الرسائل العشرة

- السيد روح الله الموسوي الخميني المزيد...
233 /
1

مقدّمة التحقيق‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

الحمد للَّه رب العالمين و الصلاة على رسوله الأمين و آله الطاهرين‏

و بعد. فقد كان دأب المدرّسين تدريس المباحث المختصرة أيام العطل و ما يقرب منها حتّى يستفيد الطالب و يشغل أوقاته بالدرس و التحصيل، و على هذا المنوال نهج الإمام الراحل الأُستاذ الكبير خلال تدريس الفقه و الأُصول طوال فترة تدريسه بقم المشرّفة بعض المباحث المفيدة و المشكلة. و قد كتب بعض المباحث في رسالات وجيزة قيّمة، و من هذه المباحث:

التقيّة

فقد كتبها بعد تدريسها سنة 1373 ه عند ما بقي من أيام التحصيل غير أيام قليلة، و هو بعد البحث عن التقية في الوضوء و المسح على الخفّين. و الظاهر أنّ المؤلف العلامة قد علّق على الرسالة عند ما كتب «المكاسب المحرّمة» و قد تداخلت الحواشي و المتن عند الطبع الأوّل للكتاب. و من المؤسف أنّ النسخة الخطية للكتاب قد ضاعت و لا أثر لها، فاعتمدنا في تحقيقنا على النسخة المطبوعة.

2

فروع العلم الإجمالي‏

و هي رسالة في سبعة من الفروع بحسب ترتيب السيّد اليزدي (قدّس سرّه) في العروة الوثقى‏ كتبها المؤلف عند تدريسه سنة 1375 ه، و هذه الفروع على ما في تقريرات تلامذته ألقاها على الطلاب قبل انتهاء الفترة الدراسيّة بشهر تقريباً عند ما أتمّ مباحث الألفاظ في الأُصول، و لم يشرع بالجزء الثاني من الأُصول و أحاله إلى السنة الآتية، و في الرسالة أبحاث قيّمة، و هذه الرسالة لم تطبع بعدُ، بل الظاهر أنّ الإمام (قدّس سرّه) لم يُسعفه الوقت للنظر فيها مرة أُخرى و بقيت كما هي مسودّة و ناقصة.

تنبيه‏

للإمام الخميني (قدّس سرّه) ثلاث رسائل لم يكتبها بل قد أفاضها على هذا المنوال و هي:

1 المسائل المستحدثة.

2 حكم من شغله السفر و من شغله في السفر.

3 حكم قضاء الصلوات عن الميت.

و بأيدينا من هذه الأبحاث ثلاث رسائل بقلم بعض مقرّري بحثه الشريف و تلامذته الكرام و نرجو من اللَّه سبحانه التوفيق لتنظيمها و نشرها.

الفوائد الخمسة

و هذه الفوائد هي المكتوبة قبل سنين حين كان الإمام شابّاً و لعلّها أوّل ما

3

صنّف في الفقه و الأُصول على ما نقله بعض تلامذته لكنها مشتملة على نكات هامّة و رسالات مفيدة و هي:

1 قاعدة من ملك شيئاً ملك الإقرار به، و هذه الرسالة و كأنّها سجال علمي ينتقد فيها بموضوعية رسالة الشيخ الأعظم الأنصاري في هذه القاعدة.

2 في تداخل الأسباب، و هي قاعدة أُصولية.

3 في نقد قياس الأوامر التشريعية بالعلل التكوينية، الذي كثيراً ما وقع في كلام علماء الأُصول، و يكون من موارد الخلط بين التشريع و التكوين و الاعتباريات و الحقائق. و هذا القياس من مهمّات ما بنى‏ آرائه عليه الأُستاذ العلّامة الحائري اليزدي، فتكون هذه الرسالة بمثابة نقد علمي رصين على آراء هؤلاء العلماء.

4 في موضوع علم الأُصول، و هو من المباحث التي طالما وقع التشاجر فيه بين علماء الأُصول، حتّى استقرّ رأي محقّقي المتأخرين على مبهميّته، و قد ألجأتهم إلى الالتزام به بعض الشبهات.

و المؤلف (قدّس سرّه) لمّا كان الحقّ في نظره الشريف أنّ الموضوع هو الحجّة بعنوانها أراد أن يدفع الشبهة المهمّة الداعية إلى ذلك؛ فأفرد لها هذه الرسالة المستقلّة.

5 في تبيّن الفجر فعلًا في الليالي المقمرة، و هي من الفتاوى‏ التي انفرد بها الإمام الخميني (قدّس سرّه) بين أقرانه. و قد طبعت هذه الرسالة سابقاً بصورة منفردة. لكنّنا الآن و بعد تحقيقها ننشرها مع هذه الفوائد مجتمعة و مرتبة كما هي كذلك في النسخة الخطية.

4

ثلاث فوائد

و هناك ثلاث فوائد، توجد بخط الإمام الخميني (قدّس سرّه):

1 الفائدة الاولى‏: في شرح حال العقود و الإيقاعات.

2 الفائدة الثانية: في حال الشروط المخالفة للكتاب و المباحث المتعلّقة بها.

3 الفائدة الثالثة: في التكلّم في بعض جهات ما نقل عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم) من قوله: «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّي».

إلّا أنّنا لا نجزم بأنّها من إفاضاته هو (قدّس سرّه) حيث تختلف بعض مطالبها مع سائر تأليفاته و توافق بعض تقريرات بحوث السيّد آية اللَّه العظمى البروجردي (قدّس سرّه)، و لعله استنسخها منها و لذلك وضعناها في الضميمة.

منهجنا في التحقيق‏

1 تقويم النص و تقطيعه و جعل العناوين المناسبة له، و وضع علامات الترقيم.

2 استخراج مصادر الكتاب من الآيات و الروايات و الأقوال و الإشارات، بضميمة ترجمة العلماء الذين ذكروا في المتن.

3 وضع الفهارس الفنية تسهيلًا للمطالب.

و أخيراً نرجو من اللَّه التوفيق و السداد.

مؤسسة نشر آثار الإمام الخميني (قدّس سرّه)

5

بسم اللَّه الرحمن الرحيم و صلّى اللَّه على‏ محمّد و آله الطاهرين و لعنة اللَّه على‏ أعدائهم أجمعين‏ و بعد. فلمّا بلغ بحثنا في الدورة الفقهيّة إلى‏ بعض فروع التقيّة، أحببت أن أُفرد فيها رسالة كافلة لمهمّات مباحثها، فيقع الكلام في مباحث‏

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

1- التقيّة

المبحث الأوّل في أقسام التقيّة

و لمّا كانت «التقيّة» من العناوين التي تضاف إلى المتقي، و المتقى منه، و المتقى فيه، فلا محالة تنقسم بحسب ذاتها و إضافاتها إلى‏ أقسام:

منها: التقسيم بحسب ذاتها

فتارةً: تكون التقيّة خوفاً.

و أُخرى: تكون مداراةً.

و الخوف قد يكون لأجل توقّع الضرر على‏ نفس المتقي، أو عرضه، أو ماله، أو ما يتعلّق به. و قد يكون لأجل توقّعه على‏ غيره من إخوانه المؤمنين. و ثالثةً لأجل توقّعه على‏ حوزة الإسلام؛ بأن يخاف شتات كلمة المسلمين بتركها؛ و خاف وقوع ضرر على‏ حوزة الإسلام لأجل تفريق كلمتهم .. إلى‏ غير ذلك.

و المراد بالتقيّة مُداراةً: أن يكون المطلوب فيها نفس شمل الكلمة و وحدتها؛ بتحبيب المخالفين و جرّ مودّتهم، من غير خوف ضرر كما في التقيّة

8

خوفاً، و سيأتي التعرّض لها (1).

و أيضاً: قد تكون التقيّة مطلوبة لغيرها، كما تقدّم، و قد تكون مطلوبة لذاتها؛ و هي التي بمعنى الكتمان في مقابل الإذاعة، على‏ تأمّل فيه‏ (2).

و بالجملة: يظهر من مجموع ما ورد فيها أنّها على‏ أقسام:

منها: كونها كسائر الأعذار و الضرورات، فرخّصت للضرورة و الاضطرار. و يدخل فيها التقيّة الإكراهيّة التي لم نتعرّض لها هاهنا، و فصّلنا حولها في الرسالة المعمولة في «المكاسب المحرّمة» (3).

و منها: ما شرعت لأجل مداراة الناس و جلب محبّتهم و جرّ مودّتهم.

و منها: ما تكون مطلوبة بذاتها في دولة الباطل إلى‏ ظهور دولة الحقّ؛ و هي التي في مقابل الإذاعة، و مساوقة للكتمان.

و منها: التقسيم بحسب المتقي‏

فقد يكون المتقي من الأشخاص المتعارفة، كالسوقي و غيره.

و قد يكون من رؤساء المذهب ممّن له شأن دينيّ أو غيره بين الناس على‏ حسب مراتبهم، كالنبي (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم) بناءً على‏ جواز التقيّة له و الأئمّة (عليهم السّلام) و الفقهاء و رؤساء المذهب و سلاطين الشيعة و الأُمراء. و سنشير إلى‏ إمكان اختلاف حكم التقيّة بحسب المتقي‏ (4).

____________

(1) يأتي في الصفحة 56 و 70.

(2) يأتي وجهه في الصفحة 34 36.

(3) المكاسب المحرّمة، الإمام الخميني (قدّس سرّه) 2: 223 226.

(4) يأتي في الصفحة 13 و 19.

9

و منها: التقسيم بحسب المتقى‏ منه‏

فتارةً: تكون التقيّة من الكفّار و غير المعتقدين بالإسلام؛ سواء كانوا من قبيل السلاطين أو الرعيّة.

و أُخرى: تكون من سلاطين العامّة و أُمرائهم.

و ثالثةً: من فقهائهم و قضاتهم.

و رابعةً: من عوامّهم.

و خامسةً: من سلاطين الشيعة أو عوامّهم .. إلى‏ غير ذلك.

ثمّ إنّ التقيّة من الكفّار و غيرهم قد تكون في إتيان عمل موافقاً للعامّة، كما لو فرض أنّ السلطان ألزم المسلمين بالعمل بفتوى‏ أبي حنيفة (1) و قد تكون في غيره.

و منها: التقسيم بحسب المتقى‏ فيه‏

فتارةً: تكون التقيّة في فعل محرّم.

و أُخرى: في ترك واجب.

و ثالثةً: في ترك شرط أو جزء أو فعل مانع أو قاطع.

و رابعةً: في العمل على‏ طبق الموضوع الخارجي الذي اعتقد المتقى‏ منه تحقّقه؛ إمّا بسبب الثبوت عنده بحكم القضاة و السلاطين، أو بسبب قيام البيّنة

____________

(1) هو إمام المذهب الحنفي السنّي النعمان بن ثابت بن زوطى التميمي، ولد سنة 80 ه و توفّي سنة 150 ه.

تهذيب الكمال 29: 417 445، تنقيح المقال 2: 272.

10

المعتبرة عنده ممّا لم تكن معتبرة عندنا، كالإفطار في يوم عيّد المخالف فيه، و الوقوف بعرفات و سائر المواقف موافقاً للعامّة. فحينئذٍ قد يكون الموضوع الخارجي معلوم الخلاف عند المتقي، كما لو علم أنّ يوم عيدهم من شهر رمضان، و قد يكون مشكوك التحقّق، كما لو كان يوم عيدهم يوم الشكّ عنده.

عموم أخبار التقيّة و إطلاقها

ثمّ إنّه لا ريب في عموم أخبار التقيّة و إطلاقها كصحيحة الفضلاء (1) قالوا: سمعنا أبا جعفر (عليه السّلام) يقول‏

التقيّة في كلّ شي‏ء يضطرّ إليه ابن آدم فقد أحلّه اللَّه له‏

(2)

و رواية الأعجمي‏ (3) عن أبي عبد اللَّه (عليه السّلام) في حديث أنّه قال‏

لا دين لمن لا تقيّة له، و التقيّة في كلّ شي‏ء إلّا في النبيذ و المسح على الخفّين‏

(4)

و غيرهما (5) بالنسبة إلى‏ أشخاص المتّقي و أقسام التقيّة الخوفيّة،

____________

(1) هم: إسماعيل الجعفيّ و معمّر بن يحيى‏ بن سام و محمّد بن مسلم و زرارة بن أعين، كما صرّح بهم في نفس الرواية.

(2) الكافي 2: 220/ 18، وسائل الشيعة 16: 214، كتاب الأمر و النهي، الباب 25، الحديث 2.

(3) من أصحاب الصادق (عليه السّلام) كما عن البرقي، و يكنّى بأبي عمر، روى‏ عنه (عليه السّلام) و روى عنه هشام بن سالم و لم يذكره سائر الرجاليين بمدح أو قدح.

تنقيح المقال 3: 29، معجم رجال الحديث 21: 257.

(4) المحاسن: 259/ 309، الكافي 2: 217/ 2، الخصال: 22/ 79، وسائل الشيعة 16: 215، كتاب الأمر و النهي، الباب 25، الحديث 3.

