الدروس شرح الحلقة الثانية - ج3

- السيد كمال الحيدري المزيد...
390 /
5

-

6

الدروس (3)

الأدلة المحرز

2

الدليل العقليّ‏

1. إثبات القضايا العقلية

2. حجية الدليل العقلي‏

7

تمهيد

الدليلُ العقليُّ كلُّ قضيّةٍ يدركُها العقلُ و يمكنُ أن يُستنبطَ منها حكمٌ شرعيٌّ. و البحثُ عن هذهِ القضايا العقليةِ: تارةً يقعُ صغرويّاً

في صحّةِ القضيةِ العقليةِ و مدى إدراكِ العقلِ لها، و أخرى يقعُ كبرويّاً في حجّيةِ الإدراكِ العقليِّ لها.

و القضايا العقليةُ على قسمين:

أحدُهما: قضايا تشكّلُ عناصرَ مشتركةً في عمليةِ الاستنباط، كالقضيةِ العقليةِ القائلةِ: إنّ إيجابَ شي‏ءٍ يستلزمُ إيجابَ مقدّمتِه.

و الآخرُ: قضايا مرتبطةٌ بأحكامٍ شرعيةٍ معيّنةٍ، كحكم العقلِ بحرمةِ المخدِّرِ قياساً له على الخمر؛ لوجودِ صفةٍ مشتركةٍ و هي إذهابُ الشعور، و حكمِ العقلِ بحرمةِ الكذبِ؛ لأنّه قبيحٌ.

و القسمُ الأوّلُ: يدخلُ بحثُه الصغرويُّ و الكبرويُّ معاً في علم الأصول، فقد يُبحثُ عن أصلِ وجودِ إدراكٍ عقليٍّ، و هذا بحثٌ صغرويٌّ، و قد يُبحثُ عن حجّيتِه، و هذا بحثٌ كبرويٌّ، و كلاهما أصوليٌّ لأنّهما بحثانِ في العناصر المشتركةِ في عمليةِ الاستنباط.

و القسمُ الثاني: لا يدخلُ بحثُه الصغرويُّ في علمِ الأصول، لأنّه بحثٌ في عنصرٍ غيرِ مشتركٍ، و إنّما يدخلُ بحثُه الكبرويُّ في هذا

8

العلم، لكونِه بحثاً في عنصرٍ مشتركٍ، كالبحثِ عن حجّيةِ القياس و هكذا يتّضحُ أنّ البحثَ الصغرويَّ لا يكونُ أصوليّاً، إلّا في القسم الأوّلِ، و أنّ البحثَ الكبرويَّ أصوليٌّ في كلا القسمين.

غيرَ أنّ الإدراكَ العقليَّ إذا كان قطعيّاً، فلا موجبَ للبحثِ عن حجّيتِه؛ للفراغ عن حجّيتِه بعدَ الفراغ عنْ حجّيةِ القطع، و إنّما نحتاجُ إلى البحثِ عن حجّيتِه إذا لم يكنْ قطعيّاً، كالقياسِ مثلًا.

و سوفَ نصنّفُ البحثَ في القضايا العقليةِ إلى بحثين:

أحدُهما: صغرويٌّ في إثباتِ القضايا العقليةِ التي تشكّلُ عناصرَ مشتركةً.

و الآخرُ: كبرويٌّ في حجّيةِ الإدراكِ العقليِّ غيرِ القطعيِّ.

9

الشرح‏

بعد أن انتهينا من بحث القسم الأوّل من الأدلّة المحرزة أي الدليل الشرعي، يقع الكلام الآن في بحث القسم الثاني منها و هو الدليل العقلي.

تنوّع البحث في الدليل العقلي‏

يتشابه الدليلان الشرعي و العقلي في أنّ البحث فيهما تارةً يكون صغرويّاً و أخرى يكون كبرويّاً. فكما أنّنا بحثنا في الدليل الشرعي صغروياً عن تحديد دلالات الدليل الشرعي، فقد أثبتنا مثلًا أنّ هناك ظهوراً لصيغة الأمر في الوجوب، و بحثنا كبروياً عن أنّ كلّ ظهور حجّة، فكذلك الحال في الدليل العقلي، فإنّ الكلام فيه يقع ضمن بحثين:

الأوّل: في إثبات القضايا العقلية، و هو بحث صغرويّ نتكلّم فيه عن الإدراك العقلي، بمعنى أنّ للعقل قابلية إدراك بعض القضايا.

الثاني: في حجّية الدليل العقلي، و هو بحث كبرويّ نتحدّث فيه عن حجّية ما أدركه العقل.

و قبل الدخول في تفاصيل البحث الأوّل و استعراض القضايا التي يدركها العقل، يقدّم المصنّف (قدس سره) تمهيداً يحاول أن يسلّط الضوء من خلاله على بعض النقاط ذات الصلة بالدليل العقلي.

تمهيد

نتطرّق في هذا التمهيد إلى نقاط خمس:

1 معنى الدليل العقلي.

2 تقسيم البحث في القضايا العقلية.

10

3 أقسام القضايا العقلية.

4 بيان الأقسام الداخلة في علم الأصول.

5 الإدراك العقلي القطعي.

أمّا معنى الدليل العقلي: فهو كلّ قضية يدركها العقل و يمكن أن يُستنبط منها حكم شرعيّ، و أمّا كيف يمكن للعقل أن يكون دليلًا على الحكم الشرعي فهو ما سنقف عليه بعد أن نتعرّض إلى ذكر مثال يرتبط بالأمور التكوينيّة و نعرّج بعد ذلك إلى الأحكام الشرعيّة، فنقول:

لا شكّ أنّ هناك علاقات بين الأشياء في الواقع الخارجي، مثل علاقة التضادّ و التلازم و نحو ذلك، و بإمكان العقل أن يدرك تلك العلاقات، فمثلًا: إنّ علاقة التلازم هي العلاقة الحاكمة بين وجود السبب و وجود المسبّب، و عن طريق هذا التلازم القائم بينهما يستطيع العقل أن يثبت وجود المسبّب إذا عرف وجود السبب؛ لاستحالة الانفكاك بينهما في نظره.

و كذلك الحال في علاقة التضادّ، فإنّ العقل يدرك بأنّ الورقة البيضاء لا يمكن أن تكون سوداء في نفس الوقت؛ لأنّ هناك تضادّاً بين السواد و البياض في نظر العقل، و وجود أحدهما مانع عن وجود الآخر.

و بهذا يتّضح أنّ العقل يمكنه أن يكون دليلًا أي مدركاً على وجود المسبّب عند وجود سببه، و على عدم وجود الضدّ عند وجود ضدّه، هذا كلّه في الأمور التكوينيّة و العلاقات القائمة بينها.

و أمّا في الأحكام الشرعية، فلا شكّ أيضاً أنّ هناك علاقات بين الأحكام الشرعية من قبيل:

العلاقات القائمة بين الأحكام الشرعيّة.

العلاقات القائمة بين الحكم و متعلّقه.

11

العلاقات القائمة بين الحكم و موضوعه.

العلاقات القائمة بين الحكم و مقدّماته.

العلاقات القائمة داخل الحكم الواحد.

و قد استعرضها السيّد الشهيد (قدس سره) في الحلقة الأولى من دروسه‏ (1) و لم يتطرّق لها في هذه الحلقة.

و لو أخذنا النوع الأوّل من العلاقات لوجدنا أنّ الأحكام الشرعية متضادّة فيما بينها كما تقدّم في أوّل هذه الحلقة (2). فإذا حكم الشارع بوجوب فعل، فلا يمكن أن يكون حراماً، و إذا حكم بحرمة شي‏ء، فلا يمكن أن يكون واجباً، و الدليل على الامتناع في كلتا الصورتين هو العقل.

و أيضاً يمكن للعقل أن يدرك العلاقات القائمة بين الحكم و مقدّماته، فإذا حكم الشارع بوجوب الصلاة مثلًا و كانت له مقدّمات، فإنّ العقل يحكم بوجوبها أيضاً.

فظهر أنّ العقل كما يمكنه إدراك وجود المسبَّب إذا عرف وجود سببه، و عدم وجود أحد الضدّين عند وجود ضدّه في العلاقات القائمة بين الأمور التكوينيّة، فكذلك يمكنه أن يدرك وجوب المقدّمة إذا وجب ذو المقدمة، و عدم حرمة شي‏ء إذا كان واجباً في العلاقات القائمة بين الأحكام‏

الشرعيّة.

و منه يتّضح أنّ بإمكان العقل أن يثبت أو ينفي حكماً شرعيّاً، و من ثم له صلاحية الدلالة على الحكم الشرعي.

و أمّا ما يتعلّق بالنقطة الثانية من التمهيد أي تقسيم البحث في‏

____________

(1) () دروس في علم الأصول، الحلقة الأولى: ص 148 فما بعد.

(2) () في بحث «التضاد بين الأحكام التكليفيّة».

12

القضايا العقلية فقد تجلّت عند كلامنا في تنوّع البحث في الدليل العقلي، حيث قلنا إنّ البحث تارةً يكون صغروياً في مدى إدراك العقل لمجموعة من القضايا، و أخرى يكون كبروياً في حجّية الإدراك العقلي لتلك القضايا.

ثمّ إنّ القضايا العقلية و هي نقطة التمهيد الثالثة تنقسم إلى قسمين:

الأوّل: قضايا عقلية تشكّل عناصر مشتركة في عملية الاستدلال و الاستنباط الفقهي، و يمكن الاستفادة منها في أبواب فقهية مختلفة، من قبيل القضية العقلية القائلة بأنّ إيجاب الشي‏ء يستلزم إيجاب مقدّمته.

الثاني: قضايا عقلية تشكّل عناصر خاصّة في عملية الاستنباط، بمعنى أنّها ترتبط بأحكام شرعية معيّنة، كحكم العقل بحرمة الكذب لأنّه قبيح، فإنّ إدراك العقل لقبح الكذب يعتبر عنصراً خاصّاً لا مشتركاً، و يستفاد منها في إثبات حرمة الكذب فقط، و كذا حكم العقل بحرمة المخدّر كالحشيشة قياساً له على الخمر؛ لوجود صفة مشتركة بينهما و هي إذهاب الشعور، فإنّ هذا الإدراك العقلي يعدّ عنصراً خاصّاً أيضاً و يرتبط بباب فقهيّ خاصّ و لا علاقة له بالأبواب الفقهية الأخرى.

و بعد اتّضاح هذين القسمين للقضايا العقلية يحقّ لنا أن نتساءل: هل كلا هذين القسمين داخلان في علم الأصول، أم أحدهما داخل في البحث الأصولي دون الآخر؟ هذه هي نقطة التمهيد الرابعة.

الجواب: لا بدّ أن نعرف أوّلًا أنّ في كلّ قسم من هذين القسمين بحثين:

أوّلهما: بحث صغرويّ في أصل وجود إدراك عقليّ.

ثانيهما: بحث كبرويّ في حجّية الإدراك العقلي.

أمّا القسم الأوّل من القضايا العقلية فهو داخل في علم الأصول بكلا بحثيه الصغروي و الكبروي، باعتبار أنّ القضايا في هذا القسم عناصر

13

مشتركة في عملية الاستنباط، و قد ذكرنا في بحث «تعريف علم الأصول» أنّ علم الأصول هو: العلم بالعناصر المشتركة في عملية الاستنباط.

