القواعد الأصولية والفقهية في المستمسك‏

- الشيخ محمد آصف المحسني المزيد...
439 /
3

المحتويات‏

مقدمة التحقيق 7

مقدمة المؤلف 11

القواعد الاصولية 13

1- المائز بين الفعل الاختياري و غيره 15

2- اصالة عدم جواز البدار لاولي الاعذار 17

3- الفارق بين الفرد المردّد و الواجب التخييري 22

4- حكم المقدمات قبل الوقت 23

5- طريقية العلم الاجمالي و خروج بعض الاطراف عن محل الابتلاء 26

6- ملاقي الشبهة المحصورة 34

7- اقسام الظاهر و أحكامها 47

8- التزاحم بين الاجزاء و الشرائط 50

9- الفحص في الشبهات الموضوعية 58

10- حول اعتبار اتصال الشك باليقين و عدمه 62

11- استصحاب بقاء وقت الواجب الموقت 76

12- الاستصحاب التعليقي 78

13- استصحاب العدم الازلي 89

14- التفكيك بين المدلول المطابقي و المدلول الالتزامي 110

4

القواعد الفقهية 115

15- الاصل في الأموال هو الإباحة دون الحرمة 117

16- الأصل في اللحوم الحرمة أو الحلية؟ 121

17- الإسلام يجبّ ما قبله 132

18- تفسير المرتد الفطري 139

19- التسبيب و التسبّب 142

20- عموم حجية البيّنة 147

21- كلمة حول حديث رفع القلم 154

22- حول بدلية الأبدال في حال العذر 157

23- تحديد حجية قاعدة اليد 159

24- حكم الحاكم 163

25- ضابط التحالف 170

26- مدى نفوذ قضاء القاضي 172

27- تعيين المدعي من المنكر و تعريفهما 175

28- قبول قول من لا يعرف إلّا من قبله 180

29- رجوع الآذن عن إذنه و قاعدة الغرور 182

30- الشرط المخالف للكتاب و السنة 192

31- بعض ما يتعلق بالقرعة 195

العبادات 201

32- معنى الإسلام 203

33- معنى العدالة 207

5

34- داعي الداعي في العبادات 225

35- اشتراط صحة العبادات بالولاية 228

36- حول التيمم 232

37- قاعدة الامكان 240

38- كلمة حول غايات الوضوء 254

39- التقية 261

40- بناء المسجد في الارض المفتوحة عنوة 293

41- حكم التقية في الصوم 295

42- موضوع جواز الافطار للمريض مثلا 300

43- القيود المذكورة في موضوع الامتثال 302

44- اختصاص حرمة الرياء بأمرين 305

المعاملات 311

45- المالية و الملكية و حكمهما 313

46- الفرق بين الحق و الملك و الحكم 316

47- هل الشرط يفيد الملكية؟ 321

48- هل الاعراض يزيل الملكية؟ 325

49- الدخول في الارض بغير اذن مالكه 332

50- سببية الحيازة للملك 333

51- صلاحية الميت للملكية 342

52- انتقال التركة إلى الورثة مع الدين و عدمه 359

53- اخذ القيود المرجوحة في موضوع النذر 366

54- المحتملات الثلاثة في المنذور 370

6

55- الفرسخ و الميل 376

56- الشروط في العقود الجائزة 379

57- بعض ما يتعلق بشرط النتيجة 386

58- الانفاق على الاقارب حق أو ذو حكم؟ 389

59- تصرفات الصبي 392

60- نسبة الزوجية الدائمة مع المنقطعة 396

61- الشبهة و الزنا 400

62- الانتفاع بمال الغير 407

63- متى تخرج العين المغصوبة عن ملك مالكها؟ 411

64- كيفية القيود 416

65- ضمان الاعمال الذمية 419

66- المائز بين العقد و الايقاع 422

67- بعض اقسام الكشف 425

68- كلام حول المعاوضة 427

69- فرق الجعالة عن غيرها 430

70- دوران الامر بين القرض و المضاربة 431

71- محتملات القبالة 436

72- الاجرة ليست في مقابل المنفعة الخارجية 438

7

[مقدمة التحقيق‏]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

لا يخفى على ذوي الألباب ما لعلم الفقه من مكانة و أهمية في دائرة التعاليم الإسلامية باعتباره القانون الإلهي في المشروع الحضاري الإسلامي الذي اريد له تنظيم شئون الإنسان في حركة الحياة الفردية و الاجتماعية، و لذلك نجد أن علماء الدين و فقهاء المذاهب قد وطّدوا العزم منذ فجر الإسلام و حتّى يومنا هذا في تشييد مبانيه و تحكيم اسسه و إيقاظ روح الاجتهاد في آفاق هذا العلم من أجل تحويل النصوص السماوية الشريفة إلى واقع حي يشمل كل تطلعات الإنسان في مسيرته الصاعدة و تمكنه من الاجابة على علامات الاستفهام امام مستلزمات الواقع و تحديات الظروف و مستجدات الحياة.

و من هذا المنطلق كان الفقه الإسلامي من أشرف العلوم و أجلّها مرتبة و أوسعها نطاقا، و معلوم أن الفقه- أي الأحكام الشرعية- هو ما يستنبط من الحجج و الامارات الشرعية، و هي: الكتاب و السنة و الاجماع و العقل، رغم أن أكثر ما يستنبط منه الحكم الشرعي هو السنة الشريفة، و يستفاد من السنّة جملة من الضوابط و الاصول يطلق عليها «القواعد الفقهية» التي تعتبر مجموعة صياغات معرفية تمثل البنى التحتية لصرح المسائل الفقهية، و لذلك كانت من أهم الأمور التي ينبغي على الفقيه معرفتها لممارسة سلطة معرفية تعمل على اذكاء فاعلية العقل الفقهي في عملية قراءة النص الديني.

8

و لكن رغم هذه الأهمية البالغة للقواعد الفقهية فإننا لا نجد بحوثا مستقلّة في كتب الاصحاب تتولى دراسة هذه القواعد من موقع التأصيل الفقهي للمساهمة في منح الفقه قدرات تنظيرية واسعة لفهم النص و استجلاء مضمونه.

ثمّ أنّ القاعدة الفقهية على ما يستفاد من استقراء كلمات الاصحاب «(قدّس سرّهم)» على ثلاثة أنحاء:

الأول: ما يشتمل على حكم فقهي عام لا يختص بباب معين من الفقه، بل يستوعب ابواب الفقه كلها من قبيل قاعدة حجية البيّنة أو خبر الواحد في الموضوعات.

الثاني: ما يتضمن حكم فقهي عام يتدخل في كثير من مسائل الفقه المبحوثة في أبواب متفرقة من قبيل: قاعدة أصالة للزوم أو قاعدة الضمان فانهما تجريان في أبواب المعاملات فقط.

الثالث: ما يحتوي على حكم فقهي عام يشمل مسائل كثيرة من كتاب واحد، مثل قاعدة لا تعاد في باب الصلاة، أو قاعدة الطهارة في باب الطهارة أو قاعدة البينة على المدعى و اليمين على من انكر، الواردة في باب القضاء.

فحينئذ تفترق القاعدة الفقهية عن القاعدة الأصولية بأنّ الثانية تقع في طريق استنباط الأحكام الكلية، بينما القاعدة الفقهية تنطبق على جزئياتها و صغرياتها كما أنها، أي القواعد الفقهية تفترق عن المسائل الفقهية في تضمّن المسائل الفقهية أحكاما خاصة مثل طهارة ماء البئر، نجاسة الدم، صحة العقد المعاطاتي، حرمة الخمر و أمثال ذلك.

9

و من هذا المنطلق أقدم على تأليف و تدوين القواعد الفقهية و الأصولية المذكورة في المستمسك أحد تلاميذ الأستاذ آية اللّه العظمى السيد محسن الطباطبائي الحكيم «(قدس اللّه نفسه الزكية)»، صاحب الفضيلة سماحة العلّامة آية اللّه محمّد آصف المحسني (دام ظله) الذي قضى عمره الشريف في تعلّم و تعليم العلوم و المعارف الدينية و اقترنت هذه النشاطات العلميّة بإنجازات قيّمة على مستوى التأليف في سائر العلوم الإسلامية، من قبيل الفقه و الأصول، التفسير و العلوم القرآنية، الحديث و الرجال، العقائد و الكلام، التهذيب و الأخلاق مما رشح عن قلمه السيّال و بيانه الجذاب، مضافا إلى كون سماحته من أصحاب الرأي و النظر في المباحث الجديدة و المسائل المستحدثة.

و أمّا ما قمنا به في تنظيم، تنسيق و تحقيق أبواب هذا الكتاب و إخراجه بالشكل المطلوب فكما يلي:

أولا: بما أنّ سماحة المؤلف قد استعرض مطالب المستمسك حسب ترتيبها الموجودة حاليّا في كتابه هذا، لذا قمنا بدورنا بتغيير هذا الترتيب إلى ما هو عليه الآن من التمييز و الفصل بين القواعد الفقهية و الأصولية.

ثانيا: و هكذا أقدمنا على تقسيم المسائل الفقهية إلى قسمين: العبادات و المعاملات.

ثالثا: تنظيم ما يتناوله هذا الكتاب استطرادا على بعض المسائل و المقدمات من تعاريف المفردات مما لا يدخل في ضمن قاعدة أصولية أو فقهية.

مثل اعتبار اتصال الشك باليقين و عدمه، أو معنى الإسلام، و معنى العدالة، أو بناء المسجد في الأرض المفتوحة عنوة، أو فرق الجعالة عن غيرها و امثال ذلك.

10

رابعا: تم ذكر الإرجاعات و المنابع و المصادر (غير الآيات و الروايات و بعض التوضيحات و التعليقات التي ذكرت في الهامش) في المتن الأصلي للكتاب.

خامسا: تمّ ذكر بعض عبارات العروة الوثقى في أول الفصول بحروف بارزة، بين الهلالين، لغرض تنظيم البحث بصورة أفضل و تمييز كلام العروة عن المستمسك.

سادسا: تهيئة فهرست المحتويات بالترتيب المذكور في هذا الكتاب.

سابعا: تصحيح ما ورد من أخطاء مطبعية في مطاوي هذا المتن.