(5) نحو قول الباقر و الصادق (عليهما السّلام): «لا إيمان لمن لا تقيّة له»، و نحو قول الباقر (عليه السّلام): «التقيّة في كلّ ضرورة» و أمثالهما كثير.

راجع وسائل الشيعة 16: 203، كتاب الأمر و النهي، الباب 24 و 25.

11

على‏ إشكال في بعض الصور، كالخوف على‏ إخوانه المؤمنين؛ فإنّ صدق الاضطرار فيه محلّ إشكال، بل منع.

بل صدقه في غير الخوف على‏ نفسه و أتباعه و عشيرته القريبة [منه‏] لا يخلو من تأمّل. لكن مقتضى‏ بعض الروايات أنّها أعمّ‏ (1). لكن هنا كلام يطلب من الرسالة المشار إليها (2).

و الظاهر أنّ غالب تقيّة الأئمّة (عليهم السّلام) في الفتوى‏ لأجل حفظ شيعتهم.

و كذا لا إشكال في شمولها بالنسبة إلى المتقى‏ منه؛ كافراً كان أو مسلماً، مخالفاً أو غيرهما. و كون كثير من أخبارها ناظراً إلى المخالفين، لا يوجب اختصاصها بهم‏ (3) لعدم إشعار فيها على‏ كثرتها بذلك؛ و إن كان بعض أقسامها مختصّاً بهم، كما سيأتي التعرّض له‏ (4) لكنّ الظاهر من كثير منها التعميم في الجملة.

____________

(1) كرواية أمير المؤمنين (عليه السّلام): التقيّة من أفضل أعمال المؤمن، يصون بها نفسه و إخوانه عن الفاجرين، و قضاء حقوق الإخوان أشرف أعمال المتّقين، يستجلب مودّة الملائكة المقرّبين، و شوق الحور العين.

وسائل الشيعة 16: 222، كتاب الأمر و النهي، الباب 28، الحديث 3، و راجع: 228، الباب 29، الحديث 11، مستدرك الوسائل 12: 259، كتاب الأمر و النهي، الباب 24، الحديث 6، و: 262، الباب 27، الحديث 3.

(2) المكاسب المحرّمة، الإمام الخميني (قدّس سرّه) 2: 243 245.

(3) المكاسب: 321/ السطر 11.

(4) يأتي في الصفحة 70.

12

و هل تعمّ بالنسبة إلى المتقى‏ فيه؟ الظاهر منها و من أدلّة نفي الحرج‏ (1) و الرفع‏ (2) و إن كان ذلك؛ و تكون تلك الأدلّة حاكمة على‏ أدلّة المحرّمات و الواجبات، لكن يقع الكلام في موارد يمكن أن يقال باستثنائها منها، أو دلّ دليل عليه.

حول الموارد التي لا يجوز التقيّة فيها

منها: بعض المحرّمات و الواجبات التي في نظر الشارع و المتشرّعة في غاية الأهمية

مثل هدم الكعبة و المشاهد المشرّفة بنحو يمحى الأثر و لا يرجى‏ عوده، و مثل الردّ على الإسلام و القرآن، و التفسير بما يفسد المذهب و يطابق الإلحاد، و غيرها من عظائم المحرّمات، فإنّ القول بحكومة نفي الحرج أو الضرر و غيرهما على‏ أدلّتها- بمجرّد تحقّق عنوان الحرج و الاضطرار و الإكراه و الضرر و التقيّة بعيدٌ عن مذاق الشرع غايته.

فهل ترى من نفسك إن عُرض على‏ مسلم تخريب بيت اللَّه الحرام و قبر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم) أو الحبس شهراً أو شهرين، أو أخذ مائة أو مائتين منه، يجوز له ذلك تمسّكاً بدليل الحرج و الضرر؟! و الظاهر هو الرجوع في أمثال تلك العظائم إلى‏ تزاحم المقتضيات من غير توجّه إلى‏ حكومة تلك الأدلّة على‏ أدلّتها. و يشهد له مضافاً إلى‏ وضوحه-

____________

(1) المائدة (5): 6، الحجّ (22): 78.

(2) وسائل الشيعة 15: 369، كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس، الباب 56، الحديث 1 و 3، و 23: 237، كتاب الأيمان، الباب 16، الحديث 3.

13

موثّقة مَسْعَدة بن صَدَقة (1) عن أبي عبد اللَّه (عليه السّلام) في حديث‏

و تفسير ما يتقى‏: مثل أن يكون قوم سوءٍ ظاهر حكمهم و فعلهم على‏ غير حكم الحقّ و فعله، فكلّ شي‏ء يعمل المؤمن بينهم لمكان التقيّة ممّا لا يؤدّي إلى الفساد في الدين فإنّه جائز

(2)

.

هذا مع أنّ في دليل الضرر كلاماً تعرّضنا له في رسالة «لا ضرر» و ذكرنا أنّه أجنبيّ عن الحكومة على‏ أدلّة الأحكام‏ (3).

و من هذا الباب ما إذا كان المتقي ممّن له شأن و أهمّية في نظر الخلق؛ بحيث يكون ارتكابه لبعض المحرّمات تقيّة أو تركه لبعض الواجبات، ممّا يعدّ موهناً للمذهب و هاتكاً لحرمته، كما لو اكره على‏ شرب المسكر و الزنا مثلًا، فإنّ جواز التقيّة في مثله تشبّثاً بحكومة دليل الرفع و أدلّة التقيّة مشكل، بل ممنوع. و لعلّه عليه محمول قوله في صحيحة زرارة (4)

____________

(1) هو أبو محمّد مسعدة بن صدقة العبدي البصري، صحب الباقر و الصادق و الكاظم (عليهم السّلام) و روى عنهم، و روى عنه جعفر بن عبد اللَّه و هارون بن مسلم، له كتاب خطب أمير المؤمنين (عليه السّلام) و قد وصفه الشيخ الطوسي في رجاله بالعامّي، و نسبه الكشّي إلى البتريّة إلّا أنّه معتمد عليه في النقل موثوق به، لأنّ ما يرويه في غاية المتانة، و موافق لما يرويه الثقات من الأصحاب، و لذا عملت الطائفة بأخباره.

رجال النجاشي: 415، اختيار معرفة الرجال 2: 687، رجال الطوسي: 40 و 314، تنقيح المقال 3: 212، معجم رجال الحديث 18: 137.

(2) الكافي 2: 168/ 1، وسائل الشيعة 16: 216، كتاب الأمر و النهي، الباب 25، الحديث 6.

(3) بدائع الدرر في قاعدة نفي الضرر، الإمام الخميني (قدّس سرّه): 105 و 129.

(4) هو شيخ أصحابنا في زمانه و متقدّمهم القارئ الفقيه المتكلّم الشاعر الأديب الثقة أبو الحسن عبد ربّه بن أعين بن سنسن الملقّب بزرارة، اجتمعت فيه خلال الفضل و الدين، فأجمعت الطائفة على تصديقه و انقادوا له بالفقه، صحب الباقر و الصادق و الكاظم (عليهم السّلام) و روى عن الصادقين و عن حمران بن أعين و محمّد بن مسلم و عبد الكريم الهاشمي .. و روى عنه جماعة، منهم أبان بن عثمان، و أبان بن تغلب و جميل بن درّاج ..

رجال النجاشي: 175، اختيار معرفة الرجال 2: 507، رجال الطوسي: 123 و 201 و 350، معجم رجال الحديث 7: 247 248.

14

الآتية (1) بعدم اتقائه من شرب المسكر .. إلى‏ آخره.

و أولى من ذلك كلّه في عدم جواز التقيّة فيه: ما لو كان أصل من أُصول الإسلام أو المذهب أو ضروريّ من ضروريّات الدين، في مَعرض الزوال و الهدم و التغيير، كما لو أراد المنحرفون الطغاة تغيير أحكام الإرث و الطلاق و الصلاة و الحجّ و غيرها من أُصول الأحكام، فضلًا عن أُصول الدين أو المذهب، فإنّ التقيّة في مثلها غير جائزة؛ ضرورة أنّ تشريعها لبقاء المذهب و حفظ الأُصول و جمع شتات المسلمين لإقامة الدين و أُصوله، فإذا بلغ الأمر إلى‏ هدمها فلا تجوز التقيّة. و هو- مع وضوحه يظهر من الموثّقة المتقدّمة (2).

و منها: المسح على الخفّين و متعة الحجّ و شرب المسكر و النبيذ و الجهر ب «بسم اللَّه»

فإنّ مقتضى‏ بعض الأخبار استثناؤها عن التقيّة، كصحيحة زرارة قال: قلت له: في مسح الخفّين تقيّة؟ فقال‏

ثلاثة لا أتّقي فيهنّ أحداً: شرب المسكر، و مسح الخفّين، و متعة الحجّ‏

قال زرارة: و لم يقل: الواجب عليكم أن‏

____________

(1) يأتي في نفس الصفحة

(2) تقدّمت في الصفحة 13.

15

لا تتقوا فيهنّ أحداً (1).

و رواية أبي عمر الأعجمي، عن أبي عبد اللَّه في حديث‏

و التقيّة في كلّ شي‏ء إلّا في النبيذ و المسح على الخُفّين‏

(2)

و غيرهما (3).

و في مقابلها بعض آخر، كرواية أبي الورد (4) قال: قلت لأبي جعفر: إنّ‏

____________

(1) الكافي 3: 32/ 2، وسائل الشيعة 16: 215، كتاب الأمر و النهي، الباب 25، الحديث 5.

(2) تقدّم تخريجه في الصفحة 10.

(3) نحو ما عن دعائم الإسلام: قال جعفر بن محمّد (صلوات اللَّه عليهما): «التقيّةُ ديني، و دين آبائي، إلّا في ثلاث: في شرب المسكر، و المسح على الخفّين، و ترك الجهر ببسم اللَّه الرحمن الرحيم».

مستدرك الوسائل 1: 334، كتاب الطهارة، أبواب الوضوء، اللباب 33، الحديث 7، و راجع وسائل الشيعة 1: 461، كتاب الطهارة، أبواب الوضوء، الباب 38، الحديث 18، و 11: 241، كتاب الحجّ، أبواب أقسام الحجّ، الباب 3، الحديث 5، و 25: 351، كتاب الأطعمة و الأشربة، أبواب الأشربة المحرّمة، الباب 22، الحديث 2، مستدرك الوسائل 1: 331، كتاب الطهارة، أبواب الوضوء، الباب 33، الحديث 1.

(4) عدّه الشيخ و البرقي من أصحاب الإمام الباقر (عليه السّلام) روى‏ عنه (عليه السّلام) و عنه روى‏ عليّ بن رئاب و مالك بن عطيّة و هشام بن سالم.

و المهمّ هو أنّ الرجل مجهول الاسم و الحال، فلم يقم دليل على‏ وثاقته، و مجرّد إجماع الأصحاب على العمل بروايته كما في المسح على الخفّ للضرورة إنّما يوجب الوثوق بما رواه لا بشخصه، كما أنّ أبا الورد هذا مغاير لأبي الورد الذي هو من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السّلام) لاختلاف الطبقة، و لذكر الشيخ أبا الورد مجرّداً في أصحاب الباقر (عليه السّلام) بينما ذكر في أصحاب الأمير (عليه السّلام) أبا الورد بن قيس بن فهد، هذا مع أنّ الراوي عن الباقر (عليه السّلام) دفع في إسناد عشرين رواية تقريباً و لم يذكر في مورد منها اسم أبيه و جدّه، فراجع.

رجال الطوسي: 64 و 141، تنقيح المقال 3: 37، معجم رجال الحديث 22: 66 67.

16

أبا ظبيان‏ (1) حدّثني أنّه رأى عليّاً (عليه السّلام) أراق الماء، ثمّ مسح على الخفّين، فقال‏

كذب أبو ظبيان؛ أما بلغك قول عليّ (عليه السّلام) فيكم: سبق الكتاب الخفّين؟!.

فقلت: هل فيهما رخصة؟ فقال‏

لا، إلّا من عدوّ تتقيه، أو ثلج تخاف على‏ رجليك‏

(2)

.

و رواية درست بن أبي منصور (3) قال: كنتُ عند أبي الحسن موسى (عليه السّلام) و عنده الكميت بن زيد (4)، فقال للكميت‏

أنت الذي تقول‏

____________

(1) هو الحصين بن جندب الجنبي الكوفي، عدّه الشيخ في رجاله من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السّلام) و جعله ابن مندة و أبو نعيم صحابيّاً، و على‏ أيّ حال فالرجل غير موثّق عند أصحابنا و إن وثّقه ابن حجر في التقريب، مات سنة 90 ه.

رجال الطوسي: 383، تنقيح المقال 1: 349، قاموس الرجال 3: 560 561.

(2) تهذيب الأحكام 1: 362/ 1092، الإستبصار 1: 76/ 236، وسائل الشيعة 1: 458، كتاب الطهارة، أبواب الوضوء، الباب 38، الحديث 5.

