الفوائد الرضوية على الفرائد المرتضوية - ج1

- الشيخ آقا رضا الهمداني المزيد...
30 /
1

-

2

الحواشي المتعلّقة بحجيّة القطع و ما يتفرّع عليها

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد للّه ربّ العالمين و الصّلاة و السّلام على خير خلقه محمّد و آله الطاهرين و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدّين بعد فيقول العبد الفقير إلى رحمة ربّه محمّد رضا ابن الشّيخ الفقيه الآقا محمّد هادي الهمداني تغمده اللّه برحمته و رضوانه هذه نبذة ممّا سنح لي حين تسريح النّظر في رياض رسائل شيخ مشايخنا المرتضى (قدّس اللّه نفسه و طيب رمسه) في كشف معضلاتها و حل مشكلاتها أسأل اللّه تعالى أن ينفع بها المحصّلين من إخواننا المؤمنين إنّه خير موفّق و معين‏

(قوله) اعلم أن المكلّف إلخ‏

(1) (أقول) قد يقال غير الملتفت غير مكلّف فالاشتراط مستدرك و فيه أنّ الالتفات كالعلم شرط في تنجز التكليف أي إلزام العقل بالخروج عن العهدة و حسن المؤاخذة على مخالفته لا في صيرورة المكلّف مكلّفا أي مأمورا بالفعل أو الترك و إن شئت قلت إن الغفلة عذر عقلي في ترك امتثال التّكليف لا في توجّهه إلى المكلّف و سيأتي لذلك مزيد توضيح عند البحث عن صحّة عقاب الجاهل المقصّر هذا مع أنا لو قلنا بأنّ المكلّف اسم لمن تنجّز في حقه التكليف لا مطلق من توجّه إليه الطلب لصحّ أيضا إطلاق اسم المكلّف عليه بواسطة علمه الإجمالي بثبوت تكاليف في الشريعة الموجب لتنجزها عليه و إن لم يلتفت إلى آحادها مفصّلة

(قوله) لأن الشك إلخ‏

(2) (أقول) حاصل ما أفاده (قدّس سره) في المتن أنّ الشك الملحوظ فيه الحالة السّابقة مجرى الاستصحاب سواء كان شكّا في التّكليف أو في المكلّف به و ما لم يلاحظ فيه الحالة السّابقة سواء لم يكن له حالة سابقة أو كانت و لم تلاحظ إمّا على سبيل الفرض أو لعدم المقتضي للملاحظة كما لو كان الشك في المقتضي بناء على المختار من عدم حجّية الاستصحاب فيه أو لوجود المانع كما لو علم إجمالا بارتفاع حكم معلوم في السّابق و كان المشكوك من أطراف ما علم بالإجمال فإنّ العلم الإجمالي مانع من إجراء حكم الشك في أطرافه بملاحظة حالتها السّابقة كما يأتي تحقيقه في محلّه إن شاء الله تعالى فإن لم يمكن فيه الاحتياط فهو مجرى التخيير مطلقا و إن أمكن فيه الاحتياط فإن كان الشك فيه في أصل التكليف فهو مجرى البراءة و إن كان في المكلّف به فهو مجرى الاحتياط و يرد عليه أنّ مقتضى ما ذكره أنّه لو دار الأمر بين الحرمة أو الوجوب و الإباحة أن يكون مجرى التخيير مع أنه مورد البراءة و كذا لو دار الأمر بين الحرمة و الوجوب لا لتعارض التّعيين فإنّه (قدّس سره) لم يستبعد في الفرض القول بالبراءة ما لم يستلزم مخالفة عملية خصوصا إذا كانت الشّبهة موضوعية كما ستعرف مع أن مقتضى ما ذكره أن يكون مورد التخيير و دعوى رجوع التخيير إلى البراءة في مقام العمل هدم للأساس و لعلّه لأجل ما ذكر غير العبارة و أتى في الحاشية و بعبارة أخرى أحسن لكن عدها عبارة أخرى عمّا في المتن لا يخلو عن مسامحة فإن مؤداهما متغايران اللّهم إلا أن يلاحظ في ذلك اتّحاد المطلب الذي تعلق الغرض ببيانه بالعبارتين في الواقع و هو تشخيص مجاري الأصول على مختاره فعبّر عنه أوّلا بعبارة قابلة للنقض بما عرفت فلما رأى ذلك غيّر عنه ثانيا بعبارة سالمة عن الانتقاض و كيف كان فلا يتوجّه على ما في الحاشية للنقض بشي‏ء من المثالين أمّا الأوّل فواضح لأنّه شكّ في التكليف و المرجع فيه البراءة مطلقا على ما في الحاشية و الثاني أيضا كذلك بناء على أن يكون المراد من العلم بالتكليف العلم بنوعه لا جنسه كما صرّح بذلك في أوائل أصل البراءة و لكنك ستعرف في أواخر المبحث ضعف هذا البناء و أنّ العلم الإجمالي بجنس التّكليف كالعلم بنوعه موجب لتنجزه و وجوب الخروج عن عهدته بالاحتياط مع الإمكان كما لو دار الأمر بين وجوب شي‏ء و حرمة شي‏ء آخر أو وجوب شي‏ء في وقت و حرمته في وقت آخر و غير ذلك من الأمثلة الّتي ستسمع بعضها في أحكام الخنثى فالأولى حمل العلم بالتكليف على ما يعمّ العلم بجنسه كي لا يتوجّه عليه النقض بشي‏ء من الموارد عدا ما سيذكره من الرّجوع إلى البراءة في دوران الأمر بين المحذورين ما لم يستلزم مخالفة عمليّة و ستعرف أنّ هذا لا يخلو عن نظر بل منع فإنّ المتجه فيه أيضا التخيير لا البراءة ثم لا يخفى عليك أنّ حصر الأصول في الأربعة ليس عقليّا بل هو على مختاره بحسب ما استفاده من الأدلّة العقلية أو النقلية فالحصر استقرائي لا عقلي نعم حصر الحكم المشكوك فيه في كونه مجرى لشي‏ء من هذه الأصول عقلي ثم إن‏

المقصود في المقام إنّما هو بيان الأصول الأوّلية المعتبرة للشكّ التي يرجع إليها لو لم يدلّ دليل على خلافها فلا ينتقض ببعض الأصول الثانوية الثابتة في بعض الموارد بأدلّة خاصّة كقاعدة الشكّ بعد الفراغ و أصالة الصّحة و البناء على الأكثر في باب الصّلاة و غير ذلك هذا مع أنّ هذه الأصول‏

3

و نظائرها أصول يرجع إليها في الشبهات الموضوعية و هي ممّا لم يتعلق الغرض بالبحث عنها و ذكرها في الكتاب استطرادي و إنّما المقصود في المقام بيان الأصول التي يرجع إليها عند الشك في الحكم الشرعي الكلّي الصّادر من الشّارع و هي منحصرة في الأربعة على ما هو التحقيق و اللّه العالم‏

[في الأصول الجارية في الأحكام الوضعية]

تنبيه الأحكام الوضعيّة كالشرطية و السّببية و المانعية و نحوها بناء على كونها منتزعة من الأحكام التكليفية كما هو التحقيق ليست هي بنفسها مجاري للأصول إذ لا أصل لها فهي تابعة لمنشإ انتزاعها و أمّا على القول بكونها بذاتها مجعولة فالأصول الجارية فيها ليست إلاّ الاستصحاب إذ لا معنى للتخيير أو الاحتياط في السّببية و نحوها أو البراءة عنها و متى جرى الاستصحاب فيها بأن كانت لها حالة سابقة ملحوظة لم يعارضه شي‏ء من الأصول الجارية في الأحكام التّكليفيّة فإن الأصل الموضوعي حاكم على الأصل الحكمي و إن لم يكن لها حالة سابقة ملحوظة فلا أصل بالنّسبة إليها فحينئذ يرجع في مقام العمل إلى الأصول الجارية في الأحكام التكليفيّة

(قوله) و ليس طريقيته قابلة لجعل الشّارع إلخ‏

(1) (أقول) أمّا نفيا فواضح للزوم التناقض كما حققه المصنف و أمّا إثباتا فلأن ما لا يمكن رفعه لا يمكن إثباته أيضا بجعل مستقل ضرورة كونه ضروري الثبوت له في الفرض و الجعل إنّما يتعلّق بالممكن لا بالواجب و الممتنع فلوازم الشي‏ء إنما ينجعل بجعل ذات الشي‏ء لا بجعل على حدّه و إلاّ لخرج عن كونه لازما لجواز الانفكاك عند فرض عدم تعلّق الجعل به و هو ينافي اللّزوم و لذا قيل إنّ اللّه تعالى ما جعل المشمش مشمشا بل أوجده و هذا ظاهر بعد أدنى التفاوت و الحاصل أنّه متى اعتقد الشخص اعتقادا جزميّا بكون هذا الشي‏ء بولا بحيث لم يحتمل الخطأ و علم أن البول مطلقا نجس امتنع منعه عن ترتيب آثار النّجس على ذلك الشي‏ء فإنه يراه تفكيكا بين اللاّزم و ملزومه مع معلوميّة الملازمة و أما لو لم يجزم بذلك و احتمل الخطأ بأن ظن بكونه بولا فلا يحكم عقله بلزوم ترتيب أثر البول على ذلك الشي‏ء فلو وجب عليه ذلك لوجب أن يكون بدليل تعبدي فقد يكون مفاد ذلك الدّليل التّوسعة في الحكم الشرعي و تعميمه على وجه يعمّ مظنون البول و قد يكون مفاده التّصرف في الموضوع و تنزيل المظنون منزلة الواقع و قد يكون مفاده نصب الطريق و المنع عن الاعتناء باحتمال الخطاء من غير تصرّف في الحكم و لا في موضوعه و مرجع هذه التصرّفات بأسرها و إن كان لدى التحليل إلى إيجاب ترتيب أثر البول على المظنون لكن ربما يترتب على اختلاف متعلق الجعل ثمرات في مقام الاستنباط ليس المقام مقام شرحها و كيف كان فمفاد أدلة حجية الأمارات إنما هو القسم الأخير كما لا يخفى على المتأمّل‏

(قوله) لأنّ الحجّة عبارة إلى آخر

(2) (أقول) إطلاق الحجة على خصوص الأوسط ليس على مصطلح أهل الميزان لأن الحجة و الدّليل عندهم عبارة عن التّصديقات المعلومة الموصلة إلى تصديقات مجهولة و لكن الإطلاقين متقاربان بل يرجع كلّ منهما إلى الآخر بأدنى مسامحة كما سنشير إليه و الظاهر أن الدليل في مصطلح الأصوليين على ما عرفوه بأنه ما يمكن التوصّل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري ينطبق على ذلك نعم ذكر العضدي في الشّرح ما ينافي بظاهره ذلك حيث قال بعد بيان الفرق بين الاصطلاحين و اعلم أن الحاصل أن الدّليل عندنا على إثبات الصّانع هو العالم و عندهم أن العالم حادث و كلّ حادث له صانع انتهى و تبعه فيما أفاده بعض المحققين من المتأخرين و لكنك خبير بأن ذات العالم من حيث هي ليست مما يتوصّل بالنظر إليها إلى إثبات الصانع بل المتوصّل به إليه إنما هو وصفه أعني حدوثه فتسمية العالم دليلا إمّا مسامحة أو اشتباه و كيف لا مع أن مصداق الدّليل عند الأصوليّين إنما هو الكتاب و السنة و الإجماع و العقل و هي أوساط لإثبات الأحكام الفرعيّة لموضوعاتها لا غير و يؤيد ما ذكرنا ما علقه بعض على بعض الكتب الأصولية الذي لم أعرف مصنّفه ما لفظه و حيث كان المستلزم للعلم بالنتيجة هو العلم بالقياس كان هو الدليل كما عليه أهل الميزان و أما غيرهم من أهل المعقول فالدليل عندهم محمول الصغرى كالمتغير في قولنا العالم متغير و الوجه هو الأوّل لأن العلم بالتغيّر إنما يستلزم العلم بالحدوث بواسطة الكبرى القائلة أن كل متغير حادث و كيف كان هو اصطلاح و لا مشاحة فيه انتهى و قد أشرنا إلى أن اصطلاح الأصوليين أيضا ينطبق على هذا الاصطلاح كما هو ظاهر عبارة المصنف (قدّس سره) و يمكن الاعتذار عنهم عما أورده في المقام بأنّهم يعتبرون ذلك شرطا للتوصل لا جزءا للدّليل إذ بدون العلم بذلك لا يتحقق صحيح النظر فاعتباره وصفا للدّليل مغن عن ذلك و قد صرّح المحقق القمي (قدّس سره) في بعض حواشيه على القوانين بذلك فلاحظ هذا مع إمكان أن يقال إن اصطلاح غير أهل الميزان أنسب من اصطلاحهم بالنظر إلى ما يساعد عليه إطلاقات العرف في محاوراتهم حيث يعلّلون الشي‏ء بما يقع وسطا في القياس الاقتراني فيقال مثلا علة تحريم هذا الشي‏ء إسكاره أو نهي الشارع عنه و علة الحكم بحدوث العالم تغيره و هكذا و هذا و إن كان مرجعه لدى التحليل إلى قضية خبرية و هي إن هذا مسكر و كل مسكر حرام لكن النسبة الخبرية التي تضمّنها الإضافة إسناد ناقص غير ملحوظ على سبيل الاستقلال فهي بالشرط أشبه كما يؤيد ذلك أن المنطقيين مع ما هم عليه من الاصطلاح كثيرا ما يطلقون العلة التي هي مساوقة للدليل و الحجة على الوسط فإنهم مثلا يقولون في مقام بيان الفرق بين البرهان اللّمي و الإنّي إن‏

اللمّي هو الذي يكون الحدّ الأوسط فيه علّة للنسبة في الذهن و العين و الإنّي هو الّذي يكون الحدّ الأوسط فيه علّة للنسبة في الذهن فقط فظهر بما ذكر أن ما عليه أهل الميزان مجرّد اصطلاح و إلاّ فلا مدخلية لذات الأصغر و الأكبر في الإيصال من حيث ذاتهما و إنما الموصل هو خصوص الأوسط بالنظر إلى عوارضه من حمله على شي‏ء و وضعه لشي‏ء فالحمل و الوضع من شرائط الدلالة لا من مقومات الدليل فليتأمّل‏

(قوله) فقولنا الظن حجة إلخ‏

(3) (أقول) يمكن‏

4

المناقشة فيه بأن مفاد جعل الظنّ طريقا ليس إلا إثبات نفس المتعلق به أولا و بالذات كما تقدّم الإشارة إليه فيتبعه آثاره لا إثبات الآثار أوّلا و بالذات حتى يكون الطّريق واسطة في إثباتها فالطّريق واسطة في إثبات نفس المتعلق لا أحكامه فلا يطلق عليه الحجة حقيقة بالتّفسير المذكور و يتولد من هذه المناقشة مناقشة أخرى في قياسه حيث جعل قوله يجب الاجتناب عنه كبرى لقوله هذا مظنون الخمرية مع أن كبيرها على ما يقتضيه لسان دليل الطريق و كلّ مظنون الخمرية خمر يحكم الشارع ثم ينضم إلى هذه النتيجة كبرى أخرى شرعية و هي كلّ خمر يجب الاجتناب عنه فينتج وجوب الاجتناب عن متعلّق الظن و يمكن الذب عن المناقشتين بأن مفاد ظاهر دليل الجعل و إن كان ما ذكر إلاّ أن الجعل إنّما يتعلق بالشي‏ء بلحاظ آثاره فقولنا صدق العادل في إخباره بأن هذا بول و إن كان معناه الأولى أثبت وجود البول بقوله إلاّ أنّه بعد أن علم أن إيجاب تصديقه بمعنى الإذعان بقوله أو البناء على ثبوته بلحاظ آثاره الغير المجعولة غير معقول ينزل الكلام على إرادة تصديقه بلحاظ ترتيب آثاره المجعولة فقوله صدق العادل في إخباره بأنّه بول و إن كان في بادي النظر الأمر بالبناء على أنّه بول إلا أنّه عند التحليل يئول إلى إيجاب ترتيب آثار البول على المخبر عنه لا غير هذا مع أنّ المناقشة الأولى ناشئة عن الغفلة عن فهم الحكم في المقام و تخصيصه بغير الوصف العنواني مع أن المقصود بالحكم في قولنا الوسط واسطة في إثبات حكم الأصغر له أن به يثبت مفهوم المحمول الذي هو الأكبر لذات الموضوع الذي هو الأصغر فقولنا هذا خمر مثلا معناه أن الذات المشار إليها مندرجة تحت مفهوم الخمر فيصير المفهوم أثرا من آثار الذات و عنوانا من عناوينها و من المعلوم أن إثبات اتصاف المشار إليه بهذا الحكم يحتاج إلى وسط كقولنا هذا الشي‏ء مسكر مائع و كل مسكر مائع خمر فقولنا هذا مظنون الخمرية و كل مظنون الخمرية خمر بحكم الشارع كالمثال المتقدم برهان لإثبات الأكبر للأصغر و معنى كونه خمرا بحكم الشّارع التعبّد بعدم الاعتناء باحتمال خطاء الظن و البناء على كون الشي‏ء مصداقا لمفهوم الخمر و لكنك عرفت أنّ التعبّد بذلك من حيث البناء و الاعتقاد غير معقول فلا بدّ من تنزيل حكمه بالتعبّد بذلك على إرادة ترتيب آثاره الشرعية في مقام العمل و لذا قال المصنّف (قدّس سره) إنّها واسطة في ترتيب أحكام متعلّقة مشير إلى أن التعبّد بالخمرية ينحلّ إلى ذلك و بما ذكرنا ظهر أن جعل الظن طريقا إلى شي‏ء يستلزم صحّة إطلاق الحجة عليه و لا يحتاج في تقوّم صدق الحجيّة إلى ثبوت حكم شرعي له زائدا على التعبّد بوصفه العنواني نعم ثبوت حكم شرعيّ له في الجملة مصحّح للتعبّد بالوصف لا لإطلاق الحجة عليه فلا يتفاوت الحال بين أن يكون الظنّ طريقا صرفا أو يكون بعنوان طريقيته إلى متعلّقه مأخوذا في موضوع حكم آخر كما سيأتي الإشارة إليه في عبارة المصنّف (قدّس سره) لأنّ المصحّح لإطلاق الحجة عليه مجرّد جعله طريقا معتبرا لإثبات متعلّقه سواء كان المقصود بإثباته ترتيب آثار نفس المتعلّق أو حكم آخر يكون لثبوت المتعلّق دخل في تحقق موضوع ذلك الحكم‏

(قوله) و الأصول العمليّة إلخ‏

(1) (أقول) يعني في الجملة كما يشير إليه في عبارته الآتية

(قوله) (قدّس سره) أو بعض الأصول‏

(2) (أقول) كالاستصحاب و أصالة الصحة و نحوها و أمّا الاحتياط و التخيير فلا يصلحان لذلك كما هو واضح و أما أصل البراءة فهو أيضا كذلك بناء على عدم اعتباره من باب الظن كما هو التحقيق و أمّا إن قلنا بأن اعتباره من حيث إفادته للظنّ فينوب مناب العلم كالاستصحاب بل يندرج على هذا التقدير في الأمارات و إن لم نسمه باسمها اصطلاحا كما هو واضح بقي هنا إشكال و هو أنّ مقتضى ما ذكرنا من عدم معقولية نصب الطّريق بالنسبة إلى ما لا أثر لمتعلقه شرعا امتناع قيام الطّرق المجعولة مقام العلم فيما أخذ العلم جزءا للموضوع و لو بعنوان الطّريقية ضرورة خلو المتعلّق عن الحكم على هذا التّقدير فلا يعقل عموم دليل النّصب لهذا المورد حتى يصير المتعلق بسببه ذا الطّريق فكيف يثبت له الحكم الثابت لموضوع قام عليه طريق و بعبارة أخرى الحكم المترتب على الطّريق باعتبار كونه جزءا للموضوع لا يعقل أن يكون مقوّما لطريقية الطريق الّذي هو جزء موضوعه لكونه دورا ظاهرا و يمكن التفصّي عنه مضافا إلى ما سيذكره المصنف جوابا عن نظير الإشكال في طي الاستدلال على حجية خبر العادل بأن ما ذكرنا من عدم المعقولية إنما هو فيما إذا لم يكن له‏

مدخلية في الأحكام الشرعيّة أصلا و أمّا إذا كان له مدخليّة في حكم شرعي كأن كان جزءا من موضوعه فلا و كيف لا و له على هذا التقدير حكم شرعي تقديري كسائر الأحكام الشرعية التقديرية فلا فرق بين ما لو حكم الشّارع بنجاسة العصير على تقدير غليانه أو على تقدير ثبوته في كون كل منهما حكما شرعيّا ثابتا لموضوع العصير فكما لا قصور فيما دلّ على حجية البيّنة بلحاظ الحكم الأوّل فكذا بالنسبة إلى الثاني لكن التقدير الذي جعله الشارع شرطا لتنجز الحكم يتحقق في الثاني بنفس قيام الطريق و ما ذكرنا من أن مرجع الأمر بتصديق العادل و عدم الاعتناء باحتمال كذبه إلى إيجاب ترتيب آثار المخبر عنه في مقام العمل فليس المقصود به رجوعه إلى ما يستظهر من عبارته حتى يدعى انصرافه عن مثل المقام بل المقصود أن المصحّح لنصب الطريق إنما هو ملاحظة الآثار فينحلّ إليه بالتحليل العقلي و يكفي في الجواز عقلا مجرّد أثر و لو تقديري أو بوسائط أمور عقلية أو عاديّة كما هو واضح و بهذا ظهر لك أيضا اندفاع ما قد يقال في تقرير الإشكال بتقريب آخر و هو أنه يمتنع شمول دليل جعل الطّريق لما كان مأخوذا في الموضوع و لو بعنوان الطّريقية لأن الطريق المفروض إما أن يكون ملحوظا من حيث كونه مرآة إلى حكم المتعلق أو من حيث نفسه و هاتان الملاحظتان مما لا يعقل اجتماعهما في استعمال واحد لتضادّهما ذاتا كالمعنى الاسمي و الحرفي نظير ما لو قال لا تنقض اليقين بالشك فإمّا أن يراد عدم نقض نفس اليقين من حيث هو فينطبق على قاعدة اليقين أو عدم نقض الشي‏ء الذي أحرز وجوده في السّابق فينطبق على الاستصحاب و لا يمكن إرادتهما

5

من عبارة واحدة كما ستعرفه في مبحث الاستصحاب توضيح الاندفاع أنّ الطّريق المنصوب إنّما لوحظت مرآتا صرفا و طريقا محضا إلى ذات المتعلّق من حيث هي لا إلى حكمه حتى يتوجّه هذا الإشكال مع أنك عرفت أنه لو فرض كون معناه رتّب حكم المتعلّق أيضا لا يقصر عن الشمول بعد أن فرضنا له حكما تقديريّا هذا مع إمكان الالتزام بإرادة ترتيب أثر الحجيّة من حيث هو الذي هو بمنزلة المعنى الاسمي فيكون معنى صدق العادل وجوب ترتيب أثر كون المخبر به ثابتا و هذا أعمّ من أن يكون الأثر الشّرعي للمجموع المركب أو لأجزائه فالأثر الشرعي الثابت لذات الشي‏ء هو أثر هذا الشي‏ء الثابت أ لا ترى أنا لو قلنا بأنّ المراد من اليقين في المثال هو نفس اليقين من حيث هو فنقضه الذي تعلق به النّهي يشمل عدم الصّلاة مع الطهارة التي كان على يقين منها مع كونها من آثار المتيقن لا اليقين من حيث هو و بهذا ظهر لك أنا و إن ألزمنا بأنّ الملاحظتين لا يجتمعان فلا يمكن إرادة القاعدة و الاستصحاب من المثال لكن آثار اليقين المحكوم بإبقائها حال الشك أعمّ مما كان ثابتا لنفس اليقين أو المتعلّقة فليتأمّل‏

(قوله) فإنه يكفي فيه الاستصحاب‏

(1) (أقول) و قد يناقش في ذلك بأن وجوب التصدّق ليس من الأحكام المجعولة لحياة زيد حتى يترتب على استصحابه بل الوجوب إنما هو لأجل كون التصدق من مصاديق الوفاء بالنذر فثبوت الوجوب فرع إحراز كون التصدّق وفاء بالنذر و إحرازه من اللّوازم العقلية للحياة فلا يترتّب أحكامه على استصحاب الحياة إلاّ بناء على اعتبار الأصول المثبتة التي لا نقول تبعا لشيخنا المصنّف فليتأمّل‏

(قوله) فيقال حينئد إنه حجّة

(2) (أقول) أمّا إطلاق الحجة عليه فيما إذا كان مجعولا لإثبات حكم متعلّقه فقد عرفت وجهه و أمّا إطلاقها عليه فيما إذا كان مأخوذا في الموضوع بعنوان الطريقية لحكم آخر فإنما هو بلحاظ كونه وسطا في إثبات نفس المتعلّق بلحاظ آثاره المترتبة عليه التي هي عبارة عن الحكم التقديري حسبما أشرنا إليه فما سبق و أمّا بملاحظة ذلك الحكم الآخر الذي جعل الطريق جزءا من موضوعه فلا يطلق عليه الحجة كالعلم إذ لا فرق من هذه الجهة بين العلم و الطرق المجعولة و إنما الفارق بينهما في كيفية الطريقيّة حيث إن العلم طريق بنفسه و غيره طريق بجعل الشارع و كونه طريقا مجعولا لا ملازم لصحة إطلاق الحجّة عليه لكونه واسطة في إثبات المتعلق سواء كان لإثبات حكم نفسه أو لحكم آخر و أمّا إطلاق الحجة عليه مع كونه واسطة في إثبات نفس المتعلّق لا حكمه فقد عرفت الجواب عنه فيما تقدم‏

(قوله) و قد يؤخذ موضوعا لا على وجه الطريقيّة إلخ‏

(3) (أقول) وجهه قد ظهر ممّا تقدم حيث إنه في الفرض لم يؤخذ طريقا شرعيّا حتى يكون واسطة في إثبات نفس المتعلق كي يصحّ إطلاق الحجة عليه بلحاظه و أما بملاحظة الحكم الذي أخذ جزءا من موضوعه فقد عرفت أنّه كالعلم لا يتصف بالحجية و لا فرق بينهما من هذه الجهة

(قوله) لحكم متعلّقه‏

(4) (أقول) متعلق بالطريقية فيكون قيدا للمنفي لا بموضوعا حتى يكون معنى العبارة أنّه قد يؤخذ الظن موضوعا لحكم متعلّقه أو لحكم آخر لا من حيث الطريقية فيفسد المعنى حيث إن الحكم الشخصي لا يعقل بيانه بموضوعين فحاصل المعنى من أوّل قوله ثم إلى آخره أنّه كما أن العلم قد يكون طريقا محضا لإثبات متعلّقه و قد يكون مأخوذا في موضوع الحكم إما بعنوان الطريقية أو بعنوان أنّه صفة خاصّة كذلك الظن يتصوّر فيه هذه الوجوه و لكن بينهما فرق و هو أن العلم طريق بنفسه فلا يتصف بالحجيّة أصلا و أمّا الظن المعتبر إذا أخذ بعنوان الطريقية يتصف بالحجية سواء كان أخذه طريقا إلى المتعلق لإثبات حكم نفس المتعلق أو لإثبات حكم آخر ثابت للمتعلق الثابت بطريق و أمّا إذا لم يؤخذ بعنوان الطريقيّة فلا يطلق عليه الحجة فهو كالعلم حينئذ و قد يتوهم تنزيل العبارة على معنى آخر بعيد غاية البعد استنادا إلى بعض القرائن مثل قوله مأخوذا حيث إن الظاهر منه إرادة القطع الذي أخذ جزء الموضوع و كذا قوله في أكثر النسخ بدل مجعولا على وجه الطريقية موضوعا إلى غير ذلك من المناسبات و هو أنّ غرضه تشبيه الظن الذي أخذ جزء الموضوع بكلا قسميه بالعلم الذي هو كذلك فعلى هذا لم يتعرض لما أخذ طريقا صرفا فحاصل المعنى على هذا الاحتمال أن الظن المعتبر طريق مجعول فهو وسط في ترتيب أحكام متعلقة بالتقريب الذي تقدم سواء كان أخذه موضوعا لحكم متعلّقه نوعا أو لحكم آخر مثلا الظن مأخوذ في موضوع الأحكام الظاهرية لكونه طريقا إلى الأحكام‏

الواقعية فإن طابق الظن الواقع يتحد الحكم الظاهري مع الواقعي نوعا أمّا شخصا فغير معقول كما هو واضح و إن تخلّف عن الواقع فالحكم الظاهريّ حكم آخر مغاير لحكم المتعلّق الذي أخذ الظن طريقا إليه هذا إذا كان مأخوذا بعنوان الطّريقية و أما إذا أخذ من حيث إنه صفة خاصّة فهو أيضا صالح لأن يكون موضوعا لحكم متعلّقه تعبّدا كأن كان مظنون الضّرر تعبّدا بحكم الضرر من دون ملاحظة الكشف فيه و قد يكون موضوعا لحكم آخر غير حكم المتعلّق و فيه ما لا يخفى من البعد و عدم صلاحية المناسبات المزبورة لحمل العبارة على إرادة هذا المعنى‏

