الإمامة و السياسة - ج2

- ابن قتيبة المزيد...
234 /
1

المجلد الثاني‏

الإمامة و السّياسة المعروف بتاريخ الخلفاء

2

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

3

الإمامة و السّياسة المعروف بتاريخ الخلفاء

4

بسم اللََّه الرّحمن الرّحيم‏

5

ذكر اختلاف الرواة في وقعة الحرة و خبر يزيد

قال: و ذكروا أنه لما بويع يزيد بن معاوية خرج الحسين حتى قدم مكة[ (1) ]، فأقام هو و ابن الزبير[ (2) ]. قال: و قدم عمرو بن سعيد بن العاص‏[ (3) ]في رمضان أميرا [ (1) ]مر في الجزء الأول (راجع ص 226-227) أن يزيد بن معاوية بعد بيعته بالشام بالخلافة أرسل إلى واليه بالمدينة أن يأخذ بيعة الحسين بن علي و عبد اللََّه بن الزبير و عبد اللََّه بن عمر و غيرهم. و أن والي المدينة الوليد بن عتبة (كما في الطبري) دعاهم لإتمام البيعة فاستمهلوه ثم إن ابن الزبير لحق بمكة من ليلته. و أن الحسين بن علي خرج بعده بليلة ببنيه و إخوته و بني أخيه و جل أهل بيته إلا محمد بن الحنفية (انظر الأخبار الطوال ص 228) . و بعض المؤرخين (ابن الأعثم 5/33) يقول إن الحسين بن علي تأخر في رحيله عن المدينة. و أنه جاهر مروان بن الحكم برفض البيعة ليزيد. عند ذلك كتب الوليد بن عتبة إلى يزيد بن معاوية (رواية المقتل 2/ألف) : بسم اللََّه الرّحمن الرّحيم إلى عبد اللََّه يزيد أمير المؤمنين.. أما بعد فإن الحسين بن علي ليس يرى لك خلافة و لا بيعة، فرأيك في أمره و السلام.

فعند ما ورد كتابه على يزيد غضب غضبا شديدا و كتب إلى الوليد بن عتبة: من عبد اللََّه يزيد أمير المؤمنين إلى الوليد بن عتبة، أما بعد، فإذا ورد عليك كتابي هذا فخذ البيعة ثانية على أهل المدينة بتوكيد منك عليهم، و ذر عبد اللََّه بن الزبير فإنه لن يفوتنا و لن ينجو منا أبدا ما دام حيا، و ليكن مع جوابك إليّ رأس الحسين بن علي، فإن فعلت ذلك فقد جعلت لك أعنة الخيل، و لك عندي الجائزة و الحظ الأوفر و النعمة واحدة و السلام (ابن الأعثم 5/36) .

ثم أن الحسين عزم على الخروج إلى مكة، حتى إذا صار فيها استخار اللََّه في أمره بعد ذلك.

[ (2) ]بقدوم الحسين بن علي إلى مكة اشتد الأمر على عبد اللََّه بن الزبير لأنه كان قد طمع أن يبايعه أهل مكة، و جعل أهل مكة يختلفون إلى الحسين بكرة و عشية، فشق ذلك على ابن الزبير و سقط بيده و علم أن أحدا من أهل مكة لن يبايعه ما دام الحسين بها.

[ (3) ]كان عمرو بن سعيد أميرا على مكة، و قد مرّ سبب عزل الوليد بن عتبة عن المدينة، و هو فشله

6

على المدينة و على الموسم، و عزل الوليد بن عقبة، فلما استوى على المنبر رعف فقال أعرابيّ مستقبله: مه مه!جاءنا و اللََّه بالدم فتلقاه رجل بعمامته، فقال مه!عمّ و اللََّه الناس، ثم قام يخطب، فناوله آخر عصا لها شعبتان. فقال: مه! شعب و اللََّه الناس. ثم خرج إلى مكة، فقدمها يوم التروية، فصلى الحسين ثم خرج.

فلما انصرف عمرو بلغه أن الحسين خرج، فقال: اركبوا كلّ بعير بين السماء و الأرض فاطلبوه. قال: فكان الناس يعجبون من قوله هذا. قال: فطلبوه فلم يدركوه، فأرسل عبد اللََّه بن جعفر ابنيه عونا و محمدا ليردا الحسين. فأبى أن يرجع، و خرج الحسين بابني عبد اللََّه بن جعفر معه‏[ (1) ]، و رجع عمرو بن سعيد بن العاص إلى المدينة، فأرسل إلى ابن الزبير، فأبى أن يأتيه، و امتنع برجال معه من قريش و غيرهم. قال: فبعث عمرو بن سعيد جيشا من المدينة يقاتلون ابن الزبير. قال: فضرب على أهل الديوان البعث إلى مكة، و هم كارهون للخروج.

فقال لهم: إما أن تأتوا ببدل، و إما أن تخرجوا. قال: فجاء الحارث بن مالك بن البرصاء برجل استأجره بخمس مائة درهم إلى عمرو بن سعيد. فقال: قد جئت برجل بدلي. فقال الحارث للرجل الّذي استأجره هل لك أن أزيدك خمس مائة أخرى، و تنكح أمك؟فقال له: أما تستحي؟فقال: إنما حرمت عليك أمك في مكان واحد، و حرّمت عليك الكعبة في كذا و كذا مكان من القرآن. قال فجاء به إلى عمرو بن سعيد، قال: قد جئتك برجل لو أمرته أن ينكح أمه لنكحها. فقال له عمرو: لعنك اللََّه من شيخ قال: فبعثهم إلى مكة يقاتلون ابن الزبير، فهزم عمرو ابن الزبير[ (2) ]، و بعث يزيد بن معاوية عبد اللََّه بن مسعدة الفزاري، يخطب الناس [ () ]في أخذ البيعة من كبار القوم، و سلّم الأمر في مكة و المدينة إلى عمرو بن سعيد و ذلك في رمضان عام 60 و كلف معالجة أمر البيعة ليزيد.

[ (1) ]خرج الحسين من مكة يوم الثلاثاء يوم التروية لثمان مضين من ذي الحجة و معه اثنان و ثمانون رجلا من شيعته و أهل بيته. (انظر الطبري 5/349) ابن الأثير 2/547 و ابن الأعثم 5/120) .

[ (2) ]كان عمرو بن الزبير-أخو عبد اللََّه-على شرطة المدينة لعمرو بن سعيد، و قد جاء استعماله على الجيش المتوجه لقتال عبد اللََّه بن الزبير بأمر مباشر من الخليفة يزيد (انظر الطبري 5/345) و كان اختيار عمرو لأن بني أمية كانوا يكرمونه لأن أمه بنت خالد بن سعيد بن العاص، فكان ابن أختهم و على علاقات وطيدة معهم و كان من أشد الناس عداوة لأخيه

7

بالمدينة. فقال في خطبته: أهل الشام جند اللََّه الأعظم، و أهل الشام خير الخلق. فقال الحارث بن مالك: ائذن لي أن أتكلم. فقال: اجلس لا أجلسك اللََّه من شيخ. قال: فتشهد الحارث و قال: لعمر اللََّه لنحن خير من أهل الشام، ما نقمت من أهل المدينة إلا أنهم قتلوا أباك و هو يسرق لقاح النبيّ صلى اللََّه عليه و سلم‏[ (1) ]. أنسيت طعنة أبي قتادة است أبيك بالرمح، فخرج منه جمعوص مثل هذا، و أشار إلى ساعده، ثم جلس.

ولاية الوليد المدينة و خروج الحسين بن عليّ‏

قال: و ذكروا أن يزيد بن معاوية، عزل عمرو بن سعيد، و أمّر الوليد بن عتبة[ (2) ]، و خرج الحسين بن عليّ إلى مكة، فمال الناس إليه، و كثروا عنده و اختلفوا إليه، و كان عبد اللََّه بن الزبير فيمن يأتيه‏[ (3) ]. قال: فأتاه كتاب أهل الكوفة فيه‏[ (4) ]:

بسم اللََّه الرّحمن الرّحيم، للحسين بن عليّ، من سليمان بن صرد، و المسيب‏[بن نجبة]، و رفاعة بن شدّاد، و شيعته من المؤمنين و المسلمين من أهل الكوفة. أما بعد، فالحمد للََّه الّذي قصم عدوّك الجبار العنيد، الّذي اعتدى على هذه الأمة، فانتزعها حقوقها، و اغتصبها أمورها، و غلبها على فيئها، و تأمّر عليها على غير رضا منها، ثم قتل خيارها، و استبقى شرارها، فبعدا له كما بعدت ثمود، إنه ليس علينا إمام، فاقدم علينا، لعلّ اللََّه أن يجمعنا بك على [ () ]عبد اللََّه. و بعد ما هزم عمرو و أسر قال له عبد اللََّه: قبحك اللََّه من أخ و ذي رحم فإنك لم تذكر ما كان من البلاء عندك و قيامي بحقك و أخذي بيدك. انظر تفاصيل حرب ابن الزبير مع أخيه عمرو الطبري 5/344.

[ (1) ]في جمهرة النسب للكلبي ص 433 أن الّذي أغار على سرح المدينة هو عبد اللََّه بن عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري.

[ (2) ]بالأصل «عقبة» تحريف. قال خليفة في تاريخه ص 229: «ثم نزع في مستهل ذي الحجة و أمر الوليد بن عتبة» و كان عمرو بن سعيد قدم المدينة في شهر رمضان و أقام الحاج بالناس سنة 60 ه.

[ (3) ]تقدمت الإشارة إلى تخوف ابن الزبير من قدوم الحسين بن علي إلى مكة، حيث كان ابن الزبير يطمع في بيعة أهل مكة له.

[ (4) ]قارن مع نسخة الكتاب في الطبري 5/352 الكامل لابن الأثير 2/533 الفتوح لابن الأعثم 5/47-48 تاريخ اليعقوبي 2/242 الأخبار الطوال ص 229.

8

الهدى، فإن النعمان بن بشير في قصر الإمارة، و لسنا نجتمع معه في جمعة، و لا نخرج معه إلى عيد، و لو قد بلغنا مخرجك أخرجناه من الكوفة، و ألحقناه بالشام و السلام.

قال‏[ (1) ]: فبعث الحسين بن علي مسلم بن عقيل إلى الكوفة يبايعهم له، و كان على الكوفة النعمان بن بشير. فقال النعمان: لابن بنت رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم أحبّ إلينا من ابن بحدل. قال: فبلغ ذلك يزيد، فأراد أن يعزله. فقال لأهل الشام: أشيروا عليّ، من أستعمل على الكوفة؟فقالوا:

أ ترضى برأي معاوية؟قال: نعم، قالوا: فإن الصكّ بإمرة عبيد اللََّه بن زياد على العراقين قد كتبه في الديوان‏[ (2) ]. قال: فاستعمله على الكوفة، فقدم الكوفة قبل أن يقدم الحسين، و بايع له مسلم بن عقيل و أكثر من ثلاثين ألفا من أهل الكوفة، فنهضوا معه يريدون عبيد اللََّه بن زياد، فجعلوا كلما أشرفوا على زقاق، انسلّ عنه منهم ناس، حتى بقي مسلم في شرذمة قليلة. قال: فجعل أناس يرمونه بالآجرّ من فوق البيوت، فلما رأى ذلك دخل دار هانئ بن عروة المرادي، و كان له فيهم رأي. فقال لها هانئ بن عروة: إن لي من ابن زياد مكانا، و سوف أتمارض له، فإذا جاء يعودني، فاضرب عنقه، قال: فقيل لابن [ (1) ]ثمة إجماع في المصادر على أن الرسائل و الرسل تتابعت على الحسين من رؤساء أهل الكوفة حتى وصله من الكتب منهم ما ملأ منه خرجين. و كان آخر من وصل إليه منهم هانئ بن هانئ و سعيد بن عبد اللََّه الحنفي. فأرسل الحسين معهما إليهم جميعا كتابا واحدا نسخته:

(عن الطبري) : بسم اللََّه الرّحمن الرّحيم. من حسين بن علي إلى الملأ من المؤمنين و المسلمين، أما بعد، فإن هانئا و سعيدا قدما عليّ بكتبكم، و كانا آخر من قدم عليّ من رسلكم و قد فهمت كل الّذي اقتصصتم و ذكرتم، و مقالة جلكم: إنه ليس علينا إمام، فأقبل لعل اللََّه أن يجمعنا بك على الهدى و الحق. و قد بعثت إليكم أخي و ابن عمي و ثقتي من أهل بيتي. و أمرته أن يكتب إليّ بحالكم و أمركم و رأيكم، فإن كتب إليّ أنه قد أجمع رأي ملئكم و ذوي الفضل و الحجى منكم على مثل ما قدمت عليّ به رسلكم، و قرأت في كتبكم، أقدم عليكم و شيكا إن شاء اللََّه، فلعمري ما الإمام إلا العامل بالكتاب، و الآخذ بالقسط، و الدائن بالحق، و الحابس نفسه على ذات اللََّه. و السلام.

[ (2) ]في الطبري 5/356 أن يزيد لما بلغه خبر وصول مسلم بن عقيل إلى الكوفة و مبايعة أهلها للحسين، و استضعاف أهلها للنعمان بن بشير استشار سرجون مولى معاوية فأشار عليه بعبيد اللََّه بن زياد، و كان معاوية قد عهد له بالعراقين (البصرة و الكوفة) لكنه مات قبل إنفاذ العهد إليه.

9

زياد: إن هانئ بن عروة شاك يقي‏ء الدم. قال: و شرب المغرة[ (1) ]، فجعل يقيئها. قال: فجاء ابن زياد يعوده، و قال لهم هانئ: إذا قلت لكم اسقوني، فاخرج إليه فاضرب عنقه، فقال: اسقوني، فأبطئوا عليه، فقال‏[ (2) ]: ويحكم اسقوني و لو كان فيه ذهاب نفسي قال: فخرج عبيد اللََّه بن زياد و لم يصنع الآخر شيئا، و كان من أشجع الناس، و لكنه أخذته كبوة[ (3) ]، فقيل لابن زياد: و اللََّه إن في البيت رجلا متسلحا. قال: فأرسل ابن زياد إلى هانئ فدعاه. فقال: إني شاك لا أستطيع النهوض. فقال: ائتوني به و إن كان شاكيا[ (4) ]، قال: فأخرج له دابة، فركب و معه عصاه و كان أعرج، فجعل يسير قليلا و يقف، و يقول: ما لي أذهب إلى ابن زياد؟فما زال ذلك دأبه حتى دخل عليه. فقال له عبيد اللََّه بن زياد: يا هانئ، أما كانت يد زياد عندك بيضاء؟قال: بلى، قال: و يدي؟قال:

بلى، فقال يا هانئ، قد كانت لكم عندي يد بيضاء، و قد أمّنتك على نفسك و مالك، فتناول العصا التي كانت بيد هانئ، فضرب بها وجهه حتى كسرها، ثم قدمه فضرب عنقه‏[ (5) ]. قال: و أرسل جماعة إلى مسلم بن عقيل‏[ (6) ]، فخرج عليهم [ (1) ]المغرة: الطين الأحمر يصبغ به. و المغرة: مسحوق أكسيد الحديد، و يوجد في الطبيعة مختلطا بالطفال، و قد يكون أصفر أو أحمر بنيا.

[ (2) ]في الطبري و ابن الأثير:

ما تنظرون بسلمى لا تحيوها # اسقونيها و إن كانت بها نفسي‏

و في الأخبار الطوال:

ما تنظرون بسلمى عند فرصتها # فقد وفى ودها و استوسق الصرم‏

[ (3) ]في المصادر: الطبري و ابن الأثير و الأخبار الطوال و ابن الأعثم على أن القائل هو شريك بن الأعور و قد مرض في بيت هانئ بن عروة و قد اتفق مع مسلم، إن أتاه عبيد اللََّه بن زياد يعوده، أن يخرج مسلم و يقتله لكن هانئ بن عروة قال: لا أحب أن يقتل في داري، و بينما شريك و هانئ يناقشان الأمر إذ دخل عبيد اللََّه... و بعد ما خرج عبيد اللََّه من المنزل سأل شريك مسلما ما الّذي منعك منه إلا الجبن و الفشل؟فقال مسلم: منعني منه خصلتان: أما إحداهما فكراهة هانئ أن يقتل في داره، و أما الأخرى فحديث حدثه الناس عن النبي صلى اللََّه عليه و سلم: إن الإيمان قيد الفتك، و لا يفتك مؤمن.

[ (4) ]في الطبري: أن ابن زياد سأل عن هانئ بن عروة فقيل له إنه شاك فقال: بلغني أنه قد برأ، و هو يجلس على باب داره، فالقوه، فمروه ألا يدع ما عليه في ذلك من الحق، فإنّي لا أحب أن يفسد عندي مثله من أشراف العرب.

[ (5) ]انظر في مقابلة عبيد اللََّه لهانئ بن عروة و كيفية مقتله في الطبري 5/365-367.

[ (6) ]الخبر في الطبري و ابن الأثير و ابن الأعثم و الأخبار الطوال باختلاف عما هنا و فيه أنه لما بلغ خبر هانئ بن عروة إلى مسلم بن عقيل خرج بأصحابه و من بايعه-و قد بلغوا حسب رواية

10

بسيفه، فما زال يقاتلهم حتى أخرج و أسر، فلما أسر بعث الرجال، فقال:

اسقوني ماء. قال: و معه رجل من بني أبي معيط[ (1) ]، و رجل من بني سليم يقال له: شهر بن حوشب. فقال له شهر بن حوشب: لا أسقيك إلا من البئر. فقال المعيطي: و اللََّه لا نسقيه إلا من الفرات، قال: فأمر غلاما له، فأتاه بإبريق من ماء، و قدح قوارير و منديل. قال: فسقاه فتمضمض مسلم، فخرج الدم، فما زال يمسح الدم، و لا يسيغ شيئا منه حتى قال: أخّروه عني. قال: فلما أصبح دعا به عبيد اللََّه بن زياد و هو قصير، فقدمه لتضرب عنقه، فقال: دعني حتى أوصي، فقال: أوص. فنظر مسلم في وجوه الناس فقال لعمرو بن سعيد[ (2) ]: ما أرى هاهنا من قريش غيرك، فادن مني حتى أكلمك، فدنا منه، فقال له: هل لك أن تكون سيد قريش ما كانت قريش؟إن الحسين و من معه و هم تسعون بين رجل و امرأة في الطريق فارددهم، و اكتب إليهم بما أصابني‏[ (3) ]. قال: فضرب عنقه و ألقاه عمرو لعبيد اللََّه و قال: أ تدري ما قال؟فقال عبيد اللََّه: اكتم على ابن عمك. فقال عمرو: هو أعظم من ذلك، فقال ابن زياد: فأيّ شي‏ء هو؟قال: أخبرني أن الحسين و من معه قد أقبل. و هم تسعون إنسانا بين رجل و امرأة. فقال: أما و اللََّه إذ دللت عليه لا يقاتلهم أحد غيرك.

