الفوائد الحائرية

- الوحيد البهبهاني المزيد...
519 /
7

[مقدمة التحقيق‏]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

يلاحظ أن مؤرّخي علم الأصول يشيرون إلى أن علم أصول الفقه قد نشأ و ترعرع في أحضان علم الفقه، و اشتدّت الحاجة إليه كلّما ازداد الفاصل الزمني عن عصر النصوص.

و الفكر الأصولي- في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)- قد مرّ بعصور متميّزة ثلاثة:

1- العصر التمهيدي: و هو عصر وضع البذور الأساسيّة له، و قد استمرّ حتّى منتصف القرن الخامس الهجري متمثّلا في فقهاء أصحاب الأئمّة (عليهم السلام) حتّى فقهاء القرن الأوّل من عصر الغيبة الكبرى كابن أبي عقيل العماني، و ابن الجنيد الإسكافي، و الشيخ المفيد و السيّد المرتضى و سلاّر الديلمي، و ينتهي بظهور الفقيه المجدّد محمّد بن الحسن الطوسي (ت: 460).

2- عصر العلم: و هو عصر اختمار البذور و أثمارها حيث تحدّدت فيه معالم الفكر الأصولي فأصبح علما له دقّته و صناعته و ذهنيّته العلميّة على يد الفقيه المجدّد الطوسي و كبار رجالات مدرسته كابن إدريس و المحقّق‏

8

و العلاّمة (الحلّيّين) و الشهيدين و صاحب المعالم و الفاضل التوني (قدّس اللّه أسرارهم) حتّى ظهور الفقيه المجدّد الوحيد البهبهاني.

و قد استمرّ هذا العصر أكثر من سبعة قرون حيث توقّف نمو الفقه و الأصول طيلة قرن كامل بعد مضي الطوسي ثمّ دبّت و الحركة في البحث الفقهي و الأصولي.

3- عصر الكمال العلمي: و بعد أن مني علم الأصول بصدمة عارضت نموّه متمثّلة في الحركة الأخباريّة المناهضة لعلم الأصول في أوائل القرن الحادي عشر الهجري- على يد الميرزا محمّد أمين الأسترآبادي (ت: 1021) و استفحل أمرها حتّى نهاية القرن الثاني عشر الهجري ظهرت مدرسة جديدة حمل لواءها المجدّد الوحيد البهبهاني فقاوم الحركة الأخباريّة بكلّ جدّ و انتصر لعلم الأصول حتّى تضاءل الاتّجاه الأخباري و مني بالهزيمة ...

فنمى الفكر الأصولي على يد هذا المجدّد و المحقّقين و النوابغ من تلامذة مدرسته حيث واصلوا جهادهم عبر أجيال متعاقبة، فكان حدّا فاصلا بين عصرين من تاريخ علم الأصول للقفزة الكبيرة التي أعطته ملامح عصر جديد، و بذلك تميّزت مدرسة الوحيد البهبهاني عن المدارس التي كانت تتلاشى‏ بموت رائدها (1).

و قد تعاقبت ثلاثة أجيال من فطاحل هذه المدرسة:

الجيل الأوّل: و يمثّله تلامذة الوحيد نفسه، كالسيّد مهدي بحر العلوم (ت: 1212)، و الشيخ جعفر كاشف الغطاء (ت: 1227)، و الميرزا أبي‏

____________

(1) للتفصيل راجع، المعالم الجديدة للأصول، للشهيد العظيم السيّد محمّد باقر الصدر (قدّس سرّه)، مبحث تاريخ علم الأصول: 46- 89.

9

القاسم القمّي (ت: 1227)، و السيّد علي الطباطبائي (ت: 1221)، و الشيخ أسد اللّه التستري (ت: 1234).

الجيل الثاني: و يمثّله نوابغ تلامذة الجيل الأوّل كالشيخ محمّد تقي بن عبد الرحيم (ت: 1248)، و شريف العلماء (ت: 1245)، و المولى أحمد النراقي (ت: 1245)، و الشيخ محمّد حسن النجفي صاحب جواهر الكلام (ت: 1266)، و غيرهم.

الجيل الثالث: و يمثّله تلميذ شريف العلماء و هو المحقّق الفذّ و الأستاذ الأعظم الشيخ مرتضى الأنصاري الّذي ولد بعيد ظهور مدرسة الوحيد و عاصرها و هي في أوج نموّها و نشاطها و قدّر له أن يرتفع بعلم الأصول إلى القمّة.

و لا يزال الفكر الأصوليّ السائد في الحوزات العلميّة الإماميّة يعيش العصر الثالث الّذي افتتحته مدرسة الوحيد البهبهاني (قدّس سرّه).

و قد خلّف لنا الوحيد عصارة أفكاره الأصوليّة في مجموع ما دوّنه يراعه الشريف من تعاليق و شروح على الكتب الأصوليّة المتقدّمة عليه كالمعالم و الوافية، أو الرسائل التي أفردها بالتأليف كالفوائد الحائريّة (العتيقة و الجديدة) و هي الكتاب الّذي بين يديك، و هو يكاد يجمع جلّ أفكاره الأصوليّة التي تناثرت في سائر رسائله.

و قد تصدّى مجمع الفكر الإسلامي لتحقيق هذا التراث و إحيائه و تقديمه لذوي الاختصاص بالصورة التي تيسّر الارتواء من معينه أداء لبعض الواجب الّذي يتحمّله كلّ جيل نتيجة لجهاد العظماء الذين أثروا الفكر الإسلامي بل الإنساني بنتائج عبقريّاتهم الفذّة.

و يشكر المجمع كل الإخوة الأفاضل الذين ساهموا في تحقيق هذا

10

السفر، و نخصّ منهم بالذكر حجة الإسلام الشيخ محمّد باقر درياب و حجة الإسلام الشيخ سامي الخفاجي.

كما نشكر أصحاب الفضيلة الشيخ محمّد سعيد الواعظي و الشيخ مجتبى المحمودي و الشيخ صادق الكاشاني الذين أسهموا في المرحلة النهائيّة للتحقيق.

و نقدّم جزيل الشكر لسماحة الحجّة المفضال الشيخ محمّد مهدي الآصفي دامت بركاته حيث أتحفنا ببحثه القيّم عن دور الوحيد البهبهاني في تجديد علم الأصول و إدخاله إلى عصر الكمال العلمي.

و ختاما نسأل العليّ القدير أن يتقبّل منّا و منهم هذا الجهد بفضله و كرمه، إنّه سميع مجيب.

مجمع الفكر الإسلامي 18 من جمادى الأولى 1414 ه ق.

11

الوحيد البهبهاني حياته- عصره- آثاره‏

حياته الشخصيّة:

اسمه و ألقابه:

محمّد باقر بن المولى محمّد أكمل. و عرف بالوحيد البهبهاني و المحقّق الثالث و العلاّمة الثاني و أستاذ الكلّ و الأستاذ الأكبر.

نسبه:

محمّد باقر بن محمّد أكمل بن محمّد صالح بن أحمد بن محمّد بن إبراهيم بن محمّد رفيع بن أحمد بن إبراهيم بن قطب الدين بن كامل بن عليّ بن محمّد بن عليّ بن محمّد بن محمّد بن النعمان «الشيخ المفيد» (قدّس سرّه)(1).

____________

(1) هذا هو المعروف. راجع أعلام الشيعة للعلاّمة الطهراني. و أعيان الشيعة للسيّد محسن الأمين العاملي 11: 35. و الأساس في أنساب العرب للأعرجي. و لكنّ البعض نفي انتماء نسب الوحيد البهبهاني إلى الشيخ المفيد.

12

والدته:

بنت العالم الربّاني الآقا نور الدين بن المولى محمّد صالح المازندراني‏ (1).

والده:

قال المترجم له عن والده: المحقّق المدقّق الباذل، بل الأعلم الأفضل الأكمل، أستاذ الأساتيذ الفضلاء و شيخ المشايخ العظماء، مولانا محمّد أكمل غمره اللّه تعالى برحمته الواسعة و ألطافه البالغة (2).

ولادته:

في مدينة أصفهان عام 1116 أو 1117 أو 1118.

رحلاته:

هاجر من مولده إلى النجف الأشرف لتحصيل العلم، ثمّ هاجر إلى بهبهان و قطن فيها مدّة ثلاثين سنة ثمّ هاجر منها إلى كربلاء المقدّسة.

زوجته:

بنت أستاذه السيّد محمّد الطباطبائي.

أولاده:

الآقا محمّد علي و الآقا عبد الحسين.

وفاته:

في كربلاء عام 1206.

مدفنه:

في رواق حرم الإمام أبي عبد اللّه الحسين (عليه السلام) ممّا يلي أرجل‏

____________

(1) مستدرك الوسائل 3: 384.

(2) راجع مرآة الأحوال.

13

الشهداء.

جمل الثناء عليه:

1- وصفه تلميذه السيّد محمّد مهدي بحر العلوم في بعض إجازاته بقوله: «شيخنا العالم العامل العلاّمة و أستاذنا الحبر الفاضل الفهّامة المحقّق النحرير و الفقيه العديم النظير بقيّة العلماء و نادرة الفضلاء مجدّد ما اندرس من طريقة الفقهاء و معيد ما انمحى من آثار القدماء البحر الزاخر و الإمام الباهر الشيخ محمّد باقر ابن الشيخ الأجلّ الأكمل و المولى الأعظم الأبجل المولى محمّد أكمل أعزّه اللّه تعالى برحمته الكاملة و ألطافه السابغة الشاملة» (1).

2- قال تلميذه الشيخ أبو علي الحائري: «أستاذنا العلاّمة و شيخنا الفاضل الفهّامة، علاّمة الزمان، نادرة الدوران، عالم عرّيف، فاضل غطريف، ثقة و أيّ ثقة، ركن الطائفة و عمادها، و أورع نسّاكها و عبّادها، مجدّد ملّة سيّد البشر في رأس المائة الثانية عشر، باقر العلم و نحريره، و الشاهد عليه تحقيقه و تحبيره، جمع فنون الفضل فانعقدت عليه الخناصر، و حوى صنوف العلم فانقاد له المعاصر، فالحريّ به أن لا يمدحه مثلي و يصف، فلعمري تفنى في نعته القراطيس و الصحف لأنّه المولى الّذي لم يكتحل عين الزمان له بنظير كما يشهد له من شهد فضائله و لا ينبّئك مثل خبير» (2).

3- و قال تلميذه الشيخ أسد اللّه الكاظمي الدزفولي عنه: «الأستاذ الأعظم، شيخنا العظيم الشأن، الساطع البرهان، كشّاف قواعد الإسلام،

____________

(1) أعيان الشيعة 9: 182.