و أمّا القسم الثاني منها، فلا إشكال في عدم دخول البحث الصغروي في علم الأصول، لأنّ قضايا هذا القسم عناصر خاصّة، و علم الأصول لا يشمل البحث في العناصر الخاصّة، بخلاف البحث الكبروي في هذا القسم فهو داخل في البحث الأصولي، لأنّه بحث عن حجّية الإدراك العقلي، و الحجّية مسألة أصولية.

بعبارة مختصرة: إنّ البحث الكبروي بحث أصوليّ في كلا القسمين، و أمّا البحث الصغروي فلا يكون أصوليّاً إلّا في القسم الأوّل.

و أمّا نقطة التمهيد الأخيرة فهي: أنّ الإدراك العقلي إذا كان مفيداً للقطع فلا شبهة في حجّيته، و لا يحتاج عندئذ إلى البحث عن حجّيته في كبرى البحث في الدليل العقلي؛ و ذلك لأنّ القطع حجّة بذاته و ليس بحاجة إلى دليل كما تقدّم في بحث القطع من هذه الحلقة، و ما يبقى بحاجة إلى إثبات الحجّية هو الإدراك العقلي المفيد للظن، كالقياس مثلًا.

بعد الوقوف على نقاط التمهيد الخمس، نشرع في استعراض تفاصيل البحث الصغروي في الدليل العقلي أي إثبات القضايا العقلية التي تشكّل عناصر مشتركة، و لكن بعد أن نلقي نظرة على النص.

أضواء على النص‏

قوله (قدس سره): «يُستنبط منها حكم شرعيّ». إثباتاً أو نفياً.

قوله (قدس سره): «لأنّه بحث». أي: البحث الصغروي للقسم الثاني.

قوله (قدس سره): «في هذا العلم». أي: علم الأصول.

قوله (قدس سره): «و إنّما نحتاج إلى البحث عن حجّيته». أي: الإدراك العقلي.

14

1- إثبات القضايا العقلية: تقسيمات للقضايا العقليّة

القضايا العقليةُ التي تشكّلُ عناصرَ مشتركةً في عملية الاستنباطِ و أدلّةً عقليةً على الحكم الشرعيِّ، يمكنُ أن تُقسَّمَ كما يلي:

أوّلًا: تنقسمُ إلى ما يكونُ دليلًا عقليّاً مستقلًّا، و ما يكونُ عقليّاً غيرَ مستقلّ.

و المرادُ بالأوّلِ: ما لا يحتاجُ إلى إثباتِ قضيةٍ شرعيةٍ لاستنباطِ الحكمِ منه.

و المرادُ بالثاني: ما يحتاجُ إلى إثباتِ قضيةٍ شرعيةٍ كذلك.

و مثالُ الأوّلِ: القضيةُ القائلةُ: «بأنّ كلَّ ما حكمَ العقلُ بحسنِه أو قبحِه، حكمَ الشارعُ بوجوبِه أو حرمتِه»، فإنّ تطبيقَها لاستنباطِ حرمةِ الظلم مثلًا، لا يتوقّفُ على إثباتِ قضيةٍ شرعيةٍ مسبقة.

و مثالُ الثاني: القضيةُ القائلةُ: «إنّ وجوبَ شي‏ءٍ يستلزمُ وجوبَ مقدّمتِه»، فإنّ تطبيقَها لاستنباطِ وجوبِ الوضوءِ يتوقّفُ على إثباتِ قضيةٍ شرعيةٍ مسبقةٍ، و هي وجوبُ الصلاة.

ثانياً: تنقسمُ القضيةُ العقليةُ إلى قضيةٍ تحليليّةٍ، و قضيةٍ تركيبيّة.

15

و المرادُ بالقضيةِ التحليليةِ: ما كان البحثُ فيها يدورُ حولَ تفسيرِ ظاهرةٍ معيّنةٍ، كالبحثِ عن حقيقةِ الوجوبِ التخييريِّ.

و المرادُ بالقضيةِ التركيبيةِ: ما كان البحثُ فيها يدورُ حولَ استحالةِ شي‏ءٍ أو ضرورتِه بعدَ الفراغِ عن معناه و حقيقتِه في نفسِه، كالبحثِ عن استحالةِ الأمرِ بالضدَّينِ في وقتٍ واحد.

ثالثاً: تنقسمُ الأدلّةُ العقليّةُ المستقلّةُ التركيبيّةُ في دلالتِها إلى سالبةٍ و موجبة.

و المرادُ بالسالبةِ: الدليلُ العقليُّ المستقلُّ في استنباطِ نفيِ حكمٍ شرعيّ.

و المرادُ بالموجبةِ: الدليلُ العقليُّ المستقلُّ في استنباطِ إثباتِ حكمٍ شرعيٍّ.

و مثالُ الأوّلِ: القضيةُ القائلةُ باستحالةِ التكليفِ بغيرِ المقدور.

و مثالُ الثاني: القضيةُ المشارُ إليها آنفاً القائلةُ: «بأنّ كلَّ ما حكمَ العقلُ بقبحِه حكمَ الشارعُ بحرمتِه».

و القضايا العقليةُ متفاعلةٌ فيما بينَها. فقد يتّفقُ أنْ تدخلَ قضيّةٌ

عقليّةٌ تحليليّةٌ في البرهنة على قضيّةٍ أخرى تحليليّةٍ أو تركيبيّةٍ، كما قدْ تدخلُ قضيّةٌ تركيبيّةٌ في البرهنةِ على قضايا تحليليّةٍ، و هذا ما سنراهُ في البحوثِ الآتيةِ إنْ شاءَ اللهُ تعالى.

16

الشرح‏

نشرع الآن في تفاصيل البحث الأوّل من بحثي الدليل العقلي أي إثبات القضايا العقلية، و نستعرض في هذا البحث عدّة تقسيمات للقضايا العقلية، و هو بحث صغروي كما هو الحال في البحوث الآتية، و أمّا البحث الكبروي أي البحث في حجّية الدليل العقلي فسيأتي في نهاية الدليل العقلي.

تقسيمات للقضايا العقليّة

إنّ القضايا العقلية التي يدركها العقل و تشكّل عناصر مشتركة في عملية الاستنباط و يمكنها أن تكون دليلًا على الحكم الشرعي تنقسم إلى تقسيمات ثلاثة:

التقسيم الأوّل: انقسامها إلى:

1 قضايا عقلية مستقلّة.

2 قضايا عقلية غير مستقلّة.

و المراد بالقضايا العقلية المستقلّة: هي القضايا التي تكون دليلًا على الحكم الشرعي و يستنبط منها الحكم بلا حاجة إلى قضية شرعية، مثل القضية القائلة بأنّ كلّ ما حكم العقل بحسنه حكم الشرع بوجوبه، و كلّ ما حكم العقل بقبحه حكم الشرع بحرمته، فإذا أدرك العقل حسن العدل‏

مثلًا و حكم به‏ (1) فإنّ الشارع يحكم بوجوبه، و إذا حكم العقل بقبح الظلم‏

____________

(1) () لا يخفى أنّ دور العقل بالنسبة إلى الحسن و القبح دور المدرك لا الحاكم، و لكن قد يطلق على الإدراك العقلي بالحكم العقلي توسّعاً، كما أشار المصنّف إلى ذلك في بحث «الملازمة بين الحسن و القبح و الأمر و النهي» الآتي.

17

حكم الشارع بحرمته. و من الواضح أنّ تطبيق هذه القضية العقلية لاستنباط حرمة الظلم شرعاً و وجوب العدل كذلك، لا يتوقّف على إثبات قضية شرعية مسبقة، و هذا القسم من القضايا العقلية هو المسمّى عند بعض الأصوليّين‏ (1) بالمستقلّات العقلية.

و ليس بخافٍ أنّ صحّة دلالة هذه القضية على حرمة الظلم مثلًا مبنيّ على القول بالملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع؛ ببيان أنّ الأحكام الشرعية تابعة للملاكات أي المصالح و المفاسد الموجودة وراءها، فإذا ما تمكّن العقل و أدرك ملاكاً للوجوب فإنّ الشارع يحكم بالوجوب تبعاً له، و كذلك إذا أدرك ملاكاً للحرمة فإنّ الشارع يحكم بالحرمة، و سيأتي مزيد توضيح له في بحث مستقلّ تحت عنوان: «الملازمة بين الحسن و القبح و الأمر و النهي».

و أمّا القضايا العقلية غير المستقلّة فيقصد بها: تلك القضايا التي تحتاج إلى قضيّة شرعية مسبقة ليتمّ دلالتها على الحكم الشرعي، من قبيل القضية القائلة: إنّ وجوب شي‏ء يستلزم وجوب مقدّمته؛ فإنّ دلالتها على وجوب الوضوء الذي هو مقدّمة للصلاة متوقّف على إثبات قضية شرعية مسبقة و هي وجوب الصلاة، و ما لم يتمّ ذلك لا يمكن استفادة وجوب الوضوء

منها، و من ثمّ فهي قضية عقلية غير مستقلّة.

التقسيم الثاني: انقسامها إلى:

1 قضايا عقليّة تحليليّة.

2 قضايا عقليّة تركيبيّة.

و المقصود بالقضايا التحليليّة: هي القضايا التي تعنى بتفسير ظاهرة

____________

(1) () كالشيخ المظفّر في أصول الفقه: ج 2 1، ص 213.

18

معيّنة موجودة في الفقه، كالبحث عن حقيقة الوجوب التخييري أو الكفائي، فقد ذكر العلماء أنّ معنى الواجب الكفائي هو الواجب الذي يسقط عن المكلّف إذا أتى به الآخرون، و من هنا فقد يُقال: كيف يمكن الجمع بين كونه واجباً و بين سقوطه إذا أتى به الآخرون؟ إذ في نهاية الأمر إمّا أن يكون الفعل واجباً أو لا، فإن كان واجباً فكيف يسقط عن المكلّف بلا أن يأتي به، و إن لم يكن واجباً فلما ذا يؤثم المكلّف إذا لم يأت به الآخرون؟

و لهذا، فلا بدّ من البحث في حقيقة الواجب الكفائي و تفسيره. و من الواضح أنّ مثل هذا البحث هو بحث في قضية عقلية تحليليّة؛ لأنّها تتكفّل تفسير و تحليل ظاهرة معيّنة.

و أمّا القضايا التركيبيّة فيعنى بها: القضايا التي يدور البحث فيها حول استحالة شي‏ء أو ضرورته بعد الفراغ عن تصوّر معناه و بيان حقيقته في نفسه. فإنّ من المعلوم بحسب ما أفاده علماء المنطق‏ (1) و الفلسفة (2) أنّ القضايا تنقسم من حيث نسبة المحمول فيها إلى الموضوع إلى: الوجوب الضروري)، و الامتناع الاستحالة)، و الإمكان. و القضايا التي يدور فيها

البحث حول ضرورة شي‏ء أو استحالته هي القضايا العقلية التركيبيّة، من قبيل القضية القائلة باستحالة الأمر بالضدّين في وقت واحد، فإنّها قضية يدور البحث فيها حول استحالة الأمر بالضدّين بعد وضوح معنى الضدّين في نفسيهما، و سنقف على أمثلة متعدّدة لكلّ من القضايا التحليليّة و التركيبيّة خلال سبرنا أغوار البحوث الآتية في صغرى الدليل العقلي.

____________

(1) () انظر: المنطق للمظفّر: ص 166.

