الرسائل الأربع( قواعد أصولية وفقهية) / تقريرات - ج3

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
228 /
1

الرسالة الثالثة القول المفيد في الاجتهاد و التقليد

بقلم‏

السيّد طعان خليل الموسوي العاملي‏

2

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

3

[مقدمات التحقيق‏]

مقدمة شيخنا الأُستاذ- -:

بسم الله الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه ربّ العالمين و الصّلاة و السّلام على أشرف أنبيائه و أفضل سفرائه محمّد و عترته الطاهرين، حجج اللّه على بريته، و خلفائه في أرضه.

أمّا بعد: فهذه ثمرات بحوث حول الاجتهاد و التقليد، ألقيتها في الدورة الثالثة من دوراتنا الأُصولية على لفيف من الفضلاء و ثلة من العلماء زادهم اللّه شرفاً و علماً و عملًا، فحرروا ما ألقيت، و ضبطوا ما بينت، منهم العالم العَلَم الزكي التقي حجة الإسلام السيد طعّان خليل الموسوي العاملي- دامت إفاضاته-، فقد سرحت النظر فيما كتب و حرّر، فوجدته موافقاً لما حقّقناه من الأبحاث، فشكر اللّه مساعيه الجميلة، و بلّغه أمانيه، و جعله من العلماء العاملين و الفقهاء النافعين، و سدّده في عاجله و آجله، إنّه سميع مجيب.

جعفر السبحاني‏

10 شعبان المعظم- 1415 ه-

الحوزة العلمية

4

مقدمة المؤلف:

بسم الله الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه ربّ العالمين و الصّلاة و السّلام على أشرف بريّته و أفضل خليقته محمّد و آله الطيّبين الطّاهرين.

أمّا بعد: لمّا انتهى شيخنا الأُستاذ- ()- في دورته الثالثة في البحوث الأصوليّة- إلى خاتمة المباحث- أعني: مسألة الاجتهاد و التّقليد، رأيتها طويلة الذيل مترامية الأطراف، فأحببت أن أفردها و أفصلها عن سائر المباحث الأصوليّة التي قمت بتحريرها و قد عرضت ما كتبت في المقام على شيخنا الأُستاذ- - فطالع فاستحسن و أجاز نشره، و ألتمس من إخواني الكرام أن يمنّوا و يتفضّلوا عليّ بالصّفح عمّا يبدو لهم من خطأ و زلل، و أن يدعوا لي بالخير في مظانّ الإجابة، وفّقنا اللّه جميعاً للعلم و العمل الخالصين لوجهه الكريم إنّه ذو الفضل العميم، عليه توكّلت و إليه أنيب.

الأقلّ: طعّان خليل الموسويّ‏

نزيل قم المقدسة

الأوّل من جمادي الآخرة من عام (1415) ه-

5

[تمهيد]

قال شيخنا الاستاذ- -:

بسم الله الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه ربِّ العالمين، و الصلاة و السلام على أشرف خلقه محمد و آله الطاهرين.

الكلام في الاجتهاد و التقليد:

فنقول:

الأركان الثلاثة لإدارة المجتمع:

إنّ من سَبَرَ ( (1)) الكتب الفقهيّة و أمعنَ النّظرَ في سائر المصادر يقف على أنّ الشّريعة الإسلاميّة اعتمدت في إدارة المجتمع على أركان ثلاثة، لكلّ شأنه و موقفه، و لا يستغني عنها أهل الدّين في زمان من الأزمنة، و أنّ رحى الحياة في جميع الدّوائر تدور عليها.

____________

(1) سبر: تأمّل جيّداً، يقال: سبرت القوم: أي تأمّلتهم واحداً بعد واحد.

6

الأوّل: السّائسُ ( (1)) و الحاكم:

هذا هو الرّكنُ الأوّل لإدارة المجتمع، و المقصود منه وجود قوّة تنفيذيّة تطبّق ما جاء به صاحب الشّريعة في مجالات مختلفة، و في ظلّ هذه القوّة المتمثّلة في الحاكم الإسلاميّ، يرفرفُ الأمن في البلاد، و تجبى الصّدقاتُ و الزّكواتُ، و تجرى الحدود و الأحكام على العصاة و الطّغاة، و تحفظ ثغور البلاد من عداء الكفّار و تسلّلهم إلى أجوائها و أراضيها، فيسدّ الحاكم الأمر عليهم إلى غير ذلك من وظائف السّائس في مجال ترويج الاقتصاد و التجارة و بسط العدل و القسط، و صيانة الأُمّة من كلّ ظلم و تعدّ و ما شابهها. و تختلف وظائف السّائس قلّة و كثرة حسب اختلاف الحضارات و البيئات المحيطة به.

قال سبحانه:- (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وَ آتَوُا الزَّكاةَ وَ أَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَ نَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَ لِلَّهِ عاقِبَةُ الْأُمُورِ) (الحج/ 41).

و قال الإمام الرّضا (عليه السلام): «إنّا لا نجدُ فرقة من الفرق و لا ملّة من الملل بقوا و عاشوا إلّا بقيّم و رئيس لما لا بدّ لهم منه في أمر الدّين و الدّنيا، فلم يجز في حكمة الحكيم أن يترك الخلق ممّا يعلم أنّه لا بُدّ لهم منه و لا قوام لهم إلّا به، فيقاتلون به عدوّهم و يقسمون فيئهم، و يقيمون به جمعتهم و جماعتهم و يمنع ظالمهم من مظلومهم ...» ( (2)) هذا، و قد عبّر عن السّائس في الرّوايات بالحاكم و السّلطان و الإمام إلى غير ذلك.

____________

(1) من ساس يسوس سياسة، و هو المتولّي و المدبّر لأمور النّاس كالأمراء و الولاة. و جمعه: ساسة و سوّاس. و السّياسة: استصلاح الخلق بإرشادهم إلى الطريق المنجي عاجلًا أو آجلًا.

(2) علل الشرائع للصّدوق، باب (182): علل الشرائع و أصول الإسلام، ح 9 حديث طويل ذو فروع متعدّدة، اقتبس الشيخ الأستاذ منه ما في ص 253 و هو عن أبي محمّد الفضل بن شاذان النيسابوريّ عن مولانا أبي الحسن عليّ بن موسى الرّضا (عليه السلام) راجع ص 275.

7

الثّاني: القاضي و الفاصل للخصومات:

هذا هو الركن الثّاني لإدارة المجتمع الإسلاميّ بل مطلق المجتمع البشريّ، لأنّ الحياة الفرديّة لا تثير أيّ اختلاف و نزاع بخلاف الحياة الاجتماعية، فإنّ الاختلاف فيها وافر من جهات و نواحي عديدة، كالتّزاحم و التّصادم في الحقوق و الأموال، إمّا طمعاً في حقوق الآخرين و أموالهم و أعراضهم، و إمّا جهلًا بالحكم و الوظيفة العمليّة و اعتقاداً بملكيّة ما ليس يملكه، فلا مناص حينئذ عن وجود قوّة قضائيّة و سلطة نافذة فاصلة للخصومات تحلّ العقد ببنان العدل و الإنصاف، و في ضوء القانون النّازل من اللّه سبحانه، و إلى ذلك يشير قوله سبحانه خطاباً لداود (عليه السلام) (يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى‏ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ بِما نَسُوا يَوْمَ الْحِسابِ‏) (ص/ 26).

و قال مخاطباً لنبيّه: (وَ إِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ‏) (المائدة/ 42) و قال سبحانه: (وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَ مُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِ‏) (المائدة/ 48) و قال سبحانه: (وَ أَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَ لا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَ احْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ‏) (المائدة/ 49).

و ليس المراد من الحكم في الآيات هو الحكم فيما يرجع إلى الأُصول و العقائد، بل المراد هو الحكم في مجال الفروع و ذلك بوجهين:

1- قوله سبحانه: (وَ كَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَ عِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَ ما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ‏) (المائدة/ 43) فانّه بحكم قوله:

8

(يُحَكِّمُونَكَ وَ عِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ‏) صريح في كون مجال الحكم هو الفروع.

2- ما روي في شأن نزول الآيات عن الإمام الباقر (عليه السلام) و جماعة من المفسّرين: انّ امرأة من خيبر ذات شرف بينهم زنت مع رجل من أشرافهم و هما محصنان، فكرهوا رجمهما، فأرسلوا إلى يهود المدينة و كتبوا إليهم أن يسألوا النبي عن ذلك طمعاً في أن يأتي لهم برخصة ... ( (1)).

و الآيات و إن كانت خطاباً للنبي الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لكنّه من قبيل «إياك أعني و اسمعي يا جارة» فهي تدل بوضوح على أنّ القاضي في مظنّة اتباع الهوى، معرضاً عن الحقّ، و إنّ المترافعين ربما يفتنونه عن القضاء بما أنزل اللّه، و عليه فلا يتصدى ذلك المقام إلّا من امتحن اللّه قلبه، للتقوى، و امتلأت جوانحه بالخوف و الخشية. و يكفي من السنة، ما روي: «لسان القاضي بين جمرتين ( (2)) من نار حتى يقضي بين الناس فإمّا إلى الجنّة و إمّا إلى النار» ( (3)).

و روى المفيد مرسلًا عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «فإنّ من جعل قاضياً فقد ذبح بغير سكين» ( (4)).

إلى غير ذلك من الآيات و الروايات الناصّة على خطورة الموقف و عظمة المسئولية للقاضي.

الثالث: المفتي و المجتهد:

هذا هو الرّكن الثّالث لإدارة المجتمع الإسلاميّ، فإنّ الإسلام ليس مجرّد

____________

(1) الطبرسيّ: مجمع البيان: 2/ 193، ط. صيدا.

(2) الجمرة: النّار المتقدة.

(3) الوسائل: 18، الباب 2 من أبواب صفات القاضي ح 3.

(4) المصدر نفسه: الباب 4 من أبواب صفات القاضي ح 8.

9

أوراد ( (1)) و طقوس ( (2)) لا تتجاوز عدّة آداب و أدعية يلقيها القسّ ( (3)) في الكنائس كما عليه النّصرانيّة، بل هو تشريع مسهب كامل فيه حياة الفرد و المجتمع عاجلًا و آجلًا، يغنيهم عن الاستعانة بأيّة قوة تشريعيّة أجنبيّة غربيّة أو شرقيّة، في مجال العبادات و المعاملات و الأحوال الشّخصية و السياسات و القضاء و الشّهادات.

إنّ التّشريع في الإسلام من خلال ألوان إعجازه و آيات صلته بقوّة غير متناهية، استطاع إغناء المجتمع البشريّ- في كل ما يمت بصلة إلى حياته الفرديّة و الاجتماعيّة و السياسية و الخلقيّة و البيئيّة- عن أيّ نظام تشريعيّ آخر.

إنّ هذه الجهات الثلاثة (الحكومة و القضاء و الإفتاء) ( (4)) قد تجتمع في شخص واحد كما في الرسول الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و أوصيائه (عليهم السلام) و قد لا تجتمع في شخص، لضرورات اجتماعيّة توجب تقسيم الوظائف و المناصب، و مثل هذا لا يعني فصل الدّين عن السياسة.

نعم، إنّ النّاس في زمن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) كانوا في غنى عن بذل أيّ جهد و تحمّل سعي في الوقوف على ما جاء به (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في تلك المجالات لإمكان السّؤال منه، و كان المسلمون كثيراً ما يسألونه و يستفتونه فيوفّيهم الجواب، قال سبحانه: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ ...) (النساء/ 176). و لمّا ارتحل الرّسول الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و تفرّق المسلمون في أنحاء العالم صعب على الجميع الوقوف على الحكم الشّرعيّ‏

____________

(1) أوراد، جمع ورْد و هو الجزء، من قرأتُ وردي.

(2) طقوس جمع طقس، و هو الطريقة، و غلب على الطريقة الدينية (نصرانيّة دخيلة). أقرب الموارد: 1/ 710.

(3) القسُّ في الصحاح كفلْس: رئيس من رؤساء النّصارى في الدّين و العلم. و كذلك القسِّيس، و السّريانيّة لغتهم، و كذلك الجاثليق.

(4) إنّ الفرق بين الفتوى و حكم القاضي واضح، و هو أنّ الفتوى إخبار عن الحكم الكلّي و ليس له أثر إلّا تنجّز الواقع، و أمّا القضاء فهو إنشاء حكم جزئيّ مطابق للحكم الكلّي الصادر من اللّه تعالى.

و إن شئت قلت: حكم جزئيّ في مورد شخصي، و يفترق عن حكم الحاكم باشتراط سبق النّزاع في القضاء دون حكم الحاكم في الأُمور العامّة. (منه حفظه اللّه).