[في التجري‏]

(قوله) و المسألة عقلية

(5) (أقول) كأنه أراد بذلك كونها عقلية يحتسب المدرك حيث لم يستدلّ أحد فيها بالدّليل السّمعي بل اعتمدوا في ذلك على حكم العقل و في مثله يبعد استكشاف قول الإمام (عليه السلام) من قول العلماء بطريق القطع و لو كان اتفاقيا و ليس غرضه أن المسألة عقلية محضة و إلا لحصل التنافي بينه و بين تحريره لمحلّ النزاع كما لا يخفى‏

(قوله) و الحاصل أنّ الكلام إلخ‏

(6) (أقول) ظاهر كلامه أن النزاع في التجري إنما هو في أن غير المحرم ذا تأهّل يؤثر تعلق الاعتقاد بحرمته في صيرورته حراما شرعيا فيكون جهته من جهات الفعل التي يتعلق بسببها الأحكام بمتعلقاتها أم لا فلا يخفى عليك أنه لو كان النزاع على ما حرّره فالأقوى فيه المنع لعدم كون الفعل اختياريا بعنوان ذاته و لا بعنوان كونه تجريا أي غير محرم اعتقد حرمته فيمتنع تعلق النهي به بهذه الملاحظة و أمّا بعنوان كونه شيئا اعتقد حرمته و إن كان فعلا اختياريا أمكن أن يحكم عليه بحكم مماثل لحكم ذاته فيرى المعتقد أن اعتقاده جهة من الجهات التي‏

6

يتأكد بها مصلحة الواقع و مفسدته و لكنه يرى الأمر به و النّهي عنه بلحاظ هذه الجهة عبثا لكفاية الحكم الواقعي المتعلّق بالشي‏ء في البعث على الإتيان أو التجنّب عن المعلوم إلاّ أن يراد بهما صرف التأكيد و بيان تأكّد الوجوب و الحرمة بسبب العلم و بقاء الحكم على تقدير عدم المصادفة و إن لم يحتمله في خصوص المورد إلا على سبيل فرض يزعم عدم وقوعه هذا على تقدير تسليم إمكان كون معلوم الحرمة موضوعا آخر قابلا لتعلق حرمة أخرى به غير حرمة ذات ما يتعلق به العلم كما يتعقل ذلك بالنظر إلى الطرق المجعولة و إلا فهذا بنفسه لا يخلو عن تأمّل نظر إلى أن وجوب اتباع العلم أي الإتيان بما علم وجوبه و التجنب عما علم حرمته كوجوب الإطاعة و حرمة المعصية من العقليات الغير القابلة لأن يتعلق بها طلب شرعي مولوي فكلّما يتعلق بها من الأوامر الشرعية لا يكون إلاّ إرشاديّا كما تقرّر في محلّه لكن يدفعه ما قررناه في باب الإطاعة من أن هذا مع اتحاد جهة حكمي العقل و الشرع و أمّا إن تعلق الوجوب الشرعيّ بإطاعة الأمر من حيث كونها قيدا فيما تعلق به الغرض من الأمر كما في الواجبات التعبديّة أو وجوب اتباع العلم من حيث كونه بنفسه موضوعا للوجوب كما هو المفروض في المقام لا لكونه موجبا لتنجز حكم المتعلّق كما هو كذلك في نظر العقل فلا يكون إلاّ حكما شرعيّا مولويّا لا دخل للعقل في إثباته من هذه الجهة نعم لا يلزم على هذا التقدير لو صدر خطاب شرعيّ متعلق بمعلوم الحرمة من حيث كونه معلوم الحرمة الالتزام بتعدّد العقاب على تقدير المصادفة لإمكان التفصيّ عن ذلك بكون الخطاب توطئة لبيان حكم المتجرّي في الواقع لو ساعده دليل على ذلك و كيف كان فهذا الكلام فرضيّ لا محصّل له إذ لم يصل إلينا دليل سمعيّ يفي بإثبات ذلك و لم يدّعه أحد و إنما المدّعى إثباته بدلالة العقل و هي أيضا منتفية لما أشرنا إليه من أن الفعل بعنوان ذاته أو بعنوان كونه تجرّيا ليس فعلا اختياريّا فلا يتّصف الفعل بملاحظتهما بحسن أو قبح و أمّا بعنوان كونه معلوم الحرمة و إن كان فعلا اختياريا إلاّ أن هذا العنوان ليس بنفسه ممّا يدرك العقل بملاحظته عروض جهة محسّنة أو مقبّحة في متعلّقه غير قبحه الناشئ عن المفسدة الثابتة في المتعلّق من حيث هو فليس للعقل طريق إلى إحراز حكم آخر لنفس العلم من حيث هو غير حكم المتعلق الذي رآه منجزا على المكلّف بواسطة العلم و بالجملة إن القول بكون الاعتقاد من جهات الفعل التي يصير بسببها الفعل حراما شرعيّا مما لا تأمّل في ضعفه‏

[في تحرير محل النزاع‏]

و لكن يمكن تحرير النزاع بوجه آخر و هو أن الانقياد و التجرّي بنظر العقل و العقلاء في حكم الإطاعة و المعصية في استحقاق فاعلهما المدح و الثواب و الذّم و العقاب أم لا بل الاستحقاق إنّما هو من آثار الإطاعة و المعصية الحقيقتين و على هذا التحرير لا يبعد القول بالاستحقاق و إن لم يتّصف الانقياد بكونه واجبا شرعيّا و لا التجري بكونه حراما شرعيّا كنفس الإطاعة و المعصية على ما تقرر في محلّه نظرا إلى أن ترتيب المدح و الثواب على فعل الواجبات ليس لأجل صدور ذات الواجب و تحققه في الخارج من حيث هي بل لا مدخلية لذلك في الاستحقاق أصلا حيث لا يعود نفعها الكامن فيها إلا إلى نفس الفاعل كما لو أمر الأب ابنه بشرب دواء نافع له فإنه لا يستحق بسبب الشرب من حيث هو أجرا على الأب و إنما يستحق المدح و الإكرام بسبب إطاعة أمره من حيث هي هذا مع أن العبد لا يستحق من سيّده أجرة العمل لكونه مملوكا له و إنما يستحق الإكرام بواسطة صدقه في مقام العبوديّة و أدائه لما عليه من حق المولى و كذا الكلام في المعصية فإن استحقاق المذمة عليها ليس لحصول ضرر من فعله بل لكونها خروجا عن ما يستحقه المولى من الطاعة و حيث إن المناط في استحقاق الثّواب و العقاب نفس الإطاعة و المعصية من حيث هما مع قطع النّظر عن متعلّقهما أمكن أن يقال إن الإتيان بما اعتقد وجوبه بعنوان الإطاعة كنفس الإطاعة من حيث كونها موجبة للمدح و الإكرام و كذا الإقدام على ما اعتقد حرمته كالإقدام على نفس الحرام في كونه موجبا لاستحقاق الإهانة و الخذلان و ببيان أوفي إن في معصية العبد لسيّده جهات من القبح لو استقل كل منهما بالملاحظة لأثر فيما تعلق به نهيا شرعيّا كإساءة الأدب و الجرأة على سيّده و انتهاك حرمته و عدم الاعتناء به و المبالات بأمره و نحو ذلك و من الواضح أنّه لو أظهر شيئا من هذه العناوين بفعل أو قول كأن قال مثلا أنا لا أعتني بقولك أو لا أبالي بمخالفتك أو لست أنت بنظري بمكان أوثر طاعتك على هواي أو أظهر هذه المعاني بسائر أفعاله لقد فرّط في حقّ مولاه و فعل قبيحا بحكم العقل و شهادة العقلاء و هذه الجهات بأسرها منتزعة من ذات المعصية و هي بذاتها غير قابلة لأن يتعلّق بها نهي شرعيّ و عند عدم مصادفتها للواقع لا يختلف عنها إلاّ بعض هذه الجهات و هي مخالفة النّهي من حيث هي دون سائر الجهات و حيث إن فعله لم يتحقق إلا بعنوان المعصية لا يتنجّز عليه بحكم العقل إلا النهي عن المعصية الذي هو إرشادي عقلي مصحّح للعقاب على الفعل المأتي به بهذا العنوان بجميع جهاته المقبحة له الحاصلة بوقوعه بهذا العنوان و من هنا لا يبعد أن يدّعى أن عدم المصادفة يؤثر في قلة ما يستحقه من المؤاخذة لا نفيه رأسا فليتأمّل‏

(قوله) قولك إن التفاوت إلخ‏

(1) (أقول) نسبة هذا الكلام إلى المستدل مع عدم وقوع هذا التّعبير في كلامه لكونه محصل مرامه كما هو واضح و إنما عبّر المصنف (قدّس سره) بذلك توطئة للجواب و محصل الجواب منع عدم التفاوت و عدم منافاته لمذهب العدلية و سند المنع أن استحقاق العقاب يجب أن يكون مسبّبا عن فعل اختياري لاستقلال العقل بقبح العقاب على أمر غير اختياريّ و يكفي في كون الفعل اختياريا انتهاؤه إلى مقدمة اختيارية ضرورة أنه لا يشترط في اختيارية الفعل كون جميع مقدماته اختيارية و إلا فلا يكاد يوجد فعل اختياري فمن شرب الخمر و صادف قطعه الواقع فقد عصى اختيارا و أما كون عدم الاستحقاق مسببّا عن أمر غير اختياري فقبحه غير معلوم (2) (أقول) بل معلوم العدم فإنه يكفي في عدم الاستحقاق عدم حصول علّة الاستحقاق بفقد شي‏ء من شرائطه‏

7

الغير الاختيارية التي لها دخل في اقتضاء المعصية أو مانع عن ارتكابها مع حصول المقتضي كما لا يخفى‏

(قوله) كما يشهد به الأخبار إلخ‏

(1) (أقول) أي يشهد بمنع عدم التفاوت يعني يشهد بالتفاوت الأخبار الواردة

(قوله) فإن مقتضى الرّوايات إلخ‏

(2) (أقول) توضيح الاستشهاد أن الرّوايات تدلّ على التفاوت في استحقاق الثّواب و العقاب بأمر غير اختياري و هو قلة العامل و كثرته و ليس غرضه إثبات كون زيادة العقاب لأمر غير اختياري كما يوهمه العبارة في بادي الرّأي حتى يتوجّه عليه أن زيادة الاستحقاق كنفس الاستحقاق يجب أن تكون مسبّبة عن أمر اختياري و إنّما يستحق العقاب الزائد بواسطة الأفعال المتولدة عن فعله الاختياري كاحتراق حزمة حطب بإلقاء نار فيها بقصد إحراقها فهو فعل توليدي للمكلّف مسبّب عن اختيار و إرادة فيحسن مؤاخذته بجميع ما يحترق بناره إذا كان ملتفتا إلى ما يتفرع على عمله و لو على سبيل الإجمال فتأسيس سنّة حسنة أو سيّئة مقتض لاستحقاق الثواب و العقاب زائدا على ما يستحقّه بواسطة نفس العمل و وجود العامل من الشرائط الغير الاختيارية الّتي لها دخل في تماميّة السّبب‏

(قوله) فتأمّل‏

(3) (أقول) و لعلّه إشارة إلى أنا نرى ذلك و لو بعد تخلية الذّهن أو بالنّظر إلى حال الغير الذي لا مدخلية له بعملها أصلا بل نرى في أنفسنا أنه لو ارتكب شخص معصية فغرضه الندامة عليها ثم انكشف له عدم كون ما ارتكبه حراما في الواقع لسرّه ذلك و رأى أمره أهون ممّا لو كان حراما في الواقع فليتأمل‏

(قوله) و قد يظهر من بعض المعاصرين إلخ‏

(4) (أقول) هذا التفضيل ممّا لا بدّ منه بعد البناء على كونه حراما شرعيّا كما يقتضيه تحريره لمحل النزاع لقبح صدور الخطاب من الشارع بوجوب قتل النّبي أو الوصيّ الذي اعتقد أنّه واجب القتل ضرورة عدم مكافأة هذا الحسن العارضي الخيالي لمفسدته الذاتية حتى يحسن الفعل فيتبعه الأمر الشرعي و كذا لو اعتقد أن الشي‏ء الفلاني نافع له و يجب شربه مع كونه في الواقع سمّا قاتلا له لا يحسن من الشارع أمره بشربه نعم هو بنفسه معذور في ارتكاب ما اعتقده بحكم العقل و أما صحّة الخطاب الشرعي فهي دائرة مدار مصلحة ذات الشي‏ء و لو بعد طرو العنوان فهذا العنوان مثل سائر العناوين الطارية كإطاعة الوالد و نحوها إنما يؤثر في الموارد الخالية عن المصلحة الملزمة لا غير إن قلنا بأنّ الجهة الطارية الخيالية لا تكافئ المصلحة الذاتية الملزمة بحيث تغلب عليها حتى يظهر أثر العنوان الطاري و إن قلنا بصلاحيتها للغلبة على بعض الذّاتيات أيضا فيتبع الحكم الشرعي موارد الغلبة و لا يتعداها و هذا ظاهر و لكنك خبير بأن ما ذكرناه من التفصيل وفاقا للمفصل المذكور لا يتوجّه به كلامه بظاهره حيث إنه (قدّس سره) جعل قبح نفس التجري بالوجوه و الاعتبار و هذا غير معقول لأنه من جهات الفعل التي بسببها يعرضه القبح فلا يعقل أن تكون نفس الجهة أيضا قبحها عرضيّا تابعا للموارد لأن ما بالعرض ينتهي إلى ما بالذات فيتوجّه عليه حينئذ ما ذكره المصنف (قدّس سره) من الاعتراضات إلاّ أنّ الإنصاف غلبة الظن بإرادته من التجرّي في كلامه الفعل المتجريّ به لا نفس التجري فيندفع عنه الاعتراضات المذكورة لكن المبنى فاسد كما عرفت هذا مع أن ما ذكرناه وجها للتفصيل لا يخلو في حدّ ذاته من نظر لأن الحكم الفعلي يتبع الجهة التي يتنجز بالنسبة إليه الخطاب و كون الفعل متضمنا لمفسدة قاهرة غير مانع عن ذلك عند كون المكلف معذورا من جهتها كما يأتي التنبه على ذلك عند التكلم في صحة صلاة الجاهل بالغصب و ناسيه في حواشي أصل البراءة فليتأمّل‏

(قوله) و عليه يمكن ابتناء إلخ‏

(5) (أقول) يعني لا يبعد أن يكون المنع السّابق ناشئا من تأثير الأمر الغير الاختياري الّذي هو عبارة عن المصادفة و عدمها في استحقاق الثواب و العقاب إثباتا و رفعا كما هو المدعى في المقام و في قوله يمكن إشارة إلى أن مبنى المنع السابق ليس ذلك بل المبنى الحقيقي في المنع المذكور إنما هو حاجة الاستحقاق إلى علة اختيارية و هي كون الفعل المحرّم الواقعيّ مأتيا به عن عزم و إرادة و بانتفاء أحد هذه القيود ينتفي الاستحقاق من دون أن يكون العدم محتاجا إلى علة و تسميته مسبّبا عن عدم هذه الأشياء مسامحة في التعبير كما تقرر في محله من أن الوجود يحتاج إلى المؤثر دون العدم فإن هذا من تأثير الأمر الغير الاختياري في رفع الاستحقاق الذي يقتضيه الفعل كما هو المطلوب‏

(قوله) مضافا إلى الفرق إلخ‏

(6) (أقول) الفرق بين المقامين أمّا أوّلا فبأن مجرّد الاحتمال يكفي في المقام الأول لكونه مانعا عن الحرمة

بخلاف الثاني فإن المفصل يحتاج إلى إثبات التأثير حتى يتم مطلبه و أمّا ثانيا فبأنّ الدّفع أهون من الرفع فلا امتناع في تأثيره في الدفع دون الرفع‏

(قوله) بأن العقل مستقل إلخ‏

(7) (أقول) و بيان للدفع و تقريبه أنا و إن سلّمنا مماشاة مع الخصم كون التجري كالكذب مما يمكن أن يرتفع قبحه بعروض جهة محسّنة له مكافئة لما يقتضيه من القبح لكن نقول بأن العقل مستقل في المثال بقبحه ضرورة عدم صلاحية العنوان الحسن الذي لم يقصده الفاعل في رفع صفة القبح عن فعل اختياري قبيح كالكذب المصادف لمصلحة راجحة غير مقصودة للفاعل أو الضرب بقصد الإيذاء و الإهانة الذي قارنه التأدب‏

(قوله) و لم يعلم معنى محصل لهذا الكلام‏

(8) (أقول) و لعلّ غرضه من التداخل اجتماع العنوانين في التأثير مع وحدة الأثر كما نقول لو وقع في البئر شاة و خنزير دفعة يتداخل مقدراهما فلا يتوجّه على هذا التفسير لزوم الترجيح من دون مرجّح أو الالتزام بزيادة العقاب و لكن يتوجّه عليه أن اجتماع السّببين لا يمنعهما عن تأثير كل منهما مستقلا و المحل قابل للتأثير فيجب حصول أثريهما كسائر العناوين المحرمة المتصادفة على موضوع واحد هذا كلّه بناء على كون معلوم الحرمة بنفسه موضوعا للحرمة الشرعية في عرض الواقع فيكون الحرام المعلوم مصداقا لكلا العنوانين و أما لو قلنا بأن معلوم الحرمة ليس موضوعا للحرمة الشرعية و إنما الحرام هو نفس متعلقه لا غير و إنما يحسن عقاب المتجري لا لارتكابه محرّما شرعيّا بل لأجل كون التجري بحكم المعصية فلا يعقل اجتماعه مع المعصية الحقيقية حتى يستحق عقابين فهو إمّا متجر أو عاص فلا يعقل تعدد العقاب حتى يقال بالتداخل أو عدمه كما هو ظاهر

(قوله) فتأمّل‏

(9) (أقول) لعله إشارة إلى منع دلالة الآية على حرمة الأكل لأجل‏

8

اعتقاد طلوع الفجر من حيث نفس الاعتقاد بل لأجل أنّه رأى الفجر و علم به دون الآخر الّذي لم يعتقد بطلوع الفجر فإنّه يجوز له الأكل في الواقع لأن الجواز دائر مدار عدم حصول التبيّن له‏

(قوله) فإن قلت لعلّ نظر هؤلاء إلخ‏

(1) (أقول) حاصل التوجيه أن المستفاد من الأخبار إنما هو تقييد وجوب إطاعة الشارع بما إذا كان الحجة واسطة في تبليغ أوامره و نواهيه لا مطلقا

(قوله) و ممّا يشير إلى ما ذكرنا إلخ‏

(2) (أقول) ما استظهره المصنّف (قدّس سره) من عبارته أعني إرادته مدخلية تبليغ الحجة في وجوب الإتيان و الترك هو الظاهر منها و احتمال إرادته بيان كون التبليغ مأخوذا في موضوع الأحكام الواقعيّة فيكون مقصوده أن وجوب الامتثال مقيّد بالبلوغ مع الواسطة لا لأجل التقييد في الإطاعة بل لأجل أن المأتي به و المتروك وجوبهما مقيد بذلك في غاية البعد فإن صدر كلامه و إن كان قد يتراءى منه ذلك بعد ارتكاب التأويل في بعض ألفاظه إلا أنه ينافيه ما ذكره في ذيل كلامه بقوله لا أنّه يجب فعله أو تركه أو لا يجب مع حصولهما من أي طريق لأن ظاهره أن الأحكام الواقعية لو وصلت إلينا بواسطة الحجة يجب امتثالهما و لو حصل العلم بها من طريق آخر لم يجب كما يؤيد إرادته لذلك ما نقله المصنف (قدّس سره) عنه في صدر المبحث من منع حجته حكم العقل في الشرعيات لكثرة الخطاء فيه لا لإذعانه كون نفس الأحكام مشروطة بوصولها بطريق سمعي و كيف كان فإن أراد المعنى الأول كما هو الظاهر يتوجّه عليه ما أورده المصنف (قدّس سره) في الكتاب و إن أراد المعنى الثاني و إن كان بعيدا يتوجه عليه أن ما التزمه تقييد في إطلاقات الأدلة من دون مقيد صالح لذلك مع أنه إن أمكن الالتزام به ففي غير المستقلات و أمّا فيها كوجوب مقدمة الواجب و حرمة الضد على القول بهما أو وجوب ردّ الوديعة و حرمة الظلم و غيرهما من الأحكام العقلية فلا لعدم قابليتها للتقييد حيث إن مناطها بيد العقل فلا يجدي الالتزام به في الفرار عن حجية حكم العقل في المستقلات هذا مع أن غير المستقلات أيضا ربّما لا تصلح للتقييد لإباء دليلها عن ذلك و ظهور أدلتها السّمعية في كون متعلقاتها هي الأحكام الواقعية و كون الأدلة طريقا لها لا من مقومات موضوعها فليتأمّل‏

(قوله) قلت أوّلا إلخ‏

(3) (أقول) حاصل الجواب أن وجوب إطاعة اللّه تعالى من المستقلات العقلية الغير القابلة للتخصيص و في كلامه إشارة إلى أن المناط في وجوب الإطاعة و حرمة المعصية إنما هو إحراز كون الشي‏ء محبوبا عند اللّه تعالى بحيث لا يرضى بتركه أو كونه مبغوضا على وجه لا يرضى بفعله فيندفع بذلك ما قد يتوهم من أن غاية ما يمكن ادعاؤه إنما هو إدراك العقل كون ما رآه حسنا أو قبيحا محبوبا أو مبغوضا عند اللّه تعالى و أمّا أنّه صدر منه تعالى أمر أو نهي مولوي يجب إطاعته فلا لأن وجوب الإطاعة من آثار الإلزام بالفعل أو الترك بخطاب مولوي لا مجرد المحبوبيّة و المبغوضية فمن الجائز أن لا يتحقق إنشاء الحكم الّذي هو عبارة عن الالتزام بالفعل أو الترك إلا ببيان الحجج الذين ورد فيهم أنّهم لسان اللّه الناطق توضيح الاندفاع أن وجوب إطاعة العبد لمولاه من آثار إرادته النفسانيّة المستكشفة بإنشاء الحكم لا من آثار نفس الإنشاء من حيث هو مع أن من يدعي استكشاف الحكم الشرعي بواسطة العقل بقاعدة الملازمة إنما يدعي استكشاف صدور أمر مولوي من الشارع بقاعدة اللطف و أن الكلام في أن أمر اللّه تعالى الذي يجب على العباد امتثاله هل هو إرادته للفعل أو أمر وراء ذلك فهو أجنبي عن المقام خصوصا بعد أن ثبت بالنّص و الإجماع أنّ للّه تعالى في كل واقعة حكما حتى أرش الخدش فيجب على العباد اتباعه بعد إحرازه بأيّ طريق كان سواء قلنا بأن تبليغ الحجج كان شرطا في تحقيقه أم لم نقل ضرورة أن ثبوت الحكم لكل واقعة فرع حصول شرطه فيكشف النّص و الإجماع الدّالان عليه أن تبليغ الحجة على تقدير كونه شرطا كان حاصلا و لو في ضمن خطابات مجملة لم نتعقل تفصيلها أو خطابات غير واصلة إلينا هذا مع أن كثيرا من العقليّات الغير المبنية على قاعدة التحسين أو التقبيح بل أكثرها أحكام عدمية تترتب عليها آثار شرعية و لا يعقل إنشاء الحكم فيها كمسألة الضدّ و اجتماع الأمر و النّهي في العبادات و نظائرها مما يعم الابتلاء بها في المسائل الفقهية التي هي في الحقيقة مطرح أنظار المثبتين و النافين دون العقليات المبنية على التحسين و التقبيح العقليين التي لم نعثر

على مورد لها لم يف بإثبات حكمها دليل سمعي نعم كثيرا ما نستدلّ في بعض الموارد بأنّ هذا قبيح فهو حرام أو أن تركه كذلك لكن هذا إذا كان ذلك الشي‏ء مندرجا في موضوع كليّ كالظلم الّذي حكمه ضروريّ عقلا و نقلا و تشخيص موضوع ذلك الحكم الكليّ بالعقل ليس إلا كتشخيصه بغيره من الأمور الخارجيّة ليس بيانها من وظيفة الشارع فليتأمل و لقد أعجب بعض الأفاضل فيما حكي عنه في تعليقاته على الكتاب معترضا على المصنف (قدّس سره) بأنّ مذهبهم أي الأخباريّين مبنيّ على كون العلم المأخوذ في وجوب الامتثال و تنجزه إنما هو العلم الموضوعي الخاص الّذي يتبع في تعيين سببه و غيره من جهاته تعيين المولى و جعله و هم يدعون تعيينه بالسّماع من الإمام (عليه السلام) كما يساعد عليه الأخبار و هذا أمر معقول لا إشكال فيه و شدة إنكاره (قدّس سره) عليهم مبنيّ على كونه طريقا بمعنى أن المعتبر فيه هو العلم بالتكليف من أيّ سبب كان و نسب إليه الغفلة عنه و المغالطة في هذا الإنكار و فيه ما لا يخفى فإن وجوب الامتثال حكم عقلي و تنجز التكاليف عبارة عن عدم معذورية المكلف في مخالفتها بواسطة علمه الذي هو شرط في حسن مؤاخذته على المخالفة فمتى علم بها لا يعذر عند العقل في المخالفة فهذا معنى تنجزه و إن أريد به معنى آخر فلا دليل على اعتباره في وجوب امتثال الواجبات الواقعية بل العقل قاض بخلافه لشدة الإنكار عليهم إنما هو لزعمهم أن العلم المأخوذ في موضوع وجوب الإطاعة هو العلم الحاصل من سبب خاص و هو غير معقول حيث إن العلم المأخوذ في موضوع حكم العقل بوجوب الامتثال هو العلم الطريقي المحض و لا يعقل أن يتصرّف الشارع في موضوع حكم العقل لأن مرجعه إلى التناقض بنظر القاطع كما عرفته في صدر المبحث و إنما الممكن أن يأخذ الشارع العلم‏

9

مطلقا أو على وجه خاصّ في موضوع حكمه الشرعي فكان هذا الكلام نشأ عن الغفلة عن تشخيص الموضوع الذي يمكن أخذ العلم بعنوانه الخاص قيدا فيه و عدم الالتفات إلى أن محط النظر في هذا الباب إنّما هو هدم هذا المبنى فجعل مدعيهم من وجوه الردّ على الدّليل و لم يصل إلى عين عبارته فيحتمل وقوع خلل في نقل مرامه و يكون غرضه إرجاع نزاع الأخباريين إلى ادعاء كون العلم الخاص في موضوع الحكم المنجّز الذي يجب امتثاله أي الحكم العقلي لا في موضوع وجوب الامتثال الذي هو حكم عقلي فيكون محط نظره ما قرره صاحب الفصول في تحرير محلّ النزاع حيث إنه بعد أن ذكر اختلاف القائل بالتحسين و التقبيح في الملازمة بين حكمي العقل و الشرع في مقامين قال المقام الثاني أن عقولنا إذا أدركت الحكم الشرعي و جزمت به فهل يجوز لنا اتباعها و يثبت بذلك الحكم في حقنا أوّلا و هذا النزاع إنما يتصور إذا لم يقطع العقل بالحكم الفعلي بل قطع بالحكم في الجملة بأن احتمل عنده اشتراط فعليته باستفادته من طريق النقل و أمّا لو قطع بالتكليف الفعلي بأن أدركه مطلقا غير متوقف على دلالة سمع عليه فالشّك في ثبوته غير معقول إلى أن قال و لا يذهب عليك أن النزاع على التحرير الأخير أي التحرير المزبور يعمّ جميع ما يستقل بإدراكه العقل مما يبتني على قاعدة التّحسين و التقبيح و ممّا لا يبتني عليها انتهى و فيه أنه كيف يعقل أن يدرك للظلم أو الكفر أو تحصيل الأخلاق الذميمة التي هي محرّمات عقلية و كذا حرمة الضدّ أو وجوب مقدمة الواجب أو بطلان العبادة المنهيّ عنها و نظائرها أحكاما شرعية مجملة مردّدة بين مطلقها و مشروطها حتى يتنازع في تنجز التّكليف بها و عدمه و على فرض تعقله فلا ترى وجها لوجوب اتباعه ما لم يحرز فعليته على المكلّف و ما يقال من كفاية هذا المقدار من الإدراك العقلي في إثبات الفعلية بقاعدة المقتضي ففيه أنه لو سلّم هذه القاعدة فهو فيما لو أحرز المقتضي و شك في المانع لا فيما لو شكّ في كون تأثيره مشروطا بشرط كما هو واضح هذا مع أنّ النزاع على هذا التقدير ليس في وجوب متابعة القطع إذ المفروض أن القطع لم يتعلق بحكم شرعي محقق بل النزاع في أن إحراز بعض الجهات المقتضية للحكم يكفي في الحكم بثبوته أم لا فالحق حينئذ مع المنكرين بلا شبهة هذا مع أنك ستسمع في عبارة المصنف عن صاحب الفصول إمكان ردع المولى عبده عن العمل بقطعه فإذا جاز ذلك فلم لا يجوز أن يكون نزاع الأخباري في عدم جواز اتباع قطعه العقلي المتعلّق بالحكم الفعلي حتى يتكلف في صرف النزاع إلى إرادة الحكم الشأني بالمعنى المتقدم مع أن كلماتهم ناطقة بذلك و عمدة مستندهم في ذلك ظواهر الأخبار الناهية عن اتباع العقول في الأحكام الشرعية فليتأمل‏