(2) منتهى المقال: 290.

14

حلاّل معاقد الأحكام، مهذّب قوانين الشريعة ببدائع أفكاره الباهرة، مقرّب أفانين الملّة المنيعة بفرائد أنظاره الزاهرة، مبيّن طوائف العلوم الدينيّة بعوالي تحقيقاته الرائقة، مزيّن صحائف رسوم الشريعة بلئالئ تدقيقاته الفائقة، فريد الخلائق، واحد الآفاق في محاسن الفضائل و مكارم الأخلاق، مبيد شبهات أولي الزيغ و اللجاج و الشقاق على الإطلاق، بمقاليد تبيانه الفاتحة للأغلاق، الخالية عن الإغلاق، الفائز بالسباق، الفائت عن اللحاق، شيخي و أستاذي في مبادئ تحصيلي، و شيخ مشايخي المحقّق الثالث و العلاّمة الثاني، الزاهد العابد، الأتقى الأورع، العالم العلم الربّاني، مولانا آقا محمّد باقر بن محمّد أكمل الأصفهانيّ الحائري الشهير بالبهبهاني (قدّس اللّه نفسه الزكيّة)، و أحلّه في الفردوس في منازل العليّة» (1).

4- قال الشيخ عبد النبي القزويني عنه: «فقيه العصر، فريد الدهر، وحيد الزمان، صدر فضلاء الزمان، صاحب الفكر العميق و الذهن الدّقيق، صرف عمره في اقتناء العلوم و اكتساب المعارف الدقائق و تكميل النّفس بالعلم بالحقائق.

فحباه اللّه باستعداده علوّا لم يسبقه فيها أحد من المتقدّمين و لا يلحقه أحد من المتأخّرين إلاّ بالأخذ منه، و رزقه من العلوم ما لا عين رأت و لا اذن سمعت، لدقّتها و رقّتها و وقوعها موقعها، فصار اليوم إماما في العلم و ركنا للدين، و شمسا لإزالة ظلم الجهالة، و بدرا لإزالة دياجير البطالة، فاستنار الطلبة بعلومه، و استضاء الطالبون بفهومه، و استطارت فتاواه كشعاع الشمس في الإشراق، مدّ اللّه ظلاله على العالمين و أيّدهم بجود وجوده إلى يوم‏

____________

(1) مقابس الأنوار: 18.

15

الدين. و بالجملة شرح فضله و أخلاقه و عبادته ليس في مقدرتنا و لا يصل إليه مكنتنا و قدرتنا» (1).

5- قال المحدّث النوري عنه: «الأستاذ الأكبر مروّج الدين في رأس المائة الثالثة عشر المولى محمّد باقر الأصفهاني البهبهاني الحائري» (2).

6- قال الفاضل الدربندي عنه: «و لا يخفى عليك أنّ العلاّمة كان مجدّد الرسوم على رأس المائة الثانية عشر و كان أتقى الناس في زمانه و في هذه الأزمنة، و أورعهم و أزهدهم.

و بالجملة كان في الحقيقة عالما عاملا بعلمه متأسّيا مقتديا بالأئمّة الهداة (صلوات اللّه عليهم أجمعين)، فلأجل خلوص نيّته و صفاء عزيمته وصل كلّ من تلمذ عنده إلى مرتبة الاجتهاد و صاروا أعلاما في الدين» (3).

7- و قال عنه عمر رضا كحّالة في معجم المؤلّفين: «فقيه أصوليّ متكلّم» (4).

8- و قال عنه الزركلي في الأعلام: «فاضل إمامي» (5).

عصر الوحيد البهبهاني:

طغت في عصره ظاهرتان غريبتان على السلوك الديني:

1- النزعة الصوفيّة.

____________

(1) تتميم أمل الآمل: 74.

(2) مستدرك الوسائل 3: 384.

(3) معارف الرّجال 1: 121.

(4) معجم المؤلّفين 9: 90.

(5) الأعلام 6: 49.

16

2- النزعة الإخباريّة المتطرّفة. حتّى أنّ الطالب الديني في مدينة كربلاء خاصّة أصبح يجاهر بتطرّفه و يغالي فلا يحمل مؤلّفات العلماء الأصوليّين إلاّ بمنديل خشية أن تنجّس يده من ملامسة حتّى جلدها الجاف! و كربلاء يوم ذاك أكبر مركز علمي للبلاد الشيعيّة.

إنّ القرن الثاني عشر هو قرن فتور الروح العلميّة إلى حدّ بعيد.

و أغلب الظنّ إنّ أهمّ الأسباب لهذا الفتور العلميّ و طغيان نزعة التصوّف و النزعة الأخباريّة هو الوضع السياسي و الاجتماعي اللذان آلت إليهما البلاد الإسلاميّة في ذلك القرن من نحو التفكّك و اختلال الأمن في جميع أطراف البلاد، و الحروب الطاحنة بين الأمراء و الدول، لا سيّما بين الحكومتين الإيرانيّة و العثمانيّة و بين الإيرانيّة و الأفغانيّة. تلك الحروب التي اصطبغت على الأكثر بصبغة مذهبيّة، و هذا كلّه ممّا يسبّب البلبلة في الأفكار و الاتّجاهات، و ضعف الروح العامّة المعنويّة.

فأوجب ذلك من جهة ضعف ارتباط رجال الدين بالحياة الواقعيّة و السلطات الزمنيّة و يدعو ذلك عادة إلى الزهد المغالي في جميع شئون الحياة، و اليأس من الإصلاح، فتنشأ هنا نزعة التصوّف، و تتّخذ حينذاك صرحا علميّا على إنقاض الفلسفة الإشراقيّة الإسلاميّة المطاردة المكبوتة، التي سبق أن دعا لها أنصار أقوياء كالمولى صدر الدين الشيرازي المتوفّى عام 1050 و أضرابه و أتباعه، مع المغالاة في أفكارها. و ساند طريقة التصوّف مبدئيّا أنّ السلطة الزمنيّة في إيران و هي سلطة الصفويّة قامت على أساس الدعوة إلى التصوّف، و ظلّت تؤيّدها و تمدّها سرّا.

و من جهة أخرى حدث ردّ فعل لهذا الغلو، فأنكر على الناس أن يركنوا إلى العقل و تفكيره، و التجأ إلى تفسير التعبّد بما جاء به الشارع‏

17

المقدّس بمعنى الاقتصار على الأخبار الواردة في الكتب الموثوق بها في كلّ شي‏ء، و الجمود على ظواهرها، ثمّ دعا الغلو بهؤلاء إلى ادّعاء أنّ كلّ تلك الأخبار مقطوعة الصدور على ما فيها من اختلاف، ثمّ اشتدّ بهم الغلو، فقالوا بعدم جواز الأخذ بظواهر القرآن وحده، من دون الرجوع إلى الأخبار الواردة، ثمّ ضربوا بعد ذلك علم الأصول عرض الجدار، بادّعاء أنّ مبانيه كلّها عقليّة لا تستند إلى الأخبار، و العقل أبدا لا يجوز الركون إليه في كلّ شي‏ء، ثمّ ينكرون الاجتهاد و جواز التقليد. و هكذا تنشأ فكرة الأخباريّة الحديثة التي أوّل من دعا إليها أو غالى في الدعوة إليها «المولى أمين الدين الأسترآبادي» المتوفّى 1033 ثمّ يظهر آخر شخص لهذه النزعة له مكانته العلميّة المحترمة في الفقه هو «صاحب الحدائق» و هذا الثاني- و إن كان أكثر اعتدالا من الأوّل و أضرابه- كاد أن يتمّ على يديه تحويل الاتّجاه الفكريّ بين طلاّب العلم في كربلاء إلى اعتناق فكرة الأخباريّة هذه. و عند ما وصلت هذه الفكرة الأخباريّة إلى أوجها، ظهر في كربلاء علم الأعلام الشيخ الوحيد الآقا البهبهاني الّذي قيل عنه بحقّ: مجدّد المذهب على رأس المائة الثالثة عشر.

فإنّ هذا العالم الجليل كان لبقا مفوّها و مجاهدا خبيرا، فقد شنّ على الأخباريّة هجوما عنيفا بمؤلّفاته و بمحاججاته الشفويّة الحادّة مع علمائها- و قد نقل في بعض فوائده الحائريّة و رسائله نماذج منها- و بدروسه القيّمة التي كان يلقيها على تلامذته الكثيرين الذين التفّوا حوله، و على يديه كان ابتداء تطوّر علم الأصول الحديث و خروجه عن جموده الّذي ألفه عدّة قرون، و اتّجه التفكير العلميّ إلى ناحية جديدة غير مألوفة، فانكمشت في عصره النزعة الأخباريّة على نفسها، و لم تستطع أن تثبت أمام قوّة

18

حجّته‏ (1).

حياته العلميّة:

أساتذته:

1- والده المولى محمّد أكمل الأصفهانيّ.

2- السيّد محمّد الطباطبائي البروجردي، أستاذه في المعقول.

3- السيّد صدر الدين الرضوي القمّي، شارح وافية الفاضل التوني، أستاذه في الفقه و الأصول.

معاصروه:

1- الشيخ يوسف البحراني، صاحب الحدائق (ت: 1186).

2- الشيخ محمّد مهدي الفتوني (ت: 1183).

3- الشيخ محمّد تقي الدورقي النجفي.

4- الآقا محمّد باقر الهزار جريبي المازندراني (ت: 1205).

5- الآقا السيّد حسين القزويني (ت: 1218).

6- الشيخ عبد النبي القزويني (ت: 1208).

7- الآقا السيّد حسين الخوانساري، صاحب (مشارق الشموس) (ت: 1191).

8- مير عبد الباقي الخاتون‏آبادي الأصفهانيّ.

9- الميرزا محمّد باقر الشيرازي.

10- السيّد جعفر السبزواري.

____________

(1) جامع السعادات، المقدّمة: ه، و، ز.

19

تلامذته:

1- السيّد محمّد شفيع الشوشتري (ت: 1206).

2- السيّد أحمد الطالقاني النجفي (ت: 1208).

3- المولى مهدي النراقي (ت: 1209).

4- السيّد محمّد مهدي بحر العلوم (ت: 1212).

5- الشيخ أبو علي الحائري (ت: 1215).

6- السيّد أحمد العطّار البغدادي (ت: 1215).

7- الميرزا محمّد هادي الشهرستاني (ت: 1216).

