الحلقة الثالثة؛ أسئلة وأجوبة - ج2

- علي حسن‏ المطر المزيد...
233 /
5

المدخل‏

الحمد لله رب العالمين، و صلّى الله على محمد و آلِ بيته الطاهرين.

هذا هو القسم الثاني من كتاب (الحلقة الثالثة- أسئلة و أجوبة)، الذي حاولت فيه تقديم خدمة متواضعة لطلبة العلوم الدينيّة، بتوضيح المادة العلمية للحلقة الثالثة من كتاب (دروس في علم الأصول) للشهيد الصدر (قدس سره) عن طريق تحليلها و عرضها بصورة أسئلة و أجوبة، و قد حثّني على انجازه ما حظي به القسم الأوّل من اقبال الطلاب، و رضا و تشجيع العلماء الأفاضل من مدرّسي الكتاب و غيرهم.

أسأل الله تعالى أن يتقبّل منّي هذا العمل بحسن قبوله، و أن يوفّق الجميع للعلم و العمل الصالح.

السيد علي حسن مطر الهاشمي‏

الخميس 23 صفر 1419 ه-

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

خصائص الاصول العملية

1- ما معنى قولهم: إِنَّ الأصول العمليّة نوع من الأحكام الظاهريّة الطريقيّة؟

- معنى كون الأصول العملية أحكاماً ظاهرية: أنها لا تكشف عن الحكم الشرعي الواقعي، بل تعيّن للمكلف الموقف العملي تجاه الحكم الواقعي المشكوك، و معنى كونها أحكاماً طريقيّة: أنها ليست أحكاماً نفسيّة ناشئة من ملاكات في متعلّقاتها، و إنما هي مجعولة للتحفظ على ملاكات الأحكام الواقعيّة المشكوكة.

2- قال النائيني: إِنَّ الفرق بين الأَمارة و الأصل- مع أَنَّ المجعول في كلٍّ منهما حكم ظاهريّ- راجع لاختلافهما في سنخ المجعول في دليل حجيّة الأمارة، و في دليل الأصل، بيّن مراده بذلك.

- مراده: أَنَّ المجعول في الأَمارات هو العلميّة و الطريقيّة، و أَنَّ حكم الشارع بحجيّة خبر الثقة مثلًا، معناه جعله كاشفاً عن مؤدّاه بالتعبد، و أما المجعول في الأصول فهو الوظيفة العمليّة، أما بلسان جعل التنجيز و التعذير كما في أصالة الاحتياط و البراءة، أو بلسان تنزيل الشك منزلة اليقين من حيث الجري العملي كما في الاستصحاب، أو تنزيل المشكوك منزلة المتيقن كما في أصالة الحلّ.

3- فرَّق النائيني بين الأمارة و الأصل بكون المجعول في دليل حجيّة الأَمارة هو العلميّة و الطريقيّة، و المجعول في دليل الأصل هو الوظيفة العمليّة، أو التنزيل منزلة اليقين بلحاظ الجري العملي، بيّن تعقيب السيّد الشهيد على ذلك.

8

- تعقيبه: أَنَّ هذا ليس هو الفارق الحقيقي بينهما؛ لأننا نعبّر بالأمارة عن الحجّة التي تثبت الأحكام الشرعية المترتبة على اللوازم العقليّة لمؤدّاها، و نعبّر بالأصل عن الحكم الظاهري الذي لا تثبت أحكام اللوازم العقليّة لمؤدّاه، و مجرد كون المجعول في دليل الحجيّة هو الطريقيّة، لا يكفي لإثبات حجيّة الأمارة في إثبات أحكام اللوازم العقليّة لمؤدّاها، دون الأصل.

4- قيل: إِنَّ الفرق بين الأَمارة و الأصل ينشأ من أخذ الشك في الحكم الواقعي موضوعاً للأصل العملي، و عدم أخذه في موضوع الحجيّة المجعولة للأَمارة، بيّن تعقيب السيّد الشهيد على هذا القول.

- عقّب عليه أوّلًا بأَنّ أخذ الشك في موضوع حجيّة الأصل دون الأَمارة لا يوضّح سبب كون الأمارة حجّة في إثبات لوازمها العقليّة دون الأصل، و ثانياً بأنّه غير معقول في نفسه؛ لأنَّ الحجيّة حكم ظاهريّ، فإِن لم يكن الشكّ مأخوذاً في موضوعها عند جعلها، لزم إطلاقها لحالة العلم، و جعل الأمارة حجة على العالم بالحكم الواقعي غير معقول.

5- قيل: إِنَّ الشكَّ مأخوذ في حجيّة الأَمارة مورداً لا موضوعاً، اذكر الدافع لهذا القول.

- الدافع اليه: أَنَّ صاحب هذا القول ادّعى أَنَّ الشك في الحكم الواقعي مأخوذ في موضوع دليل الأصل دون موضوع حجيّة الأمارة، فأشكل عليه بأَنَّ الأمارة حكم ظاهريّ لا بد من أخذ الشك فيها، و إِلّا كانت شاملة للعالم بالحكم و هو غير معقول، فلرفع هذا الاشكال ادعى القائل أخذ الشك في حجيّة الأمارة، و لكن بنحو المورديّة لا الموضوعيّة، أي أَنّ الحجيّة مجعولة للأَمارة في ظرف الشك و مورده، لا أَنَّ الشك قيد في موضوع هذه الحجيّة.

6- قيل: إِنَّ الشكَّ مأخوذ في حجيّة الأمارة مورداً لا موضوعاً، بيّن ما يرد على هذا القول.

- يردُ عليه: أننا لا نتعقّل في عالم الجعل أخذ الشك بنحو الظرف و المورد تارة، و بنحو القيد و الموضوع أخرى؛ فإِنَّ الحجيّة إِن كانت ثابتة للمكلّف الشاك بالحكم الواقعي فقط، لزم من ذلك كون الشك قيداً و موضوعاً للحجيّة، و ان كانت ثابتة لغير الشاك أيضاً، لزم من ذلك شمول حجيّة الأمارة للعالم بالحكم، و هو غير معقول.

7- قيل: إِنَّ الفرق بين الأصل و الأمارة ينشأ من أخذ الشك في لسان دليل الأصل،

9

و عدم أخذه في لسان دليل حجيّة الأمارة، أي أنَّ الفرق راجع الى مقام الإثباتِ و الدليل، و اما في مقام الثبوت و الجعل فالشك مأخوذ فيهما معاً، بيّن ما يرد على هذا القول.

- يرد عليه، أوّلًا: أَنَّ أخذ الشك في لسان الدليل و عدم أخذه، لا يفسّر حجيّة الأَمارة في إثبات لوازمها العقليّة دون الأصل، و ثانياً: أَنّه قد يتفق أخذ الشك في لسان دليل حجية الأمارة كقوله تعالى: (فاسألوا أهل الذكر إِن كنتم لا تعلمون‏)، فيلزم من ذلك أن يكون الخبر أصلًا، و لا يقول بذلك أحد.

8- قال السيّد الشهيد: إِنَّ التفريق بين الأصل و الأَمارة على أساس أخذ الشك في لسان دليل الأصل دون لسان دليل حجيّة الأَمارة، قد يثمر في تقديم دليل الأمارة على دليل الأصل بالحكومة، اشرح مراده بذلك.

- مراده: أَنَّ القائل بالتفرقة المذكورة يرى أَنَّ الاستصحاب أمارة كخبر الثّقة، فإِن أشكل عليه بأَنه ما هو المصحح لتقديم خبر الثقة على الاستصحاب عند التعارض، مع أَنّ كليهما أمارة؟ كان الجواب على رأيه: أَنّ دليل حجيّة الخبر لم يؤخذ في لسانه الشك، فيكون حجة في جميع الحالات ما لم يحصل علم وجداني بالحكم، و الاستصحاب إِنما يحقق العلم التعبدي دون الوجداني، و أما الاستصحاب فقد أخذ في لسان دليله الشك، و هو يرتفع بالعلم التعبدي الذي يحققه قيام الخبر الحجة على الحكم، و هذا معنى تقدم الخبر على الاستصحاب بالحكومة.

9- بيّن رأي السيّد الشهيد في التفرقة بين الأمارة و الأصل العملي، و بيّن ميزته على بقيّة الآراء المطروحة بشأن التفرقة بينهما.

- رأيهُ: أنَّ الأصل حكم ظاهري لوحظت فيه أهميّة المحتمل عند اختلاط الملاكات الواقعيّة و تزاحمها في مقام الحفظ التشريعي، و أما حجيّة الأمارة فهي حكم ظاهري لوحظت فيه كاشفيّة الأمارة و قوّة احتمال إصابتها للحكم الواقعي، و ميزة هذا الرأي أنه يصحح حجيّة الأمارة في إثبات اللوازم العقلية لمؤدّاها دون الأصل؛ لأَنَّ ملاك حجيّة الأَمارة هو كاشفيتها عن الواقع، و درجة هذه الكاشفيّة عن المدلول المطابقي مساوية لدرجة الكاشفيّة عن المدلول الالتزامي.

10

الاصول العملية الشرعية و العقليّة.

10- عرّف بالأصول العمليّة الشرعيّة مع التمثيل.

- الأصول العملية الشرعية هي: أحكام شرعيّة ظاهريّة ناشئة من أهميّة المحتمل، و مثالها: أصالة الحل، الناشئة من أهميّة ملاك الحليّة المحتملة.

11- عرّف بالأصول العمليّة العقليّة، و مثّل لها.

- الأصول العملية العقليّة هي: وظائف عمليّة ترجع الى مدركات العقل العملي فيما يرتبط بحق الطاعة، كقاعدة (الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني) الرّاجعة الى ثبوت حق الطاعة للمولى بتحصيل الامتثال بنحو اليقين دون الظنّ و الاحتمال، و قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) الرّاجعة لانحصار حق الطاعة بالتكاليف المعلومة، و قاعدة (حق الطاعة) الراجعة الى شمول حقّ الطاعة للتكاليف المحتملة.

12- وضّح المراد بقولهم: ليس من الضروري وجود أصل عمليّ شرعيّ في كلِّ مورد من موارد الشّك.

- توضيحه: أَنَّه لا يلزم أَنْ يجعل الشارع للمكلَّف أصلًا عمليّاً في كلِّ موارد الشك في الحكم الشرعي؛ إذ قد يوكل الشارع تحديد الوظيفة العمليّة للشاك الى ما يحكم به عقله العملي.

13- قارن بين الأصل العملي العقلي و الشرعي من حيثُ الوجودُ في كلّ مورد من موارد الشك.

- الأصل العقلي موجود في كلّ موارد الشك؛ لأنّ العقل أما أن يدرك شمول حق الطاعة للواقعة المشكوكة فيحكم بالاشتغال، أو يدرك عدم الشمول فيحكم بالبراءة، و أما الأصل الشرعي، فلا يلزم توفّره في كلّ موارد الشكّ؛ لأَنّ الشارع قد لا يحدد الوظيفة العمليّة للشاك، بل يترك ذلك الى ما يحكم به عقله العملي.

14- علّل لانحصار الأصول العقليّة في أصلي الاشتغال و البراءة.

- علّة ذلك: أَنَّ الأصول العقليّة مردّها الى إدراك العقل فيما يرتبط بحقّ الطاعة للمولى إِثباتاً و نفياً، و العقل أَما أَنْ يدرك شمول حق الطاعة للواقعة المشكوكة فيحكم بالاحتياط، أو

11

يدرك عدم الشمول فيحكم بالبراءة، و ليس هناك حالة ثالثة يتردد فيها العقل فلا يحكم بشي‏ء، لكي ينشأ من ذلك أصل عمليّ ثالث.

15- قيل: قد يفترض أصل عمليّ عقلي ثالث مضافاً الى أصالتي الاشتغال و البراءة، و هو أصالة التخيير في موارد دوران الأمر بين المحذورين (الحرمة و الوجوب)، بيّن الاعتراض على هذا الافتراض.

- يعترض عليه بأَنَّ التخيير إِن أريد به دخول جامع التكليف في العهدة على وجه التخيير بين الفعل و الترك، فهو غير معقول؛ لأن الجامع بين الفعل و الترك حينئذ ضروري الوقوع، فالالتزام بأحدهما يكون أمراً بتحصيل الحاصل، و إِن أريد به عدم إِلزام المكلّف عقلًا بفعل و لا ترك، فهذا معقول، لكنه عين أصالة البراءة، و ليس أصلًا ثالثاً مستقلًّا.

16- الأصول العمليّة العقليّة محصورة بالاشتغال و البراءة، فما هي الحال بالنسبة للأصول الشرعيّة؟

- الأصول الشرعيّة ليست منحصرة بالاشتغال و البراءة، بل هي تابعة لطريقة جعلها من قبل الشارع؛ فقد تكون استصحاباً مثلًا.

17- اذكر الدليل على أَنَّ الأصول العمليّة العقلية لا يعقل وقوع التعارض بينها لا ثبوتاً و لا إِثباتاً.

- أما عدم التعارض بينها في مقام الثبوت فدليله: أن الأصول العقلية هي أحكام عقليّة، و لا يمكن أن يحكم العقل بحكمين متنافيين، كالحكم بثبوت حقّ الطاعة في مورد، و عدم ثبوته فيه، و اما عدم تعارضها في مقام الإثبات و الدليل؛ فلأَنّ مقام إِثباتها هو عين مقام ثبوتها و إدراك العقل لها، فلا يقع التعارض بينها؛ لعدم تعارض الأحكام العقلية في مقام الثبوت.

18- بيّن مراد المصنّف (قدس سره) بقوله: الأصول العمليّة الشرعيّة يعقل التعارض بينها إثباتاً.

- مراده: أَنَّ التعارض بين الأصول الشرعية لا يمكن وقوعه في عالم الجعل و الثبوت؛

إِذ لا يعقل أَنْ يُصدر الشارع حكمين ظاهريين متنافيين، نعم يقع التعارض بينها في عالم الإثبات، أي: في لسان أدلتها، كالشكّ في بقاء وجوب الجمعة زمن الغيبة؛ فإِنَّ مقتضى دليل البراءة

12

عدم ثبوته؛ لكون الدليل مطلقاً و شاملًا للشك المسبوق باليقين، بينما مقتضى دليل الاستصحاب ثبوته.

19- لا يعقل التعارض بين الأصول العمليّة الشرعيّة و الأصول العملية العقليّة، بيّن علّة ذلك.

- علّته: أَنَّ الأصلين إذا كانا متوافقين مضموناً، كأصل البراءة العقلي و أصل البراءة الشرعي، فإنَّ عدم التعارض بينهما واضح، و ان كانا مختلفين، فإِنْ كان الأصل العقلي معلّقاً على عدم الأصل الشرعي المخالف، كان الأصل الشرعي وارداً على العقلي و رافعاً لموضوعه، و إِنْ لم يكن الأصل العقلي معلّقاً، بل كان منجّزاً مطلقاً، امتنع ثبوت الأصل الشرعي في مورده.

20- متى يمكن ثبوت الأصل العملي الشرعي في مورد الأصل العقلي المخالف له في المضمون، و متى لا يمكن ذلك، اشفع إجابتك بالتمثيل.

- يمكن ذلك في حالة كون الأصل العقلي معلّقاً على عدم ورود الأصل الشرعي على الخلاف، و مثاله أصالة الاحتياط التي يحكم بها العقل عند احتمال التكليف- على رأي الشهيد الصدر- فهي معلّقة على عدم الترخيص الشرعي، فتكون أصالة البراءة الشرعية واردة عليها، و لا يمكن ذلك حالة كون الأصل العقلي غير معلّق، و مثاله حكم العقل بمنجزية العلم الاجمالي بنحو العليّة، فلا يمكن ثبوت البراءة الشرعية و شمولها لأطراف العلم الاجمالي، بل تختص بالشك البدوي.

الاصول التنزيلية و المحرزة

21- عرّف بالأصول العمليّة الشرعيّة البحتة، و مثّل لها.

- هي الأصول التي تنشئ وظائف عمليّة ترخيصيّة أو الزاميّة دون أن تكون ناظرة الى الأحكام الواقعيّة؛ و مثالها: أصالة البراءة؛ فإنها تجعل الترخيص و المعذريّة للمكلّف غير العالم‏

بالحكم الواقعي، دون نظر الى الواقع، و لذا لا نجد فيها تنزيلًا للحكم المشكوك منزلة الواقع، و لا تنزيلًا للشك منزلة اليقين.

22- عرّف بالأصل العملي التنزيلي، و مثّل له.

13

- هو الأصل الذي يجعل فيه الحكم الظاهري بلسان تنزيل المشكوك منزلة الواقع، و مثاله: أصالة الطهارة، فقوله (عليه السلام): كل شي‏ء لك طاهر حتى تعلم أنه قذر، يجعل الوظيفة العمليّة للمكلّف الشاك في الطهارة، بلسان تنزيل مشكوك الطهارة منزلة الطاهر واقعاً.

23- هناك رأيان في تحديد الحكم الظاهري المستفاد من أصالة الطهارة و أصالة الحلّ، عرّف بهذين الرأيين.

