الرسائل الأربع( قواعد أصولية وفقهية) / تقريرات - ج1

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
94 /
1

-

2

الرسالة الأُولى قاعدة الملازمة بين حكمي العقل و الشرع‏

بقلم‏

آية الله الشيخ جعفر السبحاني‏- (دام ظلّه)-

3

مقدّمة المؤلف:

بسم الله الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه الذي فضّل الانسان بالعقول و الألباب، و دلّه على ربوبيته بالحجج و البيّنات، و جازاه على قدر ما آتاه من تلك النعمة الجسيمة، و رفع بها درجته في الدنيا و الآخرة، و بعث أنبياءه لإكمال العقول.

أمّا بعد: فهذه رسالة وجيزة تبحث عن الملازمة بين الأحكام العقلية و الشرعية، مقرونة بالبحث عن الحسن و القبح العقليين، و تتضمن إيضاح موقف الشيخ الأنصاري في تلك المسألتين، أُلقيت في المؤتمر الذي عُقد بمناسبة الذكرى المئوية الثانية لميلاد الشييخ الأنصاري (رحمه الله) في قاعة كلية القضاء في قم المحمية.

جعفر السبحاني‏

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

في الملازمة بين حكمي العقل و الشرع‏

اشتهر بين الأُصوليين أنّ ما حكم به العقل، حكم به الشرع- خلافاً للأخباريين- و يعبّر عنه بقاعدة الملازمة بين حكمي العقل و الشرع، و بما أنّ للقاعدة ثمرات كلامية و أُصولية و فقهية، قد أدينا حق الكلام فيها. و

قبل الخوض في المقصود نبحث في أُمور:

الأمر الأوّل: في تعريف الدليل العقلي:

عرِّف الدليل العقلي: ما يمكن التوصّل بصحيح النظر فيه إلى حكم شرعي.

و لا يذهب عليك أنّ الدليل العقلي أوسع ممّا عرّف به، فإنّ البراهين الكلامية أو الفلسفية أو الرياضية التي تقام على أُمور عقلية بحتة كحدوث العالم، و حاجة الممكن إلى الواجب، أو مساواة زوايا المثلث مع زاويتين قائمتين، كلّها حجج عقلية، و مع ذلك لا يدخل في التعريف. و ما ذاك إلّا لأنّ الأُصولي يطلب من التعريف ما يناسب هدفه و مرماه، فهو لا يطلب من الدليل العقلي إلّا الوصول إلى الأحكام الشرعيّة، لا إلى مسائل تكوينيّة أو رياضية و هندسية، فلأجل ذلك اختصّ الدليل العقلي عنده بما يوصله إلى الحكم الشرعي.

6

الأمر الثاني: في انقسام الدليل العقلي إلى مستقل و غير مستقل:

إنّ الدليل العقلي بما أنّه يقع ذريعة إلى الحكم الشرعي، ينقسم إلى عقلي مستقل، و عقلي غير مستقل، فلو توقف استنتاج الحكم الشرعي على وجود خطاب شرعي من الشارع بالنسبة إلى الصغرى، فهو من العقليات غير المستقلّة كما هو الحال في وجوب المقدّمة الشرعية كالوضوء فإنّ المقدمة يدل عليها الخطاب الشرعي أعني قوله سبحانه: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ‏) (المائدة/ 6) و إذا ضُمَّتْ إليه الكبرى، تنتج وجوبها الشرعي، و أمّا إذا كانت كلتا المقدّمتين عقليتين و العقل لا يعتمد في الاستدلال إلى مبدأ غيره فهي من المستقلات العقلية كما هو الحال في إدراك العدل و الظلم بنحو من الأنحاء أوّلًا ثمّ الحكم عليها بالحسن و القبح ثانياً، فيقال: تكريم الوالدين، تقدير للمنعم، و كلّ ما يعدّ تقديراً للمنعم فهو حسن، ينتج: تكريم الوالدين حسن، و لو قلنا بالملازمة تكون النتيجة كون التكريم واجباً شرعاً.

نعم ما لا يتوقف الاستنتاج على حكم عقلي فهو دليل شرعي و إن كان الحكم العقلي موجوداً في مورده أيضاً لفرض عدم تأثير له في الاستنتاج، فلو دلّ الدليل الشرعي على أنّ من سافر أربعة فراسخ يُقصِّر و دلّ دليل شرعي آخر على الملازمة بين القصر و الافطار، فهذا يكفي في الحكم بوجوب الإفطار لمن سافر أربعة فراسخ من غير حاجة إلى الاستمداد من حكم العقل بامتناع تفكيك المتلازمين و إن كان موجوداً في ظرف الحكم. لأنّ تصريح الشارع بالملازمة بين الحكمين كاف في القول بوجوب الإفطار لهذا الشخص الخاص. ( (1))

____________

(1) نعم استنبط الشيخ الأعظم على ما في تقريراته: 234 عن عبارة الفاضل التوني في وافيته أنّ لحكم العقل تأثيراً في استنباط الحكم الشرعي في المورد، و لكن لم يظهر لنا ما نسب إليه من عبارته في الوافية ص 218. فلاحظ.

7

الأمر الثالث: في تقسيم الدليل العقلي بنحو آخر:

إنّ الحكم الشرعي المستنتج من الحكم العقلي على قسمين: فتارة لا يتوقّف الاستنتاج على القول بالتحسين و التقبيح العقليين، و أُخرى يتوقّف، و يعدّ القول بهما من مبادئ الأحكام و لولاهما لكان الاستنتاج عقيماً.

أمّا الأوّل: فهو كالقياس (التمثيل حسب اصطلاح المنطقيين) في فقه أهل السنّة، و تنقيح المناط أو التمسّك بالعلّة المنصوصة في فقه الشيعة، فالتشابه بين الخمر و النبيذ ربّما يصير سبباً لوحدة الحكم، و الوقوف على مناط الحكم الذي يدور الحكم مداره وجودا و عدماً ربّما يصير سبباً لتسرية الحكم إلى غير المنصوص من الموارد. و ليس الاستدلال في الموردين مبنياً على التحسين و التقبيح العقليين.

و أمّا الثاني: فهو كالحكم بالبراءة في الشبهات البدئية، استناداً إلى قبح العقاب بلا بيان أو الحكم بالاشتغال، استناداً إلى عدم قبحه بعد تمامية البيان، إلى غير ذلك من الأحكام الشرعية المستنبطة بالعقل عن طريق القول بالتحسين و التقبيح العقليين.

و قد طرح الشيخ القسم الأوّل في رسالة القطع و قال بحجية القطع الحاصل من الأدلّة العقلية بالنسبة إلى الحكم الشرعي و قد بحثنا عنه في ذلك المقام، و المطروح في المقام هو القسم الثاني.

الأمر الرابع: في تعدد المسألتين:

لا شكّ أنّ هنا مسألتين، إحداهما: استقلال العقل بالتحسين و التقبيح، و الأُخرى: ملازمة ذلك الادراك مع الحكم الشرعي بالوجوب و الحرمة. و الدليل على التعدد، هو أنّ بعض الأخباريين كالفاضل التوني يسلِّم المسألة الأُولى بضرورة

8

الوجدان و العقل، دون المسألة الثانية ( (1)). و مع ذلك كلّه فالحقّ أن يقال:

إذا كان النظر في الوحدة و الكثرة إلى مقام الإثبات، فلا شكّ أنّ هنا مسألتين إحداهما مستنبطة من الثانية، فيكون حكم العقل بحسن الإحسان و قبح الظلم دليلًا و كاشفاً عن حكم الشارع بالوجوب أو الحرمة. و الدليل على التعدد، هو كون الثانية في طول الأُولى في مقام الاستكشاف، مضافاً إلى اختلافهما في المحمول. فهو في الأوّل هو الحسن و القبح و في الأُخرى الوجوب و الحرمة، مضافاً إلى اختلافهما في النتائج فإنّ ما يترتب على حكم العقل بهما هو المدح و الذم، و ما يترتب على حكم الشرع بالوجوب و الحرمة هو الثواب و العقاب، فكل ذلك يصحّح كونهما مسألتين. هذا كلّه إذا ركّزنا النظر على عالم الإثبات، و أمّا إذا كان النظر مركزاً على عالم الثبوت، فالحقّ أنّ هنا مسألة واحدة كلّ يتكلم حسب لغته و اصطلاحه، فالعقل إذا يلاحظ بعض الأفعال يحكم عليه بالحسن و القبح، و الشرع إذا يلاحظه، يحكم عليه بالوجوب و الحرمة و الحكمان وجهان لعملة واحدة، و لعلّ هذا التفصيل أولى من الحكم البات بالوحدة أو الكثرة.

الأمر الخامس: ما هو المراد من قولهم: كل ما حكم به العقل، حكم به الشرع؟

إنّ هنا وجوهاً و احتمالات:

الف: إنّ ما حكم به العقل، حكم بمثله الشرع، و على هذا ففي الموارد التي يستقل فيها العقل، حكمان، كما أنّ فيها حاكمين.

ب: كلّ ما حكم به العقل، حكم بعينه الشرع، و يصدقه، و عليه يكون هنا

____________

(1) الوافية: 219- 220، و سيوافيك كلام صاحب الفصول في المسألة الثانية أيضاً.

9

حكم واحد لحاكمين مستقلّين.

ج: كلّ ما حكم به العقل، فهو عين ما حكم به الشرع، بمعنى أنّ العقل رسول الشرع باطناً، و النبيّ رسول الشرع ظاهراً و العقل لسان الشرع، و على هذا فالحكم و الحاكم واحد.

و الاحتمال الأخير هو الظاهر من المحقّق القمّي قال: إنّ العقل يدرك أنّ بعض هذه الأفعال ممّا لا يرضى اللّه بتركه و يريده من عباده بعنوان اللزوم، و بعضها ممّا لا يرضى بفعله و يريد تركه كذلك- إلى أن قال:- و لازم ذلك أنّه تعالى طلب منّا الفعل و الترك بلسان العقل فكما أنّ الرسول الظاهري يبيّن أحكام اللّه و مأموراته و منهياته، كذلك العقل يبيّن بعضها. ( (1))

الأمر السادس: في أنّ القاعدة تستعمل في موردين:

الف: إنّ هنا من يرى جواز خلوّ الواقعة من الحكم الشرعي، فيقال في مقابله: كلّما حكم به العقل حكم به الشرع، بمعنى أنّه لا يصحّ أن تخلو الواقعة عن الحكم الشرعي، و المقصود إثبات أصل الحكم الشرعي في مورد حكم العقل و عدم خلوّ الواقعة عن الحكم الشرعي، و يكون التطابق بين الحكمين ملحوظاً ضمنياً و المقصود الأصلي وجود نفس الحكم الشرعي لردِّ وهْمِ خلوِّها عنه.

ب: هناك من يزعم إمكان الخلاف بين الحكمين، مع قبول عدم خلو الواقعة عن الحكم الشرعي أو مع قطع النظر عنه، فيقال في ردّه: كلّ ما حكم به العقل حكم به الشرع، فيكون التطابق ملحوظاً أصليّاً، و وجود أصل الحكم غير ملحوظ أصلًا أو ملحوظاً تبعياً.

____________

(1) قوانين الأُصول: 2/ 2.

10

الأمر السابع: في أنّ إنكار الملازمة يحتمل وجوهاً:

1- إنكار التحسين و التقبيح العقليين من أصل و أنّ العقل عاجز عن دركهما أي عاجز عن درك حسن الأفعال و قبحها في نفسها أو عاجز عن درك حسنها و قبحها عند الشارع، بمعنى أنّ العقل بعد درك حسنها و قبحها لنفسه، غير قادر على الحكم بأنّه كذلك عند الشارع.

2- إنكار الملازمة بين الحكمين، مع قبول أصل التحسين و التقبيح كما هو الظاهر من كلام الفاضل التوني و السيد الصدر من الأخباريين.

3- إنكار وجوب إطاعة الحكم الشرعي المستكشف من طريق الفعل بعد قبول المرحلتين السابقتين، و يرجع ذلك إلى عدم حجية العلم الحاصل من غير طريق الكتاب و السنّة.

