القواعد الفقهية - ج2

- محمد كاظم‏ المصطفوي المزيد...
184 /
5

كلمة الناشر

لا شك ان وضع مناهج دراسية ذات فاعلية و مرونة لا يتيسّر إلّا اذا كانت بمستوى تطلّعات الحياة الحديثة و التطورات الهائلة التي شهدها العلم في فروع المعرفة لا سيما في حقل المعلومات و الثورة المعلوماتية و التي بدأت تجتاح كافّة مناحي الحياة و تلحّ على ضرورة وضع مناهج دراسية عصرية و اعداد متخصّصين.

و في الاطار ذاته فقد ادّى ذيوع الثقافة السلطوية في العالم و العولمة الثقافية من قبل وسائل الاعلام المرئية و غير المرئية الى ظهور مستجدات و شبهات حادّة و عالقة لا يمكن اجهاضها الا من خلال انشاء مراكز تعليمية تأخذ على عاتقها وضع مناهج دراسية عصرية و تجنيد الطاقات العلمية في سبيل نشر افكار ايجابية بنّاءة و قيم متعالية باسلوب حديث بغية تحصين عقائد المسلمين من الانهيار امام تلك الشبهات.

إن انتعاش هذه المراكز رهن نظام تعليمي دقيق و ثابت و مجرّب، و تشكّل البرامج التعليمية و المناهج الدراسية و الأساتذة، عموده الفقري.

إن فاعلية البرامج التعليمية تكمن في تجاوبها مع متطلّبات العصر، و توافر الإمكانات، و مؤهّلات الطلّاب. كما أن تقويم المناهج الدراسية يعتمد الى حدّ كبير على طرحها لآخر المنجزات العلمية بأحدث الأساليب المتّبعة في التربية و التعليم.

هذه المراكز بحاجة الى تقويم دائم، و إعادة نظر في مناهجها الدراسية، و تجديدها بأرقى الأساليب و وفق آخر ما وصلت إليه التقنيات العلمية، بغية الحفاظ على مستوى نشاطها العلمي.

إنّ حوزات العلوم الدينية التي تقع على عاتقها مهمّة إعداد علماء الدين و نشر المبادئ الإسلامية، غير مستثناة من هذه القاعدة باعتبارها من مؤسّسات التعليم الديني.

6

و من حسن الحظ، فإنّ الحوزات العلمية- و ببركة الثورة الإسلامية- أخذت منذ سنوات عدّة تفكّر جدّيا في إصلاح نظامها التعليمي، و تجديد النظر في مناهجها الدراسية.

و انطلاقا من الشعور بالمسئولية، قام المركز العالمي للدراسات الإسلامية- الذي يمثّل جزءا من هذه المجموعة، و يضطلع بمهمة تعليم الطلّاب غير الإيرانيين- قبل غيره من سائر المؤسّسات التابعة للحوزة بإنشاء «مكتب التخطيط و تدوين المناهج الدراسية».

هذا المكتب مع تثمينه للجهود المضنية التي بذلها العلماء في سبيل التجاوب مع هذه الحاجة و اقتطافه ثمار نتاجاتهم العلمية، سعى الى تنظيم المناهج الدراسية وفق برامج جديدة مستوحاة من الأساليب التعليمية المعتمدة على آخر المنجزات العلمية.

و قد أنجزت حتى الآن- بفضل همّة و إرادة الباحثين و فضلاء الحوزة- الخطوات الأولى لهذا المشروع من خلال تأليف ما يربو على خمسة و خمسين كتابا دراسيا في مجالات العلوم الدينية- الإنسانية المختلفة.

و الكتاب الذي بين يديك القواعد الفقهيّة 2 يمثّل أحد النماذج المختارة من هذه الكتب، و هو يعنى بالبحث عن قاعدة لا ضرر، قاعدة حجّيّة البيّنة، و قاعدة نفي العسر و الحرج.

و يعدّ هذا الكتاب خطوة راسخة على هذا الطريق، و جهدا يستحق التقدير بذله الاستاذ حجة الاسلام السيّد كاظم المصطفوي، فشكرا متواصلا له و لجميع الذين ساهموا في إنجاز هذا العمل.

و في الختام لا بدّ من القول: إن أيّ عمل لا يكاد يخلو في بداياته من زلّات و هفوات و لذا فاننا نتطلّع الى أصحاب العلم و الفضيلة الذين نأمل أن لا يضنّوا علينا بآرائهم الصائبة، فهذا التطلع هو مهماز شروعنا في العمل، و مبعث أملنا بمستقبل زاهر.

