أمالي المرتضي - ج2

- السيد المرتضى المزيد...
631 /
3

الجزء الثاني‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

مجلس آخر 49

تأويل آية وَ قََالَتِ اَلْيَهُودُ يَدُ اَللََّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِمََا قََالُوا بَلْ يَدََاهُ مَبْسُوطَتََانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشََاءُ

إن سأل سائل عن قوله تعالى: وَ قََالَتِ اَلْيَهُودُ يَدُ اَللََّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِمََا قََالُوا بَلْ يَدََاهُ مَبْسُوطَتََانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشََاءُ [المائدة: 64].

فقال: ما اليد التى إضافتها اليهود إلى اللّه تعالى، و ادّعوا أنها مغلولة؟و ما نرى أنّ عاقلا من اليهود و لا غيرهم يزعم أن لربّه يدا مغلولة، و اليهود تتبرأ من أن يكون فيها قائل بذلك؛ و ما معنى الدعاء عليهم ب غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ (1) و هو تعالى ممن لا يصحّ أن‏ (1) يدعو على غيره؟لأنه تعالى قادر على أن يفعل ما يشاء، و إنما يدعو الداعى بما لا يتمكّن من فعله طلبا له.

الجواب، قلنا: يحتمل أن يكون قوم من اليهود و صفوا اللّه تعالى بما يقتضي تناهى مقدوره، فجرى ذلك مجرى أن يقولوا: إنّ يده مغلولة، لأنّ عادة الناس جارية بأن يعبّروا بهذه العبارة عن هذا المعنى، فيقولون: يد فلان منقبضة عن كذا، و يده لا تنبسط إلى كذا، إذا أرادوا وصفه بالفقر و القصور، و يشهد بذلك قوله تعالى فى موضع آخر: لَقَدْ سَمِعَ اَللََّهُ قَوْلَ اَلَّذِينَ قََالُوا إِنَّ اَللََّهَ فَقِيرٌ وَ نَحْنُ أَغْنِيََاءُ [آل عمران: 181]، ثم قال تعالى مكذبا لهم: بَلْ يَدََاهُ مَبْسُوطَتََانِ ؛ أى أنه ممّن لا يعجزه شي‏ء، و ثنّى اليدين تأكيدا للأمر، و تفخيما له؛ و لأنه أبلغ فى المعنى المقصود من أن يقول: بل يده مبسوطة.

و قد قيل أيضا: إن اليهود و صفوا اللّه تعالى بالبخل، و استبطئوا فضله و رزقه؛ و قيل:

إنهم قالوا على سبيل الاستهزاء: إن إله محمد الّذي أرسله؛ يداه إلى عنقه؛ إذ ليس يوسّع عليه و على أصحابه، /فردّ اللّه قولهم و كذّبهم بقوله: بَلْ يَدََاهُ مَبْسُوطَتََانِ ، و اليد هاهنا الفضل

____________

(1-1) حاشية ف (من نسخة) : «و هو تعالى لا يصح أن» .

4

و النعمة، و ذلك معروف فى اللغة، متظاهر فى كلام العرب و أشعارهم.

و يشهد له من الكتاب قوله تعالى: وَ لاََ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى‏ََ عُنُقِكَ وَ لاََ تَبْسُطْهََا كُلَّ اَلْبَسْطِ [الإسراء: 69]، و لا معنى لذلك إلاّ الأمر بترك إمساك اليد عن النفقة فى الحقوق؛ و ترك الإسراف، إلى القصد و التوسط.

و يمكن أن يكون الوجه فى تثنية النعمة من حيث أريد بها نعم الدنيا و نعم الآخرة؛ لأن الكل-و إن كانت نعم اللّه تعالى-فمن حيث اختص كلّ واحد من الأمرين بصفة تخالف صفة الآخر صارا كأنهما جنسان أو قبيلان.

و يمكن أيضا (1) أن يكون بتثنية النعمة (1) أنه أريد بها النعم الظاهرة و الباطنة.

فأما قوله تعالى: غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ ، ففيه وجوه:

أوّلها: أن يكون ذلك على غير سبيل الدّعاء؛ بل على جهة الإخبار منه عز و جل عن نزول ذلك بهم؛ و فى الكلام ضمير «قد» قبل قوله: غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ ، و موضع‏ غُلَّتْ نصب على الحال، كأنّه تعالى قال: و قالت اليهود كذا و كذا؛ فى حال ما غلّ اللّه تعالى أيديهم و لعنهم، أو حكم بذلك فيهم؛ و يسوغ إضمار «قد» هاهنا كما ساغ فى قوله عز و جل: إِنْ كََانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَ هُوَ مِنَ اَلْكََاذِبِينَ. `وَ إِنْ كََانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ [يوسف: 26، 27]و المعنى: فقد صدقت، و قد كذبت.

و ثانيها أن يكون معنى الكلام و قالت اليهود يد اللّه مغلولة فغلّت أيديهم، أو و غلّت أيديهم، و أضمر تعالى الفاء و الواو؛ لأنّ كلامهم تمّ، و استؤنف بعده كلام آخر؛ و من عادة العرب أن تحذف فيما يجرى مجرى هذا الموضع؛ من ذلك قوله تعالى: وَ إِذْ قََالَ مُوسى‏ََ لِقَوْمِهِ إِنَّ اَللََّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قََالُوا أَ تَتَّخِذُنََا هُزُواً [البقرة: 67]أراد:

____________

(1-1) حاشية الأصل (من نسخة) : «يكون المراد بتثنيته النعمة» .

5

فقالوا أ تتخذنا هزوا، فاضمر تعالى الفاء؛ لتمام كلام موسى عليه السلام، و منه قول الشاعر:

لمّا رأيت نبطا أنصارا # شمّرت عن ركبتى الإزارا (1)

كنت لها من النّصارى جارا

أراد: «و كنت» ، فأضمر الواو.

و ثالثها أن يكون القول خرج مخرج الدعاء؛ إلا أن معناه التعليم من اللّه تعالى لنا و التأديب؛ فكأنه جلّت عظمته و قفنا على الدعاء عليهم، و علّمنا/ما ينبغى أن نقول فيهم، كما علّمنا الاستثناء فى غير هذا الموضع بقوله تعالى: لَتَدْخُلُنَّ اَلْمَسْجِدَ اَلْحَرََامَ إِنْ شََاءَ اَللََّهُ آمِنِينَ [الفتح: 27]، و كل ذلك جلىّ واضح، و المنة للّه.

تأويل خبر «لعن اللّه السّارق؛ يسرق البيضة فتقطع يده، و يسرق الحبل فتقطع يده»

إن سأل سائل عن الخبر الّذي روى عن النبي صلى اللّه عليه و آله أنه قال: «لعن اللّه السّارق؛ يسرق البيضة فتقطع يده، و يسرق الحبل فتقطع يده» .

الجواب، قلنا: قد تعلق بهذا الخبر صنفان من الناس؛ فالخوارج تتعلّق به، و تدّعى أنّ القطع يجب فى القليل و الكثير؛ و تستشهد على ذلك بظاهر قوله تعالى: وَ اَلسََّارِقُ وَ اَلسََّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمََا [المائدة: 38]، و يتعلق بهذا الخبر أيضا الملحدة و الشّكاك، و يدّعون أنه مناقض للرواية المتضمّنة أنه لا قطع إلاّ فى ربع دينار. و نحن نذكر ما فيه:

فأول ما نقوله إنّ الخبر مطعون عند أصحاب الحديث على سنده، و قد حكى ابن قتيبة فى تأويله وجها عن يحيى بن أكثم، طعن عليه و ضعّفه، و ذكر عن نفسه وجها آخر؛ نحن نذكرهما و ما فيهما، و نتبعهما بما نختاره.

____________

(1) حاشية ف: «أهل السواد يقال لهم النبط، لأنهم يستخرجون النبط و هو الماء» .

6

قال ابن قتيبة: كنت حضرت يوما مجلس يحيى بن أكثم بمكة، فرأيته يذهب إلى أنّ البيضة فى هذا الحديث بيضة الحديد التى تغفر الرأس فى الحرب، و أن الحبل من حبال السفن، قال: و كلّ واحد من هذين يبلغ ثمنه دنانير كثيرة؛ قال: و رأيته يعجب بهذا التأويل، و يبدى فيه و يعيد، و يرى أنه قطع به حجة الخصم.

قال ابن قتيبة. و هذا إنما يجوز على من لا معرفة له باللغة و مخارج الكلام، و ليس هذا موضع تكثير لما يأخذه السارق فيصرفه إلى بيضة تساوى دنانير؛ و حبل لا يقدر السارق على حمله؛ و لا من عادة العرب و العجم أن يقولوا: قبح اللّه فلانا!عرّض نفسه للضرر فى عقد جوهر، و تعرّض لعقوبة الغلول فى جراب مسك؛ و إنما العادة فى مثل هذا أن يقال: لعنه اللّه، تعرّض للقطع فى حبل رثّ، أو إداوة خلق، أو كبّة شعر؛ و كلّ ما كان من ذلك أحقر كان أبلغ.

قال: و الوجه فى الحديث أن اللّه تعالى لما أنزل على رسوله صلى اللّه عليه و آله: وَ اَلسََّارِقُ وَ اَلسََّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمََا جَزََاءً بِمََا كَسَبََا ؛ قال رسول اللّه صلى عليه و آله: «لعن اللّه السارق؛ يسرق البيضة/فتقطع يده» ، على ظاهر ما أنزل عليه‏ (1) فى ذلك الوقت، ثمّ أعلمه اللّه تعالى بعد أن القطع لا يكون إلاّ فى ربع دينار فما فوقه، و لم يكن عليه السلام يعلم من حكم اللّه تعالى إلا ما علّمه اللّه تعالى، و ما كان اللّه يعرّفه ذلك جملة جملة، بل بيّن‏ (2) شيئا بعد شي‏ء.

قال سيدنا أدام اللّه علوّه: و وجدت أبا بكر الأنبارىّ يقول: ليس الّذي طعن به ابن قتيبة (3) على تأويل الخبر بشي‏ء؛ قال: لأن البيضة من السلاح ليست علما فى كثرة الثمن و نهاية علوّ القيمة؛ فتجرى مجرى العقد من الجوهر، و الجراب من المسك؛ اللّذين هما ربّما ساويا الألوف من الدنانير، و البيضة من الحديد ربّما اشتريت بأقلّ مما يجب فيه القطع، و إنما أراد عليه السلام أنه يكتسب قطع يده بما لا غنى له به، لأن البيضة من السلاح لا يستغنى بها أحد، و الجوهر و المسك فى اليسير منهما غنى.

____________

(1) ف: «إليه» .

(2) حاشية الأصل (من نسخة) : » بل يبين له» .

(3-3) م: «ليس الّذي ذكر ابن قتيبة» .

7

قال سيدنا أدام اللّه أيامه: و الّذي نقوله إن ما طعن به ابن الأنبارىّ على كلام ابن قتيبة متوجّه؛ و ليس فى ذكر البيضة و الحبل تكثير كما ظنّ؛ فيشبه العقد و الجراب من المسك؛ غير أنه يبقى فى ذلك أن يقال: أىّ وجه لتخصيص البيضة و الحبل بالذكر، و ليس هما النهاية فى التقليل؛ و إن كان كما ذكره ابن الأنبارىّ؛ من أنّ المعنى أنه يسرق و لا يستغنى به؛ فليس ذكر ذلك بأولى من غيره؛ و لا بدّ من ذكر وجه فى ذلك.

و أما تأويل ابن قتيبة فباطل لأن النبي صلى اللّه عليه و آله لا يجوز أن يقول ما حكاه عند سماع قوله تعالى: وَ اَلسََّارِقُ وَ اَلسََّارِقَةُ ؛ لأن الآية مجملة مفتقرة إلى بيان؛ و لا يجوز أن يحملها أو يصرفها إلى بعض محتملاتها دون بعض بلا دلالة؛ على أنّ أكثر من قال: إن الآية غير مجملة، و أن ظاهر القول يقتضي العموم يذهب إلى أن ما اقتضى تخصيصها بسارق دون سارق لم يتأخر عن حال الخطاب بها؛ فكيف يصحّ ما قاله ابن الأنبارىّ أن الآية تقدمت، ثم تأخر تخصيص السارق؛ و لو كان ذلك كما ظنّ لكان المتأخر ناسخا للآية.

و على تأويله هذا يقتضي أن يكون كلّ الخبر منسوخا؛ و إذا أمكن تأويل أخباره عليه السلام على/ما لا يقتضي رفع أحكامها و نسخها كان أولى.

و الأشبه أن يكون المراد بهذا الخبر أنّ السارق يسرق الكثير الجليل، فتقطع يده، و يسرق الحقير القليل فتقطع يده؛ فكأنه تعجيز له، و تضعيف لاختياره، من حيث باع يده بقليل الثمن؛ كما باعها بكثيره.

و قد حكى أهل اللغة أن بيضة القوم وسطهم، و بيضة الدار وسطها، و بيضة السنام شحمته، و بيضة الصّيف معظمه، و بيضة البلد الّذي لا نظير له؛ و إن كان قد يستعمل ذلك فى المدح و الذم على سبيل الأضداد، و إذا استعمل فى الذم فمعناه أنّ الموصوف بذلك حقير مهين، كالبيضة التى تفسدها النعامة فتتركها ملقاة لا تلتفت إليها.

فمما جاء من ذلك فى المدح قول أخت عمرو بن عبد ودّ ترثيه، و تذكر قتل أمير المؤمنين‏

8

عليه السلام له؛ و قيل إنّ الأبيات لامرأة من العرب؛ غير أخته:

لو كان قاتل عمرو غير قاتله # لكنت أبكى عليه آخر الأبد (1)

لكنّ قاتله من لا يعاب به‏ (2) # من كان يدعى قديما بيضة البلد (3)

و قال آخر فى المدح:

كانت قريش بيضة فتفلّقت # فالمخّ خالصه‏ (4) لعبد مناف‏

و قال آخر فى الذمّ.

تأبى قضاعة أن تعرف لكم نسبا # و ابنا نزار، فأنتم بيضة البلد (5)

أراد: «أن تعرف» فأسكن.

و قال آخر فى ذلك:

لكنّه حوض من أودى بإخوته # ريب الزّمان فأمسى بيضة البلد (6)

فقد صار معنى البيضة كلّه يعود إلى التفخيم و التعظيم.

و أما الحبل فذكر على سبيل المثل؛ و المراد المبالغة فى التحقير و التقليل؛ كما يقول القائل:

____________

(1) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «عليها» .

(2) حاشية الأصل (من نسخة) :

*لكنّ قاتل عمرو لا يعاب به*

.

(3) البيتان فى شرح المرزوقى لحماسة أبى تمام: 804 و اللسان (بيض) .

(4) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «خالصها» .

(5) اللسان (بيض) ، و نسبه إلى الراعى يهجو ابن الرقاع العاملى و قبله:

لو كنت من أحد يهجى هجوتكم # يا ابن الرّقاع، و لكن لست من أحد

.

(6) من أبيات فى حماسة أبى تمام-بشرح المرزوقى 802-804، و فى اللسان (بيض) منسوبة إلى صنان بن عباد اليشكري؛ و قبله:

لما رأى شمط حوضى له ترع # على الحياض أتانى غير ذى لدد

لو كان حوض حمار ما شربت به # إلاّ بإذن حمار آخر الأبد

.

