الفصول الغروية في الأصول الفقهية

- الشيخ محمد حسين الأصفهاني صاحب الفصول المزيد...
446 /
1

مقدّمة الكتاب‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ و به نستعين‏

الحمد للَّه الّذي أرشدنا إلى معالم الشريعة و معارج اليقين و نوّر قلوبنا بزبدة من لوامع تمهيد قواعد الدّين و وفقنا التحصيل حاصل القوانين الممهّدة لإيضاح مدارك شرعه المبين و الصّلاة و السّلام على من اصطفاه و اختاره على العالمين محمّد و آله الطيّبين الطّاهرين إلى يوم الدّين أمّا بعد فيقول المفتقر إلى رحمة ربّه الكريم محمّد حسين بن محمّد رحيم غفر اللَّه ذنوبهما و حشرهما مع محمّد و آله الطّاهرين (صلوات اللَّه عليهم أجمعين) إنه لمّا ساعدني سواعد التوفيقات الإلهية و التّأييدات الربّانية على السّلوك في المسالك العلميّة و تحصيل المعارف الدّينيّة من العقليّة و النقليّة و رأيت أنّ أكثرها قد رأوا أجلّها خطرا بعد العلم الموسوم بعلم الكلام علم الفقه المتكفّل لبيان الأحكام الكاشف عن معضلات مسائل الحلال و الحرام و وجدت مسائله مستمدة من علم الأصول مستندة إليه في الردّ و القبول و لم أجد فيه من علمائنا الصّالحين من المتقدّمين و المتأخرين (رضوان اللّه عليهم أجمعين) و لا غيرهم من الفحول و المحققين مصنّفات يشفي العليل و يروي الغليل مع ما أكثروا فيه من التصنيف و التأليف و أوردوا فيها من التوجيه و الترنيف فكم من تحقيق مقام تركوه و توضيح مرام أهملوه صرفت جهدي في تصنيف كتاب يحتوي على معظم تحقيقاته و يشتمل على جل مهمّاته و فتح مغلقاته فأوردت فيه تحقيقات بلغ إليها نظري و ذكرت فيه تنبيهات عثر عليها فكري ممّا لم يسبقني إليها أحد غيري و حرّرتها بعبارات وافية و بيانات شافية محترزا عن الإطناب الممل و الاختصار المخل موردا لما أورده من الرّد و الإيراد مبيّنا لما فيه من وجه ضعف أو فساد و حيث التمسني عند أخذي في تصنيف هذا الكتاب بعض الأصحاب من أخلاّئي المؤمنين و أصدقائي الصّالحين أن أتعرض في طي تحريره لمناقشات تتجه عندي على كتاب القوانين و هو المصنّف المحقّق المدقق الفاضل الكامل التقي الصّفي من فضلائنا المعاصرين أجبت ملتمسه بإنجاح مسئوله و أسعفت مرامه بنيل مأموله فتعرّضت لما خطر ببالي الفاتر و أوردت لما ورد في فكري القاصر معبرا عنه ببعض المعاصرين و بالفاضل المعاصر ناقلا لكلامه غالبا بالمعنى موردا له بعبارة وجيزة أوفي و مع ذلك فالنّاظر إذا أقدم ميدان الرقم لا يتمالك عنان القلم فاعذروني إن أكثرت عن الرد و الإيراد أو صرّحت بالضعف و الفساد و لا ترموا على ذلك بالشنع فإن الحق أحق بأن يبدى فيتّبع و سمّيته بالفصول الغرويّة في الأصول الفقهيّة و سلكت في ترتيبه مسلك المتأخرين لأنه أقرب إلى طباع النّاظرين و رتبته على مقدمة و مقالات و خاتمة و المسئول من اللَّه الملك الوهّاب أن يعصمني فيه من الزّلل و يرشدني إلى الصّواب و يجعله خالصا لوجهه الكريم فإنّه على من رجاه عطوف رحيم‏

أمّا المقدّمة ففي تعريف العلم و بيان موضوعه و ذكر نبذة من مباديه اللغوية

و ربما يذكر فيها بعض مباحث المقاصد استطرادا و أمّا وجه الحاجة إليه فسيأتي بيانه في محله إن شاء الله تعالى القول في تعريفه لأصول الفقه معنيان تركيبيّ إضافي و أفراديّ علميّ و قد جرى دأب القوم بالبحث عن حدّه بالاعتبارين و ظاهر مقالة كثير منهم يؤذن بدعوى التطابق بين المعنيين و به صرّح بعضهم مع احتمال أن يكون الغرض من إيراد المعنى الأول بيان المناسبة المصحّحة للنقل في الثاني فأمّا معناه التركيبيّ، فبيانه مبنيّ على بيان أجزائه فنقول الأصول جمع الأصل و هو في اللغة ما يبتني عليه الشي‏ء صرّح به جماعة من علماء الأصول و كان هذا مراد من فسّره بأسفل الشي‏ء و من فسّره بالقاعدة التي لو توهمت مرتفعة لارتفع الشي‏ء بارتفاعها و قد يطلق و يراد به معنى السّابق فيؤخذ تارة باعتبار الحقيقة كقولك أصل الإنسان التراب و أصل الخزف الطّين يعنى حقيقته السّابقة و أخرى باعتبار الأحوال و الصّفات كقولك هذا في الأصل بغداديّ و هذا الأسود كان في الأصل أبيض يعنى في السّابق و ليس مبنيا على المعنى السّابق إذ لا يفهم منه هنا معنى البناء أصلا و إن كان حاصلا في قسمه الأول فهو إمّا حقيقة بالاشتراك أو مجاز لوجود العلاقة و في الاصطلاح يطلق غالبا على أحد المعاني الأربعة و هو الراجح و الاستصحاب و القاعدة و الدّليل و المناسب من معانيه للمقام إما المعنى اللغوي أو الأخيران من معانيه الاصطلاحيّة كما سيتّضح لك إن شاء الله و الفقه في اللغة الفهم صرّح به الجوهري و غيره و فسّره الرازي بفهم غرض المتكلّم من كلامه و احترز به عن فهم غيره و فهمه بغير كلامه و فسّره بعضهم بفهم الأشياء الدقيقة و احترز به عن فهم غيرها و المعروف هو الأول ثم الفهم هو الإدراك و كأنّ هذا مراد من فسّره بأنه هيئة للنفس بها يتحقق معاني ما تحس و قيل هو جودة الذهن من حيث استعداده لاكتساب‏

2

المطالب و الآراء و كأنّ هذا مراد من فسّره بسرعة الانتقال من المبادي إلى المطالب نعم فرق بين ظاهر كل واحد من الحدّين و ظاهر الآخر من حيث إنّ أحدهما ظاهر في الفعلي و الآخر في الثاني و ضعّف الأول بعدم صدق الفهيم على البليد مع صدق المدرك عليه و الثاني بشيوع استعماله في مطلق الإدراك و يمكن الجواب عن الأول على الأول بالتزام النقل في لفظ الفهيم أو بأنه صيغة مبالغة كعليم فلا ينافي عدم إطلاقه على مطلق المدرك و أمّا في الاصطلاح فله تعريفات عديدة أشهرها أنه العلم بالأحكام الشرعية الفرعيّة عن أدلتها التفصيليّة فالعلم يطلق على معان عديدة منها الإدراك المطلق و هذا الإطلاق و إن كان متداولا عند أهل الميزان بل هو حقيقة في عرفهم إلاّ أنه مجاز باعتبار العرف و اللغة و منها التّصديق أعني الاعتقاد سواء اعتبر فيه الأمور الثلاثة من الجزم و الثبات و المطابقة أو لم تعتبر كلا أو بعضا و إطلاق العلم على ما يشتمل على الجميع حقيقة لغة و عرفا كمجازية إطلاقه على ما ينتفي فيه الأمر الأول و في إطلاقه على البواقي وجهان و قد نصّ كثير منهم على مجازيته و هو الظاهر و منها الملكة و هي الهيئة الراسخة الناشئة عن الممارسة فيما أضيف إليه الملكة أو مطلقا أو مطلق التهيّؤ و الأول أظهر و إطلاقه عليها و إن كان مجازا لغة لكنه حقيقة في مصطلح أرباب العلوم بالغلبة أو النقل كما هو الظّاهر و إليه يرشد ظاهر كلماتهم و منها التصور و إطلاقه عليه مبنيّ على أخذه بمعنى الإدراك و منها المسائل و هي القضايا أو المحمولات المنتسبة و إليه يرجع قولهم فلان يعلم النحو أي مسائله و هل هو مجاز مطلقا من باب تسمية المعلوم و لو بالقوة باسم العلم تمسّكا بأصالة عدم الاشتراك أو حقيقة عرفية عامة أو خاصّة نظرا إلى شيوع إطلاقه فيه عليها وجهان و الأحكام تطلق أيضا على معان عديدة على خطابات الشرع المتعلقة بأفعال المكلّفين و هذا معناه المصطلح عليه عند القوم على ما سيأتي و على التّصديقات مطلقا أو مع المنع من النقيض و الظّاهر أنّ هذا المعنى بالاعتبار الأخير ثابت لها بحسب اللغة و العرف و استعمالها فيها شائع في العلوم لا سيّما علم الميزان لكنّهم كثيرا ما يستعملونه في التّصديق بالمعنى الأعمّ و على المسائل و على النّسب الحكميّة و الظاهر أن إطلاقها على هذين المعنيين مجاز في المعنى السّابق بعلاقة المجاورة أو الحلول و على الأحكام الخمسة التكليفية و على مطلق الأحكام أعني الأعم من التكليفية و الوضعيّة و إطلاقها على هذا المعنى متداول في عرف المتشرّعة و إطلاقها على الخمسة التكليفيّة راجع إليه فإن فسر العلم بالإدراك جاز حمل الأحكام على النسب و المسائل و على مطلق الأحكام أيضاً إن اعتبرت من حيث انتسابها إلى موضوعاتها إلاّ أنّه يستلزم استدراك قيد الشرعيّة على ما هو الظاهر من اختصاصها بهذا المعنى بالشرعيّة دون الأعمّ منها و من غيرها و الأظهر في هذه الصّور أن يجعل الظرف متعلّقا بالمتعلق المقدر أي الإدراك المتعلق بالنّسب أو المسائل أو الأحكام و لا يصحّ حملها حينئذ على التصديقات إذ ليس إدراكها فقها إلاّ أن يراد بها تصديقات الشارع لكنه مع بعده لا يختص بمن يرى صحتها و ظاهر الاصطلاح لا يساعد عليه و لا على الأحكام الخمسة لانتقاض عكس الحد حينئذ بالأحكام الوضعيّة مع أنّها داخلة في الفقه قطعا و من التزم بخروجها منه و جعل ذكرها فيه على التبعيّة أو لأولها إلى الأحكام التكليفيّة فقد أتى بتعسّف بيّن و لا على الخطابات سواء أريد به توجيه الكلام نحو الغير لظهور أنّ العلم بهذا الأمر النّسبي ليس فقها و لا مستفادا من الأدلّة أو أريد به نفس الكلام الموجّه لوضوح أن مجرد العلم به لا يسمّى فقها و للزوم اتحاد الدليل و المدلول حينئذ فإنّ من الأدلة الكتاب و هو من جملة الخطابات المذكورة و قد أجابت الأشاعرة عن هذا بجعل الأحكام عبارة عن الكلام النّفسي و الأدلة عبارة عن الكلام اللفظي فلا اتحاد و أورد عليه الفاضل المعاصر بعد بطلان الكلام النّفسي في نفسه بأنّ الكتاب مثلا حينئذ كاشف عن المدّعى لا مثبت للدّعوى فلا يكون دليلا في الاصطلاح هذا كلامه فإن أراد أنّ الكلام النّفسي حينئذ مطلوب إنشائيّ فلا يكون الكلام اللّفظي دليلا عليه حيث يعتبر عندهم أن يكون المطلوب به خبريّا ففيه أنّ المراد إنما هو العلم بالأحكام من حيث كونها ثابتة و متحققة في نفس الأمر أو عند الشارع بدليل أنّ المراد بالعلم إما التصديق أو الإدراك التصديقي أو ملكتهما دون التصوّر أو ملكته كما سيتّضح وجهه‏

و لا ريب أنها بهذا الاعتبار من المطلوب الخبريّ و إن كانت من حيث ذواتها إنشاء و ظاهر أن الأدلة إنما تعتبر أدلة لها بهذا الاعتبار فلا إشكال و إن أراد أن الخطابات النفسيّة مداليل للخطابات اللفظية فلا تكون أدلة عليها لأن الألفاظ لا تثبت معانيها و إنما تكشف عنها عند العالم بالوضع على سبيل البداهة و الضرورة ففيه أن الخطابات اللفظية لم تعتبر أدلة على الخطابات النفسيّة من حيث اقتضائها لتصوّرها و حضورها في نظر السّامع بل من حيث التصديق بثبوتها عند المتكلم و إرادته لها و ظاهر أن اللفظ يصح أن يكون دليلا على معناه بهذا الاعتبار بالمعنى المصطلح لتوقف دلالته عليه على تمهيد مقدّمات عديدة ثم أجاب عن أصل الإشكال بجعل الأحكام عبارة عما علم ثبوته من الدين ضرورة بالإجمال و الأدلة عبارة عن الخطابات التفصيلية قال فإنا نعلم أولا بالبديهة أنّ لشرب الخمر و أكل الرّبا أو نحو ذلك حكما أي خطابا من الخطابات من الأحكام و لا نعرفه بالتفصيل إلاّ من قوله تعالى حرمت عليكم الميتة و حرّم الرّبا و نحو ذلك هذا كلامه و فيه ما لا يخفى فإنّ الخطابات التفصيلية ليست أدلة على الخطابات الإجمالية و ذلك واضح على أنّ الخطابات الإجمالية كما اعترف به ثابتة بالضرورة و البداهة فلا تكون حاصلة عن الأدلة مع أنّ العلم بالخطابات الإجمالية لا يسمّى في الاصطلاح فقها قطعا و إن أراد بها الأحكام الإجمالية من حيث التفصيل عاد المحذور فإنّ‏

3

الإجمال بهذا الاعتبار عين التفصيل و إن حمل العلم على التصديق جاز حمل الأحكام على النّسب و المسائل و على مطلق الأحكام أيضا إن اعتبرت من حيث انتسابها إلى موضوعاتها ليصح تعلق التصديق بها و ما يقال هنا و فيما مر أنّ تفسير الأحكام بالنّسب يوجب خروج العلم بحدود موضوعات الفقه عنه مع أن بيانها من وظيفته فضعيف لأنه إن أريد به لزوم خروج تصوّر حدود الموضوعات عنه أو تصورها بحدودها عنه فهذا مما لا ضير فيه بل مما يجب المحافظة عليه لئلا ينتقض طرد الحدية لأن مسائل العلوم على ما تبيّن في محله لا تكون إلا تصديقات و تصوّر الموضوع من المبادي التصوّرية التي تبين في العلم إذ ليس لها موضع آخر تبين فيه فبيانها من وظيفة العلم بالعرض على أن ذلك خارج عن أصل الحد بناء على تفسير العلم بالتصديق و إن أريد لزوم خروج التّصديق بصحة تلك الحدود و مقتضاها عنه فممنوع لأنها حينئذ يشتمل على النّسبة بالوصف المذكور و هي أيضا داخلة فيه على الوجهين الأخيرين أمّا على الأول فلأنها بهذا الاعتبار تكون من المسائل و أمّا على الثاني فلأنها حينئذ تكون من جملة الأحكام الوضعيّة حيث إنها لا تنحصر عندنا في الخمسة المعروفة و لا يصحّ تفسير الأحكام حينئذ بالتصديقات و لا بالأحكام الخمسة و لا بالخطابات لما سبق و إن فسر العلم بالملكة جاز أن يراد بالأحكام التّصديقات أو المسائل أو مطلق الأحكام على حدو ما سبق و من شنّع على من فسّر الأحكام بالتّصديقات بأن الفقه ليس عبارة عن التصديق بالتّصديقات فكأنه غفل عن تفسير العلم بهذا المعنى و لا يصحّ حينئذ أن يراد بها الخطابات و لا الأحكام الخمسة لما مرّ و لا النسب إذ ليس ملكتها فقها إلا أن تفسير الملكة بملكة التصديق أو الإدراك بأن يراد بها التصديق أو الإدراك بالملكة فيستقيم المعنى بهذا التكلف كما مرّ أو يتعسّف فيجعل الظرف متعلقا بالمتعلق المقدر على أن تكون صفة للعلم و يعتبر تعلقها بالنسبة على وجه يتناول تعلقها بها بواسطة تعلقها بما يتعلق بها من التصديق و الوجهان إتيان على تقدير التفسير بالمسائل و بمطلق الأحكام أيضا إلا أنه لا تعسّف فيهما لشيوع الإطلاق ثم تفسير أسماء العلوم بالملكة مما اشتهر في العبائر و الألسنة لكن قد يناقش فيه بأن الملكات أمور بسيطة لا تقبل التبعيض و التجزئة و تقبل الضّعف و الشدة و المعهود من حال العلوم خلاف ذلك و جوابه أن أسماء العلوم كما تطلق على المسائل كذلك تطلق على الملكات و هي تتّصف بتلك الصّفات بالمعنى الثاني دون الأول و كأن المعترض اعتبر التعريف بالملكة للعلم بمعنى المسائل فأورد عليه بذلك فتأمّل و في المقام كلام ستقف عليه و لا يصحّ أن يراد بالعلم التصور إذ ليس الفقه عبارة عنه و لا المسائل لعدم استقامة المعنى من غير تعسّف و الشرعية أمّا مأخوذة من الشرع بمعنى الشارع سواء فسّر به تعالى أو بالنّبي (صلى اللَّه عليه و آله) أو من الشرع بمعنى الطريقة المنتسبة إليه نسبة الأحكام إلى الشرع بالمعنى الأول من باب نسبة الأثر إلى المؤثر و لو تقريبا و بالمعنى الثاني من باب نسبة الشي‏ء إلى متعلقه أو وصفه أو نسبة الجزء إلى الكل لأن اللاّم فيها للعموم الأفرادي و لا يلزم منه نسبة الشي‏ء إلى نفسه حيث إنّ المنسوب داخل في المنسوب إليه لتغاير الاعتبارين ثم على تقدير تفسيره بأحد الوجهين الأخيرين فالمراد به شرعنا كما هو الظاهر المتبادر دون سائر الشرائع إذ لا يسمّى من علم فروع شرع اليهود أو النصارى عن أدلتها فقيها من حيث علمه بها و يشكل الحدّ بناء على تفسيره بالمعنى الأول و لا مناص عنه إلا بحمل الأحكام على الأحكام المعهودة إجمالا أو على الأحكام الفعليّة أي الثابتة في هذه الملة كما هو الظاهر من إطلاقها و يؤيده إضافة الأدلة إن جعلت المعهد و كيف كان فالمراد بها هنا ما كان للشرع مدخل فيه سواء استقلّ بإثباته العقل أولا و المراد بالفرعيّة المسائل المعروفة التي دوّنت مهمّاتها في الكتب المعهودة و ربما تفسّر بما يتعلق بكيفيّة العمل بلا واسطة و الظاهر أن المراد بالموصولة إمّا العلم الشرعي أو العلم بالحكم الشرعي بمعانيها التي اعتبرناها في الحد كما يقتضيه ظاهر المقام لا مطلقهما أو مطلق أحدهما أو مطلق الشي‏ء لئلا يتضح فساد طرده على بعض الوجوه الآتية فإن كلّ ما يتعلّق بكيفيّة العمل بلا واسطة لا يكون فرعيّا قطعا فيجوز أن يراد بها التّصديق الشرعي أو الإدراك الشرعي أو المسائل الشرعيّة أو نسبها أو مطلق الأحكام أو ملكة أحد هذه الأمور أو التّصديق بأحد الثلاثة المتأخرة من الأولين و الأنسب‏

بالمقام أن يراد بها الحكم الشرعي بمعانيه المعتبرة في الحدّ بقرينة وقوعها حدّا لوصفه و يجوز أن يراد بكيفية العمل هيئته و خصوصيّته فيكون في اعتبارها تنبيه على أن الأحكام الشرعية لا تتعلق بالعمل من حيث كونه عملا ما لم يعتبر معه خصوصيّة و أن يراد بها مطلق الأحكام فإنها كيفيّات جعلية طارئة عليه فإن فسرت بالمعنى الأول جاز أن يراد بالموصولة جميع المعاني المتقدمة على تعسّف في بعضها و إن فسرت بالمعنى الثاني لم يجز أن يراد بها المسائل و لا مطلق الأحكام و صح إرادة بقية المعاني على ما مرّ و بعضهم ترك قيد الكيفية نظرا إلى أنّ الحدّ يتم بدونها و على تقديره يصحّ أن يراد بالموصولة جميع المعاني المتقدّمة ممّا عدا التصديق و الإدراك و الملكة و ربما أمكن اعتبارها بتعسّف كما مرّ ثمّ لا يذهب عليك أن بعض هذه الوجوه يبتني على إرجاع التفسير إلى الفرع دون الفرعيّة كما يظهر بالتأمل و ينبغي أن يراد بالعمل فعل المكلّف و لو قوة كما هو الظّاهر لئلا ينتقض على بعض الوجوه المتقدمة بقول الحكيم و المتكلّم بامتناع صدور القبح منه تعالى أو أنه يمتنع منه إظهار المعجزة على يد الكاذب و أنه تعالى مختار في أفعاله حكيم في صنعه و كذا لو اعتبر ذلك بالنسبة إلى خصوصيّات الأفعال بل ينبغي أن يخصّ بالمكلّف الإنساني لئلاّ ينتقض على بعض الوجوه المتقدمة بنحو قوله تعالى لا يعصون اللَّه ما أمرهم و يفعلون ما يؤمرون و سجد الملائكة يدخلون و قالت الملائكة و بمؤدى مثل قوله تعالى و إذ قلنا للملائكة اسجدوا

4

و مع ذلك يتجه على طرده بنحو قال موسى و قال فرعون و قال نسوة فإنها تشتمل على نسب أو أحكام شرعية متعلقة بفعل المكلف ابتداء و لا مدفع له إلا بأن يفسر الموصولة أو الكيفيّة بمطلق الأحكام أو يراد بالشرعية ما من شأنها أن تكون مأخوذة من الشارع من حيث كونه شارعا كما هو الظاهر و نمنع تحقق الحيثية في المذكورات فيندفع نقوض المذكورة و كذا يندفع النقض بمسألة الجبر و الاختيار نعم يبقى الإشكال على عكسه بخروج كثير من الأحكام الوضعيّة التي لا تعلق لها أولا بكيفيّة العمل عنه كمباحث النجاسات و المطهّرات و المواريث فإنّ قولهم كذا و كذا نجس أو مطهر أو يرث كذا من كذا أحكام وضعيّة لا تعلق لها بالعمل ابتداء بل بواسطة أحكام أخر و على طرده بدخول مباحث أصل البراءة و أصل الإباحة فيه و يمكن دفع الأخير بأن المراد تعلقه به تعلق المسائل بموضوعاتها و ليس للمسألتين المذكورتين تعلق بالعمل كذلك و فيه تعسّف و مع ذلك يبقى الإشكال بمثل مسألة التأسّي و ينبغي أن يراد بالعمل ما يتناول العمل الوجودي و العدمي ليدخل فيه مثل وجوب الترك أو استحبابه أو حرمته أو كراهته أو إباحته و إن دخلت فيه باعتبار حرمة الفعل أو كراهته حيث يستلزم أو وجوبه أو استحبابه أو إباحته أيضا و كذا مثل شرطية الترك أو مانعيته و إن دخلت باعتبار اللازم من مانعيّة الفعل و شرطيته ثم إن أريد به ما يختصّ صدوره بالجوارح انتقض عكس الحد بمباحث النية و إن أريد به ما يتناول عمل القلب انتقض طرده بالأحكام التكليفيّة الأصولية و الأدلة جمع دليل و هو في اللغة المرشد و عرف في الاصطلاح بما يمكن التوصّل بصحيح النظر فيه إلى مجهول خبريّ فباعتبار الإمكان دخل فيه الأدلة المتعددة و الذي لم ينظر فيه فإنّها تتّصف بإمكان التوصّل و إن لم يقع و ينبغي أن يراد به الإمكان العادي ليخرج الأدلة المسبوقة بالضرورة فإنها لا تسمى دليلا اصطلاحا و النظر ترتيب أمور معلومة للتأدي إلى مجهول و قد يعرف بأنه ملاحظة المعقول للتأدي إلى مجهول و هو أولى إن جوّزنا التعريف بالمفرد كالخاصّة وحدها و المراد بالنظر فيه ما يعمّ النظر في نفسه و صفاته و أحواله فدخل المفرد كالعالم و المركب إذا أخذ بدون الترتيب و يخرج عنه المقدّمات المرتبة إذا اعتبرت مرتبة لاستحالة النظر فيها و المراد بصحيحه ما اشتمل على شرائط المادة و الصّورة و قيد به لعدم العبرة بالنظر الفاسد و إن حصل التوصّل به اتفاقا و خرج بالمجهول الخبري الموصل إلى مجهول تصوّري فإنه لا يسمّى دليلا بل معرفا و هذا التعريف لا يتناول الأمارة و بعضهم أخرجها بقوله إلى العلم بالمجهول و كيف كان فالمراد بها هنا الأدلة الأربعة من الكتاب و السّنة و الإجماع و العقل و اعتبارها أدلة صحيحة بالاصطلاحين لأن المراد بالمدلول عليه الأحكام في الجملة ظاهرية كانت أو واقعية و ربما أمكن تخصيصها على الأوّل بالثاني لكن يكون الوصف حينئذ باعتبار الغالب فإنها قد لا تقيد الاعتقاد بالواقع أصلا ثم هذا الحدّ أوفق بالمقام من تحديد بعضهم كالعلاّمة له بما يفيد معرفة العلم بشي‏ء آخر إيجابا أو سلبا فإنه بظاهره إنما ينطبق على المقدّمات المرتبة لظهور أنّ ما عداها لا يفيد العلم و هذا لا ينطبق على موضوع هذا العلم لأنه عبارة عن نفس المفردات كيف و جملة من طرق النظر فيها إنما يعرف في هذا العلم فلا يمكن اعتبارها فيه نعم ما ذكره معنى آخر للدليل مباين لما ذكرناه و هو المعنى الشائع في غير المقام مع أن قوله إيجابا أو سلبا احتراز عن المعرف و لا حاجة إليه لخروجه بقيد العلم فإنّ المفهوم منه التصديق و هو لا يستفاد إلا من التّصديق على أنّ هذا الحدّ بإطلاقه يتناول الدليل الفاسد فإنه قد يفيد العلم بشي‏ء آخر و الظاهر أنه لا يسمّى دليلا في الاصطلاح إلا مجازا و أيضا لا يتناول الأدلة المتعدّدة إلاّ أن يتعسّف بحمل الإفادة فيه على ما يتناول شأنية الإفادة إذا تقرّر هذا فنقول العلم جنس إن فسّر بالملكة على ما نراه من أنّ الملكات كيفيّات مختلفة بالنّوع و الحقيقة لا بمجرّد النسبة و الإضافة أو فسّر بالإدراك و قلنا بأنّ حقائق العلوم تابعة لحقائق معلوماتها كما يراه و بعضهم و بمنزلة الجنس أيضا إن فسّر بالتّصديق مطلقا أو بالإدراك إن جعلنا التصور و التّصديق من أصنافه لأنهما حينئذ نوع لما يندرج تحتهما من العلوم و الإدراكات المختلفة باختلاف أقسام المعلومات و تلك العلوم أصناف بالنّسبة إليه و إن كانا جنسا بالنّسبة إلى ما يندرج تحتهما من المراتب المختلفة بالشدة

و الضّعف على ما هو التحقيق في كل عرض يكون كذلك و يخرج بتقييده بالأحكام العلم بالذوات و الصّفات على ما ذكره جماعة و هو بظاهره يقتضي حمل الأحكام على النسب و قد صرّح به بعضهم فيكون المراد بالعلم الإدراك دون الملكة لما مرّ من أنه لا يتم حينئذ إلا بتكلف و دون التصديق لأن التصديق لا يتعلق بغير النّسبة فيكون قيد الأحكام على تقديره توضيحيّا و لو أريد بالأحكام المسائل أو مطلق الأحكام بالاعتبار المتقدم أمكن توجيه الاحتراز بها عن الصّفات بأخذها مجرّدة عن النّسبة لكن لا يلائمها الاقتصار عليها في الاحتراز لخروج العلم بالنّسبة على الأول و العلم بما عداه مطلق الأحكام على الثاني و من أردف الصفات بالأفعال فقد أراد بها ما يغايرها و يجوز أن يحمل الأحكام على التصديقات أيضا فيتعيّن حمل العلم على الملكة كما عرفت و يتوقف صحة الاحتراز المذكور بظاهره على تفسيرها بمجرد التهيّؤ و الاستعداد و ينبغي حينئذ أن تؤخذ الصفات منتسبة كما يرشد إليه تمثيل بعضهم و يعتبر الاحتراز بالنسبة إلى الأمرين لتحقق الاحتراز عن النسبة أيضا حيث إنها تخرج بالتقييد بها أيضا و الوجه في عدم ذكرها مستقلا عدم كونها مستقلة بالعلم و الإدراك ثم إن فسّر العلم بالملكة كان التقييد بالأحكام مطلقا احترازا عن ملكة غيرها و إن فسرت‏

5

الأحكام بمطلق الأحكام كانت مخرجة من العلم مطلقا للعلم بما عداها من الأحكام التي ليست شرعية فيكون قيد الشرعية حينئذ مستدركا و يخرج بقيد الشرعيّة على تقدير حمل الأحكام على غير الأحكام غيرها كالعقلية المحضة و بقيد الفرعية الأصولية و بقولنا عن أدلّتها علم اللَّه و علم الملائكة و النّبي (صلى اللَّه عليه و آله) و الأئمة و الفرعيّة الضروريّة إذ ليس شي‏ء منها مستفادا من الأدلة كذا قالوا أقول و هذا الاحتراز إنما يصح إذا حمل العلم على غير الملكة من التصديق أو الإدراك و فسّرا بالمعنى الأعم لا بمعناه المصطلح عليه عند أهل الميزان و أمّا إذا حمل على الملكة كما صرّحوا به فإن فسرت بمجرّد التهيّؤ و الاستعداد كان علمه تعالى خارجا عن أصل الحدّ و كذا إذا حمل على التّصديق أو الإدراك و فسرا بالمعنى المصطلح عليه عند أهل الميزان لأنهم يعنون بهما ما يختصّ بالحصول و كذلك علم الملائكة على ما يراه الفلاسفة و إن اعتبر معه أن يكون ناشئا عن الممارسة و المزاولة كان علم الأنبياء و الأئمة و الملائكة و العلم بالأحكام الضّرورية خارجا عنه أيضا و على التقديرين لا يكون هذا القيد احترازا عن الجميع اللّهم إلاّ أن يحمل العلم على الأعم من التهيّؤ و العلم الفعلي و هو بعيد جدّا لا يساعد عليه كلماتهم ثم الوجه في الاحتراز بهذا القيد عن الفرعية الضرورية مطلقا غير واضح لأن عدم استفادتها عن الأدلة كما عللوا به إنّما يوجب بظاهره فساد الحد حيث يقتضي أن يكون العلم بجميع الأحكام عن الأدلة بناء على حملها على العموم كما هو الظاهر مع أنه ليس كذلك و لا مخلص عنه إلاّ بأن يقال أخذ هذا القيد في الحد قرينة على أنّ المراد بالأحكام خصوص الأحكام النظرية فتكون الضروريّة خارجة عنها بقيد الأحكام لكنّهم اعتبروا الاحتراز عنها فيه دونها نظرا إلى أنّ الدلالة المذكورة لما كانت بالقرينة فهي إنما تتم عند ذكرها فأسندوا الاحتراز إلى القيد مراعاة لهذا الاعتبار ثم إذا فسر العلم بما يدخل فيه بعض تلك العلوم أو كلها صح الاحتراز عنها بهذا القيد سواء جعل الظرف لغوا متعلّقا بالعلم كما هو الظاهر بحمله على التصديق أو الإدراك دون الملكة إذ الملكة لا تكون عن الأدلة بل عن الممارسة و المزاولة و وجه الاحتراز حينئذ أن تلك العلوم غير مستفادة من الدليل أما علمه تعالى فظاهر و أمّا علم الملائكة و النبي (صلى اللَّه عليه و آله) و الأئمة فلأنهم يستفيدون الأحكام من الوحي و الإلهام لا من النظر و الاجتهاد كما يقول به المخالفون في الأئمة و يقول به بعضهم في النبي (صلى اللَّه عليه و آله) أيضا و أمّا ما يستفاد من بعض الأخبار من أنّهم (عليهم السلام) يستفيدون بعض الأحكام من الكتاب و السّنة فغير مناف لذلك لأن استفادتهم لها منها ليس على سبيل النظر و الفكر بل على سبيل الضرورة و البداهة و الذي يقتضيه الحد أن يكون العلم بها عن الأدلة من حيث كونها أدلة كما هو الظاهر من التعليق على الوصف فإن قلت قد شاع إطلاق الفقيه عليهم (عليهم السلام) في الأخبار فكيف يصحّ الاحتراز عنه في الحد قلتُ كلامنا هنا في الفقه بحسب معناه المصطلح عليه في عرفنا و إطلاق الفقيه عليهم (عليهم السلام) إنما هو بحسب عرفهم أو متعلّقا بالأحكام بحملها على التصديقات لا غير فيكون العلم حينئذ بمعنى الملكة لا غير سواء فسّرت بمطلق التهيّؤ أو بما يكون عن الممارسة لكن الاحتراز بها إنما يصحّ على الوجه الأول و وجهه حينئذ أن النبي (صلى اللَّه عليه و آله) و الأئمة و الملائكة لا يوجد فيهم تهيّؤ التصديق عن الدليل لا لقصورهم بل لعلوّ رتبتهم (عليهم السلام) حتى إنهم متى همّوا بحكم علموه من غير توسّط الاستدلال و كذلك الأحكام الضرورية فإن الفقيه متهيّئ للعلم بها عن الضرورة لا عن الدليل أو جعل مستقرا صفة أو حالا للعلم أو للأحكام و ما يقال من أنّ الظروف في حكم النكرة فلا يصلح وصفا للمعارف فليس بمرضيّ على إطلاقه لأن الموصوف إذا لم يكن مدلوله أمرا بعينه كما في المقام جاز وصفه بالنكرة و إن كان معرّفا لفظيّا على ما صرّح به غير واحد منهم كصاحب الكشّاف حيث جعل غير المغضوب صفة للموصول معللا بأنه لا توقيت فيهم و جملة يحمل صفة للحمار و جملة لا يستطيعون صفة للمستضعفين إلى غير ذلك و وجه الاحتراز حينئذ أمّا على الوجهين الأولين فظاهر لأن العلوم المذكورة ليست حاصلة عن الأدلة كما هو قضية ظاهر الوصفيّة و الحالية و أمّا على الوجهين الأخيرين فلأن تعليق الحكم على الوصف يشعر بقيد الحيثية التعليلية فيخرج‏

به تلك العلوم فإنه و إن صدق عليها أنها علم بالأحكام الحاصلة عن الأدلة أو حال كونها حاصلة عنها لكنه ليس علما بها من حيث كونها حاصلة عن الأدلة لكن يشكل البناء على هذا في الاحتراز عن علم المقلد بالقيد الآتي كما سنشير إليه و كذا إذا جعل الظرف مرتبطا بالشرعية أو بالفرعية على بعد فيه سواء جعل متعلقا بهما أو صفة لهما أو حالا عنهما و وجه الاحتراز به على هذه الوجوه ما مرّ في الوجهين الأخيرين لا يقال لا نسلم خروج علمه تعالى على تقدير دخوله بالقيد المذكور لأنه لما كان علمه تعالى بالأشياء على الوجه الأتم لزم أن يعلمها بعللها إذا كانت معللة أو يقال لما كان علمه تعالى الأشياء لعلمه بذاته الذي هو سبب العلم بمعلولاته فعلمه يكون عن الدليل فلا يخرج عن الحدّ بالقيد المذكور لأنا نقول بعد المساعدة على الدعوى في المقامين أن ذلك لا يسمى دليلا بحسب الاصطلاح كما مر فإن قلت لا نسلم خروج الأحكام الضروريّة بهذا القيد إذ المراد بكونها ضروريّة أن العلم بصدورها عن الرّسول (صلى اللَّه عليه و آله) ضروري لا أنّ العلم بكونها أحكاما صحيحة حقة متلقاة من الوحي ضروري كيف و هو مبني على إثبات الرسالة و هو يتوقف على إثبات المرسل و عدله و حكمته و غير ذلك من الأمور النظريّة التي ذكرت في محلّها و الفقه إنما هو العلم بالأحكام بهذا الاعتبار فتكون بأسرها نظرية لابتنائها على أمور نظريّة قلت أمّا أولا فلا نسلّم أن العلم بصدق الرّسول نظري بل من الضروريّات التي قياساتها معها كما زعمه بعضهم و سننبّه عليه في مسألة الحسن و القبح إن شاء الله تعالى و لهذا نراه يحصل للبله و الصّبيان و نحوهم ممّن ليس لهم قوة النظر و الاكتساب نعم من سبق ذهنه بشبهة يكون العلم المذكور عنده نظريّا فالإشكال المذكور لو تم فإنّما يتجه بالنّسبة إليه دون غيره و أمّا ثانيا فلنا أن نختار أن المراد بالأحكام الشرعيّة الأحكام التي صدرت‏

6

عن النبي (صلى اللَّه عليه و آله) على أنها شرعية عنده و القيد الأخير لإخراج أحكامه العادية فإن الشرع كما يطلق عليه تعالى كذلك يطلق على النبي (صلى اللَّه عليه و آله) أيضا و يلغى قيد الحيثية المستفادة من الوصف مقيسة إلى الواقع لئلا يعود الإشكال أو نقول المراد بالشرعية ما يسمى عرفا شرعية أو نقول نظرية القيد لا يستلزم نظرية المقيد و كيف كان فلا ريب في أن من الأحكام بهذا الاعتبار ما هو ضروريّ لا حاجة إلى اعتبار كونها حقة مستفادة من الوحي لأنها من لوازمها إذا أخذت الاعتبارين الأولين نعم يشكل حينئذ بأنّ العلم بالأحكام بهذا الاعتبار ممّا يصح حصوله لمن لا يقول بالرّسالة حتى العلم بالظاهريّة منها إذا علم من الضرورة حكم الرسول (صلى اللَّه عليه و آله) بأصولها و طرقها مع أن مثل هذا لا يسمّى فقها في الاصطلاح اللّهم إلا أن يقال هذا فرض لا يكاد يقع و الحدود التي تورد في مثل هذا المقام إنما يحافظ عليها بحسب الوقوع دون الإمكان أو يقال بأن المراد بالعلم ما يعتدّ به في إطلاق اسم العلم عليه عرفا كما سيأتي فيخرج العلم المذكور لعدم إطلاق الاسم عليه و أمّا ثالثا فلنا أن نجعل إضافة الأدلة للعهد فيصح الاحتراز بها عن العلم بتلك الأحكام لأنّها على تقدير كونها نظرية لا يكون العلم بها مستفادا عن تلك الأدلة بل عن أدلة غيرها و هذا أوفق بالمقام لسلامة عكس الحد على تقديره من خروج العلم بالمسائل الإجماعية على ما يراه المتأخرون في الإجماع من أنه الإنفاق الكاشف بطريق الحدس و من خروج علم بعض رواتنا الفقهاء كزرارة لكثير من الأحكام بطريق السّماع المفيد للعلم بالحكم بطريق الضرورة غالبا هذا و ينبغي أن يراد بالأدلة ما يعمّ الأدلة الأربعة و غيرها لئلا يرد على عكسه النقض بعلم البعض لبعض الأحكام عن مثل الشهرة و القياس فإنه يعدّ بالنسبة إليها فقيها قطعا و لا يندفع برجوع حجّيتهما إلى أحد الأدلة لأن ذلك دليل الدليل و المعتبر هو الدليل و إلاّ لانحصرت في العقل لرجوع حجية غيره إليه و لا يرد على طرده النقض بعدم علم كثير منهم لشي‏ء من الأحكام عن بعضها إما لعدم مسيس حاجته إليه أو لكونه ممّن ينكره كمن يمنع وقوع الإجماع أو الاطلاع عليه أو ينكر حجّيته كمن يمنع حجّية الكتاب أو العقل و ذلك لتحقق الملكة عنده بناء على تفسير العلم بها أو بما يعمّها و يخرج بقيد التفصيلية علم المقلّد بالأحكام فإنه مأخوذ من دليل إجمالي مركب من صغرى وجدانية و كبرى اتفاقية مطرد في جميع المسائل و هو هذا ما أفتى به المفتي و كل ما أفتى به المفتي فهو حكم اللَّه في حقي فينتج المطلوب و هذا الاحتراز مبني على أن يكون الظرف لغوا متعلّقا بالعلم أو بالأحكام أو مستقرا للعلم صفة له أو حالا عنه بناء على ما هو الظاهر المتبادر و أما إذا جعل مستقرا للأحكام أو لإحدى صفتيها فلا يتم الاحتراز و إن اعتبر قيد الحيثية إذ يصدق على علم المقلد أنه علم بالأحكام الشرعية الفرعية الحاصلة أو حال حصولها عن الأدلة عند المفتي من حيث كونها كذلك إلا أن يقال المتبادر حصوله عند العالم حال علمه بها فيخرج و فيه تعسّف لا يقال اختلاف الأصغر بحسب اختلاف فتاوى المفتي في كل واقعة يوجب اختلاف الدليل و تعدده عنده فيكون للمقلد أيضا أدلة تفصيلية أو يقال علم المقلد أيضا مأخوذ عن الأدلة التفصيليّة كعلم المفتي إلا أنه من دون واسطة و علم المقلد بواسطة أو يقال هذا الدليل إنما يفيده وجوب العمل بمقتضى ما أفتى به المفتي و لا يقتضي علمه بالحكم الشرعي فلا حاجة إلى إخراجه بالقيد المذكور لأنا نقول أما الأول فمدفوع بأن مجرد هذا الاختلاف لا يقتضي أن يصدق عليها أنها أدلة تفصيلية بل لا معنى للدليل الإجمالي إلا ما يكون فيه مثل هذا الاختلاف و قد يجاوب بأن إضافة الأدلة للعهد و المراد بها الأدلة الأربعة فيخرج علم المقلد إذ ليس منها و يكون قيد التفصيلية حينئذ توضيحية أمّا الثاني فمدفوع بأن ظاهر الحد أن يكون العلم مستفادا من الأدلة بدون واسطة و أمّا الثالث فمدفوع بأن الدّليل إذا اقتضى وجوب العمل بشي‏ء في حق المكلّف اقتضى علمه أيضا بأن ذلك حكم اللَّه في حقه قطعا و قد أغرب الفاضل المعاصر حيث التزم بالإشكال الأخير و وجّه الحدّ بأن قيد التفصيلية لإخراج العلم بالأحكام الإجمالية فإنها مستندة إلى الأدلة الإجمالية من ضرورة أو عموم آية أو سنّة و هي أدلة إجمالية لا تفصيلية و العلم الإجمالي المستفاد منها لا يسمّى فقها بل الفقه معرفة تلك الأحكام‏

الإجمالية عن الأدلة التّفصيلية ثم تعجّب من غفلة الفحول عن ذلك و فساده ظاهر مما مرّ فإن العلم بالأحكام الإجمالية لا يسمّى في الاصطلاح فقها قطعا مع أن العلم الإجمالي كما اعترف به مستند إلى الضرورة فكيف يستند إلى الأدلّة الإجمالية أو التفصيلية و عد الضرورة من جملة الأدلة يؤذن بغفلته عما ذكروه في معنى الدليل مع أنه قد اعترف قبل ذلك به حيث التزم بخروج الضروريّات عن حدّ الفقه معللا بأن العلم المستند إلى الضرورة لا يعدّ في العرف علما حاصلا عن الدّليل و هنا قد التزم بدخولها في ذلك و أخرجها بقيد التفصيلية فبين كلاميه تدافع واضح هذا فإن قلت إذا كان علم المقلد مستفادا من دليل إجمالي لكان خارجا بقيد الأدلة فلا حاجة إلى قيد التفصيلية قلت لما كان الدليل المذكور كما مر ينحل إلى دلائل عديدة لم يكتفوا في إخراجه بقيد الأدلة بل اعتبروا معها قيد التفصيلية ليتضح الاحتراز ثم لهم على المقام إشكالان أحدهما أن العلم ظاهر في اليقين و الأحكام ظاهرة في الأحكام الواقعية و ظاهر أن الفقيه لا يحصل له في معظم المسائل إلا الظنّ بالحكم الواقعي فكيف أطلق لفظ العلم و هذا الإشكال ظاهر الورود على ما هو الصواب من القول بالتخطئة و أما على القول بالتصويب فإن كان القائلون به قاطعين بمذهبهم فلا ورود له عليهم و إلاّ اتجه له‏

7

عليهم أيضا و قد أجيب عنه بوجهين أحدهما بارتكاب التأويل في لفظ العلم فحملوه تارة على الظنّ و أخرى على الأعم منه و من اليقين أعني الطرف الراجح و كلاهما مردود أما أولا فبأن إطلاق العلم على كلّ من المعنيين مجاز و لا قرينة عليه و مجرد الشهرة كما ادعي لا يصلح لها فلا يصحّ أن يرتكب سيّما في الحدود و أمّا ثانيا فبأن بعض الأدلة ربما لا يفيد الظّن بالواقع أيضا كأصالة البراءة و الاستصحاب المعمول في نفي التكليف أو إثباته مع أن الأحكام المثبتة بهما من الفقه قطعا و أما ثالثا فلأن الظن أو الاعتقاد الراجح كثيرا ما لا يتعلق بما هو الحكم الواقعي لتطرق الخطاء إلى غير العلم و لو أريد بالحكم الواقعي ما هو كذلك في ظن المعتقد لزم التصرّف في الحكم أيضا و هو كما سيأتي مغن عن التصرف في العلم و أما رابعا فبأنه قد يحصل الظن بالأحكام لمن ظنّ بصدق الرسول (صلى اللَّه عليه و آله) مع أنه لا يسمى فقها كما عرفت و يمكن دفع هذا بما مرّ على أنّ استدلال الفقيه قد ينتهي إلى القطع بالحكم فيلزم على الأول أن يكون خارجا من الفقه و التزامه كما وقع من البعض مما لا يلتفت إليه و قد يجاب بأن المراد العلم بوجوب العمل أو العلم بمدلول الدليل و ليس بشي‏ء لأنه إن أريد أن المراد بالحكم ما يجب العمل به أو مدلول الدليل رجع إلى المعنى الآتي إذ لا نعني بالحكم الظاهري إلا ذلك فلا وجه لذكرهما في مقابلته و إن أريد أن ذلك مدلول لفظ العلم كما صرح به الفاضل المعاصر و هو الظاهر من كلام غيره فلا بد أن يكون المراد أن لفظ العلم مستعمل في المقيد لا في المجموع لعدم العلاقة فيتجه عليه أن هذا التأويل مع ما فيه من التعسّف في لفظ العلم و في متعلق الظرف لا يغني عن التصرّف في الأحكام المغني عن هذا التعسّف فيكون تكلفا مستدركا ثم العلاقة على هذين التقديرين علاقة الإطلاق و التقييد كما هو الظاهر لا علاقة المشابهة كما زعمه المعاصر المذكور حيث ذكر أن العلم حينئذ استعارة للظنّ بمشابهة وجوب العمل به و هو كما ترى لأن من فسر العلم بأحد هذين التفسيرين أراد به ما يقابل الظنّ لا الظنّ مع أن وجوب العمل بالحكم المظنون أو كونه مدلول الدليل أمر معلوم لا مظنون فلا يستقيم إرادة الظن بالعلم الثاني بالتزام التصرف في الأحكام بحملها على الأعم من الواقعية و الظاهرية أعني الأحكام الفعلية و لا ريب في أن الفقيه عالم بها بهذا الاعتبار و ينبغي أن ينزل عليه ما أجاب به العلامة من أن ظنّية الطريق لا تنافي علية الحكم فلا يرد عليه ما قيل من أنه يبتني على التصويب لأن ذلك إنما يتجه إذا أراد بها الأحكام الواقعية لا مطلق الأحكام و توضيح ذلك أنه قد تفرد عندنا أن للّه تعالى في كل واقعة حكما معينا لو لا عروض المانع و هو جهل المكلف به لكان عليه أن يعمل على حسبه و هذا هو المعبر عنه بالحكم الواقعي ثم المجتهد إنما يجب عليه أن يصرف سعيه في طلبه و يبذل مجهوده في إدراكه و بعد السعي و الكد إن أصابه و إن لم يصبه فالذي أدى إليه دليله و بلغ إليه نظره هو حكم اللَّه في حقه بمعنى أنه الذي يجب عليه أن يعمل به و يبنى على حسبه فينتظم عنده في كل حكم مقدّمتان صغريهما وجدانية و هي هذا ما أدّى إليه نظري و كبريهما اتفاقية و هي كل ما أدى إليه نظري فهو حكم اللَّه في حقي فينتج أن هذا حكم اللَّه تعالى في حقه و حيث كانت المقدّمتان قطعيتين كانت النتيجة أيضا قطعية فيكون الفقيه قاطعا بالأحكام جازما بها و قد أورد على هذا الجواب بأن علم الفقيه على هذا التقدير يكون مأخوذا من دليل إجمالي لا من الأدلة التفصيلية كما يقتضيه الحدّ و أجيب عنه بوجهين الأول أن الظرف متعلق بمقدر صفة للأحكام و يعتبر الحيثية ليخرج علمه تعالى و علم الملائكة و النبي (صلى اللَّه عليه و آله) و الأئمة و علم المقلد و الضروريّات و قد مرّ بما فيه الثاني أنّ الملحوظ في قوله هذا ما أدّى إليه نظريّ هو تلك الأدلة التفصيلية فتكون هي مأخوذة فيه فيصدق أن علمه حاصل عنها و فيه نظر لأن الأدلة التفصيلية إنما تلاحظ فيها على وجه التصور لا التصديق و قد تقرر في محلّه أن التصديق لا يكون حاصلا من التصور بل من التصديق و يمكن الجواب بأن المراد بكونه حاصلا عنها مجرد كونها معتبرة