مكتب التخطيط و تدوين المناهج الدراسية المركز العالمى للدراسات الإسلامية 1426 ق/ 1384 ش‏

7

الفهرس‏

المقدمة 11

الباب الأوّل: قاعدة لا ضرر 13

مكانة قاعدة لا ضرر 15

ما هو معنى القاعدة المتلوة 15

مدرك اعتبار القاعدة 16

حول السند 16

تحرير النص 17

حول المعنى 19

فقه الحديث 19

كلمة الضرر 19

في محاولة الضرر 23

ما هي صيغة الضرار؟ 25

في معنى الضرار 27

ما هو معنى الضرار؟ 27

نهاية المطاف حول الضرار 33

المعنى على التحقيق 33

نفي الضرر و نفي الاضرار 35

في استكمال المعنى للحديث 39

البحث الجوهري في محاولة معنى الحديث 40

في بيان اجود المعاني للحديث 43

ملتقى المنهجين 44

الاشكال على المنهجين 45

التنبيه الاول في حكومة القاعدة 49

التنبيه الثاني في شمول القاعدة على الاحكام العدمية 53

التنبيه الثالث في أنّ المقصود من الضرر هو الشخصى ... 59

التنبيه الرابع في أنّ المقصود هو واقع الضرر 65

الاشكال على مطلوبية الضرر الواقعى 66

8

71 التنبيه الخامس في أن الضرر النافي هو الدنيوي‏

72 الاحكام الضررية

73 الاتجاه الآخر

75 التنبيه السادس في تعارض الضررين‏

76 التخيير

76 فروع تعارض الضررين‏

81 التنبيه السابع في كثرة التخصيص‏

85 الباب الثاني: قاعدة حجّيّة البيّنة

87 مكانة حجّيّة البيّنة

87 ما هي البيّنة؟

88 المعنى الفقهي‏

88 ما هو معنى الشهادة؟

89 المعنى الشرعي‏

90 الفرق بين الشهادة و الرواية

93 أدلة حجّيّة البيّنة

93 1. الآيات القرآنية

94 كلام الشيخ في كتاب الشهادة

95 2. الروايات‏

95 روايات الشهادة

95 روايات القضاء

95 استدلال الفقهاء على حجّيّة البيّنة بالروايات‏

99 الاجماع على البيّنة

100 النقد على الاجماع‏

100 بناء العقلاء

101 السيرة المتشرّعة

103 شروط البيّنة

103 الانطلاق عن العلم‏

104 ما هو مستند العلم في الشهادة؟

109 اشتراط التعدد في الشهود

110 اختصاص البيّنة بالموضوعات‏

110 ترتب الأثر

111 نطاق البيّنة

113 شروط الشاهد

113 اشتراط البلوغ‏

114 اشتراط العقل‏

115 اشتراط الايمان‏

119 اشتراط العدالة

121 اشتراط ارتفاع التهمة

9

اشتراط طهارة المولد 121

نسبة القاعدة مع القواعد الأخرى 125

أمارية البيّنة 126

نسبة البيّنة مع الأمارات الأخرى 131

الاستدلال بالسيرة 131

تعارض البيّنتين 132

الباب الثالث: قاعدة نفي العسر و الحرج 137

العسر و الحرج 139

معنى القاعدة 140

أدلة اعتبار القاعدة 143

1. الآيات 144

2. الروايات 144

3. الاجماع 145

الدليل العقلي 149

نطاق القاعدة 150

التنبيه الاوّل في نسبة القاعدة مع الأدلة الأخرى 1 155

الفرق بين الحكومة و التخصيص 156

التنبيه الاوّل في نسبة القاعدة مع الأدلة الأخرى 2 159

نسبة قاعدة «لا حرج» مع قاعدة «الاحتياط» 159

التنبيه الاوّل في نسبة القاعدة مع الأدلة الأخرى 3 163

نسبة نفي الحرج مع نفي الضرر 163

المسلك الأول على الحكومة 163

المسلك الثاني على التعارض 164

التنبيه الثاني في أنّ نفي الحرج رخصة أو عزيمة؟ 167

1. الرأي على العزيمة 167

2. الرأي على الرخصة 168

الاتجاه حول الحكم 168

التنبيه الثالث في المقارنة بين نفي الحرج و الأحكام الشاقة 171

الاتجاهات حول المشكلة 172

الحرج المنفي هو الحرج الزائد على ما هو الطبيعي 172

كفاية الملاك في الامتثال 175

خاتمة 179

الرأي على التخصيص 179

الرأي على التخصص 180

نفي الحرج و التساهل 181

الحرج الشخصي و النوعي 181

فهرس المصادر 183

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

المقدّمة

الحمد للّه و نستعينه و نؤمن به و نتوكّل عليه و نعوذ باللّه من شرور انفسنا و سيئات اعمالنا، و افضل الصلاة و السلام على افضل الانبياء و المرسلين محمد و آله الاطهرين الاطيبين.

