة إليه ماسّة، و أكثر أدلته مما يطلع عليه، و بخلاف التعبير، و إن كان تخمينا لأنه جزء من ستة و أربعين جزءا من النبوة، و لا خطر فيه. و لذلك أكثرنا في كتابنا هذا من النقل من هذين العلمين لضرورة الحاجة إليهما، و لقلة الخطأ فيهما لإمكان الاطلاع على أكثر أدلتهما، و اللّه الموفق للصواب.

الإبل‏

: بكسر الباء الموحدة، و قد تسكن للتخفيف: الجمال و هو اسم واحد يقع على الجمع، و ليس بجمع، و لا اسم جمع، إنما هو دال على الجنس، كذا قاله ابن سيده. و قال الجوهري: ليس لها واحد من لفظها و هي مؤنثة لأن أسماء الجموع، التي لا واحد لها من لفظها إذا كانت لغير الآدميين فالتأنيث لها لازم، و إذا صغرتها أدخلت عليها الهاء فقلت: أبيلة و غنيمة و نحو ذلك، و ربما قالوا للإبل: إبل بإسكان الباء كما تقدم، و الجمع آبال و النسبة إبلي بفتح الباء.

روى ابن ماجة، عن عروة البارقي رضي اللّه عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم‏ (2) قال: «الإبل عز لأهلها، و الغنم بركة، و الخير معقود في نواصي الخيل إلى يوم القيامة» و في حديث وهب «تأبل آدم على ابنه المقتول

____________

(1) رواه أبو داود في الفرائض: و ابن ماجة في المقدمة: 8.

(2) رواه ابن ماجة في التجارات: 69.

27

كذا و كذا عاما لم يصب حوّاء أي امتنع من غشيانها أعواما، و توحش عنها. و يقال للإبل بنات الليل، و يقال للذكر و الأنثى منها بعير إذا أجذع و يجمع على: أبعرة و بعران و الشارف: الناقة المسنة و جمعها شرف و العوامل: الإبل ذوات السنامين. و الإبل من الحيوانات العجيبة و إن كان عجبها سقط من أعين الناس لكثرة رؤيتهم لها، و هو أنها حيوان عظيم الجسم، سريع الانقياد، ينهض بالحمل الثقيل، و يبرك به، و تأخذ زمامه فأرة فتذهب به إلى حيث شاءت، و يتخذ على ظهره بيت يقعد الإنسان فيه، مع مأكوله و مشروبه و ملبوسه و ظروفه و وسائده، كأنه في بيته و يتخذ للبيت سقف و هو يمشي بكل هذه. و لهذا قال‏ (1) تعالى: أَ فَلاََ يَنْظُرُونَ إِلَى اَلْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ .

و قد جعلها اللّه تعالى طوال الأعناق لتثور بالأثقال، و عن بعض الحكماء، أنه حدث عن الإبل و عن بديع خلقها و كان قد نشأ بأرض لا إبل فيها، ففكر ساعة ثم قال: يوشك أن تكون طوال الأعناق، و حيث أراد اللّه تعالى بها أن تكون سفائن البر، صبرها على احتمال العطش، حتى إن ظمأها ليرتفع إلى العشر. و جعلها ترعى كل شي‏ء نابت في البراري و المفاوز، مما يرعاه سائر البهائم. و روي عن سعيد بن جبير أنه قال: لقيت شريحا القاضي ذاهبا فقلت له: أين تريد؟ فقال: أريد الكناسة. فقلت: و ما تصنع بالكناسة قال: انظر إلى الإبل كيف خلقت. و قال‏ (2)

تعالى: وَ عَلَيْهََا وَ عَلَى اَلْفُلْكِ تُحْمَلُونَ* قرنها بالفلك التي هي السفائن لأنها سفن البر قال ذو الرّمة (3) :

سفينة بر تحت خدي زمامها.

يريد صيدح التي يخاطبها بقوله:

سمعت الناس ينتجعون غيثا # فقلت لصيدح انتجعي بلالا

و صيدح اسم ناقته. و هذا البيت أنشده سيبويه‏ (4) و رواه برفع الناس على الحكاية، أي:

سمعت هذه الكلمة. و رواه غيره بالنصب، و كل له وجه. و سيأتي إن شاء اللّه تعالى ذكر الصيدح في باب الصاد المهملة. و ربما تصبر الإبل عن الماء عشرة أيام و إنما جعل اللّه تعالى أعناقها طوالا، لتستعين بها على النهوض، بالحمل الثقيل، و في الحديث: «لا تسبوا الإبل فإن فيها رقوء الدم، و مهر الكريمة» . أي أنها تعطى في الديات فتحقن بها الدماء و تمنع من أن يهراق دم القاتل. هذه عبارة الفصيح و في الحديث لا تسبوا الإبل فإنها من نفس اللّه تعالى أي مما يوسع اللّه تعالى به على الناس حكاه ابن سيده. و الذي نعرفه «لا تسبوا الريح فإنها من نفس الرحمن جل و علا (5) » و في

____________

(1) سورة الغاشية: الآية 17.

(2) سورة المؤمنون: الآية 12.

(3) ذو الرّمة: هو غيلان بن عقبة بن نهيس بن مسعود العدوي من فحول الشعراء في العصر الأموي. توفي سنة 117 هـ. و الشعر في ديوانه: 70.

(4) سيبويه: هو عمرو بن عثمان بن قنبر الحارثي بالولاء، أبو بشر، إمام النحاة و أول من بسط علم النحو. ولد في شيراز و أقام في البصرة و أخذ عن الخليل. توفي سنة 180 هـ.

(5) رواه الترمذي في الفتن: 65. و ابن ماجة في الأدب: 29. و غيرهما.

28

الصحيحين، عن أبي موسى الأشعري رضي اللّه عنه، أن النبي صلى اللّه عليه و سلم‏ (1) قال: «تعاهدوا القرآن، فوالذي نفس محمد بيده، لهو أشد تفلتا من الإبل في عقلها» . و فيهما عن ابن عمر رضي اللّه عنهما أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «إنما مثل القرآن مثل الإبل المعقلة إن تعاهدها صاحبها على عقلها أمسكها، و إن أغفلها ذهبت، إذا قام صاحب القرآن بقراءته بالليل و النهار، ذكره و إذا لم يقرأه نسيه» . (2)

و فيهما عنه أيضا أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال‏ (3) : «الناس كإبل مائة لا تجد فيها راحلة» . و سيأتي بيان معناه إن شاء اللّه تعالى في باب الراء المهملة في لفظ الراحلة.

و الإبل أنواع: الأرحبية منسوبة إلى بني أرحب من همدان. و قال ابن الصلاح: إنها من إبل اليمن و الشذقمية إبل منسوبة إلى شذقم، و هو فحل كريم كان للنعمان بن المنذر، و العيدية بكسر العين المهملة، إبل منسوبة إلى بني العيد و هم فخذ من بني مهرة، قاله صاحب الكفاية. و المجدية إبل باليمن منسوبة إلى المجد و هو الشر. و الشدنية إبل منسوبة إلى فحل أو بلد قاله في الكفاية.

و المهرية إبل منسوبة إلى مهرة بن حيدان و هو أبو قبيلة و الجمع المهاري، قاله ابن الصلاح‏ (4) . و ما قاله الغزالي من أن المهرية هي الرديئة من الإبل، ليس كذلك و منها إبل وحشية تسمى إبل الوحش، يقولون إنها بقايا إبل عاد و ثمود. و من لقب الإبل العيس و هي الشديدة الصلبة و الشملال و هي الخفيفة و اليعملة و هي التي تعمل و الوجناء و هي الشديدة أيضا، و الناجية و هي السريعة، و العوجاء و هي الضامرة، و الشمردلة و هي الطويلة، و الهجان و هي الإبل الكريمة، و الكوماء بضم الكاف و هي الناقة العظيمة السنام و الحرف و هي الناقة الضامرة قال كعب بن زهير (5) .

حرف أبوها أخوها من مهجّنة # و عمها خالها قوداء شمليل‏ (6)

و القوداء الطويلة العنق، و الشمليل السريعة، و قوله: من مهجنة أي من إبل كرام هجان.

و قوله: أبوها أخوها أي إنها من جنس واحد في الكرم، و قيل: إنها من فحل حمل على أمه فجاءت بهذه الناقة فهو أبوها و أخوها، و كانت الناقة التي هي أم هذه بنت أخرى من الفحل الأكبر فعمها خالها على هذا، و هو عندهم من أكرم النتاج. و القول الأول ذكره أبو علي القالي عن أبي سعيد و مما يستحسن و يستجاد من كلام كعب رضي اللّه عنه قوله‏ (7) :

____________

(1) رواه البخاري في فضائل القرآن: 23. و رواه مسلم في المسافرين: 228، 229 و غيرهما.

(2) رواه ابن ماجة في الأدب: 52 و أحمد: 2، 20.

(3) هو في مجمع الأمثال: 2/340.

(4) ابن الصلاح هو عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان بن موسى بن أبي النصر النصري الشهرزوري الكردي، عالم في التفسير و الحديث و الفقه و أسماء الرجال، تولى التدريس في بيت المقدس ثم في دمشق و فيها توفي سنة 643 هـ.

الأعلام: 4/207.

(5) كعب بن زهير بن أبي سلمى المزني، شاعر إسلامي له صحبة. توفي سنة 26 هـ.

(6) ديوان كعب: 63.

(7) ديوانه: 37. و فيه: «ليس مدركها... و النفس... » .

29

لو كنت أعجب من شي‏ء لأعجبني # سعي الفتى و هو مخبوء له القدر

يسعى الفتى لأمور ليس يدركها # فالنفس واحدة و الهم منتشر

و المرء ما عاش ممدود له أمل # لا تنتهي العين حتى ينتهي الأثر

قال أصحاب الكلام: في طبائع الحيوان ليس لشي‏ء من الفحول، مثل ما للجمل عند هيجانه إذ يسوء خلقه، و يظهر زبده و رغاؤه فلو حمل عليه ثلاثة أضعاف عادته حمل و يقل أكله، و يخرج الشقشقة و هي الجلدة الحمراء التي يخرجها من جوفه، و ينفخ فيها فتظهر من شدقه لا يعرف ما هي. قال الليث: و لا تكون إلا لعربي: و فيه نظر قال علي بن أبي طالب رضي اللّه تعالى عنه: «إن الخطب من شقاشق الشيطان» . شبّه الفصيح المنطيق بالفحل الهادر، و لسانه بشقشقته.

و روى الحاكم في حديث فاطمة بنت قيس رضي اللّه عنها أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال‏ (1) لها: «أما معاوية فصعلوك، و أما أبو الجهم فإني أخاف عليك من شقاشقه» .

و الفحل لا ينزو إلا مرّة واحدة في السنة، و يطول فيها مكثه، و ينزل فيها مرارا كثيرة، و لذلك يعقبه فتور و وهن و الأنثى تلقح إذا مضى لها ثلاث سنين، و لذلك سميت حقة لأنها استحقت ذلك قالوا: و الجمل أشد الحيوان حقدا، و في طبعه الصبر و الصولة. و ذكر صاحب المنطق أنه لا ينزو على أمه. قال: و قد كان رجل في سالف الدهر ستر ناقة بثوب، ثم أرسل ولدها عليها، فلما عرف ذلك قطع ذكره، ثم حقد على الرجل حتى قتله. و آخر فعل مثل ذلك فلما عرف أنها أمه قتل نفسه. و كل الحيوان له مرارة إلا الإبل، و لذلك كثر صبرها و انقادت و كني الجمل بأبي أيوب. و إنما يوجد على كبدها شي‏ء يشبه المرارة و هي جلدة فيها لعاب يكتحل به ينفع من العشاء العتيق. و من طبعها أنها تستطيب الشجر الذي له شوك و تهضمه أمعاؤها، و لا تستطيع في غالب الأوقات أن تهضم الشعير. و من عجيب ما ذهبت إليه العرب أنها إذا أصاب إبلها العرّ كووا السليم ليشفى العليل. و في هذا المعنى قال‏ (2) النابغة:

و حملتني ذنب امرئ و تركته # كذا العر يكوي غيره و هو راتع‏

و أخذ منه غيره فقال:

غيري جنى و أنا المعاقب فيكم # فكأنني سبابة المتندم‏

و أنكر أبو عبيد القاسم بن سلام ذلك.

