الفقه، القواعد الفقهية

- السيد محمد الحسيني الشيرازي المزيد...
227 /
5

المقدمة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد لله ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على محمّد و آله الطاهرين هذا هو كتاب (القواعد الفقهية) (1) ألّفته بإيجاز ليكون مرشداً لمن أراد الاطلاع على هذا الجانب الفقهي، و هو من الأهمية بمكان، لأن أُلوف المسائل تتفرّع منها.

و قد ذكرها الفقهاء في كتبهم الفقهية بمختلف المناسبات إجمالًا أو تفصيلًا.

قال الإمام الرضا (ع): (علينا إلقاء الأصول و عليكم التفريع) (2).

و قال الإمام الصادق (ع): (إنَّما علينا أن نلقي عليكم الأصول و عليكم أن تفرّعوا) (3).

____________

(1) يمكن أن يُعدّ هذا الكتاب مدخلًا و مقدمةً للفقه بلحاظٍ، و من (الفقه) بلحاظ و اعتبار آخر كما لا يخفى.

(2) وسائل الشيعة: ج 18، ص 41، ح 52.

(3) وسائل الشيعة: ج 18، ص 40، ح 51.

6

و قد ذكرنا في الكتاب بعض ما يتفرّع على تلك القواعد من المسائل الشرعية.

و هذه القواعد على قسمين: الأول: ما ورد التصريح بها في الشريعة، فيمكن استخراج الفروع منها ابتداء.

الثاني: ما استنبطها الفقهاء من الأدلة، و جعلوها قاعدة لاستخراج الأحكام منها.

و هذه إنما يفرع عليها إذا كان الفرع من مصاديق تلك الأدلة أو قام الإجماع على ذلك الفرع و إلّا فهي بما هي هي لا شأن لها كما هو واضح.

و أسأل الله سبحانه التسديد و النفع و القبول و هو المستعان.

محمد الشيرازي 15 صفر 1413 ه قم المقدسة 1

7

قاعدة اليد

أدلة القاعدة (قاعدة اليد):

و قد استدل بها الفقهاء في مختلف أبواب المعاملات و غيرها.

و الدليل عليها قبل الإجماع المقطوع به في كلامهم، و إن كان يستشكل بأنه محتمل الاستناد، و السيرة المستمرّة، و بناء العقلاء، و قد وردا على لسان الشرع حيث قال سبحانه‏ (يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) (1).

و السيرة معناها: سبيل المؤمنين.

و في الروايات: (لو لم يجز هذا لما قام للمسلمين سوق) (2) كما في رواية حفص.

(و من استولى على شي‏ء منه فهو له‏ (3) كما في رواية يونس، إلى غيرها:

جملة من الروايات:

كرواية حفص المروية في الكتب الثلاثة عن الصادق (ع): (أ رأيت إذا رأيتُ‏

____________

(1) النساء: 115.

(2) وسائل الشيعة: ج 18، ص 215، ح 2.

(3) وسائل الشيعة: ج 17، ص 525، ح 3.

8

شيئاً في يد رجل أ يجوز لي أن أشهد أنه له؟ قال (ع): نعم، فقال الرجل: أشهد أنه في يده و لا أشهد أنه له فلعله لغيره؟ فقال أبو عبد الله (ع): أ فيحلّ الشراء منه؟ قال: نعم، فقال أبو عبد الله (ع): فلعلّه لغيره فمن أين جاز لك أن تشتريه و يصير ملكاً لك، ثم تقول بعد الملك: هو لي و تحلف عليه، و لا يجوز أن تنسبه إلى من صار ملكه من قبله إليك؟ ثم قال أبو عبد الله (ع): لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق) (1).

أقول: المسألة لها صور متعدّدة: 1 قد يكون في يده و يقول: أنه ملكه، و لا إشكال فيه.

2- و قد يقول أنه ليس ملكه، و لا إشكال.

3- و قد لا يعلم ذلك و هو لا يصرّح بالملكية أو عدمها مع صلاحيته للقول، و هذا لا دليل على أن نتصرف فيه تصرف من يحق له ذلك بالنسبة إلى أملاك الناس، مثل التصرف في بيت من تضمنته الآية (2).

و الرواية المذكورة لا تشمله، لأن الإمام (ع) ذكر مثال (تشتريه) و هو في ادعائه الملكية، إذ لا يحتاج الأمر إلى اللفظ، بل يكفي قرائن الملك و لو بالبيع و الهبة و نحوهما، فلا إطلاق للرواية ليشمل المورد المذكور، خصوصاً و لا سيرة و لا بناء للعقلاء في مثل ذلك.

4- و قد يكون بلا صلاحية للقول، و ذلك لمن صار مجنوناً أو مات أو ما أشبه، و لا يبعد أن يشمل الدليل ذلك.

فإذا وجدنا في صندوقه أموالًا، أو في بيته، أو كان جالساً في البيت و لم نقطع بأنها ليست له، قسَّمناه بين ورثته، كما نجعل ما تحت يد المجنون له في تصرف‏

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 18، ص 215، ح 2.

(2) النور: 61.

9

الولي فيه تصرف ما ملكه المجنون.

و بذلك تبيّن حال ما تحت يد الصغير كما ذكره الفقهاء في كتاب اللقطة (1).

و رواية مسعدة عن الصادق (ع) قال: سمعته يقول: (كل شي‏ء هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك، و ذلك مثل الثوب يكون عليك و قد اشتريته و لعلّه سرقة، و المملوك عندك لعله حرّ قد باع نفسه، أو خدع فبيع قهراً، و امرأة تحتك و هي أختك أو رضيعتك، و الأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة) (2).

و قد ذكرنا في (الفقه) إن الاستبانة عرفية، و هي تحصل بالثقة، كما هي عادة العرف في كافة شؤونهم، فإنّ ركّاب الطائرة يسلّمون أنفسهم و أموالهم إلى الطيّار، و كذا الملّاح و السائق، مع أنه واحد، و يضع المريض جسمه تحت تصرّف الطبيب لإجراء العملية الجراحية و هكذا.

أمّا قيام البيّنة] التي هي عبارة عن شاهدين كما ادعى القطع عليه جماعة اصطلاحاً و إن كان خلاف اللغة و المستعمل في القرآن الحكيم‏ (حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ) (3) و غيره [فإن الحاجة إليها في مقام الشهادة فقط، إذ لا دليل على أكثر من ذلك.

و الإشكال في الرواية بأنها لا تدل على قاعدة اليد غير سديد، فإن من أظهر ما تدل عليه بالملاك القطعي أو الإطلاق هو ذلك، فإن الإنسان إنما يعتمد على بائع الثوب و المملوك و على قول المرأة و نحوها.

و المروي عن الصادق (ع) في قصة فدك: أنّ مولانا أمير المؤمنين (ع) قال‏

____________

(1) راجع موسوعة (الفقه) ج 81 كتاب اللقطة.

(2) وسائل الشيعة: ج 12، ص 60، ح 4.

(3) البينة: 1.

10

لأبي بكر: (أ تحكم فينا بخلاف حكم الله تعالى في المسلمين؟ قال: لا، قال: فإن كان في يد المسلمين شي‏ء يملكونه ادعيت أنا فيه من تسأل البيّنة؟ قال: إياك كنت أسأل البيّنة على ما تدعيه على المسلمين، قال (ع): فإذا كان في يدي شي‏ء فادعى فيه المسلمون تسألني البينة على ما في يدي و قد ملكته في حياة رسول الله (ص) و بعده، و لم تسأل المؤمنين البينة على ما ادعوا عليّ كما سألتني البينة على ما ادعيت عليهم؟ إلى أن قال: و قد قال رسول الله (ص): البينة على من ادعى و اليمين على من أنكر) (1).

فإن الرواية صريحة في حجية اليد و هي تدل على الملك، و أن المدَّعي، عليه إقامة الدليل.

قضية فدك‏

و لا يخفى أن قضية (فدك) كانت واضحة و إنما السلطة هي التي أرادت أن تمنح الشرعية للخليفة كما هو دأب الحكومات دائماً، و لذا نرى في التاريخ أن خلفاء الجور ردوا فدك تارة و غصبوها أخرى، إلى أربع عشرة مرة أو أكثر.

و أما أن الإمام (ع) لم يسترد فدكاً عند تسلّمه السلطة، فلما أشار إليه في نهج البلاغة، و لعلّ السرّ الواقعي هو أن الإمام (ع) أراد شيئين: الأول: إبقاء الظلامة حتى تكون دليلًا على اغتصاب الخلافة.

الثاني: انه قضية مهمّة، إلّا أن الأهم هو قضية الخلافة، فإن العقلاء دائماً يتركون المهم لصالح الأهم، حتى لا ينشغلوا عن الأمر الأهم، لقاعدة (الأهم و المهم).

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 18، ص 215، ح 3.

11

و رواية حمزة بن حمران: (أدخل السوق فأريد أن أشتري جارية تقول: إني حرّة؟ فقال (ع): اشترها إلّا أن يكون لها بيّنة) (1).

فإن (اليد) لو لم تكن حجّة كان اللازم على البائع أن يأتي بالبيّنة، و المراد بالبينة في الرواية: إما العلم من القرائن، إذ ربما تدل القرائن على ذلك، مثلًا يحقق الحاكم من البائع عن وقت تملّكها و بأي سبب و ما أشبه، ثم يسأله ثانياً، ليرى التطابق بين الجواب الأول و الثاني، و ما أشبه ذلك، ليظهر زيف ادعائه.

أو خصوص الشاهدين، و لكنه من باب المثال الغالب.

و قد كشف أمير المؤمنين (ع) صدق مدّعي السيادة في قصة مشهورة ادعى كل منهما انه السيد و الآخر العبد.

و مثل الرواية السابقة: صحيحة العيص (عن مملوك ادعى أنه حرّ و لم يأت ببيّنة على ذلك، أشتريه؟ قال (ع): نعم) (2).

و لا يخفى أنه لو علم حريته و أنه غصب أو ما أشبه، كان له أن يعمل حسب الواقع من الهروب و نحوه.

و موثقة يونس في المرأة تموت قبل الرجل أو رجل يموت قبل المرأة، قال (ع): (ما كان من متاع النساء فهو للمرأة، و ما كان من متاع الرجال و النساء فهو بينهما، و من استولى على شي‏ء منه فهو له‏ (3).