و بعد فانّ القواعد الفقهية هي ركائز الاستنباط الفقهي، و لها مكانة بارزة في الفقه و الاجتهاد.

و تتسم القواعد هناك بالقوانين العامة التي تشمل المفردات المسانخة كالكبريات المتسالمة عليها المنطبقة على مصاديقها الجزئية.

فالقواعد بهذه المكانة جديرة بالدراسة الشاملة في الحوزة العلمية.

و انطلاقا من ذلك تبنّى مكتب التخطيط و تدوين المناهج الدراسية التابع للمركز العالمي للدراسات الاسلامية، تأليف كتاب دراسي في ذاك الحقل و دوّن هذا الكتاب- القواعد الفقهية 2- بحسب دعوة المكتب المحترم فدوّنا ثلاث قواعد فقهية هامّة: قاعدة لا ضرر، قاعدة حجّية البيّنة و قاعدة نفي العسر و الحرج، بالأسلوب الدراسي الحديث.

و حاولنا أن نقتطف من بحوث الفقهاء القيّمة أجود الادلة و أوثق الآراء و بذلنا الجهد كلّه في سبيل استخدام العبارات الواضحة بمستوى الصياغة البلاغية السامية.

كل ذلك كان من فضل اللّه علينا. اللهمّ وفقنا لما تحب و ترضى.

السيّد كاظم المصطفوي‏

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

الباب الأوّل قاعدة لا ضرر

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

1 مكانة قاعدة لا ضرر

إن قاعدة لا ضرر كانت من القواعد الفقهية الهامة التي تلعب دورا بنّاء في شتى الاصعدة- العبادية و المعاملية- و عليه أصبحت ذات مكانة بارزة في فقه آل البيت (عليهم السّلام)، و سطّرت في مختلف الكتب الفقهية الاستدلالية كمستند متسالم عليه عند الفقهاء كلّهم، و قد تعبّر عن تلك القاعدة- في المصطلح الفقهي- بقاعدة نفي الضرر، و قاعدة الضرر.

و بما أن لها- القاعدة- آثار ايجابية كثيرة، لذا كانت جديرة بالبحث و التحقيق.

فنتباحث عنها بحول اللّه تعالى بالمنهج التالي:

ما هو معنى القاعدة المتلوة

إنّ معنى هذه القاعدة عبارة عن نفي الحكم الضرري في الشريعة المقدسة، امتنانا على العباد، فترتفع المسئولية عن عاتق المكلف تجاه الحكم الذي يضرّ به، و عليه فكلّ عمل عبادي أو معاملي، اذا كان مستلزما للضرر على عباد اللّه ينتفي امتنانا عليهم، فيمحى ذلك الحكم عن صحيفة الاعمال تفضلا، و هذا من فضل ربي.

و نأخذ بالتمثيل الوضوء الضرري و البيع الضرري فعند ذلك يرتفع الوجوب عن الوضوء و ترتفع الصحة عن البيع، ارفاقا من اللّه الى عباده، و هو خير رفيق.

16

مدرك اعتبار القاعدة

إنّ قاعدة لا ضرر، لم تكن من القواعد المتصيدة من الادلة، بل تكون من القواعد المنصوصة التي وردت الفاظها في الرواية نصا، و عليه قد تعبّر عن قاعدة: لا ضرر، بحديث لا ضرر، نظير قاعدة: لا تعاد، التي قد تعبر عنها بحديث لا تعاد.

و في ضوء ذلك يتبين لنا أن المدرك الوحيد للقاعدة هو الرواية، فعلينا أن نتحدث عن صحة سند الرواية و مدى دلالتها و ما له صلة بها، و التفصيل بما يلي:

حول السند

إنّ ألفاظ القاعدة- لا ضرر و لا ضرار- قد وردت في الروايات الكثيرة التي تكاد أن تبلغ بمستوى التواتر.