8- المولى محمّد كاظم الهزار جريبي، الشهيد في حملة الوهّابيّين على كربلاء (ت: 1216).

9- المولى عبد الجليل الكرمانشاهي.

10- السيّد علي الطباطبائي (ت: 1231).

11- السيّد ميرزا محمّد تقي القاضي الطباطبائي (ت: 1222).

12- الشيخ جعفر كاشف الغطاء (ت: 1227).

13- الميرزا أبو القاسم القمّي (ت: 1227).

14- السيّد محسن الأعرجي الكاظمي (ت: 1227).

15- مير محمّد حسين بن المير عبد الباقي خاتون‏آبادي (ت:

1233).

16- السيّد دلدار علي نصيرآبادي الهندي (ت: 1235).

17- السيّد ميرزا يوسف التبريزي (ت: 1242).

18- المولى أحمد النراقي (ت: 1245).

20

19- الحاج محمّد إبراهيم الكلباسي الأصفهانيّ (ت: 1261).

20- الشيخ أسد اللّه التستري الدزفولي الكاظمي (ت: 1234).

21- السيّد جواد العاملي (ت: 1226).

22- الشيخ عبد الصمد الهمداني الشهيد (ت: 1216).

23- السيّد محمّد حسن الزنوزي الخوئي (ت: 1246).

24- الشيخ محمّد حسين الخراسانيّ (ولد 1310).

25- شمس الدين بن جمال الدين البهبهاني (ت: 1247).

26- الميرزا أحمد حسن القزويني.

27- السيّد محمّد القصير الخراسانيّ (ت: 1255).

28- الشيخ محمّد تقي الأصفهانيّ (ت: 1248).

29- الحاج ملاّ محمّد رضا الأسترآبادي.

30- الميرزا مهدي بن هداية اللّه بن طاهر الخراسانيّ (الشهيد) (ت:

1218).

مؤلّفاته:

1- في الرّجال:

1- التعليقة البهبهانيّة على (منهج المقال) المعروف بالرجال الكبير، مطبوعة على هامشه.

2- تعليقة على رجال الأسترآبادي «مقدّمة».

3- الفوائد الرجاليّة.

4- تعليقة على الرّجال المتوسّط، للميرزا محمّد الأسترآبادي.

21

5- تعليقة على رجال السيّد مصطفى التفريشي.

2- في الحديث:

1- حاشية تهذيب الأحكام.

2- حاشية على الوافي.

3- حاشية على الكافي.

3- في الكلام:

1- الإمامة، (فارسي)، مبسوط.

2- إثبات التحسين و التقبيح العقليّين.

3- أصول الدين، (فارسي، مختصر).

4- حل شبهة الأشاعرة.

5- رسالة مفصّلة في الإمامة.

6- رسالة في الجبر و الاختيار.

7- الردّ على الأشاعرة و نفي الرؤية في الآخرة.

8- بم يعرف الناجي.

9- حاشية على الحاشية الخفريّة على الشرح الجديد للتجريد.

10- مناظرة مع أحد علماء العامّة في استحالة رؤية اللّه تعالى.

11- رسالة في الأصول الخمسة.

12- رسالة في تسمية بعض الأئمّة أولادهم بأسماء الجائرين.

22

4- في أصول الفقه:

1- الحواشي على المعالم‏ (1).

2- حاشية على قوانين الأصول.

3- إبطال القياس: جعله تتمّة لحاشيته على ذخيرة السبزواري.

4- الاجتهاد و الأخبار الاجتهاد و التقليد، (في الردّ على الأخباريّين)، طبع في إيران مع عدّة الأصول.

5- الجمع بين الأخبار المتعارضة رسالة في بيان أقسام الجمع في التعادل و التراجيح.

6- حاشية على ديباجة المفاتيح، فيها ثلاث مقالات: مقالة في الأصول المحتجّ بها في الأحكام و بيان وجه حجّيّتها. و مقالة في الأمور المضاهية للقياس و ليست منها. و مقالة في الإجماع و أقسامه.

7- رسالة في حجّيّة الإجماع. ذكر فيها: أقسام الإجماع و تفاصيل أحكامه و حكم الشهرة بين الأصحاب و هي مرتّبة على سبعة فصول.

8- و له رسالة ثالثة في حجّيّة الإجماع أيضا (2).

9- رسالة في أنّ الأحكام الشرعيّة توقيفيّة.

10- رسالة في عدم توقيفيّة الموضوعات.

11- رسالة في حجّيّة الاستصحاب و بيان أقسامه.

____________

(1) قال الكرهرودي: أنّ الوحيد درّس المعالم عشرين مرّة و كان يكتب في كلّ مرّة حاشية جديدة عليه، و قد رأيت في بلدة بروجرد من تلك الحواشي تسعة عشر حاشية. راجع الذريعة 6: 205.

(2) الذريعة 6: 267.

23

12- رسالة في تفصيل المذاهب في أصالة البراءة.

13- رسالة في الشهرة.

14- رسالة في الأدلّة الأربعة.

15- حجّيّة ظواهر الكتاب.

16- خطاب المشافهة.

17- حجّيّة المفهوم بالأولويّة.

18- رسالة في الصحيح و الأعمّ.

19- الوجوب النفسيّ و الغيري في الطهارة.

20- الحكم الشرعي و بيان حقيقته.

21- الحقيقة الشرعيّة.

22- رسالة في أنّ الناس صنفان مجتهد و مقلّد. و هل يتصوّر لهما ثالث؟ (رسالة في عدم الواسطة بين المجتهد و المقلّد).

23- الفوائد الأصوليّة.

24- الردّ على شبهات الأخباريّين.

25- الفوائد الحائريّة العتيقة، و تشتمل على 36 فائدة و خاتمة. و هي الكتاب الأوّل الّذي بين يديك.

26- الفوائد الحائريّة الجديدة، و تشتمل على 35 فائدة. و هي الكتاب الثاني بين يديك.

27- حاشية على حاشية الميرزا جان على المختصر للعضدي.

28- حاشية على حاشية الميرزا جان على المختصر للحاجبي.

24

5- في الفقه:

1- أصول الإسلام و الإيمان و حكم منكرها و بيان معنى الناصب.

2- رسالة في كفر النواصب و الخوارج.

3- رسالة في بطلان عبادة الجاهل من غير تقليد.

4- تقليد الميّت، (التقريرات في المنع عن تقليد الميّت).

5- رسالة في العبادات المكروهة الإفادة الإجماليّة.

6- رسالة في اللباس.

7- رسالة في الحيض و أحكامه.

8- رسالة في حكم الدماء المعفوّ عنها.

9- رسالة في بيان حكم العصير العنبي و التمري و الزبيبي.

10- رسالة في الصلاة و الطهارة، عربيّة.

11- رسالة في الصلاة و الطهارة، فارسيّة.

12- رسالة في الكرّ و مقداره.

13- رسالة في استحباب صلاة الجمعة.

14- رسالة أخصر في صلاة الجمعة.

15- رسالة في صلاة الجمعة، فارسيّة.

16- رسالة في الحجّ، (مناسك الحجّ)، فارسيّة.

17- رسالة في الخمس و الزكاة، فارسيّة. رسالة الخمس.

18- التقيّة.

19- رسالة في النكاح.

20- رسالة في حلّيّة الجمع بين فاطميّتين. ردّ فيها على الصوارم القاصمة للشيخ يوسف البحراني صاحب الحدائق.

25

21- رسالة أخرى مبسوطة.

22- رسالة أخصر منها.

23- رسالة في فساد العقد على الصغيرة.

24- رسالة في القرض بشرط المعاملة المحاباتيّة.

25- رسالة في تحريم الغناء.

26- المتاجر.

27- الفوائد الفقهيّة.

28- حيل الرّبا.

29- رسالة في المعاملات، أحكام العقود.

30- رسالة في صحّة المعاملة، أصالة الصحّة.

31- رسالة في قاعدة الطهارة، أصالة الطهارة.

32- رسالة في الحلّيّة و الحرمة في الدين.

33- رسالة في عدم الاعتداد برؤية الهلال قبل الزوال.

34- الحاشية على المسالك.

35- الحاشية على المدارك.

36- الحاشية على شرح الإرشاد.

37- الحاشية على شرح القواعد.

38- الحاشية على الذخيرة.

39- الرد على صاحب المفاتيح.

40- حواشي على المفاتيح متفرّقة.

41- الردّ على مقدّمات المفاتيح، الحاشية على مفاتيح الشرائع.

42- النقد و الاختيار (من الطهارة إلى الدّيات).

26

43- شرح مفاتيح الفقه (8 مجلّدات).

44- مصابيح الظلام في شرح مفاتيح الشرائع.

45- رسالة في الأحكام الشرعيّة و حدّها.

46- المناهج (غير تامّ).

47- حاشية على كفاية المقتصد.

48- التحفة الحسينيّة، في الطهارة و الصلاة و الصوم.

49- الفوائد الفقهيّة.

50- رسالة في النقد و الانتخاب و النقض و الإبرام للجوابات المجلسيّة.

6- رسائل أخرى و إجازات:

1- الصحيفة البيضاء.

2- مزار الآقا باقر.

3- رسالة في الإجازة للمولى محمّد عليّ بن محمّد طاهر الخراسانيّ.

4- جوابات مسائل كثيرة.

5- إجازة لمحمّد بن يوسف بن عماد مير فتّاح الحسني الحسيني.

6- إجازة لعليّ بن كاظم التبريزي.

7- إجازة للشيخ أبي علي الحائري.

8- إجازة للسيّد محمّد مهدي بحر العلوم.

9- إجازة للسيّد عليّ بن محمّد عليّ الطباطبائي.

10- إجازة لسعيد بن محمّد يوسف القراچه‏داغي النجفي.

11- إجازة لحسين خان.

27

نسخ «الفوائد الحائريّة»:

اعتمدنا على مخطوطتين من مجموعة المخطوطات الكثيرة المتواجدة في ثلاث مكتبات في قم و طهران:

المخطوطة الأولى و هي الأحسن نسخا و الأقلّ أخطاء، مستنسخها محمّد بن رضا بن أبي القاسم عام 1241- 1261، و في نهايتها تصريح بالمقابلة بواسطة محمّد حسن بن الحاجّ علي عام 1270. و هي موجودة في مخطوطات مكتبة المسجد الأعظم التي أسّسها آية اللّه العظمى السيّد البروجردي (قدّس سرّه)، و رمزنا لها ب (ف).

