معالم المدرستين - ج1

- السيد مرتضى العسكري المزيد...
598 /
5

المجلد الاول‏

الإهداء

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم السّلام عليك يا إمام العصر و رحمة اللّه و بركاته سيّدي يا ابن رسول اللّه (ص) إليك أهدي هذا المجهود الضئيل.

يََا أَيُّهَا اَلْعَزِيزُ مَسَّنََا وَ أَهْلَنَا اَلضُّرُّ وَ جِئْنََا بِبِضََاعَةٍ مُزْجََاةٍ فَأَوْفِ لَنَا اَلْكَيْلَ وَ تَصَدَّقْ عَلَيْنََا إِنَّ اَللََّهَ يَجْزِي اَلْمُتَصَدِّقِينَ .

أيّها الجواد الكريم، اشفع لنا عند اللّه ليغفر لنا ذنوبنا و يكشف عنّا و عن قومنا الضرّ؛ إنّه أرحم الراحمين.

صغير خدامكم مرتضى العسكري‏

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

أعوذ باللّه من الشّيطان الرجيم فَبَشِّرْ عِبََادِ `اَلَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ اَلْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولََئِكَ اَلَّذِينَ هَدََاهُمُ اَللََّهُ وَ أُولََئِكَ هُمْ أُولُوا اَلْأَلْبََابِ. الزّمر/17-18

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

مقدمة الطبعة الرابعة:

بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على محمد و آله الطاهرين و السلام على أزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين، و على أصحابه البررة الميامين، و بعد: لما كان هذا الكتاب في بحوثه نسيج وحده، شأنه في ذلك شأن كتابي «عبد اللّه بن سبأ» و «خمسون و مائة صحابي مختلق» و لم تنسج على منوال سابق؛ كان لا بدّ لبحوث كلّ منها أن تتكامل تدريجيا، لذا صدر:

الجزء الأول منه: في طبعته الأولى، عام 1405 في 215 صفحة و في طبعته الثانية، عام 1406 في 371 صفحة و في طبعته الثالثة، عام 1409 في 519 صفحة و في طبعته الرابعة هذه، عام 1412 في 616 صفحة و الجزء الثاني منه:

في طبعته الأولى، عام 1405 في 378 صفحة و في طبعته الثالثة، هذه عام 1412 في 405 صفحة

10

و لو فسح اللّه تعالى في الأجل، و شاء لي-عزّ اسمه-أن أستدرك على بعض بحوث هذا الكتاب بعد هذه الطبعة فسوف ألحق المستدرك في طبعاته القادمة بآخر الكتاب و لا أغير وضع البحوث عما هو عليه في هذه الطبعة إن شاء اللّه تعالى هذا و الكمال للّه وحده.

و آخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين.

مرتضى العسكري نجل السيد محمد الحسيني نجل السيد اسماعيل آل شيخ الإسلام‏

11

مخطّط بحوث الكتاب‏

بحوث تمهيديّة تبيّن منشأ الخلاف بين مدرستي الإمامة و الخلافة و تنقسم بحوث الكتاب بعدها إلى قسمين:

القسم الأوّل- بحوث مصادر الشّريعة الإسلاميّة لدى المدرستين و سبل الوصول إليها، و عليها تبنى العقيدة الإسلاميّة و أحكامها و تشمل البحوث الخمسة الآتية:

أوّلا- بحوث المدرستين في الصّحبة و الصّحابة.

ثانيا- بحوث المدرستين في الإمامة و الخلافة، و هما من سبل الوصول إلى الشّريعة الإسلاميّة و تكوين الرؤية الصّحيحة للإسلام.

ثالثا- بحوث المدرستين في مصادر الشّريعة الإسلاميّة، و تنقسم إلى مجموعتين: أ-دراسة روايات المدرستين حول القرآن الكريم. ب-بحوثهما حول سنّة الرّسول (ص) ، و بيان كيفية اتّخاذ مدرسة الخلفاء الاجتهاد و العمل بالرأي من مصادر الشّريعة الإسلامية في عداد كتاب اللّه و سنّة رسوله (ص) . و بها يتمّ بحث مصادر الشّريعة الاسلاميّة و سبل الوصول إليها لدى مدرسة الخلفاء.

رابعا- قيام الإمام الحسين (ع) ضدّ الانحراف عن سنّة الرسول بسبب الاجتهاد و العمل بالرأي.

12

خامسا- تمكّن أئمة أهل البيت (ع) من إعادة سنّة الرسول إلى المجتمع بعد قيام الإمام الحسين (ع) ، و تمكّن مدرستهم من نشر سنّة الرسول (ص) بعد ذلك. و بهذا يتمّ بحث مصادر الشّريعة الإسلاميّة و سبل الوصول إليها لدى مدرسة أهل البيت، و تتمّ بذلك بحوث الأسس الفكريّة لدى المدرستين.

و يليها في آخر الكتاب آراء القراء حول الكتاب.

13

بحوث تمهيديّة

توطئة من آثار الخلاف بين أبناء الأمّة الإسلاميّة بعض صفات اللّه و منشأ الخلاف حولها الخلاف في صفات الأنبياء و منشؤها الخلاف حول الاحتفال بذكرى الأنبياء الخلاف حول البناء على قبور الأنبياء الخلاف في البكاء على الميت و منشؤه الخلاف في تأويل آيات من كتاب اللّه خلاصة و خاتمة

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

-1- توطئة

شرع اللّه للإنسان، بمقتضى ربوبيّته، من الدّين ما ينظم حياته و يسعده و يوصله إلى درجة الكمال الإنسانيّ، و هداه بواسطة أنبيائه إليه و سمّاه الإسلام‏ (1) . كما سنّ لجميع مخلوقاته أنظمة تتناسب و فطرتهم و توصلهم إلى درجة الكمال في وجودهم، و هداهم إلى السّير بموجبها إلهاميّا أو تسخيريّا (2) .

و كان النّوع الإنسانيّ كلّما توفّي رسول من رسل اللّه في أمّة منه، قام أصحاب الطّول و السّلطان من تلك الأمّة بتحريف ما يخالف هوى أنفسهم من شريعة نبيّهم أو كتمانه، ثمّ ينسبون ما لديهم من الشّريعة المحرّفة إلى اللّه

____________

(1) قال اللّه سبحانه و تعالى: إِنَّ اَلدِّينَ عِنْدَ اَللََّهِ اَلْإِسْلاََمُ آل عمران/19. و قال:

وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ اَلْإِسْلاََمِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ آل عمران/85.

(2) قال اللّه سبحانه و تعالى: سَبِّحِ اِسْمَ رَبِّكَ اَلْأَعْلَى `اَلَّذِي خَلَقَ فَسَوََّى `وَ اَلَّذِي قَدَّرَ فَهَدى‏ََ `وَ اَلَّذِي أَخْرَجَ اَلْمَرْعى‏ََ `فَجَعَلَهُ غُثََاءً أَحْوى‏ََ الأعلى/1-5.

و قال: رَبُّنَا اَلَّذِي أَعْطى‏ََ كُلَّ شَيْ‏ءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى‏ََ طه/50.

و قال سبحانه: وَ أَوْحى‏ََ رَبُّكَ إِلَى اَلنَّحْلِ أَنِ اِتَّخِذِي مِنَ اَلْجِبََالِ بُيُوتاً... النحل/68.

و قال سبحانه: وَ اَلشَّمْسَ وَ اَلْقَمَرَ وَ اَلنُّجُومَ مُسَخَّرََاتٍ بِأَمْرِهِ الأعراف/54.

16

و رسوله‏ (3) .

ثم يجدّد اللّه دين الإسلام بإرسال نبيّ جديد ينسخ بعض الشّعائر و الطقوس الّتي لامسها التّحريف. و لمّا أرسل اللّه خاتم أنبيائه محمدا (ص) بالقرآن، أنزل فيه أصول الإسلام من عقائد و أحكام في آيات محكمة و أوحى إليه تفصيل ما أنزل في القرآن ليبيّن للنّاس ما نزّل إليهم‏ (4) ، فعلّمهم الرسول شرائع الإسلام من كيفيّة ركعات الصّلاة و تعدادها، و ما يمسكون عنه في الصّوم و شرائطه، و الطّواف و أشواطه و بدايته و نهايته، إلى غيرها من أحكام واجبة و مستحبّة و محرّمة، فتكوّن منها لدى المسلمين الحديث النبويّ الشّريف.

و كذلك جعل اللّه تجسيد الإسلام في سيرة رسول اللّه (ص) و أمر النّاس باتّباعه في قوله تعالى: لَقَدْ كََانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اَللََّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ الأحزاب/21.

و سمّي مجموع السّيرة و الحديث النبوي في الشرع الإسلامي بالسنّة، و أمرنا اللّه و رسوله باتّباع سنّة الرسول (ص) (5) .

____________

(3) قال اللّه سبحانه: وَ إِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتََابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ اَلْكِتََابِ وَ مََا هُوَ مِنَ اَلْكِتََابِ، وَ يَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ وَ مََا هُوَ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ وَ يَقُولُونَ عَلَى اَللََّهِ اَلْكَذِبَ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ آل عمران/78.

و قال: أَ فَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَ قَدْ كََانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاََمَ اَللََّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مََا عَقَلُوهُ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ البقرة/75.

و راجع الآيات: البقرة/42 و 146 و 159 و 174، و آل عمران/187، و النساء/46، و المائدة/13-15، 41، 59-61.

(4) قال سبحانه: وَ أَنْزَلْنََا إِلَيْكَ اَلذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنََّاسِ مََا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ النحل/44.

(5) أمر اللّه في آية: لَقَدْ كََانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اَللََّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ بالاقتداء بسيرة الرسول (ص) ، و في آية: مََا آتََاكُمُ اَلرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مََا نَهََاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا الحشر/7، أمر بالعمل بحديث الرسول (ص) و السنّة عبارة عنها.

17

و هكذا أكمل اللّه تبليغ الإسلام إلينا في القرآن و السنّة النبويّة، و توفّي الرسول (ص) بعد أن أخبر أمّته و حذّرها بأنّه يجري في هذه الأمّة ما جرى في الأمم السّابقة حذو النعل بالنعل و القذّة بالقذّة، و أنّه لو دخل من الأمم السّابقة أحدهم في جحر ضبّ لدخل من هذه الأمّة أحدهم كذلك في جحر ضبّ‏ (6) .

و كان من أمر التحريف في هذه الأمّة أنّ اللّه سبحانه و تعالى حفظ القرآن من أن تناله يد التّحريف و قال: إِنََّا نَحْنُ نَزَّلْنَا اَلذِّكْرَ وَ إِنََّا لَهُ

____________

(6) تجد تفصيل الأحاديث الواردة في هذا الشّأن في البحث الخامس من البحوث التمهيديّة بالجزء الثاني من «خمسون و مائة صحابيّ مختلق» . و راجع-أيضا-نصوص الأحاديث في المصادر التالية:

أ-إكمال الدين للصّدوق ص 576، و روى المجلسي عنه في البحار 8/3، و في تفسير الآية:

لَتَرْكَبُنَّ طَبَقاً عَنْ طَبَقٍ في كلّ من مجمع البيان للطبرسي. و جلاء الأذهان لكازر.