(3) هو درست بن أبي منصور محمّد الواسطي من أصحاب الصادق و الكاظم (عليهما السّلام) روى‏ عنهما و عن أبي بصير و عبد اللَّه بن سنان و عمر بن أُذينة .. و روى عنه محمّد بن أبي عمير و عليّ بن معبد و النضر بن سويد .. و قد تعرّض لذكره الشيخ و النجاشي من غير إشارة إلى وثاقته، بل صرّح الشيخ في رجاله بوقفه.

رجال النجاشي: 162، رجال الطوسي: 191 و 349، معجم رجال الحديث 7: 142.

(4) هو الكميت بن زيد الأسدي الكوفي الشاعر المعروف بولاية لأهل البيت (عليهم السّلام) ولد سنة 60 للهجرة، و صحب الإمامين الصادقين (عليهما السّلام) فكان يمدحهم و يعرّض ببني أُميّة إلى‏ أن طلبه هشام بن عبد الملك، فهرب منه عشرين سنة، ثمّ خرج متخفّياً في الظلام حتّى انتهى‏ إلى الشام، فطلب ابنا مسلمة بن عبد الملك من هشام أن يعفو عن الكميت، فاستنشده في مدحه، فقال أبياتاً منها قوله:

فالآن صرت إلى‏ أُميّ- ة فالأُمور لها مصاير و على‏ أيّ حال فقد كان مؤيّداً بروح القدس مرضيّاً عندهم (عليهم السّلام) كما أنّه كان ترجمان اللغة و لسان بيانها، توفّي (قيس (رحمه اللَّه) في حياة الإمام الصادق (عليه السّلام) و ذلك سنة 126 للهجرة.

الأغاني 15: 117، اختيار معرفة الرجال 2: 466، رجال الطوسي: 134 و 278، تنقيح المقال 3: 41، العقد الفريد 2: 153، شرح شواهد المغني، السيوطي 1: 37.

17

فالآن صِرتُ إلى أُميّةَ* * * فالأُمور لها مصاير

قال: قلت ذاك، و اللَّهِ ما رجعتُ عن إيماني، و إنّي لكم لموالٍ، و لعدوّكم لقالٍ، و لكنّي قلته على التقيّة، قال: أما لئن قلتَ ذلك إنّ التقيّة تجوز في شرب الخمر

(1)

.

و رواية عمرو بن مروان‏ (2) التي كالصحيحة (3) قال: قلت لأبي عبد اللَّه: إنّ‏

____________

(1) اختيار معرفة الرجال 2: 465/ 364، وسائل الشيعة 16: 216، كتاب الأمر و النهي، الباب 25، الحديث 7.

(2) هو عمرو بن مروان اليشكري الكوفيّ الخزّاز من أصحاب الإمام الصادق (عليه السّلام) و روى عن عمرو، أبو داود المسترق و يونس بن يعقوب، و قد وثّقه النجاشي عند تعرّضه لترجمة أخيه عمّار بن مروان، فلا إشكال في وثاقته.

رجال النجاشي: 291، رجال الطوسي: 247، معجم رجال الحديث 13: 126.

(3) الوجه في قوله (قدّس سرّه): كالصحيحة هو وقوع سهل بن زياد في سندها، و قد أفاد طاب ثراه في كتاب الطهارة: «أن سهل بن زياد و إن ضعّف، لكنّ المتتبّع في رواياته يطمئن بوثاقته- من كثرة رواياته و إتقانها و اعتناء المشايخ بها فوق ما يطمئنّ من توثيق أصحاب الرجال، كما رجّحنا بذلك وثاقة إبراهيم بن هاشم القمّي و محمّد بن إسماعيل النيشابوري راوية الفضل بن شاذان و غيرهما. و لا أستبعد كون الزبيري أيضاً من هذا القبيل.

انظر رجال النجاشي: 185/ 490، الطهارة، الإمام الخميني (قدّس سرّه) 1: 147.

18

هؤلاء ربّما حضرتُ معهم العشاء، فيجيئون بالنبيذ بعد ذلك، فإن لم أشربه خفتُ أن يقولوا: فلانيّ، فكيف أصنع؟ فقال‏

اكسره بالماء.

قلت: فإن أنا كسرته بالماء أشربه؟ قال‏

لا

(1)

.

و غيرها (2).

و الظاهر تعيّن العمل بها؛ لعمل المشهور بل إعراضهم عمّا تقدّمت‏ (3) فلا تصلح للحجّية. بل ضرورة العقل تحكم بأنّ ترك الصلاة أهمّ من المسح على الخفّين، و تركَ الحجّ من ترك متعته، مع أنّهما داخلان في المستثنى‏ منه.

مع أنّا نقطع بأنّ الشارع لا يرضى‏ بضرب الأعناق إذا دار الأمر بينه و بين المسح على الخفّين، بل و شرب الخمر و النبيذ و ترك متعة الحجّ، فلا بدّ من طرح تلك الروايات، أو الحمل على‏ بعض المحامل؛ كأن يقال: في مثلها لا حاجة إلى التقيّة:

أمّا في المسح على الخفّين، فلإمكان مسح القدم بقدر الواجب بعنوان الغسل؛ بأن يسبق يده إلى‏ قدميه، و يمسحهما عند غسلهما. و يمكن أن يقال: إنّ‏

____________

(1) الكافي 6: 410/ 13، وسائل الشيعة 25: 351، كتاب الأطعمة و الأشربة، أبواب الأشربة المحرّمة، الباب 22، الحديث 4.

(2) نحو رواية زكريا بن إدريس القمي، قال: سألت أبا الحسن الأوّل (عليه السّلام) عن الرجل يصلّي بقوم يكرهون أن يجهر ببسم اللَّه الرحمن الرحيم، فقال: لا يجهر.

انظر وسائل الشيعة 6: 60، كتاب الصلاة، أبواب القراءة، الباب 12، الحديث 1.

(3) الحدائق الناضرة 2: 310 311، رياض المسائل 1: 243، جواهر الكلام 2: 236 237، الطهارة، ضمن تراث الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) 2: 279 281، مصباح الفقيه، الطهارة: 164/ السطر 4 و 34.

19

الغسل مقدّم على المسح على الخفّين، فلا يجوز المسح عند الدوران بينه و بين الغسل‏ (1).

و أمّا في متعة الحجّ، فلأنّهم يأتون بالطواف و السعي الاستحبابي عند القدوم على المحكيّ‏ (2) فيمكن الإتيان بهما بعنوان متعة الحجّ، فالنيّة أمر قلبي. و إخفاء التقصير في غاية السهولة (3).

و أمّا شرب الخمر و النبيذ، فيمكن التخلّص عنه بأعذار غير الحرمة (4)، و لهذا ورد في الرواية المتقدّمة (5) جواز شربه و كسره بالماء عند عدم إمكان التخلّص.

و ربّما يقال: إنّ ترك التقيّة فيها مختصّ بالإمام (عليه السّلام) كما فهم زرارة (6)؛ إمّا لأنّهم كسائر فقهائهم في الفتوى‏، و سلاطين الوقت لا يأبون عن فتواهم، بل عن الاجتماع حولهم خوفاً من مزاحمتهم في رئاساتهم، و لهذا كانوا يستفتون‏ (7) منهم‏

____________

(1) راجع مصباح الفقيه، الطهارة: 164/ السطر 30 و 165/ السطر 2.

(2) راجع الفقه على المذاهب الأربعة 1: 651 و 658.

(3) راجع مرآة العقول 9: 167.

(4) نفس المصدر.

(5) تقدّمت في الصفحة 17 18.

(6) تقدّم في الصفحة 14.

(7) كما في تفسير العياشي، عن زرقان صاحب ابن أبي داود، عن ابن أبي داود أنّه رجع من عند المعتصم و هو مغتم، فقلت له في ذلك إلى‏ أن قال: فقال: إنّ سارقاً أقرّ على نفسه بالسرقة و سأل الخليفة تطهيره بإقامة الحدّ عليه، فجمع لذلك الفقهاء في مجلسه و قد أحضر محمّد بن عليّ (عليه السّلام) فسألنا عن القطع في أيّ موضع يجب أن يقطع؟ فقلت: من الكرسوع لقول اللَّه في التيمّم‏ فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ‏ و اتّفق معي على‏ ذلك قوم، و قال آخرون: بل يجب القطع من المرفق، قال: و ما الدليل على ذلك؟ قال: لأنّ اللَّه قال‏ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ‏، قال: فالتفت إلى‏ محمّد بن عليّ (عليه السّلام) فقال: ما تقول في هذا يا أبا جعفر؟ قال: قد تكلّم القوم فيه يا أمير المؤمنين، قال: دعني ممّا تكلّموا به، أيّ شي‏ء عندك؟ قال: اعفني عن هذا يا أمير المؤمنين، قال: أقسمت عليك باللَّه لما أخبرت بما عندك فيه، فقال: أمّا إذ أقسمت عليّ باللَّه إنّي أقول: إنّهم أخطأوا فيه السنّة، فإنّ القطع يجب أن يكون من مفصل أُصول الأصابع فيترك الكفّ، قال: لِمَ؟ قال: لقول رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم): السجود على سبعة أعضاء: الوجه، و اليدين، و الركبتين، و الرجلين، فإذا قطعت يده من الكرسوع أو المرفق لم يبق له يد يسجد عليها، و قال اللَّه تبارك و تعالى‏ وَ أَنَّ الْمَساجِدَ لِلَّهِ‏ يعني به: هذه الأعضاء السبعة التي يسجد عليها فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً و ما كان للَّه لم يقطع، قال: فأعجب المعتصم ذلك فأمر بقطع يد السارق من مفصل الأصابع دون الكفّ .. الحديث.

تفسير العيّاشي 1: 319/ 109، تحف العقول: 335، وسائل الشيعة 28: 252، كتاب الحدود و التعزيرات، أبواب حدّ السرقة، الباب 4، الحديث 5.

20

في قبال سائر الفقهاء (1) و إمّا لمعروفية فتواهم فيها بحيث لا تنفع فيها التقيّة (2) كما لا يبعد.

أو على غير ذلك من المحامل، كالحمل على‏ عدم جواز التقيّة المداراتية لا الخوفية، و الأمر سهل.

و منها: الدماء

فلا شبهة في عدم التقيّة فيها نصّاً و فتوى‏ (3)، ففي صحيحة محمّد بن‏

____________

(1) انظر مصباح الفقيه، الطهارة: 164/ السطر 17.

(2) مرآة العقول 9: 166، مصباح الفقيه، الطهارة: 164/ السطر 17.

(3) السرائر 2: 25، مجمع الفائدة و البرهان 7: 550، رياض المسائل 1: 510، مستند الشيعة 14: 194، جواهر الكلام 22: 169.

21

مسلم‏ (1) عن أبي جعفر قال‏

إنّما جعلت التقيّة ليحقن بها الدم، فإذا بلغ الدم فليس تقيّة

(2)

و مثلها موثّقة (3) أبي حمزة الثُّمالي‏ (4).

____________

(1) هو العالم الفقيه الورع الثقة أبو جعفر محمّد بن مسلم بن رياح الأوقص الطحان الثقفي، كان وجه أصحابنا بالكوفة و من أوثق الناس، صحب الباقر و الصادق و الكاظم (عليهم السّلام) فكان من حواريّ الصادقين (عليهما السّلام) و ممّن أجمعت الطائفة على‏ تصديقهم و الانقياد لهم في الفقه، روى‏ عنهما (عليهما السّلام) و عن أبي حمزة الثمالي و حمران و زرارة ابني أعين .. و روى عنه أحمد بن محمّد بن أبي نصر و الحسن بن راشد و حمّاد بن عثمان .. توفّي (رحمه اللَّه) سنة 150 ه.

رجال النجاشي: 323 324، اختيار معرفة الرجال 1: 43 و 507، رجال الطوسي: 35 و 300 و 358، معجم رجال الحديث 17: 233 234.

(2) المحاسن: 259/ 310، الكافي 2: 220/ 16، وسائل الشيعة 16: 234، كتاب الأمر و النهي، الباب 31، الحديث 1.

(3) رواها الشيخ الطوسي في التهذيب بإسناده عن يعقوب، عن الحسن بن عليّ بن فضّال، عن شعيب العقرقوفي، عن أبي حمزة الثمالي، و هي موثّقة بالحسن بن فضّال، فقد قضى عمره كلّه قائلًا بإمامة عبد اللَّه بن الإمام الصادق (عليه السّلام) و رجوعه و إن كان ثابتاً، إلّا أنّه لا يوجب صيرورة رواياته السابقة صحيحة.

رجال النجاشي: 34 36، الفهرست: 47 48.

(4) عن أبي حمزة الثمالي قال: قال أبو عبد اللَّه (عليه السّلام): لم تبق الأرض إلّا و فيها منّا عالم، يعرف الحقّ من الباطل، قال: إنّما جعلت التقيّة ليحقن بها الدم، فإذا بلغت التقيّة الدم فلا تقيّة، و أيم اللَّه لو دعيتم لتنصرونا لقلتم: لا نفعل إنّما نتّقي، و لكانت التقيّة أحبّ إليكم من آبائكم و أُمّهاتكم، و لو قد قام القائم ما احتاج إلى مساءلتكم عن ذلك، و لأقام في كثير منكم من أهل النفاق حدّ اللَّه.