و المخطوطة الثانية هي إحدى مخطوطات الفوائد الحائريّة في مكتبة آية اللّه العظمى السيّد المرعشي النجفي (قدّس سرّه) و تاريخ استنساخها 1242، و هي أردأ خطّا و أكثر أخطاء، و رمزنا لها ب «م».

و هناك نسخة ثالثة مطبوعة للفريد الگلپايگاني، استفيد منها أيضا في بعض الموارد بشكل نادر.

منهجنا في التحقيق: و يتلخّص في ما يلي:

1- الاستنساخ و تقطيع النصّ.

2- تقويم النصّ. و قد حذفنا عند اختلاف النسخ الموارد المقطوع بخطإها و أبقينا كلّ مورد يحتمل فيه الصحّة، و قدّمنا الأنسب للعبارة أو الأصحّ و أثبتناه في المتن و جعلنا الثاني في الهامش.

3- استخراج الآيات و الأحاديث و أقوال الفقهاء من مصادرها.

28

مصادر الترجمة:

1- الأعلام، للزركلي.

2- أعيان الشيعة، للسيّد محسن أمين العاملي.

3- بحوث في علم الأصول.

4- تتميم أمل الآمل.

5- تنقيح المقال.

6- الدرّة النجفيّة.

7- روضات الجنّات.

8- ريحانة الأدب.

9- الفوائد الرضويّة.

10- الكرام البررة.

11- الكنى و الألقاب.

12- مستدرك الوسائل.

13- مرآة الأحوال.

14- معارف الرّجال في تراجم العلماء و الأدباء.

15- المعالم الجديدة.

16- معجم المؤلّفين.

17- مقابس الأنوار.

لجنة التحقيق‏

29

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

30

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

31

دور الوحيد البهبهاني (رحمه اللّه) في تجديد علم الأصول‏

علم الأصول قبل عصر الوحيد البهبهاني:

اكتسب علم الأصول في عصر الشيخ حسن بن زيد الدين الشهيد الثاني (صاحب المعالم) (المتوفّى 1011 ه) (1) حدّا كبيرا من النضج و المنهجيّة في كتاب (معالم الأصول) لهذا الفقيه الجليل. و قد استمرّ هذا الكتاب إلى اليوم الحاضر محورا للتدريس في المراحل الأوّليّة من دراسة هذا العلم، و محورا للتحقيق و من أهمّ التحقيقات التي كتبت حول هذا الكتاب حاشية الشيخ محمّد تقي (رحمه اللّه) و هي من أفضل ما كتب في هذا العلم.

و قد سئل الشيخ مرتضى الأنصاري (رحمه اللّه) بعد أن شاع كتاب فرائد الأصول لم لم يشفع المباحث العقليّة التي دوّنها في كتابه الجليل (فرائد الأصول) بكتاب آخر في مباحث الألفاظ لتكتمل عنده دورة كاملة في‏

____________

(1) الذريعة 21: 198.

32

الأصول فقال (رحمه اللّه) إنّ الشيخ محمّد تقي الأصفهاني أغنانا عن ذلك بما كتبه من التعليقة على المعالم.

الاتّجاه الأخباري و الأمين الأسترآبادي:

إلاّ أنّ حدثا جديدا طرأ على هذا العلم، فقد ظهر في هذه الفترة اتّجاه جديد في الاجتهاد عند الشيخ على يد الشيخ محمّد أمين الأسترآبادي (المتوفّى 1036 ه) (1) مؤلّف كتاب (الفوائد المدنيّة) في الاستغناء عن القواعد العقليّة. و عرف هذا الاتّجاه الجديد ب (الأخباريّة) في مقابل المدرسة الأصوليّة السائدة في الأوساط الفقهيّة الشيعيّة.

و رغم أنّ الأمين الأسترآبادي يحاول أن يبرز لهذا الاتّجاه عمقا تاريخيّا يمتدّ إلى عصر الصدوقين و الفقهاء الأوائل و لكن من الواضح أنّ هذا الاتّجاه بأبعاده و خصائصه و قواعده- الّذي يذكره الأمين الأسترآبادي في (الفوائد المدنيّة)- اتّجاه جديد في الاجتهاد عند الشيعة.

و قد كاد هذا الاتّجاه الجديد أن يحدث صدعا في الاجتهاد عند الشيعة لو لا أنّ الفقهاء و الأصوليّين وقفوا أمام هذا التوجّه و دافعوا عن الطابع العقليّ للأصول ممّا أدّى إلى تقلّصه و تراجعه بالتدريج و ضعفه عن مواصلة التحرّك و التأثير على الوسط الفقهي في المدارس الشيعيّة.

و يبدو أنّ الخلفيّة التي كانت من وراء ظهور هذه المدرسة هي التخوّف من الاستغراق في اعتماد العنصر العقلي في الاجتهاد، و الابتعاد عن النصّ الشرعي، كما حدث ذلك لمدرسة الرّأي عند أهل السنّة، حيث‏

____________

(1) رياض العلماء 5: 36. و في الذريعة 16: 358، توفّي سنة 1033.

33

استدرجهم اعتماد الرّأي إلى القياس و الاستحسان و محاولة استنباط أحكام اللّه تعالى بمثل هذه المصادر الظنّيّة التي لا تغني عن الحقّ شيئا.

غير أنّ الأمين الأسترآبادي و من جاء بعده من أعلام الأخباريّين غالوا في هذا التحفّظ و التخوّف حتّى أدّى بهم ذلك إلى موقف سلبي من العقل و الملازمات العقليّة و التشكيك في حجيّة الأحكام العقليّة إلاّ ما كان له مبدأ حسّي أو قريب من الحسّ كالرياضيّات.

الدليل العقلي بين الأصوليّين و الأخباريّين:

و قد وجدت أنّ كلمات الأخباريّين مضطربة و مختلفة في أمر اعتماد العنصر العقليّ في الاجتهاد حتّى أنّ المحقّق الخراسانيّ (رحمه اللّه) استقرب في كتابه (كفاية الأصول) أن يكون مقصود الأخباريّين واحدا من اثنين أحدهما كبروي و الآخر صغروي، أمّا الأمر الكبروي فهو منع الملازمة بين الحكم العقلي و الحكم الشرعي (بين ما يجب بالعقل و ما يجب بالشرع)، و أمّا الأمر الصغروي فهو التشكيك في إمكان الوصول إلى نتائج قطعيّة من المقدّمات العقليّة و أنّ نتائج المقدّمات العقليّة لا تزيد على أن تكون أحكاما ظنيّة.

و يعتقد المحقّق الخراسانيّ أنّ كلمات الأخباريّين و لا سيّما في كتاب (الفوائد المدنيّة) لا تفقد الدليل على وجود مثل هذا الاتّجاه السلبي تجاه العقل‏ (1).

و لو أنّ علماء الأخباريّين كانوا يستوعبون الموقف السائد في المدرسة

____________

(1) راجع كفاية الأصول ص 311.

34

الأصوليّة في التفريق بين الظنّ و الرّأي الّذي لا يغني عن الحقّ من جانب و بين حكم العقل القطعي من جانب آخر لما سلكوا هذا المسلك العسير من الرّأي.

فإنّ الحجّة عند الأصوليّين هو الدليل الّذي يثبت متعلّقه ثبوتا قطعيّا سواء كانت حجيّته ذاتيّة و هو القطع (العلم) أو كانت حجّيّته عرضيّة و هي الطرق و الأمارات التي تثبت حجّيّتها بدليل قطعي و حجّيّة القطع ذاتيّة لا يمكن أن تناله يد التشريع لا سلبا و لا إيجابا فإنّ القطع هو انكشاف المقطوع به للقاطع، و ما كان كذلك كانت الحجّيّة حاصلة له بالذات، و لا معنى لتحصيل ما هو حاصل بالذات، كما لا معنى لسلبها، و أمّا الأمارات و الطرق الظنّيّة فإنّ حجّيّتها تؤول أخيرا إلى ما يكون حجّة بالذات أخذا بالقاعدة العقليّة المعروفة القائلة (إنّ كلّ ما بالعرض لا بدّ أن ينتهي إلى ما بالذات).

و من لوازم الحجّيّة العقليّة: المنجزيّة و المعذريّة، فيحكم العقل بحسن عقاب العبد على تقدير مخالفة الحجّة إذا أصابت الحجّة الواقع، كما يحكم بقبح عقابه و إعذاره على تقدير موافقة الحجّة أصابت الحجّة الواقع أم لا. و هذه القضايا من بديهيّات علم الأصول.

و لا سبيل للنقاش في شي‏ء من ذلك و الأدلّة العقليّة قائمة على هذه البديهيّة.

و أمّا الرّأي الّذي يستند الظنّ و لا يستند حجّة ذاتيّة أو حجّة مجعولة من قبل الشارع قطعا فلا شأن له في الاستنباط.

و لو أنّ الأخباريّين كانوا يستوعبون هذه البديهيّة في الحجّيّة لما حدث هذا الصدع في الاجتهاد، و لما تجاوز الخلاف بينهم و بين الأصوليّين الخلاف الصغروي في قيام الحجّة و عدمها، لا التشكيك في أصل حجّيّة

35

الأحكام العقليّة و ملازمتها في الشرع في فرض وقوعها و حصولها.

و هذه هي النقطة الجوهريّة في الخلاف بين الأخباريّين و الأصوليّين.

المسائل الخلافيّة الأخرى بين المدرستين:

و أهمّ المسائل التي اختلفت فيها هاتان المدرستان بعد مسألة حجّيّة العقل و التلازم بين الحكم العقلي و الشرعي هي:

أوّلا: قطعيّة صدور كلّ ما ورد في الكتب الحديثيّة الأربعة من الروايات لاهتمام أصحابها بتدوين الروايات التي يمكن العمل و الإحتجاج بها و عليه فلا يحتاج الفقيه إلى البحث عن أسناد الروايات الواردة في الكتب الأربعة و يصحّ له التمسّك بما ورد فيها من الأحاديث و هذا هو رأي المدرسة الأخباريّة.

أمّا الأصوليّون فلهم رأي آخر في ما ورد في الكتب الأربعة و يقسّمون الحديث إلى الأقسام الأربعة المشهورة: الصحيح و الحسن و الموثّق و الضعيف و يأخذون بالأوّلين أو بالثلاثة الأول دون الأخير.

ثانيا: عدم جريان البراءة في الشبهات الحكميّة التحريميّة و هو رأي للأخباريّين، أمّا الأصوليّون فيذهبون إلى صحّة جريان البراءة في الشبهات الحكميّة الوجوبيّة و التحريميّة بالعقل و الأدلّة النقليّة.