9

ما أعطانى فلان عقالا، و ما ذهب من فلان عقال، و لا يساوى كذا نقيرا؛ كل ذلك على سبيل المثل و المبالغة فى التقليل؛ و ليس الغرض بذكر الحبل الواحد من الحبال على الحقيقة؛ و إذا كان على هذا تأويل الخبر/زال عنه المناقضة التى ظنّت؛ و بطلت شبهة الخوارج فى أن القطع يجب فى القليل و الكثير.

أخبرنا (1) أبو عبيد اللّه المرزبانىّ قال حدثنى أبو عبيد اللّه الحكيمىّ قال حدثنى يموت بن المزرّع قال حدثنى أبو زينب‏ (2) عليّ بن ثابت قال، قال الأصمعىّ: (3) تصرفت فى الأسباب على باب الرشيد (3) مؤملا للظّفر (4) به؛ و الوصول إليه؛ حتى إنى صرت لبعض حرسه خدينا؛ فإنى فى ليلة قد نثرت السعادة و التوفيق فيها الأرق بين أجفان الرشيد إذ خرج خادم فقال:

أ بالحضرة (5) أحد ينشد (6) الشّعر؟فقلت: اللّه أكبر!ربّ قيد مضيقة قد حلّه التيسير، فقال لى الخادم: ادخل، فلعلّها أن تكون ليلة تعرّس فى صباحها بالغنى إن فزت بالحظوة عند أمير المؤمنين؛ فدخلت فواجهت الرشيد فى بهوه‏ (7) ، و الفضل بن يحيى إلى جانبه، فوقف الخادم بى بحيث يسمع التسليم، فسلّمت فردّ السلام ثم قال: يا غلام، أرحه قليلا يفرخ روعه؛ إن كان قد وجد للروعة حسّا، فدنوت قليلا ثم قلت: يا أمير المؤمنين، إضاءة مجدك، و بهاء كرمك، مجيران لمن نظر إليك عن اعتراض أذيّة؛ فقال: ادن، فدنوت، فقال: أ شاعر أم راوية؟فقلت: راوية لكل ذى جدّ و هزل؛ بعد أن يكون محسنا؛ فقال: تاللّه ما رأيت ادّعاء أعمّ!فقلت: أنا على الميدان، فأطلق من عنانى يا أمير المؤمنين، فقال: «قد أنصف القارة من راماها (8) » ؛ ثم قال: ما معنى

____________

(1) روى البغدادى الخبر فى خزانة الأدب 2: 267-269؛ عن الغرر.

(2) حاشية ف (من نسخة) : «أبو وهب» .

(3-3) ف، حاشية الأصل (من نسخة) :

«تصرفت بى الأسباب على باب الرشيد» .

(4) د، و نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «الظفر» .

(5) حاشية الأصل (من نسخة) : «أ ما بالحضرة» .

(6) حاشية الأصل (من نسخة) : «يحسن» .

(7) حاشية الأصل (من نسخة) : «بهو» .

(8) فى مجمع الأمثال للميدانى (1: 42) :

«القارة: قبيلة؛ و هم عضل و الديش ابنا الهول بن خزيمة؛ و إنما سموا قارة لاجتماعهم و التفافهم لما أراد الشداخ أن يفرقهم فى بنى كنانة؛ فقال شاعرهم:

دعونا قادة لا تنفرونا # فنجفل مثل إجفال الظّليم‏

-

10

هذه الكلمة بدءا؟قلت: فيها قولان؛ القارة هى الحرّة من الأرض، و زعمت الرواة أن القارة كانت رماة للتبابعة (1) ، و الملك إذ ذاك أبو حسّان، فواقف‏ (2) عسكره عسكرا للسّغد (3) ، فخرج فارس من السّغد، قد وضع سهمه فى كبد قوسه فقال: أين رماة العرب؟فقالت العرب:

«أنصف القارة من راماها» فقال لى الرشيد: أصبت، ثم قال: أ تروى لرؤبة بن العجاج و العجاج شيئا، فقلت: هما شاهدان لك بالقوافى؛ و إن غيّبا عن بصرك بالأشخاص، فأخرج من ثنى فرشه رقعة ثم قال: أنشدنى:

*أرّقنى طارق همّ أرقا (4) *

فمضيت فيها مضىّ الجواد فى متن ميدانه، تهدر بى أشداقى‏ (5) ، فلما صرت إلى مديحه لبنى أمية تثنيت لسانى إلى امتداحه للمنصور فى قوله:

____________

قو هم رماة الحدق فى الجاهلية، و هم اليوم فى اليمن» . و فى اللسان (قور) : «زعموا أن رجلين التقيا؛ أحدهما قارىّ و الآخر أسدىّ، فقال القارىّ: إن شئت صارعتك و إن شئت راميتك، فقال:

اخترت المراماة؛ فقال القارىّ: قد أنصفتنى؛ و أنشد:

قد أنصف القارة من راماها # إنّا إذا ما فئة نلقاها

*نردّ أولاها على أخراها*

ثم انتزع له سهما، فشك فؤاده» . و نقل صاحب اللسان أيضا عن ابن برى: «إنما قيل: «أنصف القارة من رماها» لحرب كانت بين قريش و بين بكر بن عبد مناة بن كنانة، و كانت القارة مع قريش، فلما التقى الفريقان راماهم الآخرون حين رمتهم القارة، فقيل: قد أنصفكم هؤلاء الذين سادوكم فى العمل الّذي هو صناعتكم، و أراد الشداخ أن يفرق القارة فى قبائل كنانة فأبوا» .

(1) حاشية الأصل: «التبابعة ملوك العرب الجاهلية؛ و كانوا يكونون باليمن؛ الواحد تبع» .

(2) المواقفة: أن تقف مع غيرك، و يقف معك فى حرب أو خصومة.

(3) حاشية الأصل: «السغد: بين سمرقند و بخارى» .

(4) مطلع أرجوزة طويلة لرؤبة، يمدح فيها مروان بن الحكم، و هى فى ديوانه 108-115، و بعد هذا البيت:

*و ركض غربان غدون نعّقا*

.

(5) حاشية الأصل (من نسخة) : «تهدر بها أشداقى» .

11

*قلت لزير لم تصله مريمه‏ (1) *

/فلما رآنى قد عدلت من أرجوزة إلى غيرها قال: أ عن حيرة أم عن عمد؟قلت: عن عمد تركت كذبه إلى صدقه فيما وصف به المنصور من مجده، فقال الفضل: أحسنت بارك اللّه عليك!مثلك يؤهل لمثل هذا المجلس. فلما أتيت على آخرها قال لى الرشيد: أ تروى كلمة عدىّ بن الرقاع:

*عرف الدّيار توهّما فاعتادها (2) *

قلت: نعم، قال: هات، فمضيت فيها حتى إذا صرت إلى وصفه الجمل قال لى الفضل:

ناشدتك اللّه أن تقطع علينا ما أمتعنا به من السهر فى ليلتنا هذه بصفة جمل أجرب، فقال الرشيد:

اسكت، فالإبل هى التى أخرجتك عن دارك، و استلبت تاج ملكك، ثم ماتت و عملت جلودها سياطا ضربت بها أنت و قومك، فقال الفضل: لقد عوقبت‏ (3) على غير ذنب و الحمد للّه!فقال الرشيد: أخطأت، الحمد للّه على النّعم، و لو قلت: و أستغفر اللّه لكنت مصيبا، ثم قال لى: امض فى أمرك، فأنشدته حتى إذا بلغت إلى قوله:

*تزجى أغنّ كأنّ إبرة روقه*

استوى جالسا و قال: أتحفظ فى هذا ذكرا؟قلت: نعم، ذكرت الرواة أنّ الفرزدق قال: كنت فى المجلس و جرير إلى جانبى، فلما ابتدأ عدىّ فى قصيدته قلت لجرير مسرّا إليه: هلمّ نسخر من هذا الشامىّ، فلما ذقنا كلامه يئسنا منه؛ فلما قال:

*تزجى أغنّ كأنّ إبرة روقه*

____________

(1) مطلع أرجوزة أخرى لرؤبة أيضا، و هى فى ديوانه: 149-159 و فى حاشية الأصل:

«يقال: هو زير نساء إذا كان يحبهن و يزورهن كثيرا، و أصله: زور، فعل، من الزيارة، و مريم اسم عشيقته» .

(2) بقيته:

*من بعد ما درس البلى أبلادها*

و هو مطلع قصيدة فى الطرائف الأدبية 87-91.

(3) فى حاشيتى الأصل، ف: «الإشارة بالمعاقبة إلى إسماع الرشيد كلامه الموحش الخشن إياه، و هو يعيره بالعجم و يذكر غلبة العرب الذين هم أصحاب الجمال عليهم، و سلبهم ملكهم» .

12

-و عدىّ كالمستريح-قال جرير: أ ما تراه يستلب بها مثلا!فقال الفرزدق: يا لكع، إنه يقول:

*قلم أصاب من الدّواة مدادها*

فقال عدىّ:

*قلم أصاب من الدّواة مدادها (1) *

فقال جرير: كان سمعك مخبوءا (2) فى صدره!فقال لى: اسكت شغلنى سبّك عن جيّد الكلام؛ فلما بلغ إلى قوله:

و لقد أراد اللّه إذ ولاّكها # من أمّة إصلاحها و رشادها (3)

قال الأصمعىّ: فقال لى: ما تراه قال إذ أنشده الشاعر هذا البيت؟فقلت: قال: كذا أراد اللّه، فقال الرشيد: ما كان فى جلالته ليقول هذا، أحسبه قال: ما شاء (4) اللّه!قلت:

و كذا جاءت الرواية، فلما أتيت على آخرها قال لى: أ تروى لذى الرّمة شيئا؟قلت: الأكثر، قال: فما ذا أراد بقوله:

/ممرّ أمرّت متنه أسديّة # ذراعية حلاّلة بالمصانع‏ (5)

قلت: وصف حمار وحش، أسمنه بقل روضة تواشجت أصوله، و تشابكت فروعه، عن مطر سحابة كانت بنوء الأسد فى الذّراع من ذلك. فقال الرشيد: أرح، فقد وجدناك ممتعا، و عرفناك محسنا، ثم قال: أجد ملالة و نهض، فأخذ الخادم يصلح عقب النعل فى رجله و كانت عربيّة، فقال الرشيد: عقرتنى يا غلام، فقال الفضل: قاتل اللّه الأعاجم، أما إنها

____________

(1) حاشية ف: «يصف ظبية تسوق ولدا، فى صوته غنة، ثم شبه رأس قرنه بقلم أصاب طرفه المداد.

و أراد بالروق رأس القرن، و روق كل شي‏ء: أوله» .

(2-2) حاشية الأصل (من نسخة) :

«كأن سمعك مخبوء فى قلبه» .

(3) حاشية الأصل: «عدىّ قال: «و فسادها» ، و الأصمعى أنشد: «رشادها» .

(4) حاشية الأصل: قوله «ما شاء اللّه» على الطريقة المعهودة أى ما شاء اللّه كان، كأنه يشير إلى أن دولته فى مشيئة اللّه تعالى» .

(5) ديوانه: 361، و روايته:

*يمانية حلّت جنوب المضاجع*

.

13

لو كانت سندية لما احتجت إلى هذه الكلفة (1) ، فقال الرشيد: هذه نعلى و نعل آبائى، كم تعارض فلا تترك من جواب ممضّ!ثم قال: يا غلام؛ يؤمر صالح الخادم بتعجيل ثلاثين ألف درهم على هذا الرجل فى ليلته و لا يحجب فى المستأنف، فقال الفضل: لو لا أنه مجلس أمير المؤمنين و لا يأمر فيه غيره لأمرت لك بمثل ما أمر لك به، و قد أمرت لك به، إلاّ ألف درهم، فتلقّ الخادم صباحا.

قال الأصمعىّ: فما صليت من غد إلاّ و فى منزلى تسعة و خمسون ألف درهم.

____________

(1) فى خزانة الأدب: «الكلمة» .

14

مجلس آخر 50

تأويل آية اَللََّهُ وَلِيُّ اَلَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ اَلظُّلُمََاتِ إِلَى اَلنُّورِ

إن سأل سائل عن قوله تعالى: اَللََّهُ وَلِيُّ اَلَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ اَلظُّلُمََاتِ إِلَى اَلنُّورِ [البقرة: 257].

فقال: أ ليس ظاهر هذه الآية يقتضي أنه هو الفاعل للإيمان فيهم؟لأن النور هاهنا كناية عن الإيمان و الطاعات، و الظلمة كناية عن الكفر و المعاصى، و لا معنى لذلك غير ما ذكرناه.

و إذا كان مضيفا للإخراج إليه فهو الفاعل لما كانوا به خارجين، و هذا خلاف مذهبكم.

الجواب، قلنا: أما النور و الظلمة المذكوران فى الآية فجائز أن يكون المراد بهما الإيمان و الكفر، و جائز أيضا أن يراد بهما الجنة و النار، و الثواب و العقاب فقد تصحّ الكناية عن الثواب و النعيم فى الجنة بأنه نور، و عن العقاب فى النار بأنه ظلمة، و إذا كان المراد بهما الجنة و النار ساغ إضافة إخراجهم من الظلمات إلى النور إليه تعالى؛ لأنه لا شبهة فى أنه جل و عز هو المدخل للمؤمن الجنة، و العادل به عن طريق النار. و الظاهر بما ذكرناه أشبه؛ لأنه يقتضي أنّ المؤمن الّذي ثبت كونه مؤمنا/يخرج من الظلمة إلى النور؛ فلو حمل على الإيمان و الكفر لتناقض المعنى، و لصار تقدير الكلام:

أنه يخرج المؤمن الّذي قد تقدّم كونه مؤمنا من الكفر إلى الإيمان؛ و ذلك لا يصحّ.

و إذا كان الكلام يقتضي الاستقبال فى إخراج من قد ثبت كونه مؤمنا كان حمله على دخول الجنة و العدول به عن طريق النار أشبه بالظاهر.

على أنا لو حملنا الكلام على الإيمان و الكفر لصحّ، و لم يكن مقتضيا لما توهموه، و يكون وجه إضافة الإخراج إليه، و إن لم يكن الإيمان من فعله من حيث دلّ و بيّن و أرشد و لطّف و سهّل؛ و قد علمنا أنه لو لا هذه الأمور لم يخرج المكلّف من الكفر إلى الإيمان، فيصح‏

15

إضافة الإخراج إليه تعالى لكون ما عددناه من جهته. و على هذا يصحّ من أحدنا إذا أشار على غيره بدخول بلد من البلدان و رغّبه فى ذلك، و عرّفه ما فيه من الصلاح، أو بمجانبة فعل من الأفعال أن يقول: أنا أدخلت فلانا البلد الفلانىّ؛ و أنا أخرجته من كذا و كذا و أنتشته منه؛ و يكون وجه الإضافة ما ذكرناه من الترغيب، و تقوية الدواعى.