ثامنا: سعينا إلى تنقيح المتون و تقويم ما ورد في هذا الكتاب على مستوى السياق الأدبي.

تاسعا: في الموارد اللازمة عملنا على مطابقة المتن و أكملنا ما وجدنا فيه أحيانا من عدم التطابق.

عاشرا: قمنا بترتيب مطالب الكتاب ضمن اثنا و سبعين فصلا.

و في الختام نسأل اللّه تبارك و تعالى التوفيق للمزيد من بذل الجهد في سبيل إحياء كلمة العليا و أن يأخذ بايدينا لما فيه صلاح الدنيا و الآخرة إنه سميع مجيب.

قم المقدسة

مهدي النيازي الشاهرودي‏

13 رجب المرجّب 1424 ه. ق‏

المصادف لمولد أمير المؤمنين علي (عليه السلام)

11

[مقدمة المؤلف‏]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الحمد للّه رب العالمين و افضل الصلاة و السلام على سيدنا و مولانا محمد و آله الاطهرين.

أما بعد فإنّ كتاب العروة الوثقى للفقيه البارع آية اللّه العظمى السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي «(قدّس سرّه) الشريف» رغم عدم استيعابه لجميع أبواب الفقه فهو حصيلة لتطور الفقه و أصوله من زمان غيبة الإمام المهدي (عجل اللّه تعالى فرجه الشريف) بل من قبله، أي من عصر الأئمة (عليهم السلام) إلى عصر الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) و لئن سمّاه أحد بمعجزة فقهية لا راه ملوما. و الفقه و الفقهاء بل المتدينون الآن بانتظار معجزة ثانية على يد عبقري أو عباقرة يقومون بتكميل هذا الكتاب على نهجه و أسلوبه و استيعابه للمسائل و الفروع في جميع علم الفقه أو معظمه لا سيّما الفروع المستجدة حسب تطور العلوم في شئون الحياة. و لعل اللّه يحدث بعد ذلك أمرا.

ثم إنّ هذه الحصيلة بدورها- حسب العادة- تصبح الحجر الأساس لتحولات تقدّمية فقهية أخرى و مرجعا للفقهاء و أهل الاستنباط، فكانت بحاجة إلى مستمسك قوي يسهل التمسك بها، فأوّل عالم عبقري قام بذلك هو الفقيه الكبير سماحة الأستاذ آية اللّه العظمى السيد محسن الطباطبائي الحكيم (قدّس سرّه) مرجع المؤمنين في عصره و ولي الحوزة العلمية في عاصمة التشيع؛ النجف الأشرف.

نعم من يسلم وجهه إلى اللّه و هو محسن فقد استمسك بالعروة الوثقى و إلى اللّه عاقبة الأمور.

12

و هكذا نجد أنّ مستمسك العروة الوثقى بتحرير مطالبه و تنقيح مبانيه و دقة تعابيره و علوّ مراميه و اجتنابه عن الإطالة و الحشو و فضول الكلام، وقع من أول بروزه موقع استفادة العلماء و المحققين، و بحق أنّه مقرّب للاجتهاد كما يقوله كثير من العلماء و الفضلاء.

فالمستمسك كنز من المسائل الفقهية، و فيه تجليات اصولية أيضا. و لكن في هذا الكنز جواهر متنوّعة كسائر الكنوز من جهة عمومية الاستفادة منها في غير مورد، أو من جهة أهميتها، و لهذا قمنا بتنظيم مسائل هذا الكتاب على أساس استخراج و ايضاح القواعد الفقهية و الأصولية في مجموعة واحدة حتى يسهل الرجوع إليها و الاستفادة منها من دون الغوص في بحر المستمسك.

و في النهاية نسأل اللّه تعالى أن يتقبل منا هذا الأثر المتواضع و يعود على سيدنا الأستاذ بالثواب الجزيل و الأجر الكريم و نأمل أن يقع هذا الكتاب نافعا للعلماء و الفضلاء الأعزاء.

و أخيرا نتقدم بالشكر الجزيل إلى ولدنا البار الفاضل سماحة الشيخ مهدي النيازي الشاهرودي لما بذله من جهد في إخراج، تصحيح و تحقيق هذا الكتاب و نسأل اللّه تعالى أن يوفقه لخدمة الدين الحنيف و الشريعة الغراء و يتقبل منه هذا العمل بأحسن القبول.

قم المقدسة

محمد آصف المحسني‏

27 رجب المرجّب 1424 ه. ق‏

المصادف لمبعث الرسول الأكرم محمّد (صلى اللّه عليه و آله و سلّم)

13

القواعد الأصولية

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

1- المائز بين الفعل الاختياري و غيره‏

المائز بين الفعل الاختياري و غيره: أن الاختياري: ما يكون جميع مقدماته اختياريا، أو بعضها اختياري و بعضها غير اختياري. مع كون غير الاختياري متحققا في ظرفه. و غير الاختياري: ما يكون جميع مقدماته غير اختياري، أو بعضها اختياري و بعضها غير اختياري مع كون غير الاختياري غير متحقق. مثلا:

نقل المتاع في السفينة من بلد إلى آخر، يتوقف على وضع المتاع في السفينة، و سحب السفينة في الماء، و على وجود الماء. و لا ريب أن وجود الماء غير اختياري، لكن لما كان الماء موجودا، كان نقل المتاع اختياريا، و إذا اتفق غور الماء صار نقل المتاع غير اختياري. فعلى هذا قد يكون البرء اختياريا، كما إذا كانت مقدماته غير الاختيارية متحققة، و قد يكون غير اختياري، كما إذا كانت مقدماته غير الاختيارية غير متحققة، فاطلاق أن البرء غير مقدور غير ظاهر.

و في حاشية بعض الأعاظم على المقام: «إنما يكفي اختيارية المقدمات في اختيارية ذيها، إذا كان- كمخيطية الثوب مثلا- أثرا متولدا منها، و لم يتوسط في‏

16

البين مقدمة أخرى غير اختيارية، و إلّا كانت هي الأخير من أجزاء علته و يستند الأثر إليها، و يكون تابعا لها في عدم المقدورية (1).

و لا يصح الالتزام به بالاجارة، أو الاشتراط، أو غير ذلك، و ظاهر أن برء المريض و كذا سمن الدابة و نحوهما من ذلك ...». و الاشكال فيه يظهر مما ذكرنا، فإن توسط بعض المقدمات غير الاختيارية إذا كانت متهيئة لا يقدح في اختيارية ذيها، كما عرفت. و لا فرق بين المخيطية و بين برء المريض و سمن الدابة في كونها اختيارية، إذا كانت المقدمات غير الاختيارية متهيئة. نعم تختلف من حيث السرعة و البطء. مع أن برء المريض قد يكون مثل المخيطية في سرعة الحصول.

(المستمسك ج 12/ 226).

***

____________

(1) و كأنه يفصل بين الأسباب التوليدية و الاعدادية، و يمكن ان يستدل عليه بقوله أ فرأيتم، ما تمنون أ أنتم تخلقونه أم نحن الخالقون ... أ فرأيتم ما تحرثون أ أنتم تزرعونه أم نحن الزارعون.

و أفعالنا بالنسبة إلى المني و الزرع إعدادية و لذا نسبهما القرآن إليه تعالى و سلبها عنا. كما ذكره المحقق النائيني رضى اللّه عنه- على ما ببالي- و لعله المراد ببعض الأعاظم في كام سيدنا الاستاذ (قدّس سرّه)، لكن هذا لا ينافي ما افاده سيدنا الاستاذ الحكيم كما لا يخفى.

17

2- اصالة عدم جواز البدار لاولي الاعذار

(في المتيمم مع احتمال زوال العذر أو رجائه (أي ليس تعجيل الصلاة بأفضل) و أما في غيره من الأعذار فالاقوى وجوب التأخير و عدم جواز البدار).

يأتي وجهه في مبحث التيمم في مسألة جواز التيمم في السعة، كما نذكر فيها و في غيرها أيضا الوجه في أصالة عدم جواز البدار لاولي الأعذار.

و محصله: أن المفهوم عرفا من أدلة الأحكام الاضطرارية- و لو بمناسبة الحكم و الموضوع- هو كون الحكم الاضطراري ثابتا في ظرف عذر المكلف عقلا عن الحكم الاختياري، و سقوطه عن مقام الفعلية أصلا، و هو إنما يكون كذلك في ظرف استمرار العجز، و لا يكفي في سقوطه مجرد العجز آناً ما. و لأجل ذلك لا يكون حال دليل الحكم الاضطراري بالاضافة إلى دليل الحكم الاختياري حال سائر الأدلة المخصصة للعمومات، كي يكون في عرضه، و لأجل منافاته يجمع بينهما بالتخصيص أو التقييد، نظير دليل حكم المسافر بالاضافة إلى‏

18

عمومات الأحكام بل المفهوم عرفا أنه في طوله فلا يكون منافيا له أصلا، بل يكون مثبتا لبدله في ظرف العجز عنه و سقوطه عن الفعلية. و لأجل ذلك لا يجوز للمكلف تعجيز نفسه عن الواجب الأولي، لأن فيه تفويت الواجب و هو محرم عقلا.

و بالجملة: حرمة التعجيز و اعتبار استمرار العذر في مشروعية البدل كلاهما ناشئان عما ذكرنا من أن المفهوم عرفا من دليل البدلية ثبوتها في ظرف سقوط المبدل منه عن الفعلية بالمرة، و وجود العذر عقلا عنه، و ذلك إنما يكون في ظرف استمرار العجز، فلو بادر المكلف إلى فعل البدل في أوّل آنات العجز كان الاكتفاء به مراعي باستمرار العجز، فإن كان مستمرا صح البدل من أوّل الأمر، و إلّا بطل كذلك، و لا فرق بين صورتي رجاء زوال العذر و عدمه‏ (1). و قد تكرر بيان ذلك في‏

____________

(1) المأمور به الموقت، إنما هو الطبيعي بين المبدا و المنتهى، فعدم امكان اتيانه بجميع اجزائه و شروطه في بعض افراد الوقت مع العلم بإمكانه في سائر افراد الوقت الطولية. بل مع احتماله لا يوجب الانتقال إلى اتيان الابدال الاضطرارية حسب القاعدة الأولية. و ان شئت فقل ان الافراد الطولية كالافراد العرضية فكما ان التعذر في بعض الافراد العرضية لا يجعل المكلف ذا عذر فكذا في الافراد الطولية.