قتال عمرو بن سعيد[ (2) ]الحسين و قتله‏

قال: و ذكروا أن عبيد اللََّه بن زياد بعث جيشا أمّر عليهم عمرو بن سعيد[ (2) ]، [ () ]الطبري 18 ألفا-و أقبلوا نحو القصر. تتمة الخبر في المصادر المذكورة إلى أن أخرج مسلم و أسر.

[ (1) ]هو عمارة بن عقبة بن أبي معيط.

[ (2) ]كذا بالأصل، و هو عمر بن سعد بن أبي وقاص.

[ (3) ]في الطبري 5/376 أن مسلم بن عقيل أوصى عمر بن سعد قال له: إن عليّ بالكوفة دينا استدنته منذ قدمت الكوفة 700 درهم (في الأخبار الطوال: 1000 درهم) فاقضها عني.

و انظر جثتي فاستوهبها من ابن زياد، فوارها، و ابعث إلى حسين من يرده، فإنّي قد كتبت إليه أعلمه أن الناس معه.

و في رواية أخرى عند الطبري 5/374 أن مسلم لما أسره محمد بن الأشعث أخبر مقدم الحسين و أن ابن الأشعث بعث إياس بن العثل الطائي من بني مالك بن عمرو بن ثمامة بخبر أسر مسلم و ما آل إليه أمره و يدعوه إلى العودة من حيث أتى. (و انظر الأخبار الطوال ص 247) .

11

و قد جاء الحسين الخبر[ (1) ]، فهم أن يرجع و معه خمسة من بني عقيل فقالوا له:

أ ترجع و قد قتل أخونا، و قد جاءك من الكتب ما نثق به؟

فقال لبعض أصحابه: و اللََّه ما لي عن هؤلاء من صبر،

يعني بني عقيل. قال: فلقيه الجيش على خيولهم بوادي السباع، فلقوهم و ليس معهم ماء. فقالوا: يا بن بنت رسول اللََّه اسقنا. قال: فأخرج لكل فارس صحفة من ماء، فسقاهم بقدر ما يمسك برمقهم. ثم قالوا: سر يا بن بنت رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم، فما زالوا يرجونه، و أخذوا به على الجرف حتى نزلوا بكربلاء،

فقال الحسين: أي أرض هذه؟قالوا: كربلاء، قال: هذا كرب و بلاء.

قال: فنزلوا و بينهم و بين الماء ربوة، فأراد الحسين و أصحابه الماء فحالوا بينهم و بينه. فقال له شهر بن حوشب:

لا تشربوا منه حتى تشربوا من الحميم،

فقال عباس بن عليّ: يا أبا عبد اللََّه، نحن على الحقّ فنقاتل؟قال: نعم.

فركب فرسه، و حمل بعض أصحابه على الخيول، ثم حمل عليهم فكشفهم عن الماء حتى شربوا و سقوا. ثم بعث عبيد اللََّه بن زياد عمرو[ (2) ]بن سعيد يقاتلهم.

قال الحسين: يا عمرو[ (2) ]، اختر مني ثلاث خصال، إما أن تتركني أرجع كما جئت، فإن أبيت هذه فأخرى، سيّرني إلى الترك أقاتلهم حتى أموت، أو تسيّرني إلى يزيد فأضع يدي في يده، فيحكم فيّ بما يريد

[ (3) ]. فأرسل عمرو[ (2) ]إلى ابن زياد بذلك فهمّ أن يسيره إلى يزيد. فقال له شهر[ (4) ]بن حوشب: قد أمكنك اللََّه من عدوك و تسيره إلى يزيد، و اللََّه لئن سار إلى يزيد لا رأى مكروها، و ليكوننّ من يزيد بالمكان الّذي لا تناله أنت منه، و لا غيرك من أهل الأرض، لا تسيره و لا تبلعه ريقه حتى ينزل على حكمك. قال:

فأرسل إليه يقول: لا، إلا أن تنزل على حكمي.

فقال الحسين: أنزل على حكم ابن زانية؟لا و اللََّه لا أفعل، الموت دون ذلك و أحلى.

قال: و أبطأ عمرو بن سعيد[ (2) ]عن قتاله. فأرسل عبيد اللََّه بن زياد إلى شهر بن حوشب‏[ (4) ]إن تقدم [ (1) ]تلقاه رجل من بني أسد، بعد رحيله من زرود (الأخبار الطوال 247) .

[ (2) ]كذا بالأصل عمرو بن سعيد خطأ، و هو عمر بن سعد و قد تقدم.

و كان من أمر عمر بن سعد أن عبيد اللََّه بن زياد ولاه الري و ثغر دستبى و الديلم و كتب له عهدا عليها ثم حدث أمر الحسين، فأمره ابن زياد أن يسير لمقاتلته، فتلكأ عمر و كره محاربة الحسين، فهدده ابن زياد برد عهد ولايته و تغريمه و نهب أمواله و أملاكه فرضخ لأمره، و سار بعسكره أربعة آلاف فارس لمحاربة الحسين (الطبري-الأخبار الطوال) .

[ (3) ]في الطبري: فيرى فيما بيني و بينه رأيه.

[ (4) ]في الطبري: شمر بن ذي الجوشن. ـ

12

عمرو يقاتل، و إلا فأقتله، و كن أنت مكانه. قال: و كان مع عمرو بن سعيد[ (1) ]من قريش ثلاثون رجلا من أهل الكوفة، فقالوا: يعرض عليكم ابن بنت رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم ثلاث خصال لا تقبلون واحدة منها؟فتحولوا مع الحسين، فقاتلوا. قال: فرأى رجل من أهل الكوفة عبد اللََّه بن الحسين بن عليّ على فرس، و كان من أجمل الناس. قال: لأقتلنّ هذا الفتى، فقيل له: ويحك، ما تصنع بقتله، دعه، قال: فحمل عليه فضربه، فقطع يده، ثم ضربه ضربة أخرى فقتله، ثم قتلوا جميعا. فقتل يومئذ الحسين بن عليّ، و عباس بن عليّ، و عثمان بن عليّ، و أبو بكر بن عليّ‏[ (2) ]، و جعفر بن عليّ، و أمهم أمّ البنين بنت حرام الكلابية، و إبراهيم بن عليّ، و أمه أم ولد، و عبد اللََّه بن عليّ، و خمسة من بني عقيل‏[ (3) ]، و ابنان لعبد اللََّه بن جعفر: عون، و محمد، و ثلاثة من بني هاشم، و نساء من نسائهم، و فيهم‏فاطمة بنت الحسين بن عليّ، و فيهم محمد بن عليّ، و ابنا جعفر، و محمد بن الحسين بن عليّ‏[ (4) ].

قدوم من أسر من آل عليّ على يزيد

قال و ذكروا

أن أبا معشر قال: حدثني محمد بن الحسين بن عليّ، قال: دخلنا على يزيد، و نحن اثنا عشر غلاما مغلّلين في الحديد و علينا قمص. فقال يزيد[ (5) ]: أخلصتم أنفسكم بعبيد أهل العراق؟و ما علمت بخروج أبي عبد اللََّه حين خرج، و لا بقتله حين قتل. قال: فقال عليّ بن الحسين: مََا أَصََابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي اَلْأَرْضِ وَ لاََ فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاََّ فِي كِتََابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهََا، إِنَّ ذََلِكَ عَلَى اَللََّهِ يَسِيرٌ. `لِكَيْلاََ تَأْسَوْا عَلى‏ََ مََا فََاتَكُمْ، وَ لاََ تَفْرَحُوا بِمََا آتََاكُمْ، وَ اَللََّهُ لاََ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتََالٍ فَخُورٍ

[الحديد: 22-23]. قال: فغضب يزيد، و جعل يعبث بلحيته، [ (1) ]هو عمر بن سعد و قد تقدم.

[ (2) ]أبو بكر بن علي أمه ليلى بنت مسعود الدارمية (ابن الأثير-) قال ابن الأثير و قد شك في قتله.

و لم يذكره المسعودي في مروج الذهب.

[ (3) ]و هم: عبد الرحمن بن مسلم بن عقيل، و عبد اللََّه بن مسلم بن عقيل-و محمد بن أبي سعيد بن عقيل (تاريخ خليفة) و جعفر بن عقيل بن أبي طالب.

[ (4) ]قال خليفة في تاريخه ص 235: أصيب مع الحسين ستة عشر رجلا من أهل بيته. و في رواية: 17 رجلا. و قال المسعودي في مروج الذهب 3/77: جميع من قتل مع الحسين سبعة و ثمانين.

[ (5) ]انظر ما قاله يزيد لعلي بن الحسين في الطبري 5/461 و ابن الأثير 2/578.

13

و قال: وَ مََا أَصََابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمََا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ، وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ [الشورى: 30]يا أهل الشام ما ترون في هؤلاء؟فقال رجل من أهل الشام لا تتخذن من كلب سوء جروا. فقال النعمان بن بشير: يا أمير المؤمنين!اصنع بهم ما كان يصنع بهم رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم لو رآهم بهذه الحال.

فقالت فاطمة بنت الحسين‏[ (1) ]: يا يزيد بنات رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم. قال: فبكى يزيد حتى كادت نفسه تفيض، و بكى أهل الشام حتى علت أصواتهم. ثم قال: خلّوا عنهم، و اذهبوا بهم إلى الحمام، و اغسلوهم، و اضربوا عليهم القباب، ففعلوا، و أمال عليهم المطبخ و كساهم، و أخرج لهم الجوائز الكثيرة من الأموال و الكسوة ثم قال: لو كان بينهم و بين عاضّ بظر أمه‏[ (2) ]نسب ما قتلهم، ارجعوا إلى المدينة. قال: فبعث بهم من صار بهم إلى المدينة.

إخراج بني أمية عن المدينة، و ذكر قتال أهل الحرّة

قال: و ذكروا في قصة إخراج بني أمية عن المدينة، قالوا: بعث عثمان بن محمد أمير المدينة إلى يزيد بقميصه مشقوقا و كتب إليه: وا غوثاه!إن أهل المدينة أخرجوا قومنا من المدينة[ (3) ].

قال أبو معشر: فخرج يزيد بعد العتمة، و معه شمعتان شمعة عن يمينه، و شمعة عن يساره، و عليه معصفرتان، و قد نقش جبهته كأنها ترس، فصعد المنبر، فحمد اللََّه و أثنى عليه، ثم قال: أما بعد، يا أهل الشام، فإنه كتب إليّ عثمان بن محمد أن أهل المدينة أخرجوا قومنا من المدينة، و و اللََّه لأن تقع الخضراء على الغبراء أحبّ إليّ من هذا الخبر. قال: و كان معاوية أوصى يزيد فقال له: إن رابك من قومك ريب، أو تنقص عليك منهم أحد، فعليك بأعور بني مرّة، فاستشره، يعني مسلم بن عقبة، فلما كانت تلك الليلة قال يزيد: أين مسلم ابن عقبة؟فقام فقال: ها أنا ذا. قال: عبئ ثلاثين ألفا من الخيل. قال:

و كان معقل بن سنان الأشجعيّ نازلا على مسلم بن عقبة. فقال له مسلم بن عقبة: إن [ (1) ]في الطبري و ابن الأثير: فاطمة بنت علي.

[ (2) ]يريد عبيد اللََّه بن زياد. و في الطبري: قبح اللََّه ابن مرجانة، لو كانت بينه و بينكم رحم أو قرابة ما فعل هذا بكم، و لا بعث بكم هكذا.

[ (3) ]مر في الجزء الأول (ص 231 حاشية رقم 1) أن مروان بن الحكم هو الّذي أرسل الكتاب إلى يزيد، راجع نص الكتاب هناك.

14

أمير المؤمنين أمرني أن أتوجه إلى المدينة في ثلاثين ألفا. فقال له: استعفه.

قال: لا. قال: فاركب فيلا أو فيلة، و تكون أبا يكسوم‏[ (1) ]، فمرض مسلم قبل خروجه من الشام، فأدنف فدخل عليه يزيد بن معاوية يعوده، قال له: قد كنت وجهتك لهذا البعث، و كان أمير المؤمنين معاوية قد أوصاني بك، و أراك مدنفا ليس فيك سفر. فقال: يا أمير المؤمنين أنشدك اللََّه، أن لا تحرمني أجرا ساقه اللََّه إليّ، إنما أنا امرؤ و ليس بي بأس. قال: فلم يطق من الوجع أن يركب بعيرا و لا دابة، فوضع على سرير، و حمله الرجال على أعناقهم، حتى جاءوا مكانا يقال له البتراء، فأرادوا النزول به. فقال لهم: ما اسم هذا المكان؟فقيل له البتراء. فقال: لا تنزلوا به، ثم سار حتى حاجزة، فنزل به، فأرسل إلى أهل المدينة: إن أمير المؤمنين يقرأ عليكم السلام، و يقول لكم: أنتم الأصل و العشيرة و الأهل، فاتقوا اللََّه و اسمعوا و أطيعوا، فإن لكم عندي في عهد اللََّه و ميثاقه عطاءين في كل سنة، عطاء في الصيف، و عطاء في الشتاء، و لكم عندي عهد اللََّه و ميثاقه، أن أجعل سعر الحنطة عندكم كسعر الحنطة عندنا، و الحنطة يومئذ سبعة آصع بدرهم، و أما العطاء الّذي ذهب به عنكم عمرو بن سعيد، فعليّ أن أخرجه لكم، و كان عمرو بن سعيد قد أخذ أعطياتهم، فاشترى بهم عبيدا لنفسه. فقالوا لمسلم: نخلعه كما نخلع عمائمنا، يعنون يزيد، و كما نخلع نعالنا. قال: فقاتلهم، فهزم الناس أهل المدينة.

قال أبو معشر: حدثنا محمد بن عمرو بن حزم، قال: قتل بضعة و سبعون رجلا من قريش، و بضعة و سبعون رجلا من الأنصار، و قتل من الناس نحو من أربعة آلاف‏[ (2) ]، و قتل ابنان لعبد اللََّه بن جعفر، و قتل أربعة أو خمسة من ولد زيد بن ثابت لصلبه‏[ (3) ]. فقال مسلم بن عقبة لأهل الشام: كفوا أيديكم، فخرج محمد بن سعد بن أبي وقاص، يريد القتال، فقاتلهم بعد الكفّ. فقال مسلم بن [ (1) ]أبو يكسوم، كنية أبرهة الحبشي الّذي قدم مكة على الفيل لهدم البيت فأرسل اللََّه عليه و على جيشه طيرا من البحر أمثال الخطاطيف يحمل كل منها ثلاثة أحجار، فكانت لا تصيب أحدا منهم إلا أهلكته فانهزموا أي هزيمة (انظر سيرة ابن هشام 1/54-55) .

[ (2) ]تقدمت الإشارة إلى عدة من قتل يوم الحرة في الجزء الأول.

[ (3) ]و هم: سعيد و سليمان و زيد و يحيى و عبيد اللََّه بنو زيد بن ثابت (تاريخ خليفة بن خياط ص 247) .

15

عقبة: انهبها ثلاثا. قال: فقتل الناس، و فضحت النساء[ (1) ]، و نهبت الأموال. فلما فرغ مسلم بن عقبة من القتال، انتقل من منزله ذلك إلى قصر بني عامر بدومة، فدعا أهل المدينة من بقي منهم للبيعة. قال: فجاء عمرو بن عثمان بن عفان بيزيد بن عبد اللََّه بن زمعة، و جدته أمّ سلمة زوج النبيّ صلى اللََّه عليه و سلم، و كان عمرو قال لأمّ سلمة: أرسلي معي ابن بنتك، فجاء به إلى مسلم، فلما تقدم يزيد قال له مسلم: تبايع لعبد اللََّه يزيد أمير المؤمنين على أنكم خول له، مما أفاء اللََّه عليه بأسياف المسلمين، إن شاء وهب، و إن شاء أعتق، و إن شاء استرقّ، فقال يزيد: لأنا أقرب إلى أمير المؤمنين منك. قال: و اللََّه لا تستقبلها أبدا. فقال عمرو بن عثمان: أنشدك اللََّه، فإنّي أخذته من أمّ سلمة، بعهده و ميثاقه، أن أردّه إليها. قال: فركضه برجله، فرماه من فوق السرير، فقتل يزيد بن عبد اللََّه، ثم أتي محمد بن أبي جهم‏[بن حذيفة العدوي‏][ (2) ]مغلولا. فقال له مسلم: أنت القائل، اقتلوا سبعة عشر رجلا من بني أمية لا تروا شرا أبدا.

قال: قد قلتها و لكن لا يسمع لقصير أمر، فأرسل يدي، و قد برئت مني الذمة، إنما نزلت بعهد اللََّه و ميثاقه. قال: لا، و اللََّه حتى أقدمك إلى النار. قال: فضرب عنقه. ثم جاء معقل بن سنان الأشجعي، و كان جالسا في بيته، فأتاه مائة رجل من قومه، فقالوا له: اذهب بنا إلى الأمير حتى نبايعه. فقال لهم: إني قد قلت له قولا، و أنا أتخوّف، فقالوا: لا، و اللََّه لا يصل إليك أبدا، فلما بلغوا الباب أدخلوا معقلا، و حبسوا الآخرين، و أغلقوا الباب، فلما نظر إليه مسلم بن عقبة قال: إني أرى شيخا قد تعب و عطش، اسقوه من البلح‏[ (3) ]الّذي زوّدني به أمير المؤمنين، قال: فخاضوا له بلحا بعسل فشربه. قال له: أشربت؟قال: نعم، قال: و اللََّه لا تبولها من مثانتك أبدا، أنت القائل: اركب فيلا أو فيلة و تكون أبا يكسوم‏[ (4) ].

فقال معقل: أما و اللََّه لقد تخوّفت ذلك منك، و إنما غلبتني عشيرتي. قال:

فجعل يفري جبة كانت عليه، و قال: أكره أن يلبسوها، فضرب عنقه.

[ (1) ]قال ياقوت في معجم البلدان (حرة) : و استباحوا الفروج، و حملت منهم ثمانمائة حرة و ولدن، و كان يقال لأولئك الأولاد أولاد الحرة.

[ (2) ]زيادة عن الطبري.

[ (3) ]في الطبري: العسل. و في فتوح ابن الأعثم: سويق الكوز.

[ (4) ]خبر مقتل معقل بن سنان في الطبري 5/492 و الأخبار الطوال ص 266 و ابن الأعثم 5/297 و ابن الأثير 2/598 باختلاف.

16

ثم سار إلى مكة، حتى إذا بلغ قفا المشلل أدنف‏[ (1) ]، فدعا الحصين بن نمير. فقال له: يا بن برذعة الحمار، و اللََّه ما خلق اللََّه أحدا أبغض إليّ منك، و لو لا أن أمير المؤمنين أمرني أن أستخلفك ما استخلفتك، أ تسمع؟قال: نعم، قال: لا تكوننّ إلا على الوقاف، ثم الثقاف، ثم الانصراف‏[ (2) ]، و لا تمكن قريشا من أذنك. ثم مات مسلم بن عقبة، فدفن بقفا المشلل، و كانت أم ولد ليزيد بن عبد اللََّه بن زمعة بأستار، فخرجت إليه فنبشته من قبره، ثم أحرقت عليه بالنار، و أخذت أكفانه فشقتها، و علقتها بالشجرة، فكل من مرّ عليه يرميه بالحجارة، و سار الحصين حتى جاء مكة، فدعاهم إلى الطاعة، و عبد اللََّه بن الزبير يومئذ بمكة، فلم يجبه، فقاتله، فقتل يومئذ المنذر بن الزبير، و رجلان من إخوته، و مصعب بن عبد الرحمن، و المسور بن مخرمة[ (3) ].