و نحن نبحث عن المسائل الثلاثة بهذا الترتيب:

11

المسألة الأُولى: هل التحسين و التقبيح عقليان أو شرعيان؟

قد عرفت أنّ إدراك العقل حسن الأفعال و قبحها يتصوّر على وجهين: تارة يبحث عن إدراك العقل حسن الأفعال و قبحها لنفسه، و اخرى عن إدراكه أنّ ما هو حسن أو قبيح عنده، حسن و قبيح عند الشارع أيضاً، و لعلّ هناك من يفرّق بين الإدراكين، و إن كان اللائح من كلام المفكرين هو الأوّل.

قال علاء الدين القوشجي: «لا حكم للعقل في حسن الأفعال و قبحها و ليس الحسن و القبح عائداً إلى أمر حقيقي حاصل فعلًا قبل ورود بيان الشارع، بل انّ ما حسّنه الشارع فهو حسن أو ما قبّحه الشارع فهو قبيح، فلو عكس الشارع القضية فحسَّن ما قبّحه، و قبّح ما حسَّنه لم يكن ممتنعاً و انقلب الأمر فصار القبيح حسناً و الحسن قبيحاً، و مثّلوا لذلك بالنسخ من الحرمة إلى الوجوب و من‏

12

الوجوب إلى الحرمة. ( (1))

ثمّ إنّ القائلين بالحسن و القبح العقليين يقسّمون الأفعال من حيث الاتصاف بهما إلى أقسام ثلاثة:

الأوّل: ما يكون الفعل بنفسه علّة تامّة للحسن و القبح: و هذا ما يسمّى بالحسن و القبح الذاتيين، مثل العدل و الظلم. فالعدل بما هو عدل، لا يكون إلّا حسناً أبداً، و متى ما وجد، يمدّح فاعله و يعد محسناً. و كذلك الظلم بما هو ظلم لا يكون إلّا قبيحاً. و متى ما وجد، يُذمّ فاعله. و يستحيل أن يكون العدل قبيحاً و الظلم حسناً.

الثاني: ما لا يكون الفعل علّة تامّة لأحدهما، بل يكون مقتضياً للاتّصاف بهما، بحيث لو خُلِّي الفعل و نفسه، فإمّا أن يكون حسناً كتعظيم الصديق بما هو هو أو يكون قبيحاً كتحقيره. و لكنّه لا يمتنع أن يكون التعظيم مذموماً لعروض عنوان عليه كما إذا كان سبباً لظلم ثالث، أو يكون التحقير ممدوحاً لعروض عنوان عليه كما إذا صار سبباً لنجاته.

و لا ينحصر المثال بهما بل الصدق و الكذب أيضاً من هذا القبيل. فالصدق الذي فيه ضرر على النفس قبيح، كما أنّ الكذب الذي فيه نجاة الإنسان البري‏ء حسن. و هذا بخلاف العدل و الظلم فلا يجوز أن يتسم العدل- بما هو عدل- بالقبح، و الظلم- بما هو ظلم- بالحسن.

الثالث: ما لا علّية له و لا اقتضاء فيه في نفسه للاتّصاف بأحدهما، و إنّما

____________

(1) شرح التجريد للقوشجي: عزب عن الشارح أنّ النسخ لا يتعلّق بما يكون حسنه أو قبحه ذاتيّين بل مورده ما إذا كانا ناشئين عن الوجوه و الاعتبارات، كعدّة المرأة حيث كانت في صدر الشريعة سنة فنسخت إلى أربعة أشهر و عشراً، و قس عليه سائر ما توهّم فيه النسخ أو ثبت فيه.

13

يتبع الجهات الطارئة و العناوين المنطبقة عليه، و هذا كالضرب فإنّه حسن للتأديب، و قبيح للإيذاء.

هذا هو التقسيم الرائج بينهم. و الغرض المطلوب في هذا البحث هو تبيين أنّ هناك أفعالًا يدرك العقل إذا طالعها، مع قطع النظر عن كل الجهات الطارئة عليها، أنّها حسنة يجب أن يمدح فاعلها، أو قبيحة يجب أن يذم. و لا نقول: إنّ كل فعل من الأفعال داخل في هذا الإطار.

و بعبارة أُخرى: انّ النزاع بين الفريقين دائر بين الإيجاب الجزئي و السلب الكلي، فالعدلية يقولون بالأوّل و الأشاعرة بالثاني.

إطلاقات الحسن و القبح:

إنّ هناك أُموراً ثلاثة، متقاربة المفهوم و هي:

1- إطلاقات الحسن و القبح و معانيها.

2- ملاكات الحسن و القبح.

3- ما هو محلّ النزاع بين المثبتين و النافين؟

و نبحث عن الجميع جملة واحدة لأنّها متقاربة المعنى، و المقصود، فنقول:

إنّ للحسن أو القبح معنى واحداً و لكل واحد في جميع اللغات معادلا يعبّر بهما عنهما و- مع ذلك- فله اطلاقات باعتبار ملاكات متفاوتة فلا بأس بالإشارة إلى تلك الملاكات، و بتعيينها يتعيّن محلّ النزاع:

1- ملاءمة الطبع و منافرته، فالصوت الناعم و الطعام اللذيذ يلائمان طبيعة الإنسان، و الدواء المرّ و نهيق الحمار ينافرانها، فيوصف الأوّلان بالحسن، دون‏

14

الأخيرين و لعلّهما يوصفان بالسوء لا بالقبح. و الحسن و القبح بهذا الملاك خارج عن محطّ البحث، لاختلاف الطبائع إذ ربّ غذاء لا يلائم طبع طائفة و هو بالنسبة إلى الطائفة الأُخرى لذيذ حسن، و هكذا الأصوات و الروائح.

2- موافقة الأغراض الشخصية أو النوعية و مخالفتهما، فكلّ عمل يؤمِّن الغرض الشخصي فهو حسن، و خلافه ما يقابله و عندئذ يُصبح الحسن و القبح من الأُمور النسبية و هو بمعزل من التحقيق بخلاف ما إذا كان الملاك تأمين الأغراض النوعية، فكلّ عمل يؤمّن مصالح النوع الإنساني كالعدل فهو حسن، و يقابله ما يهدّد مصالحه و يسوقه إلى دار البوار فهو قبيح كالظلم، فالعدل حافظ للنظام و الظلم هادم له، و مع ذلك كله فهو أيضاً خارج عن محطّ البحث و ذلك بوجهين:

الف: إنّ القائلين بالحسن و القبح ذهبوا إلى أنّهما من الصفات الذاتية لبعض الأفعال و لا ينفكان عنها أبداً في حال من الأحوال، و ما هو كذلك لا يمكن أن يعتمد على ملاك خارج عن ذاته، ككونه مؤمِّناً لمصالح النوع أو مهدّداً لها. فإنّ المقصود من الذاتي هناك ما يكفي وضع الموضوع في وضع المحمول، أو يلازم تصوّر الموضوع تصوّره، فجزاء الإحسان بالإحسان، حسن، و جزاؤه بالسوء، قبيح مطلقاً من دون حاجة إلى ملاحظة كونه مدعماً لبقاء النظام أو هادماً له، و العقل يحكم بهما بملاحظة تصوّر نفس الموضوع بما هو هو، و ما هو كذلك، يتضمّن بنفسه الملاك و يكون موجوداً في صميمه، و لا يستمد من ملاك خارج.

ب: إنّ نطاق البحث أعم من فعل الإنسان، بل الغاية القصوى للمتكلّمين الذين هم الأُسس لطرح هذه المسألة هو معرفة أفعاله سبحانه، و ما يجوز له و ما لا يجوز في الدنيا و الآخرة، و ما هو كذلك يكون أرفع من أن يكون ملاك اتّصاف فعله بهما، تأمين المصالح النوعية أو تدميرها.

15

3- كون الشي‏ء كمالًا أو نقصاً للنفس كالعلم و الجهل و الأوّل زين لها و الثاني شين و تحسين الفعل أو تقبيحه بهذا الملاك و إن كان صحيحاً، و لا يشك أحد في أنّ العلم و الشجاعة و الفصاحة بما أنّها كمال للإنسان متصف بالحسن، و الجهل و الجبن و السفاهة، نقص و قبح، لكن نطاق النزاع كما عرفت في نقد الوجه الثاني أعم من هذا و ما ذكرناه من الوجهين فيه يأتي في الثالث أيضاً.

4- الحسن ما استحق الثواب عند اللّه. و القبيح ما استحق العقاب عنده. ( (1))

يلاحظ عليه بوجهين:

الف: أنّ نطاق البحث أوسع من أفعال العباد، بل الغاية من طرح المسألة هو معرفة أفعاله سبحانه و وصفه بما يجوز له و ما لا يجوز و معه كيف يكون استحقاق الثواب و العقاب ملاكاً للحكم بالحسن و القبح.

ب: أنّ البحث عن المسألة، لا يختص بالإلهيين و هناك جماعة لا عهد لهم بما وراء الطبيعة، و لا يدينون بشريعة، فأخذوا يبحثون عنها في كتبهم و لعلّ القائل، يريد منه ما نذكره تالياً.

5- كون الفعل بنفسه محكوماً بالحسن أو القبح:

إنّ الملاك عند القائلين بالحسن و القبح الذاتيين، ليس أمراً منضماً إلى الفعل و خارجاً عن ذاته، بل الملاك وجود خصوصيّة في الفعل تجعله بنفسه موضوعاً لأحد الوصفين. و القائل يدّعيها و النافي ينكرها.

و على ضوء هذا لا تصح تسمية ذلك الملاك بالملائمة للطبع أو منافرته، أو

____________

(1) گوهر مراد: 345 للمحقّق اللاهيجي. و سيوافيك نظره السامي في كتابه الآخر.

16

دعمه للأغراض و مخالفتها، أو كونه كمالًا للنفس أو نقصاً لها، أو موجباً لاستحقاق الثواب أو العقاب، لأنّ تلك الملاكات، أُمور خارجة عن ذات الفعل و صحيحه.

و بالجملة: الإثبات و النفي من القائل و المنكر يتوجّهان إلى ادّعاء وجود خصوصية في ذات الفعل تجعله صالحاً للاتّصاف بهما و عدم وجودها، بحيث يكون الموضوع عند الطرفين ملاحظة نفس الشي‏ء بما هو هو مغسولًا عن أي سبب و علّة، أو أيّ ضميمة و وصلة، فالقائل يقول إنّ هنا أفعالًا تكفي ملاحظتها بنفسها مجردة عن كلّ شي‏ء في الحكم بالتحسين و التقبيح، و المنكر ينكرها.

و إذا وقفت على ما هو الملاك في ذاك الباب تقدر على تحرير محلّ النزاع فإنّ تحريره، من ثمرات تعيين الملاك.

و أوّل من حرّر محل النزاع على هذا النحو المحقّق اللاهيجي في كتابيه ( (1)) و بيانه في الرسالة الثانية أوضح و أجلى و بذلك تستغني عن كثير من المباحث الطويلة التي ملأت الكتب الكلامية، حيث جعلوا الملاك أحد الأُمور الأربعة و حرّروا محلّ النزاع على غير ما ذكرناه فحشّدوا في رسائلهم مباحث لا تمت بالموضوع بصلة.

فتلخّص من هذا البحث الضافي أنّه كلّما ذكر التحسين و التقبيح العقلي قائماً يراد منه الإطلاق الأخير الذي يُكْمَن ملاكهما في نفس الفعل لا في أمر خارج، و ليس شي‏ء من الإطلاقات الخمسة داخلًا في محلّ النزاع إلّا ما ذكر أخيراً.

____________

(1) گوهر مراد: 345؛ سرمايه ايمان: 35 الطبعة الأُولى.

17

التحسين و التقبيح العقليّان من البديهيات في مجال العقل العملي:

قد وقفت على أنّ محلّ النزاع هو كون الفعل بنفسه موضوعاً للتحسين و التقبيح فعندئذ يطرح السؤال بأنّه كيف يصحّ للعقل القضاء البات على أحد الوصفين بملاحظة نفس الفعل، و ما هو السبب لقضائه؟ و لإيضاح هذا الجانب نقول: إنّ هنا وجهين لتقريب ذلك و إليك تقريرهما:

1- لزوم انتهاء المجهولات إلى المعلوم بالذات في العقل النظري و العملي:

إنّ الحكماء قسّموا العقل إلى عقل نظريّ و عقل عمليّ، فقال المعلّم الثاني: «إنّ النظرية هي التي بها يحوز الإنسان علم ما ليس من شأنه أن يعمله إنسان، و العملية هي التي يعرف بها ما من شأنه أن يعمله الإنسان بإرادته».