- أحد الرأيين: أَنَّ كلًّا من هذين الأصلين ينشئ حكماً ظاهريّاً تنزيلياً، بلسان تنزيل مشكوك الطهارة و الحليّة منزلة الطاهر و الحلال الواقعي، و الرأي الآخر يذهب الى عدم استفادة التنزيل من هذين الأصلين، و يرى أنهما يُنشئان طهارة و حليّة ظاهريتين مستقلتين عن الطهارة و الحليّة الواقعيّة.

24- قيل: إِنَّ أصالة الحلّ أصل تنزيلي، و قيل: إِنه ليس أصلًا تنزيليّاً، و انما هو يجعل حليّة ظاهرية مستقلة عن الحلّية الواقعيّة، بيّن الثمرة العمليّة المترتبة على هذين القولين.

- على القول بأَنَّ أصالة الحلّ أصل تنزيلي يترتّب عليه حين تطبيقه على الحيوان المشكوك الحليّة طهارة مدفوع ذلك الحيوان؛ لأَنَّ طهارته مترتبة على الحليّة الواقعية، و هي ثابتة بالتنزيل فكذلك حكمها، و أما على القول بأَنَّ أصالة الحلّ ليس فيها تنزيل، بل إِنشاء لحليّة ظاهرية مستقلة، فلا يمكن إِثبات طهارة المدفوع؛ لأنها مترتبة على الطهارة الواقعية لا الظاهريّة.

25- عرّف بالأصل العملي المحرز، و مثّل له.

- الأصل المحرز هو الأصل الذي تجعل فيه الوظيفة الظاهرية للمكلّف الشاك في الحكم الواقعي بلسان تنزيل الشك منزلة العلم و اليقين، و مثاله: أصل الاستصحاب، الذي ينزل فيه الشك في بقاء الحكم منزلة اليقين بالبقاء.

26- ذهب النائيني و الخوئي (قدس سرهما) الى أَنَّ الاستصحاب ينزّل فيه الشك‏

منزلة اليقين، على فرق بينهما، بيّن هذا الفرق.

- الفرق بينهما: أنَّ النائيني يرى أَن الشك في البقاء نُزّل منزلة اليقين بالبقاء من حيثُ الجريُ العملي فقط، و أما السيد الخوئي فقد ذهب الى أن الشك منزّل منزلة اليقين من حيثُ‏

14

الكاشفيّةُ، فعلى رأيه لا يبقى فرق بين الاستصحاب و الأمارات؛ إذ المجعول في كلّ منهما العلميّة و الكاشفيّة، فلا يكون الاستصحاب أصلًا، بل يدخل في باب الأمارات.

27- ما هي الثمرة التي تترتب على كون الأصل العملي أصلًا محرزاً، أي: نُزِّل فيه احتمال البقاء منزلة اليقين؟ اشفع جوابك بمثال.

- تترتب الثمرة فيما لو عارض الأصل المحرز (الاستصحاب) أصلًا غير محرز كالبراءة؛ إِذ يقدّم الأصل المحرز على غيره؛ لأنَّ المجعول فيه هو العلمية، فيكون حاكماً على الأصل البحت، و رافعاً لموضوعه، و مثاله: الشك في بقاء وجوب الجمعة زمن الغيبة؛ فإن مقتضى أصل البراءة نفي الوجوب، لكن جريان الاستصحاب يجعلنا عالمين تعبداً ببقاء الوجوب، فيرتفع بسبب ذلك الشك الذي هو موضوع البراءة.

28- قال السيّد الشهيد: هناك معنىً آخر للأصل المحرز ينسجم مع طريقتنا في التمييز بين الأمارات و الأصول، اذكر طريقة السيّد في التمييز، و بيّن معنى الأصل المحرز في رأيه.

- طريقته في التمييز: أَنَّ الحكم الظاهري إِنْ كان ناشئاً من أهميّة الاحتمال و الكشف، فهو أَمارة، و إِنْ كان ناشئاً من أهميّة المحتمل و المنكشِف، فهو أصل عمليّ بحت، و أَما الأصل المحرز في رأيه، فهو: الحكم الظاهري الناشئ من أَهميّة المحتمل منضمّاً اليها أهميّة الاحتمال.

29- بيّن معنى الأصل المحرز لدى كلٍّ من المحقق النائيني و السيّد الشهيد.

- الأصل المحرز في رأي النائيني هو الحكم الظاهري الذي ينزّل فيه الشك في الحكم الواقعي منزلة العلم و اليقين من حيث الجري العملي، و في رأي السيّد الشهيد هو الحكم الظاهري النّاشئ من أَهميَّة المحتمل و الاحتمال معاً.

30- قال السيّد الشهيد: إِنَّ المحرزيّة في قاعدة الفراغ بمعنى كونها حكماً ظاهريّاً

ناشئاً من أهميّة المحتمل و الاحتمال معاً، لا تجعلها حجة في مثبتاتها، وضّح مراده بهذا القول.

- مراده: أَنَّ القاعدة و إِن صحّحت الصلاة إذا حصل الشك- بعد الفراغ منها- في تحقق الوضوء، إلّا أنها لا تثبت اللازم العقلي للحكم بالصحة و هو الإتيان بالوضوء، و لذا يجب على‏

15

المكلّف الوضوء للصلاة التالية.

31- إِنَّ الأصل المحرز- بالمعنى الذي يراه الشهيد الصدر- ليس حجّة في إِثبات اللوازم غير الشرعيّة لمؤدّاه، بيّن علّة ذلك، و اشفع إجابتك بالتمثيل.

- علّته: أَنَّ حجيّة الأصل المحرز- على رأيه- ناشئة من قوّة الكشفِ و المنكشِف معاً، لا من قوّة الكشف فقط، ليكون الكشف عن المدلول الالتزامي في قوّة الكشف عن المدلول المطابقي، و مثاله: قاعدة الفراغ؛ فإِنها و إن صححت الصلاة إذا شكّ بعد الفراغ منها في تحقق الوضوء، إلّا أنه لا يثبت بذلك اللازم العقلي للحكم بالصحة، و هو الإتيان بالوضوء، فيلزم على المكلّف الوضوء للصلاة التالية.

32- ما ذا يترتّب على كون قاعدة الفراغ محرزة بمعنى نشوئها من قوّة الكشف و المنكشِف معاً؟ وضّح إجابتك بالتمثيل.

- يترتب عليه عدم جريان القاعدة في موارد انعدام الأماريّة و الكشف، كما لو كان المكلّف قاطعاً بغفلته غفلة تامّة حين الإتيان بالصلاة، فإِنَّ القاعدة لا تجري لتصحيح هذه الصلاة، إذا شك بعد الفراغ منها في الإتيان ببعض أجزائها أو شرائطها.

مورد جريان الاصول العمليّة.

33- قد يُشكّ في التكليف الواقعي، و يشك في الوقت نفسه في قيام الحجّة الشرعيّة عليه، بيّن نَحْوَيْ الشك في الحجّة الشرعيّة مع التمثيل.

- الأوّل: الشكّ بنحو الشبهة الموضوعيّة، كالشك في صدور الحديث لوجود راو في سنده مختلف في وثاقته، و الثاني: الشك بنحو الشبهة الحكميّة، كالشك في حجيّة الأمارة

المعلوم وجودها، كما لو أحرزت وثاقة رجال السّند، لكن الفقيه لم يثبت لديه حجيّة خبر الثقة كبرويّاً.

34- لا إشكال في جريان البراءة عن الحكم الواقعي المشكوك، و لكن ما هو الدليل على لزوم إِجراء براءة ثانية عن الحجّة المشكوكة على ذلك الحكم الواقعي لدى القائلين بإجرائها؟

16

- دليلهم: أَنَّ الحجيّة معناها: إِبراز شدّة اهتمام المولى بالتكليف الواقعي المشكوك، فاحتمال الحجّة على الواقع المشكوك، يعني احتمال وجود تكليف واقعي متعلّق لاهتمام المولى الشديد، و عدم رضاه بتفويته، فلا بد من إجراء البراءة للتأمين من ناحية هذا الاحتمال؛ إِذ لا يكفي في تحقيق التأمين عنه، إجراؤها عن التكليف الواقعي المشكوك.

35- إِذا شُكَّ في التكليف الواقعي، و شُكَّ في قيام الحجّة عليه، فلا إشكال في جريان البراءة لنفي التكليف الواقعي المشكوك، و إنّما اعترض البعض على جريان البراءة عن الحجيّة المشكوكة، وضّح هذا الاعتراض.

- توضيحه: أَنّ الحجيّة حكم ظاهريّ، و الأحكام الظاهريّة متنافية بوجوداتها الواقعيّة، فاذا جرت البراءة عن الحجيّة المشكوكة، و فرض أنَّ هذه الحجيّة كانت ثابتة في الواقع، لزم اجتماع حكمين ظاهريين مختلفين على مورد واحد، هما: البراءة التي هي حكم ظاهري، و الحجيّة نفسها الثابتة في الواقع، و التي جرت البراءة عنها.

36- قيل: لا يمكن إجراء البراءة عن الحجيّة المشكوكة؛ للزوم اجتماع حكمين ظاهريين متنافيين على مورد واحد على فرض ثبوت الحجيّة التي جرت البراءة عنها، اذكر الردّ على هذا القول.

- ردّه: أَنّه لا يلزم اجتماع حكمين ظاهريين متنافيين؛ لأَنَّ البراءة عن الحجيّة المشكوكة ليست في عرض هذه الحجيّة بل في طولها؛ لأنها مترتبة على الشك في الحجيّة، فنسبة البراءة الى الحجيّة كنسبة الحكم الظاهري الى الواقعي، فكما لا منافاة بين الحكم الظاهري و الواقعي، كذلك لا منافاة بين حكمين ظاهريين طوليين.

37- قيل: إِذا شكَّ في الحكم الواقعي، و شك في قيام الحجّة الشرعية عليه، فإِن إجراء البراءة عن الحجّة المشكوكة يكون لغواً، بيّن الدليل على اللغوية.

- الدليل: أَنّه مع عدم إِجراء البراءة عن الحكم‏

17

الواقعي المشكوك لا تنفع البراءة المؤمّنة عن الحجيّة المشكوكة؛ لبقاء احتمال التكليف الواقعي قائماً و عدم حصول المؤمّن عنه بمجرد جريان البراءة عن الحكم الظاهري (الحجّية)، و مع إجرائها عن الحكم الواقعي، لا حاجة الى إِجرائها عن الظاهري؛ إذ لا عقاب محتمل إلّا من ناحية التكليف الواقعي، و قد أُمِّن عنه.

38- اعترض بأَنَّ اجراء البراءة عن الحجّة المشكوكة إِنْ كان بعد إجرائها عن الحكم الواقعي المشكوك، فإِنّه لا فائدة فيه؛ لحصول المؤمّن بالبراءة الأولى، و ان كان دون إجرائها عن الحكم الواقعي، فلا فائدة أيضاً؛ لأنه لا يحصّل المؤمن ما دام التكليف الواقعي محتملًا، اذكر الجواب عن هذا الاعتراض.

- جوابه: أَنَّ احتمال أصل ثبوت التكليف الواقعي شي‏ء، و احتمال كون ذلك التكليف بالغاً من اهتمام المولى درجة شديدة بنحو لا يرضى بتفويته شي‏ء آخر، و التأمين عن الأوّل لا يلازم التأمين عن الثاني؛ إذ يمكن للمولى أن يقول للمكلّف: إِذا احتملت تكليفاً تعلم بعدم قيام الحجّة عليه فأنت في سَعَة من ناحيته، و ان احتملت تكليفاً، و احتملت قيام الحجّة عليه، فاحتط بشأنه.

39- ما هو التحقيق الذي ذكره السيد الشهيد بشأن إِجراء البراءة عن الحجّة المشكوكة بعد إجرائها عن الحكم الواقعي المشكوك؟

- التحقيق: أَنّهُ لا محذور في إِجراء هذه البراءة من جهة لزوم اللغويّة أو اجتماع حكمين ظاهريين كما يرى البعض، و لكنَّ إجراء البراءة عن الحكم الواقعي المشكوك يغني عن إجراء البراءة عن الحجيّة المشكوكة؛ إِذ يلزم منه عدم ثبوت هذه الحجيّة، و معه لا حاجة الى إجراء أصل البراءة عنها.

40- ما هو الدليل على أَنّ جريان البراءة عن الحكم الواقعي المشكوك يغني عن جريانها لنفي الحجيّة المشكوكة على ذلك الحكم؟

- الدليل هو أولًا: أَنَّ موضوع البراءة عن التكليف الواقعي، و موضوع الحجيّة المشكوكة واحدٌ، و هو الشك في الحكم الواقعي، فهما حكمان ظاهريّان عَرْضيّان، ثانياً: أَن الحكمين الظاهريين العرضيين متنافيان بوجودهما الواقعي، أَي أَنَّ البراءة الأولى عن التكليف الواقعي، منافية ثبوتاً للحجيّة المشكوكة، ثالثاً: أَنّ المنافاة تستلزم ثبوت البراءة عن التكليف‏

الواقعي؛ لنفي الحجيّة و عدمها واقعاً، أي أَنَّ الدليل على البراءة عن التكليف الواقعي، يدلّ التزاماً على نفي الحجيّة المشكوكة.

41- مَثِّل لوقوع الأحكام الظاهريّة مورداً لجريان الأصول العمليّة.

- مثاله: جريان أصل الاستصحاب في الحكم الظاهري؛ لتماميّة أركان الاستصحاب فيه، و عدم تماميّتها في الحكم الواقعي، كما لو علم بالحجيّة و شك في نسخها؛ فإِنَ‏

18

المستصحب هنا نفس الحجيّة، لا الحكم الواقعي.

مسلك قبح العقاب بلا بيان (البراءة العقليّة).

42- بيّن دليل النائيني على مسلك قبح العقاب بلا بيان.

- دليله: أَنَّ المقتضي لتحرّك المكلف نحو الامتثال هو العلم بالتكليف، فمع عدم علمه به، لا مقتضي للتحرك، فيكون العقاب حينئذ عقاباً على ترك ما لا مقتضي لإِيجاده، فيقبح صدوره من المولى.

43- استدل النائيني لقاعدة قبح العقاب بلا بيان بأَنّه مع عدم العلم بالتكليف، لا مقتضي للتحرك و الامتثال، و العقاب على ترك ما لا مقتضي لإِيجاده يقبح صدوره من المولى، اذكر الردّ على هذا الاستدلال.

- ردّه: أَنَّهُ مصادرة؛ لأنَّ كون المقتضي للتحرك هو خصوص العلم بالتكليف أوّل الكلام؛ لأنّه متفرع على أَنَّ حقّ الطاعة للمولى ثابت في التكاليف المقطوعة فقط؛ إذ لو كان ثابتاً حتى في التكاليف المحتملة، كان احتمال التكليف مقتضياً للتحرك أيضاً، فلا يقبح العقاب على عدم امتثاله.

44- وضّح الاستدلال على قاعدة قبح العقاب بلا بيان بالاعراف العقلائيّة، و اذكر الجواب عليه.

- توضيحه: أَنَّ العقلاء متبانون على قبح عقاب الآمر لمأموره على عدم امتثال تكليف لم يصل اليه، و يرون انحصار حق طاعة المولى بالتكاليف المعلومة، و جوابه بالتفريق بين المولويّة المجعولة كمولويّة الرئيس على قومه و الزوج على زوجته، و بين المولويّة الذاتيّة

الحقيقية كمولويّة الله تعالى على عباده، فإِنّ حقّ الطاعة في الأولى محدود بما يجعله العرف العقلائي، و هو قد يخصصه بالتكاليف المعلومة، و أما في الثانية فالتحديد راجع الى العقل، و هو حاكم بسَعَة حق طاعة المولى الحقيقي و شموله للتكاليف المحتملة.

45- استدل المحقق الاصفهاني على قاعدة قبح العقاب بلا بيان بأحكام العقل العملي التي مردُّها الى حكمه الرئيسي بقبح الظلم و حسن العدل، وضّح هذا الاستدلال.

19

- توضيحه: أَنَّ مخالفة ما قامت عليه الحجّة خروج عن رسم العبوديّة، و هو ظلم من العبد لمولاه، فيستحق عليه الذم و العقاب، و أما مخالفة ما لم تقم عليه الحجّة، فإنّه ليس من أفراد الظلم؛ إِذ ليس من زِيّ العبوديّة أَنْ لا يخالف العبد مولاه واقعاً، وعليه فلا موجب للعقاب، فيقبح صدوره من المولى.

46- استدل الاصفهاني على قاعدة قبح العقاب بلا بيان بحكم العقل العملي بقبح الظلم، و أنّ العقل لا يعدّ مخالفة التكليف غير المعلوم ظلماً للمولى، و معه لا موجب للعقاب، فيكون قبيحاً، بيّن التحقيق الذي عقّب به السيد الشهيد على هذا الاستدلال.

- تحقيقه: أن كون حكم العقل بقبح الظلم هو الأساس لجميع أحكام العقل العملي بالقبح، ليس صحيحاً؛ لأَنَّ الظلم سلب الحق، فلا بد من ثبوت حقّ في المرتبة السابقة، و هذا الحق نفسه من مدركات العقل العملي، فلولا أَنَّ للمولى حقّ الطاعة، لما كانت مخالفته ظلماً، فلا بد من البحث عن أَنَّ حق طاعة المولى، هل يشمل التكليف المحتمل، أو يختص بالتكاليف المقطوعة؟

47- اذكر استدلال المحقق الاصفهاني لقاعدة قبح العقاب بلا بيان الذي أقامه على مبناه الخاصّ في حقيقة التكليف.