ب-صحيح البخاري، كتاب الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل 2/171، ح 3، و كتاب الاعتصام بالكتاب و السنة باب قول النبي (ص) : «لتتّبعنّ سنن من كان قبلكم-الحديث» 4/176، ح 1 و 2.

و فتح الباري بشرح البخاري 17/63 و 64.

ج-صحيح مسلم بشرح النّووي 16/219 كتاب العلم.

د-صحيح الترمذي 9/27-28 و 10/109.

هـ-سنن ابن ماجة ح 3994.

و-مسند الطيالسي ح 1346 و 2178.

ز-مسند أحمد 2/327 و 367 و 450 و 511 و 527 و 3/84 و 94 و 4/125 و 5/218 و 340.

ح-مجمع الزوائد 7/261 عن الطبراني.

ط-كنز العمّال 11/123 عن الطبراني في الأوسط و الحاكم في المستدرك.

ي-في تفسير الآية: وَ لاََ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا من سورة آل عمران في الدرّ المنثور للسيوطي عن المستدرك للحاكم.

18

لَحََافِظُونَ الحجر/9، و قال: لاََ يَأْتِيهِ اَلْبََاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لاََ مِنْ خَلْفِهِ فصّلت/42.

و أمّا السنّة الّتي رويت لنا سيرة و حديثا في روايات كثيرة، فإنّ اللّه لم يحفظها من التّحريف، كما يتّضح ذلك جليّا في اختلاف الروايات النبويّة الّتي بأيدي جميع المسلمين اليوم، و لتعارض بعضها مع بعض. و أدّى الاختلاف في الحديث الشريف إلى أن يهتمّ بعض العلماء بمعالجته، و ألّفوا كتبا مثل:

تأويل مختلف الحديث‏ (7) ، و بيان مشكل الحديث‏ (8) ، و بيان مشكلات الآثار (9) .

و من جرّاء اختلاف الأحاديث، اختلف المسلمون في فهم القرآن و تشتّت كلمتهم أبد الدهر. أضف إليه وجودهم في بيئات مختلفة، و معاشرتهم أهل الآراء و الملل و النّحل الأخرى. كلّ ذلك أدّى إلى اختلاف رؤيتهم للإسلام، و بادر بعضهم إلى تأويل الآيات الكريمة و الصّحيح ممّا بأيديهم من الحديث الشّريف، وفقا لرأيهم و رؤيتهم للإسلام. و أدّى بهم ذلك إلى القطيعة في ما بينهم و عدم استماع بعضهم إلى آراء الآخرين، و إلى تكفير بعضهم بعضا.

كان ذلكم عوامل التّشويش الداخلي، كما كان ثمّت عوامل خارجيّة عملت في الداخل بواسطة عملائها كالآتي ذكره:

عوامل التخريب الخارجي‏

من عوامل التّخريب و التّحريف في مصادر الدراسات الإسلاميّة (كتب

____________

(7) تأليف ابن قتيبة عبد اللّه بن مسلم (ت 280 هـ أو 276 هـ) .

(8) تأليف ابن فورك محمد بن الحسن (ت 406 هـ) .

(9) تأليف أبي جعفر أحمد بن محمد الأزدي المعروف بالطحاوي (ت 331 أو 332 هـ) .

19

الحديث و السّيرة و التفسير) و غيرها، عوامل التخريب الخارجي و هي:

أوّلا- أخبار أهل الكتاب الّتي انتشرت في مصادر الدراسات الإسلاميّة من قبل أمثال: كعب الأحبار و تميم الداري.

ثانيا- روايات و أخبار وضعتها زنادقة أمثال: ابن أبي العوجاء و سيف ابن عمر، و انتشرت في تلك المصادر (10) .

ثالثا- و أخيرا، عند ما غزت قوى الكفر (المستعمرون) بلاد المسلمين، حاربت الإسلام بأفتك سلاح هدّام، حين وظّفت المبشّرين من علماء اليهود و النّصارى و المعروفين باسم المستشرقين ليمعنوا في طلب مواطن الضّعف بمصادر الدراسات الإسلاميّة، و يحاربوا الإسلام بها. فاجتهد هؤلاء في وضع فهارس للمصادر الإسلاميّة و تنظيمها و تنسيقها و نشرها بكلّ إتقان، و أشرفوا بواسطتها على كلّ ما فيها، و التقطوا من شتّى الكتب كلّ خبر موضوع و مدسوس يشوّه الإسلام، مثل: أسطورة الغرانيق، و غيرها، و ألّفوا ممّا التقطوا منها باسلوب عصريّ بديع، كتبا مثل: (دائرة المعارف الإسلاميّة) و (محمّد النبيّ السياسيّ) (11) .

و عمل الغزاة (المستعمرون) أخطر من ذلك في حربهم للإسلام، حين دفعوا إلى الواجهة في بلاد المسلمين تلاميذ أولئك و خرّيجي مدارسهم الفكريّة و دعاة أفكارهم و مروّجي حضارتهم، و سلّطوا عليهم الأضواء و عرّفوهم باسم المصلحين للإسلام و منوّري الفكر و التقدّميّين، فاستورد هؤلاء نتيجة أفكار

____________

(10) درسنا انتشار أخبار أهل الكتاب في مصادر الدراسات الإسلامية في الجزء السادس من سلسلة (أثر الأئمة في إحياء السنة) و تخريب المستشرقين في الجزء الثالث و الرابع منه، و تخريب الزنادقة في الجزء السادس منه، و البحوث التمهيدية من الجزء الأوّل من (خمسون و مائة صحابيّ مختلق) . و درسنا تحريف سيف منهم خاصّة فيه و كذلك فعلنا في كتاب عبد اللّه بن سبأ.

(11) و شذّ من المستشرقين في كلّ عصر آحاد خضعوا للحقّ.

20

أولئك إلى بلاد الإسلام، و نشروها بشتّى وسائل النّشر و بأسماء مختلفة و عناوين مشوّقة للنفوس.

و كان من هؤلاء: السير سيّد أحمد مؤسّس جامعة عليگره الإسلاميّة في الهند، و أحمد لطفي السيّد أستاذ الجيل، و قاسم أمين نصير المرأة في مصر. و كذلك فعلوا في العراق و إيران و غيرها من البلاد الإسلاميّة (12) .

و كان من الطبيعيّ أن تقوم بين هؤلاء و بين حفظة الفكر الإسلامي الأصيل حرب يعين فيها المستعمر و عملاؤه و المغرر بهم تلاميذ المستشرقين.

و كان أفتك سلاح بأيدي هؤلاء ما تذرّعوا به في حرب الإسلام باسم تعريف الإسلام و تاريخه و تعريف الشّخصيّات الإسلامية، مثل ما فعل السير سيّد أحمد حين كتب تفسير القرآن حسب زعمه، و جرجي زيدان في قصصه.

و جلّ محاولات هؤلاء و أساتذتهم المستشرقين ترمي إلى شي‏ء واحد و تستهدفه، و هو ما قاله أحدهم: (لا يقتل الدين إلاّ بسيف الدين) ! و في سبيل تحقيق هذه الخطّة أخذوا يفسّرون القرآن و يشرحون الحديث النبويّ الشريف و يكتبون سيرة الرسول (ص) و الأئمة، يحاولون في كلّ ما يعملون أن يجرّدوا الجميع من الاتّصال بالغيب، و عرضها على أنّها من طبيعة البشر، ثمّ يلوّحون من طرف خفيّ، و أحيانا يصرّحون جليّا: أنّ كلّ فرد منهم و كلّ شي‏ء من الإسلام كان متناسبا مع زمانه و كان تقدميّا في عصره

____________

(12) هؤلاء و أمثالهم من دعاة الحضارة الغربية في البلاد الإسلامية و مهدّمي الأعراف الإسلاميّة و مخالفي أحكامها. و قد ناقشنا بعض ما نشره هؤلاء من الفكر الغربي المستورد، و أصدرنا الجزء الأوّل منه في العراق، و امتنعت دور النشر من نشره، كما منعت الحكومة المارونية اللّبنانية يوم ذاك من دخول الكتاب إلى لبنان، فلم نتمكّن من إصدار بقيّة أجزائه، و وجدنا أفضل ما نشر في هذا الصدد كتاب (أجنحة المكر الثلاثة) تأليف عبد الرحمن حسن حبنكة الميداني، من سلسلة (أعداء الإسلام) ، و لنا بعض المؤاخذات على الكتاب.

21

و نافعا للبشر في حينه، أمّا اليوم فنحن بحاجة إلى تطوير الإسلام و تجديده ليطابق مقتضيات العصر و حاجة أهله.

و هؤلاء مع سلاحهم هذا، الخفيّ أثره على الكثير، أضرّ على الإسلام و المسلمين من بعض السياسيّين العملاء للغزاة الكفرة في بلادنا و الّذين نصبوهم حكّاما لبلاد المسلمين، بما قاموا به في الحرب الفكريّة من تحريف لحقائق الإسلام باسم تعريف الإسلام أحيانا، و الإسلام المتطور الملبّي لحاجات العصر تارة أخرى.

من كلّ ما ذكرنا، يظهر جليّا أنّ المسلمين في هذا اليوم و بعد كلّ ما مرّ على الإسلام من تيّارات فكريّة، بحاجة شديدة إلى دراسات مستفيضة لأقوال الفرق الإسلاميّة و تمحيص ما لديها، خلافا لما يراه بعض المسلمين الغيارى الّذين يرون السّكوت عن كلّ ذلك أولى، حفظا لوحدة المسلمين! و لست أدري كيف يتمّ ذلك مع وجود الخوارج‏ (13) الّذين بنيت أصول عقائدهم على تكفير عامّة المسلمين و أنّهم هم وحدهم المسلمون و ما عداهم مشركون، و على التبرّي من الخليفة عثمان و الإمام عليّ و أمّ المؤمنين عائشة و طلحة و الزبير و معاوية و عمرو بن العاص و من كان معهم، ثمّ لعن أولئك و لعن جميع المسلمين.

كيف يتمّ ذلك و في المسلمين من تتوق نفسه إلى زيارة قبر الرسول الأكرم (ص) و قبور أئمة المسلمين و التبرّك بها و الاستشفاع و التوسل بهم إلى اللّه، و فيهم من يرى كلّ ذلك شركا للّه و خروجا على الإسلام و بدعة محرمة، و بذلك يرون أنّ جميع المسلمين بعد القرن الثالث الهجري إلى اليوم مشركون. و قد هدّموا مساجد المسلمين الّتي بنيت في طريق غار حراء و أمثاله

____________

(13) منتشرون في الجانب الشرقي من جزيرة العرب و شمال إفريقيا.