و روى الجماعة من حديث أبي هريرة رضي اللّه عنه، قال: «جاء رجل من بني فزارة إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فقال: إن امرأتي ولدت غلاما أسود فقال له النبي صلى اللّه عليه و سلم: «هل لك من إبل» ؟ قال: نعم فما ألوانها؟قال: حمر. قال صلى اللّه عليه و سلم: «هل فيها من أورق» ؟قال: إن فيها لورقا. قال: هو

____________

(1) رواه أبو داود في الطلاق: 39. و مسلم في الرضاع: 101.

(2) ديوان النابغة الذبياني: 83. و فيه لكلفتني... كذي العر...

30

ذاك. قال: فأنى أتاها ذلك قال‏ (1) صلى اللّه عليه و سلم «عسى أن يكون نزعه عرق» .

و قد تقدمت الإشارة إلى هذا الحديث في الكلام على لفظ الأسد و إنما قال صلى اللّه عليه و سلم: «عسى أن يكون نزعه عرق» و لم يرخص له النبي صلى اللّه عليه و سلم في الانتفاء عنه.

و الرجل المذكور في هذا الحديث: ضمضم بن قتادة العجلي، و لم يذكره أبو عمر بن عبد البر في الاستيعاب و ليس له سوى هذا الحديث، و هو مسمى في بعض المسندات. و ذكره عبد الغني في الحديث بزيادة حسنة فقال‏ (2) فقال: «كانت المرأة من بني عجل، فقدم المدينة عجائز من بني عجل، فسألن عن المرأة التي ولدت الغلام الأسود فقلن: كان في آبائها رجل أسود» . قال: و الرجل اسمه ضمضم بن قتادة العجلي. و قال الخطيب أبو بكر: قلن: كان للمرأة جدة سوداء.

و الحكم: يحل أكل الإبل بالنص و الإجماع. قال‏ (3) اللّه تعالى: أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ اَلْأَنْعََامِ و أما تحريم إسرائيل، و هو يعقوب عليه السلام على نفسه أكل لحوم الإبل، و شرب ألبانها، فكان ذلك باجتهاد منه على الصحيح. و السبب في ذلك أنه كان يسكن البدو فاشتكى عرق النساء، فلم يجد شيئا يؤلمه إلا لحوم الإبل و ألبانها فلذلك حرمهما. و إسرائيل لفظة عبرانية.

و قد اختلف العلماء في انتقاض الوضوء بأكل لحومها: فذهب الأكثرون إلى أنه لا ينتقض الوضوء بأكل لحومها، و ذهب الباقون إلى أنه ينتقض الوضوء به. فمن ذهب إلى الأول: الخلفاء الأربعة أبو بكر و عمر و عثمان و علي، و ابن مسعود و أبي بن كعب و ابن عباس و أبو الدرداء و أبو طلحة الأنصاري و أبو أمامة الباهلي و عامر بن ربيعة رضي اللّه عنهم، و جماهير التابعين و مالك و أبو حنيفة و الشافعي و أصحابهم رحمهم اللّه. و ممن ذهب إلى انتقاض الوضوء به: أحمد و إسحاق بن راهويه و يحيى بن يحيى و ابن المنذر و ابن خزيمة و اختاره البيهقي من أصحاب الشافعي، و هو قول الشافعي القديم، و سيأتي إن شاء اللّه تعالى ذكر دليله في باب الجيم في الجزور.

و عن أحمد في أكل سنامها روايتان، و لأصحابه في شرب ألبانها وجهان. و تكره الصلاة في أعطانها و هي الأمكنة التي تأوي إليها بعد الشرب. روى أبو داود و الترمذي و ابن ماجة، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن البراء بن عازب قال: سئل رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم عن الوضوء من لحوم الإبل؟فقال: «توضئوا منها» (4) و سئل عن لحوم الغنم؟فقال: «لا تتوضئوا منها (5) » . و سئل عن الصلاة في مبارك الإبل؟فقال‏ (6) : «لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها مأوى الشياطين» و سئل عن

____________

(1) رواه الترمذي في الولاء: 4 و ابن ماجة في النكاح: 58.

(2) رواه مسلم في اللعان: 19.

(3) سورة المائدة: الآية 1.

(4) رواه مسلم في الحيض: 97. و أبو داود في الطهارة 71. و غيرهما.

(5) رواه أحمد: 4، 352.

(6) رواه مسلم في الحيض: 97. و الصلاة: 50.

31

الصلاة في مرابض الغنم؟فقال: «صلوا فيها فإنها مباركة (1) » و روى النسائي و ابن حبان من حديث عبد اللّه بن مغفل رضي اللّه عنه أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «إن الإبل خلقت من الشياطين‏ (2) » .

و أما زكاتها فالواجب في كل خمس منها سائمة شاة، و في عشر شاتان و في خمسة عشر ثلاث شياه، و في عشرين أربع شياه، ثم في خمس و عشرين بنت مخاض، و في ست و ثلاثين بنت لبون، و في ست و أربعين حقة، و في إحدى و ستين جذعة، و في ست و سبعين بنتا لبون، و في إحدى و تسعين حقتان، و في مائة و إحدى و عشرين ثلاث بنات لبون، ثم في كل أربعين بنت لبون، و في كل خمسين حقة. و بنت المخاض لها سنة، و بنت اللبون لها سنتان، و الحقة لها ثلاث سنين، و الجذعة لها أربع سنين، و الشاة الواجبة لها جذعة ضأن و هي ما لها سنة، أو ثنية معز و هي ما لها سنتان، و بقية أحكام الزكاة معروفة.

تتمة: قال المتولي إذا أوصي لشخص بإبل، جاز أن يعطى ذكرا أو أنثى، فإن أعطي فصيلا أو ابن مخاض لم يلزمه قبوله لأنه لا يسمى إبلا.

الأمثال: روى مسلم و الترمذي عن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال:

«الناس كإبل مائة، ليس فيها راحلة (3) » يعني أن المرضى من الناس قليل و سيأتي معناه إن شاء اللّه تعالى في باب الراء المهملة في الراحلة. و قال الأزهري: معناه أن الزاهد في الدنيا الكامل في الزهد فيها و الرغبة في الآخرة قليل، كقلة الراحلة في الإبل. و قالوا: أشبعهم سبا و راحوا بالإبل قيل:

أول من قاله كعب بن زهير بن أبي سلمى يضرب لمن لم يكن عنده إلا الكلام و قالوا: «ما هكذا يا سعد تورد الإبل» يضرب لمن تكلف أمرا لا يحسنه. و تمثل بذلك علي رضي اللّه عنه في حديث رواه البيهقي و غيره. و قالوا «يا إبل عودي إلى مباركك‏ (4) » . يضرب لمن يفر من الشي‏ء الذي لا بد منه.

الخواص: قال ابن زهير و غيره: إذا وقع بصر الجمل على سهيل مات لوقته. و لحوم الإبل و الكباش الحولية الجبلية رديئة كلها، و إذا أحرق وبر الإبل و ذر على الدم السائل قطعه. و قراده يربط في كم العاشق فيزول عشقه و إذا شرب السكران من بول الجمل أفاق من ساعته، و لحمه يزيد في الباه و الإنعاظ بعد الجماع. و بول الإبل ينفع من ورم الكبد و يزيد في الباه، و مخ ساق الجمل إذا تحملت به المرأة في قطنة أو صوفة بعد الطهر ثلاثة أيام و جومعت فإنها تحمل و إن كانت عاقرا. و سيأتي إن شاء اللّه تعالى قريبا في الكلام على لفظ الإنسان قاعدة ذكرها حذاق الأطباء تعرف بها العاقر من النساء.

التعبير: قال أهل التعبير من رأى أنه ملك منها هجمة في منامه فإنه يدل على أنه يحكم على جماعة ذوي أقدار و يملك مالا طائلا. و كذلك إذا رأى أنه نال ثلة أو ثاغية أو راغية و الهجمة مائة

____________

(1) رواه البخاري في الوضوء: 66. و الصلاة 48. و مسلم في المساجد: 9، 10. و غيرهما.

(2) رواه ابن ماجة في المساجد: 12. و ابن حنبل: 5، 54، 55، 57.

(3) رواه الترمذي في الآداب: 82. و مسلم في فضائل الصحابة: 532. و غيرهما.

(4) المستقصى: 2/404 و فيه: «يا إبلي... » .

32

من الإبل و الثلة قطيع من الغنم و الثاغية الشاة و الراغية الإبل. قالوا: و من رأى أنه ملك إبلا في منامه، نال عقبى حسنة و سلامة في دينه و معتقده لقوله‏ (1) تعالى: أَ فَلاََ يَنْظُرُونَ إِلَى اَلْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ فإن قال: رأيت جمالا فربما دل على الأعمال السيئة لقوله تعالى: وَ لاََ يَدْخُلُونَ اَلْجَنَّةَ حَتََّى يَلِجَ اَلْجَمَلُ فِي سَمِّ اَلْخِيََاطِ و لقوله‏ (2) تعالى: إِنَّهََا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ `كَأَنَّهُ جِمََالَتٌ صُفْرٌ و إن قال: رأيت انعاما و أنا أسرحها في المنام، فإنه يدل على تذلل الأمور الصعاب و ظهور النعمة عليه لقوله‏ (3) تعالى: وَ اَلْأَنْعََامَ خَلَقَهََا لَكُمْ فِيهََا دِفْ‏ءٌ وَ مَنََافِعُ وَ مِنْهََا تَأْكُلُونَ ، إلى قوله تسرحون. و من رأى أنه يرعى إبلا عرابا ولي على قوم من الأعراب و من رأى إبلا كثيرة في بلد فإنها تدل على أمراض و حروب. و قال الجيلي‏ (4) : من رأى أنه يملك إبلا نال مقدرة و سطوة. و قال أرطاميدورس:

من أكل لحم الإبل في منامه مرض. و قال محمد بن سيرين إمام المعبرين: و من أعلام التابعين لا بأس بأكل لحم الإبل لقوله‏ (5) تعالى: وَ اَلْأَنْعََامَ خَلَقَهََا لَكُمْ فِيهََا دِفْ‏ءٌ وَ مَنََافِعُ وَ مِنْهََا تَأْكُلُونَ .

و ستأتي بقيته إن شاء اللّه تعالى في باب الجيم في لفظ الجمل و اللّه أعلم.

الأبابيل‏

: واحدته ابالة و قال أبو عبيد القاسم بن سلام: لا واحد لها من لفظها. و قيل:

واحدها أبول كعجول و قيل: إبيل كسكّيت. و قيل: إيبال كدينار، و دنانير، و ذكر الفارسي أنه سمع في واحده ابالة بالتشديد. و حكى الفرّاء إبالة بالتخفيف. و اختلفوا في قوله‏ (6) تعالى:

وَ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبََابِيلَ فقال سعيد بن جبير: هي طير تعشش بين السماء و الأرض و تفرخ، و لها خراطيم كخراطيم الطير، و أكف كأكف الكلاب و عن عكرمة أنها طيور خضر خرجت من البحر لها رءوس كرءوس السباع. و قال ابن عباس رضي اللّه عنهما بعث اللّه الطير على أصحاب الفيل كالبلسان و قيل: كانت كالوطاويط. و قال عبادة بن الصامت: أظنا الزرازير.

و قالت عائشة رضي اللّه تعالى عنها، هي أشبه شي‏ء بالخطاطيف. و سيأتي إن شاء اللّه تعالى في باب السين أنها السنونو الذي يأوي الآن في المسجد الحرام الواحدة سنونة، و الأبيل راهب النصارى و كانوا يسمون عيسى بن مريم عليهما السلام أبيل الأبيليين قال الشاعر:

أما و دماء مائرات تخالها # على قنة العزى و بالنّسر عندما

و ما سبح الرهبان في كل بيعة # أبيل الأبيليين عيسى بن مريما

لقد ذاق منا عامر يوم لعلع # حساما إذا ما هزّ بالكف صمما

و الإبالة بالكسر الحزمة من الحطب. و في المثل: «ضغث على إبالة (7) أي بلية على أخرى كانت قبلها و اللّه الموفق.