تهذيب الأحكام 6: 172/ 335، وسائل الشيعة 16: 234، كتاب الأمر و النهي، الباب 31، الحديث 2.

و أبو حمزة الثمالي هو الشيخ الفاضل الجليل الثقة ثابت بن دينار الأزدي الكوفي، أو ثابت بن أبي صفيّة، لأنّ كنية دينار أبو صفيّة، صحب الإمام زين العابدين و الإمام الباقر و الإمام الصادق و الإمام الكاظم (عليهم السّلام) و كان من خيار أصحابنا و ثقاتهم و معتمديهم في الرواية و الحديث و من خواصّ أصحاب الصادق، فقد روي عنه (عليه السّلام) أنّه قال: «أبو حمزة في زمانه مثل سلمان في زمانه» روى‏ عن زين العابدين و الباقر و الصادق (عليهم السّلام) و عن جابر بن عبد اللَّه الأنصاري و أبي رزين الأسدي و عبد اللَّه بن الحسن، و روى عنه أبان بن عثمان و الحسن بن محبوب و محمّد بن مسلم، مات (رحمه اللَّه) سنة 150 ه.

رجال النجاشي: 115 116، اختيار معرفة الرجال 2: 455 458، الفهرست: 41 42، معجم رجال الحديث 21: 135 136.

22

و قد فصّلنا في «المكاسب المحرّمة» عند البحث عن الولاية من قبل الجائر ما يناسب المقام و ما يرجع إلى‏ فقه الحديث، فراجع‏ (1).

و منها: البراءة من أمير المؤمنين و سائر الأئمّة (عليهم السّلام)

و الأخبار فيها مختلفة:

فمنها: ما يظهر منه عدم الجواز:

كرواية محمّد بن ميمون‏ (2) عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جدّه قال‏

____________

(1) المكاسب المحرّمة، الإمام الخميني (قدّس سرّه) 2: 222 240.

(2) محمّد بن ميمون مشترك بين جماعة من أصحاب الإمام الصادق (عليه السّلام) كلّهم مجاهيل، منهم: أبو عبد اللَّه محمّد بن ميمون البصري موسى بني شيبان، و منهم: أبو النصر محمّد بن ميمون الزعفراني التميمي العامي الذي روى‏ عن الصادق (عليه السّلام) نسخة، و قد ذكر النجاشي طريقه إليها، و منهم: محمّد بن ميمون بن عطاء الأسدي، و منهم: محمّد بن ميمون الحضرمي التبعي، و منهم: محمّد بن ميمون الخثعمي، و منهم: محمّد بن ميمون الكندي. و المظنون أنّ المراد به هنا الزعفراني، لذكر النجاشي النسخة في ترجمة الزعفراني.

رجال النجاشي: 355، رجال الطوسي: 301، معجم رجال الحديث 17: 293 294.

23

قال أمير المؤمنين: ستدعون إلى‏ سبّي فسبّوني، و تُدعون إلى البراءة منّي فمدّوا الرقاب؛ فإنّي على الفطرة

(1)

.

و رواية عليّ بن عليّ الخزاعي‏ (2) عن عليّ بن موسى، عن أبيه، عن آبائه، عن عليّ بن أبي طالب أنّه قال‏

إنّكم ستعرضون على‏ سبّي، فإن خفتم على‏ أنفسكم فسبّوني، ألا و إنّكم ستُعرضون على البراءة منّي فلا تفعلوا؛ فإنّي على الفطرة

(3)

.

و قريب منها ما عن «نهج البلاغة» (4) و ما عن‏

____________

(1) أمالي الطوسي: 210/ 362، وسائل الشيعة 16: 227، كتاب الأمر و النهي، الباب 29، الحديث 8.

(2) هو أبو الحسن عليّ بن عليّ بن زربي الخزاعي أخو دعبل الشاعر المعروف، ولد سنة 172 ه. و كان من أصحاب الإمام الرضا (عليه السّلام) روى‏ عنه (عليه السّلام) و روى عنه ابنه إسماعيل، و مات سنة 283 ه. فكان عمره مائة و إحدى عشرة سنة، و قد تعرّض الشيخ و النجاشي لذكره من غير أن يوثّقوه، كما أنّه لم يقم دليل على وثاقته.

رجال النجاشي: 276 277، رجال الطوسي: 381.

(3) أمالي الطوسي: 364/ 765، وسائل الشيعة 16: 228، كتاب الأمر و النهي، الباب 29، الحديث 8.

(4) و هي ما عن أمير المؤمنين (عليه السّلام) أنّه قال: أما إنّه سيظهر عليكم بعدي رجل رحب البلعوم، منذ حقّ البطن، يأكل ما يجد، و يطلب ما لا يجد، فاقتلوه و لن تقتلوه، ألا و إنّه سيأمركم بسبّي، و البراءة منّي، فأمّا السبّ فسبّوني فإنّه لي زكاة، و لكم نجاة، و أمّا البراءة فلا تتبرّؤوا منّي، فإنّي ولدت على الفطرة، و سبقت إلى الإيمان و الهجرة.

نهج البلاغة، صبحي الصالح: 92، الخطبة 57، وسائل الشيعة 16: 228، كتاب الأمر و النهي، الباب 29، الحديث 10.

24

الكشّي‏ (1) في حال حجر بن عديّ‏ (2).

____________

(1) و هي ما عن حجر بن عدي، قال، قال لي عليّ (عليه السّلام): كيف تصنع أنت إذا ضربت و أمرت بلعنتي؟ قلت له: كيف أصنع؟ قال العني و لا تبرأ منّي فإنّي على دين اللَّه.

اختيار معرفة الرجال 1: 319/ 161.

الكشّي: هو الخبير و الناقد البصير أبو عمرو محمّد بن عمر بن عبد العزيز م) الكشّي، كان ثقة عيناً حسن الاعتقاد، مستقيم المذهب، بصيراً بالأخبار و الرجال إلّا أنّه روى‏ عن الضعفاء كثيراً، و كان قد صحب العيّاشي و أخذ عنه و تخرّج به و في داره التي كانت مرتعاً للشيعة و أهل العلم. و كان كتابه في الرجال كثير الأغلاط رغم ما حواه من العلم الكثير، كما أنّه كان جامعاً لرواة الخاصّة و العامّة خالطاً بعضهم ببعض، فعمد الشيخ الطوسي (رحمه اللَّه) فلخّصه و سمّاه باختيار معرفة الرجال، و هو موجود بأيدينا اليوم، و أمّا الأصل فمفقود منذ زمان العلّامة و من قاربه، روى الكشّي عن جماعة، منهم حمدويه و إبراهيم ابنا نصير الكشّيين و محمّد بن مسعود و جبرئيل بن أحمد .. و روى عنه التلعكبري و جعفر بن محمّد بن قولويه.

رجال النجاشي: 372، الفهرست: 141، رجال الطوسي: 497، تنقيح المقال 3: 165.

(2) هو حجر بن عدي الكندي، و يقال له أيضاً: حجر بن الأدبر، و حجر الخير في مقابل حجر الشرّ الذي هو من أصحاب معاوية، كان حجر الخير من التابعين الكبار و رؤسائهم و زهّادهم و من الأبدال، بل عن ابن قتيبة و ابن عبد البرّ و أبي موسى و الجزري عدّه من أصحاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم) أمّره أمير المؤمنين (عليه السّلام) في صفّين على كندة و حضرموت و قضاعة، و بعد صفّين عقد له على‏ أربعة آلاف، و سرّحه لردّ غارة الضحّاك بن قيس الفهري. أمره رسول معاوية بالبراءة من أمير المؤمنين (عليه السّلام) فأبى‏، فقتله الأعور هدبة بن فياض سنة 51 أو 53 ه. فكان ابن سيرين إذا سئل عن الشهيد يغسّل؟ حدّثهم حديث حجر، ذلك لأنّ حجراً قال لمن حضره من أهله: لا تطلقوا عنّي حديداً، و لا تغسلوا عنّي دماً، فإنّي الاقي معاوية غداً على الجادّة.

تنقيح المقال 1: 256 257، قاموس الرجال 3: 122 131.

25

و عن المفيد (1) في «الإرشاد» قال: استفاض عن أمير المؤمنين أنّه قال‏

ستُعرضون من بعدي على‏ سبّي فسبّوني، فمن عرض عليه البراءة منّي فليمدد عنقه، فإن برِئَ منّي فلا دنيا له و لا آخرة

(2)

.

و منها: ما يظهر منه الترخيص فيها و في مدّ الرقاب:

فعن العيّاشي‏ (3) عن أبي بكر الحضرمي‏ (4) عن أبي عبد اللَّه (عليه السّلام)- في حديث‏

____________

(1) هو رئيس الإماميّة في وقته الفقيه المتكلّم البارع الخبير أبو عبد اللَّه محمّد بن محمّد بن النعمان المعروف بابن المعلّم و الملقّب بالمفيد، ولد سنة 338 ه. و كان مقدّماً في العلم و صناعة الكلام، حسن الخاطر، دقيق الفطنة، حاضر الجواب، له أكثر من مائتي مصنّف، منها المقنعة و الاختصاص و الإرشاد، و له مناظرات مع علماء العامّة كثيرة و لطيفة و حكايات ظريفة أفرد لها السيّد المرتضى (رحمه اللَّه) كتاباً. روى‏ عن الصدوق و جعفر بن قولويه و الحسن بن حمزة العلوي و ابن الجنيد و أحمد بن محمّد بن الحسن بن الوليد، و روى عنه الشيخ الطوسي و النجاشي و علم الهدى‏ و أخوه الرضي و سلّار بن عبد العزيز .. توفّي؛ سنة 413 ه و كان يوم وفاته مشهوراً شيّعه ثمانون ألفاً، و لم ير أعظم من يومه في كثرة الناس للصلاة عليه و كثرة الخاصّة و العامّة.

تنقيح المقال 3: 180 181، معجم رجال الحديث 17: 202 210.

(2) الإرشاد، الجزء الأوّل، ضمن مصنّفات الشيخ المفيد 11: 322، وسائل الشيعة 16: 232، كتاب الأمر و النهي، الباب 29، الحديث 21.

(3) هو أكثر أهل المشرق علماً و أدباً و فضلًا و فهماً أبو النضر محمّد بن مسعود بن محمّد بن عيّاش السلمي السمرقندي العيّاشي، كان جليل القدر، واسع الأخبار، بصيراً بالرواية مطّلعاً عليها ثقة صدوقاً رغم روايته عن الضعفاء كثيراً، صنّف ما يزيد على المائتي كتاب، و كان أوّل أمره عامّي المذهب و سمع حديثهم، ثمّ تبصّر و هو حدث السنّ، أنفق على العلم و الحديث تركة أبيه البالغة ثلاثمائة ألف دينار، و كانت داره مملوءة بطالبي العلوم، و له مجلس للخاصّي و آخر للعامّي، روى‏ عن عليّ بن فضّال و عبد اللَّه بن محمّد بن خالد الطيالسي و إبراهيم بن محمّد بن فارس، و روى عنه ابنه جعفر بن محمّد بن مسعود و حيدر بن محمّد بن نعيم السمرقندي.

رجال النجاشي: 350 353، الفهرست: 136 139، رجال الطوسي: 497، تنقيح المقال 3: 183، معجم رجال الحديث 17: 229.

(4) هو عبد اللَّه بن محمّد الحضرمي الكوفي، كان تابعيّاً روى‏ عن الصادقين (عليهما السّلام) بل كان من خواصّ أصحاب الصادق (عليه السّلام) و مع هذا فلم يوثّقه الشيخ و لا النجاشي، روى‏ عنهما (عليهما السّلام) و عن أبيه محمّد الحضرمي و عبد الملك بن أعين، و روى عنه عبد اللَّه بن مسكان و سيف بن عميرة و عثمان بن عيسى‏.

رجال الطوسي: 224، معجم رجال الحديث 10: 296 299، و 21: 68.

26

أنّه قيل له: مدّ الرقاب أحبّ إليك، أم البراءة من عليّ (عليه السّلام)؟ فقال‏

الرخصة أحبّ إليّ؛ أما سمعتَ قول اللَّه عزّ و جلّ في عمّار

(1)

____________

(1) هو أحد الأركان الأربعة التي قام عليها الإسلام الطيّب ابن الطيّب أبو اليقظان عمّار بن ياسر العنسي كان هو و أبواه من السابقين إلى الإسلام، فقد أسلم عمّار بعد بضعة و ثلاثين يوماً من نزول الوحي، و لحقه أبواه، و أُمّه أوّل من استشهدت في سبيل اللَّه تعالى‏. ثمّ هاجر إلى المدينة، و شهد بدراً و أُحداً و الخندق و بيعة الرضوان مع الرسول الأكرم (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم) و بعدها صحب علياً (عليه السّلام) و شهد معه الجمل و صفّين، فأبلى فيهما بلاءً حسناً، حتّى استشهد في صفّين و هو ابن ثلاث و تسعين سنة.