حرب ابن الزبير رضي اللََّه عنهما

قال: و ذكروا أن مسلم بن عقبة لما فرغ من قتال أهل المدينة يوم الحرّة، مضى إلى مكة المشرّفة، يريد ابن الزبير، حتى إذا كان بقديد، حضرته الوفاة، فدعا الحصين بن نمير. فقال له: إن أمير المؤمنين عصاني فيك، فأبى إلا استخلافك بعدي، فلا ترسلنّ بينك و بين قريش رسولا تمكنه من أذنيك، إنما هو الوقاف، ثم الثقاف، ثم الانصراف. و هلك مسلم بن عقبة، فدفن بالثنية.

قال: و سمع بهم عبد اللََّه بن الزبير، فأحكم مراصد مكة، فجعل عليها المقاتلة، و جاءه جند أهل المدينة، و أقبل ابن نمير حتى نزل على مكة، و أرسل خيلا فأخذت أسفلها، و نصب عليها العرادات و المجانيق، و فرض على أصحابه عشرة آلاف صخرة، في كل يوم يرمونها بها. فقال الناس: انظروه لئلا يصيبه ما أصاب أصحاب الفيل. قال عبد اللََّه بن عمرو بن العاص، و كان بمكة معتمرا، قدم من الطائف: لا تظن ذلك، لو كان كافرا بها لعوقب دونها، فأما إذا كان مؤمنا بها فسيبتلى فيها، فكان كما قال، و حاصروهم لعشر ليال بقين من المحرّم، سنة أربع و ستين، فحاصروهم بقية المحرّم، و صفر، و شهري ربيع، يغدون على [ (1) ]أدنف: أي اشتد مرضه و أشفى على الموت (معجم وسيط) .

[ (2) ]مر الشرح سابقا. و في الكامل لابن الأثير 2/601: خذ عني أربعا: أسرع السير، و عجل المناجزة، و عم الأخبار، و لا تمكن قرشيا من أذنك، و انظر الطبري 7/14 طبعة بولاق.

[ (3) ]: هذا هو الحصر الأول من عسكر الشام لابن الزبير.

17

القتال و يروحون، حتى جاءهم موت يزيد بن معاوية[ (1) ]، فأرسل الحصين بن نمير إلى ابن الزبير، أن ائذن لنا نطوف بالبيت، و ننصرف عنكم، فقد مات صاحبنا.

فقال ابن الزبير: و هل تركتم من البيت إلا مدرة؟و كانت المجانيق قد أصابت ناحية من البيت الشريف فهدمته، مع الحريق الّذي أصابه‏[ (2) ]، قال: فمنعهم أن يطوفوا بالبيت. فارتحل الحصين، حتى إذا كان بعسفان تفرّقوا، و تبعهم الناس يأخذونهم، حتى إن كانت الراعية في غنمها لتأتي بالرجل منهم مربوطا، فيبعث بهم إلى المدينة، و أصاب منهم أهل المدينة حين مرّوا بهم ناسا كثيرا، فحبسوا بالمدينة، حتى قدم مصعب بن الزبير عليهم من عند عبد اللََّه بن الزبير، فأخرجهم إلى الحرّة، فضرب أعناقهم، و كانوا أربع مائة و أكثر، قال: و انصرف ذلك الجيش إلى الشام مفلولا، و بايع أهل المدينة لابن الزبير بالخلافة، و كان ابن عباس بمكة يومئذ، فخرج إلى الطائف، فهلك بها سنة سبعين‏[ (3) ]، و هو يومئذ ابن أربعة و سبعين سنة رضي اللََّه عنه.

خلافة معاوية بن يزيد

قال: فلما مات يزيد بن معاوية، استخلف ابنه معاوية بن يزيد، و هو يومئذ ابن ثماني عشرة سنة، فلبث واليا شهرين و ليالي محجوبا لا يرى، ثم خرج بعد ذلك، قال: فجمع الناس، فحمد اللََّه و أثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إني نظرت بعدكم فيما صار إليّ من أمركم، و قلدته من ولايتكم، فوجدت ذلك لا يسعني فيما بيني و بين ربي، أن أتقدم على قوم فيهم من هو خير مني، و أحقهم بذلك، و أقوى على ما قلدته، فاختاروا مني إحدى خصلتين: إما أن أخرج منها، و أستخلف عليكم من أراه لكم رضا و مقنعا، و لكم اللََّه عليّ ألا آلوكم نصحا في الدين و الدنيا، و إما أن تختاروا لأنفسكم و تخرجوني منها[ (4) ]. قال: فأنف الناس [ (1) ]قال الواقدي: قدم مكة لأربع بقين من المحرم، فحاصر ابن الزبير أربعا و ستين يوما حتى جاءهم نعي يزيد بن معاوية لهلال ربيع الآخر (الطبري 5/498) .

[ (2) ]انظر في خبر حرق الكعبة ما رواه الطبري 5/498 و مروج الذهب 3/86 و ابن الأثير 2/602.

[ (3) ]في البداية و النهاية ذكر وفاته سنة 68 ه. قال الواقدي: سنة 68 عن 65 سنة. و ذكر خليفة وفاته سنة 68 بالطائف.

[ (4) ]وردت خطبته باختلاف في الطبري 5/530-531 ابن الأثير 2/605 الفخري ص 118 تاريخ ابن العبري ص 111 مروج الذهب 3/88. تاريخ اليعقوبي 2/254.

18

من قوله، و أبوا من ذلك‏[ (1) ]، و خافت بنو أمية أن تزول الخلافة منهم، فقالوا: ننظر في ذلك يا أمير المؤمنين و نستخير اللََّه فأمهلنا. قال: لكم ذلك، و عجّلوا عليّ.

قال: فلم يلبثوا بعدها إلا أياما حتى طعن‏[ (2) ]، فدخلوا عليه، فقالوا له: استخلف على الناس من تراه لهم رضا. فقال لهم‏[ (3) ]: عند الموت تريدون ذلك؟لا و اللََّه لا أتزودها، ما سعدت بحلاوتها، فكيف أشقى بمرارتها، ثم هلك رحمه اللََّه و لم يستخلف أحدا. فقالوا لعثمان بن عنبسة: تقدّم فصلّ بالناس، فأبى. و قال:

لا. أما أنا فلاحق بخالي عبد اللََّه بن الزبير، فقال له ابن زياد: إن هذا ليس بزمان خالك و لا عمك. فلما دفن معاوية بن يزيد، و سوّي عليه التراب، و بنو أمية حول قبره، قال مروان: أما و اللََّه يا بني أمية إنه لأبو ليلى، ثم قال:

الملك بعد أبي ليلى لمن غلبا[ (4) ].

و ماج أمر بني أمية و اختلفوا.

[ (1) ]موقف الخليفة معاوية بن يزيد المفاجئ و بعد قليل من توليه مقاليد الخلافة، حيث بقي محجوبا لا يرى حاول بعض المؤرخين تعقبه فقال ابن العبري إنه كان قدريا، حيث قال: لا أحب أن ألقى اللََّه بتبعاتكم فشأنكم و أمركم ولوه من شئتم و تخلى للعبادة حتى مات. و رأى الفخري: أنه كان صبيا ضعيفا و قد عرف بأبي ليلى لضعفه كما قال المسعودي في مروجه:

هذه الكنية للمستضعف من العرب.

و نرى أن اعتكافه و عزلته في منزلته، و احتجابه عن الناس يعود لأسباب كثيرة أقلها ثلاثة:

1-عدم اقتناعه-من حيث المبدإ-بأحقيته بالولاية (العبري) .

2-اشتداد الصراع بين أطراف القيادة الأموية، بين القيسية (الضحاك) و اليمنية.

3-ظهور عبد اللََّه بن الزبير الرجل القوي، بعد موت يزيد، و دعوته الناس لمبايعته و ادعائه الخلافة و ظفره بالحجاز و العراق و خراسان و مصر و اليمن و الشام إلا الأردن.

[ (2) ]لم يرد في الطبري و لا في ابن الأثير و لا عند المسعودي أنه كان مريضا قال المسعودي في مروج الذهب: و قد تنوزع في سبب وفاته فمنهم من رأى أنه سقي شربة و منهم من رأى أنه مات حتف أنفه و منهم من رأى أنه طعن 3/89.

و فيه أن أيامه كانت أربعين يوما و قيل شهرين (و انظر البداية و النهاية 8/260. و ابن الأثير 2/605) .

[ (3) ]قارن مع ما ذكره المسعودي في المروج 3/88.

[ (4) ]البيت لأرثم الفزاري و تمامه:

إني أرى فتنة تغلي مراجلها # و الملك بعد أبي ليلى لمن غلبا

(البداية و النهاية 8/261 مروج الذهب 3/88، المعارف ص 154) . ـ

19

غلبة ابن الزبير رضي اللََّه عنهما و ظهوره‏

قال: و ذكروا أن أبا معشر قال: حدثنا بعض المشيخة الذين حضروا قتال ابن الزبير، قال: لما نزل الحصين بمكة، و غلب عليها كلها إلا المسجد الحرام، قال: فإنّي لجالس مع ابن الزبير، و معه من القرشيين عبد اللََّه بن مطيع، و المختار بن أبي عبيد، و المسور بن مخرمة، و المنذر بن الزبير، و مصعب بن عبد الرحمن بن عوف في نفر من قريش. قال: فقال المختار بن عبيد: و هبّت رويحة: و اللََّه إني لأجد النصر في هذه الرّويحة، فاحملوا عليهم، قال: فحملوا عليهم حتى أخرجوهم من مكة، و قتل المختار رجلا، و قتل ابن مطيع رجلا.

قال: فجاءه رجل من أهل الشام، في طرف سنان رمحه نار. قال: و كان بين موت يزيد بن معاوية و بين حريق الكعبة إحدى عشرة ليلة[ (1) ]ثم التحمت الحرب عند باب بني شيبة، فقتل يومئذ المنذر بن الزبير، و رجلان من إخوته، و مصعب بن عبد الرحمن بن عوف و المسور بن مخرمة، و كان الحصين قد نصب المجانيق على جبل أبي قبيس، و على قعيقعان، فلم يكن أحد يقدر أن يطوف بالبيت، و أسند ابن الزبير ألواحا من الساج إلى البيت، و ألقى عليها القطائف و الفرش، فكان إذا وقع عليها الحجر، نبا عن البيت، فكانوا يطوفون تحت تلك الألواح، فإذا سمعوا صوت الحجر حين يقع على الفرش و القطائف كبروا، و كان طول الكعبة في السماء ثمانية عشر ذراعا، و كان ابن الزبير قد ضرب فسطاطا في ناحية من المسجد، فكلما جرح أحد من أصحابه أدخله ذلك الفسطاط.

حريق الكعبة

قال: فجاء رجل في طرف سنان رمحه نار، فأشعلها في الفسطاط، فوقعت النار على الكعبة، فاحترق الخشب، و انصدع الركن، و احترقت الأستار، و تساقطت إلى الأرض‏[ (2) ]. قال: ثم قاتل أهل الشام أياما بعد حريق الكعبة، و احترقت في ربيع الأول سنة أربع و ستين. قال: فلما احترقت جلس أهل مكة [ (1) ]مات يزيد بن معاوية لأربع عشرة ليلة خلت من ربيع الأول و كان حريق الكعبة يوم السبت لثلاث ليال خلون من شهر ربيع الأول. (انظر الطبري 5/498 و مروج الذهب 3/87) .

[ (2) ]و قيل في احتراقها غير ذلك. قارن مع الطبري 5/498 مروج الذهب 3/86 تاريخ خليفة ص 255 البداية و النهاية 8/247.

20

في ناحية الحجر، و معهم ابن الزبير، و أهل الشام يرمونهم بالنبل. قال: فوقعت بين يديه نبلة. قال: في هذه خبر، فأخذوهافوجدوا بها مكتوبا: مات يزيد بن معاوية يوم الخميس لأربع عشرة ليلة خلت من ربيع الأول. فلما قرأ ذلك ابن الزبير قال: يا أهل الشام، يا محرقي بيت اللََّه، يا مستحلي حرم اللََّه، علام تقاتلون؟و قد مات طاغيتكم يزيد بن معاوية، فأتاه الحصين بن نمير فقال له:

موعدك البطحاء الليلة يا أبا بكر. فلما كان الليل خرج ابن الزبير بأصحابه، و خرج الحصين بأصحابه إلى البطحاء، فتنحى كل واحد منهما من أصحابه و انفردا، فقال الحصين: يا أبا بكر، قد علمت أني سيد أهل الشام، لا أدافع عن ذلك، و أن أعنّة خيلهم بيدي، و أرى أهل الحجاز قد رضوا بك، فأبايعك الساعة، على أن تهدر كلّ شي‏ء أصبناه يوم الحرّة، و تخرج معي إلى الشام، فإنّي لا أحب أن يكون الملك في الحجاز. قال: لا و اللََّه لا أفعل لا أؤمّن من أخاف الناس، و أحرق بيت اللََّه، و انتهك حرمته. فقال الحصين: بلى، فافعل، فعليّ ألا يختلف عليك اثنان. فأبى ابن الزبير. فقال له الحصين: لعنك اللََّه، و لعن من زعم أنك سيد، و اللََّه لا تفلح أبدا، اركبوا يا أهل الشام. فركبوا و انصرفوا قال:

فحدثني من شهد انصرافهم، قال: و اللََّه إن كانت الوليدة لتخرج فتأخذ الفارس ما يمتنع. قال أبو معشر: و ذلك أن المنهزم لا فؤاد له. قال: فبايع أهل الشام كلهم ابن الزبير، إلا أهل الأردن‏[ (1) ]، و بايع أهل مصر ابن الزبير، و غلب على أهل العراق و الحجاز و اليمن، و غلظ أمره، و عظم شأنه، و استخلف ابن الزبير الضحاك بن قيس على أهل الشام.

اختلاف أهل الشام على ابن الزبير

قال: و ذكروا أن ابن الزبير لما استخلف الضحاك على أهل الشام، قام أناس من أهل الشام من رءوس قريش بني أمية و أشرافهم و فيهم روح بن زنباع الجذامي، فقال بعضهم: إن الملك كان فينا أهل الشام، أ فينتقل ذلك إلى أهل الحجاز؟لا نرضى بذلك‏[ (2) ]، هل لكم أن تأخذوا رجلا منا فينظر في هذا الأمر؟ [ (1) ]و كان على الأردن حسان بن مالك بن بحدل، و قد أبى أن يبايع لابن الزبير و أرادها لخالد بن يزيد بن معاوية.

[ (2) ]كان موت يزيد بن معاوية و ارتباك الأسرة الأموية في معالجة النتائج السلبية التي انعكست

21

قالوا: نعم. فجاءوا إلى خالد بن يزيد بن معاوية، و هو غلام حدث السن، فقيل له: ارفع رأسك لهذا الأمر، فقال: أستخير اللََّه و انظر، فرأى القوم أنه ذو ورع عن القيام في ذلك، فخرجوا فأتوا عمرو بن سعيد، فقالوا له: يا أبا أمية، ارفع رأسك لهذا الأمر، فجعل يشير و يقول: و اللََّه لأفعلنّ لأفعلن، فلما خرجوا من عنده قالوا: هذا حديث علج. فأتوا مروان بن الحكم، فإذا عنده مصباح، و إذا هم يسمعون صوته بالقرآن، فاستأذنوا و دخلوا عليه، فقالوا له: يا أبا عبد الملك، ارفع رأسك لهذا الأمر، فقال: استخيروا اللََّه و اسألوه أن يختار لأمة محمد خيرها و أعدلها ما شاء اللََّه.

بيعة أهل الشام مروان بن الحكم‏

قال: و ذكروا أن روح بن زنباع قال لمروان بن الحكم: إن معي أربع مائة [ () ]عليها، عاملا دعم موقف و سياسة ابن الزبير الّذي خرج منتصرا من هزيمة عسكرية محققة و امتد نفوذه و انتشر.

و جاء الاختفاء الغامض لمعاوية بن يزيد ليزيد أزمة الأسرة الأموية خطورة و يفتح الصراعات بين الأجنحة الممثلة للسلطة الأموية على مختلف الاتجاهات و يضع الجميع على مفترق مصيري، حيث الفراغ في السلطة المركزية يقابله تمدد لنفوذ و سلطة ابن الزبير.

فبرز اتجاهان تجاذبا الصراع على النفوذ بعد ما تمزقت الجبهة الأموية نتيجة الصراعات القديمة الجديدة بين الأجنحة القبلية التي كانت تقوم عليها السلطة المركزية الأموية السفيانية، و تجلى هذا الصراع بين أجنحة ثلاثة كل منها يعمل لإيصال مرشحه للخلافة:

-جناح خالد بن يزيد بن معاوية ممثل الشرعية السفيانية.

-جناح مروان بن الحكم، شيخ بني العاص، و الّذي طرح مرشحه كمرشح تسوية أو إجماع.

-جناح عمرو بن سعيد الأشدق و كان الأضعف في مواجهة التيارين الآخرين.

كان هذا الصراع بين أجنحة الاتجاه اليمني-الكلبي.

و أما الاتجاه القيسي و بعد أن رأى تماسك الاتجاه الأول و حرصه على المحافظة على المعادلة التقليدية في الشام، تطلع إلى ابن الزبير و تحالف معه.

و في الاجتماع اليمني الّذي عقد في الجابية جرت التسوية بين أجنحة هذا الاتجاه الثلاثة فطرح مروان كمرشح تسوية على أن يكون خالد بن يزيد وليا للعهد فضلا عن تعيينه أميرا على حمص، و أعطيت للقطب الثالث عمرو بن سعيد ولاية عهد خالد و إمارة دمشق (انظر تفاصيل وافية أوردها د. إبراهيم بيضون في كتابه تكون الاتجاهات السياسية في الإسلام الأول ص 211 و ما بعدها، و مروج الذهب 3/103) . و اشترط حسان بن بحدل-و كان رئيس قحطان و سيدها بالشام-ما كان لهم من الشروط على معاوية و ابنه يزيد و ابنه معاوية منها: أن يفرض لهم لألفي رجل ألفين ألفين، و إن مات قام ابنه أو ابن عمه مكانه و على أن يكون لهم الأمر و النهي، و صدر المجلس، و كل ما كان من حل و عقد فعن رأي منهم و مشورة. فأجابه مروان إلى ما سأل. (مروج الذهب 3/104) .