و قال الحكيم السبزواري في توضيحه: «إنّ العقل النظري و العقل العملي من شأنهما التعقّل، لكن النظري شأنه العلوم الصرفة غير المتعلّقة بالعمل مثل: اللّه موجود واحد، و انّ صفاته عين ذاته، و نحو ذلك.

و العملي شأنه العلوم المتعلّقة بالعمل مثل: «التوكّل حسن» و «الرضا و التسليم و الصبر محمود» و هذا العقل هو المستقل في علم الأخلاق، فليس العقلان كقوتين متباينتين أو كضميمتين، بل هما كجهتين لشي‏ء واحد و هو الناطقة». ( (1))

إذا عرفت ذلك نقول: كما أنّ في الحكمة النظرية قضايا نظرية تنتهي إلى قضايا بديهية، و لو لا ذلك لعقمت القياسات و صارت غير منتجة، فهكذا في الحكمة العملية، قضايا غير معلومة لا تُعرف إلّا بالانتهاء إلى قضايا ضرورية،

____________

(1) تعليقات الحكيم السبزواري على شرح المنظومة: 310.

18

و إلّا لما عرف الإنسان شيئاً من قضايا الحكمة العملية، فكما أنّ العقل يدرك القضايا البديهية في الحكمة النظرية من صميم ذاته فهكذا يدرك بديهيات القضايا في الحكمة العملية من صميم ذاته بلا حاجة إلى تصوّر شي‏ء آخر.

مثلًا: لا يصح تصديق أيّ قضية من القضايا إلّا إذا انتهت إلى قضية امتناع اجتماع النقيضين و ارتفاعهما، بحيث لو ارتفع التصديق بها لما أمكن التصديق بشي‏ء من القضايا، و لذا تسمى ب- «أُمّ القضايا» و ذلك كاليقين بأنّ زوايا المثلث تساوي زاويتين قائمتين، فانّه لا يحصل اليقين إلّا إذا حصل قبله التصديق بامتناع صدق نقيض تلك القضية، أي عدم مساواتها لهما. و إلّا فلو احتمل صدق النقيض لما حصل اليقين بالتساوي. و لأجل ذلك اتّفقت كلمة الحكماء على أنّ اقامة البرهان على المسائل النظرية إنّما تتم إذا انتهى البرهان إلى أُمّ القضايا التي قد عرفت.

و على ضوء هذا البيان نقول: كما انّ بين مدركات العقل النظري قضايا بديهية أو قضايا أوّلية تنتهي إليها القضايا النظرية في ذلك المجال، فهكذا بين مدركات العقل العملي، قضايا أوّلية و واضحة يبرهن بها على سائر مسائله غير الواضحة بحيث لو ارتفع التصديق بهذه القضايا في الحكمة العملية لما صحّ التصديق بقضية من القضايا فيها.

فمن تلك القضايا البديهية في العقل العملي، مسألة التحسين و التقبيح العقليين الثابتين لجملة من القضايا بوضوح، مثل قولنا: «العدل حسن» و «الظلم قبيح» و «جزاء الإحسان بالإحسان حسن» و «جزاؤه بالإساءة قبيح».

فهذه القضايا، قضايا أوّلية في الحكمة العملية، و العقل العملي يدركها من صميم ذاته، و من ملاحظة تلك القضايا بنفسها. و في ضوء التصديق بها يسهل عليه التصديق بما يبتنى عليها في مجال العقل العملي من الأحكام غير البديهيّة، سواء أ كانت مربوطة بالأخلاق أو تدبير المنزل، أو سياسة المدن، التي يبحث عنها

19

في الحكمة العملية. فإنّ ما يستقل به العقل في مجال العمل إمّا له صلة بالحياة الفردية و هي ما يبحث عنه في علم الأخلاق، أو بالحياة الاجتماعية المحدودة و هي ما يبحث عنه في نظام الأُسرة و تدبير المنزل، أو الواسعة المترامية الأطراف و هو ما يبحث عنه في سياسة المدن و إدارة المجتمع.

و لنمثل على ذلك: إنّ العالم الأخلاقي يحكم بلزوم تكريم الوالدين و المعلّمين و أُولي النعمة، و ذلك لأنّ التكريم من شئون جزاء الإحسان بالإحسان، و هو حسن بالذات، و الإهانة لهم من شئون جزاء الإحسان بالإساءة و هو قبيح بالذات.

و الباحث عن أحكام تدبير المنزل يحكم بلزوم القيام بوظائف الزوجية من الطرفين و قبح التخلّف عنها، ذلك لأنّ القيام بها عمل بالميثاق، و التخلّف عنها تخلّف عنه، و الأوّل حسن بالذات و الثاني قبيح بالذات.

و العالم الاجتماعي الذي يبحث عن حقوق الحاكم و الحكومة على المجتمع يحكم بأنّه يجب أن تكون الضرائب معادلة لمنافع الأفراد، و ذلك لأنّ الخروج عن تلك الضابطة ظلم على الرعية و هو قبيح بالذات.

و قس على ذلك كل ما يرد عليك من الأبحاث في الحكمة العملية، سواء أ كانت راجعة إلى الفرد (الأخلاق) أو إلى المجتمع الصغير (البيت)، أو إلى المجتمع الكبير (السياسة)، فكل ما يرد فيها و يبحث عنه الباحثون، بما أنّه من شئون العقل العملي، يجب أن ينتهي الحكم فيه إيجاباً و سلباً، صحّة و بطلاناً إلى القضايا الواضحة البديهية في مجال ذلك العقل.

إلى هنا انتهينا إلى أنّه يجب انتهاء الأحكام غير الواضحة ابتداء في مجال العقلين (النظري و العملي) إلى أحكام بديهية مدركة ابتداءً بلا مئونة شي‏ء و ذلك دفعاً للدور و التسلسل الذي استند إليه علماء المنطق و الحكمة في القسم الأوّل، أي الحكمة النظرية. و الدليل واحد سار في الجميع.

20

و العجب أنّ الحكماء و المتكلّمين اتفقوا على أنّه يجب انتهاء القضايا النظرية في العقل النظري إلى قضايا بديهية، و إلّا عقمت الأقيسة و لزم التسلسل في مقام الاستنتاج، و لكنّهم غفلوا عن الاعتماد على ذلك الأصل في جانب العقل العملي و لم يقسموا القضايا العملية إلى أوّلية و ثانوية، أو نظرية و ضرورية. كيف و الاستنتاج و الجزم بالقضايا غير الواضحة، الواردة في مجال العقل العملي، لا يتم إلّا إذا انتهى حكم العقل إلى قضايا واضحة في ذلك المجال. و قد عرفت أنّ المسائل المطروحة في الأخلاق، الباحثة عن المحاسن و المساوئ، أي ما يجب الاتصاف به أو التنزّه عنه، أو المطروحة في القضايا البيتية و العائلية التي يعبّر عنها بتدبير المنزل، أو القضايا المبحوث عنها في علم السياسة و تدبير المدن، ليست في الوضوح على نمط واحد، بل لها درجات و مراتب. فلا ينال العقل الجزم بكل القضايا العملية إلّا إذا كانت هناك قضايا بديهيّة واضحة تبتنى عليها القضايا المجهولة العملية حتّى يحصل الجزم بها و يُرتَفع الابهام عن وجهها.

و من هنا تبيّن الأُمور التالية:

1- أنّ المدّعي للحسن و القبح الذاتيين في غنى عن البرهنة لما بيّناه، كما أنّ المدّعي لامتناع اجتماع النقيضين و ارتفاعهما كذلك لما عرفت من أنّ الحكم بهما في الجملة من الأُمور البديهية.

2- أنّ حسن الأفعال أو قبحها على قسمين: قسم منها يُعدّ من المعلومات الأوّلية لكل إنسان تجرّد عن أيّ رأي مسبق يحكم بهما عقله بالبداهة بلا تروّ و فكر. و قسم منها تعلَم حاله بالانتهاء إلى تلك المعلومات الضرورية.

3- أنّ لفظ البديهي و النظري و إن كانا يستعملان في المعقول النظري دون العملي، لكن لا محيص عن تعميم الاستعمال إلى قضايا العقل العملي أيضاً أو استخدام لفظ آخر في ذينك المجالين، كقولنا:

المعلومات الأوّلية و الواضحة، و المعلومات الثانوية أو غير الواضحة.

21

4- لا ملاك خارجي في القضاء بأحد الوصفين، و إنّما الملاك هو اشتمال الفعل على خصوصية، جعلته واضح الحكم عند العقل بيّن الوصف و الحكم.

2- ملائمة القضايا للفطرة و منافرتها معها:

إنّ هنا طريقاً آخر، لإدراك العقل تحسين الأفعال و تقبيحها، و هو عرض القضايا للفطرة، التي خلق الإنسان عليها، و هو خير قاض و مُدرك، و هي تجد البعض ملائماً لها و البعض الآخر منافراً، تمدح فاعل البعض، و تذم فاعل البعض الآخر. و تعبِّر عن الأوّل بالفعل الحسن، و عن الآخر بالفعل القبيح.

إنّ لوجود الإنسان بعدين مختلفين، أو جانبين متفاوتين ففي البعد الداني، هو حيوان فاتك، لا يعرف سوى البطن و التعدّي على الحقوق، و الأموال و تدمير الحدود و المقررات و الترؤس و الأنانية و لا يعترف بحقوق أحد، و لا بحسن فعل و لا قبحه سوى ما يؤمِّن أغراضه المادية و شهواته الحيوانية و قواها الجامحة.

و في الوقت نفسه له جانب ملكوتي، رفيع عن الشهوة و الغضب، و الغرائز الماديّة، و الميول الحيوانية، بعيد عن الأنانية و الترؤس، ينظر إلى القضايا من أُفق عال، دونه غرائزه و ميوله الجامحة، فيجد أُموراً ملائمةً يميل إليه و أُموراً منافرةً، يتحاشى عنها، فيقوم بمدح فاعل الأُولى و ذم فاعل الثانية. و على هذا يكون الانطباق و عدمه و التلائم، و خلافها، آية التحسين و التقبيح.

و على هذا فالملاك في العقل العملي عبارة عن درك مطابقة القضية و ملاءمتها للجانب المثالي من الإنسان غير الجانب الحيواني أو منافرتها له. فالإنسان بما هو ذو فطرة مثالية، متميز عن الحيوانات، يجد بعض القضايا ملائمة لذلك الجانب العالي أو منافية له. فيصف الملائم بالحسن، و لزوم العمل، و المنافي بالقبح و لزوم الاجتناب.

22

و إن شئت عبر عنه بالوجدان غير المتأثر من الأُمور اللاشعورية، فهو يحسّ الملائمة لبعض الأفعال و المنافرة للبعض الآخر.

و ممّن يظهر منه هذا الملاك، المحقّق الخراساني في رسالة خاصة له في الملازمة بين العقل و الشرع التي أدرجها في ضمن فوائد أُصولية له قال: إنّه لا مجال لإنكار اختلاف الأفعال بحسب خصوصيات وجودها سعة و ضيقاً و خيراً و شراً الموجب لاختلافها بحسب المنافرة و الملائمة للقوة العاقلة، و مع ذا لا يبقى مجال لإنكار الحسن و القبح عقلًا إذ لا نعني بهما إلّا كون الشي‏ء في نفسه ملائماً للعقل فيعجبه أو منافراً فيغربه (كذا) ( (1)) و بالضرورة إنّما يوجبان صحّة المدح و القدح في الفاعل إذا كان مختاراً بما هو فاعل. ( (2))

و بما أنّه ربما يتوهم أنّه إذا كان الملاك هو الملائمة و المنافرة للفطرة، يكون حكم العقل في مجال التحسين و التقبيح منحصراً بأفعال الإنسان و لا يعدو غيره مع انّ الهدف من عقد ذاك البحث هو التعرّف على أفعاله سبحانه، و لدفع هذا التوهم عقدنا البحث التالي.