الأتان:

بفتح الهمزة و بالتاء المثناة فوق الحمارة، و لا تقل أتانة، و يقال ثلاث آتن مثل عناق

____________

(1) سورة الغاشية: الآية 17.

(2) سورة المرسلات: الآية 32.

(3) سورة النحل: الآية 5.

(4) هو عبد الكريم بن إبراهيم بن عبد الكريم الجيلي، متصوف، له مؤلفات كثيرة. توفي سنة 832 هـ.

(5) سورة النحل: الآية 5.

(6) سورة الفيل: الآية 3.

(7) جمهرة الأمثال: 2/6.

33

و أعنق، و الكثير أتن و أتن. و استأتن الرجل أي اشترى أتانا، و اتخذها لنفسه. قال محمد بن سلام: حدثني رجل من قريش قال: خرج خالد بن عبد اللّه القسري‏ (1) يوما يتصيد، و هو أمير العراق فانفرد عن أصحابه فإذا هو بأعرابي على أتان له هزيل و معه عجوز فقال له خالد ممن الرجل فقال من أهل المآثر و الحسب و المفاخر قال: فأنت إذن من مضر فمن أيها أنت؟قال من الطاعنين على الخيول، المعانقين عند النزول. قال: فأنت إذن من عامر، فمن أيها أنت؟قال: من أهل الرفادة، و الكرم و السيادة، قال فأنت إذن من جعفر، فمن أيها أنت؟قال: من بدورها و شموسها و ليوثها، في خميسها قال: فأنت إذن من الخواص. فما أقدمك هذه البلاد؟قال: تتابع السنين و قلة رفد الرافدين. قال فمن أردت بها؟قال: أميركم هذا الذي رفعته أمرته و حطته أسرته. قال: فما أردت منه؟قال: كثرة ماله لا كرم آبائه. قال: ما أراك إلا قد قلت فيه شعرا فقال لامرأته:

أنشديه، فقال:

كم تجشمنا مدح اللئيمـ # ة اليوم إن مدح اللئيم ذل‏

قال: أنشديه فأنشدته:

إليك ابن عبد اللّه بالجد أرقلت # بنا البيدعيس كالقسي سواهم

عليها كرام من ذؤابة عامر # أضربهم جدب السنين العوارم

يردن امرأ يعطي على الحمد ماله # و هانت عليه في الثناء الدراهم

فإن تعط ما تهوى فهذا ثناؤنا # و إن تكن الأخرى فما ثمّ لا ثم‏

فقال له خالد: يا عبد اللّه، ما أعجبك و شعرك، جئت على أتان هزيل، و تزعم إنك جئت على عيس؛ و قد ذكرت الرجل في شعرك، بخلاف ما ذكرت في كلامك. فقال: يا ابن أخي ما تجشمنا من مدح اللئيم، كان أشد من الكذب في شعرنا فقال له خالد: أ تعرف خالدا؟قال: لا قال: فأنا هو خالد. قال: أسألك باللّه هو أنت خالد؟قال إي و الذي سألتني به أنا خالد، و أنا معطيك غير مكافئك، فقال: يا أم جحش اصرفي وجه أتانك فقال لها خالد: لا تفعلي و أقيمي أنت و زوجك فقال الرجل: لا و اللّه لا رزأت امرأ درهما بعد أن أسمعته ما يكره، و صرف وجه أتانه و مضى. فقال خالد: بمثل هذا الفعل نال هذا و آباؤه ما نالوا.

و روى البيهقي عن أبي هريرة رضي اللّه عنه، أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «من لبس الصوف، و حلب الشاة، و ركب الأتن، فليس في جوفه من الكبر شي‏ء» . و هو كذلك في الكامل في ترجمة عبد الرحمن بن عمار بن سعد.

و عن جابر و أبي هريرة رضي اللّه عنهما أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «براءة من الكبر لباس الصوف و مجالسة فقراء المؤمنين و ركوب الحمار و اعتقال العنز و أكل أحدكم مع عياله» . و في الاستيعاب و غيره أن زرارة بن عمرو النخعي قدم على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في النصف من رجب سنة تسع «فقال:

____________

(1) خالد القسري هو ابن عبد اللّه بن يزيد بن أسد، من بجيلة، من خطباء العرب و من أجوادهم توفي سنة 126 هـ.

34

يا رسول اللّه إني رأيت في طريقي رؤيا هالتني!قال: و ما هي؟قال: رأيت أتانا خلفتها في أهلي، قد ولدت جديا أسفع أحوى، و رأيت نارا خرجت من الأرض فحالت بيني و بين ابن لي، يقال له عمرو، و هي تقول لظى لظى بصير و أعمى. فقال له النبي صلى اللّه عليه و سلم: أخلفت في أهلك أمة مسرة حملا؟قال: نعم قال صلى اللّه عليه و سلم: فإنها قد ولدت غلاما و هو ابنك قال: فأنى له أسفع أحوى؟قال: ادن مني، فدنا منه، فقال: أ بك برص تكتمه؟قال: و الذي بعثك بالحق نبيا ما علمه أحد قبلك.

قال: فهو ذاك و أما النار فإنها فتنة تكون بعدي. قال: و ما الفتنة يا رسول اللّه؟قال صلى اللّه عليه و سلم: يقتل الناس إمامهم، و يشتجرون اشتجار أطباق الرأس، و خالف بين أصابعه، دم المؤمن عند المؤمن، أحلى من الماء، يحسب المسي‏ء، أنه محسن، إن مت أدركت ابنك، و إن مات ابنك أدركتك. قال فادع اللّه لي أن لا تدركني فدعا له» . (1) و قد قال العلماء: إن هذه الفتنة هي التي قتل فيها عثمان رضي اللّه تعالى عنه. و الأسفع الأحوى الأبلق.

الأمثال: قالوا: «كان حمارا فاستأتن‏ (2) » يضرب لمن يهون بعد العز.

التعبير: الحمارة امرأة معينة على المعيشة، كثيرة الخير، ذات ربح متواتر و نسل. و لفظ الأتان من الإتيان.

الأخطب:

كالأحمر يقال إنه الصرد و أنشد:

و لا أنثني من طيرة عن مريرة # إذا الأخطب الداعي على الدوح صرصرا

و الأخطب حمار يعلو ظهره خضرة، و قال الفراء: الخطباء الأتان التي لها خط أسود في ظهرها، و الذكر أخطب.

الأخيضر

: ذباب أخضر على قدر الذباب الأسود قاله ابن سيده.

الأخيل:

طائر أخضر فيه على أجنحته لمع تخالف لونه و سمي بذلك لخيلان فيه. و قيل:

الأخيل‏

الشقراق الآتي في باب الشين المعجمة، و هو مشئوم. و لفظه ينصرف في النكرة لا إذا سميت به و منهم من لا يصرفه في معرفة و لا نكرة و يجعله في الأصل صفة من التخيل و يحتج بقول الشاعر:

ذريني و علمي بالأمور و شيمتي # فما طائري فيها عليك بأخيلا

الأربد:

ضرب من الحيات، يعض فيربد منه الوجه، و منه ما حكاه عبد الملك بن عمير قال: رأيت زيادا (3) واقفا على قبر المغيرة بن شعبة (4) رضي اللّه عنه و هو يقول:

____________

(1) الترمذي: فتن 9. و ابن ماجة فتن: 25 و فيه: لا تقوم الساعة حتى تقتلوا أمامكم...

(2) مجمع الأمثال: 2/131.

(3) هو زياد بن أبيه والي العراق لمعاوية بن أبي سفيان. توفي سنة 53 هـ. و كان من ذوي الحزم و الدهاء و الشجاعة.

(4) هو المغيرة بن شعبة بن أبي عامر بن مسعود الثقفي، أبو عبد اللّه، أحد دهاة العرب و قادتهم، صحابي، ولد بالطائف و أسلم سنة 5 هـ. شهد فتوح الشام و بلاد فارس تولى البصرة لعمر بن الخطاب رضي اللّه عنه، ثم تولى الكوفة لمعاوية و مات سنة 50 هـ.

35

إن تحت الأحجار حزما و عزما # و خصيما ألد ذا معلاق

حيّة في الوجار أربد لا ينـ # فع منه السليم نفث الراقي‏

ثم قال: أما و اللّه لقد كنت شديد العداوة لمن عاديت، شديد الأخوة لمن آخيت، و المعلاق بالعين، المهملة قال الجوهري: يقال رجل ذو معلاق أي شديد الخصومة. ثم أنشد قول الشاعر و هو مهلهل‏ (1) :

إن تحت الأحجار حزما وجودا # و خصيما ألد ذا معلاق‏

الأرخ:

قال ابن درستويه‏ (2) هي الأنثى الثنية من البقر التي لم ينز عليها الفحل و جمعها أروخ و أراخ. قال: و أنشدني أعرابي من مزينة في طريق مكة لنفسه فقال:

أيام عهدي مي فيك كأنها # أرخ يرود بروضة مثقال‏

و قال الجوهري: الأرخ وحش البقر و قال صاحب المغرب: الأرخ ولد البقرة الوحشية.

الأرضة:

بفتح الهمزة و الراء و الضاد المعجمة دويبة صغيرة كنصف العدسة، تأكل الخشب، و هي التي يقال لها السرفة، بالسين و الراء المهملة و الفاء. و هي دابة الأرض التي ذكرها اللّه تعالى في كتابه، و ستأتي إن شاء اللّه تعالى في باب السين المهملة. و لما كان فعلها في الأرض أضيفت إليها. قال القزويني في الأشكال: إذا أتى على الأرضة سنة، تنبت لها جناحان طويلان، تطير بهما. و هي دابة الأرض التي دلت الجن على موت سليمان عليه السلام، و النمل عدوّها، و هو أصفر منها فيأتيها من خلفها فيحملها و يمشي بها إلى جحره، و إذا أتاها مستقبلا، لا يغلبها لأنها تقاومه، انتهى. و من شأنها أنها تبني لنفسها بيتا حسنا، من عيدان تجمعها مثل غزل العنكبوت، متخرطا من أسفله إلى أعلاه و له في إحدى جهاته باب مربع، و بيتها ناووس و منها تعلم الأوائل بناء النواويس على موتاهم. و في الصحيحين و غيرهما «أن قريشا، لما بلغهم إكرام النجاشي لجعفر و أصحابه، كبر ذلك عليهم و غضبوا على رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم و أصحابه و كتبوا كتابا على بني هاشم أن لا يناكحوهم و لا يبايعوهم و لا يخالطوهم. و كان الذي كتب الصحيفة بغيض بن عامر فشلّت يده، و علقوا الصحيفة في جوف الكعبة، و حصروا بني هاشم في شعب أبي طالب ليلة هلال المحرم سنة سبع من مبعثه صلى اللّه عليه و سلم، و انحاز إليهم بنو عبد المطلب، و قطعت عنهم قريش الميرة و المادة فكانوا لا يخرجون إلا من موسم إلى موسم، حتى بلغوا الجهد، و أقاموا على ذلك ثلاث سنين، ثم أطلع اللّه رسوله صلى اللّه عليه و سلم على أمر الصحيفة، و أن الأرضة قد أكلت ما كان فيها من ظلم و جور.

____________

(1) المهلهل هو عدي بن ربيعة بن مرة بن هبيرة، أبو ليلى، شاعر جاهلي له أخبار في حرب بكر و تغلب، و بطولات. مات سنة 100 ق. هـ.

(2) ابن درستويه هو عبد اللّه بن جعفر بن محمد بن المرزبان فارسي الأصل من علماء اللغة توفي ببغداد سنة 347 هـ.

36

و بقي ما كان فيها من ذكر اللّه تعالى فأخبرهم أبو طالب بذلك، فارتقوا إلى الصحيفة، فوجدوها كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، فأخرجوهم من الشعب» .

و روى ابن سعد و ابن ماجة في سننه، من حديث أبي بن كعب رضي اللّه عنه، «أن النبي صلى اللّه عليه و سلم كان يصلي إلى جذع، فاتخذ له المنبر، فحن ذلك الجذع إليه حنين العشار، حتى مسحه رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم بيده‏ (1) فسكن» . فلما هدم المسجد و غير، أخذ ذلك الجذع أبي بن كعب فكان عنده في داره حتى بلي و أكلته الأرضة و عاد رفاتا. و سيأتي إن شاء اللّه تعالى للأرضة ذكر في باب الدال المهملة في لفظ الدابة و في دود الفاكهة.