(2) () انظر: بداية الحكمة: ص 44.

19

التقسيم الثالث: انقسامها إلى:

1 قضايا عقلية سالبة.

2 قضايا عقلية موجبة.

و مما ينبغي الالتفات إليه في هذا التقسيم أنّه يختصّ بالقضايا العقلية المستقلّة و التركيبيّة، في قِبال القضايا العقلية غير المستقلّة و التحليليّة.

و المراد بالقضايا السالبة: هي القضايا العقلية المستقلّة التركيبيّة التي تكون دليلًا على نفي حكم شرعيّ، من قبيل القضية العقلية القائلة باستحالة التكليف بغير المقدور، فإنّها قضية يمكن أن يُستنبط منها نفي حكم شرعيّ.

و أمّا القضايا العقلية الموجبة فهي: القضايا العقلية المستقلّة التركيبيّة التي تكون دليلًا على إثبات حكم شرعيّ، من قبيل القضية العقلية المتقدّمة و القائلة بأنّ كلّ ما حكم العقل بقبحه يحكم الشارع بحرمته، فإنّها قضية عقلية يمكن أن يُستنبط منها إثبات حكم شرعيّ كحرمة الظلم مثلًا.

التفاعل بين أقسام القضايا العقلية

لا يفوتنا أن نشير في خاتمة هذا البحث إلى أنّ القضايا العقلية التي ذكرناها في التقسيمات الثلاثة المشار إليها متفاعلة فيما بينها، بمعنى أنّه قد يتّفق لقضية تحليليّة أن تدخل في البرهنة على قضية عقلية أخرى تحليليّة

كانت أو تركيبيّة، و كذلك قد تدخل قضية تركيبيّة في البرهنة على قضايا تحليليّة، و أيضاً قد يستفاد من قضية عقليّة مستقلّة في البرهنة على قضية عقليّة غير مستقلّة، و هكذا.

و هذا ما سيتّضح جليّاً في البحوث الآتية، حيث سنرى كيفيّة الاستفادة من قضية عقلية في إثبات قضية عقليّة أخرى و الاستدلال عليها.

20

أضواء على النص‏

قوله (قدس سره): «لاستنباط حكم منه». أي: من الدليل العقلي.

قوله (قدس سره): «إثبات قضية شرعية كذلك». أي: لاستنباط الحكم الشرعي من الدليل العقلي.

قوله (قدس سره): «حكم الشارع بوجوبه أو حرمته». على نحو اللفّ و النشر المرتّب.

21

قاعدة استحالة التكليف بغير المقدور

يستحيلُ التكليفُ بغيرِ المقدورِ. و هذا له معنيانِ:

أحدُهما: أنّ المولى يستحيلُ أن يُدينَ المكلّفَ بسببِ فعلٍ أو تركٍ غيرِ صادرٍ منه بالاختيار. و هذا واضحٌ، لأنّ العقلَ يحكمُ بقبح هذهِ الإدانةِ، لأنّ حقَّ الطاعةِ لا يمتدُّ إلى ما هو خارجٌ عن الاختيار.

و المعنى الآخرُ: أنّ المولى يستحيلُ أن يصدُرَ منه تكليفٌ بغير المقدورِ في عالم التشريع، و لو لم يرتّبْ عليه إدانةً و مؤاخذةً للمكلّفِ. فليست الإدانةُ وحدَها مشروطةً بالقدرةِ، بل التكليفُ ذاتُه مشروطٌ بها أيضاً.

و توضيحُ الحالِ في ذلك: أنّ مقامَ الثبوتِ للحكم يشتملُ كما تقدّمَ على ملاكٍ و إرادةٍ و اعتبار، و مِن الواضحِ أنّه ليس من الضروريِّ أنْ يكونَ الملاكُ مشروطاً بالقدرة، كما أنّ بالإمكان تعلّقَ إرادةِ المولى بأمرٍ غيرِ مقدورٍ، لأنّنا لا نريدُ بالإرادةِ إلّا الحبَّ الناشئَ من ذلك الملاك، و هو مهما كان شديداً يمكنُ افتراضُ تعلّقِه بالمستحيل ذاتاً، فضلًا عن الممتنع بالغير.

و الاعتبارُ إذا لوحظَ بما هو اعتبارٌ يعقلُ أيضاً أن يتكفّلَ جعلَ الوجوبِ على غيرِ المقدور، لأنّ الاعتبارَ سهلُ المئونةِ، و ليس لغواً في هذهِ الحالةِ؛ إذ قد يُرادُ به مجرّدُ الكشفِ بالصياغةِ التشريعيةِ التي‏

22

اعتادَها العقلاءُ عن الملاكِ و المبادئِ، و لكنْ إذا لوحظَ الجعلُ و الاعتبارُ بما هو ناشئٌ من داعي البعثِ و التحريكِ، فمن الواضح أنّ القدرةَ على موردِه تعتبرُ شرطاً فيه، لأنّ داعيَ تحريكِ العاجزِ يستحيلُ أن ينقدحَ في نفسِ العاقلِ الملتفت.

و حيثُ إنّ الاعتبارَ الذي يكشفُ عنهُ الخطابُ الشرعيُّ هو الاعتبارُ بهذا الداعي كما يقتضيه الظهورُ التصديقيُّ السياقيُّ للخطابِ فلا بدَّ من اختصاصِه بحالِ القدرةِ، و يستحيلُ تعلّقُه بغيرِ المقدور.

و منْ هنا كان كلُّ تكليفٍ مشروطاً بالقدرةِ على متعلّقِه بدونِ فرقٍ بينَ التكاليفِ الإلزاميّةِ و غيرِها. و كما يُشترطُ في التكليفِ الطلبيِّ الوجوبِ و الاستحبابِ) القدرةُ على الفعل، كذلك يُشترطُ الشي‏ءُ نفسُه في التكليفِ الزجريِّ الحرمةِ و الكراهة) لأنّ الزجرَ عمّا لا يقدرُ المكلّفُ على إيجادِه، أو عن الامتناعِ عنه، غيرُ معقولٍ أيضاً.

و هكذا نعرفُ أنّ القدرةَ شرطٌ ضروريٌّ في التكليف، و لكنّها ليستْ شرطاً ضروريّاً في الملاكِ و المبادئ. و لكنَّ هذا لا يعني أنّها لا تكونُ شرطاً، فإنّ مبادئَ الحكم يمكنُ أن تكونَ ثابتةً و فعليّةً في‏

حالِ القدرةِ و العجزِ على السواءِ، و يمكنُ أنْ تكونَ مختصّةً بحالةِ القدرةِ، و يكونُ انتفاءُ التكليفِ عن العاجزِ لعدمِ المقتضى و عدم‏

23

الملاكِ رأساً.

و في كلِّ حالةٍ من هذا القبيلِ يقالُ: إنّ دخلَ القدرةِ في التكليفِ شرعيٌّ. و قد تُسمَّى القدرةُ حينئذٍ بالقدرةِ الشرعيّةِ بهذا الاعتبار؛ تمييزاً لذلك عن حالاتِ عدم دخلِ القدرةِ في الملاك، إذ يقالُ عندئذٍ: إنّ دخلَ القدرةِ في التكليفِ عقليٌّ، و قد تُسمَّى القدرةُ حينئذٍ بالقدرةِ العقليّة.

و لا فرقَ في استحالةِ التكليفِ بغيرِ المقدورِ، بين أنْ يكونَ التكليفُ مطلقاً؛ من قبيلِ أنْ يقول الآمرُ لمأمورِه «طرْ في السماءِ»، أو مقيّداً بقيدٍ يرتبطُ بإرادةِ المكلّفِ و اختيارِه؛ من قبيلِ أن يقولَ: «إنْ صعدْتَ إلى السطحِ فطرْ إلى السماءِ»، فإنّ التكليفَ في كلتا الحالتينِ مستحيلٌ.

24

الشرح‏

يقع البحث في قضية عقلية مستقلّة تركيبيّة سالبة، تعتبر عنصراً مشتركاً لاستنباط حكم شرعيّ، و هي قاعدة استحالة التكليف بغير المقدور.

قاعدة استحالة التكليف بغير المقدور

يمكننا أن نقسّم كلامنا في هذه القاعدة إلى بحثين:

الأوّل: نتناول فيه النقاط التالية بحسب الترتيب الوارد في عبارة المصنّف (قدس سره):

1 معنى القاعدة.

2 تحديد مركز اشتراط القدرة.

3 إطلاق القاعدة.

4 القدرة الشرعية و العقلية.

5 إطلاق القاعدة من زاوية ثانية.

الثاني: نتناول فيه بيان الثمرة المترتّبة على اشتراط القدرة، و هو ما نبحثه لاحقاً.

أمّا ما يخصّ البحث الأوّل، فإليك بحث النقاط الواردة فيه تباعاً.

معنى القاعدة

كثيراً ما نطالع مقولة «يستحيل التكليف بغير المقدور»، و هذه الاستحالة لها معنيان:

المعنى الأوّل: أنّ المولى تبارك و تعالى يستحيل أن يدين المكلّف و يعاقبه‏

25

على فعلٍ أو تركٍ يصدر منه بلا اختيار و قدرة. فما لم يكن الفعل أو الترك صادراً من المكلّف عن قدرة و اختيار، فلا يستحقّ العقوبة عليه من قبل المولى بحكم العقل؛ ذلك لأنّ حقّ الطاعة الثابت عقلًا للمولى لا يشمل ما هو خارج عن الاختيار، كما لو اقتيد شخص و رُمي في أرض مغصوبة، فإنّ خروجه منها يُعدّ تصرّفاً في الأرض المغصوبة، و لكنّه غير معاقَب عليه؛ لأنّ التصرّف لم يكن صادراً منه باختياره.

و غير خافٍ أنّ معنى استحالة الإدانة من قِبل المولى هو قبح صدورها منه عقلًا، و ليس بمعنى الاستحالة و الامتناع الذاتي. بعبارة أخرى: إنّ‏

الاستحالة تارةً تُطلق و يُراد بها الاستحالة في مقام العقل النظري، و هي استحالة ذاتية من قبيل اجتماع النقيضين، و أخرى تطلق و يراد بها الاستحالة في مقام العقل العملي كاستحالة صدور الظلم من الله تعالى، فإنّ صدوره منه ليس بمستحيل ذاتاً و إنّما عدم صدوره منه لأجل أنّه لا يليق بساحته المقدّسة؛ باعتبار عدله و حكمته و رحمته، و المقام من هذا القبيل.

فاتّضح أنّ المعنى الأوّل لاستحالة التكليف بغير المقدور هو قبح الإدانة بسبب فعل أو ترك لم يكن صادراً من المكلّف بالاختيار.

المعنى الثاني: أنّ المولى تبارك و تعالى يستحيل أن يصدر منه تكليف بغير المقدور في عالم التشريع و ليس في عالم الإدانة و استحقاق العقوبة فقط، بمعنى أنّ الشارع إذا أراد أن يشرّع حكماً فلا بدّ أن يكون مقدوراً و إلّا فلا يصدر منه، فتكون القدرة بناءً على هذا المعنى شرطاً في التكليف في عالم التشريع و ليست شرطاً في الإدانة فقط، كما لو أمر الشارع المكلّف بالصلاة مليون ركعة يومياًّ، فهو غير مقدور بالنسبة للمكلّف و بالتالي يستحيل صدوره منه.