و لا يخفى أنه لو كان من متاعهما أو لم يكن من متاعهما أو متاع الطفل كان اللازم إعمال قاعدة (العدل) إذا لم يكن بيّنة و نحوها.

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 13، ص 31، ح 2.

(2) وسائل الشيعة: ج 13، ص 30، ح 23606.

(3) وسائل الشيعة: ج 17، ص 525، ح 3.

12

و قد ذكرنا تفصيل هذه المسألة في (الفقه)، و المراد هنا أن الاستيلاء دليل الملك، فيأتي في شريكين في محلّ تجاري أو في غرفة المدرسة، مثلًا كان أحدهما يدرس شرح اللمعة و الآخر يدرس الكفاية فلكل منهما ما يدرس فيه، أما إذا كان مثل كتاب اللغة حيث تعمّ الحاجة إليه، أو لم تكن لأحدهما إليه حاجة، فهو لهما، إلى غير ذلك.

و رواية العباس بن هلال عن الرضا (ع): (ذكر أنه لو أفضى إليه الحكم لأقر الناس على ما في أيديهم و لم ينظر في شي‏ء إلّا بما حديث في سلطانه، و ذكر أن النبي (ص) لم ينظر في حدث أحدثوه و هم مشركون و أن من أسلم أقرّ على ما في يده‏ (1).

و الظاهر أنها أعم ممّا في اليد، بل المراد انطباق حديث (الجب) (2) عليهم كما ذكرناه في كتاب (الفقه: الدولة) (3) و غيره.

المراد من (اليد)

ثم المراد من (اليد) في الروايات و كلام الفقهاء: ما كان تحت السلطة، سواء سلطة نفسه أو وكيله كالودعي و المستأجر و المستعير و المضارب و نحوهم بعد اعترافهم بأنه لأولئك، و إن كان الشي‏ء في يد آخر لا يعلم بأنه لمن، كما إذا كان بستان أو دار تحت سلطة زيد، و كان الساكن فيهما جاهلًا بالمالك.

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 18، ص 214، ح 1.

(2) المستدرك: ج 7، ص 448، ح 8625، ب 15.

(3) موسوعة (الفقه) ج 101 و 102 كتاب الدولة.

13

و قد ذكرنا في (الفقه) في مسألة (على اليد ما أخذت) (1) أنه يشمل السيطرة كما إذا غصب الظالم أملاك الناس و سجّلها باسمه بحيث صارت تحت سلطته و إن كان أربابها الواقعيّون ساكنين فيها فإن يدهم ضعيفة و يشمل (على اليد) يد الغاصب كما هي العادة لدى الحكومات الظالمة.

و إذا كان هناك استيلاءان أي يدان على شي‏ء فهو لهما بصورة متساوية، أو مختلفة، كما إذا كانت الدار ذات طوابق و اثنتان في يد أحدهما و واحدة في يد ثان.

و كذلك إذا كان الاستيلاء على البستان على نحو التثليث أو التربيع أو ما أشبه.

و إذا لم نعلم أن حصة الاثنين متساوية أو مختلفة فالأصل الأول.

و إذا ادعى أحدهما الأكثر فعليه البيّنة.

و إذا كانت هناك يدان أو أكثر إلّا أن الملكية ظاهرة لأحدهما كان له، كما إذا جلس في السيارة السائق و الركاب فالظاهر أنها له دونهم، و كذلك حال السائق و معاونه، و قد ذكر الفقهاء مسألة الراكب و آخذ الزمام و السائق للدابة.

و إذا تبادل اثنان قيادة السيارة مثلًا كان بينهما أيضاً، إلّا أن يقيم أحدهما الدليل على أنها أو أكثرها له على موازين الدعوى.

و كذلك لو أخذا طرفي الحبل يتنازعان فهو بينهما كذلك.

و لو ترتّبت الأيدي كان للّاحق، إلّا أن يقيم السابق البينة على الكل أو البعض.

و لا فرق في ما ذكر بين مسلمَيْن و كافرَيْن، رجلَيْن أو امرأتيْن، أو

____________

(1) عوالي اللئالي: ج 1، ص 224، ح 106.

14

بالاختلاف، و كذلك حال غير البالغَيْن المميّزَيْن فيما لو قلنا بكراهة معاملتهما كما ذكره في الشرائع حيث إن يد الطفل تكون حجة حينئذ بخلاف المجنونَيْن.

و الحاصل: أن حال الفردَيْن هو كالفرد الواحد، و بعض الكلام مذكور في كتاب (اللقطة).

إطلاق أدلة اليد

و لا فرق في حجية اليد بين من غلب عليه الغصب كالسارق و الظالم أو لا، لإطلاق الأدلة، و ليس الاعتبار بالظن حتّى يقال: لا ظن في الأولين.

ثم لو كانت يده عادية و بعد ذلك شك في أنها هل صارت شرعية أو أمانة مالكية كان الاستصحاب محكّماً، لأنه يوسع دائرة الموضوع.

فلا يقال: أن اليد أمارة و الاستصحاب أصل و هي مقدمة عليه كما نبه على مثل ذلك الشيخ (قدس سره) في بعض مباحث الرسائل.

و سيرة العقلاء أيضاً على ذلك فمن عرفوه بأنه غصب دار زيد ثم احتملوا شراءها منه أو ما أشبه يحكمون بالغصبية حتى يقيم الدليل.

و كذلك الحكم بالنسبة إلى حال سائر المحرمات، مثلًا: لو علمنا أن الدار وقف ثم رأيناه يبيعها، فإننا لا نقول أن موجب بيع الوقف قد حصل له.

أو علمنا أنه صحيح الجسم حاضر ثم رأيناه يفطر مما احتملنا مرضه أو سفره، أو رأيناه يشرب الخمر، و كما إذا علمناها متزوّجة ثم رأيناها مع إنسان آخر يباشرها و احتملنا أن الأول لم يدخل بها و طلّقها قبل ساعة و تزوّجها الثاني حتى تكون المباشرة شرعية، إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة.

15

لا يقال: فلما ذا لا تحكمون بالاستصحاب فيما إذا رأيتم امرأة مع رجل، أو شخصاً يبيع فاكهة و لا بستان له، أو رأيتم ميتاً دفن و لم تعلموا بغسله، فالاستصحاب يقتضي عدم الحلية في الأولين و عدم جواز الثالث؟ لأنه يقال: في كل مورد جرت (السيرة) و نحوها فنقول بخلاف الاستصحاب، و إلّا كان الاستصحاب محكّماً، و قد ألمعوا إلى مثل ذلك في الأراضي المفتوحة عنوة حيث رأينا المسلم يعاملها معاملة الملك.

و يؤيّد المستثنى سؤال علي (ع) عمّن أفطروا في شهر رمضان.

و الظاهر الفرق بين العلم الوجداني بأن الدار كانت لغيره و لا مدعي، حيث يحكم باليد بلا يمين و لا بيّنة، و ذلك للسيرة القطعية و بناء العقلاء و الروايات، لأن أكثر الدور و الدكاكين و الحمامات بل و المنقولات يُعلم أنها لم تكن لذي اليد سابقاً و مع ذلك إذا رأيناها عند إنسان يُحكم بصحة يده كما أشارت إلى ذلك الرواية السابقة.

و بين ما إذا كان مدع فإن من بيده يلزم عليه أن يحلف إذا لم يأت المدعي بالبينة و ذلك لقوله (ص): (البيّنة على من ادّعى و اليمين على من أنكر) (1).

أمّا طلب أبي بكر من فاطمة (عليها السلام) البيّنة إضافة إلى أنه خلاف مقتضى قاعدة اليد فقد عرفت أنه كان ذريعة و عُذراً، كان الهدف هو الغصب بالقوّة، لا بالمنطق و البرهان، فإن فدك كانت ملكاً للرسول (ص).

و حينئذ فهي للزهراء (عليها السلام)، سواء أعطاها إياها هبةً كما هو كذلك أو تصرّفاً فقط لأنها حينئذٍ تصبح إرثاً على تفصيل ذكرناه في (الفقه) (2).

و لو فرضنا أنّ يده (ص) كانت يد ولاية فقط فبالإضافة إلى النقض بسائر

____________

(1) مستدرك الوسائل: ج 17، ص 368، ح 21601.

(2) راجع كتاب الفقه أحكام مستفادة من سيدة النساء (سلام الله عليها).

16

أموال الرسول (ص) و أنهم أقرّوا سائر الزوجات على مالكيتهنّ لحجرة الرسول إلى سائر أثاثه (ص) التي خلفها أن الأصل عدم التصرّف الولائي و إلّا لم يكن (ص) أُسوة كما ذكرناه في بعض مباحث (الفقه).

و مما تقدّم يعلم أنه لو أقرّ أن الدار كانت لغيره أو قامت بذلك البيّنة أو حكم بذلك الحاكم و لم يكن مدع، فعند ذلك يُقَرُّ على أصالة صحة عمله في معاملته لها، و إن كان مدَّع فالكل سواء في احتياج ذي اليد إلى البيّنة.

نعم، إذا ادّعى مدع أن الدار التي ورثها زيد كانت قبل مائة سنة لجدّه و أنها كانت عارية بيد جد الوارث و لم يكن للوارث بينة الانتقال، لم يسمع دعوى المدعي كي يقال للوارث: أقم البيّنة، بل المدعي يحتاج إليها، و ذلك لعدم اعتبار مثل هذه الدعوى عند العقلاء فلا تشملها الأدلّة.

و مما تقدم ظهر أنه لا فرق في ادعاء المدعي على صاحب اليد أن يدعي كلاهما الملك أو الإجارة أو نحوها أو بالاختلاف بأن يقول الأول: أنها ملكه و صاحب اليد غاصب أو مستأجر أو وديعة أو عارية عنده أو ما أشبه، أو يكون العكس بأن يدعي الأول أن الدار لزيد و أنها في إجارته، و أن صاحب اليد غاصب أو نحوه، و ذلك لوحدة الدليل و الملاك في الجميع.

و كذا لا فرق فيما ذكر بين الأعيان و المنافع و الحقوق مثل حق الرهانة و حق التولية و حق الاختصاص في مثل الميتة المحرمة إذا قلنا بأنها لا تباع و إنما له حق الاختصاص بحيث لا يحق لأحد مزاحمته.