- دليله: أنّ التكليف إنشائيّ و حقيقي، فالأول ما يوجد بالجعل، و لا يتوقف على العلم و الوصول، و الثاني ما كان إنشاؤه بداعي التحريك، و هو متقوّم بالوصول؛ إذ لا يعقل محركيّته بمجرد إِنشائه، وعليه: لا معنى للعقاب مع عدم الوصول؛ لأَنّه يساوق عدم التكليف الحقيقي، فيقبح العقاب حينئذ، لا لأَنَّ التكليف الحقيقي لا بيان عليه، بل لأَنّه لا ثبوت له مع عدم العلم و الوصول.

48- قال السيّد الشهيد: لا احتياج في مقام الاستدلال لقاعدة قبح العقاب بلا بيان الى ما ذكره الاصفهاني من تقسيم التكليف الى إنشائي يوجد بالجعل، و حقيقي ناشئ من داعي التحريك، فيكون متقوّماً بالعلم، بيّن استدلاله على عدم الاحتياج.

- دليله: أَنَّ الاستدلال للقاعدة لا ربط له بالتقسيم المذكور؛ لأنَّ حقّ الطاعة للمولى إِنْ كان شاملًا للتكاليف المحتملة، ثبتت المحركيّة للتكليف المشكوك؛ لأنه يحقق موضوع حق الطاعة، و صحّ العقاب على مخالفته، و ان لم يكن التكليف المشكوك داخلًا في حقّ الطاعة،

20

قبح العقاب على مخالفته.

49- يرى المحقق الاصفهاني أَنَّ التكليف الحقيقي هو الناشي من داعي التحريك، و هو متقوّم بالوصول، فمع عدم العلم به يقبح العقاب على مخالفته، لا لعدم البيان، بل لعدم ثبوت التكليف الحقيقي أصلًا، بيّن مناقشة السيّد الشهيد لهذا الرأي.

- ناقشه بأَنَّ التكليف الحقيقي إِن أريد به أوّلًا: الجعل الناشئ من إِرادة و ملاك، فهو ثابت مع الشك و عدم الوصول- و إِنْ لم يلزم امتثاله عقلًا- لأَنَّ الجعل و الإِرادة و الملاك لا يتوقّف على العلم، و إِنْ أُريد به ثانياً: الجعل النّاشئ بداعي التحريك، فلو افترضنا أنه غير معقول بدون وصول، إلّا أَنَّ احتمال وجود جعل حقيقي بالمعنى الأول يبقى قائماً في هذه الحال، و لا بد من البحث عن أَنّه ينجّز التكليف المحتمل و يدخله في حقّ الطاعة أم لا؟

مسلك حق الطاعة

50- بيّن المراد بمسلك حقّ الطاعة.

- المراد به ثبوت الاشتغال عقلًا بالتكليف المشكوك، ما لم يرد ترخيص من الشارع في تركه، و أَنَّ المولويّة الذاتيّة الثابتة لله سبحانه، لا تختص بالتكاليف المقطوعة، بل تشمل التكاليف المحتملة، و لا برهان على هذا الشّمول، و إِنّما هو من مدركات العقل العملي، فكما أَنَّ ثبوت أصل حق الطاعة للمولى مُدرك أوّليّ للعقل العملي، كذلك سَعَة هذا الحق و شموله للتكاليف المشكوكة.

أدلة البراءه من الكتاب‏

51- قرِّبْ الاستدلال على البراءة الشرعيّة بقوله تعالى: (لا يكلِّف الله نفساً إِلّا ما آتاها).

- تقريبه: أَنَّ الآية و إِنْ وردت في سياق الإنفاق، الّا أَنَّ اسم الموصول فيها يشمل بإِطلاقه التكليف كما يشمل المال و الفعل، فيدل على أنَّ الله تعالى لا يكلّف بتكليف إلّا إِذا آتاه،

21

و معنى إيتاء التكليف بنظر العرف إيصاله الى المكلّف، فتدلّ الآية على نفي الكلفة و الاحتياط تجاه التكليف غير الواصل.

52- استدل للبراءة الشرعية بقوله تعالى: (لا يكلّف الله نفساً إلّا ما آتاها) بتقريب أَنَّ اسم الموصول فيها يشمل بإِطلاقه التكليف كما يشمل المال و الفعل، اذكر اعتراض الشيخ الأنصاري على هذا الاستدلال.

- اعترض بأَنَّ دعوى اطلاق اسم الموصول يلزم منها محذور استعمال النسبة القائمة بالفعل و المفعول في معنيين؛ لأَنَّ نسبة الفعل (يكلّف) الى (ما) هي نسبة الفعل الى المفعول المطلق، إِنْ أُريد باسم الموصول التكليف، و هي نسبة الفعل الى المفعول به، إِنْ أُريد باسم الموصول المال او الفعل، و لا يمكن الجمع بين النسبتين في استعمال واحد.

53- اعترض الانصاري على دعوى إطلاق اسم الموصول في الآية: (لا يكلّف الله نفساً إِلّا ما آتاها) للتكليف و المال و الفعل، بأنها يلزم منها استعمال الهيئة القائمة بالفعل و المفعول في معنيين هما: نسبة الفعل للمفعول المطلق، إذا أُريد ب- (ما) التكليف، و نسبة الفعل للمفعول به، اذا أُريد ب- (ما) المال و الفعل، بيّن جواب المحقق العراقي عن هذا الاعتراض.

- جوابه: أَنَّ الهيئة القائمة بين الفعل و المفعول في الآية، ليست مستعملة في نسبة الفعل الى المفعول المطلق، و نسبة الفعل الى المفعول به، لكي يلزم الاستعمال في اكثر من معنى، بل هي مستعملة في الجامع بين النسبتين، و هو معنى واحد.

54- قال المحقق العراقي: إِنَّ الهيئة القائمة بين الفعل و المفعول في الآية: (لا يكلّف الله نفساً إِلّا ما آتاها) مستعملة في المعنى الجامع بين نسبة الفعل الى مفعوله المطلق، و نسبة

الفعل الى المفعول به، بيّن ما يرد على قوله.

- يرد عليه: أَنَّه إِذا أراد الجامع الحقيقي، فهو مستحيل؛ لامتناع انتزاع الجامع الذاتي بين النسب، و إن أَراد نسبة مباينة للنسبتين، و لكنها تلائم المفعول المطلق و المفعول به معاً، فإِنّه لا معيّن لإِرادتها؛ لأنَّ ظاهر هيئة الجملة إِرادة إِحدى النسبتين، لا نسبة ثالثة تلائمهما معاً، هذا مضافاً الى أَنَّ وجود مثل هذه النسبة الثالثة غير معلوم؛ إِذ لا وجود لغةً لنسبة تلائم كلتا النسبتين.

55- أشكل على دعوى كون اسم الموصول في الآية: (لا يكلّف الله نفساً إلّا ما

22

آتاها) شاملًا للتكليف كشموله للمال و الفعل، بلزوم استعمال الهيئة القائمة بالفعل و المفعول في معنيين: نسبة الفعل لمفعوله المطلق، و نسبة الفعل للمفعول به، اذكر الجواب الصحيح في رأي السيّد الشهيد عن هذا الاشكال.

- جوابه: أَنَّ مادة الفعل (يكلّف) في الآية هي التكليف بمعنى الإدانة، و التكليف المراد من اسم الموصول فيها ليس بهذا المعنى ليكون مفعولًا مطلقاً للفعل، و إِنّما يراد به الحكم الشرعي الذي هو موضوع للإِدانة، فيكون مفعولًا به أيضاً، وعليه يكون معنى النسبة واحداً، فيرتفع الإشكال، و الذي سبب هذه الشبهة تعبيرهم في علم الأصول عن الحكم الشرعي بالتكليف.

56- البراءة المستفادة من الآية: (لا يكلّف الله نفساً إِلّا ما آتاها) قد تكون بمعنى نفي الكلفة و الإدانة بسبب التكليف غير المأتيّ، و قد تكون بمعنى نفي الكلفة في مورد التكليف غير المأتيّ، بيّن ما يترتّب على كلّ من هذين الاحتمالين.

- بيانه: أَنَّه بناءً على السببيّة لا منافاة بين الآية و بين أدلة وجوب الاحتياط؛ لأَنَّ نفي السببيّة من ناحية سبب ما، لا ينافي إثباتها من ناحية سبب آخر، فنفي العقاب بسبب تكليف مجهول، لا ينافي ثبوته بسبب وجوب الاحتياط الذي هو وجوب معلوم، و أما نفي الكلفة على المورديّة، فهو مناف لدليل الاحتياط؛ لأَنَّ الآية تحكم بأَنَّ المكلّف مطلق العَنان في مورد التكليف غير المعلوم، و أدلّة الاحتياط تحكم بوجوبه في المورد نفسه، فيحصل التعارض بينهما.

57- قيل: إِنَّ أَدلة البراءة إِن كانت تنفي الكلفة و الإدانة بسبب التكليف غير المأتيّ، لم‏

تكن معارضة لأَدلة وجوب الاحتياط لو تَمَّتْ، اشرح المراد بهذا القول.

- شرحه: أَنَّه لا تحصل معارضة مستقرّة حينئذ بين أَدلّة البراءة و أدلة وجوب الاحتياط، بل يكون دليل الاحتياط وارداً؛ لأنَّ دليل البراءة ينفي الكلفة و الإدانة من دون بيان، و الدليل على وجوب الاحتياط، إذا كان تامّ الدلالة و السند يصلح للبيان، فيكون مقدّماً على دليل البراءة بالورود.

58- استظهر الشهيد الصدر حمل البراءة المستفادة من آية: (لا يكلّف الله نفساً إِلَّا ما آتاها) على المورديّة لا السببيّة، بين دليله على هذا الاستظهار.

23

- دليله: أَنَّه هو المناسب لسياق الآية، و هو المال و الإنفاق؛ إِذ لا معنى لكون المقصود: لا يكلّف الله بسبب المال؛ لأَنَّ المال ليس سبباً للإِدانة، بل المناسب كون المقصود عدم التكليف بانفاق مال إلّا في حدود الميسور، فكذلك الإِدانة على عدم الامتثال إِنما تختص بما يتمكن المكلّف من امتثاله، و هو التكاليف الواصلة.

59- ما الدليل على شمول البراءة المستفادة من قوله تعالى: (لا يكلّف الله نفساً إِلّا ما آتاها) للشبهات الحكميّة و الموضوعيّة؟

- دليله: أَنَّ الإِيتاء في الآية ليس بمعنى إيتاء الشارع بما هو شارع، كي يختصَّ بالشبهات الحكميّة، بل هو بمعنى الإيتاء التكويني؛ لأنه المناسب للمال و الفعل؛ فإِنَّ الله لا يؤتيهما إيتاءً تشريعيّاً، بل يؤتيهما بما هو خالق و مكوّن.

60- قال السيد الشهيد: الظاهر عدم إطلاق البراءة المستفادة من آية: (لا يكلّف الله نفساً إِلّا ما آتاها) لحالة ما قبل الفحص، بيّن دليله على هذا الظهور.

- دليله: أَنَّ إِيتاء التكليف ليس معناه إيصاله الى المكلّف مباشرة، بل يكفي في إيصاله عرفاً جعله في مظانّ العثور عليه لو فحص عنه المكلّف، وعليه لا تثبت البراءة إلّا بعد فحص الأدلة و عدم العثور فيها على ما يحدد حكم الواقعة المشكوكة.

61- قَرِّب الاستدلال على البراءة بقوله تعالى: (وما كنّا معذّبين حتى نبعث رسولًا).

- تقريبه بحمل كلمة الرسول على كونها مثالًا للبيان لا خصوص النبي (صلى الله عليه و آله)، فيكون‏

المعنى: لا نعذّب على مخالفة حكم حتى نبيّنه، و إِنما خصَّ الرسول بالذكر، باعتباره مصداقاً بارزاً لما يحصل به البيان.

62- استدل على ثبوت البراءة عند الشك في التكليف بقوله تعالى: (وما كنّا معذبين حتى نبعث رسولًا) بحمل الرسول فيها على المثال للبيان، بيّن الاعتراض المطروح على هذا الاستدلال.

- اعترض عليه أولًا: بأَنَّ الآية تنفي فعليّة العقاب لا استحقاقه، و نفي فعليّة العقاب لا يدلّ على عدم ثبوت الحكم، فلعلّ التكليف المشكوك ثابت و منجَّز، و المكلف يستحق‏

24

العقاب على مخالفته، و لكنّه لا يعاقب فعلًا من باب العفو، و ثانياً: بأَنَّ الآية ناظرة الى العذاب الدنيوي الذي نزل بالأمم السالفة، و هو أجنبي عن محل البحث، و هو ثبوت العقاب الأخروي على مخالفة التكليف المحتمل.

63- أُشكل على الاستدلال للبراءة بالآية: (و ما كنّا معذبين حتى نبعث رسولًا) بأنها تنفي العذاب الفعلي لا استحقاق العذاب، و هذا لا ينافي ثبوت التكليف المشكوك و استحقاق العذاب على مخالفته، و إن لم يعاقب فعلًا؛ للعفو عنه، أذكر جواب هذا الاشكال.

- جوابه: أَنَّ ظاهر الآية أَنَّ المولى سبحانه ليس من شأنه إِنزال العقوبة قبل البيان، و هذا يلائم نفي استحقاق المكلّف الشاك للعقاب؛ إِذ لو كان استحقاق العقوبة ثابتاً، لكان إِنزالها بالمكلّف الشاك مناسباً لشأن المولى.

64- أُشكل على الاستدلال للبراءة بآية: (و ما كنّا معذّبين حتى نبعث رسولًا)، بأَنها ناظرة الى العذاب الدنيوي الذي أُنزل بالأمم الماضية، و هذا أجنبي عن البحث في ثبوت العذاب الأخروي على مخالفة التكليف المشكوك، بيّن جواب هذا الاشكال.

- جوابه، أوّلًا: أَنَّ الآية ظاهرة في أَنّه لا يناسب المولى إِنزال العقاب قبل البيان، و هذه النكتة شاملة للعقاب الدنيوي و الأخروي معاً، فكما يقبح العقاب الدنيوي قبل البيان، كذلك يقبح العذاب الأخروي، و ثانياً: أَنَّ السياق يعيّن نظر الآية الى العقاب الأخروي؛ إِذ وردت في سياق: (و لا تزرُ وازرةٌ وزرَ أُخرى) ممّا هو شأن عقوبات الله في الآخرة لا الدنيا.

65- أدعي أَنَّ الآية: (و ما كنّا معذبين حتى نبعث رسولًا) ناظرة الى العذاب‏

الدنيوي للأمم السالفة، لا الى العذاب الأخروي على مخالفة التكليف المشكوك لكي تثبت بها البراءة، بيّن منشأَ هذه الدعوى و الردَّ عليها.

- منشأ الدعوى هو ورود التعبير فيها بصيغة الماضي في قوله: (و ما كنّا)، و يردّه أَنَّ استعمال (كان) في مثل هذا التعبير إِنّما هو بنكتة إِفادة الشأنيّة و المناسبة، فلا يختصّ بالزمن الماضي؛ لأَنَّ العقاب قبل البيان إذا لم يكن مناسباً للمولى سبحانه، فهو غير مناسب له في جميع الأزمنة.

66- استدل على البراءة بقوله تعالى: (و ما كنّا معذّبين حتى نبعث رسولًا)، أذكر الردَّ الصحيح على هذا الاستدلال في رأي الشهيد الصدر.

25

- ردّه: أَنَّ الرسول في الآية و إِنْ أُخذ مثالًا للبيان، إِلّا أَنّه مثال لصدور البيان من الشارع، لا لصدوره منه و وصوله الى المكلّف فعلًا، فلا ظهور للآية في نفي العقاب في موارد صدور التكليف و عدم وصوله، و من الواضح أَنَّ الشاكّ في التكليف يحتمل صدوره من الشارع و عدم وصوله إِليه، و لا يجزم بعدم صدوره من الشارع.

67- إِنَّ البراءة اذا استفيدت من الآية: (و ما كنّا معذبين حتى نبعث رسولًا) فإِنها تكون منوطة بعدم قيام دليل على وجوب الاحتياط، بيّن علّة ذلك.

- علّته: أَنَّ دليل وجوب الاحتياط- إذا تمَّ- يكون مقدَّماً على الآية و وارداً عليها؛ لأنّ الآية تقول مثلًا: إِنّ الحرمة التي لم يصدر فيها بيان لا نعذّب عليها، و مع تماميّة دليل الاحتياط يثبت صدور بيان على وجوب الاحتياط، فيجب امتثاله و يستحق العقاب على مخالفته.

68- قرّبْ الاستدلال على البراءة بقوله تعالى: (قل لا أجدُ فيما أُوحي اليّ محرّماً على طاعم يَطعَمُه إلّا أن يكون ميتةً ...).

- تقريبه: أَنَّ الآية تدل على أَنّ عدم وجدان دليل على الحرمة كاف في إثبات عدم وجوده، و يترتب على ذلك إِطلاق عنان المكلف و عدم إِلزامه بالاحتياط تجاه الحرمة المحتملة، و هو معنى البراءة.