26

و المقصود ب «عالم التشريع» هنا هو مقام الثبوت، فقد تقدّم‏ (1) أنّ مرحلة عملية الحكم التكليفي تنقسم إلى مرحلتين؛ إحداهما: مرحلة الثبوت للحكم، و الأخرى: مرحلة الإثبات، و أنّ مرحلة الثبوت تحتوي عناصر ثلاثة: الملاك، و الإرادة، و الاعتبار. و من هنا ينبثق هذا التساؤل: إنّنا عند ما نقول: «يستحيل التكليف بغير المقدور في عالم التشريع و الثبوت»، فأيّ عناصر مرحلة الثبوت نقصد؟ أ جميعها مشروط بالقدرة، أم بعضها

دون الآخر؟ هذا ما سنقف عليه في البحث التالي.

تحديد مركز اشتراط القدرة في التكليف‏

في مقام الإجابة عن التساؤل المطروح نقول: أمّا بالنسبة إلى العنصر الأوّل أي الملاك فلا شكّ في إمكان تعلّقه بأمر غير مقدور، فمن الممكن مثلًا أن توجد مصلحة في التكليف بالصلاة ثلاثة آلاف ركعة يومياًّ رغم عدم قدرة المكلّف على الإتيان بها. و هذا أمر واضح.

و كذلك الحال في الإرادة التي هي العنصر الثاني في مرحلة الثبوت، فلا إشكال أيضاً في إمكان تعلّقها بأمر غير مقدور، و ذلك لأنّ الإرادة هي الحبّ الناشئ من وجود الملاك و المصلحة، فإذا كان الملاك قابلًا لأن يتعلّق بغير المقدور كما قلنا فإنّ حال الإرادة يكون كذلك، بمعنى أنّها يمكن أن تتعلّق بغير المقدور و المستحيل أيضاً سواء كان مستحيلًا ذاتياً أم بالغير؛ حيث إنّ المستحيل على قسمين:

1 المستحيل الذاتي، أي أنّه لا يمكن أن يتحقّق ذاتاً، كاجتماع النقيضين.

____________

(1) () في بحث «مبادئ الحكم التكليفي» من هذه الحلقة.

27

2 المستحيل بالغير، و هو المعبّر عنه بالممتنع بالغير، كعدم وجود المعلول عند عدم علّته التامّة، فإنّ وجوده عند عدم علّته مستحيل إلّا أنّه مستحيل بالغير لا ذاتاً؛ بدليل أنّه يوجد عند وجود علّته، و لو كانت استحالته ذاتية لامتنع وجوده على كلّ حال.

و لا فرق في إمكان تعلّق الإرادة بغير المقدور و المستحيل بكلا قسميه، و منه يظهر أنّ القدرة ليست شرطاً في الملاك كما أنّها ليست شرطاً في الإرادة.

و أمّا بالنسبة إلى اشتراط القدرة في العنصر الثالث في مرحلة الثبوت أي الاعتبار، فهو مبنيّ على بيان حقيقة الاعتبار و كيفيّة لحاظه، و هاهنا لحاظان:

الأوّل: لحاظه بما هو اعتبار و كاشف عن الملاك و الإرادة، و ليست له وظيفة أخرى غير كشفه عن العنصر الأوّل و الثاني في مرحلة الثبوت.

و لا إشكال في عدم اشتراط القدرة في الاعتبار بهذا المعنى؛ لأنّه إذا كان من الممكن تعلّق المصلحة و الإرادة بأمر غير مقدور فإنّ تعلّق الاعتبار الكاشف عنها بغير المقدور أمر ممكن أيضاً و معقول؛ لأنّ الاعتبار بما هو اعتبار سهل المئونة كما يقال.

إن قلت: أ لا يكون جعل في الموارد التي يكون فيها متعلّقه أمراً غير مقدور، لغواً؟

قلت: لا يكون لغواً؛ لأنّه في مثل هذه الحالة يكون كاشفاً عن تعلّق الملاك و الإرادة بأمر غير مقدور، و معبّراً عن الصياغة التشريعيّة التي اعتادها العقلاء. فإنّهم حينما يعلمون بالمصلحة و تتحقّق عندهم الإرادة يبرزونها بالاعتبار، و في المقام يكون الأمر كذلك؛ فإنّ جعل الاعتبار يُعدّ العنصر الكاشف عن الملاك و الإرادة، و مثل هذه الفائدة تُخرجه عن اللغوية.

28

الثاني: لحاظه بما هو ناشئ من داعي البعث و التحريك، بمعنى أنّ المولى عند ما يلحظ المصلحة في جعل إيجاب الصلاة في ذمّة المكلّف و يحصل عنده حبّ لها و إرادة في ضوء تلك المصلحة، يعتبرها في ذمّة المكلّف. و معنى اعتباره لها: بعْث المكلّف و تحريكه للإتيان بها. و بهذا اللحاظ لا يكون الاعتبار مجرّد كاشف عن الملاك و الإرادة فحسب، و إنّما هو محرّك و دافع للمكلّف نحو الامتثال.

و واضح أنّ القدرة على الإتيان بالفعل أو الترك شرط في الاعتبار بهذا المعنى؛ لأنّ اعتبار التكليف بداعي البعث و التحريك لا يتمّ إلّا إذا كان‏

متعلّق التكليف أمراً مقدوراً للمكلّف ليمكنه التحرّك و الانبعاث نحو تحقيقه.

فظهر أنّ الاعتبار إن لوحظ بما هو اعتبار و كاشف عن مبادئ من ملاك و إرادة فلا تعتبر القدرة شرطاً فيه و يعقل تعلّقه بغير المقدور، و إن لوحظ بما هو ناشئ من داعي البعث و التحريك فإنّه يكون مختصّاً بالمقدور.

وعليه، فالسؤال المهمّ هنا هو: إنّ الاعتبار الملحوظ في مقام الثبوت هل هو الاعتبار بالمعنى الأوّل، أم الاعتبار بالمعنى الثاني؟

و الجواب: إنّ الاعتبار الذي يُعدّ عنصراً ثالثاً في مرحلة الثبوت للحكم هو الاعتبار بالمعنى الثاني. توضيح ذلك: أنّنا قد عرفنا أنّ الكاشف عن الملاك و الإرادة هو الاعتبار، و أمّا الكاشف عن الاعتبار فهو الخطاب الشرعيّ، فقوله تعالى: وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (1) خطابٌ في مقام الإثبات يكشف عن الاعتبار الواقع في مرحلة الثبوت، و هو بدوره يكشف عن الملاك و الإرادة. و لا يخفى أنّ المولى عند ما

____________

(1) () آل عمران: 97.

29

يجعل تشريعاً و خطاباً على المكلّف يبرزه بداعي دفع المكلف و تحريكه للإتيان به، لا أنّه يبرزه ليكون كاشفاً عن الاعتبار الكاشف عن مبادئ الحكم، فإنّ مقتضى ظهور حال المشرّع عند تشريعه الصلاة مثلًا أنّه يريد من المكلّف أداءها و امتثالها، و ليس مجرّد إخباره بأنّ هناك صلاة في ذمّته. و هذا الظهور الحالي ظهور تصديقيّ سياقيّ لخطاب الشارع.

و إذا كان الخطاب الشرعي مجعولًا بداعي البعث و التحريك فلا بدّ أن يكون الاعتبار الذي يكشف عنه الخطاب الشرعي مجعولًا و ملحوظاً بهذا الداعي أيضاً؛ لأصالة التطابق بين مقام الإثبات و الثبوت، و تكون النتيجة

اختصاص التكليف بالمقدور، لأنّ داعي البعث لا يشمل العاجز؛ لعدم إمكان تحرّكه و انبعاثه.

فتلخّص إلى هنا: أنّ قاعدة استحالة التكليف بغير المقدور إمّا يقصد بها قبح إدانة المكلّف من قبل المولى على أمر لم يصدر منه بالاختيار، و إمّا استحالة صدور تكليف من المولى بأمر غير مقدور في عالم التشريع، و قد ظهر لنا أنّ المشروط بالقدرة في مرحلة الثبوت هو الاعتبار دون الملاك و الإرادة.

الجدير بالذكر أنّ تحديد مركز اشتراط القدرة في التكليف بالنحو الذي قدّمناه غير موجود في كلمات الأصوليّين، و إنّما هو من إبداعات المصنّف (قدس سره) و اختصاصاته.

إطلاق القاعدة

من النقاط التي نودّ توضيحها في قاعدة استحالة التكليف بغير المقدور: بطلانها و شمولها لكلّ التكاليف. و هذا الإطلاق يمكن أن نلحظه من جهتين:

30

الأولى: شمول القاعدة للتكاليف الإلزامية و غير الإلزامية، بمعنى أنّه يستحيل التكليف بغير المقدور، سواء كان التكليف إلزاميّاً أم غير إلزاميّ، فكما يستحيل صدور التكليف الواجب من المولى و تعلّقه بأمر غير مقدور للمكلّف، فكذلك الحال في التكليف المستحبّ، فلا بدّ من وجود القدرة على متعلّق الوجوب و الاستحباب ليصحّ التكليف بهما.

الثانية: شمول القاعدة للتكاليف الطلبية و الزجرية، بمعنى أنّه يستحيل التكليف بغير المقدور سواء كانت طلبية أم زجرية. فكما تشترط القدرة على متعلّق التكليف في التكاليف الطلبية أي الوجوب و الاستحباب، فكذلك‏

تشترط في التكاليف الزجرية أي الحرمة و الكراهة. فإذا فرض أنّ هناك شخصاً لا يستطيع أن يصوم طوال حياته، فلا معنى لتكليفه بالصوم؛ لأنّه غير قادر على الإتيان به، و الأمر نفسه فيما لو وُجد شخص لا يستطيع أن يشرب الخمر مطلقاً، فإنّه لا معنى لزجره عن الشرب؛ لأنّ المفروض أنّه ليس بقادر على الإتيان به، و زجر المكلّف عن أمر لا يقدر المكلّف على الإتيان به و إيجاده غيرُ معقول.

و بهذا يتّضح أنّ قاعدة استحالة التكليف بغير المقدور تجري في التكاليف الإلزامية و غير الإلزامية، و في التكاليف الطلبية و الزجرية على حدٍّ سواء.

القدرة الشرعية و العقلية

ذكرنا أنّ القدرة شرط ضروريّ في التكليف، و اتّضح أنّ مركز اشتراط القدرة في التكليف هو الاعتبار دون الملاك و الإرادة، و لكن هذا لا يعني أنّ القدرة لا تكون شرطاً في الملاك و الإرادة في بعض الأحيان، فإنّهما يمكن أن يكونا مقيّدين بالقدرة و يمكن أن يكونا مطلقين و غير مقيّدين، بخلاف‏

31

الاعتبار؛ فقد تقدّم أنّه لا بدّ أن يكون مشروطاً بالقدرة؛ إذ انبعاث المكلّف نحو غير المقدور أمرٌ مستحيل.

و هنا نكتة ينبغي الالتفات لها و هي: أنّ مبادئ الحكم إذا كانت مطلقة و لم يقيَّد الملاك و الإرادة في التكليف بالقدرة، فإنّ هذا يعني أنّ الملاك و الإرادة يشملان العاجز، إلّا أنّ عجزه يمنعه عن أداء التكليف.

بعبارة ثانية: إنّ المقتضي في أداء التكليف موجود و لكن المانع غير مفقود، فيكون عدم إتيان العاجز بالتكليف لأجل وجود المانع لا لأجل عدم المقتضي.