في حصوله و إن لم تكن كاسبة له و فيه تعسّف أقول و الأولى حينئذ أن يغير ذلك الدّليل الإجمالي و يجعل دليلا على قطعية الأدلة عنده و ذلك بأن يقال الفقيه قاطع بالأحكام عن أدلتها المعهودة للإجماع على حجيّة تلك الأدلة في حقه فينتظم عنده في كل دليل مقدّمتان من صغرى وجدانية و من هذا الدليل ممّا أدّى نظري إلى كونه حجة و كبرى اتفاقية و هي كلما يكون كذلك فهو حجة في حقي فينتج أن الدّليل المذكور حجة في حقه فينتظم له في الأحكام أدلة متعددة كقوله حكم كذا مما دل عليه ظاهر الكتاب و كلما دل عليه ظاهر الكتاب فهو ثابت أو دل عليه الخبر الصّحيح و كلما دل عليه الخبر الصّحيح فهو ثابت و على هذا القياس فيندفع الإشكال لأن علمه حينئذ مأخوذ من الأدلة التفصيلية و إن رجع إثبات حجّيتها أو حجية بعضها إلى دليل إجمالي فيصدق عليه الحد بهذا الاعتبار لكن يتجه الإشكال حينئذ بدخول علم المقلد إذ على هذا البيان يمكن أن يجعل فتاوى المفتي له أدلة تفصيليّة و يقرر الدليل الإجمالي على وجه يكون دليلا على حجّيتها و وجه التفصّي عنه إما بأن يقال مثل ذلك لا يسمى أدلّة تفصيلية عرفا لأن مرجعها إلى دليل إجمالي و إن اختلف فيه مصداق طرفي الصغرى أو باعتبار العهد في الأدلة كما مر أو بأن يعتبر تعدد الأدلة بحسب النوع و يجعل قيد التفصيلية للتوضيح أو يحمل المجموع على ذلك لظهوره فيه فيخرج علم المقلد إذ أدلته نوع واحد و هو فتوى المفتي و إن تعددت أو تعددوا لكن لا يستقيم حينئذ طرد الحدّ إلا على تقدير المنع من التجزي مطلقا و اعلم أن ما مر غاية توجيه المقام و هو عندي بعد غير مصحّح لطرد الحد لأن العلم المذكور قد يحصل لمن ليس له أهلية الفتوى نظرا إلى زعمه ذلك بنفسه كما تراه في بعض أبناء زماننا فإن التباس حاله عليه و قطعه بأن له أهلية الفتوى يوجبه قطعه بالأحكام و

8

و تعذّره فيها الامتناع التكليف بما فوق العلم إلا أن المطلعين على حاله من أهل الصّنعة لا يعدّون فقيها أ لا ترى أن الجاهل بعلم النحو الخابط في معظم مسائله مثلا لا يعدّ نحويا عند أهل صناعة النحو و إن زعم أنه عالم بها متقن لمباحثها و لا مدفع لهذا الإشكال إلا بأن يحمل العلم على مطلق العلم المعتدّ به في إطلاق اسم العلم عرفا فيخرج مثل ذلك لعدم صدق الاسم عليه و لا يخلو من تعسّف و إنما اعتبرنا الإطلاق في العلم لئلا يلزم استدراك قيود الحدّ و هذا الإشكال كما ترى سار في سائر معاني العلم و يندفع بالتوجيه المذكور و يندفع به أيضا بعض الإشكالات السّابقة و الآتية الثّاني أن المراد بالأحكام إما كلها بحمل اللام فيها على الاستغراق أو بعضها بحملها على الجنس أو العهد الذهني دون الخارجي لعدم احتماله إذ ليس هناك قدر معيّن معهود مع مشاركته لأخويه في الإشكال أما الأعم من الكلّ و البعض كما يحتمله الحمل على الجنس فمشارك للأخير في الإشكال فإن كان الأول لم ينعكس لخروج علم أكثر الفقهاء بل كلّهم عنه إذ ليسوا عالمين بجميع الأحكام فإن الفروع لا تقف على حد و إن كان الثاني لم يطرد لدخول علم المقلد فيه إذا تمكن من معرفة بعض الأحكام عن الأدلة و قد أجيب عنه تارة بأنا نختار البعض و يطّرد الحد أما على القول بتجزي الاجتهاد فظاهر لأن العلم المذكور داخل فيه و أمّا على القول بعدمه فلانتفاء العلم بالبعض حينئذ حقيقة فإن فرض البعض على هذا التقدير لا ينفك عن فرض الكل و هذا إنما يستقيم إذا حمل العلم على اليقين كما هو الظاهر إذ على القول بعدم التجزي لا قطع بأن مؤدى ظنه حكم اللَّه تعالى في حقه فلا ينتظم عنده قياس يوجب علمه بالحكم الظاهري و أما إذا حملناه على الظنّ أو على الاعتقاد الراجح فلا يتجه الجواب المذكور لتحقق العلم بهذا المعنى عنده قطعا و إنكار بعضهم له نظرا إلى أن المتجزي حيث لم يحط بالكل يجوز تجويزا مساويا أن يوجد دليل يقتضي خلاف ما يقتضيه الدّليل الذي عثر عليه فمكابرة بيّنة و سيأتي تفصيل الكلام فيه في محله إن شاء الله تعالى ثم أقول لا ريب في أن المقلد قد يؤدي اجتهاده إلى القطع بالحكم و لا ينبغي أن يرتاب في حجيته و إن لم نقل بحجّية ظنه فيلزم على الحمل المذكور أن يكون علمه فقها مطلقا و التزام صدقه عليه هنا و فيما سبق مطلقا و إذا كانت ثلاثة محافظة على أقل الجمع كما أشار إليه بعضهم تعسّف ظاهر لا سيّما إذا كان قوله بالتجزي مبنيا على التقليد و أخرى بأنا نختار الكلّ و ينعكس الحد لأن المراد بالعلم الملكة و التهيّؤ و الفقيه له ملكة العلم بجميع المسائل و إن لم يكن عالما بها بالفعل و أمّا تردد الفقهاء في بعض الأحكام فإنما هو تردد في مقام الاجتهاد لا الفتوى و الحكم نعم يلزم على هذا التقدير خروج علم المتجزي على القول بالتجزي فنلتزم بأن الحد مبني على مذهب المانعين منه أو نقول بأن علمه لا يسمّى في العرف فقها و إن قلنا بوجوب العمل به لا يقال إذا تعذر الإحاطة بجميع المسائل تعذر تحصيل ملكتها أيضا لأن الملكة هي القوة القريبة من الفعل فإذا امتنع الفعل امتنع القوة القريبة منه لأنا نقول المراد بملكة الكل القوة التي يقتدر صاحبها على تحصيل كل حكم يرد عليه أو تحصيل الجميع و لو لم يكن على وجه الجمع بقي الكلام في صحة تفسير العلم بالملكة فنقول قد تداول بينهم في هذا الفنّ و غيره تفسير أسامي العلوم بالملكات و الذي يظهر لنا بالتتبع في موارد استعمالاتهم أن تلك الأسامي ليست أسماء بإزاء ملكات العلوم فقط كما هو الظاهر من كلماتهم بل يعتبر مع ذلك اطلاع صاحبها على كثير من مسائلها أ لا ترى أنّ الجاهل بمعظم مسائل المنطق مثلا ربما يحصل له بمزاولة بعض العلوم النظريّة قريحة يتمكن بها من تحصيل جميع مسائله بأدنى مراجعة إلى الكتب المدونة فيه مع أنه لا يسمّى بذلك منطقيا قطعا و كذلك لا يصدق المنطقي على العالم بكثير من مسائل المنطق إذا قصر نظره عن تحصيل البواقي فإذا تحقق اعتبار الأمرين في التسمية من الملكة و الاطلاع على كثير من المسائل بحيث يعتدّ بها عرفا فلك أن تقول بأن أسماء العلوم موضوعة بإزاء الملكة الحاصلة للعالم بكثير من مسائل العلم أو لعلم صاحب الملكة بتلك المسائل أو لهما معا و الوجوه الثلاثة محتملة لكن فرض حصول الملكة في المقام بدون العلم بكثير من المسائل لا يخلو من بعد

لا يقال لا سبيل إلى تلك الوجوه لأنها رد إلى الجهالة إذ لا حدّ لكثير من مسائل العلم و أيضا إن كان المعتبر فيه العلم الفعلي لم يصدق على الغافل و النائم و نحوهما إذ ليسوا عالمين بها بالفعل نعم لهم استعداد بحيث لو تنبّهوا و تأملوا علموا و إن كان المراد التهيّؤ و الاستعداد رجع إلى المعنى الأول لأنا نقول أمّا الجهالة فهي مرتفعة بالرد إلى العرف و أما المراد من الاحتمالين فهو الاحتمال الأول و لا ينافيه الغفلة لقيام التصديق بالنفس و حصوله لها ثم الكلام الذي أوردناه مبني على تفسير الملكة بالتهيّؤ و الاستعداد و القوة القريبة كما نص عليه بعضهم و أما إذا فسرت بالقوة الناشئة عن الممارسة في العلم الذي حصلت فيه كما هو الظاهر فلا حاجة إلى القيد المذكور إذ لا ينفك الملكة بهذا المعنى عن العلم بكثير من المسائل عادة لكن يبقى الكلام في العكس ثم على المقام إشكال آخر و هو أن قوة الشي‏ء تنافي فعليته فإن بينهما نسبة التقابل على ما تحقق في محله فعلم الفقيه ببعض الأحكام بالفعل يوجب زوال القوة عنه بالنسبة إليها ما دام عالما بها و إن غفل عنها فلا يصدق حينئذ أن له ملكة الجميع بل البعض خاصة و يمكن دفعه بأن المراد ملكة العلم تحصيلا أو إبقاء ملكة تحصيله و لو على تقدير زواله بالنسيان و شبهه أو بحمل العلم على الأعم من الإدراك بالقوّة و الإدراك بالفعل فيستقيم عكس الحد لحصول أحد الأمرين في الفقيه بالنسبة إلى الجميع لكنه مجاز غير معروف فيمكن القدح في الحدّ باعتباره لعدم القرينة عليه أو بحمل القوة المفسر بها الملكة على‏

9

ما يتناول قوة التذكر أيضا أو يختصّ بها و يندفع الإشكال لأن الفقيه حال تذكره لبعض الأحكام له قوة التذكر لها و لو بحسب زمان آخر لكن يلزم حينئذ أن لا يكون فقيها باعتبار تذكره لها كما يلزم أن لا يكون فقيها على الأول باعتبار خصوص أحد الأمرين و لا غرو في التزام ذلك و إذا تبين لك الحال في الجزءين الماديين فلنبحث عن الجزء الصّوري فنقول أولا قد ذكروا أن إضافة اسم المعنى تدل على اختصاص المضاف بالمضاف إليه باعتبار الصفة التي تدل عليها و أرادوا باسم المعنى المعنى المصطلح عليه عند النحاة أعني ما دل على معنى قام بغيره فإن هذا هو المفهوم من إطلاقه في مثل المقام فيتناول المصدر أيضا و زعم المحقق الشريف أن المراد به ما دل على شي‏ء باعتبار معنى و حاصله المشتق و ما في معناه و ردّ على من فسّره بالمعنى الأول بأنه متناول للمصدر و لا يدل إضافته على الاختصاص باعتبار المعنى الذي عنى بالمضاف بل باعتبار معنى آخر فإن إضافة الدق مثلا إلى الثوب لا يفيد الاختصاص باعتبار الدق بل باعتبار التعلق و هو خارج عن مدلوله بخلاف إضافة الكاتب إلى القاضي فإنّها تفيد الاختصاص باعتبار الكاتبيّة و هو مما دل عليه المضاف و فيه نظر لأنه إن اعتبر الاختصاص من حيث الوجود كما هو الظاهر من إطلاق الاختصاص صحّ دخول المصادر في الحكم المذكور و لا حاجة إلى اعتبار التعلق و إلا لم يستقم اعتبار الاختصاص في المشتقات أيضا إذ لا معنى لاختصاص الكاتبيّة بزيد ما لم تؤخذ باعتبار الوجود و إنما اعتبروا قيد الاعتبار تنبيها على أن الاختصاص المستفاد من هذه الإضافة ليس إلا بحسب الصّفة المأخوذة في المضاف فإن قولك هذا مكتوب زيد يدل على اختصاصه به من حيث المكتوبية دون الملموسيّة و المنظوريّة و نحوهما و خصّوا هذا الحكم باسم المعنى لما ذكروا من أن إضافة اسم العين تدل على اختصاص المضاف بالمضاف إليه مطلقا أي لا باعتبار صفة داخلة في المضاف و إن كان الاختصاص يستلزم أن يكون باعتبار بعض صفاته كما في قولك دار زيد فإنه يفيد اختصاص الدار بزيد باعتبار الملكية أو السّكنى لكن هاتان الصّفتان خارجتان عن مفهوم الدار ثم هل تستند هذه الدلالة إلى الوضع أو إلى ظهور الإضافة عند الإطلاق وجهان أظهرهما الثاني و الذي يظهر من كلماتهم هو الأول إذا عرفت هذا فاعلم أن الأصول هنا إمّا من الأصل بمعنى المبني عليه الشي‏ء كما مرّ في معناه اللّغوي أو بمعنى الدّليل كما مر في معناه الاصطلاحي و على التقديرين فهي من أسماء المعاني فيفيد إضافتها إلى الفقه اختصاصها به من حيث كونها دليلا أو مبنيّا عليها و حينئذ فمعنى أصول الفقه الأدلة المخصوصة بالفقه أو الأمور التي يبتني عليها الفقه فقط و بهذا الاعتبار يخرج مثل النحو و الصرف و المنطق مما يبتني عليه الفقه و يعدّ من أدلته لعدم اختصاصها به في ذلك كذا قالوا و فيه نظر لأنّ كثيرا من مسائل هذا العلم مما يستدل بها في علمي أصول الدّين و الأخلاق بل قد يستدل فيه به فكيف يتم دعوى الاختصاص اللهمّ إلاّ أن يقال لما كان لعلم الفقه مزيد حاجة إلى هذا العلم بل هو الغرض الداعي إلى تدوينه نزل ذلك منزلة الاختصاص تسامحا و عبر عنه بالإضافة الظاهرة في الاختصاص توسّعا و ربما يخرج ما عدا هذا العلم عن الحد معللا بأن المراد ما يستند إليه الفقه استنادا قريبا لأنه المتبادر فيختصّ بمسائل الفنّ و فيه تحكم ظاهر و لك أن تفسّر الأصول بمعنى القواعد و إن لم أقف على من يذكره فإن مسائل هذا الفنّ قواعد للفقه ثم الكلام في الإضافة و الاختصاص ما مرّ و عندي أن حملها عليها أوفق بالمقام لسلامته عن أكثر الإشكالات الآتية و كأنهم تركوه نظرا إلى ظهور الإضافة حينئذ في البيانية فيدل على خلاف المقصود ثم على المقام إشكالات ينبغي التنبيه عليها الأول أن الأصول إن فسّرت بالأدلة لم تتناول جميع مسائل الفنّ كمباحث الاجتهاد و إن فسّرت بالمبني عليها دخل فيها علم الرّجال لابتناء الفقه عليه أيضا الثّاني أن أصُول الفقه بالمعنى الإضافي يتناول موضوع هذا الفنّ أعني الأدلة الأربعة بكل من التفسيرين لابتناء الفقه عليها و كونها أدلة له و قد تقرر في محله أنّ موضوع كل علم خارج عنه لا يقال قيد الإجمال ملحوظ في الأصول فيخرج عنها تلك الأدلة لكونها تفصيلية لأنا نقول هذا حمل لا شاهد عليه من اللفظ فلا يلتفت إليه و ما استند إليه بعضهم من أن التفصيل مأخوذ في حدّ المضاف إليه و ليس مستند التفصيل إلا الأدلة الإجماليّة فمدفوع‏

بأن تفاصيل الفقه كما تستند إلى الأدلة الإجمالية كذلك تستند إلى الأدلة التفصيلية بلا فرق و مجرّد أخذ الثاني في حده مما لا يصلح قرينة على إرادة الأول مما أضيف إليه مع أن من الأدلة الأربعة ما هي أدلة إجمالية فيلزم دخولها فيه على التأويل المذكور الثالث أن معناه الإضافي لا ينطبق على معناه العلمي لأن الأوّل على ما مرّ نفس المسائل و الثاني على ما سيأتي هو العلم بها و العلم بالشي‏ء يغاير الشي‏ء و لو بحسب الاعتبار و قد أجيب عنه بتقدير مضاف في الأول أي علم أصول الفقه و فيه تعسّف إذ المقصود مطابقة معنى هذا الاسم باعتبار الإضافة لمعناه باعتبار العلمية و اعتبار التقدير مخل بذلك فالوجه أن يجاب بأنّ هذا الاسم كأسامي سائر العلوم موضوع تارة بإزاء نفس المسائل و أخرى بإزاء العلم بها على ما يرشد إليه تتبع موارد استعماله فمعناه الإضافي منطبق على معناه العلمي بالاعتبار الأول و لا حاجة إلى التقدير المذكور هذا ملخص القول في معناه الإضافي و أما معناه العلمي و هو المراد به هنا فالظاهر أنه لاحق للمضاف مقيّدا بما أضيف إليه كما نقول به في بعض الألفاظ المضافة كماء العنب و ماء الرّمان مع احتمال أن يكون لاحقا للمجموع المركب كما هو الظّاهر منهم و إليه ينظر وصفنا له بالأفرادي في مبدأ التعريف و كيف كان فقد ذكروا له تعريفات عديدة أظهرها أنه العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعيّة الفرعية عن أدلتها التفصيلية فالعلم جنس أو بمنزلته على ما مرّ و المراد به إما الملكة أو الإدراك أو التصديق اليقيني بحمل القواعد على القواعد

10

الظاهرية أو الأعم منه و من الظني أعني مطلق الاعتقاد بحملها على الواقعية و الكل محتمل و يعرف وجهها بالمقايسة إلى ما مرّ و المراد بالقواعد القضايا الكلية فيخرج بالتقييد بها العلم بغيرها من القضايا الشخصيّة و غير القضايا من التصوّرات مطلقا و فسّرها بعضهم بالأمور الكلية فتشمل القضايا و غيرها و هو بعيد لعدم مساعدة الاستعمال عليه و إذا فسر العلم بغير الملكة ينبغي أن يحمل اللام فيها على الاستغراق العرفي لئلا يرد النقض بما لو جهل الأصولي بعض المسائل النّادرة منها و يخرج بهذا القيد العلم بالجزئيات و بقولنا الممهّدة إلى الفرعية العلم بالقواعد الممهّدة لغير الاستنباط كالكلام أو لاستنباط غير الأحكام كمباحث التصوّرات من علم المنطق فإنها ممهدة لاستنباط التّصورات النظرية من التصورات الضرورية و لو فسر القواعد بالأمور الكلية خرج معها الحدود أيضا أو للأحكام الغير الشرعية كبعض العلوم الرّياضية الممهّدة لاستنباط الأحكام النجوميّة أو الشرعية الغير الفرعية كبعض قواعد الكلام المقررة لاستنباط بعض مباحث الأصول كقبح إظهار المعجزة على يد الكاذب و قبح الكذب فإنهما ممهّدان للعلم بصدق الرسول و امتناع الخلف في مواعيده تعالى و قولنا عن أدلتها التفصيلية متعلّق بالاستنباط و زعم بعضهم أنه لا حاجة إليه بعد انحصار طرق الاستنباط فيها و فيه أن الأحكام الشرعية قد تستنبط من الأدلة الإجمالية كما في حق المقلد فلو ترك القيد لدخل فيه مبحث التقليد و قد صرّحوا بخروجه منه و أنه إنما يذكر استطرادا و يؤيده خروجه عن معناه الإضافي اللّهم إلا أن يمنع صدق الاستنباط عليه ثم على طرد الحد إشكالات الأول أنه يتناول النحو و الصّرف و غيرها مما يستنبط منه الأحكام و جوابه أنّ اللام للاختصاص فيخرج تلك العلوم لأنها ليست ممهّدة لخصوص ذلك نعم يتجه الإشكال على حدّ من قال إنه العلم بالقواعد التي يستنبط منها الأحكام الشرعية الفرعية و الاعتذار عنه بأن الوصف يفيد الاختصاص مما لا يصغى إليه ثم الكلام في الاختصاص ما مر الثاني أن جميع القواعد الفقهيّة داخلة في الحد إذ يستنبط منها أحكام فروع كثيرة لا يقال مفاد الحد أن مجموع تلك الأحكام مستنبطة عن مجموع تلك القواعد فلا تدخل القواعد الفقهية في تلك القواعد الممهدة و إلاّ لكان المستنبط بعض تلك الأحكام لأنا نقول غاية ما في الباب أن يكون تلك القواعد داخلة في الجمعين و لا بأس به مع اختلاف الاعتبارين و هذا الإشكال ظاهر الورود على التعريف الثاني و يحتاج في توجيهه على التعريف الأول إلى نوع تعسّف و الجواب أنّ تلك القواعد ليست ممهدة في الفقه للاستنباط بل الغرض من بيانها فيه معرفتها لا نفسها و استنباط الفروع منها ممّا لا ينافيه الثالث أن الحدّ صادق على علمه تعالى و علم الملائكة و الأنبياء و الأئمة (عليهم السلام) بتلك القواعد مع أن شيئا منها لا يسمّى في العرف أصولا بدليل عدم صدق وصف الأصولي هناك و يمكن دفعه بالتزام حمل العلم على الملكة الناشئة عن الممارسة مع أنه على تقدير حمله على الإدراك فالظاهر منه العلم الحصولي فلا يتوجّه النقض بالأول و لو أريد بالاستنباط استنباط العالم بها اندفع النقض بجميع موارده القول في موضوعه موضوع كل علم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية و المراد بالعرض الذاتي ما يعرض الشي‏ء لذاته لا بواسطة في العروض سواء احتاج إلى واسطة في الثبوت و لو إلى مباين أعم أو لا أمّا الأول فكالأحوال الإعرابية الطارية على الكلمة و الكلام بواسطة الوضع و هو أمر مباين للفظ و إن كان له نوع تعلق به أعم و بحسب الوجود لتحققه في النقوش و غيرها أيضا و كالأحكام الشرعية الطّارية على أفعال المكلفين باعتبار و على الأدلة باعتبار بواسطة جعل الشارع و خطابه و هو أمر مباين للأفعال و الأدلة و إن كان له نوع تعلق بهما و أعم من كل منهما لتحققه في الأخرى و أمّا الثاني فكالحاجة اللاحقة للممكن المبحوث عنه في فنّ المعقول فإنّها يتّصف بها من حيث الذات على ما هو التحقيق و كالأحوال الطارية على الأشكال كمعادلة زوايا الثلاث لقائمتين المبحوث عنها في علم الهندسة فإن لحوق تلك الأحوال لموضوعاتها مستندة إلى ذواتها و كذلك الأحوال اللاحقة للعدد المبحوث عنها في علم الحساب و أمّا ما يعرض للشي‏ء بواسطة في العروض مطلقا و يعبر عنه بالعرض الغريب كالسرعة و الشّدة اللاّحقتين للجسم بواسطة الحركة و البياض فلا يبحث عنه في علم يكون موضوعه ذلك الشي‏ء بل في علم يكون موضوعه ذلك العرض لأن تلك الصّفات في الحقيقة إنما لاحقة له و إن لحقت غيره بواسطته نعم قد يكون موضوع العلم عبارة عن عدة أمور نزلت منزلة أمر واحد لما بينها

من الارتباط و المناسبة من حيث الغاية كموضوع هذا العلم في وجه فيبحث عن كل بحسب ما يعرض له بدون واسطة في العروض و إن عرض للآخر بالواسطة أو لم يعرض له أصلا إذ ليس البحث عنه فيه بهذا الاعتبار هذا ما يساعد عليه النظر الصّحيح و المشهور أن المراد بالعرض الذاتي الذي يبحث عنه في العلم هو ما يعرض للشي‏ء لذاته أو لأمر يساويه و أنّ ما يعرض للشي‏ء بواسطة أمر مباين كالحرارة العارضة للماء بواسطة النار أو أعم كالحركة بالإرادة العارضة للإنسان باعتبار جزئه الأعم و هو الحيوان أو أخصّ كالتّعجب اللاحق للحيوان بواسطة كونه ناطقا فهو من الأعراض الغريبة التي لا يبحث عنها في العلم أقول إن أرادوا بقولهم العرض الذاتي ما يعرض للشي‏ء لذاته أو لأمر يساويه أن يكون العارض عارضا لنفس الذات أو لأمر يساويها أي بلا واسطة غير الذات و غير المساوي فهذا مع عدم مساعدة كلامهم عليه كما يظهر من عدهم لما لا يبحث عنه في العلم و أمثلتهم لها مردود بما عرفت من أن مباحث العلم لا تكون إلا من القسم الأول أعني العوارض اللاّحقة

11

لذات الموضوع دون ما يعرض له بواسطة أمر و لو مساو فإنه ليس في الحقيقة من عوارض الموضوع بل من عوارض ما يساويه فاللاّزم أن يبحث عنه في علم يكون موضوعه ذلك المساوي و إن أرادوا أن يكون العروض معلولا للذات أو للأمر المساوي كالزّوجية اللاحقة للأربعة المستندة إلى ذاتها و كقوّة الضّحك المستندة إلى قوة التعجب المساوية للإنسان فهو فاسد أمّا أولا فلأنه بظاهره يوجب أن يكون كل مبحث من مباحث العلم متناولا لجميع جزئيات موضوعه لامتناع تخلف المعلول عن العلة و هذا ممّا لا يكاد ينطبق على شي‏ء من العلوم و أمّا ثانيا فلأن العوارض المحمولة في كثير من العلوم إنما تلحق لموضوعاتها بواسطة أمور مباينة كما في علم اللغة و النحو و الصّرف و توابعها و علم الفقه و الأصُول و الطبّ أ لا ترى أن اختصاص كل لفظ بالدلالة على معنى و اختصاص كل معرب بنوع من الإعراب و اختصاص كل صيغة بمادة إنما يلحق الألفاظ بواسطة وضع الواضع و تخصيصه و هو أمر مباين لها و كذلك إنما تعرض الأحكام لفعل المكلّف و يعرض الحجّية للكتاب و السّنة مثلا بواسطة حكم الشارع و وضعه و هو أمر مباين لهما و أمّا ما سبق إلى بعض الأوهام من أن لواحق الشي‏ء لا تستند إلى ما يباينه و تعسف في عروض الحرارة على الماء بواسطة النّار بأنها غير مستندة إلى نفس النّار بل إلى مماستها و هي من عوارض الماء فليس ممّا يصغى إليه و منشأ عدم الفرق بين المقتضي و الشرط هذا فإن قلت ليس موضوع النحو مطلق الكلمة و الكلام بل هما من حيث الإعراب و البناء و كذلك ليس موضوع الفقه مطلق أفعال المكلفين بل هي من حيث الاقتضاء و التخيير مثلا فالأحكام لاحقة لها بهذا الاعتبار بالذات و على قياسه الكلام في موضوع سائر العلوم قلت إن أردت أن الموضوع نفس الحيثية فخطأ أو المركب فكذلك أو بشرط الحيثية يلزم منه أن يكون اللحوق مستندا إلى المشروط مع انتفاء الفائدة في تقييده بها و أمّا ما اشتهر من أن تمايز العلوم بتمايز الموضوعات و تمايز الموضوعات بتمايز الحيثيات فممّا لم نقف له على وجه لأن موضوع أحد العلمين أن تميز بنفسه عن موضوع الآخر فالتمايز بين العلمين حاصل بنفس الموضوع و لا حاجة إلى اعتبار الحيثية و إن اشترك فاعتبارها لا يوجب التمايز أ لا ترى أنّ اللفظ العربي الذي هو موضوع لعلوم العربيّة إذا أخذ من حيث الإعراب و البناء مثلا كما هو المعروف في الكتب النحوية لم يوجب اختصاصه بعلم النحو لأنه حال تقيده بهذا الاعتبار يعرض له أيضا أحوال الأبنية و يلحقه أحكام الفصاحة و البلاغة و غيرها لظهور أن لا منافاة بينها فيصح أن يقع مقيدا بهذه الحيثية موضوعا لتلك العلوم و كذا إذا اعتبر مقيّدا بسائر الحيثيّات و إن اعتبرت الحيثية تعليلية لم يستقم المعنى كما لا يخفى فالتحقيق في المقام أن يقال تمايز العلوم إمّا بتمايز الموضوعات كتمايز علم النحو عن علم المنطق و تمايزهما عن علم الفقه أو بتمايز حيثيات البحث كتمايز علم النحو عن علم الصّرف و تمايزهما عن علم المعاني فإنّ هذه العلوم و إن اشتركت في كونها باحثة عن أحوال اللّفظ العربي إلا أن البحث في الأول من حيث الإعراب و البناء و في الثاني من حيث الأبنية و في الثالث من حيث الفصاحة و البلاغة فهم و إن أصابوا في اعتبار الحيثية للتمايز بين العلوم لكنهم أخطئوا في أخذها قيدا للموضوع و الصّواب أخذها قيدا للبحث و هي عند التحقيق عنوان إجماليّ للمسائل التي تقرر في العلم و لك أن تتعسّف في كلماتهم بحيث ترجع إلى ما ذكرناه إذا تقرر هذا فنقول لما كان البحث في هذا العلم عن الأدلة الأربعة أعني الكتاب و السنة و الإجماع و دليل العقل و عن الاجتهاد و عن التعادل و التراجيح من حيث استنباط الأحكام الشرعية منها نظر بعضهم إلى ظاهر ذلك فجعل موضوعه هذه الأمور الثلاثة و بعضهم أدرج الثالث في الأول نظرا إلى أن البحث عن التعادل و التراجيح راجع في الحقيقة إلى البحث عن دلالة الأدلة و تعيين ما هو الحجة منها عند التعارض و ذهب بعض المحققين إلى أن موضوعه الأدلة الأربعة و أن سائر المباحث راجعة إلى بيان أحوالها و ذلك لأن البحث عن الأدلة أما من حيث دلالتها في نفسها و هو الأمر الأول أو من حيث دلالتها باعتبار التعارض و هو الأمر الثالث أو من حيث الاستنباط و هو الأمر الثاني و هذا أولى بالضّبط إلا أن إرجاع مباحث الاجتهاد إلى بيان أحوال الأدلة لا يخلو من تعسف‏

و أما التقليد فمباحثه خارجة عن مباحث الفنّ و إن التزموا بذكرها استطرادا كما مرّ و لو جعلنا ذكرها فيه بالأصالة أمكن إدراجه في الاجتهاد على التغليب فإن قلت أكثر مباحث الفن باحثة عن أحوال غير الأدلة كمباحث الأمر و النهي و العام و الخاص و المطلق و المقيّد و كالمباحث التي يبحث فيها عن حجية الكتاب و خبر الواحد و كالمباحث التي يبحث فيها عن عدم حجّية القياس و الاستحسان أما القسم الأول فلأن مباحثها عامة كعموم مباحث النحو و الصّرف و اللغة و لا اختصاص لها بالأدلة و أما القسم الثاني فلأن البحث فيها ليس عن الأدلة إذ كونها أدلة إنما تعرف بتلك المباحث و أمّا القسم الثالث فلأن البحث فيها ليس عن الدليل بل عما ليس بدليل قلت أما المباحث الأول فإنما يبحث عنها باعتبار وقوعها في الكتاب و السّنة فعند التحقيق ليس موضوع مباحثهم مطلق تلك الأمور بل المقيد منها بالوقوع في الكتاب و السّنة و لا يقدح في ذلك بيانهم لوضعه اللغوي و العرفي إذ المقصود بيان مداليل تلك الألفاظ بأي وجه كان لا يقال يجوز أن يكون بحثهم في الفنّ عن هذه الأمور عن مطلقها و لا يلزم الإشكال لأن مطلقها جزء من الكتاب و السّنة كما أن المقيّد منها جزء منهما أو لأن المطلق جزء من المقيّد و المقيّد جزء من الموضوع فيكون المطلق أيضا جزء منه لأن جزء الجزء و قد علم أن موضوع مسائل الفنّ قد يكون بعض أجزاء الموضوع لأنّا

12

نقول إنما يبحث في العلم عن أجزاء الموضوع و جزئياته من حيث كونهما أجزاء أو جزئيّات له ليصحّ رجوع تلك المباحث إلى البحث عن الموضوع و من هنا يتبيّن أن بحث علماء المعاني مثلا عن وضع الأمر و النهي يمايز بحث علماء الأصول عنه من حيث تمايز الموضوعين لأن علماء المعاني يبحثون عن الأمر و النهي المطلقين و الأصولي إنما يبحث عنهما من حيث كونهما مقيدين و إن أهملوا التصريح بالحيثية تعويلا على الظهور و على هذا القياس بحثهم عن أدوات العموم و المفاهيم و ما أشبه ذلك فإن المطلق المأخوذ بوصف إطلاقه يغاير المقيّد المأخوذ بوصف تقييده و إن كان هناك تمايز باعتبار تمايز حيثية البحث أيضا و بعد اعتبار الحيثية المذكورة فيها يرجع الموضوع في تلك المباحث إلى ما ذكرناه ثم كون الأمور المذكورة جزء من الكتاب و السّنة إنما يصحّ إذا جعل الكتاب عبارة عن مجموع الألفاظ المدلول عليها بما بين الدفتين و السنة عبارة عن مجموع الأخبار المنقولة و أمّا إذا جعل الكتاب عبارة عن القول المنزل للإعجاز و السّنة عبارة عن قول المعصوم أو ما قام مقامه كانت تلك الأمور جزئيات له قطعا و أما ما ذكر من أن المطلق جزء من المقيّد فليس بسديد بل التحقيق أنه نفسه و إن غايره في وصف اعتبار التقييد معه و عدمه نعم لو اعتبر التقيد جزء من المقيّد كان جزء منه كما ذكر هذا و أما بحثهم عن حجية الكتاب و خبر الواحد فهو بحث عن الأدلة لأن المراد بها ذات الأدلة لا هي مع وصف كونها أدلة فكونها أدلة من أحوالها اللاحقة لها فينبغي أن يبحث عنها أيضا و أما بحثهم عن عدم حجية القياس و الاستحسان و نحوهما فيمكن أن يلتزم بأنه استطرادي تتميما للمباحث أو يقال المقصود من نفي كونها أدلة بيان انحصار الأدلة في البواقي فيرجع إلى البحث عن أحوالها أو أن المراد بالأدلّة ما يكون دليلا و لو عند البعض أو ما يحتمل عند علماء الإسلام و لو بعضهم أن يكون دليلا فيدخل فيها و فيه تعسّف فإن قيل المسائل التي تذكر في الأدلة العقلية هي بنفسها أدلة عقلية فيلزم أن يكون الموضوع من المسائل قلنا الدّليل العقلي عبارة عن المفردات العقلية كالاستصحاب و أصل البراءة و المسائل عبارة عن إثبات حجّيتها و وجوب العمل بها فلا محذور القول في المبادي اللغوية تقسيم اللفظ الموضوع إما أن يتحد في الاعتبار أو لا و على التقديرين إمّا أن يتحد المعنى الموضوع له أو لا فإن اتحد اللفظ و تعدد المعنى فإن تعدد الوضع فمشترك و إن كانت الأوضاع ابتدائية بأن لم يلاحظ في بعضها مناسبة للآخر و لا عدمها و إلاّ فإن لوحظ في الثاني مناسبة للأول فمنقول تعيينيّ أو تعيّنيّ و الثاني مسبوق بالتجوز إن لم يكن النقل من المطلق إلى المقيّد أو من العام إلى الخاص و إلا فمرتجل و قد يترك القيد الأخير في حد المشترك فيتناول المرتجل و قد يقتصر فيه على مجرد تعدد الوضع فيتناول المنقول أيضا و هذا أقرب إلى الاعتبار إلاّ أن المعروف هو الأول و إن لم يتعدد الوضع فالوضع عام و الموضوع له خاص و إن تعدد اللّفظ و اتحد المعنى و كانت الدلالة من جهة واحدة فالألفاظ مترادفة و إن تعددا فمتباينة و قد يجتمع بعض هذه الأقسام مع البعض و يفرق بالحيثية ثم اللفظ إن لم يقبل نفس تصور معناه الشركة فجزئي و إلا فكلّي متواط إن تساوت فيه الأفراد و إلا فمشكك و التواطي و التشكيك يعتبران تارة بالقياس إلى صدق المعنى و تحققه و أخرى بالقياس إلى الدلالة و صدق اللفظ و مرجع التشكيك في الأول إلى الاختلاف في الشدة و الضعف و يقابله التواطي بالاعتبار الأول و يستند في الثاني تارة إلى الاختلاف السابق لكنه لا يطرد في موارده فإنه لا ينصرف إطلاق السّواد و البياض عرفا إلى أشدّ أفرادها و أخرى إلى غيره كالاختلاف في الأشهرية و الأكملية و الأوفقية بالإرادة و لو بحسب مقام التخاطب و يقابله التواطي بالاعتبار الثاني فاتضح أن النسبة بين الاعتبارين عموم من وجه و الأوفق بمباحث الألفاظ هو الثاني ثم اللفظ إن استعمل فيما وضع له و اعتبر من حيث إنه كذلك فحقيقة و إن استعمل في غيره لعلاقة فمجاز و الحقيقة تنسب إلى ما ينسب إليه واضعها من حيث إنه واضعها إن لغة فلغوية أو عرفا فعرفية أو خاصة شرعية أو غيرها و إنما اعتبرنا الحيثية و احترازا عما لو وضع المتكلم الفقيه مثلا لفظا في الكلام أو الفقه فإنه بعد الاستعمال لا يعدّ حقيقة فقهيّة على الأول و لا كلامية

على الثاني لانتفاء الحيثية و إن حصلت النسبة و ما يقال من أن الحقيقة تنسب إلى واضعها فضعفه يعرف ممّا ذكرناه و كذلك المجاز ينسب إلى ما تنسب إليه حقيقته و اعلم أن التقسيم إلى الكلي و الجزئي إنما يلحق اللفظ باعتبار نفس معناه المطابقي في الذهن بقبول الصدق على كثيرين و عدمه و ظاهر أن الوصف به كذلك يقتضي كون المعنى بحيث يمكن ملاحظة العقل إيّاه بنفسه و هذا إنما يجري في الأسماء التي تستقل بالدلالة على معانيها المطابقية دون الحروف لأن مداليلها معان آلية يمتنع ملاحظة العقل إيّاها بنفسها و إن أمكن ملاحظتها بوجهها فصحة وصفها بالخصوصية و الجزئية بهذا الاعتبار كما سيأتي في تقسيم الوضع و غيره لا ينافي ذلك و دون الأفعال لاشتمالها على النسبة الاستنادية التي هي معنى حرفي و لهذا يمتنع الحمل عليها و دون الأسماء التي تتضمن معنى الحرف كأسماء الإشارة و الضّمائر و الموصولات فإن أسماء الإشارة موضوعة للذات المشار إليها و هو معنى ملحوظ في نفسه سواء اعتبر أمرا عاما أو خاصّا مع الإشارة الحسّية المأخوذة آلة لتعرف حال المشار إليه و كذلك الضّمائر موضوعة للغائب أو المخاطب أو المتكلم مع صفة الغيبة أو الخطاب أو التكلم المأخوذة باعتبار كونها آلة لتعرف أحوال موصوفها و كذلك الموصولات تتضمّن الإشارة إلى مداليلها المتعيّنة بصلاتها و هو معنى حرفي كما

13

مر و يحتمل بعيدا أن يكون ضتقييد المذكور معتبرا في وضع هذه الأسماء على أن يكون خارجا من معانيها المطابقية مشخّصا لها فتدخل في التقسيم المذكور فيكون دلالتها على تلك الأحوال بالالتزام و حينئذ فتكون من متحد المعنى لخروج القيد و التقييد عنه و إن اعتبرا فيه و ما اشتهر بين النحاة من تعليل البناء فيها بتضمّنها معاني الحروف فإنما يرشد إلى الوجه الأول و هو الظاهر من موارد الاستعمال هذا إنما يتم إذا قلنا بأن معاني الحروف معاني آلية كما هو التحقيق و أمّا إذا قلنا بأنها معان مستقلة كما يظهر من بعضهم فلا وجه لعدم طرد التقسيم إليها و إلى ما يتضمّن معناها كما هو المعروف بينهم هذا و قد يقال في الأسماء المذكورة ما حاصله إنّا إن قلنا بأنها موضوعة بالوضع العام لمعان خاصّة أشبهت الحروف من حيث مناسبتها إياها في الوضع فلا بد أن لا تتّصف بالكلية و الجزئية و إنما يتصف بهما حينئذ كل واحد من مواردها الخاصة و إن قلنا بأن الموضوع له فيها أيضا عام فهو داخل في الكلي و فيه نظر فإن مشابهتها للحروف في كونها موضوعة للخصوصيّات لا توجب خروجها عن التقسيم إذ ليس المانع من دخول الحروف فيه كونها موضوعة لمعان خاصّة كيف و الجزئيات بأسرها موضوعة لمعان خاصة مع أنها داخلة في التقسيم بل كونها موضوعة لمعان آلية غير مستقلة كما عرفت ثم قوله و إنما المتصف هو كل واحد من الموارد ينافي منعه السّابق إذ ليس على ظاهر كلامه لتلك الألفاظ عند أصحاب هذا القول معنى سوى تلك الموارد الخاصّة فاتّصافها بالجزئية يوجب اتصاف ألفاظها بها فإن هذا التقسيم عندهم لاحق للفظ باعتبار ما يعرض لمعناه و أمّا الانقسام إلى الحقيقة و المجاز و المشترك و المترادف و المنقول و غير ذلك فمشترك بين الكل إذ لا يستدعي شي‏ء منها كون المعنى ملحوظا في نفسه نعم حيث يبتني صحة المجاز على العلاقة و هي إنما يمكن مراعاتها في المعاني الحرفيّة إذا اعتبرت على الاستقلال لا جرم يكون التجوز فيها تبعيّا لتبعيتها لمعانيها الاسميّة كما في تنزيل ترتب الحزن و العداوة المترتبين على الالتقاط منزلة العلة الغائية الباعثة على الالتقاط أعني المحبّة و التبني في قوله تعالى فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوّا و حزنا و كذلك الأفعال إذا تجوز فيها باعتبار معانيها الحديثة فإنها تتبع مراعاة العلاقة بالنّسبة إلى معانيها المصدريّة فيكون التجوز فيها أيضا تبعيّا كما في قولك قتل زيد عمراً إذا أريد به الضّرب الشديد و أما باعتبار معانيها الهيئة و هي بمنزلة الحروف و قس على ذلك بقية المشتقات و قد توهم بعض أهل البيان أنّ التّجوز في الأفعال و الحروف تبع للتجوز في متعلقاتها كالفاعل في قولك نطقت الحال بكذا و ذلك لأنه لما شبه الحال بالإنسان أثبت لها بعض لوازمه و هو النطق و كالمجرور في الآية السّابقة فإنّه لما شبه العداوة و الحزن بالمحبة و التبني أثبت لهما بعض لوازمهما من العلية للالتقاط و منشأ هذا الوهم عدم الفرق بين التصرّف في معاني الأفعال و الحروف و بين التصرف في متعلقاتها مع أن التصرّف فيها لا يوجب التجوز كما سننبّه عليه في الاستعارة بالكناية و بالجملة فنحن لا نتحاشى عن جواز ما ذكره لكن نمنع قصر وجوه التصرّف عليه هذا و أمّا ما يقال من أن الأعلام الشخصيّة لا تتصف بحقيقة و لا مجاز فهو بظاهره فاسد و قد يؤول بأنّ المراد لا تتصف بالحقيقة و المجاز اللّغويّين أي المختصين بلغة دون أخرى لئلا يلزم الإشكال في تقسيمها إلى لغوي و عرفي و إنما لم يختص الأعلام بلغة لعدم تغيرها باختلافها و اعلم أنّ الحروف حيث كانت موضوعة بإزاء المفاهيم الملحوظ بها حال ما تعلقت به لا جرم كان معانيها الحقيقية معان خاصة مقيدة بمتعلقاتها الخاصة و تلك المعاني و إن كانت في حد أنفسها كلية إلا أن اعتبار تقيدها باللحاظ على الوجه الذي سبق يصيّرها شخصيّة ممتنعة الصّدق على الأفراد المتكثرة فإنّ المهية متى اعتبرت بشرط التقييد بالوجود الذهني و هو المراد باللحاظ أو بالوجود الخارجي خرجت عن كونها كلية لا محالة فإنّها من صفات المهية الموجودة في الذهن عند تجريد النظر عن وجودها فيه و لا يلزم ممّا قرّرنا أن يكون الحروف باعتبار كلّ واحد من معانيها من متكثري المعنى ذاتا نظرا إلى تعدّد ما يعتريها من اللحاظ لأن المسمّى نفس المفهوم و هو لا يختلف في موارده و إن تعدّد القيد المعتبر في لحوق الوضع له فإنه شرط خارج عن المسمّى و ليس بشطر داخل فيه فهي عند التحقيق موضوعة بإزاء المفاهيم المقيدة بأحد أفراد الوجود الذهني الآلي من‏

غير أن يكون القيد أو التقييد داخلا فيكون و مداليلها جزئيات حقيقية متحدة في مواردها ذاتا و متعددة تقييدا و قيدا نعم لو قلنا بأن التقييد داخل فيما يعتبر مقيدا كما يلوح من بعضهم لزم أن يكون الحروف باعتبار كل واحد من معانيها من متكثر المعنى ذاتا و متعدّد الحقيقة لكنه بمعزل عن التحقيق لا يقال علي هذا البيان لا يستقيم التقسيم بالنّسبة إلى الاسم أيضا إذ لا يصح وصف الأسماء الموضوعة بإزاء معان كلية بالكلية لأنها إنما تكون أسماء باعتبار كون معانيها ملحوظ على الاستقلال و المفاهيم الكلية إذا أخذت باعتبار كونها ملحوظة موجودة في الذهن كانت جزئيات فإن الكلية إنما تعرض المفاهيم إذا جرد النظر عن وجوداتها الذهنية و هي بهذا الاعتبار تخرج عن كونها معان اسمية و إن اعتبر عروض الكلية لها و لو عند تجريد النظر عن وجوداتها الذهنية لزم جريان التقسيم في الحروف أيضا لأنها إذا جردت عن وجوداتها الذهنيّة التبعية صحّ وصفها بالكلية كالأسماء لأنا نقول الأسماء المستقلة في مداليلها موضوعة بإزاء معانيها من غير اعتبار لوجودها في الذهن فضلا عن اعتبار وجودها فيه على الاستقلال فالمراد بقولنا معاني الأسماء مستقلة بالمفهومية أنها ممّا يصحّ ملاحظتها من حيث كونها معاني لها على وجه الاستقلال لا أن تلك الملاحظة معتبرة فيها شطرا أو شرطا