أ لا ترى أنه تعالى قد أضاف إخراجهم من النور إلى الظلمات، إلى الطواغيت، و إن لم يدلّ ذلك على أن الطاغوت هو الفاعل للكفر فى الكفار؛ بل وجه الإضافة ما تقدم؛ لأن الشياطين يغوون و يدعون إلى الكفر، و يزيّنون فعله، فتصح إضافته إليهم من هذا الوجه، و الطاغوت هو الشيطان و حزبه، و كلّ عدو للّه تعالى صدّ عن طاعته، و أغرى‏ (1) بمعصيته يصحّ إجراء هذه التّسمية عليه؛ فكيف اقتضت الإضافة الأولى أن الإيمان من فعل اللّه تعالى فى المؤمن، و لم تقتض الإضافة الثانية أنّ الكفر من فعل الشياطين فى الكفار؛ لو لا بله المخالفين و غفلتهم!

و بعد، فلو كان الأمر على ما ظنوه لما صار اللّه تعالى وليّا للمؤمنين، و ناصرا لهم على ما اقتضته الآية، و الإيمان من فعله تعالى لا من فعلهم؛ و لم كان خاذلا للكفار و مضيفا لولايتهم إلى الطاغوت و الكفر من فعله تعالى فيهم؟و لم فصل بين الكافر و المؤمن فى باب الولاية، و هو المتولى لفعل الأمرين فيهما؟و مثل هذا لا يذهب على أحد، و لا يعرض عنه إلاّ معاند مغالط لنفسه.

***

/أخبرنا أبو عبيد اللّه المرزبانىّ قال: قال أبو بكر محمد بن القاسم الأنبارىّ حدثنا أحمد بن حيان قال حدثنا أبو عبد اللّه بن النطاح قال أخبرنا أبو عبيدة قال، قال عبد الملك بن مسلم:

كتب‏ (2) عبد الملك بن مروان إلى الحجاج: إنه ليس شي‏ء من لذة الدنيا إلا و قد أصبت منه،

____________

(1) حاشية الأصل (من نسخة) : «أغوى» .

(2) القصة فى الأغانى 9: 162-165، و وردت مختصرة فى الشعر و الشعراء 109-110، و نقلها عن ابن قتيبة البغدادى فى الخزانة 1: 288.

16

و لم يبق لى من لذة الدنيا إلاّ مناقلة الإخوان الأحاديث، و قبلك عامر الشعبىّ، فابعث به إلى يحدثنى.

فدعا الحجاج بالشعبىّ، و جهزه و بعث به إليه، و قرّظه و أطراه فى كتابه، فخرج الشعبىّ حتى إذا كان بباب عبد الملك، قال للحاجب: استأذن لى، قال: من أنت؟قال: عامر الشعبىّ؛ قال: حيّاك اللّه، ثم نهض فأجلسه على كرسيه، فلم يلبث أن خرج الحاجب إليه فقال: ادخل، فدخل، قال: فدخلت فإذا عبد الملك جالس على كرسىّ، و بين يديه رجل أبيض الرأس و اللحية، على كرسىّ، فسلمت فرد السلام، ثم أومأ إلى بقضيبه، فقعدت عن يساره، ثم أقبل على الّذي بين يديه فقال: ويحك!من أشعر الناس؟قال: أنا يا أمير المؤمنين، قال الشعبىّ: فأظلم عليّ ما بينى و بين عبد الملك، و لم أصبر أن قلت: و من هذا يا أمير المؤمنين الّذي يزعم أنه أشعر الناس!فعجب عبد الملك من عجلتى قبل أن يسألنى عن حالى، ثم قال: هذا الأخطل، قلت: يا أخطل، أشعر منك الّذي يقول:

هذا غلام حسن وجهه # مستقبل الخير سريع التّمام‏ (1)

للحارث الأكبر و الحارث الـ # أصغر و الحارث خير الأنام‏ (2)

خمسة آباء هم ما هم # هم خير من يشرب صوب الغمام‏

فقال عبد الملك: ردّها عليّ، فرددتها حتى حفظها، فقال الأخطل: من هذا يا أمير المؤمنين؟ فقال: هذا الشعبىّ، قال: صدق و اللّه، النابغة أشعر منى.

قال الشعبىّ: ثم أقبل عليّ عبد الملك فقال. كيف أنت يا شعبىّ؟قلت: بخير لا زلت

____________

(1) و فى حاشية الأصل (من نسخة) : «مقتبل الخير» ، أى يستقبل خيره فيما يؤتنف من الأيام.

(2) رواية الأغانى و ابن قتيبة:

للحارث الأكبر و الحارث الأ # صغر و الأعرج خير الأنام‏

و بعده:

ثمّ لهند و لهند و قد # أسرع فى الخيرات منه إمام‏

.

17

به، ثم ذهبت لأصنع معاذيرى لما كان من خلافى على الحجّاج مع عبد الرحمن بن محمد الأشعث فقال: مه!فإنا لا نحتاج إلى هذا المنطق، و لا تراه منّا فى قول و لا فعل حتى تفارقنا. ثم أقبل عليّ فقال: ما تقول فى النابغة؟قلت: يا أمير المؤمنين، قد فضّله عمر بن الخطاب/فى غير موطن على جميع الشعراء، و ذلك أنّه خرج يوما و ببابه وفد غطفان، فقال: يا معاشر غطفان، أىّ شعرائكم الّذي يقول:

حلفت فلم أترك لنفسك ريبة # و ليس وراء اللّه للمرء مذهب‏ (1)

لئن كنت قد بلّغت عنّى خيانة # لمبلغك الواشى أغشّ و أكذب‏

و لست بمستبق أخا لا تلمّه # على شعث، أىّ الرّجال المهذّب!

قالوا: النابغة، قال: فأيّكم الّذي يقول:

فإنك كاللّيل الّذي هو مدركى # و إن خلت أنّ المنتأى عنك واسع‏ (2)

خطاطيف حجن فى حبال متينة # تمدّ بها أيد إليك نوازع‏ (3)

قالوا: النابغة، قال: أيّكم الّذي يقول:

إلى ابن محرّق أعملت نفسى # و راحلتى و قد هدت العيون‏ (4)

أتيتك عاريا خلقا ثيابى # على خوف تظنّ بى الظّنون‏

فألفيت الأمانة لم تخنها # كذلك كان نوح لا يخون‏

قالوا: النابغة، قال: هذا أشعر شعرائكم.

____________

(1) ديوانه 13-12، و فى م بعد هذا البيت:

أ لم تر أنّ اللّه أعطاك سورة # ترى كلّ ملك دونها يتذبذب‏

لأنّك شمس و الملوك كواكب # إذا طلعت لم يبد منهنّ كوكب‏

و لم يذكر البيتان فى الأصول المخطوطة.

(2) ديوانه: 55.

(3) خطاطيف: جمع خطاف، و هو ما يخرج به الدلو من البئر. و حجن:

معوجة، واحدها أحجن. و نوازع: جواذب.

(4) أصله: «هدأت» ، بالهمز.

18

ثم أقبل عبد الملك على الأخطل فقال: أ تحبّ أنّ لك قياضا بشعرك شعر أحد من العرب، أم تحب أنك قلته؟فقال: لا و اللّه؛ إلاّ أنى وددت أنى كنت قلت أبياتا قالها رجل منّا، كان و اللّه مغدف القناع‏ (1) ، قليل السّماع، قصير الذراع، قال: و ما قال؟فأنشده:

إنّا محيّوك فاسلم أيّها الطّلل # و إن بليت، و إن طالت بك الطّيل‏ (2)

ليس الجديد به تبقى بشاشته # إلاّ قليلا، و لا ذو خلّة يصل‏ (3)

و العيش لا عيش إلاّ ما تقرّبه # عين، و لا حال إلاّ سوف تنتقل‏

إن ترجعى من أبى عثمان منجحة # فقد يهون على المستنجح العمل‏ (4)

/و النّاس من يلق خيرا قائلون له # ما يشتهى، و لأمّ المخطئ الهبل‏

قد يدرك المتأنّى بعض حاجته # و قد يكون مع المستعجل الزّلل‏

قال الشعبىّ: فقلت: قد قال القطامىّ أفضل من هذا، قال: و ما قال؟قلت: قال‏ (5) :

طرقت جنوب رحالنا من مطرق # ما كنت أحسبه قريب المعنق‏ (6)

حتى أتيت إلى آخر القصيدة، فقال عبد الملك: ثكلت القطامىّ أمّه!هذا و اللّه الشعر.

قال: فالتفت إلى الأخطل فقال: يا شعبىّ، إنّ لك فنونا فى الأحاديث، و إنّ لنا فنّا واحدا، فإن رأيت ألاّ تحملنى على أكتاف قومك، فأدعهم حرضا!قلت: لا أعرض لك

____________

(1) مغدف القناع، أى خامل الذكر.

(2) ديوان القطامى 32، و جمهرة الأشعار 313- 316، و الطيل: جمع طيلة، هى الدهر.

(3) الضمير فى «به» ، للدهر فى البيت الّذي قبله، و هو:

كانت منازل منّا قد نحلّ بها # حتى تغيّر دهر خائن خبل‏

.

(4) الخطاب للناقة، و منجحة: ظافرة. و المستنجح: طالب النجاح.

(5) حاشية الأصل: «القطامى، هو عمير بن شييم بن عمر بن عباد» .

(6) اللسان (عنق) ، و المعنق: المكان الّذي أعنقت منه؛ أى سرت؛ يقول: لم أظن أنها تقدر على أن تعنق و تسرع من هذا المكان. و العنق: ضرب من السير السريع؛ يقال: عانق و أعنق إذا أسرع.

19

فى شي‏ء من الشعر أبدا، فأقلنى هذه المرة، قال: من يكفل بك؟قلت: أمير المؤمنين، فقال عبد الملك: هو عليّ ألاّ يعرض لك أبدا.

ثم قال: يا شعبىّ، أىّ شعراء الجاهلية كان أشعر من النساء؟قلت: خنساء، قال:

و لم فضّلتها على غيرها؟قلت: لقولها:

و قائلة-و النّعش قد فات خطوها (1) # لتدركه-: يا لهف نفسى على صخر!

ألا ثكلت أمّ الّذين غدوا به # إلى القبر!ما ذا يحملون إلى القبر!

فقال عبد الملك: أشعر منها و اللّه ليلى الأخيلية حيث تقول:

مهفهف الكشح و السّربال منخرق # عنه القميص لسير اللّيل محتقر

لا يأمن النّاس ممساه و مصبحه # فى كلّ فجّ، و إن لم يغز ينتظر

(2) ثم قال: يا شعبىّ، لعله شقّ عليك ما سمعته؟فقلت: إي و اللّه يا أمير المؤمنين أشدّ المشقّة!إنى لمحدّثك منذ شهرين لم أفدك إلا أبيات النابغة فى الغلام، ثم قال: يا شعبىّ، إنما أعلمناك هذا، لأنّه بلغنى أنّ أهل العراق يتطاولون على أهل الشام و يقولون: إن كانوا غلبونا على الدولة، فلن يغلبونا على العلم و الرواية، و أهل الشام أعلم بعلم أهل العراق من أهل العراق؛ ثم ردّد عليّ أبيات ليلى حتى حفظتها، و أذن لى فانصرفت، فكنت أول داخل/و آخر خارج.

***

قال سيدنا أدام اللّه تمكينه: و الصحيح فى الرواية أن البيتين اللذين رواهما عبد الملك و نسبهما إلى ليلى الأخيلية لأعشى باهلة (3) ، يرثى المنتشر بن وهب الباهلىّ‏ (4) ، و هذه القصيدة

____________

(1) حاشية الأصل: «الحرض: الّذي أذيب حزنا و هما» . و الحرض يوصف به المفرد، مذكرا و مؤنثا، و المثنى و الجمع بلفظ واحد.

(2) ديوانها: 92.

(3) ذكره الآمدي فى المؤتلف و المختلف ص 14 فقال: «أعشى باهلة يكنى أبا قحفان، جاهلى، و اسمه عامر بن الحارث، أحد بنى عامر ابن عوف بن وائل بن معن، و معن أبو باهلة، و باهلة امرأة من همدان، و هو الشاعر المشهور صاحب القصيدة المرثية فى أخيه لأمه، المنتشر» .

(4) هو المنتشر بن وهب بن سلمة بن كراثة بن هلال بن عمرو-

20

من المراثى المفضّلة المشهورة بالبلاغة و البراعة و هى‏ (1) :

إنى أتتنى لسان لا أسرّ بها # من علو لا عجب منها و لا سخر (2)

فظلت مكتئبا حرّان أندبه # و كنت أحذره، لو ينفع الحذر!

فجاشت النّفس لما جاء جمعهم # و راكب جاء من تثليث معتمر (3)

يأتى على الناس لا يلوى على أحد # حتى التقينا، و كانت بيننا مضر (4)

***

إنّ الّذي جئت من تثليث تندبه # منه السماح و منه النّهى و الغير (5)

____________

قابن سلامة؛ كان رئيسا فارسا، و كان رئيس الأبناء يوم أرمام، و هو أحد يومى مضر فى اليمن و كان يوما عظيما. (خزانة الأدب 1: 91) .

(1) القصيدة فى الأصمعيات 32-34، و أمالى اليزيدى 13-18، و جمهرة الأشعار 280-283، و الكامل-شرح المرصفى 8: 211-212، و ملحقات ديوان الأعشى 266-268، و نقلها صاحب الخزانة عن الغرر فى 1: 91-92. و ذكر أبو العباس المبرد خبر هذه القصيدة فقال: «كانت العرب تقدم مراثى و تفضلها و ترى قائلها بها فوق كل مؤبن؛ و كأنهم يرون ما بعدها من المراثى؛ منها أخذت، و فى كنفها تصلح؛ فمنها قصيدة أعشى بأهلة، و يكنى أبا قحافة التى يرثى بها المنتشر بن وهب الباهلى-و كان أحد رجلي العرب، و هم السعاة السابقون فى سعيهم، و كان من خبره أنه أسر صلاءة بن العنبر الحارثى، فقال: افد نفسك، فأبى فقال: لأقطعنك أنملة أنملة و عضوا عضوا ما لم تفتد نفسك، فجعل يفعل ذلك به حتى قتله. ثم حج من بعد ذلك ذا الخلصة (و هو بيت كانت خثعم تحجه) ، فدلت عليه بنو نفيل بن عمرو بن كلاب الحارثيين فقبضوا عليه، فقالوا: لنفعلن بك كما فعلت بصلاءة، ففعلوا ذلك به، فلقى راكب أعشى باهلة، فقال له أعشى باهلة: هل من جائية خبر؟قال: نعم، أسرت بنو الحارث المنتشر-و كانت بنو الحارث تسمى المنتشر مجدعا-فلما صار فى أيديهم قالوا:

لنقطعنك كما فعلت بصلاءة؛ فقال أعشى باهلة يرثى المنتشر... » . و أورد القصيدة.

(2) اللسان هنا: الرسالة، و أراد بها نعى المنتشر، و لهذا أنث الفعل. و علو، يريد من مكان عال، و رواية لمبرد: «من عل» (بالضم) ؛ و فى حاشية الأصل: «لا سخر، أى لا أقول ذلك سخرية، و قيل معناه:

و لا سخر بالموت» .