69- استدل على البراءة بقوله تعالى: (قل لا أجدُ فيما أُوحي اليّ محرّماً على طاعم يَطعَمُه إلّا أن يكون ميتةً ...) بتقريب دلالتها على أَنَّ عدم وجدان الدليل على التكليف‏

كاف في إِثبات عدم وجوده، و اطلاق العنان للمكلّف، اذكر ما يرد على هذا الاستدلال.

- يرد عليه: أولًا: أَنَّ عدم وجدان النبي (صلى الله عليه و آله) فيما أوحي اليه يساوق عدم الحرمة واقعاً، أو يساوق- على الأقل- عدم صدور بيان شرعي على الحرمة رغم وجودها واقعاً؛ إِذ لا يحتمل صدوره و اختفاؤه على النبي (صلى الله عليه و آله)، و أين هذا من عدم الوصول الناشي من احتمال صدور البيان و اختفائه عنّا؟ و ثانياً: أَنَّ الحكم باطلاق العنان في الآية كما قد يكون بلحاظ أصل عمليّ هو إِباحة كل شي‏ء غير معلوم الحرمة، قد يكون أيضاً بلحاظ عمومات الحلّ التي لا ترفع اليد عنها إِلّا بمخصص واصل.

70- قرّب الاستدلال على البراءة بقوله تعالى: (و ما كان الله ليضلَّ قوماً بعد إِذ هداهم، حتّى يبيّن لهم ما يتقون).

26

- تقريبه: أَنَّ المراد بالإضلال أما تسجيلهم ضالّين، فيستحقّون العقاب، و أَمّا سلب أسباب الهداية عنهم، و أن كلًّا منهما لا يحصل إِلّا بعد بيان ما يتّقى من المحرّمات، فيثبت أَنّه قبل بيان حرمة الشي‏ء لا يعاقب على ارتكابه، و هو معنى البراءة.

71- ما هي النسبة بين دليل البراءة: (و ما كان الله ليضل قوماً بعد إِذ هداهم، حتى يبيّن لهم ما يتقون) و بين دليل وجوب الاحتياط، على فرض كون المراد في الآية بيان حرمة الشي‏ء بعنوانه الأوّلي؟ علّل لإجابتك.

- النسبة هي تعارض الدليلين؛ لأنَّ إِرادة ما يُتقى و يحرم بعنوانه الأوّلي، يجعل المخالفة منحصرة ببيان الحكم الواقعي، كأن يقول المولى: التدخين حرام، و دليل وجوب الاحتياط يبيّن الحكم الظاهري، أي: يُبيّن ما يحرم بعنوانه الثانوي، فيقول: التدخين المشكوك الحرمة حرام، فلا يكون رافعاً لموضوع البراءة، بل معارضاً لها.

72- ما هي النسبة بين دليل البراءة: (و ما كان الله ليضلّ قوماً بعد إِذ هداهم، حتى يبيّن لهم ما يتقون) و بين دليل وجوب الاحتياط، إذا أريد من الآية بيان ما يحرم و لو بعنوان ثانويّ ظاهري؟ اشفع جوابك بالتعليل.

- النسبة هي الورود؛ أي أَنَّ دليل الاحتياط يكون وارداً على الآية؛ لأَنَّ موضوع البراءة هو عدم البيان، الأَعم من الحرمة الواقعيّة و الظاهرية، و دليل وجوب الاحتياط يبيّن حرمة

الشي‏ء ظاهراً و بعنوان كونه مشكوك الحرمة، فيرتفع بذلك موضوع البراءة المستفادة من الآية.

أدلة البراءه من السنة

73- استدل للبراءة بما روي عن الصادق (عليه السلام): «كلّ شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي»، و الورود في الرواية قد يكون بمعنى الصدور، و قد يكون بمعنى الوصول، بيّن ما يترتّب على كلا الاحتمالين.

- يترتّب عليه: أَنَّ الورود بمعنى الصدور، و أَنَّ كلَّ شي‏ء مباح و مطلق حتى يصدر فيه نهي، لا يفيد إِثبات البراءة عن التكليف المشكوك؛ إِذ يحتمل صدور النهي عنه و عدم وصوله، و أَما الورود بمعنى الوصول، و إباحة كلّ شي‏ء ما لم يصل الى المكلّف نهي عنه، فإِنّه يفيد إثبات‏

27

البراءة عن التكليف المحتمل عند عدم وصول الدليل على الحرمة، حتى مع احتمال صدوره و اختفائه علينا.

74- استدل للبراءة بما روي عن الصادق (عليه السلام): «كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي»، و النهي المجعول في الرواية غاية، قد يشمل النهي الظاهري المستفاد من أدلّة وجوب الاحتياط، و قد لا يشمله، وضّح ما يترتب على كلا الاحتمالين.

- يترتب على شمول النهي للنهي الظاهري أن يكون دليل وجوب الاحتياط وارداً على هذه الرواية المثبتة للبراءة و رافعاً لموضوعها الذي هو عدم النهي عن الشي‏ء و لو نهياً ظاهريّاً و بعنوان كونه مشكوكاً، و يترتب على اختصاص النهي بالواقعي و عدم شموله للظاهري أَن تكون هذه الرواية منافية لدليل الاحتياط و معارضة له.

75- بيّن دليل السيد الخوئي (قدس سره) على أَنَّ المراد بالورود في قول الصادق (عليه السلام): «كلُّ شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي» هو وصول النهي الى المكلّف لا مجرد صدوره من المولى.

- دليله: أَنَّ المغيّى في الرواية حكم ظاهريٌّ، و هو: إِباحة كلِّ شي‏ء يشكّ في حرمته، أيْ أَنَّ موضوع الإباحة هو عدم العلم بالحرمة، فيتعيّن أَن تكون الغاية التي ترتفع عندها الإباحة هي ورود الحرمة بمعنى وصولها، و لو كانت الغاية هي الورود بمعنى الصدور، لم تثبت الإباحة إلّا مع عدم الصدور واقعاً، أَي أَنّ إحرازها يتوقف على إحراز عدم الصدور، و احرازه‏

يؤدّي الى انعدام الشك و صيرورة الإباحة واقعيّة، مع أنّ المفروض كونها ظاهريّة.

76- قال السيد الخوئي: إِنَّ المغيّى في الرواية عن الصادق (عليه السلام): «كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي» هو حكم ظاهري، فيكون الورود فيها بمعنى الوصول، فإِنْ قيل: لم لا نفترض كون المغيّى إِباحة واقعية، فيكون الورود بمعنى الصدور؟ ما ذا يكون جوابه عن هذا القول؟

- جوابه: أَنَّ الإباحة الواقعيّة و النهي الواقعي الذي جعل غاية حكمان متضادّان، فإِن أُريد تعليق الإباحة حقيقة على عدم صدور النهي، فهو محال؛ لأَنَّ عدم أحد الضدين لا يكون علّة لثبوت ضدّه، و إن أريد مجرد بيان أَنَّ الإباحة ثابتة واقعاً، إذا لم يكن النهي ثابتاً واقعاً، فهذا لغو؛ لأَنه توضيح لما هو واضح، وعليه يتعيّن كون الاباحة ظاهرية لا واقعيّة.

77- قال السيد الخوئي (قدس سره): إِنَّ الإباحة الواقعيّة مضادّة للنهي الواقعي، فلا يمكن أن يكون عدم صدور النهي علّة لها؛ لاستحالة مقدميّة عدم أحد الضدّين لثبوت الآخر، بيّن ردّ

28

السيد الشهيد على هذا القول.

- ردّه: أَنّ المضادّ للإباحة الواقعيّة هو الحرمة الواقعيّة، و ليس النهي؛ لأَنّ النهي ليس نفس الحرمة، بل كاشف عنها، و التضادّ و إِن كان لا يقتضي ثبوت تعليق أحد الضدين على عدم الآخر أو عدم الكاشف عنه، لكنّه أيضاً لا يقتضي امتناع تعليق أحد الضدّين على عدم الكاشف عن الآخر، وعليه، فقد توجد نكتة تقتضي تعليق الإباحة على عدم الكاشف عن الحرمة، كأن يقول المولى: التدخين مباح واقعاً، ما لم يصدر خطاب يدلّ على إِنشاءِ حرمته، و مردّ ذلك الى إِناطة فعليّة الحرمة بمبادئها المضادة للإِباحة بصدور الخطاب الدّال عليها.

78- قيل: إِنَّ الورود في رواية «كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي» بمعنى الوصول، و لهذا لا يتصوّر بدون مورود عليه، يقال: وردني كتاب، كما يقال: وصلني، بخلاف الصدور؛ فإِنّه متقوّم بأمر واحد هو الصّادر فقط، يقال: صدر أمر، وعليه تدل الرواية على البراءة، بيّن الردّ على هذا القول.

- ردّه: أَنَّ حاجة الورود الى مورود عليه، لا يتوقف إشباعها على كون المورود عليه شخص المكلّف ليكون الورود بمعنى الوصول؛ إِذ يكفي لاشباع هذه الحاجة كون المورود عليه متعلّق النهي، و لذا نقول: إِنّ الخمر ورد عليه النهي، فلا تتعين إِرادة الوصول من الورود، و لا تتم دلالة الرواية على البراءة.

79- اشكل على حديث الرّفع بأَنَّ كثيراً ممّا فرض رفعه فيه- كالخطإ و النسيان- أمور تكوينيّة ثابتة وجداناً، فلا بد من بذل عناية في تصحيح هذا الرفع، اذكر الاحتمالات الثلاثة في تصوير هذه العناية.

- الأول: أَنْ نقدِّر أمراً قابلًا للرفع حقيقة كالمؤاخذة، فيكون المقصود: رُفعت المؤاخذة حال الخطأ و النسيان ... الخ، الثاني: أَنْ نصبَّ الرفع على الأشياء المذكورة بلحاظ وجودها التشريعي لا الخارجي، فرفع الخطأ يعني أَنَّ شرب الخمر خطأً- مثلًا- لم يقع في عالم التشريع متعلّقاً أو موضوعاً للحرمة، و مرجع ذلك الى رفع الحكم برفع موضوعه، الثالث: صبّ الرفع على الأشياء المذكورة بوجودها التكويني، لكن بافتراض أنَّ الرفع تنزيلي و ليس حقيقيّاً، فشرب الخمر خطأً منزل منزلة العدم خارجاً، فلا حرمة و لا حدَّ.

80- وضّح حكومة حديث الرفع على أدلّة الأحكام الأوليّة، بناءً على كون العناية

29

المبذولة في تصحيح الرفع هي تقدير أمر قابل للرفع كالحكم.

- توضيحها: أَنَّ حديث الرفع على هذه العناية يكون ناظراً الى الاحكام المذكورة في أدلة الاحكام الأولية (كالحرمة في دليل: شرب الخمر حرام) و يريد رفعها و نفيها، فيكون على وزان حديث (لا ضرر)، فكما أنّ هذا الحديث ينفي الحكم الذي ينشأ منه الضرر، كذلك حديث الرفع ينفي الحكم في صورة الخطأ و النسيان.

81- وضّح حكومة حديث الرفع على أدلة الأحكام الأوليّة بناءً على كون العناية المبذولة في تصحيح الرفع هي صبّه على الخطأ و النسيان ... الخ بوجودها التشريعي لا الخارجي.

- توضيحها: أَنَّ حديث الرفع يكون بهذه العناية ناظراً الى محمول أَدلة الأحكام الأوليّة نظراً عنائيّاً؛ لأَنَّ النظر فيه الى الثبوت التشريعي للموضوع الذي هو عين الثبوت التشريعي للحكم، فيكون على وزان حديث (لا رهبانية في الاسلام)، فكما أَنَّ هذا ينفي وقوع الرهبانية موضوعاً في عالم التشريع و مقصوده نفي استحبابها، كذلك حديث الرفع ينفي وقوع الفعل الصادر خطأً و نسياناً موضوعاً في عالم التشريع، و مقصوده نفي حرمته.

82- وضّح حكومة حديث الرفع على أدلة الاحكام الأوليّة بناءً على كون العناية المبذولة في تصحيح الرفع هي صبّ الرفع على الأشياء المذكورة في الحديث بوجودها

التكويني، رفعاً تنزيليّاً لا حقيقيّاً.

- توضيحها: أَنَّ حديث الرفع يكون بهذه العناية ناظراً الى موضوع أدلة الأحكام الأوليّة و منزّلًا إِياه منزلة العدم، فيكون على وزان حديث (لا ربا بين الوالد و ولده)، فكما أَنَّ هذا ناظر الى موضوع (الربا حرام) و منزّل للربا بين الوالد و ولده منزلة العدم، كذلك حديث الرفع ناظر الى شرب الخمر خطأً، و منزّل له منزلة العدم، و المقصود رفع حرمته.

83- في حديث الرفع رجّح السيّد الشهيد عناية كون المرفوع هو الأشياء المذكورة في الحديث بوجودها التشريعي لا الخارجي، على عناية كون المرفوع أمراً مقدّراً، و أَنّه الحكم أو المؤاخذة، فما وجه هذا الترجيح؟

- وجهه: أَنَّ حمل الرفع على الوجود التشريعي و إِن كان خلاف الظاهر، إِلّا أَنَّ هناك قرينة تساعد عليه، و هي ظهور الحديث في كون الرفع صادراً من النبيّ (صلى الله عليه و آله) بما هو شارع‏

30

و منشئ للاحكام، و ليس مخبراً عمّا يقع خارجاً، بخلاف عناية تقدير كلمة محذوفة؛ فليس هناك قرينة تساعد عليها؛ لأنَّ تقدير كلمة محذوفة مخالف للظاهر حتى في كلام النبي (صلى الله عليه و آله) بما هو مستعمل؛ إِذ الأصل في كلامه عدم التقدير.

84- في حديث الرفع ما هو الوجه في ترجيح عناية كون المرفوع هو الأشياء المذكورة في الحديث بوجودها التشريعي لا الخارجي، على عناية رفعها بوجودها التكويني رفعاً تنزيليّاً؟

- الوجه في ذلك: أَنَّ عناية الرفع التنزيلي للشي‏ء بوجوده الخارجي لا تتم في جميع الأشياء المذكورة في الحديث؛ لأَنَّ بعضها ليس له وجود خارجي ليعقل رفعه بمعنى تنزيل وجوده الخارجي منزلة العدم، كما في (ما لا يطيقون)؛ ففي حال ترك المكلّف للصوم بسبب عدم إِطاقته، لا يوجد شي‏ء خارجاً لينزّل منزلة العدم، بينما عناية الرفع التشريعي تتمّ هنا؛ إِذ ينفى وقوع ترك الصوم هنا موضوعاً للحرمة في عالم التشريع.

85- في حديث الرفع، قد يصحح الرفع بعناية تقدير أمر قابل للرفع حقيقة، و قد يصحح بعناية جعل الرفع منصبّاً على الأشياء المذكورة في الحديث بوجودها التشريعي لا الخارجي، فما هي الثمرة التي تترتب على كلٍّ من هاتين العنايتين؟

- الثمرة: أَنّه على العناية الأولى يكون المقدّر غير معلوم، بل مردّد بين المؤاخذة و بين‏

الحكم، فيقتصر فيه على القدر المتيقّن و هو المؤاخذة؛ لأنها ترتفع بارتفاع الحكم و عدم ارتفاعه، و على العناية الثانية نتمسك باطلاق الرفع لنفي جميع الأحكام؛ لأنّ الحديث عليها يفيد مثلًا: أَنَّ شرب الخمر خطأً لا يقع موضوعاً في عالم التشريع، و مقتضى الاطلاق عدم وقوعه موضوعاً لأَيّ حكم، لا خصوص المؤاخذة.

86- في حديث الرفع، قد يصحح الرفع بعناية تقدير أمر محذوف قابل للرفع حقيقة، و قد يصحح بعناية جعل الرفع منصبّاً على الأشياء المذكورة في الحديث بوجودها التكويني، و لكنه رفع تنزيليّ، و ليس حقيقيّاً، بيّن الثمرة التي تترتب على كلٍّ من هاتين العنايتين.

- الثمرة: أَنّه على العناية الأولى يكون المقدّر المحذوف غير محدّد، بل مردد بين المؤاخذة و بين الحكم، فيقتصر على القدر المتيقّن و هو المؤاخذة؛ لأَنها ترتفع بارتفاع الحكم‏

31

و عدم ارتفاعه، و على الثانية نتمسك باطلاق الدليل لنفي جميع الأحكام؛ لأَنّه ينزل شرب الخمر الخطئي مثلًا منزلة العدم، و مقتضى الاطلاق تنزيله منزلة العدم بلحاظ جميع الأحكام لا خصوص المؤاخذة.

87- في حديث الرفع، قد يصحح الرفع بعناية صبّه على الأَشياء المذكورة في الحديث بوجودها الخارجي، مع افتراض كون الرفع تنزيليّاً لا حقيقيّاً، و قد يصحح بعناية صبّ الرفع على تلك الأشياء بوجودها التشريعي لا الخارجي، بيّن الثمرة المترتبة على كلٍّ من هاتين العنايتين.