22

من الأماكن المتبرّكة إلى جانب تهديمهم قبور أئمة المسلمين و أمّهات المؤمنين و عمّ الرسول (ص) و ابن الرسول (ص) و صحابته و شهداء أحد!؟ و لا يفعل مثل ذلك مع اليهود و توراتهم و بيعهم و النصارى و كنائسهم، و فيها ما فيها من الصلبان و تماثيل عيسى و مريم (ع) و هم يعلنون أنّ عيسى ربّهم و أنّ اللّه ثالث ثلاثة-معاذ اللّه-و إنّما يعاهدون و لا يقال لهم: أنتم مشركون! ثم إنّ المسائل المذكورة و نظائرها ليست مسائل تخصّ الفرد المسلم-مثل إسبال اليدين في الصّلاة، الّذي تراه مدرسة أهل البيت و المالكية، خلافا للأحناف و الحنابلة الّذين يرون وجوب التكتف؛ و مثل الاختلاف في غسل الرجلين أو مسحهما في الوضوء ممّا يتيسّر للفرد المسلم أن يعمل بموجب ما ثبت لديه حكمه اجتهادا أو تقليدا، و يستطيع الفرد الآخر المخالف له في الرأي أيضا أن يعمل بموجب ما ثبت لديه حكمه، و يمكن لهما مع ذلك أن يعيشا في وفاق في مجتمع إسلامي واحد-و إنّما هي ممّا يبنى المجتمع الإسلامي عليها، فإمّا أن يبنى المجتمع على هذه العقيدة و تزول تلك، و إمّا أن يبنى على تلك و تزول هذه.

و هي ليست بعد قضايا سياسية غير دينيّة يمكن التغاضي عنها حفظا لوحدة المسلمين، و إنّ نشر ملايين النسخ من أمثال كتاب (و جاء دور المجوس) بأسماء مستعارة و غير مستعارة، و إنفاق بعض الحكومات على أمثالها، لتنسب إلى أمّة كبيرة من المسلمين الخروج عن الإسلام، و إنفاقها ملايين الملايين في نشر دعايتها في آلاف المعاهد و المساجد و المدارس بجميع أقطار الأرض: أنّ ما عداهم من المسلمين مشركون، إضافة إلى إيفاد آلاف المبعوثين كذلك إلى جميع أقطار الأرض لنشر دعايتها من جانب واحد، فإنّ كلّ ذلك لم يكن بدافع سياسيّ غير ديني.

23

كما أنّها ليست من قضايا أوجدها الاستعمار لإيجاد التفرقة بين المسلمين ليحسن السكوت عليها، بل هي قضايا كانت قائمة و منتشرة في المجتمع الإسلامي منذ عصر إمام الحنابلة أحمد (ت: 240 هـ) و عصر الشيخ ابن تيميّة (ت: 728 هـ) من أتباع مدرسته، بل قبلهما و بعدهما إلى اليوم. و إنّ قتل مئات الألوف من المسلمين و إحراق مكتباتهم في شتّى العصور و مختلف البلاد خير دليل على ما نقول. فهي إذن مما يستفاد منها سياسيا من قبل تلك الحكومة أو ذلك الاستعمار، متى ما شاءت تلك أو شاء هذا، فيما إذا لم تعالج. ثمّ إنّها، كما ذكرنا، عقائد راسخة و السكوت عنها على مضض لن يحقّق وحدة بين المسلمين و لا تقاربا و لا تفاهما، بل يعمّق الجرح و يوسّع شقّة الخلاف و يطيل أمدها. و لمزيد التوضيح و إقامة الدليل على ما بيّنت، أذكر بعض مشاهداتي من آثار مسائل الخلاف بين أبناء الأمّة الإسلاميّة في ما يأتي. ـ

24

-2- من آثار الخلاف بعض ما شاهدت بين أبناء الأمّة الإسلاميّة

اعتمدت في ما أشرت آنفا من تكفير المسلمين بعضهم بعضا، و ما سأذكره منها في ما يأتي، مع أنواع من استدلالهم، إضافة إلى ما ورد في الكتب المطبوعة، على مشاهداتي في أسفاري إلى البلاد الإسلاميّة و اجتماعي بعلماء فرق المسلمين و مفكّريهم و أبناء شعوبهم، و خاصّة في سفراتي العشر لحجّ بيت اللّه الحرام.

في السفرة الأولى:

و كان ممّا رأيت في سفري الأوّل للحجّ على عهد الملك عبد العزيز آل سعود: أنّ ركبنا-ركب الحاجّ العراقي-عند ما بلغ مدينة الرماح من بلاد الحكومة السعودية، مكثنا فيها أربعا و عشرين ساعة، و اشتركنا جميعا في أداء الفرائض جماعة بمسجدهم. و لمّا دنت ساعة الرحيل، اجتمع علينا لفيف من أهالي المدينة يشاهدون رحيلنا، فحضر حشدهم من بدا عليه أنّه كان من ذوي معرفتهم، و خطب فيهم و أشار إلى أفراد الحاج و قال:

هؤلاء مشركون. و قال أيضا: هؤلاء يبكون على الحسن و الحسين. ثمّ أشار إليّ و قال:

25

هذا مطوّعهم لو يطيح بيدي أذبحو و ألطع دمّو. فانبرى له أحد الحجّاج و قال:

لما ذا نحن مشركون نحن حججنا بيت اللّه، زرنا قبر النبيّ... !؟فإذا به يرعد و يزيد و يقول له:

أشركت، لو يجي‏ء أبو أبو سعود ما يحامي عنك. ويش محمد؛ محمد رجّالا مثلي. (أي لا يستطيع الملك بسلطته و لا يستطيع جدّه سعود أن ينجيك منّي. و أيّ شي‏ء كان محمدا، محمّد كان رجلا مثلي و قد مات و انتهى أمره) .

فارتعد الحاجّ العراقي و قال:

ما ذا أقول؟ما ذا أقول؟فقال له:

قل ما هو ضار إلاّ اللّه، ما هو نافع إلاّ اللّه. فردّد الحاجّ ما لقّنه إيّاه.

فانبرى له حاج عراقي آخر و قال له:

محمد رجالا مثلك!؟فأكّد قوله ثانية و قال:

محمد رجالا مثلي، مات!فقال له الحاجّ:

محمّد نزل عليه القرآن فهل ينزل عليك القرآن؟فلم يحر جوابا، و بادرنا ركوب السيّارات و تحرّكت بنا.

و كان في ركبنا حاجّ يحمل جواز سفر سعوديّا و يسكن العراق. فلمّا بلغنا الحدود و شاهده موظّف الجوازات السعوديّ، انتهره و قال له مستهزئا و مستنكرا:

تترك بلاد الإسلام و تسكن بلاد الشرك!؟ فأخذ الحاجّ السعودي يتذلل له و يتخشّع له و يطلب جواز سفره، حتّى أعاده إليه!!

26

في السفرة الثّانية:

كان علماء العراق يوم ذاك يحملون همّ إعادة الأحكام الإسلاميّة إلى المجتمع، يوقظون أبناء الأمّة الإسلاميّة في سبيل المطالبة بها، في مساجدهم و احتفالاتهم و مهرجاناتهم، و يعارضون السّلطة في تشريعها قوانين مخالفة للأحكام الإسلاميّة. و كنا نتنسّم أخبار تحرّكات المسلمين في هذا السبيل في أيّ مكان كان، نؤيد ثورة الجزائر على فرنسا و ندعم الثورة الفلسطينية بكلّ ما أوتينا من حول و قوّة، و نستطلع أخبار الثورة الأريتيرية على الأحباش، و نرى من لوازم نجاح المعركة في سبيل إعادة الأحكام الإسلاميّة توعية المسلمين في هذا السبيل ثمّ تكاتفهم و تعاونهم في هذا الصدد و نسيان مسائل الخلاف في ما بينهم.

و لمّا نشبت المعركة الإسلاميّة في إيران بين سلطة الطاغوت و علماء المسلمين يوم ذاك بدءا بمعركتهم من المدرسة الفيضية في الجامعة الإسلاميّة الكبرى بقم، في اليوم الخامس و العشرين من شوال سنة 1382 هـ، استبشرنا بها خيرا، و حشّدنا كلّ طاقاتنا لمساعدتها، و جنّدنا أنفسنا لخدمتها؛ فقام علماء العراق بكلّ ما أوتوا من حول و قوّة بتأييدها، جزاهم اللّه جميعا خيرا.

و كنت ممّن أقام الحفلات التأبينية، و أقمت ثلاث ليال حفلة تأبينية كبرى في بغداد، ألقيت فيها خطب توجيهية توضّح أبعاد المعركة الإسلاميّة في إيران و آثارها و مغزاها.

في مثل هذا الظرف سافرت إلى الحجّ و أنا أحمل معي شعارا و أطروحة، شعاري الدعوة لتوحيد كلمة المسلمين في سبيل إعادة حياة إسلاميّة في البلاد الإسلاميّة، و أطروحتي: النهضة الإسلاميّة المتمثّلة بالنهضة الإسلاميّة الّتي بدت طلائعها في إيران من قبل علماء المسلمين. و كنت أبذل الجهد في شرح‏

27

دوافعها لقادة المسلمين و مفكّريهم و استنهاضهم لمساعدتها و بيان أنّ معركة المسلمين في سبيل إعادة الأحكام الإسلاميّة واحدة، و أنّه إذا نجحت المعركة في أي بلد إسلامي، فإنّه ستنتشر آثارها إلى غيرها، و يعمّ المسلمين خيرها، و كلّي أمل و رجاء أنّي سوف أجد أذنا صاغية لما أعرض من مأساة المسلمين في إيران، مع بيان وحدة القضيّة و وحدة المصير.

اجتمعت في هذه السفرة بقادة الإخوان المسلمين في سوريا و سعيد رمضان بمكّة، و محمّد آدم رئيس الثورة الأريتيرية، في موقف عرفات، و مثقّفي الفلسطينيين في الأردن و بيت المقدس و محرّري الصحف الإسلامية و علماء المسلمين و خطبائهم و قادة الحركات الإسلاميّة، أمثال أبي الحسن الندوي و أبي الأعلى المودودي رئيس الجماعة الإسلاميّة بباكستان يوم ذاك، إلى غيرهم.

بدأت عملي في المدينة بالمساهمة في كتابة النشرات الّتي كانوا يعدّونها للتوزيع على الحجيج، فأجريت تعديلات على صيغ النشرات، شرحنا فيها أبعاد النهضة الإسلامية في إيران و بيّنّا ظلم حكومة الطاغوت و عمالتها لدول الكفر، نستنهض فيها المسلمين لإعانة أبناء الأمّة الإسلاميّة في إيران، و رجّحت توزيعها ليلة العيد على الحجّاج في المشعر الحرام، غير أنّي بوغت مساء السابع من ذي الحجّة في مكّة المكرمة بأنّ الشّيخ المسئول عن توزيعها وزّع بعضها في الحرم المكّي الشريف فألقي القبض عليه و زجّ في السجن و حجزت النشرات كافّة. فاجتمعنا نحن علماء العراق و إيران يوم العيد بوليّ العهد فيصل، يوم ذاك، نطلب منه إطلاق سراح الموقوف و النشرات المحجوزة، فاغتنمت الفرصة و قلت: إنّ حكومتكم رفعت شعار تنفيذ أحكام القرآن في هذا البلد، و عليه يقتضي أن تعينوا المسلمين الّذين يجاهدون في سبيل تطبيق أحكام القرآن في بلادهم و يصطدمون بحكومات بلادهم الّذين يريدون تنفيذ أحكام الكفر، و أن تجعلوا من البلد الحرام ملجأ للمشردين منهم و تساعدوهم في شرح‏

28

ظلامتهم لإخوانهم الحجيج، و ذلك هو مصداق قوله تعالى:

لِيَشْهَدُوا مَنََافِعَ لَهُمْ .