الحكم:

يحرم أكلها لاستقذارها، و إذا استخرجت من الأرض ترابها قال القاضي حسين:

إن استخرجته من مدر جاز التيمم به، و لا يضر اختلاطه بلعابها، فإنه طاهر فصار كتراب عجن بخل، أو ماء ورد، و إن استخرجت شيئا من الخشب أو الكتب لم يجز لعدم التراب.

الأمثال:

قالوا (2) «أكل من أرضة» و «أصنع من أرضة (3) » .

التعبير:

هي في الرؤيا تدل على منازعة في العلم و طلب الجدال.

الأرقم:

الحية التي فيها بياض و سواد، كأنه رقم أي نقش. روى أصحاب الغريب أن رجلا، كسر منه عظم فجاء إلى عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه يطلب منه القود، فأبى أن يقيده، فقال الرجل: هو إذن كالأرقم إن يقتل ينقم، و إن يترك يلقم، أي إن تركته أكلك، و إن قتلته قتلت به. و قال ابن الأثير في النهاية: كانوا في الجاهلية يزعمون أن الجن تطلب بثار الجان، و هي الحية الدقيقة، فربما، مات قاتلها و ربما أصابه خبل، و هذا مثل لمن يجتمع عليه شران لا يدري كيف يصنع فيهما. يعني أنه اجتمع عليه كسر العظم و عدم القود و قيل: الأرقم الحية التي فيها حمرة و سواد قال مهذب الملك في ذلك مشبها:

كانون أذهب برده كانوننا # ما بين سادات كرام حذق

بأراقم حمر البطون ظهورها # سود تلغلغ باللسان الأزرق‏

الأرنب:

واحدة الأرانب، و هو حيوان يشبه العناق، قصير اليدين طويل الرجلين، عكس الزرافة، يطأ الأرض على مؤخر قوائمه. و هو اسم جنس يطلق على الذكر و الأنثى و قال الجاحظ:

فإذا قلت أرنب، فليس إلا الأنثى كما أن العقاب لا يكون إلا للأنثى؛ فتقول: هذه العقاب و هذه الأرنب. و قال المبرد في الكامل: إن العقاب يقع على الذكر و الأنثى و إنما يميز باسم الإشارة كالأرنب، و ذكر الأرنب يقال له الخزز بالخاء المعجمة المضمومة و بعدها زايان و جمعه خزان كصرد و صردان. و يقال للأنثى عكرشة و الخرنق ولد الأرنب، فهو أولا خرنق ثم سخلة ثم أرنب.

____________

(1) رواه البخاري في المناقب 25: و الجمعة: 26. و فيه: «سمعنا للجذع مثل أصوات العشار» .

(2) جمهرة الأمثال: 1/164 و فيه: «أكل من سوس» .

(3) جمهرة الأمثال: 1/479 و فيه: «أصنع من دودة، و أصنع من سرفة» .

37

و قضيب الذكر من هذا النوع كذكر الثعلب: أحد شطريه عظم و الآخر عصب، و ربما ركبت الأنثى الذكر عند السفاد، لما فيها من الشبق و تسافد و هي حبلى، و تكون عاما ذكرا، و عاما أنثى فسبحان القادر على كل شي‏ء.

غريبة

: ذكر ابن الأثير في الكامل في حوادث سنة ثلاث و عشرين و ستمائة، أن صديقا له اصطاد أرنبا، له أنثيان و ذكر و فرج أنثى. فلما شقّوا بطنه، رأوا فيه ما يدل على ذلك.

قال: و أعجب من ذلك، أنه كان لنا جار له بنت اسمها صفية، بقيت كذلك نحو خمس عشرة سنة، ثم طلع لها ذكر، و نبت لها لحية، و صار لها فرج رجل و فرج امرأة. و سيأتي إن شاء اللّه في الضبع نظير ذلك.

و الأرنب تنام مفتوحة العين، فربما جاءها القناص، فوجدها كذلك، فيظنها مستيقظة.

و يقال إنها إذا رأت البحر ماتت، و لذا لا توجد في السواحل. و هذا لا يصح عندي. و تزعم العرب، في أكاذيبها، أن الجن تهرب منها لموضع حيضها: قال الشاعر:

و ضحك الأرانب فوق الصفا # كمثل دم الحرب يوم اللقا

فائدة:

الذي يحيض من الحيوان أربعة: المرأة و الضبع و الخفاش و الأرنب. و يقال: إن الكلبة أيضا كذلك.

روى أبو داود في سننه من حديث جابر بن الحويرث عن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال في الأرنب: «إنها تحيض» .

و جابر بن الحويرث، قال ابن معين: لا أعرفه و ذكره ابن حبان في الثقات و لا يعرف له إلا هذا الحديث.

و روى البيهقي عن ابن عمر رضي اللّه تعالى عنهما: «أن النبي صلى اللّه عليه و سلم جي‏ء له بأرنب فلم يأكلها و لم ينه عنها» . و زعم أنها تحيض و هي تأكل اللحم و غيره، و تجتر و تبعر، و في باطن أشداقها شعر، و كذلك تحت رجليها.

الحكم:

يحل أكل الأرنب عند العلماء كافة، إلا ما حكي عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص، و ابن أبي ليلى رضي اللّه عنهم، أنهما كرها أكلها، و حجتنا ما روى الجماعة عن أنس بن مالك رضي اللّه عنه قال: «أنفجنا أرنبا بمر الظهران، فسعى القوم عليها فغلبوا فأدركتها فأخذتها و أتيت بها أبا طلحة فذبحها، و بعث إلى النبي صلى اللّه عليه و سلم بوركها و فخذها فقبله‏ (1) » .

و في البخاري في كتاب الهبة (2) : «أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قبله و أكل منه» . و لفظ أبي داود: «كنت غلاما خرورا فصدت أرنبا فشويتها فبعث معي أبو طلحة رضي اللّه عنه، بعجزها إلى النبي صلى اللّه عليه و سلم

____________

(1) رواه البخاري في الهبة: 5، و الذبائح: 10، 32 و رواه مسلم في الصيد: 53.

(2) رواه ابن ماجة في الصيد: 15، 17، و فيه: «نبئت أنها تدمي» .

38

و الحزور بالتشديد و التخفيف: المراهق و قد سئل رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم عنها فقال: هي حلال» .

و روى أحمد و النسائي و ابن ماجة و الحاكم و ابن حبان، عن محمد بن صفوان، «أنه صاد أرنبين فذبحهما بمروتين و أتى النبي صلى اللّه عليه و سلم، فأمره بأكلهما» . و هو في معجم ابن قانع، عن محمد ابن صفوان أو صفوان بن محمد.

و احتج ابن أبي ليلى و من وافقه بما روى الترمذي عن حبان بن جزء، عن أخيه خزيمة رضي اللّه عنه قال: «قلت يا رسول اللّه ما تقول في الأرنب؟قال صلى اللّه عليه و سلم: لا آكله و لا أحرمه، قال: فقلت: و لم يا رسول اللّه؟قال: إني أحسب أنها تدمي. قال: فقلت: يا رسول اللّه ما تقول في الضبع؟قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم: و من يأكل الضبيع» ؟ قال الترمذي: إسناده ليس بالقوي. و رواه ابن ماجة عن أبي بكر بن أبي شيبة و ذكر فيه الثعلب و الضب أيضا و في بعض الروايات: «و سألته عن الذئب فقال: لا يأكل الذئب أحد فيه خير» . (1) و ليس في شي‏ء من الأحاديث و إن ضعفت ما يدل على تحريم الأرنب و غاية ما في هذين الخبرين استقذارها مع جواز أكلها.

الأمثال:

قالت العرب: «أقطف من‏ (2) أرنب» «و أطعم أخاك من كلية الأرنب» . و هو كقولهم‏ (3) «أطعم أخاك من عقنقل الضب» . يضربان للمواساة. و من أمثالهم المشهورة في ذلك قولهم‏ (4) : «في بيته يؤتى الحكم» . و هو مما زعمته العرب على ألسنة البهائم. قالوا: إن الأرنب التقطت تمرة فاختلسها الثعلب فأكلها فانطلقا يختصمان إلى الضب فقالت الأرنب: يا أبا حسل قال: سميعا دعوت، قالت: أتيناك لنختصم إليك، قال: عادلا حكيما، قالت فأخرج إلينا، قال في «بيته يؤتى الحكم» قالت: إني وجدت تمرة، قال: حلوة فكليها، قالت: فاختلسها الثعلب، قال لنفسه: بغى الخير، قالت: فلطمته، قال: بحقك أخذت، قالت: فلطمني، قال‏ (5) «حر انتصر لنفسه» قالت: فاقض بيننا، قال: قد قضيت. فذهبت أقواله كلها أمثالا.

و مثل هذا أن عدي‏ (6) بن أرطاة أتى شريحا (7) القاضي في مجلس حكمه فقال له: أين أنت؟ قال: بينك و بين الحائط، قال فاسمع مني. قال: للاستماع جلست، قال: إني تزوّجت امرأة،

____________

(1) رواه ابن ماجة في الصيد: 14.

(2) جمهرة الأمثال: 2/111.

(3) مجمع الأمثال: 1/431.

(4) جمهرة الأمثال: 2/87.

(5) جمهرة الأمثال: 1/297.

(6) هو عدي بن أرطاة الفزاري، أبو واثلة الدمشقي، من الأمراء الشجعان. توفي سنة 102 هـ.

(7) هو شريح بن الحارث بن قيس بن الجهم الكندي أبو أمية، قاض شهير ولي قضاء الكوفة زمن عمر و عثمان و علي و معاوية و استعفى أيام الحجاج. مات سنة 78 هـ.

39

قال: بالرفاه و البنين، قال: و شرط أهلها أن لا أخرجها من بيتهم، قال: أوف لهم بالشرط، قال:

فأنا أريد الخروج، قال: في حفظ اللّه، قال: فاقض بيننا، قال: قد فعلت. قال فعلى من حكمت؟قال: على ابن أمك. قال بشهادة من؟قال: بشهادة ابن أخت خالك.

و شريح هذا هو ابن الحارث بن قيس الكندي استقضاه عمر رضي اللّه تعالى عنه على الكوفة، و أقام قاضيا بها خمسا و سبعين سنة، لم يبطل إلا ثلاث سنين، امتنع فيها من القضاء، و ذلك أيام فتنة ابن الزبير رضي اللّه عنهما، فاستعفى الحجاج من القضاء فأعفاه، فلم يقض بين اثنين حتى مات رحمة اللّه عليه.

و كان شريح من سادات التابعين و أعلامهم، و كان من أعلم الناس بالقضاء، و كان أحد السادات الطلس، و هم أربعة: عبد اللّه بن الزبير (1) ، و قيس‏ (2) بن سعد بن عبادة، و الأحنف بن‏ (3) قيس، الذي يضرب بحلمه المثل، و رابعهم شريح هذا و اللّه أعلم.

و الأطلس الذي لا شعر بوجهه و روي أن شريحا مرض له ولد، فجزع عليه جزعا شديدا فلما مات لم يجزع. فقيل له في ذلك فقال: إنما كان جزعي رحمة له و إشفاقا عليه، فلما وقع القضاء رضيت بالتسليم. قاله‏ (4) ابن خلكان و غيره.

قال الإمام أبو الفرج بن الجوزي‏ (5) رحمه اللّه تعالى: كتب زياد بن أبيه إلى معاوية:

يا أمير المؤمنين قد ضبطت لك العراق بشمالي و فرغت يميني لطاعتك فولّني الحجاز.