سعة دائرة حكم العقل:

إنّ إدراك العقل حسن الأفعال أو قبحها على كلا التقريرين (كون الحكم بهما في بعض الأفعال أمراً بديهياً و في البعض الآخر منتهياً إليه، أو كون الميزان الملائمة للجانب العالي من الإنسانية و المنافرة) لا يختص لشخصه أو لصنف خاص أو لكلّ من يطلق عليه الإنسان، بل يدرك حسن صدوره أو قبحه لكلّ موجود عاقل مختار سواء وقع تحت عنوان الإنسان أو لا، و ذلك لأنّ المقوّم لقضائه‏

____________

(1) و لعل الصحيح فيستغربه.

(2) الفوائد الأُصولية المطبوعة في ذيل تعليقته على الفرائد ص 339.

23

بأحد الوصفين نفس القضية بما هي هي من غير خصوصية للمدرِك. فهو يدرك أنّ العدل حسن عند الجميع و من الجميع، و الظلم قبيح كذلك، و لا يختص حكمه بأحدهما بزمان دون زمان، و لا جيل دون جيل.

ثمّ إنّ المخالف في المقام بعض الأشاعرة كالرازي و غيره فإنّهم اعترفوا- خلافاً لأسلافهم و إمامهم الشيخ أبي الحسن الأشعري- بالتحسين و التقبيح العقليين لكنّهم فصَّلوا و قالوا: إنّ تحسين العقل و تقبيحه معتبر بالنسبة إلى العباد و أمّا بالنسبة إلى اللّه تعالى فهو باطل.

أمّا الأوّل: فقد استدل عليه بوجوه، أوضحها ما أفاده الرازي: انّ العقلاء قبل علمهم بالشرائع و النبوّات مطبقين على حسن مدح المحسن، و حسن ذم المسي‏ء، فانّ من أحسن إلى محتاج فانّ ذلك المحتاج يجد من صريح عقله حسن مدحه و ذكره بالخير، و لو أساء رجل إليه فانّه يجد من صريح عقله حسن ذمِّه و هذا الحكم حاصل سواء كان ذلك الإنسان مؤمناً يُصدِّق بالأنبياء أو لم يكن كذلك فعلمنا أنّ الحسن و القبح مقرر في عقولهم.

و أمّا إثباتهما في حقّ اللّه تعالى فمحال و استدل بوجوه نذكر بعضها:

الأوّل: إنّ الذي عقلناه من معنى الحسن ما يكون نفعاً، أو مؤدّياً إليه و الذي عقلناه من معنى القبح ما يكون ضرراً أو مؤدياً إليه، و الرغبة في المنفعة، و الرهبة عن المضرة، إنّما يعقل حصولهما في حقّ من يصحّ عليه النفع و الضرر، و لما كان ذلك في حقّ اللّه محالًا، كان القول بثبوت الحسن و القبح في حقّ اللّه محالًا. ( (1))

يلاحظ عليه: أنّ الدليل مبنيّ على كون الملاك في التحسين و التقبيح هو كون الفعل نافعاً أو مؤدِّياً إليه أو ضرراً أو مؤدِّياً إليه و اللّه سبحانه أرفع من هذا الملاك. لكنّك عرفت أنّ تفسير التحسين و التقبيح العقليين بهذا المعنى ساقط جداً، غير

____________

(1) الرازي: المطالب العالية: 3/ 290.

24

مطروح للالهي في معرفة ما يجوز له سبحانه أو لا يجوز عليه، و لا للعالم الاخلاقي في تبيين المُثلِ العليا للإنسان في المجتمع الصغير، و لا للسائس الواعي في إدارة المجتمع الكبير إذ عندئذ تصير الأخلاق و السياسة، مفاهيم مادية، لا يعرّج إليه الإنسان الموضوعي. و العجب أنّه ينقل عن المعتزلة انّهم صرّحوا بأنّ كون الشي‏ء حسناً أو قبيحاً، أمر مغاير لكونه منشأ للمنفعة و المضرة، و مع ذلك يصرّ في آخر كلامه بأنّه لا يعقل من الحسن و القبح إلّا المنفعة و المضرة.

الثاني: لو صحّ القبح العقلي و عمّ حكم العقل له سبحانه، يلزم أن لا يُنعم اللّه على أحد من عباده لأنّ النعمة إنّما تكون نعمة إذا كانت رافعة للحاجة، و إيجاد الحاجة في الإنسان ضرر و مضرة و هو قبيح، فإيصال النعمة إليه لا يمكن إلّا إذا كان مسبوقاً بإيصال ضرر يساويه، و من كان الأمر كذلك، صارت هذه النعمة الحاصلة دافعة لذلك الضرر السالف فتصير هذه الواقعة كمن يجرح إنساناً ثمّ يعالج جراحته، أو يسرق ديناراً من إنسان، ثمّ يعطيه ديناراً. ( (1))

يلاحظ عليه بوجهين:

1- أنّ حاجة الممكن ذاتي له غير مجعول، و إنّما المجعول وجوده و اللّه سبحانه أوجد الممكن المحتاج بالذات، لا أنّه أُعطى الحاجة له، و ليس الممكن إلّا مسلوب الضرورة من جانبي الوجود و العدم، و اندفاعه به إلى أحد الطرفين يحتاج إلى علّة، غير أنّ عدم العلّة كاف في كونه معدوماً، و ما هذا شأنه، تشكِّل الحاجة ذاته و حاقّه و حقيقته، فبطل قوله: «إنّ إيصال النعمة إليه لا يمكن إلّا إذا كان مسبوقاً بإيصال ضرر يساويه» و إذا كان المقصود من الضرر هو الحاجة فليس هي واصلة إليه من العلّة، بل هي واقعية الممكن و لبّه، وجد أم لم يوجد.

كما بطل قوله: «فتصير هذه الواقعة كمن يجرح إنساناً ثمّ يعالجه» فإن أراد

____________

(1) المطالب العالية: 3/ 291.

25

من الجراحة الأُولى، حاجته، فليست واصلًا من جانب معطي الوجود و مفيض النعم الظاهرة و الباطنة، بل هو مجروح بالذات، كما بطل قوله: «يغصب من إنسان ديناراً ثمّ يعطيه ديناراً» إذا لم يكن الممكن واجداً لشي‏ء حتّى يؤخذ منه شي‏ء و يصح التشبيه.

2- أنّ حاجة الإنسان في حياته و إن كانت أمراً غير منكر و كل من الشهوة و الغضب آيتا الحاجة لكنّه في ظلّ تينك القوتين- عند التعديل- يصل إلى قمة الكمال. و لو لا الشهوة، لانقطع نسله، و لو لا الشهوة لوقع فريسة للوحوش الضواري، و هكذا سائر الحوائج المادية و الروحية فالحاجة و إن تعد نقصاً، لكنّها سلّم الترقّي إلى سماء الكمال.

ثمّ إنّه أطال الكلام في إثبات ما يرميه و انا أضنّ بالحبر و الورق في أن أُسوّد الصحائف بنقل كلامه فلا نطيل الكلام في نقد هذه الحجة أزيد من هذا.

الثالث: لو كان عقلنا معتبراً في حقّ الله لوجب أن يقبح من اللّه أن يأمر عباده بمعرفته و طاعته، لأنّ تحصيل معرفة اللّه عمل شاق على العبد و لا يحصل منه نفع للشاكر و لا للمشكور و ما كان كذلك كان الأمر به قبيحاً بمقتضى تحسين العقل و تقبيحه. ( (1))

يلاحظ أوّلًا: كيف تكون معرفة اللّه أمراً شاقاً و الحال انّه سبحانه يعدّه أمراً سهلًا و يقول: (أَ فِي اللَّهِ شَكٌّ فاطِرِ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ‏) (إبراهيم/ 10).

و ثانياً: أنّ المشكور و إن كان لا ينتفع بشكر العباد إلّا أنّ الشاكر ينتفع به و أقلّ ما ينتفع، و هو انّ الشكر يزيد النعمة قال سبحانه: (وَ إِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَ لَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ). (إبراهيم/ 7).

ثمّ إنّ الرازي لما وقف على بعض ما ذكر قال: لا معنى للمنفعة إلّا اللذة

____________

(1) المطالب العالية: 3/ 291.

26

و السرور أو دفع الألم و الغم و اللّه سبحانه قادر على تحصيل هذه الأُمور من غير واسطة هذه التكاليف.

يلاحظ عليه: أنّ عموم قدرته و إن كان لا ينكر لكن تعلّقت مشيئته الحكمة على التفريق بين الفيض العام فهو يصل إلى كلّ ما يدبّ و إن كان كافراً و جاحداً، و الفيض الخاص الذي لا يفيض إلّا على الخلّص من عباده (وَ الَّذِينَ اهْتَدَوْا زادَهُمْ هُدىً وَ آتاهُمْ تَقْواهُمْ‏) (محمّد/ 17) فحكمته تصدّه عن سيادة الفيوض في إيصال النعم، فيعم العارف و الجاحد، و لو عمّ بعض نعمه كل إنسان مؤمن و كافر، لمصلحة هو أعرف بها، لكن قسماً من نعمه رهن استحقاق المورد و لياقته، و كلّما ازدادت معرفة العبد بمولاه، ازداد استحقاقاً و الفيوض تنزل حسب صلاحيات الأفراد، و مقدار القابليات و الاستعدادات.

و لعمر القارئ أنّ الرازي أعرف بضعف ما ذكره و وهن ما نسجه إلّا أنّ الدفاع عن المنهج الذي تربى عليه، دفعه إلى نحت هذه الحجج الواهية.

ثمّ إنّ الرازي فتح باباً آخر (الفصل التاسع من فصول كتابه) ذكر فيه خمس عشرة حجة على ردّ تحسين العقل و تقبيحه في أفعاله و أحكامه سبحانه و الدلائل كلّها من سنخ ما تلوناه عليك، فهو قد اتخذ عويصات المعارف و مشاكلها ذريعة على إنكار التحسين و التقبيح، مع أنّ عدم عرفان المصلحة في موارد، لا يكون دليلًا على إنكارهما.

مثلًا ذكر في الحجة الأُولى أنّ تكليف من علم أنّه يكفر قبيح عقلًا. و أتى في إثبات مرامه بأمثلة كثيرة مع أنّه سبحانه كلّفه فدلّ على أنّ ما يدركه العقل من المحاسن و القبائح يختص بالإنسان و لا يعمّه سبحانه ( (1)).

يلاحظ عليه: أنّ الواجب على الرازي و من هو على شاكلته، أمام هذه العويصات، هو السكوت و التفويض إلى اللّه، لا جعلها ذريعة إلى إنكار أبده‏

____________

(1) المطالب العالية: 3/ 305.

27

البديهيات، و أوضح الواضحات الذي أطبق عليه عقل العقلاء، و ما تمسك به الرازي في إبطال تسرية أحكام العقل إلى ساحته سبحانه، ليس إلّا أُموراً غامضة ربما لا يتوفّق الإنسان على حلّ عقدها، لكن ليس له أن يجعل عدم التوفّق ذريعة لإنكار الواضحات.

على أنّه لو تأمّل الرأي أو رفع إلى مشايخ العلوم العقلية، لأحلّوا عقدته و قالوا:

إنّه ليس هنا إرادات جزئية مختلفة متعلّقة بآحاد المكلّفين، بأن تكون هنا إرادات حسب تعدّد المكلّفين حتى يقال كيف يمكن تعلّق إرادة جديّة بإيمان من نعلم أنّه لا يؤمن، بل إرادة و بعث واحداً إلى عنوان المكلّف و هو بوحدته، و عموم متعلّقه حجة على الكلّ من غير فرق بين المؤمن و الكافر، و المستعد و الجاحد و هذا يكفي في حسن العقاب، و إن علم أنّه لا يؤمن.

نعم البعث الجزئي لا ينقدح في لوح النفس إذا علم أنّه لا يؤمن أبداً، و لكن لغاية إتمام الحجة يتعلّق بعث واحد متعلّق بالعنوان العام مصحّح للعقوبة، فالرازي خلط بين الخطابات القانونية، و الخطابات الشخصيّة ( (1)).

على أنّ هنا جواباً آخر يصحّح توجه الخطاب الشخصي إلى من علم من حاله أنّه يعصي و يطغي قال سبحانه: (اذْهَبا إِلى‏ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى‏* فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى‏). (طه/ 43- 44)

ه‏لصحمو: أنّ مرجع التكليف هنا إلى إتمام الحجة كما قال سبحانه: (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ). (النساء/ 165) (قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ). (الأنعام/ 149)

____________

(1) و من أراد أن يقف على الفرق بين الخطابين فعليه الرجوع إلى بحوثنا في أُصول الفقه.