14

و لهذا يصح ملاحظتها على وجه التبعيّة و الآلية أيضا أ لا ترى أن الوجود و العدم قد يلاحظان من حيث كونهما مفهومين و موجودين في الذهن فيحكم عليهما بالمفهوميّة و الموجودية في الذهن و قد يلاحظان من حيث كونهما عنوانين لأمرين خارجين عن نفس مفهومهما فيحكم عليهما بامتناع الوجود في الذهن أو الخارج مع أنّهما من نوع الاسم على التقديرين و على هذا فيستقيم تقسيم ما استقل منها بالمفهوميّة إلى القسمين دون ما لم يستقل بها كالحروف بالبيان الذي سلف تحديد الحقيقة هي الكلمة المستعملة فيما وضعت له من حيث إنها كذلك فبقيد الاستعمال خرجت الكلمة المجردة عن الاستعمال فإنّها لا تسمى حقيقة كما لا تسمى مجازا و بقولنا فيما وضعت له خرجت الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له و بقيد الحيثية خرج مثل لفظ الصّلاة إذا استعملها المتشرع في الدّعاء أو اللّغوي في الأركان فإنه و إن صدق عليها حينئذ أنها كلمة مستعملة فيما وضعت له بالوضع اللغوي أو الشرعي إلا أن الاستعمال ليس من هذه الحيثية بل من حيث تحقق العلاقة بينها و بين معناها الشرعي أو اللغوي و أهمل بعض قيد الحيثية و اعتبر بدله قوله في اصطلاح به التخاطب احترازا عما ذكر و هو لا يصحّح طرد الحدّ بالنّسبة إلى اللّفظ المشترك في اصطلاح واحد إذا كان بين المعنيين علاقة التجوز و كذا إذا لم يكن بين المعنيين علاقة و استعمل في أحدهما باعتبار وضعه للآخر غلطا و إنما لم نتعرض له لبعد وقوعه جدا بخلاف المذكور منه كالأمر عند من يجعله مشتركا بين الوجوب و النّدب لغة و كالإمكان في عرف أهل الميزان بناء على اشتراكه لفظا بين الإمكان العام و الخاص فإنه إذا استعمل كل منهما باعتبار أحد معنييه في معناه الآخر مجازا صدق عليه الحد المذكور مع خروجه عن المحدود و المجاز هي الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له لعلاقة فخرج بقيد الاستعمال ما مر و بقولنا في غير ما وضعت له الكلمة المستعملة فيما وضعت له و اللفظ المستعمل الغير الموضوع و إن استعمل في مثله و بقولنا العلاقة يخرج الكلام الغلط و إن اشتمل على علاقة لأن المراد بها العلاقة المعتبرة و كذا يخرج به الموضوع إذا استعمل في مثله بدون الوضع أو اعتباره على ما سيأتي بيانه فإن الاستعمال حينئذ و إن كان العلاقة لكن لا لعلاقة بينه و بين المعنى الموضوع له كما هو المراد في الحد و يخرج أيضا مثل لفظ الصّلاة إذا استعملها المتشرع في الأركان المخصوصة فإنها و إن كانت مستعملة في غير ما وضعت له بالنّسبة إلى الوضع اللغوي لكن ليس استعمالها حينئذ لعلاقة و زاد بعضهم قوله مع قرينة مانعة عن إرادة الموضوع له ليخرج الكناية و هذا ضعيف لما سنحققه من أنها داخلة فيه أو في الحقيقة و ليست قسما ثالثا و اعلم أنّ اللام في الكلمة في الحدين قد ينزل على الاستغراق دون الجنس كما هو المتعارف في الحدود لأن الحقيقة و المجاز عندهم متغايران بالمورد لا بمجرّد الاعتبار كما يشهد به تصفح كلماتهم و ما يقال من أن التعريف إنما يكون بالجنس لا بالأفراد فإنما يسلم في الحدود الحقيقية دون اللفظية نعم على قول من جوّز استعمال اللفظ في معناه الحقيقي و المجازي معا مع بقائهما على وصفهما يكون التغاير عنده في المورد المذكور اعتباريا فيحتاج إلى اعتبار قيد الحيثية في المجاز أيضا و أما في غيره فالتغاير عنده أيضا بحسب المورد و يمكن أن يجعل اللام فيها للجنس و يراد بالاستعمال الاستعمال الواحد الشخصي لما مرّ و كان هذا أظهر من الوجه السابق لكن يلزم على الوجهين أن يكون وضع اللفظين وضع المبهمات و هو كما ترى إلاّ أن يجعل الحدان لبيان ما يطلق عليه اللفظان و فيه تكلف بل التحقيق أنّ اللام في الكلمة و الاستعمال للجنس كما هو الظاهر و لا ينافي ذلك كون المغايرة بينهما بالمورد لأن الكلمة المقيدة بأحد صنفي الاستعمال صنف مغاير للمقيد منها بالآخر و قد يعرف الحقيقة و المجاز باستعمال الكلمة على الوجه المذكور و لا إشكال في حمل اللام حينئذ على الجنس‏

فصل [القول في الوضع‏]

الوضع تعيين اللفظ للدلالة على المعنى بنفسه فالتعيين جنس يشمل جميع التعيّنيات و المراد به هنا ما يتناول التعيين عن قصد كما في المرتجل و يسمّى هذا النوع من الوضع بالوضع التعييني و كما في المجاز على ما عليه الجمهور من أنه معيّن بإزاء معانيه المجازية بالتّعيين النوعي و التعيين من غير قصد كما في المنقولات بالغلبة و يسمى هذا النوع من الوضع بالوضع التعيني و كما في المجاز على ما هو التحقيق عندنا من أن تعيين اللفظ لمعناه يستلزم تعيينه لما يناسبه بإحدى العلاقات و إن لم يقصد به ذلك و كذلك تعيين اللفظ لمثله على ما زعمه التفتازاني من أن دلالته غير ناشئة عن وضع قصديّ بل عن الاتفاق و الاصطلاح و أما على ما نراه من أنها ناشئة عن المناسبة الصّورية بمعونة القرينة فليس فيه تعيين أصلا و خرج بتقييده باللّفظ تعيين غيره و لو للدلالة كالخطوط و النّصب فإنه ليس بالوضع المصطلح عليه هنا و المراد به ما يتناول الحرف الواحد و الهيئات كالحركة و السّكون و لو بالتوسّع في لفظه و خرج بقولنا للدلالة على معنى تعيين اللفظ للتركيب كما في الحروف الهجائية في وجه أو للاستعمال و لو لدلالة لأن المراد بالدلالة فيه قوة الدلالة أعني صيرورة اللفظ بحيث يدل على المعنى عند الاستعمال لا الدلالة الفعلية فيختص بتعيين المستعمل إياه عند الاستعمال و لا الأعم فيتناوله و يتناول تعيينه السابق على الاستعمال فيلزم عدم مطابقة الحدّ للمحدود على الأول و دخول ما ليس منه فيه على الثاني و لك أن تقول الظاهر من كون التعيين للدلالة أعني الدلالة حال الاستعمال كونه بلا واسطة و حينئذ فيخرج التعيين للاستعمال و التعيين للوضع أيضا و قولنا بنفسه احترازا عن المجاز فإن فيه تعيينا للدلالة على المعنى لكن لا بنفسه بل بواسطة القرينة و ما يقال من أنه لا حاجة إلى القيد المذكور لأنّ التعيين ظاهر في التّعيين التفصيلي و الّذي في المجاز تعيين إجمالي فليس بشي‏ء لأن المراد بالتعيين هنا معناه الأعم و إلاّ لخرجت الأوضاع النوعية كوضع المشتق منه نعم يتجه أن يقال ليس التعيين في المجاز للدلالة لحصولها بالقرينة كما في‏

15

الغلط بل لصحة الاستعمال فلا حاجة إلى القيد المذكور و يمكن دفعه بأن اللّفظ إذا أطلق و أقيم قرينة على عدم إرادة معناه الحقيقي كما في قولنا أسد يرمي تردّدنا بين المعاني التي لم يوضع بإزائها اللفظ مما يوجد بينه و بين المعنى الحقيقي علاقة معتبرة كالشجاع و بين غيره كالأبخر و الحسّاس و الحيوان و غير ذلك فإذا لاحظنا تعيين الواضع تعيّن عندنا إرادة المعنى الأول فصحّ أن التّعيين في المجاز أيضا للدلالة و فيه نظر لأن التعيين يكون حينئذ لتعيين المراد لا الدلالة مع أنه قد لا يطرد و الأظهر أن يراد بالدلالة الدلالة المعتبرة فيندفع الإشكال و اعترض على عكس الحدّ بالمشترك فإن فهم المعنى منه يتوقف على القرينة و بالحرف فإنه معرف بما لا يدل على معنى في نفسه و الجواب أمّا عن الأول فبأن فهم المعنى أعني ما وضع له اللفظ في المشترك لا يتوقف على القرينة ضرورة أن العالم بالوضع ينتقل بسماعه إلى معناه غاية الأمر أن يتوقف تعيين المراد منه على القرينة و هذا على ما زعم مبني على القول بأن الدلالة لا تتوقف على الإرادة و سيأتي تفصيل الكلام فيه و أمّا عن الثاني فبأن الضّمير في قولنا بنفسه راجع إلى اللفظ و في قولهم في نفسه راجع إلى المعنى و هم أرادوا بهذا القيد أن معنى الحرف ليس ثابتا في نفسه و ملحوظا لذاته بل هو آلة لملاحظة حال غيره و هذا المعنى لا ينافي أن يكون الدال نفس الحرف فإنّه و إن اشترط في دلالته ذكر متعلّقه نظرا إلى قصور معناه و عدم استقلال مفهومه لكنه يدل على المعنى عند ذكر متعلقه بنفسه بخلاف المجاز فإنّه لا يدل على المعنى المجازي عند ذكر القرينة بنفسه بل بمعونة القرينة و بالجملة فالقصور ثابت في المقامين إلاّ أنه في المجاز من حيث اللفظ فصح أنه لا يدل بنفسه و في الحرف من حيث المعنى فلا ينافي دلالته بنفسه و بهذا يسقط ما التزم به التّفتازاني من أن صحة الحدّ متوقفة على القول بعدم اشتراط ذكر المتعلق في دلالة الحرف هذا و التحقيق في الجواب أنّ دلالة الحرف على معناه إنما تستدعي تصوّر معنى متعلقه و لو إجمالا على ما سيأتي تحقيقه و هو مما يحصل في النفس بسماع الحرف مع العلم بالوضع و لا حاجة إلى ذكره في اللفظ فصحّ أن الحرف يدل على المعنى بنفسه أي من غير حاجة إلى ضميمة و توقفه على تصوّر متعلّقه و لو إجمالا لا ينافي ذلك لأنه من قبل اللوازم البينة للمدلول فينتقل إليه عند تصوّر المعنى كما في الانتقال إلى البصر عند الانتقال إلى مدلول العمى بخلاف المجاز فإنّ مجرّد لفظه لا يكفي في الدلالة ثم عندي على الحد إشكال آخر و هو أن المراد بالتّعيين فيه إن كان التعيين القصدي لم ينعكس لخروج وضع المنقول بالغلبة منه و إن كان الأعم كما ذكرنا لم يطّرد لدخول تعيّن المجاز المشهور بالشهرة فيه و لا سبيل إلى إخراجه بأنّ الشهرة قرينة عليه أو بأنه إذا قدر عدمها لم يكن للفظ دلالة عليه لأنا لا نعقل من القرينة إلا ما يوجب تعين المعنى و الوضع التعييني أيضا كذلك مع أنه لا فارق بين التعيّن الناشئ من الشهرة في المنقول و بينه في المجاز المشهور فإدخال أحدهما في الحد يوجب دخول الآخر فيه و اختلال الدلالة بتقدير عدمها لا ينافي كونها وضعا كيف و الحال في جميع الأوضاع كذلك و مثل قرينة الشهرة ما لو نصّ المستعمل على إرادته للمعنى المجازي عند إطلاقه اللفظ و النقض به وارد على تقدير تخصيص التّعيين بالقصدي أيضا و يمكن دفعه بأن المراد بالدلالة الدلالة المعتبرة كما مرّ و هي غير ناشئة هناك عن الشهرة أو تنصيص المستعمل فقط و فيه تكلّف أو بالتزام عود الضّمير في نفسه إلى التّعيين دون اللفظ فيخرج التعيين المذكور فإنه لا يقتضي الدلالة المعتبرة بنفسه بل بضميمة الرّخصة أو الوضع السّابق و بهذا يظهر الفرق بينه و بين المنقول فإنه لا مدخل في دلالته على المعنى المنقول إليه لملاحظة وضعه السّابق بل يكفي مجرد تعينه الناشئ من الغلبة و بهذا التوجيه يخرج سائر أنواع المجاز أيضا إذ لا يكفي في دلالتها مجرّد تعيينها بل لا بدّ معه من نصب القرينة و يدخل فيه تعيين الحروف بالتوجيه السّابق و يخرج به أيضا تعيين المستعمل اللفظ للدلالة فإنه لا يدل بمجرد تعيينه ذلك و لا حاجة إلى ما تكلّفناه سابقا في إخراجه و كذلك يخرج به تعيين الواضع اللفظ للوضع للمعنى فإنّ مجرد ذلك التّعيين لا يكفي في الدلالة و لا يخرج على الوجه السّابق إذ يصدق‏

على تعيين الشي‏ء للملزوم أنه تعيين له للازمه المقصود منه أيضا إلاّ أن يرتكب التكلف المتقدم و من هنا يظهر أنّ إرجاع الضّمير إلى التعيين أولى من إرجاعه إلى اللّفظ كما فعلوه ثم أقول و يمكن تقرير الإشكال بوجه آخر يطرد في جميع أنواع المجاز بحيث لا ينفع فيه التوجيه المذكور و ذلك بأن يقال إن أرادوا بالحدّ أن يدلّ اللّفظ مع قطع النظر عن ذلك التّعيين فهو فاسد لأن اللّفظ الموضوع إذا قطع النظر عن وضعه و جرد عنه لا دلالة له على المعنى إما في الجملة أو مطلقا كما يشير إليه قولهم في تعريف الدلالة الوضعيّة بأنها فهم المعنى من اللفظ عند العالم بالوضع أي من حيث علمه بالوضع كما هو الظاهر من التعليق و إن أرادوا أن يدل مع قطع النظر عمّا عدا ذلك التعيين فهو منقوض بمثل المجاز المشهور فإنه لا حاجة في دلالته على معناه المجازي بعد ملاحظة تعيينه المنحل إلى تعيينين تعيين واضع المجاز أو واضع الحقيقة إيّاه بإزائه المحصّل لصحة الاستعمال و تعيين الشهرة المحصّل للدلالة إلى ملاحظة أمر آخر فهو أيضا تعيين للدلالة على المعنى بنفسه إذ لم يعتبر فيه أن يكون عن أمر واحد و هذا الإشكال متجه على البيان الأول أيضا و لا يجدي فيه الدفع السّابق فالأظهر عندي أن يعرف الوضع بأنه تعيين اللّفظ للمعنى على وجه يصحح الاستعمال من غير اعتماد على تعيينه لمعنى آخر فيخرج المجاز بأقسامه لاعتماد صحة الاستعمال فيها على تعيينه لمعنى آخر و كذلك يخرج تعيين اللفظ للوضع أو الاستعمال فإنه لا مدخل له في صحة الاستعمال و كذا تعيّن الحكاية للمحكي على ما هو المختار فإنه لا يسمّى تعيينا و إن أريد به ما يعمّ غير القصدي يدخل فيه المنقول بالغلبة لأنّ المراد بالتعيين ما يعمّ التعيين بالقصد و بدونه و الأولى أن يراد أو تعينه لظهوره في القصدي و كذلك يدخل الحروف إمّا على التوجيه السّابق أو مطلقا لأنّ المراد

16

عدم الاعتماد على تعيين آخر لذلك اللفظ فلا يقدح الاعتماد على تعيين آخر لغيره نعم ربما يشكل ذلك نادرا في صورة الاشتراك بين معناه و معنى متعلقه حيث يحتاج حينئذ إلى ملاحظة وضعه الآخر إلا أن يدفع باعتبار الحيثية فتأمل فيه ثم الواضع أن لاحظ في وضعه أمرا جزئيا حقيقيا كان الموضوع له حينئذ أيضا جزئيا لا محالة فيكون الوضع خاصّا و المعنى خاصّا كما في الأعلام الشخصيّة و منهم من أجاز أن يكون الموضوع له حينئذ عاما كما لو شاهدنا حيوانا فتوصّلنا به إلى وضع اللفظ بإزاء نوعه و فيه أن الملحوظ في الوضع حينئذ إنما هو الكلي المنتزع من الجزئي دون نفس الجزئي و الوضع أيضا بإزائه فيكون من القسم الآتي و إن لاحظ أمرا كليّا فالوضع عام و حينئذ فإن وضع اللفظ بإزائه من غير اعتبار خصوصية معينة نوعية أو شخصية معه شطرا أو شرطا فالموضوع له عام كما في أسماء الأجناس و إن وضعه بإزائه مع اعتبارها فالموضوع له خاص لكونه جزئياته الحقيقية أو الإضافية كما في الأعلام الأجناس بناء على أنها موضوعة للأجناس من حيث تعيّناتها الذهنيّة و كما في الحروف و أسماء الإشارة و الضّمائر و الموصولات و غيرها مما يتضمّن معاني الحروف فإن التحقيق أن الواضع لاحظ في وضعها معانيها الكلية و وضعها بإزائها باعتبار كونها آلة و مرآة لملاحظة حال متعلقاتها الخاصّة فلاحظ في وضع من مثلا مفهوم الابتداء المطلق و وضعها بإزائه باعتبار كونه آلة و مرآة لملاحظة حال متعلّقاتها الخاصة من السّير و البصرة مثلا فيكون مداليلها خاصة لا محالة و كذلك لاحظ في وضع أسماء الإشارة مفهوم المشار إليه و وضعها بإزاء ذاته بضميمة الإشارة الخارجة المأخوذة آلة و مرآة لتعرف حال الذات فيكون معانيها جزئيات لا محالة لوضوح أن الماهية إذا أخذت مع تشخص لاحق لها كانت جزئية مع احتمال أن يكون قد لاحظ في وضع الحروف معانيها الكلية و وضعها بإزاء كلّ جزئي جزئي من جزئياتها المأخوذة آلة و مرآة لملاحظة حال متعلقاتها و لاحظ في وضع أسماء الإشارة مفهوم الذّات المشار إليها و وضعها بإزاء كلّ جزئي من جزئياتها المأخوذة آلة و مرآة لملاحظة حال متعلقاتها و لاحظ في وضع أسماء الإشارة مفهوم الذّات المشار إليها و وضعها بإزاء كل جزئي من خصوصيّات الذات مع الإشارة المأخوذة آلة و مرآة لتعرف حال تلك الذات و على هذا القياس و الفرق بين الاعتبارين أن الخصوصية مأخوذة في أحدهما باعتبارين و في الآخر باعتبار واحد و هو أقرب لسلامته عن الاعتبار الزائد هذا على ما هو المختار وفاقا لجماعة من المحقّقين لأن المتبادر منها ليس إلا المعاني الخاصة و أنها لا تستعمل إلا فيها و منهم من أنكر ذلك و جعل الوضع في تلك الألفاظ بإزاء معانيها الكلية و اشتهرت حكاية هذا القول عن المتقدمين و استدلوا لهم بأن أهل اللغة صرّحوا بذلك حيث قالوا أنا للمتكلم و من للابتداء إلى غير ذلك و أن أحدا لم يذكر تلك الألفاظ في متكثر المعنى حيث حصروها في المشترك و الحقيقة و المجاز و المنقول و المرتجل و هي ليست بأحدها و أن وضعها للجزئيات يقتضي أوضاعا غير متناهية و هو محال و الجواب أمّا عن الأول فبأن ما وقع في عبائرهم لبيان مدلول هذه الكلمات من لفظ المتكلّم و الابتداء و نظائرهما فمحمول على ما مر للقطع بأنها لم تستعمل في تلك المعاني قط و ما يقال من أنها وضعت للمفاهيم الكلية ثم استعملت في الجزئيات بقرائن مقامية أو مقالية فكل من الوضع و الموضوع له فيها عام و المستعمل فيه خاص فمدفوع بأنه لو تم ذلك لوجد فيه خصائص المجاز من الانتقال إلى معانيها الجزئية بعد الانتقال إلى معانيها الكلية و ملاحظة العلاقة و القرينة و لو إجمالا و ليس الأمر فيها كذلك قطعا مع أنها لو كانت حقائق في تلك المفاهيم لجاز أن تستعمل فيها على الحقيقة و فساد التالي يقتضي بفساد المقدم و ما قيل من أن ذلك لمنع من قبل الواضع فممّا لا يقبله الاعتبار الصّحيح و أمّا عن الثاني فبأنّ عدم ذكر المتقدمين إيّاها في متكثر المعنى مبني على طريقهم حيث لم يثبتوا هذا القسم فتبعهم المتأخرون في التقسيم تسامحا و أمّا عن الثالث فبأن وضعها للجزئيات إجماليّ فلا يلزم تعدد الوضع فضلا من عدم تناهيه هذا و لو نزلت مقالتهم على أنها موضوعة لمفاهيمها المقيّدة بالقيود المذكورة على أن يكون كل من القيد و التقييد خارجا عن المعنى معتبرا فيه و ادعي كلية المفهوم و المعتبر كذلك استقام كلامهم و اندفع عنهم الإشكالات المذكورة و كان أبين من القول السّابق ثم أقول و

لقائل أن يقول كون هذه الألفاظ حقائق في الخصوصيات إنّما يثبت به عموم الوضع بالمعنى المتقدم إذا قلنا بأنّ الواضع ليس هو اللَّه تعالى حيث إنه ليس لغيره الإحاطة بجميع تلك الخصوصيات على التفصيل و إنما يحيط بها على الإجمال بملاحظة مفهوماتها الكلية فيلزم منه عموم الوضع حيث إن الملحوظ فيه معنى علم و إلا جاز أن تكون موضوعة بإزاء تلك الخصوصيات ابتداء من غير ملاحظة لذلك المعنى العام فيه لإحاطة علمه تعالى بالجزئيات كإحاطته بكلياتها فتكون تلك الألفاظ على حدّ الألفاظ المشتركة في كونها موضوعة لآحادها وضعا ابتدائيا غاية ما في الباب أن يكون للآحاد التي تشترك فيها مع كثرتها و خروجها عن قوة ضبطنا قدر جامع يمكننا معرفة ما يحتاج إليه منها بالرجوع إليه بخلاف سائر المشتركات و هذا لا يصلح وجها لإفرادها عن المشترك و جعلها قسما برأسها و جوابه أن اختصاص إفراد معنى عام بوضع اللفظ مع اطّراده بالنّسبة إليها يوجب ملاحظته في وضعه لها لظهور أن ليس ذلك مبنيّا على مجرد الاتفاق و تبادرها منه من حيث كونها أفراد آلية يوجب أن يكون الحيثية مأخوذة في مدلوله لا مجرد كونها مأخوذة في عنوان الوضع فإذا ثبت أنّ مدلوله الأفراد من حيث كونها أفرادا للعام ثبت القسم المذكور سواء كانت تلك الأفراد ملحوظة عند الواضع تفصيلا أو إجمالا و ظهر الفرق بينه و بين المشترك فإنّ المشترك إنما يوضع لمعانيه لا باعتبار معنى مشترك فيه و إن فرض وضعه بإزائها إجمالا بملاحظة عنوان لا تكون حيثية معتبرة في المعنى ككل واحد من هذه المعاني و من هنا يتوجه مناقشة على تعريف المشترك حيث اعتبر فيه تعدّد الوضع و لا

17

تعدد فيه هناك و حيث لم يثبت القسم المذكور كان الأمر بالقياس إليه سهلا ثم اعلم أن اللفظ الموضوع إن عين من حيث الخصوصية فالوضع شخصيّ و هذا ظاهر و إلا فنوعيّ و منه وضع أكثر صيغ المشتقات فإنّ التحقيق أنّ منها ما هو موضوع بالوضع الشخصي من الماضي و المضارع المجرّدين فإن اختلاف هيئاتهما في المواد المختلفة مع عدم قدر جامع بين ما اتفق منها فيها يوجب كونهما موضوعين بالوضع الشخصي و كون أفعال السّجايا موضوعة على الضمّ على تقدير ثبوت الاطراد فيها لا يجدي في غيرها و غاية ما في الباب أن يقال عيّن الواضع مصادر كل باب و وضع كل واحد من كل جملة بهيئة معينة أو وضع كل هيئة معينة طارئة على كل واحد من آحاد كلّ جملة بإزاء معان معينة فلو سمّي مثل ذلك وضعا نوعيّا فلا مشاحة و منها ما هو موضوع بالوضع النوعي كسائر صيغ الماضي و المضارع و جملة صيغ الأمر و اسم الفاعل و المفعول فإنّ التحقيق أن الواضع لاحظ كل نوع منها ممّا له قدر جامع بعنوان كلي و هو ذلك القدر الجامع و وضع كل واحد من خصوصيّاتها الملحوظة تفصيلا أو إجمالا على ما مرّ بإزاء معانيها المعهودة و على هذا فالمشتقات تدل على معانيها من الحدث و الزّمان و النّسبة و غيرهما بوضع واحد شخصيّ أو نوعي هذا ما يساعد عليه التحقيق و المعروف بينهم أنّ مواد المشتقات أعني حروفها الأصلية موضوعة بالوضع الشخصي لمعانيها الحدثيّة و هيئاتها موضوعة بالوضع النوعي للمعاني الزائدة عليها من الزمان و النّسبة أو غيرها بمعنى أنها موضوعة كذلك في كل مادة للمعنى اللاحق لمعناها من حيث الخصوصيّة و يشكل بأنهم إن أرادوا أن المواد موضوعة بوضع المصادر فمتضح الفساد لأن هيئات المصادر معتبرة في وضعها لمعانيها قطعا و إن أرادوا أنها موضوعة للمعاني الحدثية بوضع آخر مشروط باقترانها بإحدى الهيئات المعتبرة لئلا يلزم جواز استعمالها بدونها فبعد بعده جدا كما لا يخفى على الأنظار السّليمة مما لم نقف لهم فيه على دليل و غاية ما في الباب أن يقال لما كان كل من ألفاظ معاني المشتقات و معانيها يشتمل على جزءين يدور ثبوت كل جزء من جزئي المعنى مدار ثبوت جزء من جزئي اللّفظ حصل هناك قدران مشتركان لفظا و قدران مشتركان معنى فالأولى أن يكون كل قدر مشترك من اللّفظ موضوعا بإزاء كل قدر مشترك من المعنى و أنه لا بدّ في فهم معاني المشتقات من ملاحظة كل من المادة و الهيئة و تعيينهما لينتقل من ملاحظة المادة إلى بعض المعنى و من ملاحظة الهيئة إلى بعض آخر و لهذا قد يعرف إحداهما و ينكر الأخرى فينتقل إلى أحد جزئي المعنى دون الآخر فلو كان المجموع موضوعا بوضع واحد لما حصل التفكيك في الفهم و كلا الوجهين ضعيف أمّا الأول فلأنّ الأولوية المذكورة على تقدير ثبوتها ترجع إلى مجرد الاستحسان و هو لا ينهض حجة في مباحث الألفاظ و لا يصلح لمعارضة ما قدّمناه من الاستبعاد و أمّا الثاني فلأن تعيين كل من المادة و الهيئة كما لا بدّ منه على الوجه الثاني لكونه تعيينا للموضوع كذلك لا بدّ منه على الوجه أيضا لكونه تعيينا لحدود الموضوع و لا نسلم أن فهم بعض المعنى يستند إلى جزء اللفظ بل إلى كلّه لكن لا خفاء في أنا إذا علمنا أن صيغة معينة موضوعة بإزاء ما دل عليه مصدرها مع أمر آخر يشاركها فيه صيغة أخرى لا جرم ننتقل بالعلم بأحد الأمرين إلى بعض المعنى و ليس ذلك انتقالا من بعض اللفظ إلى بعض المعنى بل من كل اللفظ إلى بعض المعنى و من هنا يتبيّن أيضا دفع ما عساه أن يستند إليه من أن كلا من جزئي المعنى يتبادر من كل من جزئي اللّفظ و ذلك آية كونه موضوعا له و حقيقة فيه و وجه الدفع أنه إنما يتبادر من مجموع اللفظ الموضوع و لو بتعيين بعض حدوده بعض المعنى من حيث كونه في ضمن الكل الملحوظ و لو إجمالا و ليس في ذلك شهادة على تعدد الوضع بل على وحدته و على هذا ينزل كلامنا حيث نتمسّك بأن المتبادر من الهيئة كذا أو من المادة كذا هذا و ربما أمكن أن يقال إن المشتقات و إن وضعت بموادها و هيئاتها بوضع واحد إلا أنّ قضية مشاركتهما فيما مرّ يوجب انحلال وضعها إلى وضعين و إن لم يتعلق قصد الواضع به و لا يخفى ما فيه من التعسّف‏

فصل هل الألفاظ موضوعة بإزاء معانيها من حيث هي أو من حيث كونها مرادة للافظها

وجهان يدل على الأول بعد مساعدة التبادر عليه أمران الأول إطلاقهم بأن الوضع تعيين اللفظ للدلالة على المعنى من غير اعتبار حيثية و يمكن دفعه بأن الحيثية المذكورة إن اعتبرت داخلة في المعنى فاعتباره يغني عن اعتبارها لأنها حينئذ جزؤه و إن اعتبرت خارجة عنه فلا بد حينئذ من اعتباره مقيدا بها كما يدلّ عليه ظاهر معناه الأصلي فلا يصدق على المجرد عنها فلا حاجة إلى التصريح بالقيد الثاني أن الحيثية المذكورة أمر زائد على المعنى فالأصل عدم اعتبارها في الوضع و يضعفه أن الأصل المذكور من الأصول المثبتة و لا تعويل عليها حيث لا يساعدها دليل كما في أصالة عدم النقل و نحوه و يدل على الثاني تبادر المعاني منها عند الاستعمال من حيث كونها مرادة فتكون موضوعة لها بهذا الاعتبار مع أن الغرض من الوضع إنما هو إفادة المداليل و استفادتها بهذه الحيثية فلا بد من اعتبارها في الوضع لئلاّ ينتفي الغرض فيلغو الوضع و يمكن دفع هذين الوجهين بأن تبادر كون المعنى مرادا مستندا إلى ما هو الظاهر من الغرض الداعي إلى الاستعمال كتبادر اتباع الواضع بدليل تبادر المعنى وحده عند تجريد النّظر عن ذلك و حينئذ فلا يلزم من عدم اعتبارها في الوضع عراؤه عن الفائدة على أنه يلزم على تقدير أن تكون الحيثية داخلة في المعنى أن يكون كل لفظ متضمنا معنى حرفيا و هو بعيد عن الاعتبار ثم إن قلنا بأنها موضوعة للمعاني من حيث كونها مرادة سواء اعتبرناها شرطا أو شطرا اتجه أن لا يكون للألفاظ معان حقيقية عند عدم إرادتها ضرورة أن الكل عدم عند عدم جزئه و المقيد من حيث كونه مقيّدا عدم عند عدم قيده و الظاهر أنّ ما حكي عن الشيخ الرئيس و المحقق الطّوسي من مصيرهما إلى أنّ الدّلالة

18

تتبع الإرادة ناظر إلى هذا و تحقيقه أن اختصاص الوضع بالمعنى الذي تعلق به إرادة اللّفظ يوجب انتفائه عند انتفائه فتنتفي الدلالة المستندة إليه و أما ما يرى من سبق المعنى عند العلم بعدم الإرادة فيمكن دفعه على هذا التقدير بأن ذلك انتقال إلى ما يصلح له اللفظ من حيث العلم بالوضع و ليس انتقالا إلى ما وضع له اللفظ بالاعتبار الذي وضع له و الفرق بين الانتقالين هو الفرق بين الانتقال إلى الشي‏ء بحقيقته و الانتقال إليه بوجهه‏

فصل [القول في الدلالات‏]

الدلالة عقلية إن استقل بها العقل كدلالة اللفظ المسموع من وراء الجدار على وجود لافظه و طبعيّة إن كانت بمعونة الطّبع كدلالة آخ على التزجر [التضجّر] و من هذا الباب دلالة أصوات الحيوانات عند أبناء نوعها و وضعية إن كانت بمعونة الوضع و هي إمّا غير لفظية كدلالة الخط على اللفظ أو لفظية كدلالة زيد على مسمّاه و عرّفوا هذه الدلالة بأنها فهم المعنى من اللفظ عند إطلاقه بالنّسبة إلى من هو عالم بالوضع و أورد عليه أولا بأن العلم بالوضع يتوقف على فهم المعنى ضرورة أن الأمور النّسبيّة لا تعقل إلا بعد تعقل طرفيها فلو توقف فهم المعنى على العلم بالوضع كما هو ظاهر التعليق لزم الدّور و جوابه أن العلم بالوضع إنما يتوقف على فهم المعنى و لو من غير لفظه و فهمه منه يتوقف على العلم بالوضع له فلا دور و ثانيا بأن الفهم صفة السّامع و الدلالة صفة اللفظ فلا يصلح أحدهما تعريفا للآخر و أجيب بأنّ المصدر بمعنى المفعول أي مفهومية المعنى من اللفظ أي كون اللفظ بحيث يفهم منه المعنى غاية الأمر أن يكون تعريفا باللازم و لا بأس به عند ظهور المراد و في المقام أبحاث تركناها لقلة الجدوى في إيرادها و ثالثا بأنه منتقض بدلالة زيد على لافظه بالنسبة إلى من كان عالما بوضعه و جوابه أن قيد الحيثية معتبر في التعريف و المعنى فهم المعنى بالنسبة إلى من هو عالم بالوضع من حيث إنه عالم به و ظاهر أنّ الفهم هناك ليس من هذه الحيثية و قد تتحقق الدلالة على معنى واحد باعتبارين كدلالة أنا على المتكلم فيفرق باعتبار الجهتين و رابعا بأن تقييد الفهم بكونه عند العالم بالوضع يوجب فساد عكس الحد لأن الدلالة قد تتحقق عند غير العالم بالوضع أيضا و لو لا ذلك لما صحّ عد التبادر من علامات الوضع و إلا لكان دورا و جوابه أن المراد بالعلم بالوضع ما يتناول العلم الإجمالي و التفصيلي و لا نسلّم أن الفهم في الصّورة المذكورة ينفك عنهما و إنما المسلّم انفكاكه عن أحدهما و لو لا ذلك لما كان اللغات توقيفية أو نقول المراد بالوضع هنا الاختصاص دون التخصيص و لو بالغلبة و إن كان الفرق بينهما عند التحقيق اعتباريّا فما يتوقف عليه الفهم هو العلم بالاختصاص المستفاد من المحاورات دون التخصيص و ما يتوقف على الفهم هو العلم بالتخصيص دون الاختصاص فلا إشكال و يمكن أن تعرف الدلالة المذكورة بأنها إفادة اللفظ للمعنى بسبب الوضع و هو أولى من الحدّ السّابق لسلامته عما فيه من التكلف و هي تنقسم إلى أقسام ثلاثة لأن دلالة اللفظ إما أن تكون على تمام ما وضع له أو لا و الثانية إمّا أن تكون على جزئه أو لا و يسمّى الأولى إن كانت من حيث إن المدلول تمام الموضوع له مطابقة و الثّانية إن كانت من حيث إنه جزؤه تضمّنية و الثالثة إن كانت من حيث إنه خارج لازم له التزاميّة و حيث اعتبرنا في الحدّ قيد الحيثية التعليلية و تركناها في التقسيم استقام الحدّ و صار التقسيم عقليا و إنما اعتبرنا الحيثية تعليلية لا تقييدية إذ لا جدوى في اعتبارها إذ يصدق على الدلالة المقيدة بكونها دلالة اللّفظ على تمام ما وضع له أنها مقيدة أيضا بكونها دلالة على جزئه أو لازمه حيث يكون جزءا أو لازما أيضا لكنها لا تستند إلى الجميع بل إلى أحدها أو المجموع و المراد أن دلالة واحدة لا تستند إلى علل عديدة بل إما أن تستند إلى واحدة منها إذا اتحدت أو المجموع الملتئم من اثنين منها أو الثلاث إذا اجتمعت لأن العلل متى اجتمعت صارت علة واحدة فيخرج عن كونها عللا متعددة و أما إذا قلنا بأنها معرفات أي علامات للمعاني فيجوز أن يجتمع عديد منها على معلول واحد فلا تصير علة واحدة بل يبقى على صفة تعددها و لك أن تقول العلامات علل إعدادية للعلم بالشي‏ء فلا يجوز أن يستند العلم إلا إلى واحدة منها أو المجموع منه (رحمه الله) إلا إذا قلنا بأنها معرفات فيجوز تواردها على محل واحد أو أن العلل الحقيقية إذا تواردت صارت بمنزلة علة واحدة فنلتزم حينئذ بخروج مثل هذه الدلالة عن الحدود الثلاثة و لا بأس به مع دخولها في التقسيم لأن الغرض تحديد الدلالات التي يصح الاستعمال بحسبها و الجمهور لما حاولوا الجمع بين التقسيم و التعريف فمنهم من اعتبر قيد الحيثية و منهم من أهملها فأورد على تقسيم الأول بأن الحصر لا يكون حينئذ عقليا و أنه المقصود و ربما تفصى بعضهم باعتبار قيد الحيثية في غير القسم الأخير و تركها فيه زعما منه أنه‏

لا حاجة إليها في صحة التعريف بعد أخذها في القسمين الأولين و ضعفه ظاهر لورود الإشكال عليه بصدق حدّه عليهما في الفرض الآتي و على التعريف الثاني بأنه ينتقض كل قسم بكل من قسيميه فيما لو كان اللفظ مشتركا بين الكل و الجزء و اللازم أو بأحدهما فيما إذا كان مشتركا بين الكل و الجزء أو الملزوم و اللازم و قد تفصّى عنه بعض من أهمل قيد الحيثية بأن اللّفظ لا يدل بذاته بل باعتبار الإرادة و اللفظ حين يراد منه معناه المطابقي لا يراد منه معناه التضمني فهو يدل على معنى واحد لا غير و هذا الجواب حكاه العلامة عن المحقق الطّوسي و هو يدل بظاهره على أنه جعل مورد القسمة دلالة اللفظ على تمام معناه المستعمل فيه لظهور أن مطلق الدلالة على المعنى لا تتوقف على إرادته كما سبق التنبيه عليه و أنه أراد بالإرادة و الدلالة في قوله لا يراد معناه التضمّني و قوله يدل على معنى واحد الإرادة و الدلالة المستقلتين فيرجع كلامه في التقسيم إلى أن الدلالة الاستعمالية مطابقة إن كان المعنى تمام ما وضع له اللفظ و تضمّن إن كان جزءه و التزام إن كان خارجه اللازم له و لا خفاء في ورود الإشكال عليه أيضا لأن المشترك المذكور إذا استعمل في أحد معنييه من الجزء و اللازم بالوضع أو العلامة صدق عليه أيضا حد الآخر نظرا إلى تحقق الإرادة مع ما فيه من الخروج عما هو المعروف عند القوم من أخذهم مورد القسمة مطلق الدلالة اللفظيّة الوضعية أعني الدلالة التي يكون لوضع اللفظ مدخل فيها حتى إنهم صرّحوا بجواز اجتماع الدلالات الثلاث في إطلاق واحد كالإنسان المستعمل في الحيوان الناطق فجعلوا دلالته على المركّب بالمطابقة و على كل من جزءيه بالتضمّن و على لوازمه ككونه ضاحكا أو كاتبا بالالتزام و الفاضل‏

19

المعاصر وجّه الجواب بتوجيه آخر و أطال الكلام في تقريبه و ملخّص ما ذكره هو أن المراد بدلالة اللّفظ على تمام ما وضع له في حدّ المطابقة دلالته عليه المطابقة لإرادة اللافظ الجارية على قانون الوضع و بدلالته على جزء ما وضع له في حد التضمّن دلالته عليه تبعا لدلالته على الكلّ مطابقة و بدلالته على الخارج اللاّزم في حدّ الالتزام دلالته عليه تبعا لدلالته على الملزوم مطابقة و الدلالة المطابقية كما مرّ تتوقف على الإرادة و هي لا يتحقق في الاستعمال الواحد إلا بالنّسبة إلى معنى واحد فلا تتصادق الحدود على دلالة واحدة و حيث كان في كلام المجيب ما لا يلائم ذلك تعسّف في تأويله فحمل قوله لا يراد معناه التضمّني على معنى لا يراد معناه التضمّني الحاصل بسبب ذلك المطابقي بإرادة مستقلة مطابقية أخرى بالنظر إلى وضعه الآخر و حمل قوله فهو يدل على معنى واحد لا غير على معنى أنه لا يدل إلا على معنى مطابقي واحد و لا يخفى ما في هذا التأويل من التكلف في كلام المجيب و التمحّل في تنزيل الحد إذ القيود التي اعتبرها ممّا لا يساعد عليها لفظ الحد ما لم يعتبر فيه قيد الحيثية و معه يبطل دعوى عدم الحاجة إليها و لا يختصّ الاندفاع بالقول المذكور ثم المطابقة لا تستلزم التضمّن لجواز بساطة المعنى و لا التزام إن اعتبر اللزوم فيه بالمعنى الأخصّ إذ كثيرا ما نتصوّر بعض المعاني و لا يخطر بالبال من تصوّره تصوّر غيره و إن اعتبر بالمعنى الأعم استلزمه إذ لا أقل من أن يستلزم أنه ليس غيره و التضمّن و الالتزام يستلزمان المطابقة لامتناع تعقل الجزء من حيث كونه جزءا و الّلازم من حيث كونه لازما بدون تعقل الكل أو الملزوم ضرورة أن المضاف من حيث كونه مضافا لا يعقل بدون تعقل ما أضيف إليه و على المقام إشكال مشهور و هو أن الفعل موضوع للحدث و الزمان و النّسبة إلى فاعل معيّن فإذا ذكر مع فاعله دل على الأمور الثلاثة و هو معناه المطابقي و إذا لم يذكر معه دل على الحدث و الزمان دون النّسبة لامتناع تعقل النّسبة الخاصة بدون تعقل طرفيها فيتحقق التضمّن بدون المطابقة و هذا الإشكال و إن أورده في الفعل باعتبار دلالته التضمّنية لكنه لا يختص به بل يجري في مثل الموصولات أيضا إذا استعملت بدون الصّلة لأنها موضوعة للمعنى المتعيّن بالصّلة من حيث كونه متعيّنا بها فيمتنع تعقله بدون تعقلها و لا بها بل يجري في الدلالة الالتزامية أيضا كذلك كدلالة ضرب بدون الفاعل على الإيلام و أجيب عنه بوجوه الأول أنّ الدلالة عبارة عن التفات النفس إلى المعنى من حيث كونه مرادا اللاّفظ فهي متأخرة عن تذكر الوضع لتوقفها عليه و هو متأخر عن تذكر طرفيه من اللفظ و المعنى لكونه نسبة بينهما و السّامع ينتقل إلى المعنى تارة من حيث تذكر الوضع و أخرى من حيث كونه مقصود اللافظ من حيث اقتضاء الوضع له و الدلالة هي الانتقال بالاعتبار الثاني دون الأول و حينئذ فالسّامع عند سماع الفعل بدون الفاعل لا ينتقل إلى بعض المعنى من حيث أنه مراد حتى يتحقق التضمّن بدون المطابقة بل إنما يتذكر الوضع فيتصوّر بعض المعنى و ليس ذلك من دلالة اللفظ حتى يتجه الإشكال و فيه نظر لأن هذا المجيب إن بنى على أن اللفظ موضوع للمعنى من حيث كونه مرادا كانت حيثية الإرادة معتبرة في المعنى الموضوع له و هو واحد طرفي النسبة فلا بد من الانتقال إليها قبل تذكر الوضع أيضا على ما يقتضيه التعليل فيكون الانتقال إلى المعنى قبل تذكر الوضع كالانتقال إليه بعده في كونه مأخوذا من حيث الإرادة فيكون دلالة على ظاهر ما اعترف به حيث فسّرها بالانتقال إلى المعنى من حيث كونه مرادا فيعود الإشكال و إن كان بين الإرادة المنتقل إليها لتذكر الوضع و الإرادة المنتقل إليها بعده من الوضع فرق نبهّنا عليه و إن بنى على أنه موضوع للمعنى من حيث هو كما يلوح من بيانه لم يكن لأخذ الإرادة في الدلالة وجه إلا أن ينزّل على اصطلاح مستحدث و هو لا يجدي لورود الإشكال على مطلق الدلالة مع أن ما ادعاه من أن السّامع لا ينتقل بسماع الفعل بدون الفاعل إلى بعض المعنى من حيث كونه مرادا و إن كان عالما بالوضع مجازفة واضحة ضرورة أنا كثيرا ما ننتقل بسماع الفعل إلى إرادة الحدث و الزمان منه قبل سماع الفاعل على أن دعوى تأخر دلالة اللّفظ عن تذكر الوضع المتأخر عن تذكر طرفيه ممّا يكذّبه الوجدان في الألفاظ المتداولة نعم لا بدّ في الدلالة الوضعيّة من العلم بالوضع و لو

إجمالا كما هو الغالب و هو لا يتوقف على تصوّر طرفيه تفصيلا كما هو لازم بيانه و لو كان الانتقال من اللفظ إلى المعنى متوقفا على تذكر الوضع تفصيلا لأدى إلى التسلسل في الوضع الثاني أنا نفسّر الدلالة التي هي المقسم بكون اللفظ متى أطلق إطلاقا صحيحا فهم المعنى منه و إطلاق الفعل بدون الفاعل غير صحيح فلا يدخل في المقسم و فيه مع عدم مساعدته على دفع الإشكال بتمامه لظهور وروده على مطلق الدلالة أن إطلاق الفعل بدون الفاعل إنما لا يصحّ إذا ترك الفاعل في الكلام بالكليّة و أما إذا تعقبه ذكره فلا ريب في صحته و يجري فيه الإشكال لأنه يدل قبل ذكر الفاعل على الحدث و الزمان دون النّسبة لما مرّ الثالث أن التضمّن لا يقتضي المطابقة الفعلية بل يكفي فيه المطابقة التقديريّة فيندفع الإشكال و فيه ما عرفت في تفسير التضمن الرابع أنّ الفعل لا يدل على النّسبة و إنما هي تستفاد من الهيئة التركيبيّة كما في الجمل الاسميّة الصّرفة إذ يبعد أن يكون هيئة ضرب زيد، عاريا عن الوضع و يكون هيئة زيد ضارب موضوعا لإفادة النّسبة و لأنه يفهم النّسبة من الجمل الفعلية على التفصيل و الموضوع للمركب إنما يدل على أجزائه بالإجمال و لأنهم عرفوا الفعل بأنه ما دل على معنى في نفسه أي مستقل بالمفهومية فلو اعتبرت النّسبة في مفهومه لم يكن مستقلا بتمام مفهومه لا يقال العبرة بجزء المعنى إذ المراد بالدلالة الدّلالة التضمّنية و الفعل يستقل في الدلالة على جزء معناه لأنا نقول فينتقض حينئذ طرد الحرف بالفعل و عكس الاسم بالاسم الذي لا جزء لمعناه بل ينتقض طرد الاسم بالحرف أيضا إذ جزء معانيها و هي المفاهيم الكليّة كالابتداء المطلق الذي هو جزء من معنى من و هو الابتداء الخاص يستقل بالمفهوميّة و فيه أولا أن الوجه‏

