الفوائد الرجالية - ج4

- السيد بحر العلوم المزيد...
223 /
5

المجلد الرابع‏

باب النون‏

نعمان بن محمد بن منصور، قاضي مصر

.

و قد كان في بدء أمره مالكيا، ثمّ انتقل الى مذهب الامامية (1)

____________

(1) أبو حنيفة النعمان بن أبي عبد اللّه محمد بن منصور بن أحمد بن حيون التميمي المغربي، و يعرف لدى الاسماعيلية باسم (سيدنا القاضي النعمان) تمييزا بينه و بين أبي حنيفة النعمان-صاحب المذهب الحنفي المشهور-. و قد اختلف المؤرخون في تاريخ مولده، (فقال بعضهم) : إنه ولد سنة 259 هـ، (و قال بعضهم) :

إنه ولد في العشر الأخير من القرن الثالث.

و يطلق عليه ابن خلكان في (وفيات الأعيان) و مؤلفو الشيعة الاثني عشرية (أبا حنيفة الشيعي) . كما أن ابن خلكان يرى: أنه كان مالكي المذهب، ثمّ اعتنق مذهب الإمامية. و كذلك مؤرخو الشيعة الاثني عشرية و أرباب التراجم منهم، و يرى البعض: إنه كان مالكي المذهب، ثمّ تحول إلى الشيعة الاثني عشرية، ثمّ انتقل الى الإسماعيلية الفاطمية، و يرى ابن تغري بردي في (النجوم الزاهرة ج 4- ص 222) انه كان حنفي المذهب قبل أن يعتنق المذهب الفاطمي.

و كيف كان، فقد نقل ابن خلكان عن المؤرخ ابن زولاق في كتابه: أخبار قضاة مصر-في ترجمة أبي الحسن علي بن النعمان المذكور-ما نصه: «... و كان أبوه النعمان بن محمد القاضي في غاية الفضل من أهل القرآن و العلم بمعانيه و عالما-

6

____________

ق-بوجوه الفقه و علم اختلاف الفقهاء و اللغة و الشعر الفحل و المعرفة بايام الناس مع عقل و إنصاف، و ألف لأهل البيت من الكتب آلاف أوراق باحسن تأليف، و أملح سجع، و عمل في المناقب و المثالب كتابا حسنا، و له ردود على المخالفين له:

له رد على أبي حنيفة، و على مالك، و الشافعي، و على ابن سريج، و كتاب اختلاف الفقهاء، و ينتصر فيه لأهل البيت-رضي اللّه عنهم-و له القصيدة الفقهية لقبها بالمنتخبة... » .

دخل النعمان في خدمة الإمام الإسماعيلي (عبد اللّه المهدي) و اتصل بالقائم بأمر اللّه طوال مدة حكمه و ولي قضاء مدينة طرابلس، و لما بنى المنصور بن القائم ابن المهدي مدينته (المنصورية) كان النعمان أول من ولي قضاءها، و قد ولاه المنصور القضاء على سائر مدن إفريقيا و أصبح شديد الصلة بالإمام الاسماعيلي و مقربا منه، و ظل قاضي قضاة هذه المدن، و تحت إمرته قضاتها إلى أن ولي (المعز) الإمامة فاشتدت صلة النعمان به، و كان يجالسه و يسايره و قلّ أن يفارقه، وضع النعمان كتابه (المجالس و المسايرات) جمع فيه كل ما رآه و ما سمعه من إمامه المعز، و في مؤلفات النعمان كثير من الدلائل تبين أنه كان يعرض كتبه على الامام المعز قبل إذاعتها و نشرها بين الناس.

و يعتبر القاضي النعمان المشرّع الإسماعيلي، لما له من أثر كبير في الحياة العقلية للدولة الإسماعيلية في مصر، و تعتبر مؤلفاته من الدعائم القوية التي ركز عليها المذهب الإسماعيلي، و لا تزال كتبه حتى يومنا-هذا-من أقوم الكتب لدى الاسماعيلية لا سيما كتابه (مختصر الآثار فيما روي عن الأئمة الاطهار) و هو كتاب متداول -الآن-بين طائفة (البهرة) .

و أصبحت الكتب التي ألفها عمدة كل باحث في المذهب الإسماعيلي و الأصل الذي يستقي منه علماء المذهب، و قد أفاد الدعوة الاسماعيلية بكثرة مؤلفاته في الفقه-

7

____________

ق-و المناظرة، و التأويل، و العقائد، و السير، و التأريخ، و الوعظ. و من الثابت أن النعمان ألف بضعة و خمسين كتابا، بقي منها حتى اليوم نحو من عشرين كتابا، وضاع الباقي و قيل: إن الإمام المعز قال عنه: «من يؤدي جزء من مائة مما أداه النعمان أضمن له الجنة بجوار ربه» .

(أنظر: كتاب عيون الأخبار للداعي إدريس عماد الدين: ج 6 ص 41 طبع مصر) .

و قد ذكر الاستاذ إسماعيل غالب الإسماعيلي ترجمة مفصلة للنعمان في كتابه (أعلام الاسماعيلية) ص 589 طبع بيروت سنة 1964 م و أورد قائمة بمؤلفاته المتنوعة نقلا عن كتاب (المرشد الى أدب الإسماعيلية) تأليف البرفسور إيفانوف (ص 37-ص 40) .

و بعض هذه الكتب في خزائن أصحاب الدعوة الذين يحرصون عليها و يسترونها أشد الستر.

و يقول الدكتور محمد كامل حسين في مقدمة (كتاب الهمة في آداب أتباع الأئمة) الذي هو من مؤلفات القاضي النعمان: (ص 9-طبع دار الفكر العربي بمصر) ما هذا نصه:

«... و كل من تحدث عن النعمان من المؤرخين يذكرون فضله و علمه و تدلنا مؤلفاته العديدة على ما ذكره المؤرخون عنه، فلا غرابة أن رأينا كتبه عمدة كل باحث في المذهب الفاطمي و أنها الأصل الذي استقى منه علماء المذهب بعده.

فلا أكاد أعرف عالما من علماء الدعوة اختلف مع النعمان في المسائل الفقهية. و ربما كان ذلك لأن النعمان قال في كتابه (المجالس و المسايرات) اكثر من مرة: إن الإمام المعز لدين اللّه طلب اليه أن يلقي على الناس شيئا من علم أهل البيت. فألف النعمان كتبه، و كان يعرضها على المعز فصلا فصلا، و بابا بابا، حتى أتمها. فهو-

8

____________

ق-يقول-مثلا-: (أمدنى المعز لدين اللّه بجمع شي‏ء لخصه لي و جمعه، و فتح لي معانيه، و بسط لي جملته، فابتدأت منه شيئا ثمّ رفعته اليه، و اعتذرت من الإبطاء فيه لما أردته من إحكامه، و رجوته من وقوع ما جمعته منه بموافقته فطالعته بمقداره فوقع إلى: يا نعمان لا تبال كيف كان القدر مع إشباع في إيجاز، فكلما أوجزت في القول و استقصيت المعنى فهو أوفق و أحسن، و الذي خشيت من أن يستبطأ في تأليفه، فو اللّه لو لا توفيق اللّه-عز و جل-إياك و عونه لك لما تعتقده من النية و محض الولاية لما كنت تستطيع أن تأتي على باب منه في أيام كثيرة، و لكن النية بصحبها التوفيق) .

إلى أمثال ذلك من النصوص الكثيرة التي تدل على أن المعز لدين اللّه كان يدفعه إلى تأليف الكتب بعد أن يوضح له فكرتها، و أن النعمان كان يعرض كتبه على المعز قبل أن ينشرها على الناس، كما طلب اليه المعز أن يقرأ مجالس الحكمة التأويلية و لعل هذا هو السبب الذي من أجله لقّبه المؤرخ ابن زولاق بالداعي-كما روى عنه ابن خلكان في وفيات الأعيان-و ليس لدينا من النصوص ما يثبت أن النعمان كان من الدعاة، فالداعي إدريس في كتابه (عيون الأخبار ج 6 ص 41) قال:

إن النعمان كان في مكانة رفيعة جدا قريبة من الأئمة، و أنه كان دعامة من دعائم الدعوة، و لكنه لم يصرح بان النعمان كان داعيا أو حجة، مع ما نعرفه من الداعي إدريس من إغداق المدح على كل من اتصل بالدعوة، و مهما يكن من شي‏ء فالنعمان كان داهية في سياسته التي قربته الى الأئمة، فقد استطاع بعلمه أن يجذب اليه قلوبهم فقربوه اليهم، و عرف أسرارهم و نواياهم، فوضع هذه الكتب العديدة و ادعى ان الأئمة هم الذين لقنوه إياها، بل لعلي لا أغالي إذا قلت: إن النعمان هو أول من دون فقه المذهب الفاطمي، فلا أكاد أعرف فقيها من فقهاء المذهب قبله كتب في هذا الفن» .

9

____________

ق-و الخلاصة: لقد أدى القاضي النعمان للدعوة الإسماعيلية خدمات علمية جليلة كان لها الفضل الاكبر في تركيز دعائم الدعوة، و لا غرو فقد كان اللسان الناطق لأئمتهم فاستحق أن يتربع على عرش الدعوة العلمية و أن يورث أبناءه هذه الزعامة و كانت وفاته بمصر في مستهل رجب سنة 363 هـ، و صلى عليه المعز لدين اللّه.

و ذكر العلامة المحدث النوري في خاتمة مستدرك الوسائل (ج 3 ص 313) ترجمة للقاضي نعمان أسهب فيها و حقق في شرح حال (دعائم الإسلام) و التعريف به تحقيقا رشيقا، و ذكر وجوها كثيرة فيما صرح به أعلام الامامية من أن النعمان أظهر الحق تحت ستار التقية، فراجعه.

و ذكر الدكتور كامل حسين في مقدمته لكتاب (الهمة في آداب اتباع الائمة) أسماء جملة من مؤلفات القاضي النعمان، كما ترجم لكثير من اولاده و احفاده، فراجعه‏

و قد ترجم للقاضي النعمان في كثير من المعاجم الرجالية، و ذكرت أخباره في اكثر كتب التاريخ، راجع: سير النبلاء للذهبي، و الوافي بالوفيات للصفدي و فوات الوفيات لابن شاكر الكتبي، و وفيات الأعيان لابن خلكان، و لسان الميزان لابن حجر العسقلاني، و مرآة الجنان لليافعي، و شذرات الذهب لابن العماد الحنبلي و كشف الظنون لحاجي خليفة، و النجوم الزاهرة لابن تغرى‏بردي بردي، و إيضاح المكنون للبغدادي، و الفوائد الرضوية للشيخ عباس القمي، و الذريعة لشيخنا الشيخ آغا بزرك الطهراني ج 8-ص 197، و أمل الآمل للشيخ الحر العاملي، و مجالس المؤمنين للقاضي نور اللّه التسترى، و روضات الجنات للخوانساري و غيرها من المعاجم الرجالية.

و الإسماعيلية يوافقون الإمامية في الامام الصادق-عليه السلام-و من قبله من الأئمة-عليهم السلام-و يخالفونهم في الكاظم-عليه السلام-و من بعده من الأئمة-عليهم السلام-و يقولون بامامة اسماعيل بن جعفر الصادق-عليه السلام- و إليه ينسبون، و يرون أن في كل دور سبعة أئمة، إما ظاهر و إما مستور، لقول-

10

و صنف على طريق الشيعة كتبا، منها: كتاب (دعائم الاسلام) (1) و له فيه و في غيره ردود على فقهاء العامة كأبي حنيفة و مالك و الشافعي و غيرهم.

و ذكر صاحب (تأريخ مصر) عن القاضي نعمان: «أنه كان من

____________

قأمير المؤمنين-عليه السلام-: «لن تخلو الأرض عن قائم للّه بحججه» ، و يلقبون أيضا بالباطنية لقولهم: إن لكل ظاهر باطنا» الخ.

و كان الإمام الصادق-عليه السلام-يحب ولده إسماعيل حبا شديدا بحيث شبه على خلق كثير من (الإسماعيلية) حتى أن قالوا بامامته و أنه حي عند اللّه مرزوق و كان أكبر إخوته، و مات في حياة أبيه فحزن عليه حزنا كثيرا، و كتب بخطه على كفنه (إسماعيل يشهد أن لا إله إلا اللّه) الخ.

أنظر: تفصيل أحوال الإسماعيلية و عقائدهم في كتاب (أعلام الاسماعيلية) لمصطفى غالب، طبع بيروت سنة 1364 هـ.

(1) كتاب دعائم الإسلام أقوم مصدر لدراسة القانون عند الفاطميين و هذا الكتاب أهم كتاب خالد للنعمان، و هو الكتاب الذي أمر الظاهر الفاطمي بان يحفظه الناس، و جعل لمن يحفظه ما لا جزيلا، فقد ذكر صاحب كشف الظنون ما نصه: «و في سنة 416 هـ أمر الظاهر (الخليفة الفاطمي) فأخرج من بمصر من الفقهاء المالكيين و أمر الدعاة الوعاظ أن يعظوا من كتاب (دعائم الإسلام) و جعل لمن حفظه مالا» .

و يشتمل هذا الكتاب على فقه الفاطميين كله، فدعائم الإسلام عندهم:

الولاية، و الطهارة، و الصلاة، و الزكاة، و الصوم، و الحج، و الجهاد، و لكل فريضة من هذه الفرائض أصول و فروع و آداب، تحدث عنها القاضي النعمان بشي‏ء من الإطناب و يروي ما ورد في كل فريضة من آيات قرآنية و أحاديث نبوية و ما جاء عن الأئمة الفاطميين، و يظهر من هذا الكتاب تأثر القاضي النعمان بمذهب مالك، فقل-

11

____________

ق-أن تجد خلافا بين فقه مالك و ما ورد في كتاب (دعائم الإسلام) إلا ما ورد عن الولاية، و تظهر قيمة هذا الكتاب عند علماء المذهب: أن داعيين من اكبر دعاتهم ذكراه في كتبهما، و اعتمدا عليه، و نوها به، أما الداعي الأول فهو أحمد حميد الدين ابن عبد اللّه الكرماني المتوفى سنة 412 هـ فقد ذكر في السور الأول من كتاب راحة العقل (المطبوع بمصر) اسماء الكتب التي يجب أن تقرأ قبل قراءة (راحة العقل) و ذكر بينها كتاب (دعائم الإسلام) . و أما الداعي الثاني فهو المؤيد في الدين هبة اللّه بن موسى الشيرازي المتوفى سنة 470 هـ، فقد ذكر في (السيرة المؤيدية) -المطبوع بمصر-أنه كان يعقد مجلسا خاصا كل يوم خميس يقرأ فيه على السلطان أبي كاليجار البويهي فصلا من كتاب (دعائم الاسلام) .