ثالثا: نفي حجّيّة الإجماع و هو رأي معروف للأخباريّين أمّا الأصوليّين فيتمسّكون بالإجماع إذا كان من الإجماع المحصّل.

رابعا: نفي الإحتجاج بالكتاب العزيز. و قد توقّف الأخباريّون عن العمل بالقرآن ما لم يرد فيه إيضاح من الحديث و ذلك لطروّ مخصّصات و مقيّدات من السنّة لعموماته و مطلقاته، و لما ورد من الأحاديث الناهية عن‏

36

تفسير القرآن بالرأي.

و مهما يكن من أمر فقد توسّعت هذه الحركة العلميّة و شقّت طريقها إلى الأوساط العلميّة الشيعيّة و فرضت طريقتها على العقليّة الفقهيّة الشيعيّة بفضل الجهود التي بذلها مؤسّس هذه الطريقة الأمين الأسترآبادي (رحمه اللّه) فقد كان الأمين الأسترآبادي شخصيّة قويّة من الناحية العلميّة، و يبدو على مناقشاته و أبحاثه في كتابه (الفوائد المدنيّة) القدرة على البحث العلمي و الدقّة العلميّة.

و قد أشغلت هذه المعارضة العلميّة التي قادها الأمين الأسترآبادي فقهاء الشيعة فترة من الزمان، و أدخلتهم في صراع لم يكن لهم به عهد من قبل.

و قد يكون الّذي حدث خيرا لهذا العلم فإنّ هذا الصراع قد فتح لهذا العلم فرصا جيّدة للنمو و التكامل و التلاقح ... لم يتمّ لو لا ظروف هذا الصراع.

تطوّر علم الأصول بعد الأمين الأسترآبادي:

و ظهر في هذه الفترة نفر من كبار علماء الأصول جاءوا من بعد هذه المعركة الفكريّة التي أثارها الأمين الأسترآبادي ... حاولوا أن يثروا هذا العلم بتحقيقات جديدة و أن يحكّموا بناء هذا العلم و يقنّنوه و يحدثوا في مناهج البحث الأصولي تغييرات جوهريّة.

و هذه الحركة العلميّة التي قام بها هذا النفر من العلماء كان لها دور كبير في إعادة الحيويّة إلى البحث الأصولي و إن لم يكن لها دور حاسم في أضعاف الاتّجاه الأخباري و تطويقه، فقد بقيت المدرسة الأخباريّة رغم ظهور علماء كبار في أصول الفقه في هذه الفترة تتحرّك بقوّة في أوساط الفقه‏

37

و الاجتهاد. و لم يتمّ عزل هذه المدرسة إلاّ على يد الفقيه محمّد باقر البهبهاني المعروف على لسان تلاميذه بالوحيد البهبهاني، كما سوف نرى إن شاء اللّه تعالى في هذا البحث.

إلاّ أنّ من الحقّ أنّ العلماء الذين جاءوا في هذه الفترة و ألّفوا و حقّقوا في الأصول كان لهم دور كبير في إنضاج مدرسة الوحيد البهبهاني و الشيخ الأنصاري.

و التحقيقات التي تمّت في هذه الفترة من ظهور مدرسة الأمين إلى ظهور مدرسة الوحيد كان لها تأثير مباشر و قويّ في تنقيح و بلورة و تقنين الفكر الأصولي لدى كلّ من المدرستين اللّتين ظهرتا بعد المدرسة الأخباريّة و هما مدرسة «الوحيد البهبهاني» و مدرسة «الشيخ الأنصاري» و هاتان المدرستان تدينان لهما.

و أبرز العلماء الذين ظهورا في هذه الفترة هم:

الحسين بن رفيع الدين محمّد الحسيني (المتوفّى سنة 1064 ه) (1):

و يعرف ب (سلطان العلماء) لأنّ الشاه عبّاس الصفوي استوزره فترة من الزمان و زوّجه ابنته، كما استوزره الشاه صفي و الشاه عبّاس الثاني، كتب على كتاب (المعالم) تعليقة معروفة فيها كثير من التحقيقات النقديّة لنظريّات صاحب المعالم.

الفاضل التوني (المتوفّى سنة 1071 ه) (2):

ألّف مجموعة من الكتب في الفقه و الأصول، و لكن لم يبق لنا من هذه‏

____________

(1) أعيان الشيعة 6: 164.

(2) الكنى و الألقاب 2: 128.

38

المجموعة إلاّ (الوافية) الّذي هو من خير ما ألّف في هذا العلم على ما فيه من إيجاز و قد طبع الكتاب قبل زمن طويل في الهند و نفذ في حينه، و لم يعد لهذا الكتاب وجود و أثر في الأوساط العلميّة حتّى أقدم أخيرا مجمع الفكر الإسلامي بإعادة طبعه و إخراجه بصورة جيّدة، و قد تمّ تحقيق هذه الطبعة بجهود أخينا الجليل السيّد محمّد حسين الكشميري حفظه اللّه و جزاه اللّه خيرا.

و للشيخ الأنصاري في (فرائد الأصول) اهتمام بليغ بهذا الكتاب فهو يذكره و يشيد بآرائه و ينتقده باحترام خاصّ.

و قد سبق الفاضل التوني معاصريه في تنظيم أبواب الأصول و نقد المنهج الأصولي المعمول به لدى العلماء في عصره و من قبلهم. فهو يرى أنّ علم الأصول ينقسم إلى شطرين، مباحث الألفاظ و المباحث العقليّة و هو التقسيم المعمول به إلى حدّ ما حتّى اليوم. و يرى أنّ مباحث مقدّمة الواجب و الضدّ و المفاهيم يجب أن تندرج في المباحث العقليّة دون مباحث الألفاظ في الوقت الّذي كان العلماء المعاصرون له و من قبلهم يدرجون هذه المباحث في بحث الألفاظ.

و حتّى اليوم، فإنّ المنهج المعمول به و المتعارف في الكتب الأصوليّة و دروس الأصول هو درج هذه الأبحاث في مباحث الألفاظ، فالمحقّق الخراسانيّ مثلا وضع هذه المباحث في المجلّد الأوّل من كتابه (كفاية الأصول) و هو المجلّد الخاصّ بمباحث الألفاظ ... و في (الوافية) يضع الفاضل التوني هذه المباحث ضمن الأبحاث العقليّة تحت عنوان (التلازم بين الحكمين) و قد وجدنا من المتأخّرين المحقّق الشيخ محمّد الحسين الأصفهانيّ يلتزم بهذا النظم إلى حدّ مّا في كتابه القيّم الّذي وضعه في أصول الفقه و هو: (الأصول‏

39

على النهج الحديث).

و ممّا يلاحظ في (الوافية) تقسيم الأدلّة إلى أدلّة شرعيّة (و هي الكتاب و السنّة و الإجماع) و أدلّة عقليّة و يقسّمها إلى ما يستقلّ بحكمه العقل و ما لا يستقلّ.

و مهما يكن من أمر فإنّ هذا العالم الجليل قد فتح للعلماء في كتابه الصغير هذا من فرص التفكير و التجديد و الإبداع الشي‏ء الكثير.

و الّذي يقارن بين هذا الكتاب و كتاب (المعالم) للشيخ محمّد بن زين الدين (رحمه اللّه) و هو بحجمه يلمس الفارق الكبير في المستوى و العمق بين هذين الكتابين اللذين ألّفهما عالمان من أعلام هذا العلم يفصل بينهما نصف قرن من الزمان تقريبا و هو زمن قصير في عمر تاريخ العلم.

المحقّق السيّد حسين الخوانساري (المتوفّى سنة 1098 ه) (1):

خلّف لنا هذا العالم الجليل كتابه الكبير الواسع (مشارق الشموس في شرح الدروس) و قد كان الكتاب طبع من قبل طباعة على الحجر غير محقّقة و لا منظّمة و نفذت نسخ الكتاب، و أعادت أخيرا مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام) طبع هذا الكتاب على نفس النسخة المطبوعة السابقة بالأفست. و الكتاب حافل بالتحقيقات العلميّة، و نأمل أن يوفّق اللّه العلماء إلى تحقيق هذا الكتاب و إخراجه بالشكل المناسب الّذي يلائم قيمته العلميّة.

و للكتاب طابع عقلي واضح و يطغى هذا الطابع العقلي على منهجه و طريقته في البحث ...

و قد يصحّ أن نقول: إنّ هذا المحقّق الجليل هو من أوائل الّذين‏

____________

(1) رياض العلماء 2: 58.

40

أدخلوا الدقّة العقليّة في أبحاث هذا العلم و التي استمرّت فيما بعد، و كانت صفة متميّزة للدراسات الأصوليّة عند الشيعة الإماميّة.

و لا تزال كلمات هذا العالم المحقّق موضع عناية و اهتمام المحقّقين من علماء الأصول حتّى اليوم.

المحقّق الشيرواني (المتوفّى سنة 1099 ه) (1):

لديه تعليقة معروفة على المعالم، أكمل دراساته في النجف و طلب منه الملك سليمان الصفوي أن ينتقل إلى أصفهان فانتقل إليها و تخرّج على يده جمع من العلماء، منهم مؤلّف (الرياض).

و تحقيقات هذا العالم الجليل حول محور كتاب (المعالم) تدلّ على عمق و دقّة و استيعاب.

الصراع بين المدرسة الأصوليّة و الأخباريّة:

رغم ظهور علماء كبار في هذه الفترة في العراق و إيران (في النجف و كربلاء و أصفهان) من أمثال الفاضل التوني و المحقّق الخوانساري فإنّ الاتّجاه الأخباري بقي قويّا و نافذا و متحرّكا في الأوساط الفقهيّة الشيعيّة في (العراق) و (البحرين) و (إيران) و (جبل عامل) و هي الأوساط الفقهيّة الشيعيّة الأربعة المعروفة في ذلك الوقت.

و نحن نجد في هذه الفترة دعوة قويّة إلى هذا الاتّجاه من قبل علماء معروفين في هذه الحواضر الأربعة درسوا و ألّفوا و حقّقوا على الطريقة الأخباريّة و منحوا هذه الطريقة قوّة و عمقا. و كان من أبرزهم و أفقههم الفقيه‏

____________

(1) أعيان الشيعة 9: 142.

41

الجليل المحقّق صاحب (الحدائق الناضرة) (رحمه اللّه).

و قد استمرّ هذا الصراع قائما خلال هذه الفترة في حواضر الفقه الإمامي.