- الثمرة: أَنّه على العناية الأولى لا يمكن شمول حديث الرفع لحالة الاضطرار الى ترك الصوم مثلًا؛ لأنّ رفع الترك خارجاً و تنزيله منزلة العدم عبارة عن وضع الفعل و إثباته، و الحديث يتكفّل الرفع لا الوضع، و أما على العناية الثانية فإِنَّ الحديث يكون شاملًا للحالة المذكورة؛ إِذ لا يلزم من ذلك إِثبات الصوم، بل يلزم رفع موضوعيّة ترك الصوم للحرمة.

88- مثّلْ لتطبيق حديث الرفع في كلّ من الأحكام التكليفيّة و الوضعيّة.

- مثاله في الأحكام التكليفيّة أَنّ المكلّف إذا شرب المسكر مضطرّاً أو مكرهاً، فلا حرمة و لا عقاب، و مثاله في الأحكام الوضعيّة ما لو أُكره المكلّف على معاملة كالبيع، فإنّه يكون باطلًا و لا يترتب عليه مضمونه من النقل و الانتقال.

89- قالوا: يختصّ حديث الرفع بما إِذا كان في الرفع امتنانٌ على العباد، بيّن دليل هذا القول، و الثمرة التي تترتب عليه.

- دليله: أَنَّ الحديث مسوق مساق الامتنان؛ لأَنَّ الرفع إِنما يكون للشي‏ء الثقيل الذي يكون في إِزالته تيسير و امتنان، و الثمرة: عدم إِمكان تطبيق الحديث على البيع المضطر اليه لإبطاله؛ لأَنّ إِبطاله يعني إِيقاع المضطر في المحذور، و هو خلاف الامتنان، بخلاف تطبيقه على بيع المكرَه؛ فانه يعني تعجيز المكرِه عن تحقيق غرضه.

90- قالوا: إِنَّ الرفع في فقرة (رفع ما لا يعلمون) أَمّا واقعي و أمّا ظاهري، بيِّن مرادهم بكلّ من هذين النوعين من الرفع.

- المراد بالرفع الواقعي ارتفاع الحكم عن الشاكّ فيه حقيقة و واقعاً، فالمكلف غير العالم بوجوب الدعاء عند رؤية الهلال مثلًا، لا يكون الوجوب ثابتاً في حقّه، و المراد بالرفع‏

32

الظاهري رفع وجوب الاحتياط تجاه التكليف المشكوك، فالشاك في حرمة التدخين مثلًا لا يجب عليه أَن يحتاط بالامتناع عنه.

91- قيل: إِنّ الاستدلال للبراءة بفقرة (رفع ما لا يعلمون) يتمُّ سواء أَ كان المراد بالرفع فيها هو الرفع الواقعي أم الظاهري، فما دليل هذا القول؟

- دليله: أَنَّ المطلوب يتوقّف على أمرين، أولهما: إطلاق العنان للمكلّف الشاك، و عدم إِلزامه بالاحتياط، بأَنْ يفعل ما يحتمل وجوبه، و يترك ما يحتمل حرمته، و ثانيهما: إِيجاد معارض لدليل وجوب الاحتياط تجاه التكليف المشكوك- لو تمَّ هذا الدليل-، و كلا الأمرين يحصل بإثبات الرفع الأَعم من الواقعي و الظاهري.

92- قال السيّد الشهيد: إِنَّ إِثبات البراءة بفقرة (رفع ما لا يعلمون) لا يكون مطّرداً في جميع حالات الشك، إِذا حملنا الرفع فيها على الرفع الواقعي، بيّن دليله على قوله.

- دليله: أَننا نعلم باشتراك معظم الأحكام الواقعيّة- على تقدير ثبوتها- بين العالم و الجاهل، فلو حملنا الرفع على الواقعي، فلا بد أنْ نلتزم بتخصيص حديث الرفع، كأن نقول مثلًا: رفع ما لا يعلمون، الّا حرمة التدخين الواقعيّة عند الشك فيها؛ لأَنها ثابتة في حق العالم و الجاهل، وعليه تخرج معظم الأحكام المشكوكة عن حديث الرفع، و يبقى مختصاً بالاحكام المختصة بالعالم، و هي نادرة، خلافاً لحمل الرفع على الظاهري؛ فإنه يجعل الحديث شاملًا

لكل حالات الشك.

93- هل يتوقف إِثبات البراءة بفقرة (رفع ما لا يعلمون) على كون الرفع ظاهريّاً، أم أنه يتمّ حتّى في حال تردّد الرفع بين الظاهري و الواقعي؟ علّل لإجابتك.

- لا يتوقّف إثبات البراءة على كون الرفع ظاهريّاً، بل يكفي لإثباتها إجمال الحديث و تردده بين الرفع الواقعي و الظاهري؛ و علّة ذلك: أَنَّ الحديث لا يخصص و يخرج عنه التكليف المشكوك الّا إذا قطعنا بإرادة الرفع الواقعي، و مع الاجمال يشك في تخصيص الحديث، فيبنى على أَصالة عمومه، و شمول الحكم بالبراءة لكلّ تكليف مشكوك.

94- في فقرة (رفع ما لا يعلمون) قد يقال: إِنَّ ظاهر الرفع كونه رفعاً واقعيّاً، بيّن ما استدل به لهذا القول.

- استدل له بأَنَّ حمل الرفع على الظاهري يحتاج الى عناية و تقدير أَما في المرفوع بأَنْ‏

33

يقال: رفع وجوب الاحتياط تجاه الحرمة المشكوكة مثلًا، مع أَنَّ ظاهر الحديث رفع نفس الحرمة الواقعيّة غير المعلومة، و اما أن تعمل العناية في الرفع، بأن يقال: رفعت الحرمة الواقعيّة المشكوكة رفعاً ظاهريّاً، برفع وجوب الاحتياط تجاهها، مع أَنَّ ظاهر الحديث هو الرفع الحقيقي لا الظاهري، فلكي لا تلزم العناية بنحويها المخالفين للظاهر، يتعيّن حمل الرفع على الواقعي.

95- قيل: إِنَّ الرفع في فقرة (رفع ما لا يعلمون) رفع واقعي؛ لأَنَّ إِرادة الرفع الظاهري تستلزم العناية أَما في المرفوع بحمله على وجوب الاحتياط لا التكليف المشكوك، أو في الرفع بحمله على الظاهري لا الواقعي، و كلتا العنايتين مخالفة للظاهر، بيّن ردّ المحقق العراقي على هذا القول.

- ردّه: أَنَّ هناك قرينة في الحديث تعيّن إِرادة الرفع الظاهري، و هي كون الحديث مسوقاً مساق الامتنان؛ و الامتنان يتحقق برفع وجوب الاحتياط، سواء بقي التكليف الواقعي ثابتاً أم لا؛ لأنَّ ثبوته لا يضرّ المكلف، حتى يكون رفعه موجباً للامتنان، وعليه يكون السياق قرينة محددة للمقدار المرفوع و هو الحكم الظاهري بوجوب الاحتياط.

96- قال المحقق العراقي: إِنّ سياق حديث (رفع عن أمتي ما لا يعلمون) هو الامتنان، فيكون قرينة على رفع الحكم الظاهري بوجوب الاحتياط؛ إِذ أَنَّ الامتنان يتحقق بذلك، و لا

يتوقف على نفي الحكم الواقعي حتى يدل الحديث على رفعه، بيّن الاعتراض على هذا القول.

- يعترض عليه بأَنَّ الامتنان و إِنْ كان يحصل برفع وجوب الاحتياط، لكنه يحصل بطريقين، أولهما: رفع وجوب الاحتياط، و ثانيهما: رفع الحكم الواقعي، الذي هو منشأ لوجوب الاحتياط، و الحديث ظاهر في أصل الامتنان، و لكنّ ظهوره لا يقتضي حصول الامتنان بالطريق الأول دون الثاني.

97- ما هو الدليل على أَنَّ الرفع في فقرة (رفع عن أمتي ما لا يعلمون) لا يمكن أَن يكون رفعاً واقعيّاً، و إِنّما هو رفع ظاهري؟

- الدليل: أَنَّ الرفع الواقعي معناه كون العلم قيداً في الحكم، فإِن كان بمعنى أخذ العلم بالتكليف المجعول قيداً في المجعول فهو مستحيل للزوم الدور، و ان كان بمعنى أخذ العلم بالجعل قيداً في المجعول، فهو ممكن، لكنه خلاف الظاهر؛ لأنّه يجعل المرفوع غير ما

34

لا يعلم، بينما ظاهر الحديث أَنّ المرفوع هو نفس ما لا يُعلم، و بما أَنَّ الذي يراد رفعه هو المجعول؛ إِذ لا معنى لرفع الجعل، فيكون ظاهر الحديث هو رفع المجعول عند عدم العلم به، و هذا لا يمكن أن يكون رفعاً واقعيّاً، فيتعيّن أن يكون رفعاً ظاهريّاً.

98- قيل: إِنَّ الرفع في قوله (صلى الله عليه و آله): (رفع عن أمتي ما لا يعلمون) لا يمكن شموله للشبهة الموضوعية و الحكميّة معاً، اذكر دليل هذا القول:

- دليله: تغاير المشكوك في كلتا الشبهتين، ففي الشبهة الحكميّة يكون المشكوك أصل الحكم و التكليف، و في الشبهة الموضوعيّة المشكوك هو الموضوع الخارجي، فليس المشكوك فيهما من سنخ واحد ليشملهما دليل واحد.

99- قال السيد الشهيد: التحقيق أَنَّ شمول فقرة (رفع عن أمتي ما لا يعلمون) لكلّ من الشبهتين الحكميّة و الموضوعية يتوقف على أمرين، فما هذان الأمران؟

- أولهما: أمر ثبوتيّ، و هو تصوير جامع بين الحكم و الموضوع المشكوكين في الشبهتين؛ لئلّا يلزم الاستعمال في اكثر من معنى، فيكون هذا الجامع مصبّاً للرفع.

و ثانيهما: أمر إِثباتي، و هو عدم وجود قرينة في الحديث تدل على الاختصاص بالشبهة الحكميّة أو الموضوعيّة؛ إِذ معها لا يمكن شمول الحديث لكلتا الشبهتين.

100- إِنَّ شمول حديث (رفع ما لا يعلمون) لكلٍّ من الشبهة الحكميّة و الموضوعيّة، يتوقف على تصوير جامع بين الحكم و الموضوع، اذكر التصويرين اللذين قدّمهما المحققون لهذا الجامع.

- الأول: أنَّ الجامع هو مفهوم الشي‏ء الجامع بين الحكم و الموضوع المشكوكين، و الثاني: أَنَّ الجامع هو الحكم؛ فإِنَّ المشكوك في الشبهة الحكمية هو الحكم الكلّي، أو الجعل الثابت للموضوع الكلّي المقدّر الوجود، و المشكوك في الشبهة الموضوعية هو الحكم الجزئي، أو الحكم الفعلي الثابت للموضوع المحقق خارجاً.

101- لإثبات شمول فقرة (رفع ما لا يعلمون) لكلّ من الشبهة الحكميّة و الموضوعيّة، قيل: إِن المراد باسم الموصول (ما) هو مفهوم الشي‏ء الجامع بين الحكم و الموضوع المشكوكين، بيّن اعتراض صاحب الكفاية على هذا القول.

- اعترض عليه بأَنّ إِسناد الرفع الى الحكم حقيقيّ؛ لأَنّ أمر الحكم بيد الشارع، فيمكنه‏

35

رفعه حقيقة في حال الجهل به، بينما إسناد الرفع الى الموضوع مجازيّ؛ فالشارع مثلًا لا يرفع الخمر الذي لا تعلم خمريّته، بل يرفع الحكم الثابت له، و هو الحرمة، و انما يسند الرفع الى الخمر مجازاً، وعليه لا يمكن الجمع بين الاسنادين في استعمال واحد؛ لأَنَّ إسناد الرفع الى الشي‏ء أَما حقيقيّ و أَما مجازيّ، و لا يمكن أن يكون حقيقيّاً و مجازياً معاً.

102- قال صاحب الكفاية: لا يمكن إسناد الرفع في حديث (رفع ما لا يعلمون) الى كلٍّ من التكليف و الموضوع؛ لأَنّ إسناده الى الأوّل حقيقي و إلى الثاني مجازي، و لا يمكن الجمع بين إسنادين متغايرين في استعمال واحد، بيّن دفع الأصفهاني لهذا القول.

- دفعه بأَنَّ من الممكن أَنْ يجتمع وصفا الحقيقيّة و المجازية في إِسناد واحد باعتبارين مختلفين؛ فالرفع بما هو مسند الى الشي‏ء بمعنى الحكم يكون حقيقيّاً، و بما أنه مسند اليه بمعنى الموضوع يكون مجازيّاً، و هذا ممكن كإِسناد العلم و الجهل الى شخص واحد باعتبارين، و أنّه عالم بلحاظ الفقه و جاهل بلحاظ الطبّ، و إِنما يستحيل كون النسبة حقيقيّة و مجازية باعتبار واحد.

103- قال الأصفهاني: يمكن اجتماع الرفع الحقيقي و المجازي في إسناد واحد باعتبارين مختلفين، بأَنْ يسند الرفع الى الشي‏ء بمعنى الحكم حقيقة، و إليه بمعنى الموضوع‏

مجازاً، بيّن الردّ على هذا القول.

- ردّه: أَنَّ المحذور ليس في مجرد اجتماع هذين الوصفين في إسناد واحد، بل يكمن في أَنَّ نسبة الرفع الى ما هو له (الحكم) مغايرة ذاتاً لنسبته الى غير ما هو له (الموضوع)، فإِن كان الاسناد مستعملًا لإفادة إحدى النسبتين اختصَّ الرفع بما يناسبها، و اما استعماله لإفادتهما معاً فهو استعمال لهيئة الاسناد في معنيين متغايرين، و هو مستحيل، و ليس هناك جامع حقيقيّ بين النّسب لتكون الهيئة مستعملة فيه.

104- قال الآخوند: لا يمكن إسناد الرفع في حديث (رفع ما لا يعلمون) الى مفهوم الشي‏ء الجامع بين التكليف و الموضوع؛ لأَنَّ إِسناده الى الأوّل حقيقي، و إلى الثاني مجازيّ، و لا يمكن الجمع بين إسنادين متغايرين في استعمال واحد، بيّن الردّ الصحيح على هذا القول.

- ردّه: أَنَّه لا تغاير بين الاسنادين؛ فإِنَّ إسناد الرفع الى التكليف مجازيّ أيضاً؛ لأَنَّ رفعه ظاهريّ و ليس واقعيّاً؛ إِذ المرفوع هو وجوب الاحتياط تجاه الحكم المشكوك، لا الحكم‏

36

نفسه، و إلّا اختصّ الحكم بالعالم، وعليه لا يلزم الجمع بين نسبتين متغايرتين في استعمال واحد، بل هي نسبة واحدة مجازيّة، طرفها واحد هو الشي‏ء، غايته مصداقه مختلف، فهو الحكم تارة و الموضوع أخرى.

105- قيل باختصاص فقرة (رفع عن أُمتي ما لا يعلمون) بالشبهة الموضوعية، فما الدليل على هذا القول؟

- دليله: أَنَّ وحدة سياق حديث الرفع قرينة على اختصاصه بالشكّ في موضوع الحكم؛ فإِنَّ الخطأ و الإكراه و الاضطرار ... الخ إِنما يكون في الموضوعات الخارجيّة لا في الحكم الكلّي، فكذلك (ما لا يعلمون) يجب أن يحمل على إرادة الموضوع الخارجي المشكوك.

106- استدل على اختصاص فقرة (رفع ما لا يعلمون) بالشبهات الموضوعيّة، بوحدة السياق؛ فان الخطأ و الإكراه و الاضطرار ... الخ إِنما يكون في الموضوعات الخارجيّة، و هذا يعيّن كون المراد ب- (ما لا يعلمون) هو الموضوع الخارجي؛ لئلّا تنثلم وحدة السياق، بيّن ردّ هذا الاستدلال.

- ردّه: أنَّ إِرادة خصوص الشبهة الموضوعيّة في غالب الفقرات، و إِرادة الأَعم منها و من الحكميّة في فقرة (ما لا يعلمون) لا ينافي وحدة السياق؛ ما دام المعنى المستعمل فيه واحداً، و هو الشي‏ء المشكوك؛ لأَن اختلاف مصداق الشي‏ء لا يعني اختلاف المعنى المستعمل فيه.

107- بيّن ما استدل به على اختصاص فقرة (رفع ما لا يعلمون) بالشبهة الحكميّة؟

- بيانه: أَنَّ الظاهر من الفقرة كون (ما) هو الذي لا يعلم، فلا بد من تفسيره بالحكم و التكليف؛ إِذ الموضوع الخارجي معلوم، و انما المجهول هو حكمه.

108- استدل على اختصاص فقرة (رفع ما لا يعلمون) بالشبهات الحكميّة بظهورها في كون المرفوع هو الذي لا يعلم، و هذا يعيّن إِرادة الحكم؛ لأنَّ الموضوع الخارجيّ معلوم، و إنّما المجهول كونه خمراً مثلًا، فإِسناد الرفع اليه لا يكون حقيقيّاً، و هو خلاف الظاهر، ناقش هذا الاستدلال.