هذا كله بالنسبة إلى الحكم الواقعي. و اما بالنسبة إلى الحكم الظاهري في فرض احتمال زوال العذر يجري استصحاب بقائه إلى آخر الوقت فيجوز البدار فان استمر العذر أو اشتبه الحال صح العمل و ان علم بزواله في اثناء الوقت-

19

____________

- وجب الاعادة لما افاده السيّد الاستاذ (قدّس سرّه) و ان شئت فقل بعدم اجزاء امتثال الامر الظاهري عن المأمور به الواقعي.

و خلاصة الكلام ان علم بزوال العذر لم يجز البدار و ان علم ببقائه جاز و ان احتمل زواله و بقائه لم يجز بحسب الحكم الواقعي و جاز بحسب الظاهر حسب القاعدة.

بقي شي‏ء و هو انه هل يجوز البدار رجاء في الفرض الأخير مع قطع النظر عن الاصل المذكور أم لا؟ مقتضي القاعدة هو الأوّل بناء على عدم اعتبار قصد الوجه وصفا و غاية فان انكشف الخلاف وجب الاعادة و ان استمر العذر صح العمل.

بقي الكلام في التيمم من جهات.

1- هل يصح التيمم في سعة الوقت للصلاة أم هو باطل لا يصح الاتيان به و لو برجاء الأمر في الوقت الموسع فإذا استمر العذر فلا بدّ من إتيان تيمم و صلاة اخرى؟

2- إذا دخل المكلف متيمّما في الوقت الموسع هل يجوز له البدار أم لا؟

3- الوجه في تفصيل صاحب العروة من جواز البدار للمتيمم دون سائر ذوي الاعذار.

أما الجهة الأولى: فقد ذهب جمع إلى صحّة التيمم لدلالة جملة من الروايات عليها (الباب 14 من أبواب التيمم من الوسائل).

و قال سيّدنا الاستاذ الحكيم (قدّس سرّه) بعد نقلها (المستمسك ج 4/ 443):

و ظهور الجميع في صحة التيمم في السعة مما لا مجال لانكاره. مضافا إلى إطلاق ادلة البدلية. و دعوى ان اطلاقها- أي أدلة البدلية- يقتضي وجوب التأخير، لان-

20

____________

- مفادها، بدلية التيمم عند تعذر الوضوء و تعذره انما يكون بالتعذر في جميع الوقت لا في بعضه.

مندفعة بان مقتضي اطلاقها الزماني الاكتفاء بتعذر جميع افراد الوضوء في كل زمان، و هو حاصل بتعذر الماء في أوّل الازمنة، فدعوى اعتبار التعذر في جميع الازمنة محتاج إلى قرينة مفقودة. انتهى كلامه.

لكن ما تقدم منا يصلح قرينة، كيف و لا يظن الالتزام بالفقهاء أن يفتوا بصحة التيمم لمن يعلم بوجدان الماء بعد ساعة أو نصف ساعة باطلاق ادلة البدلية.

و أما الروايات المشار إليها فلا اطلاق لها يشمل فرض احتمال زوال العذر و المتيقن فرض العلم ببقاء العذر إلّا أن يتمسك بترك استفصال الإمام (عليه السلام) فيشمل فرض العلم بالارتفاع أيضا. و الالتزام به مشكل كما عرفت و المشهور مطلقا أو عند المتقدمين وجوب التأخير إلى آخر الوقت و قد ادعى عليه الاجماع و يدل عليه جملة اخرى من النصوص ما بين مطلق يشمل فرض العلم ببقاء العذر و بين ما يخص فرض احتمال زواله (الباب 22 من أبواب التيمم من الوسائل) و قد جمع بين الطائفتين من النصوص بوجوه قابلة للنقاش (المستمسك ج 4/ 444) و لذا حمل السيّد الاستاذ (قدّس سرّه) الثانية على الاستحباب.

أقوال: و هنا وجه آخر للجمع بينهما و هو تخصيص الطائفة الأولى الشاملة للعلم بالبقاء أو الارتفاع و احتمال أحدهما ببعض نصوص الطائفة الاولى المختصة بفرض احتمال وجدان الماء كصحيح زرارة عن أحدهما (عليه السلام) إذا لم يجد المسافر الماء فليطلب ما دام في الوقت، فإذا خاف أن يفوته الوقت فليتيمم و ليصلّ في آخر الوقت ... (الوسائل ج 3 ب 14 من أبواب التيمم). فإنه لا معنى-

21

مواضع من كتاب الطهارة. (المستمسك ج 5/ 124 و 125).

____________

- للطلب مع العلم بعدم وجدانه. نعم في رواية اخرى لزرارة: فليمسك ما دام في الوقت. لكن سندها غير معتبر. نعم جملة فليمسك انسب بمتن الرواية، على ان الطلب في جميع الوقت غير واجب و قيل ان وجوبه خلاف الاجماع. لكن الانسبية ليست بدليل و عدم وجوب الطلب في تمام الوقت لا يدفع كونه قرينة على اختصاصه بفرض احتمال الوجدان. لعله من هنا ذهب السيّد الاستاذ الخوئي (قدّس سرّه) إلى عكس ما افاده صاحب العروة من التفصيل إذ مع النصوص الناهية لا مجال للرجوع إلى استصحاب عدم وجدان الماء في المستقبل بل هو مختار سيدنا الاستاذ الحكيم أيضا في حاشية المستمسك (ج 4/ 446).

و العمدة في القول بالاستحباب خبر ابن أبي يعفور على اشكالين في السند بناء على انصراف متنه إلى سعة الوقت (الوسائل 3/ 369) و على كل لا بأس بالتيمم و الصلاة في أول الوقت رجاء إذا احتمل استمرار العذر.

و أما الجهة الثانية: فالأرجح جواز البدار خلافا لجمع، لأن النصوص الدالة على الضيق لا تشمل هذا الفرض. و اللّه اعلم.

و أما الجهة الثالثة: فقد علم وجه التفصيل فيها مما سبق.

22

3- الفارق بين الفرد المردّد و الواجب التخييري‏

يفترق الواجب التخييري عن المردّد أن المردّد لا يكون موضوعا لحكم شرعي، لعدم المطابق الخارجي له، و الواجب التخييري يكون موضوعا للوجوب التخييري، و له مطابق خارجي، فإن الوجوب التخييري ليس قائما بالمردّد بين الخصال، و إنما قائم بكل واحدة من الخصال، لكن قيامه على نحو خاص بحيث يسقط عن الجميع بفعل واحدة من الخصال. و كذلك الوجوب الكفائي، فإنه موجه إلى كل واحد من المكلفين على نحو خاص، بحيث يسقط بامتثال واحد منهم، و ليس متعلقا بالمردّد بين أفراد المكلفين. فالواجب التخييري كل واحد من الخصال الثلاث في الكفارة، لا أمر مردّد بينها، و هذه الخصال الثلاث مع أن كل واحدة منها واجبة لا يجب فعلها أجمع، لان الوجوب تعلق بها على نحو لا يقتضي فعلها أجمع، بل يسقط عن الجميع بفعل واحدة منها. فإذا تعلقت الحوالة بالدينين على وجه التخيير اقتضت وفاء المحال عليه لأحدهما على التخيير لا جمعا، فإذا و فى أحد الدينين بطلت الحوالة بالنسبة إلى الآخر و لم تقتض وفاءه. (المستمسك ج 13/ 387).

23

4- حكم المقدمات قبل الوقت‏

(يجوز قصد الوجوب في الغسل و ان اتى به في أوّل الليل ...) قد اشتهر الإشكال في وجوب المقدمات قبل الوقت، من أجل أن وجوب المقدمة تابع لوجوب ذيها، فإذا كان الوقت شرطا لوجوب الصوم كان شرطا لوجوب المقدمة، فلا وجوب قبله، فكيف يمكن أن ينوي الوجوب بفعل المقدمة قبل الوقت؟! و لأجل ذلك يمتنع الاتيان بالغسل قبل الوقت بنية الوجوب.

فلا بدّ في إمكان نية الوجوب به من الالتزام بكون وجوب الصوم من الوجوب المعلق، بأن يكون الوقت شرطا للواجب- و هو الصوم- لا للوجوب، فيكون الوجوب حاليا و الواجب استقباليا.

و دعوى: أنّه إذا كان الوقت شرطا للواجب كان الواجب غير مقدور في الزمان الحالي، لأن العجز عن الشرط فيه يستوجب العجز عن المشروط فإذا انتفت القدرة في الحال انتفى الوجوب فيه. مندفعة: بأن الزمان الاستقبالي أخذ شرطا للواجب بنحو لا يجب تحصيله، بأن أخذ وجوده الاستقبالي الحاصل من قبل إرادة اللّه تعالى شرطا، فإذا فرض حصوله بعد ذلك من قبله تعالى كان الفعل‏

24

فيه مقدورا، و جاز تعلق التكليف به‏ (1).

نعم مثل هذا التكليف لا يبعث على إيجاده فعلا حالا، و إنما يقتضي البعث إليه في وقته المعين له، و هذا المقدار لا يوجب المنع من تعلق التكليف به فعلا عرفا أو عقلا. نظير الأمر بالمركب فإنه ينحل إلى أوامر متعددة بتعدد الأجزاء، و الأمر الضمني المتعلق بالجزء الأخير لا يقتضي البعث إليه فعلا، و لكن لا يصح لذلك أن يقال: إن الأمر بالمركب منتف، و إنما الأمر الفعلي هو المتعلق بالجزء الأول منه لا غير. و يكفي في صحة دعوى كونه حاليا أنه يبعث إلى فعل المقدمات قبل الوقت، كالغسل في المقام.

أو الالتزام بالتفكيك بين الوجوب النفسي و الغيري في الإطلاق و الاشتراط فيكون وجوب الغسل مطلقا غير مشروط بالوقت، و وجوب الصوم مشروطا به.

لكن في معقولية ذلك إشكال، لأن الوجوب الغيري معلول للوجوب النفسي، فإذا كان الوجوب النفسي معلولا للشرط امتنع أن لا يكون الوجوب الغيري معلولا له، لأن علة العلة علة.