20

المذكور على تقدير تسليمه لا يجري في غير الفعل و الإشكال المورد في المقام لا يختص به كما مرّ و ثانيا أن منع تضمّن الفعل للنسبة بعيد عن الاعتبار و الوجوه المذكورة في بيانه ضعيفة و الجواب عنها أما عن الأول فبأن الذوق و التبادر شاهدان على الدعوى و رافعان للاستبعاد المدّعى و أمّا عن الثاني فبأن النّسبة معنى حرفي لا يعقل إلا على جهة واحدة و هي جهة الآلية و التبعية في المفهوم فلا يختلف الحال بكونه مدلولا مطابقيا للفظ أو تضمّنيا بخلاف المعاني المستقلة بالمفهومية فإنها تصلح لأن تلاحظ على وجه الاستقلال كما لو دل عليها بدلالة مطابقية و إن تلاحظ على وجه التبعية كما لو دل عليها بدلالة تضمّنية فإنّ أجزاء المركب إنما تلاحظ بملاحظة المركّب تبعا لا مستقلا و أمّا عن الثالث فبأن المراد بالدلالة ما هو أعم من التضمّن و المطابقة فالاسم يستقل بمعناه المطابقي أو التضمّني و الفعل يستقل بمعناه التضمّني فقط و الحرف لا يستقل بشي‏ء منهما أما بالمعنى المطابقي فظاهر و أما بالمعنى التضمني فلأنّ جزء معناه إن كان من ذاتياته فلا ريب في عدم استقلاله بالمفهوميّة لأن الفرد إذا كان موجودا بوجود الآلية و التبعيّة كانت ذاتياته موجودة بذلك الوجود لا محالة و إن لم يكن من ذاتياته فلا بدّ و أن لا يستقلّ بالمفهوميّة و إلا لم يكن المركب معنى حرفيا و حينئذ فلا إشكال و قد تعتبر الدلالة في الاسم و الحرف بطريق المطابقة على ما هو المتبادر منها و في الفعل بطريق التضمن بالنّسبة إلى الحدث و هذا مع عدم مساعدة الحدّ المعروف عليه غير مستقيم في الأسماء لأن منها ما يتضمّن معنى حرفيا كأسماء الإشارة و الضمائر و الموصولات و الأسماء اللازمة للإضافة بناء على أنّ منشأ لزومها للإضافة تضمّنها نسبة الإضافة الخامس أنّ للفعل معنى مطابقيا تفصيليّا هو الحدث و الزمان و النّسبة إلى فاعل معيّن في القصد و معنى مطابقيا إجماليا و هو الذي لاحظه الواضع عند الوضع أعني الحدث و الزّمان و النّسبة إلى فاعل معين عند المستعمل و الفعل إنما يحتاج إلى ذكر الفاعل و تعيينه في الدلالة على معناه المطابقي بالنّسبة إلى الاعتبار الأول دون الثاني فدلالته على جزئه أعني الحدث عند عدم ذكر الفاعل إنما هي بالنّسبة إلى معناه المطابقي الإجمالي فلا محذور و هذا الجواب قريب من التحقيق إلاّ أنه يقتضي أن يكون مدلول الفعل عند عدم ذكر الفاعل إجماليا لا تفصيليّا و لا يخلو من تعسّف فإن المفهوم من الفعل على تقدير ذكر الفاعل و عدمه إنما هو معنى واحد لا يختلف أصلا كما يشهد به النظر الصّحيح و لو لا ذلك للزم الانتقال إلى معنى الفعل الذي تعقبه ذكر الفاعل مرتين تارة إجمالا و أخرى تفصيلا و الوجدان السّليم يكذبه بل التحقيق عندي في الجواب أن يقال تصوّر النّسبة إنما يستدعي تصوّر طرفيها و لو بالوجه فيكفي في تصوّر النّسبة الإسنادية التي تضمّنها الفعل تصوّر المسند إليه و لو بالوجه كتصوره بعنوان كونه فاعلا معينا في نظر المستعمل و لا خفاء في أن تصوّر مدلول الفعل لا ينفك عن تصوّر الفاعل و لو بهذا الوجه و ظاهر أنه لا حاجة في تصوّره كذلك إلى سبق الذكر فلا يلزم تحقق التضمّن بدون المطابقة و على هذا فالفعل بدون الفاعل يدل على معناه التفصيلي و بهذين الوجهين يندفع الإشكال الذي أوردناه في البواقي أيضا و كذلك يندفع أيضا إشكال يمكن إيراده في الحرف تقريره أن الحروف على ما يساعد عليه التحقيق غير مستقلة بالمفهوم لأنها موضوعة لمعان آلية ملحوظ بها حال غيرها من متعلقاتها فيمتنع تجردها في التصوّر عن تصوّر متعلقاتها مع أنا نجد أنها إذا أطلقت مجردة دلت على معانيها ضرورة أن من يدل على الابتداء باعتبار كونه آلة لملاحظة حال غيره و إلى يدل على الانتهاء كذلك إلى غير ذلك و تقرير الدفع على الوجه الأول أن وضعها على الوجه المذكور إنما تنافي دلالتها عند التجرد على معانيها التفصيلية دون الإجمالية كيف و الواضع إنما وضعها بإزاء المعاني التفصيلية بملاحظة تلك المعاني الإجمالية و ظاهر أن دلالتها على معانيها الإجمالية أيضا بالمطابقة فإن قلت كيف يدل اللّفظ بحسب وضع واحد على معنيين بالمطابقة قلت لا تغاير بين المعنيين بحسب الحقيقة بل بمجرد اعتبار الإجمال و التفصيل و على الوجه الثاني أن تصوّر تلك المعاني إنما تستدعي تصوّر متعلقاتها و لو بالوجه و هو لا يتوقف على سبق ذكرها كما سبق‏

تنبيه، [القول في التضمن‏]

قد اشتهر بين أهل العلم أن التضمّن يتبع المطابقة و حمله بعضهم على ظاهره من أن الانتقال إلى الجزء بعد الانتقال إلى الكل و اعترض عليه بأن فهم الجزء سابق هذا مبني على حمل السّبق على السّبق الزماني كما هو الظاهر منه في المقام و اعلم أن الجزء مقدم على الكلّ طبعاً و هو لا يستلزم سبق تصوّره على تصوّر الكلّ منه على فهم الكل فالانتقال إلى المعنى المطابقي بعد الانتقال إلى المعنى التضمني لا قبله و ضعفه ظاهر لأن تصوّر الكلّ إنما يستلزم سبق تصوّر الأجزاء إذا كان تصور تفصيليا و ظاهر أنه غير معتبر في المطابقة و أما سبق تصوّرها على تصوره تفصيلا فليس من الدلالة الوضعية لعدم استناده بهذا الاعتبار إلى الوضع و إن استند إليه باعتبار سبق الإجمال و ذهب جماعة من المحققين إلى أن التضمّن فهم الجزء في ضمن الكل فالدلالتان متحدتان ذاتا متغايرتان بحسب الاعتبار و الإضافة و حملوا التبعيّة على التبعيّة لما هو المقصود من الوضع أعني الدّلالة على المجموع من حيث المجموع و يمكن أن يجعل التبعيّة في الدلالة بحسب الاعتبار و فيه نظر لأنه ينتقض حصر الأقسام حينئذ بدلالة اللّفظ على الجزء بعد دلالته على الكل و لو بضميمة قرينة فأنّها داخلة في الدلالة اللفظية الوضعيّة قطعا على ما فسروها به مع أنها ليست بأحد أقسامها فالتحقيق أن يحمل التضمن على ما يعم القسمين ليستقيم الحصر أو يقتصر على الوجه الأول لأن التضمّن بالمعنى الّذي ذكروه داخل في المطابقة و لا يلزم حصر المقسم في التقسيم بجميع اعتباراته ثم المشهور أنّ العبرة في الالتزامية باللزوم و عدم الانفكاك في الجملة و قيل بل يعتبر اللزوم الذهني و هو مبني على تفسير الدلالة بأنها كون اللّفظ بحيث كلما أطلق عند العالم بالوضع فهم منه المعنى و أشكلوا عليه بلزوم خروج دلالة معظم أقسام المجاز منها لانتفاء اللّزوم بالمعنى المذكور

21

فيها واجب بأن دلالتها إنما تعتبر مع القرينة و لا ريب أنها حينئذ لازمة للفظ و مطردة و أورد عليه بأن الملزوم إن كان المجاز مع القرينة فالقرينة قد تكون غير اللفظ فلا تكون هذه الدلالة قسما من الدلالة اللّفظية و قد جعلوها منها و إن كان اللفظ حين مقارنته للقرينة أو حال وجود القرينة فاللزوم حينئذ ممنوع لعدم لزوم القرينة فإنهم صرّحوا بأن حركة الأصابع غير لازمة لذات الكاتب حال الكتابة و إن امتنعت بدونها نظرا إلى عدم لزوم الكتابة له و إن كان اللّفظ بشرط القرينة أو بشرط مقارنة القرينة فاللزوم مسلّم لكن الملزوم حينئذ إنما هو المجموع المركّب من المجاز و القرينة أو مقارنتها له على حدّ قولهم في المشروطة العامة أن الملزوم هو المجموع المركب من ذات الكاتب و صفة الكتابة فيكون الدال هو المجموع المركب من المجاز و القرينة أو مقارنتها لأنه الملزوم فيعود الإشكال الأول و الجواب أنا نختار القسم الأخير و هو أن الدال هو اللفظ بشرط القرينة أو بشرط مقارنتها و لا نسلم أنه يلزم من ذلك أن يكون الدّال مجموع اللفظ و القرينة أو مقارنتها كيف و قضيّة الشرطيّة خروج الشرط بل الدال حينئذ إنما هو المشروط أعني اللّفظ و القرينة معتبرة في دلالته أ لا ترى أن قولنا كل كاتب متحرك الأصابع بشرط الكتابة أو ما دام كاتبا إنما يقتضي ثبوت حركة الأصابع لذات الكاتب لا للمجموع المركب من ذات الكاتب و صفة الكتابة إذ ليس للمجموع أصابع يثبت لها الحركة و بالجملة فاشتراط دلالة المجاز بالقرينة أو بمقارنتها من قبيل اشتراط أصل الدلالة بالعلم بالوضع فكما لا يوجب ذلك كون الدال هو المجموع المركب من اللّفظ و غيره فكذلك الاشتراط فيما نحن فيه و قد يعترض على تقدير أخذ الشرط مقارنة القرينة بأنه يلزم فهم تلك المقارنة عند الدلالة و أن الوجدان يكذبه و جوابه أنّ الشرط ليس مفهوم المقارنة بل ما صدق عليه المقارنة و لا ريب أن الدلالة لا تتحقّق إلاّ بعد إدراكه ضرورة أنّ مجرد إدراك لفظ أسد و لفظ يرمي لا يوجب الانتقال إلى الرّجل الشجاع ما لم تلاحظ مقارنة أحدهما للآخر و انضمامه إليه سلّمنا لكن اشتراط المقارنة لا يوجب اشتراط العلم بها و إنما يوجب حصولها عند الانتقال و لا ريب في اعتباره فظهر مما ذكرناه أن القولين متقاربان و إنما يظهر الثمرة بينهما في كون المعنى المنتقل إليه بمعونة القرائن هل هو مدلول التزامي للفظ مطلقا أو بشرط مقارنة القرينة و الأمر في ذلك سهل‏

تتميم‏

فالمطابقة بالمعنى المذكور لا تتناول المجاز و أما التضمّن فإن فسّر بفهم الجزء في ضمن الكل لم يتناوله أيضا و إن فسّر بفهم الجزء بعد فهم الكلّ أو بأعمّ من ذلك دخل بعض أقسام المجاز فيه و دخل البواقي في الالتزام على ما مرّ الإشارة إليه فإن قلت لا يخلو إمّا أن يراد بالوضع في الحدود الثلاثة الوضع الشخصي أو الأعمّ منه و من النّوعي فإن أريد الأول لم ينحصر الأقسام في الثلاثة لخروج الموضوعات بالأوضاع النوعيّة كالمشتقّات منه و إن أريد الثاني دخل المجاز بأنواعه في المطابقة بناء على أنها موضوعة بالوضع النوعي فينحصر الدلالة فيها قلت ليس المراد بالوضع خصوص الوضع الشخصي و لا مطلق الأعمّ منه و من النوعيّ بل المراد به الوضع الحقيقي المتناول للأوضاع الشخصيّة و جملة من الأوضاع النوعيّة لأنّه المتبادر من إطلاق الوضع فلا يتناول المجاز فيندرج في القسمين الأخيرين على أنّا لو قلنا بأنّ المراد به المعنى الأعمّ لا يلزم انحصار الدّلالة في المطابقة إذ لا يصح التجوّز بالنّسبة إلى جميع المعاني التضمّنية و الالتزاميّة و مع الإغماض عن ذلك فغاية ما في الباب أن يلزم صدق كل من حدّ التضمّن أو الالتزام و حدّ المطابقة في المجاز باعتبارين و لا بأس به مع اختلاف الحيثية و قد تفسّر المطابقة بدلالة اللفظ على تمام معناه و التضمّن بدلالته على جزئه و الالتزام بدلالته على خارجه اللازم و يعتبر الحيثية احترازا عن تداخل الأقسام و على هذا فالمجاز بأنواعه من المطابقة و يثبت لها تضمّن و التزام كالحقيقة ثم لنا على الحدود المذكورة للدلالات إشكال و دفع أمّا الإشكال فبيانه أنّ المراد باللّفظ في هذه الحدود أمّا خصوص المفرد أو الأعمّ منه و من المركب فإن كان الأول لم يستقم حصرها في الثلاثة لخروج لوازم المركبات منه كالجود اللازم لكثرة الرّماد و التردّد اللاّزم لقولك تقدّم رجلا و تأخر أخرى و غير ذلك فإنّ هذه الدلالة مستندة إلى وضع اللفظ فهي لفظية وضعيّة و ليست أحد الأقسام كذلك و يخرج عنها دلالة المركبات على معانيها التركيبية باعتبار كونها كذلك لكن يمكن إدخالها حينئذ في المطابقة باعتبار مفرداتها و خروجها عنها بالاعتبار المذكور غير قادح إذ المعتبر في التقسيم حصر ذات المقسم في أقسامه لا حصره فيها بجميع الاعتبارات الطارية عليه و إن كان الثاني لزم أن يكون دلالة المركبات على تمام معاني بعض مفرداته بالتضمّن لأنه جزء من المركب الذي دل عليه اللّفظ بالمطابقة مع أن دلالتها عليه باعتبار بعض مفرداته دلالة عليه بالمطابقة لا غير فيلزم أن يكون دلالته عليه أيضا بالمطابقة فيكون دلالة واحدة ذاتا و اعتبارا مطابقة و تضمّنا و هو محال و أمّا الدفع فتقريره أنا نختار أن المراد باللّفظ ما يعم المفرد و المركّب كما هو الظاهر من إطلاقه و لا نسلّم أنه يصدق على الفرض المذكور كل من حدّي المطابقة و التضمّن بل يصدق عليه حدّ المطابقة فقط دون التضمّن أمّا أنّه يصدق عليه حد المطابقة فلما مرّ من أنّ المركب باعتبار دلالة بعض مفرداته عليه بالمطابقة فيكون دلالته عليه بالمطابقة و أمّا أنه لا يصدق عليه حدّ التضمّن فلأن المركب لا دلالة له على الجزء حقيقة و إنما الدال عليه الجزء و نسبة الدلالة عليه إليه مجاز في الحقيقة و المعتبر في التضمّن أن يكون الدلالة ثابتة للفظ على الحقيقة و دلالة اللّفظ على جزء معناه المطابقي إنما يلزم أن يكون تضمّنية إذا كان اللّفظ مفردا و إن كان جزء من مركّب و إلاّ جاز أن يكون دلالته على الكل بالمطابقة و على الجزء أيضا بالمطابقة هذا كلّه على ما نراه من أنّ المركبات لا وضع لها مغاير الوضع مفرداتها و أمّا على القول بأن لها وضعا مغايرا فلا خفاء في صدق التضمّن عليها بهذا الاعتبار أيضا و لا إشكال لاختلاف الحيثية

فصل [انقسام اللفظ إلى مفرد و مركب‏]

و ينقسم اللفظ ببعض الاعتبارات إلى مفرد و مركب و قد شاع تعريف المفرد بما لا يقصد بجزء منه‏

22

الدلالة على جزء المعنى و بما لا يراد بجزء لفظه الدلالة على جزء المعنى و المركب بخلافه و إنما اعتبروا القصد و الإرادة لئلا ينتقض الحدّ بالأعلام المركبة و نحوها كالحيوان الناطق علما [لإنسان‏] للإنسان فإنه و إن صدق عليه عند إطلاقه عليه بحسب وضعه العلميّ أن جزء لفظه يدلّ على جزء معناه العلميّ لكن تلك الدلالة غير مقصودة و لا مرادة في ذلك الإطلاق أقول إن اعتبروا التقسيم للفظ مقيسا إلى معنى واحد و فسّروا الموصولة به و اعتبروا قيد الحيثية في الحدّ فلا حاجة في الاحتراز المذكور إلى اعتبار قيد القصد و الإرادة و لا إلى ذكر اللفظ إذ يكفي أن يقال المفرد ما لا يدل جزئه على جزء معناه من حيث إنه كذلك و المركب بخلافه فيحصل الاحتراز المذكور و إلاّ فلا فائدة في الاعتبار القصد و الإرادة في ذلك لأنه يصدق على الحيوان الناطق المستعمل في معناه العلميّ أنه لفظ قصد بجزء منه الدلالة على جزء معناه و لو بحسب استعمال آخر و كذا يصدق عليه حد الإفراد باعتبار التركيب مع أن القصد و الإرادة لا مدخل لهما في الإفراد و التركيب فإنّ اللّفظ الدّال بجزئه على جزء معناه من حيث إنه كذلك مركب سواء قصدت تلك الدلالة أو لم يقصد و مثله المفرد نعم يتجه ذلك في حدّ المركب على قول من جعل الدلالة فرع الإرادة و قد تقدّم الكلام فيه و أما حدّ المفرد فلا يستقيم على القولين لصدقه على المركّبات التي لا يقصد بها معانيها أصلا ككلام النائم و السّاهي و من حدّ المفرد بما وضع لمعنى و لا جزء له يدل فيه أي في ذلك الوضع و المركّب بخلافه كالحاجبي فقد سلم عمّا عدا المناقشة بترك الحيثية و يمكن أن يكون التعويل فيه على الوضوح لكن يرد عليه و على الحدين السابقين أنه يلزم أن يكون نحو ضارب و مخرج مركبا الدلالة كل من المادة و الهيئة فيهما على جزء المعنى على ما تقرر عندهم و لا يعيدان إلاّ مفردا و هذا الإشكال مبني على أن يكون الهيئة عبارة عن الحركة و السّكون و الحرف الزائد كما هو الظاهر دون الكيفيّة الاعتباريّة الطّارية على اللفظ بانضمام الحركة و السّكون و الحرف الزائد إليه فإنّها حينئذ تكون لفظا قطعا و أن يكون الحركة و السّكون صوتا لا كيفيّة طارئة عليه كجهره و همسه و أن لا يكون السّكون مجرد عدم الحركة بل أمر وجوديّ يستلزم ذلك المعنى العدمي و ذلك لأنّها تسمع مع الحروف ابتداء و ما يكون كذلك يكون صوتا و لفظا لا محالة و إلاّ فلا ورود للإشكال المذكور لأن الهيئة إمّا أن تكون نفس الحركة أو السّكون أو المركب منهما و من الحرف الزائد و كيف كانت فهي لا تكون لفظا أمّا على الأوّل فظاهر و أمّا على الثاني فلأنّ ما لا يكون بعضه لفظا لا يكون كلّه لفظا فلا يكون جزء منه نعم قد يقال علي تقدير أن لا تكون الهيئة لفظا إنه لا ينافي في كونها جزء من اللّفظ فإن جزء الشي‏ء لا يلزم أن يكون من جنسه كما في العدد فإنّه مركب من الواحد و ليس منه و قد يجاب عن الإشكال المذكور أن المراد بالجزء الجزء المترتب في السمع و لا ترتيب بين المادة و الهيئة في ذلك فلا ينتقض به الحدّ إلا أن يقال لا إشعار في لفظ الحدّ بذلك فيفسد من هذه الجهة و الحق أنّ هذا التوجيه على بعده لا ينهض بدفع الإشكال بتمامه لتوجّه النقض بعد بنحو ضربا و رجل و ضربة و هندي لترتب الأجزاء فيها و التزام التركيب في مثلها تعسّف و بالتأكيد اللفظي إذا أخذه مع مؤكده إذ لا دلالة لكل منهما على جزء المعنى بل على تمامه مع أنه مركب قطعا و أمّا إذا اعتبرت دلالة الهيئة دخل في المركب لأنها تدل على التأكيد و هو جزء المعنى هذا إذا حمل الدلالة على المطابقية كما هو الظاهر و إن حمل على الأعمّ منها و من التضمّنية اتجه النقض بالتأكيد في البسائط فقط هذا محصّل الكلام في حدّ المفرد و المركب على طريقة المنطقيين و أما حدّهما على طريق النحاة فمنه ما ذكره بعض المحققين من أنّ المفرد هو اللّفظ بكلمة واحدة و المركب بخلافه و أراد بالوحدة الوحدة العرفية ليدخل في المفرد نحو ضارب و هندي لأنه يعدّ عرفا كلمة واحدة و في حدّ المركب نحو غلام زيد و عبد اللَّه علما لأنهما يعدّان عرفا مركّبين من كلمتين و اعترض عليه بلفظ إن شاء فإنه مركب من لفظ إن و شاء و لا يعدّ إلا مفردا و يمكن‏

الجواب بأن العبرة في تحقق التركيب اعتباره حال الوضع أو ظهوره منه لا مطلق حصوله و لا نسلّم أن اللفظ المذكور كذلك فإن قلت الفتحة التي في آخر الفعل جزء منه فلا بدّ في تحققه من اعتبارها و لو تقدير الحال الوقف بخلاف الاسم المعرب فإنه يوضع مجرّدا عن الحركات فلا يتحقق التركيب في الكلمة المذكورة قلت هذا إنما يتم إذا تعيّنت كلمة شاء للفعليّة و ليست كذلك لأنها قد تأتي اسما معربا مع عدم اختصاص مورد النقض بها لجريانه في مثل انطباق و انحساب و ياقوت و نحو ذلك ثم على الحد إشكالان الأول أن المراد بالكلمة إن كان معناها اللغوي تناول الكلام الواحد و المهمل و إن كان معناها الاصطلاحي لزم الدور لأنها المحدود باللفظ الموضوع لمعنى مفرد و أجيب بعد اختيار الأخير بأن هذا الحدّ تعريف لفظيّ لمن عرف معنى الكلمة في الاصطلاح و لم يعرف معنى لفظ المفرد و الذي يتوقف عليه معرفة الكلمة إنما هو معنى المفرد فلا دور الثاني أن لفظ اللفظ مستدرك إذ لو قيل إنه كلمة واحدة لكفى و الجواب أن ذكر العلم و تعقيبه بالخاص مما لا غبار عليه سيّما في الحدود التي يقصد فيها التنبيه على أجزاء المحدود و لوازمه و هذا ظاهر

فصل [إطلاق اللفظ و إرادة نوعه أو فرد مثله أو شخص نفسه‏]

قد يطلق اللفظ و يراد به نوعه مطلقا أو مقيدا كما يقال ضرب موضوع لكذا أو فعل أو إنه في قولك زيد ضرب خبر إذا لم يقصد به شخص القول و قد يطلق و يراد به فرد مثله كقولك زيد في قولك ضرب زيد فاعل إذا أريد به شخص القول و ربّما يرجع هذا كسابقه إلى القسم الأول إذا كانت الخصوصيّة مستفادة من خارج و أمّا لو أطلق و أريد به شخص نفسه كقولك زيد لفظ إذا أردت به شخصه ففي صحته بدون تأويل نظر لاستلزامه اتحاد الدال و المدلول أو تركب القضيّة من جزءين مع عدم مساعدة الاستعمال عليه ثم الدلالة المذكورة ليست بالوضع و إلاّ لكانت جميع الألفاظ موضوعة لاشتراكها في هذه الدلالة و هو ظاهر

23

الفساد و أيضا يلزم أن يكون جميع الألفاظ الموضوعة مشتركة و هو مما لم يقل به أحد و لا بالطّبع سواء أريد به طبع اللّفظ أو اللافظ أو السّامع و الوجه ظاهر و لا بالعقل على ما يذهب إليه الوهم لأنه إن أريد أن دلالة اللفظ على إرادة اللّفظ منه عقلية فظاهر الفساد إذ لا ملازمة و لا اطراد كما هو شأن العقليات و إن أريد أن دلالة اللّفظ على نفس اللّفظ عقليّة فممنوع أمّا في الصورة الأولى فلأنّ تصوّر الشخص مطلقا لا يستلزم تصوّر نوعه أو صنفه و أمّا في الصّورة الثانية فلظهور أن لا ملازمة بين تصوّر لفظ و تصوّر لفظ مماثل له و هذا مما لا سترة عليه اللّهم إلا أن يفسّر الدلالة العقلية بمعنى آخر على أن مجرد الدّلالة لا يصحّح الإرادة و إلاّ لجاز أن يقال ديز متكلّم و بيز قائم لدلالتهما على اللافظ الموصوف بتلك الصّفتين و فساده مما لا يخفى على أحد بل الحقّ أن هذه الدلالة أنما تستفاد من اللفظ بواسطة قرائن مقامية أو مقالية كما في المجاز فإن قولك اسم أو فعل أو مبتدأ أو نحو ذلك قرينة ظاهرة على أن المراد بزيد أو ضرب مثلا نفس اللفظ دون المسمّى و المعنى و لهذا تجد أنّ الذهن لا ينصرف إليه إلاّ بعد ملاحظة القرينة و المجوّز لهذا النوع من الاستعمال أنما هو العقل و الطبع نظرا إلى وجود المناسبة الصّوريّة بينهما أعني المشابهة اللفظية و هذا نظير ما نقول به في باب المجاز على ما سيأتي لا يقال يجوز أن يكون الدّال على اللفظ في قولك زيد مبتدأ مثلا مقدر أو يكون الغرض من ذكر زيد تعيين المشار إليه فقط و يكون الكلام في قوة قولنا زيد هذا اللفظ مبتدأ لأنا نقول هذا تعسّف ظاهر و الوجدان أن يشهد على أن زيدا في الكلام المذكور هو المبتدأ و الدّال دون المقدر و زعم العلاّمة التفتازاني أن هذه الدلالة لم تنشأ عن وضع قصدي ليلزم الاشتراك في كل لفظ موضوع بل إنما نشأت من الاصطلاح و الاتفاق حيث جرت طريقتهم على إطلاق الألفاظ و إرادة أنفسها و فيه نظر لأنه إن أراد أنّهم اتّفقوا أولا على هذا الاستعمال غلطا ثم صحّ الاستعمال لاتفاقهم فهو غلط لا يلتزم به أحد و إن أراد أنه قبل الاتفاق كان هناك ما يصحّح الإطلاق ثم إنه زال بعد وقوع الاتفاق أو غلب عليه أثر الاتفاق فمدفوع بأنّ الاتفاق لم يتحقق إلاّ بالنّسبة إلى بعض الألفاظ و هذه الدّلالة متحققة بالنسبة إلى الجميع و احتمال أن يكون الاستعمال في البعض المتفق عليه على وجه ينشأ منه وضع نوعيّ مع بعده جدّا ممّا لم يساعد عليه وجدان و لا برهان فانقدح ممّا ذكرناه من أن هذه دلالة بالقرينة ما اشتهر بينهم من انحصار الدّلالات في العقلية و الطبعيّة و الوضعيّة إلا أن تفسّر العقلية بما لا يكون للوضع و الطّبع مدخل فيه فتدخل فيها و كذلك ينقدح حصرهم للاستعمال الصّحيح في الحقيقة و المجاز لخروجها عن حدّ الحقيقة و هو ظاهر و كذا عن حد المجاز إذ قد لا يكون له معنى وضع له مع أنّهم أرادوا بالعلاقة العلاقة التي تكون بين المعنى الحقيقي و المستعمل فيه كما يفصح عنه كلماتهم و ظاهر أنّها غير متحقّقة في المقام‏

فصل [هل دلالة الألفاظ على معانيها ذاتية أو وضعية؟]

حكي عن سليمان بن عبّاد الصّيمري القول بأنّ دلالة الألفاظ على معانيها ذاتية إذ لو كانت وضعيّة للزم الترجيح من غير مرجح و قد يعزى إليه القول بأن الوضع لمناسبة ذاتية و إلا لزم التّرجيح من غير مرجّح و وافقه على ذلك بعض من تأخر عنه و أنكره الأكثرون فجعلوا الدّلالة وضعيّة و الوضع مجرّدا عن مناسبة ذاتية و احتجوا عليه بأنه لو كانت الدلالة أو الوضع لمناسبة ذاتية لامتنع اشتراك لفظ بين الضّدين لأنّ ما يناسب أحدهما لا يناسب الآخر و التالي باطل لاشتراك القرء بين الحيض و الطّهر و الجون بين الأسود و الأبيض و غير ذلك كالغابر للزمان الماضي و المستقبل بنصّ أهل اللغة و شهادة العرف و الحق أنّ مستند القولين ضعيف أما الأول فلجواز أن يكون المرجّح أمرا آخر غير المناسبة الذاتية لعدم انحصاره فيها و أما ما أجاب به المنكرون من أنّ إرادة الواضع مرجحة فهو بظاهره مبني على القول بجواز الترجيح من غير مرجّح و الحق خلافه و أما الثاني فلجواز أن يشترك الضّدان في معنى ذاتي يكون بينه و بين اللفظ المشترك مناسبة ذاتية أو يكون للفظ جهتان ذاتيتان يناسب بكلّ منهما كلا منهما فالتحقيق أن القائل بالمناسبة الذاتية إن أراد أنّ دلالة الألفاظ في موارد الاستعمال ذاتية أو أنها ملحوظة عند كلّ واضع ففساده أجلى من أن يحتاج إلى البيان إذ يشهد ببطلانه صريح الوجدان على أنّه لو تم الأوّل لزم أن لا يجهل أحد شيئا من اللغات و لو تمّ الثاني لامتنع النقل و الهجر لامتناع تخلّف ما بالذّات عنها و إن أراد أن هناك مناسبات خفيّة لا يطلع عليها إلا الأوحدي من النّاس أو ادعى ذلك بالنّسبة إلى بعض الألفاظ أو اللغات الأصلية فهذا و إن لم يقم دليل عليه ظاهرا إلا أنه لا دليل على فساده لا سيّما إذا قلنا بأنّ الواضع هو اللَّه تعالى أو أنّ الوضع بإلهامه هذا

[القول في الواضع‏]

ثم اختلف القائلون بالوضع في تعيين الواضع فذهب الأشعري و جماعة إلى أنه اللَّه تعالى و ذهب أصحاب أبي هاشم إلى أنه البشر إمّا واحد أو أكثر و أنّ التعريف حصل بالإشارة و الترديد بالقرائن و ذهب أبو إسحاق الأسفراني إلى أن القدر الضروري يعني المحتاج إليه في الاصطلاح من اللَّه تعالى و الباقي من البشر احتجّ الأولون بأمرين الأوّل قوله تعالى و علّم آدم الأسماء كلّها وجه الدّلالة أنّ المراد بالأسماء إمّا معناها الأصلي أعني العلامات فيتناول الألفاظ لكونها علامة لمعانيها و التعليم فرع الوضع أو معناها العرفي أعني ما يقابل الأفعال و الحروف فيدل على وضعه لها بتقريب ما مرّ على وضعه لهما لتعسّر أداء المراد بها غالبا بدونهما و لعدم قائل بالفصل و يرد عليه أن حمل الأسماء على معناها العرفي باطل لتأخره عن ورود الآية و حملها على العلامات لا يتناول الألفاظ إلاّ على تقدير ثبوت كونها علامة فعليّة بالنّسبة إلى حال التعليم كما هو أحد الاحتمالين في جميع الوصف المعرف و هو في محل المنع و قد يجاب بأن المراد بالتعليم إلهام الحاجة إلى الوضع و الإقدار عليه أو بأن المراد بالأسماء صفات الحقائق و خواص الطّبائع أو بأنه على تقدير تعليمه تعالى لا يلزم كونه تعالى واضعا لجواز سبق الوضع من مخلوق سابق و يضعّف الأول‏

24

بأنه مجاز في التعليم و الثاني بأنه يوجب التجوّز في التعليق أو في مورده أو التقدير و على التقادير فهو خروج عن الظاهر من غير قرينة فتدبّر و الضمير في عرضهم راجع إلى المسمّيات دون الأسماء بدليل قوله تعالى أنبئوني بأسماء هؤلاء و الثالث بأصالة عدم سبق الحادث الثاني قوله تعالى و اختلاف ألسنتكم وجه الدلالة أنه تعالى جعل اختلاف الألسنة من آياته و ليس المراد به العضو المخصوص إذ ليس له اختلاف بيّن بحيث يصلح لأن يفرد من بين الجوارح بالذكر مع أنّ الاختلاف في غيره أشدّ و أظهر بل المراد اختلاف اللغات بالتوسّع فيها بعلاقة السّببيّة أو في الإضافة أو بتقديرها مضافا أو ظرفا و إنما يكون اختلافها من آياته إذا كان هو الواضع لها و فيه أنّ كون اختلاف اللغات من آياته لا يستلزم أن يكون هو الواضع لها بل يكفي فيه إقدار عباده على ذلك بل هو أحرى بأن يكون آية احتج أصحاب أبي هاشم بقوله تعالى و ما أرسلنا من رسول إلاّ بلسان قومه حيث دل على سبق اللغة على الإرسال فلو كان الواضع هو اللَّه تعالى لتقدم الإرسال عليها لتوقف البيان عليه و فيه أن المتبادر من الرّسول الشخص المبعوث لتشريع الأحكام و تبليغها عنه تعالى إلى الأنام فلا ينافي سبق الإرسال لتعليم اللغة عليها و لو سلم فيجوز أن يكون البيان بطريق التعليم دون الرسالة و قد يجاب أيضا بأن التعليم يجوز أن يكون بطريق خلق الأصوات أو العلم الضروري و الأول لا ينفك عن الثاني فيما يتوقف عليه الإفهام و ردّ بأنه خلاف المعتاد فلا أقل من أن يظن بخلافه إن لم يقطع به احتج أبو إسحاق على أن القدر المحتاج إليه في الاصطلاح من اللَّه تعالى أنه لو كان من البشر لدار أو تسلسل لتوقفه على اصطلاح آخر و فيه أن طريق العلم بالأوضاع لا ينحصر في الألفاظ لإمكانه بطريق الإشارة و الترديد بالقرائن الحالية كالأطفال يتعلمون اللغات من غير سبق علم منهم بلغة

فصل [بحوث في المجاز]

[كيفية وضع المجاز، و هل يعتبر نقل الآحاد في صحته‏]

الجمهور على أنّ المجاز موضوع بالوضع التأويلي التّعيينيّ النوعي و أن صحّته متوقفة على نقل النوع و لا حاجة إلى نقل الآحاد و خالف في ذلك شرذمة فاعتبروا نقل الآحاد و يلزمهم أن يكون المجازات التي أحدثها فصحاء المتأخرين و غيرهم ممّا لا يسع أحد حصرها غلطا و هو غلط لا يلتزم به ذو مسكة و ربما فصّل بعض الأفاضل بين الألفاظ التي ضبطوا معانيها المجازية كالحروف و صيغ الأمر و النّهي و بين غيرها فاقتصر في الأول على القدر المنقول دون الثاني فإن أراد الظاهر في الصّورة الأولى أن لا يكون هناك معنى آخر يكون بينه و بين معانيها الحقيقية علاقة معتبرة لحصرهم المعوّل فيه عندهم على الاستقراء فله وجه إن ثبت منهم في مقام حصر و إلاّ فضعفه ظاهر ثم ذكر جماعة أن أنواع العلاقة ترتقي إلى خمسة و عشرين نوعا و نحن نذكر عدة منها و يمكن إرجاع البواقي إليها و هي المشابهة إمّا بالاشتراك في الشكل كالفرس للصّورة المنقوشة أو الجسم المعمول على هيئته أو في صفة ظاهرة كالأسد للرّجل الشجاع و احترزوا بقيد الظهور عن إطلاقه على الأبخر و نحوه فإنه لا يصحّ و أنّ معناه المستعمل فيه كان على معناه الأصلي كالعنب للعصير و أنه يئول إليه كالعصير للعنب و كونه جزءه كالأصابع للأنامل و بالعكس كالرقبة للإنسان و العين للرّبيئة و اشترطوا في هذا النوع أن يكون الجزء من مقوّمات الكل حتى إنه يصحّ إطلاق العين على الرّبيئة من حيث كونه ربيئة و لا يصحّ إطلاقه عليه من حيث كونه إنسانا و كونه أعم منه كالمرسن للأنف أو أخصّ منه كالأنف للمرسن إذا أريد به من حيث الخصوصيّة و كونه مسبّبا عنه كالغيث للنبات أو سببا له كالنبات للغيث أو مشروطا به كإطلاق الإيمان على الصّلاة في قوله تعالى و ما كان اللَّه ليضيع إيمانكم على ما قيل و كونه حالاّ فيه كالقرية لأهلها و عكسه كعكسه و كونه مظروفا له كالنّهر لمائه و عكسه كعكسه و كونهما في محل واحد كالحياة للعلم و المجاورة في الخارج في محلين أو حيّزين و مثل بإطلاق السّلطان على الوزير أو في الخيال كإطلاق أحد الضّدين على الآخر لأنهما كالمتلازمين في التصوّر كما في قوله تعالى و جزاء سيئة سيّئة مثلها فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم أو في الذكر و يعبّر عنها بعلاقة المشاكلة أيضا و مرجعها إلى التعبير عن الشي‏ء بلفظ غيره لوقوعه في جنبه كإطلاق الطبخ على الخياطة في قوله قالوا اقترح شيئا نجد لك طبخه قلت اطبخوا لي جبّة و قميصا و من حصر العلاقة في الاتّصال صورة أو معنى أراد بالاتصال الصوري علاقة المشاكلة و بالاتصال المعنوي البواقي و منهم من جعل إطلاق الطبخ على الخياطة لعلاقة المجاورة في الخيال لأنّ خياطة الجبّة و القميص لمّا كانت مطلوبة عنده ارتسم صورتها في خياله لكثرة ما ناجى به نفسه فإذا أورد صورة الطبخ في خياله جاز أن يعبّر به عنها و ردّ على من جعل الاستعمال فيه بعلاقة المجاورة في الذكر بأنّ الأكثر لم يذكروها و أنّ حصولها بعد الاستعمال و العلاقة لا بدّ أن تكون حاصلة قبله و يمكن دفع الأول بأن الأكثر لم يحافظوا على حصر الأنواع فلا يكون في عدم ذكرهم لها و دلالة على عدم اعتبارها و الثاني بأنّ المراد بالمجاورة ما يتناول المجاورة الشأنية و هي حاصلة قبل الاستعمال أيضا هذا و التحقيق عندي أن هذه العلاقة و التي قبلها ممّا لا عبرة بهما فإنّ إطلاق أحد الضّدين على الآخر ليس للمجاورة في الخيال للقطع بأنها غير ملحوظة عند الاستعمال على ما هو شأن العلاقة المصحّحة بل إمّا لعلاقة التضاد أو لغيرها من العلاقات فإنّ كون الشي‏ء فرد المفهوم أحد الضّدين يصحّح تنزيله منزلة كونه فردا لمفهوم الضدّ الآخر و استعارة لفظه له قصدا إلى التمليح أو التّهكم كقولك للجبان هو أسد فتنزل ما فيه من الجبن منزلة الشجاعة أو تنزّله منزلة أحد أفراد الشجاع قصدا إلى ما ذكروا العلاقة هي التضاد بالتأويل المذكور و قد يطلق عليه اسم الضدّ لعدم الاعتداد بما فيه من الوصف كقولك للعالم هو جاهل أو للمشابهة و منها إطلاق السّيئة على مجازات السّيئة حيث إنّها تقع على صورة السّيئة و إن تجرّدت عن وصفها و يجوز أن يكون لعلاقة الثانية لأنها من شأنها أن تكون سيئة و إن عرت عنها بالعرض كما في إطلاق المنكر على الخمر المراقة و أن يكون لعلاقة السّببيّة و المسببيّة حيث إنها مسبّبة عنها و أمّا إطلاق الطبخ على الخياطة فليس لعلاقة المجاورة بكلا قسيمها لما مرّ من أنّها غير ملحوظة في إطلاقها

25

بل لعلاقة الاشتراك في المطلوبيّة و تحقيقه أن السامع ينزّل ما هو مطلوب عنده واقعا من الجبّة و القميص منزلة ما فرضه السّائل مطلوبا له من الشي‏ء المطعوم الذي واعده على بذله بدليل نسبة الطبخ إليه فهو يدّعي اتحادهما في الجنس قصدا إلى إلزام المخاطب على حسب ما التزم به و على هذا فكل من الجبة و القميص استعارة بالكناية لعلاقة الاشتراك في وصف المطلوبيّة و هي و إن كانت في نفسها ضعيفة لكنها تقوى بالنكتة المذكورة أعني ترتب الإلزام بالفعل المطلوب و نسبة الطبخ حينئذ إلى الجبّة و القميص من قبيل نسبة النقض إلى العهد فتكون استعارة تحقيقية و اعلم أن من جملة العلائق علاقة الاستعمال و لم أقف على من تنبّه لذلك و هي أن يستعمل اللفظ الموضوع لمعنى في معنى آخر لا يكون بينهما في نفسهما علاقة معتبرة لكن ينضم إليهما بحسب بعض الموارد نكات و خصوصيات تحققها فيها كما مرّ في إطلاق الطبخ على الخياطة فيستعمل فيها في المعنى الآخر مجازا فيتحقّق من جهة الاستعمال هناك و لو بعد التكرير علقة يصحّ معها الاستعمال فيه و إن تجرد عن تلك النكتة و الخصوصيّة فإن الاستعمال كما قد يوجب النقل كذلك قد يوجب تحقّق العلاقة المعتبرة و كثيرا ما يوجب الاستعمال تكميل العلاقة النّاقصة على حذو ما مرّ و لهذا ترى أنّ التجوز قد يصحّ في لفظ و لا يصح في مرادفه كما في الرقبة فإنها تطلق على العبد و الجيد يرادفها و لا يطلق عليه و أمّا ما يتخيّل من أنّ المجاز قد يصحّ بدون العلاقة إذا نصّ الواضع على الرّخصة في بعض الموارد بدونها و يجعل منه التّجوز في جملة من معاني الحروف حيث لا علاقة بينها و بين معانيها الأصليّة فيظهر ضعفه ممّا قرّرناه مضافا إلى مخالفته لإجماع القوم حيث اعتبروا العلاقة المعتبرة في صحّة المجاز و إن لزم مخالفتهم على الأول في عدم اختصاص العلاقة المعتبرة بتحقّقها بين المعنيين و الأمر فيه سهل ثم اعلم أن الأكثر لم يبالغوا في في حصر أنواع العلاقة و ضبطها كما يشهد به تصفّح كتبهم و كان ذلك تنبيه منهم على أن المعتبر في العلاقة إنما هو تحقق المناسبة التي يقبل الطّبع إطلاق اللّفظ الموضوع لأحدهما على الآخر و أنّ الوجوه المذكورة من مظانها و هذا هو التحقيق الذي ينبغي تنزيل كلماتهم عليه و أمّا ما سبق إلى بعض الأوهام من أنّ الواضع قد اعتبر هذه الأنواع من حيث الخصوص و أنّ أهل اللغة قد نقلوها فليس لنا التعدي عمّا نقلوه ففي غاية السقوط للقطع بأن ليس هناك نقل ينتهي إلى الواضع و لا ادّعاه أحد و إنما القوم تصفّحوا كلمات العرب فوجدوهم يطلقون بعض الألفاظ على ما يناسب معانيها الأصليّة فعمدوا إلى تلك المناسبة فوجدوها في موضع مناسبة المشابهة و في آخر مناسبة السّببيّة إلى غير ذلك فعبّروا عن كلّ باسم يخصّه ثم إنهم إن أرادوا بذلك ما ذكرناه فلا كلام و إن أرادوا أنّ الواضع قد اعتبر هذه العلاقات بخصوصها كما نسبه التفتازاني إليهم مدّعيا عليه الوفاق فمجرّد الاستعمال لا يساعدهم على ذلك و ليس لهم مستند سواه على أنه لو اعتبر هذه الأنواع على الخصوص فإن كان على الإطلاق لزم الاطراد و الضرورة قاضية بعدمه و أمّا ما اعتذر به عنه بعضهم من أن عدم الاطراد في بعض الموارد لمانع خارجيّ كنصّهم بالمنع أو لخصوصية المحل أو عدم اكتفاء الواضع في مثل الصورة الممنوعة بتلك العلائق فضعفه واضح أمّا الأول فلأن الموارد الممنوعة مع اشتمالها على موارد مستحدثة ممّا لا حصر لها فيتعذّر النّص عليها و الضّبط لها على الخصوص و ليس هناك قاعدة كليّة يمكن معرفتها بالرجوع إليها سوى ما ذكرناه مع أن موارد الرّخصة أقل منها فهي بالنّص عليها أولى و أمّا الأخيران فلأن الفرض إطلاق الوضع و الرخصة و تأثير المحل فيه غير معقول و دعوى عدم اكتفاء الواضع لا يلائم الإطلاق المدّعى و إن اعتبروها بشرط كونها بحيث يقبل الطبع إطلاق لفظ أحدهما على الآخر فاعتبار قبول الطبع مغن عن اعتبار خصوصيّة الموارد فيلغو اعتبارها و إن اعتبروها في الجملة لزم القول بتوقفه على النّقل و قد أشرنا إلى فساده فظهر ممّا حققنا أنّ المعتبر في العلاقة المصحّحة للتجوّز هي المناسبة التي يقبلها الطّبع سواء وجدت في ضمن إحدى العلاقات المذكورة أو في غيرها و العلاقات المذكورة إنما تعتبر إذا تضمّنت هذه المناسبة لا يقال فعلى هذا يلزم الدّور لأنّ استحسان الطّبع كان دورا لأنّا نقول لا يتوقف استحسان الطّبع على رخصة الواضع بل على تحقق العلاقة و لهذا يمكن الحكم بحسن مجاز مع الشّك في جوازه ثم المدار في‏

الطّبع على طبع أهل الاستعمال و هذا قد يختلف باختلاف الطّباع و لهذا يرى أن بعض المجازات المعتبرة في اللغة العربية لا يستحسن في مرادفاتها من لغة أخرى ثم اعلم أن العلائق المعروفة إنما تعتبر إذا كانت بين المعنى المجازي و بين المعنى الموضوع له فلا تعتبر إذا كانت بينه و بين معنى مجازي آخر إلا إذا كانت بحيث توجب العلاقة بينه و بين المعنى الحقيقي فتعتبر من هذه الحيثية و لهذا تراهم يمنعون سبك المجاز من المجاز و الدّليل عليه عدم مساعدة الطّبع أو الرخصة على الاعتداد بمثل تلك العلاقة لبعدها عن الاعتبار

تنبيه [تحقيق المصنف في المسألة السابقة]

التّحقيق عندي أنه لا حاجة في المجاز إلى الوضع و الرّخصة بل جوازه طبعي مبنيّ على المسامحة و التأويل في الوضع الأصلي حيثما يتحقق بين المعنيين علاقة معتبرة عند الطبع و إن كان وقوع الاستعمال في بعضها ممّا يوجب تأكّد العلاقة أو تعميم مواردها فإنّ الضرورة قاضية بأنّ من وضع لفظا بإزاء الشمس جاز إطلاقه على وجه يشابه الشمس في الحسن و البهاء بملاحظة وضعه للشمس و إن قطع النظر عن كل اصطلاح إلى غير ذلك و هذا في الاستعارة ظاهر و في غيرها لا يخلو من نوع خفاء و لا يلزم من ذلك خروج المجازات عن كونها عربيّة إذ يكفي في النسبة توقفها على أوضاع عربيّة و ابتنائها عليها و كذلك نسبة المجاز إلى سائر اللّغات و الاصطلاحات‏

فصل [هل الاستعارة مجاز لغوي أو مجاز عقلي‏]

قد عرفت أن المجاز قد تكون علاقته المشابهة و قد تكون غيرها و قد اصطلح علماء البيان على تسمية النوع الأول استعارة و الثاني مجازا مرسلا و في المقامين أبحاث يناسب المقام إيرادها فنقول ذهب الجمهور إلى أنّ الاستعارة مجاز لغويّ بمعنى أنّ التّصرف في أمر لغوي بدليل أنّها موضوعة للمشبّه به لا المشبّه و لا الأعمّ منهما و قد استعملت‏

26

في المشبّه ضرورة أن المراد بقولنا أسد يرمي إنما هو الرّجل الشجاع لا غير فيكون مجازا لغويّا

[هل يشترط في الاستعارة حذف المشبه بالكلية؟]