فبلغ ذلك عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما، و هو بمكة، فقال: اللهم اشغل عنا يمين زياد بما شئت فأصابه الطاعون في يمينه فأجمع رأي الأطباء على قطعها، فاستشار شريحا فيما رآه الأطباء، فأشار عليه بعدم القطع، و قال له: لك رزق مقسوم، و أجل معلوم، و إني أكره، إن كانت لك مدة، أن تعيش في الدنيا بلا يمين، و إن كان قد دنا أجلك أن تلقى اللّه مقطوع اليد، فإذا سألك لم قطعتها؟قلت: فرارا من قضائك و بغضا في لقائك. قال: فمات زياد من يومه. فلام الناس شريحا على منعه من القطع لبغضهم له، فقال: إنه استشارني، و لو لا أن المستشار مؤتمن، لوددت أنه قطع يوما يده و يوما رجله و سائر أعضائه يوما يوما. ا هـ.

و في هذا المعنى قال أبو الفتح البستي من قصيدة طويلة:

____________

(1) هو عبد اللّه بن الزبير بن العوام القرشي الأسد، أبو بكر، شهد فتح افريقية زمن عثمان، بويع له بالخلافة سنة 64 هـ و قتله الحجاج سنة 73 هـ.

(2) هو قيس بن سعد بن عبادة بن دليم الأنصاري، و الصحابي من الدهاة. مات سنة 60 هـ.

(3) هو الأحنف بن قيس بن معاوية بن حصين المري السعدي، سيد تميم. داهية يضرب به المثل في حمله. شهد فتوح خراسان. و اعتزل الفتنة يوم الجمل. توفي سنة 72 هـ.

(4) وفيات الأعيان: 2/460.

(5) ابن الجوزي هو أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد، القرشي البغدادي، علامة عصره في التاريخ و الحديث، كثير التصانيف، مات سنة 597 هـ.

40

لا تستشر غير ندب حازم فطن # قد استوت منه أسرار و إعلان

فللتدابير فرسان إذا ركضوا # فيها أبروا كما للحرب فرسان‏

و سيأتي، إن شاء اللّه تعالى، ذكر هذه القصيدة في باب الثاء المثلثة في الثعبان، و في تاريخ ابن خلكان في ترجمة شريح، أنه سئل عن الحجاج أ كان مؤمنا؟قال: نعم بالطاغوت، كافرا باللّه تعالى. توفي شريح سنة تسع و سبعين و قيل ثمانين من الهجرة، و هو ابن مائة و عشرين سنة رحمه اللّه تعالى.

الخواص:

قال الجاحظ (1) : كانت العرب في الجاهلية تقول: من علق عليه كعب أرنب، لم تصبه عين و لا سحر و ذلك لأن الجن تهرب منها لمكان حيضها و إذا شوي الأرنب البري و أكل دماغه، نفع من الارتعاش العارض من المرض، و إذا شرب من دماغه، وزن حبتين في أوقيتين من لبن البقر، لم يشب شاربه أبدا. و من أعجب ما في أنفحته أنك إذا طليت بها داء السرطان رأيت العجب. و إذا شربت المرأة أنفحة الأرنب الذكر ولدت ذكرا، و إذا شربت أنفحة الأنثى ولدت أنثى. و إذا علق زبله على المرأة لم تحمل ما دام عليها. قال أبقراط: لحم الأرنب حار يابس، يغسل البطن و يدر البول، و أجوده صيد الكلاب. و هو ينفع من بهظة السمن، لكنه يحدث أرقا و يولد السوداء، و الأبازير الرطبة تدفع ضرره، و يوافق أصحاب الأمزجة الباردة، و دماغه يؤكل مشويا بالفلفل ينفع من الرعشة، و إنما صار يابسا لرعيه الغياض لأن كل ما يرعى الغياض فهو أيبس مما يرعى في البيوت. ا هـ.

و إن سقي إنسان من دماغ الأرنب دانقا مدافا، بعد أن يلقى عليه وزن حبتي كافور، لم يلقه أحد إلا أحبه و لم تنظر إليه امرأة إلا شغفت به و طلبت معاشرته. و دم الأرنب إذا شربت منه المرأة لم تحبل أبدا، و إذا طلي به البهق و الكلف أزالهما. و دماغه إذا أكلت منه المرأة، و تحملت منه، و باشرها زوجها، فإنها تحبل بإذن اللّه تعالى. و إذا مزج به مواضع أسنان الصبي، أسرع نباتها و دم الأرنب إذا اكتحل به منع من نبات الشعر في العين قاله القزويني في عجائب المخلوقات.

و قال مهرارس: مرارة الأرنب إذا عجنت بسمن، و ديفت بلبن المرأة، و اكتحل به أزال البياض من العين، و أبرأ القروح و إذا طلي بدمها البهق الأسود أزاله و لحم الأرنب إذا أطعم من يبول في فراشه نفعه إذا أدامه. و قال أرسطو: إذا شربت أنفحة الأرنب بالخل نفعت من سم الأفاعي.

و إذا شرب منها قدر باقلاة أذهب حمى الربع المتناهية. و إذا شرب منها وزن درهم أسقط الأجنة و سهل الولادة، و إن خلطت أنفحة الأرنب بخطمي، و وضعت على النصل، أخرجته و تخرج الشوكة من البدن، بإذن اللّه تعالى بسهولة. و زبل الأرنب إذا بخر به في الحمام، وقع الضراط على من شمه و لم يتمالك أسفله. و إذا طلي به القوابي و النمش أذهبهما. و خصية الأرنب تبرئ من السم القاتل إذا طلي موضع اللسعة بها، و شحمه إذا وضع تحت و سادة امرأة، تكلمت في نومها بفعلها.

و ضرس الأرنب إذا علق على من يشتكي ضرسه سكن وجعه.

____________

(1) الجاحظ هو عمرو بن بحر بن محبوب أبو عثمان، أديب زمانه، كان معتزلي النزعة، كثير المطالعة له مصنفات بالعشرات منها كتاب الحيوان و البخلاء مات في البصرة سنة 255 هـ.

41

التعبير:

الأرنب في المنام امرأة حسناء، لكنها غير آلفة، فإن ذبحها فإنها زوجة ليست بباقية. و ممن رأى أنه يأكل لحم أرنب مطبوخا فإنه يأتيه رزق من حيث لا يحتسب، و من صار أرنبا أو أهديت إليه أو ابتاعها، حصل له رزق أو تزوج إن كان عزبا، أو رزق ولدا أو ظفر بغريم.

الأرنب البحري:

قال القزويني‏ (1) : هو حيوان رأسه كرأس الأرنب، و بدنه كبدن السمك. و قال الرئيس ابن سينا (2) : إنه حيوان صغير صدفي و هو من ذوات السموم إذا شرب منه قتل.

الحكم:

يحرم أكله لسميته، و يستثنى هذا من قولهم: ما أكل شبهه في البر، أكل شبهه في البحر، لأنه ليس يشبهه في الشكل، و إنما هو موافق له في الإسم.

الأروية

: بضم الهمزة و إسكان الراء و كسر الواو و تشديد الياء: الأنثى من الوعول.

و الجمع أراوي و بها سميت المرأة، و هي أفعولة في الأصل إلا أنهم قلبوا الواو الثانية ياء و أدغموها في التي بعدها و كسروا الأولى لتسلم الياء، و ثلاث أراوي على أفاعيل. فإذا كثرت فهي الأروي بفتح الهمزة على أفعل بغير قياس و قيل الأروي غنم الجبل. و في الحديث «أنه صلى اللّه عليه و سلم، أهدي له أروي و هو محرم» ، و فيه أن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه عنهما، لما كان يوم أحد قال: كنت أتوقل كما تتوقل الأروية فانتهيت إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم، و هو في نفر من أصحابه، و هو يوحى إليه: وَ مََا مُحَمَّدٌ إِلاََّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ اَلرُّسُلُ (3) و في جامع الترمذي في الإيمان، عن كثير بن عبد اللّه بن عمرو بن عوف، عن أبيه عن جده رضي اللّه عنه، أن النبي صلى اللّه عليه و سلم قال: «إن الدين ليأرز إلى المدينة، كما تأرز الحية إلى حجرها، و ليعقلن الدين من الحجاز معقل الأروية من رأس الجبل، إن الدين بدأ غريبا و يرجع غريبا، فطوبى للغرباء، الذي يصلحون ما أفسد الناس من بعدي من سنتي‏ (4) » . قوله: «ليعقلن أي ليمتنعن كما تمتنع الأروية من رءوس الجبال.

و في تفسير ابن أبي حاتم، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه، أنه قال: «طرح يونس بن متى عليه السلام بالعراء، فأنبت اللّه تعالى عليه اليقطينة، و هيأ له أروية وحشية ترعى في البرية، و تأتيه فتنفشخ عليه، فترويه من لبنها كل بكرة و عشية، حتى نبت لحمه» . و قال ابن عطية أنعشه اللّه تعالى في ظل اليقطينة، بأروية تراوحه و تغاديه، و قيل: بل كان يتغذى من اليقطينة و يجد منها ألوان الطعام، و أنواع شهواته و هذا من لطف اللّه تعالى به و نعمته عليه و إحسانه إليه و حكى ابن الجوزي عن الحسن في قوله تعالى: و فديناه بذبح عظيم أنه ذكر من الأروي، أهبط عليه من ثبير. و في حديث عوف أنه سمع رجلا تكلم فأسقط، فقال: «جمع بين الأروى و النعام» . يريد أنه

____________

(1) القزويني: هو الإمام زكريا بن محمد بن محمود، من سلالة أنس بن مالك، مؤرخ جغرافي من القضاة، مات سنة 682 هـ. من مؤلفاته عجائب المخلوقات.

(2) ابن سينا هو الحسين بن عبد اللّه بن سينا أبو علي، الفيلسوف الرئيس، صاحب التصانيف و المنطق و الالهيات.

من مصنفاته الإنصاف في الحكمة. مات سنة 428 هـ و كان مولده و نشأته في بخارى، و وفاته في همذان.

(3) سورة آل عمران: الآية 144.

(4) رواه الترمذي في الإيمان: 13 و الإمام أحمد: 2/389.

42

جمع بين كلمتين متناقضتين لأن الأروى تسكن شعف الجبال، و النعام يسكن في السهولة من الأرض، و في طبعها الحنوّ على أولادها، فإذا صيد منها شي‏ء تبعته، و رضيت أن تكون معه في الشرك و في طبعه البر بأبويه و ذلك أنه يختلف إليهما بما يأكلانه، فإن عجزا عن الأكل مضغ لهما و أطعمهما و يقال: إن في قرنيه ثقبين يتنفس منهما فمتى سدا هلك سريعا.

و حكمها:

الحل كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى في الوعل.

الأمثال:

قالوا (1) : «إنما فلان كبارح الأروى» . و ذلك أن مأواها الجبال، فلا يكاد الناس يرونها سانحة و لا بارحة إلا في الدهر مرة، يضرب لمن يرى منه الاحسان في بعض الأحايين.

و قالوا: «تكلم فلان فجمع بين الأروى و النعام» ، كما تقدم. و قالوا: «ما يجمع بين الأروى و النعام» ، يضرب في الشيئين المختلفين جدا أي كيف يتألف الخير و الشر.

تنبيه:

روى مسلم أن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، رضي اللّه عنهم، خاصمته أروى بنت أويس إلى مروان بن الحكم و هو والي المدينة في أرض في الحيرة، و قالت: إنه قد أخذ حقي و اقتطع قطعة من أرضي. فقال سعيد رضي اللّه عنه: كيف أظلمها و قد سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم‏ (2) يقول: «من اقتطع شبرا من أرض ظلما، طوقه يوم القيامة من سبع أرضين» .

ثم ترك لها الأرض. و قال: دعوها و إياها اللهم إن كانت كاذبة فأعم بصرها و اجعل قبرها في بئرها.

فعميت أروى، و جاء سيل فأظهر حدود أرضها. ثم لما أعمى اللّه تعالى أروى، فكانت تلتمس الجدران، و تقول أصابتني دعوة سعيد (3) بن زيد. فبينما هي تمشي إذ وقعت في البئر فماتت.

و روي أنها سألت سعيدا أن يدعو لها، فقال: لا أرد على اللّه شيئا اعطانيه قال: و كان أهل المدينة إذا دعا بعضهم على بعض، يقولون: أعماه اللّه كما أعمى أروى، يريدونها. ثم صار أهل الجهل يقولون أعماه اللّه كما أعمى الأروى يريدون الأروى التي بالجبل يظنونها شديدة العمى و الصواب الأوّل.