و يعتبر هذا الكتاب الآن من أقوم كتب الاسماعيلية، و من كتبهم السرية مع أنه في علم الظاهر-أي في العبادة العملية-و مع حرصهم على سريته فقد طبع في جزءين، طبع الأول منهما بمصر سنة 1370 هـ، بتحقيق و تقديم الاستاذ آصف ابن علي فيضي، يقع في (466) صفحة، يتضمن كتاب الولاية، و كتاب الطهارة و كتاب الصلاة، و كتاب الجنائز، و كتاب الزكاة، و كتاب الصوم و الاعتكاف و كتاب الحج، و كتاب الجهاد، و أما الجزء الثاني فقد طبع بمصر أيضا سنة 1379 هـ و يقع في (539) صفحة، يتضمن كتاب البيوع و الأحكام فيها، و كتاب الأيمان و النذور، و كتاب الأطعمة، و كتاب الأشربة، و كتاب الطب، و كتاب اللباس و الطيب و كتاب الصيد، و كتاب الذبائح، و كتاب الضحايا و العقائق، و كتاب النكاح، و كتاب الطلاق، و كتاب العتق، و كتاب العطايا، و كتاب الوصايا، و كتاب الفرائض و كتاب الديات، و كتاب الحدود، و كتاب السراق و المحاربين، و كتاب الردة و البدعة، و كتاب الغصب و التعدي، و كتاب العارية و الوديعة، و كتاب اللقطة و اللقيطة و الآبق، و كتاب القسمة و البنيان، و كتاب الشهادات، و كتاب الدعوى-

12

____________

ق-و البينات، و كتاب آداب القضاة.

و يذكر الداعي إدريس عماد الدين في كتابه (عيون الأخبار ج 6 ص 41) :

أن الإمام المعز هو الذي حث القاضي النعمان على تأليف (دعائم الإسلام) عند ما مثل بين يديه مع كثير من الدعاة، فتناولوا الكلام على الأحاديث الموضوعة و الاختلاف في الرواية، فذكر لهم الإمام المعز الحديث المشهور (إذا ظهرت البدع في أمة فليظهر العالم علمه و إلا فعليه لعنة اللّه) و نظر المعز لدين اللّه الى القاضي النعمان بن محمد-رضوان اللّه عليه-فقال: أنت المعنيّ في هذه الأوراق يا نعمان ثمّ أمره بتأليف (دعائم الإسلام) و أصل أصوله، و فرع فروعه، و أخبره بصحيح الروايات عن الطاهرين من آبائه عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و أصبح كتاب (دعائم الإسلام) المرجع الاسماعيلي في الأحكام و الفتوى، و في الحقيقة إن القاضي النعمان ترك للدعوة الاسماعيلية ثروة فكرية ثمينة بالرغم من ضياع اكثر مؤلفاته.

و لم يكن اختلاف مهم بين فقه الشيعة عامة، و بين ما ذكره النعمان في كتاب (دعائم الإسلام) إلا في زواج المتعة، فقد روى فيه في (ج 2: ص 226) الحديث الـ (858) عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) : أنه حرم نكاح المتعة و في الحديث الـ (859) عن جعفر بن محمد عليه السلام: إن رجلا سأله عن نكاح المتعة، قال صفه لي، قال يلقى الرجل المرأة فيقول: أ نزوجك بهذا الدرهم و الدرهمين وقعة أو يوما أو يومين. قال: هذا زنا، و ما يفعل هذا إلا فاجر.

و إبطال نكاح المتعة موجود في كتاب اللّه تعالى لأنه يقول سبحانه: «وَ اَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حََافِظُونَ، `إِلاََّ عَلى‏ََ أَزْوََاجِهِمْ أَوْ مََا مَلَكَتْ أَيْمََانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ `فَمَنِ اِبْتَغى‏ََ وَرََاءَ ذََلِكَ فَأُولََئِكَ هُمُ اَلعََادُونَ» فلم يطلق النكاح إلا على زوجة أو ملك يمين.

غ

13

____________

ق-و كتاب دعائم الاسلام-هذا-جعله المجلسي في (مقدمة بحاره) أحد مصادر كتابه المذكور: فقال: «كان النعمان مالكيا أولا ثمّ اهتدى و صار إماميا: و أخبار هذا الكتاب اكثرها موافق لما في كتبنا المشهورة، لكن لم يرو عن الأئمة بعد الصادق عليه السلام خوفا من الخلفاء الاسماعيلية، و تحت ستر التقية أظهر الحق لمن نظر فيه متعمقا، و أخباره تصلح للتأييد و التأكيد» .

و قد اعتمد عليه العلامة المحدث النوري-رحمه اللّه-فوزع أحاديثه في كتابه مستدرك الوسائل بأجزائه الثلاثة و ذكر في (ج 3 ص 318) : «إنه ما خالف (أي النعمان) في فرع غالبا إلا و معه موافق معروف، و لو لا خوف الاطالة لذكرنا نبذة من ذلك، نعم في مسألة المتعة لا موافق له، إلا أني بعد التأمل ظهر لي أنه ذكر ذلك على غير وجه الاعتقاد و إن استند للحرمة الى أخبار رواها تقية أو تحببا الى أهل بلاده، فانها عندهم من المنكرات العظيمة، و الشاهد على ذلك-مضافا الى بعد خفاء حليتها عند الامامية عليه-أنه ذكر في كتاب الطلاق-في باب إحلال المطلقة ثلاثا-ما لفظه: (و عنه-يعني جعفر بن محمد-عليهما السلام-أنه قال:

من طلق امرأته-أي ثلاثا-فتزوجت تزويج متعة لم يحلها ذلك له) و لو لا جوازها و عدم كونها الزنا المحض لم يكن ليوردها في مقام ما اختاره من الاحكام الثابتة عنهم بالأثر الصحيح، و هذا ظاهر و الحمد للّه، و مثله ما ذكره في باب ذكر الحد في الزنا ما لفظه: (و عن علي صلوات اللّه عليه: و لا يكون الإحصان بنكاح متعة) و دلالته على ما ادعيناه أوضح» .

ثمّ استغرب العلامة النورى-رحمه اللّه-ما ذكره الخونساري في (روضات الجنات) : -من أن القاضي النعمان لم يكن من الإمامية الحقة بقوله: «و لكن الظاهر عندي أنه لم يكن من الإمامية الحقة و إن كان في كتبه يظهر الميل الى طريقة أهل البيت-عليهم السلام-و الرواية من أحاديثهم من جهة مصلحة وقته و التقرب الى السلاطين من أولادهم» الخ.

14

العلم و الفقه و الدين و النبل على ما لا مزيد عليه، (1) و كتاب (الدعائم) كتاب حسن جيد، يصدّق ما قد قيل فيه، إلا أنه لم يرو فيه عمن بعد الصادق عليه السلام من الأئمة-عليهم السلام-خوفا من الخلفاء الاسماعيلية حيث كان قاضيا منصوبا من قبلهم بمصر، لكنه قد أبدى-من وراء ستر التقية-حقيقة مذهبه بما لا يخفى على اللبيب.

____________

ق-و قد رده العلامة النوري بوجوه خمسة، راجعها في المستدرك (ج 3 ص 318-319) .

(1) صاحب تاريخ مصر-هذا-هو الامير المختار عز الملك محمد بن أبي القاسم عبيد اللّه بن أحمد الكاتب الحراني الأصل و المصري المولد و كانت ولادته سنة 366 هـ، و وفاته بمصر سنة 420 هـ، و يعرف بمختار المسبحي، و كتابه (تاريخ مصر) كتاب كبير في ثلاثة عشر الف ورقة، فهو اوسع كتاب في تاريخ مصر ينتهي بحوادث سنة 414 هـ، يذكر فيه أخبار مصر و من حلها من الولاة و الأمراء و الأئمة و الخلفاء و ما بها من العجائب و الأبنية، و ذكر نيلها و أحوال من حل بها الى الوقت الذي كتب فيه ذلك الكتاب، و يتخلل ذلك أشعار الشعراء، و أخبار المغنين و مجالس القضاة و الحكام و المعدلين و الادباء و المتغزلين و غيرهم، (مخطوط) قال جرجي زيدان في (تاريخ آداب اللغة العربية ج 2 ص 321) بعد أن وصفه:

«يوجد بعضه في مكتبة الاسكوديال» .

و العبارة التي ذكرها سيدنا في (الأصل) أوردها ابن خلكان في (وفيات الأعيان) عن المسبحي المذكور عند ترجمته للقاضي النعمان قائلا-بعد ذكر اسمه و نسبه-: «أحد الأئمة الفضلاء المشار اليهم، ذكره الأمير المختار المسبحي في تاريخه فقال: (كان من أهل العلم و الفقه و الدين و النبل على ما لا مزيد عليه، و له عدة تصانيف منها كتاب اختلاف أصول المذاهب و غيره) و كان مالكي المذهب ثمّ انتقل الى مذهب الإمامية... و كان ملازما صحبة المعز أبي تميم معد المنصور و لما وصل من إفريقية إلى الديار المصرية كان معه و لم تطل مدته، مات في مستهل رجب سنة 363 هـ بمصر» .

15

باب الهاء

هارون بن مسلم بن سعدان الانباري.

كوفي تحول الى البصرة، ثمّ إلى بغداد، و مات بها، و كان قد نزل بسر من رأى، يكنى: أبا القاسم، من أصحاب الهادى و العسكري -عليهما السلام-له كتب. ذكره الشيخ في كتابيه من غير جرح و لا تعديل‏ (1) .

و قال النجاشي: «ثقة، وجه، و كان له مذهب في الجبر و التشبيه» (2) و أورده العلامة في القسم الأول‏ (3) و ابن داود في الثاني‏ (4) و وثقه

____________

(1) راجع: من كتاب الرجال للشيخ الطوسي باب أصحاب العسكري (ع) باب الهاء ص 437 طبع النجف الأشرف سنة 1381 هـ، و من كتاب الفهرست له: باب هارون برقم 763 ص 176 طبع النجف الاشرف سنة 1356 هـ.

(2) راجع: ص 342 من رجاله طبع ايران. و الجبر: هو سلب المكلف اختياره في مطلق افعاله الخيرية و الشرية-و به تقول عامة الأشاعرة-مقابل القول بالتفويض، و هو تفويض المرء افعال نفسه لنفسه، و القول الحق هو قول الامامية الذي تقدم به الامام الصادق عليه السلام، فقال: «لا جبر و لا تفويض بل هو امر بين أمرين» أي نسبة فعل المكلف الى اللّه تعالى بالتسبيب، و الى المكلف بالمباشرة. و تفصيل البحث في كتب الكلام من الفريقين. و التشبيه هو التجسيم بكل ألوانه المبحوثة في كتب الكلام و به يقول عامة الأشاعرة و تبرأ منه الامامية الاثني عشرية.

(3) راجع: الخلاصة رجال العلامة: الباب الرابع (هارون) رقم 5 ص 180 طبع النجف الاشرف سنة 1381 هـ.

(4) راجع: رجال ابن داود، القسم الثاني، باب الهاء برقم 526 ص 524 طبع طهران دانشكاه.

16

المجلسيان‏ (1) و هو الوجه، لوجود التوثيق الصريح المؤكد

____________

(1) وثقه المجلسي الثاني في (الوجيزة: ص 168) طبع إيران، كما وثقه والده المجلسي الأول المولى التقي على ما نقله الوحيد البهبهاني في تعليقته على (منهج المقال ص 387) طبع إيران سنة 1304 هـ، فقال-مشيرا الى قول النجاشي: له مذهب في الجبر و التشبيه-ما نصه: «الظاهر أنه مجمل و ربما يشعر بفساد العقيدة، و حمله على أن له مذهبا في نفي الجبر و التشبيه بعيد» ثمّ نقل الوحيد-رحمه اللّه-عن جده (يعني المولى التقي المجلسي الاول) أنه قال: «يصدق على من يقول: بانه لا جبر و لا تفويض بل أمر بين الامرين: أن له مذهبا في الجبر، ثمّ اعترض عليه بان كون ذلك مذهب الائمة و شيعتهم كان من الشهرة بحيث لا يخفى على المخالفين مع أنه مذهب النجاشي و غيره من المشايخ، فكيف يقول: و كان له مذهب في الجبر و التشبيه» ثمّ نقل الوحيد-رحمه اللّه-عن جده أنه قال: «و كذا إذا قال: إنه تعالى جسم لا كالاجسام و لا يعرف معنى الجسم كما يقول: جوهر لا كالجواهر و غرضه أنه شي‏ء لا كالاشياء، يصدق عليه أن له مذهبا في التشبيه سيما بالنظر الى من لا يعرف اصطلاح الحكماء و المتكلمين» ثمّ تأمل فيه أيضا، ثمّ نقل عن جده ما رضي به و هو أن «الظاهر أنهم ذكروا أخبار الجبر و التشبيه في كتبهم، و المتقدمون ذكروا أن لهم مذهبا فيهما و تبعهم النجاشي و العلامة لانه لم يكن لهم كتاب في الاعتقادات غالبا حتى يفهم من كتبهم عقائدهم بل كان دأبهم نقل الروايات و هي محمولة على المجاز الشائع كما في جميع الكتب الالهية» ثمّ أن الوحيد-رحمه اللّه- بعد أن ذكر كلام جده المذكور قال: «و يشهد على ذلك ما ذكره الصدوق -رحمه اللّه-في أول كتابه التوحيد: أن الذى دعاني الى تأليف كتابي هذا: أني وجدت قوما من المخالفين لنا ينسبون عصابتنا الى القول بالتشبيه و الجبر لما وجدوه في كتبهم من الاخبار التي جهلوا تفسيرها و لم يعرفوا معانيها، (إلى آخر ما قاله الصدوق) ثمّ قال الوحيد-رحمه اللّه- «و مضى في محمد بن بحر الرهنى-

17

بالوجه‏ (1) و عدم ظهور القدح بما ذكر له من المذهب. و إجمال العبارة التي أشير فيها اليه‏ (2) و خلوها عن تعيينه، فلعله مما لا ينافي العدالة، و مع

____________

ق-و محمد بن جعفر بن عون، و أحمد بن محمد نوح ماله دخل في المقام» .

و قد وصف العلامة الحلي-رحمه اللّه-في الفائدة الثامنة من خاتمة (الخلاصة) طريق ابن بابويه الصدوق-رحمه اللّه-إلى مسعدة بن زياد بالصحة و هارون بن مسلم-هذا-في الطريق، و كذلك وصف طريقه إلى القاسم بن عروة و هارون في الطريق، و هو قرينة على عدم كون قوله في الجبر و التشبيه منافيا لمذهب الإمامية.