10

من عين صافية، لعدم جمع السنّة النبويّة في معجم تصل إليه كلّ يد، و ظهور المسائل المستحدثة غير الموجودة في الكتاب و السنّة، و اختفاء القرائن الحاليّة المتّصلة بالكتاب و السنّة، إلى غير ذلك من الأُمور التي دفعت أعلام الأُمّة إلى بذل الجهد في طريق استنباط الأحكام الشرعية، و كلّما ازداد البعد عن منبع الوحي، و كثر تطرّق الجعل و الدسّ في الروايات و عروض الاشتباه و السّهو، صار الاجتهادُ أمراً مشكلًا لا يتحمّله إلّا الأمثل فالأمثل.

و لو افترضنا أنَّ أهل المدينة مثلًا كانوا في غنى عن الاجتهاد بعد رحيل الرّسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) للتمكّن من الاتّصال بأهل البيت (عليهم السلام)، إلّا أنّ أهل سائر البلاد و خصوصاً البلاد الشّرقيّة يوم ذاك كخراسان، كانوا منقطعين عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) و لم يكن كلّ النّاس متمكّناً من شدّ الرّحال إلى المدينة و لقاء الإمام (عليه السلام) و السؤال منه ( (1)).

و لذلك لم يكن بدّ من قيام جماعة تتحمّل مشقّات و متاعب السّفر و النّفر، (وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ ...) (التوبة/ 122).

و كان المتمثل لهذا الأمر (الإفتاء) هو المجتهد الّذي يتحمّل جهوداً كثيرة للتّوصل إلى الحكم الشّرعي.

هذا و إنّ لتاريخ الاجتهاد و سَيْرهِ بين الأُمّة الإسلامية بحثاً مفصّلًا سنقوم بعرضه في بحوثنا حول تاريخ الفقه و طبقات الفقهاء الّذي هو في يد التأليف بمعاضدة فريق من الفضلاء، و عليه، فليس للاخباريّ أن ينكر الاجتهاد بهذا المعنى الّذي فرضته الضرورات الاجتماعيّة على ذوي المواهب، و هنا فصلان، فنقول:

____________

(1) روى عليّ بن المسيّب الهمدانيّ قال: قلت للرّضا (عليه السلام): شقتي بعيدة، و لستُ أصل إليك في كلّ وقت، فممّن آخذ معالم ديني؟ قال (عليه السلام): من زكريّا بن آدم القمّي المأمون على الدّين و الدّنيا، قال عليّ بن المسيّب: فلمّا انصرفت قدمنا على زكريّا بن آدم، فسألته عمّا احتجت إليه. الوسائل: 18/ 106 ح 27، الباب 11 من أبواب صفات القاضي.

11

الفصل الأوَّل في الاجتهاد

الاجتهاد لغة و اصطلاحاً.

أحكام الاجتهاد.

في تصدّي المقلِّد للقضاء.

الاجتهاد التجزّئي.

فيما يتوقّف عليه الاجتهاد.

الاجتهاد في عصر الصحابة و التابعين.

شبهة حول الاجتهاد الدارج في عصرنا.

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

الاجتهاد لغةً و اصطلاحاً

الاجتهاد مأخوذ من الجهد بضمّ الجيم بمعنى الطّاقة و الوسع، و بفتحها بمعنى المشقّة، و قيل: هما لغتان في الوسع و الطّاقة، فإذا كان من باب الافتعال يراد منه إمّا تحمّل الجهد و المشقّة، فيقال: اجتهد في حمل الرّحى و لا يقال: اجتهد في حمل الخردلة، و إمّا بذل الوسع و الطّاقة في طلب الشي‏ء، و لعلّ المعنيين (تحمل المشقّة و بذل الطّاقة) متقاربان ( (1)).

أمّا في اصطلاح الأُصوليّين، فقد ذكروا له تعاريف كثيرة سيوافيك مع كثرتها و الاجتهاد من المفاهيم ذات الإضافة، أي لها إضافة إلى المجتهِد و المجتهَد فيه. و قبل الخوض في بيانهما لا بدّ من تعريف الاجتهاد القائم بالأمرين المذكورين (المجتهد و المجتهد فيه) فنقول:

1- عرّفه الغزاليّ: «بذلُ المجتهد وسعه في طلب العلم بأحكام الشّريعة، و الاجتهاد التّام أن يبذل الوسع في الطّلب بحيث يحسّ من نفسه بالعجز من مزيد الطّلب» ( (2)).

____________

(1) راجع لسان العرب: 2/ 395 و 397.

(2) المستصفى: 2/ 350 للغزالي: (450- 505 ه-).

14

2- و عرّفه الآمديّ: «استفراغ الوسع في طلب الظنّ بشي‏ء من الأحكام الشرعيّة على وجه يحسّ من النّفس العجز عن المزيد فيه» ( (1)).

3- و عرّفه الحاجبيّ: «استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظنّ بحكم شرعيّ» ( (2)).

هذا و يرد على التعريف الأوّل- مضافا إلى اشتماله على الدّور الواضح من أخذ المعرّف في التّعريف ( (3))- أنّ الغاية للمجتهد أعمّ من تحصيل العلم بالحكم الشرعي، فربمّا لا يتمكّن من تحصيل العلم به، و لكن يتمكّن من تحصيل الحجّة القطعيّة عليه، و كون الحجّة قطعيّة، لا يلازم كون مفاده قطعيّاً و علماً واقعياً بالحكم الشرعيّ كما في الخبر الواحد القائم على حكم من الأحكام ( (4)).

و يردُ على الأخيرين بأنّ الظنّ إمّا أن يقوم دليل قطعيّ على حجيّته أو لا، و على الثّاني لا عبرة به و لا قيمة له في مجال الاجتهاد، و على الأوّل يكون المدلول ظنيّاً و في الوقت نفسه يكون حجّة قطعيّة على الحكم الشرعيّ، فالأولى حذف الظنّ و إقامة الحجّة مقامه.

و يتوجّه على الثّلاثة: أنّ الغاية للمجتهد ليست تحصيل العلم أو الحجّة

____________

(1) الإحكام: 4/ 169 للآمدي (551- 631 ه-).

(2) شرح مختصر الأصول-: 460 عند الكلام عن الاجتهاد.

(3) لأنّ المراد من المجتهد هو العالم الفعليّ بالأحكام الشرعية الفرعيّة عن أدلّتها و مداركها، لا صاحب الاستعداد، فالفقيه بهذا المعنى ممّا يتوقّف فهمه على فهم الاجتهاد، فيلزم الدور.

(4) قيل: إنّ أخذ العلم في تعريف الاجتهاد ليس لموضوعيّته بالخصوص بل لكونه مصداقاً من مصاديق الحجّة، و المناط كلّه في تحصيل الحجّة سواء كان علماً أو غيره.

15

الشّرعية على الحكم الشّرعيّ بل الأعمّ منه و من تحصيل الحجّة على الوظيفة الفعليّة، كالظنّ على الحكومة و الأصول العقليّة كالبراءة و الاشتغال العقليّين، فإنّها حجج عقليّة لا يستنبط منها حكم شرعي مباشرة، و أمّا استنباط الحكم الشرعيّ من الحكم العقليّ فهو- على القول بالملازمة- أمر آخر غير محتاج إليه.

و ربّما يعرّف بما نقله المحقّق الخراساني بأنّه: «ملكة يقتدر بها على استنباط الحكم الشّرعيّ الفرعي من الأصل فعلًا أو قوّة قريبة» ( (1)).

قوله: «فعلًا أو قوّة قيدان للاستنباط لا للملكة للزوم فعليّة الملكة، و المراد من الأوّل هو الاقتدار على الاستنباط الفعليّ بلا حالة انتظاريّة غير المراجعة الاختيارية. و المرادُ من الثاني هو من كانت له حالة انتظارية من غير تلك الجهة أيضاً، لأجل عروض عارض خارجيّ كفقد الأسباب و الكتب، لا مطلق الجهات و إلّا يشمل العاميّ المستعدّ للتعلّم. هذا

و يردُ على التعريف المذكور: أنّ الغاية من الاجتهاد أعمّ من استنباط الحكم الشّرعيّ الفرعيّ أو الوظيفة الفعليّة كما في مجاري الأصول.

ثمّ إنّ تفسير الاجتهاد بالعلم بالأحكام كما في تعريف الغزالي، يوجب اتّحاد تعريفه مع تعريف الفقه. و هذا بخلاف ما إذا فسّر بالملكة فيتغاير معه.

و اعلم أنّ الاجتهاد وقع موضوعاً لأحكام عديدة- تارة بالمعنى الأوّل أي المستنبط بالفعل، و أُخرى بالمعنى الأخير: أي من له الملكة حالة عدم تصدّيه للاستنباط خارجاً و تحصيل الحجّة على الأحكام الشرعيّة- و لا يتوقّف البحث عن هذه الأحكام على تحقيق معنى الاجتهاد اصطلاحاً، إذ ليس هو بالمعنى المصطلح موضوعاً للحكم الشرعيّ حتى نبذل الجهد في تحديده، بل الموضوع إمّا المستنبط

____________

(1) نقله المحقق الخراسانيّ في كفايته: 2/ 422 عن الشيخ بهاء الدين العاملي (رضي الله عنه) في زبدة الأصول: 115 المنهج الرّابع في الاجتهاد و التّقليد.

16

فعلًا أو الأعمّ منهُ و من المستنبط بالقوّة القريبة.

[أحكام الاجتهاد]

و أمّا هذه الأحكام فهي عبارة عن أُمور أربعة:

الأوّل: يجوز للمجتهد أن يعمل برأي نفسه.

الثاني: يحرم للمجتهد الرّجوع إلى الغير.

الثالث: يجوز للعامّي الرّجوع إلى المجتهد و تقليده.

الرابع: ينفذ قضاءُ المجتهد و حكمه.

أمّا الحكم الأوّل: جواز العمل برأي نفسه:

فنقول: الموضوع فيه ليس صاحب الملكة المحضة الّذي لم يتلبّس بعد بالاستنباط فعلًا. بل من تلبّس به، و أمّا علّة الجواز ( (1)) فلأنّه إمّا عالم بالحكم الواقعيّ وجداناً، أو تعبداً بفضل الدليل، الثابتة حجيته بالدّليل القطعي كما في موارد الطّرق و الأصول الشرعيّة، و إمّا عالم بالوظيفة الفعليّة العمليّة كما في موارد الأصول العقليّة، و ما للعالم إلّا العمل بعلمه.

و أمّا الحكم الثّاني: حرمة رجوعه إلى الغير:

فهل الموضوع للحرمة مطلق المتمكن من استنباط الأحكام الشّرعية- و لو لم يتلبّس بالاستنباط- كما عليه الشّيخ الأعظم و المحقّق الخوئي (رضي الله عنه) ( (2)) و غيرهما، أو

____________

(1) المراد به الجواز بالمعنى الأعمّ الصّادق على الوجوب.

(2) التنقيح: 1/ 30، قال (رضي الله عنه): و عن شيخنا الأنصاريّ (قدس سره) في رسالته الموضوعة في الاجتهاد و التقليد، دعوى الاتفاق على عدم الجواز، لانصراف الاطلاقات الدّالة على جواز التقليد عمّن له ملكة الاجتهاد، و اختصاصها بمن لا يتمكّن من تحصيل العلم بها. و ما أفاده (قدس سره) هو الصحيح و ذلك لأنّ الأحكام الواقعيّة قد تنجّزت على من له ملكة الاجتهاد، بالعلم الإجمالي أو بقيام الحجج و الأمارات عليها في محالّها، و هو يتمكّن من تحصيل تلك الطرق، إذاً لا بدّ له من الخروج عن عهدة التكاليف المتنجّزة في حقّه، و لا يكفي في ذلك أن يقلِّد الغير، إذ لا يترتّب عليه الجزم بالامتثال، فإنّه من المحتمل أن لا تكون فتوى الغير حجّة في حقّه لوجوب العمل بفتيا نفسه و نظره، فلا يُدرى أنّها مؤمِّنة من العقاب المترتّب على مخالفة ما تنجّز عليه من الأحكام الواقعية، و العقل قد استقلّ بلزوم تحصيل المؤمِّن من العقاب، و مع الشك في الحجيّة يبنى على عدمها، فإنّ الشكّ في الحجيّة يساوق القطع بعدمها ...- ثمّ قال (رضي الله عنه) (ص- 32):- و المتحصّل أنّ من له ملكة الاجتهاد- سواء لم يتصدّ للاستنباط أصلًا أو استنبط شيئاً قليلًا من الأحكام- لا بد له من أن يتبع نظره و يرجع إلى فتيا نفسه، و لا يجوز أن يقلّد غيره، و الإجماع المدّعى في كلام شيخنا الأنصاري (رضي الله عنه) أيضاً مؤيِّد لما ذكرناه، لعدم كونه إجماعاً تعبّديّاً».

