الرسائل الأربع( قواعد أصولية وفقهية) / تقريرات - ج4

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
94 /
1

الرسالة الرابعة التسامح في أدلّة السنن‏

بقلم‏

الشيخ علي أكبر الكلانتري‏

الشيرازي‏

2

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

3

[مقدمات التحقيق‏]

مقدمة شيخنا الأُستاذ- -:

بسم الله الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على أفضل سفرائه و أشرف بريّته و خاتم أنبيائه محمّد و آله الطاهرين المعصومين. و من اهتدى بهداهم.

أمّا بعد ... فمن فضل اللّه على هذا العبد، صحابة جمّ من الأفاضل حفظهم اللّه تبارك و تعالى، منهم الشيخ الفاضل النبيل، الزكي الجليل، الشيخ علي أكبر الكلانتري الشيرازي- دامت إفاضاته- فقد حضر بحوثي سنين متمادية كتب شيئاً كثيراً منها. و قد أخرج أخيراً ما ألقيته في الأُصول حول مسألة «التسامح في أدلّة السنن» و أضاف إليه شيئاً كثيراً ممّا وقف عليه طيلة بحثه و سعيه. و قد أعجبني جمعه و ترصيفه و تحقيقه، و بالأخص فيما جاء في آخر الكتاب من التنبيه بالمسائل و الآثار المترتبة على تلك المسألة و بذلك أخرجها إلى ساحة العمل، فيا حبذا لو قام الفضلاء بمثل هذا العمل في كل باب من أبواب الأُصول حتى يخرجوها عن كونها مسائل جافة.

و في الختام أدعو له بحسن العاقبة و أن يجعله سبحانه من المجتهدين و أصحاب الفتيا. إنّه بذلك قدير و بالإجابة جدير.

جعفر السبحاني‏

22 شوال المكرّم 1413 هجري‏

4

مقدمة المؤلف:

بسم الله الرحمن الرحيم‏

الحمد لله على ما أنعم و علّم الإنسان ما لم يعلم، و الصلاة و السلام على النبيّ الأعظم، و الرسول الخاتم محمّد و آله مصابيح الظُّلَم.

أمّا بعد: فقد منّ اللّه تعالى عليّ بإعطائي توفيق الحضور في مجالس عدّة من الأساتذة الكرام، و الفقهاء العظام، الذين نذروا أنفسهم لترويج شريعة خاتم المرسلين، و كشف الأستار عن علوم أهل بيته الطاهرين، عليهم أفضل صلوات المصلّين.

من هؤلاء الأجلّاء، شيخنا الأُستاذ العلّامة المحقّق آية اللّه الشيخ جعفر السبحاني، دامت بركاته. و هو- (دام ظلّه)- تعرّض في درس الأُصول- الدورة الثالثة- ل- «مسألة التسامح في أدلّة السُّنن» و أفاض الكلام حولها، و لكنه دعا الحاضرين في مجلس درسه إلى بسطِ المقال في جوانب المسألة، و التحقيق المستوفي مواردها، فحرّرت هذه الرسالة ساعياً لاستيعاب الأنظار في المسألة و أدلّتها، و كل ما يتعلّق بالمسألة من التنبيهات و غيرها.

علي أكبر الكلانتري الشيرازي‏

5

بسم الله الرحمن الرحيم‏

قال شيخنا الأُستاذ- ()-:

اشتهر بين أصحابنا «التسامح في أدلّة السنن» بمعنى عدم اعتبار ما ذكروه من الشرائط في حُجّية الأخبار الآحاد من الإسلام و العدالة و الضبط، في الروايات الدالّة على المندوبات.

و المحكيّ عن الشهيد الثاني (قدس سره) في الدراية أنّه قال: جوّز الأكثر العمل بالخبر الضعيف في نحو القصص و المواعظ و فضائل الأعمال، لا في صفات الله تعالى، و أحكام الحلال و الحرام، و هو حسن حيث لم يبلغ الضعيف حدّ الوضع و الاختلاق. ( (1))

و المحكيّ عن الذكرى: «إنّ أخبار الفضائل يتسامح فيها عند أهل العلم» ( (2)).

و قال في عدّة الداعي بعد نقل الروايات الآتية: فصار هذا المعنى مجمعاً عليه بين الفريقين ( (3)).

____________

(1) الدراية: 29.

(2) مجموعة رسائل: 11، من منشورات مكتبة المفيد.

(3) عدة الداعي: 13.

6

و عن شيخنا البهائي في أربعينه، نسبته إلى فقهائنا ( (1)).

فأصل القاعدة ممّا لا شبهة فيها من حيث كونها مشهورة و معمولًا بها بين الأصحاب، و إنّما المهم تنقيحها من حيث المفاد و الأقوال، و ما يتصل بها من الإشكالات و التنبيهات.

و لقد وقفت في تفحصي في الكتب أنّ المسألة أيضاً مطروحة في بعض كتب أهل السنّة غير أنّهم يعبّ- رون عنه بالعمل في الخبر الضعيف في فضائل الأعمال ( (2)).

____________

(1) اربعين الشيخ البهائي: 192.

(2) البدعة في مفهومها الإسلامي الدقيق: للدكتور عبد الملك السعدي: ص 89.

7

هل المسألة أُصوليّة أو فقهيّة أو كلامية

وقع الكلام في أنّ مفاد «أخبار من بلغ»، المعقود في ضوئها هذا البحث، هل هو ناظر إلى جهة أُصولية أو فقهية؟ بمعنى أنّ تلك الأخبار هل هي ناظرة إلى أنّ الشرائط المعتبرة في حجّية الخبر من الإسلام و العدالة و الضبط، مختص اعتبارها بما إذا كان مفاد الخبر حكماً إلزاميّاً من الوجوب و التحريم و أمّا إذا كان حكماً غير إلزامي فيكفي في ثبوته مجرّد وصول الخبر به؟ و على ذلك تكون هذه الأخبار مخصّصة بمفادها لأدلّة اعتبار الشروط في حجّية الخبر مطلقاً، و موجبة لاختصاصها بالأخبار الدالّة على الأحكام الإلزامية، فتكون المسألة حينئذ أُصولية.

أو هي ناظرة إلى أنّ فعل المكلّف المشكوك تعلّق الأمر به يصير، ببركة هذه الروايات، ذا مصلحة غير إلزامية، موجبة للحكم باستحبابه شرعاً و إن لم يكن مطابقاً للواقع؟ و على هذا يكون البحث في المقام عن استحباب العمل البالغ عليه الثواب، فيكون بحثاً فقهياً.

ذهب الشيخ الأعظم (قدس سره) إلى الأوّل. و بعض آخر كالمحقّق النائيني (قدس سره) إلى الثاني. قال الشيخ في تقريب مختاره:

«إنّ المسألة الأُصولية عبارة عن كلّ قاعدة يبنى عليها الفقه، أعني: معرفة الأحكام الكلية الصادرة من الشارع و مهدت لذلك، فهي بعد اتقانها و فهمها عموماً، أو خصوصاً مرجع للفقيه في الأحكام الفرعية الكلية سواء أبحث فيها عن حجّية شي‏ء أم لا. و كلّ قاعدة متعلقة بالعمل ليست كذلك فهي فرعية، سواء

8

أبحث فيها عن حجّية شي‏ء أم لا.

و من خواص المسألة الأُصولية، أنّها لا تنفع في العمل ما لم تنضمّ إليها قوة الاجتهاد، و استعمال ملكته، فلا تفيد المقلِّد، بخلاف المسائل الفرعية فإنَّها إذا أتقنها المجتهد على الوجه الذي استنبطها من الأدلّة جاز إلقاؤها الى المقلّد ليعمل بها.

فقاعدة التسامح مسألة أُصولية؛ لأنّها بعد إتقانها و استنباط ما هو مراد الشارع منها، يرجع إليها المجتهد في استحباب الأفعال، و ليست ممّا ينفع المقلّد في شي‏ء؛ لأنّ العمل بها يحتاج إلى إعمال ملكة الاجتهاد، و صرف القوة القدسية في استنباط مدلول الخبر، و الفحص عن معارضة الراجح عليه، أو المساوي له، و نحو ذلك ممّا يحتاج إليه العمل بالخبر الصحيح.

فهو نظير مسألة حجّية الخبر الواحد، و مسألتي الاستصحاب و البراءة، و الاحتياط في أنّهما لا يرجع إليهما إلّا المجتهد، و لا ينفعان المقلّد.

و ظهر ممّا ذكرنا أنّ إطلاق الرخصة للمقلّدين في قاعدة التسامح غير جائز، كيف؟ و دلالة الأخبار الضعيفة غير ضرورية؛ فقد يظهر منها ما يوجب طرحها لمنافاته لدليل معتبر، عقليّ أو نقليّ، و قد يعارض الاستصحاب احتمال الحرمة الذي لا يتفطّن له المقلّد، و قد يخطأ في فهم كيفية العمل، إلى غير ذلك من أنواع الخلل، نعم يمكن أن يرخّص له ذلك على وجه خاص يؤمن معه الخطأ، كترخيص أدعية كتاب زاد المعاد، مثلًا للعامي الذي لا يقطع باستحبابها، و هو في الحقيقة إفتاء باستحبابها، لا إفتاء بالتسامح» ( (1)).

و أورد عليه المحقّق الاصفهاني (قدس سره) في تعليقته على الكفاية بما لفظه: «أنّ‏

____________

(1) مجموعة رسائل: 18- 20، من منشورات مكتبة المفيد.

9

المسألة الأُصولية هي القاعدة التي تبتنى عليها معرفة الأحكام العملية الكلّية، و هذا إنمّا يكون فيما لم تكن القاعدة نفسها متكفّلة للحكم العملي الكلّي، بل فيما إذا كانت واسطة لاستنباط حكم عمليّ، و استحباب ما دل الخبر الضعيف على استحبابه حكم عمليّ كلّي جامع ينطبق على موارد الأخبار الضعيفة المتكفّلة لاستحباب أعمال خاصة؛ لا أنّ هذا الاستحباب الجامع واسطة في استنباط استحبابات خاصة؛ ليكون ممّا تبتنى عليه تلك الاستحبابات المبحوث عنها في علم الفقه.

و ليست المسألة الفقهية إلّا ما كانت نتيجتها حكماً عملياً، سواء أ كان حكماً عملياً كلياً تندرج تحته أحكام عملية خاصة أم لا .. [الى أن قال‏]: و أمّا ما ذكره (قدس سره) من الاختصاص بالمجتهد و أنّه لا حظّ منه للمقلّد- و لذا جعل مثل هذا الحكم حكماً أُصولياً في قبال الحكم الفرعي الفقهي- فمدفوع بأنّ التصديق العمليّ أو الإبقاء العمليّ- عمل المقلِّد بالخصوص أو عنوان عمل المجتهد و المقلِّد معاً، لا عنوان عمل المجتهد فقط، نظير الإنشاء و القضاء و ما شابههما ممّا يختص بالمجتهد و انّما يختص بالمجتهد عنواناً من حيث نيابته عن المقلِّد العاجز عن الاستنباط أو التطبيق. فالمقلّد هو المكلّف به لبّاً و حقيقة، و المجتهد هو المخاطب به عنواناً؛ لتنزيله منزلة المقلّد بأدلّة جواز الإفتاء و الاستفتاء. فنظر المجتهد و استنباطه و تطبيقه و يقينه و شكّه كلّها بمنزلة نظر المقلّد و استنباطه و تطبيقه و يقينه و شكّه» ( (1)).

و قال المحقّق النائيني (قدس سره) ما حاصله:

«لا ريب في أنّ ظاهر الروايات [يعني أخبار من بلغ‏] في حدّ ذاتها و بمدلولها المطابقي و إن كان ثبوت الثواب فقط من دون تعرض فيها لإثبات الحجية أو الاستحباب إلّا أنّها بمدلولها السياقي، بما انّها بصدد بيان جعل الداعي إلى‏

____________

(1) نهاية الدراية: 2/ 220، انتشارات مهدوي.