ثمّ ذكرت قيام علماء المسلمين في الجامعة الإسلاميّة الكبرى بقم و أسهبت في شرح أبعاد النهضة الإسلاميّة الطالعة بإيران، و واجب قادة المسلمين خاصّة الحكومة السعودية تجاهها، و ختمت حديثي بشرح قضية العالم الّذي وزّع نشرات التظلّم على المسلمين و توقيفه، و جرت حول ذلك بيننا مناقشات، أدّت إلى إطلاق سراح الموقوف.

و نشرت الصحف بعد أداء المناسك و رجوعنا إلى مكّة دعوة للحضور في المسجد الهندي بمكّة مساء الجمعة للاستماع إلى خطبة الأستاذ المودودي.

فحضرنا الاحتفال بعد صلاة العشاء و ألقى الأستاذ المحاضر خطبة (1) ذكر فيها ثمانية أمور تلزم المسلمين لإعادة الحياة الإسلاميّة إلى المجتمع، و تقدّمت بعده خلف المذياع و خطبت معلقا على خطابه و قلت:

إنّ المسلمين في نهضتهم اليوم بحاجة إلى ثلاثة أمور: أوّلا- إنّ المسلمين بعد مضيّ أربعة عشر قرنا من بعثة الرسول الأكرم (ص) و الظروف الّتي مرّت عليهم بحاجة إلى دراسة موضوعية مستوعبة لكيفيّة استنباط الأحكام من مصادر الشريعة الإسلاميّة و دراية الحديث وفقه السنّة و ترك البقاء على تقليد العلماء السلف في كلّ ذلك.

ثانيا- إنّ الغزاة الكفرة لبلاد الإسلام-المستعمرين-استطاعوا أن يشتّتوا كلمة المسلمين و بذلك استطاعوا أن يقضوا على كلّ حركة إسلاميّة في أي مكان تظهر. ثمّ شرحت ثورة الجزائر ضدّ الفرنسيّين، و الأريتيريّين ضدّ الأحباش، و علماء إيران ضدّ الطاغوت العميل، و أسهبت في الشرح

____________

(1) كان قد أعدّها ليلقيها في ندوات رابطة العالم الإسلامي الّتي دعي للاشتراك في جلسات تأسيسها، و لمّا لم يسمح له بذلك ألقاها في ذلك المسجد.

29

و استنهضت همم المسلمين لمساعدتهم.

و ذكرت ثالثا أنّنا اليوم بحاجة إلى إيمان كإيمان أبي ذرّ و عمار و سميّة، و شرحت ما تحمّلوا من الأذى على أرض مكّة الّتي نحن عليها في سبيل الإسلام.

و في المدينة المنوّرة بلغ عميد الجامعة الإسلاميّة الشيخ عبد العزيز بن باز خبر لقاءاتي بالوفود الإسلاميّة و أنّ أحد علماء بغداد من وصفه كذا و كذا في المدينة المنورة، فظنّني من أتباع مدرسة الخلفاء و رغب في أن أزور الجامعة الإسلامية بالمدينة، و كانت جديدة التأسيس، و أرسل إلينا من سيّارات الجامعة ما حملتنا إليها مع بعض علماء بغداد و مثقّفيها و وجهائها، و كان أساتذتها قد اجتمعوا في بهو كبير بانتظارنا و استقبلونا فيه و احتشد على نوافذ البهو فريق من الطلاّب لمشاهدتنا. و لمّا استقرّ بنا المقام، بدأت بعد حمد اللّه و الثناء عليه بتقديم تحايا علماء المسلمين في العراق لهم و تهانيهم بتأسيسهم الجامعة الإسلامية في المدينة المنوّرة ثمّ قلت:

إنّ رسول اللّه (ص) لما حلّ بهذا البلد المبارك بدأ بعقد التآخي بين المسلمين المهاجرين و الأنصار، و بنى على ذلك التآخي مجتمعه الإسلامي المجيد. و أنتم بوجود طلبة من خمس و أربعين دولة عندكم تستطيعون أن تقتدوا به و تقدّموا هذه الخدمة الجليلة للإسلام و المسلمين. و المسلمون اليوم بأمسّ الحاجة إليها، فإنّهم في شتّى أصقاع الأرض ابتلوا بالاستعمار الغازي الكافر؛ منهم من يئنّ تحت وطأته مباشرة، و منهم من يسيطر عملاؤه عليهم و بدءوا اليوم يجاهدون الاستعمار و عملاءه. فهذي الجزائر يجاهد مسلموها فرنسا و يجري عليهم ما يجري و في أريتيريا يجاهد ثوارها هيلاسيلاسي إمبراطور الحبشة و يجري عليهم ما يجري و علماء المسلمين في إيران يجاهدون‏

30

الطّاغوت و سيّده المستعمر و يكافحون لطرد أقسى استعمار كافر على وجه الأرض لإعادة الأحكام الإسلامية إلى البلد الإسلامي و جرى عليهم كذا و كذا...

قلت هذا بعد أن أفضت في الحديث عن مآسي التفرقة بين المسلمين، و ضربت الأمثال لذلك و أتممت الحديث، و جاء دور مضيفي الشيخ بن باز للحديث-و كان قد أنبئ بأنّي من أتباع مدرسة أهل البيت، و كان ضريرا لا يبصر-فإذا به يتنحنح ثمّ يقول بالحرف الواحد:

أنتم مشركون!أسلموا، ثمّ اطلبوا من المسلمين أن يتّحدوا معكم.

فثار الدّم في عروقي و اشتركت معه في نقاش طويل و ذكره خارج عن الصدد (2) .

استمعت في سفراتي إلى الحجّ إلى خطباء الجمعة و الجماعة في مكّة و المدينة، و اشتركت في النّقاش أحيانا مع الخطباء بين صلاتي المغرب و العشاء بمسجد الخيف، و حضرت ندوات رابطة العالم الإسلامي بمكّة مستمعا و اجتمعت في أسفاري بعلماء مصر و خاصّة الأزهر الشريف و سائر بلاد المسلمين في لبنان و بلاد الخليج و الهند و باكستان و كشمير و غيرها و طارحتهم الحديث. و سمعت أحيانا ما لا يصلح نقله اليوم و أدركت من خلال مطارحاتي مع مفكّري المسلمين و علمائهم و قادتهم-و لا ينبّئك مثل خبير-أنّه لن يتحقّق أيّ تقارب أو تفاهم بين المسلمين دون تدارس مسائل الخلاف و البحث عن منشئها ثمّ المبادرة إلى علاجها. و إذا كان لا بدّلنا من معرفة منشأ

____________

(2) إنما أشرت إلى أحاديثي في هذه السفرة ليعلم مدى إخلاصي للشعار الّذي كنت أرفعه و الأطروحة الّتي كنت أطرحها، و أحيانا كان الألم يعصر قلبي حين التحدّث و الدمع ينحدر من عيني، و إذا بي أجابه تلك المجابهة الفظّة من ذلك الشيخ.

31

الخلاف في مسائل الخلاف من أجل علاجها، فسنذكر في ما يأتي أمثلة منها، ثمّ نختم البحوث بما ينبغي أن نعمله في سبيل علاج مسائل الخلاف بحوله تعالى.

و نبدأ بذكر مسائل الخلاف حول بعض صفات اللّه عزّ اسمه.

32

-3- بعض صفات اللّه جلّ اسمه و منشأ الخلاف حولها

في المسلمين من يرى أنّ اللّه:

خلق آدم على صورته‏ (1) ، و أنّ له أصابع‏ (2) و ساقا (3) و قدما.

و أنّه يضع قدمه يوم القيامة على نار جهنّم أو على جهنّم فتقول: قطّ، قطّ، قطّ (4) .

____________

(1) صحيح البخاري، كتاب الاستئذان، باب بدء السلام.

و صحيح مسلم، كتاب الجنّة و صفة نعيمها، باب يدخل الجنّة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير، ح 28، و كتاب البرّ، باب النهي عن ضرب الوجه، ح 115. و مسند أحمد 2/244 و 251، و 323 و 365 و 424 و 462 و 569.

(2) صحيح البخاري، تفسير سورة الزمر 2/122. و كتاب التوحيد، باب قول اللّه: لِمََا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ 4/186 و باب‏ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نََاضِرَةٌ 4/192. و صحيح مسلم، كتاب صفة القيامة و الجنّة و النار، ح 19، 21، 22.

(3) صحيح البخاري، تفسير قوله تعالى: يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سََاقٍ من سورة ن و القلم، الآية 43 و كتاب التوحيد، باب قول اللّه تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نََاضِرَةٌ 4/189.

(4) صحيح البخاري، تفسير سورة ق، و كتاب التوحيد، باب‏ إِنَّ رَحْمَتَ اَللََّهِ قَرِيبٌ مِنَ اَلْمُحْسِنِينَ 4/191. و الترمذي، كتاب صفة الجنّة، باب ما جاء في خلود أهل الجنّة و أهل النار.

و صحيح مسلم، كتاب الجنّة و صفة نعيمها و أهلها، باب النار يدخلها الجبارون و الجنّة يدخلها الضعفاء، ح 35 و 36 و 37 و 38.

33

و أن له مكانا، و أنّه ينتقل من مكان إلى مكان، و ذلك لما رووا أنّ رسول اللّه قال:

كان ربّنا قبل أن يخلق خلقه في عماء-أي ليس معه شي‏ء-ما تحته هواء، و ما فوقه هواء، و ما ثمّ خلق. عرشه على الماء (5) .

و أنّه قال:

إنّ عرشه على سماواته كهكذا-و قال بأصابعه مثل القبّة عليه-و إنّه ليئط به أطيط الرحل بالراكب‏ (6) .

و أنّه قال: ينزل اللّه في آخر الليل إلى السماء الدنيا فيقول: من يسألني فأستجيب له و من يسألني فأعطيه... (7) .

و أنّه قال: ينزل في ليلة النصف من شعبان إلى السماء الدنيا فيغفر... (8) .

____________

(5) سنن ابن ماجة، المقدمة، باب في ما أنكرت الجهمية، ح 182. و سنن الترمذي، تفسير سورة هود، الحديث الأول و فيه: العماء-أي ليس معه شي‏ء. و مسند أحمد 4/11 و 12.

(6) سنن أبي داود، كتاب السنّة، باب في الجهمية، ح 4726. و سنن ابن ماجة، المقدمة، باب في ما أنكرت الجهمية. و سنن الدارمي، كتاب الرقائق، باب في شأن الساعة و نزول الرّبّ تعالى.

و راجع كتاب التوحيد لمحمد بن عبد الوهاب (ت: 1206 هـ) و منهاج السنة لابن تيمية.

(7) صحيح البخاري، كتاب التهجد، باب الدعاء و الصلاة في آخر الليل، و كتاب التوحيد باب قوله تعالى: يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلاََمَ اَللََّهِ . و كتاب الدعوات، باب الدعاء نصف الليل.