أو الالتزام بأن الزمان اللاحق شرط للوجوب النفسي على نحو الشرط المتقدم، و لكنه شرط للوجوب الغيري على نحو الشرط المتأخر. و الاشكال السابق لا مجال له هنا، لا مكان كون المصلحة الموجودة في المقدمة منوطة بالوقت على غير نحو إناطة مصلحة الواجب به.

____________

(1) و يمكن ان يقال أيضا بان انتفاء القدرة في الحال لا يستلزم انتفاء الوجوب فيه كما لا يخفى.

25

أو الالتزام بكون الشرط وجود الوقت الاستقبالي اللحاظي لا الخارجي فيكون الوجوب ثابتا قبله منوطا به، لا مطلقا.

لكن هذا الالتزام و إن كان في محله، إلّا أنه لا يدفع الاشكال، لأن وجوب المقدمة قبل الوقت و إن كان حاصلا على نحو الاناطة بالوجود الاستقبالي، إلّا أن الاناطة المذكورة مانعة من باعثيته إلى فعل المقدمة قبل حصول المنوط به. إلّا أن تكون الاناطة على نحو الشرط المتأخر، فيتوجه عليه ما يتوجه على الوجه السابق من الاشكال. أو الالتزام بوجوب الغسل وجوبا تهيئيا، لا غيريا، و يكون هو الباعث على فعله قبل الوقت. لكن مغايرة الوجوب التهيئي للوجوب الغيري غير ظاهرة. و قد تعرضنا لهذه الوجوه في تعليقة الكفاية في مبحث وجوب التعليم.

و لو لم يتم شي‏ء من ذلك وجب عقلا فعل الغسل قبل الوقت بنية الاستحباب. و هذا الوجوب العقلي يبعث على فعل المقدمة قبل الوقت كفعلها بعده. بل قد يجب فعلها تعيينا قبله إذا لزم من تركها فوات الواجب، لا أنه يأتي بها بنية الوجوب الشرعي النفسي أو الغيري، كما هو كذلك لو تم أحد الوجوه السابقة.

فلاحظه‏ (1) (المستمسك ج 8/ 303 إلى 305).

***

____________

(1) الوجوه المذكورة بين كونها باطلة أو مما لا دليل عليه فاللازم هو الذهاب إلى الوجه الأخير، فإن العقل احد أدلة الأربعة و منه استفدنا وجوب حفظ النفس المحترمة أيضا. و قد تقدمت ذكر الوجوه المذكورة في بعض الفصول المتقدمة أيضا و تعرض للمقام صاحب الكفاية (قدّس سرّه) في بحث الواجب المعلق.

26

5- طريقية العلم الاجمالي و خروج بعض الاطراف عن محل الابتلاء

(العلم الاجمالي كالعلم التفصيلي) يعني في كونه طريقا عند العقلاء لاثبات متعلقه بنحو تكون مخالفته معصية موجبة لاستحقاق العقاب عندهم، و الترخيص فيها ترخيصا في المخالفة للواقع المنجز فيمتنع للزوم التناقض و نقض الغرض، بل الظاهر كونه علة تامة في وجوب الموافقة القطعية، و التفكيك بينه و بين حرمة المخالفة القطعية في غير محله، لأن الترخيص في أحد الأطراف ترخيص في محتمل الواقع المنجز و هو ممتنع، كالترخيص في معلوم الواقع كذلك. غاية الأمر أن الثاني مناف لذات الخطاب، و الأوّل مناف لاطلاق الخطاب المعلوم كذات الخطاب، كما هو موضح في محله من كتابنا حقائق الأصول فراجع‏ (1).

____________

(1) و إليك إيضاحه بحروفه في حقائق الأصول ج 2/ 49 و 50: و من هنا يظهر أن ما ذكره في المتن من كونه مقتضيا للتنجز هو المختار له في محل الكلام في-

27

____________

- المقام لكنه ليس مطابقا لما هو الحق الحقيق بالقبول، و ما ذكره في وجهه من أن مرتبة الحكم الظاهري معه محفوظة، لا يصلح سندا له. و لا ينبغي أن يعوّل عليه، فإن كل واحد من اطراف المعلوم بالاجمال و ان كان مشكوك الحكم و بذلك يصير موضوعا للحكم الظاهري، لكن لا بدّ من توجيه النظر إلى العلم الاجمالي و أنه علّة تامة لتنجيز متعلقه على اجماله أولا؟ فعلى الأوّل يمتنع الترخيص في اطرافه لأنه نظير الترخيص في مخالفة العلم التفصيلي، و على الثاني لا مانع منه (فنقول): لا ينبغي التأمّل في ان العلم الاجمالي ليس إلا من سنخ العلم التفصيلي موجبا لاراءة متعلقة و انكشافه انكشافا تاما لا قصور في ناحية انكشافه اصلا فإن من علم انه يجب عليه اكرام زيد بن بكر الذي لا يعرفه بعينه لا قصور في علمه بالإضافة إلى متعلقه اعني اكرام زيد بن بكر و مجرد تردده بين شخصين لا يوجب نقصا في علمه بالاضافة إلى متعلقه غاية الأمر أن علمه لم يحط بتمام الخصوصيات المانعة من التردد بين شخصين، و من المعلوم بشهادة الوجدان عدم دخل ذلك في المنع من منجزية العلم إذ لا ريب في أنه بمجرد حصول ذلك العلم الاجمالي يتحرك العبد نحو موافقته بطبعه و عقله و يعدّ قول المولى: لا تكرم كل واحد من الشخصين: مناقضا لما علم بحيث يحكم اجمالا فإن احد الكلامين ليس مطابقا للواقع نظير ما تقدم في العلم التفصيلي حرفا بحرف، فلا فرق بين العلمين من هذه الجهة أصلا، و من هذا يظهر انه لا مجال للترخيص الظاهري في كل واحد من اطراف الشبهة لأنه راجع إلى الترخيص في المعصية الممتنع عقلا، و مجرد كون كل واحد مشكوك الحكم لا يصححه بعد انطباق عنوان الترخيص في المعصية عليه الذي لا ريب في قبحه، و التامّل في طريقة-

28

(... إلّا إذا لم يكن احدهما محلا لابتلائه فلا يجب الاجتناب عما هو محل الابتلاء أيضا ...)

قد ذكر في ملحه أن من شرائط تنجيز العلم الاجمالي للتكليف أن يكون كل من الأطراف في محل الابتلاء، فإذا كان أحدهما خارجا عن محل الابتلاء، لا يكون المعلوم بالاجمال متنجزا، و لا يجب الاحتياط في الطرف الذي هو محل الابتلاء.

و الوجه فيه: أن الموضوع الخارج عن محل الابتلاء مما لا يصح اعتبار التكليف و التحميل من الخطاب بالاجتناب عنه، و لأجل ذلك لا يحسن أن يخاطب به، لأن الغرض من الخطاب إحداث الداعي العقلي في نفس العبد، على نحو يرى نفسه لأجل الخطاب بالاجتناب مكلفا و مثقلا به، و مشغول الذمة و العهدة، و هذه الاعتبارات غير حاصلة بالنسبة إلى ما هو خارج عن الابتلاء. فهذا الشرط في الحقيقة راجع إلى كونه شرطا في اشتغال الذمة لا شرطا للتكليف‏ (1).

____________

- العقلاء، يوجب، وضوح ما ذكرنا بما لا مزيد عليه فالمعول عليه حينئذ انه علة تامة للتنجز بحيث لا يتوقف على وجود شرط أو فقد مانع اصلا، و عدم وجوب الاحتياط في الشبهة غير المحصورة كان من جهة عدم فعلية التكليف لعدم الابتلاء أو نحوهما ...

أقول: ما افاده (قدّس سرّه) متين. فراجع حقائق الاصول.

(1) أعلم أن سيدنا الاستاذ الخوئي رضى اللّه عنه انكر في الدرس- في شرح هذا المقام--

29

و توضيح ذلك: أن انتفاء التكليف (تارة): لعدم المقتضي، كما في المباحات الخالية عن المفسدة. (و اخرى): لوجود المانع، كما إذا كان الشي‏ء فيه‏

____________

- انحلال العلم الاجمالي بخروج أحد الطرفين عن محل الابتلاء، و ذكر في وجهه أن العلم الاجمالي ليس بنفسه علة في تنجيز متعلقه، و انما تنجيزه مستند إلى تساقط الاصول في اطرافه بالمعارضة و إذا كانت الاطراف مقدورة له عقلا و لو بواسطة أو وسائط فمجرد خروج بعضها عن محل الابتلاء بالفعل مع التمكن منه عقلا غير مستلزم لانحلاله بوجه. و ذلك لان جريان الاصل في كلا الطرفين مستلزم للترخيص في المخالفة القطعية و في احدهما ترجيح من غير مرجح.

و لاحظ (التنقيح ج 2/ 175 و 176).

أقول: و الاظهر أنّ وجوب الاجتناب عن الطرفين مستند إلى نفس العلم الاجمالي و ان مجرد القدرة على امر لا يكفي لتنجز الخطاب بعد فرض قبحه عرفا بخروجه عن محل الابتلاء كما افاده سيدنا الاستاذ الماتن رضى اللّه عنه.

لا يقال: قد تقدم من السيّد الاستاذ الماتن في حكم ملاقي الشبهة المحصورة ان فقد الملاقي- بالفتح- لا يوجب عدم جريان الاصل فيه لاثبات طهارة الملاقي- بالكسر- بل يجري و يتعارض مع الأصل الجاري في الطرف الآخر.

و ان شئت فقل: الفقدان غير مانع من جريان الأصل في المفقود إذا كان الأثر المقصود منه ثابتا لموضوع موجود. أ ليس هذا منافيا لما ذكره هنا؟

فانه يقال: الحكم بطهارة الماء المهروق مثلا لا قبح فيه إذا كان لها اثر فعلي.

و أما الامر بالاجتناب فعلا عن ماء مهروق أو شي‏ء آخر خارج عن محل الابتلاء فهو قبيح عرفا. فالقبيح ليس مجرد اعتبار لمعدوم بل الاعتبار الباعث و الزاجر إلى ما فقد و عدم.