10

العمل، نظير ما ورد من الثواب على أعمال أُخر، مثل قولهم (عليهم السلام): من زار الحسين (عليه السلام) فله كذا و كذا، ينعقد لها ظهور ثانوي في إحدى الجهتين، و يتقدّم الظّهور الثانوي على الظهور الأوّلي المطابقي لما بيّناه غير مرة من أن الظهور في القرينة يتقدّم على الظهور في ذي القرينة، و عليه يدور الأمر بين إحدى الجهتين السابقتين، و المستفاد من ظاهر عنوان المشهور لهذه المسألة بمسألة التسامح في أدلّة السنن، و إن كان يعطي كون البحث عن جهة أُصولية و إن الخبر الوارد في باب المستحبات لا يشترط فيه ما يشترط فيما دل على الحكم الإلزامي.

إلّا أنّ التحقيق ان استفادة الجهة الأُصولية منها في غاية الإشكال، بل لا يمكن أصلًا و ذلك فانّ ظاهر الروايات هو ترتّب الثواب مع احتمال عدم المصادفة للواقع كما هو صريح قوله (عليه السلام): و ان كان رسول الله لم يقله، من أنّ الحجية لا بد و أن تكون متكفّلة لإلغاء احتمال الخلاف و إثبات الواقع بعد قيام الحجة عليه، فكيف يجتمع مع فرض بقاء احتمال عدم المصادفة على حاله.

و بالجملة دليل حجية الأمارات لا بد و أن يكون ناظراً إلى الواقع و مثبتاً له بإلغاء احتمال خلافه، و الرواية صريحة في إثبات ترتّب الثواب مع عدم التعرض فيها لإلغاء هذا الاحتمال بل مقرّرة لبقائه و حينئذ فتكون الروايات أجنبية عن المسألة الأُصولية أيضاً و تكون متمحضة في الحكم بالاستحباب لأجل طرو عنوان ثانوي كما قيل بنظيره في مطلق الأمارات و انّها توجب حدوث عنوان في مؤدّياتها، يوجب جعل الأحكام على طبقها. ( (1))

أقول: المستفاد من كلمات هؤلاء الأجلّة كلّهم، أنّ البحث في هذه المسألة مركّز على مفاد أخبار من بلغ، مع أنّك ستقف على تعدّد مدارك القائلين بالتسامح في أدلّة السنن، من الأخبار و الإجماع و العقل، فينبغي أن نوسع البحث في المقام من هذه الناحية، فنقول:

____________

(1) أجود التقريرات: 2/ 208.

11

إنّا تارة نبحث عن جريان الاحتياط و إمكانه في المقام، فبما انّ البحث يكون حينئذ من إحدى صغريات مسألة الاحتياط و هي أُصولية بلا كلام، فالمسألة المبحوث عنها في المقام أيضاً أُصولية، و أُخرى نبحث عن حكم العمل، هل هو محكوم بالاستحباب أم لا، فهي من هذه الجهة فقهية كما لا يخفى، هذا بالنظر إلى أصل المسألة.

و أمّا بالنسبة إلى أخبار من بلغ، فيبتنى كون المسألة أُصولية أو فقهية، على مختارنا في مفادها، فان ذهبنا إلى أنّ تلك الأخبار ناظرة إلى أنّ الشرائط المعتبرة في حجية الخبر من الإسلام و العدالة و الضبط، مختص اعتبارها بما إذا كان مفاد الخبر حكماً إلزامياً، و أمّا إذا كان حكماً غير إلزامي، فيكفي في ثبوته مجرد وصول الخبر به و بلوغ الثواب عليه فالمسألة حينئذ أُصولية، و إنّ قلنا: إنّ فعل المكلّف المشكوك تعلّق الأمر به، يصير ببركة هذه الروايات ذا مصلحة غير إلزامية، موجبة للحكم باستحبابه شرعاً، و ان لم يكن مطابقاً للواقع و على هذا يكون البحث في المقام عن استحباب العمل البالغ عليه الثواب، فيكون بحثاً فقهياً، إلّا أنّك ستعرف انّ المختار في مفاد تلك الأخبار، لا هذا و لا ذاك، بل هي عندنا ناظرة إلى جهة كلامية محضة.

و أمّا ما أفاده المحقّق النائيني (قدس سره) في ذيل كلامه، من إنّ الروايات تكون متمحّضة في الحكم بالاستحباب لأجل طرو عنوان ثانوي، كما قيل بنظيره في مطلق الأمارات الخ، فهو في غاية البعد جداً، إذ لا دلالة في الأخبار المذكورة على أنّ عنوان البلوغ [بلوغ الثواب أو الخير]، ممّا يوجب حدوث مصلحة غير إلزامية في العمل، بها يصير مستحباً، بل أقصى ما يدل عليه ظاهرها، هو الإرشاد إلى حكم العقل بحسن الانقياد و ترتّب الثواب على الإتيان بالعمل الذي بلغ عليه الثواب و إن لم يكن الواقع كما بلغه، و سيأتي إن شاء الله بيان مفادها تفصيلا.

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

أدلّة القول بالتّسامح‏

يوجد في كلماتهم وجوه من الاستدلال نذكرها واحداً بعد واحد و نحلّلها:

الدليل الأوّل: الإجماعات المنقولة المعتضدة بالشهرة العظيمة:

بل عن الشيخ الأعظم (قدس سره) دعوى الاتفاق المحقّق، فانّه قال: «إنّ الظاهر من صاحب المدارك- قده- في باب الصلاة الرجوع عمّا ذكره في أوّل الطهارة و هو المحكي أيضاً عن ظاهر العلّامة- قده-». ( (1))

و أنت خبير بعدم استحكام هذا الدليل، أوّلًا لعدم حجية المنقول من الإجماع، و ثانياً لاحتمال كونه مستنداً إلى الأدلّة الآتية، احتمالًا قوياً، خصوصاً أخبار من بلغ، بل الظاهر تمسّك الجميع بتلك الأخبار، فهي المستند لا الإجماع.

أضف إلى ذلك اختلاف الأنظار في مفاد تلك الأخبار و ستأتي أقوالهم المتشتتة في ذلك، و ما اشتهر بينهم من التسامح في أدلّة السنن، لا يدل على أنّ مفاد الأخبار عند الجميع، هو إلغاء شرائط الحجية في المندوبات، فانّ التسامح كما يمكن أن يكون من هذا الوجه، يمكن لوجه آخر و يأتي توضيحه.

____________

(1) مجموعة رسائل: 12، من منشورات مكتبة المفيد.

14

الدّليل الثّاني: حكم العقل:

بتقريب انّه لا ريب في أنّ الآتي بالعمل المشكوك كونه مستحباً، قاطع بعدم الضرر في هذا الإتيان، لدورانه بين كونه مباحاً أو مستحباً بخلاف تركه لانّا نحتمل حينئذ ترك ما هو مطلوب في نفس الأمر و لا شبهة في أنّ العقل يرجح حينئذ إتيان الفعل.

و لذا نرى انّ العبيد اذا احتملوا كون شي‏ء مطلوباً للمولى و علموا عدم ترتب ضرر و نقص على الإتيان به يقدمون عليه لهذا الاحتمال و يستحقون المدح من العقلاء و ان لم يكن ذلك الشي‏ء مطلوباً في نفس الأمر.

فإذا ثبت الرجحان عند العقل فهو كاف في الحكم بالندب، غاية ما في الباب انّ ذلك ليس إثباتاً لاستحباب المشكوك من حيث الخصوصية بل إثبات لرجحان فعله من جهة أنّه محتمل المطلوبية. ( (1))

أقول: ضعف هذا الوجه واضح جداً لأنّ المكلّف إمّا أن يأتي بالعمل المشكوك استحبابه بما انّه حكم من الأحكام الشرعية و يعامل معه معاملة المستحبات الواقعية، و إمّا أن يأتي به لاحتمال كون فعله مطلوباً للشارع و محبوباً عنده و لرجاء إدراك الواقع.

أمّا الأوّل: فلا شك في أنّه إمّا تشريع- إن كان التشريع بمعنى إدخال ما لم يعلم أنّه من الدين فيه، لا خصوص إدخال ما علم أنّه ليس منه فيه- و إمّا قول بغير علم و اسناد شي‏ء إلى الشارع كذلك، و لا كلام في حرمة كليهما و يأتي مزيد توضيح لذلك.

و أمّا على الثاني، فالعمل معنون بعنوان الاحتياط و الانقياد، و هو و ان كان أمراً مطلوباً، يشهد به العقل و النقل، إلّا أنّه غير الحكم بالاستحباب ( (2)) كما لا يخفى و يأتي في تنبيهات المسألة بيان الفرق بين قاعدة التسامح و قاعدة الاحتياط.

____________

(1) عناوين الأُصول: 134، بتصرف منّا في العبارة.

(2) لو أراد إثبات الاستحباب، و إلّا فالاستدلال متين.

15

الدليل الثالث: أخبار من بلغ:

و هذه الاخبار و ان كان بعضها مرسلا و كان بينها اختلاف في الجملة، إلّا أنّ بعضها كرواية هشام بن سالم صحيح بلا إشكال، و عن البحار انّه من المشهورات رواه العامة و الخاصة باسانيد ( (1))، بل لا يبعد دعوى تواتر هذه الأخبار معنى، و لا أقل من كونها مستفيضة، و كيف كان فالتكلّم في اعتبار هذه الروايات من حيث السند غير لازم ضرورة انّها متلقاة بالقبول عند الأصحاب، انّما المهم هو البحث عن مفادها و قبل ذلك نذكر الأخبار [و قد جمعها الشيخ المحدث الكبير في المجلد الأوّل من الوسائل، أبواب مقدمة العبادات، بعنوان استحباب الإتيان بكل عمل مشروع روى له ثواب منهم (عليهم السلام)‏]:

1- ما رواه صفوان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: من بلغه عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) شي‏ء من الثواب على شي‏ء من الخير فعمل به، كان له أجر ذلك و إن كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لم يقله.

2- ما رواه هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: من بلغه عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) شي‏ء من الثواب فعمله كان أجر ذلك له و إن كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لم يقله.

3- ما نقله محمد بن مروان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: من بلغه عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) شي‏ء من الثواب ففعل ذلك طلب قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) كان له ذلك الثواب و ان كان النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لم يقله.

4- ما عن حمدان بن سليمان، قال سألت: أبا الحسن علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) عن قول الله عز و جل: (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ‏) ( (2)) قال: من يرد الله أن يهديه بإيمانه في الدنيا إلى جنته و دار كرامته في‏

____________

(1) بحار الأنوار: 2/ 256.

(2) الأنعام: 125.

16

الآخرة يشرح صدره للتسليم للّه و الثقة به و السكون إلى ما وعده من ثوابه حتى يطمئن إليه.

5- ما رواه محمد بن يعقوب باسناده عن هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: من سمع شيئاً من الثواب على شي‏ء فصنعه كان له و إن لم يكن على ما بلغه.

6- ما عن محمد بن مروان أيضاً، قال: سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: من بلغه ثواب من اللّه على عمل فعمل ذلك العمل التماس ذلك الثواب أُوتيه و إن لم يكن الحديث كما بلغه.

7- أحمد بن فهد- في عدة الداعي- قال: روى الصدوق عن محمد بن يعقوب بطرقه إلى الائمة (عليهم السلام): إنّ من بلغه شي‏ء من الخير فعمل به كان له من الثواب ما بلغه و إن لم يكن الأمر كما نقل إليه.

8- علي بن موسى بن جعفر بن طاوس في كتاب الإقبال عن الصادق (عليه السلام) قال: من بلغه شي‏ء من الخير فعمل به كان له ذلك و إن لم يكن الأمر كما بلغه.

9- ما رواه عبد اللّه بن القاسم الجعفري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام)، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): من وعده على عمل ثوابا فهو منجّزة له و من أوعده على عمل عقاباً فهو فيه بالخيار. ( (1))

10- و من طريق العامّة ما رواه عبد الرحمن الحلواني مرفوعاً إلى جابر بن عبد اللّه الأنصاري، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) من بلغه من اللّه فضيلة فأخذ بها إيماناً باللّه و رجاء ثوابه، أعطاه اللّه ذلك و إن لم يكن كذلك. ( (2))

____________

(1) الوسائل، ج 1، أبواب مقدمة العبادات، الباب 18.

(2) عدة الداعي: 13.