و خالف في ذلك شرذمة فجعلوها مجازا عقليّا بمعنى أنّ التّصرف في أمر عقليّ و احتجّوا بأنّها لم تطلق على المشبّه إلاّ بعد ادّعاء أنه من جنس المشبّه به فهي مستعملة فيما وضعت له فتكون حقيقة لغويّة و أجيب عن هذه الحجّة بأن دعوى دخول المشبّه في جنس المشبّه به لا توجب دخوله فيه حقيقة فلا تكون مستعملة فيما وضعت له حقيقة فلا تكون حقيقة أقول و التحقيق أنه إن أطلق الأسد و أريد به الرّجل الشجاع أو زيد مثلا و ادعي أنّه الأسد اتجه مقالة الجمهور لظهور أنّ دعوى كونه أسدا لا يجعله أسدا و لفظ الأسد موضوع للأسد الحقيقي لا الادّعائي و إن أطلق و أريد به معناه الحقيقي أعني طبيعة السّبعيّة و قيّدت بخصوصيّة الرّجل الشجاع أو زيد مثلا بدلالة القرينة لدعوى حصولها و تحقّقها في ضمنه على حدّ تقييدها بخصوصيّة الفردية عند إرادتها في ضمن الفرد الحقيقي اتّجه مقالة البعض من أن لفظ الأسد مستعمل فيما وضع له غاية الأمر أن يكون وجودها في ضمن ذلك الفرد مبنيّا على مجرد الدّعوى و ذلك لا يوجب التجوّز في لفظ الأسد لأنه موضوع للماهيّة من حيث هي نعم يوجبه في التنوين حيث تكون للتنكير لأنها حينئذ موضوعة لتقيد مدخولها بأفرادها الواقعيّة على البدلية لا الادّعائية و لو أعمل هذا التصرّف في تمام مدلول النكرة لم يوجب التجوّز في التنوين أيضا و لا خفاء في صحة الاستعمال على الوجهين و به يسقط كلية الدّعوى في كلام الفريقين هذا إذا أطلق لفظ المشبّه به على المشبّه و أمّا إذا حمل عليه كما في قولك زيد أسدا و علمته أسدا أو نحو ذلك فالأكثر على أنه تشبيه بليغ أمّا كونه تشبيها فلاشتماله على ذكر المشبّه و قد اشترطوا في الاستعارة أن يطوي ذكره بالكلية بحيث لا يكون في الكلام لا لفظا و لا تقديرا و أمّا كونه بليغا فلحذف ركني التشبيه منه أعني الوجه و الأداة فيقرب من الاستعارة و يلوح من دلائل الإعجاز الفرق بين ما يضعف فيه تقدير أداة التّشبيه كالمثال المذكور أو يمتنع كقوله أسد، دم الأسد الهزبر خضابه و بين غيره كقولك زيد الأسد فجعل الأول استعارة و الثّاني تشبيها و اختار التفتازاني أنّ الأسد في المثال المذكور استعارة لأنّه مستعمل في الرّجل الشجاع و المعنى زيد رجل شجاع كالأسد و احتج على ذلك بأنه كثيرا ما يتعلّق به حرف الجرّ كما في قوله أسد عليّ و في الحروب نعامة و المعنى مجترئ عليّ إذ لا يتعلق حرف الجر باسم الذات و اعترض عليه بأنه يجوز أن يكون أسد مستعملا في معناه الحقيقي و يتعلق به حرف الجرّ لما لوحظ فيه من معنى الوصفيّة كما لو جعل استعارة عن الرّجل الشجاع فإنّ الشجاع قيد خارج عن معنى اللفظ كما اعترف به في مقام آخر فلا يكون في تعلق حرف الجرّ به دليل على كونه استعارة و لو جعل بمعنى الشجاع لم يكن استعارة بل مجازا مرسلا من إطلاق الملزوم على الّلازم هذا و التحقيق أنه إن كان زيد في المثال المذكور هو المشبّه فهذا مع بعده يتعيّن الحمل فيه على التشبيه لئلاّ يكون الكلام من قبيل قولنا زيد زيد فإنّ هذا المعنى غير مفهوم منه قطعا و أمّا ما علّلوا به من أن شرط الاستعارة حذف المشبّه من الكلام بالكلية فليس بشي‏ء لأنه منقوض بمثل قولك صادفت الأسد زيدا إذا أردت بالأسد زيدا بعلاقة الشجاعة و جعلت زيدا بيانا له فإنه حينئذ استعارة لا غير مع أن المشبّه مذكور و كذلك الخيط الأبيض في قوله تعالى حتى يتبيّن لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر فإنّ التحقيق أنّ الخيط الأبيض استعارة للفجر أو للشي‏ء الأبيض المستطيل و لفظ من الفجر بيان له و قرينة على الاستعارة و الحمل على التشبيه كما فعلوه بعيد لأنه يستدعي تكلفا لا حاجة إليه حتى إنهم حملوا الخيط الأسود أيضا على التشبيه لأن بيان المشبّه في الخيط الأبيض بالفجر يرشد إلى بيان المشبّه في الخيط الأسود بسواد آخر اللّيل فيكون المشبّه فيه مقدّرا و إن لم يكن هو المشبّه جاز الحمل على التشبيه بتقدير سائر أركانه و الاستعارة بحمل الأسد على معنى رجل شجاع و يجوز الحمل على الحقيقة بالتّأويل في الإسناد لإجرائه على غير من هو له حقيقة و أوّل الوجوه أبعدها و هو على بعده يتطرق في كثير من أقسام الاستعارة و الأخير أقرب سيّما بالنسبة إلى المواضع التي يقصد فيها المبالغة و ما قيل في دفعه من أنّ حمل الأسد على معناه الحقيقي ينافي حمله على زيد فضعيف لأنّ ذلك إنما ينافي الحمل بحسب الحقيقة لا بحسب الدعوى‏

إذ دعوى أنّ زيدا قد بلغ في الشجاعة إلى أن صار من أفراد الأسد الحقيقي ممّا لا غبار عليه و أمّا المعنى الثاني فغير بعيد في نفسه و إن كان بعيدا عن مقام المبالغة

[هل الاستعارة مبنية على دخول المشبه في جنس المشبه به أو لا؟]

ثمّ اعلم أنّ محققي علم البيان زعموا أن مبنى الاستعارة على دعوى دخول المشبّه في جنس المشبّه به فمنعوا الاستعارة في الأعلام الشخصيّة لأن العلميّة تنافي الجنسيّة إلاّ أن يشتمل على نوع وصفيّة كحاتم و وجّه التفتازاني بما حاصله أنّ المستعير يتأول في وضع اللفظ فيجعله كأنه موضوع للمعنى الأعمّ مثلا يجعل لفظ الأسد كأنّه موضوع للشجاع و يجعل حاتم كأنه موضوع للجواد و بهذا التأويل يتناول الفرد المتعارف الذي هو الحيوان المخصوص و الرّجل المعروف من قبيلة طيّ و الفرد الغير المتعارف الذي هو الرّجل الجواد لكن استعماله في الفرد الغير المتعارف استعمال له في غير ما وضع له فيكون استعارة هذا محصّل كلامه و يؤيّده من كلامهم ما ذكروه في تقسيم الاستعارة من أنّها إن كانت اسم جنس فأصلية و إلاّ فتبعيّة فإنّ الاستعارة في العلم أصلية قطعا فيتعيّن أن يكون اسم جنس و لا يتمّ إلاّ بالتّأويل المذكور لكن يشكل هذا بأنّهم عرّفوا اسم الجنس بما دل على ذات كليّة لا باعتبار صفة فلا يدخل فيه العلم قبل التأويل لعدم الكلية و لا بعده لاعتبار الصّفة فيه هذا و نحن نقول إن أرادوا أنّ الاستعارة تختصّ باستعمال لفظ المشبّه به في المشبّه على‏

27

دعوى دخوله فيه فمخالف لما ذكروه من أنّ المجاز إن كان علاقته المشابهة فاستعارة و إلاّ فمجاز مرسل و لما ذكروه في حدّ الاستعارة من أنها المجاز الذي يكون علاقته المشابهة أو أنها الكلمة المستعملة في غير ما وضعت له بعلاقة المشابهة إلى غير ذلك و إن أرادوا أنّ هذا النّوع من العلاقة أعني المشابهة لا تعتبر إلا حيث يتحقق الادعاء المذكور ففساده ظاهر لأنّ علاقة المشابهة لا تقصر عن سائر العلاقات في حصول المناسبة المصحّحة للاستعمال بها فكما يصحّ إطلاق القرية على أهلها و الغيث على النبات مثلا لما بينهما من المناسبة النّاشئة من الحلول و السّببيّة من غير أن يقع هناك دعوى دخول أحدهما في جنس الآخر كذلك يصح إطلاق اللّفظ على مشابه معناه نظرا إلى الارتباط الحاصلة بينهما من المشابهة من غير حاجة إلى دعوى دخول أحدهما في جنس الآخر بل المشابهة أقوى في حصول العلاقة و الارتباط بها فهي أولى بأن يصحّ التّعويل عليها بمجردها الذي يدل على ذلك القطع بصحة إطلاق الإنسان مثلا على الصورة المنقوشة بعلاقة المشابهة و إن لم يتعلق الغرض بادعاء المذكور نعم كثيرا ما يتعلق الغرض بالادّعاء المذكور إذا كان المقام مقام مبالغة على ما عرفت تحقيق القول فيه هذا إذا كان لفظ الاستعارة اسم جنس و أمّا إذا كان علما شخصيّا فالادّعاء المذكور لا يتأتى فيه قطعا و ذلك أن قول القائل رأيت اليوم حاتما يحتمل وجوها أحدها أن يكون تشبيها بتقدير سائر أركانه لكنه بعيد كما مرّ الثاني أن يكون استعارة للمرئي بعلاقة المشابهة الثالث أن يكون استعارة على دعوى أنّه الشخص المعروف و هذا هو الظاهر من مقام المبالغة الرّابع أن يكون بمعنى الجواد المطلق فيكون مجازا مرسلا الخامس أن يكون مستعملا في معنى الرّجل الجواد المشبّه بحاتم فيكون استعارة و الوجوه المحتملة لا تزيد على الخمسة و ليس المشبّه في شي‏ء من هذه الصّور داخلا في المشبّه به أمّا في الثلاثة الأول فظاهر و أمّا في الصّورة الرابعة فلعدم اعتبار المشابهة و أمّا في الخامسة فلأن المشبّه هو الرّجل الجواد و هو غير داخل في حاتم إذ لا يصدق حاتم عليه و على غيره و أمّا ما ذكره التّفتازاني في تحقيق كلامهم فليس بشي‏ء لأنه بعد التأويل في وضع اللّفظ بأن يجعل الأسد كأنّه موضوع للشجاع و حاتم كأنّه موضوع للجواد إن استعمل في هذا المعنى التّأويلي كان مجازا مرسلا لا استعارة كما مرّ و أيضا لا وجه حينئذ لجعل الرّجل الشجاع و الرّجل الجواد من الأفراد الغير المتعارفة بل هما بعد التأويل من الأفراد المتعارفة قطعا إلاّ أن يراد بها ما يتعارف إطلاق اللفظ عليها مطلقا و عند عدم القرينة و هو تكلّف بيّن و إن أراد أنّه إنما استعمل بعلاقة المشابهة و أنّ التأويل المذكور إنما هو لدخول المشبّه في المشبه به ففساد ظاهر إذ لا فائدة حينئذ في اعتبار التأويل هذا إذا كان المذكور لفظ المستعار منه و هو المعبّر عنه بالاستعارة المصرّحة و أمّا إذا كان المذكور لفظ المستعار له و يعبّر عنه بالاستعارة بالكناية كما إذا أطلق المنيّة على الموت بادّعاء السّبعيّة لها و دلّ عليه بإثبات ما هو من خواصّ السّبع لها من الأنشاب و الأظفار و نحوهما فقد زعم السّكاكي أنه من المجاز اللفظي لأن المنية في الفرض المذكور لم يطلق إلاّ على السّبع بادّعاء السّبعية لها و ردّه غيره بالقطع بأنّ لفظ المنيّة لم تطلق إلاّ على المنيّة و دعوى السّبعيّة لها لا يخرجها عن كونها مستعملة في معناها فلا يكون مجازا و ظنّي أنّ السّكاكي يدّعي أنّ لفظ المشبّه قد أخذ بمعنى المشبّه به مجازا و أطلق على المشبّه كإطلاق الإنسان بمعنى الضّاحك على الإنسان فيكون مجازا لا غير و الذي ينبّه على أنه أراد ذلك دعواه الترادف بين لفظ المنيّة و السّبع و قوله إنّهما موضوعان لمعنى واحد و القوم لما غفلوا عن هذه الدقيقة أخذوا في الاعتراض عليه بما لا مساس له بكلامه نعم يرد على السّكاكي أن ذلك تعسّف لا يساعد ظاهر الاستعمال عليه ثم قد يكون قرينتها استعارة تخييلية كما مرّ من إثبات الأظفار للمنيّة فإنّ المراد بها معناه الحقيقي و دعوى السّكاكي أنها استعارة لصورة وهميّة في المنيّة فيكون من أقسام الاستعارة التصريحيّة ممّا لا وجه له و قد يكون استعارة تصريحيّة كما في قوله تعالى ينقضون عهد اللَّه فإنّه لما نزل العهد منزلة الحبل نزل إبطاله منزلة نقضه فالتنزيل الثاني قرينة على التّنزيل الأوّل‏

تتمة [في المجاز المركب‏]

المعروف بينهم أنّ المجاز كما يكون في المفرد على ما سبق بيانه كذلك يكون في المركّب و حدّه استعمال المركب أو المركب المستعمل في غير ما وضع له لعلاقة بينهما و إن كانت العلاقة مشابهة سمّيت استعارة تمثيليّة أيضا كقولهم للمتردد في أمر أراك تقدم رجلا و تأخر أخرى فيصحّ فيه أن يلاحظ ما يلزم من يقدّم رجلا و يؤخر أخرى عادة من التردد و عدم ثبات الرأي فيطلق عليه الألفاظ الموضوعة بإزاء ملزومه بعلاقة اللزوم فيكون مجازا مركبا و أن يشبه حالة إقبال المخاطب المتردد على الأمر تارة و إدباره عنه أخرى بحالة من يتردّد في سلوك طريق فيقدم رجلا و يؤخر أخرى بجامع التردد و عدم الثبات و التداني إلى المقصود تارة و التباعد عنه أخرى فيكون استعارة تمثيلية أيضا ثم إنّهم بنوا أمر المجاز المركّب على ثبوت الوضع للمركبات فالتزموا القول بأن المركبات موضوعة بإزاء المعاني المركبة كما أنّ المفردات موضوعة بإزاء المعاني المفردة و خالف في ذلك العضدي فأنكر المجاز المركب رأسا و خصّه بالمفرد محتجّا عليه بأنّ المركبات لا وضع لها فلا يتطرق التّجوز إليها إذ التجوز من توابع الوضع و الحق ما ذهب إليه الأكثرون من ثبوت المجاز في المركب لكنّه عندي لا يبتني على أن يكون للمركب وضع مغاير لوضع مفرداته كما زعموه بل يكفي فيه مجرّد وضع مفرداته لمعانيها الإفرادية فإنّ كل مفرد من المفردات إذا دلّ على معناه الإفرادي بالوضع فقد دل المركب منها على المركب منه بالوضع إذ المراد بالمعنى المركب هو نفس مداليل المفردات المشتملة على النّسبة كما أنّ المراد

28

باللّفظ المركب هو نفس الألفاظ المفردة المشتملة على النّسبة اللّفظية و كما يجوز بقاعدة الوضع أو الطبع أن يستعمل اللّفظ المفرد في غير معناه الأصلي إذا كان بينه و بين معناه الأصلي علاقة كذلك يجوز بالقاعدة المذكورة أن يستعمل اللفظ المركب في غير معناه الأصلي إذا كان بينهما علاقة و إن لم يكن بين المفردات علاقة فالمركّب المستعمل في غير معناه الأصلي مجاز بالنّسبة إلى وضع مفرداته فظهر أنّه يكفي في مجازية المركب استعماله في غير ما وضع له مفرداته كما أنّه يكفي في كونه حقيقة فيه استعمال مفرداته فيما وضعت بإزائه و أمّا ما التزموا به من أنّ المركبات موضوعة بإزاء معانيها التركيبيّة بوضع مغاير لوضع مفرداتها ففساده ظاهر إذ بعد وضع المفردات أعني الطّرفين و النّسبة لا حاجة إلى وضع المركب لحصول المقصود بدونه فإنّ وضع الطّرفين لطرفي الحكم و النّسبة اللّفظيّة للنّسبة الذهنيّة من حيث قصد مطابقتها للواقع و كشفها عنه كاف في إفادة ما هو المقصود قطعا فلا يبقى هناك حاجة تمسّ إلى وضع المركب و أيضا لو كان المركب من الطّرفين و الإسناد موضوعا بإزاء المركب من مداليلها لدلّ كلّ جملة خبريّة بحسب وضعها على الإخبار بوقوع مدلولها مرتين تارة تفصيلا كما ذكرناه و أخرى إجمالا لما ذكروه و على قياسها الجمل الإنشائية و غيرها و هذا ممّا لا يلتزم به ذو مسكة نعم لو قيل بأن الهيئة التركيبيّة أو ما يقوم مقامها موضوعة لمجرّد النّسبة و الرّبط و المجموع المركب موضوع لإفادة مطابقتها للواقع لم يلزم منه المحذوران لكنه مع فساده في نفسه بشهادة الوجدان على خلافه و مخالفته لظاهر كلماتهم بل صريحها غير مجد في المقام إذ لم يقصدوا بالتجوز في المركب التّجوز في مثل هذا المعنى ثم إنّ العلاّمة التّفتازاني قطع بأنّ المفردات في المجاز المركّب مستعملة في معانيها الأصلية و التجوّز إنّما هو في استعمال المركّب و وافقه المحقّق الشّريف عليه و من النّاس من ذهب إلى أنّها مستعملة في معانيها المجازية نظرا إلى انتفاء التّقديم و التّأخير و الرّجل مثلا هناك هذا ما وقفنا عليه من كلماتهم و لا يخفى ما فيها من الضّعف لأنّ اللفظ في إطلاق واحد لا يصحّ أن يقع مستعملا في معنييه على ما سيأتي تحقيق الكلام فيه سواء كان إفراديّين أو كان أحدهما إفراديّا و الآخر تركيبيّا و سواء كانا حقيقيّين كما لو قيل عبد اللَّه و أريد به مسمّاه باعتبار معناه التركيبيّ و رجل آخر باعتبار معناه الإضافي أو مجازيّين كما في المقام على الوجه الثاني أو كان أحدهما حقيقيّا و الآخر مجازيّا كما في المقام على الوجه الأوّل لأنّ مستندنا على المنع مطّرد في الجميع على أنّ كلامهم لا يبتني على مجرّد الجواز بل على تعيين الاستعمال أو ظهوره كما لا يخفى و هو أظهر فسادا من القول بالجواز بل التحقيق أنّ مفردات المجاز المركب غير مستعملة في شي‏ء من معانيها لا الحقيقيّة و لا المجازيّة و إنّما المستعمل هو المجموع و ما يسبق إلى النّظر من أنّ اللّفظ المفرد لا يقع في صحيح الاستعمال إلاّ و المراد به إمّا معناه الحقيقي أو المجازي فإنّما يتّجه إذا كان اللّفظ المفرد يبقى على إفراده و أمّا إذا جعل مركبا مجازيّا صحّ أن يتجرّد عنهما كما لو جعل مركبا حقيقيّا مع أن الحصر منقوض بصورة الحكاية كما مرّ ثم قولهم بأنّ مفرداتها مستعملة في معانيها الحقيقيّة لا يتّجه بالنّسبة إلى ما يدل على الإسناد إلاّ حيث يقصد الإسناد و ظاهر أن صحّة المجاز المركّب لا يتوقّف عليه و قول المحقق الشريف في المثالين المذكورين و لا تجوز في الهيئة التركيبيّة لأنّ إسناد التّردّد إلى المخاطب حقيقة و إنّما المجاز فيما عبّر عن التّردّد ظاهر الفساد لأن الإسناد اللّفظي في تقدّم و تأخّر موضوع لإسناد المعنى الّذي أريد من حدثي التقدّم و التّأخر إلى المخاطب لا لإسناد حدث آخر إليه أريد من المركّب لا منفردا و لا منضمّا فإنّ ذلك على تقدير صحّته لا يكون إلاّ مجازا و لو اعتبر التجوز في تقدّم و تأخّر فقط خرج عن كونه استعارة تمثيليّة مع أنّه تكلّم على تقديرها و يشبه أن تكون كلماتهم هذه ناشئة من الخلط بين المجاز المركب و الكناية المركبة لتقاربهما في المعنى و توضيحه أنّ قولنا أراك تقدّم رجلا و تأخّر أخرى يستعمل تارة باعتبار التركيب في معنى قولنا أراك متردّدا بحيث لا يراد به إلاّ هذا المعنى و ظاهر أن هذا المعنى غير معناه الأصلي فيكون مجازا لا محالة و ليس شي‏ء من مفرداته حينئذ مستعملا في معنى و إنّما لوحظ معانيها و استعمل المجموع و يستعمل أخرى و يراد به معاني مفرداته‏

حقيقة أو مجازا لينتقل منها إلى لازمها و هو إسناد التردّد إلى المخاطب و يكون حينئذ كناية و كذلك قولك هو كثير الرّماد و جبان الكلب و مهزول الفصيل فإنّها قد تطلق و يراد بها كونه جوادا فيكون حينئذ مجازا مركبا و قد تطلق و يراد به معناها لينتقل منه إلى لازمه و هو كونه جوادا و حينئذ يكون كناية و لك أن تعتبر الوجهين في جانب المحمول فإنّ المجاز المركب على ما يساعد عليه التحقيق لا يختصّ بالمركبات التامّة فما ذكروه من أن المفردات في المثال المذكور مستعملة في معانيها إنما يتم على التقدير الثاني و ما ذكروه من أنّ المجموع مستعمل في معنى أراك متردّدا إنما يتم على التّقدير الأول ثمّ اعلم أنّ محقّقي علماء البيان جعلوا الكناية قسيما للحقيقة و المجاز و عرّفوها بلفظ أريد به لازم معناه مع جواز إرادته معه فأخرجوها عن حدّ الحقيقة لكونها مستعملة في غير ما وضعت له و عن حدّ المجاز لاعتبارهم فيه الاقتران بالقرينة المانعة عن إرادة ما وضعت له و عدمه فيها فالمراد بطويل النّجار و كثير الرّماد طويل القامة و الجواد مع جواز إرادة معناهما الأصلي أيضا و وجّهه التّفتازاني بأنّ المراد جوازه من حيث كونه كناية و إن امتنع من حيث خصوص المادة كما في قوله تعالى ليس كمثله شي‏ء إذا جعلناه كناية من قبيل قولهم مثلك لا يبخل على ما صرّح به صاحب الكشّاف و أيضا كثيرا ما تخلو الكناية عن إرادة المعنى الحقيقي كما يقال فلان كثير الرماد و جبان الكلب و إن لم يكن له رماد و لا كلب و اعترض بذلك على السّكاكي حيث جعل المراد في الكناية معنى اللّفظ مع لازمه أقول و التحقيق أنّ الكناية تقع على أنحاء الأوّل أن يستعمل اللّفظ في الملزوم لينتقل منه إلى اللاّزم أو اللّفظ المستعمل كذلك فإن كان الملزوم معنى حقيقيّا للفظ كان استعماله حقيقة

29

و إن كان معنى مجازيّا كان مجازا فقولنا زيد كثير الرّماد جملة خبريّة إن استعملت في معناها الحقيقي بأن قصد بها الإخبار عن كثرة الرّماد حقيقة لينتقل منه إلى لازم معناه أعني كونه جوادا كان اللفظ لا محالة لأنه لم يستعمل حينئذ إلاّ فيما وضع له و قصد الانتقال منه إلى لازمه غير مخلّ بذلك و إن استعملت في صورة معناها بأن قصد بها صورة الإخبار عن كثرة رماده لينتقل منه إلى لازمه لزم التجوّز في الإسناد لأنّه لم يوضع لصورة الإخبار بل لحقيقته فيكون اللفظ باعتباره مجازا و على التقديرين تكون الكناية في المركب و يمكن أن يجعل المحمول حقيقة في المثال المذكور هو الجواد المدلول عليه بذكر ملزومه و لفظ كثير الرّماد و إن كان محمولا عليه بحسب الظاهر لكن إنما جي‏ء به لينتقل منه إلى المحمول الحقيقي أعني الجواد فيحمل عليه فتكون الكناية في المفرد أعني المحمول و على التقادير يكون اللفظ مستعملا في الملزوم للانتقال إلى اللاّزم فكلّ منهما مراد منه لكن أحدهما بلا واسطة و الآخر بواسطة و أمّا لو استعمل كثير الرّماد في الجواد نظرا إلى علاقة اللّزوم كان مجازا مرسلا قطعا كما مرّ الثاني أن يستعمل اللفظ في لازم معناه بقرينة خفيّة و أمارة ضعيفة في موارد يتسامح فيها في الدلالة و يكتفي فيها بمجرّد الإيهام و الإشارة حتى إنّ المستعمل حينئذ قد تدعوه الحاجة إلى الإنكار فينكر إرادة اللازم و يمنع السّامع من التسامح في تنزيل كلامه و لو فسّر الكناية بهذا الوجه أمكن الفرق بينها و بين المجاز بحسب الاصطلاح باشتراط الصّراحة في قرينته أو الظهور المعتدّ به و يصحّ تثليث الأقسام بالنّسبة إلى علم البيان لتعلق القصد فيه ببيان مطلق الدلالة و تثنيتها بالنّسبة إلى هذا العلم إذ لا عبرة في مقام الاستدلال بمثل تلك الدلالة الثالث أن يستعمل اللّفظ في معناه أو في لازمه مع نصب أمارة موجبة لتردّد السّامع بينهما تنبيها على أنّ إرادة كلّ منهما مناسب للمقام و هذا في غير المشترك إنّما يتمّ على القول بأنّ قرينة المجاز قد تكافؤ ظهور الحقيقة بحيث يحصل التردّد بينهما كما ينبّه عليه مصير بعضهم إلى التوقف في المجاز المشهور و أمّا على القول بأن عدم ظهور المجاز يوجب ظهور الحقيقة فلا يتمّ ذلك الرابع أن يستعمل اللّفظ في أحد معانيه المتكافئة في الظهور حقيقيّة كانت أو مجازيّة أو مختلفة و ينبّه بقرينة خفيّة يعوّل عليها في مقام التسامح قصدا إلى التمكن من الإنكار مع الحاجة الخامس أن يستعمل اللّفظ و يراد به أحد معانيه الحقيقية أو المجازية و ينبّه بقرينة حالية أو مقالية على أنّ المعنى الآخر أيضا مناسب للمقام و هذا النّوع متداول في الاستعمال هذا و أمّا ما ذكروه من أنّ لفظ الكناية مستعمل في اللاّزم مع الملزوم أو مع جواز إرادته معه فمبنيّ على القول بجواز استعمال اللّفظ في معنييه و هو باطل عندنا على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى و أمّا الفرق بينها و بين المجاز بوجود القرينة المانعة عن إرادة الحقيقة فيه دونها فغير مستقيم لأنّ القرائن التي توجد في المجاز غالبا إنّما تساعد على إرادته دون نفي إرادة الحقيقة أ لا ترى أنّهم يمثلون المجاز بنحو رأيت أسدا يرمي أو في الحمام مع أن القرينة المذكورة لا تنافي إرادة الحقيقة أيضا بدليل صحة عطف قولنا و يفترس على الأول و في الآجام على الثّاني‏

تذنيب الحقّ أن النّسبة الخبريّة اللّفظيّة موضوعة بإزاء النّسبة الذّهنيّة

المأخوذة من حيث كشفها عن الواقع و إراءتها له سواء طابقته أو لا علم بها أو لا بشهادة التبادر و ليست موضوعة لنفس النّسبة الواقعيّة و إلا لزم أن لا يكون لها في الإخبار الكاذبة معنى لانتفاء النّسبة الواقعية و ليس في صحة السّلب دلالة عليه و لا لنفس النّسبة مجردة عن اعتبار المطابقة للواقع و إلا لما دلت عليها وضعا و لا لها من حيث مطابقتها للاعتقاد فقط أو مع الواقع لما مرّ من قضيّة التبادر نعم تدلّ على المطابقة للاعتقاد بالالتزام فاعلم أيضا أن من المصادر ما معناه الإيجاد و الإبداع كالخلق و الإنبات و منها ما معناه التّسبّب الإعدادي و لو بوجه مخصوص كالولادة و الإيلاد و منها ما معناه القبول و الاتصاف كالطّلوع و الاصفراء و منها ما معناه الأعمّ و لو بحسب بعض الأقسام كالسّرور حيث يشترك بين القسمين الأولين فيختلف ما يتعلق إسناد هذه المصادر و ما يشتق منها بحسب اختلافها في هذه المعاني فإنّ المسند إليه الحقيقي في القسم الأول هو الفاعل الموجد و في الثاني السّبب المعدّ و في الثالث المتّصف و القابل و هكذا و لعدم فرق بين هذه الأقسام توهّموا أنّ إسناد السّرور إلى الرّؤية في قولك سرّني رؤيتك و الطّلوع إلى الشّمس في قولك طلعت الشّمس مجاز عقليّ كإسناد الإنبات إلى الرّبيع و منشؤه عدم الفرق بين الفعل و الفاعل باعتبار معناهما اللّغوي و بينهما باعتبار معناهما الاصطلاحي فإنّ الفعل الاصطلاحي قد لا يكون مدلوله فعلا لغويّا بل غيره كأن يكون انفعالا فيكون فاعله الاصطلاحي حقيقة ما يكون قابله دون فاعله اللغوي و هكذا ثم اعلم أن في مثل قولهم أنبت الرّبيع البقل وجوها أحدها أن ينزّل الرّبيع منزلة الفاعل و يدل عليه بإثبات بعض لوازمه من إسناد الإنبات إليه فيكون الرّبيع حينئذ استعارة بالكناية و يكون الإنبات أو إسناده إليه استعارة تخيليّة و لا تجوّز حينئذ فيه أمّا في طرفي الإسناد فظاهر و أمّا في الإسناد فلأنّ المراد به معناه الحقيقي على ما مرّ و لا يلزم الكذب لابتنائه على التّأويل في أحد طرفيه بخلاف الكذب فإنّه لا يبتني على التّأويل الثاني أن يكون إسناد الإنبات إليه مبنيّا على دعوى كونه فاعلا له نظرا إلى كونه سببا إعداديّا له و حينئذ يكون المجاز عقليا حيث أعطي ما ليس بفاعل حكم الفاعل و أثره و أقيم مقامه و الفرق بين هذا الوجه و الوجه المتقدم أنه لا تأويل هنا في نفس الرّبيع بخلاف الوجه السّابق الثالث أن ينزل تسبّبه الإعدادي منزلة التسبّب الفاعلي فيعبّر عنه باللفظ الدّال عليه و حينئذ يكون الإسناد مجازا لغويّا لأنه غير موضوع في مثل أنبت للتعلق بالسّبب الإعدادي بل الفاعلي هكذا ينبغي تحقيق المقام‏

فصل [اللفظ قبل الاستعمال، و الكلام في استلزام المجاز للحقيقة و بالعكس‏]

لا ريب في أنّ اللفظ بعد الوضع و قبل الاستعمال لا يسمّى حقيقة كما لا يسمّى مجازا لما عرفت من أنهما من نوع المستعمل ثمّ الحقيقة

30

لا تستلزم المجاز لجواز أن يختصّ الاستعمال بالمعنى الموضوع له و هذا ظاهر و أمّا عكسه ففيه قولان و الظاهر أنّ النزاع هنا في الألفاظ اللغويّة و أنّ المراد بالحقيقة و المجاز ما يتناول المفرد و المركب على ما يرشد إليه حجتهم حجّة القول بالاستلزام أنّه لو لم يستلزم لعرى الوضع عن الفائدة إذ فائدته الاستعمال في تراكيب الكلام و اللاّزم باطل قطعا و أجيب تارة بمنع الملازمة لأنّ صحة التجوّز فيه فائدة تترتّب عليه و أخرى بمنع بطلان اللازم إذ لا يجب أن يترتب على الشي‏ء ما قصد به و يمكن المناقشة في الأوّل بأنّ فائدة الوضع للمعنى المجازي أكثر لاستغنائه عن مئونة القرينة و الخروج عن ظاهر الاستعمال فالعدول عنه إخلال بالحكمة و في الثّاني بأنّه يتم إذا ثبت أنّ الواضع ليس هو اللَّه تعالى و أنّ الوضع ليس بإلهامه لأن قصد ما لا يترتب على الشي‏ء راجع إلى الجهل بحاله و الوجهان كما ترى و يمكن أن يستند في منع الملازمة إلى جواز وقوع الاستعمال في المعنى الموضوع له بعد الاستعمال في غيره إذ لا يلزم مقارنة الاستعمال للوضع حجّة النّافي للاستلزام وجهان الأوّل أنّه لو استلزمها لكان لنحو قامت الحرب على ساق و شابت لمة اللّيل من المركبات حقيقة و التّالي منتف قطعا و أورد عليه أولا بالنقض بأنّه مشترك الورود فإنّ المجاز يستلزم الوضع لمعنى بالضّرورة فإذا لم يكن هناك معنى ليستعمل فيه لم يكن معنى ليوضع له و ثانيا بالحل بأن الوضع و الاستعمال لا يستدعيان تحقق المعنى في الواقع لتحقّقهما بالنّسبة إلى الممتنعات فإنّ قولنا الواحد ضعف الاثنين و أنّ النقيضين يجوز أن يرتفعا إلى غير ذلك موضوع للإسناد و إلاّ لما صدق على المخبر به أنه مخبر كاذب مع أنّ المعنى لا تحقق له إلاّ في الفرض و إن أريد بالتحقق ما يتناول ذلك منعنا انتفاءه في المقام و الجواب أنّ ورود هذين الإيرادين مبني على أن يكون الوجه في انتفاء التالي عدم تحقق المعنى و ليس كذلك إذ ليس المأخوذ فيه إلاّ انتفاء الحقيقة و ذلك لا يقتضي إلاّ انتفاء الاستعمال فمرجعه إلى دعوى القطع بأنّ هذين المركّبين أو هذين التّركبين لم يستعملا في غير المعنى المجازي فاندفع المحذوران و لا يمكن النقض بإحداث الاستعمال في معناهما الحقيقي لأنّ المقصود يتم بالاستعمالات السّابقة مع أنّ الكلام لا يختصّ بهما بل يجري في نظائرهما ممّا لا حصر له و أجاب العضدي عن الدّليل المذكور بأنّ المركبات لا وضع لها و إنما الوضع لمفرداتها و التجوّز من توابع الوضع فلا مجاز إلاّ في المفردات فالمجاز في الفرض المذكور أمّا في المسند أو المسند إليه و لا ريب في ثبوت الحقيقة فيهما أمّا الإسناد فليس له إلاّ جهة واحدة في الكل لا يخطر بالبال غيرها عند الاستعمال فلا يتطرق التّجوز إليه و ردّ بأن البيان المذكور إنما يتجه في مثل شابت لمّة الليل فإنّ التّحقيق فيه أنّ اللمة مجاز عن سواد اللّيل و الشّيب مجاز عن حدوث البياض فيه و أمّا نحو قامت الحرب على ساق و نظائره فلا يتّجه فيه ذلك إذ لا تجوّز في شي‏ء من مفرداته بل في المركّب حيث شبّه حال الحرب بحال من يقوم و لا يقعد فيكون استعارة تمثيلية على حدّ قولهم للمتردّد أراك تقدّم رجلا و تأخّر أخرى هذا و تحقيق المقام أنّ المستدل إن أراد بمقالته أنّ الهيئة في قامت الحرب على ساق مثلا موضوعة للإسناد إلى الفاعل الحقيقي و لم تستعمل فيه و استعملت في الإسناد إلى الفاعل المجازي فتكون مجازا لغويا بلا حقيقة اتّجه عليه أن يقال لا نسلّم أنّ الهيئة موضوعة للإسناد إلى الفاعل الحقيقي و إلاّ لزم أن لا يكون لها في الإخبار الكاذبة معنى بل للإسناد إلى مطلق الفاعل و لو كانت فاعليته ادّعائية إذ لا يعقل من الإسناد إلاّ معنى واحد و هو جار في جميع الموارد نعم إذا أسند الفعل حينئذ إلى غير من هو له كما في أنبت الرّبيع كان هناك مجاز بحسب العقل حيث جعل غير الفاعل فاعلا و أعطي حكمه حتى صحّ إسناد الفعل إليه على الحقيقة و ظاهر أنّ النّزاع هنا في المجاز اللغوي لا غير و إن أراد أنّ الهيئة الموضوعة للإسناد قد استعملت في المقام في غير الإسناد كما لو استعملت الهيئة في أنبت الرّبيع البقل و أريد بها النّسبة الظرفيّة أي في الرّبيع فللخصم أن يمنع صحّة اعتباره في المقام لكن قد سبق أنّ التحقيق جواز ذلك في مثل الفرض المذكور فيفسد ما ادّعاه المجيب من عدم تطرق التجوّز إلى الإسناد لكنّه لا يجدي المستند أيضا لجواز سبق استعماله في المعنى الآخر

عليه و إن أراد أنّ المجموع المركب من تلك المفردات موضوع لإفادة المركب من معانيها و لم يستعمل فيه و استعمل في مشابهه على طريق التمثيل و ذلك بأن شبه ثبات الحرب و استقرارها بصورة موهومة و هي قيامها على ساق فعبّر عن المعنى الأول بالمركّب الموضوع للمعنى الثاني استقام كلامه بناء على ما عليه جماعة من أن المركّبات موضوعة بإزاء معانيها التّركيبيّة كما أنّ المفردات موضوعة بإزاء معانيها الإفرادية إلا أنّ الخصم لم يساعد على ذلك و قد مرّ تحقيق الكلام فيه و أمّا التجوّز في المسند فيمكن باستعمال القيام المقيّد بقولنا على ساق في معنى الاشتداد فيكون من باب المجاز في المركب و لا يشكل بلزوم توسّط أجنبي بين أجزاء المركّب لأنّه يتسامح به في المجاز المركب حيث يقصد المحافظة على التركيب الأصلي أو بأن يراد بالقيام الثبات أو ما يقرب منه و بالسّاق الجانب و يكون المجموع كناية من اشتدادها أو يراد بالسّاق الشّدة كما فسّر بها قوله تعالى يوم يكشف عن ساق فيكون من باب المجاز في المفرد و أمّا التجوّز في المسند إليه فلا يتم إلاّ بتنزيل الحرب منزلة إنسان ذي ساق فيستعمل فيه مجازا أو يطلق على الحرب من باب إطلاق الكلّي على المفرد فيكون من باب الاستعارة بالكناية على مذهب السّكاكي و قد مرّ تحقيق الكلام فيه و قس على ذلك الكلام في نظائره الثاني أنّ لفظ الرّحمن موضوع في الأصل الرقيق القلب و لم يستعمل فيه و استعمل فيه تعالى مجازا فيتحقّق المجاز بدون الحقيقة و قد يقرر بوجه آخر و هو أنّ لفظ الرّحمن موضوع لذي الرّحمة مطلقا و لم يستعمل فيه تعالى من حيث الخصوصية مجازا فيثبت المقصود و الأوّل أظهر و كذلك الأفعال المنسلخة عن الزّمان فإنّها كانت في الأصل موضوعة للزمان كما هو قضيّة كونها أفعالا و لم تستعمل إلا مجردة عن الزمان مجازا و أورد عليه من وجهين الأول أنّهم أطلقوا رحمان اليمامة على مسيلمة الكذاب حتى قال فيه بعضهم و أنت غيث الورى لا زلت رحمانا فانقدح قولكم إنه لم يستعمل في معناه الحقيقي الثاني أنّا لا نسلّم أنّ الألفاظ المذكورة لم تستعمل في معانيها الأصلية في صدر

31

اللغة إذ عدم الاطلاع لا يقضي بعدم الوقوع و أجيب عن الأوّل بأن الإطلاق المذكور مردود لوقوعه بعد النقل و هجر المعنى الأوّل فلا يعتدّ به و هذا مبنيّ على أنّ اللفظ إذا هجر بالنّسبة إلى معنى لم يصحّ إطلاقه عليه بحسب ذلك الوضع و التزامه بعيد اللّهم إلاّ أن يقال حصل هناك منع عرفي بحيث قبح إطلاق اللفظ المذكور على غيره تعالى و هو بعد محل نظر و أمّا ما يقال من أنّ الإطلاق المذكور تعنّت في كفرهم فلا يصلح للجواب إذ لا ينافي ذلك صحة الاستعمال كسائر كلمات الكفر و قول التّفتازاني بأنّ الإطلاق المذكور كإطلاق لفظ الجلالة على زيد تعنّتا فإنّه لا يعتدّ به لظهور الفارق فإنّ لفظ الجلالة غير موضوع لزيد لا لغة و لا عرفا فلا يصحّ الاستعمال بوجه بخلاف لفظ الرّحمن بل التحقيق في الجواب أن يقال يكفي في إثبات المقصود الاستعمالات السّابقة على ذلك الاستعمال و عن الثاني بالاستقراء فإنّا تتبعنا كلماتهم فلم نظفر باستعمالاتهم إيّاها في معانيها الأصليّة و ظاهر أنّ عدم الاطّلاع بعد الاستقراء يورث الظّن بالعدم هذا و يبقى الكلام في حجّية الظنّ في مثل هذه المسألة

فصل [هل الاشتراك ممكن أو واجب أو مستحيل؟]

الحقّ كما عليه المحقّقون إمكان الاشتراك و وقوعه في اللغة و منهم من أوجب وقوعه و منهم من أحاله و الظاهر أنّ النزاع في الألفاظ اللغويّة الأصلية أو فيها و فيما يجري مجراها لا غير ضرورة أن كل واضع لا يلزم أن يكون حكيما و لا مطّلعا على جميع أوضاع لغته و ينبغي أن يراد بالاشتراك هنا مجرد كون اللفظ الواحد موضوعا بأوضاع متعدّدة لمعان متعددة سواء كانت الأوضاع ابتدائية أو لا فيتناول النقل التعييني و الارتجال فإنّ حجّة الموجبين لا تقتضي تعيين النوع الأول و حجة القول بالإحالة تقتضي إحالة الأقسام الثلاثة نعم لو اعتبر الهجر فيهما لم يتوجّه القول بالإحالة إليهما ثم المراد بالوجوب لزوم وقوعه من حيث الحكمة الداعية إليه على التعيين و بالامتناع لزوم عدمه من حيث إخلاله بها و بالإمكان انتفاء ما يوجب شيئا من ذلك و على هذا فلا يلزم القائل بوقوعه القول بوجوبه نظرا إلى ما تحقّق في محلّه من أنّ ما لم يجب لم يوجد لاختلاف معنى الوجوب و يلزم الأشاعرة المصير إلى إمكانه على أصلهم المعروف من نفي التّحسين و التّقبيح ثم من القائلين بوقوعه في اللغة من منع وقوعه في القرآن و الحقّ وقوعه فيه أيضا لنا على إمكانه عدم ما يقتضي وجوبه و امتناعه و على وقوعه في اللغة نصّ اللغويّين عليه في ألفاظ كثيرة كالقرء في الطهر و الحيض و العين في الجارية و الجارحة و عسعس في أقبل و أدبر و ظاهر أن نقلهم إذا سلم عن المعارض كان حجة اتفاقا ثم ثبوت الاشتراك في هذه الألفاظ يقضي بوقوعه في القرآن لوقوعها فيه حجة من أوجب وقوع الاشتراك أمران الأوّل أنّ المعاني غير متناهية و الألفاظ متناهية لتركّبها من حروف متناهية فإذا وزعت الألفاظ على المعاني بقي ما زاد على عدد الألفاظ مجرّدا عن لفظ يكون بإزائها و حينئذ فإمّا أن لا تكون تلك الألفاظ وضعت ثانيا بإزائها فيلزم الإخلال بالمصلحة التي تضمنها الوضع أو وضعت فيلزم الاشتراك الثاني أنه لو لم يقع لكان الموجود في القديم و الحادث مشتركا معنى و التالي باطل أما الملازمة فلأن هذا اللفظ يطلق عليهما إطلاقا حقيقيا فلو لم يكن من جهة وضعه لخصوصهما لكان من جهة وضعه لما يشترك بينهما و هو المقصود باللازم و أما بطلانه فلأن المسمى به إن كان نفس الذات فليس بمشترك و إن كان صفة فهي في القديم واجب و في الحادث ممكن فلا يكون أمرا واحدا و إلا لكان الواحد بالحقيقة واجبا لذات و ممكنا لأخرى و هو لا محالة و الجواب أما عن الأول فبأن المعاني و إن كانت غير متناهية لكن وضع الألفاظ بإزاء آحادها يوجب أوضاعا غير متناهية و هي على تقدير صحة صدورها من الواضع لا فائدة إلا في قدر متناه منها لامتناع تعقل أمور غير متناهية أو استعمال الألفاظ بحسب أوضاع غير متناهية فيلغو الوضع فيما زاد عليه سلمنا لكن المعاني إنما لا تكون متناهية بجزئياتها و أما بالنظر إلى كلياتها العالية أو ما قاربها فهي متناهية و ظاهر أن الوضع بإزائها مغن غالبا عن الوضع بإزاء الخصوصيات و الجزئيات لحصول المقصود بتركيب بعضها ببعض سيما مع انفتاح باب المجاز فلا يلزم تناول الوضع لجميع الألفاظ فضلا عن وقوع الاشتراك فيها و قد يجاب بمنع تناهي الألفاظ لأنها مركبة من الحروف بتراكيب غير متناهية فهي أيضا غير متناهية و إن كانت الحروف التي تتركب منها متناهية كمراتب الأعداد و يمكن دفعه بأن القدر الذي يصح معه الانتفاع في الاستعمال متناه قطعا فيتم به ما أراده الخصم إلا أن هذا لا يصحح ظاهر كلامه و لو تمسك المستدل بأن القدر الذي يصح الانتفاع به من الألفاظ أقل من القدر الذي يحتاج إلى التعبير عنه من المعاني فالحكمة الداعية إلى الوضع داعية إلى الاشتراك لكان أقرب إلى منهج السداد و لم يحتج إلى أخذ تلك المقدمات المتضحة الفساد لكنه أيضا مدفوع بما عرفت نعم يتجه البيان المذكور في إثبات وجوب الاشتراك في غير الألفاظ اللغوية الأصلية كالأعلام فإن الحاجة تمس إلى وضع اللفظ بإزاء مسمياتها و قلة الألفاظ التي يصح الانتفاع بها بالنسبة إليها يوجب وقوع الاشتراك فيها و قد نبهنا على خروج ذلك عن محل النزاع و أما عن الثاني فبأنا نختار أنه صفة و لا يلزم أن لا يكون أمرا واحدا لأن الاختلاف في صفتي الإيجاب و الإمكان لا يقتضي الاختلاف في موصوفيهما كما في سائر الصفات الاعتبارية إذ عند التحقيق يتحقق الوجوب و الإمكان في منشإ الانتزاع مع أن هذا الدليل على تقدير تسليمه لا يقتضي وجوب الاشتراك بل وقوعه و هو أعم مما ادعاه المستدل احتج من‏

أحال الاشتراك بأنه يخل بالتفهيم المقصود من الوضع لخفاء القرائن و جوابه أن البيان ممكن بمعونة القرائن الواضحة مع أن القصد قد يتعلق بالبيان الإجمالي لحكمة داعية إليه حجة من منع وقوعه في القرآن أنه لو كان مبينا لزم التطويل بلا فائدة لإمكان الأداء بدونه و إلا لزم عدم الإفادة و شي‏ء منهما لا يليق بكلامه تعالى و الجواب أن المقام ربما يعين المعنى المقصود من غير حاجة إلى قرينة لفظية فلا يلزم التطويل مع أن القرينة اللفظية ربما تكون مقصودة في الخطاب لنفسها كما في قوله تعالى و فجرنا الأرض عيونا فلا يلزم التطويل بغير فائدة على أن اللفظ المشترك قد يكون أفصح من غيره و أوفق بالقافية و نحو ذلك فيترجح من جهته مضافا إلى أن المشترك لا يخلو من دلالة إجمالية و الغرض قد يتعلق بها

32

و اعلم أنه قد اشتهر أن المجاز يستدعي قرينتين إحداهما صارفة عن المعنى الحقيقي و الأخرى معينة للمعنى المراد من المعاني المجازية بخلاف المشترك فإنه إنما يستدعي قرينة واحدة معينة للمعنى المراد من بين المعاني الحقيقية لا غير و كان هذا الفرق مبني على القول بأن الكناية قسيم للحقيقة و المجاز و أن المجاز استعمال اللفظ في اللازم مع عدم جواز إرادة الملزوم و الكناية استعماله في اللازم مع جواز إرادة الملزوم معه فإن المجاز حينئذ يستدعي قرينتين أي ما يدل على الأمرين و إن كان أمرا واحدا بخلاف المشترك و أما على ما حققناه في معنى الكناية و ما سيأتي تحقيقه من عدم جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد فالقرينة المعتبرة في المقامين هي القرينة المعينة للمعنى المراد و الصرف يأتي فيهما من جهة المنع عن الجمع‏

فصل [هل الترادف واقع أو مستحيل؟]

الترادف واقع في اللغة لنص اللغويين عليه في ألفاظ كثيرة خلافا لبعضهم حيث منع من وقوعه و جعل ما عد منه من باب اختلاف الذات و الصفة كالحيوان و الماشي أو اختلاف الصفات كالمنشي و الكاتب أو اختلاف الصفة و صفة الصفة كالمتكلم و الفصيح و نحو ذلك و احتج بأمرين أحدهما أن أحد الوضعين مغن عن الآخر لحصول المقصود و هو الإفهام به فيكون عبثا فيمتنع صدوره عن الواضع الحكيم و الثاني أنه لو وقع فاللفظ الثاني تعريف لما عرف بالأول و هو لا محالة للزوم تعريف المعرف و تحصيل الحاصل و الجواب أما عن الحمل المذكور فبأنه تعسف ظاهر في كثير من الموارد يأبى عنه كلماتهم فلا وجه لأن يرتكب من غير ضرورة تلجئ إليه و أما عن الاحتجاج الأول فبأنه إنما يتم إذا كان المقصود من الوضع الثاني مجرد التفهيم و ليس كذلك إذ قد يقصد به التوسعة في المحاورة و تيسير التفنن في المكالمة و موافقة الوزن و السجع و تيسير أنواع البديع إلى غير ذلك و أما عن الثاني فبأن الوضع الثاني ليس محصلا لشخص التعريف الحاصل بالأول بل لمثله كما في الأسباب المتعددة و لا محذور فيه و اعلم أن ما ذكرناه إنما يتجه بالنسبة إلى مطلق الألفاظ العربية أو اللغوية كما هو الظاهر و أما إذا كان بالنسبة إلى الألفاظ التي وضعها الواضع الأول فالذي أوردناه في معرض الإثبات لا ينهض دليلا عليه لأن نص اللغويين على ترادف بعض الألفاظ لا يقتضي ذلك أن يكون بحسب أصل اللغة مع أن الأصل تأخر الحادث‏