و أمّا إذا كانت مبادئ الحكم مقيّدة و مختصّة بحالة القدرة فقط، فإنّه يعني أنّ العاجز لا وجود للملاك و الإرادة في حقّه، و من ثمّ لا يجب عليه الامتثال، و عدم وجوبه ناشئ من عدم وجود المقتضي أساساً لا لأجل وجود المانع.

لا يقال: إنّ غير القادر لا يجب عليه الإتيان بالتكليف و لا يدان مطلقاً سواء كان الملاك شاملًا له و عجزه هو المانع، أم كان الملاك لا يشمله أصلًا، فمعرفة ذلك ليست لها ثمرة؟

لأنّه يُقال: إنّ هناك ثمرة تترتّب على ذلك، كما سيأتي في البحث الثاني من قاعدة استحالة التكليف بغير المقدور.

و على أيّ حال، فإنّ كلّ حالة تكون القدرة شرطاً في الملاك و يأخذها الشارع قيداً فيه تسمّى قدرة شرعية، بمعنى أنّ الشارع يقيّد الملاك بها و يكون انتفاء الحكم عن العاجز لعدم وجود المقتضي و الملاك في حقّه أصلًا.

و أمّا إذا لم يأخذ الشارع القدرة قيداً في الملاك، و يكون عدم وجوب إتيان العاجز و غير القادر بالتكليف لوجود المانع، فإنّ مثل هذه القدرة تسمّى بالقدرة العقلية.

32

بعبارة مختصرة: إنّ القدرة الشرعية هي القدرة التي يأخذها الشارع قيداً في الملاك، تمييزاً لها عن حالات عدم أخذها قيداً فيه؛ إذ تسمّى عندئذ بالقدرة العقلية.

إطلاق القاعدة من زاوية ثانية

نبحث الآن إطلاق قاعدة استحالة التكليف بغير المقدور و لكن من زاوية ثانية؛ تمييزاً لهذا البحث عن البحث المتقدّم الذي تناولنا فيه إطلاق القاعدة من زاوية التكاليف الإلزامية و غيرها و التكاليف الطلبية و الزجرية، و هنا نتناول إطلاق القاعدة من زاوية أخرى.

بيانه: إنّ المولى تارةً يأمر بتكليف غير مقدور مباشرة، كأن يقول: «طِرْ إلى السماء»، فإنّه تكليف بغير المقدور مباشرة.

و أخرى يأمر المولى بتكليف غير مقدور أيضاً و لكنّه يقيّده بشرط مقدور، كأن يقول: «إن صعدت إلى السطح فطِرْ إلى السماء»، فإنّ الصعود إلى السطح قيد مقدور، إلّا أنّ نفس الطيران إلى السماء غير مقدور.

و هنا نقول: بأن لا فرق في استحالة التكليف بغير المقدور سواء كان التكليف منصبّاً مباشرةً على غير المقدور أم بتوسّط أمر مقدور.

هذا تمام الكلام في البحث الأوّل في هذه القاعدة العقلية، و بعد ذلك نشرع إن شاء الله تعالى في بحث الثمرة المترتّبة على اشتراط القدرة في التكليف و عدم اشتراطها.

أضواء على النص‏

قوله (قدس سره): «إنّ المولى يستحيل أن يدين». «يستحيل» بمعنى: يقبح، فإنّ الإدانة من قبل المولى غير ممتنعة ذاتاً عليه، إلّا أنّها لا تصدر منه لأنّها لا

33

تناسب ذاته المقدّسة؛ باعتبار أنّه تعالى عادل و حكيم.

قوله (قدس سره): «لأنّ العقل يحكم بقبح هذه الإدانة». ذكرنا مراراً أنّ دور العقل هو الإدراك لا الحكم، و إطلاق الحكم على الإدراك في بعض الأحيان إطلاق مجازيّ.

قوله (قدس سره): «و هو مهما كان شديداً». أي: الحبّ الناشئ من الملاك.

قوله (قدس سره): «تعلّقه بالمستحيل ذاتاً فضلًا عن الممتنع بالغير». «المستحيل ذاتاً» من قبيل استحالة اجتماع النقيضين، و «الممتنع بالغير» من قبيل استحالة وجود المعلول عند عدم علّته التامّة.

قوله (قدس سره): «و الاعتبار إذا لوحظ بما هو اعتبار». أي: بما هو كاشف عن الإرادة و الملاك فقط، و ليس بما هو ناشئ من داعي البعث و التحريك نحو الامتثال.

قوله (قدس سره): «إذ قد يراد به». أي: الاعتبار.

قوله (قدس سره): «تعتبر شرطاً فيه». أي: الجعل و الاعتبار.

قوله (قدس سره): «هو الاعتبار بهذا الداعي». أي: داعي البعث و التحريك.

قوله (قدس سره): «فلا بدّ من اختصاصه». أي: الاعتبار.

قوله (قدس سره): «إنّ القدرة شرط ضروريّ في التكليف». و بالتحديد في العنصر الثالث من مقام الثبوت للحكم، أي: الاعتبار، دون الملاك و الإرادة، كما اتّضح ذلك من خلال البحث.

قوله (قدس سره): «و في كلّ حالة من هذا القبيل». أي: تكون مبادئ الحكم مختصّة بحالة القدرة، و يكون انتفاء التكليف عن العاجز؛ لعدم المقتضي و الملاك رأساً.

34

و الثمرةُ في اشتراطِ القدرةِ في صحّةِ الإدانةِ المعنى الأوّلِ) واضحةٌ، و أمّا الثمرةُ في اشتراطِ القدرةِ في التكليفِ ذاتِه المعنى الثاني) فقد يقالُ إنّها غيرُ واضحةٍ؛ إذ ما دامَ العاجزُ غيرَ مدانٍ على أيِّ حالٍ، فلا يختلفُ الحالُ، سواءٌ افترضنا أنّ القدرةَ شرطٌ في التكليفِ أو نفيْنا ذلك و قلنا: بأنّ التكليفَ يشملُ العاجزَ؛ إذ لا أثرَ لذلك بعدَ افتراضِ عدمِ الإدانة؟

و لكنّ الصحيحَ: وجودُ ثمرةٍ، على الرغم من أنّ العاجزَ غيرُ مدانٍ على أيِّ حالٍ، و هي تتّصلُ بملاكِ الحكم؛ إذ قد يكونُ مِن المفيدِ أنْ نعرفَ أنّ العاجزَ هل يكونُ ملاكُ الحكم فعليّاً في حقِّه و قدْ فاتَهُ بسببِ العجزِ لكيْ يجبَ القضاءُ مثلًا، أو أنّ الملاكَ لا يشملُه رأساً فلم يَفُتْه شي‏ءٌ ليجبَ القضاءُ، أي: أنْ نعرفَ أنّ القدرةَ هل هي دخيلةٌ في الملاك أو لا؟

فإذا جاءَ الخطابُ الشرعيُّ مطلقاً و لم ينصَّ فيه الشارعُ على قيدِ القدرةِ ظهرتْ الثمرةُ؛ لأنّنا:

إن قلنا باشتراطِ القدرةِ في التكليفِ ذاتِه كما تقدّمَ، كان حكمُ العقل بذلكَ بنفسِه قرينةً على تقييدِ إطلاقِ الخطاب، فكأنّه متوجّهٌ إلى القادرِ خاصّةً و غيرُ شاملٍ للعاجز، و في هذهِ الحالةِ لا يمكنُ إثباتُ فعليّةِ الملاكِ في حقِّ العاجز، و أنّه قد فاتَه الملاكُ ليجبَ عليه‏

35

القضاءُ مثلًا؛ لأنّه لا دليلَ على ذلك؛ نظراً إلى أنّ الخطابَ إنّما يدلُّ على ثبوتِ الملاكِ بالدلالةِ الالتزاميةِ، و بعدَ سقوطِ المدلولِ المطابقيِّ للخطابِ، و تبعيّةِ الدلالةِ الالتزاميّةِ على الملاكِ للدلالة المطابقيّة على التكليفِ، لا يبقى دليلٌ على ثبوتِ الملاكِ في حقِّ العاجز.

و إنْ لم نقلْ باشتراطِ القدرةِ في التكليفِ، أخذْنا بإطلاقِ الخطابِ في المدلولِ المطابقيِّ و الالتزاميِّ معاً، و أثبتْنا التكليفَ و الملاكَ على العاجز، و بذلك يثبتُ أنّ العاجزَ قد فاتهُ الملاكُ، و إنْ كان معذوراً في ذلك؛ إذ لا يدانُ العاجز على أيِّ حال.

36

الشرح‏

نستعرض في هذا البحث الثمرة المترتّبة على اشتراط القدرة في قاعدة «استحالة التكليف بغير المقدور»، و هو ما عنونّاه في بداية بحث القاعدة ب «البحث الثاني».

الثمرة المترتبة على اشتراط القدرة

ذكرنا أنّ هناك معنيين لقولنا: «يستحيل التكليف بغير المقدور»، فإنّ الاستحالة إمّا بمعنى استحالة الإدانة، و إمّا بمعنى استحالة التكليف من قبل المولى، كما تقدّم تفصيل ذلك.

و لكن لربّ قائل يقول: ما هي الثمرة المترتّبة على هذا البحث، و ما هي فائدة اشتراط القدرة في صحّة الإدانة المعنى الأوّل)، أو في نفس التكليف المعنى الثاني) للقاعدة؟

و إجابة نقول: أمّا ثمرة اشتراط القدرة في الإدانة فواضحة، حيث قلنا سابقاً إنّ لازم اشتراطها فيها هو قبح معاقبة المكلّف على عدم إتيانه بتكليف غير مقدور له، بخلاف ما لو لم تكن القدرة شرطاً في الإدانة فإنّ المكلّف عندئذ يستحقّ العقوبة.

و لكنّا ذكرنا أنّ حقّ الطاعة بالنسبة للمولى لا يشمل التكاليف الخارجة عن قدرة المكلّف و اختياره، و من ثمّ تكون الإدانة بحكم العقل مختصّة بحالة القدرة فقط، و يكون استحقاق العقوبة على ترك الامتثال قبيح عقلًا.

و أمّا ثمرة اشتراط القدرة في التكليف في عالم التشريع، فربّما يقال بأن لا

37

ثمرة في ذلك؛ لأنّ الإدانة مرفوعة عن المكلّف العاجز على أيّ حال سواء

قلنا بأنّ الاعتبار مشروط بالقدرة أم لا، و بعد عدم اختلاف الحال بالنسبة للعاجز لا تبقى هناك ثمرة تترتّب على القول باشتراط القدرة في التكليف، و الذي حدّدناه في الاعتبار كما تقدّم.

هذا، و لكن الصحيح هو وجود ثمرة مهمّة تترتّب على اشتراط القدرة في التكليف دون عدم اشتراطها، و هذه الثمرة ترتبط بوجوب القضاء و عدم وجوبه، فإن قلنا بأنّ الاعتبار مطلق و غير مقيّد بحال القدرة فهذا يعني أنّ الملاك مطلق أيضاً؛ و ذلك لإطلاق الاعتبار الكاشف عنه، و بالتالي يجب على المكلّف القضاء لو ارتفع عجزه.