و صحيح مسلم، كتاب الدعاء، باب الترغيب في الدعاء و الذكر في آخر الليل. و سنن أبي داود، كتاب السنة، باب في الرد على الجهمية، ح 4733. و سنن الترمذي، كتاب الصلاة، باب ما جاء في نزول الربّ إلى السماء الدنيا كلّ ليلة، 2/233 و 235. و كتاب الدعوات، باب حدثني الأنصاري، 13/30. و سنن ابن ماجة، كتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في أيّ ساعات الليل أفضل، ح 1366. و سنن الدارمي، كتاب الصلاة، باب ينزل اللّه إلى السماء الدنيا. و موطأ مالك، كتاب القرآن، باب 30. و مسند أحمد 2/264، 267، 282، 419، 433، 487، 504، 521، و 3/34 و 4/16

(8) سنن الترمذي، أبواب الصوم، باب ما جاء في ليلة النصف من شعبان. و سنن ابن ماجة،

34

و أنّه قال عن يوم القيامة:

يقال لجهنّم: هل امتلأت؟و تقول: هل من مزيد؟فيضع الرّبّ تبارك و تعالى قدمه عليها فتقول: قطّ قطّ.

و في رواية:

فأمّا النار فلا تمتلئ حتّى يضع رجله فتقول: قطّ قطّ. فهنالك تمتلئ و يزوى بعضها إلى بعض‏ (9) .

حول رؤيته:

رووا أنّ رسول اللّه (ص) يرى ربّه يوم القيامة. فقد قال (ص) : يأتيني المؤمنون للشّفاعة بعد إباء الأنبياء من الشّفاعة. فأنطلق فأستأذن على ربّي، فيؤذن لي، فإذا رأيت ربّي وقعت ساجدا... -إلى قوله: -ثمّ أشفع فيحدّ لي حدّا فأدخلهم الجنّة، ثمّ أرجع، فإذا رأيت ربّي وقعت ساجدا-الحديث‏ (10) .

و أنّه قال:

إن اللّه تبارك و تعالى ينزل يوم القيامة إلى العباد ليقضي بينهم‏ (11) .

و أنّه قال:

____________

قكتاب إقامة الصلاة، باب ما جاء في ليلة النصف من شعبان. و مسند أحمد 2/433.

(9) كلتا الروايتين عن الصحابي أبي هريرة في تفسير سورة ق من صحيح البخاري 3/128، و في باب‏ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نََاضِرَةٌ من كتاب التوحيد منه، 4/191.

و عن أنس حديث القدم في باب قول اللّه تعالى: (و هو العزيز الحكيم سبحان ربّك... ) من كتاب التوحيد منه، 4/129.

و راجع سنن الترمذي، كتاب الجنّة، باب ما جاء في خلود أهل الجنّة و أهل النار، 10/29.

و مسند أحمد 2/396.

(10) صحيح البخارى، كتاب التوحيد، باب قول اللّه تعالى: لِمََا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ 4/185 و في باب قول اللّه تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نََاضِرَةٌ بتفصيل أوفى، راجع 4/190 منه.

(11) سنن الترمذي، كتاب الزهد، باب ما جاء في الرياء و السمعة 9/229.

35

إنّكم سترون ربّكم عيانا (12) .

و إنّ المسلمين يرون ربّهم يوم القيامة كما يرون القمر لا يضامّون في رؤيته‏ (13) .

و إنّ اللّه يقول يومئذ:

من كان يعبد شيئا فليتّبع. فمنهم من يتّبع الشمس و منهم من يتّبع القمر، و منهم من يتّبع الطواغيت، و تبقى هذه الأمّة فيها منافقوها فيأتيهم اللّه في غير الصورة الّتي يعرفون، فيقول: أنا ربكم. فيقولون: نعوذ باللّه منك، هذا مكاننا حتّى يأتينا ربّنا، فإذا أتانا ربّنا عرفناه، فيأتيهم اللّه في الصورة الّتي يعرفون، فيقول: أنا ربّكم. فيقولون: أنت ربّنا فيتّبعونه... (14)

و في رواية:

حتّى إذا لم يبق إلاّ من كان يعبد اللّه من برّ و فاجر، أتاهم ربّ العالمين في أدنى صورة من الّتي رأوه فيها، فيقال: ما ذا تنتظرون؟تتبع كل أمّة ما كانت تعبد، قالوا: ... نحن ننتظر ربّنا الّذي نعبد. فيقول: أنا ربّكم. فيقولون:

لا نشرك باللّه شيئا، مرّتين أو ثلاثا... فيقول: هل بينكم و بينه علامة فتعرفونه بها؟فيقولون: الساق. فيكشف عن ساق (ثمّ يسجدون) (15) ثمّ يرفعون رءوسهم و قد تحوّل في صورته الّتي رأوه فيها أوّل مرّة، فقال: أنا

____________

(12) صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب قول اللّه تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نََاضِرَةٌ 4/188.

(13) صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب قول اللّه تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نََاضِرَةٌ .

و كتاب الصلاة، باب فضل صلاة العصر، و باب وقت العشاء إلى نصف الليل، و كتاب التفسير، باب سورة ق. و صحيح مسلم، كتاب الصلاة، باب فضل صلاتي الصبح و العصر و المحافظة عليهما. و الترمذي، كتاب صفة الجنّة، باب ما جاء في رؤية الرّبّ تبارك و تعالى، 10/18 و 20.

(14) صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية. و صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب قول اللّه تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نََاضِرَةٌ 4/188، و راجع تفسير سورة: ق منه.

(15) ما بين القوسين ملخّص من لفظ الحديث في السجدة.

36

ربّكم. فيقولون: أنت ربّنا (16) .

في الجنّة

و أنّه قال عن المؤمنين في الجنّة:

ما بينهم و ما بين أن ينظروا إلى ربّهم إلاّ رداء الكبر على وجهه في جنّة عدن‏ (17) .

و أنّ أهل الجنّة إذا دخلوها يقول اللّه تبارك و تعالى:

تريدون شيئا أزيدكم؟فيقولون: أ لم تبيّض وجوهنا؟أ لم تدخلنا الجنّة و تنجنا من النّار؟فيكشف الحجاب فما أعطوا شيئا أحبّ إليهم من النظر إلى ربّهم عزّ و جلّ‏ (18) .

و أنّ رسول اللّه (ص) قال:

بينا أهل الجنّة في نعيمهم إذ سطع لهم نور، فرفعوا رءوسهم، فإذا الرّبّ قد أشرف عليهم من فوقهم فقال: السلام عليكم يا أهل الجنّة!!قال:

و ذلك قول اللّه: سَلاََمٌ قَوْلاً مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ . قال: فينظر إليهم و ينظرون إليه فلا يلتفتون إلى شي‏ء من النعيم، ما داموا ينظرون إليه، حتّى يحتجب عنهم و يبقى نوره و بركته‏ (19) .

____________

(16) صحيح مسلم كتاب الإيمان، باب معرفة طريق الرؤية، ح 229، و اللفظ منه. و صحيح البخاري في تفسير سورة النساء، باب قوله: إِنَّ اَللََّهَ لاََ يَظْلِمُ مِثْقََالَ ذَرَّةٍ 3/80، و اللفظ فيه مختصر، و كذلك في كتاب التوحيد منه، باب قول اللّه تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نََاضِرَةٌ 4/189.

لو تفضّل الراءون ربّهم و وصفوا لنا صورة ربّهم الّتي رأوه عليها و ساقه الّتي هي علامة بينهم و بين ربّهم لكان ذلك فضلا منهم كبيرا يشكرون عليه و يحمدون.

(17) صحيح البخاري، كتاب التوحيد، باب قول اللّه تعالى: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نََاضِرَةٌ 4/191. و في صحيح مسلم، كتاب الإيمان، باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربّهم، ح 296.

(18) صحيح مسلم، كتاب الإيمان باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربّهم، ح 297.

(19) سنن ابن ماجة، كتاب المقدمة، باب في ما أنكرت الجهمية، ح 184.

37

و أنّه قال:

... أكرمهم على اللّه من ينظر إلى وجهه غدوة و عشيّا. ثمّ قرأ رسول اللّه (ص) : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نََاضِرَةٌ `إِلى‏ََ رَبِّهََا نََاظِرَةٌ (20) .

و أنّ رسول اللّه (ص) أخبر و قال: إنّ أهل الجنّة يزورون اللّه عزّ و جلّ و يبرز لهم عرشه و يتبدّى لهم في روضة من رياض الجنّة، و لا يبقى في ذلك المجلس أحد إلاّ حاضره اللّه عز و جل محاضرة حتّى أنّه يقول للرجل منكم ألا تذكر يا فلان يوم عملت كذا و كذا؟فيقول:

يا ربّ أ فلم تغفر لي؟فيقول:

بلى... ثمّ ننصرف إلى منازلنا فتلقانا أزواجنا فيقلن:

أهلا و مرحبا، لقد جئت و إنّ بك من الجمال و النور و الطّيب أفضل فارقتنا عليه. فنقول:

إنّا جالسنا اليوم ربّنا عزّ و جلّ و يحقّنا أن ننقلب بمثل ما انقلبنا (21) .

نكتفي بإيراد ما أوردنا من الأحاديث الكثيرة الوفيرة في صفات أعـ؟ اللّه و رؤية العباد ربّهم يوم القيامة، لأنّنا بصدد ضرب المثل لبيان الخلاف، و لسنا بصدد الإحصاء. و ندرس في ما يأتي الخلاف حول تـ؟؟ هذه الأحاديث.

الخلاف على تأويل تلكم الأحاديث‏

في المسلمين من يؤمن بظواهر تلكم الأحاديث و يرى الإيمان بها إيمانا

____________

(20) سنن الترمذي، كتاب صفة الجنّة، باب رؤية الرّبّ، 10/18-19.

(21) سنن ابن ماجة، كتاب الزهد، باب صفة أهل الجنّة، ح 4336، ص 1451- و سنن الترمذي، أبواب صفة الجنّة، باب ما جاء في سوق الجنّة، 10/16-17.

38

باللّه و دليلا على القول بتوحيده تعالى، و يسمّون من يؤوّلها إلى غير معنى الجسميّة بمعطّلة الصفات، أي معطلة صفات اللّه.

و قد دوّن مسلم تلك الأحاديث في كتاب الإيمان من صحيحه و البخاري في كتاب التوحيد من صحيحه.

و ألّف ابن خزيمة كتابا سمّاه: (التوحيد و إثبات صفات الربّ عزّ و جلّ الّتي و صف بها نفسه في تنزيله و على لسان نبيّه، نقل الأخبار الصحيحة نقل العدول عن العدول من غير قطع في إسناد و لا جرح في ناقلي الأخبار الثقات) (22) .

و هذا فهرس بعض أبواب الكتاب كما جاء في آخره:

أبواب كتاب ابن خزيمة

إثبات النفس للّه إثبات الوجه للّه باب ذكر صورة ربّنا جلّ و علا باب ذكر إثبات العين للّه جلّ و علا باب إثبات السّماع و الرؤية للّه جلّ و علا باب إثبات اليد للخالق البارئ جلّ و علا باب ذكر إثبات الرّجل للّه عزّ و جلّ باب ذكر البيان أنّ اللّه عزّ و جلّ ينظر إليه جميع المؤمنين باب ذكر البيان أن جميع المؤمنين يرون اللّه يوم القيامة مخليا به

____________

(22) هو الحافظ الكبير إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة (ت: 311 هـ) أستاذ البخاري و مسلم في الحديث، طبع الكتاب سنة 1378 هـ، نشر مكتبة الكليات الأزهرية بميدان الأزهر في القاهرة. راجع ترجمة المؤلف في مقدمة الكتاب.