28

هل التحسين و التقبيح العقليان من المشهورات؟

قد تعرفت على أنّ كل مورد حكم فيه العقل بالتحسين و التقبيح، فإنّما يحكم به بدافع من ضميره، و حافز من صميمه، و أنّ هذا الحكم عنده من الأحكام البديهية في مجال العقل العملي، حسب البيان الأوّل، و أنّه يجد الفعل ملائماً أو منافراً للجانب الفوقاني من وجوده حسب البيان الثاني و على ذلك فهو لا يعتمد في قضائه على أيّ أمر خارج عن ذاته، بحيث لو تبدل ذلك الأمر الخارج لاختلّ قضاؤه.

و هذا و لكن الظاهر من شيخ المشائيين و تبعه جل من تأخّر عنه، أنّ التحسين و التقبيح من المشهورات التي اتّفقت عليها آراء العقلاء و تسمى الآراء المحمودة، قال الشيخ الرئيس: «فأمّا المشهورات من هذه الجملة فمنها هذه الأوّليات و نحوها ممّا يجب قبولها لا من حيث هي واجب قبولها، بل من حيث عموم الاعتراف بها و منها الآراء المسماة المحمودة، و ربما خصّصناها باسم المشهورة إذ لا عمدة لها إلّا الشهرة و هي آراء لو خلّي الإنسان و عقله المجرّد و وهمه و حسَّه، و لم يؤدَّب لقبول قضاياها، و الاعتراف بها لم يقض بها الإنسان طاعةً لعقله، أو وهمه، أو حسه، مثل حكمنا أنّ سلب مال الانسان قبيح، و أنّ الكذب قبيح لا ينبغي أن يقدِم عليه، و من هذا الجنس ما يسبق إلى وهم كثير من الناس- و ان صرف عنه الشرع- من قبح ذبح الحيوان اتّباعاً لما في الغريزة من الرقّة لمن تكون غريزته كذلك، و هم أكثر الناس و ليس شي‏ء من هذا ما يوجبه العقل الساذج ... و انّه لو خلق دفعة تام العقل و لم يسمع أدباً و لم يُطِع انفعالًا نفسانياً أو خلقيّاً، لم يقض في أمثال هذه القضايا.

ثمّ إنّ الشيخ قسم المشهورات إلى الأقسام التالية: ( (1))

____________

(1) أصل التقسيم مأخوذ من الشيخ، و الأمثلة مأخوذة من كلام صاحب المحاكمات لقطب الدين الرازي، فلاحظ و لا يخفى أنّ بعض الأمثلة خارجة عن إطار الحكمة العملية.

29

1- إمّا من الواجب قبولها:

و فسّره المحقّق الطوسي بقوله: «إنّ المعتبر في الواجب قبولها، كونها مطابقة لما عليه الوجود فالمعتبر في المشهورات كون الآراء عليها مطابقة».

2- و إمّا من التأديبيّات الصلاحية كقولنا: العدل حسن و الظلم قبيح.

3- و ما يطابق عليها الشرائع كقولنا: الطاعة واجبة.

4- و إمّا خلقيات كقولنا: كشف العورة قبيح.

5- و إمّا انفعاليات كقولنا: مراعاة الضعفاء محمودة.

6- و إمّا استقرائيات كقولنا: تكرار الفعل مملّ أو دفع الخصم واجب.

7- و أيضاً انّ المشهورات إمّا مشهورات على الإطلاق و إمّا بحسب صناعة كقولنا: التسلسل محال.

8- أو أرباب ملّة كقوله: الإله واحد، و الربا حرام.

بل أمكنه أن يجهله و يتوقف فيه و ليس كذلك حال قضائه بأنّ الكل أعظم من الجزء. ( (1))

تحليل مقال الشيخ الرئيس:

يلاحظ عليه أوّلًا:

أنّ القياس إمّا برهاني و إمّا جدلي و إمّا خطابي، و إمّا شعري و إمّا سفسطي.

و القياس البرهاني يتألف من اليقينيات التي أُصولها ستة: 1- الأوّليات 2- المشاهدات 3- التجريبيات 4- الحدسيات 5- المتواترات 6- الفطريات.

و القياس الجدلي يتألف من مقبولات الخصم أو المسلّمات بين العقلاء

____________

(1) شرح الإشارات و التنبيهات: 1/ 219- 220، قسم المنطق.

30

المعبر عنها بالمشهورات.

و عندئذ نقول: إذا لم يكن حكم العقل بالتحسين و التقبيح من الأحكام العقلية اليقينية الداخلة في إحدى الأُصول الستة (الأوّليات في مجال العقل العملي)، و كانت من المشهورات التي لا مدرك له إلّا الشهرة التي لو خلِّي الإنسان و عقله المجرّد و وهمه و حسّه، و لم يؤدَّب بقبول قضاياها لم يقض لها، لزم أن يكون التحسين و التقبيح عقلائيّاً (لا عقلياً) تطابق عليه العقلاء من دون استناد إلى برهان و دليل، و هو خلاف ما يدّعيه القائلون بهما.

و ثانياً: أنّ لازم ذلك عدم صحّة الاحتجاج بهما في المسائل الكلامية و الأُصولية مطلقاً، لأنّ الاحتجاج فرع كون القضية أمراً برهانياً، غير محدّد بحدّ، و لا محصور بإطار، نافذاً في حقّ العباد و خالقهم، و إذا لم يكن كذلك و كان أمراً مقرراً بين العقلاء فكيف يمكن الاحتجاج به على اللّه سبحانه، لأنّ الاحتجاج فرع كونه مقبولًا لدى المحتج عليه و هو فرع كونه برهانياً عاماً، لا يعرف لنفوذه حدّاً و هذا يشبه الاحتجاج بمسلمات قوم، على قوم آخر و بقوانين بلد، على أهالي بلد آخر، لا يعترفون بقوانينه.

و بعبارة ثانية: أنّ صحّة الاحتجاج فرع وحدة المنطق بين الطرفين، و هو فرع كونه أمراً قطعيّاً إمّا برهانياً، أو ضرورياً عند الطرفين و إذا لم يكن كذلك بل اتفق عليه أحد الطرفين بلا برهان، فلا يصلح به الاحتجاج على من لم يتفق عليه الآخر.

نرى أنّ الأُصولي يحتج بقبح العقاب بلا بيان على اللّه سبحانه، و يقول لو كان العمل الفلاني حراماً عند الشارع كان عليه البيان، لأنّ العقاب على ارتكاب الحرام من دون بيان ظلم و هو قبيح على اللّه سبحانه، و الاحتجاج إنّما يصحّ إذا كان قبح عقاب الظلم أمراً معترفاً عليه من جانب الشارع، و إذا لم يكن كذلك و إنّما اعترف به العقلاء و أخذوها أمراً مسلّماً بلا بينة و لا برهان، فلا يكون نافذاً في حقّه سبحانه الذي لم يعترف به، بخلاف ما إذا كان أمراً برهانياً أو ضرورياً يقينياً،

31

لا يعرف لحجيته، حداً، و يكون مقبولًا معترفاً به عند خالق العباد، و العباد.

و الحاصل: أنّ هذه النظرية التي ابتدعها الشيخ الرئيس و تبعه المحقّق الطوسي، في شرحه على الإشارات و قطب الرازي في محاكماته يهدم أساس الحسن و القبح العقليين، و يدمّر كل ما بنى عليه من الأُصول و القواعد في الكلام و أُصول الفقه.

ثمّ إنّ الشيخ الرئيس قد أكّد على ما ذكره في الإشارات، في بعض كتبه، و صار ذلك أُسوة للمتأخّرين عنه فترى أنّ المحقّق الطوسي في شرح الإشارات، و قطب الدين الرازي، في محاكماته، و المحقّق الاصفهاني في تعليقته على الكفاية و تلميذه المظفر اقتفوا أثره و تلقوه كلاماً قيّماً لا يقبل الخدشة، و لنذكر كلامهم حتى يقف القارئ على أنّ الخطأ تسرَّب من كلام الشيخ إلى كتبهم و لحسن ظنّهم به تلقوه حقيقة واضحة.

و لنذكر كلامه في النجاة:

قال: أمّا الذائعات فهي مقدمات و آراء مشهورة محمودة أوجب التصديق بها إمّا شهادة الكل مثل «إنّ العدل جميل» و إمّا شهادة الأكثر و إمّا شهادة العلماء أو شهادة أكثرهم أو الأفاضل منهم فيما لا يخالف فيه الجمهور. و ليست الذائعات من جهة ما هي هي، ممّا يقع التصديق بها من الفطرة، فإنّ ما كان من الذائعات ليس بأوّليّ عقلي فانّها غير فطرية، و لكنّها متقررة عند الأنفس، لأنّ العادة تستمر عليها منذ الصبا، و بما دعا إليها محبة التسالم و الإصلاح المضطر إليهما الإنسان، أو شي‏ء من الأخلاق الإنسانية مثل الحياء و الاستئناس أو سنن قديمة بقيت و لم تنسخ، أو الاستقراء الكثير.

و إذا أردت أن تعرف الفرق بين الذائع و الفطري فاعرض قولك: «العدل جميل» و «الكذب قبيح» على الفطرة التي عرّفنا حالها قبل هذا الفصل، و تكلّف الشك فيهما، تجد الشك متأتياً فيهما و غير متأت في «أنّ الكل أعظم من الجزء و هو

32

حقّ أولى». ( (1))

ثمّ إنّ الشيخ قد فسّر الفطرة في مقام آخر و قال: «أن يتوهم الإنسان نفسه، حصل في الدنيا، دفعة و هو بالغ عاقل، لكنّه لم يسمع رأياً، و لم يعتقد مذهباً، و لم يعاشر أُمّة، و لم يعرف سياسة، لكنّه شاهد المحسوسات، و أخذ منها الخيالات، ثمّ يعرض منها، على ذهنه شيئاً، و يتشكّك فيه. فإن أمكنه الشك فالفطرة لا تشهد به. و إن لم يمكنه الشك، فهو ما توجبه الفطرة». ( (2))

يلاحظ على كلام الشيخ:

أنّه لو صحّ تفسير الفطرة بما ذكره لأصبح حسن الإحسان و قبح الظلم أو حسن جزاء الإحسان بالإحسان، و قبح جزاء الإحسان بالسوء»، من الفطريات التي لا يشك فيه أحد. فإنّ الإنسان مهما كان بسيطاً لا تتجلّى القضيتان عنده سواسية و لو سوّى بينهما، يكون ذلك دليلًا على عدم كونه إنساناً سوياً و ليس قضاؤه لقبح الأوّل و حسن الثاني لأجل كونه متألّماً من الظلم أو مسروراً من العدل، بل يقضي بهما مع غضّ النظر عن صلتهما بحياته.

نظرية المحقّق اللاهيجي:

ثمّ إنّ أوّل من نفض الغبار عن وجه الحقيقة هو العلّامة المحقّق الشيخ عبد الرزاق اللاهيجي (ت 1072 ه-) في رسالته المسماة ب- «سرمايه ايمان» فانّه ذهب إلى ما حقّقناه و أقمنا برهانه و قال ما هذا تعريبه:

«الحق أنّ حسن العدل و الصدق، و قبح الظلم و الكذب أمر ضروري و العقل في المقام غني عن حكم الشارع.

____________

(1) النجاة: 63، قسم المنطق.

(2) الجوهر النضيد: 198، 62.

33

فإن قلت: إنّ الحكماء جعلوا حسن العدل و قبح الظلم من المقبولات التي هي من مواد القياس الجدلي، و اتّفاقهم عليهما لأجل كونه الأوّل محصلًا للمصالح النوعية و الثاني مستلزماً لمفاسدها و مع ذلك كيف يمكن أن يعدّا من القضايا البديهية أو الضرورية التي من شعب اليقينيات.