(3) جاشت نفسه، أى غثت. و تثليث: موضع بالحجاز قرب مكة؛ ذكره ياقوت و استشهد بالبيت و معتمر: صفة لراكب؛ و هو بمعنى زائر. و فى حاشية الأصل: «جمعهم، يعنى الذين شهدوا مقتله» .

(4) حاشية الأصل (من نسخة) : «يأبى على الناس» ، و فيها أيضا: «لا يلوى على أحد، أى لم يعرج على أحد حتى أتانى؛ لأنى كنت خلصانه» .

(5) أى فقلت للراكب: إن الّذي جئت... ، و تندبه:

تبكى عليه، يقال: ندب الميت، أى بكى عليه و عدد محاسنه. و الغير: اسم من غيرت الشي‏ء فتغير، أقامه مقام الأمر.

21

تنعى امرأ لا تغبّ الحىّ جفنته # إذا الكواكب أخطأ (1) نوءها المطر (2)

و راحت الشّول مغبرّا مناكبها (3) # شعثا تغيّر منها النّىّ و الوبر (4)

و ألجأ الكلب موقوع الصّقيع به‏ (5) # و ألجأ الحىّ من تنفاحها الحجر (6)

عليه أوّل زاد القوم قد علموا # ثمّ المطىّ إذا ما أرملوا جزر (7)

قد تكظم البزل منه حين تبصره‏ (8) # حتّى تقطّع فى أعناقها الجرر (9)

أخو رغائب يعطيها و يسألها # يأبى الظّلامة منه النّوفل الزّفر (10)

____________

(1) من نسخة مجاشبتى الأصل، ف: «خوّى، و خوّى سقط، من قولك: خوت لدار: خلت أو سقطت، و معنى خوّى فى البيت: نسب الخىّ إلى النجوم و هو المحل، يقال: خوت النجوم إذا أمحلت، خيا» .

(2) النعى: خبر الموت، قال الأصمعى: كانت العرب إذا مات ميت له قدر، ركب راكب فرسا، و جعل يسير فى الناس و يقول: نعاء فلانا!أى انعه و أظهر خبر وفاته، مبنية على الكسر. و لا يغب، من قولهم: لا يغبنا عطاؤه، أى لا يأتينا يوما دون يوم؛ بل يأتينا كل يوم.

و الجفنة: القصعة. و أخطأه كتخطاه: تجاوز. و النوء: سقوط نجم من المنازل فى المغرب مع الفجر و طلوع رقيبة من المشرق، يقابله من ساعته كل ليلة إلى ثلاثة عشر يوما؛ و هكذا إلى انقضاء السنة، و كانت العرب تضيف الأمطار و الرياح و الحر و البرد إلى الساقط منها، يريد أن جفانه لا تنقطع فى الشدة و القحط.

(3) حاشية الأصل: «رواية الأصمعى: «مبامتها» أى مراحها» .

(4) الشول: النوق التى خف لبنها و قد أتى عليها سبعة أشهر أو ثمانية من يوم نتاجها، الواحدة شائلة. و النىّ بالفتح: الشحم.

(5) حاشية الأصل (من نسخة) :

*و أحجر الكلب موقوع الصّقيع به*

و أحجرته أنا: ألجأته إلى الحجر.

(6) الصقيع: الجليد. و تنفاحه: ضربه، و هو مصدر نفحت الريح إذا هبت باردة؛ يقول: إنه لا ينقطع عن إطعام الطعام فى شدة البرد حينما يضطر الكلب ما بتلبد على شعره من الجليد الأبيض إلى الدخول فى الحجر» .

(7) يريد أنه يرتب على نفسه زاد أصحابه أولا، و إذا فنى الزاد نحر لهم. و أرمل الرجل: نفد زاده.

و جزر: قطع، يقال تركهم جزرا للسباع.

(8) حاشية الأصل: فى رواية:

*و تفزع الشّول منه حين يفجؤها*

.

(9) كظم البعير كظوما: إذا أمسك عن الجرة، و البزل: جمع بازل؛ و هو الجمل إذا دخل فى التاسعة. و الحرر: جمع جرة؛ و هى ما يخرجه البعير للاجترار. يقول: تعودت الإبل أنه يعقر منها، فإذا رأته كظمت على جرتها فزعامته.

(10) الرغيبة: العطاء الكثير. و النوفل: الكبير العطاء.

و الزفر: الكثير الناصر و العدد و العدد «و منه» للتجريد.

22

لم تر أرضا و لم تسمع بساكنها # إلاّ بها من نوادى وقعه أثر (1)

و ليس فيه إذا استنظرته عجل # و ليس فيه إذا ياسرته عسر

فإن يصبك عدوّ فى مناوأة # يوما، فقد كنت تستعلى و تنتصر

من ليس فى خيره منّ يكدّره # على الصّديق، و لا فى صفوه كدر

أخو شروب، و مكساب إذا عدموا # و فى المخافة منه الجدّ و الحذر (2)

مردى حروب، و نور يستضاء به # كما أضاء سواد الظّلمة القمر (3)

/مهفهف أهضم الكشحين منخرق # عنه القميص لسير اللّيل محتقر (4)

طاوى المصير على العزّاء منجرد # بالقوم ليلة لا ماء و لا شجر (5)

لا يصعب الأمر إلاّ ريث يركبه # و كلّ أمر سوى الفحشاء يأتمر

معنى «لا يصعب الأمر» أى لا يجده صعبا-

لا يتأرّى لما فى القدر يرقبه # و لا يعضّ على شرسوفه الصّفر (6)

____________

(1) نوادى كل شي‏ء: أوله.

(2) شرب: جمع شرب؛ و هو جمع شارب؛ كصحب و صاحب، و مكساب: اسم مبالغة من كاسب، و فى حاشية الأصل: «نسخة ص: أخو حروب» .

(3) المردى فى الأصل: حجر يرمى؛ و المعنى:

أنه شجاع يقذف فى الحروب و يرجم فيها؛ و فى حاشية الأصل (من نسخة) :

مردى حروب شهاب يستضاء به # كما أضاء سواد الطّخية القمر

و الطخية، بالفتح و بضم: الطلمة.

(4) المهفهف: الخميص البطن الدقيق الخصر. و الأهضم: المنضم الجنبين. و الكشح: ما بين الخاصرة إلى الضلع من الخلف؛ و هو مما تمدح به العرب. و يقال: رجل منخرق السربال؛ إذا طال سفره فشققت ثيابه؛ و هو كناية عن الجلادة و تحمل المشقات.

(5) المصير: جمع مصران، و العزاء: الشدة و الجهد؛ و المنجرد: المشمر نشاطا، و من نسخة بحاشية الأصل: «منصلت» . و قوله: «ليلة لا ماء و لا شجر» ، أى يرعى. و فى الخزانة بعد هذا البيت:

لا يهتك السّتر عن أنثى يطالعها # و لا يشدّ إلى جاراته النّظر

.

(6) لا يتأرى: لا يتحبس و يتلبث؛ يقال: تأرى بالمكان إذا أقام فيه. الشرسوف: طرف الضلع و الصفر-فيما يزعم العرب: حية تكون فى البطن إذا جاع الإنسان عضته؛ و قد كذبه النبي عليه السلام بقوله:

«لا عدوى و لا هامة و لا صفر» .

23

لا يغمز السّاق من أين و لا وصب # و لا يزال أمام القوم يقتفر (1)

لا يأمن النّاس ممساه و مصبحه # فى كلّ فجّ، و إن لم يغز ينتظر (2)

تكفيه حزّة فلذ إن ألمّ بها # من الشّواء و يروى شربه الغمر (3)

لا تأمن البازل الكوماء عدوته‏ (4) # و لا الأمون إذا ما اخروّط السّفر (5)

كأنّه بعد صدق الناس أنفسهم # باليأس تلمع من قدّامه البشر (6)

قال المبرّد"لا نعلم بيتا فى يمن النقيبة و بركة الطلعة أبرع من هذا البيت"-

لا يعجل القوم أن تغلى مراجلهم # و يدلج اللّيل حتى يفسح البصر (7)

(8) عشنا به حقبة حيّا ففارقنا (8) # كذلك الرّمح ذو النّصلين ينكسر (9)

أصبت فى حرم منّا أخا ثقة # هند بن أسماء، لا يهنى لك الظّفر (10)

!

لو لم تخنه نفيل و هى خائنة # لصبّح القوم ورد ماله صدر (11)

____________

(1) يصف جلده و تحمله للمشاق، و الأين: الإعياء، و الوصب: الوجع، و الاقتفاء: تتبع الآثار.

(2) حاشية الأصل (من نسخة) : «من كل أوب» .

(3) الحزة: قطعة من اللحم قطعت طولا؛ و الفلذ: كبد البعير و الجمع أفلاذ. و ألم بها: أصابها. و الغمر: قدح صغير لا يروى.

(4) حاشية الأصل: «نسخة ص: «ضربته» .

(5) البازل: البعير الّذي فطر نابه بدخوله فى السنة التاسعة، و يقال للناقة أيضا. و الكوماء: الناقة العظيمة السنام. و العدوة: التعدى. و الأمون:

الناقة الموثقة الخلق، و اخروط: امتد.

(6) البشر: جمع بشير، و فى حاشية الأصل: «أى إذا يئس الناس من أمورهم و وطنوا نفوسهم على اليأس فالبشائر تلمع من قدامه» .

(7) حتى يفسح البصر، أى يجد متسعا من الصبح؛ و فى حاشية الأصل: «أى هو رابط الجأش عند الفزع، لا يستخفه الفزع فيجعل أصحابه عن الإطباخ» .

(8-8) حاشية الأصل (من نسخة) :

*عشنا بذلك دهرا ثم ودّعنا*

.

(9) النصلان هما: السنان-و هى الحديدة العليا من الرمح-و الزج، و هو الحديدة السفلى: و يقال:

هما الزجان أيضا؛ و هو مثل. و فى حاشية الأصل: «رواية الأصمعى بعد قوله «ينكسر» :

فإن جزعنا فقد هدّت مصابتنا # و إن صبرنا فإنا معشر صبر

و المصابة: المصيبة، و الصبر: جمع صبور، مبالغة صابر» .

(10) حاشية الأصل: «هند بن أسماء:

من قبيلة نفيل، قاتل المنتشر» ، و أراد بالحرم ذا الخلصة.

(11) صبحه: سقاه الصبوح؛ و هو الشرب بالغداة، أراد: أنه كان يقتلهم.

24

و أقبل‏ (1) الخيل من تثليث مصغية # و ضمّ أعينها عوران أو حضر (2)

إمّا سلكت سبيلا كنت سالكها # فاذهب فلا يبعدنك اللّه منتشر

قال رحمه اللّه: و قد رويت هذه القصيدة للدّعجاء أخت المنتشر، و قيل لليلى أخته، و لعل الشبهة الواقعة فى نسبتهما إلى ليلى الأخيلية من هاهنا و الصحيح، ما ذكرناه.

***

أخبرنا أبو الحسن عليّ بن محمد الكاتب قال أخبرنا ابن دريد قال أخبرنا أبو حاتم عن أبى عبيدة قال: وفد الأخطل على معاوية فقال: إنى قد امتدحتك بأبيات فاسمعها، فقال: إن كنت شبّهتنى بالحية أو الأسد أو الصّقر فلا حاجة لى فيها؛ و إن كنت قلت فىّ كما قالت الخنساء (3) :

و ما بلغت كفّ امرئ متناول‏ (4) # به المجد إلاّ حيث ما نلت أطول‏ (5)

و ما بلغ المهدون فى القول مدحة # و إن صدقوا إلاّ الّذي فيك أفضل‏

فهات، فقال الأخطل: و اللّه لقد أحسنت و قلت بيتين؛ ما هما بدون ما سمعته، و أنشد:

إذا متّ مات العزّ (6) و انقطع الغنى # فلم يبق إلاّ من قليل مصرّد (7)

____________

(1) حاشية الأصل: «قبل، بمعنى أقبل، و يعدّى بالألف، تقول: أقبلته أنا جعلته مقبلا، و أقبلته الشي‏ء أى جعلته يلى قبالته؛ يقال: أقبلت الرماح نحو القوم، و أقبلت الإبل أفواه الوادى» .

(2) عوران و حضر: موضعان. ف: «خوان» ، د، م: «رغوان» . و هو يوافق ما فى الخزانة، و فى حاشية الأصل (من نسخة) : «روعان» ، و فيها أيضا: «فى نسخة ديوانه: رعوان، جوان، خوان» ، هذه كلها مواضع» .

(3) ديوانها: 481.

(4) م: «متطاول» .

(5) رواية اللسان (طول) :

*من المجد إلاّ و الّذي نلت أطول*

.

(6) ف: «العرف» .

(7) مصرد: مقلل، و فى حاشية الأصل: «أى لم يبق الغنى إلا من قبل عطاء قليل» .

25

و ردّت أكفّ الرّاغبين و أمسكوا # من الدّين و الدّنيا بخلف مجدّد (1)

فأحسن صلته.

و أخبرنا المرزبانىّ قال أخبرنا أبو عبد اللّه إبراهيم بن محمد النحوىّ قال أخبرنا أحمد بن يحيى النحوىّ أن ابن الأعرابىّ أنشدهم:

مررنا عليه و هو يكعم كلبه # دع الكلب ينبح؛ إنما الكلب نابح‏

قوله «يكعم كلبه» -أى يشدّ فاه خوفا أن ينبح فيدل عليه.

و قال آخر:

و تكعم كلب الحىّ من خشية القرى # و نارك كالعذراء من دونها ستر (2)

قال: و قد قال الأخطل:

قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم # قالوا لأمّهم بولى على النار

قال أبو عبد اللّه: و سمعت محمد بن يزيد الأزدىّ يقول: هذا من أهجى ما هجى به جرير، لأنه جعل نارهم تطفئها البولة، و جعلهم يأمرون أمهم بالبول استخفافا بها.

____________

(1) حاشية الأصل: «منقطع اللبن، من قولهم: ناقة جداء؛ يقال: ناقة مجددة الأخلاف إذا ضربها الصرار و قطعها، و تجدد ضرع الناقة ذهب لبنه» . و فيها أيضا: «لما احتضر عبد الملك بن مروان غشى عليه، ثم أفاق، فسمع امرأة تقول: مات أمير المؤمنين: فتمثل بهذين البيتين» .

(2) اللسان (كعم) من غير عزو.

26

مجلس آخر 51

تأويل آية رَبَّنََا لاََ تُزِغْ قُلُوبَنََا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنََا وَ هَبْ لَنََا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ اَلْوَهََّابُ

إن سأل سائل فقال: ما تأويل قوله تعالى: رَبَّنََا لاََ تُزِغْ قُلُوبَنََا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنََا وَ هَبْ لَنََا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ اَلْوَهََّابُ ؛ [آل عمران: 8].

أ و ليس ظاهر الآية يقتضي أنه تعالى يجوز أن يزيغ القلوب عن الإيمان حتى تصحّ مسألته تعالى ألاّ يزيغها، و يكون هذا الدعاء مفيدا؟

الجواب، قلنا فى هذه الآية وجوه:

أوّلها أن يكون المراد بالآية: ربنا لا تشدّد علينا المحنة فى التكليف، و لا تشق علينا فيه، فيفضى بنا ذلك إلى زيغ القلوب منّا بعد الهداية؛ و ليس يمتنع أن يضيفوا ما يقع من زيغ قلوبهم عند تشديده تعالى عليهم المحنة إليه؛ كما قال عز و جل فى السورة: إنّها (1) زادتهم رجسا إلى رجسهم، و كما قال مخبرا عن نوح عليه السلام: فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعََائِي إِلاََّ فِرََاراً ؛ [نوح: 6].