17

المتمكّن المتلبّس بالاستنباط كما عليه صاحب المناهل؟ نقول:

قال الشيخ الأنصاريّ (رضي الله عنه) في رسالته الّتي ألّفها في الاجتهاد و التّقليد: «فاعلم أنّه لا إشكال في أنّه يجوز التّقليد للعامّي الصّرف، و كذا العالم غير البالغ مرتبة الاجتهاد، و هل يجوز لمن له ملكة الاجتهاد، التقليد فيما لم يجتهد فيه فعلًا أم يتعيّن عليه الاجتهاد؟ قولان: المعروف عندنا العدم، بل لم ينقل الجواز عند أحد منّا، و إنّما حكي عن مخالفينا على اختلاف منهم في الإطلاق و التفصيلات المختلفة. نعم اختار الجواز بعض سادة مشايخنا في مناهله، و عمدة أدلة القائلين بالمنع عبارة عن الأُمور التالية:

الأوّل: الأصل بتقريرات مختلفة.

الثاني: عموم الأدلة الدّالة على وجوب الرّجوع إلى الكتاب و السنّة في الأحكام خرج منها القاصر عن ذلك.

و عمدة أدلة الجواز أمران:

الأوّل: استصحاب جواز التقليد.

الثاني: عموم السّؤال من أهل الذكر» ( (1)).

____________

(1) مجموعة رسائل فقهيّة و أصوليّة: 53- 54.

18

أقول:

الظّاهر أنّ القائل بالجواز في غنىً عن التمسّك بالاستصحاب ( (1)) أو عموم آية الذّكر ( (2)) لأنّ الدّليل الوحيد على جواز الرّجوع إلى أصحاب التّخصّص هو السيرة (سيرة العقلاء). و ما ورد في الشّرع إمّا مؤكّد لها أو مبيّن للمصداق.

فقوله سبحانه: (فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ ...*) مؤكّد لحكم العقل، و قوله (عليه السلام): «و أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أصحابنا ...» ( (3)) مبيّن للمصداق و ليس مؤسّساً للحكم.

و الذي يجب التركيز عليه هو شمول السّيرة لأمثال المقام و عدمه. و الظّاهر شمولها خصوصاً إذا كان المرجع أعلم و أفقه من الرّاجع، و بما يرجّح الرّجوع إليه، و عند ذلك يسقط الاستدلال على عدم الجواز بأصالة عدم حجيّة رأي أحد في حقّ أحد.

و أمّا ما دلّ على الرّجوع إلى الكتاب و السنّة فهو باق على عمومه لم يخرج منه‏

____________

(1) مضافاً إلى انّه لا معنى لجريان الاستصحاب في المقام، لاختلال شرط إحراز بقاء الموضوع، فإنّ القادر على الاستنباط و إن لم يستنبط فعلًا ليس العامّي المحض.

(2) سيأتي الكلام حول الأدلّة النقليّة.

(3) الوسائل: 18/ 101 ح 9، الباب 11 من أبواب صفات القاضي، قال صاحب الوسائل: و في كتاب (إكمال الدين و إتمام النعمة) عن محمّد بن محمّد بن عصام عن محمّد بن يعقوب عن اسحاق بن يعقوب ... الحديث: هذا حديث طويل في إكمال الدّين (2/ 162) و إسحاق بن يعقوب مجهول لم يعرف في الرّجال. و قال في الخاتمة ص 138 رقم 138: إسحاق بن يعقوب: روى الكشيّ توقيعاً يتضمّن مدحه.

و قال في تنقيح المقال: 1/ 122 رقم 727: لم أقف فيه إلّا على رواية الشيخ (رضي الله عنه) في كتاب الغيبة عن جماعة ... الخ و ذكر بعض الحديث، و في آخره: و السّلام عليك يا إسحاق بن يعقوب و على من اتّبع الهدى.

19

أحد حتّى العامّي غير أنّ الرّجوع تارة يكون مباشرة (بالاجتهاد) و أُخرى بلا مباشرة (بالتّقليد)، و مرجع الكلّ في الحقيقة هو الكتاب و السنة، و ليس ما دلّ على الرجوع، ظاهراً في خصوص الرّجوع المباشريّ.

و تظهر قوّة جواز الرّجوع و التّقليد، لو وقفنا على أنّ مناط حجيّة اجتهاد المجتهد هو الطريقيّة، فعليه نقول: تعيّن رجوعه إلى اجتهاد نفسه مع كون كليهما طر يقين إلى الواقع يحتاج إلى الدّليل.

نعم إذا استنبط و خالف الآخر لا يصحّ له الرّجوع إلى الغير، لأنّه يخطّئهُ باجتهاده، دون ما إذا لم يستنبط.

فإنّ قلت: إنّه يعلم أنّه لو قام بالاستنباط لخالف الآخر في بعض آرائه، و معه كيف يجوز الرّجوع إليه.

قلت: إنّ العلم بالمخالفة ليس في دائرة محصورة، بل في مجموع أبواب الفقه الكثيرة، الخارج أكثرها عن محلّ الابتلاء، و مثل هذا العلم غير منجّز في باب العلم الاجماليّ.

ثمّ على ما ذكره الشّيخ يكون الموضوع لجواز الرّجوع إلى نفسه هو المستنبط بالفعل الّذي استنبط الأحكام الشّرعية الفرعيّة و صار عارفاً بها، و الموضوع لحرمة الرّجوع إلى الغير أوسع من ذلك و أعمّ، أي شموله للمستنبط بالقوّة، و هذا على خلاف ما ذهبنا إليه، فإنّ الموضوع لجواز الرّجوع إلى نفسه و حرمة الرّجوع إلى الغير و تقليده، يكون شيئاً واحداً و هو المستنبط بالفعل.

أمّا الحكم الثّالث: جواز رجوع العامّي إلى المجتهد و تقليده:

فسيوافيك دليله في الفصل الخاصّ بجواز رجوع العامّي إلى المجتهد، و الغرض في المقام هو بيان أحكام عنوان المجتهد عقلًا أو شرعاً.

20

فنقول: إنّ جواز الرّجوع و التّقليد منحصر في من عرف الأحكام و استخرجها من الأدلّة الشّرعية المتعارفة المقرّرة، و لا يشمل الواقف على الحكم من الطرق غير المألوفة و المعهودة، كالرّمل و الجفر و الاسطرلاب ( (1))، و ذلك لانصراف الأدلّة عن مثله.

نعم يبقى هنا بحث و هو: هل يجوز تقليد المجتهد القائل بالانسداد أو لا؟

نقول:

هذا هو الّذي عنونه صاحب الكفاية في المقام بعد تقسيم الاجتهاد إلى المطلق و المتجزّي، و كان عليه أن يبحث فيه قبل ذلك التقسيم، فإنّه (رحمه الله) سوف يتعرض لأحكام المتجزّي، و قد اختار- قدّه- عدم الجواز، و استدل عليه:

أوّلًا: أنّ المجتهد الانسداديّ إمّا أن يقول بحجيّة الظنّ من باب الحكومة أو من باب الكشف، فعلى الأوّل ليس هو عالماً بالأحكام الشرعية، لأنّ معناه هو أنّ الاحتياط المطلق في المظنونات و المشكوكات و الموهومات لمّا كان أمراً حرجيّاً أو مخلًا للنّظام، استقلّ العقل حينئذ بالتبعيض في الاحتياط بتقديم المظنونات على غيرها، فيكون العمل بالظنّ عملًا بالاحتياط، و هو ليس علماً بالحكم الشّرعيّ، فلا يشمله دليل التقليد الذي يركز على رجوع غير العالم إلى العالم، بل هو أشبه برجوع غير العالم إلى مثله.

و ثانياً: أنّ مقتضى مقدّمات الانسداد ليست إلّا حجيّة الظّن عليه لا على غيره ( (2))، فلا بدّ في حجيّة اجتهاد مثله على غيره من التماس دليل آخر غير دليل التقليد، و غير دليل الانسداد الجاري في خصوص حقّ المجتهد.

____________

(1) منجد اللّغة: ص 10- 11 مادّة: أسط: الأسطرلاب: آلة رصد قديمة، لقياس مواقع الكواكب و ساعات الليل و النّهار و حلّ شتى القضايا الفلكيّة، و هو أنواع: مسطّح، أكري، خطي (يونانيّة).

(2) هذا الدّليل مشترك بين القول بالحكومة و الكشف، و سيعود (قدس سره) إليه أيضاً عند الكلام في جواز الرّجوع إلى المجتهد القائل بالكشف.

21

هذا و الّذي يمكن أن يكون دليلًا على حجيّة الظّن الانسداديّ في حقّ العامّي أمران:

الأوّل: الإجماع على جواز التّقليد.

الثاني: جريان مقدّمات دليل الانسداد في حقّ العاميّ بحيث تكونُ منتجة لحجّية الظّن الثابتة حجّيّته بمقدّماته أيضاً.

و الدّليل الأوّل باطل لعدم الاجماع تحقّقاً، حيث إنّ المسألة من المستحدثات، و كذلك الثّاني لعدم جريان مقدّمات دليل الانسداد في حقّ العامّي، و ذلك لأنّ من مقدّماته (أي المقدّمة الثالثة) بطلان تقليد المجتهد الانسداديّ للقائل بالانفتاح، و ذلك لأنّ الانسداديّ يخطّئُ الانفتاحيّ، فلا يمكن تقليده، و هذا بخلاف العاميّ، لتمكّنه من تقليد الانفتاحيّ.

و لو فرض انحصار المجتهد بالانسداديّ فلا يلزم من ترك العمل بقوله و اللّجوء إلى الاحتياط، محذور اختلال النّظام و إن لزم منه العسر، فيتعيّن عليه الاحتياط و إن استلزم العسر ما دام قاصراً عن إثبات عدم وجوب الاحتياط مع فرض العسر.

هذا كلّه إذا كان المجتهد قائلًا بحجيّة الظّن من باب الحكومة، و أمّا لو كان قائلًا بحجيّته من باب الكشف، فالّذي يستنبطه و إن كان حكماً شرعيّاً، و يكونُ الرّجوع إليه من قبيل رجوع الجاهل إلى العالم، إلّا أنّ أدلّة التقليد لا تساعد على جواز الرّجوع إليه لاختصاص حجّية الظنّ بمن جرت في حقّه‏

22

مقدّمات الانسداد دون غيره. (انتهى المراد من كلامه (رضي الله عنه) بتصرّف منّا).

يلاحظ عليه أوّلًا: أنّ دليل الجواز، ليس جريان مقدّمات الانسداد في حقّ العامّي حتّى يقابل بما سمعت، بل جريان الانسداد في حقّ المجتهد كاف في عموميّة النتيجة و شموليّتها له و لغيره، و اختصاص حجيّة الظنّ بمن جرت في حقّه مقدّمات الانسداد ممنوع، و ذلك لأنّه بعد طيّ العقبات و المراحل، لا يستنبط إلّا حكماً كليّاً أو وظيفة كليّة لا شخصيّة لنفسه، فقيامه بالإجراء كاف في شمول الحجّية ( (1)).

هذا و إنّ القول بجريان مقدّمات الانسداد في حقّه دون غيره لعدم وجود مباديها في الغير، لا يوجب اختصاص النتيجة به، و ذلك لما ذكرناه من كون الحكم المستنبط و الوظيفة كذلك، كليّين.

و بالجملة: قوام مقدّمات الانسداد به و جريانها في حقّه دون غيره، لا يصير دليلًا على خصوصيّة النتيجة مع فرض الوظيفة الإلهيّة كليّة لعامّة المكلّفين.

و المقام أشبه بالتّقليد في نتائج الأُصول، فإنّه ليس للعاميّ يقين و لا شكّ و ليس عارفاً بشرائط الأُصول، و مع ذلك يكون الحكم المستنبط بالأُصول نافذاً في حقّ الجميع، فإنّ استصحاب النجاسة في الماء المتغيّر الزّائل تغيّرُه بنفسه، حجّة على الجميع، لأنّ المستصحب حكم اللّه المشترك بين الكلّ، لا الحكم المتوجّه إلى المستنبط خاصة، و إن كانت مقدّمات الاستنباط قائمة بالمجتهد و ليس للعامّي حظّ فيها.

و ثانياً: أنّ مورد التّقليد لا ينحصر بما إذا كان الموجود حكماً من أحكام اللّه الفرعية، بل يكفي فيه كونه وظيفة لازمة على العباد، و الانسداديّ على الحكومة و إن لم يستنبط حكم اللّه الفرعيّ إلّا أنّه استنبط الوظيفة العامّة للعباد، نظير استنباط الانفتاحيّ بالأُصول العقليّة كالبراءة و الاشتغال العقليّتين.

____________

(1) و بعبارة أُخرى أنّ العقل لا يفرّق في رجوع الجاهل بالوظيفة إلى العالم بها بين الانفتاحيّ القائل بانحلال العلم الإجماليّ بما في موارد الظنون الخاصّة و بين الانسداديّ القائل بعدم انحلاله، فكما أنّ الأوّل عالم بالوظيفة الشرعيّة الظّاهرية كذلك الثاني عالم بالوظيفة العقلية الظاهرية و هو الأخذ بالأقرب إلى الواقع، لعلمه بعدم الوظيفة الشرعية.