و كذلك سائر النجاسات التي تتخذ للأسمدة في المزارع و نحوها، لكنا ذكرنا في (الفقه) عدم استبعادنا صحة بيعها، حتى الخمر تُتَّخذ لهدف قتل الديدان في البالوعة مثلًا و إن كان في الأخير تأمّل من جهة قوّة أدلّة المنع.

17

اللّهمّ إلّا أن يقال: بانصرافها إلى مثل الشرب و الدواء لا مطلقاً.

شمولية قاعدة اليد

و كما تجري قاعدة اليد في الموارد المتقدمة تجري في النسب و الأعراض كما إذا قال ذو اليد: أن المجنون أو الصبي ولده، و أن المرأة التي في بيته زوجته، فالمدعي يحتاج إلى البينة، و ذلك للملاك و بناء العقلاء و السيرة من غير ردع.

و لا يبعد جريان قاعدة اليد بالنسبة إلى يد الإنسان نفسه فيما إذا لم يزاحمه مزاحم، كما إذا وجد في داره أو صندوقه أو دكانه مجهولًا يحتمل أن يكون له، احتمالًا عقلائياً، لا فيما إذا كان الناس يتراودون إلى ذلك المكان، أو كان مشتركاً، مما يضعف احتمال كونه له.

و يدلُّ على المستثنى بالإضافة إلى السيرة و بناء العقلاء بعض الروايات المعمول بها عند المشهور: كصحيحة جميل بن صالح عن الصادق (ع): رجل وجد في منزله ديناراً؟ قال (ع): يدخل منزله غيره؟ قلت: نعم كثير، قال (ع): هذا لقطة، قلت: فرجل وجد في صندوقه ديناراً، قال (ع): يدخل أحد يده في صندوقه غيره أو يضع فيه شيئاً؟ قلت: لا، قال: فهو له‏ (1).

و المراد ب (غيره) في الحديث الشريف: من يحتمل أن يكون له، لا إذا دخل داره من يقطع بأنه لا يرتبط بالمال الذي وجد فيها و كذلك حال الصندوق و غيرهما، فاليد في المستثنى قد سقطت عن الحجية باحتمال أنه لغيره، للداخلين و الواضعين.

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 17، ص 353، ح 1.

18

أما موثّقة إسحاق (عن رجل نزل في بعض بيوت مكّة فوجد فيها نحواً من سبعين درهماً مدفونة، فلم يزل معه و لم يذكرها حتى قدم الكوفة كيف يصنع؟ قال (ع): يسأل عنها أهل المنزل لعلّهم يعرفونها، قلت: فإن لم يعرفوها؟ قال (ع): يتصدّق بها) (1).

فإنها لا تعارض الصحيحة لأن ظاهرها علمه بأنها ليست له.

و ما ذكرناه لا فرق فيه بين المسلم و الكافر، إلّا إذا كان لهم قانون غير ذلك، حيث يشمله قانون (الإلزام) حينئذ.

و قد ذكرنا في بعض مباحث (الفقه) أن هذا القانون ينطبق لهم و عليهم، و لهذا يزوّج المجوسي بأُخته.

نعم، إذا تعارض مع مسلم قدِّم قانون الإسلام لأنه يعلو (2).

سوق المسلمين و أرضهم‏

ثم إنه لا إشكال في أن يد المسلم حجّة على الحليّة و التذكية، و كذلك سوق المسلمين و أرضهم و قد ذكرنا روايات الأرض في كتاب (الفقه: اللقطة) (3) لكن السوق أقوى في الحجة من الأرض، مثلًا: لو كان في بلد الكفر سوق للمسلمين، فإن السوق حاكم، و إذا كان سوق من الكفار في أرض الإسلام كان السوق أيضاً حاكماً. نعم، إذا كان سوق في أرض الإسلام و لا نعلم هل هو للمسلم أو للكافر؟

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 17، ص 355، ح 3.

(2) مستدرك الوسائل: ج 17، ص 142، ح 20985، ب 1: قال رسول الله (ص): (الإسلام يعلو و لا يُعلى عليه).

(3) موسوعة (الفقه) ج 81 كتاب اللقطة.

19

حكم أنه للمسلم تبعاً للأرض، و في عكسه: لو كان سوق في أرض الكفار و لا نعلم انه للكافر أو للمسلم؟ حُكِم أنه للكافر.

و لا يبعد القول بكفاية أحد ثلاثة أشياء بالإضافة إلى (اليد): 1 الأرض.

(2) و السوق، إذا كانا للمسلمين.

(3) و كذا إذا كان الحاكم مسلماً، و إن كانت الأكثرية كفاراً، فإنه أيضاً بلد الإسلام.

و يدلّ عليه، أن البلاد التي فتحت على أيدي المسلمين كانت الأكثرية فيها كفاراً، لأنهم ما كانوا يجبرون الناس على الإسلام، كما دلّ على ذلك تاريخ رسول الله (ص) حيث لم يجبر أهل مكة و أهل المدينة و أهل البحرين و أهل اليمن و غيرها على الإسلام.

بل أن ظاهر التواريخ يدل على أن أكثر أهل المدينة في بداية هجرة رسول الله (ص) إليها كانوا كفاراً، حيث ذكروا أنه لم يكن بيت إلّا فيه مسلم أو مسلمة، و مع ذلك لا شك أنها كانت بلد الإسلام و لعلّ قانون (الإسلام يعلو و لا يُعلى عليه) (1) يشمله.

و منه يعلم حال الأرض و البلد و السوق الذي يتساوى فيها وجود المسلمين و الكافرين حيث يحكم بأنه للإسلام، و إن كان الاحتياط اللزومي خلافه، لأن ظاهر الروايات أن يكون الأكثر مسلماً.

ففي رواية إسحاق بن عمار عن العبد الصالح (ع): (لا بأس في الصلاة في الفراء اليماني و فيما صنع في أرض الإسلام، قلت: فإن كان فيها غير أهل‏

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 3، ص 332، ح 3.

20

الإسلام؟ قال: إذا كان الغالب عليها المسلمون فلا بأس) (1).

اللّهمّ إلّا أن يقال: أن المراد بالغالب غلبة الحكومة لا غلبة الأفراد فيكون دليلًا على كفاية كون الحاكم مسلماً و إن كان الغالب على الناس الكفر.

أمّا رواية إسماعيل بن موسى عن أبيه (قال: سألت أبا الحسن (ع) عن جلود الفراء يشتريها الرجل في سوق من أسواق الجبل أ يسأل عن ذكائه إذا كان البائع مسلماً غير عارف؟ قال (ع): عليكم أنتم أن تسألوا عنه إذا رأيتم المشركين يبيعون ذلك، و إذا رأيتم يصلّون فيه فلا تسألوا عنه) (2).

فالظاهر أن المراد كفاية يد غير الشيعي، لأن (العارف) اصطلاح على الشيعي في لسانهم، كما يعرف من بعض الروايات الأُخر مثل: (لا توضع العارفة إلّا عند العارف) (3).

و ذكر (يصلّون) لأن ما باعه المسلم يصلّى فيه، فيد المسلم مطلقاً حجة، لا يد الكافر أيّ قسم كان، و ذكر الشرك من باب المثال أو من جهة أن كل كافر مشرك، و لذا قال سبحانه‏ (فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) (4) فلا يحكم عليها بالصحّة إلّا بعد الفحص، مثل أن يكون الكافر قد اشتراه من مسلم أو من سوقهم أو أرضهم أو أن ذابحه كان مسلماً.

و إذا سبقت يد الكافر على المسلم، فالظاهر عدم الاعتبار بيد المسلم لاستصحاب عدم التذكية، و في عكسه الاعتبار لأصالة التذكية مما لا تضرها يد الكافر الحالية.

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 3، ص 232، ح 3.

(2) وسائل الشيعة: ج 2، ص 1072، ح 7.

(3) وسائل الشيعة: ج 2، ص 1072، ح 5.

(4) سورة الأعراف: 190.

21

و إذا تواردت يدان لمسلم و كافر و لم نعلم أن أيتهما السابقة من اللاحقة، كان الأصل أيضاً عدم التذكية لعدم تحقق الموضوع، كما ذكر في توارد الوضوء و الحدث، و لم يعلم السابق منهما.

و إذا كان الحيوان مثلًا في يدهما معاً فالأصل: الكفاية، لأنه في يد المسلم، و يد الكافر كالحجر إلى جانب الإنسان.

و من ذلك يعرف حال ما لو كان هناك مسلم و تلاميذه كفّار، و بالعكس.

و لا فرق في ما ذكر بين أن تكون ذبيحة متكاملة بعضها في يد المسلم و بعضها في يد الكافر، أو ذبيحة شقّت نصفين نصف في يد هذا و نصف في يد ذاك مثلًا.

إذا عرفت هذا.

فهل أن يد الكافر أمارة عدم التذكية، كما أن يد المسلم أمارة التذكية؟ اختلف الفقهاء في ذلك، فعلى الأول يتعارض الاستصحابان، و على الثاني تكون يد المسلم أقوى لأن الاستصحاب الأصل محكوم بأمارة اليد.

و المسألة طويلة البحث، و قد ذكرها صاحب الجواهر و الشيخ، و قد أشرنا إلى بعض المبحث في (الأصول).

و إن كان لا يبعد أن يد الكافر لا أمارية لها لا أنها أمارة العدم.

و لا فرق في الكافر بين أن يكون يذكر اسم الله عليه أو لا يذكر، و لا بين أن يكون موحداً أو مشركاً، إذ لا دلالة في قوله تعالى‏ (لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ) (1) و (ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ)* (2) على ما نحن فيه.

كما لا فرق في المسلم بين المبالي و غير المبالي، و لا بين ما إذا علمنا انه لم‏

____________

(1) الأنعام: 121.

(2) الأنعام: 119.

22

يعمل بالشرائط أم لا، إذ الأمارة حجّة في باب الشك لا مطلقاً.

و لو كان مسلم و كافر شريكين في الأغنام، فإن كان البائع مسلماً كفى، و إن كان كافراً لم يكف شراكة المسلم في الملك.

و لا فرق في المسلم بين المؤمن و المخالف و المنافق لأنهم مسلمون ظاهراً أي في المعاملات الإسلامية كما عاملهم الرسول (ص) و علي (ع) على ذلك.