و إن قلنا بأنّ الاعتبار مقيّد بحال القدرة و مشروط بها، فإنّه يعني تقييد الملاك بها أيضاً و لا يشمل العاجز من الأساس، و من ثمّ لا يجب عليه القضاء حتّى لو ارتفع عجزه. هذه هي الثمرة بنحو الإجمال، و إليك تفصيلها:

لو ورد إلينا خطاب و لم ينصّ الشارع فيه على اشتراط القدرة في التكليف، و كان المكلّف عاجزاً عن الإتيان بالمأمور به، فهل يجب عليه القضاء خارج الوقت؟

إنّ الجواب على هذا التساؤل مرتبط بمعرفة ملاك الحكم من حيث إطلاقه و شموله للقادر و العاجز معاً أو اختصاصه بالقادر، و معرفة ذلك لا تتمّ إلّا من خلال الاعتبار لأنّه الكاشف عن الملاك كما تقدّم.

فإن قلنا بتقييد الاعتبار بحال القدرة و عدم شموله للعاجز، فإنّ ذلك يكشف عن تقييد ملاك الحكم أيضاً؛ لأنّ تقييد الكاشف أي الاعتبار يكشف عن تقييد المكشوف أي الملاك و بغير ذلك لا يبقى عندنا كاشف‏

38

عن الملاك أصلًا، و بعد اختصاص فعلية الملاك بالقادر و عدم شموله‏

للعاجز، لا يجب على الأخير القضاء لو ارتفع عجزه خارج الوقت؛ لعدم فعلية الملاك في حقّه.

و أمّا كيف نعرف تقييد الاعتبار بحال القدرة مع أنّ الشارع لم ينصّ على ذلك كما هو الفرض، فهو عن طريق القرينة العقلية المتقدّمة و هي أنّ الاعتبار مجعول بداعي البعث و التحريك و دفع المكلّف نحو الامتثال، و هو بهذا الداعي لا يشمل العاجز كما هو واضح. و مثل هذه القرينة تصلح بنفسها مقيّداً للخطاب رغم إطلاقه و عدم تقييده شرعاً؛ و ذلك لأنّ القرينة العقلية كالقرينة اللفظية في صلاحيّة تقييد الخطاب الشرعي.

و بعد تقييد الاعتبار بحالة القدرة بتلك القرينة العقلية و سقوطه في حال العجز، لا يبقى لنا دليل و كاشف على بقاء الملاك في ذلك الحال؛ إذ إنّ الاعتبار يعدّ مدلولًا مطابقياً للخطاب، و الملاك مدلول التزاميّ له؛ فإذا سقط المدلول المطابقيّ عن الحجّية في الشمول للعاجز و اختصاصه بالقادر، سقط المدلول الالتزامي أي الملاك أيضاً؛ لتبعيّة الدلالة الالتزامية للمطابقية في الحجّية كما تقدّم‏ (1)، و من ثمّ لا يبقى مقتضٍ و ملاك في حقّ العاجز ليجب عليه القضاء خارج الوقت لو ارتفع عجزه.

و أمّا إذا لم نقل باشتراط القدرة في التكليف و كان الاعتبار مطلقاً و شاملًا للقادر و العاجز معاً، و لم نقيّد الخطاب الوارد بالقرينة العقلية المتقدّمة، فسيثبت إطلاق الخطاب على مستوى المدلول المطابقي أي الاعتبار و المدلول الالتزامي أي الملاك، بمعنى أنّ الملاك يكون فعليّاً بالنسبة إلى القادر و العاجز على حدٍّ سواء، و من ثمّ لو فرض ارتفاع عجز

____________

(1) () في بحث «تبعية الدلالة الالتزامية للمطابقية» من هذه الحلقة.

39

المكلّف خارج الوقت فيجب عليه القضاء؛ لفعليّة الملاك في حقّه و شموله له. غاية الأمر أنّه لا يجب عليه الإتيان بالمأمور به في حال العجز؛ لوجود المانع.

هذه هي ثمرة اشتراط القدرة في التكليف، مع الالتفات إلى أنّها إنّما تتأتّى بناءً على القول بعدم احتياج القضاء إلى أمر جديد، و أمّا إذا قلنا بتوقّف القضاء على أمر جديد، فلا تتمّ هذه الثمرة؛ لأنّنا سواء قلنا بإطلاق التكليف أم تقييده بحال القدرة، لا يختلف الحال بالنسبة إلى المكلّف من حيث القضاء؛ إذ ما دام القضاء يحتاج إلى أمر جديد و لا يكتفى بالأمر السابق، فلا يمكننا إثبات وجوبه على المكلّف من خلال القول بإطلاق الملاك و شموله للعاجز، و تحقيق ذلك موكول إلى محلّه.

أضواء على النص‏

قوله (قدس سره): «و أمّا الثمرة في اشتراط القدرة في التكليف». التكليف هنا بمعنى الاعتبار كما اتّضح ذلك.

قوله (قدس سره): «أنّ القدرة شرط في التكليف». يعني تقييد الاعتبار.

قوله (قدس سره): «أو نفينا ذلك». بمعنى أنّ الاعتبار مطلق.

قوله (قدس سره): «إذ قد يكون». تعبير المصنّف (قدس سره) ب «قد» إشارة إلى أنّ هذه الثمرة تامّة على مبنى مَن يقول بعدم احتياج القضاء إلى أمر جديد.

قوله (قدس سره): «أنّ القدرة هل هي دخيلة في الملاك أو لا». فإن كانت دخيلة في الملاك فالقدرة شرعية، و إلّا فهي عقلية.

قوله (قدس سره): «و لم ينصّ فيه الشارع على قيد القدرة». و أمّا إذا نصّ على قيد القدرة فلا تظهر الثمرة؛ لأنّه من الواضح عندئذ عدم وجوب القضاء خارج الوقت؛ لعدم فعلية الملاك في حقّ العاجز.

40

قوله (قدس سره): «كما تقدّم». إشارة إلى القرينة العقلية المتقدِّمة القائلة بأنّ الاعتبار مجعول بداعي البعث، و الذي يعني استحالة تعلّق الاعتبار بغير المقدور.

قوله (قدس سره): «كان حكم العقل بذلك». أي: باشتراط القدرة في التكليف.

قوله (قدس سره): «لأنّه لا دليل على ذلك». أي: لا دليل على فعلية الملاك في حقّ العاجز.

قوله (قدس سره): «و بعد سقوط المدلول المطابقي للخطاب». أي: الاعتبار.

قوله (قدس سره): «المدلول المطابقي و الالتزامي». أي: الاعتبار و الملاك.

قوله (قدس سره): «و إن كان معذوراً في ذلك». و لكنّه يجب عليه القضاء بعد ارتفاع العذر.

41

قاعدة إمكان التكليف المشروط

مرَّ بنا أنّ مقامَ الثبوتِ للحكم يشتملُ على عنصرٍ يُسمَّى بالجعل و الاعتبارِ، و في هذهِ المرحلةِ يُجعلُ الحكمُ على نهج القضيّةِ الحقيقيّة، كما تقدَّم، فيفترضُ المولى كلَّ الخصوصياتِ و القيودِ التي يريدُ إناطةَ الحكمِ بها، و يجعلُ الحكمَ منوطاً بها فيقولُ مثلًا: إذا استطاعَ الإنسانُ و كانَ صحيحَ البدنِ مخلَى السربِ، وجبَ عليه الحجُّ.

و نحنُ إذا لاحظْنا هذا الجعلَ نجدُ هناكَ شيئاً قد تحقّقَ بالفعل، و هو نفسُ الجعلِ الذي يُعتبرُ في قوّةِ قضيّةٍ شرطيّةٍ شرطُها القيودُ المفترضةُ، و جزاؤُها ثبوتُ الحكم، و لكنْ هناكَ شي‏ءٌ قدْ لا يكونُ متحقّقاً فعلًا، و إنّما يتحقّقُ إذا وُجدَ في الخارج مستطيعٌ صحيحٌ مخلًّى، و هو الوجوبُ على هذا أو ذاكَ الذي يمثّلُ فعليةَ الجزاءِ في تلكَ القضيّةِ الشرطيّةِ، فإنّ فعليّةَ الجزاءِ في كلِّ قضيّةٍ شرطيّةٍ تابعةٌ لفعليّةِ الشرطِ، فما لمْ تتحقّق تلكَ القيودُ لا يكونُ الوجوبُ فعليّاً، و يسمَّى الوجوبُ الفعليُّ بالمجعول.

و منْ هنا أمكنَ التمييزُ بين الجعلِ و المجعولِ، لأنّ الأوّلَ موجودٌ منذُ البدايةِ، و الثاني لا يوجَدُ إلّا بعدَ تحقُّقِ القيودِ خارجاً، و القيودُ بالنسبةِ إلى المجعولِ بمثابةِ العلّةِ، و ليستْ كذلكَ بالنسبةِ إلى‏

42

الجعلِ، لأنّ الجعلَ متحقّقٌ قبلَ وجودِها خارجاً. نعم، الجعلُ‏

يتقوّمُ بافتراضِ القيودِ و تصوُّرِها، إذ لو لمْ يتصوَّر المولى الاستطاعةَ و الصحّةَ مثلًا لما أمكنَهُ أن يجعلَ تلكَ القضيّةَ الشرطيّةَ، و بذلكَ تعرفُ أنَّ الجعلَ متقوّمٌ بلحاظِ القيودِ و تصوُّرِها ذهناً، و المجعولَ متقوّمٌ بوجودِ القيودِ خارجاً، و مترتّبٌ عليها؛ من قبيل ترتُّبِ المعلولِ على علّتِه.

و على هذا الأساسِ نعرفُ أنَّ الحكمَ المشروطَ ممكنٌ، و نعني بالحكمِ المشروطِ: أنْ يكونَ تحقُّقُ الحكم منوطاً بتحقّقِ بعضِ القيودِ خارجاً، فلا وجودَ له قبلَها، فقد عرفْنا أنّ المجعولَ يمكنُ أنْ يكونَ مشروطاً، سواءٌ كان حكماً تكليفيّاً كالوجوبِ و الحرمةِ، أو وضعيّاً كالملكيّةِ و الزوجيّة.

و بذلكَ يندفعُ ما قدْ يقالُ: من أنّ الحكمَ المشروطَ غيرُ معقولٍ، لأنّ الحكمَ فعلٌ للمولى، و هذا الفعلُ يصدرُ و يتحقّقُ بمجرّدِ إعمالِ المولى لحاكميّته، فأيُّ معنىً للحكم المشروط؟

و وجهُ الاندفاعِ: أنّ ما يتحقّقُ كذلك إنّما هو الجعلُ لا المجعولُ، و الحكمُ المشروطُ هو المجعولُ دائماً.

43

الشرح‏

يقع الكلام في قاعدة عقلية تركيبيّة أخرى، و هي المسمّاة بقاعدة إمكان التكليف المشروط.

قاعدة إمكان التكليف المشروط

و في هذه القاعدة نتعرّض إلى بحثين، هما:

أوّلًا: بيان معنى الجعل و المجعول.

و ثانياً: إثبات إمكان الحكم المشروط.

معنى الجعل و المجعول‏

تقدّم في «مبادئ الحكم التكليفي» من هذه الحلقة أنّ للحكم مقامين: مقام الثبوت، و مقام الإثبات، و قلنا إنّ مقام الثبوت يحتوي على عناصر ثلاثة: الملاك، الإرادة، و الاعتبار و يسمّى أيضاً بالجعل.