أثر العامل السياسي في الصراع بين المدرستين:

و لا نستبعد أن يكون للعامل السياسي دور في تعميق هذا الصراع و توسعته، فقد كان ملوك الصفويّة يوم ذاك يحكمون إيران و العراق. و هما بلدان معروفان بالولاء لأهل البيت (عليهم السلام)، و كانوا يتقرّبون إلى الفقهاء، و يقرّبونهم، و يضعونهم في مواضع حسّاسة من الدولة. و يدعمون حكمهم بتأييد و دعم الفقهاء، و قد استضافوا خلال هذه الفترة جمعا غفيرا من العلماء من جبل عامل و العراق و البحرين.

و لكنّ الّذي يتتبّع سير الأمور في العاصمة الصفويّة في ذلك الوقت يجد أنّ ملوك الصفويّة رغم حاجتهم إلى العلماء، و رغم اهتمامهم بهجرة الفقهاء إلى عاصمة ملكهم كانوا يراقبون اتّساع دائرة نفوذ العلماء في أجهزة الحكم و فيما بين الناس بقلق ... و قد كان ذلك يؤدّي بهم أحيانا إلى طلب الهجرة العكسيّة من بعض الفقهاء من أصفهان إلى العراق، كما حدث ذلك للمحقّق الكركي (رحمه اللّه). فقد كانوا يجدون في اتّساع دائرة نفوذ العلماء ما يزاحم نفوذهم و سلطانهم و شعبيّتهم. و لنا أدلّة و شواهد عديدة على ذلك لسنا الآن بصدد استعراضها و دراستها.

و على ذلك فلا نستبعد أن يكون لملوك الصفويّة دور في اتّساع رقعة الخلاف و تعميقها بين المدرستين الشيعيّتين في الاجتهاد (الأخباريّة و الأصوليّة).

42

و مهما يكن من أمر فقد اتّسعت دائرة هذا الصراع، و اكتسب عمقا أكثر ممّا يستحقّ، و كاد أن يكون له دور سلبي في نموّ و تكامل هذا العلم الشريف الّذي لا بدّ منه في الاجتهاد.

و شاء اللّه أن يحتدم هذا الصراع الفكري في كربلاء بين اثنين من أبرز فقهاء هاتين المدرستين، و أكثرهما عمقا و إنصافا و دينا و ورعا و هما صاحب الحدائق (رحمه اللّه) و الوحيد البهبهاني (رحمه اللّه).

و لنقرأ قصّة هذا الصراع في كربلاء.

الصراع بين المدرستين في كربلاء:

انتقل الشيخ يوسف صاحب الحدائق (رحمه اللّه) إلى كربلاء، و ازدهرت به هذه الحاضرة العلميّة و انتعشت المدرسة الأخباريّة، و كانت هي الاتّجاه السائد للاجتهاد في هذه المدينة المقدّسة يوم ذاك، و كانت الدروس و التحقيقات العلميّة تجري على هذا المنوال.

الصراع الفكري بين الوحيد و صاحب الحدائق في كربلاء:

كان الوحيد البهبهاني (المتوفّى سنة 1206 ه) (1) يوم ذاك في مدينة بهبهان، تعز له هذه المدينة المنزوية عن المشاركة الفعّالة في الصراع الدائر بين هاتين المدرستين، و كان يشعر بفداحة الخسارة لو أنّ الفكر الأصولي انزوى عن الساحة، و فقد دوره في إدارة الاجتهاد و الاستنباط ... فهاجر إلى كربلاء، و انتقل إلى هذا الجوّ العلمي الحافل بالصراع و الأخذ و الردّ، و حضر

____________

(1) أعيان الشيعة 9: 182، نقلا عن أمل الآمل.

43

درس الشيخ يوسف صاحب الحدائق بعض الأيّام. و يومئذ لا يعرفه أحد ممّن حضر درس الشيخ، و لا يعرف ما قدّر اللّه له من دور كبير في هذا الصراع. فقام في بعض الدروس- بعد أن انفضّ الدرس- على قدميه و نادى بجماهير الطلبة الذين كانوا يحضرون دروس الشيخ يوم ذاك بصوت عال:

(أنا حجّة اللّه عليكم) و شرح لهم الأخطار التي تحيق بالاجتهاد بعزل علم الأصول عن الحوزات العلميّة ...

و تحوّلت مدرسة (كربلاء) يومئذ- بعد قدوم هذين العلمين- إلى ساحة لصراع فكري عنيف من أعنف ما يكون الصراع و في نفس الوقت من أنزه ما يكون الصراع بين هاتين المدرستين، و بشكل خاص بين هذين الشيخين الجليلين صاحب الحدائق و الوحيد البهبهاني رحمهما اللّه.

حدّث الشيخ عبّاس القمّي في (الفوائد الرضويّة) عن صاحب (التكملة) عن الحاج كريم «فرّاش الحرم الحسيني الشريف» أنّه كان يقوم بخدمة الحرم في شبابه، و ذات ليلة التقى بالشيخ يوسف البحراني و الوحيد البهبهاني داخل الحرم الحسيني الشريف و هما واقفان يتحاوران، و طال حوارهما حتّى حان وقت إغلاق أبواب الحرم فانتقلا إلى الرواق المحيط بالحرم و استمرّا في حوارهما و هما واقفان، فلمّا أراد السدنة إغلاق أبواب الرواق انتقلا إلى الصحن و هما يتحاوران، فلمّا حان وقت إغلاق أبواب الصحن انتقلا خارج الصحن من الباب الّذي ينفتح على القبلة، و استمرّا في حوارهما و هما واقفان فتركهما و ذهب إلى بيته و نام، فلمّا حلّ الفجر و رجع إلى الحرم صباح اليوم الثاني سمع صوت حوار الشيخين من بعيد، فلمّا اقترب منهما وجدهما على نفس الهيئة التي تركهما عليها في الليلة الماضية مستمرّان في الحوار و النقاش، فلمّا أذّن المؤذّن لصلاة الصبح رجع الشيخ يوسف إلى‏

44

الحرم ليقيم الصلاة جماعة و رجع الوحيد البهبهاني إلى الصحن و افترش عباءته على طرف مدخل باب القبلة، و أذّن و أقام و صلّى صلاة الصبح.

و في أمثال هذه المحاورات كان الوحيد يتمكّن من خصومه الفكريّين و يدحض شبهاتهم و يكرّس الاتّجاه الأصولي و يعمّقه.

و لا بدّ أن نقول مرّة أخرى اعترافا بالفضل للشيخ يوسف مؤلّف (الحدائق): إنّ تقوى الشيخ و خلوصه و صدقه و ابتغاءه للحقّ كان من أهمّ عوامل هذا الانقلاب الفكري الّذي جرى على يد الوحيد في كربلاء، و لو كان الشيخ يوسف يبتغي الجدل العلمي في حواره مع الوحيد البهبهاني لطالب محنة هذه المدرسة الفقهيّة، و اتّسعت مساحة الخلاف فيها، و تعمّق فيها الخلاف، و لكن الشيخ يوسف كان يؤثر رضا اللّه و الحقّ على أيّ شي‏ء آخر، و مكّن الوحيد البهبهاني في حركته الإصلاحيّة العلميّة.

و من غرائب ما يروى عن هذا العبد الصالح، أنّ الوحيد كان يحظر على تلاميذه حضور دروس الشيخ يوسف، و لكنّ الشيخ في المقابل كان يسمح لتلاميذه بحضور دروس الوحيد، و كان يقول كلّ يعمل بموجب تكليفه، و يعذر الوحيد في ذلك، و هو نموذج رائع من نماذج سعة الصدر و التقوي في فقهائنا الأعلام.

و نشط الوحيد البهبهاني يومئذ في التدريس و حفل درسه بفضلاء الطلبة و علماء كربلاء، و برز في مجلس درسه عدد كبير من العلماء و المحقّقين و المجتهدين ممّن تخرّجوا عليه.

و لو تحرّينا نحن فروع شجرة فقهاء أهل البيت في القرن الثاني عشر و الثالث عشر و الرابع عشر وجدنا أنّهم جميعا يرجعون بصورة مباشرة أو غير مباشرة إلى الوحيد البهبهاني و لذلك يطلق عليه (أستاذ الكلّ)

45

أو (الأستاذ الأكبر) و هو لقب يختصّ به هذا المحقّق الجليل.

تآليف الوحيد:

خلف الوحيد البهبهاني من بعده كتبا قيّمة من آثاره و أفكاره، يقول تلميذه الشيخ أبو علي في (منتهى المقال): إنّ تآليف الأستاذ يقرب من ستّين كتابا، و قد خصّص الوحيد البهبهاني جملة من كتبه في ردّ الشبهات عن المدرسة الأصوليّة، و دحض شبهات الأخباريّين، و نظريّاتهم من قبيل رسالة (الاجتهاد و الأخبار) و رسالة (حجّيّة الإجماع) و رسالة (الفوائد الحائريّة) القديمة و رسالة (الفوائد الجديدة) و غير ذلك من التآليف.

و كتب الوحيد متينة و مشحونة بالأفكار الفقهيّة و الأصوليّة، و تعتبر جملة من أفكاره التي دوّنها و التي درّسها لتلاميذه أسسا لعلم الأصول الحديث.

تلاميذ الوحيد البهبهاني و خلفاؤه:

و بعد الوحيد البهبهاني تولّى تلاميذه التدريس و التحقيق في هذا العلم و مارسوا نشاطا واسعا في التحقيق و الإبداع فيه و أثروا الأصول بكثير من الأفكار الجديدة و التحقيقات النقديّة نذكر منهم:

1- المحقّق الميرزا أبو القاسم بن محمّد حسن القمّي (1151 1231 ه) (1) صاحب (القوانين) و هو من أفضل ما كتب في الأصول، في مباحث الألفاظ و المباحث العقليّة.

____________

(1) الكرام البررة 1: 52.

46

و قد توسّع المحقّق القمّي في بحث حجّيّة الدليل العقلي و في بحث الملازمة بين الحكم العقلي و الحكم الشرعي بما لا نجد له نظيرا في أبحاث المتقدّمين عليه و ما يقلّ نظيره في أبحاث المتأخّرين.

2- و من هؤلاء الشيخ أسد اللّه بن إسماعيل الكاظمي (1186- 1234 ه) (1) مؤلّف كتاب (كشف القناع عن حجّيّة الإجماع) و هو كتاب قيّم في البحث عن حجّيّة الإجماع.