23

قول ذي اليد

ثم الظاهر قبول قول ذي اليد في الطهارة و النجاسة، و الحليّة و الحرمة، و القبلة، و الكريّة و عدمها، و الملكية و الغصبية، و الرضاع و القرابة و غيرها.

و قد استدل لجملة منها بالإجماع، و في الأوّلين قال صاحب الحدائق (قدس سره): ظاهر الأصحاب الاتفاق عليه.

و يدلُّ على الجميع: سيرة المتديّنين، و بناء العقلاء في كل الأمور المربوطة بإنسان لا ينازعه فيه منازع، و ما نحن فيه منه، و لم نجد ردعاً من الشارع، بل الظاهر أنه من الاستبانة في رواية مسعدة (1)، و إن ذا اليد أهل خبرة و قولهم حجة كما تقدم، و لذا ترى الإنسان يسلم نفسه و عرضه و ماله إليهم.

و في المقام بعض الروايات كصحيح معاوية بن عمار (عن الرجل أهل المعرفة بالحق يأتيني بالبختج و يقول: قد طبخ على الثلث، و أنا أعرفه أنه يشربه على النصف، فاشربه بقوله، و هو يشربه على النصف؟ فقال (ع): لا تشربه، قلت: رجل من غير أهل المعرفة ممن لا نعرفه أنه يشربه على الثلث و لا يستحله‏

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 12، ص 60، ح 22050.

24

على النصف يخبر أن عنده بختجاً على الثلث قد ذهب ثلثاه و بقي ثلثه يشرب منه؟ قال (ع): نعم) (1).

فإن تتمّة الخبر يدل على حجية قول ذي اليد، و إن لم يكن من أهل المعرفة.

و بذلك تبيّن أن الكافر كذلك أيضاً، لوحدة الملاك.

أما صدر الرواية فإن المسقط لحجية قول ذي اليد هو الاطمئنان بكذبه، و العقلاء لا يعتمدون في مثل هذا، فمثلًا: إذا علمنا أن سائق السيّارة جاهل بالطريق، لامتنعنا من الركوب فيها معه، و هكذا في سائر الموارد.

و مثل الصحيح السابق صحيحة معاوية بن وهب (عن البختج إذا كان هو يخضب الإناء و قال صاحبه: قد ذهب ثلثاه و بقي ثلثه فاشربه) (2).

و خضب الإناء لأنه بدونه أمارة كذبه، و الكلام فيما لا أمارة على خلاف قول ذي اليد.

و بذلك يظهر أن ما اشترط فيه شيئاً زائداً محمول على الأفضلية لصراحة الصحيحين السابقين، و عمل المشهور بهما، و جريان السيرة العملية على ذلك.

فعن عمار فيمن يأتي بالشراب و يقول: هو مطبوخ على الثلث؟ فقال (ع): (إن كان مسلماً ورعاً مؤمناً فلا بأس أن يشرب) (3).

و في خبر ابن جعفر: (لا يصدَّق إلّا أن يكون مسلماً عارفاً).

و لذا نجدهم لا يشكّون إذا قال صاحب الدار أو صاحب الأثاث: إنه ملكي أو انتفاعه لي بإجارة و نحوها، في أنهم ينتفعون به، و إذا قال: انه غصب أو وقف و لست متولياً و لا مأذوناً، لا يمسّونه.

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 17، ص 234، ح 31924.

(2) وسائل الشيعة: ج 17، ح 31923 باختلاف يسير.

(3) وسائل الشيعة: ج 17، ص 235، ح 6.

25

و كذا إذا قال: انه لحم ميتة، و في عكسه بأن قال: انه مذكى.

و لا فرق بين القول و الفعل بأن قدَّمه لضيوفه.

و هكذا حال الأم إذا قالت: أنا أرضعتك العدد المحرّم بشرائطه، أو قالت: إن الرضاع لم يكن بالشرائط.

أو قال صاحب المطعم: انه لحم غنم أو لحم أرنب، إلى غيرها من الموارد، بل و يأتي في كل ذلك قوله (ع): (لَما قام للمسلمين سوق) (1).

بل نراهم يعتمدون على الأوزان و الموزونات و الموادّ الغذائية المركّبة و ما أشبه، كمن قال: انه رطل أو صاع أو وسق أو كر، أو من قال: إن المعدودات بقدر كذا، فيما يتعارف إعدادها مسبقاً للمشتري، و كذلك الحكم بالنسبة إلى الأدوية المركّبة مع أنها قد تكون خطراً على الجسم أو العضو، فيما إذا كانت خلاف الواقع أو مركبات الأغذية مما للإنسان عناية بصحّتها.

و قد تقدم أن معنى (اليد) الاستيلاء لا أكثر من ذلك.

و لا فرق بين قول ذي اليد و فعله و تقريره لوحدة الملاك و إطلاق الأدلة في الجميع.

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 18، ص 215، ح 2.

26

فروع في إقرار ذي اليد

و لو أقرّ ذو اليد لأحد المتنازعين حتى يكون الآخر مدّعياً و يكون المقر له كنفس ذي اليد منكراً، فالظاهر قبوله.

و قد تسالم الفقهاء على ذلك و لا محذور فيه، إلّا أنه إقرار على الغير، و الإقرار إنما يقبل على النفس.

و فيه: أولًا: إن بناء العقلاء على ذلك حيث لم يزد المقر على بقاء المدعي على كونه مدعياً، و أيّ فرق بين أن يدعى عليه أو على المقر له.

و ثانياً: إن الإقرار غالباً إلّا فيما إذا خرج بالدليل إقرار على الغير، و انه و إن كان مصبه عليه إلّا أنه له أيضاً، و (إقرار العقلاء على أنفسهم جائز) (1) يشمل الثلاثة.

فلو أقرّ أنه ولده قُبِلَ فإذا كبر الولد و أثرى و افتقر الوالد كُلّف الولد بنفقته،

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 16، ص 133، ح 2.

27

و كان إقراراً على سائر ورثته حتى يشترك معهم أو يتقدّم عليهم و يختصّ بالحبوَة إن كانت.

كما انه إقرار على الولد بأنه لا يتمكّن أن يتزوّج بزوجة أبيه أو بنته أو ما أشبه ذلك.

و لو أقر أنها زوجته كان إقراراً على أمها بحرمة تزويجها له، و إقراراً على أختها و بنتها الربيبة و الخامسة و ما أشبه.

و لو أقر أنه قَتل فلاناً، كان إقراراً على الحاكم انه يجب عليه قتله إذا كان الوارث يريد ذلك، أو لم يكن له وارث و كان الحاكم يرى الصلاح في قتله.

نعم، فيما لو أقرّ انه قتله خطأً كان إقراراً على العاقلة بوجوب دفع الدية عليهم فهل يقولون بذلك؟ أم يوجبون الدية على نفسه لأنه القاتل كما إذا لم تكن له قرابة و لا بيت مال.

أم على بيت المال، لأنه المعد لمصالح المسلمين، و هذا منه، و إلّا لذهب دم امرء مسلم هدراً.

و لو أقرّ بأنه مديون لزيد أو انه ابن سبيل كان إقراراً على بيت المال لنفع نفسه في الثاني و انه يستحق الأخذ منه إن كان فقيراً بدون هذا المال الذي يعطيه لدائنه.

و لو أقر أنه مستطيع كان إقراراً على وارثه أن يدافعوا من تركته بعد موته بقدر الحج.

و لو أقرّ بأنه مدين، صلاة و صياماً، كان إقراراً على ولده الأكبر بالقضاء.

و لو أقر بأنه وقف عام كان إقراراً على الحاكم بلزوم إدارته، إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة.

و إن شئت قلت: إن الإقرار ينفذ بلوازمه إلّا فيما إذا عُلِم بالخروج عنه.

28

و لو شك في الخروج فاللازم العمل بالإقرار لبناء العقلاء على ذلك، و لذا لم أجد من خالفه إطلاقاً.

تطبيقات على القاعدة

و لو اعترف بأن ما في يده لزيد و لعمرو، كلا بالاستقلال فالمشهور بينهم انه يخسر العين للأول و القيمة أو المثل للثاني لأنه بإقراره الأول فوَّت المال على الثاني فعليه تداركه، لكنا ذكرنا في (الفقه) أنه خلاف العلم الإجمالي إذ كيف يحكم الحاكم عليه و هو يعلم أنه ليس مطلوباً إلّا شيئاً واحداً أن يعطي شيئين أو ثلاثة؟! بل ما ذكروه خلاف بناء العقلاء فاللازم التنصيف حسب قاعدة (العدل)، و التثليث إذا أقرّ لثلاثة.

و لو قال: هذا كله للأول و نصفه للثاني كان للأول ثلثان و للثاني ثلث، و هكذا و لو قال: هذا لهما معاً، و لم يوضّح كيفية الاشتراك، و أنه بالتناصف أو التفاوت، كان مقتضى القاعدة الأول، من غير فرق فيما لو قال: هذا لزيد، ثم قال: لعمرو بأن يكون ذكر الثاني على نحو الإضراب أو العطف الدال على عدم الاشتراك.

نعم، إذا أمكن التداعي و نحوه كان منه كما ذكره في الدروس فقول صاحب الجواهر (قدس سره): (مقتضى قوله (ع): (إقرار العقلاء) (1) نفوذ كلا الإقرارين فتعطى العين للأول و المثل أو القيمة للثاني) محل نظر.

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 16، ص 133، ح 2.

29

و لو قال: زوّجت بنتي لزيد ثم قال: لعمرو، و لم يمكن الفحص عن الحقيقة، فاللازم إجبار الحاكم الشرعي إياهما بالطلاق إن لم تصبر البنت على كونها معلقة ثم تتزوّج بمن شاءت، و هذا من الإجبار الشرعي كما ذكر صاحب الجواهر (قدس سره) مثله في باب الصلح في شبه هذه المسألة.

و لو قال: قتل ولدي زيد ثم قال: قتله عمرو و لم تُعرف حقيقة الحال، إلّا أنّ المؤكّد أن القاتل أحدهما، لا يكون قصاص، ل (درء الحدود بالشبهات) (1) و حيث تبيّن انحصار الأمر فيهما جرت قاعدة العدل في تقسيم الدية بينهما.

هذا كلّه إن لم نقل في الموارد المذكورة بالقرعة، و إلّا كان المجال لها.