و يروي عن هارون بن مسلم-هذا-: أبو عبد اللّه محمد بن أبي القاسم و عبد اللّه بن جعفر الحميري-كما في فهرست الشيخ الطوسي-و يروي عنه أيضا سعد بن عبد اللّه-كما في رجال النجاشي-و زاد صاحب (تمييز المشتركات) الكاظمي: رواية محمد بن علي بن محبوب عنه، ثمّ نقل عن الكافي: روايته عن علي ابن ابراهيم عنه، و عن التهذيب: روايته عن ابراهيم بن هاشم عنه، و زاد المولى الأردبيلي في (جامع الرواة: ج 2 ص 307) نقل رواية الحسن بن علي بن فضال و علي بن الحسن بن فضال، و محمد بن أحمد بن يحيى، و أحمد بن الحسن، و سهل ابن زياد، و علي بن يعقوب الهاشمي، و احمد بن يوسف، و علي بن مهزيار و عبد اللّه بن عمر، و صالح بن أبي حماد، عنه، و روايته هو عن أبي محمد و أبي الحسن-عليهما السلام-و عن الحسن بن موسى الحناط، و عبد اللّه بن هلال بن خاقان، و بريد بن معاوية، و مسعدة بن صدقة، و مسعدة بن زياد العبدي، و القاسم ابن عروة، و ابن أبي عمير، و علي بن الحكم، و عبيدة بن زرارة، و أبي البختري، و أبي عبد اللّه الحراني، و عبد اللّه بن عمرو بن الأشعث، و عمران بن موسى.

(1) يريد-قدس سره-بالتوثيق الصريح المؤكد بالوجه: ما ذكره النجاشي من أنه ثقة وجه-كما تقدم-و تبعه العلامة الحلي في القسم الأول من (الخلاصة) .

(2) يريد-قدس سره-بالعبارة المجملة التي أشير اليها فيه قولهم: -

18

ذلك فليست نصا في الاستمرار عليه، بل ربما لاح منها العدول عنه و الحكم بأنه «ثقة وجه» مع ذلك يعطي عدم القصد إلى القدح‏ (1) .

هاني بن عروة المرادي المذحجي:

قال أبو الحسن علي بن الحسين بن علي الهذلي المعروف بالمسعودي في (مروج الذهب) : «كان هاني بن عروة المرادي شيخ (مراد) و زعيمها يركب في أربعة آلاف دارع و ثمانية آلاف راجل، فاذا أجابتها أحلافها من (كندة) و غيرها كان في ثلاثين الف دارع» (2) و في (حبيب السير) : «إن هاني بن عروة كان من أشراف الكوفة و أعيان الشيعة.

-قال-و روي: أنه قد أدرك النبي (ص) و تشرف بصحبته. و كان يوم قتل-ابن تسع و ثمانين سنة» (3) .

____________

ق-مذهب في الجبر و التشبيه) و قد سبق ما نقلناه آنفا عن الوحيد البهبهاني مما له تعلق بتوجيه إجمال العبارة المذكورة، فراجعه.

(1) يشير-قدس سره-بقوله: (و الحكم بانه ثقة وجه) الى ما ذكره النجاشي، و العلامة الحلي.

(2) راجع: الجزء الثالث ص 69 الطبعة الثانية بمصر سنة 1367 هـ.

(3) انظر أخبار هانى بن عروة المذحجي في (حبيب السير) المجلد (2 ص 42 -47) طبع طهران سنة 1333 شمسي، و هو كتاب تاريخ فارسي كبير في ثلاث مجلدات، تأليف غياث الدين محمد بن همام الدين الحسيني المدعو بخواندمير و المولود حدود سنة 880 هـ، و المتوفى سنة 941، او سنة 942 هـ على الخلاف بين أرباب المعاجم الرجالية، و هو شيرازي الاصل و هروي المنشأ و كانت وفاته بمدينة مندو، و نقل الى دهلي، و دفن بها-حسب وصيته-بجوار الشيخ نظام الدين و الأمير خسرو، بدأ بتأليفه سنة 927، و له يومئذ سبع أو ثمان و أربعون سنة الفه بالتماس خواجه حبيب اللّه من أعيان دولة شاه اسماعيل بن حيدر الصفوي و فرغ-

19

قال المفيد-رحمه اللّه-في (الارشاد) (1) «... إن مسلم بن عقيل-رحمه اللّه-لما قدم الكوفة نزل دار المختار بن أبي عبيدة الثقفي و هي الدار التي تدعى: دار مسلم بن المسيب... فلما سمع بمجي‏ء عبيد اللّه ابن زياد-لعنه اللّه-و ما أخذ به الناس و العرفاء من التجسس، خرج من دار المختار حتى انتهى الى دار هاني بن عروة، فدخلها، فأخذت الشيعة تختلف عليه في دار هاني على تستر و استخفاء من عبيد اللّه، و تواصوا بالكتمان فدعا ابن زياد-لعنه اللّه-مولى له يقال له (معقل) فقال له: خذ ثلاثة

____________

ق-منه سنه 930 هـ، و غياث الدين صاحب كتاب (حبيب السير) هو سبط مؤلف (روضة الصفا) الأمير خواند محمد بن برهان الدين خاوند شاه ابن السيد برهان الدين ابن السيد كمال الدين محمود، الذي ينتهي نسبه الى زيد الشهيد-رضي اللّه عنه-كما صرح بذلك في (تكملة روضة الصفا) الذي هو من مؤلفاته، و كان صاحب (حبيب السير) تلميذا لوالد أمه صاحب (روضة الصفا) ، لا أنه ولده الصلبي كما زعمه-خطأ-الحلبي في (كشف الظنون) فانه عند ذكره (حبيب السير) قال: «لخصه من تاريخ والده المسمى (روضة الصفا) ... » و عند ذكره (خلاصة الأخبار) قال: «لخص فيه روضة الصفا لأبيه» فجعل مؤلفيهما ابن صاحب الروضة مع أنه سبطه و ابن بنته، فراجع ذلك، و انظر (ج 6 ص 244) من الذريعة لشيخنا الإمام الطهرانى-أدام اللّه وجوده-تحت عنوان (حبيب السير في أخبار أفراد البشر) مع تعليقته هناك و (ج 7-ص 210) تحت عنوان (خلاصة الأخبار في أحوال الأخيار) .

(1) أنظر من الإرشاد للشيخ المفيد-رحمه اللّه-: الفصل الذي ذكر فيه مختصر الأخبار التى جاءت بسبب دعوة الحسين-عليه السلام-و ما أخذه على الناس في الجهاد من بيعته، و ذكر جملة من أمره في خروجه و مقتله، فانك تجد فيه تفصيل أخبار مسلم و هانى بن عروة، و قد طبع الإرشاد طبعات عديدة.

20

آلاف درهم و اطلب مسلم بن عقيل و التمس اصحابه، فاذا ظفرت بواحد منهم أو جماعة فاعطهم هذه الثلاثة آلاف درهم، و قل لهم استعينوا بها على حرب عدوكم: و أعلمهم أنك منهم، فانك لو اعطيتهم إياها لقد اطمأنوا اليك و وثقوا بك و لم يكتموك شيئا من أخبارهم، ثمّ أغد عليهم و رح حتى تعرف مستقر مسلم بن عقيل و تدخل عليه. ففعل ذلك، و جاء حتى جلس الى مسلم بن عوسجة الأسدي في المسجد الأعظم-و هو يصلي- فسمع قوما يقولون: هذا يبايع للحسين-عليه السلام-فجاء و جلس حتى فرغ من صلاته، فقال: يا عبد اللّه، إني امرؤ من أهل الشام أنعم اللّه علي بحب أهل البيت-عليهم السلام-و حب من أحبهم، و تباكى له، و قال: معي ثلاثة آلاف درهم اردت بها لقاء رجل منهم بلغني انه قدم الكوفة يبايع لابن بنت رسول اللّه (ص) فكنت اريد لقاءه، فلم أجد أحدا يدلني عليه، و لا أعرف مكانه، فانى لجالس في المسجد -الآن-إذ سمعت نفرا من المؤمنين يقولون: هذا رجل له علم بأهل هذا البيت و انى أتيتك لتقبض مني هذا المال، و تدخلني على صاحبك فانى أخ من اخوانك و ثقة عليك، و ان شئت اخذت بيعتي له قبل لقائه. فقال له مسلم بن عوسجة: أحمد اللّه على لقائك، فقد سرنى ذلك لتنال الذي تحب، و لينصر اللّه بك أهل بيت نبيه-عليه و عليهم السلام-و لقد ساءني معرفة الناس إياي بهذا الأمر قبل أن يتم مخافة هذا الطاغي و سطوته. قال له (معقل) : لا يكون إلا خيرا، خذ البيعة علي، فأخذ بيعته، و أخذ عليه المواثيق المغلظة ليناصحنّ و ليكتمن، فأعطاه من ذلك ما أرضاه. ثمّ قال: اختلف إلي-اياما-في منزلي، فإني طالب لك الإذن على صاحبك و أخذ يختلف مع الناس، فطلب له الإذن، فاذن له، فأخذ مسلم بن عقيل بيعته، و أمر أبا تمامة الصائدي بقبض المال منه، و هو الذي كان

21

يقبض أموالهم و ما يعين به بعضهم بعضا و يشتري لهم السلاح، و كان بصيرا و فارسا من فرسان العرب و وجوه الشيعة. و أقبل ذلك الرجل يختلف اليهم، فهو أول داخل و آخر خارج حتى فهم ما احتاج اليه ابن زياد فكان يخبره به وقتا، فوقتا» .

قال المفيد-رحمه اللّه-: «و خاف هانى بن عروة عبيد اللّه على نفسه فانقطع عن حضور مجلسه و تمارض، فقال ابن زياد لجلسائه: مالي لا أرى هانئا؟فقالوا: هو شاك. فقال: لو علمت بمرضه لعدته.

و دعا محمد بن الأشعث و حسان بن أسماء بن خارجة و عمرو بن الحجاج الزبيدي- و كانت رويحة بنت عمرو تحت هاني بن عروة و هى أم يحيى بن هاني- فقال لهم: ما يمنع هاني بن عروة من إتياننا؟فقالوا: ما ندرى، و قد قيل انه يشتكي، قال: قد بلغني أنه قد برئ ، و هو يجلس على باب داره فالقوه و مروه: ألا يدع ما عليه من حقنا فاني لا أحب أن يفسد عندي مثله من أشراف العرب. فأتوه حتى وقفوا عليه عشية-و هو جالس على بابه- و قالوا له: ما يمنعك من لقاء الأمير، فانه قد ذكرك، و قال: لو أعلم أنه شاك لعدته؟فقال لهم: الشكوى تمنعنى، فقالوا له: قد بلغه أنك تجلس كل عشية على باب دارك، و قد استبطأك، و الابطاء و الجفاء لا يحتمله السلطان، أقسمنا عليك لما ركبت معنا، فدعا بثيابه، فلبسها، و ببغلته فركبها، حتى اذا دنا من القصر كأن نفسه أحست ببعض ما كان، فقال لحسان بن أسماء بن خارجة: يا ابن الأخ، إني-و اللّه-لهذا الرجل لخائف فما ترى؟فقال: يا عم، و اللّه ما أتخوف عليك شيئا، و لم تجعل على نفسك سبيلا-و لم يكن حسان يعلم في أي شي‏ء بعث اليه عبيد اللّه-فجاء هاني حتى دخل على عبيد اللّه بن زياد-و عنده القوم-فلما طلع قال عبيد اللّه:

22

«أتتك بحائن رجلاه‏ (1) » فلما دنا من ابن زياد-و عنده-شريح القاضي- التفت نحوه، فقال:

أريد حياته و يريد قتلي # عذيرك من خليلك من مراد (2)

و قد كان أول ما قدم مكرما له، ملطفا، فقال له هاني: و ما ذاك-أيها الامير؟قال: إيه يا هاني بن عروة، ما هذه الامور التي تتربص في دارك لأمير المؤمنين و عامة المسلمين؟جئت بمسلم بن عقيل فأدخلته دارك و جمعت له السلاح و الرجال في الدور حولك، و ظننت أن ذلك يخفى علي؟قال: ما فعلت ذلك، و ما مسلم عندي، قال: بلى قد فعلت فلما كثر الكلام بينهما، و أبى هاني الا مجاحدته مناكرته، دعا ابن زياد (معقلا) ذلك العين، فجاء حتى وقف بين يديه، و قال: أ تعرف هذا؟ قال: نعم، و علم هاني-عند ذلك-أنه كان عينا عليهم، و أنه قد أتاه

____________

(1) قيل: أول من قال هذا المثل المشهور عبيد بن الأبرص حين عرض للنعمان بن المنذر في يوم بؤسه بتسميحه العطاء فسأله النعمان عن سبب مجيئه-بغضب- فقال عبيد: اتتك بحائن رجلاه، فارسل مثلا، و قيل: أول من قاله الحارث بن جبلة الغساني للحارث بن عيف العبدي-و كان ابن العيف قد هجاه و المراد بالحائن -بالحاء المهملة-إما الأحمق، أو سمن الحين و هو الهلاك، و على هذين الوجهين يفسر المثل (راجع مجمع الامثال للميداني) .

(2) يروى «حياته» من الحياة، و «حباءه» من العطاء. و عذيرك-بالنصب- أى: هات من يعذرك و لا يلومك، فهو: فعيل بمعنى الفاعل. و الشعر لعمرو بن معدي كرب الزبيدي قاله في ابن اخته قيس بن المكشوح المرادى حيث كانا متباعدين و سبق أن قال قيس في حق خاله عمرو:

فلو لاقيتني لاقيت قرنا # و ودعت الأحبة بالسلام‏

فرد عليه عمرو بذلك البيت (راجع: الاصابة جـ 3 ترجمة قيس هذا) .