و روى أن خزيمة بن ثابت شهد الجمل و هو لا يسلّ سيفاً، و شهد صفّين و لم يقاتل و قال: لا أُقاتل حتّى يقتل عمّار فأنظر من يقتله، فإنّي سمعت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم) يقول: «تقتله الفئة الباغية» فلمّا قتل عمّار قال خزيمة ظهرت لي الضلالة، ثمّ تقدّم فقاتل حتّى استشهد.

الكامل في التاريخ 2: 67، و 3: 325، تنقيح المقال 2: 320 312، قاموس الرجال 8: 32 50.

27

إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ‏ (1)

!

(2)

و قريب منها روايته‏ (3) الأُخرى‏، عن عبد اللَّه بن عَجْلان‏ (4) عن أبي عبد اللَّه‏ (5).

____________

(1) النحل (16): 106.

(2) تفسير العيّاشي 2: 272/ 74، وسائل الشيعة 16: 230، كتاب الأمر و النهي، الباب 29، الحديث 12.

(3) هذه الرواية و سابقتها ضعيفتان بالإرسال، لعدم إدراك العيّاشي للحضرمي، و لا لابن عجلان.

(4) هو عبد اللَّه بن عجلان الكندي الأحمر، صحب الصادقين (عليهما السّلام) و كان من خواصّ الصادق، و قد وردت فيه بعض الروايات الدالّة على رسوخ عقيدته و ثباتها، روى‏ عن أبي جعفر (عليه السّلام) و روى عنه زرارة و المثنّى الحنّاط و الحسن الوشّاء.

اختيار معرفة الرجال 2: 512 513، رجال الطوسي: 127 و 265، معجم رجال الحديث 10: 251 253.

(5) كرواية عبد اللَّه بن عجلان، عن أبي عبد اللَّه (عليه السّلام) قال: سألته فقلت له: إنّ الضحّاك قد ظهر بالكوفة و يوشك أن ندعي إلى البراءة من عليّ (عليه السّلام) فكيف نصنع؟ قال: فابرأ منه، قلت: أيّهما أحبّ إليك؟ قال: إن تمضوا على ما مضى عليه عمّار بن ياسر، أخذ بمكّة فقالوا له: ابرأ من رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم) فبرأ منه فأنزل اللَّه عزّ و جلّ عذره‏ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ‏.

تفسير العيّاشي 2: 272/ 76، وسائل الشيعة 16: 230، كتاب الأمر و النهي، الباب 29، الحديث 13.

28

و يظهر ذلك من رواية يوسف بن عمران‏ (1) في قضيّة ميثم بن يحيى التمّار (2)، (3).

و منها: ما يدلّ على‏ وجوب البراءة:

كموثّقة مَسْعَدة بن صَدَقة قال: قيل لأبي عبد اللَّه (عليه السّلام): إنّ الناس يروون أنّ عليّاً (عليه السّلام) قال على‏ منبر الكوفة: أيّها الناس، إنّكم ستدعون إلى‏ سبّي فسبّوني، ثمّ تدعون إلى البراءة منّي فلا تبرأوا منّي، فقال‏

ما أكثر ما يكذب الناس على‏ عليٍّ (عليه السّلام)!

ثمّ قال‏

إنّما قال: إنّكم ستدعون إلى‏ سبّي فسبّوني، ثمّ تدعون إلى البراءة منّي، و إنّي لعلى دين محمّد (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم) و لم يقل: و لا تبرأوا منّي.

____________

(1) لم يرد ذكر يوسف بن عمران الميثمي في كتب الرجال، و لا قام دليل على وثاقته، فالرجل مجهول.

(2) هو صاحب أمير المؤمنين (عليه السّلام) و صفيّة الشهيد ميثم بن يحيى التمّار النهرواني، كان عبداً لامرأة فاشتراه عليّ (عليه السّلام) فأعتقه و أقرأه تنزيل القرآن، و علّمه تأويله، فكان لا يسأل عن شي‏ء إلّا أجاب عنه، كما أطلعه على بعض المغيّبات، فكان يخبر عن شهادته، و أنّ ابن زياد سيأمره بالبراءة من أمير المؤمنين (عليه السّلام) فيأبى‏، فيأمر الطاغية بقطع يديه و رجليه و لسانه و صلبه، فكان الأمر كما أخبر به (رضوان اللَّه تعالى‏ عليه).

اختيار معرفة الرجال 1: 293 298، تنقيح المقال 3: 262 263.

(3) كرواية يوسف بن عمران الميثمي قال: سمعت ميثم النهرواني يقول: دعاني أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السّلام) و قال: كيف أنت يا ميثم إذا دعاك دعي بني أُميّة عبيد اللَّه بن زياد إلى البراءة منّي؟ فقلت: يا أمير المؤمنين أنا و اللَّه لا أبرأ منك؟ قال: إذاً و اللَّه يقتلك و يصلبك، قلت: اصبر، فذلك في اللَّه قليل، فقال: يا ميثم إذاً تكون معي في درجتي .. الحديث.

اختيار معرفة الرجال 1: 295/ 139، وسائل الشيعة 16: 227، كتاب الأمر و النهي، الباب 29، الحديث 7.

29

فقال له السائل: أ رأيت إن اختار القتل دون البراءة؟ فقال‏

و اللَّه ما ذلك عليه، و ما له إلّا ما مضى عليه عمّار بن ياسر حيث أكرهه أهل مكّة ..

(1)

الحديث.

و رواية (2) «الاحتجاج» عن أمير المؤمنين (عليه السّلام) و فيها

و قد أذنتُ لكم في تفضيل أعدائنا إن ألجأك الخوف إليه، و في إظهار البراءة إن حملك الوجل عليه ..

إلى‏ أن قال‏

و إنّ إظهارك براءتك منّا عند تقيّتك لا يقدح فينا و لا ينقصنا ..

إلى‏ أن قال‏

و إيّاك ثمّ إيّاك أن تترك التقيّة التي أمرتك بها ..

إلى‏ أن قال‏

فإنّك إن خالفت وصيّتي كان ضررك على‏ إخوانك و نفسك، أشدَّ من ضرر الناصب لنا الكافر بنا

(3)

.

و ما روى المحدّث المجلسي‏ (4) عن صاحب كتاب «الغارات» (5) عن الباقر

____________

(1) الكافي 2: 219/ 10، وسائل الشيعة 16: 225، كتاب الأمر و النهي، الباب 29، الحديث 2.

(2) نقل هذه الرواية الطبرسي في الاحتجاج عن التفسير المنسوب للإمام العسكري (عليه السّلام) و سنده ضعيف، كما صرّح به المؤلّف (قدّس سرّه) في: الاجتهاد و التقليد: 96 و 97.

(3) تفسير الإمام العسكري (عليه السّلام): 176/ 84، الاحتجاج 1: 556/ 134، وسائل الشيعة 16: 228، كتاب الأمر و النهي، الباب 29، الحديث 11.

(4) هو شيخ الإسلام و المسلمين الإمام العلّامة محمّد باقر بن محمّد تقي بن المقصود عليّ المجلسي، ولد بأصفهان عام 1027 ه. و قرأ العقليّات على المولى الأُستاذ آقا حسين، و النقليّات على والده العلّامة، و كان عالماً فاضلًا محقّقاً كثير التصانيف كثير الأيادي، حتّى قال البعض: إنّه لم يوفّق أحد في الإسلام مثل ما وفّق هذا الشيخ المعظّم من ترويج المذهب بطرق عديدة، أجلّها و أبقاها التصانيف الكثيرة، و كان شيخ الإسلام من قبل السلاطين في أصفهان، و كان يباشر جميع المرافعات بنفسه، و لا تفوته صلاة الأموات و الجماعات و الضيافات و العبادات، و قد بلغ عدد من تخرّج من مجلس درسه ما يبلغ الألف عالماً. توفّي (رحمه اللَّه) بأصفهان عام 1110 ه. و يعدّ قبره من المواضع المعروفة لاستجابة الدعاء.

جامع الرواة 2: 78 79، رياض العلماء 5: 39 40، أعيان الشيعة 9: 182 184.

(5) هو أبو إسحاق إبراهيم بن محمّد بن سعيد الثقفي، كان في أوّل أمره زيديّاً ثمّ تبصّر، و كان من العلماء الثقات المصنّفين، و له مدائح كثيرة، سكن الكوفة و عمل فيها كتاب المعرفة المشتمل على المناقب المشهورة و المثالب، فاستعظمه الكوفيّون و أشاروا عليه بأن يتركه و لا يخرجه، فغادر الكوفة و استقرّ بأصفهان، حيث حلف أن لا يروي كتابه إلّا فيها ثقة منه بصحّة ما رواه في كتابه المذكور، و يقال: إنّ جماعة من القمّيين كأحمد بن محمّد بن خالد و غيره وفدوا عليه إلى‏ أصفهان و سألوه الانتقال إلى قم فأبى‏. روى‏ عن عليّ بن معلّى‏، و روى عنه عليّ بن عبد اللَّه بن كوشيد الأصبهاني و أحمد بن علويّة توفّي أبو إسحاق (رحمه اللَّه) سنة 283 ه.

الفهرست، ابن النديم: 279، رجال النجاشي: 16، الفهرست: 4 6، معجم رجال الحديث 1: 278 283.

30

و الصادق (عليهما السّلام) (1).

____________

(1) و هي ما: عن يوسف بن كليب المسعودي، عن يحيى بن سليمان العدويّ، عن أبي مريم الأنصاري عن محمّد بن عليّ الباقر (عليهما السّلام): قال: خطب عليّ (عليه السّلام) على‏ منبر الكوفة فقال: «سيعرض عليكم سبّي و ستذبحون عليه، فإن عرض عليكم سبّي فسبّوني و إن عرض عليكم البراءة منّي فإنّي على‏ دين محمّد (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم)» و لم يقل «فلا تبرَّؤوا منّي».

فقال أيضاً: حدّثني أحمد بن المفضّل، عن الحسن بن صالح، عن جعفر بن محمّد (عليهما السّلام) قال: قال عليّ (عليه السّلام): ليذبحنّ على سبّي و أشار بيده إلى حلقه ثمّ قال-: فإن أمروكم بسبّي فسبّوني و إن أمروكم أن تتبرّءوا منّي فإنّي على‏ دين محمّد (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم). و لم ينههم عن إظهار البراءة. ثمّ قال: إنّه أباح لهم سبّه عند الإكراه لأنّ اللَّه تعالى‏ قد أباح عند الإكراه التلفّظ بكلمة الكفر فقال‏ «إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ».

بحار الأنوار 39: 325 326/ 27.

31

و لا يخفى‏: أنّ رفع اليد عن تلك الروايات المشتملة على‏ تكذيب ما نسب إلى‏ عليّ (عليه السّلام) و عن أخبار التقيّة، و عن قوله تعالى‏ لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ (1) و حكمِ العقل بلزوم حفظ النفس و اهتمام الشارع به، لا يمكن بمثل تلك الروايات التي لا تفيد علماً و لا عملًا، و لم نجد فيها ما يسلم سنداً.

و دعوى المفيد (2) لا تفيدنا علماً؛ فإنّا لم نعثر على‏ رواية واحدة بمضمون ما ذكره. نعم بعض مضمونه موافق للروايات الضعاف المتقدّمة (3) المقابلة للروايات التي بعضها أسدّ منها سنداً.

مضافاً إلى استشمام رائحة الكذب و الاختلاق منها؛ ضرورة أنّ السبّ و الشتم و اللعن، أشدّ التلفّظ بالبراءة ممّا لا يقدح فيهم و لا ينقصهم، و من المقطوع عدم رضا الشارع بمدّ الأعناق في مقابله، كما في رواية «الاحتجاج» (4).

و أمّا قضيّة ميثم‏ (5) و إن كانت معروفة، و لا يبعد ثبوتها إجمالًا، و لكنّها قضيّة في واقعة، و لعلّه كان عالماً بأنّ الدعيّ عبيد اللَّه بن زياد (6) يقتله؛ برِئَ من‏

____________

(1) البقرة (2): 195.

(2) الإرشاد، الجزء الأوّل، ضمن مصنّفات الشيخ المفيد 11: 322.

(3) تقدّم في الصفحة 22 23.

(4) تقدّم في الصفحة 29.

(5) تقدّم في الصفحة 28، الهامش 3.

(6) هو عبيد اللَّه بن زياد ابن أبيه المعروف بابن مرجانة، ولد سنة 28 ه. و ولّاه معاوية خراسان سنة 53 ه. و أقام فيها سنتين، ثمّ أمّره معاوية على البصرة سنة 55 ه، و بعد هلاك معاوية أقرّه يزيد عليها سنة 60، فكان من أمره ما كان من قتل سبط الرسول و ريحانته الإمام الحسين (عليه السّلام) و أصحابه (رضوان اللَّه تعالى‏ عليهم)، و لمّا هلك يزيد سنة 65 بايع أهل البصرة عبيد اللَّه اللعين، ثمّ لم يلبثوا أن وثبوا عليه يريدون قتله، فهرب إلى الشام ثمّ عاد إلى العراق، فلحقه إبراهيم بن الأشتر في جيش يطلب ثأر الإمام الحسين (عليه السّلام) فاقتتلا و تفرّق أصحاب ابن مرجانة، فقتله إبراهيم، و ذلك عام 67 ه.