تتمة [القول في الحد و المحدود]

و منهم من جعل الحد و المحدود من باب الترادف لأنه تبديل لفظ بلفظ أحلى و يدفعه أن الحد يدل بمفرداته على المعنى التفصيلي بأوضاع متعددة بخلاف المحدود فإنه يدل على المعنى الإجمالي بوضع واحد فلا يكون الدلالة من جهة واحدة نعم إن أريد بالحد ما يعم التعريف اللفظي و كان الحكم إيجابا جزئيا أو لم يعتبر اتحاد الجهة في الترادف اتجه ذلك ثم هل يجب صحة وقوع أحد المترادفين موضع الآخر قيل نعم لأنه لو امتنع فأما من جهة التركيب و لا حجر فيه إذا صح و أفاد المقصود و ذلك معلوم من اللغة قطعا و أما من جهة المعنى و لا يعقل ذلك فيه لأنه واحد فيهما و فيه نظر لأنا نختار أن الامتناع من جهة التركيب و ذلك لجواز أن يكون الواضع قد اعتبر في استعمال أحدهما ما لم يعتبره في الآخر كما في الضمائر المتصلة و المنفصلة و قد يستدل على ذلك بأن ذا ترادف صاحب و لا تقع مكانه عند الإضافة إلى بعض المعارف و هذا إنما يتم إذا لم تجعل الألفاظ اللازمة للإضافة متضمنة لمعنى الإضافة و قد تقدم الكلام فيه احتج المانع بأنه لو صح لصح تبديل لفظ الجلالة في تكبيرة الإحرام بمرادفه العجمي و التالي باطل أما الملازمة فلأنهما مترادفان و التقدير صحة وقوع أحدهما موضع الآخر و فيه منع الملازمة لأن المقصود صحة وقوع أحدهما موضع المعنى بحسب الوضع لا في ترتب الأحكام عليه بمقتضى الشرع و ربما منع بعض العامة من بطلان التالي بناء على صحته في مذهبه و قد يجاب بأن المنع لاختلاط اللغتين و هو ضعيف لورود الإشكال عليه بما لو بدل أكبر أيضا بمرادفه‏

فصل [علامات الحقيقة و المجاز]

يعرف كل من الحقيقة و المجاز بعلامات و دلائل منها نص أهل اللغة عليه مع سلامته من المعارض و مما يوجب الريب في نقله كالتمسك بما لا دلالة فيه على دعواه مع الاقتصار عليه و كذا الخبير بكل اصطلاح إذا أخبر كذلك و هذا مما لا يعرف فيه خلاف و أما عند التعارض فإن أمكن الجمع تعين و إلا فإن كان التعارض بين النفي و الإثبات تعين القول بالإثبات ما لم يعتضد الآخر بما يترجح به عليه لأن مرجع الإثبات إلى الاطلاع و مرجع النفي إلى عدم الاطلاع غالبا و إلا فالتعويل على ما كان الظن معه أقوى كالمعتضد بالشهرة أو بأكثرية اطلاع نقلته أو حذاقتهم أو نحو ذلك ثم التعويل على النقل مقصور على الألفاظ التي لا طريق إلى معرفة حقائقها و مجازاتها إلا بالنقل و أما ما يمكن معرفة حقيقته و مجازه بالرجوع إلى العرف و تتبع موارد استعماله حيث يعلم أو يظن عدم النقل فلا سبيل إلى التعويل فيه على النقل و من هذا الباب أكثر مباحث الألفاظ المقررة في هذا الفن كمباحث الأمر و النهي و العام و الخاص و لهذا نراهم يستندون في تلك المباحث إلى غير النقل و السر في ذلك أن التعويل على النقل من قبيل التقليد و هو محظور عند التمكن من الاجتهاد و لأن الظن الحاصل منه أضعف من الظن الحاصل من غيره كالتبادر و عدم صحة السلب بل الغالب حصول العلم به فالعدول عنه عدول عن أقوى الأمارتين إلى أضعفهما و هو باطل و منها التبادر و تبادر الغير فالأول علامة الحقيقة و الثاني علامة المجاز و المراد بالتبادر ظهور اللفظ المجرد عن القرينة في المعنى و انسباقه منه إلى الفهم فلا يرد النقض بالمجاز المحفوف بالقرينة حيث يتبادر منه المعنى المجازي لأنه إذا تجرد عنها لم ينسبق معناه المجازي إلى الفهم و لا فرق في القرينة بين أن يكون شهرة أو غيرها لكن تجريد اللفظ عن القرينة الشهرة لا يمكن حال الاشتهار إلا بتجريد النظر عنها لكونها لازمة له و منهم من نفي تحقق ذلك و جعله مجرد فرض لا حقيقة له نظرا منه إلى أن اللفظ إذا بلغ في الاشتهار إلى حيث يتبادر منه المعنى فقطع النظر عن الشهرة لا يخرجه عن تبادره و جوابه أنا قد نجد من الألفاظ ما إذا أطلق تبادر منه معناه الحقيقي لكن‏

33

النفس تنصرف عنه إلى معناه المجازي بملاحظة شهرة إطلاقه عليه فإن التبادر المستند عند السامع إلى الشهرة يستلزم ملاحظتها عند حصوله و لو إجمالا و يمتنع مع قطع النظر عنها و أما نعم لقائل أن يقول لا فرق حينئذ بين الشهرة في المنقول بالنسبة إلى من حصل النقل عنده بالشهرة و بين الشهرة في المجاز المشهور فإن كلا من الشهرتين سبب للتبادر و قطع النظر عن كل منهما يقتضي عدم حصول التبادر و يمكن دفعه بأن الشهرة في المنقول لا يلزم ملاحظتها و إنما يلزم ملاحظة الاختصاص الناشئ منها كما في سائر الحقائق فإن الوضع بكلا نوعيه يوجب اختصاص اللفظ بالمعنى و هو يعرف غالبا بمراجعة الوجدان عند ملاحظة اللفظ و العلم به كاف في الانتقال و لا حاجة إلى العلم بسببه من التعيين أو الغلبة بخلاف الشهرة في المجاز المشهور فإنها قرينة على التجوز فلا بد من ملاحظتها و لو إجمالا ليتحقق الصرف إليه نعم يبقى الإشكال فيما إذا استند العلم بالنقل إلى ملاحظة الشهرة و الغلبة و هذا لا يندفع له فالتحقيق أن يقال التبادر الذي نعتبره علامة للحقيقة هو التبادر الابتدائي و لا ريب أن المعنى المنقول إليه يتبادر من المنقول أولا بخلاف المعنى المجازي في المجاز المشهور فإنه يتبادر منه من حيث كونه متفرعا على معنى آخر و لهذا تجد الآثار المقصودة من المجاز كالمبالغة و البلاغة و غيرهما مما يبتني على ملاحظة المعنى الحقيقي و لو إجمالا مترتبة عليه بخلاف المنقول فإنه بعد النقل يتجرد عن تلك الآثار كسائر الحقائق و بهذا يتضح الفرق بين المنقول و المجاز المشهور و يسقط وهم من أنكر الفرق بينهما و مما حققنا يظهر ضعف ما زعمه الفاضل المعاصر تبعا لبعض المتأخرين في الفرق بين المنقول و المجاز المشهور من أن التبادر في المجاز المشهور بواسطة الشهرة و في المنقول من نفس اللفظ و وجه الضعف أن التبادر في المنقول أيضا قد يستند إلى ملاحظة الشهرة كما عرفت فلا يتم الفرق ثم على المقام إشكالات منها أنه لو صحت علامة الحقيقة لكان كل لفظ حقيقة في أن له لافظا لأن هذا المعنى يتبادر منه عند الإطلاق و بطلان التالي يقضي ببطلان المقدم و الجواب أن ذلك تبادر من التلفظ لا من اللفظ أعني الملفوظ و المراد هنا هو الثاني لأنه الموضوع مع أنا نمنع صدق المعنى على المدلول الأول مع أن المراد تبادر المعنى من حيث استناده إلى الوضع و لا يلزم الدور لأن المراد مطلق الاستناد و هو مشترك بين الحقيقة و المجاز و منها أن اللفظ المشترك إذا استعمل في غير ما وضع له فلا ريب في كونه مجازا مع أنه لا يتبادر منه غيره فلا ينعكس علامة المجاز فلئن قيل يتبادر منه مفهوم أحد المعاني فيكون متواطيا و قد فرض مشتركا و أيضا إطلاق المشترك على مفهوم أحد المعاني مجاز قطعا فيجب أن لا يتبادر و إلا لانتقضت علامة الحقيقة به و الجواب أن المتبادر هناك إنما هو كل واحد مما صدق عليه أحد المعاني و هو غيره و لا ريب في أن اللفظ حقيقة فيه هذا إذا قلنا بأن الدلالة لا تتوقف على الإرادة فلا تتوقف دلالة المشترك على ذكر القرينة و أما إذا قلنا بالتوقف فلا يستقيم الجواب المذكور بل الوجه حينئذ أن يلتزم بعد انعكاسها و لا ضير فيه لجواز أن تكون علامة الشي‏ء أخص منه و قس على ذلك الحال في استعمال المشترك في أحد معانيه بالنسبة إلى علامة الحقيقة و لك أن تمنع توقف دلالة المشترك على القرينة على القول المذكور لأن اللازم عليه توقف الدلالة على الإرادة لا على تعيين موردها و منها أن هذه العلامة دورية لتوقف التبادر على العلم بالوضع ضرورة أن الجاهل بالوضع لا ينتقل من اللفظ إلى المعنى الموضوع له فلو توقف العلم بالوضع على التبادر لزم الدور و أيضا تبادر الغير إنما يكون علامة المجاز إذا لم يتبادر نفس المعنى و إلا لورد النقض بالمشترك و عدم تبادر المعنى إنما يعتبر إذا كان منشؤه العلم بعدم الوضع إذ على تقدير الجهل به يحتمل أن يكون الوضع متحققا و يكون الجهل به مانعا من حصول التبادر فلا يمكن الاستناد إليه لا يقال فيلزم الاشتراك و المجاز أولى منه لأنا نقول فتكون العلامة حينئذ خلافية لوقوع الخلاف في الأصل المذكور مع أن ظاهرهم الاتفاق عليها على أن الأصل يجوز انخرامه بثبوت خلافه بخلاف العلامة فإنه يجب اطرادها فلا يصح أن تعتبر فيها و يمكن دفعه باعتباره طريقا فيها لا جزء منها هذا فلو توقف العلم بعدم الوضع على تبادر الغير لزم الدور و الجواب أن ما يتوقف‏

عليه التبادر إنما هو العلم بالوضع و لو إجمالا و ما يتوقف على التبادر إنما هو العلم به تفصيلا فلا يتحد الطرفان على أن ما يتوقف على علمنا بالوضع إنما هو نفس التبادر و أما علمنا بالتبادر كما هو المقصود هنا فلا يتوقف على علمنا بالوضع بل يمكن استفادته من تنصيص أهل اللغة و التتبع في موارد إطلاق اللفظ و التصفح في مواضع استعماله كما إذا استقر بنا فوجدنا أهل العرف حيثما أطلقوا لفظا بغير قرينة تبادر إليهم معنى و إذا أرادوا منه معنى غيره نصبوا قرينة فنعلم من ذلك أنه حقيقة في الأول مجاز في الثاني لا يقال مجرد التبادر في الموارد مع عدم مصادفة القرينة لا يستلزم الحقيقة لجواز أن يكون التبادر لقرينة خفية لازمة للفظ كما في المجاز المشهور لأنا نقول لما كان المدار في إثبات وضع الألفاظ على الظن غالبا فمثل هذا الاحتمال لندرته لا يورث الوهن فيه فإن الظن إنما يلحق الشي‏ء بالأعم الأغلب و مما يرشد إلى ذلك أن أعظم طرق اللغويين في تميز المعاني الحقيقية عن المجازية هو هذه العلامة على ما هو الظاهر و ظاهر أن هذا الاحتمال قل أن لا يتطرق إليها فلو كانوا يلتفتون إليه لما حصل لهم التميز في معظم الألفاظ و لك أن تتمسك أيضا في نفي القرينة بأصالة عدمها لأنها لم تكن قبل الاستعمال فالأصل بقاؤها على العدم و لا يشكل بأن الأصل مما يصح تخلفه عن مقتضاه لقيام أمارة عليه بخلاف العلامة فإنها عبارة عن الخاصة و هي لا تتخلف لأن الأصل على ما قررنا طريق إلى العلم بتحقق العلامة و ليس بها و لا منها فصحة التخلف متطرقة إلى طريق العلامة لا إلى نفسها فلا إشكال و من هنا يتبين أن الأصل في التبادر أن يكون وضعيا فيبنى عليه إلى أن يتبين كونه إطلاقيا أو بمعونة قرينة أخرى و منها أن اللفظ الموضوع للحقيقة المطلقة كثيرا ما يطلق و يتبادر منه الحقيقة الموجودة

34

في ضمن الأفراد المتعارفة أو الكاملة في تلك الحقيقة و حينئذ لو صحت تلك العلامة لكان اللفظ حقيقة في تلك الأفراد و مجازا في الحقيقة المطلقة و المفروض خلافه و الجواب أن المتبادر من اللفظ الموضوع للحقيقة المطلقة ليس إلا الحقيقة المطلقة و تبادر أفرادها المتعارفة أو الكاملة ليس بالنظر إلى نفس اللفظ الموضوع بل بالنظر إلى أمور خارجة و بالجملة هناك أمران إرادة الحقيقة و إرادة كونها في ضمن أفراد مخصوصة فاللفظ إنما يدل على الأول بالوضع و الثاني إنما يستفاد من شواهد خارجة و منها أن اللوازم البينة للمعنى تتبادر من اللفظ معه باعتبار وضعه له فلو كان التبادر يقتضي الحقيقة لوجب أن يكون اللفظ حقيقة فيها أيضا بالنظر إلى وضعه و هو خلاف الفرض و جوابه أن التبادر الذي هو علامة الحقيقة هو التبادر الناشئ عن نفس اللفظ و التبادر المذكور ليس ناشئا من اللفظ بل من المعنى فإن اللفظ إنما يدل على لوازم معناه بواسطة دلالته عليه فلا إشكال و منها صحة سلب المعنى و عدمها بحسب نفس الأمر أي من غير بناء على المسامحة و التأويل و الأول علامة المجاز و الثاني علامة الحقيقة و إنما اعتبرنا القيد الأخير احترازا عما لو اعتبر صحة السلب و عدمها بحسب الدعوى و التأويل في الصحة أو الإسناد أو المسند أو المسند إليه كما لو قيل زيد حمارا و ليس بإنسان و ادعي صحة ذلك من غير تأويل أول الإسناد كما لو جعل النفي للإثبات أو بالعكس أو المسند كما لو أريد بالحمار البليد و بالإنسان النوع الكامل منه أو المسند إليه بفرض حقيقته من حقيقة المحمول أو مغايرته لها فإنه و إن صح ذلك كله لكنه لا يقتضي الحقيقة و لا المجاز و كذلك اللفظ المستعمل بمعنى اللفظ كما لو أطلق زيد و أريد به لفظه فإن عدم صحة السلب متحقق و لا حقيقة و ذلك لأن الاستعمال فيه مبني على المسامحة و الخروج عن ظاهر الاستعمال فإن الظاهر من الاستعمال أن يكون على حسب قوانين الوضع لأنه المتداول و زعم بعض المعاصرين أنه لا حاجة إلى القيد المذكور لأن المراد صحة سلب المعنى الحقيقي حقيقة و عدمها و الأصل في الاستعمال الحقيقة و لا يخفى ما فيه ثم على هذه العلامة إشكالان الأول أنها منتقضة بالمجاز المستعمل في الجزء أو اللازم المحمولين كالإنسان في الناطق و الضاحك فإنه لا يصح أن يقال الإنسان ليس بناطق أو ليس بضاحك مع أنه ليس حقيقة فيه و كذلك العام إذا استعمل في الخاص فإن عدم صحة السلب متحقق و لا حقيقة و الجواب أن هذا الإشكال إنما يتوجه إذا اعتبر السلب بالحمل المتعارف كما زعمه بعضهم و أما إذا اعتبر بالحمل الذاتي أعني ما يكون مفاده الاتحاد في الحقيقة فلا إشكال إذ يصدق في تلك الأمثلة أن مفهوم الإنسان ليس نفس مفهوم الناطق و الضاحك و أن مفهوم العام ليس نفس مفهوم الخاص هذا إذا كان الخاص معتبرا من حيث الخصوصية و إلا فلا ريب في أنه حقيقة فيه هذا ما يستفاد من كلمات القوم و التحقيق عندي أن السلب بالحمل المتعارف معتبر في المقام أيضا و لا إشكال إذ ليس المقصود أن عدم صحة السلب أي سلب المعنى الغير التأويلي علامة للحقيقة مطلقا بل المراد أنه علامة لها في الجملة فإن كان السلب بحمل هو هو كان علامة لكون اللفظ حقيقة فيما لا يصح السلب عنه من حيث الخصوصية أي باعتبار نفس المعنى كما مر و إن كان بالحمل المتعارف المقابل للحمل الذاتي كان علامة لكونه حقيقة فيه إن أطلق عليه باعتباره و إن كان بالحمل المتعارف بالمعنى الأعم أعني ما يكون مفاده مجرد الاتحاد في الخارج كان علامة لكونه حقيقة فيه في الجملة و أما صحة السلب فيصح أن يعتبر بالحمل الذاتي فتكون علامة لكونه مجازا فيه من حيث الخصوصية و أن تعتبر بالحمل المتعارف بالمعنى الأعم فيكون علامة لكونه مجازا فيه مطلقا و أما إن اعتبرت بالحمل المتعارف المقابل للحمل الذاتي فلا تصلح علامة للمجاز لأن الإنسان يصح سلبه من الحيوان الناطق بهذا الحمل و ليس مجازا فيه قطعا الثاني أن هذه العلامة دورية لاشتمالها على الدور أما في المجاز فلأن العلم به يتوقف على صحة سلب جميع المعاني الحقيقية عنه لأن سلب البعض غير مفيد لجواز الاشتراك و العلم بصحة سلب الجميع يتوقف على العلم بأن المعنى المبحوث عنه ليس منها و إلا لم يحصل العلم بصحة سلب الجميع و الفاضل المعاصر علل التوقف هنا بقوله لاحتمال الاشتراك فإنه يصح سلب بعض معاني المشترك عن بعض و لا يذهب عليك أن التعليل المذكور لا تعلق‏

له بهذه المقدمة بل بالمقدمة الأولى فالصواب ذكره عندها كما فعلناه ثم ذلك يتوقف على العلم بكونه مجازا فيه و إلا لجاز أن يكون أيضا من المعاني الحقيقية فلا يحصل العلم بأنه ليس منها فلو توقف العلم بكونه مجازا على العلم بصحة السلب لزم الدور و على هذا التقدير فالدور مضمر لكن لا يخفى ما فيه بل الوجه أن يقرر هكذا المراد بصحة السلب صحة سلب جميع المعاني الحقيقية لما مر و العلم بصحة سلب الجميع يتوقف على أمرين العلم بجميع المعاني الحقيقية و العلم بأن المعنى المبحوث عنه ليس منها أما توقفه على الأول فظاهر و أما على الثاني فلأنه لو لا ذلك لم يمكن الحكم بصحة السلب لاحتمال أن يكون ذلك المعنى منها فيلزم سلب الشي‏ء من نفسه و العلم بخروجه عن جميع المعاني الحقيقية هو العلم بكونه معنى مجازيا إذ لا نعني بهذه العلامة إلا استعلام ذلك لأن الكلام في الاستعمال الصحيح المستند إلى الوضع و لقصورها عن إفادة غير ذلك فلو توقف المجاز على صحة السلب لزم الدور أو نقول يتوقف العلم بخروج ذلك المعنى عن المعاني الحقيقية على العلم بصحة السلب إذ هو في مرتبة العلم بالمجازية فيتوقف على ما يتوقف عليه فلو توقف العلم بصحة السلب عليه لزم الدور فالدور على هذين التقديرين ظاهر إلا أنه في الأول بين الأمر المستعلم و بين العلامة و في الثاني في نفس العلامة و أما في الحقيقة فلأن العلم بها يتوقف على العلم بعدم صحة السلب و هو يتوقف على العلم بكون اللفظ حقيقة فيه و هو دور ظاهر و زعم الفاضل المعاصر أن الدور فيه مضمر لأن العلم بأن الإنسان مثلا حقيقة في البليد يتوقف على العلم بعدم صحة سلب المعاني الحقيقية للإنسان عنه و العلم بهذا يتوقف على العلم بعدم معنى حقيقي للإنسان يجوز سلبه عن البليد كالكامل في الإنسانية و العلم بهذا يتوقف على العلم بأن الإنسان حقيقة في البليد و ذلك لأن عدم صحة السلب على تقدير أن يكون السلب جزئيا

35

لا يثبت به إلا الحقيقة في الجملة و لئن اكتفوا بذلك هنا لكان عليهم أن يكتفوا في المجاز أيضا بالسلب الجزئي و يجعلوه علامة للمجاز في الجملة هذا محصل كلامه أقول لا خفاء في أن الغرض من هذه العلامة إنما هو استعلام حال اللفظ بالنظر إلى المعنى المقصود من كونه حقيقة فيه فيجري في المشترك و غيره لا أنه لا يستعمل في المعنى المقصود إلا حقيقة فيختص مورد العلامة بما يتحد معناه الحقيقي و لا ريب في أن العلم بأن الإنسان مثلا حقيقة في البليد أي في المعنى الذي يطلق باعتباره على البليد إنما يتوقف على العلم بعدم صحة سلب أحد معانيه الحقيقية عنه إذا كان له حقائق متعددة فيعلم أنه حقيقة فيه باعتبار ذلك المعنى لا عدم صحة سلب الجميع ضرورة أن بعض معاني المشترك مما يصح سلبه عن بعض و هذا بخلاف المجاز لأن العلم به يتوقف على العلم بصحة سلب الجميع إذ مجرد سلب البعض لا يقتضي أن يكون مجازا كما لا يقتضي أن يكون حقيقة و أما إذا صح سلب الجميع لزم أن يكون مجازا و إلا لكان غلطا و الكلام في الاستعمال الصحيح نعم لو أخذ صحة السلب في المجاز باعتبار المعنى الحقيقي الذي استعمل اللفظ باعتباره في المعنى المقصود أو صح ذلك فيه لم يحتج إلى أخذ صحة السلب بالنسبة إلى جميع المعاني الحقيقية بل كان أخذها بالنسبة إلى المعنى المعتبر مغنيا عن ذلك لكن القوم لما اعتبروا علامة الحقيقة في اللفظ المجرد عن هذا الاعتبار ناسب أن يعتبروا علامة المجاز أيضا في اللفظ المجرد عن الاعتبار المذكور ليتوافق مورد العلامتين فاحتاجوا في المجاز إلى اعتبار صحة السلب بالنسبة إلى جميع المعاني الحقيقية مع أن اللفظ في إطلاقه على المعنى المقصود إن كان مأخوذا بحسب معناه الحقيقي فلا يتم في غير الاستعارة التي مبناها على التصرف في أمر عقلي و قد حققنا سابقا أنه ليس من باب المجاز و لو سلم لعلامة غير مقصودة عليه عندهم و إن كان مأخوذا بحسب معنى آخر و اعتبر المعنى الحقيقي لمجرد تحصيل العلاقة فالعلم بمجازية ذلك المعنى حينئذ حاصل من حيث اعتبار العلاقة فلا يتوقف على اعتبار العلامة فتدبر ثم أقول تقرير الدور على الوجه الذي ذاكره بظاهره مبني على تخصيص مورد العلامة باللفظ الذي ينحصر معناه الحقيقي في معنى واحد و أن يكون الغرض منها معرفة حال اللفظ الذي لا يقع مستعملا في المعنى المبحوث عنه إلا حقيقة و هذا مع ما فيه من قلة الجدوى و المخالفة لصريح كلمات القوم مدفوع بأن الدور فيه أيضا ظاهر لأن العلم بكون الإنسان حقيقة في البليد لا غير مثلا أي في المعنى الذي يطلق باعتباره على البليد يتوقف على العلم بعدم معنى حقيقي للإنسان يصح سلبه عنه و إلا لجاز أن يكون مجازا فيه باعتبار بعض معانيه و هو يتوقف على العلم بكونه حقيقة فيه لا غير و أما العلم بعدم صحة سلب المعاني الحقيقية للإنسان عن البليد ففي مرتبة العلم بعدم معنى حقيقي للإنسان يصح سلبه عن البليد بل هو عينه إن لم يقصد الفرق بينهما بالتفصيل و الإجمال فلا يعقل الترتب و التوقف بينهما هذا و إن أراد أن المعتبر في العلامة أن لا يكون للفظ كالإنسان باعتبار أحد معانيه إذا كانت له معان متعددة مورد كالكامل في الإنسانية و نحوه بحيث يصح سلبه عن المعنى المبحوث عنه كالحيوان الناطق ليكون علامة لكونه حقيقة فيه من حيث الخصوصية ففيه مع عدم استلزامه إضمار الدور كما عرفت أنه إن اعتبر السلب بالحمل الذاتي لم يستقم قطعا ضرورة أن كل مورد من الخصوصيات مما يصح سلبه عن المعنى المبحوث عنه بالحمل الذاتي إذا كان اللفظ حقيقة فيه بخصوصه و إن اعتبره بالحمل على الوجه الأعم فمع كونه على خلاف الوجه المعتبر لأخصية المسلوب عن المسلوب عنه لا يثبت به كون اللفظ حقيقة فيه بخصوصه ضرورة أنه لا يصح سلب الإنسان بهذا الحمل عن الناطق و الضاحك مثلا مع أنه ليس حقيقة فيه بخصوصه و قد أجيب عن الإشكال بوجوه منها أن المراد بصحة السلب و عدمها أن يكون إطلاق اللفظ عليه باعتبار معنى يصح سلبه عنه أو لا يصح مثلا إذا أطلق الحمار على البليد فإنما هو باعتبار معنى يصح سلبه عنه و هو الحيوان الناهق و إذا أطلق الإنسان عليه فإنما هو باعتبار معنى لا يصح سلبه عنه و هو الحيوان الناطق هذا حاصل ما ذكره بعض المتأخرين و عندي فيه نظر لأنه إن أراد بالمعنى الذي اعتبر صحة السلب و عدمها باعتباره خصوص المعنى الحقيقي أو الغير التأويلي كما سبق ففيه أن العلامة حينئذ تختص باستعلام‏

حال الإطلاق على غير المعنى الموضوع له كما يساعد عليه تمثيله ضرورة أن الإنسان إنما يطلق على الحيوان الناطق و هو نفس المعنى ابتداء لا باعتبار معنى آخر و لو تعسف في التعميم إليه لبقي إشكال الدور فيه بحاله إذ ليس في بيانه ما يساعد على دفعه و التزام هذا الاختصاص غير مناسب للمقام مع أن هذا لا يستقيم بناء على اعتبار السلب بالحمل الذاتي كما مر في دفع الإشكال الأول ضرورة أن اللفظ باعتبار معناه الحقيقي مما يصح سلبه عن جميع موارده الخاصة و لوازمه العقلية بهذا الحمل على أن العلم بصحة السلب و عدمها حينئذ مبني على العلم بخروج المورد عن المعنى الموضوع له و عدمه و هو في مرتبة العلم بكون الاستعمال فيه مجازا أو حقيقة أو نفسه على ما مر فيبقى إشكال الدور بحاله و إن أراد به المعنى الأعم انتقض علامة الحقيقة حينئذ بأكثر أقسام المجاز مثلا إذا أطلق الكاتب بمعنى الإنسان على زيد لا من حيث الخصوصية صدق عليه أنه قد أطلق عليه باعتبار معنى لا يصح سلبه عنه و هو الحيوان الناطق و ظاهر أنه ليس حقيقة فيه لا يقال المراد بقوله باعتبار معنى مجرد ملاحظته و لا ريب في أن استعمال اللفظ في معناه المجازي مبني على ملاحظة معناه الحقيقي و اعتبار العلاقة و لو إجمالا فيستقيم الجواب إذ يصدق في المثال المذكور أنه أطلق الكاتب بمعنى الإنسان على زيد باعتبار معنى يصح سلبه عنه و هو مفهوم الكاتب ضرورة أن مفهوم الكاتب ليس نفس مفهوم الإنسان لأنا نقول غاية الأمر أن يصدق علامة المجاز بالاعتبار المذكور كما يصدق عليه علامة الحقيقة بالاعتبار الذي ذكرناه و ليس هناك ما يعين أحد الاعتبارين فيبقى محذور الفساد بحاله و منها أن الإشكال‏

36

المذكور إنما يتمشى فيما لو أطلق لفظ على معنى و لم يعلم أنه حقيقة فيه أو مجاز و أما إذا علم معناه الحقيقي و المجازي و شك في المراد فصحة نفي المعنى الحقيقي عن مورد الاستعمال تدل على إرادة المعنى المجازي كما إذا قيل طلع البدر علينا فإنه إذا كان مورد الاستعمال أعني مقام الخطاب بحيث يصح أن يقال ليس الطالع هو البدر حقيقة كان المراد به معناه المجازي و فيه أنه خروج عن محل البحث لأن الكلام في معرفة المعنى الحقيقي و المجازي لا في تعيين المراد منهما عند الإطلاق و اعلم أن هذا الجواب على ما نقلناه مطابق لما نقله العضدي و التفتازاني في دلالته على دفع إشكال الدور عن علامة المجاز من غير تعرض لدفعه عن علامة الحقيقة و المحقق الشريف صرح بعدم جريانه في علامة الحقيقة معللا بأن اللفظ الموضوع للعام إذا استعمل في الخاص كان مجازا مع امتناع سلب المعنى الحقيقي عن المورد و اعترض عليه المدقق الشيرازي بأن ذلك إنما يقتضي عدم اطراد الجواب المذكور لا عدم دفعه لإشكال الدور و لعله يريد أن عدم اطراد الجواب المذكور لا يقتضي إلغاءه رأسا كما يظهر من عبارة المحقق الشريف لإمكان إجرائه في غير المورد المذكور فلا يرد عليه ما قيل من أن مقصود المحقق الشريف أن الجواب المذكور و إن دفع الدور إلا أنه لا جدوى فيه لورود الإيراد المذكور عليه نعم يرد عليه أنه ليس للعلامة حينئذ قاعدة يمكن اطرادها في مواردها بحيث يعتد بها إذ لا اختصاص للنقض باستعمال العام في الخاص فإنه لو فرض وجود حمار و بليد في الدار و قيل في الدار حمار و أريد به البليد كان الاستعمال مجازا قطعا مع أن المعنى الحقيقي لا يصح سلبه عن مورد الاستعمال لاحتمال المقام له إلى غير ذلك هذا و أورد الفاضل على الجواب المذكور بأنه كما يصح صحة سلب المعنى الحقيقي عن مورد الاستعمال علامة لإرادة المعنى المجازي كذلك يصلح صحة سلب المعنى المجازي عن مورد الاستعمال علامة لإرادة المعنى الحقيقي فلا يختص العلامة المذكورة بالمجاز ثم أورد على هذا الوجه سؤالا و هو أن الماهيات و الحقائق المجازية قد تتعدد فنفي حقيقة منها لا يوجب تعيين إرادة بعض معاني اللفظ فلا يوجب تعيين إرادة المعنى الحقيقي و أجاب بأن المجيب المذكور قد اعتبر في جوابه دوران الاحتمال بين معنى حقيقي معين و معنى مجازي معين ففرض التعدد خارج عن مفروضه مع أن لنا أن نجعل العلامة على تقدير تعميم الفرض سلب جميع المعاني المجازية فيتم بلا إشكال لأن سلب الجميع يوجب تعيين إرادة المعنى الحقيقي إذ لا مخرج عنهما هذا محصل كلامه بعد التنقيح و التوضيح و فيه نظر لأن العلامة المقررة عند القوم في المقام إنما هي صحة سلب المعنى في نفس الأمر و عدم صحة سلبه كما ذكره العضدي أو صحة سلب المعنى الحقيقي و عدم صحة سلبه كما اختاره المورد المذكور في تحرير العنوان و لا ريب أن المعنى المجازي ليس بمعنى نفس أمري للفظ و لا بمعنى حقيقي له حتى يعتبر صحة سلبه علامة للحقيقة مع أن المعتبر عندهم في علامة الحقيقة عدم صحة السلب لا صحته و ظاهر أن الكلام في المقام في دفع الدور المورد على العلامتين المقررتين عندهم لا في إحداث علامة أخرى و هذا واضح نعم غاية ما يمكن أن يقال علي المجيب حينئذ هو أن القوم لو اعتبروا صحة سلب المعنى الحقيقي علامة لإرادة المعنى المجازي لا لإثبات كون المعنى مجازيا لكان عليهم أن يعتبروا صحة سلب المعنى المجازي علامة لإرادة المعنى الحقيقي أيضا فيلزمهم ترك ما ينبغي التعرض له و لا ريب أن التزام مثل ذلك هين بالنسبة إلى ما يلزمهم من إشكال الدور و فساد العلامة ثم أورد على ما ذكره المحقق الشريف أن العام إنما يكون مجازا في الخاص إذا استعمل فيه من حيث الخصوصية و لا ريب في صحة سلب معناه الحقيقي عنه حينئذ و فيه نظر أيضا لأنه إن اعتبر السلب بالحمل المتعارف كما هو الظاهر من إطلاقه للسلب فلا ريب في أن العام لا يصح سلبه عن الخاص بهذا الحمل مطلقا لا من حيث تحقق العام في ضمنه و لا من حيث الخصوصية ضرورة أن الحيوان لا يصح سلبه عن الناطق الذي يغايره بالمفهوم فضلا عن صحة سلبه عن الإنسان المركب منه و من الناطق مع أن استعماله فيهما مجاز قطعا و لو أراد صحة سلب كونه معنى حقيقيا للفظ بقي إشكال الدور بحاله و إن اعتبر السلب بالحمل الذاتي فمع منافاته لجوابه الآتي غير وارد على المحقق الشريف لأن المجيب اعتبر السلب بالنسبة

إلى مقام الخطاب دون المستعمل فيه إذ الغرض قصد تعيينه بالعلامة و الوجه المذكور إنما يجدي في الثاني دون الأول و منها أن المراد سلب ما يفهم من اللفظ المجرد عن القرينة و عدمه و فيه أنه إذا علم المعنى المستفاد من اللفظ المجرد كفي أن يقال إنه حقيقة فيه و مجاز في غيره كما مر في العلامة السابقة و لا حاجة إلى السلب المذكور سلمنا لكن معرفة ما يفهم من اللفظ المجرد عن القرينة متوقف على معرفة الوضع فلو توقف معرفة الوضع عليه كان دور أو يمكن تقرير الجواب المذكور بوجه يرجع إلى ما نختاره في الجواب كما لا يخفى و منها ما يجري في المجاز فقط و هو منع توقفه على العلم بصحة سلب جميع معانيه الحقيقية حتى يرد الإشكال المذكور بل يكفي صحة سلب بعض معانيه الحقيقية عنه لأنه حينئذ إن لم يكن مجازا في المعنى المسلوب عنه لكان حقيقة لأن المفروض صحة الاستعمال فيلزم الاشتراك و هو خلاف الأصل و فيه أولا أن العلامة تكون حينئذ خلافية و ظاهرهم الاتفاق عليها و ثانيا أن الأصل المذكور إنما يجري حيث يكون بين المعنيين علامة معتبرة إذ بدونها لا محيص عن ثبوت وضع آخر و حينئذ لا يمكن نفيه عن المعنى المستعمل فيه بالأصل مع أن العلامة المذكورة لا تختص به و ثالثا أن الأصل قد يتخلف عن مورده لقيام دليل عليه و العلامة لا يجوز تخلفها عن شي‏ء من مواردها كما مر فلا يصح أخذه جزءا و منها ما زعمه الفاضل المعاصر من أن المراد بعلامة المجاز صحة سلب المعنى الحقيقي في الجملة و حينئذ فإن اتحد المعنى الحقيقي كان مجازا مطلقا و إن تعدد كان مجازا بالنسبة إلى الحقيقة المسلوبة و كذلك المراد بعلامة الحقيقة عدم صحة سلب المعنى الحقيقي في الجملة و هو علامة لكون ما لا يصح السلب عنه معنى حقيقيا بالنسبة إلى ذلك المعنى الذي لا يجوز سلبه عنه و إن احتمل أن يكون مجازا بالنسبة إلى معناه الآخر فلم يتوقف العلم بكون اللفظ حقيقة في المعنى على العلم بكونه‏

37

حقيقة فيه حتى يلزم الدور و هذا حاصل كلامه بعد التنقيح و هو فاسد أما في المجاز فلأن مجرد صحة سلب بعض المعاني الحقيقية عنه لا يستلزم أن يكون مجازا بالنسبة إليه و لو مجازا ثانيا بل يتوقف على وجود العلاقة مثلا صحة سلب العين بمعنى الذهب عن الميزان لا يقتضي أن يكون العين بمعنى الذهب مجازا فيه لعدم العلاقة المصححة و العجب أنه تفطن لهذا الإشكال فأورده على وجه السؤال و أجاب عنه بأنه إنما يرد لو أردنا كونه مجازا عنها بالفعل و أما إذا كان المراد كونه مجازا بالنسبة إليها لو استعمل فيه فلا يرد ذلك و هو كاف فيما أردناه هذا لفظه أقول لا خفاء في أن قوله لو استعمل فيه إنما يدفع السؤال إذا أراد به الاستعمال على الوجه الصحيح كما هو الظاهر بأن يكون هناك علاقة مصححة فيكون محصل كلامه بعد التصحيح أن صحة سلب اللفظ باعتبار أحد معانيه عن مورد الاستعمال علامة لمجازيته فيه على تقدير وجود العلاقة و وقوع الاستعمال بحسبها و فيه ما لا يخفى لأن العلامة حينئذ إنما تفيد كون الاستعمال فيه مجازا شأنيا على تقدير مجهول إذ لم يعتبر العلم بالعلاقة في العلامة و ظاهر أن الغرض من العلامة تعيين أحد القسمين و إلا فالعلم الإجمالي لا يحتاج إلى إعمال علامة لا يقال إذا صح سلب اللفظ باعتبار معناه الحقيقي عن مورد الاستعمال كان ذلك آية كونه مجازا فيه في الجملة و لو مجازا شأنيا و لا حاجة إلى اعتبار صحة استعماله فيه باعتباره و لا إلى اعتبار أن يكون هناك علاقة لأنه حينئذ لا يخلو إما أن يكون مشتركا بينهما أو لا فإن كان الثاني كان مجازا فيه مطلقا و إن كان الأول فلا أقل من أن يكون مجازا فيه إن أول اللفظ بالمسمى حال جعله مثنى أو مجموعا أو منكرا و إن لم يجز مطلقا لعدم العلاقة كذلك لأنا نقول مثل ذلك لا يتعلق مقاصد العقلاء باستعلام حاله بعلامة مستقلة كما لا يخفى سيما مع إمكان تحريرها على وجه يعم سائر الأقسام و أما في الحقيقة فلأنه إن أراد بالحقيقة التي التزم توقف عدم صحة السلب عليها ما جعل عدم صحة السلب علامة لها فلزوم الدور ظاهر و إن أراد غيرها فظاهر إذ لا توقف هناك لأن العلم ببعض معاني المشترك لا أثر له في العلم ببعض آخر و لئن نزل كلامه على إرادة أن الكلي إذا أطلق على الفرد كالإنسان بمعنى الحيوان الناطق على البليد فعدم صحة سلبه عن البليد يتوقف على العلم بأنه حقيقة في الحيوان الناطق و لا يتوقف العلم بهذا على العلم بعدم صحة سلبه عن البليد لتوجه عليه أن إطلاق الكلي على الفرد إن كان باعتبار الخصوصية فمجاز قطعا و إن كان باعتبار الكلي المتحقق في ضمنه فذلك في الحقيقة إطلاق اللفظ على معناه الكلي إذ معنى الإنسان الذي أطلق عليه البليد بهذا الاعتبار ليس إلا الحيوان الناطق فعلى ما التزمه من توقفه على العلم بأنه حقيقة في الحيوان الناطق يتوجه الدور اللهم إلا أن يريد حينئذ أن المقصود من هذه العلامة استعلام حال الفرد باعتبار وجود الكلي في ضمنه و عدمه فيرجع إلى الجواب الآتي و قد عده غيره و ربما أمكن الفرق بأن المقصود بالعلامة على الجواب الآتي استعلام حال الفرد فقط و على هذا الجواب استعلام ما هو أعم من ذلك فيدخل فيه مثل إطلاق الناطق على الإنسان لكن يتجه عليه الإشكالات الآتية فيه و منها ما ذكره هذا المعاصر أيضا و هو أن المقصود بهذه العلامة استعلام الحكم في الأفراد المشكوكة كما لو علمنا بأن للماء معنى حقيقيا و معنى مجازيا و شككنا في بعض الأفراد أنه يندرج تحت الأول أو الثاني فيستخبر الحال بالقاعدة المذكورة أقول و فيه خروج عن محل البحث فإن الكلام في العلامة التي يعرف بها المعنى الحقيقي و المجازي لا ما يعلم بها تحقق المعنى الحقيقي في ضمن الفرد و عدمه على ما يقتضيه ظاهر بيانه إلا أن يقال إن المقصود من ذلك استعلام حال الاستعمال في الفرد فلا يخرج عن محل البحث لكن يرد عليه مع عدم ملائمته لظاهر المقام أو عدم نهوضه بدفع الإشكال بتمامه مضافا إلى مخالفته لما مر في دفع الإشكال السابق من اعتبار السلب بالحمل الذاتي أن إشكال الدور وارد على ظاهره أيضا لأن العلم بصحة السلب أو عدمها من الفرد المشكوك فيه يتوقف على العلم بخروجه عن المعنى الحقيقي أو بدخوله فيه فلو توقف العلم بذلك على العلم بصحة السلب أو عدمها فتدبر هذا و الذي اختاره في الجواب أن يقال المقصود بالعلامة إنما هو تحصيل العلم التفصيلي‏

بالحقيقة و المجاز و هو لا يتوقف على العلم بالوضع و عدمه فضلا عن توقفه على العلم التفصيلي به إذ كثيرا ما يعلم ذلك من تنصيص أهل اللسان العارفين بطرق المقال أو شهادة الوجدان عن الخبير بكيفية الاستعمال و الثاني هو الغالب المتداول فإن قلت حكم الوجدان بصحة السلب و عدمها يتوقف على العلم بالوضع و عدمه ضرورة أن دلالة الألفاظ ليست ذاتية كما توهمه ابن عباد في ظاهر ما نسب إليه فلو توقف العلم بالوضع و عدمه على ذلك لزم الدور و أيضا قلت لا ريب في أن معنى اللفظ كثيرا ما يثبت في النفس و يتقرر فيها على الوجه المتقرر عليه عند أهل العرف لكثرة مصادفته في المحاورات و موارد الاستعمال و لو بمعونة القرائن و الأمارات لكن على نوع من الخفاء و ضرب من الإجمال فإذا أريد تبيينه و تعيينه احتيج إلى إعمال العلامة فالعلم التفصيلي يتوقف على اعتبار العلامة و هي إنما تتوقف على العلم الإجمالي كما مر في التبادر فلا دور فإن قيل هذا التوجيه لا يتجه في هذه العلامة فيما يعتبر فيه السلب بالحمل الذاتي فإن السلب لا يعتبر بين المعنى و اللفظ إذ لا شك في صحته دائما و لا بينه و بين مفهوم المعنى لوضوح صحة السلب بالنسبة إلى غير المعنى دائما بل يعتبر بينه و بين معناه الغير التأويلي فيتوقف العلم بعدم صحة سلب المعنى عن المعنى المبحوث عنه على العلم بأنه المعنى الغير التأويلي للفظ و لا ريب أن العلم بهذا هو العلم بكونه معنى حقيقيا فيعود إشكال الدور فنقول نختار القسم الأخير و نمنع لزوم الدور بما ذكرناه من الفرق بين العلم الإجمالي و التفصيلي لأن العلم بعدم صحة سلب المعنى الغير التأويلي عن المعنى المبحوث عنه‏

38

إنما يستدعي العلم به و لو إجمالا و المقصود تعيينه تفصيلا فلا إشكال‏

تتميم‏

كما يصح أن يعتبر عدم صحة السلب من غير تأويل علامة للحقيقة كذلك يصح أن يعتبر صحة الحمل من غير تأويل علامة لها فإن صح ذلك بالحمل الذاتي كان علامة لكونه حقيقة فيه من حيث الخصوص و إن صح بالحمل المتعارف المقابل للحمل الذاتي كان علامة لكونه حقيقة فيه إن أطلق عليه باعتبار ذلك المعنى و إن صح بالحمل المتعارف بالمعنى الأعم كان علامة لكونه حقيقة فيه في الجملة و أيضا كما يصح أن يعتبر صحة السلب من غير تأويل علامة للمجاز كذلك يصح أن يعتبر عدم صحة الحمل من غير تأويل علامة له و يجري في المقامين سائر الكلمات المتقدمة و كان القوم لم يتعرضوا لهما استغناء عنهما بصحة السلب و عدمها فإنهما يستلزمان عدم صحة الحمل و صحته و لا يذهب عليك أنهم لو اعتبروا صحة الحمل علامة للحقيقة بدلا عن عدم صحة السلب لكان أقرب إلى الاعتبار مع أنه المتداول في موارد الاستعمال حيث يستكشف الحال بمراجعة العرف و اللغة و منها الاطراد و عدمه أما الأول فهو علامة الحقيقة على ما نص عليه بعض المتأخرين و المراد به أن يكون المعنى الذي صح باعتباره الاستعمال من غير تأويل بحيث كلما تحقق صح الاستعمال فيه كذلك و ذلك كرجل و ضارب فإن المعنى الذي صح باعتباره إطلاقهما على زيد مثلا من غير تأويل هو بحيث كلما وجد صح إطلاقهما عليه كذلك و نحو هذا فإن المعنى الذي صح باعتباره استعماله في خصوص زيد من غير تأويل و هو كونه فردا من أفراد المذكر المشار إليه هو بحيث كلما تحقق صح استعماله في خصوصه كذلك حيثما يتحقق الاطراد على الوجه الأول فهو علامة لكون كل من الوضع و المعنى عاما و حيثما كان على الوجه الأخير فهو علامة كون الوضع عاما و الموضوع له خاصا و إنما اعتبرت الإطلاق و الاستعمال من غير تأويل مع أني لم أقف على من يعتبره لئلا يرد النقض بالكليات المستعملة في الخصوصيات مثلا يصدق أن المعنى الذي صح باعتباره استعمال الإنسان في خصوص زيد هو بحيث كلما ثبت صح الاستعمال فيه بخصوصه فالاطراد بهذا المعنى متحقق و لا حقيقة بل ربما يرد النقض بمطلق أقسام المجاز على ما سنشير إليه و كذلك إطلاق اللفظ على مثله على ما مر تحقيق القول فيه هذا غاية توجيه الكلام في المقام و هو بعد محل نظر لأنه إن اعتبر الاستعمال مطلقا انتقض بالمجاز كما عرفت و إن قيد بكونه على وجه الحقيقة أو من غير تأويل كما فعلنا لزم الدور لأن العلم بصحة استعمال اللفظ حيثما يتحقق ذلك المعنى حقيقة أو من غير تأويل مبني على العلم بأنه موضوع لذلك المعنى أو لخصوصيات أفراده فلو توقف العلم بذلك على العلم بالاطراد لزم الدور فإن قيل يمكن العلم بصحة الاستعمال على الوجه المذكور بمراجعة الوجدان أو بملاحظة محاورات أهل اللسان على ما مر البيان فلا يلزم الدور قلنا فإذا علمنا المعنى الذي صح باعتباره الاستعمال حقيقة أو من غير تأويل فقد كفانا علامة لكون اللفظ حقيقة في ذلك المعنى و لم نحتج إلى اعتبار كونه بحيث يصح استعماله حيثما يتحقق ذلك المعنى على وجه الحقيقة و كان هذا هو السر في عدم اعتبار المتقدمين إياه علامة للحقيقة و إن اعتبروا عدم الاطراد علامة للمجاز ثم أقول و الأظهر عندي أن يفسر الاطراد بأن يكون المعنى الذي صح باعتباره استعمال اللفظ على الحقيقة أو من غير تأويل في موارده المعلومة من حيث القدر المشترك بحيث يصح أن يستعمل كذلك في موارده المشكوكة فيستعلم من ذلك أن اللفظ موضوع للقدر المشترك بين تلك الموارد و أن المعنى الذي يصح استعمال اللفظ باعتباره متحقق في الجميع كما لو علمنا مدلول اللفظ الماء الحقيقي إجمالا و ترددنا في تفصيله و تعيينه بين أن يكون موضوعا لخصوص القدر المشترك بين المياه الصافية أو الأعم من ذلك أعني القدر المشترك بينها و بين المياه الكدرة فبصحة إطلاقه على المياه الكدرة من غير تأويل باعتبار ذلك المعنى نستعلم كونه حقيقة في المعنى الأعم فإن قيل فالعلامة حينئذ دورية لأن العلم بصحة إطلاق لفظ الماء مثلا من غير تأويل على الماء الكدر مبني على العلم بأنه موضوع للقدر المشترك بينه و بين الماء الصافي فلو توقف العلم بذلك على العلم بكونه حقيقة فيه لزم الدور قلنا لا يتوقف العلم بكونه مستعملا في الماء الكدر من غير تأويل على العلم بكونه موضوعا للقدر المشترك تفصيلا بل يكفي العلم به إجمالا و لو بمراجعة الوجدان على ما مر البيان فلا دور و أما عدم الاطراد فقد ذكره جماعة علامة للمجاز و مثلوا بنحو اسأل القرية فإن‏