23

بأخبارهم، فأسقط في يده ساعة، ثمّ راجعته نفسه، فقال: اسمع مني و صدق مقالتي، فو اللّه لا كذبت، و اللّه ما دعوته الى منزلي و لا علمت بشي‏ء من أمره، حتى جاءني يسألني النزول، فاستحييت من رده و داخلني من ذلك ذمام، فضيفته و آويته، و قد كان من أمره ما بلغت، فان شئت أن أعطيك-الآن-موثقا مغلظا أن لا ابغيك سوء و لا غائلة و لآتينك حتى أضع يدي في يدك، و إن شئت اعطيك رهينة تكون في يدك حتى آتيك، و انطلق اليه، فآمره أن يخرج من داري حيث شاء من الأرض فأخرج من ذمامه و جواره، فقال له ابن زياد: و اللّه لا تفارقنى-أبدا- حتى تأتينى به، قال: لا و اللّه، لا أجيئك به-أبدا-أجيئك بضيفي تقتله؟قال و اللّه لتأتيني به، قال: و اللّه لا آتيك به. فلما كثر الكلام بينهما قام مسلم بن عمرو الباهلي-و ليس بالكوفة شامي و لا بصري غيره- فقال: أصلح اللّه الأمير، خلني و إياه حتى أكلمه، فخلا به ناحية من ابن زياد-و هما منه بحيث يراهما، فاذا رفعا أصواتهما سمع ما يقولان- فقال مسلم: يا هانى، أنشدك باللّه أن تقتل نفسك، و أن تدخل البلاء في عشيرتك، فو اللّه إني لأنفس بك عن القتل، إن هذا ابن عم القوم و ليسوا قاتليه و لا ضاريه، فادفعه اليهم فانه ليس عليك في ذلك مخزاة و لا منقصة، إنما تدفعه الى السلطان، فقال: هاني و اللّه إن علي في ذلك الخزي و العار إن أدفع جاري و ضيفي، و أنا حي صحيح أسمع و أرى شديد الساعد كثير الأعوان، و اللّه لو لم اكن إلا وحدي، و ليس لي ناصر، لم أدفعه حتى أموت دونه، فأخذ يناشده، و هو يقول: و اللّه لا أدفعه اليه أبدا. فسمع ابن زياد-لعنه اللّه-ذلك، فقال: ادنوه مني، فقال:

لتأتيني به أو لأضربن عنقك، فقال: إذا تكثر البارقة حول دارك، فقال ابن زياد-لعنه اللّه-: وا لهفاه عليك أ بالبارقة تخوفني؟-و هو يظن أن‏

24

عشيرته يسمعونه-ثمّ قال: أدنوه مني؟فأدني منه، فاعترض وجهه بالقضيب فلم يزل يضرب به أنفه و جبينه و خده حتى كسر أنفه، و سالت الدماء على وجهه و لحيته، و نثر لحم جبينه و خده على لحيته، حتى كسر القضيب و ضرب هاني يده على قائم سيف شرطي، و جاذبه الرجل و منعه، فقال عبيد اللّه-لعنه اللّه-: أ حرورى سائر القوم‏ (1) قد حلّ لنا دمك، جروه فجروه، فألقوه في بيت من بيوت الدار، و أغلقوا عليه بابه، فقال:

اجعلوا عليه حرسا، ففعل ذلك به. فقام اليه حسان بن أسماء، فقال:

أرسل غدر سائر اليوم؟أمرتنا أن نجيئك بالرجل، حتى اذا جئناك به هشمت وجهه و سيّلت دماءه على لحيته، و زعمت أنك تقتله؟فقال له عبيد اللّه-لعنه اللّه-: و إنك لها هنا؟فأمر به فلهز و تعتع‏ (2) و اجلس ناحية، فقال محمد بن الأشعث: قد رضينا بما رأى الأمير لنا كان أم علينا، انما الأمير مؤدب.

و بلغ عمرو بن الحجاج: أن هانئا قتل، فأقبل في (مذحج) (3) حتى أحاط بالقصر-و معه جمع كثير-ثمّ نادى: أنا عمرو بن الحجاج

____________

(1) الحرورية: فرقة من الخوارج الذين خرجوا على أمير المؤمنين عليه السلام يوم صفين، و أصل المثل: أ سائر اليوم، أصله: إن قوما أغير عليهم فاستصرخوا بني عمهم، فلم يدركوهم حتى أسروا، ثمّ جاءوا يسألون، فقال لهم المسئول: أ سائر اليوم و قد زال الظهر؟أى: أ تطمعون فيما بعد، و قد تبين لكم اليأس فضربت مثلا لمن طلب شيئا بعد فوت وقته المناسب.

(2) اللهز: الضرب بجميع اليد. و التعتعة: الحركة العنيفة.

(3) مذحج-كمجلس-: أبو قبيلة كبيرة من قبائل اليمن، و هو مذحج بن جابر بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ كانوا يسكنون اطرافها. و مراد: بطن من (مذحج) ، و كان هانى بن عروة مراديا.

25

و هذه فرسان مذحج و وجوهها لم تخلع طاعة و لم تفارق جماعة، و قد بلغهم:

أن صاحبهم قد قتل، فاعظموا ذلك. فقيل لعبيد اللّه بن زياد: هذه مذحج بالباب، فقال لشريح القاضي: أدخل على صاحبهم فانظر اليه ثمّ أخرج و أعلمهم أنه حي لم يقتل، فدخل شريح فنظر اليه، فقال هاني -لما رأى شريحا-: يا للّه و المسلمين، أهلكت عشيرتي، أين أهل الدين أين أهل المصر؟-و الدماء تسيل على لحيته-إذ سمع الصيحة على باب القصر، فقال: إني لأظنها أصوات (مذحج) و شيعتى من المسلمين إنه إن دخل علي عشرة نفرا أنقذوني. فلما سمع كلامه شريح خرج اليهم فقال: إن الأمير لما بلغه كلامكم و مقالتكم في صاحبكم أمرني بالدخول عليه فأتيته، فنظرت اليه، فأمرني أن ألقاكم و أعرفكم: أنه حي، و أن الذي بلغكم من قتله باطل. فقال عمرو بن الحجاج و أصحابه: أما إذا لم يقتل فالحمد للّه، ثمّ انصرفوا.

فخرج عبيد اللّه بن زياد-لعنه اللّه-فصعد المنبر-و معه أشراف الناس و شرطه و حشمه-و قال: أما بعد أيها الناس، فاعتصموا بطاعة اللّه و طاعة أئمتكم، و لا تفرقوا فتهلكوا و تذلوا و تقتلوا و تجفوا و تحرموا، إن أخاك من صدقك‏ (1) و قد أعذر من أنذر (2) ثمّ ذهب لينزل، فما نزل حتى دخلت النظارة (3) المسجد من قبل باب التمارين، يشتدون

____________

(1) هو مضمون مثل مشهور، و هو «أخوك من صدقك النصيحة» و كذلك ورد في الاحاديث «الرجل مرآة أخيه» أو: المؤمن مرآة أخيه المؤمن. أو: اخوك من صدقك لا من صدّقك. و الكل متقارب المعنى.

(2) مثل مشهور، أي صار معذورا عندك من حذرك ما يحل بك من قبل.

(3) النظارة-بالتشديد-: القوم الذين يقعدون في مرتفع من الارض ينظرون منه القتال و لا يشهدونه.

26

و يقولون: قد جاء ابن عقيل. فدخل عبيد اللّه القصر-مسرعا-و اغلق أبوابه.

فقال عبد اللّه بن حازم: أنا و اللّه رسول ابن عقيل الى القصر لأنظر ما فعل هاني، فلما ضرب و حبس ركبت فرسي، فكنت اول داخل الدار على مسلم بن عقيل بالخبر فاذا بنسوة لمراد مجتمعات ينادين: يا غيرتاه، يا ثكلاه. فدخلت على مسلم، فأخبرته، فأمرني أن أنادى في أصحابه- و قد ملأ بهم الدور حوله-كانوا فيها أربعة آلاف رجل-فقال لمناديه ناد: يا منصور أمت‏ (1) فناديت، فتنادوا أهل الكوفة و اجتمعوا، فعقد مسلم لرءوس الأرباع: كندة و مذحج و تميم و أسد و مضر و همدان. و تداعى الناس، فما لبثنا إلا قليلا حتى امتلأ المسجد و السوق من الناس. فما زالوا يتواثبون حتى المساء. فضاق بعبيد اللّه أمره، و كان اكثر عمله أن يمسك باب القصر، و ليس معه إلا ثلاثون رجلا من الشرط و عشرون رجلا من أشراف الناس....

فدعا ابن زياد كثير بن شهاب و محمد بن الأشعث و القعقاع الذهلي و شبث بن ربعي و حجار بن أبجر و شمر بن ذي الجوشن، و أمرهم أن يخرجوا فيمن أطاعهم من عشائرهم و يخذلوا الناس عن مسلم بن عقيل و يخوفونهم السلطان و يحذرونهم. ففعلوا ذلك و منوا أهل الطاعة: الزيادة في العطاء و الكرامة و خوفوا أهل المعصية بالحرمان و العقوبة، فلما سمع الناس مقالة أشرافهم، أخذوا يتفرقون عن مسلم بن عقيل، حتى أمسى مسلم و ليس معه إلا ثلاثون

____________

(1) هذا النداء شعار المحاربين حين احتدام القتال و تجمع الجموع، ذكره الطبرى في تاريخه، و ابن الأثير في تاريخ الكامل و غيرهما في أخبار مسلم و هاني، فكانهم يتفألون بقولهم (يا منصور) أنهم سينصرون في الحرب، و قولهم (أمت) تحريض لهم باماتة أنفسهم في الحرب للغلبة على الأعداء.

27

نفرا في المسجد، فصلى ثمّ خرج، و لم يبق معه أحد، فكان من أمره ما كان من القتل و إلقائه من فوق القصر-رحمة اللّه عليه- (1) .

فقام محمد بن الأشعث الى عبيد اللّه بن زياد، فكلمه في هانى بن عروة، فقال: إنك قد عرفت موضع هاني من المصر و بيته من العشيرة.

و قد علم قومه أنى و صاحبيّ سقناه اليك، و أنشدك اللّه لما وهبته لي، فانى اكره عداوة المصر و أهله. فوعده أن يفعل، ثمّ بدا له، و أمر بهانى -في الحال-فقال: أخرجوه إلى السوق فاضربوا عنقه. فأخرج هانى حتى أتي به إلى مكان من السوق يباع فيه الغنم-و هو مكتوف-فجعل يقول: وا مذحجاه و لا مذحج لي اليوم، يا مذحجاه يا مذحجاه أين مذحج فلما رأى أن أحدا لا ينصره، جذب يده فنزعها من الكتاف ثمّ قال: أما من عصا أو سكين أو حجر أو عظم يحاجز به رجل عن نفسه؟ فوثبوا اليه فشدوه وثاقا، ثمّ قيل له: امدد عنقك، فقال: ما أنا بسخي و ما أنا بمعينكم على نفسي، فضربه مولى لعبيد اللّه بن زياد-لعنه اللّه-يقال له: (رشيد) بالسيف فلم يصنع شيئا، فقال هانى: الى اللّه المعاد اللهم إلى رحمتك و رضوانك، ثمّ ضربه أخرى، فقتله‏ (2) .

____________

(1) الى هنا يلخص و يطوي سيدنا قصة بروز مسلم بن عقيل و مقاتلته لجيش عبيد اللّه بن زياد، و ما آل اليه آخر المطاف من قتله و رميه و جره و دفنه أخيرا فقد فصلها الشيخ المفيد في الارشاد تفصيلا. فراجع و لكنه يعود لينقل نص كلام المفيد بعد هذه العبارة فيما يخص الحديث عن هانى بن عروة.

(2) قال صاحب حبيب السير: إن هانى بن عروة كان قد أدرك النبي -صلى اللّه عليه و آله و سلم-و تشرف بصحبته و كان يوم قتل ابن تسع و ثمانين سنة و كان قتله سنة 60 هـ، وعده ابن حجر العسقلانى في الاصابة ممن أدرك النبي (ص) و نقل الزركلي في هامش الأعلام (ج 9-ص 51) -بعد ان ترجم لهانى-

28

____________

ق-ابن عروة-قال: «و في صلة تاريخ الطبري (ص 62 من حوادث سنة 304 هـ) ورد إلى بغداد كتاب من خراسان يذكر فيه أنه وجد بالقندهار-في ابراج سورها برج متصل بها فيه خمسة آلاف رأس، في سلال من حشيش، و من هذه الرءوس تسعة و عشرون رأسا، في أذن كل رأس منها رقعة مشدودة بخيط إبريسم باسم رجل منهم، و الأسماء: شريح بن حيان، خباب بن الزبير، الخليل بن موسى التميمي الحارث بن عبد اللّه، طلق بن معاذ السلمي، حاتم بن حسنة، هانى بن عروة -صاحب الترجمة-عمر بن علان، جرير بن عباد المدني، جابر بن خبيب بن الزبير فرقد بن الزبير السعدي، عبد اللّه بن سليمان بن عمارة، مالك بن طرخان صاحب لواء، عقيل بن سهيل بن عمرو، عمرو بن حيان، سعيد بن عتاب الكندي، حبيب ابن أنس، هارون بن عروة، غيلان بن العلاء، جبريل بن عبادة، عبد اللّه البجلي مطرف بن صبح ختن عثمان بن عفان، وجدوا على حالهم إلا أنهم قد جفت جلودهم و الشعر عليها بحالته لم يتغير» .

و هذه القصة غريبة جدا و العهدة على راويها، لأن المذكور في كتب التاريخ:

أن بني مذحج-بعد أن قتل هانى بن عروة-أخذوا جثته بعد أن صلبه ابن زياد منكوسا في سوق القصابين مع جثة مسلم-ثمّ دفنوها في موضعه المعروف الآن مقابل قبر مسلم بن عقيل، و أهدى ابن زياد برأسه و رأس مسلم بن عقيل الى يزيد ابن معاوية فنصبهما على باب دمشق، فكتب اليه يزيد يشكره. هذا ما ذكره المؤرخون فمن الذي أرسل رأس هاني الى القندهار يا ترى؟فلم نجد من يكشف لنا ذلك من المؤرخين سوى ما ذكره صاحب صلة تاريخ الطبري عريب بن سعد القرطبى المطبوع ذيلا لتاريخ الطبرى الكبير بليدن سنة 1897 م، في مصر أيضا مع تاريخ الطبرى بجزء واحد سنة 1327 هـ، فراجعه.

و قد ذكرت ترجمة هانى في اكثر المعاجم الرجالية و ذكره المؤرخون و أرباب-

29

قال: و في مسلم بن عقيل و هاني بن عروة يقول عبيد اللّه بن الزبير الأسدي‏ (1) :

فان كنت لا تدرين ما الموت فانظري # الى هانى بالسوق-و ابن عقيل‏ (2)

الى بطل قد هشم السيف وجهه # و آخر-يهوي من طمار-قتيل‏ (3)

أصابهما أمر الأمير فأصبحا # أحاديث من يسري بكل سبيل‏

تري جسدا قد غير الموت لونه # و نضح دم قد سال كل مسيل‏

فتى كان أحيا من فتاة حيية # و أقطع من ذي شفرتين صقيل‏ (4)

أ يركب أسماء الهماليج آمنا # و قد طالبته مذحج بذحول‏ (5)

____________

ق-المقاتل، راجع: تاريخ الامم و الملوك للطبرى، و تاريخ الكامل لابن الأثير الجزرى و مقاتل الطالبيين لابى الفرج الاصفهاني و المحبر لمحمد بن حبيب الهاشمي البغدادى و نقائض جرير و الفرزدق لابي عبيدة معمر بن مثنى و التاج للجاحظ، و رغبة الآمل للمرصفي و جمهرة الانساب لابن حزم، و صلة تاريخ الطبري لعريب بن سعد القرطبي، و تنقيح المقال للعلامة الحجة المامقاني، و منتهى المقال لأبي علي الحائري و أعلام الورى للطبرسي، و بحار الأنوار للمجلسي الثاني، و مقتل الموفق الخوارزمي أخطب خوارزم الحنفي طبع النجف الأشرف، و ناسخ التواريخ الفارسي، و تاريخ أعثم الفارسي، و غيرها كثير.