23

ثمَّ إنّ المحقّق الخراساني (رضي الله عنه) لمّا التفت إلى أنّ منع الرّجوع إلى المجتهد الانسداديّ بحجّة أنّه غير عالم بالحكم الشرعي يستلزم منع رجوع العامّي إلى المجتهد الانفتاحيّ فيما إذا انحصر مدركه في الاستنباط بالأُصول العقليّة، قال مستشكلًا: «إن قلت: رجوعه إليه في موارد فقد الامارة المعتبرة عنده التي يكون المرجع فيها الأُصول العقلية ليس إلّا الرّجوع إلى الجاهل.

و أجاب ما هذا حاصله: إنّ رجوع العامّي إلى المجتهد في هذه الموارد إنّما هو لأجل تشخيص الصّغرى و هو عدم وجود أمارة في هذا المورد، و أمّا الكبرى فيستقلّ عقل العامّي بها، فمع فقد الأمارة المعتبرة تكون الوظيفة الفعليّة هي البراءة أو الاحتياط. (انتهى) ( (1)).

يلاحظ عليه: إنّ ما ذكره أشبه بالمزاح، إذ من المعلوم أنّ تشخيص الصغرى في موارد الشّبهات البدويّة أو أطراف العلم الإجماليّ من وظائف الفحول الذين كرّسوا حياتهم في تلك المباحث، فأين للعاميّ تشخيص الصّغرى في تلك الموارد.

و العجب أنّ المحقّق الخوئيّ (رضي الله عنه) أيّد المذكور آنفاً بقوله: الرّجوع إلى المجتهد في موارد الأُصول العقلية ليس من جهة التقليد في الحكم الشرعيّ، بل من جهة الرّجوع إليه في تشخيص موضوع حكم العقل، حيث إنّه من أهل خبرة ذلك، فيرجع العامّي إليه في تشخيص أنّ المورد الفلاني لم تقم فيه حجّة على التكليف المحتمل، و لم يثبت فيه حكم شرعيّ واقعيّ أو ظاهريّ، فيستقل عقله بما استقلّ به عقل المجتهد بعينه. و لو فرض أنّه لم يكن أهلًا لإدراك الأحكام العقليّة المستقلة، لم يكن مانع من الرجوع في ذلك إلى أهل الخبرة أيضاً ( (2)) (انتهى المراد من كلامه (رحمه الله)).

____________

(1) كفاية الأُصول: 2/ 426.

(2) مصباح الأُصول: 3/ 439.

24

يلاحظ عليه: أنّه مع رجوعه في الصّغرى و الكبرى إلى أهل الخبرة، أ ليس ذلك هو التقليد في مجاري الأُصول العقليّة مع فقد حكم اللّه الشرعي.

و ختاماً نقول: إنّ ما يرجع إليه الانسداديّ في مقام الإفتاء هو نفس ما يرجع إليه الانفتاحيّ، فالمرجع عند الجميع هو الكتاب و السنّة و الإجماع و العقل، غاية الأمر يسمّيه الانفتاحي ظنّاً خاصّاً، و الانسداديّ ظنّاً مطلقاً، و لا يرجع إلى الظّنون الممنوعة كالقياس، نعم يرى الانسداديّ بعض الظّنون حجّة و لا يراه الانفتاحي كذلك، و ليس هذا إلّا كاختلاف الاخباريّ و الأُصوليّ من جهة حجيّة بعض الأُمور، مع اتّفاقهما على لزوم النظر و بذل الجهد.

الرابع: نفوذ حكمه و قضائه:

هذا هو الحكمُ الرّابع المترتّب على عنوان المجتهد و الفقيه في لسان الفقهاء، و البحث فيه عن أُمور ثلاثة:

الأوّل: ما هو الدّليل على نفوذ حكم المجتهد المطلق؟

الثاني: هل حكمُ المتجزّي كحكم المطلق فيما اجتهد و استنبط؟

الثالث: هل يجوز نصب المقلّد للقضاء فيما إذا مارس القضاء و عرف آدابه و أحكامه تقليداً؟

هذا و إنّ إشباع الكلام في المقامات الثلاثة موكول إلى كتاب القضاء، و إنمّا البحث في المقام حسب المناسب، غير أنّ المحقّق الخراساني (رضي الله عنه) بدل التركيز على البحث من هذه المسائل ركّز البحث على جواز القضاء للانسداديّ و عدمه الّذي لا تترتّب عليه ثمرة في أعصارنا هذه، فنقول:

25

ما هو الدّليل على نفوذ حكم المجتهد المطلق؟

اعلم بأنّ الشريعة الإسلامية الغرّاء، تشريع كامل لم يترك شيئاً ممّا له ارتباط بحياة البشر عاجلًا و آجلًا. فقد عالج تلك النّاحية الحيويّة بنصب النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و الأئمة المعصومين (عليهم السلام) حكاماً و قضاة، و اللّازم على الأُمّة الرّجوع إليهم (عليهم السلام) فيما اختلفوا فيه حكماً كان أو موضوعاً، و ليس لأحد القضاء بين النّاس إلّا بإذن منه سبحانه، و توضيحه:

إنّ القضاء بين الناس لمّا كان ملازماً للتصرّف في أموالهم و أنفسهم، احتاج التلبّسُ به إلى ولاية حقيقيّة يمارس في ظلّها ذلك التصرّف، و ليست هي إلّا للّه سبحانه، فلا ولاية لأحد على أحد و لا ينفذ قول أحد و رأيه في حقّ أحد، إنمّا الولاية للّه سبحانه، قال تعالى: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَ هُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ‏) (الأنعام- 57). و قال سبحانه: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ...) (يوسف- 40)، إلى غير ذلك من الآيات الحاصرة حقّ الحكومة في اللّه سبحانه وحده لانحصار الولاية الحقيقيّة فيه.

ثمّ إنّ من لوازم القضاء كون الممارس له، مجانساً لمن يقضي فيهم، و لأجل ذلك نصب سبحانه أنبياءه ( (1)) و أولياءه (عليهم السلام) قضاةً للنّاس يحكمون فيهم بما أنزل اللّه سبحانه و لا يحيدون عنه قيد شعرة.

قال سبحانه: (يا داوُدُ إِنَّا جَعَلْناكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَ لا تَتَّبِعِ الْهَوى‏ فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ...) (ص- 26). و قال سبحانه في حقّ نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): (وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَ لَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا

____________

(1) قال تعالى: (إنّا أنزَلْنا التّوراةَ فِيها هُدىً وَ نُورٌ يحكُمُ بها النّبيُّونَ الّذينَ أسْلَمُوا لِلّذِينَ هَادُوا و الرّبّانيُّونَ و الأحْبارُ بِما اسْتُحْفِظُوا مِن كِتابِ اللّهِ وَ كانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاء ...) (المائدة- 44).

26

أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَ اسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً رَحِيماً* فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (النساء- 64 و 65).

و قال أيضاً في حقّ الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و أُولي الأمر من الأُمّة المفسّرين بالأئمّة المعصومين (عليهم السلام) (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْ‏ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَ الرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَ أَحْسَنُ تَأْوِيلًا) (النساء- 59).

و ليس المراد من الإطاعة في هذه الآيات، هي الإطاعة في العمل بالأحكام الشرعية كإقامة الصلاة و إيتاء الزّكاة و حجّ البيت، إذ ليس للنبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و لا لغيره في تلك المجالات حكم و قضاء حتّى يُطاع، و إنمّا دورهم فيها دور المبلّغ و المبيِّن لأحكام الشّريعة، فمن شاء فليؤمن و من شاء فليكفر و ليس هو عليهم بمسيطر، بل المراد الإطاعة في فصل الخصومات و قطع المنازعات إلى غير ذلك من الموارد التي له فيها حكم طلبيّ أو زجريّ.

فهؤلاء هم القضاة المنصوبون من اللّه سبحانه بأسمائهم و خصوصيّاتهم، و أمّا بعد ارتحال النبيّ الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و أوصيائه (عليهم السلام) أو عدم التمكّن من الوصيّ المنصوب (كما في عصر الغيبة) فإنّ هذه الناحية لم تترك سدى، بل عيِّن رجال موصوفون بصفات و متّسمون بسمات لمنصب القضاء، و التفصيل موكول إلى الروايات، و إليك بعض ما ورد في ذلك المجال من الرّوايات المعتبرة:

الأُولى: مقبولة عمر بن حنظلة:

( (1))

روى الكليني (رضي الله عنه) عن محمّد بن يحيى عن محمّد بن الحسين عن محمّد بن‏

____________

(1) الأُصول من الكافي: 1/ 67 و 68، كتاب فضل العلم، باب اختلاف الحديث.

27

عيسى عن صفوان بن يحيى عن دواد بن الحصين عن عمر بن حنظلة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجلين من أصحابنا بينهما منازعة في دين أو ميراث فتحاكما إلى السلطان و إلى القضاة أ يحلّ ذلك؟ قال (عليه السلام): «من تحاكم إليهم في حقّ أو باطل فإنّما تحاكم إلى الطّاغوت، و ما يحكم له فإنّما يأخذ سحتا، و إن كان حقّاً ثابتاً له، لأنّه أخذه بحكم الطاغوت، و قد أمر اللّه أن يكفر به، قال اللّه تعالى: (يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَ قَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ‏)».

قلتُ: فكيف يصنعان؟ قال (عليه السلام): «ينظران (إلى) من كان منكم ممّن قد روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا فليرضوا به حكماً فإنّي قد جعلته عليكم حاكماً، فإذا حكم بحكمنا فلم يقبله منه فإنّما استخفّ بحكم اللّه و علينا ردّ، و الرّاد علينا رادّ على اللّه و هو على حدّ الشرك باللّه».

قلت: فإن كان كلّ رجل اختار رجلًا من أصحابنا فرضيا أن يكونا النّاظرين في حقّهما و اختلفا فيما حكما، و كلاهما اختلفا في حديثكم؟ قال (عليه السلام): «الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما و أصدقهما في الحديث و أورعهما، و لا يلتفت إلى ما يحكم به الآخر».

(إلى أن قال): قلت: جعلت فداك، أ رأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب و السنّة و وجدنا أحد الخبرين موافقاً للعامّة و الآخر مخالفاً لهم، بأيّ الخبرين يؤخذ؟

قال (عليه السلام) «ما خالف العامّة ففيه الرّشاد».

أقول: نبحث المقبولة سنداً و متناً. أمّا من جهة السند:

فإنّ من جاء في السند، أجلّاء ثقات كما ثبت دون الأخير، و إليك ترجمتهم إجمالًا:

أ- محمد بن يحيى و هو العطّار القميّ شيخ الكليني و قد أكثر الرواية عنه.

28

ب- محمّد بن الحسين و هو ابن أبي الخطاب، أبو جعفر الزّيات الهمدانيّ، جليل من أصحابنا عظيم القدر، كثير الرواية، ثقة عين، حسن التّصانيف، مسكون إلى روايته ( (1))، توفي عام (262 ه-).

ج- محمد بن عيسى العبيديّ اليقطينيّ، و قد وثّقه النّجاشي و إن راب في حقّه أُستاذ الصّدوق ابن الوليد، و ليس بشي‏ء بعد توثيق النجاشي إيّاه و غيره.

د- صفوان بن يحيى، ثقة جليل، توفيّ عام (210 ه-)، غنيّ عن التّرجمة.

ه-- داود بن الحصين، و هو أسديّ الولاء، كوفيّ المولد، قال عنه النجاشي: ثقة، روى عن أبي عبد اللّه و أبي الحسن (عليهما السلام) و هو زوج خالة عليّ بن الحسن الفضّال ( (2))، نعم وصفه الشيخ بكونه واقفيّاً، إلّا أنَّ النجاشي لم يتعرّض لوقفه و هو أضبط.

هذا، و لم يبق في السند إلّا عمر بن حنظلة، و الكلام فيه مسهب، و على كلّ تقدير سواء ثبتت وثاقته أو لا فقد تلقّاها المشهور بالقبول ( (3))، و لأجل ذلك سمّيت مقبولة، و عليها المدار في كتاب القضاء، إضافة إلى أنَّ إتقان الرّواية كاشف عن صدورها عن الإمام (عليه السلام) ( (4))، هذا هو حال السند و إليك دراسة المتن، فنقول:

____________

(1) راجع رجال النجاشي: 2/ 220 رقم 898.

(2) المصدر نفسه: 1/ 367 رقم 419.