قلت: ضرورية القضيتين و غناء العقل في مقام إصدار الحكم عن التأمّل و التروّي بمرحلة يعدّ إنكاره مكابرة، و تعليل الحسن و القبح بوجود المصالح و المفاسد العامة، لا ينافي كونهما من الأحكام الضرورية البديهية الغنيّة عن التعليل، و ذلك لأنّه لا مانع من أن تعد قضية من اليقينيات باعتبار، و من المقبولات العامة باعتبار آخر، و يكون من مبادئ البرهان من جهة، و مبادئ الجدل من جهة أُخرى، حتّى أنّ كونهما مقبولين للغاية ليس لاستلزامهما المصلحة أو المفسدة بل لقضاء الفطرة بهما مع قطع النظر عن المصالح و المفاسد و ربما لا يعرفون المصالح و المفاسد». ( (1))

و ممّن وقف على حقيقة الحال، هو الحكيم السبزواري في شرح الأسماء الحسنى فقال: إنّ الحقّ هو عقلية الحسن و القبح للعلم الضروري باستحقاق المدح على العدل و الإحسان، و الذم على الظلم و العدوان و هذا العلم حاصل للكل، و إن لم يتديّن بدين، و لهذا يحكم به منكروا الشرائع أيضاً كالبراهمة.

و أيضاً انّ العلم بحسن ما حسّنه الشارع، أو قبح ما قبّحه يتوقف على أنّ الكذب قبيح لا يصدر عنه و ذلك إمّا بالعقل و التقدير انّه معزول و بالشرع فيدور.

ثمّ قال: و قد يستشكل دعوى الضرورة في القضية القائلة بأنّ العدل حسن و الظلم قبيح بأنّ الحكماء جعلوهما من المقبولات العامة التي هي مادة الجدل فجعلهما من الضروريات التي هي مادة البرهان غير مسموع ثمّ أجاب و قال: إنّ ضرورية هذه الأحكام، بمرتبة لا تقبل الإنكار بل الحكم ببداهتها أيضاً بديهي-

____________

(1) سرمايه ايمان: 60- 62 بتلخيص.

34

إلى أن قال:- إنّ القضية الواحدة يمكن أن تدخل في اليقينيات و المقبولات من جهتين فيمكن اعتبارها في البرهان و الجدل باعتبارين. ( (1))

و لم نقف على كلام لغيرهما يدعم كون التحسين و التقبيح أمراً بديهياً، و يرفض كونهما من المشهورات المحضة.

كلام المحقّق الاصفهاني:

إنّ المحقّق الاصفهاني تأثّر بكلام الشيخ الرئيس فقد بسط الكلام في تشييد مقاصده و قال: إنّ وصف الفعل بالحسن و القبح يكون لأجل أحد أمرين:

1- إذا أساء إنسان إلى غيره فانّه بمقتضى ورود ما ينافره عليه و تألّمه منه، ينقدح في نفسه الداعي إلى الانتقام منه و التشفّي من الغيظ الحاصل لسببه، بذمّه و عقوبته فالسببية للذم هنا واقعية و سلسلة العلل و المعلولات مترتبة واقعاً.

2- فيما إذا كان الغرض من الحكم بالمدح و الذم حفظ النظام و بقاء النوع بلحاظ اشتمال العدل و الإحسان على المصلحة العامة، و الظلم و العدوان على المفسدة العامة فتلك المصلحة العامة تدعو إلى الحكم بمدح فاعل ما يشتمل عليها، و تلك المفسدة تدعو إلى الحكم بذمّ فاعل ما يشتمل عليها فيكون هذا التحسين و التقبيح من العقلاء موجباً لانحفاظ النظام و رادعاً عن الاخلال به.

ما يناسب الحكم العقلائي الذي تصح نسبته إلى الشارع بما هو رئيس العقلاء هو القسم الثاني دون الأوّل الذي لا يناسب الشارع بل لا يناسب العقلاء بما هم عقلاء و هو الذي يصح التعبير عنه بالتأديبيات الصلاحية. ( (2))

يلاحظ عليه: أنّ حصر ملاك التحسين و التقبيح العقليين بالأمرين غير تام‏

____________

(1) شرح الأسماء الحسنى: 107- 108.

(2) نهاية الدراية: 2/ 125.

35

بل هناك ملاكان آخران أوضحنا حالهما فيما مضى:

أوّلهما: كون الحكم من الأحكام الواضحة للعقل العملي.

و ثانيهما: أنّه إذا كان الفعل ملائماً للفطرة و الجانب المثالي منه أو منافراً، من غير نظر إلى كونه محصلًا للغرض الشخصي كالتشفّي و الانتقام، أو المصلحة النوعية كبقاء النظام و عدمه، فيوصف بالحسن أو القبح بمجرّد التوجه إلى الموضوع. فلاحظ ما مرّ.

و الذي يدل على ذلك: أنّ الموضوع لا يختص بفعل الإنسان حتى يدور أمره بين كونه محصلًا للغرض الشخصي أو النوعي، بل يعم فعله سبحانه الرفيع من هذه الغايات و الواقع في قمة الوجود، مثلًا يوصف تأديبه الطفل في الآخرة بكونه قبيحاً، و ليس هناك عن الانتقام و لا الاخلال بالنظام حديث و لا خبر.

و الذي أوقعه فيما أوقعه، هو اقتفاؤه أثر الشيخ الرئيس، و جعله مسألة الحسن و القبح من المشهورات التي لا واقع له إلّا اعتراف العامة و لم يجد وجهاً لاعتراف العامة بهما، سوى كون العدل من أسباب بقاء النظام الإنساني و العدل من منافياته.

و لا محيص للمتكلّم الإسلامي و لا الفقيه الأُصولي، في تصحيح ما بنى على ذلك الأصل من الأحكام و الأُصول من سلوك ما سلكناه و إلّا ينهدم كل ما بنى.

ثمّ إنّ شيخنا المظفر تبع ما ذكره المحقق الاصفهاني بحماس و قال: «و تسمّى هذه الأحكام العقلية العامة، الآراء المحمودة، و التأديبات الصلاحية و هي من قسم من القضايا المشهورات التي هي قسم برأسها، في مقابل القضايا الضروريات فهذه القضايا غير معدودة من قسم الضروريات- إلى أن قال:- و من هنا يتضح أنّ العدلية إذا قالوا بالحسن و القبح العقليين، يريدون أنّ الحسن و القبح من الآراء المحمودة و القضايا المشهورة، المعدودة من التأديبات الصلاحية و هي التي تطابقت عليها رأي العقلاء بما هم عقلاء.

36

و القضايا المشهورة ليس لها واقع وراء تطابق الآراء أي إنّ واقعها ذلك ... الخ. ( (1))

و بعد الإحاطة بما ذكرناه تقدر على القضاء بين الكلمات.

***

أدلّة القائلين بالتحسين و التقبيح العقليين:

قد تعرفت على محلّ النزاع و كما تعرفت على ملاك التحسين و التقبيح، و قلنا: إنّ القائل بهما في غنى عن إقامة البرهان لكونهما من الأحكام الضرورية في الحكمة العملية، و مع ذلك يناسب أن نشير إلى أدلّة القوم من المثبت و النافي فنقول:

استدل المثبت بوجوه:

الأوّل: ما أشار إليه المحقّق الطوسي بقوله: «و لانتفائهما مطلقاً لو ثبتا شرعاً» ( (2)) أي أنّا لو قلنا بأنّ الحسن و القبح يثبتان من طريق الشرع، يلزم من ذلك، عدم ثبوتهما بالشرع أيضاً.

توضيحه: أنّ الحسن و القبح لو كانا بحكم العقل، بحيث كان العقل مستقلًا في إدراك حسن الصدق و قبح الكذب، فلا اشكال في أنّ ما أمر به الشارع يكون حسناً و ما نهى عنه يكون قبيحاً، لحكم العقل بأنّ الكذب قبيح و الشارع لا يرتكب القبيح، و لا يتصور في حقّه ارتكابه.

و أمّا لو لم يستقل العقل بذلك، فلو أمر الشارع بشي‏ء أو نهى عنه أو أخبر بحسن الصدق و قبح الكذب فلا يحسن لنا الجزم بكونه صادقاً في كلامه حتى‏

____________

(1) أُصول الفقه: 1/ 335.

(2) كشف المراد: 186.

37

نعتقد بمضمونه لاحتمال عدم صدق الشارع في أمره أو اخباره فإنّ الكذب حسب الفرض لم يثبت قبحه بعد، حتى لو قال الشارع بأنّه لا يكذب لم يحصل لنا اليقين بصدقه حتى في هذا الإخبار. فيلزم على قول الأشعريّ أن لا يتمكن الانسان من الحكم بحسن شي‏ء لا عقلًا و لا شرعاً.

و إن شئت قلت: لو لم يستقل العقل بحسن بعض الأفعال و قبح بعضها الآخر، كالصدق و الكذب، و أخبرنا اللّه سبحانه عن طريق أنبيائه بأنّ الفعل الفلاني حسن أو قبيح لم نجزم بصدق كلامه لتجويز الكذب عليه.

الثاني: ما أشار إليه المحقّق الطوسي أيضاً بقوله: «و لجاز التعاكس» ( (1)) أي في الحسن و القبح.

توضيحه: أنّ الشارع على القول بشرعية الحسن و القبح، يجوز له أن يُحَسِّن أو يقبِّح ما حسَّنه العقل أو قبَّحه. و على هذا يلزم جواز تقبيح الإحسان و تحسين الإساءة و هو باطل بالضرورة. فإنّ وجدان كلّ إنسان يقضي بأنّه لا يصحّ أن يذم المحسن أو يمدح المسي‏ء. قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «و لا يكونن المحسن و المسي‏ء عندك بمنزلة سواء» ( (2)) و الإمام يهدف بكلمته هذه إلى إيقاظ وجدان عامله، و لا يقولها بما أنّها كلام جديد غفل عنه عامله.

الثالث: لو كان الحسن و القبح شرعيين لما حكم بهما البراهمة و الملاحدة الذين ينكرون الشرائع، و يحكمون بذلك مستندين إلى العقل. و هؤلاء المادّيون و الملحدون المنتشرون في شرق الأرض و غربها يرفضون الشرائع و الدين من أساسه و لكن يعترفون بحسن أفعال و قبح بعضها الآخر.

و لأجل ذلك يغرّون شعوب العالم بطرح مفاهيم خداعة، بدعاياتهم الخبيثة،

____________

(1) كشف المراد: 186.

(2) نهج البلاغة: قسم الرسائل برقم 53.

38

نظير دعم الصلح و السلام، و حفظ حقوق البشر، و العناية بالاسرى و السجناء، و نبذ التمييز العنصري، إلى غير ذلك ممّا يستحسنه الذوق الإنساني و العقل البشري في جميع الأوساط، يطرحون تلك القضايا ليصلوا من خلالها إلى أهدافهم و مصالحهم الشخصية. و لو لا كون هذه المفاهيم مقبولة عند عامة البشر لما استخدمها دعاة المادية و الإلحاد في العالم.

و الحاصل: أنّ هناك أفعالًا لا يشك أحد في حسنها سواء ورد حسنها في الشرع أم لم يرد. كما أنّ هناك أفعالًا قبيحة عند الكل، سواء ورد قبحها في الشرع أم لا. و لأجل ذلك لو خيّر العاقل (الذي لم يسمع بالشرائع، و لا علم شيئاً من الأحكام، بل نشأ في البوادي، خالي الذهن من العقائد كلّها) بين أن يَصدق و يُعطى ديناراً، أو يَكذب و يُعطى ديناراً، و لا ضرر عليه فيهما فانّه يرجح الصدق على الكذب. و لو لا قضاء الفطرة بحسن الصدق و قبح الكذب لما فرّق بينهما، و لما اختار الصدق دائماً.

و هذا يعرب عن أنّ العقل له قدرة الحكم و القضاء في أُمور ترجع إلى الفرد و المجتمع، فيحكم بحسن إطاعة وليِّه المنعم و قبح مخالفته، و انّ المحسن و المسي‏ء ليسا بمنزلة سواء، و نحو ذلك.

الرابع: لو كان الحسن و القبح باعتبار السمع، لما قبح من اللّه تعالى شي‏ء. و لو كان كذلك لما قبح منه إظهار المعجزات على أيدى الكاذبين. و تجويز ذلك يسدّ باب معرفة الأنبياء، فانّ أيّ نبيّ أتى بالمعجزة عقيب الادّعاء، لا يمكن تصديقه مع تجويز إظهار المعجزة على يد الكاذب في دعواه.