(1) الزبير-بفتح الزاي و كسر الباء-كما عن الكامل لابن الاثير.

(2) و في بعض كتب التاريخ-كمروج الذهب للمسعودي-: اذا كنت.

(3) الهشم: كسر العظام أو الوجه أو الأنف-خاصة-و طمار-بالفتح كقطام-: المكان المرتفع.

(4) حيية-فعيلة-من الحياء بمعنى الفاعل، و شفرتا السيف: حده.

(5) الهماليج: جمع هملاج، و هو نوع من البرذون. و الذحول: جمع ذحل و هو الثأر، و طلب المكافاة لكل سوء.

غ

30

تطوف حواليه (مراد) و كلهم # على رقبة من سائل و مسول‏ (1)

فان انتم لم تثأروا بأخيكم # فكونوا بغايا ارضيت بقليل‏

قال المفيد-رحمة اللّه-: «روى عبد اللّه بن سليمان و المنذر بن المشمعل الأسديان، قالا: لما قضينا حجنا لم تكن لنا همة الا اللحاق بالحسين -عليه السلام-في الطريق لننظر ما يكون من أمره، فأقبلنا ترقل بنا ناقتانا مسرعين حتى لحقناه بـ «زرود» (2) فلما دنونا منه، إذا نحن برجل من الكوفة، و قد عدل عن الطريق حين رأى الحسين-ع-فوقف الحسين كأنه يريده، ثمّ تركه و مضى، و مضينا نحوه حتى انتهينا اليه و قلنا: ممن الرجل؟فقال: أسدي، قلنا له: و نحن أسديان، فمن أنت؟قال:

بكر بن فلان، فانتسبنا له، ثمّ قلنا: أخبرنا عن الناس وراءك؟قال:

نعم، لم أخرج من الكوفة حتى قتل مسلم بن عقيل و هاني بن عروة و رأيتهما يجران بأرجلهما الى السوق، فأقبلنا حتى لحقنا بالحسين-ع-فسايرناه حتى نزل بـ (الثعلبية) ممسيا (3) فجئناه حين نزل، فسلمنا عليه، فرد علينا السلام، فقلنا له: يرحمك اللّه، إن عندنا خبرا ان شئت خبرناك به علانية

____________

(1) أطاف به: ألم به و قاربه و مراد: بطن من قبيلة مذحج الواسعة. و الرقبة -بالفتح فالسكون-الارتقاب و الانتظار. و بالكسر-: التحفظ.

(2) زرود-بفتح أوله-: رمال بين الثعلبية، و الخزيمية بطريق الحاج من الكوفة، و هي دون الحزيمية بميل، و فيها بركة و حوض، و فيها وقعة يقال لها:

يوم زرود-عن معجم البلدان للحموي-.

(3) الثعلبية-بفتح أوله-: مكان بعد (الشقوق) للذاهب من الكوفة الى مكة، سمي باسم رجل اسمه ثعلبة من بني أسد نزل هذا الموضوع و استنبط عينا.

(عن معجم البلدان للحموي) .

31

و ان شئت سرا، فنظر الينا و الى أصحابه، ثمّ قال: ما دون هؤلاء سر فقلنا له: رأيت الراكب الذي استقبلته عشاء أمس؟فقال: نعم أردت مسألته، فقلنا له: -و اللّه-قد استبرأنا لك خبره و كفيناك مسألته و هو امرؤ منا ذو رأي و صدق و عقل، و انه حدثنا: أنه لم يخرج من الكوفة حتى قتل مسلم و هاني، و رآهما يجران في السوق بأرجلهما. فقال (ع) :

إنا للّه و إنا اليه راجعون، رحمة اللّه عليهما-يردد ذلك مرارا-فقلنا له: ننشدك اللّه في نفسك و أهل بيتك إلا انصرفت من مكانك، فانه ليس لك بالكوفة ناصر، بل نتخوف أن يكونوا عليك، فنظر الى بني عقيل، فقال: ما ترون؟فقد قتل مسلم، فقالوا: لا و اللّه لا نرجع حتى نصيب ثارنا أو نذوق ما ذاق. فأقبل علينا الحسين-عليه السلام-فقال:

لا خير في العيش بعد هؤلاء، فعلمنا أنه قد عزم رأيه على المسير، فقلنا له: خار اللّه لك، فقال: رحمكم اللّه، فقال له أصحابه: إنك-و اللّه- ما أنت مثل مسلم بن عقيل، و لو قدمت الكوفة لكان الناس اليك اسرع فسكت، ثمّ انتظر حتى اذا كان السحر قال لفتيانه و غلمانه: أكثروا الماء فاستقوا و اكثروا و ارتحلوا، فسار حتى انتهى الى (زبالة) (1) فأتاه خبر عبد اللّه بن يقطر، فأخرج الى الناس كتابا، فقرأه عليهم:

«بسم اللّه الرحمن الرحيم، أما بعد فقد أتانا خبر فظيع، قتل مسلم بن عقيل و هاني بن عروة و عبد اللّه بن يقطر، و قد خذلنا شيعتنا فمن أحب منكم

____________

(1) زبالة-بضم أوله-موضع معروف بطريق مكة بين واقصة و الثعلبية، بها بركتان، قال الشماخ:

و راحت رواحا من زرود فنازعت # زبالة جلبابا من الليل أخضرا

(عن مراصد الاطلاع)

32

الانصراف فلينصرف من غير حرج عليه و لا ذمام» (1) .

و قال ابن شهرا شوب في (كتاب المناقب) : «لما دخل مسلم الكوفة سكن دار سالم بن المسيب، فبايعه اثنا عشر الف رجل... فلما

____________

(1) و حكى ذلك-أيضا-الطبري في تاريخه، فراجعه، و روى أيضا عن بكر بن مصعب المزني، قال: «كان الحسين-عليه السلام-لا يمر باهل ماء إلا اتبعوه حتى انتهى إلى زبالة سقط اليه مقتل أخيه من الرضاعة عبد اللّه بن يقطر و كان سرحه الى مسلم بن عقيل من الطريق و هو لا يدري أنه أصيب، فتلقاه خيل الحصين بن نمير بالقادسية فسرح به الى عبيد اللّه بن زياد، فقال: اصعد فوق القصر فالعن الكذاب ابن الكذاب ثمّ انزل حتى أرى فيك رأيي، قال فصعد فلما أشرف على الناس قال: أيها الناس إني رسول الحسين ابن فاطمة بنت رسول اللّه (ص) لتنصروه و توازروه على ابن مرجانة ابن سمية الدعي، فامر به عبيد اللّه فألقي من فوق القصر إلى الأرض فتكسرت عظامه و بقي به رمق فاتاه رجل يقال له عبد الملك ابن عمير اللخمي فذبحه، فلما عيب عليه ذلك قال أردت أن أريحه» الخ.

و ذكر مثله أخطب خوارزم الموفق بن أحمد المكي الخوارزمي الحنفي في المقتل (ج 1 ص 228-و ص 229) طبع النجف الأشرف سنة 1367 هـ.

و ما جاء في كلام الطبري و بعض المؤرخين: من أن عبد اللّه بن يقطر رضيع الحسين-عليه السلام-ليس له صحة، بل كانت أم عبد اللّه بن يقطر حاضنة للحسين-عليه السلام-و كان لدة الحسين-عليه السلام-كما ذكره ابن حجر في الإصابة و اللدة بكسر-اللام-الذي ولد مع الانسان في زمن واحد.

و لعله نقل-عليه السلام-مضمون ما في الكتاب الذي و رده بذلك الخبر و اكمله بالفقرات الأخيرة من بيانه.

و في بعض المصادر التأريخية: فخطب فيهم فقال اما بعد... الخ و لم يكن لموضوع الكتاب ذكر في الحديث.

33

جاء ابن زياد، انتقل من دار سالم الى دار هاني في جوف الليل، و دخل في أمانه و كان يبايعه الناس حتى بايعه خمسة و عشرون الف رجل، فعزم على الخروج، فقال هاني: لا تعجل... و كان شريك بن الحرث الاعور الحمداني جاء من البصرة مع عبيد اللّه بن زياد، فمرض فنزل دار هاني بن عروة-أياما-ثمّ قال لمسلم: إن عبيد اللّه يعودني و اني مطاوله الحديث، فاخرج اليه بسيفك، و اقتله، و علامتك أن اقول: اسقوني ماء. و نهاه هاني عن ذلك، فلما دخل عبيد اللّه على شريك، و سأله عن وجعه و طوّل سؤاله و رأى أن أحدا لا يخرج، فخشي أن يفوته، أخذ يقول:

ما الانتظار بسلمى أن تحييها # كأس المنية بالتعجيل اسقوها

فتوهم ابن زياد، و خرج» (1) .

و قال أبو الفرج الاصفهاني في (مقاتل الطالبيين) «... قال هاني لمسلم: لا أحب أن يقتل في داري، و لما خرج مسلم الى شريك، قال له ما منعك من قتله؟قال: خصلتان: اما إحداهما-كراهية هاني أن يقتل في داره. و أما الأخرى-فحديث حدثنيه الناس عن النبي (ص) انه قال: «ان الايمان قيد الفتك فلا يفتك مؤمن» فقال له شريك، أما و اللّه لو قتلته لقتلت فاسقا فاجرا كافرا» (2) .

____________

(1) راجع ذلك-باقتضاب في بعض الألفاظ-في باب إمامة الحسين عليه السلام (ج 4 ص 91) طبع المطبعة العلمية بقم.

(2) راجع: مقاتل الطالبين (ص 98-ص 99) طبع القاهرة سنة 1368 هـ و ذكر بعض الأساتذة الأفاضل في رسالته التي كتبها في حياة (سفير الحسين-عليه السلام-مسلم بن عقيل) ص 64، طبع النجف الأشرف سنة 1360 هـ، ما هذا نصه: «و قد انتقد هذه السياسة-من مسلم بن عقيل-من لا إلمام له و لا تفكير (و ملخص الجواب) : أن الفتك مرغوب عنه عقلا و شرعا و سياسة دينية (أما-

34

و في تاريخ (روضة الصفا) و (حبيب السير) : «إن مسلما دخل دار هاني-ليلا-مستجيرا من غير إذن، فقال له هاني: أوقعتني في عناء و تكليف، و لو لا أنك دخلت داري لرددتك، و أما الآن، فلا استطيع ردك و لا الاعتذار منك، و وجب علي أن أحميك و أدافع عنك، و اخلى له حجرة في حرمه، و جعلت الشيعة تختلف الى مسلم في دار هاني-أفواجا- و مسلم يأخذ منهم البيعة للحسين-عليه السلام-و يستوثق منهم بالمواثيق و العهود و يوصيهم بالكتمان. و كان شريك بن الأعور-و هو من كبار الشيعة-قد أتى من البصرة، و نزل على هاني بن عروة، و كان يحث هانيا على تقوية أمر مسلم و تمشيته، فمرض شريك و سمع ابن زياد بمرضه و أرسل اليه: أنه يريد أن يعوده، فقال شريك لمسلم: إن ابن زياد يعودني-غدا-و إني لا شغله بالكلام، فاغتنم الفرصة و اخرج و اقتله فتستقر لك إمارة الكوفة، و لئن عوفيت من مرضي لأسعى لك في تسخير البصرة، فلما أتى ابن زياد أخرج مسلم سيفه من غمده و همّ بقتله، فمنعه هاني و ناشده اللّه أن لا يقتل ابن زياد في داره، و قال له: إن في الدار

____________

ق-العقل) فهو يكره الغيلة و يبغض الخديعة، و لأن الاطمئنان بك ألزم أن تكون نفس المطمئن اليك وديعة، و الواجب العقلي حفظ الوديعة (و أما الشرع) فهذا الحديث متفق على روايته و لا يرتكب أهل البيت-عليهم السلام-خطة تثلم الشرف و تقدح في الدين (و أما السياسة الدينية) فلو أن مسلما-سلام اللّه عليه-أطاع المؤتمر و طبق آراء أعضائه بالفعل لتنفرت الناس من أهل البيت-عليهم السلام- و قالوا هم أناس طلاب ملك لا طلاب إصلاح يتوصلون الى نجاح مقاصدهم بالمخادعة و الاحتيال و من أجلى مظاهر الاحتيال الفتك» .

و برأينا أن ما ذكره هذا الفاضل الخبير خير توجيه لسياسة مسلم في عدم الفتك بابن زياد.

35

نساء و أطفالا كثيرة، و أخاف إن قتلته فيها أن تقطع قلوبهم من الخوف فغضب مسلم من قوله و رمى السيف من يده، و لم يخرج حتى خرج ابن زياد، فجعل شريك يلومه على عدم انتهاز الفرصة، و يلوم هانيا على منعه إياه و يقول لمسلم: إن اللّه قد سهل لك قتل هذا الفاجر بأهون سعي و قد فاتك ذلك و ما أظن أن يعود لك مثله. و توفي شريك بعد ثلاثة أيام و صلى عليه ابن زياد-لعنه اللّه-» (1) .

و قد روي في قصة هانى و امتناع مسلم من قتل ابن زياد غير ذلك:

قال الشيخ جعفر بن محمد بن نما في كتاب (مثير الاحزان) :

«إن عبيد اللّه بن زياد لعنه اللّه لما خرج من دار هاني جاء مسلم و السيف في يده، فقال له شريك: ما منعك من الأمر؟قال: هممت بالخروج، فتعلقت بي امرأة و قالت: نشدتك اللّه إن قتلت ابن زياد في دارنا، و بكت في وجهي، فرميت السيف و جلست، قال هاني: يا ويلها قتلتني و قتلت نفسها و الذي فرت منه وقعت فيه» (2) .