المصحح لاستعمال القرية في أهلها علاقة الحلول و ليس كلما تحققت هذه العلامة صح الاستعمال إذ لا يقال اسأل البساط و الحجرة و نحوهما و اعترض على طرده بلفظ الرحمن فإنه لا يطلق على غيره تعالى و السخي و الفاضل فإنهما لا يطلقان عليه تعالى و القارورة فإنها لا تطلق على غير الزجاجة فعدم الاطراد متحقق لعدم صدق هذه الصفات هناك مع حصول مباديها و لا مجاز و أجيب بوجهين الأول أن عدم الاطراد إنما يعتبر إذا كان من غير مانع لغة أو شرعا و قد منع الشارع من الأولين و اللغة من الثالث فلا قدح بها و أورد عليه باستلزامه الدور حينئذ لأن عدم الاطراد لا يعلم إلا بسببه لأنه ممكن غير محسوس بذاته و لا بحسب آثاره و صفاته و قد تقرر في محله أن كل ممكن يكون كذلك لا يعلم إلا بسببه و السبب ليس وجود المانع إذ التقدير عدمه بل عدم المقتضي و منه الوضع فإذن يتوقف العلم بعدم الاطراد على العلم بعدم الوضع فلو توقف العلم بعدم الوضع عليه كان دورا و لمانع أن يمنع بعض مقدماته الثاني أن الرحمن معناه البالغ في الرحمة غايتها فيختص به تعالى و الفاضل العالم الذي من شأنه أن يجهل و السخي الجواد الذي من شأنه أن يبخل فيمتنع أن يطلقا عليه تعالى و القارورة منقولة عن معناها الأصلي إلى الزجاجة التي يستقر فيها الشي‏ء فلا يطلق على غيرها و الوجه في ذلك أن هذه الألفاظ لما دارت بين أن يكون موضوعة للمعاني المطلقة أو المعاني المقيدة فبعدم إطلاقها على بعض معانيها المطلقة دليل على أنها موضوعة بإزاء المعاني المقيدة هذا حاصل ما ذكروه في المقام و الحق أن المجاز أيضا

39

يطرد حيثما توجد علاقة معتبرة و هي المناسبة المصححة لإعارة لفظ أحدهما للآخر في مصطلح التخاطب فإن هذا هو المعيار في سبك المجاز و عليه المدار في الاستعمال و أما العلاقات التي ذكروها فهي على إطلاقها لا تعتبر قطعا على ما مر تحقيق القول فيه فعدم الاطراد باعتبارها غير قادح فتسقط العلامة المذكورة رأسا و منها الاستقراء و هو تصفح كثير من الجزئيات لإثبات حكم كليها أو ما يلازم حكم كليها كحكمنا على كل فعل بأنه يجمع على فعول و كحكمنا على كل فاعل بأن حقه الرفع و على كل مفعول بأن حقه النصب إلى غير ذلك من القواعد المقررة في محلها فإن تلك القواعد و إن لم يسمع كلها أو جلها من العرب لكن ما نجده من محافظتهم عليها في الموارد التي تصفحناها مما يوجب القطع أو الظن بتأسيس الواضع لتلك القواعد و وضعه إياها و يسمى الحكم المستفاد منه عند علماء الأدب حكما قياسيا و يمكن إرجاع هذا بنوع من التوجيه إلى علامة الاطراد و حجية هذا الطريق مما لا خلاف فيه و منها صحة الاستثناء و عدمها و هذه العلامة توجب تمييز اللفظ الصالح للعموم وضعا من غيره كما تقول في الجمع المحلى إنه يفيد العموم عند عدم العمد بنفسه لصحة الاستثناء منه و إن المفرد المحلى لا يفيده ما لم ينضم إليه اعتبار زائد على مدلوله لعدم صحة الاستثناء منه كذلك لا يقال صحة الاستثناء إنما يقتضي أن يكون المستثنى منه مستعملا في العموم أما كونه على وجه الحقيقة فلا ضرورة أن اللفظ المستعمل في العموم مجازا يصح أن يستثني منه و أيضا يتوقف العلم بصحة الاستثناء على العلم بعموم اللفظ فلو توقف العلم بعموم اللفظ على العلم بصحة الاستثناء كان دورا و كذا الكلام في العلم بعدم صحة الاستثناء لأنا نقول المراد صحة الاستثناء من غير بناء على التأويل فيندفع الاحتمال المذكور لكن هذا إنما يستقيم على ما نذهب إليه من أن الاستثناء لا يوجب التجوز في لفظ العام كما سيأتي بيانه ثم نمنع توقف العلم بصحة الاستثناء و عدمها على العلم بعموم اللفظ على حذو ما سبق و اعلم أن بعضهم غير العلامة فجعل اطراد الاستثناء علامة للعموم و عدمه علامة لعدمه و فيه أنه إن اعتبر الاستثناء من غير بناء على التأويل لم يحتج إلى اعتبار الاطراد و إلا لم ينفعه اعتباره فإن المجاز قد يطرد و ربما يلحق بهذه العلامة صحة التقييد و عدمها و يستند إلى أن الأصل في القيد أن يكون احترازيا و منها أصالة عدم النقل و هي كالقياس من الدلائل و ليست من العلائم فيستدل بها عند ثبوت حقيقة أو مجاز في زمان على ثبوته في زمان آخر سابق أو لاحق إذا ثبت استعماله فيه كقول الأكثرين الأمر حقيقة في الوجوب عرفا فكذلك لغة و شرعا لأصالة عدم النقل و هل التعويل على هذا الأصل من حيث إفادته الظن نظرا إلى عدم الاختلاف غالبا فيدور مداره أو من حيث التعبد لأن مرجعه إلى عدم نقض اليقين السابق فيطرد وجهان أظهرها الأول لأن المدار في مباحث الألفاظ على الظن مع أن الوجه الثاني لا يجري حيث يكون الاستدلال بثبوته في الزمن المتأخر على ثبوته في الزمن المتقدم و منها القياس على ما ذكره جماعة و هو عبارة عن إثبات معنى للفظ إلحاقا بمشابهه أو إثبات لفظ لمعنى إلحاقا له بمشابهه كما يقال الأمر يدل على التكرار لدلالة النهي المشابه إياه في الدلالة على الطلب عليه و إن السارق حقيقة في النباش لشبهه به في الأخذ على الخفية و تمسكوا في ذلك بوجوه ضعيفة و الحق عدم التعويل على ذلك لأنه لا يحصل به ظن يوثق به أو نقول لا نسلم حجية مطلق الظن في مباحث الألفاظ بل نقتصر على ما ثبت حجيته بإجماع أو دليل غيره لأن عدم إمكان التوصل إلى العلم بموضوعات الألفاظ أو إلى العلم بالمراد كما هو الوظيفة أولا لا يوجب جواز التعويل على كل ظن مع ثبوت بعض الطرق القطعية التي أفاد الدليل حجيتها و ترد هنا أبحاث يظهر مما أوردناه في مبحث حجية أخبار الآحاد و يمكن أن يتمسك أيضا بما دل من الروايات على منع التعويل على القياس و الاستحسان فإنها و إن كانت واردة في موارد الأحكام الشرعية لكنها بعمومها و إطلاقها ربما تتناول المقام أيضا حيث يستفاد من مساقها أن لا تعويل على القياس من حيث كونه قياسا هذا و قد أورد بعضهم للمجاز علامات أخر منها أن يوجد اللفظ مستعملا في معنيين و يعلم أنه حقيقة في أحدهما بخصوصه و يشك في الآخر فيحكم بكونه مجازا فيه لئلا يلزم الاشتراك‏

المخالف للأصل على ما سيأتي بيانه و هذا إنما يتم إذا كان بين المعنيين علاقة مصححة للتجوز كما مر التنبيه عليه و مع ذلك فهو إنما يصلح دليلا لا علامة و قد يضاف إلى ذلك اختلافهما في الجمع و هذا إنما يحتاج إليه إذا علم أن إطلاقه على أحدهما على الحقيقة و لم يعلم أنه من حيث الخصوصية أو باعتبار قدر مشترك فينفي كون الوضع للقدر المشترك باختلاف الجمع و كونه لكل منهما بالأصل المذكور و منها أن يعتبر في إطلاقه على المعنى انضمامه إلى مشاكله كالطبخ في قوله قلت اطبخوا لي جبة و قميصا و منها التزام تقييده في إطلاقه على معنى بحيث لا يستعمل فيه عند الإطلاق كيد الشمال و نار الحرب و نحوهما و هذا ليس بشي‏ء لأن التحقيق أن كلا من لفظي اليد و النار استعارة تخييلية مستعملة فيما وضعت له و لو سلم أنها مجاز كما ذهب إليه بعضهم من أنها مستعملة في صورة وهمية مشتبهة بمعناها الأصلي فالعلامة بعد غير مستقيمة لانتقاضها بمثل لفظ الماء فإنه لا يستعمل في المياه المضافة إلا مضافا و التزام كونه مجازا بعيد عن التحقيق‏

فصل [على ما يحمل اللفظ إذا لم يعلم المراد؟]

متى ورد من المتكلم لفظ و عرف مراده بالقرائن الخارجية من شواهد علمية أو أمارات ظنية مما يعول عليه في المحاورات العرفية حمل عليه سواء كان حقيقة أو مجازا و إذا انتفت القرائن الخارجية فإن اتحد معناه الحقيقي و احتمله المقام من غير معارض حمل عليه كما سيأتي و إن تعدد فلا يخلو إما أن يكون بطريق الاشتراك أو النقل فإن كان الأول فإن كان لبعض المعاني اشتهار أو اختصاص في عرف المتخاطبين حمل عليه و إلا بأن انتفي الأمران وجب الوقف و الرجوع إلى الأصول و على هذا القياس مشترك الكتابة إذا تجرد عن القرينة كحديث لا سبق المحتمل للفتح فيدل على تحريم أخذ المال المشترط و السكون فيدل على حرمة العمل و يلزمها حرمة المال فيبنى على الأول لأصالة جواز الفعل مع احتمال ترجيح الثاني في خصوص المقام‏

40

بأصالة عدم حركة العين و بأصالته للأول فيرجح على الفرع و قد يتطرق هذان الوجهان في اللفظ المسموع إذا شك في حركته و لو لتطرق النسيان إليه و الأخير خاصة فيما إذا تساوى الأصل و الفرع هيئة كفلك مفرد أو جمعا و إن اختص الاختصاص بأحد المعنيين أو الاشتهار فيه بعرف أحدهما و بالآخر في عرف الآخر ففي الحمل على ما يقتضيه عرف المتكلم و المخاطب أو الوقف وجوه هذا إذا علم بعلم المتكلم يعرف المخاطب أو جهل به و إن علم بعدم علمه حمل على مقتضى عرف المتكلم بلا إشكال كما أنه يحمل على عرف المخاطب إذا علم بعلم المتكلم بعدم علمه بعرفه و إن كان الثاني فإن علم سبق النقل على الاستعمال أو العكس فلا كلام و إلا أمكن ترجيح المعنى المنقول منه مع العلم بتاريخ الاستعمال و المعنى المنقول إليه مع العلم بتاريخ النقل أخذا بأصالة تأخر الحادث ما لم يعتضد خلافه بشواهد خارجية و من هنا وقع النزاع في الألفاظ التي وردت مستعملة في الشرع مما تعارض فيه العرف و اللغة فقيل بتقديم اللغة للأصل و قيل بتقديم العرف بدلالة الاستقراء و هو قوي‏

ثم لللفظ أحوال خمسة معروفة

مخالفة للأصل هي المجاز و الاشتراك و النقل و التخصيص و الإضمار فلا يصار إليها إلا لدليل فإن اقتضى الدليل بعضا منها معينا توبع مقتضاه و إن اقتضى بعضا منها لا بعينه فهذه صور تعارض الأحوال و التعارض يقع في مادة واحدة فصاعدا بين حالتين منها فصاعدا فإن دار الأمر بين المجاز و الاشتراك قدم المجاز لكثرته أنواعا و أفرادا و سعة و استغنائه عن تعدد الوضع الغير الثابت و أما الرخصة أو الوضع الثانوي أو التأويلي على القول بتوقف صحة المجاز عليه فهو أمر ثابت لا سبيل إلى نفيه فلا يعارض حدوث الوضع المحتمل و قد يرجح المجاز باستغناء حقيقته عن القرينة و أبلغيته و أوفقيته بالطبع مع ما فيه من تيسر بعض أنواع البديع فيعارض بأبعدية الاشتراك عن الخطإ أو مع عدم القرينة أو خفائها يتوقف و في المجاز يحمل على الحقيقة فيؤدي إلى خلاف المقصود باطراد الاشتراك و صحة الاشتقاق منه بالمعنيين إذا كان مما يشتق منه و في هذا نظر و استغنائه عن الحقيقة و العلاقة و ليس فيه مخالفة ظاهر مع أن المشترك أيضا قد يكون أوفق بمقتضى الحال حيث يتعلق القصد بالإجمال و يتيسر به أيضا بعض أنواع البديع و لا خفاء في أن هذه الوجوه مع معارضتها بالوجوه المتقدمة لا يصلح لإثبات الوضع لأن مرجعها إلى مجرد الاستحسان و إذا دار بين النقل و الاشتراك رجح الاشتراك لانفراد النقل عن الاشتراك بعد مشاركتهما في الحاجة إلى تعدد الوضع بالاحتياج إلى هجر المعنى الأول مع أصالة عدمه و عدم احتياج الاشتراك إليه هذا إذا أريد بالمنقول المنقول بالغلبة و الهجر كما هو الظاهر و لو أريد ما وضع للمعنى الثاني لمناسبة المعنى الأول من غير بناء على الهجر أو حصوله أمكن ترجيح الاشتراك أيضا بأصالة عدم هذه الملاحظة و منه يظهر رجحان الاشتراك على الارتجال أيضا هذا و قد يرجح النقل بأن الاشتراك يقتضي تعدد الحقيقة فيختل الفهم دون النقل و هو استحسان لا سبيل إلى إثبات اللغات به و إذا دار بين الإضمار و الاشتراك رجح الإضمار لأن وجوب الإضمار من توابع عدم الاشتراك و لوازمه بالنسبة إلى بعض موارد الاستعمال فلا يصلح لمعارضته و قد يعارض ذلك بأن الاشتراك أغلب من الإضمار فيرجح عليه و هذه الغلبة على تقدير تسليمها ليست بحيث تصلح لمكافأة ما مر و إذا دار بين التخصيص و المجاز رجح التخصيص لكثرته و شيوعه بالنسبة إلى المجاز و إن قلنا بأنه منه إذ المراد بالمجاز هنا ما عدا التخصيص بقرينة المقابلة و التقييد هنا في حكم التخصيص بل أولى منه و لهذا يرجح عليه حيث يدور الأمر بينهما لأن عموم التخصيص وضعي فيرجح على ما عمومه حكمي و إذا دار بين التخصيص و الاشتراك رجح التخصيص لرجحانه على المجاز الراجح على الاشتراك و إذا دار بين المجاز و النقل رجح المجاز لرجحانه على الاشتراك الراجح عليه و إذا دار بين الإضمار و النقل رجح الإضمار لرجحانه على الاشتراك الراجح على النقل و إذا دار بين المجاز و الإضمار قيل بتساويهما لاحتياج كل منهما إلى القرينة و يمكن ترجيح المجاز لغلبته و إذا دار بين التخصيص و الإضمار فالترجيح للتخصيص لغلبته و اعلم أن كلا من التخصيص و المجاز و الإضمار قد يكون قريبا في نوعه و قد يكون بعيدا فيه فيعتبر ما قررناه من الترجيح في كل من النوعين أو الأنواع بالنسبة إلى المماثل في نوعه أو الأدون و أما القريب من مرجوح النوع و البعيد من راجحه فلا يجري فيه إطلاق ما ذكر بل لا بد من ملاحظة جهتيه مع جهتي الآخر و اعتبار الترجيح فقد يرجح بعيد النوع على بعيد الشخص إذا زاد بعده على بعد الآخر و قد يتوقف مع التساوي و الأمر في ذلك موكول إلى النظر و لا سبيل فيه إلى الضبط و كذا الكلام فيما إذا دار الأمر بين مجازين أو تخصيصين أو إضمارين في مورد واحد أو موردين فيتوقف مع التساوي و يرجح مع الاختلاف نعم إذا ورد خطابان و قام الدليل على أن الحكم في أحدهما بالخصوص خاص فاحتيج إلى ارتكاب التخصيص أو التجوز أو الإضمار فيه و أمكن التخلص عنه بارتكابه في الآخر فالظاهر قصر المتصرف على مورد الدليل و سيأتي بيان ذلك في مبحث التخصيص و اعلم أن حجية ظواهر الألفاظ موضع وفاق و عليه مبنى التفهيم و التفاهم في المحاورات قديما و حديثا و لا فرق بين الظهور المستند إلى نفس اللفظ كالحقيقة أو إلى القرائن الحالية أو المقالية و لا بين الألفاظ الملفوظ بها و المكتوبة و أما ظواهر الكتابة حيث يكون المرسوم محتملا للفظين أو

ألفاظ و يكون بعضها أظهر فالظاهر جواز التعويل عليها أيضا فيما وضع للإفادة و الاستفادة لا سيما إذا انقطع طريق التعيين كما في كتب الأخبار و الفتاوى إذ لو أريد بها ما هو خلاف الظاهر لنبه عليه لئلا تفوت الفائدة في تدوينها أو يلزم الإغراء بالجهل و من هذا الباب حديث الماء يطهر و لا يطهر فإن فيه وجوها تسعة أظهرها أن يكون الأول مبنيا للفاعل و الثاني للمفعول و كذلك حديث الدنيا رأس كل خطيئة فإن الظاهر أن الدنيا كلمة و رأس كلمة و إن احتمل بعيدا

41

أن يكون الدينار كلمة و أس بضم الهمزة و تشديد السين بمعنى الأساس كلمة إلى غير ذلك و اعلم أيضا أن الكتابة قد يتطرق إليها احتمال الاشتراك و النقل و الزيادة و النقصان الأصليين فيصح التمسك في نفيها بالأصل مع الظن به و قد تتعارض الأحوال و تعرف وجوه الترجيح فيه مما مر في الألفاظ و لو تطرق إليها احتمال الغلط جاز التعويل مع ظن الصحة على أصالة عدمه‏

فصل قد اشتهر بينهم أن الأصل في الاستعمال الحقيقة و أن الاستعمال أعم من الحقيقة و المجاز

و بين هاتين القاعدتين بحسب الظاهر تدافع لكن لكل منهما مورد مخصوص فمن موارد القاعدة الأولى ما لو علم المعنى الحقيقي و جهل المراد فيحمل على المعنى الحقيقي عند التجرد عن القرائن لظهوره و رجحانه و لأن مبنى المحاورات عليه و هذا مما لا نزاع لأحد فيه و قد حكى الاتفاق عليه غير واحد منهم و لا فرق في ذلك بين أن يكون السامع مخاطبا باللفظ أو لا و منها ما لو اتحد المستعمل فيه و جهل الموضوع له و المراد أن يتحد منه ما يحتمل أن يكون اللفظ حقيقة فيه و إن كان مستعملا في غيره أيضا إذا علم بكونه مجازا فالأكثر على أنه حقيقة في ذلك المعنى و ربما نقل الاتفاق عليه لأن ظاهر الاستعمال و المتبادر منه ذلك و لأنه إذا وجب حمل اللفظ على المعنى الحقيقي عند الجهل بالمراد وجب حمل اللفظ على ذلك عند العلم به أيضا إذ لا يعقل للعلم بالمراد و عدمه أثر في ذلك و يؤيده ما قيل من أن الحقيقة أرجح من المجاز لتوقفه على الوضع و العلاقة و النقل و القرينة و الحقيقة إنما تتوقف على الوضع فالحمل عليها أولى و عن ابن جني أنه مجاز لأن أكثر اللغات مجازات فإن أراد الأكثرية بحسب الاستعمال فممنوع لشهادة الوجدان على خلافه و إن أراد الأكثرية بحسب المعنى فمسلم لكنه لا يجديه لمعارضته بما هو أقوى منه من أكثرية الاستعمال في المعنى الحقيقي و بعض أهل العصر اشترط فيه التفحص و التتبع إلحاقا له بالخطاب الشرعي حيث إنه لا يكون دليلا للفقيه إلا بعد بذل الجهد و الفحص عن المعارض و فيه نظر لأنه إن ادعى عدم حصول الظن بالموضوع له بمجرد الاستعمال فورود المنع عليه ظاهر و إن ادعى عدم حجية الظن الحاصل منه ما لم يحصل العجز عن تحصيل ما هو أقوى منه بالتتبع و الفحص فمدفوع بعد مخالفته لظاهر كلمات القوم بأن ما دل على حجية مثل هذا الظن في مباحث الألفاظ من إجماع أو غيره إن اقتضى حجيته مطلقا فلا وجه لتخصيصه في المقام بهذا الاشتراط و إلا فلا وجه لتخصيص هذا الاشتراط بالمقام و لعله يعمم الاشتراط و إن تعرض لذكره في خصوص المقام و هو قوي و يمكن تنزيل كلمات القوم على وجه لا ينافيه و توقف الفاضل المعاصر بين الحمل على الحقيقة و المجاز نظرا إلى أن المجاز متداول و شائع و لا يتوقف إلا على مجرد ثبوت الوضع كالحقيقة فلا مرجح لأحدهما و فيه ما عرفت على أن المتداول الشائع هو سبك المجاز عن الحقيقة إذ المجاز الذي لا حقيقة له لا حقيقة له و إن قلنا بجوازه سلمنا لكنه نادر جدا فيبعد حمل الاستعمال عليه و التزام حقيقة غيره يتوقف على سبق الاستعمال فيه و الأصل عدمه و كان هذا الأصل هو الذي دعاه إلى اعتبار منع توقف المجاز على الحقيقة و ظني أنه لا حاجة إليه لأن الغالب سبق الاستعمال و كونه في هذا المعنى ليس بأولى من غيره فلا يتوقف على المنع المذكور فتدبر و منها أن يتعدد الموضوع له و المستعمل فيه و يتحد الوضع و يكون بعض موارده بحيث يحتمل أن يكون داخلا في الموضوع له بأن يكون المعتبر فيه المفهوم الأعم فيكون حقيقة فيه و يحتمل عدمه بأن يكون المعتبر فيه المفهوم الأخص فيكون مجازا فيه فيبنى على الدخول و أن المعتبر هو المفهوم الأعم لأصالة الحقيقة المجردة عن المعارض فإن أصل الاستعمال ثابت و الكلام في تعيين مورد الوضع فينهض ظاهر الاستعمال دليلا على تعيين الأعم و يؤيده أصالة عدم ملاحظة الخصوصية حيث يتوقف ملاحظة الخاص على ملاحظته كما لو ترددنا بين أن تكون أداة الاستثناء موضوعة لخصوصيات مطلق الإخراج أو إخراج الأقل فقط فيرجح الأول لما مر و أما أصالة عدم تحقق الوضع في مورد الشك فلا يصلح معارضا للأصل المذكور لأنه ظاهر فينهض حجة عليه هذا و لم أقف منهم على كلام فيه نعم ربما يؤذن مقالتهم في المورد السابق بالموافقة لما ذكرناه و منها ما لو استعمل اللفظ في معنيين لا يكون بينهما علاقة التجوز فيحتمل الاشتراك بينهما و أن يكون موضوعا لمعنى ثالث أو لمعنيين آخرين فيستعمل فيهما مجازا و المعتمد الأول لأن ظاهر الاستعمال يعين الوضع للمستعمل فيه و ينفيه عن غيره فيلزم تعدده فيهما دفعا للزوم الغلط و كذا الحال فيما لو تعدد المستعمل فيه و تحققت العلاقة في جانب دون آخر و علم بالوضع لذي العلاقة في جانب دون آخر و علم بالوضع لذي العلاقة كاللفظ المستعمل في الكل و في الجزء الذي لا ينتفى بانتفائه إذا علم الوضع للجزء

فيبنى على الاشتراك بينهما لما مر و منها ما لو جهلنا وضع اللفظ و وجدناه تارة مستعملا بغير قرينة و أخرى محفوفا بها و جوزنا أن يكون المراد به في الاستعمالين معنى واحد فعلى ما مر يكون الاستعمال حقيقة في الموضعين و المعنى واحد أو يجري فيه النزاع المتقدم و مورد القاعدة الثانية أن يتعدد المستعمل فيه و يجهل الموضوع له أو يعلم الوضع في البعض و يجهل في الباقي و يكون بحيث يحتمل الاشتراك و المجازية لوجود العلاقة المعتبرة و هذا القيد لا بد من اعتباره و إن لم أقف على من يعتبره إذ بدونه يتعين المصير إلى الاشتراك لامتناع الحمل على الغلط و بعد ثبوت الوضع لما لم يثبت الاستعمال فيه و قد مر ذكره في بعض موارد القاعدة السابقة فالسيد يبني في ذلك على الاشتراك و يجعل استعمال اللفظ في المعاني المتعددة كاستعماله في المعنى الواحد من غير فرق و الأكثر على أن المجاز أولى من الاشتراك و أن الاستعمال أعم من الحقيقة و المجاز بمعنى أن الاستعمال في مثل المقام بمجرده لا يقتضي شيئا منهما و هذا هو الحق لأن الاشتراك يتوقف على تعدد الوضع فحيث لا دليل عليه فالأصل عدمه و أيضا سبب التجوز معلوم الحصول بخلاف سبب الاشتراك للشك في الوضع و إسناد المسبب المعلوم إلى السبب المعلوم أولى من إسناده إلى سبب غير معلوم و الفرق بين متحد المعنى و متعدده أنه على تقدير الاتحاد لا ريب في ثبوت أصل الوضع من حيث توقف صحة الاستعمال عليه فيبقى تعيين الموضوع له فيصلح الاستعمال دليلا على تعيينه بخلاف صورة التعدد

42

فإن القدر اللازم لصحة الاستعمال إنما هو الوضع للبعض و يبقى الزائد عليه و لا يصلح الاستعمال دليلا على إثباته نعم لو ثبت إجمالا بدليل آخر صح أن يجعل الاستعمال دليلا على تعيينه كما في الصورة السابقة فإن قضية الاستعمال على ما يساعد عليه التحقيق لا تزيد على ذلك و لئن سلم أن الاستعمال بنفسه ظاهر في الحقيقة فيمكن الفرق أيضا بأن الظهور في الصورة الأخيرة مع ضعفه بمعارضة الأصل منقوض بأظهرية المجاز من الاشتراك لغلبته عليه فلا يبقى وثوق به بخلاف الصورة السابقة و ما يقال من أن أصالة عدم تعدد الوضع على تقدير الاشتراك معارضة بأصالة عدم ملاحظة العلاقة على تقدير المجازية فيتساقطان فساقط لأن ملاحظة العلاقة من شرائط صحة الاستعمال و لوازمها على تقدير عدم تعدد الوضع فلا يصلح أصالة عدمها لمعارضة أصالة عدمه و لهذا تحقيق يأتي في محله إن شاء الله و قد يفصل في المقام بين ما إذا كان أحد المعاني أعم من الباقي و بين غيره فيختار في الأول أن معناه الحقيقي هو المعنى لأعم لأنه لو كان حقيقة في غيره فقط أو في الجميع لزم المجاز أو الاشتراك و كل منهما مخالف للأصل و أما إذا كان حقيقة في الأعم كان حقيقة في الجميع و هذا التعليل و إن قرره المفصل فيما إذا استعمل اللفظ في معان أحدها قدر مشترك بين بقية المعاني لكنه يجري أيضا فيما إذا استعمل اللفظ في معنيين و كان أحدهما أعم من الآخر و لم يعلم كونه موضوعا لأحدهما بخصوصه كما قررنا و التحقيق عندي أنه إن تبين استعمال اللفظ في الخاص من حيث الخصوصية فوضعه للعام أو القدر المشترك غير رافع للمجازية و الاشتراك إن صح التعويل على أمثال هذه التعليلات في معرفة الموضوعات و إن لم يعلم الاستعمال كما هو الغالب رجع إلى متحد المعنى لأن اللفظ إذا وجد مستعملا في معنى ثم شك في استعماله في معنى آخر بني على أصالة عدم التعدد و قد عرفت أن اللفظ إذا كان متحد المعنى تعين حمله على الحقيقة و اعلم أنه لو تعدد المستعمل فيه و شك في تعدد العلاقة فالظاهر التوقف لمعارضة غلبة المجاز بغلبة عدم تحقق العلاقة المعتبرة بين المعاني و أصالة عدم الوضع بأصالة عدم حصول مجوز التجوز في خصوص محل البحث و إن ثبت القاعدة الكلية للشك في تعلقها به فصل الحقيقة الشرعية هي الكلمة المستعملة في معناها الشرعي بوضع شرعي فخرج بقولنا في معناها الشرعي ما استعمل في غيره و لو بوضع شرعي كإبراهيم و بقولنا بوضع شرعي الكلمة المستعملة في معناها الشرعي بوضع لغوي أو عرفي أو بوضع شرعي لمعنى آخر فإن المتبادر منه أن يكون بمقتضاه الأولى أو لأن الظاهر منه أن يكون الوضع سببا مستقلا في صحة الاستعمال و ليس الأمر في المجاز كذلك و ينبغي أن يعتبر قيد الحيثية في الوضع الشرعي ليخرج مثل لفظ الحسن و الحسين فإنه و إن كان لمسماهما تعلق بالشرع لحكم الشارع بوجوب اتباعهما و الاعتراف بإمامتهما و عصمتهما إلا أنه لم يضع اللفظين بإزائهما من حيث كونه شارعا بمعنى أن لا مدخلية لكونه شارعا في التسمية بخلاف مثل لفظ الصراط و الميزان و الجنة و الحساب بناء على أنها حقائق في معانيها الشخصية أو المخصوصة فإن لجهة الشرع مدخلا فيها لأن الغرض الداعي إلى وضعها إنما هو بيان آثارها الشرعية و بالجملة فنظير ذلك وضع الفقيه و الأصولي و غيرهما أسامي لأولادهم فإن ذلك لا يصيرها حقائق فقهية أو أصولية مثلا و إن قدر لهم تعلق بتلك الصناعة بخلاف ما وضعوه ليستعمل في عرفهم بالاعتبار المذكور ثم إن فسر الشارع بالنبي فالمراد به هنا نبينا (صلى اللَّه عليه و آله) و إن فسر به تعالى فإن قلنا بأن واضع اللغات مما عدا الألفاظ المبحوث عنها غيره تعالى فلا إشكال و إلا احتيج إلى اعتبار الحيثية المذكورة أيضا للفرق بين الحقائق الشرعية و غيرها و ينبغي تخصيصه على التقديرين الأخيرين بالوضع في شرعنا لا مطلقا و إن احتمل لعدم مساعدة كلمات القوم عليه ثم هذا الحد كما ترى يتناول بإطلاقه ما إذا كانت منقولات أو موضوعات مبتدئة سواء وجدت المناسبة حينئذ و لم تلاحظ أو لم توجد و النوع الأخير هي الحقيقة الدينية التي أثبتها المعتزلة حيث عرفوها بأنها ما لا يعرف أهل اللغة لفظه أو معناه أو كليهما و خصوها بأسماء الذوات و الصفات كالمؤمن و الكافر و ما يشتقان منه دون أسماء الأفعال كالصلاة و الحج فإنهم أرادوا بقولهم أو معناه أن لا يعرفوه و لو بطريق المجاز ليتعين كونها موضوعات مبتدئة فإنه إذا تحققت المناسبة فقد عرفوا المعنى إجمالا

لعلمهم بصحة الاستعمال على حسب نوع المجاز و مما يرشد إليه قولهم في الاحتجاج بأن الإيمان في اللغة التصديق و في الشرع العبادات و لا مناسبة مصححة للتجوز و منه يظهر أنهم و إن رددوا الدعوى عند التحرير بين الأنواع الثلاثة لكنهم إنما يقولون بثبوت النوع الثاني منها هذا لكن لقائل أن يقول لا يلزم من انتفاء العلاقة المصححة للتجوز هناك على تقدير تسليمه أن تكون موضوعات مبتدئة إذ لا نسلم أن المناسبة المعتبرة في النقل التعييني لا بد أن تكون مصححة للتجوز فكيف كان فليس في التعرض لمقالتهم كثير فائدة فلنقصر على ما ذكرناه و إذا تحقق معنى الحقيقة الشرعية فنقول قد اختلف القوم في إثباتها و نفيها فذهب إلى كل فريق و الظاهر من مثبتي المتقدمتين إثباتها بالوضع التعييني لكن ذكر الحاجبي في رد إيراد أورد على بعض حجج المثبتين ما توضيحه أنه إن أريد أن الشارع استعمل هذه الألفاظ في معانيها الشرعية مجازا ثم اشتهرت فأفادت بغير قرينة فهو المدعى و الظاهر أنه أراد الاشتهار في لسان الشارع دون غيره و لو معه فإن ذلك لا يثبت المدعى فيستفاد منه أن مقصود المثبتين إثبات الوضع و لو على سبيل التعين و هذا منه خلاف ما هو المعروف من مقالتهم و مخالف لما يقتضيه ظاهر حجتهم ثم من المتأخرين من فصل بين ألفاظ العبادات و المعاملات فأثبتها في الأول و نفاها في الثاني و منهم من فصل بين ما يكثر استعمالها و بين غيرها فذهب إلى الإثبات بالوضع التعييني في الأول و إلى النفي في الثاني ثم من النافين من ذهب إلى صيرورة هذه الألفاظ حقيقة عند المتشرعة في زمن الشارع و منهم من خصه بالألفاظ المتداولة و يظهر من بعضهم نفي ذلك أيضا حيث ذكر أن الشارع لم يستعمل هذه الألفاظ في معانيها الشرعية إلا مجازا و قد يحكى عن بعضهم نفيها فيما تقدم على زمن الصادقين أيضا و من عد

43

القولين الأولين قولا بثبوت الحقيقة الشرعية فقد سها أو أحدث اصطلاحا و ربما عزي إلى الباقلاني القول بأن هذه الألفاظ باقية في معانيها اللغوية و الزيادات شروط لقبولها و صحتها و هو غير ثابت ثم النزاع هنا إما في الألفاظ التي هي حقيقة عند المتشرعة في معانيها الشرعية و استعملها الشارع و لم يعلم أنه من مصطلحاتهم أو في الألفاظ التي كانت حقيقة فيها في أول زمن وقع فيه هذا النزاع أعني زمن الصادقين على ما قيل فالوجهان متقاربان و لعل الأول أوفق بالاعتبار و يظهر من بعضهم أن النزاع في مطلق الألفاظ التي هي حقائق عند المتشرعة و هو بعيد إذ منها ما يعلم أنه من مصطلحاتهم فكيف يتصور وقوع النزاع فيه إذا عرفت هذا فالذي يقوى عندي أن جملة من تلك الألفاظ قد كانت حقائق في معانيها الشرعية في الشرائع السابقة كالصلاة و الصوم و الزكاة و الحج لثبوت ماهياتها فيها كما يدل عليه قوله تعالى حكاية عن عيسى بن مريم و أوصاني بالصلاة و الزكاة ما دمت حيا و قوله تعالى لإبراهيم و أذن في الناس بالحج و قوله تبارك اسمه كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم إلى غير ذلك و إذا ثبت أن هذه الماهيات كانت مقررة في الشرائع السابقة ثبت كون هذه الألفاظ حقيقة فيها في لغة العرب في الزمن السابق لتدينهم بتلك الأديان و تداول ألفاظها بينهم و عدم نقل لفظ آخر عنهم بإزائها و لو كان لقضت العادة بنقله و لا يقدح وقوع الاختلاف في ماهياتها بحسب اختلاف الشرائع و إن قلنا بأن مسمياتها الماهيات الصحيحة كما هو المختار حيث إنها بهذه الكيفية كانت فاسدة حال الوضع لأنا نلتزم بأنها موضوعة بإزاء القدر المشترك الصحيح فيكون الاختلاف في المصاديق لا في نفس المفهوم كاختلاف مصاديق ماهياتها المعتبرة في شرعنا باختلاف الأحوال تمكنا و عجزا تذكرا و نسيانا و غير ذلك فكما لا يوجب هذا الاختلاف تعدد الوضع مع تفاحشه في البعض كالصلاة فليكن الاختلاف المذكور كذلك ثم على تقدير تحقق هذه الحقائق في الشرائع السابقة فهل هي بوضعه تعالى لها فيها أو بوضع أول نبي شرعت تلك الماهيات في شرعه أو بغلبة الاستعمال في لسانه أو لسان متابعيه أو الجميع وجوه يمكن معرفتها بما فيها مما يأتي من الحجج فعلى ما اخترناه تكون تلك الألفاظ حقائق لغوية في معانيها الشرعية حيث إن الحقيقة اللغوية هي الحقيقة التي تكون قبل زمن النبي (صلى اللَّه عليه و آله) كما هو الظاهر و لا ينافي ذلك كون العبادات توقيفية لأن معانيها الشرعية على هذا البيان مجهولة الكنه و الحقيقة و لا سبيل إلى معرفتها بعد العلم بالاختلاف في أمور كثيرة إلا بالتلقي من صاحب الشريعة و أما غير ذلك من الألفاظ التي لم يثبت مشروعية معانيها في الشرائع السابقة فإن كانت مما تشتد الحاجة إليها فالظاهر ثبوت النقل فيها بغلبة الاستعمال في زمانه (صلى اللَّه عليه و آله) في لسانه (صلى اللَّه عليه و آله) و لسان متابعيه بحكم العادة و ليس هذا بالحقيقة الشرعية كما نبهنا عليه و إلا فحيث يعلم بحصول النقل فيه من الأزمان المتأخرة و سيأتيك توضيح بعض هذه المواضع حجة القول الأول وجوه الأول و هو المعروف من المتقدمين القطع بأن الصلاة و الصوم و الحج أسماء لمعانيها الشرعية لتبادرها منها إلى الفهم عند الإطلاق و أن ذلك لا يكون إلا بتصرف الشارع و نقله إياها إلى تلك المعاني و الجواب أن التبادر المدعى إن كان بالنسبة إلى زمان أهل الشرع فمسلم لكن لا يثبت به إلا الحقيقة عندهم و إن كان بالنسبة إلى زمان الشارع فممنوع لا يقال لا سبيل إلى المنع بعد وقوع النقل لما مر من أن المسائل اللغوية يكتفي فيها و لو بنقل الواحد لأنا نقول الظاهر أن المستدل بذلك لم يطلع على أكثر مما اطلعنا عليه في المقام فنقل التبادر منه على تقدير عدم ثبوته عندنا بعد الفحص موهون على أن كلامه ظاهر في دعوى التبادر بالنسبة إلى زمانه لا زمان الشارع فالكلام المذكور معه مناقشة ظاهرية سلمنا لكن لا نسلم أن ذلك لا يكون إلا بنقل الشارع لها لجواز أن يكون بغلبة الاستعمال بين المتشرعة في زمانه الثاني أن هذه المعاني مما يشتد الحاجة إلى إيرادها و التعبير عنها فمقتضى الحكمة أن يضع الشارع بإزائها ألفاظا ليستغني به عن تكلف القرينة مع أن في الوضع من السلامة من الإخلال بالفهم ما ليس في القرينة إذ ربما تخفي فيختل فهم المقصود ثم إذا ثبت الوضع فليس الموضوع إلا هذه الألفاظ المتداولة على ألسنة أهل الشرع و ذلك ظاهر و الجواب أن مرجع هذا

الوجه إلى الاستحسان و لا تعويل عليه سيما في إثبات الوضع مع أنها لا تقتضي خصوص الوضع بل ما يوجب الغناء عن تكرير القرينة و لو بنصب قرينة عامة كقوله كلما أطلق هذه الألفاظ فالمراد معانيها الشرعية مجازا ما لم أنصب قرينة على الخلاف أو يفهمهم ذلك بقرائن الأحوال الثالث الاستقراء فإنا تتبعنا استعمالات الشارع لهذه الألفاظ فوجدناه يستعملها غالبا في معانيها المخترعة عنده حتى كاد أن لا يوجد استعماله إياها في معانيها اللغوية مع ما نرى من كثرة استعماله لها و تكررها في كلامه فإن ذلك يفيدنا الظن بأنه قد بنى من أول الأمر على نقل هذه الألفاظ إلى معانيها الشرعية أ لا ترى إذا نحكم على الألفاظ المتداولة في عرف أرباب العلوم و الصنائع بأنها منقولات عندهم بمجرد غلبة استعمالهم إياها في معانيها المخترعة عندهم و إن انضم إلى ذلك النقل في بعض الموارد و ظاهر أن الشارع لا يقصر عن عرفهم في ذلك فليحكم بالنقل هنا كما يحكم به هناك و الجواب أن غلبة الاستعمال لا يوجب البناء على النقل لجواز البناء على التجوز فإن رجح الأول بأنه أوفق بالحكمة رجع إلى إثبات الوضع بالاستحسان و قد مر فساده و تمثيل ذلك بالألفاظ المتداولة عند أرباب العلوم و الصنائع مدفوع بأن النقل التعييني غير ثابت في كثير من تلك الألفاظ و إن تحققت الغلبة فيها و لو قلنا بثبوته هناك كما صدر عن البعض فمبني على المسامحة رعاية لبعض الأمارات الضعيفة إذ لا يترتب عليه ثمرة فتأمل و لا يذهب عليك أن هذا الاستقراء ليس بالاستقراء الذي ذكرنا أنه حجة في مباحث الألفاظ الرابع نقل جماعة من العلماء وقوعها و ظاهر أن هذه المسألة لغوية يكتفي فيها بنقل الواحد فضلا عن المتعذر لا يقال نقل البعض وقوعها معارض بنقل غيرهم عدم وقوعها فلا يبقى تعويل عليه لأنا نقول المثبت مقدم على النافي لأن مرجع النفي إلى عدم الاطلاع غالبا و هو لا يصلح لمعارضة مدعيه كما مر التنبيه عليه على أن القول‏

44

بالإثبات أشهر فهو بالترجيح على تقدير التكافؤ أجدر و الجواب أن مستند المثبتين لما كان بعض الوجوه المتقدمة و الآتية بل المعروف منهم الاستناد إلى الحجة الأولى كما عرفت و هي لا تنهض دليلا على الإثبات لم يتجه الاستناد إلى نقلهم فإن نقلهم ليس حجة في نفسه بل من حيث إفادته الظن و لا وثوق به على تقدير ضعف المستند و قد مر التنبيه عليه سابقا فإن قلت ضعف المستند المذكور لا يقتضي ضعف النقل لجواز أن يكون لهم مستند آخر لم يتعرضوا لذكره قلت لا ريب في أنه خلاف الظاهر من مقام الاستدلال و لا يكفي في الوثوق مجرد الاحتمال الخامس أن علماء الأعصار و الأمصار كانوا لا يزالون يحملون هذه الألفاظ على معانيها الشرعية و يستدلون بها في موارد الحاجة و مواضع الخلاف و لم يكن لهم على ذلك من نكير و ذلك إجماع منهم على أن هذه الألفاظ كانت في عرف الشارع حقائق في معانيها الشرعية و الجواب أن الإجماع المدعى على الحمل المذكور إن كان بالنسبة إلى المثبتين فمسلم لكن لا يثبت به الدعوى كما لا تثبت بمقالتهم و إن كانت بالنسبة إلى المنكرين أيضا فممنوع سلمنا لكن استعمال الشارع لهذه الألفاظ لا يكاد يوجد مجردا عن القرائن المعينة للمراد فلعل منشأ حملهم لها على هذه المعاني وجود تلك القرائن دون الوضع السادس أن كثيرا من هذه الألفاظ كلفظ الصلاة و الصوم و الزكاة و الحج و الطواف و الركوع و السجود كانت حقائق في معانيها الشرعية في الشرائع السابقة كما يرشد إليه تتبع القصص الواردة في القرآن و غيره فيثبت المقصود فيها بضميمة أصالة عدم الهجر و في الباقي بضميمة عدم القول بالفصل إذ لا فارق هنا بين النفي و الإثبات الكليين أما التفاصيل التي ذهب إليها المتأخرون فلا عبرة بها لوقوعها بعد ما انعقد عليه إجماع المتقدمين لا يقال لا يلزم من كون تلك الماهيات مشروعة في الأمم السابقة أن يكون تلك الألفاظ موضوعة بإزائها لجواز أن يكون قد وضع بإزائها ألفاظ أخر ورد الحكاية عنها بهذه الألفاظ لأنا نقول هذه الاحتمال مدفوع بأصالة عدم تعدد الوضع على أنه لو وقع ذلك لنقله لنا نقلة اللغة و إذ ليس فليس و الجواب أن كلام المثبتين ليس صريحا في الإثبات الكلي و إن عزي إليهم و لو سلم فصحة الاستناد في مثل المقام إلى عدم القول بالفصل ممنوعة بعد ما تبين الحال و اتضح وجه المقال علي أن الذي أراده المثبتون كما يظهر من كلامهم و صرح به بعضهم هو أن الشارع نقل تلك الألفاظ عن معانيها اللغوية و وضعها بإزاء معانيها الشرعية لا أنها كانت موضوعة لتلك المعاني قبل زمان الشارع بل ربما يشعر كلام بعضهم بإنكار ذلك ففي البناء على الدليل المذكور نقض لكلام الفريقين و إحداث قول في البين السابع و هو يختص بإثباتها بالوضع التعيني أن العادة قاضية بأن هذه الألفاظ قد أكثر الشارع استعمالها في معانيها الشرعية دون معانيها اللغوية لظهور توفر دواعيه عليه و مسيس حاجته إليه حيث إنه (صلى اللَّه عليه و آله) كان لا يزال يبين للناس أحكامها و يحثهم على المواظبة عليها و يأمرهم بتعلم وظائفها و أدائها و تعليم غيرهم إياها و ذلك كله غالبا لا يكون إلا بتكرير الألفاظ المعينة بإزائها و كل لفظ بلغ في معناه المجازي هذه الغاية و استمر على هذه المثابة و لو أياما قليلة و لا ريب في صيرورته حقيقة في المنى المجازي كما يشهد به الاعتبار السليم و حيث إن هذا الدليل لا يساعد على الإثبات الكلي اقتصر بعضهم على حسب ما يتناوله من الألفاظ التي يتداول ذكرها و تمس الحاجة غالبا إلى استعمالها و عول على أصالة عدم النقل فيما عداها و الجواب أن الغلبة في لسان الشارع مسبوق بالغلبة في لسان الآخرين قضاء لحكم العادة نظرا إلى كثرتهم و توفروا دواعيهم على الاستعمال فيكون صيرورتها حقيقة عندهم متقدما على صيرورتها حقيقة عند الشارع و بعد صيرورة اللفظ حقيقة عندهم يتبعهم لسان الشارع لأن لسان الواحد من القوم تابع للسان الآخرين فلا يتحقق إذن إلا الحقيقة عند المتشرعة و بهذا المقال يتبين وجه القول الأول بل الثاني أيضا من التفاصيل المحكية عن النافين و يمكن رده بأن النقل المذكور إنما حصل في لسان الشارع و غيره فتخصيصه بغيره أيضا لا وجه له إذ كما لا يمكن نسبة النقل المذكور إلى الشارع فقط لعدم استقلاله به كذلك لا يكن نسبته إلى المتشرعة فقط لعدم استقلالهم به و ترجيح الثاني بالغلبة منقوض برجحان الأول بالتأسيس مع ما فيه من الخروج عن المعنى المتنازع فيه و استدل المفصل بين ألفاظ