الخواص:

إذا أخذ قرنه و ظلفه و خلطا في دهن، و مسح به الساعي الذي يمشي كثيرا بدنه و ساقيه أزال عنه ضرر التعب حتى كأنه لم يمش شيئا.

الأساريع‏

: بفتح الهمزة، دود أحمر يكون في البقل ينسلخ فيصير فراشا قال ابن مالك قال ابن السكيت: و الأصل يسروع بالفتح إلا أنه ليس في الكلام يفعول. و قال قوم: الأساريع دود

____________

(1) جمهرة الأمثال: 2/140.

(2) رواه الترمذي في الديات: 21، و رواه مسلم في المساقاة: 137، 139، 141، 143 و البخاري في بدء الخلق: 22، و لفظه: «و من سرق شبرا طوّقه يوم القيامة» . و يروى أيضا بلفظ: «و من أخذ شبرا من الأرض ظلما فإنه يطوقه» .

(3) هو سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي القرشي، صحابي شهد المشاهد كلها، إلا بدرا توفي بالمدينة المنورة سنة 51 هـ.

43

حمر الرءوس، بيض الأجساد، تكون في الرمل يشبه بها أصابع النساء. ا هـ.

و بعض الناس يقول: الأساريع شحمة الأرض. و الصواب أنها غيرها، كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى في باب الشين المعجمة. قال في الكفاية الأساريع دود تكون في الرمل بيض طوال، يشبه بها أصابع النساء. و يقال لها بنات النقا، و ذكر في أدب الكاتب نحوه و قال الأساريع دود في الرمل بيض ملس يشبه بها أصابع النساء واحدها أسروع. و ذكر ابن مالك في شرحه المنتظم الموجز فيما يهمز و ما لا يهمز، أن اليسروع و الأسروع دود يكون في البقل ينسلخ فيصير فراشا، قال: و هذا قول ابن السكيت. و قال غيره: الأساريع و اليساريع دود حمر الرءوس، بيض الأجساد، تكون في الرمل يشبه بها أصابع النساء. ا هـ. و ما ذكره عن ابن السكيت ليس كذلك، فقد ذكر ابن السكيت في إصلاح المنطق أنها تكون في الرمل تنسلخ فتصير فراشة و لعله تصحف عليه الرمل بالبقل.

الحكم:

يحرم أكلها لأنها من الحشرات.

الخواص:

إذا سحق هذا الدود وضع على العصب المقطوع نفعه من ساعته منفعة عظيمة.

و قال الرازي‏ (1) في الحاوي: إذا غسلت الأساريع، و جففت و سحقت ناعما، و نقعت في دهن السمسم، و طلي بها الذكر فإنه يغلظ.

التعبير:

اليسروع في المنام يعبر برجل لص يسرق قليلا قليلا، و يتزيا بالورع، و لا يخفى حاله و نفاقه، قال أهل التعبير: و هو دود أخضر يكون في المقاثي و الكروم.

الأسفع:

الصقر، و الصقور كلها سفع. و السفعة بالضم سواد مشرب بحمرة و هي في الوجه سواد في خدي المرأة. و في الصحيح‏ (2) : «فقامت امرأة سفعاء الخدين» . و يقال للحمامة سفعاء لما في عنقها من السفعة.

الاسقنقور:

قال ابن بختيشوع‏ (3) : إنه التمساح البري: لحمه حار في الدرجة الثانية. إذا ملح و شرب منه مثقال زاد في الباه، و هيج الشهوة، و سخن الكلى الباردة، و نفع من وجعها. و قال ابن زهر: هي دابة بمصر شكلها كالوزغة على عظم خلقته إذا علقت عينه على من يفزع بالليل أبرأته إذا لم يكن من خلط. و قال أرسطاطاليس، في كتاب الحيوان الكبير: إن شربه يهيج الباه، و يزيد في الإنعاظ في سائر البلاد إلا بمصر. و هو أنفس ما يهدى منها الملوك الهند، فإنهم يذبحونه بسكين من الذهب، و يحشونه من ملح مصر، و يحملونه كذلك إلى أرضهم فإذا وضعوا مثقالا من ذلك الملح على بيض أو لحم و أكل نفع في ذلك نفعا بليغا. و سيأتي إن شاء اللّه تعالى في التمساح

____________

(1) الرازي: هو محمد بن زكريا الرازي المتوفى سنة 311 هـ.

(2) رواه مسلم في العيدين 4 و النسائي في العيدين 19. و الدارمي في الصلاة 224. و لفظه: «فقالت امرأة من سفلة النساء سفعاء الخدين.

(3) هو يوحنا بن بختيشوع طبيب نقل كتبا كثيرة عن اليونانية إلى السريانية، له مصنفات في الطب. مات سنة 290 هـ.

44

أنه يبيض في البر فما وقع من ذلك في الماء صار تمساحا، و ما بقي في البر صار اسقنقورا. و سيأتي إن شاء اللّه في باب السين المهملة حكمه و حكم السقنقور الهندي.

الأسود السالخ:

هو نوع من الأفعوان شديد السواد، سمي بذلك لأنه يسلخ جلده كل عام، يقال أسود سالخ، و لا يقال للأنثى سالخة. و أسودان سالخ، و لا تثنى الصفة في قول الأصمعي و أبي زيد و حكى ابن زيد تثنيتها و الأول أعرف. و أساود سالخة و سوالخ قاله ابن سيده.

روى أبو داود و النسائي و الحاكم و صححه عن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه تعالى عنهما (1)

قال: «كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إذا سافر فأقبل الليل، قال: يا أرض، ربي و ربك اللّه، أعوذ باللّه من شرك، و شر ما فيك، و شر ما خلق فيك، و شر ما يدب عليك، أعوذ باللّه من أسد و أسود، و من الحيّة و العقرب، و من ساكن البلد و من والد و ما ولد» . ساكن البلد الجن، و قيل الوالد و ما ولد إبليس و الشياطين.

و في الصحيحين‏ (2) : «أن النبي صلى اللّه عليه و سلم أمر بقتل الأسودين في الصلاة الحية و العقرب» . و أنشد ابن هشام في كتاب التيجان:

ما بال عينك لا تنام كأنما # كحلت أماقيها بسم الأسود

حنقا على سبطين حلا يثربا # أولى لهم بعقاب يوم أسود

و للإمام الشافعي رضي اللّه عنه من أبيات:

و الشاعر المنطيق أسود سالخ # و الشّعر منه لعابه و مجاجه‏ (3)

و عداوة الشعراء داء معضل # و لقد يهون على الكريم علاجه‏

روى‏ (4) البيهقي في الشعب عن عبد الحميد بن محمود، قال: كنت عند ابن عباس رضي اللّه عنهما، فأتاه رجل فقال: أقبلنا حجاجا حتى إذا كنا في الصفاح توفي صاحب لنا، فحفرنا له فإذا أسود سالخ قد أخذ اللحد كله قال: فحفرنا له قبرا آخر فإذا أسود سالخ قد أخذ اللحد كله قال: فحفرنا له ثالثا فإذا أسود سالخ قد أخذ اللحد كله، قال: فتركناه و أتيناك نسألك ما ذا تأمرنا به؟قال: ذاك عمله الذي كان يعمله، اذهبوا فادفنوه في بعضها فو اللّه لو حفرتم له الأرض كلها لوجدتم ذلك قال: فألقيناه في قبر منها. فلما قضينا سفرنا أتينا امرأته فسألناها عنه، فقالت:

كان يبيع الطعام، فيأخذ قوت أهله كل يوم، ثم يخلط فيه مثله من قصب الشعير، ثم يبيعه فعذب بذلك.

____________

(1) رواه أبو داود في الجهاد: 75، و ابن حنبل: 2/132 و 3/124 و 4/204.

(2) و رواه أبو داود في الصلاة: 165، و الترمذي في المواقيت: 170، و غيرهما.

(3) البيتان في ديوان الشافعي: 44. مجاجة: ما يقذفه من فمه.

(4) رواه البخاري في بدء الخلق: 15 بلفظ: «فوجد فيه سلخ حية» .

45

و روى الطبراني في معجمه الأوسط، و البيهقي أيضا في كتاب الدعوات الكبير، من حديث عكرمة، عن ابن عباس رضي اللّه عنهما، قال: كان رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إذا أراد الحاجة أبعد، فذهب يوما فقعد تحت شجرة فنزع خفيه، قال: و لبس أحدهما فجاء طائر فأخذ الخف الآخر فحلق به في السماء فانسل منه أسود سالخ فقال‏ (1) صلى اللّه عليه و سلم: «هذه كرامة أكرمني اللّه بها، اللهم إني أعوذ بك من شر من يمشي على بطنه، و من شر من يمشي على رجلين، و من شر من يمشي على أربع» و سيأتي إن شاء اللّه تعالى في باب الغين المعجمة في الغراب حديث نظير هذا و هو صحيح الإسناد.

و روى أحمد في كتاب الزهد، عن سالم بن أبي الجعد قال: كان رجل من قوم صالح عليه السلام قد آذاهم فقالوا: يا نبي اللّه ادع اللّه عليه، فقال: اذهبوا فقد كفيتموه. قال: و كان يخرج كل يوم يحتطب، قال: فخرج يوما و معه رغيفان فأكل أحدهما، و تصدق بالآخر، قال:

فاحتطب ثم جاء بحطبه سالما يصيبه شي‏ء. فجاءوا إلى صالح عليه السلام، و قالوا: قد جاء بحطبه سالما لم يصبه شي‏ء. فدعاه صالح و قال: أي شي‏ء صنعت اليوم؟قال: خرجت و معي قرصان فتصدقت بأحدهما و أكلت الآخر، فقال صالح: حل حطبك، فحل فإذا فيه أسود سالخ مثل الجذع، عاض على جزل من الحطب، فقال: بهذا دفع عنك يعني بالصدقة. و سيأتي إن شاء اللّه تعالى نظير هذا في الذئب في باب الذال المعجمة.

و روى الطبراني في معجمه الكبير، عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه عن النبي صلى اللّه عليه و سلم: «أن نفرا مروا على عيسى بن مريم عليه السلام فقال عيسى بن مريم: يموت أحد هؤلاء اليوم إن شاء اللّه تعالى، فمضوا ثم رجعوا عليه بالعشي و معهم حزم الحطب، فقال: ضعوا، و قال للذي قال إنه يموت اليوم حل حطبك فحله، فإذا فيه حية سوداء. فقال: ما عملت اليوم؟قال: ما عملت شيئا. قال: انظر ما عملت، قال: ما عملت شيئا إلا أنه كان معي في يدي فلقة من خبز مر بي مسكين فسألني فأعطيته بعضها فقال: بها دفع عنك» .

الأصرمان:

الذئب و الغراب. قال ابن السكيت: لأنهما انصرما من الناس، أي انقطعا و الأصرمان الليل و النهار، لأن كل واحد منهما ينصرم من الآخر.

روى أحمد بإسناد صحيح عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه أنه كان يقول: حدثوني عن رجل دخل الجنة و لم يصل قط؟فإذا لم يعرفه الناس سألوه من هو؟فيقول أصيرم بن عبد الأشهل.

قال عامر بن ثابت بن قيس فقلت لمحمود بن لبيد كيف كان شأن الأصيرم؟قال: كان يأبى الإسلام على قومه فلما كان يوم أحد، و خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم إلى أحد بدا له الإسلام فأسلم، و أخذ سيفه و قاتل حتى قتل فذكروه لرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم فقال: «إنه لمن أهل الجنة» رضي اللّه عنه.

الأصلة:

بفتح الهمزة و الصاد و اللام، حية كبيرة الرأس قصيرة الجسم، تثب على الفارس

____________

(1) رواه أبو داود في الجهاد: 75 و ابن حنبل: 2/132-171 و لفظه: «و أعوذ بك من أسد و أسود و من الحية و العقرب» .