و قال عبد اللّه بن مسلم بن قتيبة في كتابه المعروف بكتاب (الامامة و السياسة) «إن مسلم بن عقيل-رحمه اللّه-بايعه اكثر من ثلاثين الفا من أهل الكوفة فنهضوا يريدون عبيد اللّه بن زياد فجعلوا كلما اشرفوا على زقاق انسل منهم اناس حتى بقي مسلم في شرذمة قليلة، فجعل الناس يرمونه بالآجر من

____________

(1) راجع: روضة الصفا للسيد مير محمد ابن السيد برهان الدين خواندشاه الشهير بميرخواند المتوفى ثاني ذي القعدة سنة 903 عن (66) سنة (ج 3 ص 121) طبع طهران سنة 1379 هـ، و راجع ايضا: حبيب السير (المجلد 2 ص 42) طبع طهران سنة 1333 شمسي و الكتابان باللغة الفارسية.

(2) راجع مثير الأحزان (ص 14) طبع إيران، و (ص 21) طبع النجف الأشرف سنة 1369 ه

36

فوق البيوت، فلما رأى ذلك دخل دار هاني بن عروة المرادي، و كان له فيها رأي، فقال له هاني: إن لي من ابن زياد مكانا، و سوف أتمارض له، فاذا جاء يعودنى فاضرب عنقه، فقيل لابن زياد: إن هاني ابن عروة شاك يقي‏ء الدم، و كان شرب (المغرة) (1) فجعل يقيئها، فجاء ابن زياد يعوده، و قال هانى: اذا قلت لكم «اسقونى» فاخرج اليه و اضرب عنقه، فقال: اسقوني، فأبطئوا عليه، فقال: و يحكم اسقوني و لو كان فيه ذهاب نفسي. فخرج عبيد اللّه، و لم يصنع مسلم شيئا، و كان من أشجع الناس، و لكن أخذته كبرة (9) فقيل لابن زياد-لعنه اللّه- و اللّه إن في البيت رجلا مسلحا. فأرسل ابن زياد الى هاني ابن عروة يدعوه، فقال: إني شاك لا أستطيع، فقال: ائتوني به و ان كان شاكيا فأخرج له دابة، فركب، و معه عصاه و كان أعرج، فجعل يسير قليلا و يقف، و يقول: مالي أذهب إلى ابن زياد؟.. فما زال ذلك دأبه حتى دخل على عبيد اللّه بن زياد، فقال له: يا هاني أما كانت يد زياد عندك بيضاء؟قال: بلى قال: فيدى؟قال: بلى. فقال: يا هذا قد كانت لكم عندي يد بيضاء، و قد أمنتك نفسي و مالك؟و تناول العصا التي كانت في يد هاني، فضرب بها وجهه حتى كسره بها، ثمّ قدمه و ضرب عنقه... » (2) .

و في (كتاب المقتل) للشيخ فخر الدين بن طريح-رحمه اللّه-:

____________

(1) بفتح فسكون أو بفتحتين-الطين الأحمر يصبغ به.

(9) الكبرة-بالكسر-: الرفعة في الشرف و العظمة و النجر كالكبرياء.

و لعل المراد: أنه أخذته رفعة عن الفتك، فانه من ضعة (منه رحمه اللّه) .

(2) راجع ذلك-باقتضاب-في (جـ 2 ص 5) طبع الحلبي بمصر، الطبعة الثانية سنة 1377 هـ.

37

«إن ابن زياد-لعنه اللّه-لما دخل الكوفة و صعد المنبر و وعد الناس و أوعدهم، جعل الناس ينظر بعضهم الى بعض، و يقولون: ما لنا و الدخول بين السلاطين، فنقضوا بيعة الحسين-عليه السلام-و بايعوا عبيد اللّه بن زياد، قيل: و كان ذلك يوم الجمعة، و كان مسلم بن عقيل موعوكا لم يقدر على الحضور للاجتماع، فلما كان وقت صلاة العصر، خرج الى الجامع، فأذن و أقام الصلاة، و صلى وحده، و لم يصل معه أحد من أهل الكوفة، فخرج فرأى رجلا، فقال: ما ذا فعل أهل مصركم؟قال:

يا سيدي نقضوا بيعة الحسين (ع) و بايعوا يزيد، فصفق مسلم بيديه و جعل يخترق السكك و المحال هاربا حتى بلغ الى محلة بني خزيمة، فرأى بابا شاهقا في الهواء، و جعل ينظر اليها، فخرجت جارية، فقال لها: لمن هذه الدار؟ فقالت: لهاني بن عروة المذحجي، فقال لها: ادخلي فقولي له: إن رجلا من أهل البيت واقف بالباب، فدخلت الجارية ثمّ خرجت و قالت له: أدخل، و كان هاني-يومئذ-عليلا، فنهض ليعتنقه، فلم يطق و جعلا يتحادثان الى أن وصلا الى ذكر عبيد اللّه بن زياد-لعنه اللّه- فقال هاني: يا أخي إنه صديقي و سيبلغه مرضي، فاذا أقبل ليعودني، فخذ هذا السيف و اقتله، و احذر أن يفوتك، و العلامة بيني و بينك ان اقلع عمامتي عن رأسي، فاذا رأيت ذلك فاخرج لقتله، قال مسلم: أفعل إن شاء اللّه.

ثمّ إن هانئا أرسل إلى ابن زياد يستجفيه‏ (1) فبعث اليه معتذرا:

اني رائح اليك-العشية-فلما صلى ابن زياد-لعنه اللّه-العشاء، أقبل ليعود هانئا. فلما وصل و استأذن للدخول، قال هاني: يا جارية، ادفعي هذا السيف لمسلم بن عقيل، فدفعته اليه، فدخل عبيد اللّه بن زياد-لعنه اللّه-

____________

(1) استجفى الشخص-من الجفاء-أى: عده جافيا غير وصول.

38

-و معه حاجبه-و جعل يحادثه و يسأله عن حاله-و هو يشكو حاله و يستبطئ مسلما في خروجه، فقلع عمامته عن رأسه و تركها على الأرض ثمّ رفعها-ثلاث مرات-ثمّ رفع صوته بشعر أنشده. كل ذلك يريد إشعار مسلم و إعلامه. فلما كثرت الحركات و الإشارات من هانى، انكر عليه ابن زياد، فنهض هاربا و ركب جواده و انصرف، فلما خرج خرج مسلم من المخدع، فقال له هانى: يا سبحان اللّه ما منعك من قتله؟قال: كلام سمعته من أمير المؤمنين-عليه السلام-: أنه لا إيمان لمن قتل مسلما بغير جناية. فقال له هانى: و اللّه لو قتلته لقتلت فاجرا كافرا.

ثمّ إن ابن زياد بعث في طلب مسلم و بذل على ذلك الجوائز الكثيرة و العطايا الخطيرة، و كان ممن رغب في ذلك مولى له يقال له (معقل) فخرج يدور في الكوفة و يتحيل على الاستطلاع على خبر مسلم الى ان وقع على خبره: أنه عند هاني بن عروة، أرشده اليه رجل يقال له:

مسلم بن عوسجة، قال: إني ثقة من ثقاته و عندي كتمان أمره، و قد أحببت أن ألقاه لأبايعه، و حلف لذلك الرجل بالايمان المؤكدة، فلما أدخله على مسلم و هاني أخذ أخبارهما على الحقيقة و أوصلها الى ابن زياد. فبعث ابن زياد في طلب هانى، فلما وصل اليه و سلم عليه أعرض عنه و لم يرد عليه جوابا، فأنكر هانى أمره، فقال: لما ذا-أصلح اللّه الأمير-؟ فقال: يا هانى خبيت مسلم و ادخلته في دارك و جمعت له الرجال و السلاح و ظننت أن ذلك يخفى علي؟فقال هانى: معاذ اللّه أيها الأمير ما فعلت ذلك، قال: بلى قد فعلته، فقال هاني: الذي بلغك عني باطل، فقال ابن زياد: يا معقل، أخرج اليه و كذبه، فخرج معقل و قال يا هاني ما تعرفني؟فقال: نعم أعرفك فاجر غادر، ثمّ علم أنه كان عينا لابن زياد فقال ابن زياد: يا هاني، ائتني بمسلم و إلا فرقت بين رأسك و جسدك

39

فغضب هاني من قوله، فقال: إنك لست تقدر على ذلك أو تهرق بنو مذحج دمك، فغضب ابن زياد-لعنه اللّه-فضرب وجهه بقضيب كان عنده، فضربه هاني بسيف كان عنده فقطع اطماره و جرحه جرحا منكرا فاعترضه (معقل) فقطع وجهه بالسيف، فجعل هاني يضرب فيهم يمينا و شمالا حتى قتل من القوم رجالا (9) و هو يقول: و اللّه لو كانت رجلى على طفل من أطفال أهل البيت ما رفعتها حتى تقطع، حتى تكاثر عليه الرجال فأخذوه و أوثقوه و أوقفوه بين يدي ابن زياد-لعنه اللّه-و كان بيده عمود من حديد فضربه فقتله-رحمه اللّه-و عذب قاتله و أصلاه جهنم و بئس المصير (1) .

و في الدر النظيم في مناقب الائمة اللهاميم‏ (2) -عليهم السلام-:

«إن ابن زياد-لعنه اللّه-دفع إلى معقل أربعة آلاف درهم، و قال:

تعرف موضع مسلم بن عقيل، فاذا لقيته فادفع اليه المال، و قل له:

تستعين به على امرك، فخرج و فعل ذلك، ثمّ رجع فأخبره بتحول مسلم إلى منزل هاني بن عروة.

و دخل على ابن زياد-لعنه اللّه-وجوه أهل الكوفة، و معهم عمرو ابن حريث و محمد بن الأشعث و شريح بن هاني، فقال لهم: أين هانى ابن عروة، فخرج عمرو بن حريث حتى أتى هانئا، و قال له: إن الأمير قد ذكرك، فقال: مالي و للأمير، فلم يزل به حتى ركب اليه، فلما رآه

____________

(9) و عن أبى مخنف: أنه قتل من القوم اثني عشر رجلا (منه رحمه اللّه) .

(1) راجع المقتل المعروف بالمنتخب في احوال مسلم و هاني، طبع النجف الاشرف.

(2) اللهم و اللهميم-بالكسر-: السابق الجواد من الخيل و الناس، و يضم (القاموس) (منه رحمه اللّه) .

40

عبيد اللّه قال له: أين مسلم بن عقيل؟فقال: و اللّه ما دعوته، و لو كان تحت قدمي ما رفعتها عنه، فرماه بعمود، فشجه، و بلغ إلى مسلم خبره فخرج بمن عنده من الرجال فرأوا قومهم و أشرافهم عند ابن زياد فانصرفوا عنه حتى ما أمسى معه إلا أربعمائة فجاء أصحاب ابن زياد فقاتلهم مسلم قتالا شديدا حتى اختلط الظلام فتركوه وحده» . ثمّ ذكر تمام القصة (1) .

و في (مروج الذهب) : «ان ابن زياد وجه الى هانى: محمد بن الاشعث

____________

(1) أنظر القصة في أخبار مسلم و هانى-الفصل المعقود لمناقب الامام الشهيد أبي عبد اللّه الحسين-عليه السلام-.

و كتاب الدر النظيم-هذا-تأليف الشيخ جمال الدين يوسف بن حاتم الشامي العاملي المشغري تلميذ المحقق الحلي الذي توفي سنة 676 هـ، و المجاز من السيد رضي الدين علي بن طاوس الحلي الذي توفي سنة 664 هـ، و هو كتاب جليل في بابه ينقل فيه عن كتاب (مدينة العلم) للشيخ ابن بابويه الصدوق-رحمه اللّه-و كتاب (النبوة) له أيضا، و ينقل عن الدر النظيم العلامة المحدث المجلسي الثانى في البحار كثيرا.

و ترجم له الحر العاملي في (أمل الآمل) فقال: «يوسف بن حاتم الشامي العاملي، كان فاضلا فقيها عابدا، له كتب منها كتاب الاربعين في فضائل أمير المؤمنين -عليه السلام-عندنا منه نسخة، يروي عن المحقق جعفر بن الحسن بن سعيد و عن ابن طاوس» و ترجم له أيضا سيدنا الحجة الحسن الصدر الكاظمي-رحمه اللّه-في (تكملة أمل الآمل) ، و وصف كتابه (الدر النظيم) بانه كتاب جليل في بابه، و قال: «رأيت منه نسخة مصححة على نسخة الأصل مكتوبة في عصر المصنف» و قال: «كان هذا الشيخ من أجلة العلماء في عصر المحقق نجم الدين صاحب (الشرائع) و هو صاحب (المسائل البغدادية) التي أجاب عنها المحقق-

41

الأشعث بن قس، فجاء به فسأله عن مسلم، فأنكر، فأغلظ له ابن زياد القول، فقال له هانى: إن لزياد أبيك عندي بلاء حسنا، و إني أحب مكافأتك، فهل لك في خير؟قال ابن زياد: ما هو؟قال: تشخص إلى الشام أنت و أهل بيتك سالمين، فانه قد حاء من هو أحق من حقك و حق صاحبك. فقال ابن زياد: أدنوه مني، فأدنوه فضرب وجهه بالقضيب حتى كسر أنفه... » ثمّ ساق الحديث بنحو ما رواه المفيد (1)

و هذه الأخبار-على اختلافها في أمور كثيرة-قد اتفقت و تطابقت على أن هاني بن عروة قد أجار مسلما و حماه في داره و قام بأمره و بذل النصرة له و جمع له الرجال و السلاح في الدور حوله، و امتنع من تسليمه لابن زياد-لعنه اللّه-و أبى عليه كل الاباء، و اختار القتل على التسليم

____________

ق-قال ناسخها: تمت المسائل البغدادية للمحقق نجم الدين المنسوبة الى سؤال جمال الدين بن حاتم المشغري، (أقول) و كذلك صرح الشهيد في (الذكرى) عند نقله عنها، و نقل أيضا فتوى جمال الدين في بعض مواضع (الذكرى) و قال في موضع ما لفظه: و قد أورد على المحقق نجم الدين تلميذه جمال الدين يوسف بن حاتم الشامي (الخ) و يظهر من نسبة مسائله الى بغداد-مع أنه من غيرها-أنه كان قد سكن بغداد، و منها أرسل يسأل المسائل، و إلا فلا وجه لتسميتها بالبغدادية-تحقيقا- فانها عندي منسوخة عن خط السيد نصر اللّه الحائري بخط الشيخ قاسم بن حمزة الملقب بالدلبزي، و له (مجموع) ينقل عنه صاحب (المجموع الرائق) ، قال:

و مما نقلته عن مجموع جمال الدين يوسف بن حاتم الفقيه الشامي كتاب الأربعين في فضائل أمير المؤمنين-عليه السلام-ثمّ ذكر المناقب» .