22

رجل من جذام، و سآمرهم أن يبتدروا في المسجد غدا، فمر ابنك عبد العزيز أن يخطب، و يدعوهم إليك، و أنا آمرهم أن يقولوا صدقت، فيظنّ الناس أن أمرهم واحد، قال: فلما أصبح عبد العزيز خرج على الناس و هم مجتمعون، فقام:

فحمد اللََّه و أثنى عليه، ثم قال: ما أحد أولى بهذا الأمر من مروان بن الحكم، إنه لكبير قريش و شيخها، و أفرطها عقلا و كمالا، و دينا و فضلا، و الّذي نفسي بيده، لقد شاب شعر ذراعيه من الكبر. فقال الجذاميون: صدقت. فقال خالد بن يزيد: أمر قضي بليل. فبايعوا مروان بن الحكم. فقال عمرو بن سعيد للضحاك بن قيس: أ رضيت أن تكون بريدا لابن الزبير، و أنت أكبر قريش و سيدها، تعالى نبايعك، فخرج به إلى مرج راهط، فلما دعاه إلى البيعة اقتتلوا، فقتل الضحاك بن قيس، فقال عمرو بن سعيد لأهل الشام، ما صارت أيديكم إلا مناديل، من جاءكم مسح يده بها، إن مروان سيد قريش، و أكبرهم سنا، فبايعوا مروان بن الحكم، و قتل الضحاك بن قيس، و هزم أصحابه، و كانت قيس مع الضحاك، و كان اليمن مع عمرو بن سعيد[ (1) ]، فمكث مروان ما شاء اللََّه أن يمكث، ثم قال له أصحابه: و اللََّه ما نتخوّف إلا خالد بن يزيد بن معاوية، و إنك إن تزوجت أمه كسرته، و أمه ابنة[ (2) ]هاشم بن عتبة بن ربيعة، فخطبها مروان بن الحكم، فتزوّجها، و أقام بالشام، ثم أراد أن يخرج إلى مصر. فقال لخالد:

أعرني سلاحا إن كان عندك. قال: فأعاره سلاحا، و خرج إلى مصر، فقاتل أهل مصر، و سبى ناسا كثيرا، فافتدوا منه، ثم قدم الشام.

[ (1) ]أشرنا إلى أن الصراع قد فتح على مصراعيه بين الأجنحة القبلية الداعمة للأمويين و حدث من ذلك تحرك العصبية فكانت مرج راهط بين العصبيتين القيسية الممثلة بالتحالف بين الضحاك و الزبير و القبائل المنضوية تحت لواء الضحاك، و اليمنية التي تمثلت في الأجنحة المتحالفة بزعامة مروان بن الحكم. و كان أبرز نتائج هذه المعركة:

-انهزام الخط الزبيري الّذي أخفق في الاستقطاب القبلي.

-استمرارية النظام الأموي، عبر مرحلة انتقالية تمثلها خلافة مروان على أن تعود الخلافة للبيت السفياني ممثلا بخالد بن يزيد (حسب الاتفاق الّذي جرى بين أجنحة النظام الأموي- انظر ما لاحظناه قريبا) .

لكن مروان عمد إلى خرق هذا الاتفاق، من خلال تزوجه بأم خالد بن يزيد ليحط من قدره و يضعفه ثم مبادرته بعد ذلك إلى تعيين ولديه لولاية العهد مطوقا أية محاولة في المستقبل لانتزاع السلطة من بيت بني العاص أو بني مروان.

[ (2) ]هي فاختة بنت أبي هاشم بن عتبة (ابن الأثير-مروج الذهب) .

23

موت مروان بن الحكم‏

قال: و ذكروا أن مروان بن الحكم لما قدم الشام من مصر، قال له خالد بن يزيد بن معاوية: اردد إليّ سلاحي، فأبى عليه مروان، فألحّ عليه، و كان مروان فاحشا سبابا، و قال له يا بن الرّبوخ‏[ (1) ]، يا أهل الشام، إن أم هذا ربوخ، يا ابن الرطبة، قال: فجاء ابنها إليها قال: هذا ما صنعت بي، سبني مروان على رءوس أهل الشام و قال: هذا ابن الرّبوخ. قال: و كان مروان استخلف حين خرج إلى مصر ابنه عبد الملك و عبد العزيز أنهما يكونان بعده، و بايع لهما أهل الشام، فلبث مروان بعد ذلك ليالي، بعد ما قال لخالد بن يزيد ما قال، ثم جاء إلى أمّ خالد فرقد عندها، فأمرت جواريها فطوين عليه الشوادك‏[ (2) ]، ثم غطته حتى قتلته‏[ (3) ]، ثم خرجن يصحن و يشققن جيوبهنّ، يا أمير المؤمنين. قال: فقام عبد الملك، فبايع لنفسه، و وعد عمرو بن سعيد أن يستخلفه، فبايعه و أقاموا بالشام.

بيعة عبد الملك بن مروان و ولايته‏

قال: و ذكروا أن عبد الملك بن مروان بايع لنفسه بالشام، و وعد الناس خيرا، و دعاهم إلى إحياء الكتاب و السنة، و إقامة العدل و الحقّ، و كان معروفا بالصدق، مشهورا بالفضل و العلم، لا يختلف في دينه، و لا ينازع في ورعه، فقبلوا ذلك منه، و لم يختلف عليه من قريش أحد، و لا من أهل الشام. فلما تمت بيعته خالفه عمرو بن سعيد الأشدق‏[ (4) ]، فوعده عبد الملك أن يستخلفه بعده، فبايعه على ذلك، و شرط عليه أن لا يقطع شيئا دونه، و لا ينفذ أمرا إلا [ (1) ]الربوخ: المرأة يغشى عليها عند الجماع.

[ (2) ]الشوادك جمع شودكان و هو الشبكة و أداة السلاح.

[ (3) ]و قيل في قتله غير ذلك: في الأخبار الطوال ص 285: سقته السم، فلما أحس بالموت جمع بني أمية و أشراف أهل الشام فبايع لابنه عبد الملك. و في ابن الأثير 2/647 غطته بوسادة حتى قتلته.

و في مروج الذهب 3/107 وضعت على نفسه وسادة و قعدت فوقها مع جواريها حتى مات، و قيل: أعدت له لبنا مسموما، و انظر تاريخ اليعقوبي 2/257 و البداية و النهاية 8/282.

[ (4) ]قال الطبري إن خلاف عمرو بن سعيد على عبد الملك كان سنة 68 و قيل في رواية أخرى عنده في سنة 70. و انظر خبر خلافه على عبد الملك في الأخبار الطوال ص 286 و شروط الصلح بينهما، و انظر تاريخ اليعقوبي 2/270.

24

بمحضره، فأعطاه ذلك. ثم إن عبد الملك بعث حبيش بن دلجة القيسي إلى المدينة، في سبعة آلاف رجل، فدخل المدينة، و جلس على المنبر الشريف، فدعا بخبز و لحم، فأكل على المنبر، ثم أتي بماء فتوضأ على المنبر.

قال أبو معشر: فحدثني رجل من أهل المدينة يقال له أبو سلمة، قال:

شهدت حبيش بن دلجة يومئذ، و قد أرسل إلى جابر بن عبد اللََّه الأنصاريّ، فدعاه فقال: تبايع لعبد الملك أمير المؤمنين بالخلافة، عليك بذلك عهد اللََّه و ميثاقه و أعظم ما أخذ اللََّه على أحد من خلقه بالوفاء، فإن خالفت فأهرق اللََّه دمك على الضلالة. فقال له جابر بن عبد اللََّه: إنك أطوق لذلك مني، و لكني أبايعه على ما بايعت عليه رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم يوم الحديبيّة، على السمع و الطاعة. قال: ثم أرسل إلى عبد اللََّه بن عمر، فقال له: تبايع لعبد اللََّه عبد الملك أمير المؤمنين على السمع و الطاعة؟فقال ابن عمر: إذا اجتمع الناس عليه بايعت له إن شاء اللََّه. ثم خرج ابن دلجة من يومه ذلك نحو الرَّبَذَة[ (1) ]، و قام في أثره رجلان: أحدهما على أثر الآخر، مع كل واحد منهما جيش، و كل واحد منهما يصعد المنبر و يخطب، ثم خرجوا جميعا إلى الرَّبَذَة، و ذلك في رمضان، سنة خمس و ستين، فاجتمعوا بها، و أميرهم ابن دلجة.

و كتب ابن الزبير إلى عباس بن سهل الساعدي بالمدينة: أن سر إلى حبيش ابن دلجة و أصحابه في ناس، فسار حتى لقيهم بالربذة في شهر رمضان، و بعث الحارث بن عبد اللََّه بن أبي ربيعة من البصرة[ (2) ]، مددا إلى عباس بن سهل حنيف بن السجف في تسع مائة رجل، فساروا حتى انتهوا إلى الرَّبَذَة، فبات أهل البصرة و أهل المدينة يقرءون القرآن، و يصلون ليلتهم حتى أصبحوا، و بات الآخرون في المعازف و الخمور، فلما أصبحوا قال لهم حبيش بن دلجة: أهريقوا ماءكم، حتى تشربوا من سويقكم المعتد[ (3) ]فأهرقوا الماء، و غدوا إلى القتال، فقتل حبيش، و من معه من أهل الشام، و تحصن من أهل الشام، خمس مائة رجل على عمود الرَّبَذَة، و هو الجبل الّذي عليها. قال: و كان يوسف أبو الحجاج مع [ (1) ]الرَّبَذَة: بفتح الراء و الباء و الذال، موضع قرب المدينة.

[ (2) ]و كان واليا على البصرة لابن الزبير.

[ (3) ]في الطبري: من مقندهم يعني السويق الّذي فيه القند.

25

ابن دلجة، قال: و أحاط بهم عباس بن سهل، فقال: انزلوا على حكمي، فنزلوا على حكمه، فضرب أعناقهم أجمعين‏[ (1) ].

غلبة ابن الزبير على العراقيين و بيعتهم‏

قال: و ذكروا أن عباس بن سهل، لما فرغ من قتال أهل الشام، رجع المدينة فجدّد البيعة لابن الزبير، فسارعوا إليها، و لم يتثبطوا، و قدم أهل البصرة على ابن الزبير بمكة فكانوا معه، و كان عبد اللََّه بن الزبير استعمل الحارث بن عبد اللََّه بن أبي ربيعة على البصرة، فلما قدمها قيل له: إن الناس يقطعون الدراهم يجعلونها حتى كأنها أصفار. فقال لهم: هلمّ بسبعة ثقالا، فأتوه بسبعة ثقال. فقال: هذه بعشرة، فزنوا كيف شئتم. قال: و أتوا بالمكيال الّذي يكيلون به، فقال: هذا قريب صالح. ثم قيل له: إن أهل البصرة لا يصلحهم إلا القتل.

فقال: لأن تفسد البصرة أحبّ إليّ من أن يفسد الحرث و النسل. قال: فبعث ابن الزبير حمزة بن عبد اللََّه بن الزبير إلى البصرة عاملا، فاستحقره أهل البصرة[ (2) ]، فبعث مصعب بن الزبير، فقدم عليهم، فقال أهل البصرة: لا يقدم عليكم أحد إلا لقبتموه، و أنا ألقب لكم نفسي، أنا القصّاب‏[ (3) ]. ثم سار إلى المختار فقتله.

بيعة أهل الكوفة لابن الزبير و خروج ابن زياد عنها

قال: و ذكروا عن بعض المشيخة من أهل العلم بذلك، قالوا: كان ابن زياد أوّل من ضمّ إليه الكوفة و البصرة، و كان أبوه زياد كذلك قبله، فلم يزل عبيد اللََّه يتبع الخوارج و يقتلهم، و يأخذ على ذلك الناس بالظنّ، و يقتلهم بالشبهة، و استعمد إلى عامتهم، و كان بعضهم له على ما يحبّ. قال: فلما اختلف أمر الناس، و مات يزيد، و امتدّ سلطان ابن الزبير، و غلظ شأنه و عظم أمره، و خلع أهل البصرة طاعة بني أمية، و بايعوا ابن الزبير، خرج عبيد اللََّه بن زياد إلى المسجد، فقام خطيبا، فحمد اللََّه و أثنى عليه، و قال: أيها الناس، إن [ (1) ]زيد في الطبري: و رجع فلّ حبيش إلى الشام.

[ (2) ]لقبه أهل البصرة بقعيقعان (انظر سبب هذه التسمية في معجم البلدان) و استضعفوه و لم يرتضوا به أميرا عليهم، فكتب إلى أبيه يستعفيه من الولاية فعزله و أرسل مكانه مصعب.

[ (3) ]في الطبري: الجزار.

26

الّذي كنا نقاتل على طاعته قد مات، و اختلف أمر الناس، و تشتتت كلمتهم، و انشقت عصاهم، فإن أمّرتموني عليكم حبّبت فيكم، و قاتلت بكم عدوكم، و حكمت بينكم، و أنصفت مظلومكم، و أخذت على يد ظالمكم حتى يجتمع الناس على خليفة[ (1) ]. فقام‏[ (2) ]يزيد بن الحارث بن رويم اليشكري و قال: الحمد للََّه الّذي أراحنا من بني أمية و أخزى ابن سمية، لا و اللََّه و لا كرامة، فأمر به عبيد اللََّه‏[ (3) ]فلبّب، ثم انطلق به إلى السجن، فقامت بكر بن وائل، فحالت بينه و بين ذلك. ثم خرج الثانية عبيد اللََّه بن زياد إلى المنبر، فخطب الناس، فحصبه الناس و رموه بالحجارة و سبوه، و قام قوم فدنوا منه، فنزل فاجتمع الناس في المسجد. فقالوا: نؤمر رجلا حتى تجتمع الناس على خليفة، فاجتمع رأيهم على أن يؤمروا عمرو[ (4) ]بن سعد بن أبي وقاص و كان الذين قاموا بأمره هذا الحيّ الّذي من كندة، فبينما هم على ذلك إذ أقبل النساء يبكين و ينعين الحسين، و أقبلت همدان حتى ملئوا المسجد، فأطافوا بالمنبر متقلدين السيوف، و أجمع رأي أهل البصرة و الكوفة على عامر بن مسعود بن أمية بن خلف، فأمّروه عليهم حتى يجتمع الناس، و كتبوا إلى عبد اللََّه بن الزبير يبايعونه بالخلافة، فأقره عبد اللََّه بن الزبير عاملا عليهم نحوا من سنة[ (5) ]، و استعمل العمال في الأمصار، [ (1) ]في الطبري و ابن الأثير و المسعودي: ذكروا أنه بعد موت يزيد و خطبة ابن زياد في الناس أجمع أهل البصرة على مبايعته و قالوا (رواية المسعودي) : ما نعلم ذلك الرجل غيرك أيها الأمير و أنت أحق من قام على أمرنا حتى يجتمع الناس على خليفة.

[ (2) ]بعد انقياد أهل البصرة لابن زياد أرسل إلى الكوفة إلى عمرو بن حريث يعلمه خبر موت يزيد و يدعوهم إلى البيعة كما صنع أهل البصرة فقام عمرو و رسولا ابن زياد يعلمون الناس بالأمر و يدعوهم إلى ما دخل فيه أهل البصرة فقام (في الكوفة) عندئذ يزيد بن الحارث بن يزيد الشيبانيّ و هو ابن رويم و قال قوله (الطبري 5/524 ابن الأثير 2/607 مروج الذهب 3/101-102) .

[ (3) ]كذا بالأصل و مروج الذهب، و هو «عمر» على الصواب. و هو الّذي قاد عسكر ابن زياد و قاتل الحسين بن علي.

[ (4) ]في الطبري: «عمرو» و هو عمرو بن حريث خليفة عبيد اللََّه على الكوفة.

[ (5) ]قال الطبري 5/527 اجتمعوا على عبد الملك بن عبد اللََّه بن عامر شهرا، ثم جعلوا ببة- عبد اللََّه بن الحارث بن عبد المطلب-شهرين، ثم قدم عليهم عمر بن عبيد اللََّه بن معمر من قبل ابن الزبير فمكث شهرا، ثم قدم الحارث بن عبد اللََّه بن أبي ربيعة المخزومي و هو القباع.

و ذلك على مدينة البصرة.

أما على الكوفة فقد مكث فيهم عامر بن مسعود ثلاثة أشهر ثم قدم عليهم عبد اللََّه بن يزيد الأنصاري الخطميّ على الصلاة، و إبراهيم بن محمد بن طلحة بن عبيد اللََّه على الخراج. ـ

27

فبلغ أهل البصرة ما صنع أهل الكوفة، فاجتمعوا و أخرجوا الريات، فلم يبق أحد إلا خرج، و ذلك لسوء آثار عبيد اللََّه بن زياد فيهم، يطلبون قتله. ثم قام ابن أبي ذؤيب فقال: يا هؤلاء من ينصر اللََّه ينصر الكعبة، من يغار على ابن سمية، سارعوا أيها الناس إلى مغفرة من ربكم و جنة عرضها السموات و الأرض، و اجتنبوا هذه الدعوة، و أقيموا أود هذه البيعة، فإنّها بيعة هدى، فإنه من قد علمتهم عبد اللََّه بن الزبير حواريّ رسول اللََّه صلى اللََّه عليه و سلم و ابن عمته و ابن أسماء بنت أبي بكر الصدّيق، أما و اللََّه لو أن أبا بكر علم أنه بقي على الأرض من هو خير منه و أولى بهذه البيعة، ما مدّ يده، و لا نازعته إليها نفسه، أما و اللََّه لقد علمتم ما أحد على وجه الأرض خير و لا أحق بها إلا هذا الشيخ عبد اللََّه بن عمر، المتبرئ من الدنيا، المعتزل عن الناس الكاره لهذا الأمر، ثم خرجت الخوارج من سجون عبيد اللََّه بن زياد، و اجتمعوا على حدة، و القبائل كل قبيلة في المسجد معتزلة على حدة، و عبيد اللََّه بن زياد في القصر، و قد أخذ بأبوابه و قد تمنع أن يدخل القصر أحد، و قد أخذت العرب بأفواه السكك و الدروب، و كان عبيد اللََّه أول من جفا العرب، و أخذ منهم المحاربة اثني عشر ألفا ليعتزّ بهم، فو اللََّه ما زادوه إلا ذلا، فلما رأى ذلك عبيد اللََّه بن زياد لم يدر كيف يصنع، و خاف تميما و بكر بن وائل أن يستجير بهم و لم يأمن غدرهم، فأرسل إلى الحارث بن قيس الجهمي‏[ (1) ]من الأزد، فدخل عليه الحارث، فقال:

يا حارث، قد أكرمتم زيادا، و حفظتم منه ما كنتم أهله، و قد استجرت بكم، فأنشدكم اللََّه فيّ. قال الحارث: أخاف أن لا تقدر على الخروج إلينا لما أرى من سوء رأي العامة فيك مع سوء آثارك في الأزد. قال: فتهيأ عبيد اللََّه، فلبس لبس امرأة في خمرتها و عقيصتها، فأردفه الحارث خلفه، فخرج به على الناس فقالوا: يا حارث ما هذه؟قال: تنحوا رحمكم اللََّه، هذه امرأة من أهلي، كانت زائرة لأهل ابن زياد، أتيت أذهب بها. فقال عبيد اللََّه للحارث: أين نحن؟قال:

في بني سليم، فقال: سلمنا اللََّه. قال: ثم سار قليلا، ثم قال: أين نحن؟قال:

في بني ناجية من الأزد، قال: نجونا إن شاء اللََّه‏[ (2) ]. قال: فأتى به مسعود بن [ (1) ]هو الحارث بن قيس بن صهبان بن عون بن علاج بن مازن بن أسود بن جهضم بن جذيمة بن مالك بن فهم.