(قوله) لكن ظاهر من ذكر إلخ‏

(1) (أقول) منشأ الظهور شهادة السياق باتحاد مورد الحكمين و إرادة شي‏ء واحد من لفظ عدم الاعتناء في كلا الموردين و من المعلوم أن الموارد التي يحكم بعدم اعتبار شك كثير الشك فيها كالوضوء و الصّلاة مثلا إنما يراد بعدم الاعتناء بالشكّ عدم ترتيب آثار الشك و تنزيل نفسه منزلة المتيقن بوجود المتعلّق في ترتيب أحكام المتعلّق إذا كان وجوده نافعا في صحة العبادة أو بعدمه إذا كان الوجود مخلاّ بها كما لو شكّ في زيادة ركن في الصّلاة فإنه يبني على عدمها بمعنى أنّه يترتّب على فعله آثار صحّته الواقعيّة و عدم زيادة الركن و لا معنى لعدم اعتبار القطع في هذه الموارد ضرورة أنه لا يعقل أن يكلف القاطع بأنّه لم يركع بالبناء على أنّه ركع أو القاطع بأنه زاد في صلاته أو في الركوع بالبناء على عدمه إلا أن يراد به بعض التوجيهات التي سيشير إليها المصنف (قدّس سره) و الظّاهر أنّ مراده عدم الاعتناء بقطعه الحاصل من أسباب غير متعارفة لا مطلقا و إلا ففساده في غاية الوضوح‏

(قوله) و فساده يظهر ممّا سبق إلخ‏

(2) (أقول) حاصل ما ظهر ممّا سبق امتناع منع المولى عن العمل بعلمه بعد فرض إناطة أحكامه بالواقع من حيث هو و علم العبد بذلك كما هو المفروض حيث إن علمه على هذا التقدير بمنزلة المرآة آلة لملاحظة حال المتعلّق و ليس واسطة في إثبات حكمه أو رفعه فمتى رأى بعلمه أن المتعلق حكمه كذا لا يعقل أن يأمره المولى بعدم العمل بعلمه بعد اعترافه بإطلاق الحكم و كونه محمولا على الواقع من حيث هو فإن العبد يرى المناقضة بين أمره بذلك و إطلاق حكمه الواقعي نعم له أن يأخذ

السّبب الخاص في موضوع حكمه بحيث لا يكون للواقع من حيث هو حكم فحينئذ يصحّ منعه عن العمل بعلمه بمعنى إظهاره له أنه لا حكم له في غير المعلومات بعلمه الخاص و أن أوامره الواقعية التي أدركها العبد بعقله لا من هذا السّبب الخاص أوامر صوريّة لا حقيقة لها كما أنّه يعقل أن يظهر للعبد هذا المعنى مع كون أحكامه في الواقع محمولة على ذوات موضوعاتها من حيث هي إذا علم بخطإ علوم العبد غالبا و كونه جهلا مركبّا في كثير من الموارد فيجوز حينئذ أن يظهر خلاف الواقع للعبد بأن يقول له إن أوامره مقيّدة بهذا القيد فلا تعمل في غير موارد القيد كما هو واضح‏

(قوله) و المتكفّل للتكلّم في المرتبة الثانية إلخ‏

(3) (أقول) و وجهه أن المقصود بالبحث في المقام إنّما هو في أن العلم الإجمالي هل هو كالعلم التفصيلي موجب لتنجز التكليف بالواقع المجمل أم لا و أمّا أن هذا أي تنجز التكليف بالواقع على سبيل الإجمال هل يقتضي الإتيان بجميع محتملات الواجب و الاجتناب عن جميع محتملات الحرام من باب المقدمة العلميّة و دفع الضرّر المحتمل أم لا يقتضي إلاّ حرمة المخالفة القطعية فهو أجنبي عما نحن فيه و إن كان له نوع تعلق بكيفية اعتبار العلم و لذا جعل المصنف (قدّس سره) حرمة المخالفة القطعية و وجوب الموافقة القطعية مرتبتين لاعتبار العلم بلحاظ أن الكلام في وجوب الموافقة القطعية و عدمه قد ينشأ من أن اعتباره هل هو على وجه لا يصلح أن يكون الجهل التفصيلي عذرا في مخالفة ما علم بالإجمال أصلا أو أنّه ليس بهذه المثابة بل هو عذر في الجملة و لكن المقصود بالبحث في المقام التكلّم في أصل اعتباره إجمالا لا في كيفيته و مقدار ما يقتضيه من التأثير

(قوله) و أمّا فيما لا يحتاج سقوط التّكليف فيه إلى قصد

10

الإطاعة ففي غاية الوضوح‏

(1) (أقول) و ليعلم أوّلا أنّ وجوب إطاعة الشارع عقلي و لا يعقل أن يكون شرعيّا للزوم التّسلسل فالعقل مستقلّ بوجوب الائتمار بما أمره الشارع و الانتهاء عما نهى عنه بأن يكون أمره باعثا على الفعل و نهيه داعيا إلى الترك فيجب على العبد عقلا أن يأتي بما أمر به الشارع بداعي أمره و يترك ما نهاه عنه امتثالا لنهيه من غير فرق في ذلك بين أن يكون ما تعلّق به الأمر أو النهي توصّليا أو تعبّديا إلا أنّه لما لم يتعلق الغرض من الأمر التوصّلي إلا بصرف حصول المتعلق و من النهي التوصّلي إلا عدم اختيار الفعل عند الابتلاء فمتى حصل الفعل المأمور به في الخارج بأيّ نحو كان سواء كان بفعل غير المكلّف أو بفعل المكلّف بلا داع و شعور أو بداع آخر وراء امتثال التكليف فقد حصل الغرض و سقط الأمر فانتفي موضوع وجوب الامتثال كما لو أنّه ما لم يتحقّق دواعي ارتكاب المحرّم و لم يتيهأ أسبابه لا يتنجّز في حقّه النّهي كي يجب عليه امتثاله فهذا هو الفارق بين التوصّلي و التعبّدي لا أنّه لا يجب الإطاعة في التّوصليّات كما قد يتوهّم و قد ظهر ممّا ذكر أنّ الإطاعة الّتي استقلّ العقل بوجوبها عبارة عن إتيان المأمور به بداعي الأمر و إن شئت قلت إنّها عبارة عن الإتيان بما تعلّقت به إرادة الشّارع على حسب ما تعلقت به إرادته لما سنشير إليه من أنّ العبرة بالخروج عمّا تعلّق به الغرض من الأمر لا بنفس الأمر من حيث هو و كيف كان فحيث لم يتعلّق غرض الشّارع في الواجبات التوصّليّة الّتي لا تتوقّف صحّتها على القصد إلاّ بإيجاد ذات المأمور به من حيث هو فلا مجال للارتياب في حصول إطاعة أوامرها بإيجاد متعلّقاتها في ضمن محتملاتها بقصد الامتثال من غير أن يتوقّف ذلك على معرفتها بالتّفصيل بعد أن لم يتعلّق غرض الأمر بذلك كما هو المفروض‏

(قوله) و أمّا فيما يحتاج إلى قصد الإطاعة إلخ‏

(2) (أقول) قد عرفت فيما تقدّم أنّ الإطاعة الّتي يستقلّ بوجوبها العقل ليست إلاّ عبارة عن باعثية الأمر على الفعل المأمور به بأن يؤتى به بداعي الأمر فعلى هذا لا مجال للارتياب في حصول الإطاعة و سقوط الأمر في هذا القسم أيضا إن لم يتعلّق غرض الآمر إلاّ بصرف حصول المتعلّق بعنوان الإطاعة من حيث هي من غير اعتبار قيد زائد فيها بأن كان مقصوده الإطاعة بكيفية خاصّة بأن كان مثلا عارفا بوجهه جازما حال الفعل بكونه بعينه هو المأمور به أو نحو ذلك و إلاّ فلا يتحقّق إطاعته إلاّ إذا أتى به على نحو تعلّق به غرض الآمر فلا يكفي حينئذ مجرّد إيجاد المأمور به بداعي الأمر في تحقّق الإطاعة كما هو واضح فالجزم بحصول الإطاعة الموجبة لسقوط التّكليف في هذا القسم من الواجب الّذي تسميه بالواجب التعبّدي موقوف على إحراز أن الشّارع لم يعتبر كيفيّة خاصّة في الإطاعة الّتي اعتبرها شرطا في صحّة المأمور به عدا ما كان يصدق عليه اسم الإطاعة على تقدير كونه توصّليا أي صرف عنوان الإطاعة من حيث هي و لذا لم يدّع المصنف (قدّس سره) البداهة في هذا القسم كما ادّعى في القسم الأوّل بل عبّر بقوله فالظّاهر أيضا تحقق الإطاعة إلخ و كيف كان فالأظهر حصول إطاعة الأوامر التعبّدية أيضا بصرف حصول متعلّقاتها بداعي الأمر مطلقا بل يكفي في صحّة العبادات و سقوط التّكليف بها مجرّد حصولها للّه تعالى لا لسائر الأغراض النّفسانيّة و إن لم يكن بداعي أمره كي يصدق عليها اسم الإطاعة بل لسائر الغايات الموجبة للقرب إليه تعالى كتحصيل مرضاته و الإتيان بمحبوبه و نحو ذلك إذ لا دليل على اعتبار أمر زائد على ذلك في ماهيّة العبادات و مقتضى الأصل عدمه و براءة الذّمة عنه و شرح ذلك يتوقف على بسط المقال في تحقيق ما يقتضيه الأصل عند دوران الواجب بين كونه تعبّديّا أو توصّليّا ثمّ التكلّم في أنّه بعد أن ثبت كونه تعبّديا بواسطة أصل أو دليل فلو شكّ في اعتبار شي‏ء زائد عن عنوان الإطاعة الّتي استقلّ بوجوبها العقل كالجزم في النية أو معرفة الوجه فهل يجب الاحتياط أو يرجع إلى البراءة فأقول مستعينا باللّه أمّا الكلام في المقام الأوّل فهو أنّهم اختلفوا في أنّ الأصل في الواجب كونه تعبّديّا أو توصّليّا على قولين أقواهما الأخير احتجّ للقول الأوّل بأمور الأوّل أنّ المتبادر من أمر المولى عبده بشي‏ء إيجاب إيجاده لأجل أنّه أمره فحصول الإجزاء بمجرد تحقّقه في الخارج لا بداعي الأمر خلاف ظاهر الأمر و فيه أنّ دعوى استفادته من مدلول الخطاب فاسدة جدّا إذ المادّة في الطّلبات موضوعة لمعانيها الواقعيّة و الطّلب إنما

تعلّق بإيجادها بعناوينها المخصوصة بها الواقعة في حيّز الطّلب أمّا كونه بعنوان الإطاعة و الامتثال فهو تقييد آخر في الواجب لا يستفاد من المادّة و لا من الهيئة فكيف يصحّ استناده إلى ظاهر الدّليل بل لا يعقل استفادته من ذلك الخطاب لأنّ مرتبة الإطاعة متأخّرة عن الطّلب فلا يمكن أخذها قيدا في متعلّق الطّلب كما لا يخفى و قد ظهر بذلك ما في عكس هذا التّوهّم من الاستدلال بإطلاق الكلام لنفي اعتبار قصد الإطاعة و إثبات كون الأصل في الواجب كونه توصّليّا توضيح ما فيه أنّ التمسّك بإطلاق الكلام فرع صلاحيّته للتقييد حتّى يكون ترك القيد دليلا على إرادة عدمه و قد عرفت امتناع التّقييد فلا يصحّ التّمسك بالإطلاق الثّاني حكم العقل بوجوب إطاعة الواجبات الّتي قد عرفت أنّها عبارة عن إتيان المأمور به بداعي الأمر و فيه أنّ حكم العقل بوجوب الإطاعة فرع بقاء الوجوب و عدم سقوط الأمر بحصول ذات الواجب في الخارج و هذا مبنيّ على كون الإطاعة من حيث هي مقصودة للآمر في أوامره و كونها بهذه الصّفة ممّا لا يدركه العقل و إنّما يحكم بوجوبها للتوصّل إلى إسقاط التّكليف بإيجاد المكلّف به على نحو تعلّق به غرض الآمر و لذا لو علم بحصول غرضه في الخارج و لو من غير هذا الشّخص كما في التّوصليّات لا يحكم بوجوب الإطاعة لا لكونه تخصيصا في الحكم العقلي أعني وجوب الإطاعة بغير التّوصّليات بل لكون حكم العقل بالوجوب مقدميّا فيرتفع عند حصول ذي المقدّمة و المفروض عدم دلالة الخطاب على وجوب ما عدا المادّة و عدم نهوض دليل آخر على اعتبار عنوان الإطاعة في قوام ماهيّة الواجب‏

11

الواقعي الذي تعلّق غرض الآمر بتحقّقه في الخارج فالأصل عدم وجوبه و اعتباره في ماهية الواجب و لا نعني بالأصل أصالة الإطلاق حتّى يتوجه علينا فساده في حدّ ذاته أوّلا كما عرفت و فرض إهمال الدّليل ثانيا بل المقصود أصالة براءة الذّمة عن وجوب إتيان الواجب بهذا العنوان كغيره من الشّرائط و الأجزاء الّتي يشكّ في اعتبارها في الواجب لأنّ المناط في جريان أصل البراءة هو الشّك في إيجاب الشّارع أمرا يكون بيانه وظيفة له سواء كان الواجب نفسيّا أو غيريّا على ما تقرّر في محلّه و هذا المناط محقّق فيما نحن فيه لأنّ تعلّق غرض الآمر في أوامره بامتثال الأوامر على نحو تكون الإطاعة و الامتثال فيها مقصودة بالذّات لا لأجل الوصلة إلى تحصيل غرض أمر لا طريق لنا إليه إلاّ من قبله فالعقاب عليه من دون بيان غرضه قبيح و لا ينافي هذا ما ذكرناه سابقا من عدم إمكان أخذه قيدا في الخطاب الّذي دلّ على وجوب المأمور به إذ لا تنافي بين الأمرين فعليه بيان مقصوده من أمره بخطاب آخر كما هو الشّأن في جميع الواجبات التعبّديّة الّتي استكشفنا شرطيّة الإطاعة فيها في حصول الغرض من دليل مستقل كالإجماع و الضّرورة توضيح المقام أنّه إذا أمر المولى عبده بشراء اللّحم فربّما يتعلّق غرضه بتحصيل اللّحم و إحضاره عنده ليصرفه في حوائجه و ربّما يقصد بذلك إطاعة العبد إمّا تمرينا أو لأغراض أخر ممّا في نفس المولى فإن كان من هذا القبيل يجب عليه إعلامه حتّى لا يقتصر في رفع اليد عن الأوامر بحصول متعلّقاتها في الخارج و لو من دون قصد الإطاعة فيقبح عقابه لو اقتصر في رفع اليد عنها بذلك معتذرا بجهله بالمقصود و الحاصل أنّه كما يقبح العقاب على التّكاليف إلاّ بعد بيانها كذلك يقبح العقاب على تفويت الغرض الباعث على التّكليف و لو كانت معرفته محتاجة إلى بيان زائد مغاير لبيان أصل التّكاليف و توهّم عدم الحاجة إلى بيان زائد فيما نحن فيه بعد استقلال العقل بوجوب الإطاعة مدفوع بما عرفت من أنّ حكم العقل بوجوب الإطاعة للتّوصل إلى حصول ذات المأمور به الموجب لارتفاع الطّلب و سقوط التّكليف فلا يعقل بقاؤه بعد حصول الواجب في الخارج بل و لا مع الشكّ فيه ما لم يكن أصل موضوعيّ يحرز به بقاء الأمر إذ لا يعقل أن يحكم العقل بوجوب إيجاد شي‏ء بقصد الامتثال ما لم يحرز كونه بالفعل مأمورا به إن قلت لا يجوز رفع اليد عن الإطاعة الّتي استقلّ العقل بوجوبها بمجرّد احتمال سقوط الأمر و حصول الغرض بل لا بدّ من القطع بالفراغ لقاعدة الشّغل فما نحن فيه من قبيل الشبهات المصداقية الّتي يجب فيها الاحتياط قلت إن أريد بذلك إعمال القاعدة بالنسبة إلى وجوب الإطاعة الّذي هو حكم عقليّ فقد عرفت أنّ بقاءه على تقدير حصول المأمور به بل و مع الشكّ فيه الموجب للشّك في بقاء الطّلب غير معقول ما لم يحرز موضوعه و لو بالأصل و إن أريد إعمالها في متعلّقه بدعوى أنّه متى ثبت تعلّق التّكليف بشي‏ء لا يجوز رفع اليد عنه ما لم يحصل القطع بحصول المكلّف به على نحو تعلّق به غرض الآمر لأنّ الاشتغال اليقيني يستدعي البراءة اليقينيّة ففيه أنّه لا شكّ و لا شبهة في سقوط التّكليف و ارتفاع الطّلب على تقدير انحصار غرضه من أوامره فيما يكون إثباته وافيا ببيانه و احتمال تعلق غرضه بما يقصر عن إفادته ما بيّنه من التّكاليف المستلزم لبقاء الأمر مدفوع بالأصل إن قلت مقتضى الأصل بقاء التّكليف و عدم سقوط الطّلب بمجرّد حصول متعلّقه في الخارج كيفما اتّفق فاستصحاب التكليف حاكم على قاعدة البراءة قلت الشكّ في بقاء التّكليف مسبّب عن الشّك في تعلّق الطّلب النّفس الأمري و التّكليف الواقعي بما يقصر عن إفادته الخطاب الشرعيّ و هو منفيّ بالأصل و القاعدة فلا يبقى معهما مجال لاستصحاب التّكليف كما لا يخفى على المتأمّل ثمّ إنّ في المقام توهّمات أخر مقتضية لوجوب الاحتياط لكنّها غير مختصّة بالمقام بل لو تمت لعمت الأجزاء و الشّرائط المشكوكة مطلقا و تمام الكلام فيها موكول إلى محلّه و المقصد الأهم في المقام إثبات عدم الفرق بين هذا الشّرط و بين غيره من الشّرائط المعتبرة في الواجبات الّتي يرجع فيها مع الشّك إلى البراءة كما تعرفه في محلّه إن شاء الله و أمّا الكلام فيما يقتضيه الأصل بعد العلم بأنّه لم يتعلّق الغرض من الواجب بإيجاد متعلّقه في الخارج كيفما اتفّق بل أريد إيجاده قاصدا بفعله التقرّب و الإطاعة فقد يقال متى شكّ في أنّه هل تعلّق الغرض بإيجاده بداعي الأمر مطلقا و لو في ضمن محتملاته أو أريد إتيانه عارفا بوجه الفعل‏

من الوجوب و النّدب أو جازما حال الفعل بكونه بعينه هو المأمور به أو نحو ذلك يجب الاحتياط و إن قلنا بالبراءة عند الشكّ في شرائط الواجب و أجزائه فإنّ هذه الأمور على تقدير اعتبارها من مقوّمات مفهوم الإطاعة فإنّ الإطاعة عبارة عن الإتيان بالفعل على وجه يوافق غرض الآمر لا مجرّد إيجاده بداعي الأمر فما لم يحرز موافقة الغرض لا يعلم بحصول الإطاعة و سقوط الأمر و أمّا حكم العقلاء بحصول الإطاعة بمجرّد إتيان المأمور به بداعي الأمر في أوامرهم العرفيّة فإنّما هو لأجل معلوميّة الغرض عندهم غالبا في تلك الموارد و إلاّ فلو علم في مورد أنّ غرض المولى من الأمر شي‏ء آخر وراء نفس المأمور به و لا يعلم بحصوله لا يحكمون بحصول الإطاعة بمجرّد إيجاد المأمور به بداعي الأمر هذا مع أنّه يكفي الشّك في كون الإطاعة الّتي اعتبرت قيدا في الواجبات التعبّدية أي شرطا لصحّتها عبارة عن موافقة الغرض لا مجرّد الإتيان بداعي الأمر في وجوب الاحتياط لأنّ الشكّ فيه شكّ في المكلّف به لا في التّكليف كما يشير إليه المصنف (قدّس سره) في ذيل العبارة و لا يخفى عليك أنّه إن تمّ ما ذكر فمقتضاه كون الأصل في الواجبات التّعبديّة و كيف كان فيتوجّه عليه أوّلا ما تقدّمت الإشارة إليه مرارا من أنّ الإطاعة ليست إلاّ عبارة عن إتيان المأمور به بداعي الأمر و التّشكيك في حصول الإطاعة بعد فرض إتيان المأمور به تامّ الأجزاء و الشّرائط بقصد الامتثال و الخروج عن عهدة التّكليف من قبيل التّشكيك في الضّروريات و ثانيا إنّ الإطاعة و المعصية من الموضوعات الّتي يستفاد حكمها من العقل كما عرفته مفصّلا فلا بدّ من أن‏

12

يؤخذ الموضوع من نفس الحاكم و لا معنى للرّجوع إلى غيره في تشخيص موضوعه فكلّ من يحكم عقله بوجوب الإطاعة يجب أن يكون موضوع حكمه مشروحا لديه متصوّرا بجميع خصوصيّاته الّتي لها مدخليّة في تعلّق الحكم فلا يعقل الإجمال و التّرديد في نفس الموضوع حتّى يقال إنّ احتمال كون معنى الإطاعة كذا كاف في وجوب الاحتياط نعم قد يشكّ في حصولها لا لإجمال المفهوم بل لوجود المصداق في الخارج إذا عرفت ذلك فنقول إنّ العقل يحكم بلزوم إيجاد العبد الفعل الّذي ألزمه المولى بفعله بداعي إلزامه بشرط علم العبد بإلزامه لا بدونه لأنّ العلم بالحكم مأخوذ في موضوع حكم العقل عقلا و هذا الإيجاد الخاص اسمه الإطاعة عرفا و حكمه الوجوب عقلا و لا يعقل التّصرف في هذا الحكم العقلي أصلا و لا في موضوعه أبدا لأمر الشّارع و لا من غيره فكلّما يفرض قيدا للإطاعة كمعرفة الوجه تفضيلا و الجزم في النّية أو غيرهما ممّا يحتمل اعتباره شرعا أو عرفا لا بدّ فيه أن يرجع لدى التّحليل إلى تقييد الفعل الواجب إذ لا يحكم العقل إلاّ بوجوب إيجاد ما أوجبه المولى بداعي طلبه بل لا نتعقّل بقاء الوجوب بعد إيجاد الواجب على النّحو الّذي أوجبه بداعي وجوبه فهذه الكيفيّات إن كانت ممّا أوجبها بتصريحه أو بشهادة العرف أو العقل عليها يجب تحصيلها و إلاّ فلا كغيرها من الشّرائط و الأجزاء المعتبرة في الواجبات و مرجع الشّك في الجميع إلى الشّك في أصل التّكليف و المرجع فيه البراءة كما يأتي تحقيقه في مبحث أصل البراءة إن شاء الله و عدم إمكان أخذ هذه الكيفيّات قيدا للمأمور به صورة لا يصلح فارقا بين الموارد بعد ما أشرنا إليه من أنّها على تقدير اعتبارها من قيود الواجب الواقعي و المحبوب النّفس الأمري كعنوان الإطاعة المأخوذة قيدا في الواجبات التعبدية و قد عرفت أنّ المرجع عند الشكّ في اعتبار الإطاعة قيدا في الواجبات أي كونها تعبّدية البراءة مع أنّ وجوبها عقليّ و اعتبارها قيدا في التّعبديات شرعي فكيف في مثل هذه التفاصيل التي لا وجوب لها عقلا فشرطيتها على تقدير تحقّقها منتزعة عن الإيجاب الشّرعي كغيرها من الشّرائط و الحاصل أنّه كلّما يشكّ في اعتباره قيدا للواجب الواقعي و المحبوب النّفس الأمري سواء أمكن أخذه قيدا للمأمور به في العبادة أم لا يرجع فيه إلى البراءة نعم لو علم تعلّق غرضه بشي‏ء ممّا يوجد مع المأمور به أحيانا أو بإتيانه بكيفيّته خاصّة يجب إحرازه و القطع بحصوله جزما لأنّ عنوان الواجب الواقعي على هذا التّقدير ما يحصل به الغرض المعلوم لا المأمور به لأنّ الموضوع في حكم العقل بوجوب الإطاعة ما علم محبوبيّته للمولى و أنّه لا يرضى بتركه سواء وفي ببيانه لفظه أم لا و المدار في ذلك على العلم بذلك لا على الشّك لما ذكرنا من أنّ العلم معتبر في موضوع حكم العقل بوجوب الإطاعة فلو شكّ في تعلّق غرضه بشي‏ء ممّا يمكن انفكاكه عن المأمور به لا يلتفت إليه أصلا و لا يجب القطع بحصوله جزما لأنّ إظهار ما في ضميره و التّكليف بما يفي بتمام غرضه من وظيفته و العقاب على ما تعلّق به غرضه من دون بيانه للعبد و علم العبد به قبيح و بما ذكرنا ظهر ما في تقريب الاستدلال من المغالطة لظهور الفرق بين العلم بتعلّق غرضه بشي‏ء غير حاصل و احتماله و ما نحن فيه من الثّاني لا الأوّل و قد عرفت أنّه يجب الاحتياط في الأوّل دون الثّاني و أمّا ما ذكر من أنّ مقاصد العقلاء في أوامرهم غالبا معلومة و أنّهم لا يرتابون في حصولها بوجود المأمور به و لذا يحكمون بحصول الإطاعة في أوامرهم العرفيّة بمجرّد إيجاد المأمور به بداعي الأمر ففيه منع ظاهر إذ كثيرا مّا يشتبه على العبد أغراض مواليهم مع أنّهم غير ملتزمين بالاحتياط فيما يحتملون تعلّق غرض المولى بحصوله بل لا يلتفتون إلى ذلك لما هو المفروض في أذهانهم من كفاية إيجاد المأمور به بداعي الأمر في سقوط التكليف و حصول الامتثال (إن قلت) تعلّق غرض الشّارع في العبادات بما عدا وجود المأمور به من حيث هو معلوم و حصول غرضه بمجرّد إتيان المأمور به بداعي الأمر مجرّدا عن التّفاصيل المحتمل اعتبارها غير معلوم فيجب الاحتياط (قلت) تعلّق غرضه فيها بإيجادها بعنوان الإطاعة الّتي قد عرفت أنّها عبارة عن إيجاد المأمور بداعي الأمر معلوم و قد حصل بالفرض و تعلّق غرضه بشي‏ء آخر غير معلوم و الأصل ينفيه و ربّما يستدلّ لعدم جواز الاحتياط بالتّكرار بتعذّر قصد التقرّب في كلّ من المحتملين و القدر المشترك بينهما ليس أمرا ثالثا حتّى ينوي به التقرّب و فيه مع أنّ مقتضاه‏

عدم مشروعيّة الاحتياط حتّى مع تعذّر المعرفة التّفصيليّة مع أنّه واضح الفساد أنّه لا شبهة في تحقق ذات المأمور به في ضمن محتملاته و انبعاثه عن داعي الامتثال فكيف لا يكون مقصودا به التقرّب و يأتي مزيد توضيح لكيفيّة قصد التقرّب في عبارة المصنف (قدّس سره) في طيّ مقدّمات دليل الانسداد و يتلوه في الضّعيف الاستشهاد له بمخالفته لسيرة المتشرعة و الإجماع ضرورة عدم كاشفيّة السّيرة في التّروك بعد تسليمها عن عدم الجواز و أمّا الإجماع فعلى تقدير تحقّقه فمنشؤه على الظّاهر التزامهم باعتبار قصد الوجه في تحقّق الإطاعة و قد بيّنا خلافه و ربّما يستشهد له أيضا بأن من أتى بصلوات كثيرة كأن صلّى عشرين صلاة عند اشتباه القبلة في الجهات الأربع و ثوبه الطّاهر في خمسة أثواب مع تمكّنه من المعرفة التفصيلية يعدّ في العرف لاعبا لاهيا بأمر المولى و الفرق بين الصّلاتين و الصّلوات الكثيرة ممّا لا يرجع إلى محصّل و فيه ما لا يخفى فإنّه إنّما يعدّ لاعبا لاهيا إذا كان غرضه الاستهزاء بالأمر و أمّا إذا لم يقصد به إلاّ الامتثال و كان الباعث على التّكرار غرض عقلائي ككونه أسهل من تحصيل المعرفة التفصيليّة فلا يعدّ إلاّ عبدا مطيعا شديد الاعتناء بأمر مولاه بل ربما يعدّ بترك التّكرار و السّعي في تحصيل الجزم في مثل الفرض لاعبا لاهيا أ لا ترى أنّه لو كلّفه المولى بأن يسلم على شخص و غاب المولى ثمّ تردّد ذلك الشّخص بين شخصين حاضرين عند العبد فتكلّف العبد في الحضور عند المولى لتحصيل الجزم بالنيّة يعدّ لاعبا و كذا لو أمره بإعطاء درهم عليه فتردّد بين شخصين فصرف العبد درهمين في طريق تحصيل الجزم يعدّ سفيها كما هو واضح و إن أردت مزيد توضيح لما يتعلّق بكيفيّة