39

و ألّف الإمام الحافظ عثمان بن سعيد الدارمي (ت: 280 هـ) كتاب:

الردّ على الجهميّة، و من أبوابه:

باب استواء الرّبّ على العرش و ارتفاعه إلى السماء و بينونته من الخلق باب النزول ليلة النصف من شعبان باب النزول يوم عرفة باب نزول الرّبّ يوم القيامة للحساب باب نزول اللّه لأهل الجنّة باب الرؤية (23) .

و ألّف الذهبي كتاب (العلوّ العال للعليّ الغفّار) (24) أورد فيه الآيات و الأحاديث الّتي يفهمون منها أنّ مكان اللّه في العلوّ المكاني، ثمّ ذكر أقوال الصّحابة و التابعين و العلماء و المحدّثين في تأييد ذلك.

منشأ الخلاف حول بعض صفات اللّه و رؤيته‏

في المسلمين من درسنا آراءهم في صفات اللّه المذكورة. و فيهم من يتلو في ردّ تلكم الأقوال قول اللّه تعالى: لاََ تُدْرِكُهُ اَلْأَبْصََارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ اَلْأَبْصََارَ الأنعام/103.

و يقول: إنّ قول اللّه: وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نََاضِرَةٌ `إِلى‏ََ رَبِّهََا نََاظِرَةٌ ، أي: إلى أمر ربّها ناظرة، أي: منتظرة، و ذلك مثل قوله تعالى في حكاية قول أولاد يعقوب لأبيهم: وَ سْئَلِ اَلْقَرْيَةَ اَلَّتِي كُنََّا فِيهََا يوسف/82. أي: و اسأل أهل

____________

(23) ط. ليدن، سنة 1960 م.

(24) الإمام الحافظ شمس الدين محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز الذهبي (ت: 748 هـ) ، نشر المكتبة السلفية في المدينة المنورة، باب الرحمة، ط: الثانية، سنة 1388 هـ.

40

القرية، قدّر في تلك الآية (أمر) و في هذه الآية (أهل) ، و هكذا تؤوّل سائر الآيات الّتي ظاهرها يدلّ على أنّ اللّه تبارك و تعالى جسم.

و يسمّون أهل تلك الأقوال بالمجسّمة و المشبّهة أي الّذين يشبّهون ربّهم بمخلوقاته و يقولون إنّه جسم.

و يروون عن الإمام جعفر بن محمد الصّادق (ع) أنّه قال:

من زعم أنّ اللّه فوق العرش فقد صيّر اللّه محمولا و لزمه أنّ الشي‏ء الّذي يحمله أقوى منه. و من زعم أنّ اللّه في شي‏ء، أو على شي‏ء، أو يخلو منه شي‏ء، أو يشغل به شي‏ء فقد و صفه بصفة المخلوقين؛ و اللّه خالق كلّ شي‏ء، لا يقاس بالقياس، و لا يشبه بالناس، لا يخلو منه مكان، و لا يشتغل به مكان‏ (25) .

و يستشهدون بقول الإمام علي (ع) :

إنّ اللّه لا ينزل، و لا يحتاج أن ينزل؛ و إنّما يقول ذلك من ينسبه إلى نقص و زيادة، و كلّ متحرّك يحتاج إلى من يحرّكه أو يتحرّك به، فاحذروا في صفاته من أن تقضوا له على حدّ تحدّونه بنقص أو زيادة، أو تحريك أو تحرّك، أو زوال أو استنزال، أو نهوض أو قعود (26) .

و قال الراوي للإمام عليّ بن موسى الرضا (ع) :

____________

(25) الكافي، الجزء الأول، كتاب التوحيد، باب العرش و الكرسي، ح 7، و باب الحركة و الانتقال، ح 3 و 9. و التوحيد للشيخ الصدوق، باب نفي المكان و الزمان و الحركة عنه تعالى، ح 9 و 10 و 12، و باب‏ وَ كََانَ عَرْشُهُ عَلَى اَلْمََاءِ ح 11، و باب معنى‏ اَلرَّحْمََنُ عَلَى اَلْعَرْشِ اِسْتَوى‏ََ ح 5 و 6 و 7 و 8. البحار للمجلسي، ط. الجديدة، كتاب التوحيد، باب نفي الجسم و الصورة و التشبيه و الحلول و الاتّحاد، ح 23، 3/87.

(26) الكافي، كتاب التوحيد، باب الحركة و الانتقال، ح 1. و التوحيد للصدوق، باب نفي المكان و الزمان و الحركة عنه تعالى، ح 18. و البحار للمجلسي، كتاب التوحيد، باب نفي الزمان و المكان و الحركة و الانتقال عنه تعالى ح 25، 3/311.

41

إنّا روينا أنّ اللّه عز و جلّ قسّم لموسى الكلام و لمحمد الرؤية. فقال أبو الحسن الرضا (ع) : فمن المبلّغ عن اللّه عزّ و جلّ إلى الثقلين الجنّ و الإنس: لاََ تُدْرِكُهُ اَلْأَبْصََارُ وَ هُوَ يُدْرِكُ اَلْأَبْصََارَ و وَ لاََ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً و لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْ‏ءٌ أ ليس محمدا (ص) ؟قال: بلى، قال: فكيف يجي‏ء رجل إلى الخلق جميعا فيخبرهم أنّه جاء من عند اللّه و أنّه يدعوهم إلى اللّه بأمر اللّه و يقول: لاََ تُدْرِكُهُ اَلْأَبْصََارُ... -الآيات، ثمّ يقول: أنا رأيته بعيني و أحطت به علما و هو على صورة البشر!؟أ ما تستحون؟ما قدرت الزنادقة أن ترميه بهذا، أن يكون يأتي عن اللّه بشي‏ء ثمّ يأتي بخلافه من وجه آخر.

قال الراوى: فإنّه يقول: وَ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى‏ََ فقال أبو الحسن (ع) : إنّ بعد هذه الآية ما يدلّ على ما رأى حيث قال: مََا كَذَبَ اَلْفُؤََادُ مََا رَأى‏ََ يقول: ما كذّب فؤاد محمد (ص) ما رأت عيناه. ثمّ أخبر بما رأى فقال: لَقَدْ رَأى‏ََ مِنْ آيََاتِ رَبِّهِ اَلْكُبْرى‏ََ فآيات اللّه عزّ و جلّ غير اللّه، و قد قال: وَ لاََ يُحِيطُونَ بِهِ عِلْماً فإذا رأته الأبصار، فقد أحاطت به العلم، و وقعت المعرفة. فقال أبو قرّة: فتكذّب بالروايات؟فقال أبو الحسن (ع) : إذا كانت الروايات مخالفة للقرآن كذّبت بها... (27) .

و هكذا بيّن أئمة أهل البيت (ع) تفسير الآيات الّتي فيها شبهة رؤية اللّه و تجسيمه، و كشفوا عن المقصود من السّاق و اليد و العرش و نظائرها في

____________

(27) توحيد الصدوق، ط. طهران سنة 1387 هـ، ص 111-112. و أحاطت به العلم، أي: أحاطت به الأبصار علما، و قد أوردنا الحديث موجزا. و البحار، كتاب التوحيد، باب نفي الرؤية و تأويل الآيات، ح 14، 4/31. و الكافي، كتاب التوحيد، باب في إبطال الرؤية ح 2

42

الآيات الكريمة، و أنّ اللّه خلق آدم على صورته في الحديث‏ (28) و تركنا إيرادها لأنّا لسنا بصدد إيراد أدلّة المدرستين و استقصاء أدلّتهما في ما ارتأيا، بل أردنا أن نورد أمثلة ممّا ورد من الأحاديث المتعارضة في صفات اللّه لدى المدرستين، و أنّ أحاديث كلّ مدرسة تؤوّل آيات القرآن باتّجاهها الخاصّ، و أنّه هكذا نشأ الخلاف حول صفات اللّه.

ثمّ ندرس في ما يأتي منشأ الخلاف في بعض صفات الأنبياء بحوله تعالى.

____________

(28) يراجع بشأن صفات اللّه كتب: الكافي للشيخ الكليني، كتاب التوحيد. و التوحيد للشيخ الصدوق. و عيون أخبار الرضا للشيخ الصدوق، الباب رقم: 11، ما جاء عن الرضا من الأخبار في التوحيد.

43

-4- الخلاف في صفات الأنبياء و ما خصّهم اللّه بها و منشؤها

يرى البعض حول صفات الأنبياء:

أنّ التبرّك بآثار الأنبياء و اتّخاذ قبورهم محلاّ للعبادة شرك.

و أنّ البناء على قبورهم في حدّ الشرك.

و أنّ الاحتفال بأيّام مواليدهم و مواليد الأولياء معصية و بدعة محرّمة.

و أنّ التوسّل إلى اللّه بغيره في حدّ الشرك، و الاستشفاع برسول اللّه (ص) بعد وفاته مخالف للشّرع الإسلامي.

و يستدلّ مخالفوهم بما يأتي:

أ-التبرّك بآثار الأنبياء

يستدلّون على مشروعيّة التبرك بآثار الأنبياء بما تواتر نقله في جميع كتب الحديث أنّ الصّحابة تبرّكوا برسول اللّه (ص) و آثاره في حياة الرسول (ص) بمباشرته، و دعوته بذلك، و تبرّكوا-أيضا-بآثاره بعد وفاته، و في ما يأتي بعض ما يستدلّون به:

44
التبرّك ببصاق النّبيّ (ص)

في صحيح البخاري عن سهل بن سعد في باب ما قيل في لواء النبيّ (ص) من كتاب المغازي‏ (1) : إنّ رسول اللّه (ص) قال يوم خيبر: لأعطينّ هذه الراية غدا رجلا يفتح اللّه على يديه، يحبّ اللّه و رسوله، و يحبّه اللّه و رسوله. قال: فبات الناس يدوكون ليلتهم أيّهم يعطاها. فلمّا أصبح الناس غدوا على رسول اللّه (ص) كلّهم يرجو أن يعطاها فقال: أين عليّ؟فقيل:

هو يا رسول الله يشتكي عينيه. فأرسل فأتي به... و لفظه في كتاب الجهاد و السير (2) : فأمر فدعي له، فبصق في عينيه، فبرأ مكانه حتّى كأنّه لم يكن به شي‏ء... -الحديث.

و في لفظ سلمة بن الأكوع بصحيح مسلم:

قال: فأتيت عليّا فجئت به أقوده و هو أرمد حتّى أتيت به رسول اللّه (ص) فبصق في عينيه فبرأ و أعطاه الراية-الحديث‏ (3) .

التبرّك بوضوء النّبيّ (ص)

في صحيح البخاري عن أنس بن مالك قال: رأيت رسول اللّه (ص) و حانت صلاة العصر، فالتمس الناس الوضوء فلم يجدوه. فأتي رسول

____________

(1) صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة خيبر، 3/35. و كتاب الجهاد و السير، الباب رقم: 102، 2/108، و باب ما قيل في لواء النبي، 2/111، و باب فضل من أسلم على يديه رجل، 2/115. و كتاب فضائل أصحاب النبيّ، باب مناقب عليّ بن أبي طالب، 2/199. و صحيح مسلم، كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل عليّ بن أبي طالب (رض) ، ح 32 و 34، و باب غزوة ذي قرد و غيرها، ح 132. و سنن الترمذي، كتاب المناقب، باب مناقب عليّ بن أبي طالب، 13/172.