[ (2) ]زيد في الأخبار الطوال ص 282 ثم سارا حتى انتهيا إلى الأزد و انظر الطبري 5/510 و ابن الأثير 2/608.

28

عمرو و هو يومئذ سيد الأزد، فقال: يا أبا قيس؟قد جئتك بعبيد اللََّه مستجيرا.

قال: و لم جئتني بالعبد؟قال: نشدتك اللََّه، فقد اختارك على غيرك، فلما رآهم عبيد اللََّه يتراضون و يتناشدون، قال: قد بلغني الجهد و الجوع، فقال مسعود: يا غلام: ائت البقال، فأتنا من خبزه و تمره. قال: فجاء به الغلام فوضع. قال:

فأكل، و إنما أراد ابن زياد أن يتحرّم بطعامه. ثم قال: أدخل فدخل، و منارات الناس يومئذ من القصب، و كان منزل مسعود يومئذ قاصيا. قال: فكأن عبيد اللََّه خاف. فقال: يا غلام، اصعد إلى السطح بحزمة من قصب، فأشعل أعلاه نارا، ففعل ذلك في جوف الليل، فأقبلت الأزد على الخيل و على أرجلها حتى شحنوا السكك و ملئوها. فقالوا: ما لسيدنا؟قال: شي‏ء حدث في الدار. قال: فعرف عبيد اللََّه عزّته و رفعته، و ما هو عليه. قال: هذا و اللََّه العز و الشرف، فأقام عنده أياما، و عنده امرأتان امرأة من الأزد، و امرأة من عبد قيس، فكانت العبدية تقول:

أخرجوا العبد و كانت الأزدية تقول: استجار بك على بغضه إياك، و جفوته لك، و تحدث الناس أنه لجأ إلى مسعود بن عمرو، فاجتمعت القبائل في المسجد و الخوارج، و هم في أربعة آلاف، فقال مسعود: ما أظنني إلا خارجا إلى البصرة معتذرا إليهم من أمر عبيد اللََّه. ثم قال: و كيف آمن عليه و هو في منزلي، و لكني أبلغه مأمنه، ثم أعتذر إليهم. قال: و كان مسعود قد أجار عنده ابن زياد أربعين ليلة. قال: فأقبل مسعود يوما على برذون له، و حوله عدة من الأزد عليهم السيوف، و قد عصب رأسه بسير أحمر، قال الهيثم: فقلت لابن عباس: لم عصب رأسه بسير أحمر؟قال: قد سألت عن ذلك قبلك. فقال شيخ من الأزد، كان ضخم الهامة، و كانت له ضفيرتان، فعصب لذلك بالسير. قال ابن عباس:

فذكرت ذلك لعمرو بن هرم، و كان معنا بواسط. فقال: حدثك من لا يعرف هذا شي‏ء كانت العرب تصنعه إذا أراد الرجل الاعتذار من الذنب، عصب السير ليعلموا أنه معتذر. قال: فأقبل مسعود حتى انتهى إلى باب المسجد، و معه أصحابه رجّالة، بين يديه و خلفه و كان كبيرا فلم يستطع النزول و القبائل في المسجد بأجمعها، فدخل المسجد بدابته، فبصرت به الخوارج، فظنوا أنه عبيد اللََّه، فأقبلوا نحوه متقلدين السيوف، و جال الناس جولة، فضربوه بأسيافهم حتى مات. قتله نفر من بني حنيفة من الخوارج، و جال الناس و نهضوا من مجالسهم، و بلغ ذلك الأزد، فأقبلوا على كل صعب و ذلول، و أقبل عباد بن الحصين لينظر إلى عبيد اللََّه فإذا هو بمسعود. فقال: مسعود و ربّ الكعبة، إِنََّا لِلََّهِ‏

29

وَ إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ ، أبا قيس قد وفيت، ما كان أغنى أهل مصرك بما صنعت من ذلك، فجعتهم بنفسك. ثم ألقي عليه كساءه، ثم أقبلت الأزد، فكان بينهما و بين مضر ما وقع ذكره في غير هذا الكتاب حتى اصطلحوا، و تراضوا على بيعة ابن الزبير. قال الهيثم: قال ابن عباس: حدثني عوكل اليشكري‏[ (1) ]قال: إنا مع عبيد اللََّه بن زياد في ليلة مظلمة، فإذا نحن بنار من بعد. فقال عبيد اللََّه: يا عوكل كيف الطريق؟قال: اجعل النار على حاجبك، فقال: بل على حاجبك. قال عوكل: فو اللََّه إنا لنسير بالسمارة[ (2) ]، إذ قال عبيد اللََّه: قد كرهت البعير، فابغوا لي ذا حافر. قال‏[ (3) ]: فإذا نحن بأعرابيّ من كلب معه حمار أقمر ضخم. فقلت:

تبيعه بكم؟فقال: بأربع مائة درهم، لا أنقصكم درهما، فأشار إلينا عبيد اللََّه أن خذوه. قال: فجعلنا ننقده الدراهم. قال: لست أدري ما هذه؟و لكن بيني و بينكم هذا المولى، يعني عبيد اللََّه بن زياد، و كان عبيد اللََّه أحمر أقمر، شبيها بالموالي. قال: فأخذناه منه فقال عبد اللََّه: ارحلوا لي عليه، فرحلنا له عليه، فلما قدم ليركب، قال الأعرابي: أنا أقسم باللََّه إن لكم لشأنا، و ما أظن صاحبكم إلاّ والي العراق، فاستقفاه عبيد اللََّه بالعصا، فضربه بها، فوقع، ثم شدوه وثاقا.

قال: و جعلوا يتجنبون المياه. قال عوكل: ثم إن عبيد اللََّه بينا هو على راحلته، إذ هجعت عينه. فقلت له: أراك نائما. فقال: ما كنت بنائم. فقلت له: ما أعلمني بما كنت تحدث به نفسك قال: و بأي شي‏ء كنت أحدث نفسي؟قال: قلت:

ليتني لم أبن البيضاء[ (4) ]، و لم أستعمل الدهاقين‏[ (5) ]، و ليتني لم أتخذ المحاربة، قال: ما خطر لي هذا على بال، أما قولك: ليتني لم أبن البيضاء، فما كان عليّ منها إثم، بناها اليزيد من ماله‏[ (6) ]، و أما استعمال الدهاقين، فقد استعملهم أبي [ (1) ]في الطبري: يساف بن شريح اليشكري، و في ابن الأثير: مسافر بن شريح اليشكري.

[ (2) ]السمارة: كذا بالأصل تحريف. و الصواب: السماوة بادية بين الكوفة و الشام (معجم البلدان) .

[ (3) ]في الطبري و ابن الأثير: فجعلوا له قطيفة على حمار، فركبه. زيد في الطبري: و إن رجليه لتكادان تخدان في الأرض.

[ (4) ]البيضاء (القصر الأبيض) دار كانت لعبيد اللََّه بن زياد بالبصرة.

[ (5) ]الدهاقين جمع دهقان و هو رئيس التجار.

[ (6) ]في الطبري و ابن الأثير: اشتريتها من عبد اللََّه بن عثمان الثقفي و أرسل إلى يزيد بألف ألف فأنفقتها عليها. فإن بقيت فلأهلي، و إن هلكت لم آس عليها مما لم أعنف فيه.

30

و من كان قبله‏[ (1) ]، و أما المحاربة: فو اللََّه ما اتخذتهم إلا وقاية، لأني كنت أقتل بهم أهل المعصية، فلو أمرت عشائرهم بهم لم يقتلوهم و لشق ذلك عليهم، فجعلت ذلك بيني و بينهم، من لا آل بينه و بينهم، و لكني كنت أحدث نفسي أني ندمت على تركي أربعة آلاف في السجن من الخوارج، فوددت أني كنت أضرمت البيضاء عليهم، حتى أتي على آخرهم و وددت أني جمعت آل بيتي و موالي، و نابذت أهل المصر على سواء، حتى يموت الأعجل‏[ (2) ]، و وددت أني قدمت الشام و لم يبايع أهلها بعد[ (3) ].

قتل المختار عمرو[ (4) ]بن سعد

قال: و ذكروا أن المختار بن أبي عبيد كتب إلى عبد اللََّه بن الزبير من الكوفة[ (5) ]، و قال لرسوله: إذا جئت مكة فدفعت كتابي إلى عبد اللََّه بن الزبير، فأت المهدي محمد بن عليّ، و هو ابن الحنفية، فاقرأ عليه مني السلام، و قل له:

يقول لك أخوك أبو إسحاق: إني أحبك، و أحبّ أهل بيتك، قال: فأتاه الرسول فقال له ذلك. قال: كذبت، و كذب أبو إسحاق معك، كيف يحبني و يحبّ أهل بيتي، و هو يجلس عمرو[ (4) ]بن سعد بن أبي وقاص على وسائده‏[ (6) ]، و قد قتل الحسين بن عليّ أخي. قال: فلما قدم عليه رسوله أخبره بما قال محمد بن [ (1) ]في الطبري و ابن الأثير: و أما استعمال الدهاقين: فإن عبد الرحمن بن أبي بكرة و زاذان فروخ وقعا فيّ عند معاوية فبلغا بخراج العراق مائة ألف ألف فخيرني معاوية بين الضمان و العزل، فكرهت العزل، فكنت إذا استعملت الرجل من العرب فكسر الخراج، فتقدمت إليه أو أغرمت صدور قومه، أو أغرمت عشيرته أضررت بهم، و إن تركته تركت مال اللََّه و أنا أعرف مكانه فوجدت الدهاقين أبصر بالجباية و أوفى بالأمانة و أهون في المطالبة.

[ (2) ]زيد في الطبري: و لقد حرصت على ذلك و لكن بني زياد أتوني فقالوا: إنك إذا قاتلتهم فظهروا عليك لم يبقوا منا أحد.

[ (3) ]الخبر في الطبري 5/522-523 ابن الأثير 2/612 الأخبار الطوال ص 284 ابن الأعثم 5/308 و زيد في المصادر: (رواية الطبري) : فقدم الشام و لم يبرموا أمرا، و قال بعضهم:

قدم الشام و قد أبرموا، فنقض ما أبرموا إلى رأيه.

[ (4) ]كذا بالأصل «عمرو» خطأ، و الصواب «عمر» .

[ (5) ]كان المختار قد أقام مع ابن الزبير حتى هلك يزيد بن معاوية، و انقضى الحصار، و كانت إقامته معه خمسة أشهر و أياما بعد مهلك يزيد. و لما رآه لا يستعمله وثب قاصدا الكوفة، و بعد ما قدمها أخرج منها عامل ابن الزبير عبد اللََّه بن مطيع.

[ (6) ]و كان المختار قد كتب لعمر بن سعد كتابا أمنه فيه. انظر نسخة الكتاب في الطبري 6/60 و الفتوح لابن الأعثم 6/122.

31

عليّ. فقال المختار لأبي عمرو صاحب حرسه: استأجر لي نوائح يبكين الحسين على باب عمرو[ (1) ]بن سعد بن أبي وقاص. قال: ففعل، فلما جئن يبكين الحسين، قال عمرو[ (1) ]لابنه حفص: يا بنيّ ائت الأمير، فقل له: ما شأن النوائح يبكين الحسين على بابي؟قال: فأتاه فقال له ذلك، فقال له: إنه أهل أن يبكى عليه، فقال: أصلحك اللََّه، انههن عن ذلك. قال: نعم. ثم دعا أبا عمرو[ (2) ]، فقال: اذهب إلى عمرو[ (1) ]بن سعد فأتني برأسه، قال: فأتاه، فقال: قم إليّ أبا حفص، فقام إليه و هو ملتحف، فجلله بالسيف، ثم جاء برأسه إلى المختار، و حفص جالس عنده على الكرسي، فقال: هل تعرف هذا الرأس؟قال: نعم، رحمة اللََّه عليه، قال: أ تحبّ أن ألحقك به؟قال: و ما خير الحياة بعده‏[ (3) ]. قال:

فضرب رأسه فقتله.

قال: ثم أرسل عبد اللََّه بن الزبير يزيد بن زياد على العراق، فكان بالكوفة حتى مات يزيد، و أحرقت الكعبة، و رجع الحسين هاربا إلى الشام. قال: ثم أرسل عبد اللََّه بن مطيع إلى الكوفة، ثم بعث المختار بن أبي عبيد على الكوفة، و عزل عبد اللََّه بن مطيع، و سيره إلى المدينة، و سار عبيد اللََّه بن زياد بعد ذلك إلى المختار، وجهه عبد الملك بن مروان أميرا على العراق، و ندب معه جيشا عظيما من أهل الشام، فأقبل إلى الكوفة يريد المختار، فالتقوا بجازر[ (4) ]، فاقتتلوا، فقتل المختار عبيد اللََّه بن زياد و من معه، و كان معه الحصين بن نمير، و ذو الكلاع‏[ (5) ]، و غلبة من كان معه ممن شهد وقعة الحرّة من رءوسهم.

قتل مصعب بن الزبير المختار بن أبي عبيد اللََّه‏

قال: و ذكروا أن أبا معشر، قال: لما قتل عبيد اللََّه بن زياد و من معه، [ (1) ]الصواب (عمر) و قد تقدم.

[ (2) ]في الطبري: أبا عمرة، و كان صاحب شرطته. و اسمه كيسان (الأخبار الطوال) .

[ (3) ]في الطبري: و لا خير في العيش بعده.

[ (4) ]في الطبري و ابن الأثير: الخازر. و جازر: قرية من نواحي النهروان. من أعمال بغداد قرب المدائن. و الخازر: نهر بين اربل و الموصل.

قال ياقوت في معجم البلدان: و هو موضع كانت عنده موقعة بين عبيد اللََّه بن زياد و إبراهيم بن مالك الأشتر النخعي في أيام المختار، و يومئذ قتل ابن زياد الفاسق و ذلك في سنة 66 للهجرة.

[ (5) ]هو شرحبيل بن ذي الكلاع.

32

ارتضى أهل البصرة عبد اللََّه بن الحارث بن نوفل، فأمّروه على أنفسهم، ثم أتى عبد اللََّه بن الزبير، و أمّ عبد اللََّه بن الحارث‏هند بنت أبي سفيان، و كانت أمه تنبزه و هو صغير بببه، فلقب بببه، ثم بعث عبد اللََّه بن الزبير الحارث بن عبيد اللََّه بن أبي ربيعة عاملا على البصرة، ثم بعث حمزة بن الزبير بعده، ثم بعث مصعب بن الزبير أخاه، و ضمّ إليه العراقين جميعا الكوفة و البصرة، فلما ضمّ إليه الكوفة، و عزل المختار عنها خلع المختار عبد اللََّه بن الزبير بالكوفة[ (1) ]، و دعا إلى آل الرسول، و أراد أن يعقد البيعة لمحمد بن الحنفية، و يخلع عبد اللََّه بن الزبير.

فكتب عبد اللََّه إلى أخيه مصعب، أن سر إلى المختار بمن معك، ثم لا تبلعه ريقه، و لا تمهله حتى يموت الأعجل منكما، فأتاه مصعب بمن معه فقاتله ثلاثة أيام حتى هزمه و قتله، و بعث مصعب برأس المختار إلى أخيه. و قتل مصعب أصحاب المختار، قتل منهم ثمانية آلاف صبرا[ (2) ]، ثم قدم حاجا في سنة إحدى و سبعين، فقدم على أخيه عبد اللََّه بن الزبير، و معه رؤساء العراق و وجوههم و أشرافهم. فقال: يا أمير المؤمنين قد جئتك برؤساء أهل العراق و أشرافهم، كلّ مطاع في قومه، و هم الذين سارعوا إلى بيعتك، و قاموا بإحياء دعوتك، و نابذوا أهل معصيتك، و سعوا في قطع عدوّك، فأعطهم من هذا المال، فقال له عبد اللََّه بن الزبير: جئتني بعبيد أهل العراق و تأمرني أن أعطيهم مال اللََّه!لا أفعل، و ايم اللََّه لوددت أني أصرفهم كما تصرف الدنانير بالدراهم: عشرة من هؤلاء برجل من أهل الشام. قال: فقال رجل منهم‏[ (3) ]: علقناك‏[ (4) ]و علقت أهل [ (1) ]لم يرد في رواية الطبري أو ابن الأثير أن ابن الزبير عزل المختار عن الكوفة مع الإشارة إلى أنه قد اشتد عليه ما آل إليه أمر المختار و ضاقت عليه الأرض بما رحبت و هو يرى غلبة المختار على البلاد.

و يستفاد من رواية الطبري و ابن الأثير أنه هرب ألوف من الكوفيين بعد معركة جبانة السبيع إلى مصعب بن الزبير و سألوه المسير إلى المختار. و ثمة رواية أخرى عندهما أن المختار إنما أظهر الخلاف لابن الزبير عند قدوم مصعب البصرة و تخوفه منه.

[ (2) ]في الطبري و ابن الأثير: ستة آلاف رجل. و في الأخبار الطوال: ستة آلاف: ألفان من العرب، و أربعة آلاف من العجم، و في مروج الذهب: سبعة آلاف. و في العقد الفريد:

ثلاثة آلاف.

و كان قتل المختار لأربع عشرة خلت من رمضان سنة 67.

[ (3) ]هو عبيد اللََّه بن ظبيان. و زيد في العقد الفريد: قال: فإن مثلنا و مثلك و مثل أهل الشام كما قال أعشى بكر بن وائل:

علقتها عرضا و علقت رجلا # غيري و علّق أخرى غيرها الرجل‏

أي أحببناك نحن و أحببت أنت أهل الشام، و أحب أهل الشام عبد الملك.

[ (4) ]علقناك: أي أحببناك و بايعناك، و علقت أهل الشام: أي أحببتهم و فضلتهم علينا.

33

الشام، ثم انصرفوا عنه و قد يئسوا مما عنده، لا يرجون رفده، و لا يطمعون فيما عنده، فاجتمعوا و أجمعوا رأيهم على خلعه، فكتبوا إلى عبد الملك بن مروان أن أقبل إلينا[ (1) ].

خلع ابن الزبير

قال: و ذكروا أن أبا معشر قال: لما أجمع القوم على خلع ابن الزبير، و كتبوا إلى عبد الملك بن مروان، أن سر إلينا، فلما أراد عبد الملك أن يسير إليهم، و خرج من دمشق‏[ (2) ]، فأغلق عمرو بن سعيد باب دمشق‏[و خالف عليه‏]، فقيل لعبد الملك ما تصنع؟أ تذهب إلى أهل العراق، و تدع دمشق؟أهل الشام أشدّ عليك من أهل العراق. فأقام مكانه، فحاصر أهل دمشق أشهرا، حتى صالح عمرو بن سعيد، على أنه الخليفة بعده، ففتح دمشق‏[ (3) ]، ثم أرسل عبد الملك إلى عمرو، و كان بيت المال في يد عمرو، أن أخرج للحرس أرزاقهم. فقال عمرو: إن كان لك حرس فإن لنا حرسا، فقال عبد الملك:

أخرج لحرسك أرزاقهم أيضا.