13

الإطاعة فعليك بمراجعة ما حققناه في نيّة الوضوء في كتابنا المسمّى بمصباح الفقيه فإن ما أوردناه في المقام شطر ممّا سطرناه في ذلك المبحث فتبصّر

(قوله) فيكفي في عدم جواز الاحتياط بالتكرار احتمال عدم جوازه‏

(1) (أقول) يعني يمتنع حصول الاحتياط بذلك حيث إنّ مقتضى الاحتياط الأخذ بما يحصل معه القطع بالفراغ كما لا يخفى‏

(قوله) مع إمكان أن يقال إلخ‏

(2) (أقول) هذا أحد الوجوه الّتي يستدلّ بها للقول بوجوب الاحتياط في مسألة الشكّ في الشّرطيّة أو الجزئيّة بل أقواها و يظهر ضعفه ممّا حقّقه المصنف في ذلك المبحث كما أنّه ظهر ذلك بما حقّقناه آنفا من أنّ المرجع فيما زاد على القدر المتيقّن البراءة

(قوله) بل لا يجوز

(3) (أقول) أي بالنّظر إلى الوجه الّذي أشار إليه بقوله مع إمكان إلخ‏

(قوله) في جميع موارد أراده التكرار

(4) (أقول) يعني في جميع الموارد الّتي تعلّق غرض المكلّف بتحصيل الواقع على ما هو عليه لإدراك مصلحته الواقعيّة و إن لم يجب عليه ذلك بمقتضى تكليفه هي الظّاهري بعد أن خرج عن عهدته بسلوك طريق معتبر

(قوله) بتحصيل الواقع أوّلا إلخ‏

(5) (أقول) ظاهره لزوم تقديم المظنون في مقام العمل و سرّه أنّه لو أتى بالموهوم أوّلا من باب الاحتياط فقد أتى به حال تمكّنه من الخروج عن عهدة الواجب الواقعي بما يجزم بكونه هو ذلك الواجب بحسب ما يقتضيه تكليفه في مرحلة الظّاهر و هو خلاف الاحتياط و هذا بخلاف ما لو أخّره عن المظنون الّذي يجب عليه في الظّاهر بظنّه المعتبر حيث إنّه لم يحتّط حينئذ بفعل الموهوم إلاّ بعد أن تعذّر عليه الامتثال الجزمي و يمكن أن يقال إنّ تقديم الموهوم مخلّ بالجزم بالوجوب حال الإتيان بما هو واجب عليه في الظّاهر لاحتمال كون الموهوم واجبا في الواقع فلا يقطع بتوجّه الأمر عليه حال الإتيان بالمظنون و هذا بخلاف ما لو قدّم المظنون فإنّه جازم حال إتيانه بتنجّز الواجب عليه و كونه في مقام امتثال الواجب الواقعي فليتأمل‏

(قوله) عدى السّيد أبي المكارم في ظاهر كلامه‏

(6) (أقول) قال السّيد في محكي الغيبة و تعلّق من ذهب إلى أنّ مطلقه يقتضي الوجوب بذمّ العقلاء العبد على مخالفة مولاه باطل إلى أن قال و تعلّقهم بأنّ الأمر إذا احتمل الإيجاب و النّدب وجب حمله على الإيجاب لأنّه أعمّ فائدة و أحوط في الدّين ظاهر الفساد إلى أن قال و قولهم إنّ ذلك أحوط في الدّين غير صحيح بل هو ضدّ الاحتياط لأنّه يؤدّي إلى أفعال قبيحة منها اعتقاد وجوب الفعل و منها العزم على أدائه على هذا الوجه و منها اعتقاد قبح تركه و ربما كره هذا التّرك و كلّ ذلك قبيح لأنّ من أقدم عليه يجوّز قبحه لتجويز كون المأمور به غير واجب و الإقدام على ما لا يؤمن قبحه في القبح كالإقدام على ما يقطع على ذلك انتهى و في ظهور كلامه في ما ذكره المصنف (قدّس سره) نظر فإنّ غرضه بحسب الظّاهر ليس إلاّ إبطال الاستدلال بالاحتياط للقول بأنّ الأمر للوجوب ببيان مفاسده الّتي ملخّصها التديّن و القول على اللّه بغير علم و هو ضدّ الاحتياط كما هو واضح لا أنّ الاحتياط في المأمور به من حيث هو مستلزم لهذه المفاسدة كي يظهر منه نفي مشروعيّة الاحتياط رأسا فليتأمل‏

(قوله) و سيأتي ذكره عند الكلام على الاحتياط

(7) (أقول) الظّاهر أنّه (قدّس سره) لم يتعرّض لكلام السّيّد (قدّس سره) في طيّ مقدّمات دليل الانسداد و يمكن أن يكون مقصوده ذكر عدم اعتبارية الوجه في مقام الاحتياط لا ذكر كلام السّيد

(قوله) دفعة أو تدريجا

(8) (أقول) ارتكاب كلا طرفي الشّبهة دفعة إمّا بفعل واحد كما إذا جمعهما في لقمة واحدة أو جعلهما ثمنا في بيع واحد فهو على هذا التّقدير بنفسه مخالفة للعلم التفصيليّ أو بفعلين في زمان واحد كما إذا شرب أحد الإناءين و أراق الآخر في المسجد مثلا فإنّه يعلم إجمالا بأنّ أحد الفعلين محرّم عليه فلو سجد في ذلك المكان يتولّد من علمه الإجمالي علم تفصيلي ببطلان صلاة إمّا لنجاسة مسجده أو بدنه و القائل بجواز ارتكابهما دفعة بحسب الظّاهر لا يقول إلاّ في الفرض الأخير و أمّا الأوّل فممّا لا يظنّ بأحد الالتزام به لكونه بديهيّ الفساد و اللّه العالم‏

(قوله) كما لو اشترى بالمشبهين إلخ‏

(9) (أقول) هذا فيما إذا تعدّد البيع و إلاّ فهو بنفسه مخالفة تفصيليّة اللّهم إلاّ أن يقال إنّ البيع في حدّ ذاته لا يعدّ مخالفة و إنّ المخالفة تحصّل بالتّصرفات المترتّبة على البيع و هو لا يخلو من وجه‏

(قوله) فنقول مخالفة الحكم المعلوم بالإجمال يتصوّر على وجهين إلى آخره‏

(10) (أقول) يعني مخالفته من حيث كونه معلوما أي مخالفة العلم الإجمالي و إلاّ فمخالفة

نفس الحكم من حيث هو عمليّة لا محالة و كيف كان فنقول في توضيح المقام إنّ العلم الإجمالي إمّا أن يكون على تقدير اعتباره و كونه كالتّفصيلي مؤثّرا في توجيه خطاب منجّز بفعل شي‏ء أو تركه في مقام العمل أم لا فالأوّل كما لو تردّد الواجب أو الحرام بين أمرين أو أمور يمكن الاحتياط فيها أو دار الأمر بين وجوب شي‏ء و حرمة شي‏ء آخر أو بين وجوب شي‏ء في وقت و حرمته في وقت آخر إلى غير ذلك من موارد الشّك في المكلّف به مع العلم بنوع التّكليف أو جنسه مع إمكان الاحتياط فيه و إمّا أن لا يكون له أثر في مقام العمل كما لو علم إجمالا بارتفاع نجاسة أحد الإناءين الذين يعلم نجاستهما بالتّفصيل فإنّ علمه الإجمالي في الفرض لا يؤثّر في حقّه تكليفا منجّزا لأنّ أثر معلومه بالإجمال ليس إلاّ جواز الارتكاب فلا يتحقّق بالنّسبة إليه إطاعة أو معصية في مقام العمل و مثل ما لو توضّأ غفلة بمائع مردّد بين الماء و البول فإنّه يعلم إجمالا إمّا بنجاسة بدنه أو ارتفاع حدثه إلاّ أنّه ليس لعلمه الإجمالي أثر أصلا ضرورة أنّه لا يجوز الاقتصار على احتمال رفع الحدث في مقام امتثال الأمر بالصّلاة كما أنّه لا يجب عليه غسل ثوبه بمجرّد احتمال ملاقاته للنّجس و ليس للقدر المشترك بين الأمرين أثر شرعيّ حتّى يرتّبه على ما علمه بالإجمال و مثل ما لو دار الأمر بين وجوب شي‏ء أو حرمته و كان الحكم المعلوم بالإجمال توصّليّا على كلّ تقدير دون ما لو كان تعبّديّا مطلقا أو على تقدير وجوبه دون الحرمة أو بالعكس فإنّه يندرج حينئذ في القسم الأوّل لأنّه يتولّد من علمه الإجمالي علم تفصيليّ بعدم جواز إيجاده أو تركه في الخارج لا بقصد القربة لكون كلّ منهما مخالفة تفصيليّة للمعلوم بالإجمال على تقدير كون المعلوم بالإجمال تعبّديّا على كلّ تقدير و لو كان تعبّديّا على تقدير وجوبه يعلم بكون إيجاده‏

14

لا بقصد القربة مخالفة تفصيليّة للمعلوم بالإجمال و لو كان تعبّديّا على تقدير حرمته أي وجوب تركه يكون تركه لا بقصد الوجوب معلوم الحرمة فقول المصنف (قدّس سره) مع عدم كون أحدهما المعيّن تعبّديّا بيان للفرد الخفيّ و تقييده بالمعين للتّنبيه على أنّ العلم بكون أحدهما على سبيل التّرديد تعبّديا ممّا لا يرجع إلى محصل فإنّه و إن أمكن تصويره فيما لو صدر من الشّارع تكاليف واجبة و تكاليف محرّمة و علم بكون أحد القسمين بأسره تعبّديّا و الآخر توصّليّا على سبيل الإجمال ثمّ علم إجمالا مثلا أنّ لبث الجنب المعتكف في المسجد مندرج في موضوع أحد القسمين من تلك التّكاليف المعلوم كون أحدهما لا بعينه تعبّديا لكن هذا مرجعه إلى مجرّد احتمال كون الحكم المعلوم بالإجمال تعبّديا احتمالا ناشئا من العلم بصدور بعض أحكام شرعيّة تعبّديّة يحتمل كون ذلك الحكم من جملتها فلا ربط له بما نحن فيه من أنّه هل يجوز مخالفة العلم الإجمالي في مقام العمل أو الالتزام أو لا يجوز كما هو واضح ثمّ إنّ الكلام في أنّ العلم الإجمالي كالتّفصيلي في تنجيز الواقع و عدم جواز مخالفته يقع تارة في القسم الأوّل أعني ما كان لعلمه الإجمالي على تقدير اعتباره أثر عملي و أخرى فيما لا أثر له في مقام العمل أمّا القسم الأوّل فسيأتي الكلام في تحقيقه و أمّا الكلام في القسم الثاني فحيث إنّ المفروض أنّه لا مخالفة له من حيث العمل فمرجعه إلى أنّ الالتزام بحكم اللّه الواقعي على ما هو عليه في حدّ ذاته واجب في مرحلة الظّاهر فلا يجوز مخالفة المعلوم بالإجمال و الرّجوع إلى الأصول الجارية في أطراف العلم الإجمالي أم لا فإن جوّزنا ذلك و قلنا إنّ العلم الإجمالي الّذي لا أثر له بمنزلة العدم فنقول في الإناءين المشتبهين الّذين علم سبق نجاستهما للاستصحاب و كذا في مسألة التّوضيّ بالماء المشتبه بقاء الحدث و طهارة البدن لأجل الاستصحاب و في مسألة دوران الأمر بين المحذورين الإباحة و براءة الذّمة عن كل واحد من التّكليفين و هذا بخلاف ما لو قلنا بأنّ الالتزام بالحكم الواقعي الّذي تعلّق به العلم واجبة فإنّه لا يجوز على هذا التّقدير الرّجوع إلى الأصول المذكورة أعني الحكم بنجاسة الإناءين أو ببقاء الحدث و طهارة البدن أو الإباحة في مسألة دوران الأمر بين المحذورين كما لا يخفى بقي في المقام شي‏ء و هو أنّا و لو قلنا بأنّه لا أثر للعلم الإجمالي في مثل الفرض من حيث التّكليف إلاّ أنّ وجوده مانع عن إجراء الأصول المذكورة في موارد العلم الإجمالي لما سيتّضح تحقيقه فيما بعد من أنّ العلم الإجمالي كالتّفصيلي رافع لموضوع الأصل نعم لو قلنا بأنّ المانع عن إجراء الأصول في أطراف العلم الإجمالي معارضة الأصول و استلزام العمل بكلّ منهما التّرخيص في معصية الحكم المعلوم بالإجمال لاتجه ما ذكرنا إلاّ أنّه في معرض المناقشة بل التّحقيق كما سيوضحه المصنف (قدّس سره) أنّ أدلة الأصول قاصرة عن شمول أطراف العلم فعلى هذا لا بدّ في الموارد المذكورة من الرّجوع إلى القواعد في كلّ مورد بحسبه لا إلى الأصول المذكورة و لا ينافي ذلك ما تسمعه إن شاء الله في باب الشّبهة المحصورة من أنّ العلم الإجمالي الغير المؤثّر في تنجز التّكليف بالاجتناب عن الحرام المشتبه بواسطة خروج بعض أطراف الشّبهة عن مورد الابتلاء أو كونه مورد التّكليف فعلي منجّز أو نحو ذلك غير مانع عن إجراء الأصول في أطراف الشّبهة لما ستعرف في محلّه من أنّ الأصل في تلك الموارد لا يجري إلاّ في بعض الأطراف فلا يكون العلم الإجمالي مانعا عنه لأنّ العلم الإجمالي إنّما يمنع عن إجراء الأصول المنافية له لا الأصول الجاري في بعض أطراف العلم السّالم عن معارضته بجريانه في الآخر كما هو واضح ثمّ لو سلّم أنّ المانع عن إجراء الأصول إنّما هو مخالفة الحكم المعلوم بالإجمال في مقام العمل يتوجّه على ما تقدّم كلام آخر و هو أنّ الرّجوع إلى الأصل إنّما يصحّ فيما لو كان للأصل أثر عمليّ إذ لا معنى لإجراء الأصل إلاّ ترتيب الأثر في مرحلة الظّاهر و هذا إنّما يعقل فيما لو كان له أثر قابل لأن يترتّب عليه و هذا إنّما يتمّ في مثل استصحاب نجاسة الإناءين و كذا مسألة التّوضّي بالماء المشتبه فإنّ أثر الاستصحاب في الإناءين وجوب الاجتناب عنهما و كذا في المثال الثّاني أثره عدم وجوب غسل الثّوب و عدم الدّخول في الصّلاة و لا ينافي ذلك ثبوت هذه الأحكام بقواعد أخر لو لا الاستصحاب كقاعدة الاحتياط و أصالة الطّهارة لأنّ الرجوع إلى سائر الأصول موقوف على عدم جريان الاستصحاب كما سيتضح في محلّه و أمّا دوران الأمر بين المحذورين‏

فلا إذ لا معنى للرّجوع إلى أصل الإباحة فيه مع كونه مضطرّا إلى الفعل أو التّرك و أدّلة أصل الإباحة إنّما يعمّ الموارد الّتي يمكن نهي الشّارع عنها لأنّ الإباحة الّتي هي عبارة أخرى عن الرّخصة فرع أن يكون للرّخصة تأثير في الجواز و هو في غير مثل الفرض لأنّ جواز الارتكاب ضروريّ الثّبوت له بنفس التّرديد و الاشتباه بعد فرض دوران الأمر بين المحذورين و عدم المرجّح بنظر العقل كما هو المفروض لا بترخيص الشارع اللّهم إلاّ أن يقال إنّ هذا إنّما هو بعد الالتفات إلى العلم الإجمالي و فرض كون الأمر دائرا بين المحذورين و المفروض أنّ هذا العلم كعدمه غير مانع عن ملاحظة كون الشّي‏ء من حيث هو مشكوك الوجوب و الحرمة فبهذه الملاحظة يندرج في موضوع العمومات الدّالة على حلّية كلّ شي‏ء لم يعلم حرمته أو وجوبه لكن لقائل أن يقول إنّ اندراجه في موضوع أدلّة الحليّة الظّاهرية موقوف على احتمال إباحته في الواقع لأنّ الأحكام الظّاهريّة مجعولة للشّاك فكيف يندرج في موضوع عمومات الحلّ الشّي‏ء الّذي لا شكّ في عدم حلّيته و دعوى أنّ ما جعل غاية للحكم بالإباحة و الحليّة الظّاهريّة في أدلّتها إنّما هو العلم بحرمة ما يشكّ في حرمته أو وجوب ما يشكّ في وجوبه فكلّ شي‏ء لم يعلم بحرمته و لا بوجوبه هو مندرج في موضوع أصل الإباحة سواء علم بعدم إباحته في الواقع أم لا ضعيفة جدّا ضرورة أنّ المقصود بقوله كلّ شي‏ء لك حلال حتّى تعلم أنّه حرام و نظائره ليس إلاّ الرّخصة في ارتكاب ما يشكّ في حليّته و حرمته‏

15

لا مطلق ما لم يعلم حرمته حتّى يعمّ مثل الفرض الّذي علم بأنّه ليس بحلال و يأتي في مبحث الاستصحاب عند التّكلّم في أصالة عدم التذكية مزيد توضيح لذلك إن شاء الله‏

(قوله) فإنّ المخالفة في المثالين إلخ‏

(1) (أقول) يعني أنّه ليس للعلم الإجمالي في الفرض مخالفة علميّة لأنّ غاية ما يقتضيه العلم في مثل المقام الموافقة الاحتمالية و هي حاصلة قهرا على كلّ تقدير

(قوله) لمن توضّأ غفلة إلخ‏

(2) (أقول) التّقييد بالغفلة لأن يتأتى منه قصد التقرّب‏

(قوله) نعم صرّح غير واحد من المعاصرين إلخ‏

(3) (أقول) مقتضى إطلاق القول المحكيّ عنهم جواز العمل بالأصلين المتنافيين و لو مع استلزامه طرح قول المعصوم من حيث العمل كما لو اختلف الأمة في كفّارة النّذر مثلا بين وجوب العتق مثلا أو وجوب الصّوم كذلك حيث يعلم إجمالا أنّ أصالة عدم وجوب العتق و عدم وجوب الصوم أحدهما مخالف للواقع فإذا جاز العمل بكليهما جازت مخالفة الحكم المعلوم بالإجمال من حيث العمل‏

(قوله) لكن هذا المقدار من الفرق غير مجد

(4) (أقول) يعني أنّه و إن أثر في بطلان القياس إلاّ أنّه لا يؤثر في عدم جواز العمل بالأصلين لأنّ مناط الجواز و عدمه لزوم المخالفة العمليّة و عدمه سواء كانت في الشّبهة الموضوعيّة أو الحكمية فالمانع عن الرّجوع إلى الأصول مخالفة الشّارع من حيث العمل من دون فرق بين المقامين‏

(قوله) فإنّ ظاهر كلام الشيخ (قدّس سره) إلخ‏

(5) (أقول) و الاستشهاد بكلام الشّيخ (قدّس سره) لجواز طرح قول الإمام من حيث الالتزام لا يخلو من نظر حيث إنّ الشّيخ (قدّس سره) ذهب إلى هذا القول فرارا من طرح قول الحجة و جعل لزوم الطّرح دليلا على باطل القول بالتّساقط و الرّجوع إلى الأصل و لذا اعترض عليه المحقّق (قدّس سره) و غيره بأنّ في التّخيير أيضا طرح قول الحجّة و الظّاهر أنّ مراد الشّيخ (قدّس سره) أنّ اختلاف الأمّة على قولين مع عدم دليل معتبر في المسألة دليل على أنّ الحكم الواقعي فيها التّخيير بمعنى جواز الفعل و التّرك و لا يجب على الإمام (عليه السلام) ردع الأمّة عن اعتقادهم في مثل الفرض حيث لا يترتّب عليه مخالفة الشّارع فكلّ من القولين في الجملة موافق لقول الإمام (عليه السلام) فلا يجوز طرحهما رأسا و الرّجوع إلى الأصول العمليّة و يدلّ على أنّ مراده ما ذكرناه ما فرعه على مذهبه من عدم جواز انعقاد الإجماع على أحد القولين في الفرض معلّلا باستلزامه أن لا يكون الحكم الواقعي التّخيير و قد تبيّن خلافه‏

(قوله) و أمّا المخالفة تدريجا إلخ‏

(6) (أقول) يعني جواز المخالفة القطعيّة على تقدير الرّجوع إلى أصل الإباحة لازم قطعا و هو ينافي حكم العقل بقبح المخالفة عن قصد و علم فلا يعقل أن يكون حكمها الجواز و أمّا نفس المخالفة القطعيّة فغير لازمة قطعا ضرورة إمكان اختيار التّرك في كلّ واقعة أو الفعل كذلك‏

(قوله) فتأمّل‏

(7) لعلّه إشارة إلى أنّ أصل الإباحة على تقدير القول بجريانه مع العلم الإجمالي في خصوص كلّ واقعة فهو حكم ظاهري بالنّسبة إلى كلّ واقعة كالتّخيير الشّرعي أو التّقليد و إن قلنا إنّ العلم الإجمالي مانع عن إجراء الأصل فلا فرق بين أصل الإباحة و غيره من الأحكام التّعبدية

(قوله) و أمّا المخالفة العملية إلخ‏

(8) (أقول) الأقوى تبعا للمصنف (قدّس سره) عدم جواز المخالفة القطعيّة للحكم المعلوم بالإجمال مطلقا من دون فرق بين أن تكون المخالفة لخطاب تفصيلي أو إجمالي في الشّبهة الموضوعيّة أو الحكميّة لأنّ الأحكام الشّرعيّة محمولة على الموضوعات الواقعيّة من دون اشتراطها بعلم المكلّف أو جهله بالأحكام أو بموضوعاتها لعدم معقوليّة الأوّل أعني اشتراط التّكاليف الواقعيّة بعلم المكلّف بها أو جهله و أمّا اشتراطها بالعلم بموضوعاتها و إن كان معقولا إلاّ أنّه خلاف الفرض لما عرفت من أنّ الكلام في المقام إنّما هو فيما إذا علم إجمالا بثبوت حكم لم يكن العلم مأخوذا في موضوعه و حينئذ نقول ثبوت الأحكام الشّرعيّة في الواقع مقتض لوجوب امتثالها و الّذي يصلح أن يكون مانعا عن تنجيزها بمعنى كون المكلّف معذورا في ترك امتثالها ليس إلاّ جهل المكلّف و هو مع وجود العلم الإجمالي لا يصلح للمانعيّة لا عقلا و لا نقلا أمّا عقلا فلعدم استقلال الفعل بقبح عقاب الجاهل مع علمه الإجمالي بالتّكليف و تمكّنه من الامتثال بل العقل مستقلّ بعدمه إذ لا فرق بنظر العقل في قبح مخالفة المولى بين أن يعرف حكمه بالإجمال أو مفصّلا و أمّا نقلا فلعدم الدليل عليه على تقدير جوازه و عدم مخالفته للعقل المستقلّ و يأتي توضيحه في الشّبهة المحصورة إن شاء اللّه و لو منعنا كون العلم الإجمالي كالتفصيلي موجبا لتنجّز الأحكام الواقعيّة و قلنا إنّ الجهل التفصيلي‏

بالحكم الواقعي عذر عقليّ أو شرعي فالمتّجه جواز المخالفة القطعيّة مطلقا في جميع الصّور و أمّا القول بالتّفصيل بين مخالفة الخطابات التّفصيلية و الإجمالية ففي غاية الضّعف خصوصا في ما إذا كان الحكم المشتبه في موضوعين متّحدا بالنّوع كما لا يخفى ثمّ إنّا لو قلنا بهذا التفصيل فلا يتوجه عليه النّقض بما لو تولّد من الخطابات الإجماليّة علم تفصيلي بحرمة شي‏ء أو وجوبه في الشّبهات الموضوعيّة أو الحكميّة كما لو تردّد مائع معيّن بين كونه بولا أو خمرا أو علم إجمالا بوجوب إكرام العالم أو العادل فتصادق العنوانان على فرد مع أنّ البديهة تشهد بعدم جواز المخالفة في مثل الفرض ضرورة أنّ المقصود بالخطاب التّفصيلي الّذي يلتزم هذا القائل بحرمة مخالفته أعمّ من أن يكون بدليل سمعيّ أو عقلي فلا عبرة بإجمال الخطاب السّمعي المتوجّه إلى المكلّف بعد أن استنتج منه بحكم عقلي حرمة هذا الشّي‏ء فيعلم تفصيلا بأنّ الشارع نهاه عن هذا الشّي‏ء إلاّ أنّه لا يعلم وجه حرمته و لا مدخليّة لمعرفة وجه الوجوب أو الحرمة في وجوب الامتثال كما هو واضح‏

(قوله) مخالف لقول الشّارع اجتنب عن النّجس‏

(9) (أقول) كان الأولى أن يعبّر عن النّجس بنوع من أنواع النّجاسات كالخمر و البول و الدّم و غيرها لأنّ كون هذا العنوان العام موضوعا للحكم بوجوب الاجتناب في الخطابات الشّرعية محلّ كلام فتأمّل‏

(قوله) فإنّ كلا منهما شاكّ في توجه هذا الخطاب إليه‏

(10) (أقول) الأولى التّعبير بالتّنجز بدل التّوجّه لأن توجّه الخطابات الواقعيّة إلى المكلّفين غير مشروط بالعلم بها و لا بموضوعاتها أمّا الثاني‏

16

فلمخالفته لظواهر أدلّتها و أمّا الأوّل فغير معقول لتأخّر مرتبة العلم عن توجيه الخطاب و إنّما المشروط بالعلم تنجّزه بمعنى عدم كون المكلّف معذورا في ترك امتثاله فالتّعبير بالتّوجّه لا يخلو عن مسامحة

(قوله) دخل في المخالفة القطعيّة المعلومة تفصيلا إلخ‏

(1) (أقول) يعني يخرج حينئذ عن محلّ الكلام إذ لا عبرة بإجمال الخطاب بعد أن تولّد منه علم تفصيليّ بالحرمة كما عرفته آنفا

(قوله) و إن جعلناهما متغايرين في الخارج كما في الذّهن‏

(2) (أقول) بأن قلنا بأنّ الإدخال يحصل بالحمل الّذي هو فعل آخر مقارن للدّخول الذي يتحقّق بالمشي إلى المسجد لا بمشيه حاملا حتّى يتّحد الفعلان في الوجود فحينئذ يكون بمنزلة ما لو أوجد كلا منهما بفعل مستقلّ متمايز عن الآخر لا بالحمل كما لو دفع الآخر أوّلا إلى المسجد فدخل هو بنفسه بعده أو دخل في المسجد أوّلا فجرّ الآخر إليه و أدخله فيعلم إجمالا بكون أحد الفعلين مخالفا لخطاب معلوم بالإجمال لو لم نقل برجوعهما إلى عنوان محرّم واحد و هو مطلق إدخال الجنب الصّادق على إدخال نفسه أو غيره و إلاّ فيندرج في المخالفة الإجماليّة لخطاب تفصيليّ‏

(قوله) مع قطع النّظر عن حرمة الدّخول أو الإدخال عليه أو فرض عدمها

(3) (أقول) أي على الحامل يعني أنّ الكلام إنّما هو في تكليف المحمول من حيث علمه إجمالا بأنّه أو أجيره جنب مع قطع النّظر عن أنّ فعل الحامل محرّم فيكون استئجاره إعانة على الإثم أو نفرض غفلته عن الواقع و جهله بالجنابة المردّدة فلا يكون استئجاره إعانة على الإثم‏

[الكلام في الخنثى‏]

(قوله) أمّا الكلام في الخنثى فيقع تارة في معاملتها مع غيرها إلخ‏

(4) (أقول) أمّا معاملتها مع غيرها من معلوم الذّكوريّة و الأنوثيّة فسيأتي التّصريح بها فيما بعد و أمّا معاملتها مع مجهولهما أي خنثى أخرى مثلها فلم يتعرّض لبيانه صريحا فنقول أمّا معاملة الخنثى مع خنثى أخرى كمعاملة غير الخنثى مع الخنثى فيجوز له النّظر إلى الخنثى إن قلنا بأنّه يجوز لكلّ من الرّجل و الأنثى النّظر إليه لأنّ علمه إجمالا بأنّه بنفسه إمّا رجل أو أنثى لا يقتضي حرمة النّظر إلى هذا الشّخص المجهول الحال بعد أن جاز لكلّ من الرّجال و النّساء النّظر إليه بمقتضى ظاهر تكليفهم فإنّ غاية ما يقتضيه هذا العلم ليس إلاّ وجوب الاحتياط بالجمع بين تكاليف الرّجال و النّساء و المفروض أنّه لا يحرم على كلّ من الطّائفتين النّظر إليه فليتأمّل‏