3- و الشيخ محمّد تقي بن محمّد رحيم الأصفهانيّ (1248 ه) (2) صاحب الحاشية المعروفة على معالم الأصول باسم (هداية المسترشدين) و هذا الكتاب هو واحد من أبرز و أفضل ما كتب في مباحث الألفاظ في أصول الفقه، و قد ذكرنا سابقا أنّ الشيخ الأنصاري (رحمه اللّه) كان يقول: إنّه اكتفي بما كتبه الشيخ محمّد تقي الأصفهانيّ على المعالم عن الكتابة في مباحث الألفاظ و اقتصر فقط في كتابه الفرائد على مباحث القطع و الظنّ و الشكّ.

و لا تزال الآراء التي طرحها الشيخ محمّد تقي في هذا الكتاب تعدّ مادّة للتحقيق و النقد عند المتأخّرين و خاصّة الشيخ الأنصاري (رحمه اللّه).

4- و منهم الشيخ محمّد حسين الأصفهانيّ (1250 ه) (3) صاحب كتاب (الفصول) و هو من الكتب القيّمة في علم الأصول، و كان هذا الكتاب و كتاب (القوانين) من الكتب الدراسيّة في علم الأصول إلى وقت قريب.

5- و محمّد شريف بن حسن علي الآملي المعروف ب (شريف العلماء

____________

(1) الكرام البررة 1: 122.

(2) الكرام البررة 1: 215.

(3) الذريعة 16: 241.

47

توفّي في 1245 ه) (1) و هو من أساتذة الشيخ الأنصاري و تخرّج عليه جمع من كبار العلماء في الأصول، و الشيخ الأنصاري يذكر آراء أستاذه الشريف باحترام و إكبار.

6- و الشيخ ملاّ أحمد النراقي (المتوفّى في 1245 ه) (2) من أساتذة الشيخ الأنصاري، له كتاب (مستند الشيعة) في الفقه و كتاب (عوائد الأيّام) في جملة من القواعد الفقهيّة و الأصوليّة.

7- و السيّد محسن الأعرجي الكاظمي (المتوفّى سنة 1227 ه) (3) تتلمذ على الوحيد البهبهاني و ألّف في الأصول (المحصول في علم الأصول) و (الوافي في شرح الوافية).

و هؤلاء هم من أبرز رجال هذه المرحلة من تاريخ علم الأصول، و قد ساهموا بدور فعّال في إيضاح الفكر الأصولي و تعميقه و نقده و تنميته ...

و لا شكّ أنّ الجهد الّذي بذله هؤلاء الأعلام كان له تأثير فعليّ في ظهور مدرسة الشيخ الأنصاري بعد مدرسة الوحيد البهبهاني.

و الّذي يقرأ كتاب (الفوائد الحائريّة) للوحيد و (فرائد الأصول) للشيخ الأنصاري يلمس بوضوح أثر الجهد الّذي بذله هؤلاء الأعلام قبل و بعد الوحيد في تكوين هذه المدرسة و تلك و بلورة الأفكار و التحقيقات الفكريّة التي جاء بها الوحيد و الشيخ الأنصاري رحمهما اللّه.

____________

(1) أعيان الشيعة 7: 338.

(2) الكرام البررة 1: 116.

(3) أعيان الشيعة 9: 46.

48

دراسة أهمّ النظريّات الأصوليّة للوحيد البهبهاني:

و فيما يلي سوف نحاول إن شاء اللّه إبراز أهمّ النظريّات الأصوليّة التي ابتكرها هذا الفقيه المجدّد في علم الأصول في كتابه القيّم (الفوائد الحائريّة) لنعرف القيمة العلميّة الرائدة لهذا الأثر العلمي الجليل.

فإنّ هذا الكتاب الجليل يعتبر في الحقيقة فتحا من أهمّ الفتوحات العلميّة المعاصرة في هذا العلم الشريف.

و تقويم هذا الكتاب و دراسته و معرفة موقعه من علم الأصول الحديث يحتاج إلى استقراء سريع للنظريّات التي أبدعها هذا الفقيه الجليل و ربطها بالتطوّرات التي ألحقها الفقهاء من بعده بهذه النظريّات للتمكّن من معرفة الدور الرائد لنظريّات الوحيد (رحمه اللّه) في علم الأصول.

و إليك عرضا و شرحا موجزا لأهمّ هذه النظريّات:

1- التفريق بين الأمارات و الأصول:

يبدو أنّ الجذور الأولى لفكرة التفريق بين الأمارات و الأصول تعود إلى الوحيد البهبهاني (رحمه اللّه) و من قبل الوحيد لم يكن الفقهاء يفرّقون بين هذين النوعين من الحجج و الأدلّة. كما إنّ فقهاء المذاهب الأربعة لا يميّزون لحدّ اليوم بين الأمارات و الأصول و يدرجون الأمارات و الأصول كلّها في سياق البحث عن الأدلّة و الحجج.

و لأوّل مرّة نلتقي بدايات هذا التمييز عند الوحيد البهبهاني.

فقد ذكر الشيخ الأنصاري (رحمه اللّه) في بداية المقصد الثالث (من فرائد الأصول) أنّ التمييز بين الأمارات و الأصول و تسمية الأمارات بالأدلّة الاجتهاديّة و الأصول بالأدلّة الفقاهتيّة كان من الوحيد البهبهاني.

49

و قد استعرضت كتابي الفوائد الحائريّة للوحيد (رحمه اللّه) القديم و الحديث فلم أظفر بهذا المصطلح الّذي نقله الشيخ عن الوحيد و يمكن أن يكون ذلك في غير هذين الكتابين من مصنّفات الوحيد.

و لعلّ المناسبة التي اقتضت تسمية الأمارات و الطرق نحو خبر الواحد و الإجماع و الشهرة بالأدلّة الاجتهاديّة، و الأصول من البراءة و الاشتغال و التخيير و الاستصحاب بالأدلّة الفقاهتيّة، هو ما ورد في تعريف الاجتهاد بأنّه تحصيل الظنّ بالحكم الشرعي و ما ورد في تعريف الفقه بأنّه العلم بالحكم الشرعي.

و مهما يكن من أمر فإنّ فكرة الأصول و التفريق بينها و بين الأمارات اختمرت كما يظهر لأوّل مرّة لدى الوحيد البهبهاني حيث وجد أنّ الأدلّة الشرعيّة الموصلة إلى الحكم الشرعي (الأعمّ من الواقعي و الظاهري) على نحوين و ليست على نحو واحد.

فهناك طائفة من الأدلّة يوظّفها المجتهد للوصول إلى الأحكام الإلهيّة الواقعيّة و الكشف عنها، كالسنّة و الإجماع و الشهرة مثلا.

و هذه الأدلّة هي مجموعة الطرق و الأمارات التي يستخدمها المجتهد أو مطلق المكلّف للوصول إلى الأحكام الشرعيّة الواقعيّة غير أنّها قد تصيب و قد لا تصيب الأحكام الواقعيّة، و تكون حالة الإصابة فيها ظنّيّة، و هي الأدلّة التي اصطلح الوحيد البهبهاني (رحمه اللّه) على تسميتها ب (الأدلّة الاجتهاديّة) و طائفة أخرى من الأدلّة تقع في امتداد هذه الأدلّة في طولها و ليس في عرضها يوظّفها المكلّف للوصول إلى الوظائف الشرعيّة المقرّرة للجاهل في ظرف الجهل بالحكم الشرعي، كالبراءة بالنسبة إلى المكلّف في ظرف الشكّ في التكليف و الاحتياط المقرّر في ظرف الشكّ في المكلّف به،

50

فإنّ كلاّ من البراءة و الاحتياط وظائف للمكلّف في ظرف الشكّ في التكليف بالنسبة إلى البراءة و في المكلّف به بالنسبة إلى الاحتياط فلا ينهض دليل البراءة و الاحتياط بأكثر من تحديد الوظيفة المقرّرة للجاهل عند الشّك في التكليف و المكلّف به، و لا يدّعي المكلّف خلو الواقعة من التكليف في مورد الشكّ في التكليف و لا يدّعي ثبوت الحكم الشرعي في مورد الشكّ في المكلّف به و إنّما هما وظيفة عمليّة مقرّرة للمكلّف تخرجه عن الحيرة في ظرف الجهل و الشكّ بالحكم الشرعي.

و هذه الطائفة من الأدلّة هي التي اصطلح الوحيد البهبهاني (رحمه اللّه) على تسميتها ب (الأدلّة الفقاهتيّة).

و واضح أنّ علاقة هاتين الطائفتين من الأدلّة بعضها ببعض علاقة طوليّة، تقع بموجبها الطائفة الثانية في طول الطائفة الأولى و يحقّ للمكلّف الفقيه استخدامها عند ما يعجز عن استخدام الطائفة الأولى من الأدلّة، و لا مجال لها عند إمكان استخدام الطائفة الأولى من الأدلّة.

فتتقدّم إذن الطائفة الأولى من الأدلّة على الطائفة الثانية غير أنّي لم أجد في كلمات الوحيد (رحمه اللّه) في الفوائد القديمة و الجديدة توضيحا دقيقا لتقديم الأدلّة الاجتهاديّة على الأدلّة الفقاهتيّة.

و قد يكون الشيخ الأنصاري (رحمه اللّه) هو أوّل من مكّنه اللّه تعالى من التفريق بين موارد استعمال الأدلّة الاجتهاديّة و الفقاهيّة و تقنين العلاقة بينهما بتقديم الأدلّة الاجتهاديّة على الأدلّة الفقاهتيّة، و تقديم الأدلّة الفقاهيّة بعضها على بعض، و تنظيم علم الأصول بموجب ذلك على أساس جديد و منهجيّة جديدة ثبتت إلى اليوم الحاضر.

51

التنظير و التقسيم للشكّ:

يغطّي مباحث الشكّ في علم الأصول الحديث مساحة واسعة من هذا العلم، إن لم يغطّ معظم مسائل و مباحث هذا العلم، و ذلك لأنّ الأصول العمليّة جميعا تندرج في مباحث الشكّ، و مباحث الأصول العمليّة من أوسع و أهمّ مباحث هذا العلم.

و لم يكن للشكّ في دراسات القدماء، للأصول عنوان خاصّ و باب معيّن، فضلا من أن يغطّي هذا العنوان مساحة واسعة كالمساحة التي يستوعبها هذا العنوان من علم الأصول في كتاب (فرائد الأصول) للشيخ الأنصاري و ما صدر بعد هذا الكتاب من الدراسات الأصوليّة.