توجد نسخ الدر النظيم في بعض مكتبات العراق و إيران، راجع كتاب (الذريعة: ج 8 ص 86) .

(1) راجع: الجزء الثالث (ص 67) طبع مصر سنة 1367 هـ.

42

حتى أهين و ضرب و عذب و حبس و قتل صبرا على يد الفاجر اللعين.

و هذه جملة كافية في حسن حاله و جميل عاقبته و دخوله في أنصار الحسين-عليه السلام-و شيعته المستشهدين في سبيله. و ناهيك بقوله لابن زياد-في بعضها-: «فانه قد جاء من هو أحق من حقك و حق صاحبك» و قوله «لو كانت رجلي على طفل من أطفال آل محمد (ص) ما رفعتها حتى تقطع» و نحو ذلك مما مضى من كلامه مما يدل على أن ما فعله قد كان عن بصيرة دينية، لا عن مجرد الحمية و حفظ الذمام و رعاية حق الضيف و الجار.

و يؤكد ذلك و يحققه: قول الحسين-عليه السلام-لما بلغه قتله و قتل مسلم «رحمة اللّه عليهما» و تكرار ذلك مرارا متعددة، و قوله-عليه السلام-: «قد أتانا خبر فظيع قتل مسلم بن عقيل و هاني بن عروة و عبد اللّه بن يقطر» و ما رواه السيد ابن طاوس في (كتاب اللهوف على قتلى الطفوف) : «أنه لما أتاه خبر عبد اللّه بن يقطر-و ذلك بعد ما أخبر بقتل مسلم و هاني-استعبر باكيا، ثمّ قال: «اللهم اجعل لنا و لشيعتنا منزلا كريما، و اجمع بيننا و بينهم في مستقر من رحمتك إنك على كل شي‏ء قدير (1) » .

و قد ذكر أصحابنا-رضوان اللّه عليهم-لهاني بن عروة زيارة يزار بها-الى الآن-صريحة في أنه من الشهداء السعداء الذين نصحوا للّه و لرسوله، و مضوا في سبيل اللّه برحمة منه و رضوانه، و هي هذه:

«سلام اللّه العظيم و صلواته عليك يا هاني بن عروة، السلام عليك أيها العبد الصالح الناصح للّه و لرسوله و لأمير المؤمنين و الحسن و الحسين (عليهم السلام) أشهد أنك قتلت مظلوما، فلعن اللّه من قتلك، و استحل

____________

(1) راجع: الملهوف في أخبار مسلم و هاني، طبع إيران، و النجف الأشرف‏

43

دمك و حشا قبورهم نارا، أشهد أنك لقيت اللّه-و هو راض عنك- بما فعلت و نصحت. و أشهد أنك قد بلغت درجة الشهداء، و جعل روحك مع أرواح السعداء بما نصحت للّه و لرسوله مجتهدا، و بذلت نفسك في ذات اللّه و مرضاته فرحمك و رضي عنك و حشرك مع محمد و آله الطاهرين و جمعنا و إياك معهم في دار النعيم و السلام عليك و رحمة اللّه و بركاته» (1) .

و ذكروا له صلاة بعد الزيارة و وداعا بما يودع به مسلم بن عقيل و يبعد أن يكون مثل هذا عن غير نص وارد و أثر ثابت، فلو لم يكن ذلك منصوصا، ففيما ذكروه-رحمهم اللّه-شهادة منهم بشهادته و سعادته و نبله و جلالته و حسن خاتمته.

و قد وجدنا شيوخ أصحابنا كالمفيد-رحمه اللّه-و غيره يعظمونه في كتبهم و يعقبون ذكره بالترضية و الترحم. و لم أجد أحدا من علمائنا طعن عليه أو غمز فيه.

و ما يظهر من الأخبار من دخول هاني على ابن زياد حين أتى الكوفة

____________

(1) ذكر هذه الزيارة: العلامة الخبير شيخنا الشيخ عباس القمي-قدس سره- في مفاتيح الجنان المطبوع بايران، كما ذكر له صلاة ركعتين يصليهما الزائر و يهديهما الى روحه، ثمّ يودعه بالفاظ الوداع التي يودع بها أبو الفضل العباس-عليه السلام- التي أولها: «استودعك اللّه و أسترعيك و أقرأ عليك السلام» الخ.

و لعله-قدس سره-نقل ذلك عن كتاب (مصباح الزائر) للعالم الزاهد الفقيه السيد علي بن طاوس-رحمه اللّه-فانه ذكر في كتابه المذكور نص الزيادة التي ذكرها سيدنا (في الأصل) مع الصلاة بعد الزيارة و الوداع بما يودع به مسلم ابن عقيل-عليه السلام-و هو الوداع الذي يودع به أبو الفضل العباس-عليه السلام- المذكور.

44

و اختلافه اليه فيمن اختلف من أعيانها و اشرافها حتى لجأ اليه مسلم بن عقيل-فلا يقتضي طعنا فيه، لأن أمر مسلم كان مبنيا على التستر و الاستخفاء، و كان هاني رجلا مشهورا يعرفه ابن زياد و يصادقه، فكان انزواؤه عنه يحقق عليه الخلاف، و هو خلاف ما كانوا عليه من التستر فلذا لزمه الاختلاف اليه دفعا للوهم، فلما لجأ اليه مسلم انقطع عنه خوفا و تمارض حتى يكون المرض عذرا، فجاءه من الأمر ما لم يكن في حسابه.

و أما نهيه (مسلم) عن التعجيل في الخروج، فلعله رأى أن المصلحة في التأخير حتى يتكاثر الناس و تكمل البيعة و يصل الحسين-عليه السلام- الى الكوفة، و يتهيأ لهم الامر بسهولة، و يكون قتالهم مع الإمام-عليه السلام- مرة واحدة.

و أما منعه من قتل ابن زياد في داره، فقد عرفت اختلاف الأخبار في ذلك، و في بعضها: أنه هو الذي أشار بقتله و تمارض لابن زياد حتى يأتيه عائدا، فيقتله (مسلم) و قد مضى اعتذار مسلم-تارة-بتعلق المرأة به و بكائها في وجهه و مناشدتها في ترك ما هم به، و اخرى بحديث الفتك و هذا هو المشهور عنه.

و قد ذكره السيد المرتضى في (تنزيه الانبياء) مقتصرا عليه‏ (1) .

و أما قوله لابن زياد-و قد سأله عن مسلم-: «و اللّه ما دعوته الى منزلي و لا علمت بشي‏ء من أمره، حتى جاءني يسألني النزول، فاستحييت من رده، و داخلني من ذلك ذمام» (2) فقد قال ذلك لابن زياد يريد التخلص منه، و من البعيد أن يأتيه مسلم على غير ميعاد و لا استباق و يدخل في أمانه، و هو لا يدري به، و لم يعرفه و لم يختبره، و كذا عدم اطلاع

____________

(1) راجع: تنزيه الأنبياء (ص 180) طبع طهران سنة 1290 هـ.

(2) الذمام-بالكسر-: الحق و الحرمة.

45

هاني-و هو شيخ المصر و سيده و وجه الشيعة-على شي‏ء من أمره في تلك المدة حتى دخل عليه بغتة و فاجأه باللقاء مرة.

و من ذلك يعلم ما في (روضة الصفا) و (حبيب السير) من قوله:

«لقد أوقعتني في عناء و تكليف، و لو لا انك دخلت داري لرددتك» (1) مع أني لم أجد ذلك إلا في هذا الموضع، و سائر الكتب المعتبرة خالية عنه.

و قد ذكر ابن أبي الحديد في (شرح النهج) في هاني بن عروة روايتين تدل إحداهما على مدحه، و الأخرى على الطعن فيه.

أما رواية المدح، فقد أوردها-عند قول أمير المؤمنين-عليه السلام- «و اللّه إني لأول من صدقه فلا اكون أول من كذب عليه» قال:

«روى محمد بن موسى العنزي، قال: كان مالك بن ضمرة الرؤاسي من أصحاب علي-عليه السلام-و ممن استبطن من جهته علما كثيرا، و كان أيضا ممن قد صحب أبا ذر-رحمه اللّه-و أخذ من علمه، و كان يقول في أيام بني أمية: اللهم لا تجعلني أشقى الثلاثة، فيقال له: و ما الثلاثة؟ فقال: رجل يرمى به من فوق طمار، و رجل تقطع يداه و رجلاه و لسانه و يصلب، و رجل يموت على فراشه. فكان من الناس من يهزأ به و يقول:

هذا من أكاذيب أبي تراب-قال-: و كان الذي رمى به من طمار:

هاني بن عروة، و الذي قطع و صلب رشيد الهجري، و مات مالك-أى مات أنفه-على فراشه» (2) و لم يدرك الشهادة، و قد كان يتمناها و يدعو أن لا يكون أشقى الثلاثة و فاز بها رشيد، و هاني.

____________

(1) تقدم آنفا ص 34 ما ذكره صاحب روضة الصفا، و صاحب حبيب السير فراجعه.

(2) راجع ذلك في: (ج 2 ص 295) طبع دار احياء الكتب العربية سنة 1378 هـ.

46

لكن المعروف في الأخبار: أن الذي رمي به من فوق طمار هو مسلم بن عقيل، لا هاني بن عروة، و قد روي ذلك أيضا في عبد اللّه بن يقطر، و كأن الحديث غير منقول على وجهه.

و أما رواية القدح، فقد ذكر عند قوله-عليه السلام-في باب المختار من كلماته القصار-: «آلة الرئاسة سعة الصدر» : أن معاوية بن أبي سفيان كان واسع الصدر، كثير الاحتمال، و بذلك نال من الدنيا ما نال و بلغ منها ما بلغ و إن كان مذموما في باب الدين، و أورد له في ذلك حكايتين:

الأولى-: «إن أهل الكوفة وفدوا على معاوية حين خطب لابنه يزيد بالعهد بعده، و في أهل الكوفة هاني بن عروة المرادى-قال-:

و كان سيدا في قومه، فقال-يوما-في مسجد دمشق-و الناس حوله-:

العجب لمعاوية يريد أن يقسرنا على بيعة ابنه يزيد-و حاله حاله-و ما ذاك و اللّه بكائن-، و كان في القوم غلام من قريش، فتحمل الكلمة الى معاوية، فقال له: معاوية انت سمعت هانيا يقولها؟قال: نعم قال:

فاخرج فات حلقته، فاذا خف الناس عنه فقل: أيها الشيخ، قد وصلت كلمتك الى معاوية، و لست في زمن أبي بكر و عمر، و لا أحب أن تتكلم بهذا الكلام فانهم بنو أمية، و قد عرفت جرأتهم و إقدامهم و لا يدعني الى هذا القول إلا النصيحة لك و الاشفاق عليك، فانظر ما ذا يقول، فاتني به. فأقبل الفتى الى مجلس هاني، فلما خف من عنده دنا منه فقص عليه الكلام و أخرجه مخرج النصيحة له، فقال هاني: و اللّه يا ابن أخي ما بلغت نصيحتك كلما اسمع، و إن هذا الكلام لكلام معاوية أعرفه، فقال الفتى و ما أنا و معاوية و اللّه ما يعرفني، فقال: و لا عليك، اذا لقيته فقل له:

يقول لك هاني: و اللّه ما الى ذلك من سبيل، انهض يا ابن أخي راشدا فقام الفتى فدخل على معاوية فأعلمه، فقال: نستعين باللّه عليه‏

47

ثمّ قال معاوية بعد أيام للوفد: ارفعوا حوائجكم و هاني فيهم، فعرض عليه كتابه فيه ذكر حوائجه، فقال: يا هاني ما صنعت شيئا زد. فلم يدع حاجة عرضت له إلا و ذكرها، ثمّ عرض عليه الكتاب فقال اراك قصرت فيما طلبت، فقام هاني-و لم يدع حاجة لقومه و لا لأهل مصره إلا ذكرها، ثمّ عرض عليه الكتاب، فقال: ما صنعت شيئا، زد، فقال:

يا أمير المؤمنين، حاجة بقيت، فقال: ما هي؟فقال: أتولى أخذ البيعة ليزيد بن أمير المؤمنين بالعراق، قال: افعل، فما زلت لمثل ذلك أهلا فلما قدم هاني العراق قام بأمر البيعة ليزيد بن معاوية بمعونة من المغيرة بن شعبة، و هو الوالي بالعراق-يومئذ-.

و أما الحكاية الثانية، فقد قال: كان مال حمل من اليمن الى معاوية فلما مر بالمدينة وثب عليه الحسين بن علي-عليه السلام-فأخذه، فقسمه في أهله و مواليه، و كتب الى معاوية:

(من الحسين بن علي الى معاوية بن أبي سفيان. أما بعد، فان عيرا مرت بنا من اليمن تحمل مالا و حللا و عنبرا و طيبا اليك لتودعها خزائن دمشق و تعلّ بها بعد النهل ببني أبيك و اني احتجت اليها فأخذتها و السلام)

فكتب اليه معاوية: (من عبد اللّه معاوية أمير المؤمنين الى الحسين ابن علي، سلام عليك اما بعد، فان كتابك ورد علي تذكر أن عيرا مرت بك من اليمن تحمل مالا و حللا و عنبرا و طيبا الي، لأودعها خزائن دمشق و اعل بها بعد النهل‏ (1) ببني أبي-و انك احتجت اليها فأخذتها، و لم تكن جديرا يأخذها إذ نسبتها إلي، لأن الوالي أحق بالمال، ثمّ عليه المخرج منه. و أيم اللّه لو تركت ذلك حتى صار إلي لم أبخسك خطك منه و لكن قد ظننت-يا ابن أخي-أن في رأسك نزوة و بودي أن يكون

____________

(1) العل و العلل-بالتشديد و التفكيك-: الشرب بعد الشرب بالتتابع.

و النهل-بفتحتين-: أول الشرب (عن القاموس) .

غ

48

ذلك في زماني فأعرف لك قدرك و أتجاوز عن ذلك، و لكنني-و اللّه- أتخوف أن تبتلي بمن لا ينظرك فواق ناقة (1) و كتب في أسفل كتابه:

يا حسين بن علي ليس ما # جئت بالسائغ يوما في العلل‏

أخذك المال و لم تؤمر به # إن هذا من حسين لعجل‏

قد أجزناها و لم نغضب لها # و احتملنا من حسين ما فعل‏

يا حسين بن علي ذا الأمل # لك بعدى وثبة لا تحتمل‏

و بودي انني شاهدها # فإليها منك بالخلق الأجل‏

إنني ارهب أن تصلى بمن # عنده قد سبق السيف العذل‏

إنني ارهب أن تصلى بمن # عنده قد سبق السيف العذل‏

قال ابن أبى الحديد: و هذه سعة صدر و فراسة صادقة (2) .