- يناقش أولًا: بإِمكان أَنْ يكون المراد باسم الموصول نفس عنوان الخمر، لا المائع‏

37

المشكوك كونه خمراً، فيكون عدم العلم مسنداً اليه حقيقةً، و ثانياً: بأَنَّ إِرادة الحكم من اسم الموصول لا توجب الاختصاص بالشبهة الحكميّة؛ لأَنَّ التكليف بمعنى الحكم الفعلي (المجعول) مشكوك في الشبهة الموضوعية أيضاً.

109- يمكن التعويض عن نصوص البراءة عن التكليف المشكوك بإجراء الاستصحاب بثلاثة أَشكال، بيّن هذه الاشكال باختصار.

- الأول: استصحاب عدم جعل التكليف الثابت قبل التشريع، الثاني: استصحاب عدم فعليّة التكليف الثابت قبل البلوغ، الثالث: استصحاب عدم فعليّة التكليف المشروط بعد البلوغ و قبل تحقق الشرط.

الاعتراضات العامه على أدلة البراءه‏

110- ما هما الاعتراضان الأَساسيّان على أدلة البراءة؟

- أولهما: أَنَّها معارضة بأَدلّة تدل على وجوب الاحتياط تجاه التكليف غير المعلوم، بل هذه الأدلة حاكمة على أَدلة البراءة؛ لأنّها بيان لوجوب الاحتياط، فترفع موضوع أدلة البراءة الذي هو عدم البيان.

و ثانيهما: أَنَّ أَدلة البراءة لا تجري في الشبهات الحكميّة؛ للعلم الإجمالي بثبوت تكاليف الزاميّة في مجموع الشبهات، فيكون إجراؤها في الجميع مخالفاً للعلم الاجمالي، و في البعض ترجيحاً بلا مرجّح.

111- وضّح الاستدلال على أَنَّ دليل الاحتياط- لو تمَّ- لا يكون حاكماً على أَدلة البراءة.

- توضيحه: أَنَّ بعض أَدلة البراءة يجعلها منوطة بعدم وصول الحكم الواقعي، فلا يكون دليل وجوب الاحتياط رافعاً لموضوعها تعبّداً؛ لأنّه لا يبيّن الواقع، بل يضع حكماً ظاهريّاً بوجوب الاحتياط تجاه التكليف غير المعلوم، فيعارض أدلة البراءة التي ترفع وجوب الاحتياط رفعاً ظاهريّاً.

112- قيل: إِذا حصل التعارض بين أَدلة البراءة و أدلة وجوب الاحتياط، فالمقدّم هو

38

أدلة وجوب الاحتياط، اذكر دليل هذا القول.

- دليله: أَنَّ ما يعارض أَدلة الاحتياط هو أولًا: آية (لا يكلّف الله نفساً إِلّا ما آتاها) على أساس إِطلاق اسم الموصول للتكليف فيخصص بأدلة وجوب الاحتياط عند الشك في التكليف خاصّة، و ثانياً: حديث الرفع، و هو مطلق للشبهة الحكميّة و الموضوعيّة، فتقدم أدلة وجوب الاحتياط عليه بالتخصيص أيضاً؛ لأنَّ موردها الشبهة الحكميّة فقط.

113- ما هو التحقيق الذي ذكره السيّد الشهيد بشأن النسبة بين أَدلة وجوب الاحتياط، و بين قوله تعالى: (لا يكلّف الله نفساً إِلّا ما آتاها) الدال على البراءة عن التكليف المشكوك؟

- التحقيق: أَنَّ النسبة بينهما هي العموم من وجه؛ فالآية أَعم؛ لأَنها تشمل التكليف و غيره من الفعل و المال، بينما أدلة الاحتياط مختصة بالتكليف، و أدلّة الاحتياط أَعمّ؛ لأَنها تشمل حالة ما قبل الفحص و ما بعده، بينما الآية مختصة بما بعد الفحص، فيجتمعان في مورد الشك في التكليف بعد الفحص و يتعارضان، و يقدم الدليل القرآني لكونه قطعيّاً.

114- ما هو التحقيق الذي ذكره السيّد الشهيد بشأن النسبة بين أَدلة الاحتياط، و بين حديث الرفع الدّال على البراءة؟

- التحقيق: كون النسبة بينهما هي العموم من وجه؛ لأنَّ أدلة الاحتياط شاملة لموارد الشك البدوي و العلم الإجمالي، بينما حديث الرفع خاص بالشك البدوي، و الحديث شامل للشك في الحكم و الشك في الموضوع، بينما أَدلة الاحتياط خاصّة بالشك في الحكم، فيجتمعان في مورد الشك البدوي في الحكم و يتعارضان، و يقدم الحديث لموافقته إطلاق قوله تعالى: (لا يكلّف الله نفساً إلّا ما آتاها).

115- إِذا تنزلنا عمّا يوجب ترجيح دليل البراءة على دليل الاحتياط، و افترضنا تعارضهما و تساقطهما، فما هو المرجع حينئذ؟

- المرجع هو البراءة العقليّة عن التكليف المشكوك لدى القائلين بقاعدة قبح العقاب بلا بيان، و أما القائلون بمسلك حق الطاعة فإِنّ بإمكانهم التعويض عن البراءة العقليّة بالرجوع الى استصحاب عدم التكليف الثابت قبل التشريع أو قبل البلوغ.

116- قيل: إِنَّ أَدلة البراءة لا تجري في الشبهات الحكميّة؛ للعلم الاجمالي بثبوت‏

39

تكاليف إلزاميّة في مجموع الشبهات، فجريان البراءة في جميع الشبهات مخالف للعلم الاجمالي، و جريانها في البعض ترجيح بلا مرجّح، بيّن ردَّ الآخوند على هذا القول.

- ردّه: أَنَّ العلم الاجمالي المذكور منحلّ بعلم إجمالي صغير بثبوت التكاليف في دائرة أخبار الثّقات؛ لتوفر شرطي الانحلال من كون أطرافِ العلم الصغير بعض أطراف الكبير، و عدم زيادة المعلوم بالاجمالي الكبير على المعلوم بالصغير، و مع الانحلال تكون الشبهة خارج نطاق العلم الصغير بدوية، فتجري البراءة عن كلّ شبهة لم يقم على إثبات التكليف فيها أمارة معتبرة من أخبار الثقات.

117- قال الآخوند: إِنَّ العلم الاجمالي بثبوت تكاليف في مجموع الشبهات الحكميّة لا يكون منجّزاً لها جميعاً؛ لأنه منحل بعلم إِجمالي أصغر منه بثبوت التكاليف في دائرة أَخبار الثّقات، بيّن الردّ على هذا القول.

- ردّه: أَنَّه غير تام؛ إذ كما يوجد علم اجمالي صغير بثبوت تكاليف في أخبار الثقات، يوجد علم إجمالي صغير آخر بثبوت تكاليف في أَخبار غير الثقات، فإِن كان العلمان‏

متداخلين كليّاً، كان الانحلال بأحدهما دون الآخر ترجيحاً بلا مرجّح، و الانحلال بهما معاً مستلزماً لحجيّة خبر غير الثقة، رغم كونه أمارة غير معتبرة، و إن كانا متداخلين جزئياً، يلزم أَن يكون المعلوم بالاجمالي الكبير أكبر من المعلوم بالاجمالي الصغير الثابت في أَخبار الثقات، فيختل الشرط الثاني من شروط انحلال الاجمالي الكبير بالصغير.

118- قيل: إِنَّ العلم الإجمالي الذي تضمّ أطرافه كلّ الشبهات يسقط عن المنجزيّة باختلال الركن الثالث من الأركان الأربعة التي يتوقف عليها تنجيزه، اشرح هذا القول، و بيّن دليله.

- شرحه: أَنَّ الركن الثالث و هو تعارض جريان البراءة في الأطراف، غير متوفر هنا، و دليله: أَنَّ جملة من الأطراف قد تنجّزت فيها التكاليف بالحجج المعتبرة من ظهور آية، و خبر ثقة، و استصحاب مثبت للتكليف، ممّا يؤدّي الى عدم جريان البراءة فيها، فتجري في بقيّة الأطراف بلا معارض، فينحلّ العلم الاجمالي حكماً، و ان لم يرتفع حقيقةً، و إنما ترتفع منجزيّته بسبب عدم تعارض الأصول في أطرافه.

119- قيل: إِنّ العلم الاجمالي بثبوت تكاليف في مجموع الشبهات غير منجّز لها؛

40

لأنَّه منحلٌّ حكماً، و للسيد الخوئي تقريب خاص لهذا الانحلال يربطه بمسلك جعل الطريقيّة، بيّن هذا التقريب.

- تقريبه: أنَّ هذا العلم منحل حكماً؛ لأَنَّه متقوّم بالعلم بالجامع و الشك في كلّ طرف، و دليل حجيّة الأمارة المثبتة للتكليف في بعض الأطراف، لمّا كان مفاده جعل الطريقيّة و العلميّة، فإِنّه يؤدّي الى إلغاءِ الشك تعبداً في تلك الأطراف، و هذا بنفسه إِلغاء تعبديّ للعلم الاجمالي؛ لأَنه متقوّم بالشك في كلّ طرف.

120- يرى السيّد الخوئي أَنَّ الانحلال الحكميّ للعلم الاجمالي بثبوت تكاليف في مجموع الشّبهات مرتبط بمسلك جعل العلميّة؛ لأن الأمارة الحجة بقيامها على التكليف في بعض الأطراف تجعله معلوماً تعبداً، و هذا معناه الإلغاء التعبدي للعلم الاجمالي، بيّن ما يرد على هذا الرأي.

- يرد عليه: أَنَّ نكتة وجوب الموافقة القطعيّة للعلم الاجمالي هي تعارض الأصول في أطرافه، لا عنوان العلم الاجمالي لنثبت زواله بمسلك جعل العلمية، نعم هذا المسلك يفسّر

إخراج موارد الأمارات المثبتة للتكليف عن كونها مجرى للبراءة؛ لأنّ الأمارة حاكمة على الأصل، فتجري البراءة في بقية الأطراف بلا معارض، و يحصل الانحلال الحكمي، و هذا التفسير يمكن بنكتة أخرى كالنصيّة؛ للجزم بشمول دليل حجيّة الأمارة لمورد اجتماعها مع الأصل المخالف لها، دون العكس، فلا يكون الطرف الذي قامت عليه الأمارة مجرى للبراءة، فيثبت عدم تعارض الأصول و الانحلال الحكمي، بلا حاجة لمسلك جعل العلميّة.

تحديد مفاد البراءه‏

121- ما هو الضابط لجريان كلّ من أَصالة البراءة و أَصالة الاشتغال؟

- ضابط جريان البراءة هو الشك في التكليف؛ لأنَّ هذا هو موضوع دليل البراءة، و أما ضابط جريان الاشتغال فهو أَن يكون التكليف معلوماً، و الشك في الامتثال (المكلّف به)؛ لأَنَّ الشغل اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني.

122- بيّن رأي السيّد الشهيد في مسلك المشهور القائل: إِنَّ امتثال التكليف أو عصيانه مسقط له.

41

- رأيه: أَنَّ هذا المسلك غير صحيح؛ فإِن الامتثال و المعصية مسقطان لفاعليّة التكليف، و لكن لا يسقط بهما أصل التكليف و فعليّته؛ لأَنَّ المسقط للتكليف هو ما أُخذ عدمه قيداً في ثبوت التكليف، و هذا غير متحقق بالنسبة للامتثال و المعصية، و إلّا لصار دليل وجوب الصلاة مثلًا أما بعبارة: أقيموا الصلاة إِن لم تقيموا الصلاة، أو بعبارة: أقيموا الصلاة إن لم تعصوا الأمر باقامتها، و هو واضح البطلان.

123- إِن عدم جريان البراءة عند الشك في الامتثال (المكلَّف به) واضح و متّجه على القول بأَنّ الامتثال ليس مسقطاً للتكليف، و لكنه غير واضح على القول بمسقطيّة الامتثال للتكليف، فما علّة ذلك؟

- علّته: أَنَّه على القول الأوّل لا يكون الشك في الامتثال شكاً في فعليّة التكليف، فلا موضوع لدليل البراءة بوجه، و أما على القول الثاني، فقد يتوهم تحقق موضوع البراءة، بتقريب أَنَّ الشك في الامتثال يؤدّي الى الشك في ثبوت التكليف، فتجري البراءة عنه.

124- على مسلك المشهور القائل: إِنَّ الامتثال من مسقطات التكليف، يكون الشكّ في الامتثال شكّاً في فعليّة التكليف، و يلزم جريان البراءة عنه، فكيف يتخلص على هذا المسلك من إِجراء البراءة حينئذ؟

- يتخلّص من إجرائها بطريقتين، أولاهما: دعوى اختصاص أَدلة البراءة بالشكّ في أصل ثبوت التكليف، و انصرافها عن الشك الناشي من احتمال امتثال التكليف بعد العلم بثبوته، و الثانية: التمسك بأصل موضوعي حاكم على البراءة و هو استصحاب عدم الاتيان بالتكليف، الذي يثبت لزوم الإِتيان به.

125- قالوا: إِنَّ ميزان التمييز بين كون الشك في التكليف لتجري البراءة، أو في الامتثال ليجري الاحتياط، إِنما نحتاجه في الشبهات الموضوعية دون الحكميّة، بيّن علّة هذا القول.

- علّته: أَنَّه في الشبهات الموضوعية نحتاج الى دقّة لمعرفة كون الشكّ شكّاً في أصل ثبوت التكليف أم شكّاً في الامتثال، بخلاف الشبهات الحكميّة؛ فإنَّ الشكّ فيها يكون عادة في التكليف.

126- الشبهة الموضوعيّة تستبطن دائماً الشك في أحد أطراف الحكم الشرعي، بيّن‏

42

هذه الأطراف، و مثّل لها.

- الأطراف هي: قيد التكليف، و متعلّقه، و موضوعه، و مثالها: أطراف الحكم بوجوب الاكرام في خطاب: (اكرم عالماً إذا جاء العيد)، فقيد الحكم هو (مجي‏ء العيد)، و متعلّقه (الاكرام)، و موضوعه (العالم).

127- في الشبهة الموضوعيّة قد يكون الشك في صدور متعلّق التكليف، مع إحراز القيود و الموضوع الخارجي، بيّن الأصل الجاري في هذه الحال، مع التعليل.

- في هذه الحال يكون الشكُّ شكاً في الامتثال بلا إِشكال، فتجري أَصالة الاشتغال، و علّة ذلك أَنَّ التكليف معلوم؛ لبداهة كون فعليّة التكليف غير منوطة بوجود متعلّقه خارجاً، و انما الشك في الخروج من عهدته، فيجب الاتيان به ليحصل الجزم بفراغ الذمّة.

128- في الشبهة الموضوعية قد يكون الشك في قيد التكليف كالبلوغ، فما هو الأصل الجاري حينئذ؟ علّل لإجابتك.

- الأصل الجاري هو البراءة عن التكليف؛ لأَنّ الشك في تحقق القيد يؤدّي الى الشك في أصل ثبوت التكليف، و هو مجرى البراءة.

129- لو كان إطلاق التكليف بالنسبة للموضوع شموليّاً، نحو: أَكرم كلّ عالم، و شك في تحقق موضوع الحكم- كما لو شك في كون زيد عالماً- بيّن الأصل الجاري حينئذ، مع التعليل.

- الأصل الجاري هو البراءة، و علّة ذلك أَنَّ الشك هنا يستبطن الشكّ في التكليف الزائد؛ لأن وجوب الاكرام ينحلّ بعدد الأفراد، فلو كانوا عشرة انحلّ الى عشرة وجوبات، فالشك في كون زيد عالماً يعني الشك في وجوب زائد على العشرة، فتجري البراءة عنه.

130- إذا كان إطلاق التكليف بالنسبة للموضوع بدليّاً، نحو: أَكرم فقيراً، و شك في موضوع الحكم- كما لو شك في فقر زيد- فهل يجوز الاكتفاء بإكرامه، أم لا؟ و ما علّة ذلك؟

- لا يجوز الاكتفاء بإِكرامه؛ لأنَّ الشك هنا يكون في الامتثال؛ إِذ أَنَّ التكليف بوجوب الاكرام معلوم، و هو وجوب واحد، و يشك في أَنَّ امتثاله يحصل بإِكرام من يُشك في فقره، و في مثله يحكم بالاشتغال، و لزوم الجزم بتحقق الامتثال.

131- هناك ميزانان لجريان البراءة في الشبهة الموضوعيّة، اذكرهما مع التمثيل.

43

- الميزان الأول: أَن يكون الشك في تحقق قيد التكليف الدخيل في فعليّته، كما لو شك في تحقق البلوغ، و الميزان الثاني: أَن يكون الشك في الموضوع، و يكون اطلاق التكليف بالنسبة إليه شموليّاً، كما لو قيل: أَكرم كل عالم، و شك في كون زيد عالماً، فتجري البراءة عن وجوب إِكرامه.

132- لجريان البراءة في الشبهة الموضوعيّة ميزانان، أولهما: الشك في قيد التكليف الدخيل في فعليّته، و ثانيهما: الشك في الموضوع إِذا كان إِطلاق التكليف له شموليّاً، اذكر رأي النائيني في إِرجاع الميزان الثاني الى الأول.