(2) صحيح البخاري، باب دعاء النبي إلى الإسلام، 2/107.

(3) صحيح مسلم، كتاب الجهاد و السير، ح 132.

45

اللّه (ص) بوضوء فوضع رسول اللّه في ذلك الإناء يده، و أمر الناس أن يتوضّئوا منه. فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه حتى توضّئوا من عند آخرهم‏ (4) .

و في رواية أخرى عن جابر بن عبد اللّه أنه قال:

قد رأيتني مع النبيّ (ص) و قد حضرت العصر و ليس معنا ماء غير فضلة، فجعل في إناء فأتي النبيّ (ص) به، فأدخل يده فيه و فرّج أصابعه ثمّ قال: حيّ على أهل الوضوء، البركة من اللّه. فلقد رأيت الماء يتفجّر من بين أصابعه، فتوضّأ الناس و شربوا. فجعلت لا آلو ما جعلت في بطني منه فعلمت أنّه بركة-فقيل لجابر: -كم كنتم يومئذ؟قال: ألفا و أربعمائة. و في رواية:

خمس عشر مائة (5) .

التبرّك بنخامة النّبيّ (ص)

روى البخاري في صلح الحديبيّة عن عروة بن مسعود قال عن رسول اللّه (ص) و أصحابه:

و اللّه ما تنخّم رسول اللّه (ص) نخامة إلاّ وقعت في كفّ رجل منهم فدلك بها وجهه و جلده، و أنّه إذا توضّأ كادوا يقتتلون على وضوئه‏ (6) .

التبرّك بشعر النبيّ (ص)

روى مسلم في صحيحه: أنّ رسول اللّه (ص) أتى منى و حلق رأسه

____________

(4) صحيح البخاري، كتاب الوضوء، باب التماس الوضوء إذا حانت الصلاة، 1/31.

(5) صحيح البخاري، كتاب الأشربة، باب شرب البركة و الماء المبارك، 3/219. و سنن النسائي، كتاب الطهارة، باب الوضوء من الإناء 1/25. و مسند أحمد 1/402. و سنن الدارمي عن عبد اللّه بن عمر، المقدمة، باب ما أكرم اللّه النبي (ص) من تفجير الماء من بين أصابعه، 1/15.

(6) صحيح البخاري كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد و المصالحة مع أهل الحرب و كتابة الشروط، 2/82، و كتاب الوضوء منه، باب البزاق و المخاط و نحوه... ، 1/38، و باب استعمال فضل وضوء الناس... ، 1/33. و مسند أحمد 4/329، 330.

46

بعد أن رمى و نحر (ثمّ جعل يعطيه الناس) .

و في رواية أخرى: أنّه دعا الحالق فحلقه فأعطاه أبا طلحة فقال: اقسمه بين الناس‏ (7) .

و روى أيضا عن أنس قال:

لقد رأيت رسول اللّه (ص) و الحلاّق يحلقه و أطاف به أصحابه. فما يريدون أن تقع شعرة إلاّ في يد رجل‏ (8) .

و في ترجمة خالد بأسد الغابة: أنّ خالد بن الوليد كان له الأثر المشهور في قتال الفرس و الروم، و افتتح دمشق، و كان في قلنسوته الّتي يقاتل بها شعر من شعر رسول اللّه (ص) يستنصر به و ببركته، فلا يزال منصورا.

و في ترجمته-أيضا-بأسد الغابة و الإصابة و مستدرك الحاكم-و اللفظ له-:

أنّ خالد بن الوليد فقد قلنسوة له يوم اليرموك فقال: اطلبوها. فلم يجدوها. ثمّ طلبوها فوجدوها، و إذا قلنسوة خلقة، فقال خالد: اعتمر رسول اللّه (ص) فحلق رأسه و ابتدر الناس جوانب شعره فسبقتهم إلى ناصيته فجعلتها في هذه القلنسوة، فلم أشهد قتالا و هي معي إلاّ رزقت النصر (9) .

____________

(7) صحيح مسلم، كتاب الحجّ، باب بيان أنّ السنة يوم النحر أن يرمي ثمّ ينحر ثمّ يحلق، و الابتداء في الحلق بالجانب الأيمن من رأس المحلوق، ح 323 و 326.

و راجع ح 324 و 325 منه في سنن أبي داود بكتاب المناسك، باب الحلق و التقصير ح 1981، 2/203. و طبقات ابن سعد 1/135. و مسند أحمد 3/111 و 133 و 137 و 146 و 208 و 214 و 239 و 256 و 287، و 4/42. و مغازي الواقدي ص 429.

(8) صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب قرب النبيّ (ص) من الناس و تبركهم به، ح 74 ص 1812.

(9) المستدرك للحاكم، كتاب معرفة الصحابة، باب مناقب خالد بن الوليد، 3/299. و اللفظ له و بترجمة خالد في أسد الغابة و الإصابة. و موجز الخبر بمنتخب كنز العمّال بهامش مسند أحمد 5/178. و تاريخ ابن كثير 7/113.

47

و روى البخاري: أنّه كان عند أمّ سلمة زوج النبي (ص) شي‏ء من شعر النبيّ فإذا أصاب إنسانا عين أرسلوا إليها قدحا من الماء تغمس الشعر فيه، فيداوى من أصيب‏ (10) .

و في صحيح البخاري و غيره:

قال عبيدة: لأن تكون عندي شعرة منه-أي النبيّ (ص) -أحبّ إليّ من الدنيا و ما فيها (11) .

التبرّك بسهم النبيّ (ص)

روى البخاري في صلح الحديبيّة و قال:

نزل الرسول (ص) بجيشه في أقصى الحديبيّة على ثمد قليل الماء يتبرّضه الناس تبرضا، فلم يلبثه الناس حتّى نزحوه و شكوا إلى رسول اللّه (ص) العطش، فانتزع سهما من كنانته ثمّ أمرهم أن يجعلوه فيه فو اللّه ما يزال يجيش لهم بالريّ حتّى صدروا عنه‏ (12) .

التبرّك بموضع كفّ النبيّ (ص)

في ترجمة حنظلة من الإصابة و مسند أحمد ما موجزه:

قال حنظلة: دنا بي جدّي إلى النبي (ص) فقال:

إنّ لي بنين ذوي لحى و دون ذلك، و إنّ ذا أصغرهم، فادع اللّه له.

____________

(10) أوردناه ملخّصا من صحيح البخاري، كتاب اللباس، باب ما يذكر في الشيب، 4/27.

(11) طبقات ابن سعد 6/63. و صحيح البخاري، كتاب الوضوء، باب الماء الّذي يغسل به شعر الإنسان، 1/31.

(12) صحيح البخاري، كتاب الشروط، باب الشروط في الجهاد و المصالحة مع أهل الحرب و كتابة الشروط، 2/81. و راجع كتاب المغازي منه، باب غزوة الحديبية، و راجع طبقات ابن سعد 3/29، و باب ذكر علامات بعد نزول الوحي 1/ق 1/118، و مغازي الواقدي ص 247.

48

فمسح رأسه و قال:

بارك اللّه فيك أو بورك فيه. قال الراوي:

فلقد رأيت حنظلة يؤتى بالإنسان الوارم وجهه أو البهيمة الوارمة الضرع فيتفل على يديه و يقول: باسم اللّه، و يضع يده على رأسه و يقول: على موضع كفّ رسول اللّه (ص) . فيمسحه عليه.

و قال الراوي: فيذهب الورم‏ (13) .

و في لفظ الإصابة:

و يقول: باسم اللّه، و يضع يده على رأسه موضع كفّ رسول اللّه (ص) ، فيمسحه عليه. ثمّ يمسح موضع الورم، فيذهب الورم.

كان انتشار البركة من رسول اللّه (ص) إلى من حوله كانتشار الضوء من الشّمس و الشّذى من الزّهر، لا ينفكّ عنه أينما حلّ، في صغره و كبره، سفره و حضره، ليله و نهاره، سواء أ كان في خباء حليمة السعديّة رضيعا، أم في سفره إلى الشّام تاجرا، أم في خيمة أمّ معبد مهاجرا، أم في المدينة قائدا و حاكما. و ما أوردناه أمثلة من أنواعها و ليس من باب الإحصاء، فإنّ إحصاءها لا يتيسّر للباحث، و في ما أوردناه الكفاية لمن كان له قلب أو ألقى السّمع و هو شهيد.

و ندرس بعد هذا فيما يأتي مسألة الاستشفاع برسول اللّه (ص) ثمّ ندرس منشأ الخلاف في جملة ميّزات رسول اللّه (ص) على سائر الناس إن شاء اللّه تعالى.

____________

(13) مسند أحمد 5/68، و تفصيله بترجمة حنظلة بن حذيم بن حنيفة التميمي في الإصابة و في لفظه، و أورد الخبر أيضا بأسناد أخرى.

49

ب-الاستشفاع برسول اللّه (ص)

يستدلّ القائلون بمشروعيّة التوسّل برسول اللّه (ص) و الاستشفاع به في كلّ زمان، بأنّ ذلك وقع برضا من اللّه قبل أن يخلق النبيّ (ص) و في حياته و بعد وفاته، و كذلك يقع يوم القيامة. و في ما يأتي الدليل على ذلك:

أوّلا-التوسّل بالنبيّ (ص) قبل أن يخلق‏

روى جماعة منهم الحاكم في المستدرك، من حديث عمر بن الخطاب (رض) أنّ آدم لمّا اقترف الخطيئة قال:

يا ربّ أسألك بحقّ محمّد لمّا غفرت لي. فقال اللّه:

يا آدم و كيف عرفت محمّدا و لم أخلقه؟قال:

يا ربّ لأنّك لمّا خلقتني بيدك، و نفخت فيّ من روحك، رفعت رأسي، فرأيت على قوائم العرش مكتوبا: «لا إله إلاّ اللّه محمّد رسول اللّه» فعلمت أنّك لم تضف إلى اسمك إلاّ أحبّ الخلق إليك. فقال اللّه:

صدقت يا آدم، إنّه لأحبّ الخلق إليّ، ادعني بحقّه فقد غفرت لك، و لو لا محمّد ما خلقتك.

و ذكره الطبراني و زاد فيه: «و هو آخر الأنبياء من ذرّيّتك» (14) .

و أخرج المحدّثون و المفسّرون في تفسير الآية: وَ لَمََّا جََاءَهُمْ كِتََابٌ مِنْ عِنْدِ اَللََّهِ مُصَدِّقٌ لِمََا مَعَهُمْ وَ كََانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى اَلَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمََّا جََاءَهُمْ مََا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اَللََّهِ عَلَى اَلْكََافِرِينَ البقرة/89: أنّ اليهود من أهل المدينة و خيبر إذا قاتلوا من يليهم من مشركي العرب من الأوس و الخزرج

____________

(14) مستدرك الحاكم، كتاب التاريخ في آخر كتاب البعث، 2/615، و مجمع الزوائد 8/253 و تحقيق النصرة للمراغي (ت: 816 هـ) ، ص 113-114. و هو الّذي نقله عن الطبراني.