17

الأقوال في مفاد الأخبار:

إذا أحطت على أخبار الباب، فاعلم أنّ الأقوال في مفادها ستة:

1- ما يتراءى من المشهور لعنوانهم المسألة بالتسامح في أدلّة السنن و هو أنّ مفادها أنّه لا يشترط في الخبر الوارد في المستحبات، ما يشترط في ما دل على الحكم الإلزامي، و على ذلك فتقع المعارضة بينها و بين ما دل على اشتراط العدالة و الوثوق مثلًا في حجية الخبر.

قال بعض المحقّقين:

أغلب المندوبات و المكروهات ليس له دليل قوى، مع أنّ الفقهاء يفتون به و ظاهر لفظ التسامح هنا يدل على أنّ الأصحاب في دليل الوجوب و التحريم يأخذون بالمداقة بمعنى أنّهم لا يعتمدون فيها إلّا على ما هو دليل شرعاً أي ما قام الدليل على حجيته بخلاف غيرهما فإنّهم يعتمدون فيه على ما لم يقم دليل على حجيته كالخبر الضعيف و فتوى الفقيه الواحد و الشهرة المجرّدة عند من لا يرى حجيتها. و بعبارة أُخرى يدل على اعتمادهم في المندوب و نحوه على ما لا يعتمد عليه في الواجب و الحرام. ( (1))

2- ان يكون مفادها استحباب العمل البالغ فيه الثواب بعنوانه الأوّلي بأن يكون موضوع الحكم هو العمل بعنوانه المأخوذ في الأخبار الضعاف من صلاة أو صيام أو غير ذلك، و مآل هذا القول إلى القول الأوّل كما لا يخفى.

3- أن يكون المستفاد منها استحباب العمل بالعنوان الثانوي أعني به عنوان بلوغ الثواب عليه.

4- أن يكون مضمونها الإرشاد إلى حكم العقل بحسن الانقياد و ترتّب‏

____________

(1) عناوين الأُصول: 133.

18

الثواب على الإتيان بالعمل الذي بلغ عليه الثواب و إن لم يكن الأمر كما بلغه من دون دلالتها على حكم مولوي لا وضعي و لا تكليفي.

و على هذا فالأخبار لا تفيد استحباب الشي‏ء الذي قام عليه الخبر الضعيف و إنّما يثاب العامل ثواب الانقياد و انّها في صدد بيان أنّ الانقياد للّه تعالى حسن كما يحكم بذلك العقل.

5- أن يكون وزانها وزان الجعالة بمعنى وضع الحكم على العنوان العام ليتعقّبه كل من أراد فكما انّ تلك، جعل معلّق على ردّ الضالة، فهذا أيضاً جعل معلّق على إتيان العمل بعد البلوغ برجاء الثواب.

6- و قد يقال: إنّ موردها يختص ب- صورة تحقّق الاستحباب بدليل معتبر و كون البالغ هو الثواب الخاص كما إذا بلغ مثلًا انّ المستحب الفلاني ثوابه ثواب عبادة أربعين سنة، فثبوت الثواب الخاص هو المتسامح فيه دون أصل شرعية الفعل.

هذه هي الأقوال في المسألة و قد احتمل بعض الأعاظم (قدس سره) احتمالًا آخر فيها، و هو أن يكون مفادها مجرد الأخبار عن فضل الله سبحانه من غير نظر إلى حال العمل و انّه على أي وجه يقع. و بعبارة أُخرى: يمكن أن تكون هذه الروايات ناظرة إلى العمل بعد وقوعه و انّ الله تعالى حسب فضله و رحمته يعطي الثواب الذي بلغ العامل و إن تخلّف قول المبلغ و لم يكن الأمر كما أخبر به.

و حينئذ لا تكون الروايات بصدد بيان حال العمل قبل وقوعه من العامل و انّه مستحب و لا بصدد بيان إلغاء شرائط حجية الخبر الواحد في المستحبات، و انّه لا يعتبر فيها ما يعتبر في الخبر القائم على وجوب شي‏ء من الوثاقة أو العدالة. ثمّ قال (قدس سره) في تكميل هذا الاحتمال ما لفظه:

و لا يمكن التمسك بإطلاق الموضوع و هو البلوغ و يقال: إنّ الموضوع في القضية مطلق لم يعتبر فيه شرائط الحجية، فانّ الإطلاق في القضية انّما سيق‏

19

لبيان حكم آخر و هو إعطاء الثواب على العمل الذي بلغ عليه الثواب و إذا كان الإطلاق قد سيق لبيان حكم آخر لا لحكم نفسه، فلا يجوز التمسك به نظير قوله تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ‏) ( (1)). فأنّ إطلاق الأمر بالأكل قد ورد لبيان حلية ما يصطاده كلب الصيد و انّه ليس من الميتة فلا يجوز التمسك بإطلاق الأمر بالأكل لطهارة موضع إمساك الكلب، و في المقام إطلاق قوله (عليه السلام): «إذا بلغه شي‏ء من الثواب فعمله كان له ذلك، لم يرد لبيان استحباب العمل الذي بلغ عليه الثواب حتى يؤخذ بإطلاقه، ليستفاد منه عدم اعتبار ما اعتبر في الخبر الواحد من الشرائط، بل انّما ورد لبيان فضل اللّه تعالى على العباد و انّ الثواب لا يدور مدار إصابة قول المبلغ للواقع و هذا لا ينافي ان يعتبر في قول المبلغ ما يعتبر في الخبر الواحد، أي كان ترتب الثواب مشروطاً بكون قول المبلغ واجداً لشرائط الحجية. ( (2))

نقدُ الأقوال:

أمّا القول الأوّل، فالانصاف أنّه لا يستفاد من الأخبار بوجه، اذ لا دلالة فيها و لو إشارة على إلغاء شرائط الحجية في باب المستحبات، فانّ لسان أكثرها بلوغ الثواب و لسان بعضها كمرسلتي الصدوق و علي بن طاوس، بلوغ الخير و من الواضح انّ الثواب و الخير لا يختصان بالعمل المستحب بل يعمّاه و العمل الواجب، إذ المراد من الثواب فيها، شي‏ء يثاب على فعله بذكر المسبب و إرادة السبب، و هذا المعنى يطلق على الواجب أيضاً لأنّه شي‏ء يثاب على فعله و يعاقب على تركه.

و من هنا استشكل بعضهم في مفاد هذه الأخبار بانّها لو نهضت للدلالة على استحباب الشي‏ء بمجرد ورود الخبر الضعيف، لنهضت للدلالة على وجوب الشي‏ء بذلك.

____________

(1) المائدة: 4.

(2) فوائد الأُصول: 3/ 409، طبعة جماعة المدرسين.

20

و أمّا لفظ الخير فهو و ان يطلق كثيراً ما على المستحبات، إلّا أنّ استعماله في الواجبات أيضاً ليس بقليل كقوله تعالى: (وَ أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ‏) ( (1)) و قوله عز شأنه: (فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ‏) ( (2))، كما انّه قد يستعمل في الأعم منهما كقوله سبحانه: (وَ ما تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ*) ( (3)).

و الشاهد على ما ذكرناه ما رواه عبد الله بن القاسم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): من وعده الله على عمل ثواباً فهو منجّزة له و من أوعده على عمل عقاباً فهو فيه بالخيار. ( (4))

إذ لا ينبغي الريب في أنّ الثواب في هذه الرواية لا يختص بالعمل المندوب بقرينة ذيلها، فكأنّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قسّم الأعمال كلّها على قسمين: قسم يثاب على إتيانه و امتثاله و هو الواجب و المندوب و قسم يعاقب على فعله و هو الحرام، و الظاهر ان ترك المكروه من القسم الأوّل إذ لا عقاب في فعله، و من هنا سيأتي في تنبيهات المسألة إلحاق الكراهة بالاستحباب في التسامح في دليلها. و بالجملة فهذه الأخبار لا تختص بالمستحبات فضلًا عن دلالتها على إلغاء شرائط الخبر فيها.

و ممّا ذكرناه يظهر النظر في كلام المحقّق النائيني (قدس سره) فانّه قال بعد فرض دلالة الأخبار على ذلك: «و حينئذ فتقع المعارضة بينها و بين ما دل على اشتراط العدالة و الوثوق مثلًا في حجية الخبر و لكنّه مع ذلك لا بد من تقديم هذه الأخبار و رفع اليد عن دليل الاشتراط في مواردها، أمّا ما كان من أدلّة الاشتراط من قبيل قوله تعالى: (إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا) أو غيره المفيد لاشتراط العدالة مطلقاً، فوجه تقديمها عليه واضح، فانّ هذه الأخبار أخص من تلك الأدلة فيقدّم عليها

____________

(1) البقرة: 184.

(2) التوبة: 3.

(3) البقرة: 110.

(4) الوسائل: ج 1، أبواب مقدمة العبادات، الباب 18، ح 5.

21

بالأظهرية، و أمّا ما كان منها دالّا على اشتراط شرط مخصوص في خصوص مواردها و هي الأحكام غير الإلزامية حتى يكون النسبة بينها التباين، فلأنّ هذه الأخبار معمول بها عند الأصحاب فلا محالة يكون ما هو المعارض لها على تقدير وجوده معرضاً عنه عندهم فيسقط عن قابلية المعارضة لها» ( (1)).

وجه النظر أنّ أخبار من بلغ لا تختص بالمندوبات حتى تقدّم على ما دل شرائط الحجية، لما عرفت من عموميتها، و أمّا عمل المشهور بهذه الأخبار فهو و إن كان مسلماً إلّا أنّه لم يعلم انحصار وجهه في هذا القول إذ يمكن توجيهه على أحد الأقوال التالية.

مختار المحقّق الخراساني (قدس سره) و نقده:

و أما القول الثاني فهو خيرة المحقّق الخراساني (قدس سره) قال في الكفاية ما نصه: إنّه لا يبعد دلالة بعض تلك الأخبار على استحباب ما بلغ عليه الثواب فانّ صحيحة هشام بن سالم المحكية عن المحاسن عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «من بلغه عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) شي‏ء من الثواب فعمله كان أجر ذلك له و إن كان رسول اللّه لم يقله، ظاهرة في أنّ الأجر كان مترتّباً على نفس العمل الذي بلغه عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) انّه ذو ثواب» ( (2)).

أقول: مقتضى الانصاف انّه لا إشعار في هذه الأخبار على الحكم بالاستحباب فضلًا عن دلالتها عليه بل فيها دلالة على خلافه، توضيح ذلك:

إنّ شيئاً من الأعمال لا يكون مستحبّاً ألّا إذا أمكن للمكلّف انتسابه إلى الشارع بحيث لو سئل عنه حين اشتغاله به، لم تفعل ذلك؟ يقول: افعله لأنّه ممّا طلبه الشارع و قال به، و هذا المناط موجود في جميع المستحبات الثابتة بالأدلّة

____________

(1) أجود التقريرات: 2/ 208.

(2) كفاية الأُصول: 2/ 197.

22

المعتبرة، و غير موجود في المقام، بل الموجود خلافه، فانّ قوله (عليه السلام) في صحيحة هشام المذكور آنفاً: و ان كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لم يقله و قوله (عليه السلام) في روايته الأُخرى: «و إن لم يكن على ما بلغه»، و قوله (عليه السلام) في مرسلة الصدوق: «و إن لم يكن الأمر كما نقل إليه»، جميع ذلك يشهد قوياً على عدم وجود هذا المناط في المقام و عدم صحة الاسناد الى الشارع و كون الأجر مترتباً على نفس العمل على فرض تسليمه لا يدل على استحبابه لأنّ الواجب أيضاً يكون كذلك، فكان الدليل أعم من المدّعى.

و إن شئت فقل: إنّ الأحكام الشرعية توقيفية بلا شبهة و لا فرق بين الوجوب و المستحب من هذه الجهة، و نتيجة ذلك أنّه لا يجوز إثبات شي‏ء منهما إلّا بحجة شرعية، فالدليل المثبت للحكم إن قام دليل على حجيته فهو و إلّا فلا يمكن الركون عليه فلو اسند إلى الشارع بعنوان حكم من الأحكام الشرعية يكون اتباعاً لما لا يعلم و قولًا على الشارع بغير حجة.

فان قلت: ليس غرض القائل الاعتماد على ما لا يعتمد عليه بل غرضه جواز الركون على ما يعتمد عليه في الندب دون الوجوب و الحرمة لدليل دلّ على ذلك بمعنى قيام حجة عامة دالّة مثلًا على حجية الخبر الضعيف الذي لم يدل على حجيته شي‏ء من أدلّة حجية الخبر.