46

فتقتله. قاله ابن الأنباري. و قيل حية خبيثة لها رجل واحدة تقوم عليها ثم تدور ثم تثب و الجمع أصل. و أنشد الأصمعي رحمه اللّه تعالى:

يا رب إن كان يزيد قد أكل # لحم الصديق عللا بعد نهل

فاقدر له أصلة من الأصل # كيساء كالقرصة أو خف الجمل‏

و قال الجاحظ: الأعراب تقول: إنها لا تمر بشي‏ء إلا احترق و كأنها سميت بذلك لاستهلاكها و استئصالها و في الحديث‏ (1) في صفة الدجال «كأن رأسه أصلة» . و قيل: وجه الأصلة كوجه الإنسان و هو عظيم جدا. و يقال إنها تصير كذلك إذا مر عليها ألف سنة من العمر و من خواصها أنها تقتل بالنظر إليها و سيأتي إن شاء اللّه تعالى في باب الحاء المهملة ذكر شي‏ء من ذلك.

الأطلس:

الذئب الذي في لونه غبرة إلى السواد و كل ما كان على لونه فهو أطلس. قال الكميت‏ (2) يمدح محمد بن سليمان الهاشمي‏ (3) :

تلقى الأمان على حياض محمد # ثولاء مخرفة و ذئب أطلس

لا ذي تخاف و لا لهذا جرأة # تهدي الرعية ما استقام الريس‏

استشهد به الجوهري على أن الرئيس يقال فيه ريس مثل قيّم.

الأطوم:

كالأنوق السلحفاة البحرية قاله الجوهري و قيل هي سمكة غليظة الجلد تشبه جلد البعير يتخذ منه الخفاف للجمالين. و قيل الأطوم القنفذ و قيل البقرة قيل إنما سميت بذلك على التشبيه بالسمكة لغلظ جلدها قاله ابن سيده.

الأطيش:

طائر قاله ابن سيده، و الطيش خفة العقل. قال إمامنا الشافعي رحمه اللّه تعالى:

ما رأيت أفقه من أشهب لو لا طيش فيه. و أشهب المذكور هو ابن عبد العزيز بن داود الفقيه المالكي المصري، ولد في السنة التي ولد فيها الشافعي و هي سنة خمسين و مائة و توفي بعد الشافعي بثمانية عشر يوما قال ابن عبد الحكم: سمعت أشهب يدعو على الشافعي بالموت فذكر ذلك للشافعي فقال‏ (4) :

تمنى رجال أن أموت و إن أمت # فتلك سبيل لست فيه بأوحد

فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى # تهيأ لأخرى مثلها فكأن قد

قال: فمات الشافعي، فاشترى أشهب من تركته عبدا فاشتريته من تركته بعد ثلاثين يوما.

و في مصابيح الظلم قال ابن عبد الحكم: لما حملت أم الشافعي به، رأت كأن المشتري خرج من فرجها، حتى انقض بمصر و وقع في كل بلدة منه شظية، فأوله أصحاب الرؤيا أنه يخرج منها عالم

____________

(1) رواه أحمد: 1/313، 240. و لفظه: «هو أعور هجان كأن رأسه أصلة» .

(2) الكميت بن زيد الأسدي، من شعراء الشيعة في العصر الأموي، من أهل الكوفة. مات سنة 126 هـ.

(3) هو محمد بن سليمان بن علي العباسي، أمير البصرة أيام المهدي و الرشيد. مات سنة 164 هـ.

(4) ديوان الشافعي: 55.

47

يختص علمه بأهل مصر، ثم يتفرق في سائر البلدان. و اتفق العلماء قاطبة على ثقته و ورعه و أمانته و زهده، و هو أول من تكلم في أصول الفقه و هو الذي استنبطه، و كان يؤتى بالرطب، فيقول مخاطبا له: ما أطيبك و أحلاك و العلم أطيب منك و أحلى، و لا يناله. و اشترى جارية، فلما كان الليل أقبل على الدرس، و الجارية تنتظر اجتماعه معها، فلم يلتفت إليها، فصارت إلى النخاس و قالت: حبستموني مع مجنون، فبلغ ذلك الشافعي فقال: المجنون من عرف قدر العلم و ضيعه أو توانى فيه حتى فاته. و كان الشافعي جوادا كريما مفضالا، لا يبقي على شي‏ء و لا يدخر شيئا و كان شجاعا، و مناقبة أكثر من أن تحصى. ولد بغزة في سنة خمسين و مائة كما تقدم، و قيل إنها التي توفي فيها أبو حنيفة. و في تهذيب الأسماء و اللغات، قيل توفي سنة إحدى و خمسين و قيل في سنة ثلاث و خمسين. و قال غيره: توفي في اليوم الذي ولد فيه الشافعي لا في السنة. و قيل: ولد الشافعي بعسقلان، و قيل باليمن. قال ابن خلكان: و الأصح الأول. و حمل من غزة إلى مكة و هو ابن ست سنين، و وصل إلى مصر سنة تسع و تسعين و مائة و قيل سنة إحدى و مائتين، و أقام بها إلى أن مات سنة أربع و مائتين و قبره بقرافة مصر مشهور و عاش أربعا و خمسين سنة رحمة اللّه عليه و رضوانه.

الأغثر:

طائر ملتبس الريش طويل العنق و هو من طير الماء قاله ابن سيده.

الإفال و الأفائل:

صغار الإبل من بنات المخاض و نحوها، واحدهما أفيل و الأنثى أفيلة، و سيأتي ذكره إن تكون أقوى الناس فتوكل على اللّه و إن أردت أن يوسع اللّه عليك الرزق طموما كالمطر فلازم الدوام على الطهارة الكاملة و إن أردت أن تكون آمنا من سخط اللّه فلا تغضب على أحد من خلق اللّه و إن أردت أن يستجاب دعاؤك فاجتنب الحرام و أكل الربا و أكل السحت و إن أردت أن لا يفضحك اللّه على رءوس الخلائق فاحفظ فرجك و لسانك و إن أردت أن يستر اللّه تعالى عليك عيبك فاستر على عيوب الناس فإن اللّه تعالى ستار و يحب من عباده الستارين و إن أردت أن تمحي خطاياك فأكثر من الاستغفار و الخشوع و الخضوع و الحسنات في الخلوات و إن أردت الحسنات العظام فعليك بحسن الخلق و التواضع و الصبر على البلية و إن أردت السلامة من السيئات العظام فاجتنب سوء الخلق و الشح المطاع و إن أردت أن يسكن عنك غضب الجبار فعليك بإخفاء الصدقة و صلة الرحم و إن أردت أن يقضي اللّه عنك الدين فقل ما قاله النبي صلى اللّه عليه و سلم للأعرابي حين سأله و قال عليه الصلاة و السلام له لو كان عليك مثل الجبال دينا أداه اللّه عنك قل اللهم اكفني بحلالك عن حرامك و اغنني بفضلك عمن سواك و في الحديث لو كان على أحدكم جبل من ذهب دينا فدعا بذلك لقضاه اللّه عنه و هو اللهم فارج الكرب اللهم كاشف الهم اللهم مجيب دعوة المضطرين رحمن الدنيا و الآخرة و رحيمهما أسألك أن ترحمني فارحمني رحمة تغنيني بها عمن سواك و إن أردت أن تنجو إذا وقعت في هلكة فالزم ما في الحديث إذا وقعت في ورطة فقل بسم اللّه الرحمن الرحيم و لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم فإن اللّه تعالى يصرف عنك ما شاء من أنواع البلاء و الورطة بفتح الواو و إسكان الراء الهلاك و إن أردت أن تأمن من قوم خفت شرهم فقل ما ورد في الحديث اللهم إنا نجعلك في نحورهم و نعوذ بك من شرورهم و منه اللهم اكفناهم بما شئت إنك على كل شي‏ء قدير و إن أردت أن تأمن إن خفت من سلطان فقل ما ورد في

48

الحديث لا إله إلا اللّه الحليم الكريم رب السموات السبع و رب العرش العظيم لا إله إلا أنت عز جارك و جل ثناؤك لا إله إلا أنت و يستحب أن يقول ما تقدم اللهم إنا نجعلك في نحورهم إلى آخره و في الحديث إذا أتيت سلطانا مهابا تخاف أن يسطو عليك فقل اللّه أكبر اللّه أكبر اللّه أعز من خلقه جميعا اللّه أعز مما أخاف و احذر و الحمد للّه رب العالمين و إن أردت ثبات القلب على الدين فقد أسند مرفوعا أنه كان من دعائه صلى اللّه عليه و سلم اللهم ثبت قلبي على دينك و في رواية يا مقلب القلوب ثبت قلوبنا على دينك.

فائدة:

مجربة لمن دخل على سلطان يخاف شره فليقرأ الذين آمنوا و على ربهم يتوكلون الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا و قالوا حسبنا اللّه و نعم الوكيل فانقلبوا بنعمة من اللّه و فضل لم يمسسهم سوء و اتبعوا رضوان اللّه و اللّه ذو فضل عظيم و إن أردت كثرة الخير و الرزق فداوم على قراءة أ لم نشرح و سورة الكافرون و إن أردت الستر من الناس فداوم على قول اللهم استرني بسترك الجميل الذي سترت به نفسك فلا عين تراك و إن أردت عدم الجوع و العطش فداوم على قراءة لإيلاف قريش إيلافهم و قد جرب ذلك مرارا و صح و إن خفت على تجارتك أو مالك فاكتب سورة الشعراء و علقها في موضع تجارتك يكثر فيه البيع و الشراء و من كتب سورة القصص و علقها على من يخاف عليه التلف فإنها أمان له من ذلك و هو سر لطيف مجرب.

فائدة:

عن عبد اللّه بن عمر رضي اللّه تعالى عنهما قال سمعت رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم يقول من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة لم يتول قبض روحه إلا اللّه تعالى و عن أبي نعيم قال سمعت معروفا الكرخي يقول لما اجتمعت اليهود على قتل عيسى عليه السلام اهبط اللّه تعالى جبريل عليه السلام مكتوبا في باطن جناحه اللهم إني أعوذ باسمك الأحد الأعز و أدعوك اللهم باسمك الكبير المتعال الذي ملأ الأركان كلها إن تكشف عني ضر ما أمسيت و أصبحت فيه فقال ذلك عيسى فأوحى اللّه عزّ و جلّ إلى جبريل عليه السلام إن ارفع عبدي إلي.

فائدة:

مما جرب للصداع فصح ما روي عن الإمام الشافعي رضي اللّه عنه أنه قال وجد في بعض دور بني أمية درج من فضة و عليه قفل من ذهب مكتوب على ظهره شفاء من كل داء و في داخله مكتوب هذه الكلمات بسم اللّه الرحمن الرحيم بسم اللّه و باللّه و لا حول و لا قوة إلا باللّه العلي العظيم:

و لأن يعادي عاقلا خير له # من أن يكون له صديق أحمق

فاربأ بنفسك أن تصادق أحمقا # إنّ الصديق على الصديق مصدق

وزن الكلام إذا نطقت فإنما # يبدي عقول ذوي العقول المنطق

و من الرجال إذا استوت أخلاقهم # من يستشار إذا استشير فيطرق

حتى يحل بكل واد قلبه # فيرى و يعرف ما يقول فينطق

لا ألفينّك ثاويا في غربة # إن الغريب بكل سهم يرشق

ما الناس إلاّ عاملان فعامل # قد مات من عطش و آخر يغرق

و الناس في طلب المعاش و إنما # بالجد يرزق منهم من يرزق‏

49

لو يرزقون الناس حسب عقولهم # ألقيت أكثر من ترى يتصدق

لكنه فضل المليك عليهم # هذا عليه موسع و مضيق

و إذا الجنازة و العروس تلاقيا # و رأيت دمع نوائح يترقرق

سكت الذي تبع العروس مبهتا # و رأيت من تبع الجنازة ينطق

و إذا امرؤ لسعته أفعى مرة # تركته حين يجر حبل يفرق

بقي الذين إذا يقولوا يكذبوا # و مضى الذين إذا يقولوا يصدقوا

و من محاسن شعره قوله‏ (1) :

ما يبلغ الأعداء من جاهل # ما يبلغ الجاهل من نفسه

و الشيخ لا يترك أخلاقه # حتى يوارى في ثرى رمسه‏ (2)

إذا ارعوى عاد إلى جهله # كذا الضنى عاد إلى نكسه

و إنّ من أدبته في الصبا # كالعود يسقى الماء في غرسه

حتى تراه مورقا ناضرا # بعد الذي أبصرت من يبسه‏

قوله: و الشيخ لا يترك أخلاقه، البيت و الذي يليه، هما كانا سبب قتله و ذلك أنّ المهدي اتهمه بالزندقة و أمر بإحضاره، فلما خاطبه أعجبه كلامه، فخلى عنه، فلما ولّى رده، و قال له:

أ لست القائل و الشيخ لا يترك أخلاقه؟البيتين المتقدمين، قال: بلى يا أمير المؤمنين. قال: فأنت لا تترك أخلاقك، فأمر به فقتل و صلب على الجسر، و ذلك سنة سبع و تسعين و مائة و من محاسن شعره أيضا قوله‏ (3) :

إذا لم تستطع شيئا فدعه # و جاوزه إلى ما تستطيع‏

و هو كقول ابن دريد:

من لم يقف عند انتهاء قدره # تقاصرت عنه فسيحات الخطا

و صالح هذا هو صاحب الفلسفة قتله المهدي على الزندقة. كان يعظ و يقص بالبصرة و حديثه يسير، و ليس بثقة. قيل: إنه رؤي في المنام، فقال إني وردت على رب لا تخفى عليه خافية، فاستقبلني برحمته و قال: قد علمت لراءتك مما قذفت به.