- رأيه: أَنَّ مردَّ الشك في الموضوع الخارجي الى الشك في تحقق قيد التكليف؛ لأنَّ الموضوع قيد في التكليف، فحرمة شرب الخمر مقيّدة بوجود الخمر خارجاً، فمع الشك في خمريّة مائع، يشك في فعليّة التكليف المقيّد، فتجري البراءة عنه، و بهذا يمكن الاقتصار على الميزان الأول.

133- قال النائيني: يمكن الاقتصار على ميزان واحد لجريان البراءة في الشبهة الموضوعيّة هو الشك في قيد التكليف؛ لأَنَّ الشك في الموضوع يرجع الى الشك في القيد، و ليس ميزاناً ثانياً؛ لأَنَّ الموضوع قيد في فعليّة التكليف، فالشكّ في تحققه شك في قيد التكليف، بيّن الردّ على هذا القول.

- ردّه: أَنَّه ليس من الضروري كون الموضوع قيداً في التكليف، بل قد يتفق ذلك فيما إذا كان الموضوع أَمراً غير اختياريّ كالزوال؛ لئلّا يطالب المكلّف بإيجاده مع كونه غير مقدور، و أَما إذا كان الموضوع اختياريّاً كوجود الخمر، فلا يلزم أخذه قيداً في الحكم بحرمة الخمر، فنحتاج الى الميزان الثاني لإجراء البراءة في الشبهة الموضوعيّة.

134- للسيّد الشهيد طريقة خاصة في إِرجاع الشك في الموضوع الخارجي الى الشك في قيد التكليف، فيكون ميزان جريان البراءة عند الشك بنحو الشبهة الموضوعيّة واحداً، بيّن هذه الطريقة.

- بيانها: أَنَّ خطاب (لا تشرب الخمر) مثلًا، مرجعه الى قضيّة شرطيّة مُفادها: كلّما كان مائع ما خمراً فلا تشربه، فحرمة شرب المائع مقيّدة بكونه خمراً، سواءٌ وجد خارجاً أم لا، فإذا شُكّ في كون مائع ما خمراً، جرت البراءة عن الحرمة؛ للشك في قيد التكليف.

44

135- اذكر ما استخلصه السيّد الشهيد في تحديد الميزان الأساسي لجريان البراءة عند الشك في التكليف بنحو الشبهة الموضوعيّة.

- خلاصته: أَنَّ البراءة تجري عند الشك في قيود التكليف، و القيود تارة تكون على وزان مُفاد كان التّامة كالشك في وقوع الزلزلة التي هي قيد لوجوب صلاة الآيات، و أخرى على وزان مُفاد كان الناقصة بالنسبة لعنوان الموضوع كالشكّ في خمريّة المائع الدخيلة في حرمته، و ثالثة على وزان مُفاد كان الناقصة بالنسبة الى عنوان المتعلّق كالشك في كون الكلام كذباً، الدخيل في حرمته.

استحباب الاحتياط

136- قيل: لا يمكن ثبوتاً جعل الاستحباب المولوي للاحتياط تجاه التكليف‏

المشكوك؛ لأنّه لغو، بيّن استدلالهم على اللغويّة.

- استدلوا عليها بأَنّه إِن أريد باستحباب الاحتياط الإلزام به، فهو غير معقول؛ لأنَّه يعني صيرورة الاحتياط واجباً، مع أَنَّ المفروض كونه مستحبّاً، و إِن أُريد به إيجاد محرّك غير الزاميّ نحو الاحتياط، فهذا تحصيل للحاصل؛ إِذ يكفي في إيجاد هذا المحرّك حكم العقل بحسن الاحتياط تجاه التكليف الواقعي المشكوك، حتى لو لم يجعل الشارع استحباب الاحتياط.

137- الاستحباب المولوي للاحتياط أَما أن يكون نفسيّاً، و أما أَن يكون طريقيّاً، عرّف بكلّ منهما.

- الاستحباب النفسي للاحتياط هو النّاشي من ملاك خاصّ به، غير ملاك الأحكام الواقعيّة المشكوكة، كما قد يستفاد من قوله (عليه السلام): (من ترك الشبهات فهو لما استبان له أَترك) الدّال على أَنّ استحباب الاحتياط ناشي من ملاك في نفس الاحتياط، و هو ما يولّده من قدرة على ترك المحرّمات المعلومة، و أَما الاستحباب الطريقي للاحتياط فهو ناشي من الحفاظ على ملاكات الاحكام الواقعيّة المحتاط بلحاظها.

138- قيل: لا يمكن جعل الاستحباب المولوي للاحتياط تجاه التكليف المشكوك؛ و ذلك للزوم اللغويّة؛ إِذ لو أُريد به الإلزام بالاحتياط، فهذا يجعل الاحتياط واجباً، مع أنَ‏

45

المفروض استحبابه، و لو أُريد به إِيجاد محرّك غير إِلزامي، فهذا حاصل بحكم العقل بحسن الاحتياط تجاه التكليف المشكوك، بيّن الردَّ على هذا القول.

- ردّه: أَنَّ جعل الاستحباب المولوي للاحتياط إِن كان نفسيّاً، أي: بملاك غير ملاك الاحكام المحتاط بلحاظها، فلا لغوية؛ لأنَّ محركية الاستحباب مغايرة سنخاً لمحركيّة الواقع المشكوك؛ لأنَّ الأولى ناشئة من ملاك في نفس الاحتياط، و الثانية ناشئة من ملاك الحكم الواقعي المشكوك، فتتأكد إِحداهما بالأخرى، و إِن كان جعل الاستحباب المولوي للاحتياط طريقيّاً، أي: بملاك التحفظ على ملاكات الاحكام الواقعيّة، فلا لغوية أيضاً؛ لأنَّ هذا الجعل بابرازه شدة اهتمام المولى بالاحتياط، سيؤدّي الى تقوية محركيّة حكم العقل بحسن الاحتياط.

139- قيل: إنَّ حُسنَ الاحتياط عقلًا لا يمكن أن يستتبع حكم الشارع باستحباب‏

الاحتياط، بيّن الدليل على هذا القول.

- دليله: أَنَّ حسن الاحتياطِ عقلًا كحسن الطاعة و قبح المعصيةِ واقع في مرحلة متأخرة عن الحكم الشرعي، فيستحيل أَنْ يكون مستلزماً للحكم الشرعي؛ و إلّا لزم التسلسل؛ لأَنَّ حسن الاحتياط إذا استتبع أمراً شرعيّاً، كانت طاعة ذلك الأمر حسنة عقلًا أيضاً، و هذا يستتبع أمراً شرعيّاً بها، و هكذا، وعليه فالاحتياط و إِنْ كان حسناً عقلًا، الّا أنه لا يستتبع حكماً شرعيّاً باستحباب الاحتياط.

140- قيل: إِنّ حسن الاحتياط عقلًا واقع في مرحلة متأخرة عن الحكم الشرعي، فلا يستلزم حكم الشارع باستحباب الاحتياط؛ إِذ يلزم من ذلك التسلسل المستحيل، بيّن الردّ على هذا القول.

- يردّه أولًا: أَنَّ التسلسل إِنما يستحيل في الأمور التكوينية، دون الأمور الاعتبارية كما نحن فيه؛ فإِنّ المعتبِر متى قطع اعتباره انقطع التسلسل، و ثانياً: لو سلّمنا التسلسل حتى في الأمور الاعتبارية، فإِنّه ليس بضائر؛ لأننا لا نريد إِثبات استحباب الاحتياط شرعاً بقانون الملازمة بينه و بين الحسن العقلي؛ بل هذا الاستحباب ثابت بدليله من الروايات، و إِنما نريد نفي المانع من ثبوته، و هو ما ادعي من استحالته عقلًا.

141- قال السيّد الشهيد: ليس المقصود استكشاف استحباب الاحتياط شرعاً عن‏

46

طريق الملازمة بينه و بين حكم العقل بحسن الاحتياط، ما دليله على هذا القول؟

- دليله: أننا لو أردنا إثبات الاستحباب الشرعي للاحتياط عن طريق الملازمة بينه و بين حكم العقل بحسن الاحتياط، لزم أَن يكون هذا الاستحباب على منوال الحكم العقلي؛ لفرض استكشافه منه، و العقل إِنّما يحكم بحسن الاحتياط الصادر بداع قربيّ خاصة، مع أَنَّ الاستحباب الشرعي للاحتياط غير ثابت لخصوص الاحتياط القربي؛ فإِنَّ من لا يقتحم الشّبهات، يكون قد أَتى بالاستحباب و إِنْ لم يكن قاصداً القربة.

142- متى يمكن الاحتياط تجاه الفعل الذي يحتمل كونه واجباً عباديّاً؟ علّل لإِجابتك.

- يمكن ذلك إذا كان أصل مطلوبيته معلوماً، أي يحصل الجزم بكونه مطلوباً للشارع،

و انما يتردد في كونه مطلوباً بنحو الوجوب أو الاستحباب، فيمكن الاحتياط بالإتيان بالفعل بقصد الأمر المعلوم تعلّقه به، و علّة ذلك: أَنّه يكفي في وقوع الفعل عباديّاً و قربيّاً قصدُ امتثال الأمر المتعلّق به.

143- استشكل في إِمكان الاحتياط تجاه الفعل المحتمل كونه واجباً عباديّاً، إذا شُكّ في أصل مطلوبيّة الفعل، بيّن تعليلهم لهذا الاستشكال.

- علّلوه بأَنَّه إذا أُتي بالفعل بلا قصد القربة، فهو لغو جزماً؛ إِذ بدون القصد لا يقع الفعل عبادةً، و اذا أُتي به بقصد القربة و امتثال الأمر، فهذا يتوقف على وجود أمر جزميّ بالفعل ليقصد امتثاله، مع أَنّ المكلّف شاك فيه، فيكون إثبات وجود الأمر الشرعي مع أنه غير معلوم الثبوت تشريعاً محرّماً، فلا يقع عبادة و لا يتقرّب به، فكيف يمكن الاحتياط به؟

144- قيل: لا يمكن الاحتياط تجاه الفعل المحتمل كونه واجباً عباديّاً، إذا شكّ في أصلِ مطلوبيّته؛ لأَنَّ الإتيان بالفعل المحتمل بلا قصد القربة لغو، و مع قصد القربة تشريع محرّم؛ لأَنَّ القصد يفترض إِثبات الأمر، مع أَنّه غير ثابت شرعاً، بيّن الردّ على هذا القول.

- ردّه: أَنّ قصد القربة عند الإتيان بالتكليف المحتمل و إِنْ كان يتوقف على وجود أمر جزميّ، إِلّا أَنَّ هذا الأمر ثابت، و هو الأمر الاستحبابي بالاحتياط، فإِن أُشكل بأَنه أمر توصلي، فكيف يجب قصد التقرّب به؟ فالجواب: أَنَّ لزوم قصد القربة ناشي من أَنَّ الأمر التوصلي بالاحتياط يتوقف تحققه على قصد القربة؛ لأنَّ الاحتياط في مورد العبادة المشكوكة لا يتحقق‏

47

الّا بإتيانها بقصد التقرّب، لا لأَنَّ قصد القربة مأخوذ في نفس الأمر بالاحتياط.

145- قيل: لا يمكن الاحتياط تجاه التكليف المحتمل كونه واجباً عباديّاً؛ لأنه يتطلب الجزم بالأمر، ليؤتى بالتكليف بقصد امتثاله، و الحال أَنه لا جزم بالأمر، و أجيب بأَنَّ الأمر الجزمي ثابت و هو الأمر الاستحبابي بالاحتياط، بيّن تحقيق السيد الشهيد بشأن هذا الجواب.

- تحقيقه: أَنَّ الجواب المذكور صحيح، و لكن يوجد جواب أولى منه، و هو: أنَّ الإتيان بالتكليف المحتمل بنيّة القربة لا يتوقف على وجود أمر جزميّ؛ إِذ يكفي الاتيان بالتكليف بنيّة رجاء المطلوبيّة، فكما أَنَّ امتثال التكليف المعلوم يكون قربيّاً، كذلك امتثال التكليف المحتمل.

منجزية العلم الاجمالى بقطع النظر عن الأصول المؤمّنة الشرعية.

146- قال السيّد الشهيد: إِنَّ البحث في منجزيّة العلم الإجمالي إِنّما يتّجه بناءً على مسلك قاعدة قبح العقاب بلا بيان، دون مسلك حق الطاعة، بيّن تعليله لهذا القول.

- تعليله: أَنَّ كلَّ شبهة من أطراف العلم الاجمالي مؤمّن عنها بالقاعدة المذكورة، فيحتاج تنجّز التكليف فيها الى منجّز، فلا بد من البحث حينئذ عن حدود منجزيّة العلم الاجمالي و مدى إِخراجه لأطرافه عن موضوع القاعدة، و أما على مسلك حقّ الطاعة، فإِنَّ الشبهة في كلّ طرف منجّزة بسبب الاحتمال، و لو لم يكن هناك علم إجمالي، فمع افتراض وجود علم إجمالي يكون التنجيز أوضح.

147- قالوا: بناءً على قاعدة قبح العقاب بلا بيان، لا شكّ في تنجيز العلم الإجمالي لمقدار الجامع بين التكليفين و هو عنوان أحدهما، فما دليل هذا القول، و ما ذا يترتب عليه؟

- دليل منجزيّة الجامع كونه معلوماً؛ و هذا واضح على القول بأَنَّ مردّ العلم الاجمالي الى العلم بالجامع بين التكليفين، و أما على القول بأَنّ مردّ العلم الاجمالي الى العلم بالواقع، فإِنّ الجامع يكون معلوماً ضمناً؛ إِذ الواقع يصدق عليه عنوان أحدهما، و يترتب على هذا القول حكم العقل بحرمة المخالفة القطعيّة للتكليف المعلوم بالاجمال بمخالفة كلا طرفيه؛ إِذ بذلك‏

48

تتحقق مخالفة الجامع.

148- ما معنى قولهم: إِنَّ العلم الاجمالي لا يقتضي بحدّ ذاته وجوب الموافقة القطعيّة عقلًا؟

- معناه: أَنَّ العلم الاجمالي لا ينجّز كلا الطرفين، و إنما ينجّز الجامع (أحدهما) غايته جريان البراءة في كلا طرفي التكليف مخالفة للجامع المعلوم، و جريانها في أحدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجّح، وعليه يجب امتثال كلا الطرفين؛ لتعارض الأصول المؤمّنة و تساقطها، و بقاء كلّ طرف بلا مؤمّن، لا لأَنَّ العلم الاجمالي يقتضي بذاته لزوم الإتيان بكليهما.

149- يظهر من بعض القائلين بمنجزية العلم الاجمالي لوجوب الموافقة القطعيّة أنَ‏

هذه المنجزية متوقفة على تحقيق هوية العلم الاجمالي، و هل هو علم بالجامع أو بالواقع، بيّن مرادهم بهذا القول.

- مرادهم: أَنّه لو كان متعلِّقاً بالجامع يكفي امتثال أحد طرفي التكليف المعلوم إجمالًا؛ إِذ به يتحقق الجامع المنجَّز، أي أنَّ العلم الاجمالي يكون منجِّزاً لحرمة المخالفة القطعيّة، و أما لو كان متعلقاً بالواقع فيلزم امتثال كلا الطرفين، أي تجب الموافقة القطعيّة للمعلوم إجمالًا؛ لأَنَّ العلم بعد تعلّقه بالواقع ينجّز الواقع، و مقتضى قاعدة الاشتغال لزوم إِحرازه، و هو لا يحصل إِلّا بامتثالهما معاً؛ لأن مخالفة أيّ منهما تؤدّي الى احتمال ترك الواقع المعلوم تنجّزه.

الاتجاهات فى تفسير العلم الاجمالى‏

150- قيل: إِنَّ العلم التفصيلي بالجامع لا يمكن أَنْ يتعدّاه الى الأطراف، فيبقى كلّ منها مشكوكاً، فما الدليل على هذا القول؟

- دليله: أَنّهُ لو فرض علم تفصيلي غير العلم بالجامع، فهو أما أَنْ يكون بلا متعلَّق، و هو مستحيل؛ لأَنَّ العلم من الصفات الاضافية التي لا توجد دون معلوم، و أَما أنْ يكون متعلِّقاً بالفرد بحدّه الشخصي المعيّن، و يبطله أَنَّ العالم بالإجمال ليس لديه علم تفصيلي بالفرد، و إِلّا لم يكن عالماً بالاجمال، و أَما أن يكون متعلِّقاً بالفرد المردد بين الأطراف، و هذا إِن أُريد به مفهوم‏

49

المردد، أي: مفهوم (أحدهما) فهذا عين العلم الاجمالي، و إن أريد به الفرد المردد واقعاً، فليس له وجود خارجي لكي يتعلّق به العلم؛ لأَنَّ الفرد الخارجي يكون معيّناً و مشخّصاً، و يستحيل أن يوجد في الخارج شي‏ء مردد.