و بعبارة أُخرى: إنّ الحكم باستحباب الفعل و ترتب الثواب عليه ليس في الحقيقة مستنداً إلى ما لا يعتمد عليه و غير الحجة بل هو مستند إلى تلك الأحاديث المشتهر مضمونها بين الفريقين.

قلت: هذه مصادرة بالمطلوب إذ ثبوت ما يعتمد عليه في الندب دون الوجوب هو عين المدّعى و دلالة أخبار من بلغ على ذلك غير معلومة بل قد عرفت أنّ المعلوم عدمها.

فان قلت: كثير من المستحبات ثبت بالأمارات غير المفيدة للعلم فكيف يصح اسنادها إلى الشرع؟

23

قلت: المناط في صحة اسناد حكم إليه، ثبوته بما قام الدليل القطعي على حجيته و إن لم يكن في نفسه قطعيّاً و إن لم يثبت في الواقع و لم يقل به الشارع في نفس الأمر، و المراد من الثبوت، الثبوت بالعنوان الخاص لا بالعنوان الطارئ كعنوان البلوغ.

هذا كلّه أوّلًا.

و ثانياً انّ الظاهر من تلك الأخبار انّ العمل متفرّع على بلوغ الثواب و كونه هو الداعي إلى العمل، و هذا ظاهر في أنّ الثواب إنّما يكون مترتّباً عليه فيما إذا أتى برجاء أنّه مأمور به و بعنوان الاحتياط، و من الواضح أنّ هذا التعبير إنّما يناسب لمن عمل شيئاً انقياداً للمولى لا لأن عمل مستحب.

لا يقال: كون البلوغ داعياً إلى العمل لا يوجب له وجهاً و عنواناً حتى كان الاتيان به انقياداً.

فإنّه يقال: نعم و لكن ذكره في الأخبار يكون قرينة على أنّ المقصود من إتيان الفعل إتيانه انقياداً و لا أقل من كونه موجباً لإجمال الكلام و عدم ظهوره في الدلالة على الاستحباب.

مختار المحقّق النّائيني (قدس سره) و نقده:

و أمّا القول الثالث فهو للمحقّق النائيني (قدس سره) قال:

تكون [يعني الأخبار] متمحّضة في الحكم بالاستحباب لأجل طرو عنوان ثانوي كما قيل بنظيره في مطلق الامارات و أنّها توجب حدوث عنوان في مؤدياتها يوجب جعل الأحكام على طبقها ( (1)).

و لا يخفى أنّه فرق بين ما أفاده (قدس سره) و ما ذكره في الكفاية حيث إنّ موضوع‏

____________

(1) أجود التقريرات: 2/ 208.

24

الحكم على ما في الكفاية هو العمل بعنوانه الأوّلي المأخوذ في الأخبار الضعاف من صلاة أو صيام و نحوهما، و أما على ما اختاره المحقق النائيني (قدس سره) فهو العمل بعنوانه الثانوي الطارئ عليه كما هو مذكور في كلامه و يشهد عليه تنظيره بالأمارات.

و إن شئت قلت: إنّ عنوان البلوغ على مختار صاحب الكفاية (قدس سره) من الحيثيات التعليلية لعروض حكم الاستحباب على العمل، و أمّا على مختاره (قدس سره) فهو من الحيثيات التقييدية كما لا يخفى، و تظهر ثمرة هذا الاختلاف في الآثار التي تترتب على المستحبات الذاتية دون المستحبات العرضية فلا تغفل.

و كيف كان فقد عرفت أنّ الأخبار لا دلالة فيها على الحكم باستحباب العمل فضلًا عن كونها متمحّضة فيه، مضافاً إلى ما أفاده الشيخ (قدس سره) في هذا المجال من أنّ ثبوت الأجر لا يدلّ على الاستحباب الشرعي، لأنّ الظاهر من هذه الأخبار كون العمل متفرّعاً على البلوغ لا على الأمر حتى يثبت الاستحباب الشرعي ( (1)).

فان قلت: إنّ استفادة الاستحباب الشرعي من أخبار من بلغ، يكون نظير استفادته من الأخبار الواردة في الموارد الكثيرة المقتصر فيها على ذكر الثواب للعمل من دون الأمر به مثل قوله (عليه السلام): «من سرّح لحيته أو من صلّ- ى أو صام فله كذا من الثواب»، فكما أنّ قوله مثلًا «من سرح لحيته فله كذا» يدل بالالتزام على استحباب التسريح، فكذا ثبوت الثواب على فعل بطريق غير معتبر يدل بالالتزام على استحبابه شرعاً فيجوز إتيانه بنية امتثاله.

قلت: فرق واضح بين المقامين فإنّ الثواب يترتّب إمّا على الطاعة الحقيقية أي إتيان العمل بداعي الأمر، و إمّا على الطاعة الحكمية أي إتيانه باحتمال الأمر المعبّر عنه بالانقياد، و الأخبار التي اقتصر فيها على ذكر الثواب للعمل لا تدل على‏

____________

(1) فرائد الأُصول: 230، طبعة رحمة اللّه.

25

ترتب الثواب على الطاعة الحكمية أعني تسريح اللحية مثلًا باحتمال الأمر، و إنّما تدل على ترتبه على نفس العمل، فلا بد أن يكون الثواب من جهة الطاعة الحقيقية الموقوفة على العلم بالأمر، فتدل بالالتزام على وجود الأمر المولوي و هذا بخلاف أخبار من بلغ، فإنّها تدل على ترتب الثواب على الطاعة الحكمية و لا دلالة فيها بالالتزام على وجود أمر مولوي، حتى يصح إتيان محتمل العبادة بداعي امتثاله و يستفاد استحبابه.

و الحاصل: أنّه لا وجه لهذا القياس بل المناسب أن يقاس ما نحن فيه بقوله تعالى: (مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها)، الذي يؤكد ما يستقل به العقل من تحصيل ذلك الثواب المضاعف، أو يقاس بما ورد من الثواب على نية الخير، فإنّه وعد الثواب على الطاعة الحكمية و لا دلالة فيها على وجود الأمر المولوي فكذا المقام.

و بالجملة: أنّ الظاهر بل المصرّح به في أخبار من بلغ أنّ الثواب يعطى لأجل الإطاعة الحكمية و هو امتثال الأمر المحتمل، الذي استقل به العقل، فطلب الشارع فيها إرشادي، لا يكشف عن طلب شرعي آخر مولوي ليثبت به الاستحباب الشرعي، و هذا بخلاف تلك الأخبار، فإنّ الظاهر أو المصرّح به فيها أنّ الثواب مترتب على الإطاعة الحقيقية الذي هو امتثال الأمر فيكشف منه طلب شرعي مولوي كما لا يخفى.

*** ثمّ إنّ المحقّق النائيني (قدس سره) أفاد في توجيه مختاره ما حاصله:

«تكون الجملة الخبرية في تلك الأخبار بمعنى الإنشاء و يكون مفاد قوله (عليه السلام): «فعمله» أو «ففعله» الأمر بالفعل و العمل كما هو الشأن في غالب الجمل الخبرية الواردة في بيان الأحكام، سواء أ كانت بصيغة الماضي كقوله (عليه السلام): «من‏

26

سرح لحيته فله كذا» أم بصيغة المضارع كقوله: «تسجد سجدتي السهو» و غير ذلك من الجمل الخبرية التي وردت في مقام الحث و البعث نحو الفعل، فيكون المعنى: إذا بلغ الشخص شي‏ء من الثواب على عمل فليعمله، و على هذا يصح التمسك بإطلاق البلوغ و القول باستحباب العمل مطلقاً.

ثمّ إنّ كون الجملة الخبرية بمعنى الإنشاء و أنّها في مقام بيان استحباب العمل، يمكن أن يكون على أحد وجهين:

أحدهما: أن تكون القضية مسوقة لبيان اعتبار قول المبلغ و حجيته سواء أ كان واجداً لشرائط الحجية أم لم يكن، فيكون مفاد الأخبار مسألة أُصولية، فإنّه يرجع مفادها إلى حجية الخبر الضعيف الذي لا يكون واجداً لشرائط الحجية، و في الحقيقة تكون أخبار من بلغ مخصّصة لما دلّ على اعتبار الوثاقة أو العدالة في الخبر و أنّها تختص بالخبر القائم على وجوب الشي‏ء، و أمّا الخبر القائم على الاستحباب فلا يعتبر فيه ذلك.

ثانيهما: أن تكون أخبار من بلغ مسوقة لبيان أنّ البلوغ يحدث مصلحة في العمل بها يكون مستحباً، فيكون البلوغ كسائر العناوين الطارئة على الأفعال الموجبة لحسنها و قبحها و المقتضية لتغيير أحكامها كالضرر و العسر و النذر و الإكراه و غير ذلك من العناوين الثانوية، فيصير حاصل المعنى هو أنّه يستحب العمل عند بلوغ الثواب عليه كما يجب العمل عند نذره» ( (1)).

أقول: جريان القول بكون «الجملة الخبرية بمعنى الإنشاء» في الأحكام الاستحبابية و التنزيهية بعيد جداً، لأنّ دلالتها على البعث و الالزام يكون غالبا آكد من دلالة صيغة الأمر أو النهي على ذلك فانّ الشارع إذا يقول: يغتسل، يسجد، يصلّي و أشباه ذلك، فكأنّه أخبر عن تحقّق هذه الأفعال بادّعاء أنّ وقوع الامتثال من المكلّف يكون مفروغاً عنه، و من الواضح أنّ هذا اللسان يناسب الأحكام‏

____________

(1) فوائد الأُصول: 3/ 412، طبعة جماعة المدرسين.

27

الإلزامية فقط.

فان قلت: من المقطوع عدم ظهور هذه الأخبار في الحكم الإلزامي و هذه قرينة على أنّ مفادها هو الاستحباب.

قلت: يمكن استفادة الاستحباب في أمثال المقام من الجمل الخبرى بجعل هذه الأخبار كناية عن الطلب الذي هو ملزومها، لا أنّها بنفسها عبارة عن إنشائه على فرض كون هذا الطلب، طلباً مولوياً و هو أيضاً بعيد، لأنّه يحتمل قوياً كون هذا الطلب إرشادياً، فالأظهر عدم دلالة الأخبار المزبورة على الحكم بالاستحباب بوجه من الوجهين.

نظرية الشيخ الأعظم (قدس سره) و نقدها:

و أمّا القول الرابع فهو خيرة الشيخ الأعظم (قدس سره) في فرائده، قال بعد إيراد النقد على القول بالاستحباب ما توضيحه:

الظاهر من هذه الأخبار أنّ العمل متفرّع على عنوان البلوغ و كونه الداعي على العمل، و يؤيد ذلك تقييد العمل في غير واحد من تلك الأخبار بطلب قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و التماس الثواب الموعود، فتختص هذه الأخبار بموارد إمكان الاحتياط و لا تدلّ على أنّ إتيان المحتمل بداعي الأمر يترتب عليه ثواب الامتثال حتى تدل بالالتزام على وجود الأمر المولوي به، و من المعلوم أنّ العقل أيضاً مستقل باستحقاق هذا العامل المدح و الثواب.

و إذا دلّت الأخبار مطابقة على أنّ المحتاط يثاب تفضّلًا- كما أنّ العقل يدل على ذلك- فإن كان الثابت في هذه الأخبار أصل الثواب بمعنى دلالتها إجمالًا على أنّ المحتاط يثاب على الفعل، كانت مؤكدة لحكم العقل بالاستحقاق، و غير مستلزمة للأمر المولوي، و إن كان الثابت بهذه الأخبار خصوص الثواب البالغ،

28

و المعنى مثلًا: من بلغه ثواب عبادة أربعين سنة مثلًا على عمل فعمله، كان له ذلك الثواب و إن لم يكن الواقع كما بلغه، فهو و إنّ كان مغايراً لحكم العقل باستحقاق أصل الثواب على هذا الفعل و لم يكن مؤكداً له بناءً على أنّ العقل يحكم باستحقاق أصل الثواب و لا يحكم باستحقاق ذلك الثواب المسموع، بل قد يناقش في تسمية ما يستحقه هذا العامل لمجرد احتمال الأمر ثواباً و إن كان نوعاً من الجزاء و العوض، إلّا أنّ مدلول هذه الأخبار اخبار عن تفضّل اللّه سبحانه على العامل بالثواب المسموع و هو أيضاً لا يستلزم الأمر المولوي، بل هو نظير قوله تعالى: (مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها) ملزوم لأمر إرشادي يستقل به العقول.