30

مفسدة، و لكن فيه مصلحة مزاحمة لها و تشترك الجهتان في أن انتفاء التكليف لقصور فيه و في ملاكه، و لا فرق في المصلحة المزاحمة بين أن تكون نفسية، بأن كان ينطبق على الحرام عنوان واجب و أن تكون غيرية، بأن كان الحرام مقدمة لواجب، كما في موارد الاضطرار إلى الحرام. أما إذا كانت المصلحة ليست موجودة في نفس الحرام، بل كانت في ضده، كان المورد من موارد التزاحم، و دخل في حكم مسألة الضد التي لا قصور في حصول الملاك في كل من الطرفين فيها.

(و ثالثة): لقصور في المكلّف كما في موارد انتفاء القدرة (1)، فإن الموضوع و ان كان مشتملا على مفسدة بلا مزاحم، إلّا أن العجز عنه مانع عن حدوث التكليف به و ان كان التكليف واجدا لملاكه.

(و رابعة): يكون لقصور في المكلف به لخروجه عن محل الابتلاء.

و تشترك هاتان الجهتان الاخيرتان في أن دخلهما في الحقيقة في باعثية التكليف لا في ذاته، و بخلافهما الجهتان الأولتان، فإن دخلهما في ذاته. فالدخول في محل الابتلاء و القدرة ليس لهما دخل في ذات التكليف، و انما دخلهما في الاشتغال‏

____________

(1) قد تكون القدرة دخيلة في ملاك التكليف، فليس العجز دائما قصورا في المكلف فقط، بل قد يكون قصورا في المكلّف به، و على كل اعتبار كون الطرفين في الشبهة المقرونة بالعلم الاجمالي محلا للابتلاء إنّما يتم إذا فرضنا الخطاب بالمكلف به الخارج عن محل الابتلاء قبيحا عند العرف، فإنه هو الملاك دون القدرة و عدمها.

31

و الثبوت في العهدة فينتفي ذلك عند انتفاء أحدهما، و إن كان التكليف بحاله. نظير وجود الحجة على التكليف، فكما أنه لا يتوقف عليه التكليف نفسه، و انما يتوقف عليه اشتغال الذمة به، كذلك الدخول في محل الابتلاء و القدرة، فالخطاب بالاجتناب عن النجس نسبته إلى الداخل في الابتلاء و غيره و المقدور و غيره، نسبة واحدة، و كما أنه حاك عن الكراهة في الأول منهما حاك عنها في الثاني أيضا، فهما لا يختلفان من حيث تعلق التكليف، و انما يختلفان من حيث أن العلم بالتكليف موجب في الأوّل منهما للاشتغال، بحيث يرى المكلف نفسه في كلفة و عهدة مشغولة، و ليس كذلك في الثاني بل يكون حاله بعد العلم حاله قبل العلم.

فإن قلت: الخارج عن الابتلاء خارج عن القدرة، فشرطية عدم الخروج عن الابتلاء في تنجيز العلم الاجمالي راجع إلى شرطية القدرة على كل من الطرفين، فما الوجه في جعله مقابلا له؟ (قلت): ما ذكر ممنوع فان البعد الموجب لخروج الشي‏ء عن محل الابتلاء للمكلف لا يوجب سلب قدرته عليه، لأن المقدور بالواسطة مقدور. و لذا صح التكليف بالحج لأهل الصين، و لا يصح نهيهم عن استعمال الاناء الذي في مكة، إذا لم يكونوا في مقام السفر إلى الحج. أما إذا كانوا في مقام السفر إلى الحج كان الاناء الذي في مكة محل ابتلائهم، فيصح نهيهم عنه.

هذا و إذا عرفت أن خروج بعض أطراف المعلوم بالاجمال عن محل الابتلاء مانع من تنجيز العلم لذلك المعلوم بالاجمال، يكون الطرف الآخر المعلوم بالاجمال من قبيل الشبهة البدوية، فيتعين الرجوع فيه إلى الأصل الموضوعي أو

32

الحكمي.

ثم إنه إذا شك في حصول شرط القدرة أو كون محل الابتلاء، فاطلاق الخطاب لا يصلح لنفي الشك المذكور، لأن منع العجز و الخروج عن محل الابتلاء عن التكليف ليس شرعيا (1) بل هو عقلي، فلخطاب الشرعي لا ينفيه و لا يتعرض له بوجه، فمع الشك في المانعين المذكورين و نحوهما، لا مجال للرجوع إلى إطلاق الخطاب. نعم الأصل العقلائي يقتضي الاحتياط حينئذ (2).

____________

(1) يمكن بأن يقال بان القدرة شرط شرعي في عامة التكاليف الشرعية، استنادا إلى قوله تعالى: لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها* (الأنعام: 52- الأعراف: 42- المؤمنون: 62) و قوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها (البقرة: 286) و ما شابهها من الآيات الكريمة و ان ترك الاصوليون الاستدلال بها إلّا أن يدعى أنها ترشد إلى حكم العقل. لكنه غير واضح.

(2) إذا كلّف احد بشي‏ء و شك في قدرته عليه لا يجوز له ترك الامتثال لاجل الشك في القدرة، بل لا بدّ له من احراز عجزه ببناء العقلاء كما افاده سيدنا الحكيم (قدّس سرّه) و من تأمل في سيرة العقلاء و بناء العرف العام بين الآمرين و المأمورين يصدّق ما قلناه. و قال (قدّس سرّه) في محل آخر (المستمسك ج 4/ 361).

: و إما لقاعدة الشك في القدرة المقتضية للاحتياط، لأن الشك في ضيق الوقت يرجع إلى الشك في القدرة على الصلاة بالطهارة المائية و عدمها، و قد تقدمت الاشارة إلى أن الشك في القدرة على الواجب يقتضي الاحتياط في فعله إمّا لبناء العقلاء عليه، أو لعموم ما دلّ على وجوبه المقتصر في الخروج عنه على القدر المتيقن، و هو فرض العلم بالعجز دون العجز الواقعي على ما هو القاعدة في الشبهة المصداقية إذا كان المخصص لبيا. انتهى كلامه.

33

فإن قلت: إذا خرج بعض أطراف الشبهة عن محل الابتلاء فقد شك في خروج المعلوم بالاجمال عن محل الابتلاء، و يجب الاحتياط حينئذ في الفرد الذي هو محل الابتلاء (قلت): الشك في مثل الفرض ليس موضوعا لأصالة الاحتياط العقلائية المتقدمة، لاختصاصها بصورة الشك البدوي في الخروج عن محل الابتلاء، فلا تشمل مثل الفرض فلاحظ (1). نعم بناء على أن المرجع الاطلاق يشكل الفرق بين الفرضين. و مثله الكلام مع خروج بعض الاطراف عن القدرة.

اللهم إلّا أن يقال: الاطلاق حجة عند الشك في أصل التخصيص بنحو الشبهة البدوية، لا في مثل الفرض مما علم فيه بوجود الخاص و شك في انطباقه على الموارد. (المستمسك ج 1/ 450- 454).

____________

(1) وجه الملاحظة عدم وضوح الاختصاص المذكور و الاحتياط طريقه واضح.

34

6- ملاقي الشبهة المحصورة

(ملاقي الشبهة المحصورة لا يحكم عليه بالنجاسة لكن الاحوط الاجتناب).

هذا (يعني عدم الحكم بالنجاسة) مما لا ينبغي الاشكال فيه، إذ لا وجه له مع احتمال طهارة ما لاقاه، و مجرد وجوب الاجتناب عنه من باب المقدمة العلمية لا يوجب نجاسته و لا نجاسة ملاقيه. نعم قيل بوجوب الاجتناب عنه كالاصل الذي لاقاه. و العمدة فيه انه طرف للمعلوم بالاجمال، فانه يعلم اما بنجاسته أو نجاسة الطرف الآخر، فيكون الحال كما لو قسّم احد الإناءين إلى قسمين‏ (1) فانه‏

____________

(1) و مثل التقسيم إلى إناءين في وجوب الاجتناب عنهما، ما إذا وقعت قطرة من أحدهما في ظرف ماء آخر حيث يجب الاجتناب عن الأطراف الثلاثة، ضرورة عدم محكومية ماء واحد بحكمين. و كذا ما إذا وقعت قطرة أو قطرات من بعض الاطراف المحكوم عليها بوجوب الاجتناب، على اليد أو اللباس أو شي‏ء آخر-

35

كما يعلم اجمالا بنجاسة القسمين أو الطرف الآخر، يعلم اجمالا بنجاسة المتلاقيين أو الطرف الآخر، فيجب الاجتناب عن الملاقي- بالكسر- كالملاقي- بالفتح. و قد يدفع- كما في كلام شيخنا الأعظم (قدّس سرّه)- بأنّ نجاسة الملاقي لمّا كانت متفرعة على نجاسة الملاقي- بالفتح- الذي هو طرف العلم الاجمالي فالاصل الجاري فيه مسببي، و الأصل الجاري في الملاقي- بالفتح- سببي و الأصل السببي مقدم رتبة على الأصل المسببي، ففي رتبة الأصل المسببي لا معارض له، لأن ما يتوهم معارضته له هو الأصل الجاري في طرف الملاقي- بالفتح- و هو الاناء الثالث، و المفروض سقوطه بالمعارضة في الرتبة السابقة مع الأصل الجاري في الملاقي- بالفتح- و إذ لا معارض له لا مانع من جريانه، و مقتضاه الطهارة و جواز الارتكاب.

لكن فيه: أن هذا مبني على أن المانع من جريان الأصل المرخص في طرف العلم الاجمالي هو المعارضة، و قد عرفت أنه خلاف التحقيق، بل المانع‏

____________

- ما دام لم تيبس القطرة و كانت باقية فإن هذه القطرة كانت محكومة بوجوب الاجتناب و لم يطرأ عليه ما يزيله، فإذا يبست فلا يجب الاجتناب عن محلهما.

فإن مقتضى القاعدة في هذين الموردين الاجتناب و إن لا اتذكر عاجلا من تعرّض لهما. و كذا لو فرضنا شيئين لاقى احدهما طرفا و لاقى ثانيهما طرفا آخر من المشتبهين بالعلم الاجمالي، فإنه يجب الاجتناب عن كليهما كالاصلين لتولد علم إجمالي آخر بنجاسة أحد الملاقيين زائدا على العلم الاجمالي الأوّل. و اللّه أعلم.