قتل عبد الملك عمرو بن سعيد

قال: و ذكروا أن أبا معشر قال: لما اصطلح عبد الملك و عمرو بن سعيد على أنه الخليفة بعده أرسل عبد الملك إلى عمرو بن سعيد نصف النهار[ (4) ]أن ائتني أبا أمية. قال: فخرج ليأتيه، فقالت له امرأته: لا تذهب إليه فإنّي أتخوفه عليك، و إني لأجد ريح دم مسفوح. قال: فما زالت به حتى ضربها بقائم سيفه، فشجها، فتركته، فأخرج معه أربعة آلاف‏[ (5) ]رجل من أهل دولته، لا يقدر على [ (1) ]الخبر في روايتين في العقد الفريد 2/98 و 4/406 باختلاف.

[ (2) ]في العقد الفريد 4/408 فلما كان من دمشق على ثلاث مراحل.

[ (3) ]تقدمت الإشارة إلى الاتفاق بين عبد الملك و عمرو بن سعيد. و انظر الطبري 6/140 و ابن الأثير 3/32 و العقد الفريد 4/408.

[ (4) ]في الطبري و ابن الأثير: بعد دخول عبد الملك دمشق بأربعة أيام. و في العقد الفريد: فلما كان يوم من الأيام.

[ (5) ]في الطبري و ابن الأثير: في مائة من مواليه.

34

مثلهم، متسلحين، فأحدقوا بخضراء دمشق، و فيها عبد الملك بن مروان. فقالوا لعمرو: إن دخلت على عبد الملك يا أبا أمية و رابك منه شي‏ء فأسمعنا صوتك، فقال لهم: إن خفي عليكم صوتي و لم تسمعوه، فالزوال بيني و بينكم ميعاد، إن زالت الشمس و لم أخرج إليكم، فاعلموا أني مقتول أو مغلوب، فضعوا أسيافكم و رماحكم حيث شئتم و لا تغمدوا سيفا حتى تأخذوا بثأري من عدوّي. قال:

فدخل، و جعلوا يصيحون: يا أبا أمية، أسمعنا صوتك. و كان معه غلام أسحم شجاع. فقال له: اذهب إلى الناس فقل لهم: ليس عليه بأس، ليسمع عبد الملك أن وراءه ناسا، فقال له عبد الملك: أ تمكر يا أبا أمية عند الموت! خذوه، فأخذوه، فقال له: إن أمير المؤمنين قد أقسم ليجعلنّ في عنقك جامعة منه، ثم نتر إلى الأرض نترة، فكسرت ثنيته. قال: فجعل عبد الملك ينظر إليه.

فقال عمرو: لا عليك يا أمير المؤمنين عظم انكسر[ (1) ]. فقال عبد الملك لأخيه عبد العزيز: اقتله حتى أرجع إليك. قال: فلما أراد عبد العزيز أن يضرب عنقه، قال له عمرو: تمسك بالرحم يا عبد العزيز أنت تقتلني من بينهم فتركه، فجاء عبد الملك فرآه جالسا، فقال له: لم لا تقتله؟لعنه اللََّه و لعن أما ولدته!قال: فإنه قال: تمسك بالرحم فتركته. قال: فأمر رجلا عنده يقال له ابن الزويرع‏[ (2) ]، فضرب عنقه، ثم أدرجه في بساط، ثم أدخله تحت السرير. قال: فدخل عليه قبيصة بن ذؤيب الخزاعي، و كان أحد الفقهاء، و كان رضيع عبد الملك بن مروان، و صاحب خاتمه و مشورته، فقال له عبد الملك: كيف رأيك في عمرو بن سعيد؟فأبصر قبيصة رجل عمرو تحت السرير، فقال: اضرب عنقه يا أمير المؤمنين. فقال له عبد الملك: جزاك اللََّه خيرا، فما علمتك إلا ناصحا أمينا موافقا، قال له: فما ترى في هؤلاء الذين أحدقوا بنا، و أحاطوا بقصرنا؟قال قبيصة: اطرح رأسه إليهم يا أمير المؤمنين، ثم اطرح عليهم الدنانير و الدراهم [ (1) ]زيد في الطبري و ابن الأثير: فلا تركب ما هو أعظم من ذلك. فقال له عبد الملك: و اللََّه لو أعلم أنك تبقي عليّ إن أنا أبقيت عليك و تصلح قريش لأطلقتك، و لكن ما اجتمع رجلان في بلدة قط على ما نحن عليه إلا أخرج أحدهما الآخر.

[ (2) ]في مروج الذهب 3/123 أبو الزعيزعة. و في ابن الأثير: أبو الزعيرية. و في رواية في الطبري و ابن الأثير و العقد الفريد أن عبد الملك هو الّذي ضربه فقتله ثم جلس على صدره فذبحه و هو يقول:

يا عمرو ان لا تدع شتمي و منقصتي # أضربك حيث تقول الهامة اسقوني‏

ـ

35

يتشاغلون بها. قال: فأمر عبد الملك برأس عمرو أن يطرح إليهم من أعلى القصر، فطرح إليهم، و طرحت الدنانير، و نثرت الدراهم، ثم هتف عليهم الهاتف ينادي: إن أمير المؤمنين قد قتل صاحبكم، بما كان من القضاء السابق، و الأمر النافذ، و لكم على أمير المؤمنين عهد اللََّه و ميثاقه، أن يحمل راجلكم، و يكسو عاريكم، و يغني فقيركم، و يبلغكم إلى أكمل ما يكون من العطاء و الرزق، و يبلغكم إلى المائتين في الديوان، فاعترضوا على ديوانكم، و أقبلوا أمره، و اسكنوا إلى عهده، يسلم لكم دينكم و دنياكم. قال: فصاحوا نعم نعم نعم، سمعا و طاعة لأمير المؤمنين.

قال: فلما تمت البيعة لعبد الملك بن مروان بالشام، أراد أن يخرج إلى مصعب، فجعل يستفزّ أهل الشام، فيبطئون عليه. فقال له الحجاج بن يوسف، و كان يومئذ في حرس أبان بن مروان: يا أمير المؤمنين، سلطني عليهم، فأعطاه ذلك فقال له عبد الملك: اذهب قد سلطتك عليهم. قال: فكان لا يمرّ على بيت رجل من أهل الشام تخلف إلا أحرق عليه بيته، فلما رأى ذلك أهل الشام خرجوا، قال: فأصابهم من ذلك غلاء في الأسعار، و شدة من الحال، و صعوبة من الزمان، قال: و كانوا يصنعون لعبد الملك بن مروان الأرز. فسار بأهل الشام إلى العراق و معه الحجاج بن يوسف.

مسير عبد الملك إلى العراق‏

قال: و ذكروا أن عبد الملك لما سار بأهل الشام و معه الحجاج بن يوسف إلى العراق، خرج مصعب بن الزبير بأهل البصرة و الكوفة، فالتقيا بين الشام و العراق، و كان عبد الملك و مصعب قبل ذلك متصافيين، و صديقين متحابين، لا يعلم بين اثنين من الناس ما بينهما من الإخاء و الصداقة، فبعث إليه عبد الملك أن ادن مني أكلمك. قال: فدنا كل واحد من صاحبه، و تنحى الناس عنهما، فسلم عبد الملك عليه، و قال له: يا مصعب، قد علمت ما أجرى اللََّه بيني و بينك منذ ثلاثين سنة، و ما اعتقدته من إخائي و صحبتي، و اللََّه أنا خير لك من عبد اللََّه، و أنفع منه لدينك و دنياك، فثق بذلك مني، و انصرف إلى وجوه هؤلاء القوم، و خذ لي بيعة هذين المصرين، و الأمر أمرك، لا تعصى و لا تخالف، و إن شئت اتخذتك صاحبا لا تخفى، و وزيرا لا تعصى. فقال له مصعب: أما ما ذكرت فيّ‏

36

من ثقتي بك، و مودتي و إخائي، فذلك كما ذكرته و لكنه بعد قتلك عمرو بن سعيد لا يطمأنّ إليك، و هو أقرب رحما مني إليك، و أولى بما عندك، فقتلته غدرا، و و اللََّه لو قتلته في ضرب و محاربة لمسّك عاره، و لما سلمت من إثمه.

و أما ما ذكرت من أنك خير لي من أخي، فدع عنك أبا بكر، و إياك و إياه، لا تتعرّض له و اتركه ما تركك، و اربح عاجل عافيته و ارج اللََّه في السلامة من عاقبته فقال له عبد الملك: لا تخوّفني به، فو اللََّه إني لأعلم منه مثل ما تعلم، إن فيه لثلاث خصال لا يسود بها أبدا: عجب قد ملأه، و استغناء برأيه، و بخل التزمه، فلا يسود بها أبدا.

قتل مصعب بن الزبير

قال: و ذكروا أن عبد الملك لما أيس من مصعب، كتب إلى أناس من رؤساء أهل العراق يدعوهم إلى نفسه، و يجعل لهم أموالا عامة، و شروطا و عهودا، و موثيق و عقودا، و كتب إلى إبراهيم بن الأشتر يجعل له وحده مثل جميع ما جعل لأصحابه، على أن يخلعوا عبد اللََّه بن الزبير إذا التقوا. فقال إبراهيم بن الأشتر لمصعب: إن عبد الملك قد كتب إليّ هذا الكتاب‏[ (1) ]، و كتب لأصحابي كلهم فلان و فلان بذلك، فادع بهم في هذه الساعة، فاضرب أعناقهم و اضرب عنقي معهم. فقال مصعب ما كنت لأفعل ذلك حتى يستبين لي ذلك من أمرهم.

قال إبراهيم: فأخرى، قال: و ما هي؟قال: أحبسهم في السجن حتى يتبين ذلك، فأبى، فقال له إبراهيم بن الأشتر: عليك السلام و رحمة اللََّه و بركاته، و لا تراني و اللََّه بعد في مجلسك هذا أبدا. و قد كان قال له قبل ذلك: دعني أدعو أهل الكوفة بدعوة لا يخلعونها أبدا، و هي ما شرطه اللََّه. فقال له مصعب: لا و اللََّه لا أفعل، لا أكون قتلتهم بالأمس، و أستنصر بهم اليوم‏[ (2) ]، قال: فما هو إلا أن التقوا فحوّلوا رءوسهم و مالوا إلى عبد الملك بن مروان. قال: فبقي مصعب في شرذمة[ (3) ]قليلة. قال: فجاءه عبيد اللََّه‏[بن زياد]بن ظبيان، فقال: أين الناس أيها [ (1) ]نسخة الكتاب: بسم اللََّه الرّحمن الرّحيم. من عبد اللََّه عبد الملك أمير المؤمنين إلى إبراهيم بن الأشتر، أما بعد، فإنّي أعلم أن تركك الدخول في طاعتي ليس إلا عن معتبة، فلك الفرات و ما سقى، فأنجز إليّ فيمن أطاعك من قومك، و السلام. (الأخبار الطوال ص 312) .

[ (2) ]إشارة إلى حروبه مع المختار بن أبي عبيد بالكوفة و تتبع مصعب أصحابه بالقتل حتى قتل ما يزيد على الستة آلاف.

[ (3) ]في مروج الذهب: في سبعة نفر. بعد ما تخلى عنه مضر و ربيعة و قتل إبراهيم بن الأشتر.

37

الأمير؟فقال: غدرتم يا أهل العراق. قال: فرفع عبيد اللََّه سيفه ليضربه‏[ (1) ]، فبدره مصعب بالسيف على البيضة، فنشب فيها، فجعل يقلب السيف و لا ينتزع من البيضة. قال: فجاء غلام لعبيد اللََّه‏[بن زياد]بن ظبيان، فضرب مصعبا بالسيف فقتله، ثم جاء عبيد اللََّه برأسه إلى عبد الملك، يدّعي أنه قتله، فطرح رأسه و قال:

نطيع ملوك الأرض ما أقسطوا لنا[ (2) ] # و ليس علينا قتلهم بمحرّم‏

قال: فوقع عبد الملك ساجدا، فتحامل عبيد اللََّه على ركابه ليضرب عبد الملك بالسيف‏[ (3) ]. فرفع عبد الملك رأسه و قال: و اللََّه يا عبيد اللََّه لو لا منتك لألحقتك سريعا به. قال: فبايعه الناس، و دخل الكوفة فبايعه أهلها.

ذكر حرب ابن الزبير و قتله‏

قال: و ذكروا أنه لما تمت البيعة لعبد الملك بن مروان من أهل العراق، و أتاه الحجاج بن يوسف فقال: يا أمير المؤمنين، إني رأيت في المنام كأني أسلخ عبد اللََّه بن الزبير، فقال له عبد الملك: أنت له فاخرج إليه‏[ (4) ]، فخرج إليه الحجاج في ألف و خمس مائة رجل‏[ (5) ]من رجال أهل الشام حتى نزل الطائف، [ (1) ]و كان عبيد اللََّه بن زياد بن ظبيان سيد ربيعة و بكر بن وائل، و كان له أخ اسمه النابئ بن زياد قتله مصعب. و كان عبيد اللََّه مع مصعب، و كان يتحين الفرص للانحياز إلى عبد الملك، و لما رأى الفرصة المناسبة انحاز بقومه إلى عبد الملك و قاتلوا معه.

[ (2) ]في مروج الذهب 3/129: نعاطي الملوك الحق ما قسطوا لنا.

[ (3) ]و كان عبيد اللََّه يقول بعد ذلك: ما ندمت على شي‏ء قط ندمي على عبد الملك بن مروان إذ أتيته برأس مصعب فخر ساجدا أن لا أكون ضربت عنقه فأكون قد قتلت ملكي العرب في يوم واحد.

[ (4) ]في تولية الحجاج حرب عبد اللََّه بن الزبير قرار اتخذه عبد الملك لم يكن كما ذكر بسبب منام رآه الحجاج فإننا نرى أن الأمر يتجاوز ذلك و أن هناك أسبابا جوهرية حتمت على عبد الملك اتخاذ هذا القرار منها:

-أن عبد الملك انتدب الناس لقتال ابن الزبير-بعد مقتل مصعب-فأقصر الناس عن ذلك و لم يجبه أحد. و لعل فيما أورده الدينَوَريّ ما يجيب على ذلك: فإنه انتدب قدامة بن مظعون ثم عزله فورا، و انتدب الحجاج و هذا يدل على عدم ثقته بالعساكر المنتدبة و بابن مظعون نفسه.

-المهارة التي أظهرها الحجاج في قيادة مؤخرة الجيش في معارك العراق.

-تلهف الحجاج لقتال ابن الزبير ربما للثأر لمقتل والده، و قد قيل إنه قتل في الرَّبَذَة في معركة بين جنود ابن الزبير و الحملة التي أرسلها عبد الملك سنة 65. حتى أنه أقسم ألا يقرب الطيب و لا النساء إلا إذا قتل ابن الزبير.

[ (5) ]في اليعقوبي: 20 ألفا، و قيل في ستة آلاف، و في ابن الأثير: ألفين، و قيل ثلاثة آلاف.

38

و جعل عبد الملك يرسل إليه الجيوش رسلا[ (1) ]، حتى توافي الناس عنده قدر ما يظنّ أنه يقدر على قتال عبد اللََّه بن الزبير، و كان ذلك في ذي القعدة سنة اثنتين و سبعين فسار الحجاج من الطائف، حتى نزل منى، فحجّ بالناس و عبد اللََّه بن الزبير محصور بمكة، ثم نصب الحجاج المنجنيق على أبي قبيس‏[ (2) ]، و نواحي مكة كلها، فرمى أهل مكة بالحجارة، فلما كانت الليلة التي قتل في صبيحتها، جمع عبد اللََّه بن الزبير القرشيين، فقال لهم: ما ترون؟فقال رجل منهم من بني مخزوم: و اللََّه لقد قاتلنا معك حتى ما نجد مقاتلا، لئن صبرنا معك ما نزيد على أن نموت معك، و إنما هي إحدى خصلتين: إما أن تأذن لنا فنأخذ الأمان لأنفسنا و لك، و إما أن تأذن لنا فنخرج. فقال عبد اللََّه قد كنت عاهدت اللََّه أن لا يبايعني أحد، فأقيله بيعته إلا ابن صفوان. قال ابن صفوان: و اللََّه إنا لنقاتل معك، و ما وفيت لنا بما قلت، و لكن خذني لحفيظة أن لا أدعك عند مثل هذه حتى يموت معك. فقال رجل آخر: اكتب إلى عبد الملك. فقال له عبد اللََّه: و كيف؟أ أكتب إليه: من عبد اللََّه أبي بكر أمير المؤمنين، فو اللََّه لا يقبل هذا مني أبدا، أم أكتب إليه: لعبد الملك أمير المؤمنين من عبد اللََّه بن الزبير، فو اللََّه لأن تقع الخضراء على الغبراء أحبّ إليّ من ذلك. قال عروة أخوه و هو جالس معه على السرير: يا أمير المؤمنين، قد جعل اللََّه لك أسوة. فقال عبد اللََّه: من هو أسوتي؟قال:

الحسن بن عليّ بن أبي طالب، خلع نفسه و بايع معاوية. فرفع عبد اللََّه رجله و ضرب عروة حتى ألقاه ثم قال: يا عروة، قلبي إذن مثل قلبك، و اللََّه لو قبلت ما تقولون ما عشت إلا قليلا، و قد أخذت الدنية، و ما ضربة بسيف إلا مثل ضربة بسوط[ (3) ]، لا أقبل شيئا مما تقولون. قال: فلما أصبح دخل على بعض نسائه فقال: اصنعي لي طعاما، فصنعت له كبدا و سناما. قال: فأخذ منها لقمة فلاكها ساعة، فلم يسغها فرماها، و قال: اسقوني لبنا، فأتي بلبن فشرب، ثم قال هيئوا لي غسلا، قال: فاغتسل، ثم تحنط و تطيب، ثم تقلد سيفه و خرج و هو يقول:

و لا ألين لغير الحقّ أسأله # حتى يلين لضرب الماضغ الحجر

[ (1) ]أي قطعة بعد قطعة، أو جماعة بعد جماعة. يريد أنه تتالى إرسال الجيوش إليه، ربما حتى بلغت 20 ألفا كما ورد عند اليعقوبي.

[ (2) ]أبو قبيس: جبل بمكة، سمي باسم رجل من مذحج حداد، لأنه أول من بنى فيه.

[ (3) ]في العقد الفريد: و إن ضربة بسيف في عز خير من لطمة في ذل.