و مثله لو قال: هذا ابني، لا بل هذا و أشار إلى غيره و تيقّن الحاكم أن أحدهما ابنه، فاللازم إجراء القاعدة في مثل إرثه و إرثهما، كما أن اللازم الاحتياط في مثل الفروج فلا يتزوّج أحدهما بنته لاحتمال كونها أخته.

و لو قيل بجريان البراءة في كل واحد منهما و البنت، أشكل بأن الحاكم كيف يفتي و هو عالم بأن أحد حكمية باطل؟ فإذا أفتى بتزويج زيد الأول لها، و بعد الطلاق أفتى بتزويج عمرو الثاني لها، قَطَع بأن فتواه أدّى إلى زواج الأخ بأخته.

و مثله في المنع: ما إذا جاءه رجلان و امرأتان و كل يريد الزواج بأحدهما، و الحاكم يعلم بأن رجلًا و امرأة من هؤلاء أخ و أخت فهل يتمكن من زواجهما؟ أو زوَّجهما و هو يعلم انه زوَّج أخاً بأخته؟ و مثله لو كانت خنثيان و علمنا بأن أحدهما ذكر و الآخر أنثى، أو أن الرجل الذي يريد الزواج لا يعلم إلّا أن أحدهما ذكر و الآخر أنثى فهل يتمكن من الزواج بهذه تارة و بذلك أُخرى؟

____________

(1) راجع مستدرك الوسائل: ج 18، ص 26، ح 21911، ب 21.

30

جواز الشهادة و الحلف‏

و الشهادة و الحلف يجوزان مستنداً إلى اليد، لما تقدم من رواية حفص، فإن من المعلوم أن الإنسان إذا ورث من أبيه شيئاً ثم ادعاه مدّع حلف على عدم صحّة كلامه، مع أن ذلك لا يستند إلّا إلى يد الأب، إلى غيره من الأمثلة، فإن أصل الملك و إن كان ابتداؤه بحيازة المباحات أما بعد ذلك يكون بالمعاملات و نحوها، و حيث أن الأب لم يكن الحائز الأول فرضاً و لم يجد الوارث الشي‏ءَ إلّا في يده أو في يد من باعه، يكون مستنده في حلفه ذلك.

و كذلك لو شهد لصديقه أن الشي‏ء له و هو لا يعلم بذلك إلّا يده، أو اشترى شيئاً ممّن يقطع بأنه ليس الحائز فرضاً.

و قد ذكرنا في (الأصول) في باب حجّية القطع أن الأمارات و الأصول التنزيلية يقومان مقام القطع الطريقي.

هذا و ربما يقال: إن (اليد) عند العقلاء كاشفة عن الملكية إذا لم يقم دليل على العدم، و لذا يرى الناس ما في يد الغير أنه ملكه إلّا إذا قامت الحجّة على أنه غصب أو وقف أو إجارة أو ما أشبه، و الشارع لم يغيّر هذه الطريقة بل أمضاها،

31

و لذا فإن ما يوجد تحت يد الميّت يكون إرثاً للوارث حتى إذا كان الميت كثير المعاملة مع الناس، إلّا إذا أقام المدعي دليلًا على العدم، أو علمنا به وجداناً و تنزيلًا.

و يؤيّده الأكل من بيوت من تضمنته الآية (1)، و إن احتمل أن الشي‏ء لغيره و إنما كان في داره وديعة و نحوها، و هكذا الحكم بالنسبة إلى الأمتعة التي كانت تحت تصرفه.

و بذلك تبيَّن جواز الشهادة و الحلف و ترتيب سائر الآثار كالإرث و التقاص و ما أشبه على ما تحت اليد بالمعنى الذي ذكرناه سابقاً لليد.

تعاقب الأيدي‏

و إذا تعدّدت الأيدي على شي‏ء واحد بدون تفاوت في الاستيلاء و لا تقسيم بينهما كأن تكون هناك دار و تفرّد أحدهما بغرفة و ذاك بأخرى كان بينهما على نحو الشركة مما يحتمل أن تكون قهرية أو اختيارية أو بالاختلاف.

و بذلك أفتى الفقهاء، كما يجده المتتبّع في كتبهم، و ذلك: لبناء العقلاء و إطلاق بعض الأدلة المتقدّمة و لو بالملاك.

و احتمال أن تكون الدار لأحدهما و الآخر ضيف أو نحوه، أو هي بينهما بغير التساوي كاحتمال أن يكونا ضيفين مما لا يعبأ به العقلاء.

أما إذا كان الأمر بالتفاوت كما إذا انهدم السقف عليه فمات، و لم نعلم ملكيته، إلّا أن أحدهما كان في صورة المالك، فهو لورثته دون من كان في صورة المشتري، و نحوهم.

____________

(1) النور: 61.

32

و كذلك الحكم فيما لو مات الركاب بحادث سيارة حكمنا بالسيارة للسائق و هكذا.

و كذلك حال ما كان مقسماً بأن كان أحدهما جالساً في غرفة و آخر جالساً في غرفة أخرى حيث يختصّ كل مكان بجالسه.

و لذا لو كانا في دكان و باع أحدهما ثلثيه، فإن العرف يطالبه بالدليل على ملكية السدس الزائد على النصف و احتاج طرفه إلى الحلف.

و كما يُنفى التفاوت يُنفى الكلي في المعيّن بأن احتمل أن لأحدهما النصف على نحوه كما ذكروه في أطنان القصب.

و هل من التفاوت ما لو كانت حصة أحدهما في الرعاية أكثر؟ كما إذا كان أحدهما يجلس في الدكان في الأسبوع يومين و الآخر بقية أيام الأسبوع، أو يرعى الأغنام كذلك؟ احتمالان: من أن كل واحد مستولي فلا فرق، و من أن تفاوت الحصص في نظر العرف لتفاوت المحصص.

ضمان اليد

ثم إن (اليد) غير المأذونة من قبل الله سواء مباشرة أو بواسطة من ملكه الله سبحانه ملك عين أو ملك اعتبار كمتولّي الوقف ضامنة سُنةً حيث قال (ص): (على اليد ما أخذت حتى تؤدّي) (1) و اشتهارها كاف عن البحث عن سندها.

و إجماعاً و عقلًا و سيرة.

و ليس معنى (على) الاستعلاء حتى يقال: ماذا يعلو اليد، بل معناه‏

____________

(1) عوالي اللئالي: ج 1، ص 224، ح 106.

33

الضرر، فإن الغالب انه بعكس اللام الذي للنفع، و قد يتعاكسان، مثل: (سلام عليك) و (فللعوام) (1) و ليس المراد بالضرر إلّا التكليف كما لا يخفى.

و حيث إن اليد هي الغالبة في الأخذ نسبت إليها، و إلّا فعلى غير المأذون العهدة مثل‏ (لا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ) (2) حيث إنها الغالبة في الضرب و الرمي و ما أشبه.

و (ما): أعم من الحق.

و (الأخذ): هو الاستيلاء فالسلطة إذا لم تمنع المالك من التصرّف في ملكه، و لكنها استخدمت معه أسلوب التهديد و الإرعاب، عُدّت غاصبة و شملها الحديث، بل و حتّى إذا تركته يتصرّف لكنها كانت المستولية و جعلت المالك كالعبد الذي يتصرّف في ملك المولى.

و (الأداء): أعم من العين إن كانت سالمة، و المثل إذا كان لها بعد عدمها، و القيمة إذا لم يكن، و بالقيمة، إذا لم تكن القيمة أيضاً مثلًا لو غصب ماء و لا ماء له و لا له قيمته، و إنما له اللّبن فإنه يجب عليه أن يدفع ما يساوي قيمته منه.

و كل هذا أداء بنظر العقلاء مع الترتّب، نعم في المثل يكون الاختيار بيد المعطي إذا كان متعدداً، و كذلك القيمة، أما إذا لم يكونا، لم يستبعد أن يكون الاختيار بيد المغصوب منه إذا كان متعدداً، مثلًا كان للغاصب اللبن و الفحم و أراد الأول فإنه لم يكن للغاصب اختيار الفحم.

و على هذا فالمال أو الحق كالأرض المحجّرة على قول المشهور و إلّا فقد رأينا أنها تُملك بسبب الحجر الذي وقع تحت سلطة غير المأذون، عليه أن يؤديه، و الفقهاء و إن ذكر أكثرهم (العادية) إلّا أنه لا خصوصية لها بل كل غير مأذون‏

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 18، ص 94، ح 33385.

(2) البقرة: 195.

34

كذلك، أو نقول: ان مرادهم العادية واقعاً أي التي تعدّت الواقع و إن كان قاصراً كمن زعم انه ملكه أوله حق الانتفاع به.

و (العهدة) و إن كانت اعتباراً إلّا أنّ العقلاء و تبعهم الشرع إذ كان العقلاء يرون ذلك قبله يرون تبدّل الخارج إليه ثم تبدله إلى الخارج من غير فرق بين العين و الاعتبار في مثل الحق المستولي عليه.

ثم ان المشهور بين الفقهاء في مسألة تعاقب الأيدي: ضمان الجميع و إن كان استقرار الضمان على الأخير، و معنى استقراره أنّ كل واحد إذا رُجع إليه رجع إلى الأخير المتلف و لا عكس، نعم هو أيضاً يرجع إلى الغارّ لو كان هناك غارّ، فإذا أهدى الغاصب زيداً شاة فذبحها و أكلها فرجع المغصوب منه إليه، حقَّ له أن يرجع إلى الغار لقاعدة (المغرور يرجع إلى من غرّه) (1).

فالمالك له أن يرجع إلى أيّ واحد منهم شاء، بالكل أو بالبعض، حسب اختياره، فله أن يرجع بالدينار المغصوب منه إلى زيد أو إلى زيد و عمرو، بالتساوي أو بالاختلاف، أيّ صور الاختلاف شاء و له أن يقول: ليعطه أحدكم على نحو الواجب الكفائي.

نعم إذا أعطاه أحدهم لم يكن له الحقّ في الرفض و لا أن يقول: أني أريده من الآخر، لأصالة العدم، كما أن الاختيار مع المدين لا الدائن.

و في أخذ القيمة: الظاهر له قيمة اليوم لا قيمة وقت الأخذ، على تفصيل ذكرناه.