36

نفس العلم من جهة اقتضائه تنجيز متعلقه المردد بن الاطراف، فالترخيص في ارتكاب طرف منها مخالفة لمقتضى العلم، و ذلك يؤدي إلى احتمال التناقض‏ (1).

و قد يدفع أيضا- كما في كلام غير واحد من الأعيان-: بأن العلم الاجمالي القائم بين الملاقي- بالكسر- و طرف الملاقي- بالفتح- ناشئ من العلم الاجمالي القائم بين الاصلين، ففي الرتبة السابقة يكون ذلك العلم منجزا للطرفين، فيكون العلم الثاني قائما بين طرفين أحدهما منجز بالعلم الأوّل، فينحل بذلك العلم الثاني، و يمتنع أن ينجز متعلقه لاحتمال انطباقه على ما هو متنجز بالعلم الأوّل، و إذا سقط العلم الثاني عن المنجزية كان الفرد الملاقي- بالكسر- بلا منجز، فلا مانع من الرجوع إلى الأصل فيه.

لكن فيه: أن العلم بنجاسة الملاقي- بالكسر- و طرف الملاقي- بالفتح- ليس منجزا، لعدم تعلقه بالحكم، بل بالموضوع، و كذلك العلم بنجاسة أحد الأصلين فإنه أيضا غير منجز لتعلقه بالموضوع، و إنما المنجز العلم بوجوب الاجتناب عن أحد الأصلين المتولد من العلم بالنجاسة في أحدهما، و العلم بوجوب الاجتناب عن أحد الأمرين من الملاقي- بالكسر- و طرف الملاقي- بالفتح- المتولد من العلم بنجاسة أحدهما، و العلم بالوجوب في المورد الثاني ليس متولدا من العلم به في المورد الأوّل، فلا ترتب بينهما، و إنما الترتب بين علتيهما و هما العلمان بالموضوع لكنهما لا أثر لهما، ترتبا أو لم يترتبا.

____________

(1) كما نقله في حقائق الأصول ج 2/ 283.

37

و قد يدفع أيضا- كما في كلام الاستاذ (قدّس سرّه) في كفايته‏ (1)-: بأن العلم الذي أحد طرفيه الملاقي- بالكسر- متأخّر عن العلم الذي أحد طرفيه الملاقي- بالفتح- فيكون حادثا بعد تنجز طرفي العلم السابق، فيكون أحد طرفيه متنجزا قبل حدوثه، فينحل بذلك و يسقط عن التأثير (2).

و قد يشكل: بأنه إنما يتم لو بني على أن العلم بحدوثه يوجب تنجز المعلوم إلى الأبد، لكنه خلاف التحقيق، و إلّا لزم بقاء التنجز و لو ارتفع العلم، كما لو طرأ الشك الساري، أو علم بالخطإ، و لكنه خلاف المقطوع به، فلا بدّ أن يكون التنجز منوطا بالعلم حدوثا و بقاء، فبحدوث العلم يتنجز المعلوم، و ببقائه يبقى التنجز- كما أشرنا إلى ذلك كله آنفا- و حينئذ فلا أثر لسبق أحد العلمين، فإن السابق إنما

____________

(1) في الجزء الثاني في مبحث العلم الاجمالي، و له (أي صاحب الكافية رضى عنه اللّه) تفصيل ثلاثي في المقام كما يأتي اختياره من السيّد الاستاذ الماتن (قدّس سرّه) و هو الاظهر.

(2) لاحظ ما ذكره سيدنا الاستاذ الخوئي (قدّس سرّه) في هذا المقام في مصباح الاصول 2/ 410. و فيه (2/ 414) ثلاثة امثلة:

1- علمنا إجمالا بوقوع النجاسة في أحدهما و كان أحدهما محكوما بالنجاسة لأجل الاستصحاب فلا يتنجز لعدم المعارض لاصالة الطهارة في الآخر.

2- إذا كان مجرد الشك منجزا للتكليف في بعض الأطراف كما لو علم اجمالا بعدم اتيان العصر أو المغرب (في الليل) فيرجع بالنسبة إلى صلاة العصر إلى قاعدة الحيلولة أو اصالة عدم وجوب القضاء لانه بفرض جديد.

3- علمنا بنجاسة أحد الماءين ثم علمنا بوقوع نجاسة فيهما أو إناء ثالث.

38

ينجز في الزمان السابق، فإذا حدث العلم الثاني يكون استناد التنجز في الاصلين- اللذين يكون أحدهما طرف للعلم الثاني- إلى خصوص الأوّل ترجيحا بلا مرجح، فلا بدّ أن ينجزا معا، و تكون الحال كما لو علم بنجاسة إناءين أو نجاسة إناء ثالث، فكما يجب الاجتناب عن الجميع هنا، كذلك يجب الاجتناب عن المتلاقيين و الطرف الثالث جميعا فيما نحن فيه.

هذا و يمكن دفع هذا الاشكال: بأن إناطة التنجز بالعلم حدوثا و بقاء غاية ما تقتضيه أن التنجز في حال حدوث العلم الثاني مستند إلى وجود العلم فى ذلك الآن، لكن هذا المقدار لا يوجب الحاق الفرض بما لو علم بنجاسة اناءين أو إناء ثالث، إذ في هذا الفرض لما كان أحد العلمين سابقا و الآخر لاحقا، كان السابق موجبا لانحلال اللاحق به، و سقوطه عن التأثير، بخلاف فرض اقتران العلمين، فإنه يمتنع أن ينحل أحدهما بالآخر، لانه ترجيح بلا مرجح، فإن انحلال أحد العلمين بالعلم الآخر بحيث يسقط العلم المنحل عن التأثير ليس حقيقيا، بل هو حكمي- كما أشرنا إليه في بعض المباحث السابقة- و ليس عقليا، بل هو عقلائي لأن البرهان المذكور في الاستدلال على كونه عقليا مدخول فيه، إذ لا مانع من كون كل من العلمين منجزا لمتعلقه و احتمال انطباقهما على فرد واحد لا يقدح في ذلك، بل يكون من باب اجتماع علتين على معلول واحد، فيستند الاثر إليهما معا.

كما لو اقترن العلمان.

و دعوى: أن التنجز في صورة الاقتران مستند إلى علم ثالث و هو القائم بين طرفين و طرف ثالث. (فيها): أن هذا العلم عين العلمين لانحلاله إليهما،

39

فيكون حاله بالنسبة إليهما حال الكل بالنسبة إلى أجزائه، كما يظهر بالتأمّل.

فالانحلال في جميع موارده ليس عقليا، بل هو عقلائي بمعنى أن العقلاء لا يرون اللاحق حجة على مؤداه، بل يرون السابق هو الحجة لا غير. و لا مانع من الالتزام به في المقام، فإنه الذي بنى عليه العقلاء. فإذا كان العلم السابق هو المنجر للاصلين الذين أحدهما طرف الملاقي- بالفتح- يكون العلم اللاحق حادثا، و أحد طرفيه منجزا سابقا، فينحل، و لا يجب الاحتياط في الطرف الآخر، و هو الملاقي- بالكسر- بل يرجع فيه إلى أصل الطهارة. و لو بني على الاشكال في الانحلال فيما نحن فيه اشكل الامر في موارد الانحلال الذي لا يكون بين العلم السابق و اللاحق ترتب عقلي.

و بالجملة: بعد ما كان الاناء الثالث الذي هو طرف الملاقي- بالفتح- متنجزا بالعلم الإجمالي بالتكليف بينهما، و كان باقيا على تنجزه إلى زمان حصول العلم الثاني القائم بينه و بين الملاقي- بالكسر- لا يكون العلم الثاني منجزا له عند العقلاء، لا ضمنا و لا استقلالا، بل يستند بقاء تنجزه إلى العلم الأوّل المنجز له سابقا، فيكون الملاقي- بالكسر- بلا منجز.

و على هذا يتعين الفرق بين صورة حدوث العلم الذي أحد طرفيه الملاقي- بالكسر- بعد العلم الذي أحد طرفيه الملاقي- بالفتح- و بين صورة تقدمه عليه و بين صورة اقترانهما. ففي الاولي: لا يجب الاجتناب عن الملاقي- بالكسر- لما ذكر. و في الثانية: لا يجب الاجتناب عن الملاقي- بالفتح- لأن طرفه قد تنجز بالعلم السابق، فالعلم القائم به لا ينجز. و في الثالثة: يجب الاجتناب عنهما، لأن‏

40

استناد تنجز الطرف الثالث إلى أحد العلمين دون الآخر بلا مرجح فيستند إليهما معا. و يكون الحال كما لو قسم أحد الإناءين قسمين. كما في ص 306 ج 2 حقائق الاصول تبعا لصاحب الكفاية.

و دعوى: الفرق بينهما بعدم الترتب بين العلمين في مثال القسمة. بخلاف ما نحن فيه. فإن العلمين فيه مترتبان، لأن نجاسة الملاقي- بالكسر- ناشئة من نجاسة الملاقي- بالفتح- (قد عرفت) اندفاعها، فإنه لا ترتب بين العلمين المتعلقين بوجوب الاجتناب عن المعلوم، إذ ليس وجوب الاجتناب عن الملاقي- بالكسر- مترتبا على وجوب الاجتناب عن الملاقي- بالفتح- و لما لم يكن بينهما ترتب لم يكن أحدهما موجبا لانحلال الآخر مع الاقتران، و إلا كان بلا مرجح. نعم العلم بنجاسة أحد الاصلين متقدم رتبة على العلم بنجاسة الملاقي- بالكسر- أو طرف الملاقي- بالفتح- إلّا أن كلا منهما لما كان عملا بالموضوع لم يكن منجزا على كل حال.

فان قلت: إذا كان العلم الاجمالي الذي طرفه الملاقي- بالكسر- متقدما زمانا على العلم الذي طرفه الملاقي- بالفتح- فهذا العلم المتأخر و ان كان بوجوده متأخرا. إلّا أن الميزان في منجزية العلم كونه طريقا و كاشفا و مقتضى ذلك ملاحظة زمان المعلوم، فإذا كان سابقا لزم ترتيب الأثر من ذلك الزمان. دون زمان حدوثه.