فإن قيل: كيف يشدّد عليهم فى المحنة؟

قلنا: بأن يقوّى شهواتهم، لما قبحه فى عقولهم، و نفورهم‏ (2) عن الواجب عليهم، فيكون التكليف عليهم بذلك شاقا، و الثواب المستحقّ عليهم عظيما متضاعفا و إنما يحسن أن يجعله شاقا تعريضا لهذه المنزلة.

و ثانيها أن يكون ذلك دعاء بالتثبيت لهم على الهداية، و إمدادهم بالألطاف التى معها يستمرّون على الإيمان.

فإن قيل: و كيف يكون مزيغا لقلوبهم بألاّ يفعل اللّطف؟

____________

(1) الضمير يعود إلى المحنة؛ و الآية فى سورة التوبة: 125: وَ أَمَّا اَلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزََادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ .

(2) حاشية الأصل (من نسخة) : «و نقارهم» .

27

قلنا: من حيث كان المعلوم أنه متى قطع إمدادهم بألطافه و توفيقاته زاغوا و انصرفوا عن الإيمان. و يجرى هذا مجرى قولهم: اللّهم لا تسلّط علينا من لا يرحمنا؛ معناه لا تخلّ بيننا و بين من لا يرحمنا فيتسلّط علينا؛ و مثله قول الشاعر:

أتانى و رحلى بالمدينة وقعة # لآل تميم أقعدت كلّ قائم‏

أراد: قعد لها كل قائم؛ فكأنهم قالوا: لا تخلّ بيننا و بين نفوسنا و تمنعنا ألطافك، فنزيغ و نضلّ.

و ثالثها ما أجاب به أبو عليّ الجبائى محمد بن عبد الوهاب، لأنه قال: المراد بالآية ربّنا لا تزغ قلوبنا عن ثوابك و رحمتك. و معنى هذا السؤال أنهم سألوا اللّه تعالى أن يلطف لهم فى فعل الإيمان؛ حتى يقيموا عليه و لا يتركوه فى مستقبل عمرهم، فيستحقوا بترك الإيمان أن تزيغ قلوبهم عن الثواب، و أن يفعل بهم بدلا منه العقاب.

فإن قال قائل: فما هذا الثواب الّذي هو فى قلوب المؤمنين؛ حتى زعمتم أنّهم سألوا اللّه تعالى ألاّ يزيغ قلوبهم عنه؟و أجاب بأنّ من الثواب الّذي فى قلوب المؤمنين ما ذكره اللّه تعالى من الشرح و السّعة بقوله تعالى: فَمَنْ يُرِدِ اَللََّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلاََمِ ؛ [الأنعام: 125]؛ و قوله تعالى لرسوله/عليه و آله السلام: أَ لَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ [الشرح: 1]و ذكر أن ضدّ هذا الشرح هو الضّيق و الحرج اللّذان يفعلان بالكفار عقوبة، قال: و من ذلك أيضا التطهير الّذي يفعله فى قلوب المؤمنين، و هو الّذي منعه الكافرين، فقال تعالى: أُولََئِكَ اَلَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اَللََّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ ؛ [المائدة: 41].

قال: و من ذلك أيضا كتابته الإيمان فى قلوب المؤمنين، كما قال اللّه تعالى: أُولََئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ اَلْإِيمََانَ وَ أَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ [المجادلة: 22]و ضدّ هذه الكتابة هى سمات الكفر التى فى قلوب الكافرين؛ فكأنهم سألوا اللّه تعالى ألاّ يزيغ قلوبهم عن هذا الثواب إلى ضده من العقاب. ـ

28

و رابعها أن تكون الآية محمولة على الدعاء بألاّ يزيغ القلوب عن اليقين و الإيمان. و لا يقتضي ذلك أنّه تعالى سئل ما كان لا يجب أن يفعله، و ما لو لا المسألة لجاز فعله؛ لأنّه غير ممتنع أن يدعوه على سبيل الانقطاع إليه، و الافتقار إلى ما عنده بأن يفعل تعالى ما نعلم أنه لا بدّ من أن يفعله، و بألاّ يفعل ما نعلم أنه واجب ألاّ يفعله؛ إذا تعلق بذلك ضرب من المصلحة؛ كما قال تعالى حاكيا عن إبراهيم عليه السلام: وَ لاََ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ ؛ [الشعراء: 87] و كما قال فى تعليمنا ما ندعو به: قََالَ رَبِّ اُحْكُمْ بِالْحَقِّ وَ رَبُّنَا اَلرَّحْمََنُ ؛ [الأنبياء: 112] و كقوله تعالى: رَبَّنََا وَ لاََ تُحَمِّلْنََا مََا لاََ طََاقَةَ لَنََا بِهِ ؛ [البقرة: 286]، على أحد الأجوبة:

و كل ما ذكرناه واضح بين بحمد اللّه.

***

قال سيدنا أدام اللّه تمكينه: و إنى لأستحسن قول الراعى فى وصف الأثافىّ و الرماد، فقد (1) طبّق وصفه المفصل، مع جزالة الكلام و قوته و استوائه و اطراده:

و أورق مذ عهد ابن عفّان حوله # حواضن ألاّف على غير مشرب‏

وراد الأعالى أقبلت بنحورها # على راشح ذى شامة متقوّب‏

كأنّ بقايا لونه فى متونها # بقايا هناء فى قلائص مجرب‏

الأورق: الرّماد، جعل الأثافىّ له كالحواضن؛ لاحتضانها له و استدارتها حوله.

و أراد بوراد الأعالى أن ألوانها تضرب إلى الحمرة، و خصّ الأعالى؛ لأنها مواضع القدر فلا تكاد/تسودّ. و الراشح: هو الراضع؛ و إنما شبّه الرماد بينهن بفصيل بين أظآر.

و المتقوّب: الّذي قد انحسر أعلاه.

و شبّه ما سوّدت النار منهن بأثر قطران على قلائص جربى. و المجرب: الّذي قد جربت إبله.

و نظير هذا المعنى بعينه، أعنى تشبيه تسويد النار بالهناء قول ذى الرّمة:

____________

(1) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «فلقد» .

29

عفا الزّرق من أطلال ميّة فالدّحل # فأجماد حوضى حيث زاحمها الحبل‏ (1)

سوى أن يرى سوداء من غير خلقة # تخاطأها، و ارتثّ جاراتها النّقل‏ (2)

من الرّضمات البيض غيّر لونها # بنات فراض المرخ و اليابس الجزل‏

كجرباء دسّت بالهناء فأفصيت # بأرض خلاء أن تقاربها الإبل‏

قوله: «سوداء من غير خلقة» يعنى أثفيّة؛ لأن السواد ليس بخلقة بها؛ و إنما سوّدتها النار.

و قوله: تخاطأها النقل، أى تجاوزها فلم تحمل من مكان إلى مكان؛ بل بقيت منفردة.

و ارتثّ جاراتها: يعنى بجاراتها؛ أى نقلن عنها الأثافىّ اللواتى كنّ معها. و المرتثّ:

هو المنقول من مكان إلى مكان؛ و أصل ذلك فى الجريح و العليل؛ يقال ارتثّ الرجل ارتثاثا إذا حمل من المعركة و به رمق. قال النضر بن شميل: معنى ارتثّ صرع. و قال أبو زيد:

هو مأخوذ من قولهم ارتثثنا رثّة القوم إذا جمعوا ردي‏ء متاعهم بعد أن يتحملوا من موضعهم؛ و كلا المعنيين يليق ببيت ذى الرّمة؛ لأنه قد يجوز أن يريد (3) بقوله: «و ارتثّ جاراتها» ، أى نقلن عنها، و يجوز أن يريد (3) : صرعن و بقيت ثابتة قائمة.

و الرّضات: حجارة بيض بعضها على بعض. و الفراض: جمع فرض، و هو الحزّ يكون فى الزند و عنى ببنات فراض المرخ شرر النار الخارجة من ذلك الفرض. و المرخ: شجر تتخذ منه الرندة. و من أمثالهم: «فى كل شجر نار، و استمجد المرخ و العفار (4) » ، و هذا المثل يضرب للرجل الكريم الّذي يفضل على القوم و يزيد عليهم؛ فكأن المعنى: كلّ القوم كرام و أكرمهم فلان.

____________

(1) ديوانه: 454. الزرق: أكثبة بالدهناء؛ و الدحل و حوضى: موضعان؛ و الأجماد: جمع جمد؛ و هى الأرض الغليظة فى صلابة الجبل، و يعنى بالجبل حبل الرمل، و هو رمل مستطيل.

(2) من نسخة بحاشية الأصل: «تخطأها» .

(3-3) ساقط من م.

(4) المثل فى مجمع الأمثال للميدانى (2: 18) ؛ قال: استمجد المرخ و العفار؛ أى استكثرا و أخذا من النار ما هو حسبهما؛ شبها بمن يكثر العطاء طلبا للمجد لأنهما يسرعان الورى» .

30

و معنى «كجرباء دسّت بالهناء» أنه شبه الأثفيّة المفردة بناقة جرباء قد أفردت و أبعدت عن الإبل حتى لا تجربها و لا تعديها. و معنى دسّت بالهناء، طليت به.

و فى معنى قول الراعى: «وراد الأعالى» شبه من قول الشّماخ بن ضرار:

/أقامت على ربعيهما جارتا صفا # كميتا الأعالى جونتا مصطلاهما (1)

يعنى «بربعيهما» منزلى الامرأتين‏ (2) اللتين ذكرهما، و يعنى «بجارتا صفا» الأثفيّتين؛ لأنهما مقطوعتان من الصّفا الّذي هو الصّخر. و يمكن فى قوله: «جارتا صفا» وجه آخر هو أحسن من هذا؛ و هو أنّ الأثفيّتين توضعان قريبا من الجبل، لتكون حجارة الجبل ثالثة لهما، و ممسكة للقدر معهما؛ و لهذا تقول العرب: رماه بثالثة الأثافىّ؛ أى بالصخرة أو الجبل، و شبه أعلاهما بلون الكميت؛ و هو لون الحجر نفسه؛ لأن النار لم تصل إليه فتسوده‏ (3) .

و مصطلاهما جون أى أسود؛ لأنّ النار قد سفعته و سوّدته.

و قال الراعى فى وصف الأثافىّ أيضا:

أذاع بأعلاه، و أبقى شريده # ذرا مجنحات بينهنّ فروج‏

كأنّ بجزع الدّار لمّا تحمّلوا # سلائب ورقا بينهنّ خديج‏

أذاع بأعلاه، يعنى الرماد؛ لأن السافى‏ (4) يطيّر ظاهره و ما علا منه.

و أبقى شريده، أى بقى‏ (5) لما شرد على السافى فلم يطر.

و ذرا لجنحات يعنى الأثافىّ. و ذرا كل شي‏ء: جانبه و ما استذريت به منه. و المجنحات:

المسبلات منه.

____________

(1) ديوانه 86.

(2) فى حاشيتى الأصل، ف: «منزلتى المرأتين» .

(3) حاشية الأصل: و يمكن فى «جارتا صفا» وجه آخر؛ و هو أحسن من هذا؛ و هو أن الأثفيتين توضعان قريبا من الجبل، لتكون حجارة الجبل ثالثة الأثافى و ممسكة للقدر معهما؛ و لهذا يقال: رماه بثالثه الأثافى؛ أى الصخرة أو الجبل» .

(4) السافى: الريح التى تسقى التراب.

(5) حاشية الأصل (من نسخة) : «يبقى» .

31

و السلائب: جمع سلوب؛ و هى الناقة التى قد سلبت ولدها بموت أو نحر؛ فقد عطفت على حوار آخر.

و الخديج: الّذي قد سقط لغير تمام.

و الورق: اللواتى ألوانهن كلون الرماد.

و فى معنى قول الراعى: «و أبقى شريده ذرا مجنحات» قول المخبّل السعدىّ:

و أرى لها دارا بأغدرة السيّ # دان لم يدرس لها رسم‏ (1)

إلاّ رمادا هامدا دفعت # عنه الرّياح خوالد سحم‏ (2)

إلا هاهنا: بمعنى الواو، فكأنه قال: و أرى رمادا هامدا، و لو لا أن «إلاّ» هاهنا بمعنى الواو لفسد الكلام و نقض آخره أوّله، لأنه يقول فى آخر البيت: إنّ الخوالد السّحم دفعت عنه الرياح، فكيف يخبر بأنه قد درس، و إنما أراد أنّه باق ثابت، لأنّ الأثافىّ دفعت عنه الرياح فلم يستثنه، إذن هو من جملة ما لم يدرس، بل هو داخل فى جملته.

و للراعى أيضا فى الأثافىّ:

أنخن و هنّ أغفال عليها # فقد ترك الصّلاء بهنّ نارا

/شبه الأثافىّ بنوق أنخن أغفالا، ليست عليهنّ سمة؛ ثم أخبر أنّ الوقود أثّر فيهن أثرا كالسّمة، و النار السمة، تقول العرب: ما نار بعيرك؟أى، ما سمته؟و فى أمثالهم: «نجارها نارها» ، أى سمتها تدلّ على كرمها، يضرب ذلك للرجل ترى له ظاهرا حسنا يدلّ على باطن خبره.

____________

(1) من قصيدة فى المفضليات 113-118، مطلعها:

ذكر الرباب و ذكرها سقم # فصبا و ليس لمن صبا حلم‏

و أغدرة: جمع غدير. و السيدان: أرض لبنى سعد؛ و الرسم: الأثر بلا شخص؛ و دروسه: ذهابه؛ يريد: لم يذهب كله.

(2) الخوالد: البواقى، عنى بها الأثافى. بسحم: من السحمة؛ و هو لون يضرب إلى السواد.

32

و قال عدىّ بن الرّقاع العاملىّ:

إلاّ رواكد كلّهنّ قد اصطلى # حمراء أشعل أهلها إيقادها (1)

كانت رواحل للقدور فعرّيت # منهنّ، و استلب الزّمان رمادها

و قال الأسعر الجعفىّ:

إلاّ رواكد بينهنّ خصاصة # سفع المناكب، كلّهنّ قد اصطلى‏ (2)

و قال حميد بن ثور:

فتغيّرت إلاّ ملاعبها # و معرّسا من جونة ظهر (3)

عرش الثّقاب لها بدار مقامة # للحىّ بين نظائر وتر

الجونة: القدر: و يقال: قدر ظهر، و قدور ظهور، إذا كانت قديمة (4) . و عرش، أى جعل مثل العريش، يعنى الوقود. و الثّقاب: ما أثقبت به النار من الوقود. و النظائر: هى الأثافىّ: و الوتر: الفرد، و أراد أنها ثلاث.

و قال الكميت بن زيد:

و لن تحيّيك أظآر معطّفة # بالقاع، لا تمك فيها و لا ميل‏

ليست بعوذ، و لم تعطف على ربع # و لا يهيب بها ذو النيّة الإبل‏

يعنى الأثافىّ، فشبّه عطفها على الرماد بنوق أظآر قد عطفن على فصيل. و التّمك:

انتصاب السنام. و الميل: من صفة السّنام أيضا.