(3) قال الشيخ حسن ابن الشهيد الثاني في منتقى الجمان: 1/ 19 نقلًا عن والده (رضي الله عنه): «... و وجدت بخطّه (رحمه الله) في بعض مفردات فوائده ما صورته: «عمر بن حنظلة غير مذكور بجرح و لا تعديل، و لكنّ الأقوى أنّه ثقة لقول الصادق (عليه السلام) في حديث الوقت-: «إذاً لا يكذب علينا. و الحال أنّ الحديث الّذي أشار إليه ضعيف الطريق، فتعلّقه به في هذا الحكم مع ما علم من انفراده به غريب ...».

(4) على نحو يوجب الوثوق بصدور الرواية- قال شيخنا الأُستاذ في كليات في علم الرجال- ص 162- الثالثة- نصّ أحد أعلام المتأخرين: «... فقد جرت سيرتهم (العقلاء) على الأخذ بالخبر الموثوق الصّدور و إن لم تحرز وثاقة المخبر، لأنَّ وثاقة المخبر طريق إلى إحراز صدق الخبر، و على ذلك فيجوز الأخذ بمطلق الموثوق بصدوره إذا شهدت القرائن عليه ...».

29

المستفاد منه أنَّ القاضي لا بدَّ أن يتمتّع بشروط يجب الأخذ بجميعها:

الأوّل: يجب أن يكون شيعيّاً إماميّاً لقوله (عليه السلام) «ينظران إلى من كان منكم» و بما أنَّ الزّيديّة ( (1)) كانت منفصلة عن الإمام الصّادق (عليه السلام) يوم صدور الرواية، فلا تعمّهم و لا أضرابهم كالاسماعيليّة ( (2))، فعليه: المراد هو الفقيه الإمامي الاثنا عشريّ.

الثّاني: أن يحكم بحكمهم لقوله (عليه السلام) «فإذا حكم بحكمنا» فلو كان موالياً لهم (عليهم السلام) و حكم بحكم فقهاء العامّة، لا ينفذ حكمه.

الثالث: أن يكون راوياً لحديثهم (عليهم السلام) لقوله: (عليه السلام) «روى حديثنا» و المتبادر كونه ممارساً لأحاديثهم، لا أنّه روى حديثهم مرّة أو مرّات. (نقل الحديث مقدّمة للشرط التالي).

الرابع: أن يكون صاحب النّظر و الفكر في الحلال و الحرام لقوله (عليه السلام): «و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا» و ليس المراد من النظر، الالتفات إليهما

____________

(1) هم القائلون بإمامة زيد بن عليّ بن الحسين (عليه السلام) و كلّ من خرج بالسيف من ولد عليّ و فاطمة (عليهما السلام)، و كان عالماً شجاعاً.

و قيل: أن يكون فيه ستّ خصال: العلم و الزّهد و الشجاعة، حسنيّاً أو حسينياً و زاد بعضهم صباحة الوجه و عدم الآفة.- و الزيدية موجودون في بلاد اليمن- (اعيان الشيعة للعلامة الأمين العاملي (رضي الله عنه): 1/ 20. و راجع الملل و النحل للشيخ الأستاذ: 1/ 154- 161.

(2) هم القائلون بإمامة اسماعيل بن جعفر الصادق (عليه السلام) بعد أبيه و يسوقون الإمامة في ولده، و هم في بلاد الهند، و يسمّون اليوم «بَهرَة» و لهم تكايا منظمة في جميع البلاد التي يقصدونها للحج و الزيارة، و هم غير الإسماعيلية الباطنيّة أتباع آغا خان (نفس المصدر المتقدّم و ص 167- 168 من الملل و النحل).

30

دون تأمّل و تدبّر، بل السّبر في الحلال و الحرام المرويّين عنهم (عليهم السلام) بإمعان و دقة، قال سبحانه: (قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُروا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ‏) (آل عمران- 137)، و يؤيد ذلك استعمال الامام (عليه السلام) لفظ «عرف» فإنّه لا يستعمل إلّا في المورد الّذي سبقه الاشتباه و الخلط، و عليه، فالمقبولة تختص بصاحب النّظر، المعبّر عنه بالمجتهد.

الخامس: أن يكون على حدّ يقال: إنّه عارف بأحكامهم و هو الفقيه العارف الّذي استنبط أحكامهم (عليهم السلام)، فلا يكفي العلم بواحد او أكثر من أحكامهم، فإنّ الجمع المضاف «أحكامنا» يفيد العموم، و عليه: تكون المقبولة ظاهرة في المجتهد المطلق.

هذا، و يؤيد ذلك الظهور قوله: «و كلاهما اختلفا في حديثكم» فلو أُريد الاختلاف في مضمون الحديث (دون النقل)، فهو شأن الفقيه، و إن أُريد الاختلاف في نقل الحديث فهو أيضاً لا ينفك عن الاجتهاد غالباً إن لم يكن دائماً.

و كذلك قوله (عليه السلام): «الحكم ما حكم به أعدلهما و أفقههما».

و قول (الراوي): «أ رأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمهُ من الكتاب و السنّة.

فالنّاظر في جميع القيود الواردة في المقبولة يقف على أنّ الإمام (عليه السلام) نصب الفقيه الإماميّ- الذي يمارس الأحاديث و ينظر في الحلال و الحرام و يعرف الأحكام الصّادرة عن الأئمّة (عليهم السلام) و يعتمد في فتياه على الكتاب و السنة- قاضياً. و هذا لا يصدق إلّا على الفقيه المستنبط لجميع الأحكام الشرعيّة فيما تبتلي به الأُمّة على مرّ الأيام.

و بالجملة: الموضوع من يصدر عن الكتاب و السنّة و هو ينطبق في زماننا على المجتهد فقط.

31

الثانية: مشهورة أبي خديجة ( (1)):

ما رواه الشّيخ باسناده عن محمّد بن عليّ بن محبوب، عن أحمد بن محمّد عن الحسين بن سعيد عن أبي الجهم، عن أبي خديجة، قال: بعثني أبو عبد اللّه (عليه السلام) إلى أصحابنا، فقال: قل لهم: «إيّاكم إذا وقعت بينكم خصومة أو تداري ( (2)) في شي‏ء من الأخذ و العطاء أن تحاكموا إلى أحد من هؤلاء الفسّاق، اجعلوا بينكم رجلًا قد عرف حلالنا و حرامنا، فإنّي قد جعلته عليكم قاضياً، و إيّاكم أن يخاصم بعضكم بعضاً إلى السلطان الجائر».

و الحديث لا غبار عليه من حيثُ السند، أمّا أبو الجهم، فهو أخو زرارة و اسمه بكير بن أعين من أصحاب الصادق (عليه السلام) و إنه (عليه السلام) لمّا بلغه خبر موته قال في حقه ( (3)): «أما و اللّه لقد أنزله اللّه بين رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و أمير المؤمنين (عليه السلام)». و من أحفاده الحسن بن الجهم.

و أمّا أبو خديجة فهو سالم بن مكرم الذي يقول النّجاشي ( (4)) في حقّه: ثقة ثقة، فلم يبق في السند إلّا رواية الحسين بن سعيد عن أبي الجهم، فإنّ الراوي من أصحاب الإمام الرضا و الجواد و الهادي- (عليهم السلام) و توفي الإمام الرضا (عليه السلام) عام (203 ه-) و الامام الجواد (عليه السلام) عام (220 ه-) و الإمام الهادي (عليه السلام) عام (254 ه-)، فكيف فتصحّ روايته عمّن توفيّ (بكير بن أعين) في عصر الإمام الصادق (عليه السلام) الّذي توفي عام (148 ه-) ففي السند سقط.

____________

(1) الوسائل: 18/ 100، ح 6، الباب 11 من أبواب صفات القاضي.

(2) تدارأ تدارُؤاً القوم: تدافعوا في الخصومة و نحوها، و اختلفوا.

(3) الكشيّ: 160 رقم 72، و سند الحديث: حدّثنا حمدويه قال حدثنا يعقوب بن يزيد عن ابن أبي عمير عن الفضيل و ابراهيم ابني محمّد الأشعريين قالا: إنّ أبا عبد اللّه (عليه السلام) ... الحديث».

(4) رجال النجاشي: 1/ رقم 499.

32

و لكن يمكن استظهار الواسطة من سائر الرّوايات التي نقل فيها الحسين ابن سعيد عن بكير بوسائط و إليك أسماؤهم:

أ- حريز بن عبد اللّه عن بكير ( (1)).

ب- ابن أبي عمير عن عمر بن أذينة عن بكير ( (2)).

ج- حمّاد بن عيسى عن حريز عن عبد اللّه عن بكير ( (3)).

د- صفوان عن عبد اللّه بن بكير عن أبيه بكير بن أعين ( (4)).

ه-- حمّاد بن عيسى عن عمر بن أذينة عن بكير ( (5)).

و أمّا دراسة المتن فالظّاهر عن قوله (عليه السلام) «عرف» هو المعرفة الفعليّة ( (6)) لكون مبادي الأفعال ظاهرة فيها (الفعلية) و قوله (عليه السلام) «حلالنا و حرامنا» ظاهر في العموم و لو لم يصحّ حمله على الاستغراق العقلي لأجل عدم كون الرواة في ذلك الزمان عارفين بجميع الأحكام فلا محيص من حمله على الاستغراق العرفيّ فيكون الموضوع هو العارف، بالحلال و الحرام فعلًا، على حدّ يمكن أن يقال في حقّه «قد عرف حلالنا و حرامنا» و بما أنَّ مادّة العرفان تستعمل في الموارد التي تكون مسبوقة بالاشتباه و الخلط كما تقدم، ثمّ يقف الإنسان على المراد الصّحيح، فالعارف إذن هو من له قوّة عرفان الحقّ بتمييزه عن الباطل، فعليه يكون العارف‏

____________

(1) التهذيب: 2/ 255 رقم 1012.

(2) الاستبصار: 1/ 61 رقم 182.

(3) المصدر نفسه: 1/ 248 رقم 892، و يحتمل أن تكون لفظة (عن) مصحّف (بن) فالمراد: حريز بن عبد اللّه و يحتمل أن يكون المراد: عبد اللّه بن بكير. (منه حفظه اللّه)

(4) المصدر نفسه: 1/ 430 رقم 1660.

(5) المصدر نفسه: 2/ 270 رقم 960.

(6) فلا يكفي وجود المبدأ شأناً بوجود ملكة الاستنباط دون الاستحضار فعلًا.

33

المفرّق للحقّ عن الباطل و الحلال عن الحرام هو المعادل لصاحب النّظر، فلا يعمّ المقلّد. و أمّا شموله للمجتهد المتجزّي فسيوافيك الكلام فيه.

الثالثة: المشهورة الأُخرى لأبي خديجة:

ما رواه الصدوق في الفقيه ( (1)) بإسناده عن أحمد بن عائذ بن حبيب الأحمسيّ البجليّ الثقة عن أبي خديجة سالم بن مكرم الجمّال قال: قال: أبو عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام): «إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور، و لكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم فإنّي قد جعلته قاضيا فتحاكموا إليه» ( (2)). و رواه في الكافي ( (3)) غير أنّه قال مكان (قضايانا) قضائنا.

و الرّواية صحيحة و سند الصدوق (رضي الله عنه) إلى أحمد بن عائذ في الفقيه بالشكل التالي: عن سعد بن عبد اللّه عن أحمد بن محمّد بن عيسى عن الحسن بن عليّ الوشاء عن أحمد بن عائذ ( (4)).

و الكلّ غير الأخير من أجلّاء الأصحاب و عيونهم. و لا يشكّ في وثاقة الحسن ابن عليّ الوشاء إلّا غير العارف بأساليب التوثيق في علم الرجال فإنّه و إن لم يصرّح بوثاقته إلّا أنّه جاء في ترجمته ما مفاده أنّه كان في الدرجة العالية منها (الوثاقة)، و هذا النجاشي يعرّفه بأنّه: «من وجوه هذه الطائفة» ( (5))، و قد قلنا في‏

____________

(1) من لا يحضره الفقيه: 3/ 2 ح 1.

(2) الوسائل: 18/ 4 ح 5، الباب 1 من أبواب صفات القاضي.

(3) الفروع: 7/ 412 ح 4.

(4) الفقيه: 4/ 514.

(5) قال النجاشي في رجاله: 28: «... خير من أصحاب الرضا (عليه السلام) و كان من وجوه هذه الطائفة».

34

كتابنا «كليّات في علم الرجال»: إنّ هذا النوع من التعبير يفيد أن المترجم- بالفتح- في الدرجة العالية من الوثاقة ( (1)).

هذا و إنَّ ظاهر الرّواية عامّ شامل للمجتهد المطلق و المتجزّي دون المقلّد لقوله (عليه السلام) «شيئاً من قضايانا» أو «شيئاً من قضائنا» كما في الكافي و هو صادق عليهما معاً.

ما قد يورد على المشهورة في شمولها للمتجزّي:

ثمّ إنّه قد يورد على دلالة المشهورة الثانية على كفاية الاجتهاد غير المطلق بوجوه نذكر بعضاً منها:

الأوّل: إنّ القلّة المستفادة من قوله (عليه السلام): «شيئاً» إنّما هي بالقياس إلى علومهم (عليهم السلام) و إن كان كثيراً في حدّ نفسه.