فلو علم بنجاسة أحد الإناءين يوم السبت، ثم يوم الأحد علم اجمالا بوقوع نجاسة يوم الجمعة في واحد معين من ذينك الاثنين، أو في إناء ثالث يكون التنجز في يوم السبت مستندا إلى العلم الحاصل فيه، فإذا جاء يوم الأحد يستند التنجز

41

إلى العلم الحاصل فيه. و يجب الاحتياط في أطرافه لا غير. إذ به يخرج العلم الأوّل عن كونه علما بالتكليف الفعلي.

قلت: سبق المعلوم إنما يقتضي سبق أثره، فيجب حين العلم ترتيب آثار وجوده سابقا. لا أنه يقتضي ترتيب آثار نفس العلم سابقا. لأن فرض تأخره يوجب تأخر أثره إلى زمان حدوثه، و التنجز من آثار نفس العلم. فلا وجه لأن يترتب سابقا في زمان ثبوت المعلوم، و إلّا لزم ثبوت الحكم بلا موضوع.

و دعوى: كون العلم اللاحق يخرج به العلم السابق عن كونه علما بالتكليف الفعلي، ليس بأولى من دعوى العكس، بل هي المتعينة. لما عرفت من استناد التنجز إلى أسبق العلمين. و قد عرفت ان انحلال اللاحق بالسابق ليس حقيقيا- بمعنى: أنه يخرج عن كونه علما بالتكليف الفعلي- بل هو حكمي عقلائي- بمعنى:

أنه لا يكون حجة عند العقلاء- و إلّا فالانحلال قد يكون بحجة غير العلم. من أمارة، أو أصل، فكيف ترفع العلم بالتكليف الفعلي؟! و كيف يكون العلم السابق رافعا للاحق دون العكس؟! و لم لا ينحل أحدهما بالآخر مع اقترانهما؟ كما لو علم بنجاسة إناءين معينين أو إناء ثالث. فإنه ينحل إلى علمين اجماليين مشتركين في طرف. و مفترقين في طرف. (و بالجملة): العلم إنما يتعلق بالصور الذهنية.

و لا يسري إلى الخارج. فكيف يرفع أحد العلمين الآخر مع اختلاف الصورتين؟! و من ذلك تعرف تمامية ما ذكره الاستاذ (قدّس سرّه) و ضعف المناقشات فيه.

ثم إن مقتضى الوجه الثاني الذي ذكره غير واحد من الأعيان في تقريب جواز الرجوع إلى الأصل في الملاقي: أنه لو كان العلم الاجمالي الذي حد طرفيه‏

42

الملاقي- بالفتح- ناشئا من العلم الاجمالي الذي أحد طرفيه الملاقي- بالكسر- لوجب الاجتناب عن الملاقي- بالكسر- دون الملاقي- بالفتح- كما لو علم بنجاسة أحد اناءين، ثم علم أن نجاسة أحدهما المعين إن كانت فهي ناشئة من ملاقاته لاناء ثالث، فإنه حينئذ يحصل علم إجمالي بنجاسة ذلك الاناء الثالث، أو طرف الاناء الملاقي. لكنّه لا ينجز، لتأخره رتبة عن العلم الأوّل، و ان كان المعلوم متقدما رتبة على المعلوم بالعلم الأوّل لأن العلم بالعلة، كما قد يكون علة للعلم بالمعلول، كذلك قد يحصل من العلم بالمعلول كالعلم بوجود النار الحاصل من العلم بوجود الدخان. كما أنه لو فرض عدم حصول أحد العلمين من الآخر، بأن حصلا من سبب آخر وجب الاجتناب عن المتلاقيين معا، لعدم انحلال أحدهما بالآخر، ما لو علم بنجاسة إناءين أو إناء ثالث، ثم علم بأن الإناءين على تقدير نجاستهما فهي ملاقاة أحدهما للآخر. فهذا التفصيل يكون نظير التفصيل الذي ذكره الاستاذ (قدّس سرّه) في كفايته، غايته أن هذا تفصيل بين صور تقدم أحد العلمين رتبة على الآخر و تأخره عنه، و كونهما في رتبة واحدة، و ذلك تفصيل من حيث تقدم أحدهما على الآخر زمانا و تأخره و اقترانهما.

هذا و شيخنا الأعظم رضى اللّه عنه في رسائله فصل بين صورة حصول العلم بالملاقاة بعد فقد الملاقي- بالفتح- و بين صورة حصوله في حال وجوده ففي الثانية لا يجب الاجتناب عن الملاقي- بالكسر- لما تقدم من عدم معارضة أصل الطهارة الجاري فيه بأصل آخر، و في الاولى يجب الاجتناب عنه لمعارضة الأصل الجاري فيه بالأصل الجاري في الطرف الآخر.

43

و لكنه يشكل: بأن فقد الملاقي- بالفتح- لا يوجب عدم جريان أصل الطهارة فيه لاثبات طهارة الملاقي- بالكسر- بل يجري فيه، و يتعارض مع الأصل الجاري في الطرف الآخر، و بعد التعارض و التساقط يرجع إلى الأصل في الملاقي- بالكسر- بلا معارض، و الفقدان لا يمنع من جريان الأصل في المفقود إذا كان الأثر المقصود منه ثابتا لموضوع موجود، فلو غسل ثوبه النجس بماء يعتقد نجاسته ثم شك بعد الغسل في طهارة الماء المغسول به، جرى استصحاب الطهارة في الماء لاثبات طهارة الثوب و ان كان الماء معدوما حين إجراء الاستصحاب فيه. و كذا الحال في اجراء استصحاب الطهارة أو أصالة الطهارة في الاناء المفقود، بلحاظ أثره في الاناء الملاقي له، فلا فرق بين صورة فقد الملاقي- بالفتح- حال العلم بالملاقاة، و بين صورة وجوده في كون الأصل الجاري في الملاقي- بالكسر- بلا معارض فلو بني على جواز العمل بالأصل المرخص في أحد أطراف العلم الاجمالي كان اللازم البناء على طهارة الملاقي- بالكسر- مطلقا.

هذا و الذي تحصل مما ذكرنا أمور:

(الأول): أن العلم الاجمالي كما هو حاصل بين الملاقي- بالفتح- و طرفه كذلك هو قائم بين الملاقي- بالكسر- و طرف الملاقي.

(الثاني): أنه لا يجوز إجراء الاصل المرخص في الملاقي و لو لم يكن له معارض، لأن العلم الاجمالي مانع. من اجرائه في كل واحد من الأطراف مع قطع النظر عن المعارض، لأنه علة لوجوب الموافقة القطعية.

44

(الثالث): أنه لو بني على جواز اجراء الأصل المرخص في كل واحد من الأطراف لم يكن فرق بين صوره فقد الملاقي- بالفتح- قبل العلم بالملاقاة و عدمه، لجواز إجراء الأصل في الفرد المفقود إذا كان يترتب عليه الأثر في ملاقيه الموجود.

(الرابع): أن ترتب أفراد العلم المتعلق بالموضوعات لا أثر له في باب الانحلال ما لم يكن ترتب بين أفراد العلم المتعلق بالأحكام، و أن التنجز إنما يستند عقلا إليه لا إلى العلم بالموضوع، فإنه علم بالصغرى و هو لا ينجز، كما أن العلم بالكبرى كذلك، و إنما المنجز العلم بالنتيجة.

(الخامس): أن سبق زمان المعلوم على زمان العلم إنما يقتضي سبق أثر المعلوم لا سبق أثر العلم، فإن أثر العلم مقارن له زمانا و ان كان بينهما ترتب طبعي كما هو الحال في الموضوع و حكمه.

(السادس): أن الانحلال في جميع موارده حكمي، لا حقيقي.

(السابع): أن هذا الانحلال الحكمي عقلائي و لا يساعده برهان عقلي.

(الثامن): أن المدار في انحلال أحد العلمين بالآخر السبق و اللحوق الرتبيان، فإن لم يكونا فالزمانيان، و ان السابق يوجب انحلال اللاحق، و أن مسألة الملاقاة لأحد أطراف العلم الاجمالي في موارد الثاني لا الأوّل.

هذا و ظاهر عبارة المتن التوقف في المسألة، لأن الاحتياط الذي ذكره لم يكن مسبوقا بالفتوى بالجواز، لأن عدم الحكم بالنجاسة لا يقتضي الطهارة. نعم لو كانت العبارة: أنه محكوم بالطهارة، كان الاحتياط استحبابيا.

45

و قد خرجنا في هذا الباب عن وضع الكتاب، لما رأيناه من رغبة بعض إخواننا الحاضرين في مجلس الدرس في ذلك. و منه سبحانه نستمد العناية و العصمة و ما توفيقي إلّا باللّه عليه توكلت و إليه أنيب‏ (1).

____________

(1) مستمسك العروة ج 1/ 253- 261 و في ختام هذا البحث ينبغي التنبيه على أمرين:

1- وجوب الاجتناب عن الطرفين إنّما يثبت إذا تعلق العلم بالتكليف الفعلي ابتداء كما في الشبهات الحكمية أو تعلق بالموضوع التام للحكم كما في الشبهات الموضوعية، و أما إذا تعلّق بالموضوع الناقص أي بجزء الموضوع للحكم فلا مانع من جريان الأصل و الحكم بعدم تحقق الموضوع التام كما إذا علم بكون احد الجسدين ميت انسان و الآخر جسد حيوان مذكى ماكول اللحم، فإن هذا العلم الاجمالي و ان كان يقتضي وجوب الاجتناب عن أكل لحم كل من الجسدين، إلّا انه إذا مس شخص احدهما لا يحكم عليه بوجوب الغسل، لان المعلوم بالاجمال- و هو بدن ميت الانسان- جزء للموضوع للحكم بوجوب الغسل و تمامه مس بدن ميت الإنسان و هو مشكوك التحقق و الاصل عدمه.

و كذلك إذا علم اجمالا بغصبية احدى الشجرتين ثم حصلت لاحدهما ثمرة دون الاخرى، فيجوز. التصرف في الثمرة تكليفا أو عدم ضمانها وضعا، فإن المحرّم للثمرة كونها نماء المغصوب، و هو مشكوك فيه، و الاصل عدمه، كما ذهب إليه سيدنا الاستاذ الخوئي (قدّس سرّه) خلافا لشيخه النائيني رضى اللّه عنه (مصباح الاصول ج 2/ 417).