و العائذ من النّوق: التى يتبعها ولدها. و الرّبع: الّذي نتج فى أول الربيع. و الإهابة:

الدعاء؛ أهاب بإبله إذا دعاها. و ذو النية: الّذي قد نوى الرّحيل. الإبل: صاحب الإبل.

____________

(1) الطرائف الأدبية 87 مع اختلاف فى الرواية.

(2) البيت فى أمالى القالى 1: 45 غير منسوب، و نسبه فى اللآلي: 189 للرخيم العبدى، و فى م نسب إلى مالك الجعفى، و البيت ليس فى قصيدة الأسعر التى فى أول الأصمعيات.

(3) ديوانه: 93. المعرس: مكان تعريس القوم فى السفر فى آخر الليل.

(4) فى اللسان: «و قدر ظهر: قديمة؛ كأنها تلقى وراء الظهر لقدمها» ، و استشهد بالبيت.

33

و قال ذو الرّمة:

فلم يبق إلاّ أن ترى فى محلّه # رمادا نحت عنه السيول جنادله‏ (1)

/كأنّ الحمام الورق فى الدّار وقّعت‏ (2) # على حرق بين الظّئور جوازله‏

شبه الأثافىّ بالحمام الورق؛ و جعلها ظئورا لتعطّفها على الرماد؛ و شبه الرّماد بفرخ حرق قد سقط ريشه. و الجوازل: الفراخ. واحدها جوزل.

و قال البعيث:

ألا حييّا الرّبع القواء و سلّما # و رسما كجثمان الحمامة أدهما

قيل إن الحمام هاهنا القطاة؛ و إنه شبّه ألوان الرسوم من الرّماد، و موقد نار، و دمنة، و مجرّ طنب، و ما أشبه هذه الأشياء بألوان ريش قطاة.

و مثله لجرير:

كأنّ رسوم الدّار ريش حمامة # محاها البلى و استعجمت أن تكلّما (3)

و لقد أحسن كلّ الإحسان كثيّر فى قوله:

أ من القيلة بالدّخول رسوم # و بحومل طلل يلوح قديم‏ (4)

لعب الرّياح برسمه فأجدّه # جون عواكف فى الرّماد جثوم‏

سفع الخدود كأنّهنّ و قد مضت # حجج عوائد بينهنّ سقيم‏

و قيل فى قوله: «فأجدّه جون عواكف» يعنى الأثافىّ، لأن الريح لما كشفت عنها، و ظهرت صارت هى كأنها أجدّت الرّسم. و يحتمل وجه آخر، و هو أن يكون معنى «أجدّت» أنّها حمت الرماد الّذي أحاطت به عن لعب الرّياح، فبقى بحاله يستدلّ به المترسم‏ (5) ،

____________

(1) ديوانه: 465. نحت: صرفت؛ و فى الديوان: «نفت» ، و الجنادل: الحجارة.

(2) وقعت: ربضت، و فى الديوان: «جثمت» .

(3) ديوانه: 543.

(4) ديوانه 1: 253.

(5) حاشية الأصل (من نسخة) : «المتوسم» .

34

فكأن الرياح درست الربع و محته إلاّ ما أجدّته هذه الأثافىّ من الرماد، و منعت الريح منه، و يجرى ذلك مجرى قول المخبّل:

إلاّ رمادا هامدا... # البيت...

و قال المرار الفقعسيّ فى الأثافىّ:

أثر الوقود على جوانبها # بخدودهنّ كأنّه لطم‏

و يقال إن أبا تمام الطائىّ أخذ ذلك فى قوله:

قفوا نعط المنازل من عيون # لها فى الشّوق أحساء غزار (1)

عفت آياتهنّ، و أىّ ربع # يكون له على الزّمن الخيار!

/أثاف كالخدود لطمن حزنا # و نؤي مثل ما انفصم السّوار

و قد عاب عليه قوله: «لطمن حزنا» بعض من لا معرفة له، و قال: لا فائدة فى قوله «حزنا» ، و لذلك فائدة؛ و ذلك أنّ لطم الحزن يكون أوجع و أبلغ، فتأثيره أظهر و أبين؛ و قد يكون اللطم لغير الحزن؛ فأما قوله.

*و نؤي مثل ما انفصم السوار*

فمأخوذ من قول الشاعر:

نؤي كما نقص الهلال محاقه‏ (2) # أو مثلما فصم السّوار المعصم‏

و قد شبّه الناس النّؤى بالسوار و الخلخال كثيرا، و بغير ذلك، قال كثيّر:

عرفت لسعدى بعد عشرين حجّة # بها درس نؤي فى المحلّة منحن‏ (3)

قديم كوقف العاج ثبّت حوله # مغارز أوتاد برضم موضّن‏

____________

(1) ديوانه: 140؛ و الرواية فيه: «قفا نعط» . و أحساء: جمع حسى؛ و هو الماء تحت الرمل، ينبط بالأيدى.

(2) المحاق، مثلثة: آخر الشهر.

(3) ديوانه: 1: 58.

35

-الوقف: السوار من الذّبل و من العاج. و الرّضم: صخور عظام. و الموضّن: الّذي يعضه فوق بعض.

و قال بشار:

و نؤي كخلخال الفتاة، و صائم # أشجّ على ريب الزمان رقوب‏ (1)

الصائم الأشج: يعنى الوتد؛ و إنما وصفه بأنه صائم لقيامه و ثباته، و جعله رقوبا لانفراده، و المرأة الرّقوب و الشيخ الرّقوب: الّذي لا يعيش له ولد.

و من مستحسن ما وصف به النؤى قول أبى تمام:

و النّؤى أهمد شطره فكأنّه # تحت الحوادث حاجب مقرون‏ (2)

و قال المتنبى فى ذلك:

قف على الدّمنتين بالدّوّ من ريّ # ا كخال فى وجنة جنب خال‏ (3)

بطول كأنّهنّ نجوم # فى عراص كأنّهنّ ليال‏

و نؤيّ كأنهنّ عليهـ # نّ خدام خرس بسوق خدال‏

الخدام: جمع خدمة (4) ؛ و هى الخلخال، و جعلها خرسا لأنها غير قلقة، و شبه ما أحدق به النؤى من الأرض و امتلائها بامتلاء الخلخال، من الساق الخدلة، و هى الممتلئة.

____________

(1) ديوانه: 1: 181.

(2) ديوانه: 328.

(3) ديوانه: 3: 192. الدو: الأرض الواسعة المستوية القفرة؛ و ريا: اسم امرأة؛ و المراد:

من ريا، و الخال: شامة تخالف لون الوجه. و الشامة: تكون فى الوجه و الجسم.

(4) الخدمة فى الأصل: سير يشد فى رسغ البعير، و به سمى الخلخال؛ لأنه ربما كان من سيور، يركب فيه الذهب و الفضة.

36

مجلس آخر 52

تأويل آية إِنَّ اَللََّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قََالُوا أَ تَتَّخِذُنََا هُزُواً

إن سأل سائل عن قوله تعالى: إِنَّ اَللََّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قََالُوا أَ تَتَّخِذُنََا هُزُواً قََالَ أَعُوذُ بِاللََّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ اَلْجََاهِلِينَ. `قََالُوا اُدْعُ لَنََا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنََا مََا هِيَ قََالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهََا بَقَرَةٌ لاََ فََارِضٌ وَ لاََ بِكْرٌ عَوََانٌ بَيْنَ ذََلِكَ فَافْعَلُوا مََا تُؤْمَرُونَ. `قََالُوا اُدْعُ لَنََا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنََا مََا لَوْنُهََا قََالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهََا بَقَرَةٌ صَفْرََاءُ فََاقِعٌ لَوْنُهََا تَسُرُّ اَلنََّاظِرِينَ. قََالُوا اُدْعُ لَنََا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنََا مََا هِيَ إِنَّ اَلْبَقَرَ تَشََابَهَ عَلَيْنََا وَ إِنََّا إِنْ شََاءَ اَللََّهُ لَمُهْتَدُونَ.

قََالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهََا بَقَرَةٌ لاََ ذَلُولٌ تُثِيرُ اَلْأَرْضَ وَ لاََ تَسْقِي اَلْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاََ شِيَةَ فِيهََا قََالُوا اَلْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهََا وَ مََا كََادُوا يَفْعَلُونَ ، [البقرة: 67-70].

فقال: ما تأويل هذه الآيات؟و هل البقرة التى نعتت بجميع النعوت هى البقرة المرادة باللفظ الأول و التكليف واحد، أو المراد مختلف و التكليف متغاير؟

الجواب، قلنا: أهل العلم فى تأويل هذه الآية مختلفون بحسب اختلاف أصولهم؛ فمن جوّز تأخير البيان عن وقت الخطاب يذهب إلى أن التكليف واحد، و أن الأوصاف المتأخرة هى للبقرة المتقدّمة؛ و إنما تأخر البيان، و لما سأل القوم عن الصفات ورد البيان شيئا بعد شي‏ء.

و من لم يجوّز تأخير البيان يقول: إن التكليف متغاير؛ و إنهم لما قيل لهم: اذبحوا بقرة لم يكن المراد منهم إلا ذبح أىّ بقرة شاءوا، من غير تعيين بصفة، و لو أنهم ذبحوا أىّ بقرة اتفقت لهم كانوا قد امتثلوا الأمر، فلمّا لم يفعلوا كلّفوا ذبح بقرة لا فارض و لا بكر، و لو ذبحوا ما اختصّ بهذه الصفة من أىّ لون كان لأجزأ عنهم، فلمّا لم يفعلوا كلّفوا ذبح بقرة صفراء، فلما لم يفعلوا كلّفوا ذبح ما اختص بالصفات الأخيرة. ـ

37

ثم اختلف هؤلاء من وجه آخر، فمنهم من قال فى التكليف الأخير: إنه يجب أن يكون مستوفيا لكل صفة تقدّمت، حتى تكون البقرة مع أنها غير ذلول تثير الأرض و لا تسقى الحرث، مسلّمة لا شية فيها، (1) صفراء فاقع لونها، و لا فارض و لا بكر (1) . و منهم من قال: إنما يجب أن تكون بالصفة الأخيرة فقط، دون ما تقدم.

و ظاهر الكتاب بالقول/المبنى على جواز تأخير البيان أشبه، و ذلك أنه تعالى لما كلّفهم ذبح بقرة قالوا للرسول: اُدْعُ لَنََا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنََا مََا هِيَ ، فلا يخلو قولهم: مََا هِيَ من أين يكون كناية عن البقرة المتقدّم ذكرها، أو عن التى أمروا بها ثانيا؛ على قول من يدّعى ذلك.

و ليس يجوز أن يكون‏ (2) سألوا عن صفة غير التى تقدّم ذكرها، لأن الظاهر من قولهم‏ مََا هِيَ بعد قوله لهم: اذبحوا بقرة يقتضي أن يكون السؤال عن صفة البقرة المأمور بذبحها؛ و لأنه لا علم لهم بتكليف ذبح بقرة أخرى فيستفهموا عنها؛ و إذا صحّ أن السؤال إنما كان عن صفة البقرة المنكّرة التى أمروا فى الابتداء يذبحها فليس يخلو قوله: إِنَّهََا بَقَرَةٌ لاََ فََارِضٌ وَ لاََ بِكْرٌ من أن يكون كناية عن البقرة الأولى، أو عن غيرها، و ليس يجوز أن يكون ذلك كناية عن بقرة ثانية، لأن ظاهر قوله: إنّها بقرة من صفتها كذا بعد قولهم: مََا هِيَ يقتضي أن يكون كناية متعلقة بما تضمنه سؤالهم، و لأنّ الأمر لو لم يكن على ما ذكرناه لم يكن ذلك جوابا لهم، بل كان يجب أن يكونوا سألوه عن شي‏ء فأجابهم عن غيره، و هذا لا يليق بالنبى عليه السلام.

على أنه لما أراد أن يكلّفهم تكليفا ثانيا عند تفريطهم فى الأول على ما يدعيه من ذهب إلى هذا المذهب قد كان يجب أن يجيبهم عن سؤالهم، و ينكر عليهم الاستفهام فى غير موضعه، و تفريطهم فيما أمروا به؛ مما لا حاجة بهم إلى الاستفهام عنه، فيقول فى جواب قولهم: مََا هِيَ :

____________

(1-1) حاشية الأصل: «ش: صفراء فاقعا لونها، و لا فارضا و لا بكرا» .

(2) حاشية الأصل (من نسخة) : أن يكونوا» .

38

إنما كلّفتم أىّ بقرة شئتم، و ما يستحق اسم بقرة، و قد فرّطتم فى ترك الامتثال، و أخطأتم فى الاستفهام، مع وضوح الكلام، إلاّ أنكم قد كلّفتم ثانيا كذا و كذا، لأن هذا مما يجب عليه بيانه؛ لإزالة الشك و الإبهام و اللبس؛ فلما لم يفعل ذلك، و أجاب بالجواب الّذي ظاهره يقتضي التعلّق بالسؤال علم أن الأمر على ما ذكرناه. وهب أنه لم يفعل ذلك فى أول سؤال، كيف لم يفعله مع تكرار الأسئلة و الاستفهامات التى لم تقع على هذا المذهب بموقعها؟و مع تكرر المعصية و التفريط كيف يستحسن أن يكون جميع أجوبته غير متعلّقة بسؤالاتهم؟لأنهم يسألونه/عن صفة شي‏ء فيجيبهم بصفة غيره من غير بيان؛ بل على أقوى الوجوه الموجبة لتعلّق الجواب بالسؤال؛ لأنّ قول القائل فى جواب من سأله ما كذا و كذا: إنه بالصفة الفلانية صريح فى أن الهاء كناية عمّا وقع السؤال عنه؛ هذا مع قولهم: إن البقر تشابه علينا، لأنهم لم يقولوا ذلك إلا و قد اعتقدوا أن خطابهم مجمل غير مبين، فلم لم يقل: أىّ تشابه عليكم إذ إنما أمرتم فى الابتداء بأىّ بقرة كانت، و فى الثانى بما اختص باللون المخصوص من أى البقر كان؟

فإن قيل: كيف يجوز أن يأمرهم بذبح بقرة لها جميع الصفات المذكورة إلى آخر الكلام و لا يبين ذلك لهم، و هل هذا إلا تكليف ما لا يطاق!

قلنا: لم يرد منهم أن يذبحوا البقرة فى الثانى من حال الخطاب؛ و لو كانت حال الفعل حاضرة لما جاز أن يتأخر البيان، لأن تأخيره عن وقت الحاجة هو القبيح الّذي لا شبهة فى قبحه، و إنما أراد أن يذبحوها فى المستقبل، فلو لم يستفهموا و يطلبوا البيان لكان قد ورد عليهم عند الحاجة إليه.

فإن قيل: إذا كان الخطاب غير متضمّن لصفة ما أمروا بذبحه، فوجوده كعدمه، و هذا يخرجه من باب الفائدة، و يوجب كونه عبثا!