قلت: و الحكاية الثانية-عندنا-من الأكاذيب الباطلة، فان مقام الحسين-عليه السلام-يجل عن هذه الدنية و يأبى تصديق تلك القضية، فان الدنيا كلها، و ان كانت له و ليس لمعاوية في العير و لا في غيرها فتيل و لا نقير، إلا أن الحال قد كانت حال مسالمة و موادعة، و التوثب على اخذ المال شنيع في مثل هذه الحال. و ليس ذلك كتعرض النبي-ص-لعير قريش، و لا كتعرضه (ع) للورس المحمول الى يزيد من اليمن، فانهما قد وقعا حال المباينة و الاختلاف، بخلاف الأولى، و لو لم يمنع من ذلك إلا كف ألسنة المخالفين له و المبتغين سبيل الطعن عليه لكفى إلا أن يسلك بذلك سبيل المطايبة و المعابثة. و فيه حزازة أخرى‏

و أما الحكاية الأولى المتعلقة بهاني، فالظاهر. أنها كذلك. و كيف يقول

____________

(1) الفواق-كغراب-ما بين الحلبتين من الوقت أو ما بين فتح يدك و قبضها على الضرع (القاموس) و يضرب مثلا للمبالغة في السرعة.

(2) راجع: الحكايتين بنصهما في (ج 18 ص 407-409) طبع دار احياء الكتب العربية بمصر.

49

هانى بملإ من قومه و أهل الشام جهرا غير سرّ: «العجب من معاوية يريد أن يقسرنا على بيعة يزيد-و حاله حاله-و ما ذاك و اللّه بكائن» . و يقول للفتى: «اذا لقيت معاوية فقل له: يقول لك هاني: و اللّه ما الى ذلك من سبيل» ثمّ يكون هو الطالب للقيام ببيعة يزيد في الكوفة؟و لو لم يكن له حاجز من تقوى اللّه لمنعه من ذلك تكذيبه لنفسه و انتقامه به عند قومه و عند معاوية و اتباعه بمضي حيلته فيه و خدعته له.

ثمّ إن هذه مجرد قصة قد سماها حاكيها و لم يعدها رواية. و قد أوردها في غير اسناد و لا إضافة الى كتاب، و لا موافق لها في كتب التواريخ و السير المعدة لذكر مثل ذلك. فقد ذكر أصحاب الاخبار ما جرى للناس في أخذ معاوية لهم بولاية العهد لابنه يزيد و ما وقع فيه من الكلام ممن رضي بذلك و أبى، و لم ينقل أحد منهم هذه القصة، و لو صحت لكانت أولى بالنقل من غيرها لما فيها من الغرابة.

على ان ما ختم به لهاني-رحمه اللّه-من رده بيعة يزيد و قيامه بنصر الحسين-عليه السلام-حتى قتل: يأتي على كل ما فرط منه قبل ذلك -لو كان-.

و ما اشبه حاله-حينئذ-بحال الحر-رحمه اللّه-إذ تاب فقبلت توبته بعد ما وقع منه ما وقع، و صدر ما صدر. و قد كان الأمر فيه أشد و في هاني أهون، فهو الى القبول أقرب‏ (1) .

____________

(1) و لسيدنا-قدس سره-قصيدة في رثاء مسلم بن عقيل و هانى بن عروة توجد في ديوانه المخطوط عندنا مطلعها:

عين جودي لمسلم بن عقيل # لرسول الحسين سبط الرسول‏

لشهيد بين الأعادي وحيد # و قتيل لنصر خير قتيل‏

-

50

هاني بن هاني السبيعي:

هو آخر رسول أرسله أهل الكوفة الى الحسين-عليه السلام-مع سعيد بن عبد اللّه الحنفي، يستدعونه الى الكوفة (1) .

____________

ق-الى أن يقول في رثاء هانى بن عروة: -

ثمّ ثني بشيخ مذحج هانى # سيد المصر كله و القبيل‏

ماجد وجه شيعة الآل بر # مخلص في ولائه مقبول‏

أدرك المصطفى و والى عليا # و بنيه الهداة ولد البتول‏

و حمى مسلما بأمنع جيل # و جوار و منزل و مقيل‏

كان في ذاك حافظا لذمار # و ذمام و حرمة للنزيل‏

و لقربى الرسول إذ كان فرضا # حبهم في كرائم التنزيل‏

فدعاه اللعين باللطف مكرا # ثمّ أبدى له ضمير محيل‏

طالبا مسلما فلما أباه # دعّ للسجن بعد خطب طويل‏

و أذيق الحتوف من بعد صبرا # مثل ما ذاق مسلم بن عقيل‏

فعلى مسلم و هانى سلام # يتنالى من السلام الجليل‏

نضر طيب يفوح شذاه # كل يوم ببكرة و أصيل‏

رضي اللّه عنهما برضاه # لرضاء الرسول و ابن الرسول‏

و بنصر الحسين و هو بعيد # و بجهد على الوفا مبذول‏

و بما حلّ من جميل بلاء # و بصبر على البلاء جميل‏

سعد الفائزون بالنصر يوما # عز فيه النصير لابن البتول‏

أحسنوا صحبة الحسين و فازوا # أحسن الفوز بالحباء الجزيل‏

(1) ذكر الشيخ المفيد-رحمه اللّه-في الإرشاد، و الطبري في تاريخه، و أبو المؤيد أخطب خوارزم للوفق بن أحمد المكي الخوارزمي الحنفي في كتابه (مقتل الحسين عليه السلام: ج 1 ص 195) طبع النجف الاشرف، و جميع أرباب-

51

____________

ق-المقاتل و المؤرخون، قالوا: تلاقت الرسل عند الحسين-عليه السلام-فقرأ الكتب، و سأل الرسل عن أمر الناس، ثمّ كتب مع هاني بن هانى السبيعي و سعيد بن عبد اللّه الحنفي-من بنى حنيفة-و كان آخر الرسل: «بسم اللّه الرحمن الرحيم، من الحسين ابن علي الى الملأ من المؤمنين و المسلمين، أما بعد فان هانيا و سعيدا قدما علي بكتبكم و كانا آخر من قدم علي من رسلكم، و قد فهمت كل الذي اقتصصتم و ذكرتم و مقالة جلكم إنه ليس علينا إمام فاقبل لعل اللّه يجمعنا بك على الهدى و الحق، و قد بعثت اليكم أخي و ابن عمي و ثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل و أمرته أن يكتب إلي بحالكم و أمركم و رأيكم) الخ.

و لم يعلم حال هانى بن هانى السبيعي إلى أين انتهى، و لم يذكر في عداد أصحاب الحسين-عليه السلام-الذين قتلوا معه في المعركة.

و أما سعيد بن عبد اللّه الحنفي، فقد ذكر أرباب المقاتل: انه لما أراد الحسين -عليه السلام-أن يصلي صلاة الظهر-يوم عاشوراء-قال لزهير بن القين و سعيد ابن عبد اللّه الحنفي: تقدما أمامي، فتقدما أمامه في نحو من نصف أصحابه حتى صلى بهم صلاة الخوف. (و رووا) أن سعيد بن عبد اللّه الحنفي تقدم أمام الحسين -عليه السلام-فاستهدف له يرمونه بالنبل، فما أخذ الحسين-عليه السلام-يمينا و شمالا إلا قام بين يديه، فما زال يرمى حتى سقط الى الأرض و هو يقول: «اللهم العنهم لعن عاد و ثمود، اللهم أبلغ نبيك عني السلام، و أبلغه ما لقيت من ألم الجراح فانى أردت بذلك نصرة ذرية نبيك» ثمّ مات-رحمه اللّه-فوجد به ثلاثة عشر سهما سوى ما به من ضرب السيوف و طعن الرماح.

و جاء ذكر سعيد-هذا-في زيارة الناحية المقدسة من الحجة بن الحسن -عليه السلام-فقد قال-عليه السلام-: «السلام على سعيد بن عبد اللّه الحنفي القائل للحسين-عليه السلام-و قد أذن له بالانصراف: لا و اللّه لا نخليك حتى يعلم-

52

و ليس هاني-هذا-ابن هانى بن عروة، بل ابنه: يحيى بن هانى‏ (1) .

هشام أبو عبد اللّه ابن معاوية الضرير النحوي الكوفي.

صاحب (الكسائى) و الآخذ عنه، و كان بارعا في الأدب. مات سنة (209) ه (2) .

____________

ق-اللّه أنا قد حفظنا غيبة رسول اللّه-صلى اللّه عليه و آله و سلم-فيك، و اللّه لو أعلم أنى أقتل، ثمّ أحيا، ثمّ أحرق، ثمّ أذرى و يفعل بي ذلك سبعين مرة ما فارقتك حتى ألقى حمامي دونك، و كيف أفعل ذلك و إنما هي موتة أو هي قتلة واحدة ثمّ بعدها الكرامة التي لا انقضاء لها أبدا، فقد لقيت حمامك، و واسيت إمامك، و لقيت من اللّه الكرامة، في دار المقامة، حشرنا اللّه معكم في المستشهدين، و رزقنا مرافقتكم في أعلى عليين» .

(1) يحيى بن هانى بن عروة المرادي العطيفي-نسبة إلى بنى عطيف بطن من مراد-، و قد ذكر أرباب السير و المقاتل: أنه لما قتل هانى مع مسلم بن عقيل فرّ ابنه يحيى-هذا-و اختفى عند قومه خوفا من ابن زياد-لعنه اللّه-فلما سمع بنزول الحسين-عليه السلام-بكربلاء جاء و انضم اليه و لزمه إلى أن شب القتال يوم الطف، فتقدم و قتل من القوم رجالا كثيرة، ثمّ نال شرف الشهادة-رضوان اللّه عليه-.

(2) هشام بن معاوية-هذا-ترجم له ابن خلكان في (وفيات الأعيان) و الحموي في (معجم الأدباء) و ابن الانباري في (نزهة الألباء) و السيوطي في (بغية الوعاة) و ابن النديم في (الفهرست) و الصفدي في (الوافي للوفيات) و حاجي خليفة في (كشف الظنون) و البغدادي في (إيضاح المكنون) و في هدية العارفين و غير هؤلاء، له مؤلفات في النحو منها: الحدود، و المختصر، و القياس.

53

باب الياء

يحيى بن زياد بن عبد اللّه بن منظور:

أبو زكريا الديلمي المعروف بـ (الفراء) الامام المشهور (1) .

أخذ عن الكسائي، و هو من جلة أصحابه، و كان أبرع الكوفيين.

له مصنفات كثيرة مشهورة في النحو و اللغة و معانى القرآن، مات بطريق

____________

(1) يحيى بن زياد-الأقطع-بن عبد اللّه بن مروان الديلمي الكوفي، و كان إمامي العقيدة، و قطعت يد أبيه زياد بن عبد اللّه في (وقعة فخ) لأنه كان مع الحسين بن علي بن الحسن المثلث-رضي اللّه عنه-حين ظهر أيام موسى الهادي ابن المهدي بن المنصور العباسي، فقتل و قتل معه جماعة من أهل بيته و من الشيعة، و قطعت يد زياد حينئذ، و التشيع قديم فيهم.

و نقل ابن خلكان في (وفيات الأعيان) عن أبى عبد اللّه المرزبان في كتابه:

«أن زيادا-والد الفراء-كان أقطع لأنه حضر وقعة الحسين بن علي-رضي اللّه عنهما-فقطعت يده في ذلك الحرب» .

فحسب ابن خلكان أن الحسين بن علي-هذا-هو الشهيد في كربلا ابن علي بن أبي طالب-عليه السلام-فاستغرب من كلام ابن المرزبان، و أردف كلامه بقوله: «و هذا عندي فيه نظر لأن الفراء عاش ثلاثا و ستين سنة فتكون ولادته سنة 144 هـ، و حرب الحسين كانت سنة إحدى و ستين للهجرة، فبين حرب الحسين و ولادة الفراء ثلاث و ثمانون سنة، فكم عاش أبوه؟فان كان الأقطع جده فيمكن و اللّه أعلم» .

هذا كلام ابن خلكان و ما ندري من أين علم أن الحسين بن علي في كلام-

54

____________

ق-ابن المرزبان هو الحسين بن علي بن أبى طالب شهيد كربلا-عليه السلام-و كم لابن خلكان من هفوات؟ (و للغفلات تعرض للاريب) .

و قد نص المولى عبد اللّه أفندي في (رياض العلماء) على أن الفراء-هذا- من الشيعة الإمامية، قال: «و ما قال السيوطي-يعني في بغية الوعاة-من ميل الفراء الى الاعتزال لعله مبني على خلط اكثر علماء العامة بين أصول الشيعة و المعتزلة و إلا فهو شيعي إمامي» .

قال ابن خلكان: «كان الفراء أبرع الكوفيين و أعلمهم بالنحو و اللغة و فنون الأدب، (حكي) عن أبى العباس ثعلب أنه قال: لو لا الفراء لما كانت عربية لأنه خلصها و ضبطها، و لو لا الفراء لسقطت العربية لأنها كانت تتنازع و يدعيها كل من أراد، و يتكلم الناس فيها على مقادير عقولهم و قرائحهم فتذهب و أخذ النحو عن أبى الحسن الكسائي، و هو و الأحمر (أي علي بن المبارك) من أشهر أصحابه و أخصهم به، و كان قد ورد بغداد في أيام المأمون فبقي يتردد على بابه مدة لا يصل اليه، فبينما هو ذات يوم على الباب إذ جاء أبو بشر ثمامة بن الاشرس النمير المعتزلي-و كان خصيصا بالمأمون-قال ثمامة: فرأيت أبهة أديب فجلست اليه ففاتشته عن اللغة فوجدته بحرا، و فاتشته عن النحو فشاهدته نسيج وحده، و عنّ الفقه فوجدته رجلا فقيها عارفا باختلاف القوم، و بالنجوم ماهرا، و بالطب خبيرا، و بايام العرب و أشعارها حاذقا، فقلت له: من تكون؟ و ما أظنك إلا الفراء، فقال: أنا هو، فدخلت فاعلمت أمير المؤمنين المأمون فامر باحضاره لوقته و كان سبب اتصاله به، (و قال قطرب) دخل الفراء على الرشيد فتكلم بكلام لحن فيه مرآة، فقال جعفر بن يحيى البرمكي: إنه قد لحن يا أمير المؤمنين، فقال الرشيد للفراء: أ تلحن؟فقال الفراء: يا أمير المؤمنين إن طباع أهل البدو الإعراب و طباع أهل الحضر اللحن، فاذا تحفظت لم ألحن، و إذا رجعت إلى الطباع لحنت، فاستحسن الرشيد قوله» .