(قوله) فمقتضى القاعدة احترازها إلخ‏

(5) (أقول) يعني مقتضى القاعدة المقرّرة في محلّها من وجوب المخالفة القطعيّة للحكم المعلوم بالإجمال و لا يخفى عليك أنّ الكلام في هذا المقام أصالة إنّما هو في حرمة المخالفة القطعيّة فتعرّض المصنّف (قدّس سره) لتفصيل الأحكام المتعلّقة بالخنثى من حيث معاملتها مع الغير أو معاملة الغير معها مع ابتنائها على وجوب الموافقة القطعيّة إنّما هو للاستطراد و تحقيق المطلب بعد البناء على وجوب الموافقة القطعيّة كما هو التّحقيق على ما يتّضح في مسألة البراءة و الاحتياط

(قوله) و قد يتوهّم إلخ‏

(6) (أقول) هذا التّوهّم إنّما يجدي لو قلنا بالتّفصيل بين ما لو كانت المخالفة العمليّة لخطاب تفصيليّ أو إجماليّ و لكنّك عرفت أنّ الأقوى عدم جواز مخالفة الحكم المعلوم بالإجمال مطلقا

(قوله) كما تقدّم في الدّخول و الإدخال‏

(7) (أقول) قد عرفت فيما تقدّم أنّ عدم العبرة بإجمال الخطاب إنّما هو فيما إذا تحقّق العنوانان بفعل واحد و إلاّ فيكون مخالفة لخطاب إجمالي لو لم نقل برجوع النّهي عن العنوانين إلى النّهي عن القدر المشترك بينهما ففيما نحن فيه أيضا كذلك فإن تحقّق نظره إلى الطّائفتين بفعل واحد اندرج في المخالفة القطعيّة التّفصيليّة فلا غيره حينئذ بإجمال الخطاب و إلاّ فمن المخالفة الإجماليّة للخطاب المردّد إلاّ أن يقال بإرجاع الخطابين إلى خطاب واحد تفصيليّ فليتأمل‏

(قوله) أو يقال إنّ رجوع الخطابين إلخ‏

(8) (أقول) قد عرفت أنّ هذا القول إنّما يجدي بناء على أن لا يكون الخطاب المردّد مؤثّرا في تنجّز التّكليف و هو خلاف التّحقيق و محصل هذا القول دعوى أنّ مرجع الخطابين إلى إيجاب غضّ البصر على كلّ مكلّف عن مجموع من عداه أعني كلتا الطّائفتين لا عن كلّ من عداه إلاّ ما استثني فالنّظر إلى إحدى الطّائفتين ليس مخالفة معلومة لهذا الخطاب و لا للخطاب المتوجّه إلى خصوص الرّجال أو النّساء فالمخالفة العمليّة الحاصلة من النّظر إلى إحدى الطّائفتين لو فرض عدم مماثلتها لها لا تكون إلاّ للخطاب المردّد بين الخطابين لا لهذا الخطاب التفصيليّ المتولّد من الخطابين نعم لو نظر إلى كلتا الطّائفتين يحصل مخالفة هذا الخطاب‏

(قوله) فتأمّل‏

(9) (أقول) وجه التّأمل أنّ الشّك في مصداق المخصّص فلا يجوز التّمسّك بالعموم كما تقرّر في محلّه لكن في بعض الحواشي المنسوبة إليه بعد أن ذكر وجه التّأمّل كما ذكرنا قال و يمكن أن يقال إنّ ما نحن فيه من قبيل ما تعلّق غرض الشّارع بعدم وقوع الفعل في الخارج و لو بين شخصين فترخيص كلّ منهما للمخالطة مع الخنثى مخالف لغرضه المقصود من عدم مخالطة الأجنبي مع الأجنبيّة فلا يرد النّقض بترخيص ذلك في الشبهة الابتدائيّة فما نحن فيه من قبيل ترخيص الشارع لرجلين في تزويج كلّ منهما لإحدى المرأتين اللّتين يعلم إجمالا أنّهما ابنتان لأحد الرّجلين فافهم انتهى (01) (أقول) إنّما يصغى إلى مثل هذا القول في مقابل إطلاق أدلّة الأصول فيما إذا كان ذلك الشّي‏ء المنهيّ عنه من الأشياء الّتي وجب على كلّ مكلّف الاجتناب عنها و منع الغير أيضا عن فعلها مهما أمكن و إن لم يكن ذلك الغير مكلّفا أو معذورا في فعله لغفلة أو جهل أو نسيان كما في قتل النّفوس و ارتكاب الفواحش التي علم من طريقة الشّارع أنّه لم يرض بوجودها في الخارج و أنّه يجب فيها تنبيه الغافل و إرشاد الجاهل ففي مثل هذه الموارد بعد أن علم المكلّف إجمالا بأنّ ذلك المنكر إمّا يحصل بفعله أو بفعل غيره وجب عليه السّعي في منعه بترك فعله الّذي يحتمل مصادفته له و منع ذلك الغير أيضا عن ذلك مع الإمكان فلا يجوز له الرّجوع حينئذ إلى الأصل بعد أن كان لعلمه الإجمالي على كلّ تقدير أثر فعليّ في حقّه و المثال الذي فرضه المصنف‏

17

(قدّس سره) أي تزويج البنت بحسب الظّاهر من هذا القبيل و أمّا النّظر إلى الأجنبيّة فلم يثبت كونه كذلك فالأصل في حقّ كلّ من الطّائفتين سليم عن المعارض و تنظيره على المثال محلّ نظر فليتأمّل‏

(قوله) لأصالة عدم ذكوريّته إلخ‏

(1) (أقول) هذا الأصل ممّا لا أصل له لكونه من قبيل تعيين الحادث بالأصل فالمرجع إنّما هو أصالة عدم تأثير العقد و عدم انعقاد علاقة الزّوجيّة فليتأمل‏

[الحواشي المتعلقة بحجية الظن و ما يتفرع عليها]

(قوله) الأوّل أنّه لو جاز التعبّد بخبر الواحد إلخ‏

(2) (أقول) توضيح الاستدلال أنّ جواز التّعبّد بخبر الواحد في الإخبار عن النّبي (صلى اللَّه عليه و آله) يلزمه جواز التّعبدية في الإخبار عن اللّه تعالى لأنّ كلا منهما إخبار عن حكم اللّه الواقعي مورث للظّنّ به فلو جاز التّعبّد بأحدهما لجاز التّعبّد بالآخر لعدم الفارق فيما هو مناط الإمكان و كون النّبي (صلى اللَّه عليه و آله) واسطة في الأوّل لا يصلح فارقا بين المقامين و يتوجّه على هذا الاستدلال مضافا إلى ما سيذكره المصنف (قدّس سره) أنّ الإخبار عن اللّه تعالى يتضمّن ادّعاء مرتبة الرّسالة و صفاء النّفس و كمالها فدواعي الكذب فيها شديدة بحيث لو بني على تصديق كلّ من يدّعيه للزم الهرج و المرج و هذا بخلاف الإخبار عن النّبي أو الأئمة (عليهم السلام) هذا مع أنّ الثّاني مستند إلى ما يدرك بالحواسّ الظّاهرة فيبعد وقوع الخطاء فيها بخلاف الأوّل فمن الجائز أن يكون الإغماض عن مخالفة الواقع أحيانا الّذي هو من لوازم حجيّة الخبر قبيحا في الأخير دون الأوّل ثمّ لو فرض مساوات الخبرين من جميع الجهات و لو بالنّسبة إلى شخص خاصّ بأن لم يكن احتمال مخالفته للواقع إلاّ كإخباره عن النّبي (صلى اللَّه عليه و آله) و لو لم يكن تصديقه مستلزما لأمر قبيح زائدا على ما يستلزمه الإخبار عن النّبي (صلى اللَّه عليه و آله) كما إذا فرض التّعبّد بتصديقه في بعض فروع الدّين من حيث هو من دون أن يجب الإذعان بنبوّته أو غيرها ممّا هو من لوازم صدقه في الواقع ممّا يترتّب عليه مفاسد لا يترتّب على الإخبار عن النّبي (صلى اللَّه عليه و آله) فتمنع استحالته عقلا إلا أنّه غير واقع حيث إنّ وقوعه يتوقّف على دليل قطعيّ كإخبار النّبي (صلى اللَّه عليه و آله) بوجوب تصديقه تعبّدا فيما يخبر عن اللّه تعالى بدعوى الإلهام أو الوحي من غير أن يخبر بصدقه في الواقع فيجب حينئذ تصديقه و لو لم يحصل للمكلّف الجزم بصدقه و لا يكفي في إثبات ذلك أدلّة حجيّة خبر الثّقة لا لمجرّد الإجماع على اختصاصها بما عدا هذا الخبر أو ظهورها في الخبر الحسيّ بل للقطع بعدم إرادته منها فضلا عن انصرافها عنه‏

(قوله) و استدلّ المشهور إلخ‏

(3) (أقول) لا يخفى أنّ دعوى القطع بالمدّعى خارجة عن طريقة الاستدلال لما عرفت في ما سبق من أنّ الدّليل ما يقع وسطا لإثبات أحكام المتعلّق و القطع لا يقع وسطا فلا يكون دليلا مع أنّ هذه الدعوى غير مجدية إلاّ لمدّعيها فتقريب استدلال المشهور أنّ ما لا يكون بذاته محالا كاجتماع النّقيضين و لا مستلزما لأمر محال فهو ممكن الوجود و التّعبّد بالظّن ليس محالا بذاته في حدّ ذاته و لا مستلزما لأمر محال فيجب أن يكون ممكنا أمّا المقدّمة الأولى أعني عدم كونه في حدّ ذاته محالا كالمقدّمة الثالثة أعني ما ليس ممتنعا فهو ممكن فهو من الضّروريّات لا يحتاج إثباتها إلى وسط و أمّا أنه لا يستلزم محالا فثبوته يتوقّف على الإحاطة بجميع جهاته الّتي يمكن أن تكون مؤثّرة في قبحه ككونه مؤدّيا إلى مخالفة الواقع و مستلزما لاجتماع حكمين متضادّين في موضوع واحد على تقدير المخالفة و اجتماع المحبوبيّة و المبغوضيّة أو التّكليف بما لا يطاق إلى غير ذلك من الجهات الّتي يمكن كونها مؤثّرة في قبحه فلا بدّ من الإحاطة بها و العلم بعدم تأثيرها في القبح و القطع بأنّه ليس فيه جهة أخرى مقبّحة غير ما أدركه المستدلّ بعقله و لا يخفى أنّ حصول القطع بانحصار الجهات فيما أدركه العقل بعيد لكونه كالشّهادة على النّفي و لذا أنكر المصنف (قدّس سره) حصول القطع فيما نحن فيه و لا يقاس ما نحن فيه بالمستقلاّت العقليّة كحسن الإحسان و قبح الظّلم حيث إنّ العقل يحكم بأنّه ليس في الأوّل جهة مقبّحة و لا في الثّاني جهة محسّنة أصلا لأنّ حكم العقل في الأحكام المستقلّة إنّما هو على الموضوع الّذي أحاط به بجميع جهاته بحيث جعل الجهات المعقولة عنوانا للتّشخيص المعنون فليس المعنون وراء ما يصدق عليه العناوين المعقولة نعم حكم العقل على مصاديق تلك العناوين المعقولة كحكمه على الضّرب الشخصيّ الصّادر من زيد بأنّه قبيح مطلقا موقوف على إحراز أنّه ليس فيه جهة محسّنة يخرج بسببها عن كونه ظلما فيكون نظير ما نحن فيه كما أنّ حكم العقل بوجوب سلوك الطّريق الظنّي حال الانسداد لكونه أقرب إلى الواقع من غيره من قبيل الأوّل أعني الأحكام المستقلّة الّتي تكون الجهة المحسّنة عنوانا لتشخيص الموضوع و قد ظهر لك أنّ الأولى أن يقرّر دليل الجواز كما قرّره المصنّف (قدّس سره) بقوله إنّا لا نجد في عقولنا بعد التأمل‏

ما يوجب الاستحالة و هذا طريق يسلكه العقلاء في الحكم بالإمكان و قد اعترضت في الأزمنة السّابقة على هذا التّقرير بقولي و فيه أنّ هذا لا يوجب القطع بالإمكان لأنّ عدم وجدان الدليل أعمّ من العدم في الواقع و أمّا ما ذكره من كونه طريقا يسلكه العقلاء في الحكم بالإمكان فهو بحسب الظّاهر إشارة إلى ما هو المحكيّ عن الشّيخ الرّئيس و غيره من أنّ كلّما قرع سمعك فذره في بقعة الإمكان ما لم يذده قائم البرهان و هو غفلة إذ المقصود منه ليس الحكم بالإمكان الذّاتي أو الوقوعي من دون دليل بل المراد الإمكان الاحتمالي بمعنى تجويز العقل صدق المسموع فالمقصود بذلك أنّه لا يجوز المبادرة في الإنكار فيما يسمع بمجرّد الاستبعاد بل يلتزم بإمكان صحّته بمعنى احتمالها بنظر العقل انتهى و فيه أنّ الاعتراض نشأ من الغفلة عن فهم المراد لأنّ المقصود بالاستدلال دعوى استقراء طريقة العقلاء على ترتيب أثر الممكن في مقام العمل كما هو الشّأن في سائر الأصول العمليّة المعمول عليها لدى العقلاء لا البناء على إمكانه بمعنى اعتقاد أنّه ممكن ضرورة امتناع حصول الاعتقاد مع الشكّ و معنى ترتيب أثر الممكن عليه أنّهم لا يطرحون الدّليل الدّالّ على وجود شي‏ء بمجرد احتمال استحالته بل يلتزمون بترتيب أثر الوجود عليه ما لم يعلم استحالته إذ ليس للممكن في حدّ ذاته أثر قابل لأن يترتّب عليه حال الشّك إلاّ هذا أعني أثر

18

وجوده عليه عند قيام طريق معتبر عليه أ لا ترى أنّه لو قال المولى لعبده صدّق زيدا فيما يخبرك فأخبره زيد بمجي‏ء عمرو من سفره يجب على العبد ترتيب آثار مجيئه و لا يجوز له طرح خبر زيد بمجرّد احتمال استحالته و كذا لا يجوز بشهادة العقل و العقلاء طرح الآثار الشرعيّة أو تأويلها بمجرّد احتمال الاستحالة فالعقلاء استقرّت طريقتهم على ترتيب أثر الوجود على ما قام عليه طريق ما لم يثبت امتناعه و لا يجوز لديهم طرح الدّليل المعتبر بمجرّد الاحتمال مع أنّ الوجود أخصّ من الإمكان فهذا دليل على أنّ عدم ثبوت الامتناع كاف لدى العقلاء في معاملة الإمكان بمعنى الالتزام بالعمل على طبق الطّريق المؤدّي إلى وقوعه و قد اتّجه بما ذكرنا ما صدر من بعض المتكلّمين من الاستدلال بأصالة الإمكان في بعض مقاصدهم الكلاميّة كالمعاد و المعراج الجسمانيّين و خلود الكفّار في النّار و كونهم معذّبين فيها و كون الجنّة و النّار مخلوقتين بالفعل و نظائر هذه الموارد فإنّ معنى التّشبث بالأصل في مثل هذه الموارد وجوب التّدين و الالتزام بمضمون الآيات و الأخبار الدّالة عليها و عدم جواز ارتكاب التّأويل أو الطّرح فيها بواسطة بعض الشّكوك و الشّبهات الموهمة استحالتها و لكن قد اعترض بعض محقّقيهم في تعليقاته على بعض شروح التّجريد على التمسّك بأصالة الإمكان بعين ما صدر منّا سابقا من الاعتراض على المتن حرفا بحرف إلاّ في مجرّد التعبير و قد عرفت أنّه لا وقع لهذا الاعتراض على ما وجّهنا به كلامهم و إلاّ فمن الواضح أنّه لا مسرح للأصول في إثبات كون الشّي‏ء ممكنا في الواقع و إنّما يعول عليها في مقام ترتيب الأثر كما يأتي لذلك مزيد توضيح في مبحث الاستصحاب إن شاء الله‏

(قوله) بل القطع أيضا إلخ‏

(1) (أقول) قد يتوهّم بطلان النّقض بالقطع لا للوجه الّذي سيذكره المصنف (قدّس سره) بل لأجل أنّ القطع طريق بنفسه لا بجعل جاعل حتّى يصلح للاتصاف بالقبح على تقدير التخلّف فيكون شاهدا لما نحن فيه و فيه أنّ مناط النّقض ليس كون الطّريق مجعولا أو منجعلا بنفسه بل المناط إنّما هو جواز اتّباع طريق قد يتخلّف عن الواقع سواء كان اتباعه بإلزام العقل أو بأمر الشّارع فكما أنّه يجوز للعقل الإلزام باتباع القطع مع أنّه قد يتخلّف عن الواقع كذلك يجوز للشّارع الإلزام باتباع الظنّ إذ لا فرق في القبح بين كون الحاكم هو العقل أو الشّارع فانحصر دفع هذا النّقض بما أفاده المصنف (قدّس سره) من أنّ باب احتمال التخلّف عن الواقع منسدّ عند القاطع فلأجل ذا يحكم عقله بوجوب اتباع قطعه نعم لو جاز قيام هذا الاحتمال لدى القاطع و ألزمه مع ذلك عقله بوجوب اتباع قطعه مع تمكّنه من سلوك طريق لم يكن فيه هذا الاحتمال لكان النّقض وجيها إلاّ أنّ الفرض غير ممكن‏

(قوله) و أخرى بالحلّ إلخ‏

(2) (أقول) و حاصله أنّ الممتنع إنّما هو اجتماع حكمين متضادّين في موضوع واحد في مرتبة واحدة من حيث الفعليّة أو الشّأنية بأن يكونا إمّا فعليّين أو شأنيّين و أمّا إذا كانا مختلفين كما هو المسلّم لزومه في المقام فلا استحالة فيه كما سيتّضح لك وجهه إن شاء الله و المراد بالحكم الفعلي هو الحكم المنجّز الّذي لا يعذر المكلّف في مخالفته و بالشّأني ما يكون معذورا في المخالفة بواسطة جهله بالواقع لا عن تقصير فتسميته الأحكام الواقعية أحكام شأنيّة لا يخلو عن مسامحة إذ الحقّ أنّها أحكام متحقّقة صدرت لغرض الامتثال و لذا يجب الفحص عنها و لا يعذر المكلّف الجاهل بها في المخالفة ما دام مقصرّا و لكنّ العلم بها إجمالا أو تفصيلا شرط عقليّ في تنجّزها أي في التزام المكلّف بها و حسن المؤاخذة على مخالفتها فهو شرط في تنجّز التّكليف بها عقلا أي في وجوب امتثالها الّذي هو حكم عقليّ و لا يعقل أن يكون كالقدرة على الفعل شرطا واقعيّا للأحكام الشّرعيّة للزوم الدّور فالحكم الشّرعي عبارة عن إلزام الشّارع بفعل شي‏ء أو تركه أو الرّخصة فيه و هذا مقدّم في الرّتبة على العلم به فلا يعقل أن يكون للعلم به دخل في تحقّقه و لكنّه شرط عقليّ في ترتّب الأثر عليه أي وجوب الخروج عن عهدته و جواز المؤاخذة على مخالفته فإطلاق الحكم الشّأني على الأحكام الواقعيّة المجهولة بلحاظ عدم كون المكلّف ملتزما بها بالفعل في مقام العمل و كونه معذورا في مخالفتها لا عدم كونها أحكاما فعليّة في الواقع كما لو اضطر إلى ارتكاب محرّم أو ترك واجب لا بواسطة الجهل فإنّه يصير حينئذ الحكم الواقعيّ الثّابت للشّي‏ء من حيث هو بواسطة الاضطرار المانع عن فعليّته شأنيّا في الواقع حيث إنّ عدم الاضطرار إلى مخالفتها شرط

واقعي في تنجّزها بخلاف عدم الجهل‏

(قوله) و أمّا القسم الثّاني فهو على وجوه‏

(3) (أقول) قد نبّه المصنف (قدّس سره) على ثلاث منها و هاهنا وجه رابع و هو أن يكون للأمارة القائمة على الواقعة تأثير في الفعل الّذي تضمّنت الأمارة حكمه و لكن لا على وجه تؤثر في انقلاب حكمه الواقعي و هذا يتصوّر على قسمين أحدهما أن تكون مصلحتها مقصورة على صورة المطابقة كما لو كان تصديق العادل و حسن الظّن به و التّعبّد بقوله أمرا راجحا محبوبا عند اللّه لكن على تقدير كونه صادقا في الواقع ففي موارد الكذب لا مصلحة فيه و لكن لعدم امتيازها عن موارد الصّدق يدور الأمر بين الأمر بتصديقه مطلقا و عدمه فلو كانت مصلحته فائقة على المفسدة المرتبة عليه في موارد التخلّف يكون الأمر به حسنا حيث إنّ فيه خيرا كثيرا و شرّا قليلا بالإضافة إلى خيره الثاني أن يكون المصلحة بلحاظ نوع الأمارة بمعنى أنّ تصديق العادل على الإطلاق ما لم يعلم مخالفته للواقع مشتمل على مصلحة مقتضية للأمر به فائقة على مفسدة فوت الواقع أحيانا لكن لو لوحظ مصاديقه ففي كلّ مورد ليس على وجه تكافئ مفسدة مخالفة الواقع فشرب التتن لو كان حراما و قد أخبر العادل بحليّته فإخباره و إن كان من الجهات الموجبة لحسنه لكن لا تعارض مفسدة الواقع فجواز الأمر بسلوكه على الإطلاق مع عدم صلاحية مصلحته لتغيير الواقع على تقدير المخالفة إنّما هو بلحاظ سائر الموارد السّليمة عن المفسدة القاهرة كالصّورة

19

السّابقة لكن مقتضى هذا الوجه الفرق بين ما لو كان الحكم الواقعي الوجوب أو الحرمة فأخبر العادل بخلافه أو الإباحة ففي الأولين لا يتبدل الحكم الواقعي بعد فرض مقهورية الجهة العارضة للجهة المقتضية للوجوب أو الحرمة و في الأخير يتبدّل لأنّ جهات الإباحة لا تزاحم الجهات المحسّنة أو المقبّحة لكن لا محذور في الالتزام به لأنّ تبدّل حكم المباح الواقعي بالعناوين الطّارية كإطاعة الوالد أو الوفاء بالنّذر و العهد و العقد و غير ذلك غير عزيز فيمكن الالتزام بأنّ إخبار العادل بوجوبه أو حرمته أيضا من هذا القبيل و لا يلزمه القول بالتّصويب فليتأمل‏

(قوله) إلاّ أنّ الأمر بالعمل على طبق تلك الأمارة إلخ‏

(1) (أقول) يعني أنّ المصلحة إنّما هي في نصب الطّريق و تنزيل شي‏ء منزلة العلم كالتّسهيل على المكلّف و نحوه من غير أن يكون له دخل في حسن متعلّقه كنفس العلم الّذي هو طريق عقلي و بهذا التّقرير لا يبقى مجال لتوهّم رجوع هذا الوجه إلى الوجه الثّاني كما لا يخفى‏

(قوله) فقد يشكل الفرق بينه و بين القول بالتّصويب‏

(2) (أقول) هذا إنّما هو في بادي الرّأي و إلاّ فالقول بالإجزاء يناقض التّصويب كما سيشير إليه المصنف (قدّس سره) لأنّ القائل بالإجزاء ملتزم بكون الواقع باقيا على وجوبه و لكن يزعم أنّ ما ادّعى إليه نظر المكلّف بالنظر إلى الأدلّة الشرعيّة أو بحسب اعتقاده أيضا يقوم مقام الواقع في إسقاط ذلك التّكليف بمعنى أنّ الشّارع يقبله بدلا عن الواقع إمّا تفضّلا أو لكون اعتقاده أو قيام الطّريق عليه من الجهات الموجبة لإفادته فائدة المأمور به فيسقط أوامرها بفعل ما أدّى إليه نظره لحصول الغرض فأين هذا من التصويب الّذي هو عبارة عن تبدّل أمره الواقعي بالأمر الظّاهري و الحاصل أنّه فرق بين تبدّل الأمر الواقعي بالظّاهري بواسطة الجهة العارضة و بين اقتضاء الجهة العارضة قيام هذا الشّي‏ء مقام الواقع في إسقاط طلبه فعلى الأوّل لو أتى بالواقع لا يجديه في إسقاط ما هو واجب عليه بالفعل بخلاف الثّاني و على الثّاني لو ترك الواقع و لم يمتثل الأمر الظّاهري أيضا لكانت ذمّته مشغولة بالواقع و على الأوّل لا واقع أمر ما كان مكلّفا به في الظّاهر

(قوله) فغاية الأمر التخيير بينهما أو تقديم الظنّ إلخ‏

(3) (أقول) ليس مقتضى المقدّمات الّتي رتّبها جواز الالتزام و التعبّد بالظنّ في الفرض و لو على سبيل التّخيير إذ غاية الأمر أنّه يحكم العقل مخيّرا بين ترك الفعل الّذي ظن بوجوبه فيكون عمله مطابقا لأصالة البراءة و بين أن يأتي بالفعل فيكون عمله مطابقا للظّنّ و أمّا جواز العمل بالظّن بمعنى التّدين به و الالتزام بأنّ مؤدّاه تكليفه في مقام العمل بحيث يجعله وسطا في إثبات متعلّقاته أو التعبّد بالأصل كذلك فلا و ما ذكره في وجه تقديم العمل بالظنّ فهو إنما يؤثّر في إلزام العقل باتباعه إذا علم إجمالا بثبوت تكاليف و لم يتمكن من امتثاله بطريق العلم فيجب عليه حينئذ متابعة الظنّ كما سيتّضح لك في تقرير دليل الانسداد و من المعلوم أنّ التكلّم في المقام ليس مبنيّا على هذه المقدّمة إذ التكلّم في المقام إنّما هو في جواز العمل بالظّن في خصوص مورد تعذّر فيه تحصيل العلم بحيث لو كان الأصل الجاري فيه حجّة و لم يكن اعتباره مقيّدا بعدم الظنّ على خلافه لكان المتعيّن الرّجوع إليه و الحاصل أنّ الكلام في هذا المقام ليس مبنيّا على دعوى العلم الإجمالي بثبوت تكاليف في الشّريعة حتى يتعيّن العمل بالظنّ عند تعذّر العلم و من المعلوم أنّ الواقع ما لم يعلم تنجزّه عليه لا يجب إطاعته حتّى يتعيّن العمل بالظّن عند تعذّر العلم و لو قال قائل إنّ هذا هدم للمبنى لأنّه رجوع إلى أصل البراءة مع الظنّ بالخلاف و المفروض اختصاص اعتبار الأصول بما إذا لم يظنّ بخلافها قلنا هذا أصل عقلي مبناه قبح العقاب بلا بيان فلا يعقل اشتراطه بعدم الظنّ بالخلاف اللّهم إلاّ أن يدّعى أنّ العقل لا يستقلّ بالقبح مع ظنّ التّكليف فيجب حينئذ الاحتياط لقاعدة وجوب دفع العقاب المحتمل لا لكون الشّي‏ء مظنونا من حيث هو و من هنا ظهر أنّ ما ذكرنا آنفا من أنّ غاية الأمر التخيير في المسألة الفرعيّة إنّما هو من باب المماشاة و إلاّ فعلى تقدير عدم كون الأصول اللفظية و كذا العمليّة و لا الظنّ المقابل لها حجّة تكون المسألة ممّا لا طريق للمكلّف إلى العلم به فإن استقل العقل بقبح العقاب عليه كما هو الواقع فهو و إلاّ وجب الاحتياط تحرّزا عن العقاب المحتمل‏

(قوله) و مرجع الكلّ إلى أصالة عدم القرينة إلخ‏

(4) (أقول) قد يتخيّل أنّ إرجاع أصالة الحقيقة بل و كذا أصالة العموم و الإطلاق و نحوها

إلى أصالة عدم القرينة في غير محلّه لأنّ هذه الأصول بنفسها أصول معتبرة معتمد عليها لدى العقلاء ربّما يتشبّث بها في مجاريها مع العلم بعدم القرينة كما إذا قال المتكلّم رأيت أسدا أو قال أعط كلّ فقير درهما أو أكرم عالما فإنّه كثيرا ما نقطع بعدم نصب القرينة على إرادة خلاف الظّاهر و مع ذلك نشكّ في إرادة الظّاهر فيحمل اللّفظ عليه بواسطة أصالة الحقيقة في الأوّل و أصالة العموم في الثّاني و الإطلاق في الثّالث و لا يجري في مثل الفرض أصالة عدم القرينة لأنّ المفروض حصول الشّك مع القطع بعدمها فأصالة عدم القرينة في مثل الفرض مع أنّها لا تجري بواسطة القطع بالعدم لا تجدي لعدم ارتفاع الشكّ بها فكيف يكون مرجع تلك الأصول إليها نعم قد يكون الشكّ في إرادة المعنى الحقيقي أو العموم أو الإطلاق مسبّبا عن احتمال وجود القرينة الصّادفة فيكون حينئذ أصالة عدم القرينة في مثل الفرض حاكمة على تلك الأصول مانعة عن جريانها فعلى هذا التّقدير أيضا لا يكون مرجع تلك الأصول إلى أصالة عدم القرينة بل لا تجري تلك الأصول بواسطة الأصل الحاكم فلا يتّجه إرجاع تلك الأصول إلى أصالة عدم القرينة في شي‏ء من مواردها و يدفعه أنّ الحقّ أنّ الأصول الوجوديّة الجارية في مباحث الألفاظ لا تأصّل لها بنفسها بل و كذا كلّ أصل وجوديّ معتبر لدى العقلاء كأصالة الصّحة و استصحاب الحالة السّابقة و مرجعها إلى أصول عدمية يتفرّع عليها تلك الوجودات فهي بنفسها من حيث هي غير متأصلة كما يأتي تحقيقه في مبحث‏