قلنا: ليس يجب ما ظننتم؛ لأن القول و إن كان لم يفد صفة البقرة بعينها فقد أفاد تكليف ذبح بقرة على سبيل الجملة؛ و لو لم يكن ذلك معلوما قبل هذا الخطاب، لصار مفيدا من حيث ذكرنا،

39

و خرج من أن يكون وجوده كعدمه. و فوائد الكلام لا يجب أن يدخلها الاقتراح، و ليس يخرج الخطاب من تعلّقه ببعض الفوائد كونه غير متعلق بغيرها، و بما هو زيادة عليها.

فإن قيل: ظاهر قوله تعالى: فَذَبَحُوهََا وَ مََا كََادُوا يَفْعَلُونَ يدلّ على استبطائهم و ذمّهم على التقصير فى امتثال الأمر!

قلنا: ليس ذلك صريح ذمّ، لأن‏ كََادُوا للمقاربة، و قد يجوز أن يكون التكليف صعب عليهم لغلاء ثمن البقرة التى تكاملت لها تلك الصفات، فقد روى أنهم ابتاعوها بمل‏ء جلدها ذهبا.

على أن الذمّ يقتضي ظاهره أن يصرف إلى تقصيرهم أو تأخيرهم امتثال الأمر بعد/البيان التام، لأن قوله تعالى: وَ مََا كََادُوا يَفْعَلُونَ إنما ورد بعد تقدّم البيان التامّ المتكرر، و لا يقتضي ذمّهم على ترك المبادرة فى الأول إلى ذبح بقرة، فليس فيه دلالة على ما يخالف ما ذكرناه.

فإن قيل: لو ثبت تقديرا أن التكليف فى البقرة متغاير، أىّ القولين اللّذين حكيتموهما عن أهل هذا المذهب أصحّ و أشبه؟قلنا: قول من ذهب إلى أنّ البقرة إنما يجب أن تكون بالصفة الأخيرة فقط، لأن الظاهر به أشبه؛ من حيث إذا ثبت تغاير التكليف: و ليس فى قوله: إِنَّهََا بَقَرَةٌ لاََ ذَلُولٌ تُثِيرُ اَلْأَرْضَ إلى آخر الأوصاف ذكر لما تقدم من الصفات، و هذا التكليف غير الأول، فالواجب اعتبار ما تضمنه لفظه و الاقتصار عليه.

فأما «الفارض» فهى المسنّة، و قيل: هى العظيمة الضخمة؛ يقال: غرب فارض، أى ضخم، و الغرب الدلو؛ و يقال أيضا: لحية فارضة؛ إذا كانت عظيمة؛ و الأشبه بالكلام أن يكون المراد المسنّة.

فأما «البكر» فهى الصغيرة التى لم تلد، فكأنه تعالى قال: تكون غير مسنّة، و لا صغيرة.

40

و العوان: دون المسنّة و فوق الصغيرة؛ و هى النّصف التى ولدت بطنا أو بطنين؛ يقال:

حرب عوان إذا لم تكن أول حرب و كانت ثانية؛ و إنما جاز أن يقول: بَيْنَ ذََلِكَ «و بين» لا يكون إلا مع اثنين أو أكثر؛ لأن لفظة «ذلك» تنوب عن الجمل، تقول: ظننت زيدا قائما، و يقول القائل: قد ظننت ذلك.

و معنى‏ فََاقِعٌ لَوْنُهََا ، أى خالصة الصفرة، و قيل: إن كل ناصع اللون؛ بياضا كان أو غيره فهو فاقع. و قيل: إنه أراد بـ «صفراء» هاهنا سوداء.

و معنى قوله تعالى: لاََ ذَلُولٌ تُثِيرُ اَلْأَرْضَ أى تكون صعبة لا يذللها العمل فى إثارة الأرض و سقى الزرع.

و معنى‏ مُسَلَّمَةٌ ، مفعلة، من السلامة من العيوب، و قال قوم: مسلّمة من الشّية، أى لا شية فيها تخالف لونها.

و قيل: لاََ شِيَةَ فِيهََا ، أى لا عيب فيها؛ و قيل: لا وضح، و قيل: لا لون يخالف لون جلدها، و اللّه أعلم بما أراد، و إياه نسأل حسن التوفيق.

***

قال سيدنا أدام اللّه تمكينه: كنت أظن أن المتنبى قد سبق إلى معنى قوله فى مرثية أخت سيف الدولة:

/طوى الجزيرة حتّى جاءنى خبر # فزعت فيه بآمالى إلى الكذب‏ (1)

حتّى إذا لم يدع لى صدقه أملا # شرقت بالدّمع حتّى كاد يشرق بى‏

حتى رأيت هذا المعنى لمسلم بن الوليد الأنصارىّ، و للبحترىّ.

____________

(1) ديوانه 1: 87-88. الجزيرة: ما كان من الموصل إلى الفرات؛ و كان الخبر بوفاتها ورد إليه من حلب.

41

أما الّذي لمسلم فقوله فى قصيدة يرثى بها سهل بن الصباح:

وقف العفاة عليك من متحيّر # و له الرّجاء، و ذى غنى يسترجع‏

و مخادع السّمع النّعىّ و دونه # خطب ألمّ بصادق لا يخدع‏

و قال البحترى يرثى و صيفا التركيّ:

إذا جدّ ناعيه توهّمت أنه # يكرّر من أخباره قول مازح‏ (1)

و كنت أظن المتنبى قد سبق إلى قوله:

يحلّ القنا يوم الطّعان بعقوتى # فأحرمه عرضى، و أطعمه جلدى‏ (2)

حتى رأيت هذا المعنى و اللفظ بعينه لجهم بن شبل الكلابىّ من أهل اليمامة فى قوله:

ثنى قومه عن حدرجان و قد حنا # إلى الموت دامى الصّفحتين كليم‏ (3)

أخو الحرب، أمّا جلده فمجرّح # كليم، و أما عرضه فسليم‏ (4)

و كنت أظنّ البحترى قد سبق إلى معنى قوله فى الفتح بن خاقان:

حملت عليه السّيف، لا عزمك انثنى # و لا يدك ارتدّت، و لا حدّه نبا (5)

حتى وجدت لشاعر متقدم:

طعنت ابن دهمان بنجران طعنة # شققت بها عنه مضاعفة السّرد

فلا الكفّ أوهت بى، و لا الرّمح خاننى، # و لا الأدهم المنعوت حاد عن القصد

***

____________

(1) ديوانه 1: 121.

(2) ديوانه 2: 61. عقوتى؛ أى بقربى.

(3) فى حاشيتى الأصل، ت: «الحدرجان، بالكسر: القصير؛ قال ابن دريد فى كتاب الاشتقاق:

حدرجان: اسم رجل قتله أمير المؤمنين صلوات اللّه عليه؛ و هو فعللان؛ من قولهم: حدرجت السوط و غيره؛ إذا فتلته فتلا شديدا، و يجوز أن يكون من مقلوب دحرج» .

(4) التبيان 2: 61.

(5) ديوانه 1: 56.

42

قال محمد بن يحيى الصولىّ: وصف الناس صفرة اللون فى العلل؛ فكلّ حكى ذلك و بلا فضيلة إلاّ البحترى:

قال أعرابى من أبيات:

جعلت و ما عاينت عطرا كأنّما # جرى بين جلدى و العظام خلوق‏

/و قال أبو تمام:

لم تشن وجهه المليح و لكن # جعلت ورد وجنتيه بهارا (1)

و قال غيره:

و لم تشن شيئا و لكنّها # بدّلت التّفّاح بالياسمين‏

و قال بكر بن عيسى:

علة زعفرت مورّد خدّ # كاد من رقة و ريّ يفيض‏

و لأحمد بن يزيد المهلبى:

و قالوا عرت غراء حمى شديدة # فوجنتها منها شديد صفارها

فقلت لهم: هيهات هاتيك روضة # مضى وردها عنا، و جاء بهارها

و لأبى العتاهية:

و كأننى مما تطاول بى # منك السّقام طليت بالورس‏

و قال ابن المعتز:

و صفّرت علته وجهه # فصار كالدّينار من حقّ‏ (2)

____________

(1) ديوانه: 441.

(2) حاشية الأصل: «كذا فى ديوانه، و حق كلمة عراقية» أى حقيقة، أى هذا الّذي أقوله من جملة الحق، و قبله:

وا بأبي من جئته عائدا # فزادنى عشقا على عشق‏

.

43

و قال البحترىّ:

بدت صفرة فى لونه إنّ حمدهم # من الدّرّ ما اصفرّت نواحيه فى العقد

و جرّت على الأيدى مجسّة كفّه # كذلك موج البحر ملتهب الوقد

و ما الكلب محموما، و إن طال عمره # و لكنّما الحمّى على الأسد الورد

قال سيدنا أدام اللّه تمكينه: أما تشبيهه صفرة اللون بصفرة الدرّ فهو تشبيه مليح موافق لغرضه؛ إلاّ أنه أخطأ فى قوله:

... إنّ حمدهم # من الدّر ما اصفرّت نواحيه فى العقد

لأن ذلك ليس بمحمود بل مذموم؛ و لو شبّه و ترك التعليل لكان أجود.

***

و روى أبو العباس أحمد بن فارس المنبجىّ قال حدّثنا أبو أحمد عبيد اللّه بن يحيى بن البحترىّ قال حدثني أبى قال حدثنى جدّى البحترىّ قال: كنت عند أبى العباس المبرّد، فتذاكرنا شعر عمارة بن عقيل، فقال لى: لقد أحسن عمارة فى قوله لخالد بن يزيد لما وجّه إليه بهذين البيتين:

لم أستطع سيرا لمدحة خالد # فجعلت مدحيه إليه رسولا

/فليرحلنّ إلى نائل خالد # و ليكفينّ رواحلى التّرحيلا

قال البحترىّ: فقلت له: لمروان بن أبى حفصة فى عبد اللّه بن طاهر-و قد أتاه نائله من الجزيرة ما هو أحسن من هذا-و أنشدته:

لعمرى لنعم الغيث غيث أصابنا # ببغداد من أرض الجزيرة وابله‏

فكنّا كحىّ صبّح الغيث أهله # و لم ترتحل أظعانه و رواحله‏

فقال: نعم، هذا أحسن، فقلت له: إن لى فى بنى السّمط-و قد أتانى برّهم من حمص ما لا يتضع عن الجميع و أنشدته:

44

جزى اللّه خيرا-و الجزاء بكفّه- # بنى السّمط أخدان السّماحة و المجد

هم وصلونى و المهامة بيننا # كما ارفضّ غيث من تهامة فى نجد

فقال: هذا و اللّه أرقّ مما قالا و أحسن.

***

و روى أحمد بن فارس المنبجىّ عن عبيد اللّه بن يحيى بن البحترىّ قال حدثنا أبى عن جماعة من أهل العلم و الأدب، منهم يموت بن المزرّع قال: قلت لأبى عثمان الجاحظ: من أنسب العرب؟فقال: الّذي يقول:

عجلت إلى فضل الخمار فأثّرت # عذباته بمواضع التّقبيل‏ (1)

و هذا للبحترىّ فى القصيدة التى أوّلها:

*صبّ يخاطب مفحمات طلول‏ (2) *

قال سيدنا: و فى نسيب هذه القصيدة بيت ليس يقصر فى ملاحة الكلام و رشاقته، و أخذه بمجامع القلوب عن البيت الّذي فضله به الجاحظ، و هو:

أ أخيب عندك و الصّبا لى شافع # و أردّ دونك و الشّباب رسولى‏

و فى مديح هذه القصيدة بيت معروف بفرط الحسن، و هو:

لا تطلبنّ له الشّبيه فإنّه # قمر التأمّل مزنة التأميل‏

***

و بهذا الإسناد عن يحيى بن البحترىّ قال: انصرفت يوما من مجلس أبى العباس محمد بن يزيد المبرّد/فقال لى البحترىّ أبى: ما الّذي أفدت يومك هذا من أبى العباس؟قلت:

أملى عليّ أخبارا حسنة، و أنشدنى أبياتا للحسين بن الضحاك، فقال أبى: أنشدنى الأبيات، فأنشدته:

كأنّى إذا فارقت شخصك ساعة # لفقدك بين العالمين غريب‏

____________

(1) عذاباته: جوانبه و أهدابه.

(2) ديوانه 2: 205-207.

45

و قد رمت أسباب السّلوّ فخاننى # ضمير عليه من هواك رقيب‏

أغرّك صفحى عن ذنوب كثيرة # و غضّى على أشياء منك تريب‏

كأن لم يكن فى النّاس قبلى متيّم # و لم يك فى الدّنيا سواك حبيب‏

إلى اللّه أشكو إن شكوت فلم يكن # لشكواى من عطف الحبيب نصيب‏

فقال: ما أحسن هذا الكلام!و أنشدنى لنفسه:

حبيبى حبيب يكتم النّاس أنّه # لنا حين تلقانا العيون حبيب‏

يباعدنى فى الملتقى و فؤاده # و إن هو أبدى لى البعاد قريب‏

و يعرض عنّى و الهوى منه مقبل # إذا خاف عينا أو أشار رقيب‏

فتنطق منّا أعين حين نلتقى # و تخرس منّا ألسن و قلوب‏

ثم قال: ارويا بنيّ هذين؛ فإنهما من حسن الشّعر و طريفه.

***

روى أحمد بن فارس المنبجيّ عن أبى نصر محمد بن إسحاق النحوىّ قال: سمعت بعض أهل الأدب يقول للزجاج: قد كنت تعرف أبا العباس المبرّد و كبره، و أنه لم يكن يقوم لأحد و لا يتطاول له، و ينشد إذا أشرف عليه الرجل:

*ثهلان ذو الهضبات لا يتحلحل‏ (1) *

و لقد رأيته يوما و قد دخل عليه رجل متدرع، فقام إليه أبو العباس فاعتنقه و تنحّى عن موضعه و أجلسه، فجعل الرجل يكفه و يستعفيه من ذلك؛ فلما أكثر من ذلك عليه أنشده أبو العباس:

أ تنكر أن أقوم و قد بدا لي # لأكرمه و أعظمه هشام‏

فلا تنكر مبادرتى إليه # فإنّ لمثله خلق القيام‏ (1)

/فلما انصرف الرجل سألت عنه فقيل لى هذا البحترىّ.

____________

(1) البيتان و الخبر فى طبقات النحويين و اللغويين للزبيدى: 114.

46

مجلس آخر 53

تأويل آية لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مََا أَنَا بِبََاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخََافُ اَللََّهَ رَبَّ اَلْعََالَمِينَ.

`إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَ إِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحََابِ اَلنََّارِ وَ ذََلِكَ جَزََاءُ اَلظََّالِمِينَ

إن سأل سائل عن قوله تعالى فى قصة قابيل و هابيل حاكيا عن هابيل: لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مََا أَنَا بِبََاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخََافُ اَللََّهَ رَبَّ اَلْعََالَمِينَ.

`إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَ إِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحََابِ اَلنََّارِ وَ ذََلِكَ جَزََاءُ اَلظََّالِمِينَ ؛ [المائدة: 28، 29].