151- نسب السيّد الشهيد الى الآخوند الخراساني ذهابه الى القول بتعلّق العلم الاجمالي بواقع الفرد المردد، فما هو الشاهد على ذهاب الآخوند لهذا القول؟

- شاهده: ما ذكره الآخوند في تعليقته على الكفاية من أنهم اعترضوا على القول بتعلق الوجوب التخييري بالفرد المردد، بأَنّ الوجوب صفة، و الصفة لا يمكن تعلّقها بالواحد المردد، و قد دفع الاعتراض بقوله: إِنَّ العلم الاجمالي صفة حقيقية قائمة بالنفس، بعكس الوجوب؛ فإنه صفة اعتباريّة تحصل من اعتبار المولى، و مع ذلك فالعلم الاجمالي يقبل التعلّق‏

بالفرد المردد، فمن باب أولى يمكن تعلّق الصفة الاعتبارية به، و هذا هو الشاهد على أنه يرى إِمكان تعلق العلم الاجمالي بالفرد المردد.

152- قال الآخوند: إِنَّ الواحد المردد يمكن أَنْ يتعلّق به وصف حقيقي ذو إضافة كالعلم الاجمالي، بيّن اعتراض السيّد الشهيد على هذا القول.

- اعترضه بأن المشكلة ليست في كيفيّة تعلّق الصفة بالمردد، كي يقال: إنّ الصفات النفسيّة الحقيقية- فضلًا عن الاعتباريّة- يمكن أن تتعلّق بالواحد المردد، بل الاشكال: أَنَّ الفرد المردد ليس له وجود، لكي تتعلق به الصفة الحقيقيّة أو الاعتبارية.

153- ذهب السيد الشهيد الى عدم إمكان تعلّق العلم الاجمالي بالفرد المردّد، بيّن دليله على ذلك.

- دليله: أَنَّ العلم له متعلّق بالذات و هو الصورة الذهنية، و متعلّق بالعَرَض و هو الشي‏ء الخارجي المحكي بالصورة الذهنيّة، فإِن كان متعلق العلم الاجمالي هو الصورة الذهنية الحاكية عن الجامع لا عن الحدود الشخصيّة، فهذا معناه تعلّق العلم الاجمالي بالجامع لا بالفرد المردد، و إن كان متعلّق العلم الاجمالي هو الصورة الشخصيّة المرددة بين صورتين شخصيتين، فهو مستحيل؛ لأَنَّ الصورة الشخصية وجود ذهني، و الوجود سواء كان خارجيّاً أم ذهنيّاً فهو متعيّن، و لا يمكن أن يكون مردداً.

154- بيّن رأي المحقق العراقي في حقيقة العلم الاجمالي.

50

- رأيه: أَنَّ العلم الاجمالي يتعلّق بالفرد الواقعي، بمعنى أَنَّ الصورة الذهنيّة المتعلّقة له بالذات لا تحكي عن الجامع بين الفردين في الخارج، بل تحكي عن الفرد الواقعي بحدّه الشخصي، فالصورة الذهنية شخصيّة، و مطابقها الخارجي شخصيّ أيضاً، لكنَّ حكاية الصورة عن الخارج إِجمالية مشوبة بالخفاء، فهي من قبيل رؤيتك شبح زيد من بعيد، دون أَن تتبيّن هويته، فإِنَّ الرؤية هنا ليست رؤية للجامع، بل للفرد، و لكنها رؤية غامضة.

155- يرى المحقق العراقي أَنَّ العلم الاجمالي يتعلق بالفرد الخارجي، و لا يمكن أَن يقف على الجامع بين الفردين، اذكر ما يمكن أَن يبرهن به على هذا الرأي.

- يبرهن عليه بأَنَّ العلم الاجمالي لا يمكن أَن يقف على الجامع بحدّه (عنوان‏

أحدهما)؛ لأنَّ الجامع كلّي، و الكلّي ليس له وجود خارجي، و إنما يوجد ضمن مصداق و حدّ شخصيّ، فلا بد من إضافة شي‏ء الى المعلوم، فإِنْ كان كليّاً عاد المحذور، حتى ننتهي الى العلم بحدٍّ شخصيّ، و لما كان التردد في الصورة الذهنيّة مستحيلًا، تعيّن أَن يكون العلم متقوّماً بصورة شخصيّة معيّنة مطابقة للفرد الواقعي بحدّه، لكنّ حكايتها عنه إجمالية.

تخريجات وجوب الموافقة القطعية

156- قيل: بناءً على تفسير العلم الاجمالي بالعلم التفصيلي بالجامع و الشك في الأطراف، ينجّز العلم الاجمالي حرمة المخالفة القطعيّة، و بناءً على تفسيره بالعلم بالواقع علماً مجملًا يشوبه الغموض، فانه ينجّز وجوب الموافقة القطعيّة، بيّن توجيههم لهذا القول.

- توجيهه: أَنه على التفسير الأوّل لا يُخرج العلم الإجمالي عن موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان سوى الجامع (مفهوم احدهما)؛ لأنّه هو المعلوم، و أما كلّ من الطرفين فإِنه غير معلوم، و امتثال الجامع يتحقق بامتثال أحد الطرفين؛ فالمطلوب إِذن ترك المخالفة القطعيّة، و أما على التفسير الثاني، فإِنَّ العلم المنجِّز متعلّق بالواقع، و بما أَنه لا يعلم أَنَّ الواقع هو هذا الطرف أو ذاك، بسبب كون الانكشاف مشوباً بالخفاء، فيجب امتثال الطرفين معاً للخروج من عهدة التكليف المنجَّز، أي: تجب الموافقة القطعيّة.

157- قيل: بناءً على تعلّق العلم الاجمالي بالواقع، و حكايته عنه حكاية مجملة

51

مشوبة بالخفاء، تجب الموافقة القطعيّة؛ لأَنَّ الواقع المنجَّز لا يعلم أَنّه هذا الطرف أو ذاك، فيجب امتثالهما معاً، ليحصل اليقين بفراغ الذمّة، بيّن الموقف الصحيح من هذا القول في رأي السيد الشهيد.

- الصحيح: أَنَّ هذا المبنى لا يقتضي وجوب الموافقة القطعيّة؛ لأَنَّ العلم الاجمالي و إن تعلّق بالواقع، إلّا أَنَّ عنصري الوضوح و الخفاء مندمجين في هذا العلم، و بهذا تميّز عن العلم التفصيلي، و الموازي لعنصر الوضوح هو الجامع، فيكون منجَّزاً، و الموازي للاجمال و الخفاء هو المقدار الزائد على الجامع، فيبقى تحت قاعدة قبح العقاب؛ لأنّه غير مبيَّن، و واضح أَنَّ منجزية الجامع لا تقتضي اكثر من امتثال أحد الطرفين؛ إِذ به يتحقق الجامع، وعليه‏

فالعلم الاجمالي يقتضي حرمة المخالفة القطعيّة، لا وجوب الموافقة القطعيّة.

158- قرّب المحقق الأصفهاني وجوب الموافقة القطعيّة للعلم الاجمالي بمقدمتين، الأولى: أَن ترك الموافقة القطعيّة بمخالفة أحد الطرفين، هو مخالفة احتماليّة للجامع المنجَّز بالعلم، و الثانية: أَن هذه المخالفة لا تجوز عقلًا؛ لأَنها مساوقة لاحتمال المعصية، اذكر الردّ على هذا التقريب.

- ردّه بمنع مقدمته الأولى؛ فإن مخالفة أحد الطرفين لا تؤدّي الى المخالفة الاحتمالية للجامع؛ ذلك لأَنّ الجامع يتحقق جزماً بامتثال الطرف الآخر؛ لأنَّ الجامع بحدّه (مفهوم أحدهما) لا يقتضي اكثر من التطبيق على أحد الطرفين، و المفروض أَنَّ العلم واقف على الجامع بحدّه، و أَنَّ التنجّز تابع لمقدار العلم، وعليه فلا مخالفة احتمالية للمقدار المنجّز أصلًا.

159- ذهبت مدرسة النائيني الى أَنَّ العلم الاجمالي لا يستدعي وجوب الموافقة القطعيّة بصورة مباشرة، لكنها قامت بمحاولة لاثبات استتباعه لايجاب الموافقة القطعيّة بصورة غير مباشرة، اذكر هذه المحاولة.

- حاصل المحاولة: أَنَّ العلم الاجمالي يستدعي حرمة المخالفة القطعيّة، فيترتب على ذلك عدم إِمكان جريان الأصول المؤمنة في جميع الأطراف؛ لاستلزامه المخالفة القطعيّة، و يترتب على ذلك تعارض الأصول و تساقطها؛ لأنّ جريانها في طرف دون آخر بلا مرجّح، فيبقى احتمال التكليف في كل طرف بلا مؤمّن، فيكون منجزاً فتجب موافقته، فالمنجّز لوجوب الموافقة القطعيّة هو احتمال التكليف في كلّ طرف بلا مؤمّن عنه، و ليس هو العلم‏

52

الاجمالي بعنوانه، نعم العلم الاجمالي سبب لتساقط الأصول و فقدان المؤمّن.

160- قال النائيني: إِنَّ تعارض الأصول المؤمّنة في أطراف العلم الاجمالي و تساقطها، يجعل احتمال ثبوت التكليف في كلّ طرف بلا مؤمّن، و يترتب على ذلك تنجّز جميع الأطراف و وجوب امتثالها، بيّن تحقيق السّيد الشهيد بشأن هذا القول.

- تحقيقه: أَنَّ الأصل المؤمّن الذي يتعارض و يتساقط في أطراف العلم الاجمالي هو أَصل البراءة الشرعيّة، و لكنَّ هذا لا يؤدّي الى فقدان المؤمّن عن جميع الأطراف و تنجّز

وجوب امتثالها؛ ذلك لأنَّ أصل البراءة العقلية عن التكليف المحتمل- على مسلك قبح العقاب بلا بيان- يوفّر المؤمّن العقلي، بعد فقدان المؤمّن الشرعي.

161- صحّح السّيد الشهيد تعارض الأصول المؤمنة الشرعيّة في أطراف العلم الاجمالي و تساقطها، و لم يصحّح تعارض الأصول المؤمّنة العقليّة، بيّن تعليله لذلك.

- تعليله: أَنَّ البراءة الشرعيّة مُفاد دليل شرعيّ له ظهور عرفيّ، و ظهوره لا يساعد على جريان البراءة في الطرفين مع عدم جريانها في الجامع، فاذا لم يصح جريانها في الطرفين معاً، كان جريانها في أَحدهما معارَضاً بجريانها في الآخر، و أَما البراءة العقلية، فهي حكم عقلي، و الأحكام العقلية لا تتعارض، بل كلّما توفّر موضوعها جرت، و إلّا لم تجرِ؛ لعدم المقتضي لا للتعارض، و في المقام موضوع البراءة العقلية متوفر في الطرفين دون الجامع، فتجري فيهما معاً، غاية الأمر لا بد من امتثال أحدهما بسبب تنجّز حرمة المخالفة القطعيّة للجامع المعلوم.

162- قارن بين مسلك قبح العقاب بلا بيان و مسلك حقّ الطاعة بالنسبة الى إمكان تبرير وجوب الموافقة القطعيّة للعلم الاجمالي.

- على مسلك قبح العقاب بلا بيان لا يمكن ذلك؛ لأَنَّ الأصول الشرعية المؤمّنة و ان سقطت بالتعارض في الأطراف، إلّا أَنَّ البراءة العقلية- على هذا المسلك- توفّر المؤمّن عن كلّ طرف و تحول دون تنجيز وجوب الموافقة القطعيّة، و أما على مسلك حق الطاعة، فيمكن ذلك؛ لأنه بعد تساقط الأصول المؤمنة الشرعية، يبقى التكليف محتملًا في كلّ طرف، و احتمال التكليف ينجّزه على هذا المسلك، فتجب الموافقة القطعيّة.

163- هناك مورد تجب فيه الموافقة القطعيّة للعلم الإجمالي حتى على مسلك قبح العقاب بلا بيان، و هو ما إذا نشأَ العلم الإجمالي من شبهة موضوعيّة، تردّد فيها مصداق قيد

53

الواجب بين فردين، كما إِذا وجب إِكرام العالم، و تردد العالم بين زيد و خالد، بيّن علّة ذلك.

- علّته: أَنَّ الواجب ليس الاكرام المطلق، بل الاكرام المقيّد بالعالم، فيكون القيد داخلًا في عهدة المكلّف، لا أصل الاكرام فقط، و مع تردد العالم بين فردين، يحصل الشك في تحقق الامتثال خارجاً بالاقتصار على إِكرام أحد الفردين، فلأجل إحراز الامتثال و اليقين بفراغ الذمّة، يلزم إِكرام كلا الفردين.

جريان الاصول فى جميع الاطراف و عدمه‏

164- اتفقوا على عدم جريان البراءة الشرعية في جميع أطراف العلم الإجمالي، و لكنهم اختلفوا في نكتة ذلك، بيّن نكتة عدم الجريان على رأي المشهور و رأي السيّد الشهيد.

- يرى المشهور أَنّ البراءة الشرعيّة لا تجري في جميع الأطراف لنكتة ثبوتية، و هي استلزام جريانها للمخالفة القطعيّة و الترخيص في المعصية القبيحة عقلًا، و أَما السيّد الشهيد فيرى أَنه لا مانع ثبوتي من ذلك؛ لأنَّ حكم العقل بقبح المعصية معلّق على عدم ترخيص الشارع نفسه بالمخالفة، و إِنما النكتة المانعة من ذلك إثباتية، و هي أنَّ جريان البراءة في جميع الأَطراف يعني أَهمية الغرض الترخيصي من الالزامي، و هذا مرفوض عقلائياً، فالعرف العقلائي قرينة متصلة بأدلة البراءة تصرفها الى موارد الشك البدوي، و تمنع من شمولها لأطراف العلم الإجمالي.

165- قالوا: لا مانع من جريان الأصول الشرعيّة المنجِّزة في جميع أطراف العلم الإجمالي، كاستصحاب نجاسة كلا الإِناءَين المعلوم نجاستهما سابقاً، بعد العلم بطروّ الطهارة على أحدهما غير المعيّن. بيّن الدليل على هذا القول.

- دليله: أَنّهُ لا محذور ثبوتي أو إِثباتي يمنع من ذلك، أَما عدم المحذور الثبوتي؛ فلأنّه لا يلزم من استصحاب نجاسة الإناءَين الترخيص في ارتكاب النّجس، بل يلزم الاجتناب عن الطاهر، و هذا ليس محذوراً؛ لأَنَّ الطاهر لا يجب ارتكابه، و أما عدم المحذور الإثباتي العقلائي؛ فلأَنَّ العقلاء يرفضون تقديم الغرض الترخيصي على الإلزامي، و أما تقديم الغرض الإلزامي على الترخيصي الذي يؤدّي اليه جريان استصحاب نجاسة الإناءَين،

54

فهو مقبول عقلائيّاً.

166- قيل بوجود محذور ثبوتيّ يمنع من جريان استصحاب نجاسة كلا الإناءَين المعلوم طروّ الطهارة على أحدهما غير المعيّن، بيّن تقريبهم لهذا المحذور.

- تقريبه: أَنَّ لازم جريان الاستصحاب المذكور اجتماع المتنافيين في أحد الإناءَين،

و هما: الإلزام الظاهري المسبَّب عن استصحاب النجاسة، و الترخيص الواقعي الثابت في أحدهما جزماً، و المنافاة تحصل أما بملاك التضاد بين الحكم الإلزامي و الترخيصي المانع من اجتماعهما في عالم التشريع، و أما بملاك ما يستتبعه الاستصحاب من إمساك المكلّف و منعه من الارتكاب، و ما يستتبعه الترخيص من إطلاق العنان، المانع من اجتماعهما في عالم الامتثال.

167- قيل: لا يمكن استصحاب نجاسة كلا الإناءَين المعلوم طروّ الطهارة على أحدهما غير المعيّن؛ للزوم اجتماع الالزام الظاهري و الترخيص الواقعي في أحد الإِناءَين، مع أنهما متضادّان حكماً و امتثالًا، بيّن الردّ على هذا القول.

- ردّه: أَنَّ المنافاة بين الالزام و الترخيص إِن كانت بملاك كونهما حكمين متضادين، فيدفعها أَنّه لا منافاة بينهما ما دامت النجاسة ظاهريّة و الطهارة واقعيّة؛ لأنَّ المنافاة ثابتة بين الحكمين الواقعيين خاصةً، و ان كانت بملاك ما يستتبعه الأول من منع المكلّف عن الاقدام، و ما يستتبعه الثاني من اطلاق العنان، فيدفعها أَنَّ الترخيص المعلوم بالإجمال لا يستتبع اطلاق العنان الفعلي؛ لعدم تعيّن مورده، فلا ينافي ما يستتبعه الاستصحاب من المنع و الإمساك في مقام الامتثال.

168- قيل: لا يمكن استصحاب نجاسة كلا الإناءَين المعلوم طروّ الطهارة على أحدهما غير المعيّن؛ لمحذور إِثباتي يكمن في قصور دليل الاستصحاب عن شمول هذه الحالة، بيّن الدليل على هذا القول.

- دليله: ما ورد في بعض روايات الاستصحاب من قوله (عليه السلام): «لا تنقض اليقين بالشك، و لكن انقض اليقين باليقين»، فصدر الرواية يستدعي جريان الاستصحاب في الطرفين معاً؛ لتوفر موضوعه في كليهما، و هو الشك في النجاسة المتيقنة سابقاً، بينما ذيل الرواية يمنع من جريان الاستصحاب فيهما معاً؛ لأنَّ أحدهما كما فيه يقين بالنجاسة، فإِنّ فيه‏