و قد أحسن بعض الشعراء في وصف القنديل حيث قال مشبها:

و قنديل كأنّ الضوء منه # محيا من هويت إذا تجلّى

أشار إلى الدجا بلسان أفعى # فشمر ذيله فرقا و ولّى‏

و الأفعوان هو الشجاع الأسود يواثب الإنسان و كنيته أبو حيان و أبو يحيى لأنه يعيش ألف سنة و ما أحسن قول بعضهم:

____________

(1) الشعر لصالح بن عبد القدوس، راجع العقد الفريد: 2/436.

(2) الرمس: القبر.

(3) العقد الفريد: 5/480.

50

صرمت حبالك بعد وصلك زينب # و الدهر فيه تغير و تقلّب

نشرت ذوائبها التي تزهو بها # سودا و رأسك كالثّغامة أشيب‏ (1)

و استنفرت لما رأتك و طالما # كانت تحن إلى لقاك و ترغب

و كذاك وصل الغانيات فإنه # آل ببلقعة و برق خلّب‏ (2)

فدع الصبا فلقد عداك زمانه # و ازهد فعمرك مر منه الأطيب

ذهب الشباب فما له من عودة # و أتى المشيب فأين منه المهرب

دع عنك ما قد كان في زمن الصبا # و اذكر ذنوبك و ابكها يا مذنب

و اذكر مناقشة الحساب فإنه # لا بد يحصي ما جنيت و يكتب

لم ينسه الملكان حين نسيته # بل أثبتاه و أنت لاه تلعب

و الروح فيك وديعة أودعتها # ستردها بالرغم منك و تسلب

و غرور دنياك التي تسعى لها # دار حقيقتها متاع يذهب

و الليل فاعلم و النهار كلاهما # أنفاسنا فيها تعد و تحسب

و جميع ما خلفته و جمعته # حقا يقينا بعد موتك ينهب

تبا لدار لا يدوم نعيمها # و مشيدها عما قليل يخرب

فاسمع هديت نصيحة أولاكها # برّ نصوح للأمور مجرب

صحب الزمان و أهله مستبصرا # و رأى الأمور بما تئوب و تعقب

لا تأمن الدهر الخئون فإنه # ما زال قدما للرجال يؤدب

و عواقب الأيام في غصاتها # مضض يذل له الأعز الأنجب

فعليك تقوى اللّه فالزمها تفز # إن التقي هو البهي الأهيب

و اعمل بطاعته تنل منه الرضا # إن المطيع له لديه مقرب

و اقنع ففي بعض القناعة راحة # و اليأس مما فات فهو المطلب

فإذا طمعت كسيت ثوب مذلة # فلقد كسي ثوب المذلة أشعب

و توق من غدر النساء خيانة # فجميعهن مكايد لك تنصب

لا تأمن الأنثى حياتك إنها # كالأفعوان يراع منه الأنيب‏ (3)

لا تأمن الأنثى زمانك كله # يوما و لو حلفت يمينا تكذب

تغري بلين حديثها و كلامها # و إذا سطت فهي الصقيل الأشطب‏ (4)

و ابدأ عدوّك بالتحية و لتكن # منه زمانك خائفا تترقب

و احذره إن لاقيته متبسما # فالليث يبدو نابه إذ يغضب‏

____________

(1) الثّغامة: السحابة.

(2) الغانيات: النساء الحسناوات. آل: سراب. برق خلب: كاذب لا مطر فيه.

(3) أنيب: جمع ناب.

(4) الصقيل الأشطب: السيف القاطع.

51

إن العدوّ و إن تقادم عهده # فالحقد باق في الصدور مغيب

و إذا الصديق لقيته متملقا # فهو العدو و حقه يتجنب

لا خير في ود امرئ متملق # حلو اللسان و قلبه يتلهب

يلقاك يحلف أنه بك واثق # و إذا توارى عنك فهو العقرب

يعطيك من طرف اللسان حلاوة # و يروغ منك كما يروغ الثعلب

وصل الكرام و إن رموك بجفوة # فالصفح عنهم بالتجاوز أصوب

و اختر قرينك و اصطفيه تفاخرا # إن القرين إلى المقارن ينسب

إن الغني من الرجال مكرم # و تراه يرجى ما لديه و يرهب

و يبش بالترحيب عند قدومه # و يقام عند سلامه و يقرب

و الفقر شين للرجال فإنه # حقا يهون به الشريف الأنسب‏ (1)

و اخفض جناحك للأقارب كلهم # بتذلل و اسمح لهم إن أذنبوا

ودع الكذوب فلا يكن لك صاحبا # إن الكذوب يشين حرا يصحب

وزن الكلام إذا نطقت و لا تكن # ثرثارة في كل ناد تخطب

و احفظ لسانك و احترز من لفظه # فالمرء يسلم باللبان و يعطب‏ (2)

و السر فاكتمه و لا تنطق به # إن الزجاجة كسرها لا يشعب

و كذاك سر المرء إن لم يطوه # نشرته ألسنة تزيد و تكذب

لا تحرصن فالحرص ليس بزائد # في الرزق بل يشقي الحريص و يتعب

و يظل ملهوفا يروم تحيلا # و الرزق ليس بحيلة يستجلب

كم عاجز في الناس يأتي رزقه # رغدا و يحرم كيس و يخيب

و ارع الأمانة و الخيانة فاجتنب # و اعدل و لا تظلم يطب لك مكسب

و إذا أصابك نكبة فاصبر لها # من ذا رأيت مسلما لا ينكب

و إذا رميت من الزمان بريبة # أو نالك الأمر الأشق الأصعب

فاضرع لربك إنه أدنى لمن # يدعوه من حبل الوريد و أقرب

كن ما استطعت عن الأنام بمعزل # إن الكثير من الورى لا يصحب

و احذر مصاحبة اللئيم فإنه # يعدي كما يعدي الصحيح الأجرب

و احذر من المظلوم سهما صائبا # و اعلم بأن دعاءه لا يحجب

و إذا رأيت الرزق عز ببلدة # و خشيت فيها أن يضيق المذهب

فارحل فأرض اللّه واسعة الفضا # طولا و عرضا شرقها و المغرب

فلقد نصحتك إن قبلت نصيحتي # فالنصح أغلى ما يباع و يوهب‏

تتمة: ذكر الإمام أبو الفرج بن الجوزي، في الأذكياء، و غيره، قال: لما حضرت نزار بن

____________

(1) شين: عيب.

(2) اللبان: الرضاع.

52

معد (1) الوفاة، قسم ماله بين بنيه، و هم أربعة: مضر و ربيعة و أياد و أنمار، و قال يا بني هذه القبة و هي من أدم حمراء و ما أشبهها من المال المضر، و هذا الخباء الأسود و ما أشبهه من المال لربيعة، و هذه الخادم و ما أشبهها من المال لإياد، و هذه البدرة (2) و المجلس لأنمار يجلس فيه. ثم قال لهم:

إن أشكل عليكم الأمر في ذلك و اختلفتم في القسمة، فعليكم بالأفعى بن الأفعى الجرهمي. و إنه لما مات نزار توجهوا إلى الأفعى، و كان ملك نجران فبينما هم يسيرون إذ رأى مضر كلا قد رعي، فقال: إن البعير الذي رعى هذا أعور، فقال ربيعة: و هو أزور، و قال أياد: و هو أبتر، و قال أنمار:

و هو شرود فلم يسيروا إلا قليلا حتى لقيهم رجل، فسألهم عن البعير، فقال مضر: أ هو أعور؟ قال: نعم، قال ربيعة: أ هو أزور؟قال نعم. قال إياد: أ هو أبتر: قال: نعم. قال أنمار: أ هو شرود؟قال: نعم، هذه صفة بعيري دلوني عليه فحلفوا له أنهم ما رأوه، فلزمهم و قال: كيف أصدقكم و أنتم تصفون بعيري بصفته؟!ثم سار معهم، حتى قدموا نجران و نزلوا بالأفعى الجرهمي. فنادى الشيخ صاحب البعير: هؤلاء أصابوا بعيري فإنهم وصفوا لي صفته، ثم قالوا: لم نره أيها الملك، فقال الأفعى: كيف وصفتموه و لم تروه؟فقال مضر: رأيته رعى جانبا و ترك جانبا، فعلمت أنه أعور. و قال ربيعة: رأيت إحدى يديه ثابتة الأثر، فعرفت أنه أفسدها بشدة وطئه لازوراره. و قال إياد: رأيت بعره مجتمعا، فعلمت أنه أبتر، و لو كان ذيالا لمصع به. و قال أنمار:

رأيته رعى الملتف نبته، ثم جاوزه إلى مكان آخر أرق منه، فعلمت أنه شرود. فقال الأفعى للشيخ: ليسوا بأصحاب بعيرك، فاطلبه. ثم سألهم من هم؟فأخبروه، فرحب بهم. ثم قال أ تحتاجون إلي و أنتم كما أرى؟فدعا لهم بطعام و شراب فأكلوا و شربوا، فقال مضر: لم أر كاليوم خمرا أجود لو لا أنها على مقبرة. و قال ربيعة: لم أر كاليوم لحما أجود لو لا أنه ربي بلبن كلبة!و قال إياد: لم أر كاليوم رجلا أثرى منه لو لا أنه ليس بابن أبيه الذي يدعى إليه!و قال أنمار لم أر كاليوم خبزا أجود لو لا أن التي عجنته حائض! و كان الأفعى قد وكل بهم من يستمع كلامهم، فأعلمه بما سمع منهم فطلب صاحب شرابه، و قال له: الخمرة التي جئت بها ما قصتها؟قال هي من كرمة غرستها على قبر أبيك، لم يكن عندنا شراب أطيب من شرابها. و قال للراعي اللحم ما أمره؟قال: من لحم شاة أرضعناها بلبن كلبة، و لم يكن في الغنم أسمن منها فدخل داره، و سأل الأمة التي عجنت العجين؟فأخبرته أنها حائض. ثم أتى أمه و سأل منها عن أبيه؟فأخبرته أنها كانت تحت ملك لا يولد له، فكرهت أن يذهب الملك، فأمكنت رجلا نزل بهم من نفسها فوطئها، فأتت به. فعجب من أمرهم، و دس عليهم من سألهم عما قالوا؟فقال مضر: إنما علمت أنها من كرمة غرست على قبر، لأن الخمر إذا شربت أزالت الهم، و هذه بخلاف ذلك، لأنا لما شربناها دخل علينا الغم. و قال ربيعة: إنما علمت أن اللحم لحم شاة رضعت من لبن كلبة، لأن لحم الضأن و سائر اللحوم، شحمها فوق اللحم إلا الكلاب، فإنها عكس ذلك، فرأيته موافقا له فعلمت أنه لحم شاة رضعت من كلبة،

____________

(1) نزار بن معد بن عدنان، من أجداد العرب في الجاهلية. كنيته أبو إياد.

(2) البدرة: الكيس فيه مال.