فلو غصب منه ألف دينار يوم كانت قوّته الشرائية عالية ثم يوم الرد قيمتها ألفان كان على الغاصب إعطاء الألفين، أو كانت قيمته يوم الردّ خمسمائة

____________

(1) راجع المستدرك: ج 15، ص 46، ح 17492، ب 1.

35

كان عليه إعطاء الخمسمائة، إذ النقد دلال يراد للقوّة الشرائية.

و كذلك يأتي الكلام في القرض و المهر و الضمان و غيرها، لكن المشهور لا يقولون بذلك إطلاقاً، و إنما ذكروا مثيلًا له في الوصية و النذر و الثلث، كما أشرنا إليه في بعض مباحث (الفقه).

و إذا تردّدنا في الأمر بين قولهم و قول علماء الاقتصاد الذي يؤيّده العرف فيشمله الدليل كان اللازم التصالح، و حيث أن المسألة معنونة في بابي (الغصب) و (المقبوض بالعقد الفاسد) نكتفي هنا بهذا القدر.

نعم، قد لا تشمل قاعدة اليد مورداً و إن شمله (لا ضرر) أو الملاك فيها، كما إذا منعه عن حيازة المباحات مما سبّب ضرره عرفاً فإن (لا ضرر) يشمله، على ما ذكرناه في رسالتها.

فروع‏

و لو كان أحياناً يصيد ما قيمته مائة، و أحياناً ما قيمته خمسون، كان على المانع أن يعطيه النصف منهما لقاعدة العدل.

و لو كان أحياناً يصيد ما قيمته عشرة و أحياناً لا يصيد، فهل ينتفي الضمان لأصالة العدم أو يضمن المانع النصفَ لأنه مقتضى قاعدة العدل؟ لا يبعد الثاني كما هو العقلائي و إن كانت المسألة بحاجة إلى تتبّع أكثر.

و لو استولى إنسان على مباح بدون قصد الملكية بل بقصد النظر أو اللعب أو ما أشبه لم يملكه، و لا يشمله قوله (ص): (من سبق إلى ما لم يسبق إليه أحد فهو أحق به) لأن المنصرف منه قصد التملّك.

36

و قد قال (ع): في موثقة يونس: (و من استولى على شي‏ء فهو له) (1) و هذا ليس استيلاءً، و لذا لا يرى العرف الاستيلاء فيمن نزل في أرض يريد الذهاب منها بعد ساعة فهل يصدق أنها له؟ نعم إذا أخرجه إنسان من تلك الأرض مما سبَّب تفويت المنفعة عليه عرفاً كان على المخرج الضمان، بل قلنا في (الفقه): أن الضمان آت فيمن أخرج إنساناً من محله من المسجد أو المدرسة أو الحسينية أو ما أشبه ذلك من الأوقاف العامة و الخاصة و المباحات التي أذن أصحابها لمن سكنها.

و روايات المسألة مذكورة في بابي (الإحياء) و (أمتعة البيت) حيث يستولي عليها الزوجان.

و لو كان لأحدهما يد و لم نعرف أنها لأيّهما؟ فالمحكّم قاعدة العدل.

و لا فرق في ضمان اليد بين أن يكونا كافرين أو مسلمين أو بالاختلاف، نعم إذا استولى المسلم على ما لا يرى الكافر ضمانه فلا ضمان، لقاعدة الإلزام.

و لو تخاصم مسلم و كافر فهو للمسلم، لقاعدة علوّ الإسلام.

و لو تخاصم إلينا كافران متحدان في الأحكام من مسلك واحد في فقههم و إن كانا مختلفين في دينهم حكمنا لهما وفق فقههم، أو فقهنا، أو نعرض عنهما كما ذُكر في كتاب القضاء، و لو كانا مختلفَيْن في الأحكام و إن كانا من دين واحد تخيَّرنا إذا أردنا أن نحكم بحكمهم بين هذا أو ذاك إذ لا أولويّة في المقام.

و لو تخاصم إلينا مسلمان من مذهبَيْن فإن كانا متّحدي الأحكام فالحكم وفق ذلك، و إن كانا مختلفي الإحكام سواء كانا من مذهبين أو مذهب واحد حكمنا وفق أيهما شئنا، إذ لا دليل على الترجيح و لا دليل على الأخذ برأي‏

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 17، ص 525، ح 3

37

ثالث، كما ان القرعة في الموضوعات لا الأحكام.

و لو جاءنا مقلّدان مع وحدة المسلك حكمنا وفق مسلكهما إن لم نر الحكم على مسلك القاضي، و مع تعدّد المسلك حكمنا على رأينا و إن كان مخالفاً لكلا المسلكَيْن، و التفصيل في باب القضاء.

38

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

39

قاعدة جب الإسلام‏

أدلة القاعدة

ذكر جمع من العلماء الاستدلال له بقوله سبحانه‏ (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ ما قَدْ سَلَفَ) (1) الآية.

أما (الإسلام يجبّ ما قبله) (2) فهو حديث مشهور عن رسول الله (ص) ذكره الخاصة و العامة، و قد ظفرت بزهاء ثلاثين حديثاً يشمل ما ذكرناه، و الغالب بهذا اللّفظ و في بعضها: (هَدَم الإسلام ما كان قبله) (3) فالحديث متواتر عند العامة و الخاصة و قد عملا به في مختلف الأبواب.

و قد كانت سيرة الرسول (ص) و المسلمين على ذلك، بالنسبة إلى الذين يدخلون في الإسلام و إلى اليوم، فلا كلام في السند، و إنما في الدلالة، و هي مطلقة تشمل كلّ شي‏ء إلّا ما علم خروجه كالعقود و الإيقاعات حيث إن الحديث منصرف عنها، لا لأنها ثابتة في الإسلام و في الكفر و الحديث يدل على هدم ما هو في الإسلام فقط، و إلّا نوقض بأن كثيراً من الأشياء أيضاً ثابتة فيهما و مع ذلك‏

____________

(1) الأنفال: 38.

(2) عوالي اللئالي: ج 2، ص 54، ح 145.

(3) بحار الأنوار: ج 40، ص 230، ح 9، ط بيروت.

40

هدمها الإسلام كالصلاة و الصيام و الحج و الزكاة و الديات، و غيرها كثير.

بل لما عرف من الانصراف، فكل أثر للفعل لا يبقى بعد الإسلام و كذلك كل أثر للترك، فإذا كان قد حجّ و صاد أو أتى بسائر المحرّمات حتى في دينه ثم أسلم فلا كفّارة عليه و لا حج عليه في القابل كمن جامع في الحج حيث عليه الحج في القابل، و كذلك إذا صام في دينه و أفطر بما يوجب القضاء و الكفّارة.

و هكذا لو ترك الصيام أو الصلاة أو الحج الواجب عليه في دينه، ثم أسلم فليس عليه شي‏ء بسبب تلك التروك، مع أن المسلم لو تركها كان عليه القضاء و الكفّارة.

و لا فرق في ذلك بين أن يكون الفعل المذكور أو الترك موجباً للأثر في الإسلام وحده أو في الكفر وحده أو فيهما معاً على ما عرفت لإطلاق الدليل.

أمّا المعاملات أي العقود و الإيقاعات فلا يشملها الدليل و منها: الديون و القروض و ما أشبه، فإذا اشترى شيئاً أو باع شيئاً أو تزوّج امرأة أو طلّقها أو أعتق عبده أو استملكه أو غصب داراً أو نحوها فالحكم باق كما كان، فالمعاملة ثابتة و القروض صحيحة و المرأة زوجته و المطلّقة بائنة و العبد حرّ، و ملكه للعبد باق كما كان إلّا إذا استثنى كما إذا قال حاكم المسلمين: أن عبيدهم أحرارٌ إذا التحقوا بالمسلمين فالتحق العبد ثم أسلم سيّده فإنه لا يرجع إليه كما فعله الرسول (ص) في فتح الطائف، و كذلك حال داره و عقاره و أثاثه فهي له بعد الإسلام كما كانت له من قبل.

و لا طهارة عليه بعد الإسلام و إن كان أجنب أو حاضت حال الكفر، إذ النبي (ص) لم يأمرهم بالغسل، و لذا لم يرد في نص الأمر به إطلاقاً مع كثرة الابتلاء

41

بها (فلو كان لبان).

و كذلك المسلمون عند ما كانوا يفتحون البلاد و يسلم الكفّار على أيديهم لم يكونوا يأمرونهم بذلك.

نعم في قصة إسلام بعض أهل المدينة قبل هجرة رسول الله (ص) إليها ذُكر أنه أسلم ثم قفز في بئر ليغتسل، لكن في سنده و دلالته إشكال.

و كذلك حال الطهارة الخبثية فلم يرد نص بوجوب تطهير داره و أثاثه و ما يتعلّق به مع أنهم كانوا يستعملون النجاسات و لا يتورَّعون عن البول و نحوه، و لو كان لبان.

و للاستيناس نقول: الإسلام في قوّة تطهيره ليس أقل من تطهير البئر بالنزح و نحوه.

نعم إذا كانت عين النجاسة باقية كالعذرة و نحوها على بدنه أو لباسه احتاج إلى التطهير لأنه ليس من مصاديق (عمّا قبله).

و كذلك الحكم بالنسبة إلى أمواله، من المعاملات الباطلة قبل الإسلام، كثمن ما باع من الخمر و الخنزير أو اجرة الزانية أو الرشوة و القمار و بيع الصليب و آلة اللّهو، إلى غير ذلك، كلّ ذلك للإطلاق و السيرة.

النكاح السابق‏

أمّا نكاحه السابق فهو صحيح و لا يحتاج إلى الإعادة و إن كانت الصيغة ليست كما في الإسلام، و الخارج من هذا ما لو كانت زوجاته أكثر من أربع، فهذا مقطوع به كما هو مورد النص أيضاً حيث أمر النبي (ص) بإمساك أربع و إطلاق‏

42

الزائد.

و الزائد الذي أُطلق إن كانت غير مدخولة، لها حق الزواج فوراً، و إن كانت مدخولة و هي مسلمة احتاج الأمر إلى انقضاء العدّة، و إن كانت غير مسلمة التزمت بدينها أو قانونها، و لو اختلف دينها مع قانونها عملت بما اعتادوا عليه من اتباع الدين أو القانون كما هو الحال في الغرب الآن حيث يعملون بالقانون لأن المستظهر من دليل الإلزام ذلك.