قال فخر المحققين (رحمه اللّه): الضرر منفي بالحديث المتواتر. (1)

و قال الشيخ الأنصاري (رحمه اللّه): و كثرتها- الروايات- يغني عن ملاحظة سندها، مضافا إلى حكاية تواتر نفي الضرر و الضرار. (2)

و قال المحقق الخراساني (رحمه اللّه): و هي- الروايات- كثيرة، و قد ادعى تواترها مع اختلافها لفظا و موردا، فليكن المراد به تواترها إجمالا بمعنى القطع بصدور بعضها.

و الانصاف انه ليس في دعوى التواتر كذلك جزاف، و هذا مع استناد المشهور اليها موجب لكمال الوثوق بها و انجبار ضعفها، مع ان بعضها موثقة. (3)

و قال سيدنا الاستاذ (رحمه اللّه): أما السند فلا ينبغي التأمل في صحته؛ لكونها من الروايات المستفيضة المشتهرة بين الفريقين حتى ادعى تواترها، و السند في بعض الطريق صحيح او موثق، فلو لم يكن متواترا مقطوع الصدور، فلا اقل من الاطمينان بصدورها عن المعصوم (عليه السّلام) فلا مجال للاشكال في سندها. (4)

____________

(1). ايضاح الفوائد، ج 2، ص 48

(2). المكاسب، رسالة في نفي الضرر، ص 372

(3). كفاية الاصول، ج 2، ص 266

(4). مصباح الاصول، ج 2، ص 518

17

و قال الامام الخمينى (رحمه اللّه): إنّ الحديث كان معروفا بين الفريقين. (1)

و مهما يكن فالسند مما تسالم الفقهاء على صحته، فالسند متسالم عليه.

تحرير النص‏

إنّ الروايات الواردة في محاولة الضرر على طائفتين:

الطائفة الاولى: ما وردت بلفظ: لا ضرر و لا ضرار، بلا زيادة شى‏ء

. و هي كثيرة، منها النبوي المعروف بين الفريقين قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله): لا ضرر و لا ضرار. (2)

و منها موثقة زرارة عن الامام الباقر (عليه السّلام): قال إنّ سمرة بن جندب كان له عذق في حائط رجل من الانصار، و كان منزل الأنصاري بباب البستان، فكان يمرّ به الى نخلته و لا يستأذن، فكلّمه الأنصاري أن يستأذن إذا جاء فابى سمرة، فلمّا تأبّى جاء الأنصاري الى رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) فشكا اليه و خبّره الخبر، فارسل اليه رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) و خبّره بقول الأنصاري و ما شكا و قال: إذا اردت الدخول فاستاذن فابى فلمّا أبى ساومه حتى بلغ به من الثمن ما شاء اللّه فابى ان يبيع فقال: لك بها عذق يمدّ لك في الجنة فابى ان يقبل، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) للانصاري: اذهب فاقلعها و ارم بها اليه، فانه لا ضرر و لا ضرار. (3)

و منها معتبرة عقبة بن خالد عن الامام الصادق (عليه السّلام) قال: قضى رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) بالشفعة بين الشركاء في الارضين و المساكن و قال لا ضرر و لا ضرار. (4)

الطائفة الثانية: ما ورد ذلك اللفظ- القاعدة- مع زيادة

: منها ما رواه الصدوق مرسلا قال: قال: رسول اللّه (صلى الله عليه و آله): لا ضرر و لا ضرار في الاسلام. (5)

و منها ما رواه عبد اللّه بن مسكان عن زرارة عن الامام الصادق (عليه السّلام) في قضية سمرة بن جندب قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) لسمرة: إنك رجل مضار و لا ضرر و لا ضرار على مؤمن. (6)

____________

(1). بدائع الدرر في قاعدة نفي الضرر، ص 47

(2). الوسائل، ج 17، ص 333، ح 2؛ صحيح البخارى‏

(3). الوسائل، ج 17، ص 341، ح 4

(4). المصدر السابق، ص 319، ح 1

(5). المصدر السابق، ص 376، ح 9

(6). المصدر السابق، ص 341، ح 4

18

الخلاصة

1. معنى نفي الضرر هو عدم جعل الحكم الذي يوجب الضرر على العامل به.

2. إن المدرك الوحيد لقاعدة نفي الضرر، هو حديث لا ضرر و لا ضرار.

3. إن الحديث من ناحية السند بالغ حدّ التواتر.