عيون أخبار الرضا (عليه السّلام) 1: 229، رغبة الآمل 5: 134 و 210، و 6: 111.

32

عليّ (عليه السّلام) أو لا، و كانت براءته منه غير مفيدة بحاله، بل مضرّة و موجبة لفضاحته مضافاً إلى‏ قتله، فلا يجوز معه البراءة و لا السبّ و لا غيرهما.

33

المبحث الثاني في أنّ ترك التقيّة هل يفسد العمل أم لا؟

قد تقدّم‏ (1) أنّ التقيّة على‏ ما يظهر من الأخبار على‏ أقسام:

منها: ما يستعمل لأجل الخوف على النفس و العِرْض و المال، فهذه ليست واجبة لنفسها، بل الواجب حفظ النفس عن الوقوع في الهلكة، و تكون التقيّة مقدّمة له.

نعم، يظهر من بعض الروايات أنّ اللَّه رخّص التقيّة في كلّ اضطرار (2) أو ضرورة عرفيّة (3). بل الظاهر أوسعية دائرتها منه أيضاً، فتجوز لحفظ مال غيره‏

____________

(1) تقدّم في الصفحة 8.

(2) كرواية محمّد بن مسلم و زرارة قالوا: سمعنا أبا جعفر (عليه السّلام): يقول: التقيّة في كلّ شي‏ء يضطرّ إليه ابن آدم فقد أحلّه اللَّه له.

الكافي 2: 220/ 18، وسائل الشيعة 16: 214، كتاب الأمر و النهي، الباب 25، الحديث 2.

(3) كرواية زرارة، عن أبي جعفر (عليه السّلام) قال: التقيّة في كلّ ضرورة، و صاحبها أعلم بها حين تنزل به.

الكافي 2: 219/ 13، وسائل الشيعة 16: 214، كتاب الأمر و النهي، الباب 25، الحديث 1.

34

من إخوانه المؤمنين. بل الظاهر كما يظهر من بعض الروايات‏ (1) وجوبها لأجل حفظ النفوس و الأموال و الأعراض؛ و إن كانت استفادة الوجوب النفسي في هذا القسم من التقيّة، محلَّ تأمّل.

و منها: ما تكون واجبة لنفسها، و هي ما تكون مقابلة للإذاعة، فتكون بمعنى التحفّظ عن إفشاء المذهب و عن إفشاء سرّ أهل البيت، فيظهر من كثير من الروايات‏ (2) أنّ التقيّة التي بالغ الأئمّة (عليهم السّلام) في شأنها، هي هذه التقيّة فنفس إخفاء الحقّ في دولة الباطل واجب، و تكون المصلحة فيه جهات سياسية دينية، و لو لا التقيّة لصار المذهب في معرض الزوال و الانقراض.

و يدلّ على‏ هذا القسم ما ورد في تفسير قوله تعالى‏ وَ يَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ* (3) قال الصادق (عليه السّلام) في صحيحة هشام بن سالم‏ (4)

الحَسَنَة

____________

(1) تقدّمت بعضها في الصفحة 11، الهامش 1 و: 29، الهامش 3.

(2) راجع وسائل الشيعة 16: 235 و 247، كتاب الأمر و النهي، أحاديث الباب 32 و 34.

(3) القصص (28): 54.

(4) هو الثقة الثقة أبو محمّد هشام بن سالم الجواليقي، صحب الصادق و الكاظم (عليهما السّلام) و روى عنهما و عن سليمان بن خالد .. و كان من الرؤساء و الأعلام المأخوذ منهم الحلال و الحرام و الفتيا و الأحكام الذين لا يطعن عليهم بشي‏ء روى‏ عنه الحسن بن محبوب و صفوان بن يحيى‏ و محمّد بن أبي عمير ..

رسالة العددية، ضمن مصنّفات الشيخ المفيد 9: 45، رجال النجاشي: 434، الفهرست: 174، معجم رجال الحديث 19: 301 302.

35

التقيّة، و السيِّئَة: الإذاعة

(1)

.

و في تفسير قوله تعالى‏ وَ لا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَ لَا السَّيِّئَةُ (2) عن أبي عبد اللَّه قال‏

الْحَسَنَةُ: التقيّة، و السَّيِّئَةُ: الإذاعة

(3)

فمقتضى‏ مقابلتها للإذاعة أنّها هي الاستتار و الكتمان.

و يؤكّده ما دلّت على‏ تقابل الكتمان و الإذاعة، كرواية (4) سليمان بن خالد (5) قال: قال أبو عبد اللَّه‏

يا سليمان، إنّكم على‏ دِينٍ من كتمه أعزّه اللَّه، و من أذاعه أذلّه اللَّه‏

(6)

..

إلى‏ غير ذلك من الروايات التي يظهر منها أنّ التقيّة هي‏

____________

(1) الكافي 2: 217/ 1، وسائل الشيعة 16: 203، كتاب الأمر و النهي، الباب 24، الحديث 1.

(2) فصّلت (41): 34.

(3) المحاسن: 257/ 297، الكافي 2: 218/ 6، وسائل الشيعة 16: 206، كتاب الأمر و النهي، الباب 24، الحديث 10.

(4) رواها الكليني (رحمه اللَّه) عن عليّ، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن يونس بن عمّار، عن سليمان بن خالد، و السند ضعيف، لجهالة يونس بن عمّار التغلبي الكوفي البجلي و إن كان من بيت كبير من الشيعة.

رجال النجاشي: 71، رجال الطوسي: 337، مجمع الرجال 6: 300.

(5) هو الشيخ القارئ الفقيه الثقة أبو الربيع سليمان بن خالد النخعي الهلالي البجلي الأقطع. كان وجهاً من وجوه أصحابنا، خرج مع زيد (رضى اللَّه عنه) فقطعت يده. روى‏ عن الصادقين (عليهما السّلام) و عن أبي بصير، و روى عنه أبو أيّوب الخزّاز و إسحاق بن عمّار و هشام بن سالم .. توفّي سليمان في حياة الصادق (عليه السّلام) فتوجّع لفقده و أوصى بهم أصحابه.

رجال النجاشي: 183، اختيار معرفة الرجال 2: 645، معجم رجال الحديث 8: 252.

(6) الكافي 2: 222/ 3، وسائل الشيعة 16: 235، كتاب الأمر و النهي، الباب 32، الحديث 1.

36

الكتمان‏ (1) و الإسرار (2) و الخباء (3).

ثمّ إنّه من المحتمل أن يكون الواجب علينا التقيّة و الكتمان، و تكون الإذاعة منهيّاً عنها للغير.

و أن تكون الإذاعة محرّمة، و تعلّق الأمر بالتقيّة لأجل عدم الإذاعة.

و أن يكون كلّ من العنوانين متعلّقاً للتكليف برأسه. و الجمود على الظواهر يقتضي الأخير و إن كان بعيداً.

و كيف كان: لو ترك التقيّة و أتى بالعمل على‏ خلافها، فمقتضى القواعد صحّته؛ سواء قلنا: بأنّها واجبة، أو الإذاعة محرّمة، أو هي محرّمة و تلك واجبة؛ و ذلك لأنّ الأمر بالتقيّة لا يوجب النهي عن العمل، و كذا النهي عن‏

____________

(1) كرواية معلّى بن خنيس قال: قال لي أبو عبد اللَّه (عليه السّلام): يا معلّى، اكتم أمرنا و لا تذعه فإنّه من كتم أمرنا و لا يذيعه أعزّه اللَّه في الدنيا، و جعله نوراً بين عينيه يقوده إلى الجنّة، يا معلّى، إنّ التقيّة ديني و دين آبائي، و لا دين لمن لا تقيّة له، يا معلّى، إنّ اللَّه يحبّ أن يعبد في السرّ كما يحبّ أن يعبد في العلانية، و المذيع لأمرنا كالجاحد له.

وسائل الشيعة 16: 210، كتاب الأمر و النهي، الباب 24، الحديث 24.

(2) نحو ما قيل لعليّ بن محمّد (عليه السّلام): من أكمل الناس؟ قال: أعملهم بالتقيّة و أقضاهم لحقوق إخوانه إلى‏ أن قال: في قوله تعالى‏ وَ إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ‏ قال: الرحيم بعباده المؤمنين من شيعة آل محمّد، وسع لهم في التقيّة، يجاهرون بإظهار موالاة أولياء اللَّه، و معاداة أعدائه إذا قدروا و يسرون بها إذا عجزوا.

وسائل الشيعة 16: 224، كتاب الأمر و النهي، الباب 28، الحديث 12.

(3) كرواية هشام بن سالم قال: سمعت أبا عبد اللَّه (عليه السّلام) يقول: ما عبد اللَّه بشي‏ء أحبّ إليه من الخب‏ء، قلت: و ما الخب‏ء؟ قال: التقيّة.

وسائل الشيعة 16: 207، كتاب الأمر و النهي، الباب 24، الحديث 15.

37

الإذاعة لا يوجب سرايته إلى‏ عنوان العمل؛ لما حُقّق في محلّه من أنّ الأمر بالشي‏ء لا يقتضي النهي عن ضدّه‏ (1) و النهي عن عنوان لا يمكن سرايته إلى‏ عنوان آخر (2). و حديث أنّ المبعِّد لا يمكن أن يصير مُقرِّباً (3) قد فرغنا عن تهجينه في الأُصول‏ (4).

تفصيل الشيخ الأعظم في المقام و بيان وجه الخدشة فيه‏

لكن الشيخ الأعظم‏ (5) فصّل بين الموارد بعد الاعتراف بأنّ نفس ترك‏

____________

(1) مناهج الوصول 2: 9 20، تهذيب الأُصول 1: 288 299.

(2) مناهج الوصول 2: 131 132، تهذيب الأُصول 1: 394 395.

(3) نهاية الدراية 2: 304، نهاية الأُصول: 260.

(4) مناهج الوصول 2: 132 135، تهذيب الأُصول 1: 395 398.

(5) هو شيخ مشايخ الإماميّة المحقّق البارع و الإمام المؤسّس مرتضى بن محمّد أمين الأنصاري التستري الدزفولي النجفي، ولد عام 1214 ه. في مدينة دزفول، و ينتهي نسبه إلى الصحابي جابر بن عبد اللَّه الأنصاري (رحمه اللَّه) درس عند عمّه الشيخ الأنصاري و السيّد المجاهد و شريف العلماء المازندراني و الشيخين موسى و عليّ كاشف الغطاء و المولى‏ أحمد النراقي، و انتهت إليه رئاسة الإماميّة على الإطلاق، و تابعته جميع الشيعة في فتياه، لما تمتّع به من مقام شامخ في الفقه و أُصوله، و لما تحلّى به من زهد و قداسة و ورع و عبادة. و يعدّ الشيخ الأعظم الواضع لعلم الأُصول الحديث و المجدّد له، و لذا عرف بالمؤسّس. أشهر تلاميذه السيّد المجدّد الشيرازي و السيّد حسين الكوهكمري و الميرزا حبيب اللَّه الرشتي و الآخوند الخراساني، توفّي (رحمه اللَّه) سنة 1281 ه.

ريحانة الأدب 1: 189، أعيان الشيعة 10: 117 119، معارف الرجال 2: 399 404.

38

التقيّة، لا يوجب إلّا استحقاق العقاب؛ ففي مثل السجدة على التربة الحسينية مع اقتضاء التقيّة تركَه حكم بالبطلان؛ لكونه منهيّاً عنه و موجباً لفساد الصلاة، و في مثل ترك التكفير و غسل الرجلين في الوضوء حكم بالصحّة؛ لعدم اعتباره في المأمور به، بل يكون كواجب خارجي.

ثمّ قال: «إن قلت: إذا كان إيجاب الشي‏ء تقيّةً لا يجعله معتبراً في الصلاة، لزم الحكم بصحّة وضوء من ترك المسح على الخفّين؛ لأنّ المفروض أنّ الأمر بالمسح لا يجعله جزءً.

قلت: ليس الحكم بالبطلان من جهة ترك ما وجب بالتقيّة، بل لأنّ المسح على الخفّين، متضمّن لأصل المسح الواجب مع إلغاء قيد مماسّة الماسح للممسوح، فالتقيّة إنّما أوجبت إلغاء قيد المباشرة، و أمّا صورة المسح و لو مع الحائل فواجبة واقعاً، لا من حيث التقيّة، فالإخلال بها يوجب بطلان الوضوء بنقص جزء منه».

ثمّ استشهد على‏ هذا التحليل برواية عبد الأعلى آل سام‏ (1)، (2).

____________

(1) و هي ما عن عبد الأعلى مولى آل سام قال: قلت لأبي عبد اللَّه (عليه السّلام): عثرت فانقطع ظفري، فجعلت على‏ إصبعي مرارة، فكيف أصنع بالوضوء؟ قال: يعرف هذا و أشباهه من كتاب اللَّه عزّ و جلّ، قال اللَّه تعالى‏ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏ امسح عليه.

وسائل الشيعة 1: 464، كتاب الطهارة، أبواب الوضوء، الباب 39، الحديث 5.

عبد الأعلى: هو عبد الأعلى مولى آل (أو أولاد) سام الكوفي، من أصحاب الصادق (عليه السّلام)، و قد روي أنّه (عليه السّلام) أجاز له المناظرة إلّا أنّه لم يقم دليل على وثاقته. روى‏ عنه (عليه السّلام) و عن المعلّى بن خنيس، و روى عنه أبان بن عثمان و إسحاق بن عمّار و داود بن فرقد.

اختيار معرفة الرجال 2: 610، رجال الطوسي: 238، معجم رجال الحديث 9: 259.

(2) رسالة في قاعدة لا ضرر، ضمن تراث الشيخ الأعظم 23: 96.

39

و أنت خبير بما فيه:

أمّا أوّلًا: فلما عرفت أنّ الأمر بالتقيّة، لا يقتضي النهي عن الأفعال الصادرة على‏ خلافها؛ سواء في ذلك ما إذا وجبت التقيّة بعنوانها أي التحفّظ عن إفشاء المذهب و كتمان الحقّ لأنّ هذا العنوان ضدّ الأفعال الموجبة للإفشاء و الإذاعة، و الأمر بالشي‏ء لا يقتضي النهي عن ضدّه، أو كان الواجب هو التحفّظ عن ضرر الغير، و وجبت التقيّة مقدّمة له عقلًا أو شرعاً؛ بناءً على‏ وجوبها كذلك:

أمّا بناءً على الوجوب العقلي فواضح.

و أمّا بناءً على الوجوب الشرعي فلأنّ وجوب الفعل الموافق للتقيّة، لا يقتضي حرمة مقابلاته. مع أنّ الحرمة الغيرية لا توجب الفساد. هذا مضافاً إلى‏ منع وجوب المقدّمة، كما حقّق في محلّه‏ (1).

و لو قلنا بحرمة الإذاعة، فلا توجب حرمتها بطلان العمل المنطبق عليه عنوانها؛ بناءً على‏ جواز اجتماع الأمر و النهي، كما هو التحقيق‏ (2).

و أمّا ثانياً: فلأنّ ما وجّه البطلان به من ترك المأمور به الواقعي؛ بدعوى‏ تحليل المسح إلى‏ أصل الإمرار و لو على الحائل ممّا لا يساعد عليه العرف؛ ضرورة أنّ المسح على الرجل و الرأس لا ينحلّ إلى المسح و لو على‏ غيرهما، فالمسح على الخفّ أجنبي عن المأمور به، كما ورد عن أمير المؤمنين (عليه السّلام)

فلئن أمسح على‏ ظهر حماري أحبّ إليّ من أن أمسح على الخفّين‏

(3)

.

____________

(1) مناهج الوصول 1: 410 415، تهذيب الأُصول 1: 278 282.

(2) مناهج الوصول 2: 128 136، تهذيب الأُصول 1: 391 398.

(3) الجعفريّات، ضمن قرب الإسناد: 24، مستدرك الوسائل 1: 335، كتاب الطهارة، أبواب الوضوء، الباب 33، الحديث 13.

40

و لو بنينا على‏ هذا النحو من التحليل لاتسع الخرق على الراقع؛ لإمكان أن يقال: إنّ المسح ينحلّ إلى‏ أصل الإمرار و لو بغير اليد و على‏ غير الرجل، فإذا تعذّر المسح باليد و على الرجل يجب مسح شي‏ء آخر، و هو كما ترى.

و أمّا رواية عبد الأعلى فلم يظهر منها أنّ المسح على المرارة يُعلم من كتاب اللَّه، بل يحتمل أن يكون المراد أنّه يفهم من كتاب اللَّه رفع المسح على الرجل، لا الإمرار على المرارة، أو أنّه (عليه السّلام) يعرف هذا الحكم من كتاب اللَّه لا سائر الناس؛ ضرورة أنّ العُرف لا يعرف من كتاب اللَّه ذلك.

فوجه بطلان الوضوء مع ترك المسح على الخفّين ليس ما أفاده (رحمه اللَّه) بل لأجل ترك الفرد الاضطراري و الاختياري، و إنّما قام الاضطراري مقام الاختياري في الإجزاء، و مع ترك البدل و المبدل منه لا وجه لصحّته.

41

المبحث الثالث في ذكر ما دلّ على‏ أنّ إتيان المأمور به على‏ وجه التقيّة يوجب الإجزاء، و لا تجب بعد رفعها الإعادة و القضاء

و هي كثيرة و على‏ طوائف:

منها: ما دلّت على الإجزاء في التقيّة الاضطرارية من أيّ سبب حصل الاضطرار.

و منها: ما دلّت عليه فيما يقتضي عنوان التقيّة إتيان المأمور به على‏ خلاف الحقّ.

و منها: ما دلّت عليه في التقيّة المداراتية.

و ليعلم: أنّ محطّ البحث في الإجزاء ما إذا أتى المكلّف بمصداق المأمور به بكيفيّة خاصّة تقتضيها التقيّة، كترك جزء أو شرط أو إيجاد مانع، كما لو اقتضت إتيان الصلاة بلا سورة، أو مع نجاسة الثوب، أو إتيان الصوم إلى‏ سقوط الشمس، أو وقوف عَرَفة يوم التروية و المشعر ليلة عرفة، لا ما إذا اقتضت ترك المأمور به رأساً، كترك الصوم في يوم تعييد الناس، و ترك الصلاة و الحجّ؛ فإنّ‏

42

الإجزاء في مثله ممّا لا معنى‏ له، و لا يكون ذلك محطّ البحث.

ففرقٌ بين إتيانِ الصوم إلى‏ سقوط الشمس تقيّةً، و تركِ الصوم رأساً؛ لأجل ثبوت الهلال عندهم و لزوم التقيّة في تركه؛ ففي الأوّل يقع البحث في إجزائه، دون الثاني، فما في بعض الكلمات من التسوية بينهما (1) في غير محلّه. و حينئذٍ تكون ما وردت في إفطار يوم شهر رمضان و قضائه‏ (2) غير مخالفة لما سيأتي من الإجزاء.

حول الأدلّة الدالّة على الإجزاء في التقيّة الاضطراريّة

إذا عرفت ذلك فمن الطائفة الأُولى‏:- أي ما كان العنوان هو «الضرورة و الاضطرار» حديث الرفع‏ (3) و قد تعرّضنا لفقه الحديث و حدود دلالته و دفع‏

____________

(1) انظر جواهر الكلام 16: 258 260، رسالة في التقيّة، ضمن تراث الشيخ الأعظم 23: 78 80، مستمسك العروة الوثقى‏ 8: 320 324.

(2) كرواية رفاعة، عن رجل، عن أبي عبد اللَّه (عليه السّلام) قال: دخلت على‏ أبي العبّاس بالحيرة فقال: يا أبا عبد اللَّه، ما تقول في الصيام اليوم؟ فقلت: ذاك إلى الإمام، إن صمت صمنا و إن أفطرت أفطرنا، فقال: يا غلام، عليّ بالمائدة، فأكلت معه و أنا أعلم و اللَّه أنّه يوم من شهر رمضان، فكان إفطاري يوماً و قضاؤه أيسر عليّ من أن يضرب عنقي و لا يعبد اللَّه.

الكافي 4: 83/ 7، وسائل الشيعة 10: 132، كتاب الصوم، أبواب ما يمسك عنه الصائم، الباب 57، الحديث 5.

(3) و هو ما رواه حريز بن عبد اللَّه، عن أبي عبد اللَّه (عليه السّلام) قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم): رفع عن أُمّتي تسعة أشياء: الخطأ و النسيان و ما اكرهوا عليه، و ما لا يعلمون، و ما لا يطيقون، و ما اضطروا إليه، و الحسد، و الطيرة، و التفكّر في الوسوسة في الخلوة ما لم ينطقوا بشفة.

التوحيد: 353/ 24، الخصال: 417/ 9، وسائل الشيعة 15: 369، كتاب الجهاد، أبواب جهاد النفس، الباب 56، الحديث 1.

43

بعض الإشكالات عنه في محلّه‏ (1) نشير إلى‏ لمحة منها:

فمن ذلك: أنّه لا إشكال في أنّ إسناد الرفع إلى المذكورات في الحديث، يحتاج إلى ادعاء، و المصحِّح للدعوى‏ إمّا رفع جميع الآثار، بمعنى أنّ الموضوع الذي لم يكن له أثر في عالم التشريع مطلقاً، يصحّ أن يدعى‏ أنّه مرفوع، فيقال: «رفع ما لا يطيقون، و ما اضطرّوا إليه».

و إمّا رفع المؤاخذة، فيدعى‏ أنّ ما لا مؤاخذة عليه مرفوعٌ و ليس بمحقّق، فلا بدّ حينئذٍ من دعوى أنّ سائر الآثار غير المؤاخذة ليس بشي‏ء، أو أنّ المؤاخذة تمام الآثار؛ حتّى تصحّ دعوى أنّه برفعها رفع الموضوع، فلا محيص عن دعويين: دعوى عدم شيئية سائر الآثار، أو كون المؤاخذة جميعها، و إلّا فمع تحقّق سائرها و النظر إليها، لا تصحّ دعوى رفع الموضوع، و دعوى‏ أنّ ما لا أثر له مرفوع ذاتاً، بخلاف رفع جميع الآثار، فإنّه معه لا يحتاج إلّا إلى ادعاء واحد، فالحمل على‏ جميع الآثار أسلم و أظهر.

و أمّا احتمال أن يكون في كلٍّ من العناوين أثر خاصّ به؛ هو أظهر آثاره‏ (2) فبعيد عن الصواب؛ لعدمِ مساعدة العرف، و عدم أثر خاصّ لكلّ منها هو أظهر الآثار، فلا محيص عن الحمل على‏ جميعها. كما أنّ العرف أيضاً يساعده عليه.

____________

(1) أنوار الهداية 2: 33 69، تهذيب الأُصول 2: 146 172.

(2) فرائد الأُصول 1: 320، درر الفوائد، المحقّق الحائري: 443.

44

و استشهاد الإمام (عليه السّلام) به في صحيحة صفوان‏ (1) و البَزَنطي‏ (2) (3) أقوى شاهد على‏ عدم الاختصاص بالمؤاخذة.

و منه: أنّه قد يقال: إنّ حديث الرفع يختصّ بالوجوديات، مثل التكتّف، و قول: «آمين» دون العدميات، فلا يشمل مثل ترك القراءة؛ فإنّ شأن الرفع تنزيل الموجود منزلة المعدوم لا العكس، فإنّه يكون وضعاً لا رفعاً، فلا يجعل عدم القراءة بمنزلة وجودها حتّى يقال: إنّ الصلاة تامّة؛ لأجل اشتمالها على‏

____________

(1) هو أبو محمّد صفوان يحيى البجلي بيّاع السابري، كان ثقة عيناً زاهداً ورعاً، و كانت له منزلة شريفة عند الرضا (عليه السّلام). روى‏ عن الرضا و الجواد (عليهما السّلام) و عن ابن مسكان و إسحاق بن عمّار و عبد الرحمن بن الحجّاج، و روى عنه إبراهيم بن هاشم و أيّوب بن نوح و يعقوب بن يزيد، توفّى صفوان عام 210 ه.

رجال النجاشي: 197 198، الفهرست: 83 84، معجم رجال الحديث 9: 130 133.

(2) هو أبو جعفر أحمد بن محمّد بن عمرو بن أبي نصر زيد البزنطي، كان ثقة صحب الكاظم و الرضا و الجواد (عليهم السّلام) و كان عظيم المنزلة عندهم و من أصحاب الإجماع، روى‏ عنهم (عليهم السّلام) و عن أبي بصير و أبان بن عثمان .. و روى عنه إبراهيم بن هاشم و أحمد بن محمّد بن عيسى‏ و يعقوب بن يزيد، مات (رحمه اللَّه) سنة 221 ه.

رجال النجاشي: 75، اختيار معرفة الرجال 2: 830، الفهرست: 19 20، معجم رجال الحديث 2: 236 238.

(3) و هي ما رواها صفوان بن يحيى‏، و أحمد بن محمّد بن أبي نصر جميعاً، عن أبي الحسن (عليه السّلام) في الرجل يستكره على اليمين، فيحلف بالطلاق و العتاق و صدقة ما يملك، أ يلزمه ذلك؟ فقال: لا، قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم): وضع عن أُمّتي ما اكرهوا عليه، و ما لم يطيقوا، و ما أخطأوا.

المحاسن: 339/ 124، وسائل الشيعة 23: 226، كتاب الأيمان، الباب 12، الحديث 12.

45

القراءة (1).

و فيه: أنّ الرفع متوجّه إلى العناوين المأخوذة فيه؛ أي‏

ما لا يطيقون، و ما استكرهوا عليه ..