نعم إذا أرادت أن تتزوّج بالمسلم و قانونها أو دينها أصعب من حكم الإسلام كان للمسلم الزواج بها لأنّ قانون الإلزام لا يقيّد المسلم كما أنه قانونها الواقعي أيضاً حيث إن الكفار مكلّفون بالفروع.

كما أنه يخرج من ذلك: المحرّمات القطعية من البنات و الأمّهات و العمّات و الخالات و غيرهنّ من المحرّمات بالنسب، فإذا أسلم المجوسي أو المجوسية حصلت الفرقة بين الأب و بنته الّتي زوجته أو الولد و أُخته، إلى غير ذلك، و كذلك الجمع بين الأم و البنت، و الأُختين.

أمّا محرّمات الرضاع، و أخت الموطوء و أُمّه فالّذي نستظهره أنه لا يجب مفارقتهنّ، لإطلاق دليل (الجبّ)، و لا نصّ و لا إجماع و لا قطع بالاستثناء، بل لم ينه النبي (ص) عن ذلك مع وقوع هذه المحرّمات بين الكفّار كثيراً.

كما أنه لم تدل السيرة على النهي بل لعلّ السيرة بالعكس حيث لم يُعهد من المتشرّعة أن يأمروا الزوجين بالمفارقة بعد إسلامهما بسبب رضاع سابق أو وطي للأخ و نحوه.

و إذا طلَّق الكافر و تزوّجت المرأة بغيره فلا إشكال في أنها لا ترجع، فلا يقال: إنّ الإسلام يهدم الطلاق السابق حتى ينهدم النكاح المبني عليه و ترجع إلى‏

43

الزوج الأول، بل اللازم أن يكون كذلك ما إذا لم تتزوّج.

و إذا طلّق المجوسي الأم أو البنت و تزوّج بالأخرى ثم أسلم لم يؤمر بالمفارقة، للإطلاق.

نعم يجب مفارقة الخليل الذي يلوطه و كان بالعقد الرسمي، كما كان متعارفاً قديماً و جديداً في الغرب من تزويج الرجلين أحدهما للآخر.

و إذا طلّق الكافر ثلاث طلقات مثلًا ثم أسلم لم يحتج إلى المحلّل في رجوعه إليها بعقد جديد، بل و كذا لو طلق تسع مرّات.

و يدلّ عليه بالإضافة إلى إطلاق دليل الجبّ: ما رواه في البحار عن علي (ع): (أنه جاء رجل إلى عمر بن الخطّاب فقال: إني طلقت امرأتي في الشرك تطليقة و في الإسلام تطليقتين فما ترى؟ فسكت عمر فقال الرجل: ما تقول؟ قال: كما أنت حتى يجي‏ء علي بن أبي طالب، فجاء علي (ع) فقال: قصّ عليه قصّتك، فقصّ عليه القصّة، فقال علي (ع): هدم الإسلام ما كان قبله، هي عندك على واحدة) (1).

و التوارث يكون كالسابق من الإعطاء أو عدم الإعطاء أو الزيادة أو النقيصة، فإذا أعطوا من لا يستحق أو أعطوا من يستحق زائداً أو ناقصاً عن حقّه إلى غير ذلك لم يؤخذوا بحكم الإسلام، و إنما يكون الحكم فقط في المستقبل.

و كذلك إذا خالفوا دينهم في أخذ الزائد ضريبة فلا عليهم الإرجاع كما في قصّة عدي بن حاتم مع النبي (ص) حيث لم يأمره بإرجاع ما أخذ زائداً.

____________

(1) بحار الأنوار: ج 40، ص 230، ح 9

44

إذا أسلم ولد الزنا

و الظاهر أن ولد الزنا إذا أسلم و إن كان من الزنا في دينهم و ديننا لم يكن له حكم ولد الزنا في الإمامة و القضاء و غيرهما، و لذا أعطى علي (ع) الولاية لابن زياد فإن ابن عبّاس و إن كان ولّاه إلّا أنّ علياً (ع) قرّره كما يفهم من كتابه إليه في نهج البلاغة، و قد ذكرنا تفصيل الكلام في ذلك في كتاب (التقليد) (1) و العمدة إطلاق دليل الجبّ فتأمّل.

و الكافرة إذا أسلمت و هي في عدة زوجها، هدم الإسلام العدة فيحق لها الزواج فوراً، اللّهمّ إلّا أن يقال في مورد اختلاط المياه قطعاً أو احتمالًا إنه لا يحق للزوج الجديد الدخول بها إلى أن ترى الدم و إن كان في المسألة إشكال من جهة استرقاقهن، و من جهة جب الإسلام، و من جهة أن الإسلام لا يحترم نطفة الكافر كما لا يحترم نطفة الزاني فيحق للرجل التزوّج بالزانية على كراهة و يدخل بها و لو بعد ساعة من زناها.

كما أن الكافر إذا أسلم و قد أحبل أختين، أو أمّاً و بنتاً، أو بنته و أمه في المجوسي، أو فوق الأربع، كان أولاده أولاد حلال، لأن لكل قوم نكاح، اللّهم إلّا إذا كان زنا في دينه و في الإسلام، اللّهمّ إلّا أن يقال: ان حديث الجب‏ (2) يشمله أيضاً فالولد حلال.

أما إذا كان في دين الإسلام حلالًا فلا إشكال لأن الإسلام حكم لكل الناس و إن كان في دينه ولد زنا.

____________

(1) موسوعة (الفقه) ج 1 كتاب الاجتهاد و التقليد.

(2) المستدرك: ج 7، ص 448، ح 8625، ب 15.

45

فالظاهر أن الجب يشمل نذوره و أيمانه و إن كانت موافقة للإسلام و دينه، فلا يلزم عليه الوفاء، أمّا إذا كان الإسلام لا يقر مثل ذلك النذر كنذر قتل ولده فلا إشكال لا من جهة الجب فقط بل من جهة أن المسلم لا يحق له أن يفعل المحرم.

أمّا قتلى الحرب بين المسلمين و الكافرين إذا أسلموا فلا إشكال في الجبّ و كان ذلك سيرة النبي (ص) أيضاً، و كذلك الجرح و هدر الأموال و هتك الأعراض.

نعم، إذا كانت الأموال موجودة لم يشمله الجب لأنه ليس (مما سبق) بل حاضر الآن و هو مال فلان فرضاً لا مال المسلم الجديد، و لذا ورد في باب الجهاد أن الإمام يرد أموال الناس (لأن الغصب كله مردود) (1).

و لو أسلم فراراً عن الحدّ فالمشهور حدّ لرواية خاصة، لكنه محل تأمّل أيضاً إذا لم يكن إجماع و نحوه إذ لا شك أن جماعة من الكفار أسلموا خوفاً و قد وجب عليهم الحدّ بسبب ارتكابهم للمحرّمات، و مع ذلك لم يُقم الرسول (ص) عليهم الحدّ، بل قال لهم: (الإسلام يجب عمّا قبله) (2) كما في أهل مكة، و هذا هو العمدة إلّا إذا قيل أن الرسول (ص) فعل ذلك لقانون (الأهم و المهمّ) كما لم يعاقب الفارّين من الزحف و نحوهم.

و لعلّ من المؤيدات ما رواه العامة: ان المغيرة وفد مع جماعة من بني مالك على المقوقس ملك مصر فلما رجعوا قتلهم المغيرة في الطريق و فرّ إلى المدينة مسلماً و عرض خمس أموالهم على النبي (ص) فلم يقبله و قال (ص): (لا خير في غدر) فخاف المغيرة على نفسه، و هجمت عليه الهواجس و الأفكار فقال (ص): (الإسلام يجبّ ما قبله).

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 6، ص 365، ح 4.

(2) عوالي اللئالي: ج 2، ص 54، ح 145.

46

و على هذا فلا حدّ و لا تعزير و لا قصاص و لا سجن على ما سبق الإسلام.

المرتد إذا رجع‏

و المشهور بين الفقهاء أن المرتدّ إذا رجع لا ينطبق عليه حكم الكافر فلا يشمله حديث الجب، و استدلالهم بالانصراف في حديث الجب، لكنّا نرى الإطلاق خصوصاً بعد مثل قوله سبحانه‏ (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا) (1) الآية مضافاً إلى الملاك لوضوح أن الجب تشويق و امتنان، و مثله آت في الراجع عن الارتداد.

ثمّ لا فرق بين أقسام الكفر إذا أسلم، كما لا فرق بين أقسام الإسلام من التشيّع و الخلاف و النفاق، لأن الرسول (ص) كان يقبل إسلام المنافقين و يعاملهم في الظاهر معاملة المؤمنين.

و لو شكّ في أنه فعل ما فعل أو ترك ما ترك في حال إسلامه حتى يجب عليه التدارك أو حال كفره حتى يجبّ فالظاهر الجب، دون الأعمال و التروك ذات الآثار المشروطة بالإسلام، و مع الشك في الشرط يشك في المشروط، كما إذا لم يعلم أنه ترك الصلاة في حال جنونه أو صباوته أو عقله أو بلوغه.

و إذا كان مسلماً و ترك الصلاة مثلًا ثم ارتدّ ثم أسلم فهل يقضي صلاته حال إسلامه؟ لا يبعد العدم لإطلاق الجب، اللّهمّ إلّا أن يقال بانصرافه إلى التروك حال الكفر، و هكذا بالنسبة إلى سائر الأعمال و التروك، لكن الأول غير بعيد و إن كان الأحوط القضاء.

____________

(1) سورة النساء: 137.

47

الجبّ عزيمة أو رخصة؟

و هل الجب عزيمة فلا تشريع في القضاء و الكفّارة و ما أشبه حاله حال الطفل و المجنون حيث لا تشريع لقضائهما الصلاة و الصيام و ما أشبه أو رخصة؟ الظاهر: الأول، لأن المستفاد من أحاديثه عرفاً الامتنان، فلا تشريع كعدم التشريع للصيام و إتمام الصلاة حال السفر.