20

الاستصحاب إن شاء الله فمرجع استصحاب الحالة السّابقة إلى أصالة عدم ما يرفعها الّتي هي عبارة أخرى عن عدم الاعتناء باحتمال وجود الرّافع و مرجع الأصول الجارية في مباحث الألفاظ إلى عدم الاعتناء بالاحتمالات المنافية لها من احتمال وجود القرينة أو غفلة المتكلّم عن نصبها أو غلطه أو إرادته لإظهار خلاف مراده لتقيّة و نحوها من الأمور المقتضية لإرادة خلاف الظّاهر و سيأتي في عبارة المصنف (قدّس سره) عند توجيه كلام المحقّق القمي (قدّس سره) الإشارة إلى ما نبّهنا عليه من رجوع الأصول الجارية في مباحث الألفاظ إلى عدم الاعتناء بالاحتمالات المنافية للظّاهر الّذي هو عبارة أخرى عن أصالة عدم تلك المحتملات نعم لو قلنا بأنّ مناط اعتماد العقلاء على هذه الأصول في مجاريها هو الظّن النّوعي الحاصل من غلبة إرادة الحقيقة و العموم و الإطلاق و نحوها لا عدم الاعتناء بالاحتمالات المنافية لها لكانت هذه الأصول في حدّ ذاتها أصولا كما نبه عليه المصنف (قدّس سره) في بعض كلماته و لكنّه خلاف التّحقيق و لا يرتضيه المصنف (قدّس سره) بحسب الظّاهر إذا عرفت ما ذكرناه علمت أنّه لا يتوجّه الاعتراض على المصنف (قدّس سره) فيما ادّعاه من إرجاع الأصول المذكورة إلى أصالة عدم القرينة لأنّه إنّما فرضها فيما إذا كان الشّك مسبّبا عن احتمال وجود القرينة بحيث لو علم بعدم القرينة قطع بمراد المتكلّم ففي مثل الفرض يكون مرجعها إلى أصالة عدم القرينة لا محالة و أمّا ما أوردناه نقضا عليه من الأمثلة الّتي فرضنا الشكّ فيها مع العلم بعدم القرينة فهو خارج عن مفروض كلامه و مرجع الأصول فيها حينئذ هي أصول عدميّة أخر جارية بالنّسبة إلى الأسباب الموجبة للشّك فليتأمل‏

(قوله) فأحال معرفة حكم المسح على إصبعه إلخ‏

(1) (أقول) الظّاهر أنّه أحال معرفة سقوط المسح على البشرة على ظاهر الكتاب و أمّا استفادة كفاية المسح على المرارة من ظاهر الكتاب كما هو ظاهر الرّواية فلعلّها بواسطة ما هو المغروس في الأذهان من أنّ الميسور لا يسقط بالمعسور فكأنّ السّائل لم يكن تحيّره إلاّ في كيفيّة وضوئه من حيث تعسّر المسح على البشرة لا في أصل التّكليف به و اللّه العالم‏

(قوله) فإن ثبت جواز الاستدلال بكلّ قراءة إلخ‏

(2) (أقول) يعني في مورد المعارضة بأن جاز التّعبد في محلّ التّعارض أيضا بأنّ كلاّ من القراءات كلام اللّه تعالى في مقام الاستدلال كما يجوز التّعبد بكونه كذلك في مقام القراءة فيكون حينئذ حالها حال المتواترات في وجوب التّوقف في محلّ التّعارض من غير ملاحظة التّرجيح كما أنّ الشّأن كذلك في أخبار الآحاد لو أوجبنا التّعبّد بصدور كلّ منها في محلّ المعارضة تحكيما لأدلّة أصالة الصّدور على أصالة الظّهور لكنّك ستعرف إن شاء الله في محلّه ضعفه و إن لم نقل بجواز الاستدلال بكلّ منها في محلّ التّعارض بأن خصّصا أدلّة اعتبارها بغير هذا الفرض وجب الرّجوع إلى المرجّحات بناء على ثبوت التّرجيح في سائر الأدلّة الظّنيّة عند المعارضة لا في خصوص الأخبار تعبّدا ثمّ التّوقف في محلّ التّعارض أو التخيير كما في الخبرين المتعارضين على احتمال ضعيف كما ستعرفه في باب التّعادل و التّراجيح و لو أراد من جواز الاستدلال بكلّ قراءة جوازه من حيث هي كما قد يسبق إلى الذّهن في بادي الرّأي لا يستقيم شي‏ء ممّا ذكره كما لا يخفى على المتأمّل‏

(قوله) لعدم جريان أصالة عدم الغفلة في حقّهم مطلقا

(3) (أقول) وجهه واضح إذ لا شكّ في غفلتهم حين صدور الكلام عن أصل الخطاب فضلا عمّا اكتنف به من القرائن الحالية أو المقالية نعم ربّما يجري في حقّهم أيضا إذا نقل إليهم الخطاب بواسطة أو وسائط فعرضهم الشّك في غفلة الوسائط أو غفلتهم عمّا نقل إليهم الواسطة من القرائن لكن لا يتمشّى هذا في مثل القرآن المعلوم انحصاره فيما بين الدّفتين كما أنّه قد يشكّ في غفلتهم عن الخصوصيّات المحفوفة بالكلام ممّا يؤثّر في اختلاف المفاد كتقديم ما يستحقّ التّأخير و نحوه و لكن هذا أجنبيّ عمّا تعلّق به غرض المفصّل فإنّه إن جرى أصالة عدم الغفلة بالنّسبة إلى مثل هذه الأمور ممّا له دخل بفهم مدلول الكلام من حيث هو فلا يتفاوت الحال في ذلك بين كونه مقصودا بالإفهام و عدمه كما هو واضح هذا و لكن توجيه كلام المفصّل بالتّفصيل بين أصالة عدم الغفلة و بين مطلق أصالة عدم القرينة لا يخلو من نظر إذ الظّاهر أنّ هذا المفصّل ملتزم باعتبار أصالة عدم القرينة في حقّ من قصد إفهامه سواء كان شكّه ناشئا عن احتمال غفلته عن خصوصيّات الكلام أو ما اكتنف بها من القرائن أم لا كما لو علم المخاطب بأنّه لم يكن حين التّخاطب ملتفتا إلى بعض الجهات ككون المتكلّم مشيرا بيده‏

إلى شي‏ء أو كون شخص حاضرا في مجلسه أو متقدّما ذكره بحيث يعيّن إرادته من الإطلاق أو كون حاله مقتضيا لإرادة معنى مجازي من اللّفظ أو نحو ذلك من الأمور الّتي يحتمل تحقّقه حال الخطاب و يعلم بأنّه على تقدير التحقّق لم يكن ملتفتا إليه فلا يجري في حقّه أصالة عدم الغفلة مع أنّه لا يظنّ بالمفصل إنكار اعتبار أصالة عدم القرينة في مثل هذه الفروض الّتي لا يكون الشّك فيها مسبّبا عن احتمال الغفلة فالظّاهر أنّ المفصّل استند في هذا التّفصيل إلى ما يقتضيه دليل الحكمة من قبح الخطاب بما له ظاهر و إرادة خلافه حيث إنّ هذا لا يقتضي القبح إلاّ إذا كان ترك القرينة مخلاّ بما قصده من التّفهيم فإن كان مقصوده بالخطاب أعمّ من الحاضرين و الغائبين و الموجودين و المعدومين يجب أن يكون الكلام الموجّه إليهم على وجه يفهمون جميعا مراد المتكلّم بأن لا يعتمد المتكلّم في إبراز مقصوده على قرينة حالية أو مقالية أو غيرها من الأشياء الّتي يختصّ بمعرفتها بعض دون بعض بل عليه أن يلقى كلامه على وجه يفهمه كلّ أحد كتصنيف المصنّفين و هذا بخلاف ما لو لم يقصد بالإفهام إلاّ الحاضرين فإنّه يجوز حينئذ اعتماده على القرائن الحالية و المقالية بل يجوز أمرهم بتكليف على سبيل التّنجيز مع كونه في الواقع واجبا مشروطا إذا كانوا واجدين للشّرط و هذا بخلاف ما لو كان الخطاب عامّا لسائر النّاس كما هو واضح فعلى هذا ليس لغيره‏

21

من قصد إفهامه التّعويل على الظّاهر و لو مع القطع بعدم القرينة فضلا عمّا لو أحرز ذلك بأصل العدم هذا مع إمكان منع اعتبار أصالة عدم القرينة في حقّ غير من قصد إفهامه بدعوى أنّ اعتبارها من باب الظنّ النّوعي و هي إنّما تفيد نوع الظّن بالعدم فيما إذا صدر الشّك في القرينة ممّن قصد إفهامه حيث إنّ الغالب أنّ القرائن الّتي يعوّل عليها المتكلّم في إفهامه لا تخفي عليه و هذا بخلاف الأجنبي فإنّه غالبا لا يعلم بقرائن الأحوال و نظائرها هذا غاية ما يمكن أن يقال في توجيه التفصيل و يضعفه ما نبّه عليه المصنف (قدّس سره) من مخالفته لسيرة العقلاء و العلماء في فهم مداليل الألفاظ و سنشير في مبحث الاستصحاب عند البحث عن اعتباره من باب بناء العقلاء إلى ما هو السّر في عدم الاعتناء باحتمال القرينة و نحوها من الأمور المقتضية لإرادة خلاف الظّاهر و عدم ابتنائه على إفادته الظنّ من غير فرق في ذلك بين المخاطب و غيره‏

(قوله) نظير العلم الحاصل من الحواسّ الظّاهرة إلخ‏

(1) أي بأن يكون حصول الحدس من تلك المبادي كحصول العلم بالمحسوسات بواسطة الإحساس‏

(قوله) فظهر من ذلك أنّ نسبته السّيّد (قدّس سره) إلخ‏

(2) (أقول) و ظهر من ذلك أنّ المفيد أيضا أضافه إلى المذهب اعتمادا على كونه مرويّا عن الأئمّة (عليهم السلام) و لا يحلّ في مذهبنا ردّ رواياتهم بعد ثبوتها

[في حجتة الخبر]

(قوله) بل لا يبعد كونه ضروريّ المذهب‏

(3) (أقول) و قد قرّرنا في محلّه أنّ مثل هذه المسائل الّتي نشأت معروفيّتها لدى المتشرّعة و مغروسيّتها في أذهانهم من اتّفاق الأصحاب قولا و فعلا ليست من الضّروريّات الّتي يوجب إنكارها الكفر أو الخروج عن المذهب نعم صدور كثير من هذه الأخبار عن الأئمّة (عليهم السلام) من الأمور القطعيّة الّتي لا يرتاب فيه أحد و وجوب العمل بما صدر عنهم ضروريّ المذهب لكن بشرط العلم به تفصيلا و أمّا إجمالا كما في الفرض فلا كيف و قد عرفت فيما سبق أنّ كون العلم الإجمالي كالتّفصيلي منجّزا للتّكليف من المسائل الخلافيّة

(قوله) فعن الرّواية الأولى إلخ‏

(4) (أقول) لا يخفى أنّ ما ذكره (قدّس سره) إنّما هو جواب إسكاتي و الحقّ في الجواب بناء على المختار من حجيّة خبر الثّقة أنّ أدلّة نصب الطّرق حاكمة على مثل هذه الرّواية كما أنّها حاكمة على مثل قوله (عليه السلام) كلّ شي‏ء حلال حتّى تعلم أنّه حرام بعينه و قوله (عليه السلام) لا تنقض اليقين إلاّ بيقين مثله كما لا يخفى‏

(قوله) فالأخبار المخصّصة لها كلّها إلخ‏

(5) (أقول) مراده بالأخبار المخصّصة بحسب الظّاهر هي السّنة القطعيّة الّتي اقتصر في تخصيص العمومات عليها بزعم المعترض فمراده بهذا التّفريع أنّ هذه الأخبار المخصّصة كلّها و كذا كثير من عمومات السّنة القطعيّة المقتضية بعمومها لإثبات أحكام منافية لعمومات الكتاب كأدلّة نفي الضّرر و سلطنته النّاس على أموالهم و نحوها بأسرها مخالفة للكتاب و لكن يجب العمل بها مع مخالفتها للكتاب بارتكاب التّخصيص في عموماته بالأخبار المخصّصة و الجمع بينها و بين عمومات السّنة المخالفة لها بما يقتضيه المرجحات الخارجيّة أو الداخليّة لكونها قطعيّة فيمتنع أن يعمّها الأخبار الآمرة بطرح الأخبار المخالفة للكتاب فلو كانت ظنّية لعمّتها تلك الأخبار

(قوله) و الثّاني أنّه تعالى أمر بالتثبّت إلخ‏

(6) (أقول) حاصل الاستدلال أنّه تعالى جعل موضوع وجوب التّثبت مجي‏ء فاسق بنبإ و معلوم أنّ الموضوع علّة تامة للحكم فإذا جعله من آثار هذا الموضوع العرضي و معلولاته يكشف ذلك عن عدم صلاحية الذّات للعليّة و الموضوعيّة و إلاّ لكانت الذّات أولى بذلك و بما ذكرنا من التّقريب ظهر اندفاع ما ربما يتوهّم من أنّ ما ذكره من التّعبير ينافي ما سيظهر منه من كونه استدلالا بمفهوم الصّفة مع أنّ ما ذكره من التّقرير استناد إلى مفهوم العلّة توضيح الاندفاع أنّ ما ذكره ليس منافيا بل مؤكّد لاستفادة المفهوم من الوصف لكونه إشارة إلى نكتة زائدة فكأنّه قال في قولك أكرم زيدا العالم إنّ تعليق الحكم على العالم يكشف عن أن علّة وجوب الإكرام إمّا العلم بخصوصه أو له دخل في العلّة و إلاّ لو كان ذات الموصوف من حيث هي موضوعة للحكم و علّة لثبوته مع أنّه يوجب عراء ذكر الوصف عن الفائدة يلزم استناد الحكم إلى العرضي مع صلاحية الذّات لذلك و هو قبيح فليتأمل‏

(قوله) ففيه أنّ مفهوم الشّرط إلخ‏

(7) (أقول) يعني مفهومه شأنا و إلاّ فليس للشّرطيّة على ما هو المفروض مفهوم توضيح المقام أنّ القضيّة الشّرطية يستفاد منها حكمان إيجابي و سلبي لموضوع مذكور فقولك إن جاءك زيد فأكرمه يستفاد منه وجوب إكرام زيد عند مجيئه و عدمه عند عدم المجي‏ء و هذه الاستفادة إنما تكون في الموضوع الصّالح للاتّصاف بكلا الحكمين و أمّا لو يصلح إلاّ للاتّصاف بالحكم الإثباتي فلا يستفاد منه إلاّ هذا مثلا لو قال أكرم زيدا إن وجد لا يفهم منه عرفا حكمه بعدم الوجوب لو لم يوجد زيد فعدم صلاحية الموضوع للاتّصاف بالعقد السّلبي من القرائن العامّة الدّالة على عدم إرادة التّعليق الحقيقي من الشّرطية و أنّها مسوقة لبيان مجرّد ثبوت الجزاء عند حصول الشّرط و أمّا إذا كان الموضوع صالحا للاتّصاف بكلا الحكمين فكثيرا مّا أيضا يراد هذا المعنى لا التّعليق الحقيقي كقولك إن رأيت زيدا في السّوق أو أتاك اليوم أو واجهك في الطّريق أعطه حقّه إلى غير ذلك من الأمثلة الّتي لا تحصى إلاّ أنّ حمل اللّفظ على هذا المعنى في مثل هذه الموارد يحتاج إلى القرينة الخارجيّة و هذا بخلاف القسم الأوّل‏

(قوله) إنا ندعي التّعارض إلخ‏

(8) (أقول) إشارة إلى أنّ المفاهيم من الأدلّة اللبية فلا تتطرق إليها التّصرف إلاّ تبعا لمناطيقها لأنّ منشأها الاستلزامات المحققة بين المناطيق و المفاهيم فلا يعقل إبقاء المنطوق بظاهره و ارتكاب التّصرف في مفهومه لاستلزامه تفكيك الملزوم عن لازمه فليتأمل‏

(قوله) غير محتاج إليه إلخ‏

(9) (أقول) بل غير صحيح لأنّ خبر العادل بعد فرض حصول الاطمئنان منه يخرج عن موضوع‏

22

الحكم بوجوب التبيّن كالخبر العلمي كما سيتّضح لك وجهه فينحصر الإشكال في خبر العادل الّذي لا يفيد الاطمئنان فإنّ مقتضى عموم التّعليل وجوب التّبيّن فيه و مقتضى المفهوم عدمه و كون خبر العادل مفيدا للاطمئنان غالبا يصلح نكتة لتخصيص الفاسق بالذّكر لا لدفع الإشكال بعد تسليم أصل المفهوم كما لا يخفى‏

(قوله) و بالجهالة الشك‏

(1) (أقول) تفسير الجهالة بذلك بعيد بل الظّاهر أنّ المراد بها إمّا عدم العلم أو أنّ المراد منها العمل الصّادر من غير رويّة و تفكّر الذي لا ينبغي صدوره من العاقل و هذا المعنى هو الّذي أراد من فسّرها بالسّفاهة و لعلّ هذا هو المتبادر إلى الذّهن من الآية و أمّا الإيراد عليه بما ذكره المصنّف (قدّس سره) فيدفعه ما سيذكره فيما بعد و إن فسّرت بعدم العلم لا يبعد دعوى عدم شموله عند العرف لما يفيد الاطمئنان لأنّ قوّة الاحتمال الموجب لسكون النّفس منشأ لعدم اعتنائهم بالاحتمال المخالف فينصرف عنه الإطلاق و هذا هو السّر في إطلاق العلم عليه عرفا فليتأمل‏

(قوله) و منه يظهر الجواب إلخ‏

(2) (أقول) كما يظهر منه الجواب عمّا ربّما يقال كذلك يظهر منه الجواب عمّا أورده على من فسّر الجهالة بالسّفاهة كما لا يخفى‏

(قوله) و فيه أنّ المراد بالبناء إلخ‏

(3) (أقول) لأنّ هذا هو الّذي يصلح أن يجب فيه التّبين لا ما علم صدقه أو كذبه لأنّ إيجاب التّبين فيه طلب لتحصيل الحاصل فلا يجوز و من المعلوم أنّ اختصاص الصّلاحيّة ببعض مصاديق العام قرينة على إرادة هذا البعض‏

(قوله) و دعوى أنّه لا يعمّ نفسه‏

(4) (أقول) لأنّه دالّ فلا يعقل أن يكون من أفراد المدلول و إن شئت قلت قول القائل خبر العادل ليس بحجة إنّما يصير خبرا بعد فراغه منه فلا يعقل أن يكون هذا الخبر موضوعا للحكم المذكور فيه الذي يتوقّف خبريته عليه‏

(قوله) فتأمّل‏

(5) (أقول) فكأنّه إشارة إلى أنّ الإجماع في مثل المقام أعني فيما كان ثبوت الحكم المجمع عليه لموضوعه عند بعض الأمة لاندراجه تحت عنوان لم يكن له هذا الحكم عند آخرين بل ثبوت الحكم له عندهم لأجل دخوله تحت عنوان آخر ليس كاشفا عن قول المعصوم كما يشير إليه المصنف في غير موضع‏

(قوله) بل لأنّ المقصود من الكلام إلخ‏

(6) (أقول) لا يمكن أن يكون المراد من الأمر بتصديق العادل في الآية تصديق السّيد في إخباره بعدم الحجيّة لا لمجرّد ما ذكره المصنف (قدّس سره) من الاستهجان بل لعدم معقوليّة الخطاب إلى الموجودين في زمان صدور الآية و أمرهم بتصديق السّيد في إخباره مع تأخّره عنهم خصوصا على القول باختصاص الخطابات القرآنيّة بالمشافهين فليتأمل‏

(قوله) و قد أجاب إلخ‏

(7) (أقول) و لعلّه (رحمه الله) أشار بهذا التّعبير إلى أنّ جوابه مع ما فيه من أنّ الإيراد المزبور إنّما صدر إلزاما على القائلين بدلالة الآية على وجوب تصديق العادل فلا وقع لهذا الجواب من أصله أنّه لا محصل له لأنّه إن ثبت حجيّة ما هو مظنون الاعتبار بدليل قطعيّ فيكون كظاهر الكتاب من الظّنون المعتبرة و إلاّ فلا يجوز الأخذ به سواء عارضه ظاهر الكتاب أم لا

(قوله) و قد يشكل الأمر بأن ما يحكيه الشّيخ عن المفيد (قدّس سره) إلخ‏

(8) (أقول) محصل الإشكال أنّه إذا قال الشّيخ قال المفيد هذا المائع خمر مثلا يكون مجموع هذا الكلام مقولا للشّيخ فهو مصداق خاصّ خارجي للحكم بوجوب التّصديق فإذا عمّه هذا الحكم ثبت به مضمونه و هو صدور قول هذا خمر من المفيد فيمتنع أن يندرج ما ثبت بهذا الحكم في موضوعه فإن ما هو من لواحق هذا الحكم يمتنع أن يصير معروضا له و ملخّص دفعه أنّ المفيد هو في حدّ ذاته رجل عادل يجب تصديق خبره بحكم الآية سواء أخبر به الشّيخ أم لا و لكن لا يتنجّز التّكليف به إلاّ بعد ثبوته بأيّ طريق يكون فإذا كان الشّيخ عادلا يكون خبره طريقا لإثبات خبر المفيد الذي حكمه وجوب التّصديق فلا يتوقّف خبريّة خبر المفيد الّذي حكمه وجوب التّصديق على إخبار الشّيخ به بل على صدوره من المفيد كسائر الأخبار الصّادرة منه الثّابتة بغير هذا الطّريق كما أنّ قول الشّيخ أخبر في المفيد بهذا ليس إلا كسائر الأقوال الصّادرة منه الّتي هي مصاديق لهذا الحكم فقول الشّيخ أخبرني المفيد بكذا مصداق آخر وقع هذا الكلام حكاية عنه و لا محذور فيه إن قلت إنّ خبر المفيد الّذي يجب تصديقه بحكم الآية هي الأقوال الصّادرة منه في الواقع و كون هذا الخبر من جملتها غير معلوم و إنّما نلتزم به تعبّدا تصديقا للشّيخ فهو مصداق لخبر المفيد تعبّدا بتصديق الشّيخ بحكم الآية فيمتنع أن يعرضه حكمها ثانيا قلت لا معنى لتصديق الشّيخ و

التعبّد بقوله إلاّ ترتيب أثر ذلك الشي‏ء الذي أخبر به عليه و المعاملة معه معاملة العلم بذلك الشّي‏ء و إلاّ لسرى الإشكال إلى سائر الموضوعات الخارجيّة الثابتة بأدلّة شرعيّة فيقال إنّ نجاسة البول أو حرمة الخمر مثلا ثبتت لمصاديقها الواقعيّة فلا تعمّ مصاديقها التّعبدية الثابتة بخبر العادل مثلا و هو كما ترى ثمّ لو سلّم توقّف خبريّة خبر المفيد الثّابت بقول الشّيخ على تصديق الشّيخ و قصور ما دلّ على وجوب تصديق العادل عن شمول الخبر الّذي يتوقّف حصول موضوعه على ثبوت هذا الحكم فنقول قصوره إنّما هو من حيث اللّفظ و إلا فالمناط منقّح نظير ما عرفته في دعوى السّيد الإجماع على عدم حجيّة خبر الواحد بل لا قصور في العبارة أيضا لكون ما دلّ على حجيّة خبر العادل قضيّة طبيعيّة غير ملحوظ فيها خصوصيّات المصاديق فهو نظير قول القائل إذا تكلّمت بكلام يوجع رأسي و صدري أو قال في أثناء الصّلاة الكلام مبطل للصّلاة إلى غير ذلك من القضايا الطّبيعيّة التي يتحقّق بنفسها مصداق للطّبيعيّة الّتي تضمّنت حكمها فلا ينبغي الاستشكال في شمول الآية على تقدير دلالتها على المفهوم لقول المفيد الثّابت بقول الشّيخ و لكن قد يستشكل في شمولها لقول الشّيخ في مثل الفرض نظرا إلى أنّه لا معنى للأمر بتصديق العادل إلاّ التّعبد بمضمونه أي الالتزام بالآثار الشّرعيّة المترتّبة على صدقه فلا يعقل ذلك إلاّ فيما إذا كان للمخبر به في حدّ ذاته أثر شرعيّ و ليس لقول المفيد الّذي‏

23

أخبر به الشّيخ في حدّ ذاته أثر شرعيّ غير وجوب التّصديق الّذي نشأ من هذا الطّلب فلا يعمّه هذا الخطاب و إلاّ يدور و فيه بعد الغضّ عمّا أسلفناه في توجيه قيام الأمارات المعتبرة مقام العلم المأخوذ جزءا للموضوع بعنوان الطّريقيّة ممّا يتحسّم به مادّة هذا الإشكال كما لا يخفى على المتدبّر أنّ الممتنع إنّما هو توقّف فرديّة فرد للعام على ثبوت ذلك الحكم لنفس هذا الفرد و أمّا لو توقّف فرديّته على فردية فرد آخر له ممّا لا مانع عن فرديّته كخبر المفيد فيما نحن فيه فلا مانع عنه فخبر المفيد في حدّ ذاته صار معروضا للحكم بوجوب التّصديق حين صدوره منه سواء أخبر به الشّيخ أم لا فمتى أحرز خبره بطريق عقليّ أو شرعيّ من بيّنة أو شياع أو تواتر و نحوها وجب ترتيب هذا الأثر عليه و إذا أخبر به الشّيخ و كان الشّيخ عادلا كان إخباره به كإخباره بسائر الأشياء الّتي لها آثار شرعيّة مندرجا في موضوع الحكم بتصديق العادل فليس اعتبار كون ما أخبر به الشّيخ في حدّ ذاته ذا أثر شرعا شرطا في صحّة إلزام الشّارع بتصديقه مانعا عن أن يعمّه الحكم بتصديق العادل بعد أن كان هذا الحكم ثابتا لما أخبر به قبل أن يصدر هذا الكلام من الشّيخ و ليس خبر العادل على إجماله موضوعا شخصيّا محكوما بحكم كي يعتبر الأثر الملحوظ لدى الحكم بوجوب تصديقه غير الأثر الّذي ينشأ من قبل هذا الحكم بل هي قضيّة كليّة فكلّ من أفراده المتدرجة في الوجود عند حصوله و صلاحيته لأن يتعلّق به الحكم بوجوب تصديقه بان لم يكن تنجّز التّكليف بتصديقه قبيحا لكونه أجنبيّا عمّا يتعلّق به المقاصد الشّرعيّة يندرج في موضوعه نعم لو أخبر شخص عن شخص بشي‏ء له أثر شرعيّ فتعلّق أمر خاصّ بتصديقهما معا في تلك القضيّة قد يشكل تعقّله لما فيما بين موضوعيهما من الترتب و كون تعلّق التّكليف بالأوّل شرطا في صحّة التّكليف بالثّاني و لكن يندفع هذا الإشكال أيضا بأنّ المصحح لتوجيه التّكليف بالتّصديق هو كون المخبر به ذا أثر حال تنجّز التّكليف أي وقت إرادة الامتثال لا حين صدور الطّلب فإيجاب تصديقهما معا أثر في صيرورة متعلّق كلّ من الخبرين ذا أثر في زمان الخروج عن العهدة كما لا يخفى على المتأمّل‏

(قوله) و الظّن الّذي لا يتمسّك به في الأصول هو مطلق الظنّ‏

(1) (أقول) الظّن المطلق لا دليل على حجيّته إلاّ دليل الانسداد الآتي و مقتضاه على تقدير تماميّته عدم الفرق بين أصول الفقه و سائر المسائل الفرعيّة على ما هو مختار المصنف (قدّس سره) كما ستعرف و على تقدير عدم تماميّته لا فرق في عدم جواز التمسّك به بين المسائل الفرعيّة و الأصوليّة فلم يظهر للتّفصيل المذكور وجه وجيه فليتأمل‏

(قوله) مضافا إلى قوله تعالى إلى آخره‏

(2) (أقول) تكفير السّيئات على تقدير تسليم كون الصّغائر موجبة للفسق لا يجدي في رفع أثرها الوضعي و الالتزام بذلك في التّوبة ليس لمجرّد ثبوت كونها مكفّرة للذّنوب كما لا يخفى على المتأمّل فتأمل‏