و هذه النتيجة الباطلة من أهمّ و أبرز ما يترتب على إنكار القاعدة. و بذلك سدّوا باب معرفة النبوة.

***

39

أدلّة المنكرين للتحسين و التقبيح العقليين:

استدلت الأشاعرة على نفي التحسين و التقبيح العقليين بوجوه نأتي بها:

الدليل الأوّل: اللّه مالك كل شي‏ء يفعل في ملكه ما يشاء:

توضيحه: أنّه المالك، القاهر، الذي ليس بمملوك، و لا فوقه مبيح، و لا آمر، و لا زاجر، و لا حاظر، و لا من رسم له الرسوم، و حدّ له الحدود. فإذا كان هذا هكذا، لم يقبح منه شي‏ء، إذ كان الشي‏ء إنّما يقبح منّا، لأنّا تجاوزنا ما حدَّ و رسم لنا، و أتينا ما لم نملك إتيانه. فلما لم يكن البارى مملوكاً و لا تحت أمر، لم يقبح منه شي‏ء. فإن قال: فإنّما يقبح الكذب لأنّه قبّحه. قيل له: أجل و لو حسّنه لكان حسناً، و لو أمر به لم يكن عليه اعتراض.

فإن قالوا: فجوزوا عليه أن يكذب، كما جوزتم أن يأمر بالكذب.

قيل لهم: ليس كلّ ما جاز أن يأمر به، جاز أن يوصف به. ( (1))

يلاحظ عليه: أمّا أوّلًا: فانّنا نسأل الشيخ الأشعري عن أنّه سبحانه إذا أولِمَ طفله في الآخرة و عذّبه بألوان التعذيب مع كون الطفل بريئاً لم يصدر منه ذنب، و رأى الأشعرى ذلك بأُم عينه في الآخرة، هل يرى ذلك عين العدل، و نفس الحسن؟! أو أنّه يجد ذلك الفعل، من وجدانه، أمراً منكراً؟

و مثله ما لو فعل بالأشعري نفس ما فعل بطفله مع كونه مؤمناً، فهل يرضى بذلك في أعماق روحه، و يراه نفس العدل غير متجاوز عنه، بحجة أنّ اللّه سبحانه مالك الملك يفعل في ملكه ما يشاء؟ أو أنّه يقضي بخلاف ذلك؟

و أمّا ثانياً: فلا شكّ أنّه سبحانه مالك الملك و الملكوت يقدر على كل أمر

____________

(1) الأشعري: اللمع: ص 117.

40

ممكن- كما عرفت- من غير فرق بين الحسن و القبيح، فعموم قدرته لكل ممكن ممّا لا شبهة فيه، و لكن حكم العقل بأنّ الفعل الفلاني قبيح لا يصدر عن الحكيم، ليس تحديداً لملكه و قدرته. و هذا هو المهم في حلّ عقدة الأشاعرة الذين يزعمون أنّ قضاء العقل و حكمه في أفعاله سبحانه نوع تدخّل في شئون ربّ العالمين، و لكن الواقع ليس ذلك.

توضيحه: أنّ العقل بفضل التجربة، أو بفضل البراهين العقلية، يكشف عن القوانين السائدة على الطبيعة، كما يكشف عن القوانين الرياضية، فلو قال العقل: إنّ كل زوج ينقسم إلى متساويين، فهل يحتمل أنّ العقل بذلك فرض حكمه على الطبيعة، أو يقال: إنّ الطبيعة كانت تحمل ذلك القانون و العقل كشفه و بيّنه؟ فإذا كان هذا هو الفرق بين فرض الحكم و كشفه في عالم الطبيعة، فليكن هو الفارق بين إدراكه حسن الفعل و قبحه و أنّ أيّ فعل يصدر منه أو لا يصدر منه، و بين فرضه الحكم على اللّه سبحانه فرضاً يحدد سعة قدرته و إرادته و فعله. فليس العقل هنا حاكماً و فارضاً على اللّه سبحانه، بل هو- بالنظر إلى اللّه تعالى و صفاته التي منها الكمال و الغنى- يكشف عن أنّ الموصوف بمثل هذه الصفات و خاصة الحكمة، لا يصدر منه القبيح، و لا الإخلال بما هو حسن.

و بعبارة أُخرى: أنّ العقل يكشف عن أنّ المتصف بكل كمال، و الغنيّ عن كل شي‏ء، يمتنع أن يصدر منه الفعل القبيح، لتحقّق الصارف عنه، و عدم الداعي إليه، و هذا الامتناع ليس امتناعاً ذاتياً حتى لا يقدر على الخلاف، و لا ينافي كونه تعالى قادراً عليه بالذات، و لا ينافي اختياره في فعل الحسن و ترك القبيح، فإنّ كلًا من الفعل و الترك بالاختيار، و هذا معنى ما ذهبت إليه العدلية من أنّه يمتنع عليه القبائح. و لا يهدف به إلى تحديد فعله من جانب العقل، بل اللّه بحكم أنّه حكيم، التزم و كتب على نفسه أن لا يخلّ بالحسن و لا يفعل القبيح. و ليس دور العقل هنا إلّا دور الكشف و التبيين بالنظر إلى صفاته و حكمته.

41

و باختصار: أنّ فعله سبحانه- مع كون قدرته عامة- ليس فوضوياً و متحرّراً عن كل قيد و شرط، و ليس التحديد مفروضاً عليه سبحانه من ناحية العقل، و إنّما هو واقعية و حقيقة كشف عنه العقل، كما كشف عن القوانين السائدة على الطبيعة و الكون. فتصور أنّ فعله سبحانه متحرّر عن كلّ قيد و حدّ، لغاية حفظ شأن اللّه سبحانه، وسعة قدرته أشبه بالمغالطة، فإنّ حفظ شأنه سبحانه غير فرض تجرّد فعله عن كلّ قيد و شرط.

و بالتأمّل فيما ذكرنا يظهر ضعف سائر ما استدل به القائلون بنفي التحسين و التقبيح العقليين. و لا بأس بالإشارة إلى بعض أدلّتهم التي أقامها المتأخّرون عن أبي الحسن الأشعري من أتباع مذهبه و دعاة طريقه.

الدليل الثاني: لو كان التحسين و التقبيح ضرورياً لما وقع الاختلاف:

قالوا: لو كان العلم بحسن الإحسان و قبح العدوان ضرورياً لما وقع التفاوت بينه و بين العلم بأنّ الواحد نصف الاثنين، لكن التالي باطل بالوجدان.

و أجاب عنه المحقّق الطوسي بقوله: «و يجوز التفاوت في العلوم لتفاوت التصوّر». ( (1))

توضيحه: أنّه قد تتفاوت العلوم الضرورية بسبب التفاوت في تصوّر أطرافها. و قد قرّر في صناعة المنطق أنّ للبديهيات مراتب: فالأوّليات أبده من المشاهدات بمراتب. و الثانية أبده من التجربيات، و الثالثة أبده من الحدسيات، و الرابعة أبده من المتواترات، و الخامسة أبده من الفطريات. و الضابطة في ذلك أنّ ما لا يتوقف التصديق به على واسطة سوى تصور الطرفين فهو أبده من غيره، و ذلك مثل الأوّليات، و هكذا.

____________

(1) كشف المراد: 186.

42

فلو صحّ ما ذكره الأشاعرة من الملازمة، لزم أن لا تكون الحدسيات من اليقينيات.

و باختصار: أنّ العلوم اليقينية، مع كثرتها ليست على نمط واحد، بل لها مراتب و درجات، و هذا شي‏ء يلمسه الإنسان إذا مارس علومه و يقينياته، و على ذلك فلا مانع من أن يقع الاختلاف في بعض العلوم الضرورية لدوافع خاصة، و هي في المقام تصور أنّ الحكم بالحسن و القبح تحديد لسلطنته سبحانه، فلأجل ذلك رفضت الأشاعرة هذا العلم الضروري للحفاظ على عموم سلطته تعالى.

الدليل الثالث: لو كان الحسن و القبح عقليين لما تغيرا:

إنّ الحسن و القبح لو كانا عقليين لما اختلفا، أي لما حسن القبيح و لما قبح الحسن، و التالي باطل، فإنّ الكذب قد يحسن و الصدق قد يقبح، و ذلك فيما إذا تضمن الكذب إنقاذ نبيّ من الهلاك، و الصدق إهلاكه.

فلو كان الكذب قبيحاً لذاته لما كان واجباً و لا حسناً عند ما استفيدت به عصمة دم نبيّ عن ظالم يقصد قتله ( (1))

و أجاب عنه المحقّق الطوسي بقوله: «و ارتكاب أقل القبيحين مع إمكان التخلص». ( (2))

توضيحه: أنّ الكذب في هذه الصورة على قبحه إلّا أنّ ترك إنقاذ النبيّ أقبح من‏

____________

(1) الآمدي: الأحكام: 1/ 121.

(2) كشف المراد: 187.

43

الكذب، فيحكم العقل بارتكاب أقلّ القبيحين تخلصاً من ارتكاب الأقبح. على أنّه يمكن التخلّص عن الكذب بالتعريض (أي التورية).

و باختصار: أنّ تخليص النبي أرجح من حسن الصدق فيكون تركه أقبح من الكذب فيرجح ارتكاب أدنى القبيحين و هو الكذب لاشتماله على المصلحة العظيمة، على الصدق.

أضف إلى ذلك: أنّ الاستدلال مبنيّ على كون قبح الكذب و حسن الصدق، كقبح الظلم و حسن العدل، ذاتيين لا يتغيران. و أمّا على ما مرّ من أنّ الأفعال بالنسبة إلى الحسن و القبح على أقسام:

منها: ما يكون الفعل علّة تامة لأحدهما، فلا يتغير حسنه و لا قبحه بعروض العوارض كحسن الإحسان و قبح الإساءة.

و منها: ما يكون مقتضياً لأحدهما، فهو موجب للحسن لو لم يعرض عليه عنوان آخر، و هكذا في جانب القبح. و قد تقدّم أنّ حسن الصدق و قبح الكذب من هذا القبيل.

و منها: ما لا يكون علّة و لا مقتضياً لأحدهما كالضرب، و إنّما يوصف بأحدهما بطرو عنوان كالضرب جزاء أو إيذاء.

إنّ الآمدي- أحد المتكلّمين من الأشاعرة- نقل وجوهاً سبعة لإنكار التحسين و التقبيح العقليين و نحن نضنّ بالقلم و الحبر و الورق عن نقلها و الردّ عليها، و لأجل الوقوف على ضالتها نذكر واحداً منها:

لو كان الكذب قبيحاً لذاته، للزم منه أنّه إذا قال: «إن بقيت ساعة كذبت» أن يكون الحسن منه في الساعة الأُخرى، الصدق أو الكذب، و الأوّل ممتنع لما يلزمه من كذب الخبر الأوّل و هو قبيح، فلم يبق غير الثاني و هو المطلوب. ( (1))

انظر إلى هؤلاء، كيف يستدلّون على مسألة كلامية أو أُصولية أو أخلاقية بهذه الوجوه التافهة، و هم بدل أن يرجعوا إلى فطرتهم و قضاء عقولهم، صاروا يستدلون بهذه اللغز و الأحاجي. و مع ذلك نقول: إنّ وظيفته في الساعة الأُخرى هو

____________

(1) الاحكام: 1/ 120- 121.

44

الصدق، و هو ليس بقبيح و استلزامه كذب الخبر الأوّل ليس بقبيح، لأنّ تعهده على الكذب كان قبيحاً، و كان نقضه حسناً و هذا نظير ما إذا أخبر عن قتل الإنسان البري‏ء في الساعة الثانية، لكن الحسن منه ليس هو القتل، بل تركه، لأنّ فيه صيانة الدم المحترمة. و الوجوه الباقية من هذه القبيل و الآمدي و إن لم يقبلها، لكن نقل هذه الحجج الواهية، ليس من شئون الكاتب الواعي.

و أمّا ما استند هو عليه في ردّ الحسن العقلي فليس بأقصر من هذه الوجوه فلاحظ. ( (1))

*** إلى هنا خرجنا بهذه النتيجة و هي أنّ هناك أفعالًا يستقل العقل بحسنها و قبحها، و يقضي بهما من دون أن يستعين بالشرع، و يرى حسنها و قبحها مطرداً في جميع الفاعلين، من غير اختصاص بالخالق أو المخلوق. و قد ذكرنا ملاك قضائه و هو إمّا كون القضية من البديهيات أو كونها ملاءمة أو منافرة للشخصية العِلْوية المثالية التي خلق الإنسان عليها.