و أوّل ما يلاحظ في هذه المرحلة أي مرحلة الثبوت أنّ الحكم يجعل فيها بنحو القضية الحقيقيّة، بمعنى أنّ الشارع عند ما يريد أن يجعل حكماً و يصبّه على موضوع، يلحظ ذلك الموضوع بنحو مقدّر الوجود؛ فإنّ لحاظ الموضوع من قبل الشارع يكون بنحوين:

إمّا بنحو يكون فيه الموضوع محقّق الوجود خارجاً، فتكون القضية عندئذ خارجية.

أو بنحو يكون فيه الموضوع مقدّر الوجود، فتكون القضيّة حقيقيّة.

44

و موضوع الحكم في مرحلة الثبوت و الجعل، يكون ملحوظاً باللحاظ الثاني؛ فإنّ الشارع يفترض و يقدّر جميع الخصوصيات و القيود التي يريد إناطة الحكم بها، و تشكّل بمجموعها موضوع الحكم ثمّ يصبّ الحكم عليها، فيقول مثلًا: إذا استطاع إنسان و كان صحيح البدن مخلى السرب وجب عليه الحجّ، و ليس بالضرورة أن يوجد إنسان كذلك في الخارج لكي يتحقّق الجعل، و إنّما يلاحظ الشارع ذلك الموضوع بنحو الافتراض‏

و التقدير، بمعنى أنّه لو فرض و قدّر وجود مثل ذلك الإنسان الذي تتوفّر فيه تلك الشروط التي تحقّق الموضوع خارجاً، فيجب عليه الحجّ فعلًا و إلّا فلا.

فقوله تعالى: وَ لِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا (1) يحقّق لنا شيئاً في الشريعة و جعلًا و هو وجوب الحجّ، بحيث لو سألنا عن واجبات الإسلام لكان جوابنا يتضمّن في بعضه وجوب الحجّ حتّى لو فرض عدم وجود مسلم مستطيع تتوفّر فيه شروط وجوب الحجّ، فإنّ الخطاب الذي تضمّنته الآية الكريمة يتكفّل جعل الوجوب المسمّى بالجعل، و هذا الجعل يعتبر في قوّة قضية شرطية مفادها: «إذا استطاع المكلّف يجب عليه الحجّ»، و الموضوع في هذه القضية هو المكلّف المستطيع، و الشرط هو الاستطاعة المفترضة، و الجزاء هو وجوب الحجّ، و قد لوحظ الموضوع فيها مقدّراً، فإن وُجد وجب عليه الحجّ و إلّا فلا وجوب عليه.

و هناك مرتبة أخرى للحكم لا تتحقّق إلّا بعد أن تتوفّر جميع الشروط و القيود المفترضة خارجاً، أي يوجد شخص مستطيع، فإنّ الجزاء في تلك القضية الشرطية المتقدّمة سيكون فعليّاً؛ لأنّه تابع لفعلية الشرط، و حيث إنّه‏

____________

(1) () آل عمران: 97.

45

فعليٌّ فالجزاء فعليٌّ أيضاً، و من ثمّ فزيد الخارجي المتّصف بكونه مستطيعاً يجب عليه الحجّ فعلًا، و كذلك عمرو لو كان مستطيعاً و هكذا، و مثل هذا الوجوب الفعلي هو المسمّى بالمجعول.

و على هذا الأساس يمكننا أن نميّز بين الجعل و المجعول، فالجعل هو مرتبة الحكم قبل تحقّق الشرط و موجود منذ البداية، و لا يستلزم أيَّ انبعاث من المكلّف نحو تحقيق الحكم في تلك المرتبة، و أمّا المجعول فهو المرتبة التي‏

تتحقّق بعد توافر الشرط، و يكون الحكم فيها فعليّاً على هذا المكلّف أو ذاك المتّصف بتلك الشروط و القيود.

بعبارة ثانية: إنّ القيود الملحوظة في المجعول هي بمثابة العلّة للحكم، فما لم تتحقّق تلك القيود لا يكون الحكم فعليّاً، و ليس الحال كذلك في الجعل؛ فإنّ القيود ليست علّة له، و إنّما هو يحصل بتشريع المولى و يكون موجوداً قبل وجود القيود خارجاً. فمثل وجوب الحجّ موجود منذ بداية عصر التشريع و ليس متوقّفاً على وجود الاستطاعة. نعم، يتقوّم الجعل بافتراض القيود و تصوّرها، فما لم يتصوّر الشارع قيد الاستطاعة مثلًا لا يمكنه أن يجعل وجوب الحجّ بنحو القضية الشرطية و يقول للمكلّف: «إذا استطعت فيجب عليك الحجّ».

فتلخّص إلى هنا: أنّ للحكم مرتبتين: جعلًا و مجعولًا، و يتقوّم الأوّل منهما بلحاظ القيود و تصوّرها ذهناً بنحو تكون مقدّرة، بينما يتقوّم المجعول بوجود القيود خارجاً و يكون ترتّب الحكم عليها من قبيل ترتّب المعلول على علّته.

و باتّضاح معنى الجعل و المجعول و بيان الفارق بينهما نكون قد أتممنا النقطة الأولى من البحث.

46

إمكان الحكم المشروط

هذه نقطة البحث الثانية.

و نقصد بالحكم المشروط: أن يكون وجود الحكم متوقّفاً على وجود قيوده خارجاً و لا وجود له قبل تحقّقها.

فقد قيل بعدم إمكان ذلك؛ بدعوى: أنّ الحكم فعلٌ مرتبط بإرادة المولى‏

و هو يصدر منه بمجرّد إعمال المولى لحاكميّته، فإن أراده وُجد الحكم و إلّا فلا، و أمّا أنّه يوجد على فرض تحقّق الشرط و لا يوجد على فرض عدم تحقّقه، فهذا أمر غير معقول. فمثل اشتراط وجوب صلاة الظهر بالزوال، لا معنى له؛ لأنّ وجوب صلاة الظهر إمّا أن يكون موجوداً و مجعولًا من قبل المولى أو لا، و القول بأنّه مشروط بالزوال غير ممكن؛ لأنّه من جهةٍ موجود قبل الزوال، و من جهةٍ ثانية متوقّف على الزوال و يوجد بعده. و هذا غير معقول.

و الجواب: إنّ الموجود قبل الزوال هو الجعل، فهو لا يمكن أن يكون مشروطاً؛ لأنّه كما قلنا يدور أمره بين أن يوجد أو لا يوجد، و مرتبط بإرادة الجاعل، فإن تحقّقت وُجد و إلّا فلا، و أمّا الموجود بعد تحقّق الزوال أو غيره من القيود فهو المجعول أي الوجوب على زيد أو عمرو أو غيرهما من المكلّفين.

بتعبير آخر: إنّ المستشكل في إمكان الحكم المشروط إن كان مراده من عدم الإمكان عدمَ إمكان الجعل المشروط، فالحقّ معه لأنّ الجعل لا يتوقّف على شي‏ء غير إرادة الجاعل و تصوّر القيود ذهناً كما تقدّم، و من ثمّ لا يعقل أن يكون مشروطاً. و أمّا إن كان مراده المجعول، فكلامه غير صحيح؛ لأنّ المجعول يمكن أن يكون مشروطاً كما أوضحنا ذلك في البحث السابق عند

47

بيان معنى المجعول، حيث قلنا إنّه متقوّم بوجود القيود خارجاً و مترتّب عليها ترتّب المعلول على علّته، و القائلون بإمكان الحكم المشروط يقصدون به المجعول لا الجعل، فما ذكره المستشكل ليس بتامّ.

فظهر أنّ قول الأصوليّين: «كلّ حكم يتوقّف على موضوعه» أو «لا وجود للحكم قبل وجود موضوعه» و ما شابه ذلك، يعنون بالحكم فيه: المجعول، لأنّه الذي يمكن أن يكون مشروطاً سواء كان حكماً تكليفيّاً

كالوجوب و الحرمة أم وضعياً كالملكيّة و الزوجيّة، و أمّا الجعل فهو غير مشروط بشي‏ء سوى تصوّر الموضوع من قبل الشارع و إرادته له.

و الحاصل: أنّ الحكم المشروط أمر ممكن، و يقصد به المجعول دائماً دون الجعل.

أضواء على النص‏

قوله (قدس سره): «و في هذه المرحلة». أي: مرحلة الثبوت.

قوله (قدس سره): «كما تقدّم». في بحث «القضية الحقيقيّة و القضية الخارجيّة للأحكام» من هذه الحلقة.

قوله (قدس سره): «موجود منذ البداية». أي: منذ أن شرّعه الشارع.

قوله (قدس سره): «فلا وجود له قبلها». أي: لا وجود للحكم قبل تحقّق القيود خارجاً.

قوله (قدس سره): «ما قد يقال: من أنّ الحكم ..». من قوله: «من أنّ الحكم المشروط» إلى قوله: «فأيّ معنى للحكم» بيان لدعوى عدم إمكان الحكم المشروط.

قوله (قدس سره): «إنّ ما يتحقّق كذلك». أي: بمجرّد إعمال المولى لحاكميّته.

48

قاعدة تنوّع القيود و أحكامها

حينما يقالُ: «إذا زالتِ الشمسُ صلِّ متطهِّراً»، فالجعلُ يتحقَّقُ‏

بنفسِ هذا الإنشاءِ، و أمّا المجعولُ و هو وجوبُ الصلاةِ فعلًا فهو مشروطٌ بالزوالِ، و مقيَّدٌ به. فلا وجوبَ قبلَ الزوال.

و نلاحظُ قيداً آخرَ و هو الطهارةُ. و هذا القيدُ ليس قيداً للوجوبِ المجعولِ؛ لوضوحِ أنّ الشمسَ إذا زالتْ و كانَ الإنسانُ محدِثاً، وجبتْ عليه الصلاةُ أيضاً، و إنّما هو قيدٌ لمتعلّقِ الوجوبِ، أي للواجبِ و هو الصلاةُ.

و معنى كونِ شي‏ءٍ قيداً للواجب: أنّ المولى حينما أمرَ بالصلاة أمرَ بحصّةٍ خاصّةٍ منها لا بها كيفما اتَّفَقَتْ، حيثُ إنّ الصلاةَ تارةً تقعُ مع الطهارةِ، و أخرى بدونِها، فاختارَ الحصّةَ الأولى و أَمرَ بها. و حينما نحلِّلُ الحصّةَ الأولى نجدُ أنّها تشتملُ على صلاةٍ، و على تقيّدٍ بالطهارةِ، فالأمرُ بها أمرٌ بالصلاةِ و بالتقيّدِ. و مِنْ هنا نعرفُ أنَّ معنى أخذِ الشارعِ شيئاً قيداً في الواجبِ تحصيصُ الواجبِ به، و الأمرُ بِه بما هو مقيّدٌ بذلك القيد.

و في المثالِ السابقِ حينما نلاحظُ الطهارةَ مع ذاتِ الصلاة، لا نجدُ أنّ إحداهما علّةٌ للأخرى، أو جزءُ العلّة له، و لكنْ حينما نلاحظُ

49

الطهارةَ مع تقيّدِ الصلاةِ بها، نجدُ أنّ الطهارةَ علّةٌ لهذا التقيّد؛ إذ لولاها لما وُجدتِ الصلاةُ مقيّدةً و مقترنةً بالطهارة.

و منْ ذلكَ نستخلصُ: أنّ أخْذَ الشارعِ قيداً في الواجبِ يعني:

أوّلًا: تحصيصَ الواجبِ به.