39

ثم دخل على أمه أسماء بنت أبي بكر الصدّيق، و هي عمياء من الكبر، قد بلغت من السنّ مائة سنة. فقال لها: يا أماه، ما ترين؟قد خذلني الناس و خذلني أهل بيتي‏[ (1) ]. فقالت: يا بنيّ لا يلعبنّ بك صبيان بني أمية، عش كريما، و مت كريما. فخرج و أسند ظهره إلى الكعبة، و معه نفر يسير فجعل يقاتل بهم أهل الشام، فيهزمهم، و هو يقول: ويل امه فتحا لو كان له رجال!قال: فجعل الحجاج يناديه: قد كان لك رجال، و لكنك ضيعتهم. قال: فجاءه حجر من حجارة المنجنيق و هو يمشي، فأصاب قفاه فسقط، فما دري أهل الشام أنه هو حتى سمعوا جارية تبكي و تقول: وا أمير المؤمنين، فاحتزّوا رأسه، فجاءوا به إلى الحجاج، و قتل معه عبد اللََّه بن صفوان بن أمية، و عمارة بن عمرو بن حزم‏[ (2) ]، ثم بعث برءوسهم إلى عبد الملك، و قتل لسبع عشرة ليلة مضين من جمادى الأولى‏[ (3) ]، سنة ثلاث و سبعين‏[ (4) ].

قال أبو معشر: ثم أقام الحجاج بالمدينة عاملا عليها و على مكة و الطائف ثلاث سنين، يسير بسيرته فيما يقولون، قال: فلما مات بشر بن مروان، و كان على الكوفة و البصرة، كتب إليه عبد الملك: أن سر إلى العراقيين، و احتل لقتلهم، فإنه قد بلغني عنهم ما أكره. و استعمل عبد الملك على المدينة يحيى بن حكيم بن أبي العاص.

ولاية الحجاج على العراقيين‏

قال: و ذكروا أن عبد الملك لما كتب إلى الحجاج يأمره بالمسير إلى العراقيين و يحتال لقتلهم، توجه و معه ألفا رجل من مقاتلة أهل الشام و حماتهم، و أربعة آلاف من أخلاط الناس و تقدّم بألفي رجل، و تحرّى دخول البصرة يوم الجمعة في حين أوان الصلاة، فلما دنا من البصرة، أمرهم أن يتفرّقوا على أبواب المسجد، [ (1) ]و كان ابناه حمزة و خبيب فارقاه و أخذا لأنفسهما أمانا.

[ (2) ]زيد في العقد الفريد: و عبد اللََّه بن مطيع.

[ (3) ]في ابن الأثير 3/73 يوم الثلاثاء من جمادى الآخرة و في مروج الذهب: يوم الثلاثاء ل 14 ليلة خلت من ربيع الأول. و في الأخبار الطوال ص 315 و تاريخ خليفة ص 269 و تاريخ الإسلام للذهبي 3/175 لثلاث عشرة خلت من جمادى الأولى.

[ (4) ]في تاريخ الإسلام للذهبي: و له نيف و سبعون سنة، و عند خليفة: ولد عام الهجرة. و في تاريخ اليعقوبي و مروج الذهب: له إحدى و سبعون سنة.

40

على كل باب مائة رجل بأسيافهم تحت أرديتهم، و عهد إليهم أن إذا سمعتم الجلبة في داخل المسجد، و الواقعة فيهم، فلا يخرجن خارج من باب المسجد حتى يسبقه رأسه إلى الأرض، و كان المسجد له ثمانية عشر بابا، يدخل منها إليه.

فافترق القوم عن الحجاج فبدروا إلى الأبواب، فجلسوا عندها مرتدين ينتظرون الصلاة، و دخل الحجاج و بين يديه مائة رجل، و خلفه مائة كل رجل منهم مرتد بردائه، و سيفه قد أفضى به إلى داخل إزاره. فقال لهم: إني إذا دخلت فسأكلم القوم في خطبتي، و سيحصبونني، فإذا رأيتموني قد وضعت عمامتي على ركبتي، فضعوا أسيافكم، و استعينوا باللََّه، وَ اِصْبِرُوا إِنَّ اَللََّهَ مَعَ اَلصََّابِرِينَ ، فلما دخل المسجد، و قد حانت الصلاة، صعد المنبر فحمد اللََّه ثم قال: أيها الناس إن أمير المؤمنين عبد الملك أمير استخلفه اللََّه عزّ و جلّ في بلاده، و ارتضاه إماما على عباده، و قد ولاني مصركم، و قسمة فيئكم، و أمرني بإنصاف مظلومكم، و إمضاء الحكم على ظالمكم، و صرف الثواب إلى المحسن البري‏ء، و العقاب إلى العاصي المسي‏ء، و أنا متبع فيكم أمره، و منفذ عليكم عهده، و أرجو بذلك من اللََّه عزّ و جلّ المجازاة، و من خليفته المكافأة و أخبركم أنه قلدني بسيفين حين توليته إياي عليكم: سيف رحمة، و سيف عذاب و نقمة، فأما سيف الرحمة فسقط مني في الطريق، و أما سيف النقمة فهو هذا. فحصبه الناس. فلما أكثروا عليه خلع عمامته، فوضعها على ركبته، فجعلت السيوف تبري الرقاب، فلما سمع الخارجون الكائنون على الأبواب وقيعة الداخلين، و رأوا تسارع الناس إلى الخروج، تلقوهم بالسيوف، فردعوا الناس إلى جوف المسجد، و لم يتركوا خارجا يخرج، فقتل منهم بضعة و سبعين ألفا، حتى سالت الدماء إلى باب المسجد، و إلى السكك‏[ (1) ].

قال أبو معشر: لما قدم الحجاج البصرة، صعد المنبر، و هو معتجر بعمامته متقلد سيفه و قوسه. قال: فنعس على المنبر، و كان قد أحيا الليل، ثم تكلم بكلام فحصبوه، فرفع رأسه ثم قال: إني أرى رءوسا قد أينعت و حان قطافها[ (2) ]. فهابوه و كفوا، ثم كلمهم فحصبوه و أكثروا، فأمر بهم جندا من أهل [ (1) ]كذا بالأصل، و لم أقف على خطبته هذه فيما لدي من مراجع. و الواضح أن في الخبر مبالغة ظاهرة إذ أن حدثا بهذا القدر-يقتل بضعة و سبعين ألفا-لا يمكن إغفاله.

[ (2) ]من خطبة طويلة. انظر ابن الأثير 3/85 الكامل للمبرد 1/224 البيان و التبيين 2/224 العقد

41

الشام، و كانوا قد أحاطوا به من حوله و من حول أبواب المسجد. قال: فلما فرغ منهم و أحكم شأنه فيهم، بعث عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث إلى سجستان، عاملا و معه جيش. فكتب إليه الحجاج أن يقاتل حصن كذا و كذا، فكتب إلى الحجاج: إني لا أرى ذلك صوابا، إن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب. فكتب إليه الحجاج: أنا الشاهد، و أنت الغائب، فانظر ما كتبت به إليك، فامض له، و السلام.

خروج ابن الأشعث على الحجاج‏

قال: و ذكروا أن عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث لما خرج على الحجاج جمع أصحابه، و فيهم‏عبد الرحمن بن ربيعة بن الحارث بن نوفل، و بنو عون بن عبد اللََّه، و عمرو بن موسى بن معمر بن عثمان بن عمرة، و فيهم محمد بن سعد بن أبي وقاص. فقال لهم: ما ترون؟فقالوا: نحن معك، فاخلع عدوّ اللََّه و عدوّ رسوله، فإن خلعه من أفضل أعمال البرّ، فخلعه و أظهر خلعه‏[ (1) ]. فلما أظهر ذلك قدم عليهم سعيد بن جبير، فقالوا له: إنا قد حبسنا أنفسنا عليك، فما الرأي؟ قال: الرأي أن تكفوا عما تريدون، فإن الخلع فيه الفتنة، و الفتنة فيها سفك الدماء، و استباحة الحرم، و ذهاب الدين و الدنيا. فقالوا: إنه الحجاج و قد فعل ما فعل، فذكروا أشياء، و لم يزالوا به حتى سار معهم و هو كاره. قال: و انتهى الخبر إلى الحجاج، فقيل له: إن عبد الرحمن قد خلعك و من معه فقال: إن معه سعيد بن جبير، و أنا أعلم أن سعيدا لا يخرج، و إن أرادوا ذلك فسيكفهم عنه.

فقيل له: إنه رام ذلك، ثم لم يزالوا به حتى فتنوه، و سار معهم. فبعث الحجاج الغضبان الشيبانيّ‏[ (2) ]ليأتيه بخبر عبد الرحمن بن الأشعث من كرمان، و تقدّم إليه أن لا يكتمه من أمره شيئا، فتوجه الغضبان إلى عبد الرحمن. فقال له عبد الرحمن:

[ () ]الفريد 4/120 مروج الذهب 3/155، فتوح ابن الأعثم 7/5-9 البداية و النهاية 9/11 الطبري 7/210.

[ (1) ]أهم الأسباب التي دفعت بالأشعث و أصحابه للثورة على الحجاج هي:

-قوانين الحجاج الصارمة و ممارساته القمعية ضدهم.

-الحقد على الحجاج لظلمه أهل العراق بني جلدته و إهانتهم، و سوء معاملته قواده و جنده حتى أنهم سموه فرعون.

-عصبية الحجاج المتطرفة ضد الموالي و شدة تمسكه بانتمائه القيسي.

[ (2) ]في مروج الذهب 3/179 الغضبان بن القبعثري.

42

ما وراءك يا غضبان؟قال: شرّ طويل، تغدّ بالحجاج قبل أن يتعشى بك. ثم انصرف من عنده‏[ (1) ]، فنزل رملة كرمان، و هي أرض شديدة الحرّ، فضرب بها قبة و جلس فيها، فبينا هو كذلك إذ ورد أعرابيّ من بكر بن وائل على قعود، فوقف عليه و قال: السلام عليك. فقال له الغضبان: السلام كثير، و هي كلمة مقولة.

قال الأعرابيّ: من أين أقبلت؟قال: من الأرض الذلول. قال: و أين تريد؟قال:

أمشي في مناكبها، و آكل من رزق اللََّه الّذي أخرج لعباده منها. قال الأعرابيّ:

فمن غلب اليوم؟قال الغضبان: المتقون. قال: فمن سبق؟قال: حزب اللََّه الفائزون. قال الأعرابيّ: و من حزب اللََّه؟قال: هم الغالبون. فعجب الأعرابيّ من منطقه، و حضور جوابه. ثم قال: أ تقرض؟قال الغضبان: إنما تقرض الفأرة.

قال: أ فتنشد؟قال: إنما تنشد الضالة. قال: أ فتسجع؟قال: إنما تسجع الحمامة. قال: أ فتنطق؟قال: إنما ينطق كتاب اللََّه. قال: أ فتقول؟قال: إنما يقول الأمير. قال الأعرابيّ: تاللََّه ما رأيت مثلك قط. قال الغضبان: بل رأيت و لكنك نسيت، قال الأعرابيّ: فكيف أقول؟قال: أخذتك الغول، في العاقول‏[ (2) ]، و أنت قائم تبول. قال الأعرابيّ: أ تأذن لي أن أدخل‏[ (3) ]عليك؟قال الغضبان: وراؤك أوسع لك، قال الأعرابيّ: قد أحرقتني الشمس. قال الغضبان: الآن يفي‏ء عليك الفي‏ء إذا غربت. قال الأعرابي: إن الرمضاء قد أحرقت قدميّ. قال الغضبان: بل عليها تبرد. قال الأعرابيّ: إن الوهج شديد. قال الغضبان: ما لي عليه سلطان. قال الأعرابيّ: إني و اللََّه ما أريد طعامك و لا شرابك. قال الغضبان: لا تعرّض بهما، فو اللََّه لا تذوقهما. قال الأعرابيّ: و ما عليك لو ذقتهما؟قال الغضبان: نأكل و نشبع. فإن فضل شي‏ء من الأكرياء و الغلمان، فالكلب أحقّ به منك. قال الأعرابيّ: سبحان اللََّه!قال الغضبان: نعم، من قبل أن يطلع رأسك و أضراسك إلى الدنيا، قال الأعرابيّ: ما عندك إلا ما أرى؟قال الغضبان: بل عندي هراوتان أضرب بهما رأسك حتى ينتثر دماغك. قال الأعرابيّ: إنا للََّه و إِنََّا إِلَيْهِ رََاجِعُونَ . قال الغضبان: أظلمك أحد؟قال الأعرابيّ:

ما أرى. ثم قال الأعرابيّ: يا آل حارث بن كعب، فقال الغضبان: بئس الشيخ ذكرت. قال الأعرابيّ: و لم ذلك؟قال الغضبان: لأن إبليس يسمى حارثا. قال [ (1) ]في مروج الذهب 3/180 دخل مع ابن الأشعث في أمره.

[ (2) ]العاقول: نبات تأكله الإبل.

[ (3) ]في مروج الذهب: أدنو إليك. ـ

43

الأعرابيّ: إني لأحسبك مجنونا. قال الغضبان: اللََّهمّ اجعلني من خيار الجنّ.

قال الأعرابيّ: إني لأظنك حروريا. قال الغضبان: اللََّهمّ اجعلني ممن يتحرّى الخير. قال الأعرابيّ: إني لأراك منكرا. قال الغضبان. إني لمعروف فيما أوتي.

فولّى عنه و هو يقول: إنك لبذخ أحمق، و ما أنطق اللََّه لسانك إلا بما أنت لاق و عما قليل تلتفّ ساقك بالساق. فلما قدم‏[ (1) ]الغضبان على الحجاج قال له: أنت شاعر؟قال: لست بشاعر، و لكني خابر. قال أ فعرّاف أنت؟قال: بل وصّاف.

قال: كيف وجدت أرض كرمان؟قال الغضبان: أرض ماؤها وشل‏[ (2) ]، و سهلها جبل، و ثمرها دقل‏[ (3) ]، و لصها بطل‏[و الخيل بها ضعاف‏][ (4) ]، إن كثر الجيش بها جاعوا، و إن قلّ بها ضاعوا. قال: صدقت، أعلمت من كان الأعرابيّ؟قال:

لا، قال: كان ملكا خاصمك، فلم تفقه عنه لبذخك، اذهبوا به إلى السجن فإنه صاحب المقالة: تغدّ بالحجاج قبل أن يتعشى بك. و أنت يا غضبان قد أنذرك خصمك على نطق لسانك، فما الّذي به دهاك؟قال الغضبان: جعلني اللََّه فداك أيها الأمير، أما إنها لا تنفع‏[ (5) ]من قيلت له، و لا تضرّ من قيلت فيه. فقال الحجاج: أجل و لكن أتراك تنجو مني بهذا؟و اللََّه لأقطعنّ يديك و رجليك، و لأضربنّ بلسانك عينيك. قال الغضبان: أصلح اللََّه الأمير، قد آذاني الحديد و أهون ساقيّ القيود، فما يخاف من عدلك البري‏ء، و لا يقطع من رجائك المسي‏ء. قال الحجاج: إنك لسمين. قال الغضبان: القيد و الرتعة[ (6) ]، و من يك ضيف الأمير يسمن. قال: إنا حاملوك على الأدهم‏[ (7) ]قال الغضبان: مثل الأمير أصلحه اللََّه يحمل على الأدهم‏[ (8) ]و الأشقر. قال الحجاج: إنه لحديد. قال الغضبان: لأن يكون حديدا[ (9) ]خير من أن يكون بليدا. قال الحجاج: اذهبوا به إلى السجن، قال الغضبان: فَلاََ يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَ لاََ إِلى‏ََ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ [ (1) ]في مروج الذهب: أخذ الغضبان فيمن أسر، ثم أدخل على الحجاج.

[ (2) ]و شل: قليل.

[ (3) ]دقل: من التمر أردؤه.

[ (4) ]زيادة عن مروج الذهب.

[ (5) ]في مروج الذهب: ما نفعت.

[ (6) ]الرتعة: الدعة و الراحة.

[ (7) ]يريد بالأدهم هنا الحديد، شبه بالأدهم لسواده.

[ (8) ]يريد بالأدهم هنا الفرس الأدهم، و الأشقر: الفرس الأبيض.

[ (9) ]حديدا: سريعا.

44

[يس: 50]. فاستمر في السجن إلى أن بنى الحجاج خضراء واسط، فقال لجلسائه: كيف ترون هذه القبة؟قالوا: ما رأينا مثلها قطّ. قال الحجاج: أما إن لها عيبا فما هو؟قالوا: ما نرى بها عيبا. قال: سأبعث إلى من يخبرني به، فبعث، فأقبل بالغضبان و هو يرسف في قيوده، فلما مثل بين يديه. قال له يا غضبان كيف قبتي هذه؟قال: أصلح اللََّه الأمير نعمت القبة!حسنة مستوية! قال: أخبرني بعيبها؟قال‏[ (1) ]: بنيتها في غير بلدك، لا يسكنها ولدك، و مع ذلك فإنه لا يبقى بناؤها، و لا يدوم عمرانها، و ما لا يبقى و لا يدوم، فكأنه لم يكن.

قال الحجاج: صدق، ردوه إلى السجن. فقال الغضبان: أصلح اللََّه الأمير، قد أكلني الحديد، و أوهن ساقي القيود، و ما أطيق المشي. قال: احملوه. فلما حمل على الأيدي قال: سُبْحََانَ اَلَّذِي سَخَّرَ لَنََا هََذََا وَ مََا كُنََّا لَهُ مُقْرِنِينَ [الزخرف: 13]قال: أنزلوه، فلما أنزلوه. قال: رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلاً مُبََارَكاً وَ أَنْتَ خَيْرُ اَلْمُنْزِلِينَ [المؤمنون: 29]قال الحجاج: جرّوه. قال الغضبان و هو يجر:

بِسْمِ اَللََّهِ مَجْرََاهََا وَ مُرْسََاهََا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [هود: 41]. قال الحجاج:

اضربوا به الأرض، فقال: مِنْهََا خَلَقْنََاكُمْ وَ فِيهََا نُعِيدُكُمْ وَ مِنْهََا نُخْرِجُكُمْ تََارَةً أُخْرى‏ََ [طه: 55]فضحك الحجاج حتى استلقى على قفاه ثم قال: ويحكم، قد غلبني و اللََّه هذا الخبيث، اطلقوه إلى صفحي عنه. قال الغضبان: فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَ قُلْ سَلاََمٌ [الزخرف: 89]. فنجا من شرّه بإذن اللََّه، و كانت براءته فيما انطلق على لسانه‏[ (2) ].

حرب الحجاج مع ابن الأشعث و قتله‏

قال: و ذكروا أن الحجاج لما قدم العراق أميرا، زوّج ابنه محمدا ميمونة بنت محمد بن الأشعث بن قيس الكنديّ، رغبة في شرفها، مع ما كانت عليه من جمالها، و فضلها في جميع حالاتها، و أراد من ذلك، استمالة جميع أهلها و قومها إلى مصافاته، ليكونوا له يدا على من ناوأه، و كان لها أخ يقال له عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث الكنديّ، له أبهة في نفسه. و كان جميلا بهيا منطقيا، مع ما [ (1) ]العبارة في مروج الذهب: بنيت في غير بلدك، لغير ولدك، لا تتمتع به و لا تنعم، فما لما لا يتمتع فيه من طيب و لا لذة.