ثمّ إنّ القول بالتحسين و التقبيح العقليين إنّما يتم على القول بأنّ الإنسان فاعل مختار، و أمّا على القول بأنّه مجبور في أفعاله، فالبحث عنهما منفي بانتفاء موضوعه، لأنّ شيئاً من أفعال المجبور لا يتصف بالحسن و لا بالقبح عقلًا. و بما أنّ الأشاعرة يصورون الإنسان فاعلًا مجبوراً، فلازم مقالتهم نفي التحسين و التقبيح العقليين، و قد اعترف الأشاعرة بذلك ( (2))

***

____________

(1) الاحكام: 1/ 123.

(2) كشف المراد: 187.

45

التحسين و التقبيح في الكتاب العزيز:

إنّ التدبّر في آيات الذكر الحكيم يعطي أنّه يسلّم استقلال العقل بالتحسين و التقبيح خارج إطار الوحي ثمّ يأمر بالحسن و ينهى عن القبح.

1- قال سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ وَ إِيتاءِ ذِي الْقُرْبى‏ وَ يَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ‏). ( (1))

2- (قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ‏). ( (2))

3- (يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ). ( (3))

4- (وَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَ اللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ). ( (4))

فهذه الآيات تعرب بوضوح عن أنّ هناك أُموراً توصف بالإحسان و الفحشاء و المنكر و البغي و المعروف قبل تعلّق الأمر أو النهي بها، و أنّ الإنسان يجد اتصاف الأفعال بأحدها ناشئاً من صميم ذاته، كما يعرف سائر الموضوعات كالماء و التراب. و ليس عرفان الإنسان بها موقوفاً على تعلّق الشرع و إنّما دور الشرع هو تأكيد إدراك العقل بالأمر بالحسن و النهي عن القبيح.

أضف إلى ذلك أنّه سبحانه يتّخذ وجدان الإنسان سنداً لقضائه فيما تستقل به عقليته:

5- يقول تعالى: (أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي‏

____________

(1) سورة النحل/ 90.

(2) سورة الأعراف/ 33.

(3) سورة الأعراف/ 157.

(4) سورة الأعراف/ 28.

46

الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ). ( (1))

6- و يقول سبحانه: (أَ فَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ* ما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ‏). ( (2))

7- و يقول سبحانه: (هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ‏). ( (3))

فالتدبر في هذه الآيات لا يدع مجالًا لتشكيك المشكّكين في كون التحسين و التقبيح من الأُمور العقلية التي يدركها الإنسان بالحجة الباطنية من دون حاجة إلى حجة ظاهرية.

و لنكتف بهذا المقدار- قال الشيخ الأعظم-: إنّ إكثار الكلام فيها ربما يعدّ من العبث، حيث إنّه لا يفيد غير ما هو المعلوم لنا منها بسلامة الوجدان مع أنّ لنا فيه غنى عن تجشّم البرهان. ( (4))

و اعلم أنّ البحث عن الحسن و القبح يعدّ من المبادئ الأحكامية التي يبحث فيها عن أحوال الأحكام الشرعية، مثل البحث عن جواز اجتماع الأمر و النهي في شي‏ء بعنوانين، فانّه- عند البعض- من المبادئ الأحكامية. و أمّا البحث عن المسألة الثانية أي وجود الملازمة بين حكم العقل بالحسن، أو القبح و الحكم الشرعي فهو من المسائل الأُصولية و إليك الكلام فيها:

____________

(1) سورة ص/ 28.

(2) سورة القلم/ 35- 36.

(3) سورة الرحمن/ 60.

(4) مطارح الأنظار، رسالة «الأدلة العقلية»: 235.

47

المسألة الثانية: ثبوت الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع‏

قد عرفت فيما سبق أنّ هنا مسائل ثلاث، و قد مضى البحث عن الأُولى و هي بمنزلة الصغرى للمسألة الثانية، أعني: وجود الملازمة بين حكمي العقل و الشرع، بمعنى انّه إذا ثبت حكم العقل بحسن شي‏ء أو قبحه هل يلزم عقلًا أن يحكم الشرع على طبقه أو لا؟ فالمعتزلة على الملازمة، فهو عندهم طريق إلى العلم بالحكم الشرعي. دون غيرهم و أمّا أصحابنا فالأخباريون على إنكار الملازمة، و الأُصوليون على ثبوتها، إلّا صاحب الفصول فقد أنكرها. و قبل الخوض في المقصود، لا بدّ من التنبيه على أمر مهم له دور في القضاء الصحيح في المسألة و هو:

إنّ محل النزاع غير مُنقَّح في كلمات القوم، و يظهر من الردود على نفي الملازمة بين حكمي العقل و النقل انّه حصل الخلط فيما عقد له هذا البحث.

48

فنقول: إنّ هنا مسألتين:

الأُولى: إذا استقل العقل بالتحسين و التقبيح، و مدح المحسن و ذم المسي‏ء، فهل يستقل بأنّ الأمر كذلك عند الشارع، فهو أيضاً باعث إلى الإحسان، و زاجر عن الظلم، و يمدح المحسن و يذم المسي‏ء، و يثيب الأوّل، و يعاقب الثاني أو لا؟ و على ذلك فالبحث في كلا الطرفين (العقل و الشرع) مركز، على إدراك العقل حسن الفعل و قبحه. لا على إدراكه مصلحة في الفعل أو مفسدة فيه، شخصية كانت أو نوعية.

الثانية: إذا استقل العقل بوجود المصلحة في الفعل أو المفسدة فيه، و لزوم حيازة الأُولى، و الاجتناب عن الثانية، فهل يكشف ذلك عن كونه واجباً أو حراماً عند الشرع أو لا، بحيث يكون العلم بالمصالح و المفاسد، من مصادر التشريع الإسلامي، أو لا؟

أقول: هذه مسألة مسألة ثانية لا صلة لها بالأُولى لما عرفت من أنّ موضوع البحث في الأوّل هو حسن الأفعال و قبحها، مع قطع النظر عن كونها حاملة لمصلحة أو مفسدة، و هذا بخلاف الثانية فالموضوع فيه كون الفعل ذا مصلحة و مفسدة، و ربما لا يكون اشتماله على المصلحة أو المفسدة بديهياً، و لا يثبت إلّا بإقامة البرهان أو بالاستقراء أو بالبحث و النقاش و على كلّ تقدير فإنّها خارجة عن محط البحث، و أشبه ببحوث أهل السنّة، و مبانيهم، فأنّ العقل عندنا أقصر من أن يحيط بمصالح الأُمور و مفاسدها و مزاحماتها و موانعها حتى يصبح من مصادر التشريع بهذا المعنى.

و ممّن صرّح بذلك، الشيخ المحقّق الاصفهاني في تعليقته على الكفاية و تلميذه المظفر و إليك نقل كلامهما.

قال المحقّق الاصفهاني: «أمّا استتباع حكم العقل النظري للحكم الشرعي المولوي فمجمل القول فيه انّ مصالح الأحكام الشرعية المولوية التي هي ملاكات‏

49

تلك الأحكام و مناطاتها، لا تندرج تحت ضابط، و لا تجب أن تكون هي بعينها المصالح العمومية المبني عليها حفظ النظام و إبقاء النوع، و عليه فلا سبيل للعقل بما هو إليها، نعم لو اتّفق إدراك مصلحة حاصلة لبعض الأحكام بحيث كانت في نظر العقل تامة الاقتضاء فهل يحكم الفعل بحكم الشارع على طبقها أملا ...»؟ ( (1))

و قال الشيخ المظفر، بعد تقرير البحث بنفس تقريرة أُستاذه: «... و على هذا فلا سبيل للعقل بما هو عقل إلى إدراك جميع ملاكات الأحكام الشرعية، فإذا أدرك العقل المصلحة في شي‏ء أو المفسدة في آخر، و لم يكن إدراكه مستنداً إلى المصلحة أو المفسدة العامّتين اللتين يساوي في إدراكهما جميع العقلاء، فانّه- أعني العقل- لا سبيل له إلى الحكم بأنّ هذا المدرك، يجب أن يحكم به الشارع على طبق حكم العقل أو يحتمل انّ هناك ما هو مناط لحكم الشارع، غير ما أدرك العقل أو انّ هناك مانعاً يمنع من حكم الشارع على طبق ما أدركه العقل، و إن كان ما أدرك مقتضياً لحكم الشارع.

و لأجل هذا نقول: إنّه ليس كل ما حكم به الشرع يجب أن يحكم به العقل و إلى هذا يشير إمامنا الصادق (عليه السلام): «إنّ دين اللّه لا يصاب بالعقل»، و لأجل هذا نحن لا نعتبر القياس و الاستحسان من الأدلّة الشرعية على الأحكام». ( (2))

و بما ذكرنا يتبيّن لك انّ بعض ما رُدَّ به على القاعدة فهو خارج عن حريم النزاع و إنّما هو راجع إلى المسألة الثانية التي هي خارجة عن محط البحث و لننقل‏

كلام النافين و المثبتين‏

حتى يتجلّى الحقّ بأجلى مظاهره:

1- كلام الزركشي و هو من النافين:

ذهب الزركشي إلى أنّ الحسن و القبح ذاتيان، و الوجوب و الحرمة شرعيان‏

____________

(1) نهاية الدراية: 2/ 130.

(2) اصول الفقه: 1/ 239- 240.

50

و انّه لا ملازمة بينهما. و المعتزلة لا ينكرون انّ اللّه تعالى هو الشارع للأحكام، و إنّما يقولون: إنّ العقل يدرك انّ اللّه تعالى شرّع أحكام الأفعال بحسب ما يظهر من مصالحها و مفاسدها فهو طريق عندهم إلى العلم بالحكم الشرعي، و الحكم الشرعي تابع لهما لا عينهما، فما كان حسناً، جوّزه الشارع و ما كان قبيحاً منعه فصار عند المعتزلة حكمان، أحدهما عقلي و الآخر شرعي تابع له.

ثمّ نقل قولًا آخر و أسماه قولًا متوسطاً و هو انّه قبحها ثابت بالعقل، و العقاب يتوقف على الشرع و هو الذي ذكره أسعد بن علي الزنجاني و أبو الخطاب من الحنابلة و ذكره الحنفية و نقلوه عن أبي حنيفة نصّاً و هو المنصور- ثمّ قال:- إنّ هاهنا أمرين: الأوّل: إدراك العقل حسن الأشياء و قبحها، الثاني: انّ ذلك كاف في الثواب و العقاب و إن لم يرد في الشرع، و لا تلازم بين الأمرين، بدليل (ذلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرى‏ بِظُلْمٍ‏) أي بقبيح فعلهم (وَ أَهْلُها غافِلُونَ‏) (الأنعام/ 131) و مثله: (وَ لَوْ لا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ‏) أي من القبائح (فَيَقُولُوا رَبَّنا لَوْ لا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا ...) (القصص/ 47). ( (1))

يلاحظ عليه: أوّلًا إنّ البحث مركز على ما لو استقل العقل بحسن الأفعال أو قبحها فهو يلازم ذلك- عند العقل- حكمه بالحسن و القبح أيضاً أولا، و عليه فما نقله عن المعتزلة من أنّ العلم بالمصالح و المفاسد طريق إلى الحكم الشرعي، كأنّه خارج عن محيط النزاع.

و بعبارة أُخرى ليس النزاع فيما إذا وقف العقل على مصالح الأحكام و مفاسدها و ملاكاتها و انّه هل يلازم ذلك- عند العقل- حكم الشارع أيضاً على وفقها أو لا؟ بل النزاع فيما إذا استقل بحسن فعل أو قبحه، و انّه هل يلازم حكم الشارع بهما أيضاً أو لا، و بين الموضوعين بون بعيد، و القول بالملازمة في الجهة الثانية لا يلازم القول في الأُولى لما تقرر في محلّه من انّه لا سبيل للعقل بما هو عقل‏

____________

(1) تشنيف المسامع بجمع الجوامع: 1/ 133- 139 كما في التعليق على الوافية: 175- 177.