و الحاصل: أنّ اخبار من بلغ، إنّ دلّت على ثبوت أصل الثواب، فتؤكّد حكم العقل و تدل بالالتزام على أمر إرشادي بتحصيله فتؤكد حكم العقل أيضاً و لا تدل على وجود أمر مولوي، و إن دلّت على ثبوت الثواب المسموع فلا يوافق حكم العقل و لا يؤكده، و لكن تدل أيضاً على أمر إرشادي بتحصيله و لا تدل على أمر مولوي» ( (1)).

و أنت واقف بمتانة هذا الوجه بالنسبة إلى الأقوال السالفة و موافقته مع ما ذكرنا في صدر البحث من أنّ لسان هذه الأخبار يعمّ الواجب و المستحب و لا وجه لتخصيصها بالمندوبات و عدم ورود الإيرادات السابقة عليه، و مع ذلك كله فقد ناقش بعض المحققين فيما أفاده (قدس سره) بما نصّه: قد استدلّ الشيخ (قدس سره) للارشاد بوجوه:

الأوّل: تقييد العمل في بعض الأخبار بطلب الثواب الموعود، الثاني: تقييده في البعض الآخر بالتماس قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و وجه الاستدلال أنّ العمل المأتي به بداعي الثواب أو التماس قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) انقياد و لا يكشف ترتّب الثواب عليه عن أمر في البين لأن ترتّب الثواب عليه عقلي.

____________

(1) فرائد الأُصول: 230، طبعة رحمة اللّه.

29

و فيه أوّلًا: منع كونه انقياداً، فانّه من عوارض فعل القلب و هو إرادة الموافقة لا من عوارض الفعل الخارجي.

و ثانيا: أنّه على تقديره لا منافاة بين ترتّبه على الانقياد في دليل غير كاشف عن الأمر و بين ترتّبه في دليل آخر على ذات العمل بعنوانه الأوّلي الكاشف عن الأمر كالصحيحة على مختار المصنّف في مدلولها.

الثالث: أنّ ظاهر قوله في الشرط: فعمله بعد قوله من بلغه، كون الداعي الى العمل هو البلوغ و الأمر المحتمل فحينئذ يكون العمل المأتي به بهذا الداعي انقياداً، و من المعلوم كونه ملزوماً عقلًا للثواب، فلا يكشف عن أمر نفسي آخر كما هو واضح.

و فيه أوّلًا: ما ذكرنا في الأوّلين من الوجوه الوجه الأوّل، و ثانياً: أنّ الشرط و إن كان العمل به مقيداً بكونه برجاء الواقع إلّا أنّه قد أُضيف في الجزاء الأجر و الثواب إلى اسم الإشارة المشار به إلى العمل، و العمل كناية عنه بما هو معنون بالعناوين المأخوذة في الأخبار الضعاف، و أمّا العناوين الأُخر مثل كونه مأتيّاً به بداعي الواقع أو غيره فلم تؤخذ في متعلّق اسم الإشارة فحينئذ يكون الأجر المضاف إلى العمل بعنوانه المأخوذ فيها، كاشفاً عن أمر متعلّق به بما هو كذلك لا بما هو مأتي به بداعي الأمر» ( (1)).

أقول: و يمكن النظر في جميع ما أفاده (قدس سره)

و أمّا ما ذكره أوّلًا، فلأنّ الانقياد قد يطلق على العمل الصادر من الشخص الذي حصل له القطع بالتكليف ثمّ انكشف له الخلاف و أنّه في الواقع لا تكليف عليه، و هو بهذا المعنى يكون في مقابل التجرّي.

و قد يطلق على العمل الصادر من الشخص باحتمال كونه مأموراً به بالأمر الوجوبي أو الاستحبابي أو على الترك باحتمال كون الفعل منهياً عنه بالنهي‏

____________

(1) لاحظ تعليقات المحقّق المشكيني (قدس سره) على الكفاية: 2/ 198 و 199.

30

التحريمي أو التنزيهي، و الجامع بين هذين المعنيين كون العبد بصدد امتثال مطلوب المولى و الاهتمام بأوامره و نواهيه، و من الواضح أنّ العمل الصادر من الشخص الذي بلغه الثواب على ذلك العمل، من مصاديق الانقياد بمعناه الثاني، و لا فرق في ذلك بين كونه من عوارض القلب و كونه من عوارض الفعل الخارجي لأنّ المناط في تطبيق العناوين على مصاديقها هو الصدق العرفيو هو موجود في المقام بلا إشكال، و من هنا أقرّ المحقّق الخراساني (قدس سره) بتحقّق الانقياد في المقام مع ذهابه إلى دلالة هذه الأخبار على الاستحباب.

و أمّا ما ذكره ثانياً، فلأنّ المستفاد من جميع تلك الأخبار مضمون واحد لوحدة لسانها و لا تفاوت في ذلك بين الصحيحة و بين غيرها، مضافاً إلى أنّ الظاهر من بعض الألفاظ الواردة في هذه الأخبار، كقوله (عليه السلام): طلب قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، أو التماس ذلك الثواب، إنّها من الحيثيات التقييدية لا التعليلية، و هذا يشهد على القول بالانقياد و على أنّ المطلوب فيها هو العمل إذا أتى به برجاء المحبوبية لا ذات العمل.

و أمّا ما أفاده ثالثاً، فلعدم الدليل على كون اسم الإشارة في الصحيحة إشارة إلى العمل بعنوان الأوّلي بل صدر هذه الأخبار و ذيلها يشهد على أنّ المشار إليه هو العمل بعنوانه الطارئ. و القول بأنّ العمل كناية عنه بما هو معنون بالعناوين المأخوذة في الأخبار الضعاف غريب.

و على تقدير أنّه إشارة إلى العمل بما هو، لا شبهة في أنّه يصير مقيداً بملاحظة ذيل البعض الآخر من الأخبار مثل قوله (عليه السلام): طلب قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، أو التماس ذلك الثواب و نحوهما، فإن الكلام لا يصير ظاهراً في معنى إلّا بعد ملاحظته صدراً و ذيلًا كما لا يخفى، و قد أقرّ هذا المحقق نفسه بأنّ الشرط هو العمل مقيداً بكونه برجاء الواقع.

و مما ذكرنا سابقاً من أنّ لسان تلك الأخبار آبية عن الاختصاص بالمندوب، يظهر ما في آخر كلامه، من أنّ الأجر المضاف إلى العمل يكون كاشفاً عن أمر

31

متعلّق به، فإنّ الأمر المكشوف من ذلك يمكن تعلّقه في الواقع بكل من الواجب و المستحب، فلا يصح أن نقول على وجه القطع: إنّه كاشف عن أمر استحبابي.

فان قلت: إطلاق لفظ الثواب على الفعل في هذه الأخبار يدل على الاستحباب الشرعي لكثرة إطلاقه على المستحب.

قلت: مضافاً إلى ما في أصل الدعوى، لإطلاقه على الواجب و الانقياد أيضاً، أنّك قد عرفت سابقاً شهادة بعض الأخبار الذي استعمل الثواب فيه في قبال العقاب، على خلاف ذلك.

نظرية الإمام الرّاحل (قدس سره):

و أمّا القول الخامس، فهو مختار سيّدنا الأُستاذ- (قدس سره) و نوّر اللّه مضجعه- قال في توضيحه:

إنّ غرض الشارع لما تعلّق على التحفظ بعامة السنن و المستحبات و يرى أنّ الاكتفاء في طرق تحصيلها على الطريق المألوفة، ربما يوجب تفويت بعضها، فلأجل ذلك توصّل إلى مراده بالحث و الترغيب إلى إتيان كل ما سُمع عن الغير الذي يحتمل كون مما أمر به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و أردف حثّه باستحقاق الثواب و ترتب المثوبة على نفس العمل، حتى يحدث في نفس المكلّف شوقاً إلى الإتيان، لعلمه بأنّه يثاب بعمله طابق الواقع أو خالف، فهذا الخطاب و الترغيب و جعل الثواب على مطلق العمل خالف أو وافق، ليس إلّا لأجل التحفظ على المستحبات الواقعية، كما أنّ الغرض في باب الجعالة متعلّق برد الضالّة لكن يرى المولى أنّ الخطاب الشخصي و الخطاب الخصوصي بين فرد و فردين ربما لا يحصل الهدف به فلأجله يخاطب العموم تحفّظاً على الواقع.

و إنّ شئت فعبّر: كما أنّ قول القائل: من ردّ ضالّتي فله كذا، جَعْلٌ معلّق على ردّ الضالّة، فهذا جَعْلٌ معلّق على إتيان العمل بعد البلوغ أو السماع برجاء

32

الثواب و إنّما جعل الثواب على ذلك حثّاً على إتيان كلّية مؤديات الأخبار الدالّة على السنن، لعلم الشارع بأنّ فيها كثيراً من السنن الواقعيّة فلأجل التحفّظ عليها جعل الثواب على مطلق ما بلغ منه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، نظير قوله تعالى: (مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها)، حيث جعل تضاعف الأجر للحث على الإتيان بالحسنات فأدلّة الباب إطلاق بالنسبة إلى كل ما بلغ بسند معتبر أو غيره» ( (1)).

و يلاحظ عليه أوّلًا: بأنّ هذا الكلام ليس بياناً لما تفيده هذه الأخبار، الذي هو المطلوب في المقام فإنّ هذا المعنى بهذه الخصوصية لا يستفاد من رواية من هذه الروايات، نعم يمكن كونه ملزوماً و نتيجة لمدلولها بأن يكون مفادها مثلًا استحباب العمل البالغ فيه الثواب كما هو مختار بعضهم أو إلغاء شرائط حجية الخبر في المندوبات كما هو المنسوب الى المشهور، و نتيجة ذلك هو التحفّظ على إتيان المستحبات الواقعية و الحث على إتيان كلّية مؤديات الأخبار الدالّة على السنن.

و إن شئت قلت: هذا، أعني: التحفّظ على المستحبات، ثمرة تترتب على جميع الأقوال بل الوجوه المتصوّرة في المقام و لا تعيّن أحدها.

و ثانياً: بما عرفت من أنّ لسان هذه الأخبار يعم الواجب و المندوب و لا وجه لاختصاصه بالمندوب، فالمناسب أن يقال: إنّ تحفّظ الشارع و عنايته بالتكاليف و أحكامه من الواجبات و المستحبات، أوجبه على هذا النحو من الخطاب.

و ثالثا: بما في قوله (قدس سره): «إنّ الخطاب الشخصي و الخطاب الخصوصي بين فرد أو فردين ربما لا يحصل الهدف به فلأجله يخاطب العموم تحفظاً على الواقع» لوضوح أنّ الوصول إلى الغرض بالخطاب الشخصي و البيان الخاص أسهل من الوصول إليه بالخطاب العمومي، لكثرة عناية الناس بالأوّل دون الثاني.

***

____________

(1) تهذيب الأُصول: 2/ 294.

33

و أمّا القول السادس، فهو لا يلائم أخبار الباب، لأنّ الظاهر المتبادر منها هو بلوغ عمل يثاب عليه لا بلوغ الثواب الخاص، مضافاً إلى أنّ لازم هذا القول رجوع الضمير في قوله (عليه السلام): «فعمله»، إلى الثواب الخاص، و لا معنى للعمل بالثواب الخاص إلّا على وجه الاستخدام، بأن كان معنى الصحيحة مثلًا: من بلغه عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) شي‏ء من الثواب الخاص على فعل، فعمل بذلك الفعل كان ذلك الثواب الخاص له، و هذا خلاف الظاهر و بعيد عن المساق كما لا يخفى، و لا أقل من إطلاق الأخبار و شمولها لما إذا بلغ الثواب الخاص و ما إذا بلغ استحباب عمل فلا وجه لتخصيصها بالأوّل.