إلى‏ آخره، و هذه العناوين لها نحو ثبوت قابل للرفع، فالموصول فيها و إن كان إشارة إلى‏ ما ينطبق عليه العناوين، و هي قد تكون عدمية، لكنّ الرفع غير متوجّه إلى العدم، بل إلى‏ عنوان‏

ما اضطرّوا إليه‏

و هو قابل للرفع عرفاً، و الرفع لمّا كان بلحاظ الآثار و ترك السورة موجباً للبطلان، فهو مرفوع بلحاظه، و لا يحتاج إلى‏ إثبات تحقّق السورة في صحّة الصلاة. مع أنّ استلزامَ رفع الترك لوضع الوجود عرفاً على‏ فرضه غيرُ متضح الفساد.

و بالجملة: لا قصور للحديث عن شمول كلّ ما يضطرّ إليه. بل لا ينقدح في ذهن العرف من قوله‏

رفع ما اضطرّوا إليه‏

و غيرِه غيرُ تلك العناوين؛ من غير انتسابها إلى الوجوديات و العدميات.

فاتّضح ممّا ذكر: أنّ ما يضطرّ إليه المكلّف من إتيان المانع و ترك الشرط أو الجزء مرفوع بلحاظ جميع الآثار. و بعضها و إن كان عقليّاً، إلّا أنّ شمول الحديث له لا مانع منه بعد كون منشئه بيد الشارع إثباتاً و نفياً، كما أنّ الأمر كذلك في مثل قاعدة التجاوز (2).

لكن التحقيق التفصيل بين الاضطرار إلى‏ إيجاد المانع، فيرفع المانعية بلسان رفع المانع، و نحكم بصحّة المأتي به، و بين الاضطرار إلى‏ ترك الجزء و الشرط؛ لأنّ الاضطرار إليه لا إليهما، فلا يمكن رفع الجزئية و الشرطية

____________

(1) فوائد الأُصول (تقريرات المحقّق النائيني) الكاظمي 3: 352 354.

(2) راجع الاستصحاب، الإمام الخميني (قدّس سرّه): 315 316.

46

بالحديث. و لا أثر لتركهما شرعاً؛ لأنّ وجوب الإعادة عقلي لا شرعي، و بقاء أمر الشارع ليس أثراً لترك الجزء أو الشرط، بل لازم عقلي لعدم الإطاعة، أو موجب آخر للسقوط، فالترك المضطرّ إليه لا أثر شرعي له حتّى يرفع بلحاظه. و القياس بقاعدة التجاوز في غير محلّه؛ لاختلاف لسانهما و مفادهما.

و منها: صحيحة الفضلاء قالوا: سمعنا أبا جعفر (عليه السّلام) يقول‏

إنّ التقيّة في كلّ شي‏ء يضطرّ إليه ابن آدم فقد أحلّه اللَّه‏

(1)

.

و لا تكون الحلّية قرينة على‏ تخصيص‏

كلّ شي‏ء

بالتكليفيات‏ (2) ضرورة أنّ الحلّية أعمّ من التكليفية و الوضعية، أ لا ترى أنّ قوله تعالى‏ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ‏ (3) ظاهرٌ في الوضع، و موردُ تمسّكهم خلفاً عن سلف لنفوذ البيع و مضيّه من غير شبهة تأوّل و تجوّز؟! (4).

ف «الحلال» ليس- في العرف و اللغة و الكتاب و الحديث مختصّاً بالتكليف، ف «المحرّم» و «المحلّل» عبارة عن الممنوع و المرخّص فيه، فشرب الخمر لدى الاضطرار حلال مرخّص فيه غير ممنوع، و التكتّف في الصلاة، و ترك السورة، و لبس الحرير فيها، و الإفطار عند سقوط الشمس، و الوقوف بعرفات و المشعر قبل وقته، كلّ ذلك إذا اضطرّ إليه ابن آدم أحلّه اللَّه و أمضاه، و الصلاة بالكيفية الكذائية و الصوم و الحجّ كذلك، مرخّص فيها و ممضاة من قبل اللَّه تعالى‏.

____________

(1) تقدّم في الصفحة 10.

(2) انظر مستمسك العروة الوثقى‏ 2: 402.

(3) البقرة (2): 275.

(4) الخلاف 3: 7، السرائر 2: 419، مختلف الشيعة 5: 38.

47

و الحاصل: أنّه يستفاد من الصحيحة رفع المنع تكليفاً و وضعاً عن كلّ شي‏ء يضطرّ إليه ابن آدم. و نحن الآن لسنا بصدد بيان موضوع الاضطرار، بل بصدد حكمه لدى تحقّقه، و لا ريب في استفادة الوضع منها، خصوصاً مع ندرة موارد ابتلاء الشيعة في دار التقيّة- في تلك الأعصار التي انحصرت التقيّة فيها من العامّة بالنسبة إلى التكليفيات، كشرب النبيذ مثلًا، و كثرة ابتلائهم بالوضعيات ليلًا و نهاراً، فحمل الحديث على التكليف ممّا لا مجال فيه.

و مثلها ما عن «نوادر أحمد بن محمّد بن عيسى‏» (1) عن سَماعة (2) عن أبي عبد اللَّه (عليه السّلام) قال‏

إذا حلف الرجل تقيّةً لم يضرّه إذا هو اكره و اضطرّ إليه‏

و قال‏

ليس شي‏ء ممّا حرّم اللَّه إلّا و قد أحلّه لمن اضطرّ إليه‏

(3)

.

____________

(1) هو شيخ قم و وجيهها و فقيهها الأوحد في زمانه أبو جعفر أحمد بن محمّد بن عيسى‏ بن عبد اللَّه الأشعري القمّي، كان ثقة صحب الرضا و الجواد و الهادي و العسكري (عليهم السّلام)، روى‏ عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطي و الحسن بن محبوب و عليّ بن الحكم، و روى عنه أحمد بن إدريس و سعد بن عبد اللَّه الأشعري و عبد اللَّه بن جعفر الحميري.

رجال النجاشي: 81 83، رجال الطوسي: 366 و 397 و 409، معجم رجال الحديث 2: 301 304.

(2) هو أبو ناشرة سماعة بن مهران الحضرمي، روى‏ عن الصادق و الكاظم (عليهما السّلام) و كان ثقة في حديثه إلّا أنّه وقف على الكاظم (عليه السّلام). روى‏ عنهما (عليهما السّلام) و عن أبي بصير و محمّد بن عمران و الكلبي النسّابة، و روى عنه أحمد بن محمّد بن أبي نصر و إسحاق بن عمّار و يونس بن عبد الرحمن.

الفقيه 2: 75 و 88، رجال النجاشي: 193 194، رجال الطوسي: 214 و 351، معجم رجال الحديث 8: 301.

(3) نوادر أحمد بن محمّد بن عيسى‏: 75/ 161، وسائل الشيعة 23: 228، كتاب الأيمان، الباب 12، الحديث 18.

48

و لعلّها أظهر في شمول الوضع؛ لأنّ عدمَ إضرار الحلف عدمُ ترتّب الأثر و الكفّارة عليه، و قوله بعده بمنزلة الكبرى الكلّية.

و لا يبعد استفادة الصحّة من مثل قول أبي جعفر (عليه السّلام) في صحيحة زرارة

التقيّة في كلّ ضرورة، و صاحبها أعلم بها حين تنزل به‏

(1)

.

حيث يظهر منها مشروعية التقيّة في إتيان العمل، كالصلاة متكتّفاً إذا اقتضت الضرورة، أو مشروعية التكتّف فيها، فدلّت على‏ صحّة الصلاة المأتي بها كذلك، تأمّل.

ثمّ اعلم: أنّ «الضرورة» أعمّ من «الاضطرار» من حيث المورد، فربّما لا يضطرّ الإنسان إلى‏ شي‏ء، لكنّ الضرورة تقتضي الإتيان به، كما إذا كان في تركه ضرر على‏ حوزة المسلمين أو رئيس الإسلام، أو كان مورثاً لهتك حرمة مقام محترم.

حول ما دلّت على الإجزاء فيما تقتضي التقيّةُ إتيانَ المأمور به على‏ خلاف الحقّ‏

و من الطائفة الثانية موثّقة مَسْعَدة بن صَدَقة، عن أبي عبد اللَّه (عليه السّلام) و فيها

و تفسير ما يتقى‏: مثل أن يكون قوم سوء ظاهرٌ حكمهم و فعلهم على‏ غير حكم الحقّ و فعله، فكلّ شي‏ء يعمل المؤمن بينهم لمكان التقيّة- ممّا لا يؤدّي إلى‏

____________

(1) الكافي 2: 219/ 13، وسائل الشيعة 16: 214، كتاب الأمر و النهي، الباب 25، الحديث 1.

49

الفساد في الدين فإنّه جائز

(1)

.

و لا ريب في أنّ «الجواز» هو المضي و كون الشي‏ء مرخّصاً فيه تكليفاً و وضعاً (2)، فيستفاد منه صحّة العمل و مضيّه. و هذا نظير قوله‏

الصلح جائز بين المسلمين‏

(3)

، فلا يختصّ بالتكليفي‏ (4)، بل يعمّ الوضعي.

فتكفيرُ المؤمن في صلاته، و إفطارُه لدى السقوط، و وقوفُه بعرفات قبل وقته، و إيقاعُه الطلاق مع فقدْ العدلين، و وضوؤه بالنبيذ .. و هكذا، يكون جائزاً نافذاً ماضياً لدى الشرع حال التقيّة، فتسقط الأوامر المتعلّقة بالطبائع بالفرد المأتي به تقيّةً، فإذا اقتضى‏ عنوانُ «التقيّة و كتمان السرّ و الخوف من إذاعة المذهب» إتيانَ عمل على‏ خلاف الواقع، يكون جائزاً و مصداقاً في هذا الحال للمأمور به.

و هذه الموثّقة أعمّ مورداً من الطائفة الأُولى‏؛ لشمولها للتقيّة الاضطرارية و المداراتية.

و منها: صحيحة أبي الصباح إبراهيم بن نعيم‏ (5) المرويّة في كتاب‏

____________

(1) تقدّم في الصفحة 13.

(2) المصباح المنير: 114، مجمع البحرين 4: 11 و 12.

(3) الفقيه 3: 20/ 52، وسائل الشيعة 18: 443، كتاب الصلح، الباب 3، الحديث 2.

(4) القواعد الفقهيّة 5: 51.

(5) هو إبراهيم بن نعيم العبدي المعروف بأبي الصباح الكناني، لأنّه سكن مع بني كنانة، صحب الصادقين (عليهما السّلام) و كان من الفقهاء الأعلام و الرؤساء المأخوذ عنهم الحلال و الحرام الذين لا مطعن عليه، كيف! و قد سمّاه الصادق (عليه السّلام) بالميزان لوثاقته العالية. روى‏ عن الصادقين (عليهما السّلام) و عن أبي بصير، و روى عنه أبان بن عثمان و الحسن بن محبوب و ..

رسالة جوابات أهل الموصل، ضمن مصنّفات الشيخ المفيد 9: 31 32، رجال النجاشي: 19 20، رجال الطوسي: 102 103 و 144، معجم رجال الحديث 21: 191 192.

50

الأيمان، قال: و اللَّه لقد قال لي جعفر بن محمّد (عليهما السّلام)

إنّ اللَّه علّم نبيّه التنزيل و التأويل، فعلّمه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و آله و سلّم) عليّاً (عليه السّلام)

قال‏

و علّمنا و اللَّه‏

ثمّ قال‏

ما صنعتم من شي‏ء أو حلفتم عليه من يمين في تقيّة، فأنتم منه في سعة

(1)

.

تدلّ على‏ أنّ كلّ ما صنع المكلّف من زيادة في المأمور به أو نقيصة فيه، فهو في سعة منه، فلا يترتّب عليه الإعادة و القضاء. فهو كقوله‏

الناس في سعة ما لا يعلمون‏

(2)

و الاختصاص بالحكم التكليفي‏ (3) ممّا لا يساعد عليه العرف.

و منها: موثّقة سماعة (4) قال: سألته عن رجل كان يصلّي، فخرج الإمام و قد صلّى الرجل ركعةً من صلاة فريضة، قال‏

إن كان إماماً عدْلًا فليصلّ اخرى‏ و ينصرف و يجعلهما تطوّعاً، و ليدخل مع الإمام في صلاته كما هو، و إن لم يكن‏

____________

(1) الكافي 7: 442/ 15، تهذيب الأحكام 8: 286/ 1052، وسائل الشيعة 23: 224، كتاب الأيمان، الباب 12، الحديث 2.

(2) لم يوجد في المجامع الروائية رواية بهذا النصّ إلّا ما يقرب منها نحو: «إنّ الناس في سعة ما لم يعلموا»، كما في عوالي اللآلي 1: 424/ 109، و نحو: «هم في سعة حتّى يعلموا» كما في الكافي 6: 297/ 2.

(3) راجع التنقيح في شرح العروة الوثقى‏ 4: 278 281.

(4) كونها موثّقة من جهة سماعه، فإنّه و إن كان ثقة في حديثه، إلّا أنّه كان من الواقفة، كما صرّح بذلك الشيخان الجليلان الصدوق و الطوسي (رحمهما اللَّه).

الفقيه 2: 75 و 88، رجال الطوسي: 351.