[ (2) ]الخبر باختلاف: زيادة و نقصان في العبارات في مروج الذهب (3/179-182) .

45

كان له من التقدم و الشرف، فازدهاه ذلك و ملأه كبرا و فخرا و تطاولا، فألزمه بنفسه، و ألحقه بأفاضل أصحابه و خاصته و أهل سرّه، و أجرى عليه العطايا الواسعة، صلة لصهره، و حبا لإتمام الصنيعة إليه، و إلى جميع أهله. فأقام عبد الرحمن كذلك حينا مع الحجاج، لا يزيده الحجاج إلا إكراما، و لا يظهر له إلا قبولا، و في نفس الحجاج من عجبه ما فيها، لتشمخه زاهيا بأنفه حتى إنه كان ليقول إذا رآه مقبلا: أما و اللََّه يا عبد الرحمن، إنك لتقبل عليّ بوجه فاجر، و تدبر عني بقفاء غادر، و ايم اللََّه لتبتلينّ حقيقة أمرك على ذلك. فمكث بهذا القول منه دهرا، حتى إذا عيل صبر الحجاج على ما يتطلع من عبد الرحمن، أراد أن يبتلي حقيقة ما يتفرّس فيه من الغدر و الفجور، و أن يبدي منه ما يكتم من غائلته، فكتب إليه عهده على سجستان. فلما بلغ ذلك أهل بيت عبد الرحمن، فزعوا من ذلك فزعا شديدا، فأتوا الحجاج، فقالوا له: أصلح اللََّه الأمير، إنا أعلم به منك، فإنك به غير عالم، و لقد أدّبته بكل أدب، فأبى أن ينتهي عن عجبه بنفسه، و نحن نتخوّف أن يفتق فتقا، أو يحدث حدثا، يصيبنا فيه منك ما يسؤونا[ (1) ]. فقال الحجاج: القول كما قلتم، و الرأي كالذي رأيتم، و لقد استعملته على بصيرة، فإن يستقم فلنفسه نظر، و إن يتفرج سبيله عن بصائر الحقّ يهد إليها إن شاء اللََّه. فلما توجه عبد الرحمن إلى عمله، توجه و هو مصرّ لخلعان طاعة الحجاج، و صار بذلك مسيره أجمع حتى نزل مدينة سجستان، ثم مرّ على خلعانه عام كامل، فلما أجمع عبد الرحمن على إظهار خلعان الحجاج، كتب إلى أيوب بن القرية التميمي، و هو مع الحجاج في عسكره، خاص المنزلة منه‏[ (2) ]، و كان مفوّها كليما يسأله أن يصدر إليه رسالة الحجاج، يخلع فيها طاعة [ (1) ]انظر الخبر في الطبري و ابن الأثير حوادث سنة 80، و البداية و النهاية 9/40 و ابن الأعثم في الفتوح 7/115 و العبارة فيه: و جاءت إخوة عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث منهم قيس و إسحاق و المنذر و الصباح حتى دخلوا على الحجاج فقالوا: أيها الأمير!لا توجه عبد الرحمن في هذا الجيش، فإننا نتخوف أن يخرج عليك!قال: فتبسم الحجاج ثم قال: ليس هذا أول حسد الإخوة، و إنما أنتم حسدتموه لأنه ليس من أمكم. فقالوا: أيها الأمير!أما نحن فقضينا ما علينا و نحن خارجون معه.

[ (2) ]في الأخبار الطوال ص 318 أن الحجاج بعث ابن القرية إلى عبد الرحمن يدفعه إلى الطاعة و له الأمان على ما سلف من ذنبه. و لم يزل عبد الرحمن بابن القرية يختدعه حتى ترك ما أرسل فيه و أقام مع عبد الرحمن.

46

الحجاج، فكتب له ابن القرية رسالة فيها[ (1) ]: بسم اللََّه الرّحمن الرّحيم، من عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، إلى الحجاج بن يوسف: سلام على أهل طاعة اللََّه، أوليائه الذين يحكمون بعدله، و يوفون بعهده، و يجاهدون في سبيله، و يتورّعون لذكره، و لا يسفكون دما حراما، و لا يعطلون للربّ أحكاما، و لا يدرسون له أعلاما، و لا يتنكبون النهج، و لا يبرمون السيّ، و لا يسارعون في الغيّ، و لا يدللون الفجرة، و لا يترضون الجورة، بل يتمكنون عند الاشتباه، و يتراجعون عند الإساءة. أما بعد: فإنّي أحمد إليك اللََّه حمدا بالغا في رضاه، منتهيا إلى الحق في الأمور الحقيقية للََّه علينا. و بعد: فإن اللََّه أنهضني لمصاولتك، و بعثني لمناضلتك، حين تحيرت أمورك، و تهتكت ستورك، فأصبحت عريان حيران، مبهّتا لا توافق وفقا، و لا ترافق رفقا. و لا تلازم صدقا، أؤمل من اللََّه الّذي ألهمني ذلك، أن يصيرك في حبالك، أو أن يجي‏ء بك في القرن‏[ (2) ]، و يسحبك للذقن و ينصف منك من لم تنصفه من نفسك، و يكون هلاكك بيدي من اتهمته و عاديته. فلعمري لقد طال ما تطاولت، و تمكنت و أخطيت، و خلت أن لن تبور، و أنت في فلك الملك تدور، و أظنّ مصداق ما أقول ستخبره عن قريب فسر لأمرك، و لاق عصابة خلعتك من حبالها خلعها نعالها. و تدرّعت جلالها، تجرّعها مطالها، لا يحذرون منك جهدا، و لا يرهبون منك وعيدا، يتأملون خزايتك، و يتجرّعون إمارتك، عطاشا إلى دمك، يستطعمون اللََّه لحمك، و ايم اللََّه لينافقنك منهم الأبطال، الذين بيتهم فيما يحاولونك به على طاعة اللََّه، شروا أنفسهم تقرّبا إلى اللََّه، فأغض عن ذلك بابن أمّ الحجاج.

فسنحمل عليك إن شاء اللََّه، و لا حول و لا قوّة إلا باللََّه، و السلام على أهل طاعة اللََّه‏[ (3) ].

فلما قدم الكتاب على الحجاج، خرج موائلا قد أخذ بطرف ردائه، و ألقى الطرف الآخر يجرّه من خلفه حتى صعد المنبر و نودي: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس ثم قال:

[ (1) ]في الأخبار الطوال: فأملى عليه (أي ابن القرية) فكتب.

[ (2) ]القرن: بفتح القاف و الراء: الحبل.

[ (3) ]نسخة الكتاب في الأخبار الطوال ص 318-319 باختلاف.

47

نقاتلهم و لم نشتم عدوّا # و شرّ عداوة المرء السباب‏

امرؤ وعظ نفسه بنفسه، امرؤ تعاهد غفلة نفسه و تفقدها جهده، امرؤ وعظ بغيره فاتعظ، قد تبين لكم ما تأتون و ما تبغون، العجب العجب، و ما هو أعجب من العير الأبتر، إني وجهته و من معه من المنافقين لسبع مائة وزن سبعة سواء، فانطلقوا في نحور العدوّ، ثم أقبلوا على راياتهم لقتال أهل الإسلام، من أجل عير أبتر، و من كيده ما هو أعجب العجب، على حين أننا قد أمّنا الخوارج، و أطفأنا الفتن، فكان من شكركم يا أهل العراق ليد اللََّه فيكم، و نعمته عليكم، و إحسانه إليكم، جرأتكم على اللََّه، و انتهاككم حرمته، و اغتراركم بنعمة اللََّه، أ لم يأتكم شبيب مهزوما ذليلا، فهلا توجهت إليه منكم خمسة و عشرون أمير جيش، ليس منهم من أمير جيش إلا و هو في جنده بمنزلة العروس التي يزفّ بها إلى خدرها، فيقتل أميرهم و هم وقوف ينظرون إليه، لا يرون له حرمة في صحبة، و لا ذماما في طاعة، فقبحت تلك الوجوه!فما هذا الّذي يتخوّف منكم يا أهل العراق، أما هذا الّذي نتقي؟و اللََّه لقد أكرمنا اللََّه بهوانكم و أهانكم بكرامتنا، في مواطن شتى تعرفونها، و تعرفون أشياء حرمكم اللََّه اتخاذها، و ما اللََّه بظلام للعبيد. ثم خذلانكم لهذه المعلوجاء[ (1) ]المقصصة انحرافا، أولى لهذه المعلوجاء و أخلاطها من أهل العراق!لقد هممت أن أترك بكل سكك منها جيفا منتفخين، شائلة أرجلهم، تنهشهم الطير من كل جانب. يا أهل الشام: أحدّوا قلوبكم، و أحدّوا سيوفكم، ثم قال:

قد جد أشياعكم فجدّوا # و القوس فيها و وتر عردّ[ (2) ]

مثل ذراع البكر أو أشدّ

[ (3) ] هيهات: ترك الخداع من أجرى من المائة، و من لم يذد عن حوضه يهدم، و أرى الحزام قد بلغ الطبيين‏[ (4) ]، و التقت حلقتا البطان، ليس سلامان كعهدين، أنا ابن العرقية. و ابن الشيخ الأعزّ، كذبتم و ربّ الكعبة، ما الرأي كما رأيتم، [ (1) ]المعلوجاء جمع علج. المقصصة: التي تركت حتى كادت تموت.

[ (2) ]قوله و القوس فيها وتر عرد: قال المبرد: فهو الشديد، و يقال عرند في هذا المعنى.

[ (3) ]الأرجاز لحنظلة بن ثعلبة بن سيار العجليّ: الكامل للمبرد 2/494 و النقائص ص 642 و الطبري 2/209.

[ (4) ]مثل. تقدم شرحه.

48

و لا الحديث كما حدثتم، فافطنوا لعيوبكم و إياكم أن أكون أنا و أنتم كما قال القائل‏[ (1) ]:

إنك إن كلفتني ما لم أطق # ساءك ما سرّك مني من خلق‏

و المخبر بالعمل ليس كالراجم بالظنون، فالتقدّم قبل التندّم، و أخو المرء نصيحته ثم قال:

لذي الحلم قبل اليوم ما تفرع العصا # و ما علّم الإنسان إلا ليعلما

[ (2) ] ثم قال: احمدوا ربكم، و صلوا على نبيكم صلى اللََّه عليه و سلم، ثم نزل و قال:

اكتب يا نافع، و كان نافع مولاه و كاتبا يكتب بين يديه: بسم اللََّه الرّحمن الرّحيم، من الحجاج بن يوسف إلى عبد الرحمن بن الأشعث، سلام على أهل النزوع‏[ (3) ]من التزييغ و أسباب الرداء، لا إلى معادن السيّ، و التقحم في الغيّ، فإنّي أحمد اللََّه الّذي خلاك في حيرتك، إذ بهتك في السيرة، و وهلك للضرورة حق أقحمك أمورا أخرجت بها عن طاعته، و جانبت ولايته، و عسكرت بها في الكفر، و ذهلت بها عن الشكر، فلا تشكر في السراء، و لا تصبر في الضرّاء أقبلت مستنا بحريم الحرّة، و تستوقد الفتنة لتصلي بحرّها، و جلبت لغيرك ضرّها، و قلت وثاق الاحتجاج، و مبارزة الحجاج، ألا بل لأمك الهبل، و عزّة ربك لتكبنّ لنحرك.

و لتقلبنّ لظهرك، و لتتخبطنّ فريصتك‏[ (4) ]، و لتدحضنّ حجتك و لتذمنّ مقامك، و لتشتغلنّ سهامك، كأني بك تصير إلى غير مقبول منك. إلا السيف هوجا هوجا، عند كشوف الحرب عن ساقها، و مبارزة أبطالها، و السلام على من أناب إلى اللََّه و سمع و أجاب‏[ (5) ].

ثم قال: من هاهنا من فتية بني الأشعث بن قيس؟قيل: سعيد بن جبير.

[ (1) ]الرجز لعامر بن خالد بن جعفر قاله ليزيد بن الصعق. عيون الأخبار 3/121.

[ (2) ]قيل هذا البيت لعمرو بن مالك بن ضبيعة. و له قصة رواها في عيون الأخبار 2/205 و الأغاني (21/205 ليدن) و مجمع الأمثال للميداني (1/32 بولاق) .

[ (3) ]في الأخبار الطوال ص 319: أهل التورع لا التبدع.

[ (4) ]الفريصة: داخل الفخذ، أي جزءه غير الظاهر، و يريد لتضطربن فريصتك و ترتجفن و ذلك يحدث عند الخوف و الرعب.

[ (5) ]الكتاب في الأخبار الطوال ص 319 و فيه اختلاف.

49

قال: فأتي به. قال له: انطلق بهذا الكتاب إلى هذا الطاغية، الّذي قد فتن و فتن، فاردعه عن قبيح ما دخل فيه، و عظيم ما أصرّ عليه من حقّ اللََّه، و حرمة ما انتهك عدوّ اللََّه، إلى ما في ذلك من سفك الدماء، و إباحة الحريم، و إنفاق الأموال، فإنّي لو لا معرفتي بأنك قد حويت علما، و أصبت فقها، أخاف أن يكون عليك لا لك، لعهدت لك به عهدا تقفل به، و لكن انطلق مرّتك هذه قبل الكتاب إليه، و احمله على البريد. فخرج سعيد به متوجها، حتى انتهى إليه.

فلما قرأ عبد الرحمن الكتاب، تبينت رعشته جزعا منه، و هيبة له، و سمع بذلك من كان يتابعه، و هوى كل ذي هوى، و ضمّ سعيد بن جبير فلم يظهره للناس، و كتم الكتاب و جعل يستخلي بابن جبير في الليل فيسمر معه، و يسأله عبد الرحمن الدخول معه فيما رأى هو من خلع الحجاج، فأبى سعيد ذلك عليه، فمكث بذلك شهرا كريتا[ (1) ]. فأسعفه سعيد بن جبير بطلبته، و سارع معه في رغبته، و خلعان طاعة الحجاج، ثم إن عبد الرحمن، تجهز من سجستان مقبلا، يقود من يقوده من أهل هواه و أهل رأيه، و خرج الحجاج إليه بمن معه من أجناده من أهل الشام، و بمن معه يومئذ من أهل الطاعة من أهل العراق، حتى لقيه بدير من أديار الأهواز، يسمى بنيسابور، فناصبه للقتال ستة أشهر كريتة[ (2) ]، لا له و لا عليه، حتى إذا كان في جوف ليلة من الليالي، خلا الحجاج بعنبسة بن سعيد بن العاص، و يزيد بن أبي مسلم، و عليّ بن منقذ مولاه، و بعبد الرحمن بن زياد مولاه، و كان يزيد بن أبي مسلم حاجبه على ما وراء بابه و أما يحيى فوكله بالقيام خلف ظهره، إذا هو نسي أو غفل نخسة بمنخسه، ثم قال: اذكر اللََّه يا حجاج، فيذكر ما بدا له أن يذكر. و أما عبد الرحمن بن زياد، فكان ذا رأي و مشورة و أدب و فقه و نصيحة. أما عنبسة، فكان بعيد الهمة، طويل اللسان، بدية الجواب، فأصل الخطاب، موفق الرأي، فاستشارهم لما طال به و بعبد الرحمن القتال، لا يظفر واحد منهما بصاحبه-و مع عبد الرحمن سعيد بن جبير و الشعبي‏[ (3) ]، فكان هذا فقيه أهل الكوفة، و هذا فقيه أهل البصرة-في أن يبيته، فكره ذلك مواليه، [ (1) ]أي كاملا.

[ (2) ]أي كاملة.

[ (3) ]هو عامر بن شراحيل الشعبي، سمع من 48 من أصحاب النبي صلى اللََّه عليه و سلم. متفق على توثيقه حديثه في الكتب الستة. ترجمته في التهذيب 5/65.

50

و أشار عنبسة أن يبيته، فقال الحجاج: أصبت، أصاب اللََّه بك الخير، و ما الأمر إلا النصيحة، و الرأي شعوب، فمخطئ منها أو مصيب، غدا الاثنان، فصوموا و نصوم، و استعينوا اللََّه بالخيرة، و نبيتهم الليلة المقبلة، ليلة الثلاثاء، فسوف أترجل، و يترجل أهل مودتي و نصيحتي، من ولدي و غيرهم. ففعل: و أصبح صائما، و بيتهم ليلة الثلاثاءو هو يقول: اللََّهمّ إن كان الحقّ لهم فلا تمتنا على الضلالة، و إن كان الحقّ لنا فانصرنا عليهم، فحمل عليهم و النيران توقد، فأصاب منهم، و أصيب منه، و انهزم ابن الأشعث في سواد الليل، و أصاب الحجاج عسكره، و أسر سعيد بن جبير، و أفلت عامر بن سعيد الشعبي مع ابن الأشعث، فلما أتي الحجاج بسعيد بن جبير، قال له: ويحك يا سعيد!أما تستحيي مني؟و مدّك الشيطان في طغيانك، ألا استحيت من المراقب لي و لك، و الحافظ عليّ و عليك؟فقال: أصلح اللََّه الأمير، و أمتع به!هي بلية وقعت، و عذاب نزل، و القول كما قال الأمير، و كما نسبه به و أضافه إليه، إلا أني أتيت رجلا قد أزهى و طغى، و لبسته الفتنة، و ركب الشيطان كتفيه، و نفث في صدره، و أملى علي لسانه فخفته و اتقيته بالذي فعلت؟فإن تعاقب فبذنب، و إن تعف فسجية منك. فقال له الحجاج: فإنا قد عفونا عنك، و سنردّك إليه تارة أخرى.

ثم كتب كتابا، و وجهه مع سعيد بن جبير إلى عبد الرحمن، فلما كان سعيد ببعض الطريق، خرق الكتاب. و قدم عبد الرحمن فأخبره، فنفر عبد الرحمن، و خرج موائلا إلى أهل البصرة، و قد قدمت عليه كتبهم، يستبطئونه و يستعجلونه حتى قدم عليهم، و بلغ ذلك الحجاج فسبقه إلى البصرة فدخل الحجاج المسجد متنكبا قوسا، فصعد المنبر، فحمد اللََّه و أثنى عليه، و حرّض الناس على قتال ابن الأشعث، و حضّهم على طاعة عبد الملك، و تكلم رجل من أهل البصرة، يقال له سلمة المنقري من بني تميم، و كان رجلا منطقيا، و له هوى في الخوارج، و كان الحجاج به خابرا. فلما رآه عرف أنه يريد الكلام. فقال له: ادن يا سلمة، فدنا. فقال له: قل: رضينا باللََّه ربا، و بمحمد نبيا، و بالإسلام دينا، و بالقرآن إماما، و بأمير المؤمنين خليفة، و بالحجاج بن يوسف واليا. قال: و اللََّه لو كنا زمعا[ (1) ]و بني زمع ما رضينا أن نكون تبعا لهذا الحائك، أمير المؤمنين أعزّه اللََّه، [ (1) ]زمع: رذال الناس و أتباعهم، الجمع أزماع، يقال هو من زمعهم أي من مآخيرهم (اللسان) .