ثمّ إنّه قد يتوهم كون هذه الأخبار إرشاداً إلى استحقاق العامل الثواب الخاص، و هو مدفوع بما أفاده بعض الأعيان (قدس سره) حيث قال:

إنّ الثواب الذي يمكن الإرشاد إليه لا بد من ثبوته لا من ناحية الإرشاد بل بحكم العقل و العقلاء و ليس هو إلّا أصل الثواب بناءً على أنّ الحسن العقلي و القبح العقلي ليس إلّا كون الفعل ممدوحاً عليه عند العقلاء و كونه مذموماً عليه عندهم، و أمّا الوعد بالثواب الخاص فليس من الشارع بما هو عاقل و إلّا لحكم به سائر العقلاء بل بما هو شارع ترغيباً في فعل تعلق به غرض مولوي فيكشف عن محبوبية مولوية و مطلوبية شرعية، غاية الأمر أنّ محبوبية ما وعد عليه بالثواب الخاص تارة مفروض الثبوت كالوعد بالمثوبات الخاصة على الواجبات و المستحبات المعلومة، و أُخرى غير مفروض الثبوت، فيستكشف ثبوتها بجعل الثواب الخاص فيكون من باب جعل الملزوم بجعل لازمه و الترغيب فيه» ( (1)).

____________

(1) نهاية الدراية: 2/ 223.

34

الوجه المختار:

قد عرفت أنّه لا وجه لاختصاص أخبار من بلغ بالمستحبات، فإنّ لسان أكثرها بلوغ الثواب، و من الواضح شمول عنوان الثواب لكل عمل يثاب على فعله واجباً كان أو مستحباً، بل يعم الحرام أيضاً، فإنّ الثواب بحسب اللغة عبارة عن جزاء العمل خيراً كان أو شراً، قال تعالى: (فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ‏) ( (1)).

كما قال سبحانه: (هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ ما كانُوا يَفْعَلُونَ‏) ( (2)).

قال الراغب في مفرداته: الثواب ما يرجع إلى الإنسان من جزاء أعماله و الثواب يقال في الخير و الشر ( (3)).

و قد عرفت شهادة بعض الأخبار على ذلك.

و هذه نكتة مهمة في المسألة، غفل القوم عنها و لذا جعل بعضهم هذه الأخبار دليلًا على التسامح في أدلّة المندوبات، كما جعلها بعض آخر دليلًا على نفس الاستحباب الشرعي. و التحقيق أنّ مفاد هذه الأخبار هو الإخبار عن تفضل الله سبحانه بالنسبة إلى عباده من دون نظر إلى حكم العمل و أنّه على أي وجه يقع و من دون التفات إلى إلغاء شرائط الحجية في باب المندوبات أصلًا، فإنّ لسانها و المنساق منها أجنبي عن ذلك جداً، فهي في صدد بيان أنّ كل عمل يفعله المؤمن اتكالًا على تفضله و عنايته سبحانه، لا يكون بدون الأجر و الجزاء.

و بعبارة أُخرى أنّ الخبر و إن بلغ في الاعتبار و الصحة ما بلغ إلّا أنّه لما يحتمل أن لا يكون مطابقاً للواقع سواء كان في واجب أو مستحب أو ترك حرام أو مكروه،

____________

(1) المائدة: 85.

(2) المطففين: 36.

(3) مفردات الراغب: 18.

35

يقع في نفس العبد اضطراب و نحو من التردد، فتكون هذه الأخبار في صدد رفع هذا التشويش و الاضطراب و إعطاء الاطمئنان بفضل اللّه و كرمه.

و يؤيد هذا المعنى خبر عبد اللّه بن القاسم: من وعده اللّه على عمل ثواباً فهو منجّزة له و من أوعده على عمل عقاباً فهو فيه بالخيار ( (1)) كما يشهد على ذلك، بل يدل عليه ما رواه حمدان بن سليمان، قال: سألت أبا الحسن علي بن موسى الرضا (عليه السلام) عن قول اللّه عزّ و جّل: (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ‏) قال: «من يرد اللّه أن يهديه بإيمانه في الدنيا إلى جنته و دار كرامته في الآخرة يشرح صدره للتسليم و الثقة به و السكون إلى ما وعده من ثوابه حتى يطمئن اليه» ( (2)). و يشهد على هذا المعنى النبوي العامي أيضاً: «من بلغه من اللّه فضيلة فأخذ بها إيماناً باللّه و رجاء ثوابه أعطاه اللّه ذلك و إن لم يكن كذلك» ( (3)). فلسان هذه الأخبار يقرب من قوله تعالى: (إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ‏) ( (4)) و قوله عزّ شأنه: (إِنَّما تُوعَدُونَ لَواقِعٌ‏) ( (5)).

و قد نقلنا عند بيان الأقوال نظير هذا الاحتمال عن بعض الأعاظم (قدس سره) إلّا أنّه خصص الأخبار بالعمل بعد وقوعه و قال: إنّها لا تنظر إلى حال العمل، و أنت خبير بإطلاقها من هذه الجهة.

إن قلت: المستفاد من أخبار الباب الباب هو التحريض على العمل لا الإخبار عن الفضل و الرحمة فقط.

قلت: لا منافاة بينهما أصلًا بداهة أنّ الإخبار عن رحمته و فضله سبحانه‏

____________

(1) الوسائل ج 1 ابواب مقدمة العبادات، الباب 18، الحديث 5.

(2) المصدر: الحديث 2.

(3) عدة الداعي: 13.

(4) الذاريات: 5.

(5) المرسلات: 7.

36

بالنسبة الى ما وعد من نعيم الجنة يوجب التحريض على العمل و الترغيب في الخيرات و الحسنات، كما أنّ الإخبار عن عقابه و عذابه يوجب الردع و الزجر عن المنهيات و المحرمات.

فتحصل من جميع ذلك أنّ قاعدة التسامح في أدلّة السنن مما لا أساس لها لا من النقل و لا من العقل، و ظهر مما ذكرنا أنّ المناسب أنّ يبحث عن مفاد أخبار من بلغ في علم الكلام لا الأُصول و لا الفقه.

***

الدليل الرابع: حسن الاحتياط الثابت بالسنّة و الإجماع و العقل:

ما ذكره جماعة تبعاً للوحيد البهبهاني (قدس سره) من حسن الاحتياط الثابت بالسنّة و الاجماع و العقل.

و أورد عليه شيخنا الأنصاري (قدس سره) بما حاصله: أنّ الاقدام على إتيان الفعل احتياطاً إنّما يحسنه العقل إذا كان الداعي إليه احتمال المحبوبية و قصد المكلّف إحراز محبوبات المولى إخلاصاً أو رجاء للثواب، و لا كلام لأحد في ذلك فإنّه مما يستقل به العقل ضرورة، إنّما الكلام في استحباب نفس الفعل المذكور على حد سائر المستحبات حتى يكون الداعي للمكلّف على فعله هو هذا الأمر القطعي الذي ثبت من أدلّة التسامح» ( (1)).

أقول: ما أفاده (قدس سره) متين جداً و حاصله: أنّه فرق واضح بين إتيان الفعل المشكوك استحبابه بعنوان الاحتياط رجاء و بين إتيانه بما أنّه مستحب كسائر المستحبات، و الأوّل مما لا كلام فيه و لكن المطلوب للقائل بالتسامح هو الثاني.

***

____________

(1) مجموعة رسائل: 12، من منشورات مكتبة المفيد.

37

إمكان الاحتياط في العبادات المشكوكة و عدمه:

إذا بلغ الكلام هنا فلا بأس بصرف الكلام إلى إمكان الاحتياط في العبادات المشكوكة و عدم إمكانه لشدة ارتباطه بالمقام.

فاعلم أنّه قد يدور الأمر بين وجوب عمل و استحبابه، كالدعاء عند رؤية الهلال، و لا إشكال حينئذ في حسن الاحتياط شرعاً لمثل قوله (عليه السلام): «أخوك دينك فاحتط لدينك» و عقلًا لأنّه يوجب الإتيان بالواقع، و لا ريب أنّه حسن و مطلوب عند العقل المدرك لحسن الأشياء و قبحها، كما لا إشكال في ذلك عند دوران الأمر بين الحرمة و غير الكراهة إذا كان الترك عبادياً فيما إذا فرض عبادية ترك المرجوح، كما لا ريب في استحقاق الثواب في هاتين الصورتين، بناءً على أنّ مطلق وجود الأمر المعلوم في البين كاف في تحقق القربة و إمكان الاحتياط.

و الحاصل: أنّ الاحتياط حسن فيما إذا أحرز أصل الرجحان و المحبوبية و هو محرز في هذين الموردين ( (1)). و من هنا لا ينبغي الريب في حسن الاحتياط في الواجبات التوصلية فانّ المقصود فيها تحقق ذات العمل الراجح عند الشارع.

و إنّما الإشكال في جريان الاحتياط و حسنه في العبادات عند دوران الأمر بين الوجوب و غير الاستحباب من حيث إنّ العبادة لا بد فيها من نية القربة و هي تتوقف على العلم بأمر الشارع تفصيلًا أو إجمالا كدوران الأمر بين وجوب الظهر و الجمعة في يومها و كالصلوات الأربع عند اشتباه القبلة، مع أنّه لا علم به في المقام فلا يمكن الاحتياط.

و ببيان أوضح أنّه يعتبر في تحقق العبادة إتيانها متقرباً إلى اللّه تعالى على وجه الجزم و اليقين و هو لا يحصل إلّا بالجزم بأنّ العمل الفلاني عبادة.

____________

(1) و لا مجال للإشكال في ذلك من ناحية قصد الوجه لأنّه غير معتبر أوّلًا كما حقّق في محلّه، و لو سلّمناه فهو مختص بصورة الإمكان و عند تعذّره لعدم العلم بالوجوب و الاستحباب فلا يعتبر قطعا ثانياً.

38

ثمّ إنّ الإمام الراحل- أعلى اللّه مقامه الشريف- قرّر الاشكال بوجه أدقّ، قال (قدس سره):

«إنّ العبادة متقوّمة بقصد التقرب، و في الشبهات البدئية إمّا أن يقصد ذات الشي‏ء بلا قصد التقرب، أو ذات الشي‏ء مع قصد التقرب، أو ذات الشي‏ء مع احتمال التقرب و الأوّل خلف، و الثاني ممتنع لأنّ القصد الحقيقي لا يتعلق بالأمر المجهول المشكوك فيه، و الثالث غير مفيد لأنّ الإتيان باحتمال التقرب غير الإتيان بقصده و الذي يعتبر فيها قصده لا احتماله» ( (1)).

هذا هو الإشكال، و قد أجاب القوم عنه بوجوه:

الأوّل: ما حاصله: أنّ الأمر معلول للحسن و لا إشكال في حسن الاحتياط فيستكشف بطريق اللمّ وجود أمر في البين متعلق بالاحتياط في العبادة و يقصد هذا الأمر المجزوم به في مقام الاحتياط.

و في هذا الجواب مواقع للنظر، أوّلًا أنّ كون الحسن علة تامة للأمر غير معلوم لنا، فلا مجال حينئذ للاستكشاف لمّا.

و ثانياً: أنّ اللازم وجوده في المقام هو الأمر المولوي و الحسن ليس علة تامة للأمر المولوي بل لو سلمنا ذلك فانّما هو بالنسبة إلى جامع الأمر، و لذا قد يتحقّق الحسن و لا أمر مولوياً كما في الضد المهم إذا تزاحم مع الأهم، و كذا فيما يحكم العقل بحسنه و استحقاق الثواب عليه كما في معرفة اللّه و الإطاعة، و عنوان الاحتياط من هذا القبيل.

و ثالثاً: أنّه لو سلّمنا ذلك أيضاً إلّا أنّ المكشوف أمر مولوي توصّلي متعلق بعنوان الاحتياط، الذي يقطع بعدم دخالة قصد أمره في حصول غرضه و هذا هو شأن الأمر التوصّلي.

____________

(1) تهذيب الأُصول: 2/ 290.

39

و رابعاً: إنّه يستلزم الدور إذ الحسن موقوف على موضوعه و هو الاحتياط و هو موقوف على الأمر المتوقف على الحسن، فيلزم حينئذ توقف الشي‏ء على نفسه فلا يكون الحسن من مقدمات تحقّق الاحتياط. فكيف يقطع بالحسن حتى يستكشف به لمّا تحقّق الأمر المحقّق للاحتياط؟

و قد أشار المحقّق الخوئي (قدس سره) إلى هذا الإيراد بقوله:

«إنّ حكم العقل بحسن الاحتياط لا يثبت موضوعه و إمكان الاحتياط، فانّ حكم العقل و الشرع جاريان على نحو القضايا الحقيقية و بيان الكبرى فقط، و لا تعرض لهما لبيان الصغرى و تحقق الموضوع خارجاً» ( (1)).