50

و غيرهما قبل أن يبعث النبيّ، كانوا يستنصرون به عليهم، و يستفتحون لما يجدون ذكره في التوراة، فيدعون على الّذين كفروا و يقولون: (اللّهمّ إنّا نستنصرك بحقّ النبيّ الأميّ إلاّ نصرتنا عليهم) أو يقولون: (اللّهمّ ربّنا انصرنا عليهم باسم نبيّك... ) (15) فينصرون. فلمّا جاءهم كتاب من عند اللّه و هو القرآن مصدّق لما معهم، و هو التوراة و الإنجيل، و جاءهم ما عرفوا، و هو محمد (ص) و لم يشكّوا فيه، كفروا به، لأنّه لم يكن من بني إسرائيل‏ (16) .

ثانيا-التوسّل بالنبيّ (ص) في حياته‏

روى أحمد بن حنبل و الترمذي و ابن ماجة و البيهقي عن عثمان بن حنيف: أنّ رجلا ضرير البصر أتى النبيّ (ص) فقال:

ادع اللّه أن يعافيني. قال:

إن شئت دعوت، و إن شئت صبرت فهو خير لك. قال:

فادعه. قال:

فأمره أن يتوضّأ فيحسن وضوءه و يدعو بهذا الدعاء:

«اللهمّ إنّي أسألك و أتوجّه بنبيّك محمّد نبيّ الرحمة. يا محمّد، إنّي توجّهت بك إلى ربّي في حاجتي لتقضى لي. اللهمّ شفّعه فيّ» (17) . صحّحه

____________

(15) يظهر من الروايات أنهم كانوا يدعون بأمثال هذه الأدعية مما فيه التوسل بالنبيّ (ص) إلى اللّه جلّ اسمه.

(16) تواترت الروايات بالمضمون الّذي أوردناه في كلّ من:

دلائل النبوة للبيهقي ص 343-345. و تفسير الآية 89 من سورة البقرة بتفسير محمد بن جرير الطبري 1/324-328. و تفسير النيسابوري بهامشه 1/333. و الحاكم بتفسير الآية 89 من سورة البقرة من كتاب التفسير بمستدركه 4/263. و تفسير السيوطي عن دلائل النبوة لأبي نعيم.

و تفسير محمد بن عبد حميد. و تفسير أبي محمد عبد الرحمن بن أبى حاتم بن إدريس الرازي. و تفسير أبي بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري (ت: 310 هـ) .

(17) مسند أحمد 4/138. و سنن الترمذي، كتاب الدعوات 13/80-81. و سنن ابن‏

51

البيهقي و الترمذي.

ثالثا-التوسّل بالنبيّ (ص) بعد وفاته‏

روى الطبراني في معجمه الكبير من حديث عثمان بن حنيف:

أنّ رجلا كان يختلف إلى عثمان بن عفّان (رض) في حاجة له، فكان لا يلتفت إليه، و لا ينظر في حاجته، فلقي ابن حنيف فشكا إليه ذلك. فقال عثمان بن حنيف: ائت الميضاة فتوضّأ، ثمّ ائت المسجد فصلّ ركعتين، ثمّ قل:

«اللّهمّ إنّي أسألك و أتوجّه إليك بنبيّنا محمّد (ص) نبيّ الرحمة.

يا محمّد إنّي أتوجّه بك إلى ربّي فتقضي حاجتي» . و تذكر حاجتك.

فانطلق الرجل فصنع ما قال له. ثمّ أتى باب عثمان بن عفّان، فجاءه البوّاب، فأخذ بيده. فأدخله على عثمان، فأجلسه معه على الطنفسة فقال:

ما حاجتك؟فذكر حاجته فقضاها له. ثمّ قال له: ما ذكرت حاجتك حتّى كانت الساعة. و قال: ما كان لك من حاجة فاذكرها (18)

الاستشفاع بالعبّاس عمّ النبيّ (ص)

في صحيح البخاري: أنّ عمر بن الخطّاب (رض) كان إذا قحطوا استسقى بالعبّاس بن عبد المطلب فقال:

____________

قماجة، كتاب إقامة الصلاة و السنّة فيها، باب ما جاء في صلاة الحاجة ح 1385 ص 441. و ابن الأثير بسنده بترجمة عثمان بن حنيف من أسد الغابة. و البيهقي برواية صاحب كتاب تحقيق النصرة عنه. تحقيق النصرة ص 114.

و أوردنا لفظ إمام الحنابلة أحمد لأن المنكرين للشفاعة من أتباع الشيخين: ابن تيمية و ابن عبد الوهاب هم من أتباع ابن حنبل.

(18) تحقيق النصرة ص 114-115، رواه عن الطبراني في معجمه الكبير.

52

اللّهم إنّا كنّا نتوسّل إليك بنبيّنا فتسقينا، و إنّا نتوسّل إليك بعمّ نبيّنا فاسقنا. قال: فيسقون‏ (19) .

كان الاستشفاع بالعباس لأنّه عمّ رسول اللّه (ص) و ليس لصفة أخرى فيه.

مع وجود هذه الأحاديث من سنّة الرسول (ص) لا ينبغي أن يكون ثمّت خلاف في مسألة صفات الأنبياء، و خاصّة خاتم الرسل، المذكورة و ما فضّلهم اللّه بها و خصّهم على سائر الناس. و سنذكر في ما يأتي بعض ما نراه سببا للخلاف في صفات خاتم الرسل خاصّة.

منشأ الخلاف حول صفات رسول اللّه (ص)

مع صراحة النّصوص المتواترة المذكورة آنفا حول بعض صفات الأنبياء، كيف نشأ الخلاف حولها؟ الجواب أنّا إذا أنعمنا النظر في روايات جمّة أخرى رويت في انتقاص شأن الأنبياء، و انتشرت في كتب الحديث، و اللاّتي تنزّل منزلة الأنبياء عن مستوى سائر الناس، وجدنا أنّها هي الّتي تكوّن للمعتقد بصحّتها رؤية خاصّة تناقض محتوى الأحاديث الآنفة. و لئلاّ يطول بنا المقام، نكتفي في ما يأتي بالإشارة إلى بعض ما روي بشأن خاتم الأنبياء و أفضل المرسلين (ص) ففيه كفاية لمن أراد أن يتدبّر و يتبصّر. منها:

1- ما رواه البخاري في صحيحه و قال:

إنّ رسول اللّه (ص) قبل أن ينزل عليه الوحي قدّم إلى زيد بن عمرو بن

____________

(19) صحيح البخاري، كتاب الاستسقاء، باب سؤال الناس الإمام الاستسقاء إذا قحطوا.

و كتاب فضائل أصحاب النبي، باب مناقب العبّاس بن عبد المطلب، 2/200 و 1/124.

و سنن البيهقي، كتاب صلاة الاستسقاء، باب الاستسقاء بمن ترجى بركة دعائه، 3/352.

53

نفيل سفرة فيها لحم، فأبى أن يأكل منها، ثمّ قال: إنّي لا آكل إلاّ مما ذكر اسم اللّه عليه‏ (20) .

إذا فإنّ زيدا كان في الجاهليّة أفضل من رسول اللّه يتجنّب من أمر الجاهليّة ما لا يتجنّبه رسول اللّه (ص) .

2- روى البخاري و مسلم:

أنّ رسول اللّه (ص) لمّا جاءه جبرائيل بآيات: اِقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ اَلَّذِي خَلَقَ -إلى قوله- عَلَّمَ بِالْقَلَمِ رجع النبيّ (ص) إلى بيته ترجف بوادره، و قال لخديجة: إنّي خشيت على نفسي. فقالت له خديجة: أبشر، كلاّ فو اللّه لا يخزيك اللّه أبدا. و انطلقت به إلى ورقة بن نوفل، و كان امرأ تنصّر في الجاهلية، فأخبره رسول اللّه (ص) خبر ما رآه. فقال ورقة: هذا الناموس الّذي أنزل على موسى-الحديث‏ (21) .

إذا فإنّ ورقة النصراني كان أدرى بالوحي و جبرائيل من رسول اللّه (ص) الّذي خوطب بالوحي، و من كلام ورقة اطمأنّ النبيّ (ص) بمصيره، و إلاّ فإنّه كان يريد أن يلقي بنفسه من حالق من جبل، بحسب ما رواه ابن سعد في طبقاته، و قال الطبري: إنّ رسول اللّه (ص) قال: إنّ الأبعد

____________

(20) البخاري، كتاب الذبائح، باب ما ذبح على النصب و الأصنام، 3/207. و مسند أحمد 2/69 و 86. و زيد بن عمرو بن نفيل كان ابن عمّ الخليفة عمر و والد زوجته، ورد ذكره في ترجمة ابنه سعيد في الاستيعاب 2/4.

(21) صحيح البخاري: باب بدء الوحي، 1/3 و تفسير سورة اقرأ. و صحيح مسلم؛ كتاب الإيمان باب بدء الوحي، ح 252. و مسند أحمد 6/223 و 233.

و البوادر: اللحمة بين المنكب و العنق تضطرب عند الفزع.

و قد لخصنا الخبر.

و ناقشنا روايات بعثة النبيّ الواردة في كتب الحديث و السيرة و التفسير و ذكرنا عللها في الجزء الرابع من (أثر الائمة في إحياء السنّة) ، و هو سلسلة دراسات عن أثر أئمة أهل البيت (ع) في إحياء السنّة. و أوردنا الخبر الصحيح في ذلك، و الحمد للّه.

54

-يعني نفسه-لشاعر أو مجنون لا تحدّث بها عنّي قريش أبدا (22) .

3- روى البخاري و مسلم و قالا:

إنّ رسول اللّه (ص) كان يغضب فيلعن و يسبّ و يؤذي من لا يستحقّها، و دعا اللّه أن يجعلها لمن بدرت منه إليه زكاة و طهورا (23) .

4- و رويا أيضا و قالا:

إنّ بعض اليهود سحر رسول اللّه (ص) حتّى يخيّل إليه أنّه يفعل الشي‏ء و ما فعله‏ (24) .

5- روى مسلم:

أن رسول اللّه (ص) مرّ بقوم يلقّحون النخل، فقال: لو لم تلقّحوها لصلح. فتركوا تلقيحها فخرج شيصا، فقال: أنتم أعلم بأمور دنياكم‏ (25) .

6- و رويا أيضا:

أنّ رسول اللّه (ص) استمع إلى غناء جوار من الأنصار فنهرهنّ أبو بكر (26) .

7- روى مسلم:

____________

(22) تاريخ الطبري ط. اوربا 1/1150.

(23) صحيح البخاري كتاب الدعوات، باب قول النبيّ (ص) : من آذيته. و صحيح مسلم كتاب البرّ و الصلة، باب من لعنه النبيّ (ص) و ليس له أهلا.

(24) صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس و جنوده، و كتاب الطبّ باب هل يستخرج السحر، و باب السحر، و كتاب الأدب، باب إن اللّه يأمر بالعدل، و كتاب الدعوات، باب تكرير الدعاء. و صحيح مسلم باب السحر.

(25) صحيح مسلم، كتاب الفضائل، باب وجوب امتثال ما قاله شرعا دون ما ذكره من معايش الناس.... و سنن ابن ماجة، باب تلقيح النخل.

(26) صحيح البخاري، كتاب فضائل أصحاب النبيّ، باب مقدم النبيّ (ص) و أصحابه المدينة. و كتاب العيدين، باب سنّة العيدين لأهل الإسلام. و صحيح مسلم، كتاب صلاة العيدين، باب الرخصة في لعب يوم العيد.