ثم إنّ ما تقدم إنما يجري في التصرفات غير المتوقفة على الملك كالأكل-

46

____________

- و الشرب و اللبس و الاستعمال و إما المتوقفة عليه فلا تجوز، فإن الاستصحاب المذكور لا يثبت كونه ملكا إلّا على القول بالأصل المثبت. (مصباح الأصول ج 2/ 409 و 410).

2- هذا الذي ذكر من عدم وجوب الاجتناب إذا لم تكن الاطراف مسبوقة بملكية الغير و إلا فالحكم ضمان المنافع و حرمة التصرف فيها كما إذا اشترى احدى الشجرتين و غصب الاخرى فاشتبها و حصل النماء لاحدهما و ذلك لاستصحاب بقاء الشجرة في ملك مالكها.

47

7- اقسام الظاهر و أحكامها

و اما وجه الاحتمال الآخر- و هو ظهور حال المسلم- فلا دليل على حجيته، إلّا أن يكون الشك بعد خروج الوقت، فقد قامت الادلة على جواز البناء على وقوع الفعل فيه. أما في غير ذلك فلا دليل عليه، إذ مرجع ذلك إلى أن اسلام المسلم يقتضي وقوع الفعل منه فيبنى عليه، و ليس ذلك إلّا عملا بقاعدة المقتضي التي اشتهر عدم ثبوتها و عدم جواز العمل عليها (1).

____________

(1) قد يستدل على صحة القاعدة المذكورة بسيرة العقلاء بدعوى استقرارها على الحكم بوجود المعلول بعد العلم بوجود المقتضي مع الشك في وجود المانع.

و رد بمنع السيرة بل ثبت خلافها فإذا رمى احد حجرا إلى أحد و شك في وجود مانع عن وصوله إليه مع العلم بانه لو وصل إليه لقتله، فهل يحكم العقلاء بتحقق القتل و جواز القصاص؟

و قد يستدل عليها باصالة عدم المانع فإذا صب الماء على شي‏ء متنجس في الظلمة- مثلا فبعد احراز الصب و نفي المانع بالأصل يحكم بحصول الطهارة، لكن الأصل المذكور لا يثبت عنوان الغسل الذي هو موضوع الطهارة إلّا بناء-

48

و اما قاعدة التجاوز فليست هي من ظهور الحال، بل هي من قبيل ظهور الفعل، لان الدخول في الفعل المترتب على المشكوك فعله يدل على وقوع ما قبله.

و بالجملة: الظاهر تارة يكون قولا، و اخرى يكون فعلا، و ثالثة: يكون حالا.

و الجميع إن كان مقرونا بقصد الحكاية فهو خبر، و حجيته تختلف باختلاف الموارد، من حيث كون المورد حكما أو موضوعا، من حقوق الناس أو من حقوق اللّه تعالى، أو لا من هذا و لا من ذاك و باختلاف الخصوصيات من حيث كون المخبر عادلا، أو ثقة، أو ذا يد، أو غير ذلك، و كون المخبر واحدا أو متعددا و غير

____________

- على القول بالأصل المثبت.

و قد يتخيل بشمول روايات الاستصحاب لها. لكن حرمة نقض اليقين بالشك لا يصدق إلّا في فرض تعلق الشك بعين ما تعلق به اليقين و لو في زمانين، و في قاعدة المقتضي، اليقين تعلق به و الشك لم يتعلق به بل بالمانع، ففي المثال السابق عدم ترتيب الطهارة على الصب ليس من نقض اليقين بالشك فإن كلا من اليقين و الشك تعلق بغير ما تعلق به الآخر فلا يصدق النقض ثم ان ظاهر الاقوال و الالفاظ حجة ببناء العقلاء و قد امضاه الشرع قطعا. فيقدم على الاصول العملية و أما ظاهر العمل و ظاهر الحال، فالاصل فيهما عدم الحجية لانهما من الظن الذي لا يغني من الحق شيئا نعم إذا دل دليل خاص على حجية ظاهر عمل أو ظاهر حال في بعض الموارد نقبله.

و اعلم ان الشهيد رضى اللّه عنه في قواعده (ج 1/ 137- من منشورات مكتبة المفيد) تعرض لتعارض الاصل و الظاهر و تقديم أحدهما على الآخر فراجعها أن شئت.

و اللّه الموفق.

49

ذلك. و تختلف الحجية باختلاف ذلك كله حسبما تقتضيه الأدلة. و إذا لم يكن قصد الحكاية فالدال ليس من الخبر. و الدلالة ان كانت عقلية للزوم العقلي فلا إشكال في الحجية، و ان لم يكن عقليا بل كان مستندا إلى غلبة أو اقتضاء أو نحوهما فالدلالة محتاجة إلى دليل. و منه المقام، فان الدلالة المستندة إلى مجرد وجود المقتضي لا دليل عليها (المستمسك ج 10/ 277 و 278).

50

8- التزاحم بين الاجزاء و الشرائط

تنبيه: إجراء قواعد التزاحم في المقام- من الترجيح بالأهمية، أو احتمال الأهمية، و التخيير مع التساوي في الاهتمام، أو لكون احتمال الأهمية موجودا في الطرفين- إنما يتم مع تعذر الجمع بين الامرين، لضيق الوقت أو نحوه‏ (1) أما مع إمكان الجمع فاجراؤه كلية غير ظاهر لاختصاص ذلك بما إذا كانت الملاكات موجودة في الطرفين، بأن كان هناك واجبان‏ (2) تعذر الجمع بينهما، مثل أن يدور الامر بين انقاذ الغريق، و تطهير المسجد، أو فعل الصلاة، أو ترك التصرف في المغصوب، أو نحو ذلك من موارد الدوران فانه لا قصور في وجود الملاك في انقاذ الغريق، كما لا قصور في وجوده أيضا في فعل الصلاة، و في تطهير المسجد و في ترك التصرف في المغصوب، و لما لم يمكن العمل بهما معا، يرجع إلى القواعد العقلية الموجبة للتخيير أو الترجيح في الموافقة و المخالفة.

____________

(1) كعدم كفاية الماء عن الطهارة المائية و عن ازالة النجاسة عن بدن المصلي أو لباسه.

(2) أي واجبان نفسيان مستقلان دون الواجبات الضمنية و الغيرية.

51

أما إذا علم كون التكليف واحدا و كون الملاك موجودا في أحد الطرفين لا غير، و كان الشك في موضوعه، فاللازم الجمع بين المحتملين، عملا بالعلم الاجمالي‏ (1).

نعم العلم بأهمية أحد الامرين يكون موجبا للعلم بوجود الملاك فيه لا غير فلا يجب الآخر. كما أنه مع التساوي في الاهتمام يعلم بوجود الملاك في كل منهما تخييرا، فيجب أحدهما على التخيير دون الآخر. كما أنه مع احتمال الاهمية في أحد الطرفين بعينه يعلم بوجود الملاك، في محتمل الأهمية، إما تعيينا أو تخييرا بينه و بين الآخر، فيجب بعينه عقلا دون الآخر.

أما إذا كان احتمال الأهمية موجودا في كل من الطرفين فلم يحرز وجود الملاك في كل منهما تخييرا، فلا طريق للحكم بوجوب أحدهما تخييرا مع إمكان الجمع، بل يجب الجمع بينهما عقلا، للعلم الاجمالي بوجوب أحدهما المردد بينهما.

و ما ذكرنا مطرد في جميع موارد الدوران بين ترك شرط و شرط آخر، و بين ترك جزء و جزء آخر، و بين ترك شرط و ترك جزء، مع العلم بوجوب الواجب و عدم سقوط وجوبه بتعذر جزئه أو شرطه. مثل أن يدور الأمر بين ترك الطمأنينة في الصلاة و ترك القيام، و بين ترك القيام في الصلاة و ترك الركوع، و بين ترك القيام‏

____________

(1) فليس دوران الامر بين الامر بين الاجزاء و الشرائط من التعارض الموجب للتساقط و لا من التزاحم حتى يرجع إلى مرجحاته. كما يأتي بيانه في كلام السيد الماتن عن قريب.

52

و ترك الاستقبال ... إلى غير ذلك من موارد الدوران. و الحكم فيه ما ذكرناه، من أنه إن علم بتساوي الأمرين في نظر الشارع فقد علم بوجود ذلك الملاك في كل منهما تخييرا، فيتخير المكلف بينهما، و ان علم بأهمية أحدهما بعينه فقد علم بوجود الملاك فيه لا غير، و إن علم بأهمية أحدهما بعينه أو مساواته للآخر فقد علم بوجود الملاك في محتمل الأهمية و شك في وجوده في الآخر، و ان احتمل الأهمية في كل من الطرفين فلا طريق إلى إحراز الملاك في أحدهما تعيينا، و مع تردده بينهما يجب الاحتياط بالجمع مع إمكانه و مع عدم امكانه يتخير بينهما، لكن في الحكم بالاجزاء و سقوط القضاء إشكال، لعدم الدليل عليه‏ (1).

____________

(1) المستمسك ج 1/ 546 و يحسن بنا ان نذكر نظرا آخر في هذا المقام حتى يكون القارئ على بصيرة كاملة في هذه الكبرى الكلية التي لها مصاديق كثيرة و هي محل الابتلاء للجميع.

قيل: إنّ دوران الامر بين شرط و جزء أو جزء و جزء أو بين شرط و شرط أو بين عدم مانع و عدم مانع و غيرها كلها عند المشهور من باب التزاحم و لذا رجعوا إلى ترجيح بعضها على بعض إلى الأهمية و احتمالها و بالاسبقية بالوجود إلّا ان الصحيح أن الموارد المذكورة من باب التعارض فإنّ الميزان في تعارض الدليلين تكاذبهما و تنافيهما في مقام الجعل و التشريع مع قطع النظر عن مرحلة الفعلية و الامتثال، بان يستحيل جعلهما و تشريعهما لاستلزامه التعبد بالضدين أو النقيضين في مورد واحد، و التعبد بهما أمر غير معقول- فصدق كل منهما يدل على كذب الآخر و لو بالالتزام و هذا هو الميزان الكلي في تعارض الدليلين بلا-