(قوله) و ثالثا أنّه قد فسّر الآية

(3) (أقول) لا يبعد أن يكون المراد من الآية بشهادة الجمع بين ما ورد في تفسيرها و بين الأخبار الآتية التّعريض على المؤمنين و بيان أنّ النّفر إلى النّفقة أيضا كالنّفر إلى الجهاد من الأمور المهمة فكأنّه تعالى قال ما كان لهم أن ينفروا بأسرهم إلى الجهاد فهلاّ نفر من كلّ جماعة كثيرة طائفة لتحصيل التّفقه في الدّين مع أنّه كالجهاد في الوجوب و هذا و إن كان مقتضاه وجوب النّفر و إنذار النّافرين للمختلفين إلاّ أنّه يستفاد منه أنّ تكليف أهل المدينة أن يتخلّف بعضهم عند النّبي (صلى اللَّه عليه و آله) لأن يتفقّهوا إذ ليس النّفر مطلوبا لذاته فيكون المتخلفون في المدينة بمنزلة النّافرين في طلب العلم و اللّه العالم‏

(قوله) لكن لا يدلّ على وجوب العمل إلى آخره‏

(4) (أقول) توضيح المطلب أنّ المقصود من الآية بحسب الظّاهر وجوب تعلّم الأحكام الواقعيّة و بعث المكلّفين على العمل بها أي العمل بما علموه و فهموه من الأحكام و من المعلوم أنّ هذا لا ينفع فيما نحن بصدده لأنّ المقصود إثبات حجيّة خبره من حيث نقل قول المعصوم (عليه السلام) لا وجوب العمل بما فهمه من الأحكام الشّرعيّة و بينهما فرق بيّن هذا و لكنّ الإنصاف أنّه يستفاد بالدّلالة التّبعية أنّ العمل بقول الثقة من الأمور المغروسة في الأذهان بحيث لا يعتني العقلاء باحتمال مخالفتها للواقع لأنّ هذه الآية بمنزلة قولك تعلّموا أحكام الحيض و علّموا نسوانكم كي يعملن على وفق تكاليفهنّ و هذا الكلام ليس مسوقا لبيان حجيّة قول الرّجال للنّسوان بل الكلام منزل على ما هو

المتعارف و هو أخذ النّساء من رجالهنّ مسائلهنّ من دون التفات إلى احتمال كذب الرّجال و كذا بناء العوام إنّما هو على أخذ المسائل ممّن يعتقدون أنّه يعلم المسائل و لا يعتنون أصلا باحتمال كذبه أو غفلته و خطائه فالآية بحسب الظّاهر منزلة على ذلك فيكون المراد بها وجوب تعلّم الأحكام و تعليمها إلاّ أنّ بناء العقلاء عدّ ما يأخذونه من آحاد الأشخاص تعلّما بمعنى أنّهم لا يعتنون باحتمال كذبه و غفلته فليتأمل‏

(قوله) لأنّ الغالب إلى آخره‏

(5) (أقول) لو سلّم غلبته تعدّد من يخرج إلى الحجّ من كلّ ناحية إلاّ أنّ الغالب عدم إخبار مجموعهم لآحاد أهل بلدهم حتّى يكون كلّ خبر لكلّ أحد متواترا بل الغالب خلافه فتنزيل الآية على المتعارف بعد تسليم المدّعى يستلزم الالتزام بحجيّة خبر كلّ واحد منهم‏

(قوله) على ما يقتضيه الخطاب في لكم‏

(6) (أقول) وجه الاقتضاء ظهور الآية بل صراحتها في الخطاب متوجّها إلى الّذين يؤذون النّبي (صلى اللَّه عليه و آله)

(قوله) فإنّ تعليل التّصديق إلخ‏

(7) (أقول) و يؤيّده مضافا إلى ما ذكره أنّ هذه العلّة لا تصلح علّة إلاّ للإيمان الصّوري لا للعقد القلبي لعدم المناسبة بينهما

(قوله) تعديته في الأوّل بالياء إلخ‏

(8) (أقول) الإيمان بالشّي‏ء ظاهره الإذعان بتحقّقه و الإيمان للمؤمنين ظاهره إظهار الإيمان لأجل مراعاتهم و منشأ ظهور الثّاني في الإيمان الصّوري ما أشرنا إليه من عدم المناسبة بين مراعاتهم و العقد القلبي حتّى يصلح للعليّة

(قوله) بعد تقييد المطلق منها إلخ‏

(9) (أقول) في العبارة تشويش فإنّها في النّسخ الأصليّة

24

بمفهوم آية النّبإ و في بعض النسخ المصححة بمنطوق آية النّبإ و على تقدير صحّة الأولى فالباء للإلصاق لا السّببيّة إذ لا تنافي بين حجيّة خبر العادل و حجيّة مطلق الخبر حتّى يتقيّد به الإطلاق فملخّص المراد أنّ المستفاد من مجموع الآيات حجيّة قول ما عدى الفاسق مطلقا و لكن إطلاقه ينصرف بمقتضى الغلبة إلى صورة إفادة الخبر الظّن الاطمئناني هذا و لكن يشكل دعوى سببيّة الغلبة الانصراف المفهوم إذ ليس لنا قضيّة لفظيّة ندعي فيها الانصراف و إنّما استفيد حجيّة خبر العادل من آية النّبإ على تقدير تسليم الدّلالة من تعليق ردّ الخبر بصدوره من الفاسق و كون الفسق علّة منحصرة للرّد فينتفي المعلول عند انتفاء علّته عقلا و لا يعقل دعوى الانصراف في الاستلزامات العقليّة نعم يمكن أن يقال إنّ موضوع الحكم في المنطوق إنّما هو الخبر الموثوق به و لو وثوقا بدويّا كما يشهد بذلك اعتماد العقلاء عليه في مورد الآية فمفهومه جواز العمل بالخبر الموثوق به إذا كان المخبر عادلا و لكنّك خبير بأنّه على هذا التّقدير لا يقتضي تقييد سائر الآيات بما إذا كان خبر العادل مفيدا للوثوق لما أشرنا إليه من عدم التّنافي بين المفادين بعد فرض سكوت آية النّبإ عن حكم خبر غير الثّقة نعم يمكن دعوى الانصراف في نفس تلك الآيات فبعد تقييدها بمنطوق آية النّبإ يكون محصل مجموعها حجيّة خبر الثقة بشرط كون المخبر عادلا فليتأمل‏

(قوله) بل هذا أيضا منصرف سائر الآيات‏

(1) (أقول) أي الخبر المفيد للاطمئنان و الوثوق لا خبر العادل المفيد للوثوق و إلاّ لم يتحقّق المعارضة بينها و بين منطوق آية النّبإ كما هو المدّعى هذا مع أنّه لا وجه لدعوى الانصراف إلى خبر العادل فالمقصود ليس إلاّ دعوى الانصراف إلى الخبر المفيد للوثوق لا غير

(قوله) حتّى يعارض المنطوق‏

(2) (أقول) يعني لو قلنا إنّ مفاد الآيات بمقتضى الانصراف هو حجيّة خبر الثّقة لا مطلق الخبر يتعارض مع المنطوق في خبر الفاسق المفيد للوثوق فلا بدّ في مورد المعارضة من الرّجوع إلى المرجّحات الخارجيّة لو كانت و إلاّ فالتّوقّف و هذا بخلاف ما لو منعنا الانصراف فإنّ المنطوق حينئذ أخصّ مطلقا يخصّص به العمومات فلا معارضة فليتأمل‏

(قوله) الثّاني من وجوه تقرير الإجماع إلخ‏

(3) (أقول) هذا التّقرير لا يجدي في إثبات حجيّة الخبر بالخصوص إذ الظّاهر أنّ عمل السّيد بالخبر على تقدير الانسداد ليس لأجل خصوصيّة فيه بل لأجل كونه موجبا للظّن المطلق الّذي ينوب مناب العلم عند التّعذر بحكم العقل و سيجي‏ء فيما بعد أنّ مثل هذا الإجماع لا يجدي في إثبات الحجيّة بالخصوص‏

(قوله) ربّما يدّعى وجوب العمل بكلّ واحد منها مع عدم المعارض إلخ‏

(4) (أقول) هذا هو الّذي نتيجة المقدّمات السّابقة لو تمّت نعم لو تعذّر العمل بالمجموع لأجل العسر و الجرح يجب الاقتصار على الظنّ لكونه أقرب في مقام الامتثال إلاّ أنّ من المعلوم أنّ الأخذ بالأحكام المستفادة من الأخبار المدوّنة في الكتب المعتبرة لا حرج فيها و الحاصل أنّه يجب أوّلا بمقتضى المقدّمات السّابقة بحكم العقل العمل بكلّ خبر محتمل الصّدور حتّى يحصل القطع بتفريغ الذّمة عن التّكاليف الّتي يتضمّنها الأخبار الّتي علمنا بصدور بعضها إجمالا و إن تعذّر ذلك يتعيّن الأخذ بمظنون الصّدور و قد أشرنا إلى أنّ البناء على صدق مجموع هذه الأخبار و الأخذ بمضمونها لا يستلزم حرجا فتأمل‏

(قوله) ممّا دلّ عليه الكتاب إلخ‏

(5) (أقول) إثبات الحرمة الشّرعيّة بأغلب هذه الآيات بل جميعها لا يخلو عن تأمّل لأنّ ظاهرها كونها إرشاديّات إلاّ أنّ الاستدلال بها في مقابل من لم يقل بالتّحسين و التّقبيح حسن كما لا يخفى وجهه‏

(قوله) بناء على أنّ المراد العذاب و الفتنة الدّنيويّان‏

(6) (أقول) ابتناء الاستدلال على إرادة العذاب و الفتنة الدّنيويّين لأنّ استحقاق ترتّبهما على مخالفة الأمر في الآخرة معلوم فلا يكون حينئذ دليلا على المطلوب فليتأمل‏

(قوله) لكنّه رجوع عن الاعتراف باستقلال العقل‏

(7) (أقول) في كونه رجوعا عمّا اعترف به تأمّل لأنّ وجوب التّحرز عن العقاب المحتمل فضلا عن المشكوك من المستقلات العقليّة و لذا نحكم بوجوب الاجتناب عن محتملات الشّبهة المحصورة فكيف يعترف الخصم بجواز الإقدام عليه بالإجماع و العقل و إنّما اعترف الخصم بأنّ مشكوك الوجوب أو الحرمة أو موهومهما لا يجب مراعاته عقلا و إجماعا فالعقل و الإجماع مؤمّنان عن المفسدة المترتّبة على فوت الواقع و أمّا مظنون الوجوب و الحرمة فحيث لا عقل و لا إجماع يؤمّن المكلّف من تبعة مخالفة الواقع يجب عليه الاحتياط تحرّزا عن العقاب المحتمل فضلا عن مشكوكه و لم يعترف المستدلّ في مقدّمات دليله بأنّ العقاب المحتمل لا يجب التحرّز عنه فلاحظ

(قوله) فتأمّل‏

(8) (أقول) لعلّه إشارة إلى أنّ حكومة الأصول العمليّة على هذه القاعدة فرع اعتبارها كالأصول اللّفظية و قد منع المستدل اعتبارها في صورة الظنّ بالتّكليف‏

(قوله) في الحاشية المنسوبة إليه في بيان وجه الأمر بالتّأمّل بعد أن قال إنّ التّوقف عن ترجيح الرّاجح أيضا إلخ و لا شكّ في وجوب التّرجيح‏

(9) (أقول) هذا إذا كان الواقع منجّزا على المكلّف و هو في المقام أوّل الكلام إن قلت إنّ العلم الإجمالي بثبوت تكاليف واقعيّة يوجب تنجّزها على المكلّف قلت ليس مبنى هذا الاستدلال على دعوى العلم الإجمالي و إلاّ فيرجع إلى الدّليل الآتي و حيث إنّ الواقع غير معلوم التّنجز على المكلّف لا مانع عن الرّجوع في موارد الظنّ إلى البراءة و الظّاهر أنّ هذا هو مراد المجيب حيث قال إنّ وجوب التّرجيح فرع الدّوران و حيث إنّ الأمر ليس دائرا بين الأمرين لجواز الرّجوع إلى البراءة فلا دليل على وجوب التّرجيح أي العمل بالظّن فجوابه في الحقيقة يئول إلى ما سيختاره المصنف (قدّس سره) ردّا للاستدلال فالإيراد عليه لا يخلو من نظر فتأمل‏

(قوله) فهي مبنيّة على أن لا يثبت من الأدلّة المتقدّمة لحجيّة الخبر الواحد إلخ‏

(10) (أقول) بقي في المقام شي‏ء يمكن الاستدلال به لحجيّة خبر الواحد بالخصوص في حال الانسداد لم يتعرّض لذكره و هو أنّه لقائل أن يقول سلّمنا أنّ خبر الثّقة ليس حجّة معتبرة لدى العقلاء كظواهر الألفاظ

25

و المكاتبات بحيث يكون في عرض العلم إلاّ أنّ من البديهيّات الّتي لا يكاد يرتاب فيه أحد أنّ خبر الثّقة ليس في عرض سائر الظّنون الاجتهاديّة الّتي لا تنتهي إلى أصل معتمد كالقياس و الاستحسان و الظّن الحاصل من الرّؤيا أ ترى أنّ العقلاء يرخّصون العبد المأمور من قبل مولاه بتكاليف كثيرة لا بدّ له من امتثالها و لم يتمكّن من معرفتها تفصيلا و لا من الاحتياط في امتثالها في ترك الاعتناء بقول الثّقات الوسائط بينه و بين المولى و الرّجوع إلى ظنونه الاجتهاديّة أ و ترى أنّ العقلاء يعدّونه معذورا لو لم يعمل بخبر الثّقة معتذرا بأنّي رأيت رؤيا ظننت بصدق مظنونها فطرحت لأجله الخبر حاشاهم عن ذلك بل الإنصاف أنّ خبر الفاسق الغير المتحرّز عن الكذب أيضا ليس لديهم في عرض سائر الظنّون الاجتهاديّة بل يرونه حجّة معتبرة على تقدير تعذّر تحصيل العلم أو الرّجوع إلى من هو أوثق منه بخلاف الظنّ الحاصل من النّوم و القياس و أشباهه و لعلّ هذا هو الّذي ألجأ بعض الأعلام في الالتزام بأنّ نتيجة دليل الانسداد حجيّة الظّن في الطّريق دون الواقع حيث إنّه رأى أنّ الالتزام بجواز طرح ما بأيدينا من الأخبار و الرّجوع إلى سائر الظّنون الاجتهاديّة مصادم للضّرورة و لم يقم لديه على اعتبارها دليل بالخصوص فظنّ أنّ منشأه أنّ دليل الانسداد لا يثبت إلاّ حجيّة الظنّ في الطّريق و تكلّف في توجيهه و غفل عن أنّ منشأه عدم كون الخبر لدى العقلاء كسائر الظّنون المبنيّة على الحدس و التّخمين و إلاّ فلا يظنّ به الالتزام بحجيّة ظنّ حصل له الظنّ باعتباره من النّوم و لو ظنّ باعتبار هذا الظنّ أيضا من ظنّ حاصل من نوم آخر أو شي‏ء آخر مثل النّوم و هكذا و لو بعشرين درجة بل الّذي أجده من نفسي أنّي لا أرى العمل بالظّن المطلق أصلا إلاّ إذا فرض عدم التمكّن من الوصول إلى الآثار المرويّة عن الأئمّة (عليهم السلام) و لو في ضمن فتاوى الأعلام بمعنى أنّه لو تمكّن من الوصول إلى رسالة عمليّة من علمائنا الماضين المقتبسين فتاويهم من الأخبار المأثورة لا يجوز التخطّي عنها و الرّجوع إلى الظّن المطلق و اللّه العالم‏

(قوله) و مرجع الإجماع قطعيّا أو ظنيّا إلخ‏

(1) (أقول) حاصل مرامه أنّ الرّجوع إلى الأصول في المشكوكات فرع صيرورة المشكوكات مجاري لها فلا يرجع إلى الأصول النّافية للتّكليف إلاّ على تقدير الشّك فيه و أمّا مع العلم بتحقّقه و الشّك في تعيين المكلّف به فلم يقل أحد بالرّجوع إلى الأصول النّافية للتّكليف عدى ما ستسمعه في محلّه من بعض متأخّر المتأخّرين فضلا عن أن يكون إجماعيّا فالإجماع على الرّجوع إلى الأصول موقوف على الإجماع على كونها مجاري لها و هو ينحلّ إلى الإجماع على الحجّة الكافية الموجبة لارتفاع أثر العلم الإجمالي و صيرورة المشكوكات بمنزلة الشّكوك الابتدائيّة و مرجعه إلى دعوى الإجماع على حجيّة الظنّ بعد الانسداد إذ لا شي‏ء غيره ممّا يتوهّم الإجماع على حجيّته و الحاصل أنّ الإجماع الّذي يمكن ادّعاؤه في المقام و اعترف بكونه مظنونا عند تلقين خصمه هو الإجماع على قيام الظنّ مقام العلم و اقتصار الشارع على الإطاعة الظّنية و إلاّ فلا إجماع على الرّجوع في المشكوكات الّتي هي من أطراف العلم الإجمالي المنجّز للتّكليف إلى البراءة بل الإجماع على عدمه و قد عرفت أنّ الإجماع على حجيّة الظنّ ما لم ينته إلى حدّ العلم لا يجدي و الأولى أن يجاب عن الإيراد بما يستفاد من النّسخ الأصلية من أنّ عدم الفرق بين الظنّ المتعلّق بالواقع و الطّريق إنّما هو على تقدير حجيّة الظنّ بدليل الانسداد و هي في المقام أوّل الكلام إن قلت إذا انعقد الإجماع و استقلّ العقل بعدم وجوب الاحتياط في موهومات التّكليف أعني ما يظنّ عدمه فمقتضاه عدم وجوب الاحتياط في المشكوكات بعد أن ظنّ بأنّ المرجع فيها إلى البراءة حيث يظنّ بعدم كونها مكلّفا بها في مرحلة الظّاهر و لا فرق بنظر العقل بين أن يكون تكليفه الواقعي موهوما أو الظّاهري قلت أمّا الإجماع فالقدر المتيقّن منه ما إذا كان احتمال التّكليف في الواقع موهوما و أمّا إذا كان في قوّة احتمال عدمه فلا قطع بالإجماع و لكنّه باعتراف المصنف (قدّس سره) مظنون و مرجعه إلى الإجماع على حجيّة الظنّ و هو لا يجدي ما لم يكن قطعيّا و أمّا العقل فهو مستقلّ بوجوب الاحتياط في المشكوكات بعد فرض عدم استلزامه الحرج و الظّن يكون المرجع فيها إلى البراءة مرجعه كما نبّه عليه المصنف (قدّس سره) إلى الظّن بأن الشّارع اقتصر في مقام الامتثال على الامتثال الظّني و هو غير مجد ما لم ينته إلى حدّ العلم و

بهذا ظهر وجه اقتصار المصنف (قدّس سره) في الجواب على ما ذكره و إن كانت عبارته غير خالية عن شوب الإجمال فتدبّر

(قوله) و يحصل ممّا ذكر إشكال آخر إلخ‏

(2) (أقول) لقائل أن يقول بعد منع طرو الإجمال على الظّواهر لا مخلص عن هذا الإشكال و لو على القول باقتضاء دليل الانسداد حجيّة الظّن لأنّه لا يقتضي إلاّ حجيّة فيما انسدّ فيه باب العلم و الظّن الخاص و المفروض خلافه فليتأمل‏

(قوله) بالأصول المثبتة للتّكليف من الاحتياط و الاستصحاب مستلزم للحرج‏

(3) (أقول) فعلى هذا لا يجب الرّجوع إلى تلك الأصول و لو على القول بأنّ العلم الإجمالي بالخلاف لا يمنع عن الرّجوع إلى الأصول المثبتة للتّكليف حيث لا يترتّب على إعمالها في مجاريها إلاّ مخالفة التزامية و هي غير قادحة في حجيّتها و لكن قد يتوهّم أنّ دعوى استلزام العمل بتلك الأصول الحرج مجازفة كيف و هو ممّا لا بدّ منه على كلّ تقدير إذ لا يقول أحد بجواز مخالفة الاحتياط عند الشّك في المكلّف به أو في الاستصحابات المثبتة للتّكاليف و لكن يندفع هذا التّوهّم بعد الالتفات إلى أنّه على تقدير الانسداد و عدم حجيّة الظنّ الحاصل من الأخبار أو غيرها من الأمارات يصير أغلب الموارد مجاري قاعدة الاحتياط و لو مع الغض عن العلم الإجمالي الكليّ المقتضي لوجوب الاحتياط في الجميع لأنّ لنا علوما جزئيّة في مثل الصّلاة و الصّوم و المعاملات و سائر العبادات إنّ فيها شرائط و أجزاء غير معلومة و مقتضاها الاحتياط في خصوص أطرافها بل يكفي في لزوم الحرج رعاية الاحتياط في خصوص الأجزاء و شرائط العبادات كما هي بعض مجاريه عند بعض و لو على تقدير عدم كونها من أطراف العلم الإجمالي و ما ترى‏

26

من أنّا نلزم بالاحتياط عند الشّك في تلك الموارد و لا يكون حرجا فمنشؤه الاقتصار على الاحتياط فيما عدا مورد الأمارات كما لا يخفى على المتأمّل إن قلت فعلى هذا قلّما يوجد للأصول النّافية للتّكليف مورد فإنّ لنا أن نلاحظ كلّ واقعة مشكوكة الحكم كشرب التّتن مثلا مع بعض الوقائع الأخر بحيث يحصل لنا العلم الإجمالي بمخالفة الأصل فيها للواقع فيصير حينئذ مورد الاحتياط و لو مع الغض عن العلم الإجمالي الكليّ فكيف يستقيم ما ادّعاه من أنّ العمل بالأصول النّافية عند ملاحظة الوقائع في حدّ ذاتها مع قطع النّظر عن العلم الإجمالي الكليّ مستلزم للمخالفة القطعيّة الكثيرة قلت ليس كلّ علم إجمالي مؤثّرا في تنجيز التّكليف بالاحتياط فإنّ مثل هذه العلوم الجزئيّة كثيرا مّا ليس جميع أطرافها مورد ابتلاء المكلّف و الحاصل أنّ مجاري الأصول العدميّة أيضا بعد الإغماض عن العلم الإجمالي الكليّ خصوصا الاستصحابات النّافية للتّكليف فوق حدّ الإحصاء كما لا يخفى على المتأمّل‏

(قوله) فتعيّن وجوب تحصيل الظنّ بالواقع فيها إلخ‏

(1) (أقول) قد يقال إنّ هذا إنّما يدلّ على تقدير الحكومة و أمّا على الكشف فلا إذ لا امتناع في نصب الشارع ما هو أبعد بنظر المكلّف كما هو الشّأن في بعض الطّرق المنصوبة و ستسمع عن المصنف (قدّس سره) أنّه جعل احتمال نصب الشّارع شيئا آخر وراء الظنّ على تقدير الكشف من وجوه بطلان هذا القول و يمكن التفصّي عن ذلك بأنّ مناط حكم العقل بوجوب النّصب إذا كان بقاء التّكاليف الواقعيّة فلا يعقل تجويزه نصب ما هو الأبعد و احتمال كون الأبعد بنظره أقرب في الواقع و في نظر الشّارع كاحتمال كونه مشتملا على مصلحة يتدارك بها مفسدة كثرة التخلّف ممّا لا يوجب توقّف العقل في كون المنصوب من أفراد الظّنون إذ لو كان غيره منصوبا لوجب على الشّارع بيانه حيث لا طريق للعقل إلى معرفته بخلاف ما لو كان المنصوب ما يدرك العقل أقربيّته إلى الواقع فإنّ إدراكه كاف في مقام البيان و لا تتوهّم أنّ هذا يئول إلى تقرير الحكومة لوضوح الفرق بين المقامين نعم لقائل أن يقول في هذا الفرض أعني فرض بقاء الأحكام الواقعيّة بحالها و انحصار الطّريق الأقرب في الظّن في الواقع و في نظر الآمر و المأمور و عدم مصلحة يتدارك بها مفسدة كثرة التخلّف في سائر الأمور المحتملة أنّ الظنّ بنفسه طريق عقلي حينئذ ليس حجيّته قابلة لجعل الشّارع إثباتا و نفيا كالعلم في حال الانفتاح فلو ثبت التّصريح من الشارع بالعمل بالظّن لا يكون أمره إلاّ إرشاديّا كالأمر باتباع العلم في حال الانفتاح إلاّ أنّ هذا إيراد على أصل القول بالكشف لا على التزامه بأنّ طريق المنصوب من أفراد الظّنون فليتأمل‏

(قوله) لأنّ مورد العمل بالظّن إن كان الأصول على طبقه إلخ‏

(2) (أقول) توضيح المقام أنّه بعد أن علم إجمالا أنّ بعض ما بأيدينا من الطّرق منصوب من قبل الشارع لا يبقى لعلمنا الإجمالي الكليّ المتعلّق بأنّ لنا في الشّريعة تكاليف في ما عدى مورد الأمارات أثر بل يرجع في كلّ واقعة إلى ما يقتضيه الأصل الجاري في تلك المسألة سواء كان الأصل مثبتا للتّكليف أم نافيا له و أمّا في موارد الأمارات فإن كانت الأمارات المحتمل نصبها بأسرها متصادفة على حكم ثبت ذلك الحكم سواء وافق الأصل أم خالفه حيث علم إجمالا بكون بعضها حجّة و كذا لو قام عليه بعض الأمارات و لم يعارضه أخرى و كان الحكم موافقا للأصل لأنّه إن كانت الأمارة حجّة في الواقع فهي الحجّة و إلاّ فالأصل و أمّا إن اقتضى الأصل حكما مخالفا لما يؤديه بعض الأمارات فيشكل الأمر حينئذ حيث لم يعلم بكون ذلك البعض حجّة كي يجوز رفع اليد بواسطته عمّا يقتضيه الأصل و لا يجوز العمل بالأصل الجاري في ذلك المورد لكونه من أطراف العلم الإجمالي حيث علم إجمالا بأنّ بعض الأمارات المخالفة للأصول حجّة و هذا العلم الإجمالي و إن كان موجبا لسقوط الأصول عن الاعتبار و مانعا عن إجرائها في مجاريها لكن لا بمعنى أنّه يجوز رفع اليد عنها و إلغاؤها بالمرّة بل بمعنى أنّه لا يجوز التمسّك بالأصول في شي‏ء من مواردها بالخصوص لأجل المعارضة بالمثل و استلزام استعماله في الجميع طرح العلم الإجمالي و أمّا إعمالها في مجاريها على سبيل الإجمال بالنّسبة إلى ما عدا القدر المتيقّن الّذي علم مخالفته للواقع فلا مانع عنه و لذا يجب الاحتياط في موارد استصحابات النّجاسة أو الحرمة أو الجواب إذا علم إجمالا بمخالفة بعضها للواقع فلو كانت عدّة أشياء مستصحبة النّجاسة ثمّ علم إجمالا بطهارة بعضها أو شهدت البيّنة بذلك سقطت الاستصحابات عن الحجيّة بمعنى أنّه لا يجوز التمسّك بالاستصحاب للحكم بنجاسة شي‏ء منها بالخصوص‏

لا أنّه يلغى بالمرّة بحيث يرجع في تلك الموارد إلى قاعدة الطّهارة نعم لا أثر للاستصحابات النّافية للتّكليف إذا علم إجمالا بمخالفة بعضها للواقع حيث إنّه يجب حينئذ الاحتياط في أطراف الشبهة و لو مع العلم بنفي التّكليف في ما عدا القدر المتيقّن فضلا عن استصحابه ففيما نحن فيه يجب في مورد التّنافي بين مقتضيات الأصول و الأمارات الاحتياط بالأخذ بأحوط الأمرين ممّا يقتضيه الأصل أو الأمارة فما كان منهما في مورد التّنافي مثبتا للتّكليف لعمل على حسبه من باب الاحتياط فالعمل مطلقا في مورد التّنافي على الاحتياط

(قوله) فتأمّل‏

(3) (أقول) لعلّه إشارة إلى منع لزوم الجرح لانحصار مورد الإشكال الّذي التزم فيه بوجوب الاحتياط فيما إذا تحقّق التّنافي بين مؤدّى الأصل و الأمارة من حيث إثبات التّكليف و نفيه و هذا ليس من الكثرة بمكان يلزم منه الجرح و لو بضميمة الاحتياطات الجزئيّة الجارية في سائر المسائل الخالية عن الأمارات الّتي يكون الشّك فيها في المكلّف به فليتأمل‏

(قوله) فتأمّل‏

(4) (أقول) لعلّه إشارة إلى أنّ عدم جواز عمل القاضي بعلمه ليس مسبّبا عن عجزه عن تشخيص الواقع بالظّن بل لأنّ دليل الانسداد لا يقتضي إلاّ حجيّة الظّن بالنّسبة إلى الأحكام الشّرعيّة الكليّة و أمّا الوقائع الجزئيّة كبقاء طهارة الثّوب أو كون هذا