فقد روى علي بن إبراهيم القمي في تفسير قوله تعالى‏ (وَ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً) (1) الآية: أنها نزلت في عبد الله بن أبي أُميّة أخي أم سلمة (رضي الله عنها)، و ذلك أنه قال هذا لرسول الله (ص) بمكّة قبل الهجرة، فلمّا خرج رسول الله (ص) إلى فتح مكة استقبله عبد الله بن أبي أمية فسلّم على رسول الله (ص) فلم يرد (عليه السلام) و أعرض عنه و لم يجبه بشي‏ء، و كانت أخته أم سلمة مع رسول الله (ص) فدخل عليها و قال: يا أختي إن رسول الله (ص) قبل إسلام الجميع و ردَّ عليَّ إسلامي.

____________

(1) سورة الإسراء: 90.

48

فلمّا دخل رسول الله (ص) على أم سلمة قالت: بأبي أنت و أمي يا رسول الله سعد بك جميع الناس إلّا أخي من بين قريش و العرب، رددتَ إسلامه و قبلت الناس كلّهم؟ فقال: يا أم سلمة إن أخاك كذّبني تكذيباً لم يكذّبني أحد من الناس، هو الذي قال لي: لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض الآيات.

قالت أم سلمة: بأبي أنت و أمي يا رسول الله أ لم تقل إن الإسلام يجب ما كان قبله؟ قال (ص): نعم، فقبل رسول الله إسلامه‏ (1).

و لا يخفى: أن الردّ و أمثاله في هذه القضية و نحوها يراد به بيان عظم الذنب لا الرد حقيقة فقد يصب الكلام أو العمل لأجل المعنى المطابقي و قد يصبان لأجل المعنى الالتزامي، مثل: (طويل النجاد) و (كثير الرماد).

و ورد في حديث هبار الذي سبّب قتل زينب و بنتها عند هجرتهم من مكة إلى المدينة، أن النبي (ص) قبل إسلامه بعد أن أهدر دمه و لو كان متعلقاً بأستار الكعبة و قال (ص): (الإسلام يجب ما قبله).

و في حديث الطبراني: (الإسلام يجب ما قبله، و الهجرة تجب ما قبلها) و المراد: آن الباقي الذي بقاؤه معصية إذا هاجر مُحِيَتْ خطيئته.

و في مجمع البحرين: (الإسلام يجب ما قبله و التوبة تجب ما قبلها من الكفر و المعاصي و الذنوب) (2).

و قد تقدم في حديث ابن هلال عن الرضا (ع) الإشارة إليه.

و في حديث إسلام المغيرة أن النبي (ص) لم يأخذ الأموال لكنه قبل إسلامه و قال: (الإسلام يجب ما قبله).

____________

(1) المستدرك: ج 7، ص 448، ح 8626، ب 15.

(2) المستدرك: ج 12، ص 129، ح 13706، ب 86، و فيه: (التوبة تجبّ ما قبلها).

49

ثم إن ما ذكرناه من احتمالي الرخصة أو العزيمة إنما هو بالنسبة إلى مثل الصلاة و الصيام، و إلّا فمثل حدّ الزنا و اللّواط لا شك أنه عزيمة، كما أن مثل أكل أموال الناس بالباطل كما فعله عدي حال مسيحيته فلا شك أنه رخصة، إذ من الواضح أنه يجوز له إعطاء الناس أموالهم التي أكلها أما الأموال الموجودة فقد عرفت وجوب الردّ.

50

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

51

قاعدة القرعة

أدلة القاعدة

و هذه القاعدة متواترة سنداً كما لا يخفى على من راجع الوسائل و المستدرك باب الحكم بالقرعة في القضايا المشكلة في كتاب القضاء و باب تحريم البهيمة الموطوءة، و في غيرهما، و في البحار و غيره متفرّقاً.

كما أن عليها الإجماع القطعي قولًا و عملًا.

و قبلها يدل عليها الكتاب في قوله سبحانه‏ (فَساهَمَ فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ) (1) حيث إن الله سبحانه لم يرده فإنه كان عمل أهل السفينة لا عمل النبي (ع)، و يحتمل أن يكون عمل النبي (ع) حيث قال‏ (فَساهَمَ).

و على أيّ حال ففيه دليل على كلا الاحتمالين.

و قال تعالى‏ (إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ) (2) و كان من جملتهم زكريّا النبيّ، و قد ذكرنا في (الأصول) أنّ قول الأنبياء (ع) و فعلهم و تقريرهم حجّة إلّا إذا عُلم النسخ، و هذا ليس من الاستثناء، بالإضافة إلى تقرير الأئمة (ع) للقصّتين.

____________

(1) سورة الصافات: 141.

(2) سورة آل عمران: 44.

52

كما ورد أن موسى (ع) أيضاً أقرع في كشف ذلك النمّام.

و يدلُّ عليه من العقل: أنه طريق العقلاء في كشف الموضوع إذا لم يكن بدّ منها، في غير مثل الأمور المالية التي تقسم، لقاعدة العدل، أو قاعدة المهاياة، كما إذا كان هناك محلّ تجاري صغير و لا نعلم أنه لأيهما و لا يمكن البيع و لا الإيجار و لا التراضي على أن ينفرد كل واحد منهما به شهراً مثلًا.

مورد القرعة

و حيث إن موارد قاعدة القرعة هي الموضوعات لا الأحكام، فهي قرينة على انصراف الإطلاقات إليها فلا تجري في الأحكام، بالإضافة إلى إمكان استفادة ذلك من بعض القرائن الواردة في بعض الروايات حيث إنها تدلّ على عدم المشكل في الكتاب و السنّة، بضميمة أنه ليس شي‏ء إلّا في أحدهما بنحو الكلية أو الجزئية.

فعن عبد الرحمن القصير عن أبي جعفر (ع): (كان علي (ع) إذا ورد أمر ما نزل به كتاب و لا سنّة قال: رجم (أي: أقرع) فأصاب، قال أبو جعفر (ع): و هي المعضلات).

و في رواية أخرى مثلها، إلّا أنّ في آخرها: و تلك (المعضلات) (1).

و بذلك يظهر أنها ليست في الشبهة البدوية أيضاً حيث إن الأدلة الشرعية تشمل الشبهة البدوية فليست بمعضلة.

و بهذه القرينة و ما ذكرناه بالإضافة إلى الإجماع القولي و العملي من‏

____________

(1) المستدرك: ج 17، ص 378، ح 21630، ب 11.

53

الفقهاء تخصّ القرعة بما ذكرناه، من غير فرق بين أن يكون المورد من المخاصمات أو غيرها، للإطلاق و لروايات خاصة.

فمن الأول: ما عن رسول الله (ص) أنه قال: (ليس من قوم تنازعوا ثمّ فوَّضوا أمرهم إلى الله إلّا خرج سهم المحق) (1).

و في رواية أبي بصير عن الباقر (ع) نحوه، إلّا أنّه قال: (تقارعوا) (2) بدل تنازعوا.

و من الثاني: ما رواه محمد بن عيسى عن الرجل (ع) أنه سئل عن رجل نظر إلى راع نزا على شاة قال: (إن عرفها ذبحها و أحرقها و إن لم يعرفها قسّمها نصفين أبداً حتى يقع السهم بها فتذبح و تحرق و قد نجت سائرها) (3).

أقول: و لا يبعد جريان الإحراق إن علم بذلك بعد ذبحها و كذلك إذا ذبح البعض و بقي البعض حيث يقرع بينها.

و الظاهر أنّ فائدة الحرق هي شدّة التنفير و الترهيب و إلّا فالظاهر أن الحيوان لم يتلوّث بالجراثيم التي توجب الأمراض كما في ميّت الفارة حيث توجد في ميتها جرثومة الطاعون بكثرة على ما ذكروا.

و لا يبعد جريان ذلك في غير الشاة من الحيوانات المحلّلة حتى الطيور، لفهم المناط.

نعم لا يجري في غير المأكول كالكلب، و لا في الدابّة الواطية كما تفعله بعض النساء المنحرفات في الغرب حيث تنزو الدابّة عليها.

أما إذا كان البعض خارج محل الابتلاء فلا يشمله الدليل بل تجري البراءة،

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 14، ص 567، ح 4.

(2) وسائل الشيعة: ج 18، ص 188، ح 6.

(3) وسائل الشيعة: ج 16، ص 436، ح 1.

54

كما ذكروا في باب العلم الإجمالي.

كما أن الشارع إذا جعل طريقاً فلا مجال للقرعة، كما في زوج و زان، حيث إن (الولد للفراش و للعاهر الحجر) (1)، و إنما تجري فيما إذا كان كلّهم زناة، أو كلهم وطئوا شبهة، أو الزوج و المشتبه.

و يدلُّ عليه، بالإضافة إلى القاعدة الكلية: ما رواه الشيخ بإسناده إلى الباقر (ع) قال: (بعث رسول الله (ص) عليّاً (ع) إلى اليمن فقال له حين قَدِم: حدّثني بأعجب ما ورد عليك! فقال: يا رسول الله أتاني قوم قد تبايعوا جارية فوطئوها جميعاً في طهر واحد فولدت غلاماً و احتجّوا كلّهم يدعيه، فأسهمت بينهم فجعلته للّذي خرج سهمه و ضمّنته نصيبهم، فقال رسول الله (ص): ليس من قوم تنازعوا ثمّ فوّضوا أمرهم إلى الله عزّ و جلّ إلّا خرج سهم المحق) (2).

أقول: و الظاهر أنّ خروج سهم المحق من باب أن الله جعل القرعة سبباً لأن يكون الحق لمن خرجت باسمه لا أنها تطابق الواقع أبداً، فكما أن قاعدة الطهارة و الحلية و ما أشبه حكم ثانوي لا أنها تطابق دائماً الحكم الأولي كذلك حال القرعة لكنها ليست توجب الموضوع، و لذا لو انكشف الخلاف عمل بالواقع كما في القاعدتين أيضاً.

و لا يخفى أن الواطي إنما يضمن الواحد فقط الذي خرجت القرعة باسمه، لأنّ الشارع عيّن ذلك بها كما إذا عيّن بالشاهد.

نعم لو لم ترد القرعة كان اللازم ضمان الكلّ كما إذا نجّس ماء الناس حيث علم إجمالًا بأنه أحدهما، فإن المنجّس يضمن كليهما بعد أمر الشارع‏

____________

(1) المستدرك: ج 15، ص 33، ح 17452، ب 38.

(2) وسائل الشيعة: ج 14، ص 567، ح 4.