و الشيخ الأنصاري (رحمه اللّه) هو رائد أوّل تنظيم منهجيّ لمباحث الشكّ في علم الأصول من دون شكّ، كما هو رائد التنظيم المنهجي الحديث للمباحث العقليّة عموما، و التي تشمل مباحث القطع و الظنّ و الشكّ، و لكنّ الوحيد البهبهاني هو مؤسّس التنظير الحديث للشك، و تقسيم الشكّ إلى الشكّ في التكليف و الشكّ في المكلّف به، و هذا الفتح في هذا العلم ممّا يسّره اللّه تعالى لهذا العبد الصالح الّذي آثره اللّه بفتوحات جمّة في هذا العلم و ليس من شكّ أنّ علم الأصول الحديث مدين في هذا التنظير و التقسيم للشكّ للوحيد البهبهاني (رحمه اللّه).

و ما استنبطه الوحيد (رحمه اللّه) من الوظيفة لكلّ من حالتي الشكّ في التكليف و الشكّ في المكلّف به، بحكم العقل، ممّا لا نجد له ذكرا واضحا بصورة منهجيّة و منظّمة في آثار المحقّقين من علماء الأصول ممّن سبقوا الوحيد (رحمه اللّه) و نحن فيما يلي نستعرض كلمات الوحيد (رحمه اللّه) تعالى في أقسام الشكّ.

52

يقسّم الوحيد البهبهاني (رحمه اللّه) الشكّ إلى قسمين:

1- الشكّ في التكليف.

2- الشكّ في المكلّف به.

و الوظيفة العمليّة العقليّة التي استنبطها الوحيد (رحمه اللّه) لكلّ من هذين القسمين هي:

1- البراءة العقليّة في موضع الشكّ في التكليف بموجب قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) العقليّة.

2- الاشتغال و الاحتياط في موضع الشكّ في المكلّف به بموجب القاعدة العقليّة (الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينيّة) و فيما يلي سوف نتحدّث عن آراء الوحيد (رحمه اللّه) في هذه النقاط، و نتوسّع في ذكر هذه النقاط و الإشارة إلى الآراء المتأخّرة عن الوحيد البهبهاني (رحمه اللّه) بقدر ما نستطيع أن نوصل الحاضر بالماضي، و نتعرّف على الدور الرائد لهذا العالم المحقّق في علم الأصول الحديث.

أقسام الشكّ:

انتبه الوحيد البهبهاني (رحمه اللّه) إلى أنّ شكّ المكلّف من حيث المتعلّق على نوعين و ليس نوعا واحدا، أحدهما يتعلّق بالتكليف و الآخر يتعلّق بالمكلّف به و الاشتباه بينهما يؤدّي إلى أخطاء منهجية كبيرة.

و للعقل في كلّ منهما حكم يختلف عن حكمه في الآخر و هو البراءة العقليّة في مورد الشكّ في التكليف، و اشتغال الذمّة و الاحتياط في مورد الشكّ في المكلّف به.

و قد يكون السبب في تمسّك الأخباريّين بالاحتياط في مورد الشبهة

53

الحكميّة التحريميّة هو عدم التمييز الدّقيق بين موارد الشكّ في التكليف و الشكّ في المكلّف به.

و قد استنبط الوحيد لحكم العقل في مورد الشكّ في التكليف قاعدة (قبح العقاب بلا بيان) و استند إلى هذه القاعدة في كلّ مورد من موارد الشكّ في التكليف، كما استنبط لحكم العقل في مورد الشكّ في المكلّف به قاعدة (الاشتغال اليقيني يقتضي الفراغ اليقيني).

و قد نهج من جاء بعد الوحيد (رحمه اللّه) هذا النهج في الأصول العمليّة، و وضعوا هذا التمييز بين الشكّ في التكليف و الشكّ في المكلّف به أساسا للتمييز بين موارد البراءة العقليّة و الاحتياط العقلي، كما تمسّكوا بهاتين القاعدتين، عدا الفقيه الشهيد الصدر (رحمه اللّه) الّذي خالف المشهور من الأصوليّين في التشكيك في القيمة العقلية لقاعدة قبح العقاب بلا بيان.

و لكن إذا كان الوحيد (رحمه اللّه) قد وضع مفتاح هذه المسألة الأصوليّة بيد علماء الأصول، فإنّ من الحقّ أن نقول: أنّ الشيخ الأنصاري (رحمه اللّه) كان أوّل من وضع هذين الأصلين، على أسس علميّة متينة و قنّنهما و قعدهما على قواعد علميّة محكمة، و بحثهما بحثا علميّا مستوفيا ضمن منهجيّة علميّة متينة لا تزال قائمة حتّى اليوم.

و نحن فيما يلي نتحدّث إن شاء اللّه حول كلمات الوحيد البهبهاني في التمييز بين موارد الشكّ في التكليف و الشكّ في المكلّف به. و جريان البراءة في الأوّل و الاحتياط في الثاني و التمسّك بقاعدة قبح العقاب بلا بيان في المورد الأوّل و بقاعدة الاشتغال اليقيني يقتضي الفراغ اليقيني في المورد الثاني.

54

الشكّ في التكليف و المكلّف به:

يقول الوحيد (رحمه اللّه) في الفوائد القديمة في التفريق بين الشكّ في أصل التكليف و الشّكّ في المكلّف به (أي الشّكّ في الخروج عن عهدة التكليف الثابت بالقطع):

«فرق بين مقام ثبوت التكليف و مقام الخروج عن عهدة التكليف الثابت، إذ بمجرّد الاحتمال لا يثبت التكليف على المجتهد و المقلّد له، لما عرفت من أنّ الأصل براءة الذمّة حتّى يثبت التكليف، و يتمّ الحجّة، و أنّه ما لم يتمّ الحجّة لم يكن مؤاخذة أصلا و قبح في الارتكاب أو الترك مطلقا.

و أمّا مقام الخروج من عهدة التكليف فقد عرفت أيضا أنّ الذمّة إذا صارت مشغولة، فلا بدّ من اليقين في تحصيل براءتها للإجماع و الأخبار، و تثبت أيضا من العقل و النقل و الآيات القرآنيّة و الأخبار المتواترة و الإجماع من جميع المسلمين وجوب الإطاعة للشارع، و معلوم أنّ معناها هو الإتيان لما أمر به، فلا يكفي احتمال الإتيان و لا الظنّ به، لأنّ الظنّ بالإتيان غير نفس الإتيان.

و ممّا ذكرنا يعلم أنّه إن استيقن أحد بأنّ عليه فريضة فائتة فلا يعلمها بخصوصها أنّها الظهر أو الصبح، أو يعلم أنّ عليه فريضة فائتة و لم يعلم أنّها فائتة أو حاضرة، يجب عليه أن يأتي جميعا حتّى يتحقّق الامتثال» (1).

و فيما يلي إيضاح و شرح لهذا الإجمال:

____________

(1) الفوائد الحائريّة القديمة: 319 322.

55

التمييز بين الشّكّ في التكليف و الشّكّ في المكلّف به:

التمييز بين الشّكّ في التكليف و الشّكّ في المكلّف به يسير في مقام المفهوم و عسير و صعب في موضع تشخيص و فرز مصاديق و مفردات الشّكّ في التكليف عن الشّكّ في المكلّف به.

أمّا من حيث التمييز في المفهوم فإنّ الشّكّ قد يكون في أصل التكليف كما لو شككنا في التكليف بزكاة مال التجارة مثلا. و قد يكون الشّكّ في المكلّف به و هو أمر آخر يختلف عن الشّكّ في التكليف اختلافا واضحا و يكون فيه التكليف واضحا عند المكلّف إلاّ أنّه يشكّ في الخروج عن عهدة التكليف بامتثال ما يشكّ في كونه مصداقا للمكلّف به بهذا التكليف، كما إذا شككنا في أنّ الصلاة المكلّف بها ظهر يوم الجمعة هو الجمعة أم الظهر؟

أو الصلاة المكلّف بها على نقطة رأس أربع فراسخ هي القصر أم التمام؟

فليس يشكّ المكلّف أنّ عليه تكليفا من اللّه تعالى بالصلاة ظهر يوم الجمعة و لا يشكّ أنّ عليه تكليفا بالصلاة على رأس أربع فراسخ، و لكنّه يشكّ في أنّ الّذي كلّفه اللّه تعالى (المكلّف به) هو صلاة الجمعة أو الظهر في المورد الأوّل و القصر أو التمام في المورد الثاني.

و خلاصة الكلام في هذا التمييز أنّ الشّكّ في المكلّف به لا يكون إلاّ بعد العلم بالتكليف بينهما يشكّ المكلّف في أصل التكليف في حالة الشّكّ في التكليف، و هو أمر واضح.

إلاّ أنّ هذا التوضيح وحده لا يكفي في التمييز بين موارد الشّكّ في التكليف و الشّكّ في المكلّف به في المصاديق التي يشتبه أمرها بين هذين الشكّين و لا بدّ أن يستخدم الفقيه المقاييس بدقّة ليتمكّن من فرز موارد البراءة عن موارد الاحتياط.

56

أقسام الشّكّ الأربعة:

و لكي نلقي بعض الضوء على هذه الموارد نقول:

إنّ للشكّ أربع حالات:

1- الشّكّ في أصل التكليف و هو الإلزام و الحكم بالإيجاب أو التحريم.

2- الشّكّ في متعلّق التكليف، كالصلاة و الزكاة و شرب الخمر الّذي يتعلّق به حكم إلزامي بالإيجاب أو التحريم.

3- الشّكّ في متعلّق المتعلّق (الموضوع) كالخمر في الحكم بتحريم شرب الخمر و النقدين و الغلاّت و الأنعام في وجوب الزكاة فيها.

4- الشّكّ في شروط التكليف العامّة، كالبلوغ و العقل، و الخاصّة، كالاستطاعة الماليّة في الحجّ.

تشخيص مواضع الشّكّ في التكليف:

و ضابط الشّكّ في التكليف:

1- هو ما كان الشّكّ في أصل التكليف الإلزاميّ و هو الأمر الأوّل كما لو شككنا في وجوب زكاة مال التجارة أو حرمة شرب التبغ.

2- و ما كان الشّكّ في الموضوع (متعلّق المتعلّق) و هو الأمر الثالث، فإنّ الموضوع يدخل لا محالة في فعليّة التكليف سلبا أو إيجابا، فلا يكون الحكم بحرمة شرب الخمر فعليّا في حقّ المكلّف إلاّ بتشخيص الخمر و ما لم يشخص الخمر و يعلم بأنّ المائع الّذي بين يديه من الخمر المسكر لا ينجز عليه الحكم بحرمة شربه و لا يكون الحكم في حقّه فعليّا.

و كذلك حكم الزكاة لا يكون فعليّا ما لم يحرز المكلّف ملكيّته للنقدين‏