الأسئلة

1. ما هي الفاظ القاعدة؟

2. ما هو التمثيل بالنسبة الى نفي الضرر؟

3. هل يكون سند الحديث- لا ضرر- متسالم عليه؟

19

2 حول المعنى‏

فقه الحديث‏

إنّ النص الذي كان مسندا بسند صحيح تام هو الوارد بلفظ: لا ضرر و لا ضرار، و هو اللفظ الذي يجسد صياغة القاعدة بتمامها و كمالها. و في ضوء ذلك، علينا أن نتحدث عن تلك الكلمات الثلاث: أ) الضرر، ب) الضرار، ج) لا، حتى يتبين لنا المعنى الحق.

و التفصيل بما يلي:

كلمة الضرر

إنّ لفظ الضرر من السلبيات في مقابل الايجابيات و معناه بهذا المستوى من الواضحات. و على الرغم من ذلك قد تختلف الانظار في ذاك الحقل، و عليه فالامر بحاجة الى التحقيق في المعاجم و المصطلحات في سبيل تبيين المعنى.

قال الفيومي: الضر، الفاقة و الفقر بضم الضاد اسم، و بفتحها مصدر ضرّه يضرّه من باب قتل، اذا فعل به مكروها و اضرّ به.

يتعدى بنفسه ثلاثيا و بالباء رباعيا.

قال الازهري: كل ما كان سوء حال و فقر و شدة في بدن فهو ضرّ بالضم.

20

و ما كان ضد النفع فهو بفتحها. و في التنزيل: مسّني الضر، اي المرض.

و الاسم الضرر، و قد أطلق على نقص يدخل الاعيان.

و ضارّه مضارّة و ضرارا بمعنى ضره. (1)

و قال ابن منظور: الضرّ و الضرّ لغتان: ضد النفع.

و الضرّ المصدر، و الضرّ الاسم.

قال ابو الدقيش: الضرّ ضد النفع، و الضرّ بالضم الهزال و سوء الحال.

و قوله: لا يضركم كيدهم؛ من الضرر، و هو ضد النفع.

و المضرة: خلاف المنفعة.

و ضرّه يضرّه ضرّا و ضرّ به و أضرّ به و ضارّه مضارّة و ضرارا بمعنى. و الاسم الضرر.

و روي عن النبى (صلى الله عليه و آله) أنه قال: لا ضرر و لا ضرار في الاسلام. قال: و لكل واحد من اللفظين معنى غير الآخر: فمعنى قوله لا ضرر اي لا يضر الرجل اخاه، و هو ضد النفع.

و قوله: و لا ضرار أى لا يضار كلّ واحد منهما صاحبه.

فالضرار منهما معا، و الضرر فعل واحد.

قال ابن الاثير: قوله لا ضرر رأي لا يضرّ الرجل اخاه فينقصه شيئا من حقه، و الضرار فعال من الضرّ.

اي لا يجازيه على اضراره بادخال الضرر عليه.

و الضرر فعل الواحد، و الضرار فعل الاثنين، و الضرر ابتداء الفعل، و الضرار الجزاء عليه.

و قيل: هما بمعنى، و تكرارهما للتأكيد. (2)

فاستبان لنا مما صرح به اهل اللغة، أنّ صيغة الضرر اسم المصدر من باب فعل يفعل ضرّ يضرّ.

____________

(1). المصباح المنير، ج 2، ص 492

(2). لسان العرب، ج 4، ص 482، 483

21

و معنى الضرر النقص الوارد على الانسان بشتى انواعه.

و مفهوم الضرر ضد النفع، فالتقابل بين الضرر و النفع التضاد.

قال المحقق الخراساني (رحمه اللّه): الظاهر أنّ الضرر هو ما يقابل النفع، من النقص في النفس أو الطرف أو العرض أو المال: تقابل العدم و الملكة. (1)

و يستدل على ذلك التقابل، بان الضرر و النفع يتواردان على محلّ قابل لكلّ واحد منهما بحسب فهم العرف، و لم يكن هناك مجال للتضاد؛ لان الضرر امر عدمي.

و قال سيدنا الاستاذ (رحمه اللّه): أما الضرر فهو اسم مصدر من ضرّ يضرّ ضرّا، و يقابله المنفعة لا النفع- كما في الكفاية-؛ لان النفع مصدر لا اسم مصدر، و مقابله الضرّ لا الضرر كما في قوله تعالى: ... لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَ لا ضَرًّا .... (2) و الفرق بين المصدر و اسمه واضح.

و أما معنى الضرر فهو النقص في المال، كما اذا خسر التاجر في تجارته، أو في العرض كما اذا حدث شى‏ء اوجب هتكه مثلا، او في البدن بالكيفية، كما اذا أكل شيئا فصار مريضا، أو بالكمية كما إذا قطع يده مثلا.