يلاحظ عليه: أنّه خلاف المتبادر، فإنَّ الرّواية في قبال ردع الشيعة عن الرّجوع إلى غيرهم، و عليه يناسب أن يخاطب الإمام (عليه السلام) شيعته بأنّه يكفيهم أن يرجعوا إلى من يعلم شيئاً من قضاياهم، لا خصوص الواقف على جميع قضاياهم (عليهم السلام)، و عندئذ المناسب في جعل الملاك هو نفس علم الرّاوي قلّة و كثرة،

____________

(1) بَل قاله (حفظه اللّه) في كتاب أصول الحديث و أحكامه في علم الدّراية، باب الألفاظ المستعملة في التعديل و الجرح، ص 162- 163، (3 و 4) (وجه، عين): «... و السّابر في الكتب الرّجالية يقف على أن اللفظين يدلان على جلالة الرّجل أزيد من كونه إماميّاً عادلًا، و أنّهم يستعملون هذين الوصفين في موارد يعد الرّجل من الطبقة المثلى في الفضل و الفضيلة، معربين عن أن مكانة الرّجل بين الطائفة مكانة الوجه و العين في كونهما محور الجمال و البهاء».

35

و ذلك كقول الناصح المشفق لأخيه: إذا لم تستطع على العمل الكثير فعليك بما في وسعك. فكأنّ الإمام (عليه السلام) يقول: إذا فاتكم الرّجوع إلى هؤلاء الحكّام لأخذ حقوقكم لكونهم طواغيت، فلا يفوتنّكم الرّجوع إلى عالم من شيعتي، يعلم شيئاً من قضايانا.

الثاني: إنّ الرّواية ناظرة إلى القاضي الّذي اختاره الطرفان لفصل الخصومة أي قاضي التحكيم فلو دلّت على كفاية التجزّي فهو في خصوص مورد قاضي التّحكيم لا المنصوب ابتداءً، و ذلك إنّ قوله (عليه السلام) «فإنّي قد جعلته قاضياً» متفرّع على قوله (عليه السلام): «فاجعلوه بينكم» و عليه فالاكتفاء بالتجزّي إنمّا هو في قاضي التحكيم دون المنصوب.

يلاحظ عليه: أنّ قوله (عليه السلام) «فاجعلوه بينكم» ليس ناظراً إلى كونه قاضياً مجعولًا من قبل المتخاصمين حتّى تختصّ الرّواية به، بل هو يهدف إلى معنى آخر، و هو أنّ القاضي المنصوب من قبل السّلطة و الدّولة ينفذ حكمه مطلقاً، سواء رضي الطرفان بذلك أم لا، بخلاف القاضي الشيعيّ الّذي يرجع إليه المتخاصمان، فإنّ نفوذ حكمه مرهون برضا الطرفين به، لا أنّ لرضائهما به مدخلية في الحكم و الجعل.

و بعبارة أُخرى: أنّ الإمام (عليه السلام) نصّب كلّ من يعلم شيئاً من قضاياهم (عليهم السلام) للحكم و القضاء، و لكن تحقّق الغاية رهن رضا الطرفين بحكمه و خضوعهما له، بعد فرض عدم قوّة تقهر المتخاصمَين على القبول.

36

حصيلة البحث:

هذا و إنَّ الحقّ هو: صلاحيّة المتجزّي للقضاء إذا استنبط شيئاً معتدّاً به، و إنّ قصرت يده عن معضلات المسائل، فإنّ أهمّ ما يدلّ على شرطية الاجتهاد المطلق هو قوله (عليهم السلام) في المقبولة: «نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا» إلّا أنّه وارد في قبال المنع عن الرّجوع إلى حكام الجور و قضاتهم، بمعنى وجوب الرّجوع إلى من كان نظر في حلالهم و حرامهم و عرف أحكامهم- (عليهم السلام)، لا إلى من نظر في حلال الآخرين و حرامهم و عرف أحكامهم التي هي مقابل أحكامهم (عليهم السلام)، و عليه فمن استنبط شيئاً معتدّاً به من الحلال و الحرام و الأحكام، كان مصداقاً لقوله (عليه السلام): «نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا».

و بذلك يعلم حال المشهورة الأُولى لأبي خديجة حيث جاء فيها: «قد عرف حلالنا و حرامنا»، فإن هذه الجملة و ما في المقبولة- من قوله (عليه السلام): «قد روى حديثنا و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا»- تتضمّن وراء المعنى الايجابيّ معنى سلبيّاً و هو نفي الرّجوع إلى الغير، و الواجب هو الرّجوع إلى من عرف حلالهم و حرامهم نظر فيهما، و هو صادق في حقّ الطبقة العالية من المتجزّءين إذا استنبطوا شيئاً معتداً به كما تقدّم.

و يؤيد ذلك أمران:

الأوّل: إن القضاة الّذين كانت الشّيعة تفزع إليهم في تلك الأيّام، لم يكونوا إلّا في هذه الدرجة من العلم و العرفان، و لم تكن لهم معرفة فعليّة بجميع الأحكام، لتفرّق الرّوايات و تشتّتها بين الرّواة، و عدم وجود جامع بين الحكّام حتّى يكونوا متدرّعين بالعلم بجميع الأحكام.

الثاني: كان الأمر في عصر النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و الوصي (عليه السلام) أيضاً كذلك، فقد

37

بعث النبي معاذاً إلى اليمن و قال له: «كيف تقضي إذا عرض لك القضاء؟ قال: أقضي بكتاب اللّه، قال: فإن لم تجد في كتاب اللّه؟ قال: بسنّة رسول اللّه ...» ( (1)). أ تظنّ أنّ معاذاً كان مسلّطاً على جميع الأحكام الشرعية يوم ذاك.

و قد كتب الإمام عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام) إلى و اليه مالك الأشتر (رضي الله عنه) في عهده: «ثمّ اختر للحكم بين النّاس أفضل رعيّتك في نفسك ممّن لا تضيق به الأُمور و لا تمحكه ( (2)) الخصوم- إلى أن قال (عليه السلام):- و أوقفهم في الشبهات و آخذهم بالحجج ...» ( (3)) فهل كانت مصر آنذاك تطفح بفقهاء و مجتهدين مسلّطين على جميع الأحكام الشرعية؟ نعم كانوا يحفظون من الكتاب و السنة و عمل الخلفاء أشياء يقضون و يحكمون بها، فلو كان الاجتهاد المطلق شرطاً، لعطّل باب القضاء في مصر.

نعم كلّما تقدّمت الحضارة الإسلامية و تفتّحت العقول، و ازداد العلماء علماً و فهماً، و عدداً و كميّة، تسنّم منصب القضاء من له خبرة كاملة في الفقه و علم بحدود الشريعة علماً محيطاً، إلّا أنّ ذلك ليس بوازع دينيّ، بل كان نتيجة لسير العلم و تقدّمه و ازدهار الثقافة.

نعم أخذ القضاء في عصرنا لوناً فنياً، و صار عملًا يحتاج إلى التدريب و التمرين.

فلا مناص عن إشراف قاض ذي تجربة و ممارسة، على عمل القضاة المتجزّءين في الاجتهاد حتى تحصل لهم قدم راسخة لا تزلّ بفضله سبحانه.

____________

(1) جامع الأُصول من أحاديث الرّسول لابن الأثير: 10/ 551 رقم 7651، الفصل السادس: في كيفية الحكم.

(2) أمحكهُ: جعله محكان أي: عسر الخلق، لجوج.

(3) نهج البلاغة: 2/ 94 رقم 52 قسم الكتب و الرّسائل، شرح الشيخ محمد عبده.

38

في تصدّي المقلّد للقضاء:

يتصوّر تصدّي المقلّد لأمر القضاء على أنحاء ثلاثة:

الأوّل: أن يستقلَّ في القضاء بلا نصب من جانب من له أهليّة الفتوى و لا وكالة منه، بل يقضي على طبق رأي مقلَّده.

الثاني: أن ينصّب من جانبه لهذا الأمر الخطير.

الثالث: أن يوكّله في القضاء.

و الفرق بين الأخيرين واضح، فإنّ القضاء في الثاني عمل نفس القاضي، بخلاف الثالث فإنّه عملُ نفس من نصّبه كما هو الحال في جميع موارد الوكالة.

ثمَّ إنّ أمر القاضي و نهيه يختلف بالقياس إلى أمر الآمر بالمعروف و النّاهي عن المنكر، فإنّ الأمر و النهي في الثاني إرشاد إلى ما هو تكليف الغير الثابت عليه، مع قطع النظر عن أمر الآمر و نهي النّاهي، و في هذا المجال المجتهد و المقلّد سواء، يجوز لكلّ منهما أمرُ الغير و نهيه إرشاداً إلى تكاليفه الثابتة مطلقاً، و هذا بخلاف أمر القاضي، فإنَّ ما يحكمُ به ليس تكليفاً للغير مع غضّ النظر عن حكمه، و إنّما يكون تكليفاً له بعد الحكم و القضاء. مثلًا: لو اختلف العامل و المالك، فادّعى العامل ردّ رأس المال و أنكره المالك، فحكم القاضي بأنّ القول قول المالك حينئذ يتنجّز على العامل دفعُ العين مع وجودها و إلّا فعليه دفع المثل أو القيمة سواء دفع المال في الواقع أو لا، و هذا الإلزام جاء من جانب القاضي بحكمه، و لم يكن ثابتاً من قبل، و بما أنّه خلاف القاعدة- إذ أنّ الأصل عدم حجيّة رأي أحد في حق أحد و نفوذه- احتاج نفوذه إلى الدّليل و قد عرفت وجود الدليل و ثبوته في المجتهد المطلق و المتجزّي الذي استنبط شيئاً معتدّاً به. و إنمّا الكلام في المقلِّد، و يقع أوّلًا في النحو الأوّل ثمّ النحوين الآخرين.

39

المقام الأوّل: استقلال المقلِّد في القضاء:

قد عرفت خطورة منصب القضاء و أنّه لا يتولّاه إلّا المنصوب من جانب الرّسول و الأئمة (عليهم السلام) و إلى ذلك أشار أمير المؤمنين (عليه السلام) بقوله لشريح: «يا شريح قد جلست مجلساً لا يجلسه [ما جلسه‏] إلّا نبي أو وصيّ نبيّ أو شقيّ» ( (1)).

و قال الصادق (عليه السلام): «اتّقوا الحكومة، فإنّ الحكومة إنمّا هي للإمام العالم بالقضاء، العادل في المسلمين لنبيّ [كنبيّ‏] أو وصيّ نبيّ» ( (2)).

تقدّم قيامُ الدّليل على نفوذ قضاء الفقيه الجامع للشّرائط أو المجتهد الذي استنبط شيئاً معتدّاً به، و الكلام هنا في المقلِّد المحض الّذي لا يكونُ حكمه القضائي إلّا على طبق رأي مقلّده- بالفتح-، فهل يجوز له التّصدّي أو لا؟ المشهور: عدم الجواز، و يظهر ذلك من خلال تتبّع كلمات الفقهاء و هي كالتالي:

1- قال الشيخ (قدس سره): «القضاء لا ينعقد لأحد إلّا بثلاث شرائط: أن يكون من أهل العلم و العدالة و الكمال، و عند قوم بدل كونه عالماً أن يكون من أهل الاجتهاد، و لا يكون عالماً حتّى يكون عارفاً بالكتاب و السنّة و الإجماع و الاختلاف و لسان العرب، و عندهم و القياس» ( (3)).

2- و قال (رضي الله عنه) أيضا: «لا يجوز أن يتولّى القضاء إلّا من كان عارفاً (عالماً- خل-) بجميع ما ولى و لا يجوز أن يشذّ عنه شي‏ء من ذلك، و لا يجوز أن يقلِّد غيره ثمّ يقضي به، و قال الشافعيّ: ينبغي أن يكون من أهل الاجتهاد و لا يكون عامّياً، و لا يجب أن يكون عالماً بجميع ما وليه، و قال في القديم مثل ما قلناه.

____________

(1) الوسائل: 18/ 7 ح 2، الباب 3 من أبواب صفات القاضي.

(2) المصدر نفسه: 18/ 7 ح 3، الباب 3 من أبواب صفات القاضي.

(3) المبسوط: 8/ 99.

40

و قال أبو حنيفة: «يجوز أن يكون جاهلًا بجميع ما وليه إذا كان ثقة، و يستفتي الفقهاء و يحكم به، و وافقنا في العامّي أنّه لا يجوز أن يفتي ...» ( (1)).