هذا و لكن يمكن أن يقال في دفع الدور: إنّ الحسن يكون موقوفاً على موضوعه، أعني: الاحتياط بحسب مقام الثبوت، و أمّا الاحتياط فهو موقوف على وجود الأمر بحسب مقام الإثبات ضرورة أنّ الحسن أمر حقيقي يمكن أن يكون علة تامة عند الشارع للأمر، و أمّا الاحتياط فهو أمر يرتبط بالمكلّف، يتحقق فيما إذا أحرز أصل الرجحان كما لا يخفى.

و خامساً: أنّ هذا الجواب خروج عن محل البحث إذ حينئذ تصير العبادة يقينية كسائر العبادات المعلوم توجه الأمر بها مع أنّ مورد النزاع هو ما إذا شك في وجود الأمر كما لا يخفى ( (2)).

و لكن لقائل أن يقول: فرق واضح بين تعلق الأمر بالعمل بالوجدان كتعلّقه بالصلاة و الصيام و بين تعلقه به بنحو الاستكشاف كما في المقام فانّه من قبيل الشي‏ء الحكمي و التنزيلي، و من الواضح أنّه لا يوجب صيرورة العمل عبادة يقينية واقعاً غاية الأمر أنّه يوجبها حكماً و تنزيلًا.

____________

(1) مصباح الأُصول: 2/ 315.

(2) لاحظ تعليقات المحقّق المشكيني (قدس سره) على الكفاية: 2/ 194.

40

الجواب الثاني: أن الثواب يترتب على الاحتياط عقلًا و حيث إنّه معلول للأمر فيكشف بطريق الانّ عن تعلق الأمر بالعمل المشكوك تعلق الأمر به.

و قد أشار المحقّق الخراساني (قدس سره) إلى هذا الوجه بقوله:

«و انقدح بذلك أنّه لا يكاد يجدي في دفعه أيضاً القول بتعلّق الأمر به من جهة ترتب الثواب عليه» ( (1)).

و قد أُجيب عن هذا الوجه أيضاً بالوجوه الخمسة المتقدمة طرّاً، أمّا الثلاثة الأول، فواضح، و أمّا الرابع فلأنّ ترتب الثواب موقوف بحسب مقام الثبوت على الأمر بالاحتياط الموقوف عليه حسب توقف الحكم على موضوعه، فلو ثبت الاحتياط بالأمر لدار، و لكن يمكن دفع الدور بالبيان المذكور آنفاً. و أمّا الخامس فهو أيضا واضح. إلّا أنّك قد عرفت ما فيه من المناقشة.

الجواب الثالث: ما أفاده الشيخ الأعظم (قدس سره) في فرائده: «منع توقفها [يعني العبادة] على ورود أمر بها بل يكفي الإتيان بها لاحتمال كونها مطلوبة أو كون تركها مبغوضاً، و لذا استقرت سيرة العلماء و الصلحاء فتوى و عملًا على إعادة العبادات لمجرد الخروج من مخالفة النصوص غير المعتبرة و الفتاوى النادرة» ( (2)).

قال شيخنا الأُستاذ- دام ظله-: إنّه أمتن الأجوبة و أحسنها، و زاد في توضيحه ما حاصله: أنّ الحاكم على لزوم قصد الأمر في العبادات هو العقل لا الشرع و هو يحكم بلزوم قصد الأمر القطعي فيما إذا كان الأمر قطعياً و بلزوم قصد الأمر الاحتمالي فيما إذا كان احتمالياً مثل المقام. و لا يوجب ذلك تشريعاً في الدين لأنّ العمل يؤتى به بقصد الرجاء و الاحتياط من دون الاستناد إلى الشرع و إنّما يوجبه إذا أسند إليه، مع العلم بأنّه ليس منه.

***

____________

(1) كفاية الأُصول: 2/ 194.

(2) فرائد الأُصول: 228، طبعة رحمة اللّه.

41

تصحيح عبادية العمل بأوامر الاحتياط

ذكر الشيخ (قدس سره) في فرائده ما حاصله: يمكن تصحيح الاحتياط في العبادة بأوامر الاحتياط الواردة في غير واحد من الأخبار و اللازم قصد هذه الأوامر.

و أجاب (قدس سره) عن إشكال الدور هاهنا بقوله:

«المراد من الاحتياط و الاتّقاء في هذه الأوامر هو مجرد الفعل المطابق للعبادة من جميع الجهات عدا نيّة القربة، فمعنى الاحتياط بالصلاة: الإتيان بجميع ما يعتبر فيها عدا قصد القربة، فأوامر الاحتياط تتعلق بهذا الفعل و حينئذ فيقصد المكلف فيه التقرب بإطاعة هذا الأمر.

و من هنا تتجه الفتوى باستحباب هذا الفعل و إن لم يعلم المقلّد كون ذلك الفعل مما شك في كونه عبادة و لم يأت به بداعي احتمال المطلوبية. و لو أريد بالاحتياط في هذه الاوامر معناه الحقيقي و هو إتيان الفعل لداعي احتمال المطلوبية لم يجز للمجتهد أن يفتي باستحبابه إلا مع التقييد بإتيانه بداعي الاحتمال حتى يقصد عليه عنوان الاحتياط مع استقرار سيرة أهل الفتوى على خلافه، فعلم أنّ المقصود إتيان الفعل بجميع ما يعتبر فيه عدا نيّة الداعي» ( (1)).

توضيح كلامه ملخصاً: هو أنّ لزوم الدور ناش، من كون المراد من الاحتياط في هذه الأخبار معناه الحقيقي و هو إتيان العبادة بجميع ما يعتبر فيها حتى قصد التقرب، و لكن المقصود منه معناه المجازي و هو إتيانها بجميع ما يعتبر

____________

(1) فرائد الأُصول: 229، طبعة رحمة اللّه.

42

فيها عدا القصد المذكور، و حينئذ يرتفع إشكال الدور و يتحقّق الاحتياط في العبادات المشكوك تعلّق الأمر بها بقصد الأمر الاحتياطي.

و قد نوقش في كلامه من وجوه:

1- ما أفاده صاحب الكفاية (قدس سره) و حاصله: أنّه لا يساعد دليل حينئذ على حسن الاحتياط بهذا المعنى بداهة أنّه ليس باحتياط حقيقة، بل هو أمر لو دل عليه دليل كان مطلوباً مولوياً نفسياً كسائر المستحبات و العقل لا يستقل إلّا بحسن الاحتياط بمعناه المصطلح لا بالمعنى المذكور، فإشكال الدور باق بحاله.

2- ما عن المحقّق الخراساني (قدس سره) أيضاً و حاصله: أنّه التزام بالإشكال و تسليم لما ذكره المستشكل من عدم جريان الاحتياط بالمعنى المصطلح فيما نحن فيه و ليس جواباً عنه.

3- إنّ الأمر الاحتياطي في الأخبار إرشادي لا يكون منشأ للقرب.

4- أنّه على فرض المولوية غيري، و هو غير مصحح للعبادية.

5- أنّه على تسليم النفسية، توصلي يسقط بإتيان متعلّقه كيف ما اتفق.

نظرية المحقّق الخراساني في دفع الإشكال:

قال ما حاصله: أنّ منشأ الإشكال هو تخيّل أنّ قصد القربة المعتبر في العبادة يكون كسائر الشروط المعتبرة فيها التي يكون اعتبارها شرعياً مع أنّا حقّقنا في موضعه أنّ اعتباره عقلي لا شرعي، و العقل لا يحكم بأزيد من قصد الأمر جزمياً كان أو احتمالياً كما في المقام، فلا مانع حينئذ من تحقق الاحتياط أصلًا ضرورة تمكن المكلّف من الإتيان بما احتمل وجوبه بتمامه و كماله، غاية الأمر لا بد أن يؤتى به على نحو لو كان مأموراً به لكان مقرباً بأن يؤتى به بداعي احتمال الأمر و لا يكتفي بذات العمل فحسب، فيقع حينئذ على تقدير الأمر به امتثالًا لأمره‏

43

تعالى، و على تقدير عدمه انقياداً لجنابه سبحانه و يستحق الثواب على كل حال إمّا على الطاعة و إمّا على الانقياد» ( (1)).

و يلاحظ عليه أوّلًا: بأنّ الإشكال ليس ناشئاً من تخيّل أنّ قصد الأمر معتبر في العبادة شرعاً، ضرورة أنّه لا تفاوت في جريان الإشكال بين ما إذا قلنا باعتبار قصد الأمر عقلًا أو قلنا باعتباره شرعاً، بل هو ناش عن أمر آخر و هو تخيّل لزوم الجزم في النية كما هو واضح من عبارة المستشكل.

و ثانيا: بما حقّق في موضعه من أنّه لا مانع أصلًا من اعتبار قصد الأمر في متعلق الأمر شرعاً، فانّ الشارع و إن فرض عدم تمكنه من أخذ قصد الأمر في المتعلق بنحو الدلالة المطابقية لتوجّه إيرادات حينئذ، إلّا أنّه متمكن من أخذه بنحو الدلالة الالتزامية، كأن يقول: أقم الصلاة لا للدواعي النفسانية من الرياء و السمعة، فكأنّه قال: أقم الصلاة لأمره و طاعته، كما يمكن له التوصّل إلى هذا الغرض بالجمل الخبرية كأن يقول: أقم الصلاة و أعلم أنّ الغرض لا يحصل من الصلاة إلّا بالإتيان بها بداعي أمرها. أو بقوله: يجب عليك الإتيان بالصلاة بهذا الداعي، أو ما شاكل ذلك.

و يظهر ممّا ذكرنا: أنّه لا مجال للاستشكال عليه (قدس سره) بأنّه التزام بالإشكال كما يوجد ذلك في تعاليق بعض المحققين- (قدس سرهم)-، فإنّه التزام بالإشكال على مبنى هو فاسد عنده و هو إمكان أخذ قصد الأمر في المتعلق لا على مبنى آخر الذي هو مختاره.

نظرية الإمام القائد (قدس سره):

قال أعلى اللّه مقامه: إنّ الإشكال ناش من اعتبار الجزم في النية مع أنّه لا دليل على اعتباره، لا من العقل و لا من النقل. أمّا الأوّل: فلأنّه لا يعقل أن يتجاوز

____________

(1) كفاية الأُصول: 2/ 195.

44

الأمر عمّا تعلّق به و يبعث إلى غير ما تعلّق به، و المفروض أنّ ما وقع تحت دائرة الطلب ليس إلّا ذات العمل و نفس العمل فشرطية أمر آخر يحتاج إلى دليل.

و أمّا الثاني: فالدليل الوحيد هو الإجماع على أنّه يشترط في العبادات الإتيان بالعمل للّه تعالى، و أمّا العلم بأنّه عبادة و الجزم في النية، فليس مصباً للاجماع. و الحاصل: أنّ ما دل عليه ضرورة الفقه و المسلمين، أنّه يشترط أن يأتي المكلّف بأعماله، لوجه اللّه و هو حاصل عند إتيانه بعنوان الاحتياط، ضرورة أن داعي المحتاط في أعماله كلها هو طلب مرضاة اللّه» ( (1)).

أقول: ما أفاده (قدس سره) متين لا غبار عليه، و قد تقدم في رد مقالة المحقّق الخراساني (قدس سره) ما يكون مؤيّداً لكلامه الشريف.

نظريّة المحقق النّائيني (قدس سره) و نقدها:

قال المحقق النائيني (قدس سره)- على ما في تقريرات بعض الأجلّة من تلامذته-:

«إنّ للامتثال مراتب أربع: أحدها: الامتثال العلمي التفصيلي، ثانيها: الامتثال العلمي الإجمالي، ثالثها: الامتثال الظني، رابعها: الامتثال الاحتمالي.