و ثانياً: أنّ الأمرَ يتعلّقُ بذاتِ الواجبِ و التقيّدِ بذلكَ القيدِ.

و ثالثاً: أنّ نسبةَ القيدِ إلى التقيّدِ نسبةُ العلّةِ إلى المعلولِ، و ليس كذلكَ نسبتُه إلى ذاتِ الواجبِ.

و قد يؤخذُ شي‏ءٌ قيداً للوجوبِ و للواجبِ معاً، كشهرِ رمضانَ الذي هو قيدٌ لوجوبِ الصيام، فلا وجوبَ للصيامِ بدونِ رمضانَ، و هو أيضاً قيدٌ للصيامِ الواجبِ، بمعنى أنّ الصومَ المأمورَ بِه هو الحصّةُ الواقعةُ في ذلكَ الشهرِ خاصّةً. و بموجبِ كونِ الشهرِ قيداً للوجوبِ، فالوجوبُ تابعٌ لوجودِ هذا القيدِ، و بموجبِ كونِه قيداً للواجبِ يكونُ الوجوبُ متعلّقاً بالقيدِ به. أي أنّ الأمرَ متعلّقٌ بذاتِ الصومِ و بتقيّدِه بأنْ يكونَ في شهرِ رمضان.

50

الشرح‏

نستعرض في هذا البحث قاعدة تنوّع القيود و أحكامها. و الكلام فيها يقع ضمن أبحاث أربعة:

1 تنوّع القيود.

2 أحكام القيود المتنوّعة.

3 قيود الواجب على قسمين.

4 المسئولية قبل الوجوب.

و سنبحثها تباعاً إن شاء الله تعالى.

تنوّع القيود

تتنوّع القيود إلى أنواع ثلاثة:

الأوّل: قيد الوجوب.

الثاني: قيد الواجب.

الثالث: قيد الوجوب و الواجب معاً.

1. قيد الوجوب‏

و نقصد بالوجوب هنا المجعول لا الجعل، حيث تقدّم في البحث السابق أنّ الجعل لا يمكن أن يكون مشروطاً و مقيّداً، لأنّه موجود قبل القيد، و لهذا يُعدّ الحجّ من واجبات الإسلام قبل تحقّق الاستطاعة.

و على ذلك فلو قال الشارع: «إذا زالت الشمس صلِّ متطهِّراً» فسوف يتحقّق الجعل بنفس هذا الإنشاء و الخطاب من دون أن يتوقّف على تحقّق‏

51

الزوال و الطهارة، و أمّا المجعول أي وجوب الصلاة الفعلي على زيد مثلًا فلا يتحقّق إلّا بتحقّق الشرط و القيد أي الزوال، بمعنى لا وجوبَ فعليّ للصلاة قبل الزوال.

و بهذا يتّضح معنى ما يرد في بعض كلمات الأعلام حيث يعبّرون بأن لا وجوب للحجّ مثلًا قبل الاستطاعة، مع أنّهم يعدّون وجوب الحجّ من واجبات الإسلام من دون نظر إلى الاستطاعة. و وجه ذلك أنّ ما يعدّونه من الواجبات هو الجعل، و ما يجعلونه مشروطاً بالاستطاعة هو المجعول.

فظهر أنّ مثل الاستطاعة و الزوال يعتبران قيدين لوجوب الحجّ و صلاة الظهر، بمعنى أن لا وجوب لهما قبل تحقّق القيدين، و مثل هذا النوع من القيود يسمّى بقيد الوجوب.

2. قيد الواجب‏

و نعني به: القيد الذي يكون قيداً لمتعلّق الوجوب، كما لو قال المولى: «إذا زالت الشمس فصلِّ متطهّراً»، فإنّ الطهارة في هذا المثال يعتبر قيداً للصلاة التي هي متعلّق الوجوب أي الواجب، و ليست قيداً لوجوب الصلاة كما هو واضح؛ بدليل أنّ الزوال لو تحقّق تجب الصلاة على المكلّف حتّى لو كان محدثاً و غير متطهّر، و لو كانت قيداً للوجوب لأمكن للمكلّف أن لا يتطهّر و لا يجب عليه شي‏ء، و هذا باطل جزماً.

فتبيّن أنّ هناك قيداً للواجب و قيداً للوجوب، و الفارق المهمّ بينهما هو أنّنا قلنا في قيد الوجوب أنّ الوجوب ينتفي بانتفاء القيد؛ لأنّه مشروط به و المشروطُ عدمٌ عند عدم شرطه، إلّا أنّ انتفاء قيد الواجب لا يؤدّي إلى انتفاء الواجب، و إنّما يؤدّي إلى عدم الاكتفاء بالواجب المأتيّ به من دون القيد. فالصلاة من دون طهارة لا تُسقط وجوب الصلاة المتعلّق في ذمّة

52

المكلّف. و سبب الفرق يكمن في أنّ الوجوب في الحالة الثانية فعليٌّ في ذمّة المكلّف و يجب امتثال متعلّقه و هو الصلاة مع الطهارة، بخلاف الحالة الأولى قيد الوجوب) فلا وجوبَ فعليٍّ في ذمّة المكلّف.

فظهر أنّ قيد الواجب يجب على المكلّف تحصيله، بخلاف قيد الوجوب، و هذا فارق مهمّ بين قيد الواجب و قيد الوجوب، و سيأتي مزيد توضيح له في بحث لاحق.

معنى تقييد الواجب‏

بعد أن عرفنا قيد الواجب، و قبل أن نبيّن النوع الثالث من القيود، نودّ معرفة نقطة مهمّة في قيد الواجب و هي: بيان معنى تقييد الواجب و كون الواجب مقيّداً.

إنّ معنى تقييد الواجب هو تحصيصه بالقيد و كون الأمر به بما هو مقيّد بذلك القيد.

توضيحه: لو أمر الشارع بالصدقة، فلا شكّ في أنّ امتثالها له حصص متعدّدة، كأن يتصدّق المكلّف بدرهم أو دينار أو أكثر أو أقلّ، و أن يتصدّق و هو قائم أو جالس، و في الصلاة أو غيرها، و في الليل أو النهار، و غير ذلك من الحصص الكثيرة التي يصعب حصرها. وعليه فلو أطلق الشارع أمره بالصدقة فسيتحقّق الامتثال لو تصدّق المكلّف بأيّ كيفيّة كانت و يكون قد أتى بالواجب، و أمّا لو قال: «تصدّق في الصلاة» فكأنّه أراد حصّة من التصدّق و هي الصدقة في الصلاة دون بقيّة الحصص الأخرى للتصدّق.

و كذلك الحال بالنسبة إلى الصلاة، فإنّها من حيث الطهارة لها حصّتان: الصلاة الواقعة مع الطهارة، و الصلاة بدونها. فإذا قال الشارع: «صلِّ متطهّراً» فكأنّه اختار حصّة خاصّة من الصلاة و هي الواقعة مع الطهارة. ثمّ‏

53

إنّنا عند ما نحلّل هذه الحصّة المأمور بها نجد أنّها تحتوي على الأمر بذات الصلاة و على تقيّدها بالطهارة، و أمّا نفس القيد فلم يرده.

بعبارة ثانية: يوجد عندنا ثلاثة أشياء: مقيّد و هو الصلاة، و قيد و هو الطهارة، و تقيّد الصلاة بالطهارة، و الشارع عند ما أمر بالحصّة الخاصّة أراد المقيّد و التقيّد و لم يرد القيد، فإنّ الشارع لم يرد من المكلّف الصلاة و الطهارة، بدليل أنّ المكلّف لو تطهّر ثمّ أحدث ثمّ صلّى يكون قد أتى بالصلاة و الطهارة، مع أنّ مثل الامتثال غير مجزيّ قطعاً، و إنّما أراد أمرين من الأمور الثلاثة أي الصلاة المتقيّدة بالطهارة، فإنّه يحقّق الحصّة التي أرادها الشارع و أمر بها، و أمّا القيد فهو خارج عن الحصّة. و إلى ما أوضحناه أشار السبزواري في منظومته حيث قال: تقيّدٌ جزءٌ و قيدٌ خارج).

و يعني بذلك أنّ التقيّد جزءٌ من الحصّة المطلوبة، و أمّا نفس القيد فهو

خارج عنها.

إن قلت: لا يمكن إثبات وجوب التقيّد شرعاً ما لم يثبت وجوب القيد لأنّه مقدّمة له‏ (1).

قلت: لا إشكال في وجوب القيد عقلًا مقدّمة لتحصيل التقيّد، و لكن كلامنا إنّما هو في الوجوب الشرعي للقيد لا العقليّ. فلو فرض عدم وجود دليل شرعيّ يدلّ على وجوب الطهارة و الوضوء، فلا يمكن للمكلّف أن يثبت ذلك من قول الشارع: «صلِّ متطهّراً»؛ لأنّ تقييد الصلاة بالطهارة يفيد تخصيصها بحصّة خاصّة و هي تحصل بذات الصلاة مع تقيّدها بالطهارة، و أمّا الطهارة فهي خارجة عنها كما بيّنا.

____________

(1) () لا يخفى أنّ هذا التساؤل مرتبط ببحث مقدّمة الواجب، و سيأتي تفصيله لاحقاً، و لكنّا أجبنا هنا بما يناسب المقام، فلاحظ.

54

ثمّ إنّنا إذا لاحظنا القيد و المقيّد لا نجد بينهما علاقة علّية و معلولية. فلا الطهارة القيد) علّة للصلاة المقيّد) أو جزء العلّة، و لا الصلاة علّة للطهارة أو جزء العلّة لها، و أمّا إذا أخذنا القيد بالنسبة إلى التقيّد فسوف نرى أنّه علّة له. فإنّ الطهارة مثلًا علّة لتقيّد الصلاة بها، و بدونها لا تتّصف الصلاة بكونها واقعة مع الطهارة، و ليس حالها بالنسبة إلى ذات الصلاة كذلك؛ لأنّ المكلّف يمكنه أن يتطهّر و لا يصلّي، كما هو واضح.

فتلخّص ممّا تقدّم:

أوّلًا: أنّ معنى أخذ الشارع قيداً في الواجب هو تحصيص الواجب، و قد بان لنا كيفيّة تحصيص القيد للواجب.

و ثانياً: أنّ الأمر يتعلّق بذات الواجب و بتقيّده بذلك القيد، و أمّا نفس‏

القيد فهو خارج عن المأمور به.

و ثالثاً: أنّ نسبة القيد إلى التقيّد نسبة العلّة إلى المعلول، و ليس الحال كذلك بالنسبة إلى ذات الواجب.

3. قيد الواجب و الوجوب‏

هذا هو النوع الثالث من أنواع القيود، و هو ما يكون قيداً للوجوب و الواجب معاً، فبعد أن كان الزوال قيداً للوجوب فقط، و الطهارة قيداً للواجب فقط، نجد القيد هنا قيداً لهما معاً، كدخول شهر رمضان في قوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ‏ (1)، أو قول النبيّ الكريم (ص): «صم للرؤية و أفطر للرؤية» (2)، فإنّ شهر رمضان قيد لوجوب الصوم،

____________

(1) () البقرة: 185.

(2) () تهذيب الأحكام: ج 4، ص 159، ح 445؛ وسائل الشيعة: ج 10، ص 256، أبواب أحكام شهر رمضان، ب 3، ح 13.