3- و قال أبو الصّلاح: « [يعتبر] العلمُ بالحقّ في الحكم المردود إليه،- ثمَّ قال:- و اعتبرنا العلم بالحكم لما بيّناه من وقوف صحّة الحكم على العلم، لكون الحاكم مخبراً بالحكم عن اللّه سبحانه و تعالى و نائباً في إلزامه عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و قبح الأمرين من دون العلم ...» ( (2)).

4- و قال المحقّق (رضي الله عنه): «و كذا لا ينعقد لغير العالم المستقلّ بأهليّة الفتوى، و لا يكفيه فتوى العلماء و لا بدّ أن يكون عالماً بجميع ما وليه ...» ( (3)).

5- و قال في النافع: «و لا ينعقد إلّا لمن له أهليّة الفتوى و لا يكفيه فتوى العلماء ...» ( (4)).

6- و قال العلّامة في القواعد: «و في حال الغيبة ينفذ قضاء الفقيه الجامع لشرائط الإفتاء» ( (5)).

7- و قال الشّهيد الثّاني في المسالك عند قول المحقق: «و كذا لا ينعقد لغير العالم»: «المراد بالعالم هنا، المجتهد في الأحكام الشّرعيّة، و على اشتراط ذلك في القاضي إجماع علمائنا ...» ( (6)).

8- و قال العاملي (رضي الله عنه) (مستدلًا على اشتراط اتّصاف القاضي- حال‏

____________

(1) الخلاف: 3/ 309، المسألة 1، كتاب القضاء.

(2) الكافي في الفقه لأبي الصلاح الحلبي: 421 و 422.

(3) الشرائع: 4/ 860.

(4) المختصر النّافع: 279، أوّل كتاب القضاء، عند ذكر الصفات.

(5) مفتاح الكرامة: 10/ 3، قسم المتن.

(6) مسالك الافهام: 2/ 351 الطبعة الحجرية.

41

الغيبة- بكونه فقيهاً جامعاً لشرائط الافتاء): «فيدل عليه بعد الإجماع، الأخبار الموافقة للاعتبار، و ما كان منها بلفظ (روى حديثنا) فقد أُردف بقوله (عليه السلام): «و نظر في حلالنا و حرامنا و عرف أحكامنا»، فلا يكفي مجرّد الرّواية كما توهّمه بعض، و ما كان منها بلفظ: (يعلمُ شيئاً من أحكامنا) فالمراد أنّه علم ذلك بعد تحصيل الشرائط المذكورة إذ لا يحصل العلم إلّا بها» ( (1)).

9- و قال صاحب الجواهر بعد كلام المحقّق: «و لا يكفيه فتوى العلماء»: «بلا خلاف أجده، بل في المسالك و غيرها الإجماع عليه من غير فرق بين حالتي الاختيار و الاضطرار» ( (2)).

هذا و يكفي في عدم الجواز، عدم الدليل و إنمّا الدّليل على القائل، و لأجل ذلك ربّما أراد بعضهم استظهار الجواز من بعض الأدلّة و إليك البيان:

الأوّل: إنّ المستفاد من الكتاب و السنّة صحّة الحكم بالحقّ و العدل و القسط من كلّ مؤمن، قال اللّه تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى‏ أَهْلِها وَ إِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ‏) (النساء- 58).

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى‏ أَلَّا تَعْدِلُوا) (المائدة- 8).

(يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَ لَوْ عَلى‏ أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلى‏ بِهِما فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوى‏ أَنْ تَعْدِلُوا وَ إِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً) (النساء- 135).

و مفهوم قوله تعالى: (وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ‏)

____________

(1) مفتاح الكرامة: 10/ 3، قسم الشرح.

(2) الجواهر: 40/ 15 ثمّ قال (رضي الله عنه): «بل لا بدّ أن يكون عالماً بجميع ما وليه، أي مجتهداً مطلقاً كما في المسالك، فلا يكفي اجتهاده في بعض الأحكام دون بعض على القول بتجزّي الاجتهاد».

42

(المائدة- 47) و في أخرى (هُمُ الْكافِرُونَ‏) (المائدة- 44) إلى غير ذلك من الآيات الكريمة.

الثاني: قول الصادق (عليه السلام) «القضاة أربعة، ثلاثة في النار و واحد في الجنّة: رجل قضى بجور و هو يعلم، فهو في النار، و رجل قضى بجور و هو لا يعلم فهو في النار، و رجل قضى بالحق، و هو لا يعلم فهو في النار، و رجل قضى بالحقّ و هو يعلم فهو في الجنّة» ( (1)).

و قال عليّ (عليه السلام): «الحكم حكمان: حكمُ اللّه و حكم الجاهلية، فمن أخطأ حكم اللّه حكم بحكم الجاهلية» ( (2)).

الثالث: قول أبي جعفر (عليه السلام): «الحكم حكمان: حكمُ اللّه عزّ و جلّ و حكم أهل الجاهلية، و قد قال اللّه عزّ و جلّ: (وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ‏) (المائدة- 50) و أشهد على زيد بن ثابت، لقد حكم في الفرائض بحكم الجاهلية» ( (3)).

إلى غير ذلك من النصوص البالغة بالتّعاضد أعلى مراتب القطع الدّالة على أنّ المدار هو الحكم بالحقّ الّذي عند محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و أهل بيته (عليهم السلام)، و أنه لا ريب في اندراج من سمع منهم (عليهم السلام) أحكاماً خاصّة مثلًا فيها و حكم فيها بين النّاس و إن لم تكن له مرتبة الاجتهاد و التصرّف.

يلاحظ على الجميع: أنّ الآيات و الرّوايات ليست بصدد بيان شرائط الحاكم و خصوصياته حتى يتمسّك بإطلاقها، و إنما هي بصدد بيان أمر آخر.

____________

(1) الوسائل: 18/ 11 الحديث 6، الباب 4 من أبواب صفات القاضي.

(2) المصدر نفسه: الحديث 7، و فيه: و قال (عليه السلام). بدل: و قال عليٌّ (عليه السلام).

(3) المصدر نفسه: الحديث 8. و الدليل الأول و الثاني و الثالث مقتبس من الجواهر: 40/ 15 و 16.

43

فالآية الأولى و الثانية بصدد بيان خصوصيّات الحكم (لا الحاكم) و أنّه يجب أن يكون حكماً بالعدل و قضاءً بالقسط و لا يخاف الحاكم من شنآن قوم فيحكم على خلافهما (العدل و القسط)، و أين هما من بيان خصوصيّات الحاكم حتّى يتمسّك بإطلاقهما.

و منه يظهر الجواب عن الاستدلال بالآية الثالثة فإنّها بصدد النهي عن القضاء بغير ما أنزل اللّه لا بصدد بيان خصوصيّات الحاكم ( (1)).

و مثل الآيات تقسيم القضاة إلى أربعة، أو تقسيم الحكم إلى حكمين، فإنّ الجميع بصدد سوق المجتمع إلى القضاء بحكم اللّه لا بحكم الجاهليّة، لا لبيان شرائط الحاكم و خصوصيّاته من كونه رجلًا أو امرأة، مسلماً أو كافراً، سميعاً أو بصيراً، مجتهداً أو مقلِّداً كما هو النزاع.

____________

(1) و كذلك ما قيل في استفادة جواز التصديّ من إطلاق أدلّة الأمر بالمعروف حيث إنّ القضاء من شعب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، فتكفي في جواز تصدّيه إطلاقات أدلّتها نظير قوله تعالى: (و المُؤمِنُونَ و المُؤْمِناتُ بَعْضُهُمْ أوْلياءُ بَعْض يَأمروُنَ بِالمَعْرُوفِ و يَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَر) (التوبة- 71).

يلاحظ عليه: أنّ مورد أدلّتهما هو الدّعوة إلى التكليف الثابت للمكلّف مع قطع النظر عن قضاء القاضي، كما إذا رأى إنساناً يغتاب أو يكذّب أو يظلم، و هذا هو الذي يجب على المؤمن و المؤمنة ضمن شرائط، و أمّا التكليف الّذي يقتضيه حكم القاضي بحيث لولاه لما كان هناك تكليف، لا تشمله الأدلّة العامّة للأمر بالمعروف، مثلًا إذا اختلف العامل و المالك فقال الأوّل: رددت رأس المال، و أنكره المالك، فليس هنا أيّ تكليف متوجّه إلى العامل بعد ادّعاء ردّ المال و إنمّا يتوجّه إليه التكليف بالردّ بعد القضاء بأنّ القول قول المالك مع حلفه، فعندئذ يتوجّه تكليف بالردّ بعد ما لم يكن أيّ تكليف قبل القضاء فمثل هذا ليس مشمولًا لأدلّتهما.

و إن شئت قلت: إنّ مورد أدلّتهما ما إذا اتفق الآمر و المأمور على وجود التكليف فيقوم أحدهما بالدّعوة لا ما إذا أنكر أحدهما أصل التكليف كما هو الحال قبل القضاء (منه حفظه اللّه).

44

فالتمسك بالجميع غفلة عن شرائط انعقاد الإطلاق ( (1)).

الرابع: صحيح أبي خديجة حيث قال (عليه السلام): «إيّاكم أن يحاكم بعضكم بعضاً إلى أهل الجور، و لكن انظروا إلى رجل منكم يعلم شيئاً من قضايانا فاجعلوه بينكم، فإنّي قد جعلته قاضياً فتحاكموا إليه» ( (2)).

ردّ الاستدلال بوجوه:

أ- إنّ الوارد فيها لفظ العلم، و هو لا يشمل المقلّد، لأنّ العلم عبارة عن الاعتقاد الجازم المطابق للواقع.

يلاحظ عليه: أنّه خلط بين العلم المصطلح عليه في علم المنطق، و العلم الوارد في الكتاب و السنّة و المراد من الأوّل ما ذكر. و من الثّاني ما قامت عليه الحجّة، و إلّا لزم عدم صحّة قضاء نفس المجتهد، لعدم علمه بالواقع، و العلم بالحكم الظاهري مشترك بين المجتهد و المقلِّد.

ب- إنّ الرّواية محمولة على صورة الاضطرار و عدم التمكّن من لقاء من يعرف الأحكام عن أدلّتها التفصيلية، و السؤال عنه، و بما أنّ الشيعة كانوا متفرّقين آنذاك في بلاد نائية، و لم يكن في كلّ بلد و صقع من يعرف الأحكام بالدّليل، اكتفى‏

____________

(1) التمسّك بالإطلاق في المقام نظير تمسّك بعضهم بإطلاق قوله تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ‏) (المائدة- 5) على أنّه يجوز الأكل ممّا أمسكت الجوارح بأنيابها بلا لزوم غسل مواضعها، مع أنّ الآية بصدد بيان شي‏ء آخر و هو حليّة ما أمسكته و أنّه من الطيّبات لا المحرمات، و أمّا أنّه هل يؤكلُ مطلقاً أو بعد الغسل فليست بصدد بيانه حتّى يتمسّك بالإطلاق.

و هناك وجه آخر و هو أنّ الآيات و الرّوايات بمعزل عن باب القضاء، لأنّ المراد من الحقّ هو الحقّ في الشّبهات الحكميّة و الحقّ في باب القضاء يرجع إلى الحقّ في الشّبهات الموضوعية غالباً كما لا يخفى. (منه حفظه اللّه).

(2) الوسائل: 18/ 4 ح 5، الباب 1 من أبواب صفات القاضي.

45

صاحب الشريعة بمن يعلم شيئاً من الأحكام فيسدّ بذلك باب الرّجوع إلى أبواب الطواغيت.

يلاحظ عليه: بأنّه حمل تبرّعي لا دليل عليه، و ليس في الرّواية ما يحكى عن كونه وارداً مورد الاضطرار.

ج- إنّ العلم بشي‏ء من قضاياهم، مختصّ بالفقيه أو منصرف إليه، لأنّ العامّي إمّا أن يعتمد على فتوى الفقيه في القضاء، فلا يصدق أنّه يعلم شيئاً من قضاياهم (عليهم السلام) بل هو عالم بفتوى الفقيه و هو طريق إلى حكم اللّه، و إمّا أن يعتمد على إخبار الفقيه بقضاياهم (عليهم السلام) و هذا غير جائز لأنّه لا يزيد على رواية مرسلة غير جائزة العمل إلّا بعد الفحص عن الجهات الأربعة: الصدور، و الدّلالة، وجهة الصّدور، و عدم المعارض و أنّى هذا للمقلِّد.

يلاحظ عليه: أنّا نختار الشقّ الأوّل، و هو الأخذ بإفتاء الفقيه، إلّا أنّه عند المقلّد هو حكم الإمام (عليه السلام) و قضاؤه، خصوصاً إذا كان الإفتاء بلفظ الحديث، كما في الفقيه و النّهاية، و الإفتاء و إن كان غير التّحديث، و الأوّل مشتمل على إعمال النظر دون الثاني، لكنّه لدى العرف يعكس حكم الكتاب و السنّة و حلال الأئمة (عليهم السلام) و حرامهم.