فقال: كيف يجوز أن يخبر عن هابيل-و قد وصفه بالتقوى و الطاعة-بأنه يريد أن يبوء أخوه بالإثم؛ و ذلك إرادة القبيح، و إرادة القبيح قبيحة عندكم على كل حال؛ و وجه قبحها كونها إرادة لقبيح، و ليس قبحها مما يتغير؟

و كيف يصحّ أن يبوء القاتل بإثمه و إثم غيره؟و هل هذا إلا ما تأبونه من أخذ البري‏ء بجرم السقيم؟

الجواب، قلنا: جواب أهل الحق عن هذه الآية معروف؛ و هو أن هابيل لم يرد من أخيه قبيحا، و لا أراد أن يقتله، و إنما أراد ما خبر اللّه تعالى عنه من قوله: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَ إِثْمِكَ ؛ أى إنى أريد أن تبوء بجزاء ما أقدمت عليه من القبيح و عقابه، و ليس بقبيح أن يريد نزول العقاب المستحق بمستحقّه. و نظير قوله: «إثمى» ؛ مع أن المراد به عقوبة إثمى؛ الّذي هو قتلى قول القائل لمن يعاقب على ذنب جناه: هذا ما كسبت يداك، و المعنى: هذا جزاء ما كسبت يداك، و كذلك قولهم لمن يدعون عليه: لقّاك اللّه عملك، و ستلقى عملك يوم القيامة، معناه ما ذكرناه. ـ

47

فإن قيل: كيف يجوز أن يحسن إرادة عقاب غير مستحق لم يقع سببه؛ لأن القتل على هذا القول لم يكن واقعا؟

قلنا: ذلك جائز بشرط وقوع الأمر الّذي يستحقّ به العقاب؛ فهابيل لمّا رأى من أخيه التصميم على قتله، و العزم على إمضاء القبيح فيه، و غلب على ظنه وقوع ذلك جاز أن يريد عقابه؛ بشرط أن يفعل ما همّ به، و عزم عليه.

فأما قوله: بِإِثْمِي وَ إِثْمِكَ فالمعنى فيه واضح لأنه أراد بإثمى عقاب قتلك لى و بإثمك أى عقاب المعصية التى أقدمت عليها من قبل؛ فلم يتقبل قربانك لسببها، لأن اللّه تعالى أخبر عنهما بأنهما: قَرَّبََا قُرْبََاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمََا/وَ لَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ اَلْآخَرِ ، و أن العلة فى أن قربان أحدهما لم يتقبل أنه غير متق، و ليس يمتنع أن يريد بإثمى ما ذكرناه؛ لأن الإثم مصدر، و المصادر قد تضاف إلى الفاعل و المفعول جميعا، و ذلك مستعمل مطرد فى القرآن و الشعر و الكلام.

فمثال ما أضيف إلى الفاعل قوله تعالى: وَ لَوْ لاََ دَفْعُ اَللََّهِ اَلنََّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ ؛ [الحج: 40]و من إضافته إلى المفعول قوله تعالى: لاََ يَسْأَمُ اَلْإِنْسََانُ مِنْ دُعََاءِ اَلْخَيْرِ وَ إِنْ مَسَّهُ اَلشَّرُّ ؛ [فصلت: 51]و قوله تعالى: لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤََالِ نَعْجَتِكَ إِلى‏ََ نِعََاجِهِ ؛ [ص: 24].

و مما جاء فى الشعر من إضافته إلى المفعول و معه الفاعل قول الشاعر:

أ من رسم دار مربع و مصيف # لعينيك من ماء الشّئون و كيف‏ (1)

____________

(1) البيت للحطيئة، ديوانه: 39؛ و هو مطلع قصيدة يمدح فيها سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص؛ حينما كان واليا على المدينة. الشئون: مجارى الدمع من الرأس إلى العين؛ واحدها شأن، و وكيف :

مصدر وكف ، أى سال. و فى حاشية الأصل: » يقول: أ أن رسم دارا مربع و مصيف بكيت!و المربع و المصيف واردان مورد المصدر، فلذلك عملا فى رسم دار» .

48

و فى الكلام: يقول القائل: أعجبنى ضرب عمرو خالدا، إذا كان «عمرو» فاعلا، و ضرب عمرو خالد إذا كان «عمرو» مفعولا.

و قد ذكر قوم فى الآية وجها آخر؛ و هو أن يكون المراد: إنى أريد زوال أن تبوء بإثمى و إثمك؛ لأنه لم يرد له إلا الخير و الرّشد؛ فحذف «الزوال» ، و أقام «أن» و ما اتصل بها مقامه؛ كما قال تعالى: وَ أُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ اَلْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ ؛ [البقرة: 93]أراد «حبّ العجل» فحذف «الحب» و أقام «العجل» مقامه، و كما قال تعالى: وَ سْئَلِ اَلْقَرْيَةَ ؛ [يوسف: 82]، و هذا قول بعيد، لأنه لا دلالة فى الكلام على محذوف، و إنما تستحسن العرب الحذف فى بعض المواضع لاقتضاء الكلام المحذوف و دلالته عليه.

و ذكر أيضا وجه آخر و هو أن يكون المعنى: إنى أريد ألاّ تبوء بإثمى و إثمك، أى أريد ألاّ تقتلنى و لا أقتلك، فحذف «لا» و اكتفى بما فى الكلام‏ (1) ، كما قال تعالى: يُبَيِّنُ اَللََّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا ؛ [النساء: 176]، معناه ألاّ تضلوا، و كقوله تعالى: وَ أَلْقى‏ََ فِي اَلْأَرْضِ رَوََاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ ؛ [النحل: 15]، معناه ألا تميد بكم، و كقول الخنساء:

فأقسمت آسى على هالك # و أسأل نائحة ما لها (2)

أرادت: «لا آسى» .

و قال امرؤ القيس:

فقلت يمين اللّه أبرح قاعدا # و لو قطعوا رأسى لديك و أوصالى‏ (3)

أراد «لا أبرح» .

____________

(1) حاشية الأصل (من نسخة) : (بباقى الكلام» : .

(2) ديوانها، 202 و الرواية هناك:

يد الدّهر آسى على هالك # و أسأل نائحة ما لها

.

(3) ديوانه: 58.

49

و قال عمرو بن كلثوم:

نزلتم منزل الأضياف منّا # فعجّلنا القرى أن تشتمونا (1)

أراد ألاّ (2) تشتمونا؛ و الشواهد فى هذا كثيرة جدّا.

و هذا الجواب يضعّفه كثير من أهل العربية؛ لأنهم لا يستحسنون إضمار «لا» فى مثل هذا الموضع.

فأما قوله تعالى حاكيا عنه: لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مََا أَنَا بِبََاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ ؛ فقال قوم من المفسرين: إن القتل على سبيل الانتصار و المدافعة لم يكن مباحا فى ذلك الوقت؛ و إن اللّه تعالى أمره بالصبر عليه، و امتحن بذلك، ليكون هو المتولّى للانتصاف.

و قال آخرون: بل المعنى أنك إن بسطت إلى يدك مبتدئا ظالما لتقتلنى ما أنا بباسط يدى إليك على وجه الظلم و الابتداء؛ فكأنه نفى عن نفسه القتل القبيح، و هو الواقع على سبيل الظلم.

و الظاهر من الكلام بغير ما ذكر من الوجهين أشبه، لأنه تعالى خبّر عنه أنه و إن بسط أخوه إليه يده ليقتله لا يبسط يده ليقتله؛ أى و هو مريد لقتله و مخير (3) إليه؛ لأن هذه اللام بمعنى «كى» ، و هى منبئة عن الإرادة و الغرض؛ و لا شبهة فى حظر ذلك و قبحه؛ و لأن المدافع إنما تحسن منه المدافعة للظالم طلبا للتخلص‏ (4) من غير أن يقصد إلى قتله أو الإضرار به؛ و متى قصد ذلك كان فى حكم المبتدئ بالقتل؛ لأنه‏ (5) فاعل القبيح، و العقل شاهد بوجوب التخلص من المضرة بأى وجه يمكن منه؛ بعد أن يكون غير قبيح.

____________

(1) من المعلقة، ص 235-بشرح التبريزى.

(2) حاشية الأصل (من نسخة) : «لئلا تشتمونا» .

(3) حاشية ف (من نسخة) : «مختار له» .

(4) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «طلبا للنجاة» ، م: «طلب التخلص» .

(5) من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «فى أنه» .

50

فإن قيل: فكأنكم تمنعون من حسن امتحان اللّه تعالى بالصبر على ترك الانتصار و المدافعة و توجبونهما على كل حال!

قلنا: لا نمنع من ذلك؛ و إنما بيّنا أن الآية غير مقتضية لتحريم المدافعة و الانتصاف؛ على ما ذهب إليه قوم؛ لأن قوله: لَأَقْتُلَنَّكَ يقتضي أن يكون البسط لهذا الغرض؛ و المدافعة لا تقتضى ذلك، و لا يحسن من المدافع أن يجرى بها إلى ضرر (1) ؛ فلا دلالة فى الآية على تحريم المدافعة، و وجب أن يكون ما ذكرناه أولى بشهادة الظاهر.

تأويل خبر «لا يموت لمؤمن ثلاثة من الأولاد فتمسه النار إلا تحلّة القسم.

إن سأل سائل عن معنى الخبر الّذي رواه أبو هريرة عن النبي صلى اللّه عليه و آله أنه قال: / «لا يموت لمؤمن ثلاثة من الأولاد فتمسه النار إلا تحلّة القسم.

الجواب، قيل له: أما أبو عبيد القاسم بن سلاّم فإنه قال: يعنى بتحلّة القسم قوله تعالى:

وَ إِنْ مِنْكُمْ إِلاََّ وََارِدُهََا كََانَ عَلى‏ََ رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا ؛ [مريم: 71]، فكأنه قال عليه السلام: لا يرد النار إلا بقدر ما يبرّر اللّه قسمه.

و أما ابن قتيبة فإنه قال فى تأويل أبى عبيد: هذا مذهب حسن من الاستخراج؛ إن كان هذا قسما.

قال: و فيه مذهب آخر أشبه بكلام العرب و معانيهم؛ و هو أن العرب إذا أرادوا تقليل مكث الشي‏ء و تقصير مدّته شبهوه بتحلّة القسم؛ و ذلك أن يقول الرجل بعد حلفه: إن شاء اللّه، فيقولون: ما يقيم فلان عندنا إلا تحلّة القسم، و ما ينام العليل إلا كتحليل الأليّة، و هو كثير مشهور.

قال ابن أحمر (2) و ذكر الريح:

____________

(1) ف، و حاشية الأصل (من نسخة) : «إلى الضرر» .

(2) ف: «مزاحم بن أحمر» .

51

إذا عصبت رسما فليس بدائم # به وتد إلا تحلّة مقسم‏ (1)

يقول: لا يثبت الوتد إلاّ قليلا كتحلّة القسم، لأن هبوب الريح يقلعه.

و قال آخر (2) يذكر ثورا:

يخفى التّراب بأظلاف ثمانية # فى أربع، مسّهنّ الأرض تحليل‏ (3)

يقول: هو سريع خفيف؛ فقوائمه لا تثبت فى الأرض إلا كتحليل اليمين.

و قال ذو الرّمة:

طوى طيّه فوق الكرى جفن عينه # على رهبات من جنان المحاذر (4)

قليلا كتحليل الألى ثمّ قلّصت # به شيمة روعاء تقليص طائر (5)

و الألى: جمع ألوة، و هى اليمين.

قال: و معنى الخبر على هذا التأويل أن النار لا تسمه إلا قليلا كتحليل اليمين ثم ينجّيه اللّه منها.

و قال أبو بكر محمد بن القاسم الأنبارىّ: الصواب قول أبى عبيد، لحجج ثلاث:

منها أن جماعة من كبار أهل العلم فسّروه على تفسير أبى عبيد.

و منها أنه ادّعى أن النار تمسّ الّذي وقعت منزلته عند اللّه جليلة، لكن مسّا قليلا، و القليل لا يقع به الألم العظيم؛ و ليس صفة الأبرار فى الآخرة صفة من تمسّه النار لا قليلا و لا كثيرا.

____________

(1) حاشية الأصل: «أى ضمته و أحاطت به» . و فى ف، ش: «عصفت» .

(2) هو عبدة بن الطبيب، من قصيدة له فى المفضليات 135-145 (طبعة المعارف) .

(3) فى حاشيتى الأصل، ف: «يخفى‏[بفتح الياء]، أى يظهر و يثير؛ يقال: أخفى إذا ستر، و خفى إذا ظهر» . فى أربع: أربع قوائم، فى كل قائمة ظلفان. تحليل: تحلة القسم؛ كأنه أقسم أن يمس الأرض؛ فهو يتحلل من قسمه بأدنى مس.

(4) ديوانه: 264؛ و فى حاشية الأصل: «يصف صاحب سفر أغفى إغفاءة ثم انتبه سريعا» .

(5) قلصت؛ أى ارتفعت. و الشيمة: الطبيعة. روعاء: حديدة.

52

و منها أنّ أبا عبيد لم يحكم على هذا المصاب بولده بمسّ النار، و إنما حكم عليه بالورود، /و الورود لا يوجب ألاّ يكون من الأبرار؛ لأن «إلاّ» معناه الاستثناء المنقطع، فكأنه قال: فتمسّه النار لكن تحلّة اليمين، أى لكن ورود النار لا بدّ منه، فجرى مجرى قول العرب: سار الناس إلا الأثقال، و ارتحل العسكر إلاّ أهل الخيام، و أنشد الفرّاء:

و سمحة المشى شملال قطعت بها # أرضا يحار بها الهادون ديموما (1)

مهامها و حزونا لا أنيس بها # إلاّ الصّوائح و الأصداء و البوما (2)

و أنشد الفراء أيضا:

ليس عليك عطش و لا جوع # إلاّ الرقاد، و الرّقاد ممنوع‏

فمعنى الحديث: لا يموت للمسلم ثلاثة من الولد فتمسه النار البتة، لكن تحلّة اليمين لا بدّ منها، و تحلّة اليمين الورود، و الورود لا يقع فيه مسّ.

و قال أبو بكر: و قد سنح لى فيه قول آخر: و هو أن تكون «إلا» زائدة دخلت للتوكيد، و «تحلّة» اليمين منصوب على الوقت و الزمان، و معنى الخبر: فتمسه النار، وقت تحلّة القسم، و «إلا» زائدة.

قال الفرزدق شاهدا لهذا:

هم القوم إلاّ حيث سلّوا سيوفهم # و ضحّوا بلحم من محلّ و محرم‏ (3)

معناه: هم القوم حيث سلّوا سيوفهم، و «إلا» مؤكدة.

و قال الأخطل:

يقطّعن إلاّ من فروع يردنها # بمدحة محمود نثاه و نائله‏ (4)

معناه يقطعون من فروع يردنها، و الفروع: الواسعة من الأرض.

____________

(1) سمحة المشى: سهلة المشى. و الشملال: الناقة السريعة. و الديموم و الديمومة. الفلاة يدوم السير فيها لبعدها.

(2) لا أنيس بها: لا أحد بها. و الضوابح: جمع ضابح، و الضباح صوت الثعالب. و الأصداء:

جمع صدى، و هو الهامة.

(3) ديوانه 2: 760.

(4) ديوانه: 63 و من نسخة بحاشيتى الأصل، ف: «و يقطعن» . و فى الديوان:

*إليكم من الأغوار حتى يزرنكم*

.