27

الشّي‏ء ملكا لزيد فلا كما سيتّضح لك فيما بعد إن شاء الله تعالى من أنّ جواز العمل بالظّن لأجل دليل الانسداد لا يوجب جوازه مطلقا حتّى بالنّسبة إلى تعيين الموضوعات الخارجيّة اللّهم إلاّ أن يجري في الأمور الخارجيّة الّتي هي موضوعات للأحكام دليل الانسداد في خصوص مواردها كما قد يدّعى في باب الضّرر

(قوله) هذا كلّه مع ما علمت سابقا في ردّ الوجه الأوّل إلخ‏

(1) (أقول) لا يخفى عليك عدم انتباء هذا الوجه على دعوى العلم الإجمالي بوجود طريق منصوب كي يتوجّه عليه هذا الإيراد ضرورة أنّ مقتضاه على تقدير صحّته أنّه لو كان خبر الواحد مثلا مظنون الاعتبار لم يجز التعدّي عنه و العمل بالشّهرة و غيرها فإنّه لو عمل بالخبر يحصل معه الظّنّ برضا الشّارع و إمضائه لعمله و حكمه ببراءة ذمّته بخلاف ما لو عمل بغيره ممّا لا يظنّ بحجيّته سواء علم إجمالا بوجود طريق معتبر فيما بأيدينا من الأمارات أم لا فلاحظ و تدبّر

(قوله) فتأمّل‏

(2) (أقول) إشارة إلى أنّ الملاك في حكم العقل بوجوب الإطاعة الظّنية و قبح المؤاخذة على مخالفة الواقع الّذي يؤدّي إليه الامتثال الظنّي هو عدم التمكّن من تحصيل العلم و عدم ثبوت طريق خاصّ لا عدم وجوده في الواقع فاحتماله لا يوجب إهمال النّتيجة و إجمالها ما لم يتحقّق كما تقدّم التّنبيه على ذلك في بعض المقدّمات المتقدّمة

(قوله) فتسميته دليلا عقليّا لا يظهر له وجه إلخ‏

(3) (أقول) قد يتوهّم أنّ توقّف إثبات العموم على الإجماع لا يقتضي خروج الدّليل عن كونه عقليّا إذ لا يجب في تسمية الدّليل عقليّا أن يكون جميع مقدّماته عقليّة فكما أنّ نفي وجوب الاحتياط و عدم جواز الرّجوع إلى الأصول لقاعدة نفي العسر و الإجماع و غيرهما من الأدلّة السّمعيّة لا ينافي كون الدّليل عقليّا على تقدير الحكومة كذلك ثبوت العموم بالإجماع بعد كون حجيّة الشّي‏ء في الجملة مستفادة من العقل لا يضرّ في كون الدّليل عقليّا و يدفعه أنّ المناط في اتّصاف الدّليل بكونه عقليّا إنّما هو كون الأكبر من لوازم الأوسط عقلا و أما إحراز تحقّق ذات الأصغر أو كونه مصداقا للأوسط بحكم العقل فلا مدخليّة له في الاتّصاف نعم إذا كانت الصّغرى سمعيّة يعدّ الدّليل من العقليّات الغير المستقلّة و كيف كان فقد عرفت أنّ كون الظنّ حجّة في الجملة لا يجدي في مقام العمل و إنّما المجدي تعيين ما هو الحجّة حتّى يتّصف فعلا بالحجيّة و هذا لا يكون في الفرض إلاّ بالإجماع فنقول عند ترتيب القياس إذا كان الظّن حجّة في الجملة كان الظّن الفلاني مثلا أو مطلق الظّن حجّة إجماعا لكن المقدّم ثابت عقلا فمطلق الظنّ أو الظّن الفلاني حجّة بالفعل إجماعا فالدّليل على إثبات حجيّة الظّن بالفعل ليس إلا الإجماع و هذا بخلاف تقرير الحكومة فإنّ الحاكم بحجيّة الظنّ بالفعل على تقدير انسداد باب العلم و عدم كون البراءة و الاحتياط مرجعا ليس إلاّ العقل و قد أشرنا إلى أنّ إحراز انسداد باب العلم أو عدم كون الاحتياط و البراءة مرجعا بأيّ طريق كان لا مدخليّة له في تسمية الدّليل عقليّا فحكم العقل بكون الظّن حجّة في الجملة على تقدير الكشف طريق لإحراز المقدّم في القياس الاستثنائي فلا مدخليّة له في الاتّصاف فليتأمل‏

(قوله) فتأمّل‏

(4) (أقول) الظّاهر أنّه إشارة إلى أنّ دعوى الإجماع في مثل هذه المسائل المستحدثة غير مسموعة و لكنّك عرفت في بعض كلماتنا المتقدّمة عند تعرّض المصنف (قدّس سره) لبيان نتيجة مقدّمات دليل الانسداد إمكان التفصيّ عن هذا الإيراد فراجع‏

(قوله) فتأمّل‏

(5) (أقول) لعلّه إشارة إلى أنّ حجيّة هذا الظنّ المتيقّن الاعتبار بخصوصه لم يثبت في الفرض بدليل الانسداد و إنّما دلّ دليل الانسداد على أنّ لنا حجّة في الجملة و هو لم يجد في حجيّة هذا الظّن بالفعل كما تقدّمت الإشارة إليه فلم يثبت اعتبار هذا الظنّ بدليل الانسداد فليتأمل‏

(قوله) فتأمّل‏

(6) (أقول) لعلّه إشارة إلى أنّ التّعدي إلى المتيقّن بالإضافة لا ينفع في إزالة أثر العلم الإجمالي المفروض كما هو ظاهر هذا مع جريان مثل هذا الكلام في نفس المتيقّن بالإضافة للعلم الإجمالي بتقييدها و تخصيصها في الجملة كما لا يخفى‏

(قوله) إذ لا يستحيل أن يعتبر الشارع في حال الانسداد إلخ‏

(7) (أقول) يمكن التّفصيّ عن ذلك بما وجّهنا به كاشفيّة العقل عن كون الطّريق المنصوب من أفراد الظنّ دون غيره بدعوى أنّه لو كان الطّريق المنصوب غير الظّن القويّ الّذي يدرك العقل طريقيّته لوجب على الشّارع بيانه دون ما إذا كان المنصوب ما يدركه العقل فليتأمل‏

(قوله) فتأمّل‏

(8) (أقول) لعلّه إشارة إلى أنّ دليل الانسداد على تقدير الكشف طريق للعلم بثبوت طريق واقعي منصوب في حال الانسداد لا مقيّدا بحال الانسداد فالظن‏

بكونه طريقا واقعيّا مطلقا يستلزم الظّن بطريقيّته في حال الانسداد فيظنّ بأنّه هو الطّريق الّذي علم كونه منصوبا بدليل الانسداد

(قوله) فإنّ الأوّل محال لا قبيح‏

(9) (أقول) هذا فيما إذا كان الموجد موجبا لا مختارا و إلا فكالثّاني فإنّ ملاك الفرق مدخليّة العزم و الاختيار في فاعليّة الفاعل فإن كان مختارا في فعل كإلزام الغير بعمل أو إيجاده مباشرة فارتكبه لبعض دواعيه النّفسانيّة الغير المقتضية له في نظر العقل و العقلاء فقد فعل فعلا قبيحا يستحقّ عليه المذمّة لدى العقلاء و أمّا إن كان الفاعل موجبا فيمتنع صدور التّرجيح منه من دون اجتماع شرائط التّأثير و معه يجب فلا يوصف فعله بالقبح و يستحيل التّرجيح منه بلا مرجّح و كذلك الكلام بالنّسبة إلى أثر الفاعل المختار بالنّظر إلى جهاته الخارجة عن اختياره و قد أشير بقولنا فارتكبه لبعض دواعيه النّفسانيّة إلى أنّ التّرجيح بلا مرجّح على الإطلاق حتّى في نظر الفاعل بوجه من الوجوه كما زعمه الأشاعرة القائلون بجوازه غير معقول لرجوعه إلى التّرجّح بلا مرجّح فهو محال‏

(قوله) فتأمّل‏

(10) لعلّه إشارة إلى ابتناء المدّعى على عدم الفرق بين المسائل الأصوليّة و الفرعيّة في اعتبار القدر المتيقّن بالنّسبة إليهما و فيه كلام سيأتي‏

(قوله) و من المعلوم أنّ العمل بها لأجل ذلك إلى آخره‏

28

(1) (أقول) في العبارة إشعار باقتضاء العلم الإجمالي للعمل بمشكوكات الاعتبار الّتي هي من أطراف العلم الإجمالي و أنت خبير بأنّ مقتضاه الاحتياط في أطراف الشّبهة بالأخذ بما هو الأحوط من الظّنون المظنونة الاعتبار و ما يخالف ظواهرها من مشكوكات الاعتبار

(قوله) الثّالث من طرق التّعميم إلخ‏

(2) توضيح الاستدلال أنّه بعد أن علم إجمالا بوجود طريق منصوب كاف فيما بأيدينا من الأمارات يجب بحكم العقل الاحتياط في جميعها تحصيلا للجزم بسلوك الطّريق المنصوب و قد أشرنا في بعض التّعليقات المتقدّمة أنّ فائدة الاحتياط في الأمارات جواز الرّجوع إلى الأصول في الموارد الخالية عنها مثلا إذا علمنا إجمالا بحرمة شاة في قطيع غنم يبلغ مجموعها عشرة فمقتضى الاحتياط اللاّزم وجوب التّحرز عن الكلّ و لكنّه لو نصب الشّارع طريقا تعبّديّا لتعيين الحرام و قام على حرمة واحد معيّن على وجه أثر في زوال أثر المعلوم بالإجمال بأن كان مؤدّاه حرمة ذلك الفرد من زمان سابق على الزّمان الّذي علم بحرمة بعضها إجمالا فيرجع فيما عدى ذلك الفرد إلى أصل الإباحة فإذا اشتبه هذا الطّريق المنصوب بين أمارات قامت كلّ واحدة منها على حرمة واحد من تلك الأغنام يجب الاحتياط بالنّسبة إلى مؤدّيات الأمارات و يرجع فيما عداها إلى أصل الإباحة كما لا يخفى وجهه و لكن يتوجّه على هذا الوجه من التّعميم أنّه يتمّ ما لم يعارض الاحتياط في المسألة الأصوليّة أصلا مثبتا للتّكليف من الاستصحاب و قاعدة الاحتياط في الموارد الّتي نلتزم فيها بوجوب الاحتياط كأطراف الشّبهة المحصورة فإنّه لا يجوز رفع اليد عن الأصول المعتبرة المثبتة للتّكليف لأجل قيام أمارة غير معلومة الاعتبار على خلافها و أمّا ما فرع سمعك من تقديم الاحتياط في المسألة الأصولية على الاحتياط في المسألة الفرعيّة فإنّما هو في مثل المثال المتقدّم ممّا يوجب الاحتياط في المسألة الأصولية ارتفاع أثر الحكم المعلوم بالإجمال و جعل ما عدا مورد الأمارات كالشّكوك الابتدائية فلاحظ و تدبّر

(قوله) و أمّا دعوى أنّه إذا ثبت جواز العمل بكلّ ظنّ إلخ‏

(3) (أقول) حاصلها أنّه إذا جاز العمل بالشّهرة مثلا في مورد من الموارد جاز العمل بها مطلقا لعدم القول بالفصل و فيه أنّ جواز العمل بها في مقابل البراءة لأجل مراعات الاحتياط بالنّسبة إلى الطّريق المنصوب لا يقتضي جواز العمل بها في مقابل سائر الأصول المثبتة للتّكليف و دعوى عدم القول بالفصل حسنة على تقدير ثبوت حجيّتها في بعض الموارد لا مجرّد تطبيق العمل عليها من باب الاحتياط كما لا يخفى‏

(قوله) ما يحتمل أن يكون واجب الارتكاب‏

(4) (أقول) ينبغي تقييد محتمل الوجوب بما إذا كان من أطراف واجب معلوم بالإجمال و إلاّ فمجرّد الاحتمال لا يؤثّر في جواز الفعل مع كونه من محتملات الحرام المعلوم كما لا يخفى‏

(قوله) فيثبت وجوب العمل بمطلق الظنّ و وجوب الرّجوع في المشكوكات إلى مقتضى الأصل‏

(5) (أقول) لزوم العسر من الاحتياط في المشكوكات مقتضاه عدم رعاية الاحتياط فيها و جواز ارتكاب مشكوك الحرمة و ترك مشكوك الوجوب لا إلغاء أثر العلم الإجمالي كي يصير الأصول الجارية فيها من حيث هي حجّة و إلاّ ففي الموهومات أيضا يكون الأمر كذلك فكيف يرفع اليد عن الأصول المثبتة للتّكليف بالظّن المخالف بعد فرض عدم حجيّة ذلك الظّن فبذلك يظهر أنّ ما ذكره من المساوات بين القول بحجيّة الظّن و القول يتبعيض الاحتياط بعد فرض استلزام الاحتياط في المشكوكات الجرح لا يخلو عن مناقشة فإنّه على تقدير حجيّة الظنّ تصير الأصول الجارية في المشكوكات حجّة في مجاريها و في الموهومات ساقطة عن الاعتبار لأجل قيام الدّليل على خلافها و أمّا على تقدير تبعيض الاحتياط فإن قلنا بأنّ العسر موجب لإلغاء أثر العلم الإجمالي في مواقع العسر و صيرورتها بمنزلة الشّكوك البدويّة في كونها مجاري للأصول فلا يتفاوت الحال في ذلك بين المشكوكات و الموهومات فكما لا يجوز مخالفة الأصول المثبتة للتّكليف في المشكوكات كذلك لا يجوز مخالفتها في الموهومات و إن لم نقل بذلك فلا يتفاوت الحال في المشكوكات أيضا كالموهومات بين أن يكون مقتضى الأصل الجاري فيها من حيث هي ثبوت التّكليف أو عدمه اللّهم إلاّ أن يقال إنّ مقتضى لزوم العسر من الاحتياط إلغاء أثر العلم الإجمالي المقتضي له و الرّجوع إلى الأصول الجارية في الموارد من حيث هي و لكنّ الاعتناء بالاحتمالات الموهومة الموجبة للرّجوع إلى الأصول الجارية فيها مستلزم للجرح مع أنّ الرّجوع إلى الأصول المخالفة للظّن ممّا يعلم إجمالا بمخالفة كثير منها للواقع فتسقط الأصول بالنّسبة إليها عن الاعتبار و هذا بخلاف المشكوكات فإنّه لا يعلم بمخالفة الأصول الجارية فيها للواقع فليتأمل‏

(قوله) فلو فرض عدم حصول الظّن بالصّدور إلخ‏

(6) (أقول) هذا إذا لم يعلم إجمالا بمخالفة هذا الظّاهر للواقع في كثير

من الأخبار و إلاّ فيسقط الظّهور عن الاعتبار كما أنّ حجيّة ظواهر الأخبار بالخصوص مبنيّ على أن لا يعلم إجمالا بإرادة خلاف الظاهر منها في كثير من الموارد فكثرة الأخبار الّتي يطمئنّ بصدورها غير مجدية إلا على هذا التّقدير

(قوله) فلا أرى الظّن الاطمئناني الحاصل من الأخبار إلخ‏

(7) (أقول) عدم كونها أقل عددا من تلك لا يستلزم اندفاع العسر و إن قلنا بكفاية الأخبار المصحّحة بعدلين في الفقه بحيث يرجع في موارد فقدها إلى الأصول لأنّ العمدة فيما يندفع به العسر إنّما هو الأخذ بالقواعد الكليّة النّافية للتّكليف كأصالة البراءة و قاعدتها و قاعدة الحلّ و الإباحة و الطّهارة فعلى القول بحجيّة الأخبار المصحّحة بعدلين يرجع في جميع هذه الموارد إلى الأصول النّافية للتّكليف و على تقدير تبعيض الاحتياط يجب الاحتياط في الجميع إلاّ إذا اطمئنّ بنفي التّكليف فيها بالخصوص لا بعنوان كونها مشكوكة الحكم و أمّا هذا العنوان فهو ظنّ في مسألة أصوليّة لم يعلم حجيّته فليتأمل‏

(قوله) فإنّ ادّعاء ذلك ليس كلّ البعيد

(8) (أقول) بل قريب‏

29

جدّا لأنّ علمنا الإجمالي بثبوت التّكاليف نشأ ممّا علم بالضّرورة من الدّين من اشتراكنا مع الحاضرين في زمان النّبي (صلى اللَّه عليه و آله) و الأئمة في تكاليفهم و كونهم مكلّفين بأزيد ممّا وصل إليهم و أخبروا به غير معلوم و كونهم مخبرين بتكاليف لم يتضمّنها الأمارات الواصلة إلينا غير معلوم بل لا يبعد دعوى الظّن بعدمه و اللّه العالم‏

(قوله) لأنّ المعلوم إجمالا صار معلوما بالتّفصيل إلخ‏

(1) (أقول) قد أشرنا مرارا و سيأتي تحقيقه في مبحث أصل البراءة إلى أنّ قيام الأمارة المعتبرة على حرمة بعض القطع لا يؤثّر في انحلال العلم الإجمالي إلى علم تفصيلي و شكّ بدويّ بخلاف ما لو حصل له علم تفصيلي بحرمة البعض فإنّه يؤثّر في الانحلال أحيانا لا مطلقا كما سينبّه عليه المصنف (قدّس سره) في الشّبهة المحصورة و لكن قيام الأمارة يؤثّر في إلغاء أثر العلم الإجمالي و صيرورته بمنزلة ما لو انحلّ في عدم اقتضائه لوجوب الاحتياط لأنّه إذا قامت البيّنة مثلا على كون بعض القطيع محرّما يصير ذلك بمنزلة ما لو شهدت البيّنة بذلك قبل حدوث العلم الإجمالي و ستعرف في محلّه أنّه إذا كان الأمر كذلك لا يؤثّر العلم الإجمالي في وجوب الاحتياط فالتّعبير بصيرورته معلوما بالتّفصيل مسامحة

(قوله) نعم بعض من وافقنا واقعا أو تنزّلا في عدم الفرق في النتيجة إلخ‏

(2) (أقول) لا مناص عن الالتزام بحجيّته الظنّ المانع على المختار من عدم الفرق بين الظّن المتعلّق بالمسائل الأصوليّة و الفرعيّة لأنّ المناط في حكم العقل إنّما هو الظّن بتفريغ الذّمة عمّا هو المكلّف به فعلا في مقام العمل بحيث لا يكون المكلّف معذورا من قبله غاية الأمر أنّا بينا في ردّ من زعم اختصاص النّتيجة بالظّن في المسألة الأصوليّة أنّ الظنّ بأداء الواقع لا ينفكّ عن الظنّ ببراءة الذّمة و خروج المكلّف عن عهدة التّكاليف الواقعيّة كما أنّ القطع بأدائها لا ينفكّ عن القطع بتفريغ الذّمة و ليس التّكليف بسلوك الطّرق الظنيّة تكليفا آخر في عرض الواقعيّات حتّى يعتبر الظنّ بسلوك ما هو المنصوب شرعا و كيف كان فنقول في هذا المقام أنّه إذا نهى الشّارع عن العمل بالقياس و حصل الظنّ من القياس بحكم فرعيّ توصّلي فلو عملنا بالقياس فلا محالة نظن ببراءة ذمّتنا عن التّكليف الواقعي و لكنّا نقطع بعدم رضا الشّارع بعملنا و عدم كوننا معذورين على تقدير التّخلف و هذا بخلاف ما لو تركنا العمل بالقياس اعتمادا على نهي الشّارع فإنّا نقطع بكوننا عاملين بما هو تكليفنا في مرحلة الظّاهر و أنّه لا يترتّب على مخالفة الواقع المظنون مفسدته و من المعلوم أنّ العقل في مثل المقام لا يلاحظ الواقع أصلا و إنّما يلزم المكلّف بترك العمل بالقياس لما فيه من القطع بالسّلامة هذا إذا كان النّهي قطعيّا و أمّا إذا كان ظنيّا فيظنّ بإدراك الواقع بسلوكه و لكنّه يظنّ بأنّ الشّارع لا يرضى بهذا العمل و يظنّ بأنّ رضا الشارع في عدم الاعتناء و أنّ مفسدة فوته عند عدم الاعتناء متداركة و من المعلوم أنّ المناط لدى العقل في باب الإطاعة إنّما هو الإتيان بما فيه رضا الشارع في مقام العمل من دون التفاته إلى المصلحة و المفسدة أصلا فإذا ظنّ بأنّ تكليفه الفعلي هو ترك الاعتناء بأمارة في حال الانسداد لا يلتفت العقل إلى كون الحكم الواقعي مظنونا لأنّ تنجّزه في حقّه موهوم و المدار عليه لا على الواقعيّات من حيث هي و لذا لم يرخّصنا العقل في الاعتناء بما نعلم كونه منهيّا عنه و لو سنح في ذهنك بعض الإشكالات فمنشؤه إنّما هو الإشكال في توجيه أصل النّهي عن الأمارة في حال الانسداد و قد فرغنا عن هذا الإشكال و وجّهناه بالنّسبة إلى القياس و حيث تعقّلنا أصل المطلب فكما أنّ النّهي إذا صار قطعيّا يوجب القطع بالحكم الظّاهريّ الفعلي و عدم ملحوظيّة الواقع كذلك الظّن به يوجب الظّن بذلك و المدار في باب الإطاعة و المعصية على التّكليف الفعلي فلاحظ و تدبر

(قوله) و فيه أوّلا أنّه لا يتمّ إلخ‏

(3) (أقول) التّفكيك بين أمارة متّحدة بالجنس بعيد إذا كان اعتبارها بالتّعبد الشّرعي و أمّا إذا كان الحاكم بحجيّتها العقل فقد تقدّم غير مرّة أنّه لا مدخليّة للأسباب المفيدة للظّن من حيث هي في ذلك فلو قلنا بأنّ العقل لا يحكم إلاّ بحجيّة الظّن المانع دون الممنوع لا يتفاوت في حكمه بين كونهما من جنس أمارة واحدة بل لا مانع عن التّفكيك في مفاد فرد من أفراد الشّهرة إذا لم يقتض الدّليل العقلي إلاّ حجيّتها في بعض مفادها كما لا يخفى‏

(قوله) معارضة بأنّا لا نجد من أنفسنا القطع إلخ‏

(4) (أقول) ما ذكره (قدّس سره) من عدم القطع بعدم حصول‏

الامتثال منشؤه أنّ دليل الانسداد يقتضي كفاية الامتثال الظّني فحيثما حصل من الشّهرة الظنّ بعدم اعتبار الأولويّة يظنّ بأنّ الأفعال الصّادرة منّا النّاشئة من عدم الاعتناء بالأولويّة مرضيّة لدى الشّارع و لكنّا نحتمل أن يكون رضا الشّارع في العمل بمؤدّى الأولويّة فلو عملنا بالأولويّة لا يحصل لنا القطع بأنّ الشارع لا يرضى بفعلنا إذ ليس عدم اعتبارها قطعيّا بل نظنّ بذلك و حيث أنّ مفاد دليل الانسداد وجوب العمل بما يظنّ بأنّ فيه رضا الشّارع دون العمل بما يظنّ بأنّ رضا الشارع في طرحه يتعيّن الأخذ بالأوّل و طرح الثّاني فيكون دليل الانسداد موجبا للقطع بمعذوريّة المكلّف في عدم الاعتناء باحتمال كون عمله مخالفا لما هو تكليفه في مرحلة الظّاهر عند كون الاحتمال موهوما كما في الفرض لا القطع بعدم حصول الامتثال عند العمل بالاحتمال الموهوم فليتأمل‏

(قوله) ثمّ إنّ الدّليل العقلي إلخ‏

(5) (أقول) بمنزلة التّفريع على ما تقدّم فكأنّه بعد أن ادّعى عدم القطع باندراج شي‏ء منهما بالخصوص في موضوع حكم العقل أراد أن يبيّن ما هو المعيار في تشخيص المصاديق الّتي يستقلّ بحكمها العقل و حاصله أنّ العقل لا يحكم بشي‏ء إلاّ بعد تشخيص موضوعه فلا يعقل تردّده في حكمه فالتّردد في حكم المصداق دليل على خروجه عن الموضوع الّذي يستقلّ العقل بحكمه‏

(قوله) إلاّ أن يقال إنّ القطع بحجيّة المانع إلخ‏

(6) (أقول) لمّا يفرّق بين ما نحن فيه و بين مسألة الاستصحاب أراد أن يصحّح التّشبيه بدعوى أنّ دخول الظّن المانع عين خروج الممنوع فإذا لاحظنا

30

الظن المانع فليس الظّن الممنوع فردا آخر بالنّسبة إلى العام و أمّا إذا لاحظنا الظن الممنوع فالظّن المانع فرد آخر يلزم خروجه عن موضوع الحكم بسبب دخول الممنوع و من القاعدة المقرّرة أنّ كلّ فرد يستلزم دخوله خروج فرد آخر فهو بنفسه ليس بفرد للعام فهذا المعنى بالنّسبة إلى الظّن الممنوع محقّق دون المانع فمن هنا ينقدح الخدشة فيما ذكره ثانيا من أنّ الظّن المانع إنّما يكون على فرض اعتباره دليلا على عدم اعتبار الممنوع حيث أنّ فرض اعتباره بنفسه عبارة أخرى عن فرض عدم اعتبار الممنوع لا أنّه دليل عليه فقوله إلاّ أن يقال استثناء عمّا ذكر و مقتضاه اندفاع المناقشة الثانيّة و لكنّك خبير بأنّ مادّة الإشكال لا تنحسم بذلك بعد أن ادّعى عدم القطع بشمول حكم العام للظّن المانع لما عرفت من أنّ التّرديد و التّشكيك في موضوع حكم العقل غير معقول و لذا قال فالأولى أن يقال إلخ (أقول) يرد على هذا القول أوّلا المعارضة بمثل ما ذكره في الإيراد على القول بحجيّة الظنّ المانع من أنّه إذا حصل من الأولويّة ظنّ بوجوب شي‏ء و كان مقتضى الأصل حرمة ذلك الشّي‏ء فلو عملنا بالأولويّة لا يحصل لنا القطع بالخروج عن عهدة ما هو تكليفنا بعد فرض حصول الظنّ من الشّهرة بعدم اعتبارها و إن كان الظنّ الحاصل من الشّهرة أضعف من ظنّ الوجوب الحاصل من الأولويّة و إنّما فرضنا المثال من قبيل دوران الأمر بين المحذورين حتّى تمتاز الحجّة عن غير الحجّة إذ لو لم يكن الأمر دائرا بين المحذورين بل كان أحدهما موافقا للاحتياط لكان العمل به موجبا للقطع بفراغ الذّمة سواء كان هو الظنّ المانع أو الممنوع لا من حيث كونه عملا بالظنّ بل لموافقته للاحتياط و ثانيا إنّما ذكره (قدّس سره) لو تمّ فإنّما هو على تقدير انحصار الوجه في توجيه خروج القياس باشتماله على المفسدة و قد عرفت منه المناقشة في هذا الوجه و أنّ العمدة في توجيه خروج القياس هو الوجه السّابع فلا يستلزم الظنّ بالمنع الظّن بالمفسدة حتّى يتفرّع عليه ما ذكره‏

(قوله) فيدور الأمر بين المصلحة المظنونة و المفسدة المظنونة

(1) (أقول) و لكنّ الفرق بينهما أنّ المصلحة المظنونة يظنّ تداركها و عدم ترتّب مفسدة على المكلّف في فوتها و أمّا المفسدة المرتّبة على سلوك الطّريق الّذي يظنّ منع الشارع عنه فلا يظنّ تداركها و من المعلوم أنّه عند الدّوران مراعاة الثّاني أولى بنظر العقل لأنّ احتمال ترتّب المفسدة على فوت الواقع موهوم و على سلوك الطّريق مظنون كما هو ظاهر

(قوله) فيلاحظ مرتبة هذا الظنّ‏

(2) (أقول) بعد تسليم المقدّمات و دوران الأمر بين المصلحة المظنونة و المفسدة المظنونة التحرّز عن المفسدة أولى من جلب المصلحة إلاّ أن تكون المصلحة ملزمة فيكون في فوتها مفسدة فحينئذ لا بدّ من مراعاة نفس المفسدتين أيضا لا مجرّد كون الظنّ المتعلّق بإحداهما أقوى إذ ربّما يكون مفسدة إحداهما أشدّ بحيث يلزم العقل بالتّحرز عنه عند الدّوران و إن كان احتماله أضعف من الآخر هذا كلّه بعد الإغماض عن أنّ الملحوظ في حكم العقل بالنّسبة إلى الأحكام الشّرعيّة أوّلا و بالذّات إنّما هو الإطاعة و المعصية لا المصالح و المفاسد الّتي هي من خواص الأفعال و قد عرفت أنه إذا كان مناط حكم العقل لزوم تحصيل ما فيه رضا الشّارع فلا محالة يقدّم الظنّ المانع حيث أنّه يظنّ فيه برضا الشارع و أنّه هو تكليفه الفعلي و إن ظنّ بكونه موجبا لفوات المصلحة الواقعيّة و اللّه العالم.