د- و يمكن أن يقال: إنّ الصادر من الإمام (عليه السلام) مردّد بين ما نقل، و بين ما جاء في روايته الأُخرى التي فيها: «اجعلوا بينكم رجلًا قد عرف حلالنا و حرامنا، فإنّي قد جعلته عليكم قاضياً» ( (1)).

و قد عرفت أنّ لفظ «العرفان» لا يستعمل إلّا إذا كان هناك اشتباه يتعقبه التّمييز، و هو لا يصدق إلّا في حقّ الفقيه و لا يشمل المقلّد المحض، و لأجل تردّد لفظ المنقول، لا يصحّ الاستدلال بها.

____________

(1) الوسائل: 18/ 100 ح 6، الباب 11 من أبواب صفات القاضي.

46

الخامس: صحيح الحلبيّ، قال: قلتُ لأبي عبد اللّه (عليه السلام) ربّما كان بين الرّجلين من أصحابنا المنازعة في الشي‏ء، فيتراضيان برجل منّا؟ فقال (عليه السلام): «ليس هو ذاك إنمّا هو الّذي يجبر الناس على حكمه بالسّيف و السّوط» ( (1)).

يلاحظ عليه: أنّ قوله (عليه السلام): «ليس هو ذاك» دليل على أنّ الإمام (عليه السلام) كان يندّدُ بقضاة عصره، و لمّا سأله السائل عن الرّجوع إلى رجل من شيعة الإمام (عليه السلام)، صرّح الإمام (عليه السلام) بأنّ هذا ليس ذاك فيكون الكلام مسوقاً لبيان عدم جواز الرجوع إلى قضاة العامة دون الشيعة، و أمّا ما هي شرائطهم و خصوصياتهم، فالرواية ليست بصدد بيانها حتّى يتمسّك بالإطلاق.

السادس: خبر محمّد بن حفص ( (2)) عن عبد اللّه بن طلحة ( (3)) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن رجل سارق، دخل على امرأة ليسرق متاعها، فلمّا جمع الثياب تابعته نفسه، فكابرها على نفسها فواقعها [فتحرك ابنها فقام، فقتله بفأس كان معه‏] فلمّا فرغ حمل الثياب و ذهب ليخرج، حملت عليه بالفأس فقتلته، فجاء أهله يطلبون بدمه من الغد، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «اقض على هذا كما وصفت لك، فقال: يضمن مواليه الّذين طلبوا بدمه دية الغلام، و يضمن السارق فيما ترك أربعة آلاف درهم بمكابرتها على فرجها، إنّه زان و هو في ماله غريمة، و ليس عليها في قتلها إيّاه شي‏ء [لأنه سارق‏] قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): من كابر امراة

____________

(1) الوسائل: 18/ 5 ح 8، الباب 1 من أبواب صفات القاضي.

(2) محمّد بن حفص بن خارجة مجهول لم يعنون في في كتب الرجال. قال في تنقيح المقال: 3/ 108 رقم 10618: و لم أقف على ذكر له في كتب الرّجال و هو مجهول الحال.

(3) هو عبد اللّه بن طلحة النهديّ عربيّ كوفيّ، لم يذكر في حقّه توثيق و لا مدح و لكن الرواية متقنة- منه حفظه اللّه- قال في تنقيح المقال: 2/ 190 رقم 6911: و لم نقف فيه على مدح يدرجه في الحسان.

47

ليفجر بها فقتلته فلا دية له و لا قود» ( (1)).

يلاحظ عليه:

أوّلًا: أنّه من المحتمل أن يكون كلامه (عليه السلام) هذا: «اقض على هذا كما وصفت لك» أشبه بالمشاكلة ( (2)) لا الحقيقة، و القاضي واقعاً هو الإمام الصادق (عليه السلام).

و ثانياً: يحتمل كون ابن طلحة ممّن كان ينطبق عليه المقياس الوارد في المقبولة.

و ثالثاً: أنّه يصحّ الاستدلال بها على صورة النصب أو الوكالة، و الثاني أظهر من الأوّل.

السابع: قد يدّعى أنّ الموجودين في زمن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ممّن أمر بالتّرافع إليهم، قاصرون عن مرتبة الاجتهاد، و إنّما يقضون بين النّاس بما سمعوه من النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، فدعوى قصور من علم جملة من الأحكام مشافهة أو بتقليد لمجتهد، عن منصب القضاء بما علمه، خالية عن الدّليل ( (3)).

و أجاب عنه المحقّق الآشتيانيّ (رضي الله عنه): بأنّ الشرط الواقعيّ هو العلم بالأحكام لا الاجتهاد، فالمنصوبون من قبل الأئمة (عليهم السلام) كانوا يعلمون الأحكام و إن‏

____________

(1) الوسائل: 19/ 45 ح 2، كتاب القصاص، الباب 23 من أبواب قصاص النفس.

(2) المشاكلة: هي ذكر الشي‏ء بلفظ غيره لوقوعه في صحبته كقوله تعالى: (تَعْلَمُ مَا في نَفْسِي وَ لا أعْلَمُ ما في نَفْسك) (المائدة- 116) المراد: و لا أعلم ما عندك. و عبّر بالنفس للمشاكلة و وقوعه في صحبته.

(3) جواهر الكلام: 40/ 18، و قال (رضي الله عنه): «بل ظاهر الأدلة خلافها، بل يمكن دعوى القطع بخلافها، و نصب خصوص المجتهد في زمان الغيبة بناء على ظهور النصوص فيه، لا يقتضي عدم جواز نصب الغير.

48

كانوا غير مجتهدين، و أمّا زماننا هذا فالعلم فيه لا يحصل إلّا بالاجتهاد، فليس للاجتهاد موضوعية إلّا كونه طريقاً إلى العلم بالأحكام، و هو كان حاصلًا للمنصوبين يوم ذاك دون مقلّدي أعصارنا. و حاصله: أنّ الميزان هو العلم بالأحكام لا الاجتهاد، و العامّي في السابق كان عالماً بها بخلاف العامّي في أعصارنا ( (1)).

يلاحظ عليه: إن كان المراد من العلم، العلم بالأحكام الواقعيّة فهو لم يكن حاصلًا يوم ذاك للمنصوبين و لا للمجتهدين في الأعصار المتقدّمة ضرورة أنَّ أصحاب الأئمة (عليهم السلام) ربّما كانوا يأخذون الأحكام عن أصحابهم، و قد كانوا مبتلين بالأخبار المتعارضة و مشكوك الصّدور، إلى غير ذلك ممّا لا يوجب العلم بالحكم الواقعيّ، و مثله المجتهد، فإنّ ما يحصّله من أحكام ممّا قامت عليه الحجّة لا أنّها أحكام واقعيّة.

و إن كان المراد الأعمّ من الحكم الواقعيّ فهو حاصل لمقلِّدي عصرنا.

و الأولى أن يقال: إنّه لو كان الموضوع لنفوذ القضاء هو المجتهد أو من له قوّة الاستنباط، صحّ أن يردّ بما جاء في الاستدلال بخلاف ما لو قلنا بأنّ الموضوع له، هو من روى حديثهم (عليهم السلام) و نظر في حلالهم و حرامهم و عرف أحكامهم،

____________

(1) كتاب القضاء للمحقّق ميرزا محمد حسن الآشتيانيّ (رضي الله عنه): 9 و 10.

و عبارته كالتالي، حيث قال بعد كلام حول دلالة المقبولة:

«قلت: لسنا قائلين بدلالة المقبولة على اعتبار الاجتهاد في الحاكم، و إنمّا نقول بدلالتها على اعتبار العلم فيه، و لكنّا نقول: إنّه لا يمكن العلم بتحصيل الأحكام الشرعية في زماننا هذا إلّا بملكة الاجتهاد، فاعتبار الاجتهاد ليس من جهة دلالة المقبولة عليه، بل من جهة عدم حصول العلم في زماننا هذا و أشباهه إلّا به (الاجتهاد).

فاعتبار الملكة إنمّا هو من جهة عدم تحقّق الموضوع في هذه الأزمنة إلّا به».

49

و قد كان صادقاً على قضاة عصر الرّسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و من بعده، كما كان صادقاً على المتربّين على أيدي الأئمة (عليهم السلام) من المحدّثين و الفقهاء لاتّصالهم بالمعصومين (عليهم السلام)، و سماعهم منهم أو عمّن سمع منهم، و أمّا في عصرنا هذا فلا يصدق إلّا على من له قوّة الاستنباط و يبذل الجهد بالتتبّع في الروايات و النظر في حلالهم و حرامهم، فيعرف- أكثر- أحكامهم (عليهم السلام) فالموضوع لنفوذ القضاء واحد في جميع الأعصار، غير أنّ بعد العهد و اختلاط الصحيح بالسقيم من الروايات، و ما صدر عن تقيّة بما صدر لبيان الواقع، صار سبباً لعدم صدقه إلّا على لفيف قليل من العلماء و هم الممارسون لأحاديثهم- (عليهم السلام) و الناظرون في حلالهم و حرامهم و العارفون أحكامهم (عليهم السلام)، و لا مجال لصدق ذلك على المقلّد المحض الّذي لا يعرف شيئاً من الأحكام سوى ما جاء في رسالة مقلّده- بالفتح- ( (1)).

المقام الثاني: في نصب المجتهد المقلّد للقضاء:

ما تقدّم من الكلام كان في تصدي المقلّد منصب القضاء (استقلالًا) و قد عرفت عدم الدّليل على جوازه و نفوذ قضائه، و الكلام هنا في تصدّيه للقضاء بعد نصب المجتهد إيّاه للنّظر في المرافعات و القضاء فيها على طبق ما يراه المجتهد. فنقول:

____________

(1) ثمّ إنّ الفرق بين الجوابين واضح، فإنّ جواب المحقّق الآشتياني (رضي الله عنه) مبني على أنّ الميزان هو العلم بالأحكام لا الاجتهاد، غير أنّ العلم بالأحكام كان ميسوراً للقضاة الموجودين في عصر النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) مطلقاً، و أمّا في عصرنا فليس ميسوراً إلّا على من له ملكة الاجتهاد.

و أمّا جوابنا فهو مبنيّ على أنّ الميزان في صحّة التصدّي هو ما جاء في لسان الرّوايات، أعني: قوله «روى حديثنا و نظر في حرامنا و حلالنا و عرف أحكامنا و هو كان صادقاً على القضاة الموجودين في زمن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) مطلقاً (مجتهداً كان أو لا) و لكنّه في عصرنا هذا لا يصدق إلّا على المجتهد، فليس الاجتهاد شرطاً و إنمّا هو طريق لتحصيل موضوع الدّليل. (منه حفظه اللّه).

50

إنّ جواز النّصب للمجتهد رهن أمرين:

1- أن يكون النّصب جائزاً في نفسه بأن لا تكون الفقاهة شرطاً شرعيّاً للقضاء، و لو لم يكن كذلك فلا يجوز للإمام (عليه السلام) فكيف للمجتهد الّذي هو نائبه، هذا و إنّ محور البحث حال الاختيار لا الاضطرار.

2- إنّ كلّ حكم يجوز للإمام (عليه السلام) يجوز للفقيه الجامع للشّرائط، فالدّعوى الأُولى بمثابة الصّغرى للثانية و هي كبرى للأُولى.

أمّا الأُولى فيمكن أن يقال بأنّها غير ثابتة، لأنّه مع ثبوت دلالة المقبولة و المشهورة على أنّ المأذون للقضاء من ينطبق عليه عنوان النّاظر في الحلال و الحرام و العارف بالأحكام، و قلنا بعدم صدق المذكور على المقلِّد، يصير قضاء المقلِّد كقضاء المرأة، فكما لا يصحُّ نصبها للقضاء فكذلك العامّي العارف بمسائل القضاء.

و بعبارة أُخرى: إذا كان الاجتهاد معتبراً شرطاً في القضاء كالرُّجولة و نحوها، فكيف يجوز للإمام (عليه السلام) أن يلغي ما اعتبره الشارع في القضاء و ينصب من ليس أهلًا في ذلك.

ثمّ إنّ هذا على القول بدلالتهما على شرطيَّة الاجتهاد في القضاء، و لو قلنا بالعدم، فيكفينا نفس الشّك في جواز نصب المقلِّد، للحكم بعدم الجواز، و الأصل عدم حجيّة رأي أحد في حقّ أحد- كما تقدّم- إلّا مع قيام الدّليل عليه.

و من هنا يعلم عدم تمامية ما أفاده سيِّدنا الأُستاذ الخميني (قدّه) في ردّ الاستدلال حيث قال: «إنّ المقبولة دلّت على أنّ الفقيه منصوب من ناحيتهم للقضاء، و أمّا اختصاص هذا المنصب للفقيه في نفس الأمر و محروميّة العامّي عنه كذلك بحيث كانت الفقاهة من شروطه الشرعية و أنّ ذلك كان بإلزام شرعيّ إلهيّ،