و هذه المراتب الأربع مترتبة عند العقل حسب ترتبها في الذكر، بمعنى أنّه لا تحسن المرتبة اللاحقة إلّا عند تعذر المرتبة السابقة. و على كل حال، بعد تعذر المراتب الثلاث من الامتثال التفصيلي و الإجمالي و الظني تصل النوبة إلى الامتثال الاحتمالي، و العقل يستقل بحسنه، و يكون ذلك امتثالًا للأمر الواقعي على تقدير وجوده، و لا يتوقف حقيقة الامتثال على قصد الأمر التفصيلي و إلّا كان اللازم عدم حصول الامتثال في موارد العلم الإجمالي» ( (2)).

____________

(1) تهذيب الأُصول: 2/ 290 و 192.

(2) فوائد الاصول: 3/ 400، طبعة جماعة المدرسين.

45

أقول: يمكن النظر في ما أفاده أوّلًا: بأنّه خروج عن محل الكلام، لأنّ الإشكال يكون مبتنياً على توقف العبادة في وقوعها و صحتها على العلم بالأمر تفصيلًا أو إجمالًا، و معنى ذلك عدم كفاية الامتثال الاحتمالي في حصول المطلوب.

و ثانياً: هذه المراتب صحيحة عند من لا يعتبر قصد التمييز في العبادة و إلّا فالامتثال ينحصر في قسم واحد و هو الامتثال العلمي التفصيلي.

و ثالثاً: أنّ الأمر في موارد العلم الإجمالي مقطوع الوجود فلا وجه لقياس المقام، أعني: الشبهات البدوية التي ليس فيها إلّا احتمال الأمر به.

هذا مضافاً إلى إمكان الالتزام بالتالي، أعني: القول بعدم حصول الامتثال في موارد العلم الإجمالي، و قد منع بعض الأعاظم الاحتياط فيما يستلزم التكرار في مورد العلم الإجمالي.

هذا تمام الكلام حول مسألة الاحتياط في العبادات المشكوكة. فقد تحصل عدم صحة الاستدلال به في مسألة التسامح و إن ثبت إمكانه عند دوران الأمر بين الوجوب و غير الاستحباب، كما لا إشكال في الإمكان عند دورانه بين الحرمة و غير الكراهة إذا كان الترك عبادياً.

***

46

إشكالات المسألة:

قد أورد على القائلين بالتسامح إشكالات لا بأس بالتعرّض لها.

الإشكال الأوّل:

إنّ المستند لهم هو اخبار من بلغ و هي آحاد لا تكون حجة في المسألة الأُصولية.

و قد أُجيب عن ذلك بمنع كون المسألة أُصولية لأنّ الكلام ليس في حجية خبر الضعيف في المستحبات لأنّه غير حجة و غير معتبر مطلقاً و لا يجوز الركون إليه في حكم من الأحكام، و إنّما الكلام في مسألة فرعية و هي استحباب كل فعل بلغ الثواب عليه، فالخبر الضعيف ليس دليلًا على الحكم و إنّما هو محقق لموضوعه نظير يد المسلم و احتمال طهارة مجهول النجاسة، فكما أنّ الدليل في ملكية كل ما في يد المسلم و احتمال طهارة مجهول النجاسة نفس أدلّة اليد و أصالة الطهارة، فكذلك الدليل في ما نحن فيه على استحباب الفعل هذه الأخبار، لا الخبر الضعيف.

أقول: هذا الكلام لا يخلو عن مناقشة ظاهرة.

أمّا أوّلًا: فلأنّ المسألة و إن لم تكن أُصولية على القول بدلالة الاخبار على استحباب كل فعل بلغ عليه الثواب إلّا أنّها أُصولية على القول المشهور، أعني:

47

القول بدلالتها على التسامح في أدلّة السنن، فإنّ الظاهر من هذا العنوان هو حجية الأخبار الضعاف في السنن، مع إمكان أن يقال: إنّ التعبير عن المسألة في كلماتهم باستحباب كل فعل دل على استحبابه خبر ضعيف، عبارة أُخرى عن حجية الخبر الضعيف في المستحبات، كما يصح مثل هذا التعبير في حجية الخبر المعتبر أيضاً بأن يقال: إنّ الكلام في حكم كل فعل دل الخبر المعتبر عليه.

و بالجملة: عنوان المسألة في كلمات كثيرهم، بل في معقد الشهرة و الإجماعات المنقولة بقولهم: يتسامح في أدلّة السنن بما لا يتسامح في غيرها، يناسب جعل المسألة أُصولية كما لا يخفى.

و الصحيح في الجواب أن يقال:

إنّ هذه الأخبار إمّا متواترة معنى، و إمّا محفوفة بالقرائن كتحقق الاتفاق على مضمونها و كثرة نقلها، و عن البحار أنّه من المشهورات رواه العامة و الخاصة بأسانيد ( (1))، و في عدة الداعي- بعد نقل الروايات المذكورة-، قال: فصار هذا المعنى مجمعاً عليه بين الفريقين مضافاً إلى إمكان الذهاب إلى جواز العمل بالآحاد في المسائل الأُصولية و إنّما الممنوع هو العمل بها في الأُصول الاعتقادية المطلوب فيها العلم و المعرفة.

***

الإشكال الثاني:

لا يمكن الذهاب إلى القول بالتسامح في أدلّة السنن إلّا على القول بأنّ أخبار من بلغ مخصّصة لما دل على اعتبار شرائط الحجية في الخبر

كالوثاقة و العدالة، مع أنّ النسبة بينهما هو العموم من وجه حيث إنّ ما دل على اعتبار الشرائط يعم الخبر الدال على الوجوب و الاستحباب، و اخبار من بلغ و إن كانت‏

____________

(1) بحار الأنوار: 2/ 256.

48

مختصة بالخبر القائم على الاستحباب إلّا أنّه أعم من أن يكون واجداً للشرائط أو فاقداً لها، ففي الخبر القائم على الاستحباب الفاقد للشرائط، يقع التعارض، فكيف تقدم أخبار من بلغ على ما دل على اعتبار الشرائط في الخبر؟

و قد التزم شيخنا الأنصاري (قدس سره) للتفصّي عن هذا الإشكال باختصاص ما دل على اعتبار الشرائط بالواجبات و المحرّمات، قال (قدس سره) ما لفظه:

«إنّ دليل طرح خبر الفاسق إن كان هو الإجماع، فهو في المقام غير ثابت و إن كان آية النبأ، فهي مختصة بشهادة تعليلها بالوجوب و التحريم فلا بد في التعدي عنهما من دليل مفقود في المقام» ( (1)).

و لكن الانصاف أنّ ما أفاده (قدس سره) لا يخلو عن النظر، فانّ ما دل على اعتبار الشرائط في أخبار الآحاد، لا ينحصر في الاجماع و آية النبأ، لأنّ الدليل العمدة أو الوحيد على ذلك، هو السيرة العقلائية و هي تعم الواجبات و المستحبات.

ثمّ إنّ المحقق النائيني (قدس سره) أجاب عن الإشكال بوجه آخر حاصله: أنّه لا بد من تقديم هذه الأخبار و رفع اليد عن دليل الاشتراط في مواردها و إن كانت النسبة بينهما هو العموم من وجه، أمّا ما كان من أدلّة الاشتراط من قبيل قوله تعالى: (إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا)، أو غيره المفيد لاشتراط العدالة مطلقاً، فوجه تقديمها عليه واضح فإنّ هذه الأخبار أخص من تلك الأدلّة فيقدم عليها بالأظهرية.

و أمّا ما كان منها دالّا على اشتراط شرط مخصوص في خصوص مواردها و هي الأحكام غير الإلزامية حتى تكون النسبة بينهما التباين، فلأنّ هذه الأخبار معمول بها عند المشهور، فلا محالة يكون ما هو المعارض لها على تقدير وجوده معرضاً عنه عندهم فيسقط عن قابلية المعارضة لها.

____________

(1) مجموعة رسائل: 24، من منشورات مكتبة المفيد.

49

مع أنّه يمكن أنّ يقال: إنّ هذه الأخبار ناظرة إلى إلغاء الشرائط في الأخبار القائمة على المستحبات، فتكون حاكمة على ما دل على اعتبار الشرائط في الاخبار الآحاد و في الحكومة لا تلاحظ النسبة.

أضف إلى ذلك أنّه لو قدم ما دل على اعتبار الشرائط في مطلق الأخبار لم يبق لأخبار من بلغ مورد، بخلاف ما لو قدمت أخبار من بلغ على تلك الأدلّة فانّ الواجبات و المحرّمات تبقى مشمولة لها» ( (1)).

أقول: للمناقشة في كلامه (قدس سره) مجال واسع:

أمّا أوّلًا: فلأنّ آية النبأ لا تدل على شرائط الحجية مطلقاً، إذ لا شبهة في اختصاصها بالواجبات و المحرّمات، و الشاهد على ذلك ما في ذيلها من التعليل لأن فرض المخافة من الوقوع في الندم إنّما يصح في الأحكام الالزامية فقط. فلا أخصية لأخبار من بلغ بالنسبة إلى آية النبأ.

و أمّا ثانياً: فلأنّ جعل عمل المشهور مرجّحاً لأخبار المقام، ممّا لا وجه له لأنّ عملهم بها و إن كان مسلّماً إلّا أنّ وجهه غير معلوم لنا، إذ يمكن توجيه عملهم على أحد الوجوه السالفة و لا ينحصر في هذا القول، فمن المحتمل أنّهم فهموا منها ما لا ينافي ما دل على الشرائط، فلم يبق تعارض بينهما بحسب نظرهم، و عنوان المسألة في كلماتهم بالتسامح في أدلة السنن لا يدل على أنّ مضمون أخبار من بلغ عندهم هو إلغاء شرائط الحجية في المندوبات فانّ التسامح كما يمكن أن يكون لذلك يمكن أيضاً لوجوه أُخر.

و أمّا ثالثاً: فلأنّ دعوى حكومة أخبار الباب على ما دل على شرائط الحجية، غير مسموعة، حيث إن مناط الحكومة هو أن تكون بعض الأدلة بحسب لسانها ناظراً إلى البعض الآخر تضييقاً أو تعميماً، و هو مفقود في المقام، ضرورة أنّه ليس‏

____________

(1) أجود التقريرات: 2/ 208، و فوائد الأُصول: 3/ 413.

50

لإحدى الطائفتين تعرض لحال الأُخرى.

و أمّا رابعاً: فلأنّ قوله: «لو قدم ما دل على اعتبار الشرائط في مطلق الأخبار لم يبق لأخبار من بلغ مورد بخلاف العكس». منظور فيه بما أفاده سيّدنا الأُستاذ- أعلى اللّه مقامه- من أنّ أخبار الباب لا تختص بخبر الثقة بل لها إطلاق يعم الثقة و غيرها، فلو خرج مورد التعارض بقي الفرد الآخر تحته، و لا يلزم أن يكون المورد الباقي مختصّاً بها.

نعم لو كان مضمونها إلغاء اعتبار الشرائط أو حجية الخبر الضعيف بالخصوص، لكان لما ذكره وجه، و أمّا لو كان مفادها حجية قول المخبر في المستحبات كان لها إطلاق يعم الثقة و غيره، فلو خرج مورد التعارض عن الإطلاق لكان مفادها حجية قول الثقة في المستحبات. هذا مضافاً إلى أنّ عدم بقاء المورد ليس من المرجحات بعد فرض التعارض ( (1)).

و قد يجاب عن الإشكال: بأنّه لا تعارض بينهما نظراً إلى أنّ هذه الأخبار لا تدل على جواز الركون إلى خبر الفاسق و تصديقه و إنّما تدل على استحباب ما روى الفاسق استحبابه.

و أنت خبير بأنّ الالتزام باستحباب ما روى الفاسق استحبابه هو عين الركون إلى خبره و التصديق لقوله، مع أنّ المقصود من طرح خبر الفاسق جعل احتمال صدقه كالعدم و ظاهر هذه الأخبار هو عدم جعله كالعدم، و من هنا لو وردت نظير هذه الأخبار في الخبر الفاسق الدال على الوجوب أو الحرمة، لكانت أدلّة طرح خبر الفاسق معارضة لها بلا إشكال.

و الصحيح في الجواب أن يقال: إنّه لا تعارض بين أخبار من بلغ و أدلّة شرائط الحجية أصلًا، لأنّ مفادها على المختار هو الأخبار بإعطاء الأجر و الثواب‏

____________

(1) لاحظ تهذيب الأُصول: 2/ 297.