العبادات و غيرها بأن العبادات ماهيات مخترعة في الشرع بخلاف المعاملات و توابعها كالبيع و الصلح و الهبة و الدين و الرهن و الإجارة و العارية و الوديعة و الغصب و القصاص و الدية و غيرها فإنها باقية على حقائقها الأصلية إذ لم يتصرف الشارع فيها إلا بأن جعل لها شرائطا و أحكاما و ذلك لا يقتضي اختلاف ماهيتها لأن الشرط خارج عن حقيقة المشروط و من هنا قالوا العبادات توقيفية دون المعاملات و أرادوا بذلك موضوعاتها بمعنى أن موضوعات العبادات تتوقف على بيان الشارع دون موضوعات المعاملات فإن المرجع فيها إلى العرف و لم يريدوا أحكامها فإن الأحكام كلها توقيفية لا بد فيها من الأخذ من الشارع و أجيب بمنع الاطراد في المقامين أما في العبادات فلأن مثل لفظ الإحرام و الطواف و نظائرهما باق على معناه الأصلي إذ لم يجعل الشارع لها إلا شرائط و هو لا يقتضي الاختلاف في الماهية و أما في غيرها فلأن لفظ الخلع و المباراة و النكاح و الإيلاء و العدالة و الفسق و الطهارة و النجاسة و الحدث و غيرها منقولات في الشرع إذ لم يعهد مفاهيمها من أهل اللغة و ليست بألفاظ و فيه نظر لكن يرد أن مستند هذا القائل في ثبوت النقل في ألفاظ العبادات راجع إلى الوجوه المتقدمة و قد عرفت ما فيها حجة القول بالنفي وجوه الأول أصالة عدم وقوع النقل من الشارع لأنه حادث فيستصحب عدمه تمسك به جماعة كصاحب المعالم و غيره و هو إنما يقتضي نفي الحقيقة الشرعية في الظاهر دون الواقع كما يقتضيه الوجهان الآتيان الثاني أن الشارع لو نقلها إلى معانيها الشرعية لفهمها المخاطبين بها حيث إن الفهم شرط التكليف و لو فهمهم إياها لنقلوا إلينا لمشاركتنا لهم‏

45

في التكليف و اشتراطه به و لو نقل فإما بالتواتر و لم يقع قطعا و إلا لما وقع الخلاف فيه و إما بالآحاد و هو لا يفيد القطع على أن العادة في مثله تقتضي وقوع التواتر لا يقال إن أريد بتفهيمها إياهم تفهيم المعاني المنقولة من حيث كونها منقولة كما هو الظاهر منعنا الملازمة إذ لا نسلم أن التفهيم بهذه الحيثية شرط التكليف و إن أريد تفهيم المعاني من غير ملاحظة حيثية فلا نسلم بطلان التالي ضرورة بثبوت التفهيم كذلك و وقوع النقل إلينا بالتواتر لأنا نقول المراد هو الوجه الأول و الدليل على اعتبار الحيثية أنه لو لم يقع التفهيم كذلك لانتفي فائدة الوضع و كأنهم تركوا هذه المقدمة تعويلا على ظهورها و الجواب منع الملازمة الثانية إن أريد نقل النقل إلينا إذ الشركة في التكليف لا تقتضي إلا بيان المراد و هو يمكن بذكر القرينة و لا حاجة إلى التصريح بالنقل و إن أريد نقل المراد فبطلان التالي ممنوع لا يقال لا فائدة في منع الملازمة إذ على تقدير عدم نقلهم لا يكون لنا سبيل إلى إثبات النقل فيتم ما أراده النافي لأنا نقول غرض النافي على ما يرشد إليه كلامه إقامة الدليل على عدم الوقوع لا بيان عدم الدليل على الوقوع ففي المنع المذكور نقض لدعواه و لا يلزم من منع الملازمة نفي أحد الطرفين لجواز صدق الاتفاقية مع أن أدلة المثبتين لا تختص بالنقل فنفيه لا يقتضي القدح في قولهم هذا مع أن الدليل المذكور مبني على مقدمات أخر ممنوع لأن مخالفة قوم لا يقتضي نفي التواتر عند آخرين و عدم إفادة نقل الآحاد للقطع لا يخرجها عن الحجية لما عرفت من أن المدار في مباحث اللغة على الظن غالبا و قولهم العادة تقتضي في مثله التواتر ممنوع لظهور المراد غالبا في الخطابات الشرعية فلا يكون في نقل النقل على تقدير وقوعه كثير فائدة الثالث أن هذه الألفاظ لو كانت منقولة في الشرع لزم خروج القرآن عن كونه عربيا و التالي باطل فكذا المقدم بيان الملازمة أن هذه الألفاظ لم يضعها واضع لغة العرب بإزاء هذه المعاني فلا تكون عربية و قد اشتمل القرآن عليها فلا يكون عربيا لأن ما بعضه عربي و بعضه غير عربي لا يكون كله عربيا و أما بطلان التالي فلقوله تعالى إنا أنزلناه قرآنا عربيا و الجواب أن العربي أعم مما وضعه واضع لغة العرب أو وضعه غيره ليستعمل في لغته و كذا الكلام في صدق سائر اللغات و لهذا تجدهم يعدون منقولات كل لغة منها سلمنا لكن نمنع كون الناقل لها في الشرع و الواضع للغة العرب غيره تعالى سلمنا لكن بطلان التالي ممنوع و لا ينافيه وصف القرآن بكونه عربيا لأن المراد أن أسلوبه عربي لا أن جميع ألفاظه عربية لاشتماله على ألفاظ معربة كسجيل و مشكاة و على أعلام لم يضعها واضع لغة العرب كإبراهيم و إسماعيل و زيد و يمكن أن يجاب أيضا بمنع الملازمة إذ على تقدير النقل لا يوجب أن يكون استعمالها في القرآن حقيقة تبعا لأوضاعها الشرعية بل يجوز أن يكون مجازات تبعا لأوضاعها اللغوية فإن المجازات الحادثة عربية قطعا لكن ينتفي معه ثمرة النزاع بالنسبة إلى استعمالاته تعالى و أجاب العضدي و غيره بأنا لا نسلم أنها لا تكون حينئذ عربية كيف و قد وضعها الشارع لها حقائق شرعية مجازات لغوية و المجازات المستحدثة عربية و إن لم يصرح العرب بآحادها و كلامهم هذا يقتضي أن تكون استعمالات الشارع لها حقائق و مجازات باعتبارين فتدخل في العربية باعتبار كونه مجازات و إن خرجت عنها باعتبار كونها حقائق و هو بمعزل عن التحقيق لأن المجاز على ما مر تحقيقه عبارة عن استعمال اللفظ في غير ما وضع له لعلاقة فاستعمال الشارع لها بعد النقل إن كان بالنقل فهو حقيقة شرعية لا غير و إن كان بالعلاقة فهو مجاز لغوي لا غير و إن أريد أن الشارع قد اعتبر كلا الأمرين في استعماله فهو مع بعده عن الأنظار السليمة يتضمن إسناد عبث إلى الشارع تعالى عنه لأن في التعويل على أحد الأمرين غنية عن اعتبار الآخر و ليس في اعتبارهما معا تأكيد للدلالة أو لصحة الاستعمال إن لم نقل بأن فيه وهنا لذلك لعدم مساعدة الطريقة الجارية بين أهل الاستعمال عليه و الظاهر من طريقة الأكثرين أن بين وصفي الحقيقة و المجاز تضادا و تنافيا فيمتنع اجتماعهما في استعمال واحد و قد يمنع بطلان التالي و يجعل الضمير للسورة و لو بتأويل المذكور و المقروء و اعترض حينئذ بأنه قد أطلق عليه القرآن و السورة ليست قرآنا إذ يصدق عليها أنها بعضه و بعض الشي‏ء

غير الشي‏ء و أجيب تارة بأن القرآن موضوع للقدر المشترك بين الكل و الجزء بدليل وقوع الحنث إذا حلف أن لا يقرأ القرآن فقرأ بعضه فيصدق على المجموع و على الأبعاض كلفظ الماء فيصدق أن السورة قرآن و بعض القرآن بالاعتبارين كما يصدق على ماء النهر أنه ماء و بعض الماء باعتبارين و أخرى بأن القرآن موضوع للقدر المشترك و أخرى للمجموع من حيث المجموع فيصدق أن السورة قرآن بالاعتبار الأول و بعضه بالاعتبار الثاني من غير حاجة إلى اعتبار زائد و هذا الجواب ضعيف لأن لفظ القرآن موضوع للمجموع فقط كأسماء سائر الكتب كما يشهد به التبادر و لا ينافيه صدق قراءته عرفا بقراءة بعضه لصدق قراءة السورة و الآية بقراءة أبعاضها أيضا مع أنهما موضوعتان للمجموع فقط بل هذه مسامحة عرفية في التعليق مرجعها إلى التنزيل تعلق الفعل بالبعض منزلة تعلقه بالكل و هذا لا يختص بالمقام بل له نظائر كثيرة مع أنه إن أريد بالسورة ما فيها هذا اللفظ فالإشكال وارد باعتباره أيضا و إن أريد غيرها فبعيد عن مساق الآية نعم لو أجيب بحمل القرآن على معناه اللغوي استقام و لم يتجه عليه الإشكالان و يمكن حمل كلام المجيب عليه بتكلف‏

تتمة [في ذكر الثمرة]

يظهر الثمرة بين القول بثبوت الحقيقة الشرعية بالوضع التعييني و بين القول بالنفي مطلقا فيما إذا أردت تلك الألفاظ في كلام الشارع مجردة عن القرينة فإنها تحمل على معانيها الشرعية بناء على الأول و على معانيها اللغوية بناء على الثاني لما تقدم من أن كل لفظ اصطلحه المتكلم في معنى فحيثما أورد في كلامه حمل على مصطلحه قضاء لحق التبادر و هذا إنما يتم إذا ثبت تأخر الاستعمال عن زمن النقل و يمكن إثباته حيث لا شاهد عليه بالخصوص بدلالة الغالب عليه إن تم و بأصالة التأخر على ما سيأتي و هذه الثمرة جارية أيضا بين القول بالوضع التعيني و القول بالنفي مطلقا عند العلم بتأخر زمن الاستعمال عن زمن النقل و أما عند الجهل به كما هو الغالب فقد قطع بعض محققي المتأخرين بعدم الحكم بالتأخر

46

بأصالة التأخر لانتقاضه بيقين سبق الاستعمال في الجملة تحقيقا للغلبة فلا يترتب الثمرة أقول يقين السبق المحصل للغلبة لا ينافي ترتب الثمرة بل يحققها إلا أن يكون المراد ترتبها من حيث الوضع لكن يهون معه أثر المنع و أيضا إنما يرفع اليقين الإجمالي حكم الأصل على تقدير تسليمه إذا أدى إلى عدم حصول الظن به حيث يكون التعويل عليه من حيث إفادته كما في المقام و هو ممنوع و لا ثمرة بين القول بالنفي مع إثبات النقل في زمانه (صلى اللَّه عليه و آله) و بين القول بالإثبات تعيينا أو تعينا على تقدير العلم بالتأخر و كذا مع عدمه إن عملنا أصل التأخر و إلا فالثمرة ظاهرة بين القول بثبوتها بالوضع التعييني و بين القولين الآخرين إذ الغالب تأخر الاستعمال عن زمن النقل التعييني و لا ثمرة بينهما و مما قررنا يتضح الحال في الثمرة بين المذهب المختار و بين سائر الأقوال ثم أقول و لقائل أن يرفع الثمرة و يلتزم بحمل هذه الألفاظ حيثما وردت في كلام الشارع مجردة عن القرينة على معانيها الشرعية و إن لم يثبت نقلها و يستند في ذلك إلى أمور الأول أن الغالب المتداول استعمال الشارع لها في معانيها الشرعية لمسيس الحاجة إليه دون معانيها اللغوية فحيثما وردت في كلامه تعين حملها على المعنى الشرعي إلحاقا لها بالأعم الأغلب لكن هذا لا يطرد في جميع الألفاظ الثاني أن هذه الألفاظ قد اشتهرت في عرف الشارع في معانيها الشرعية كما مر فحيث لا يعلم تقدم استعمالها على زمن الاشتهار كما هو الغالب فقضية الأصل تأخره و معه يتعين حملها على معانيها الشرعية و إن لم يثبت النقل تقديما للمجاز المشهور و هذا أيضا لا يطرد الثالث أن الشارع قد استعمل هذه الألفاظ في معانيها الشرعية أضعاف ما نقل إلينا قطعا لما مر و استعماله إياها في غير معانيها الشرعية زائدا على القدر المعلوم غير ثابت فحيثما نجد استعماله إياها من دون قرينة يتعين حملها على القسم الأول لأنه المتيقن صدوره عنه دون القسم الثاني للشك في صدوره عنه و الأصل عدمه فإن استشكل هذا بأنه لا ريب في أن الشارع قد استعمل ألفاظ كثيرة في معانيها اللغوية فينتقض الأصل بهذا اليقين الإجمالي فالجواب عنه ما مر

فصل اختلفوا في أن ألفاظ العبادات هل هي أسام للصحيحة أو الأعم منها و الفاسد

و هذا النزاع إنما يتفرع على القول بأن هذه الألفاظ موضوعة بإزاء معانيها الشرعية سواء قيل بالتعيين أو بالتعين في زمان الشارع أو غيره و أما على ما عزي إلى الباقلاني من أنها باقية على معانيها اللغوية كما مر فإن أراد بقاءها على تلك المعاني إلى زماننا هذا فالنزاع لا يتوجه إليه و وجهه ظاهر و من محققي المتأخرين من فرع النزاع على القول بأن هذه الألفاظ مستعملة عند الشارع في معانيها الشرعية سواء كان بالنقل أو لا و وافقه فيه بعض المعاصرين و فيه نظر إذ لا ريب في أن الشارع قد استعمل هذه الألفاظ كلا أو بعضا في غير الصحيحة كما سيأتي فكيف يتأتى لأحد إنكار ذلك نعم ربما يتصور النزاع في أنه هل الأصل استعمال الشارع لها في المعاني الصحيحة على تقدير إرادة معانيها الشرعية أو الأعم منها و من الفاسدة فلا يتوقف على تقدير ثبوت النقل لكنه بعيد عن التحرير المعروف و قولهم له هي أسام للصحيحة أو الأعم ظاهر أو صريح في أن النزاع فيه بحسب الوضع لا مطلق الاستعمال و دون التأويل فيه خرط القتاد و يساعد على ما ذكرنا ظاهر الأدلة الآتية ثم المراد بألفاظ العبادات ما يكون مداليلها ماهيات مخترعة في الشرع للتقرب بها كالصلاة و الزكاة و الحج و الصوم دون ما ليس كذلك كالزيارة و العيادة و القراءة و الركوع و السجود فإن المدار فيها على أوضاعها اللغوية و العرفية و ما ثبت لها في الشرع من شرط فإنما هو شرط لرجحانها و مطلوبيتها لا لحصول ماهياتها و مسمياتها فإن القراءة المباحة أو المرجوحة قراءة حقيقة و كذا الزيارة و العيادة و غير ذلك و هذا ظاهر لا سترة عليه و أما ألفاظ المعاملات فسيأتي تحقيق القول فيها إذا تقرر هذا فالحق ما ذهب إليه الأولون لنا وجوه الأول تبادر المعاني الصحيحة منها و قد مر أنه علامة الحقيقة و صحة سلب الاسم عن غير الصحيحة و عدم تبادر المعنى الأعم منها و قد تقدم أنهما علامة المجاز فتكون حقائق في الصحيحة مجازات في الفاسدة لا يقال إن أريد بالتبادر ما يكون ناشئا عن الإطلاق فبعد تسليمه لا يثبت المقصود و إلا فممنوع و صحة سلب الاسم عن الفاسدة لعلها مبنية على التأويل بتنزيل الفاسدة منزلة أمر مغاير للماهية نظرا إلى عدم ترتب الفائدة المقصودة منها عليها فلا تدل على كونها مجازا فيها لأنا نقول معيار الفرق و التميز في نظائر المقام إنما هو الوجدان و نحن إذا رجعنا وجداننا وجدنا المعاني الصحيحة متبادرة من تلك الألفاظ مع قطع النظر عن إطلاقها و وجدنا صحة سلبها عن الفاسدة من غير ابتناء على التأويل فلا يصغى إلى المنع المورد على المقامين الثاني لا ريب في أن في الشرع ماهيات مخترعة مطلوبة هي ذوات أجزاء و شرائط قد تصدى الشارع لبيانها ببيان أجزائها و شرائطها و أحكامها و حث في المواظبة عليها و ظاهر أن هذه ليست إلا العبادات الصحيحة و حيث كان أسهل طرق التفهيم و التفاهم بتأدية الألفاظ مست الحاجة إلى نصب ألفاظ على تلك الماهيات أما بالوضع فقضية الحكمة و العبادة حينئذ أن يكون الوضع بإزاء تلك الماهيات المطلوبة لا الأعم منها لئلا يختل فهم المراد في الموارد التي هي أهم موارد استعمالاتها مع ما فيه من الاقتصار على قدر الحاجة و أما بالتجوز فلا يكون المستعمل فيه في أكثر الموارد كموارد الأمر و البيان في ذكر الشرائط و الأحكام و نحو ذلك إلا تلك الماهيات لا الأعم منها لعدم تعلق الطلب حقيقة إلا بها و عدم تعلق القصد ببيان غيرها و عدم كون الشرائط و الأحكام ثابتة لغيرها و ظاهر أن هذه الموارد هي معظم موارد استعمال هذه الألفاظ حتى إنه يندر استعمالها في غيرها فتصير تلك الألفاظ حقائق في تلك الماهيات بالغلبة و هو المطلوب لا يقال يجوز أن يكون قد تجوز بها و استعملها في المعنى الأعم و أطلقها على المعنى الذي أراده من باب إطلاق العام على الخاص لا من حيث الخصوصية لئلا يلزم سبك مجاز من مثله لأنا نقول هذا بعيد فإن الظاهر ممن تجوز بلفظ في معنى اخترعه أنه تجوز به فيه لا في غيره و لا ينبغي التأمل في حجية مثل هذا الظهور في مباحث الألفاظ و كذا الكلام لو قلنا بصيرورتها حقائق بغلبة الاستعمال‏

47

في لسان المتشرعة و لو مع الشارع أو بصيرورتها حقائق قبل زمانه الثالث ما ورد في الأخبار المستفيضة من أنه لا صلاة إلا بطهور و لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب و لا صيام لمن لم يبت الصيام من الليل إلى غير ذلك مما يدل بظاهره على نفي الماهية عند انتفاء بعض الأجزاء و الشرائط فيلزم أن لا يكون اللفظ موضوعا لها حينئذ و يتم المقصود فيها عند انتفاء غير تلك الأجزاء و الشرائط و في غير تلك العبادات بعدم القول بالفصل و أورد بالمنع من تعلق النفي في تلك الموارد بنفس الماهية لجواز تعلقه بما هو خارج عنها كالصحة و الكمال كما في قوله لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد و لا عمل إلا بنية و نحو ذلك على أن حمل النفي في الرواية الثانية على نفي الماهية غير ممكن لصحة الصلاة في صورة نسيانها أو عدم القدرة على قراءتها أو كون المصلي مأموما و كذا الرواية الثالثة إذ قد يصح الصوم مع عدم بيتوته من الليل و الجواب أن ظاهر اللفظ إنما يقتضي نفي الماهية لتعلقه بها و حمله على نفي صفاتها بالتقدير أو بالتجوز خروج عن الظاهر فلا يصار إليه من غير ضرورة تلجئ إليه و إلحاقه ببعض نظائره قياس فلا يلتفت إليه و عدم البطلان في بعض الصور لا يورث القدح في الحمل المذكور لشيوع التخصيص و رجحانه على سائر أنواع المجاز على أن الكلام يتم بالرواية الأولى أيضا الرابع أن جميع العبادات مطلوبة للشارع متعلقة لأمره و لا شي‏ء من الفاسدة كذلك فلا شي‏ء من الفاسدة بعبادة و هو المطلوب أما الصغرى فلأمرين الأول الأوامر المتعلقة بها و ذلك ظاهر الثاني أن العبادة ليست إلا ما رجح فعله على تركه و ظاهر أن الرجحان إنما يتحقق بعد تعلق أمر الشارع و طلبه بها فلا بد في كونها عبادات من كونها متعلقة لطلب الشارع و أمره و هو المقصود في الصغرى و أما الكبرى فظاهر ضرورة أن أوامر الشارع لا تتعلق بالفاسدة و إلا لخرجت عن كونها فاسدة و يمكن أن يناقش في الوجه الأول بالتزام التقييد في تلك الإطلاقات و في الثاني بالمنع من تفسير مطلق العبادة بما رجح فعله على تركه بل ذلك معنى الصحيحة منها دون الأعم فإنه أعم من الراجح و غيره نعم يعتبر أن يكون نوعها راجحا في الجملة ليتميز عما ليس بعبادة و لا يخفى ما في المقامين من التعسف لا سيما الأخير و لو قيل بالفرق بين اسم العبادة و أسامي العبادات و أن الاسم يختص بالصحيحة بخلاف الأسامي كان أوضح الخامس لو كانت تلك الألفاظ موضوعة للصحيحة كان له أوجه ضبط في المعنى الموضوع له كالصحيحة أو المبرئة للذمة أو المطلوبة للشارع أو نحو ذلك و أما إذا كانت موضوعة للمعنى الأعم لم يكن لها وجه ضبط بحيث يمكن تعقله حتى يصح أن تكون تلك الألفاظ موضوعة بإزائها و لا يمكن القول بأنها موضوعة لجملة من تلك الأفعال لعدم صدقها عندهم على كل جملة منها و لا يصح أخذها على وجه يعتبر فيه الصدق عرفا للزوم الدور فإن الصدق عرفا يتوقف على الوضع فلو توقف الوضع عليه كان دورا و ربما يحكى عن البعض التخلص عن هذا بتعيين جملة من الأجزاء فقال في لفظ الصلاة إنها موضوعة بإزاء الأركان المخصوصة مع الطهارة و بمثله في غيرها و قد وقفت على مثل هذه الدعوى في كلام الفاضل المعاصر حيث ادعى أن الصلاة اسم للتكبيرة و القيام و الركوع و السجود و أن البواقي شرط لمطلوبيتها و أيد ذلك بمقالة الفقهاء إن تلك الأمور إن كان بخلاف ما عداها و فساده واضح للقطع بأن مجرد الإتيان بتلك الأجزاء غير مصحح للإطلاق مع أنها لو كانت موضوعة بإزائها لزم عدم الصدق عند انتفاء بعضها كالتكبيرة و القيام و لو حصلت مع سائر الأجزاء و الشرائط و التزامه على هذا المذهب تعسف واضح و ليس في تسميتها أركانا ما يشعر بأنها تمام المسمى كما لا يخفى على من وقف على مصطلحهم في لفظ الركن نعم يمكن التفصي عن أصل الإشكال بالتزام كونها موضوعة للأعم من الصحيحة و مما يقاربها في الهيئة عرفا فلا يلزم الدور السادس أنها لو لم تكن موضوعة لخصوص الصحيحة لزم ارتكاب التقييد في الأوامر المتعلقة بها لظهور أنها لا تتعلق بالفاسدة و التقييد على خلاف الأصل و أما إذا كانت موضوعة للصحيحة فلا يلزم ذلك و هذا ضعيف إذ لا عبرة بهذا الأصل و نظائره في إثبات الأوضاع حجة القول بأنها موضوعة للمعنى الأعم وجوه منها التبادر و عدم صحة سلبها عن الفاسدة و الجواب المنع من ذلك‏

كما مر لا يقال إنكاره التبادر في ذلك غير مسموع بعد شهادة العرف عليه فإن من أخبر بأن زيدا يصلي لا يفهم منه إلا أنه متشاغل بإتيان هذه الماهية من غير دلالة على كونها صحيحة أو فاسدة و لهذا لو أخبر بعد ذلك بأن صلاته تلك كانت فاسدة لم يعد مناقضا لكلامه السابق و لا منافيا لظاهره لأنا نقول بعد المساعدة على الادعاء المذكور أن القرينة الحالية في مقام الإخبار قائمة على عدم إرادة الصحيحة بخصوصها و هي بعد الاطلاع على السرائر و كثيرا ما يكون المقصود بالإخبار عنها بيان حال الفاعل لها من تلبسه بتلك الأفعال و تشاغله بها من غير تعرض لبيان الصحة و الفساد فيصلح أن ينهض ذلك قرينة على إرادة المعنى الأعم و ظاهر أن تبادر المعنى من اللفظ عند قيام القرينة لا يوجب الوضع له و منها أن كون هذه الألفاظ موضوعة للصحيحة على تقدير تسليمه لا يقتضي أن لا يطلق على الفاسدة حقيقة بدليل أن الأعلام موضوعة بإزاء تمام الأشخاص بشهادة قولهم دلالة زيد على يده و إصبعه دلالة تضمنية و مع ذلك يصدق عليه بالوضع السابق عند انتفاء بعض أجزائه أو زيادته عليها و يلزم من ذلك أن تكون حقيقة في الأعم و هو المطلوب و الجواب أن فرض اختصاص الوضع بالصحيحة يأبى عن صدق الاسم على الفاسد حقيقة إلا أن يدعى انقلاب الوضع حينئذ إلى الوضع للأعم و إن كان على خلاف ما قصده الواضع بمساعدة العرف نظرا إلى إلغائهم قيد الصحة و هذا على الظاهر مما لا يمكن الالتزام به و أما التمسك بالعلم فمدفوع بأنه إنما يوضع بإزاء نفس الشخص مع ما يتبعه من البدن من غير تعيين لمقدار مخصوص منه فيصدق عليه حقيقة عند نقصان جزء منه و زيادته عليه و ليس الوضع في جميع المركبات بهذه المثابة فلا سبيل إلى الإلحاق و التعدية و منها

48

أن هذه الألفاظ لو كانت موضوعة للصحيحة لزم فيما لو نذر أن يعطي مصليا حال تشاغله بالصلاة درهما أن لا تبرأ ذمته بإعطائه لمن يراه مصليا و إن كان عنده في أعلى مراتب العدالة و الصلاح ما لم يبحث عن كيفية صلاته و يطلع على صحتها الواقعية باستكمالها الأجزاء و الشرائط و ذلك مما لا يلتزم به أحد و كذا الكلام في جواز الائتمام به و الجواب أما أولا فبالنقض بما لو نذر الإعطاء لمن يأتي بالصلاة الصحيحة مع أن الإشكال المذكور وارد عليه على القول بالأعم أيضا و أما ثانيا فبالحل و هو أن قضية أصالة صحة أفعال المسلمين على ما تقرر في الشرع عدم وجوب البحث و التفتيش في المقامين و الاكتفاء بظاهر الحال ما لم ينكشف الخلاف و لهذا يحكم في المقام الأول بعدم البراءة إذا انكشف الخلاف و يلزم القائل بالأعم أن يلتزم بالبراءة فيه بل و فيما إذا تبين الفساد قبل الإعطاء و لو عند الفاعل أيضا و هو من أقبح المفاسد اللازمة على هذا القول اللهم إلا أن يتفصى عنه بأن المتبادر من الإطلاق خلاف ذلك فيرجع عند التحقيق إلى ما ذكرناه و أما ما يقال من أفعال المسلمين إنما تحمل على الصحيح عندهم دون الواقع فلا يجدي في المقام فضعيف بل قضية الأدلة الدالة على ذلك في المقام و نظائره الصحة الواقعية و لو لا ذلك لما حل أكل ذبائحهم و لا لبس الجلود التي توجد في أيديهم إلى غير ذلك إلا بعد العلم بحصول التذكية الشرعية و هو خلاف الإجماع و سيأتي لهذا زيادة بيان في محله إن شاء الله و منها أن هذه الألفاظ مستعملة في الصحيحة و الفاسدة فالأولى أن تكون موضوعة للأعم ليكون استعمالها فيهما على الحقيقة كما هو الأصل و الجواب أن وقوعها مستعملة في خصوص الصحيحة مما لا ريب فيه و معه لا يتم الأولوية للأعم ليكون استعمالها فيهما على الحقيقة كما هو الأصل و الجواب أن وقوعها مستعملة في خصوص الصحيحة مما لا ريب فيه و معه لا يتم الأولوية المدعاة كما مر مرارا على أنا قد بينا ما يوجب الخروج عن مقتضاها على تقدير تسليمها و منها صحة تقسيمها إلى الصحيحة و الفاسدة و صحة وصفها بهما و لو لا أن المقسم و الموصوف أعم لم يصح ذلك و الجواب أن التقسيم و الوصف قرينة على أنها مستعملة في المعنى الأعم و الاستعمال أعم من الحقيقة كما مر و إن أريد صحة تقسيمها و وصفها باعتبار معناها الحقيقي فممنوع و منها أنها لو كانت موضوعة للصحيحة لزم تكرار معنى الطلب في الأوامر المتعلقة بها و التالي باطل فكذا المقدم بيان الملازمة أن الأمر حينئذ يرجع إلى الأمر بالمطلوب إذ هو معنى الصحيحة فيكون المعنى اطلب مطلوبي و هو المراد بالتالي و أما فساده فظاهر و أيضا لا معنى للصحيحة إلا ما تعلق به الطلب فإذا كان متعلق الطلب هو الصحيحة لزم الدور لتوقف الطلب حينئذ على الصحة و الصحة على الطلب و الجواب أنا لا نعتبر الصحة جزءا لمدلول اللفظ بل نعتبرها صفة له خارجة عنه و حينئذ فلا تكرار ثم المراد بالصحة موافقة الفعل للطلب الواقعي فتوقف الطلب الظاهري عليه لا يوجب الدور و أما الطلب الواقعي فهو لا يتعلق بالفعل الصحيح أعني ما يكون صحيحا قبل تعلق الطلب به بل يتعلق بالفعل من حيث هو و الصحة من لوازمه و توابعه أو بما يكون صحيحا بذلك الطلب فلا إشكال و منها ما ورد في الروايات المستفيضة من الأمر بإعادة الصلاة عند حصول بعض المنافيات و هي عبارة عن الإتيان بالفعل ثانيا بعد الإتيان به أولا فيكون المراد بها المعنى الأعم إذ ليس الأمر هناك بإعادة الصحيحة و على قياسه الكلام في سائر الألفاظ و الجواب أن ذلك لا يقتضي إلا مجرد الاستعمال و هو لا يقتضي الحقيقة كما مر غير مرة و يكفي في صدق الإعادة عرفا مجرد سبق العزم على الفعل و التشاغل ببعض أجزائه على ما يساعد عليه الاستعمال في المقام و غيره فليس في شي‏ء منهما دلالة على كون الوضع للأعم و منها أنها لو كانت أسامي للصحيحة لزم أن يدل النهي عنها على صحتها و التالي باطل فكذا المقدم بيان الملازمة أن النهي حينئذ إنما يتعلق بالصحيحة لأن أداته إنما يتعلق بما هو موضوع بإزائها على ما هو المفروض فلا بد من إمكانها حينئذ حتى يصح تعلقه بها و إلا لكان النهي عنها عن أمر ممتنع و هو ممتنع و أما بطلان التالي فواضح على ما سيأتي بيانه و الجواب أن هذا الدليل إنما يثبت مجرد الاستعمال و هو

لا يوجب الحقيقة مع أنه يمكن أن يكون المراد بها الماهية الصحيحة بتنزيل النهي على نفي الفعل لا المنع من إيقاعه أو يكون اللفظ مستعملا في الصحيحة حال ذكر النهي و يكون الفساد طارئا عليها بالنهي لكن هذا إنما يتم إذا كان العمل مطلوبا على الوجه المنهي عنه قبل النهي و قصد بالنهي عنه إنشاء عدم مطلوبيته به و منها أنها لو كانت موضوعة بإزاء الصحيحة لزم أن يكون مورد النذر فيما لو نذر أن لا يصلي في مكان مرجوح هي الصلاة الصحيحة و التالي باطل فالمقدم مثله أما الملازمة فلأن التقدير أنها موضوعة للصحيحة و أما بطلان التالي فلأن تعلق النذر بها يستلزم النهي عنها و هو يستلزم فسادها على ما سيأتي و فسادها يستلزم عدم تعلق النذر بها إذ التقدير أنه متعلق بالصحيحة لا غير و ما يقتضي وجوده عدمه فهو محال مع أن النذر المذكور منعقد و الجواب أما أولا فبالنقض بما لو نذر أن لا يصلي فيه صلاة صحيحة فيتأتى فيه الإشكال المذكور بعينه بناء على الأعم أيضا و لو منع جواز تعلقه بها حينئذ لاتجه لنا منع جوازه على التقدير الأول أيضا إلا أن يجعل تعلقه بها قرينة على إرادة الأعم لكن لا يثبت به إلا مجرد الاستعمال على أن تعلقه بالأعم يستلزم تعلقه بنوعيه من الصحيح و الفاسد إذ تخصيصه بغير التصحيح غير صحيح فيتأتى الإشكال المذكور بالنسبة إلى تعلقه بالصحيح و فيه نظر ظاهر و أما ثانيا فبالحل و هو أن النذر حينئذ إنما يتعلق بالصحيحة و الفساد إنما يأتيها بعد تعلق النذر بها فلا منافاة و المعتبر في صحة تعلق النذر بشي‏ء إمكانه على تقدير عدم تعلق النذر به لا إمكانه مطلقا إذ لا دليل عليه غاية ما في الباب أن يمتنع الحنث فيه و يكون أثر النذر مجرد الفساد و لا دليل على خلافه و قد يقال يتعلق النذر حينئذ بما يكون صحيحا على تقدير عدم تعلق النذر بتركه فيحنث بفعله و إن وقع فاسدا و له أيضا وجه لأن النذر إنما يتعلق بالصحيح حال النذر فلا ينافيه لحوق الفساد من جهته نعم لا يتحقق منه الحنث إلا إذا أتى به قاصدا به القرينة و هو لا يكون إلا مع زعمه عدم فساده بالنذر و منها ما ذكره بعض المعاصرين من أنها لو كانت أسامي للصحيحة لزم أن يكون لكل صلاة ماهيات متكثرة بحسب اختلاف أحوال المكلفين كالحاضر و المسافر و الحافظ و الناسي و الشاك و الصحيح و المريض و المضطر و الآمن و الخائف‏

49

إلى غير ذلك مع اشتمال كل واحد من هذه الأقسام على أقسام عديدة سيما إذا اعتبر بعضها مع بعض و أما على القول بأنها موضوعة للأعم فلا يلزم ذلك لأن هذه أحكام مختلفة ترد على ماهية واحدة و أيضا لا مدخل لاشتراط شي‏ء بشي‏ء في اعتباره في التسمية و الجواب أما عن الأول فبأن مجرد كون الصلاة اسما للصحيحة لا يوجب اختلاف تلك الأقسام بحسب الماهية لجواز أن يكون الاختلاف فيها بحسب العوارض الطارية على ماهية واحدة و هي ماهية الصحيحة سلمنا لكن لا نسلم بطلان التالي إذا لم يأت عليه بحجة و بينة و أما عن الثاني فبالمنع من عدم المدخلية كيف و قضية الاشتراط زوال المشروط عند زوال الشرط و هو يوجب انتفاء الاسم و منها ما ذكره المعاصر المذكور أيضا و هو أن الفقهاء قد اتفقوا على بطلان الصلاة بزيادة أحد أركانها كالركوع مثلا و ظاهر أن الركوع الزائد فاسد لتعلق النهي به مع أنهم أطلقوا عليه لفظ الركوع و ذلك شاهد على أنه حقيقة في المعنى الأعم و لا يمكن أن يراد به صورة الركوع إذ لا تبطل الصلاة بمجرد المكث مقدار الركوع منحنيا لأخذ شي‏ء من الأرض و يتم الكلام في البواقي بعدم القول بالفصل و الجواب أنهم أرادوا بزيادة الركوع زيادة صورة الركوع بقصد كونها ركوعا و مجرد الاستعمال لا يقتضي الحقيقة كما مر غير مرة على أنا نقول ليس الركوع من أسماء العبادات بل هو على حد القيام و القراءة و الاستقرار و نحوها في البقاء على المعنى الأصلي و ما ثبت لها في الشرع من شرط فليس شرطا لتحققها بل لصحتها و مطلوبيتها هذا غاية ما يتخيل في أدلة الفريقين‏

بقي الكلام في الثمرة

فنقول ذكر جماعة أن فائدة النزاع تظهر في إجراء أصل البراءة عند الشك في جزئية شي‏ء أو شرطيته للعبادة و الشك في المانعية راجع إلى الشك في الشرطية من حيث إن عدم المانع شرط بالمعنى الأعم فإنه على القول بأنها موضوعة للأعم يمكن إجراء الأصل المذكور في نفيها بعد تحصيل ما يصدق عليه الاسم لأن الأمر حينئذ إنما تعلق بالمفهوم العام و قضية الأصل إجزاء كل ما يصدق عليه ذلك المفهوم ما لم يثبت اعتبار أمر زائد عليه شطرا و شرطا و أما على القول بأنها موضوعة بإزاء الصحيحة فلا يمكن نفي ما شك فيه بالأصل المذكور للشك في حصول الماهية بدونه كما لا يمكن التمسك به في نفي ما شك اعتباره في صدق الاسم على المذهب الأول بل الذي يقتضيه أصالة الاشتغال على القول بالصحة وجوب الإتيان بجميع ما يحتمل اعتباره في الصحة من الأجزاء و الشرائط المعلومة و المشكوكة تحصيلا للبراءة اليقينية كما أنها تقتضي وجوب الإتيان بما يحتمل اعتباره في الصدق على القول بالأعم لا بمعنى أن الأصل المذكور يجعل الأجزاء و الشرائط المشكوكة أجزاء و شرائط للماهية كما قد يتوهم فيظهر الثمرة حينئذ في مسألة الشك بل المراد مجرد توقف العلم بالبراءة على الإتيان بها و ظاهر أن ذلك لا يقتضي الحكم بالجزئية و الشرطية و أما المتوقف بين القولين فيلزمه ما يلزم القائل بالصحة أخذا بالمتيقن و وجهه واضح هذا و التحقيق عندي أن أصل البراءة و ما في معناه من الأصول الظاهرية كأصل العدم يتساوى نسبة جريانه في نفي الأجزاء و الشرائط المشكوك فيهما إلى القول بالصحة و القول بالأعم لمشمول أدلة النفي و الإثبات لهما فالفرق بينهما في ذلك كما هو المتداول في ألسنة المتأخرين و المعاصرين غفلة بينة و من هنا ترى أن من يمنع من جريان الأصل المذكور على القول بالصحة يمنع من جريانه على القول بالأعم أيضا حيث يكون الشك في الصدق كما نبهنا عليه و في حكمه ما لو شك في شمول إطلاق الخطاب المتعلق بالماهية لها عند انضمامها ببعض الخصوصيات حيث يقدح في ظهور الإطلاق ما يصلح للقدح فيه و إن لم ينهض حجة على إثبات الخلاف كالشهرة و إطلاق آخر و أما صحة الحكم بنفي الجزئية و الشرطية على القول بالأعم حيث يعلم صدق الاسم مع سلامة الإطلاق عن المعارض فمن جهة تحكيم الإطلاق كما مر التنبيه عليه و ليس من جهة تحكيم الأصل المذكور كما توهم لجريانه أيضا حيث ينتفي العلم بالصدق أو ينتفي ظهور الإطلاق إذ لا يعتبر في دلالة دليل انضمامه إلى دليل آخر و يلزم حينئذ أن يتساوى الحال بين القول المذكور و بين القول بالصحة كما عرفت فاتضح مما حققناه أن الثمرة التي تترتب على القولين هي نهوض الإطلاق السالم عن المعارض حجة على نفي ما يحتمل جزئيته أو شرطيته بعد تحصيل القدر المعبر في صدق الاسم عرفا على القول بالأعم دون القول بالصحة ثم قضية ما قررناه أولا عدم جريان أصل البراءة و ما في معناه نفي الجزء و الشرط المشكوك فيهما حيث لا يقوم دليل على النفي مطلقا على القولين و من المعاصرين من يرى جريان الأصل المذكور في ذلك على القولين و رام بذلك نفي الثمرة و الذي يصلح حجة لمقالته وجوه الأول أنا لو تركنا إعمال الأصل المذكور في نفي الأجزاء و الشرائط المشكوكة لزم الإجمال في ماهية العبادات إذ لا يسلم كلها أو جلها عن جزء مشكوك أو شرط مشكوك فيلزم أن لا يتعلق التكليف بها لما ورد من أنه لا تكليف إلا بعد البيان و هذا ضعيف لأنه كما ضعيف لأنه كما يمكن رفع الإجمال عن الماهية المأمور بها بإعمال أصل البراءة كذلك يمكن رفعه عنها بإعمال أصل الاشتغال و الإتيان بما شك فيه فالملازمة ممنوعة هذا إذا أريد رفع الإجمال بحسب الظاهر و أما إذا أريد رفعه بحسب الواقع فشي‏ء من الأصلين لا يساعد عليه سلمنا أن أصل الاشتغال لا يصلح لتعيين الماهية كما مر لكنه يصلح التعيين ما يجب الإتيان به و هو كاف في صدق البيان على أنا نمنع عود البيان في الرواية إلى ما تعلق به التكليف بل إلى نفس التكليف و لا إجمال فيه في محل البحث و قد يستدل على فساد التالي بامتناع تعلق التكليف بالمجمل و ليس بشي‏ء لأن المجمل الذي لا يجوز تعلق التكليف به هو الذي لا يكون للمكلف سبيل إلى الامتثال به و ظاهر أن الإجمال الحاصل في المقام لا يوجب ذلك لإمكان الامتثال بإتيان الجميع الثاني لو لم يصح التمسك بالأصل المذكور هنا لم يصح التمسك به في شي‏ء من الأحكام الشرعية و التالي باطل‏

بالاتفاق فكذا المقدم بيان الملازمة أنه لا فرق بين ما نعلم بأنا مكلفون بالصلاة و لا نعلم أن جزء كذا منها أو لا و بين ما نعلم من أنا مكلفون بالأحكام الواردة في الشريعة و لا نعلم أن حكم كذا منها أو لا فلئن قيل قد علمنا هناك بعض الأحكام فيمكن نفي ما لم نعلمه بالأصل قلنا بمثله في المقام فإنا قد علمنا بعض الأجزاء

50

و الشرائط فيه فيمكن نفي ما لم نعلمه بالأصل و هذا أيضا ضعيف إذ لا ريب في أن صحة بعض أجزاء العبادة منوطة بوقوع بقية الأجزاء و الشرائط فقضية الاشتغال بها عدم البراءة بخلاف سائر الموارد التي يتمسك فيها بأصل البراءة فإن الامتثال ببعضها لا يناط بالامتثال بغيرها فلا تعارض لأصل البراءة فيها فاتضح الفرق بين المقامين و بطلت الملازمة المتوهمة في البين الثالث أن التكاليف المتعلقة بالماهيات المجملة إنما هي بحسب ما تبين منها للمكلفين بها فكما أن الحاضرين لمجلس الخطاب إذا أمرهم الشارع بعبادة ثم بينها لهم بأن ذكر لها أجزاء و شرائط لم يكونوا مكلفين إلا بما اشتمل على تلك الأجزاء و الشرائط المبنية و إن احتمل عندهم أن يكون لها جزء أو شرط لم يبينه لهم فكذلك إذا علمنا أن الشارع قد أمرنا بعبادة و تصفحنا فوقفنا لهم على أجزاء و شرائط ثم لم نعثر على ما يقتضي الزيادة لم نكن مكلفين إلا بالقدر المبين و فيه نظر لأن الحاضرين لمجلس الخطاب يمكنهم التمسك في حصر الأجزاء و الشرائط في الأمور المبينة بعدم جواز تأخير البيان عن وقت الخطاب أو الحاجة لتيسر البيان و قبح التعويل حينئذ على البناء على الاحتياط مع عدم التصريح به و أما من عداهم فقد يتعذر وصول البيان إليهم مع وقوعه فلا يبعد حكم العقل بوجوب الاحتياط في موارد الشك في حقهم تحصيلا للبراءة اليقينية أو نقول ظاهر الاقتصار في مقام البيان يعطي الانحصار فلهم أن يعولوا عليه و أما غيرهم فربما لا تيسر لهم بيان يفيد ذلك فلا يكون لهم مستند على الحصر الرابع أصالة عدم تعلق الوجوب التبعي بتلك الأجزاء و الشرائط استصحابا للحالة السابقة فإنها لم تكن قبل ورود الأمر بتلك الماهيات مطلوبة فالأصل بقاؤها عليه و فيه نظر لأنه إن أريد بهذا الأصل إثبات تعلق الوجوب النفسي بماهية الأقل دون الأكثر فهو من الأصول المثبتة التي لا تعويل عليها عند المحققين و إلا فلا جدوى له في المقام الخامس و هو يختص بنفي المانع أصالة عدم منع ما يحتمل مانعيته استصحابا للحالة السابقة لا سيما إذا كان طارئا في أثناء العمل لاعتضاده حينئذ باستصحاب بقاء الصحة إذ التحقيق عدم الفرق في الاستصحاب بين الشك في قدح العارض أو عروض القادح فكما لو علم بمانعية النجاسة و شك في عروضها أو شك في نجاسة أمر علم بعروضه توجه التمسك بالاستصحاب في نفيهما و حصل الامتثال بالفعل على تقديره فكذا لو علم بعروض نجاسة و شك في مانعيتها توجه التمسك بالاستصحاب في نفيها و صح التعويل عليه في الامتثال و فيه نظر لأن الاستصحاب على ما نحققه في محله إنما يجري حيث يكون قضية الشي‏ء المستصحب بقاؤه عادة أو شرعا على تقدير عدم الطرو المانع المحتمل طريانه أو منع الطاري المحتمل مانعيته كما في المقامين الأولين فإن قضية الطهارة الثابتة أولا بقاؤها شرعا ما لم يرفعها رافع فحيث يشك في عروض الرافع أو رفع العارض يصح التمسك بأصالة بقائها بخلاف المقام الأخير إذ ليس فيه ما يكون قضية البقاء على تقدير عدم طرو الرافع أو رفع الطاري إلا الاشتغال فيستصحب إلى أن يثبت الرافع له فيجب الإتيان بجميع الأجزاء و الشرائط المعلومة و المحتملة و الاحتراز عن جميع الموانع المعلومة و المحتملة إذ لا يثبت رفعه بغيره و أما عدم المانع فمرجعه إلى حصول المطلوب على تقديره فهو مخالف للاستصحاب لا موافق له فإن الفعل لم يكن أولا بجميع تقاديره مطلوبا غاية الأمر أن الدليل دل على مطلوبيته على بعض التقادير فيقتصر عليه و يستصحب في غيره حكمه السابق من عدم المطلوبية و بالجملة فقضية الاستصحاب في المقامين الأولين إثبات موضوع الشرط فيثبت الامتثال بالمشروط المقارن له بعموم ما دل على تقدير مقارنة الشرط و قضية اعتباره في الأخير نفي الاشتراط و هو غير مستقيم لأن مرجعه إلى مطلوبية الفعل بدون الشرط المحتمل و هو خلاف قضية الاستصحاب و أما التمسك باستصحاب بقاء صحة العمل حيث يصادف المانع الاحتمالي في الأثناء فواضح الوهن لأنه إن أريد إثبات بقاء صحة الأجزاء المأتي بها أولا بعد طرو المانع الاحتمالي فغير مجد لأن البراءة إنما تتحقق بفعل الكل دون البعض و إن أريد إثبات عدم مانعية الطاري بذلك أو صحة بقية الأجزاء أو الكل فساقط لما عرفت من عدم التعويل على الأصول المثبتة السادس ما ذكره الفاضل المعاصر في مسألة أصل البراءة و محصله أن أصل البراءة عن الجزء و الشرط المشكوك فيهما و أصالة عدم الجزئية و الشرطية يفيدان الظن بالعدم حيث لا يعارضهما شي‏ء من الأدلة فيبنى على مقتضاه لأن ذلك قضية قاعدة انسداد باب العلم و بقاء التكليف و

لأن القدر المتيقن من التكليف الإتيان بالقدر المظنون إذ لا إجماع على التكليف بما زاد على المظنون و لا دليل على أنا مكلفون بالواقع لا يقال قضية الخطابات الشرعية ذلك لما تحقق في محله من أن الألفاظ موضوعة بإزاء المعاني الواقعية دون العلمية و الظنية لأنا نمنع توجه تلك الخطابات إلينا بل إلى المشافهين خاصة فينحصر الدليل في حقنا في الإجماع و هو لا يساعد على ثبوت التكليف بما زاد على مظنوننا كما مر و لئن تمسك بأدلة الشركة في التكليف لكان لنا منع كون المشافهين مكلفين بالواقع أيضا بل بما حصل لهم الظن بأنه مورد التكليف بدليل أن البيان لهم بخطابات لفظية و هي لا تفيد القطع بالمراد و لو غالبا و إنما تفيد الظن به و هذا يقتضي أن لا يكونوا مكلفين إلا بمظنونهم و قضية الشركة في التكليف أن يكون من عدلهم أيضا مكلفين بمظنونهم فثبت المطلوب و الجواب أن أصل البراءة و أصل العدم إن قيسا إلى الواقع فلا يستلزمان حصول الظن بمفادهما قطعا و هذا واضح و إن قيسا إلى الظاهر فالحق أن أصل البراءة يفيد القطع بالبراءة الظاهرية عقلا و نقلا عند خلق الواقعة عن دليل الاشتغال بالكلية و بدونه لا يفيد علما بها و لا ظنا و قد عرفت أنه قد قام الدليل في المقام على ثبوت التكليف بالجزء و الشرط المشكوك فيهما و هو قضاء العقل بأن قضية الشغل اليقيني وجوب تحصيل البراءة اليقينية و أما أصل العدم فإن أريد به عدم التكليف كان بمعنى أصل البراءة و قد مر الكلام فيه و إن أريد به عدم الحكم الوضعي فإن أريد به نفي لوازمه من الأحكام التكليفية رجع إلى أصل‏