و المنفعة هي الزيادة من حيث المال كما اذا ربح التاجر في تجارته، او من حيث العرض كما اذا حدث شى‏ء اوجب تعظيمه، او من حيث البدن كما اذا أكل المريض دواء فعوفي منه. و بينهما واسطة، كما إذا لم يربح التاجر في تجارته و لم يخسر، فلم يتحقق منفعة و لا ضرر.

فظهر أن التقابل بينهما من تقابل التضاد، لا من تقابل العدم و الملكة على ما في الكفاية. (3)

فتبيّن لنا ان الضرر و المنفعة أمران وجوديان و لكل واحد منهما مصداقية بحسب الواقع، و اذن فيكون التقابل بينهما هو تقابل تضاد. (4)

____________

(1). كفاية الاصول، ج 2، ص 266

(2). الرعد، 16

(3). مصباح الاصول، ج 2، ص 522

(4). البحث يحتاج الى تحقيق.

22

الخلاصة

1. الضرر اسم المصدر على ما في اللغة.

2. معنى الضرر هنا النقص المالي.

3. التقابل بين الضرر و المنفعة هو التضاد.

الأسئلة

1. هل الضرر ضد النفع أو ضد المنفعة؟

2. هل التقابل بين الضرر و النفع هو التضاد او العدم و الملكة؟

3. ما هو الفرق بين الضرر و الضرّ؟

23

3 في محاولة الضرر

التحقيق: أنّ الضرر في مقابل النفع كما قال به المحقق الخراساني (رحمه اللّه) و صرح به أهل اللغة قائلين: أن الضرر ضد النفع و المضرّة ضد المنفعة. و حجية قول اللغويين بالنسبة الى المسائل الصرفية، تنطلق من منطلق حجية قول الخبرة.

و ما ذكره سيدنا الاستاذ استشكالا في ذاك الحقل- بان لفظ الضرر اسم المصدر فيقابل لفظ المنفعة الذي هو اسم المصدر، و لا يقابل لفظ النفع الذي هو المصدر، لا يمكن المساعدة عليه؛ ذلك لان التقابل مشترط بشروط خاصة- الوحدات- المسطّرة في الكتب المنطقية، و لم يشترط في التقابل وحدة الصياغة الصرفية.

اضف الى ذلك أن المعنى الذي يقابل المعنى الآخر بلفظ المصدر، يقابله بلفظ اسم المصدر، لان ضدّ الانتاج ضد النتيجة و لا يمكن التفكيك بين المصدر و اسم المصدر في مجال التقابل. و أما ذكر الضرّ في مقابل النفع، في قوله تعالى: لا يملكون لانفسهم ضرّا و لا نفعا، لا يدل على حصر الاستعمال بهذا المنهج، و لعله واضح.

و يؤيده ما ورد في الدعاء المأثور: يا ضارّ يا نافع. (1) فذكر التقابل هناك بين فاعل الضرر و فاعل النفع. و هذا- التقابل- هو الاستعمال الصحيح بحسب العرف.

أما معنى الضرر فهو معروف لدى العرف- النقص- و يتبادر الى الاذهان كما قال الامام‏

____________

(1). مفاتيح الجنان، دعاء الجوشن الكبير

24

الخمينى (رحمه اللّه): هو النقص في الاموال و الانفس كما أنّ النفع الذي مقابله كذلك. (1)

و اما ما ذكره سيدنا الاستاذ (رحمه اللّه) بان التقابل بين الضرر و النفع- المنفعة- من تقابل التضاد فهو ايضا مما لا مبرّر للالتزام به؛ ذلك لان الضرر عدم النفع، فلا تضاد بين الوجود و العدم.

و بعبارة واضحة: انّ النفع كما في اللغة هو الخير. (2) و هو من الايجابيات- الامور الوجودية- و الذي يقابل الخير هو الشرّ- الضرر- و هو من السلبيات- الامور العدمية- فثبت لنا أن التقابل هناك هو التقابل بين الوجود و العدم.

و بما أنّ توارد الضرر و النفع بحاجة الى قابلية المحل لكل واحد منهما، يظهر لنا أنّ التقابل يكون بين العدم و الملكة، فتمّ ما افاده المحقق الخراساني.

و قد سعى سيدنا الاستاذ (رحمه اللّه) سعيا جادا في سبيل اثبات التضاد فبادر إلى التمثيل، و لكن ذلك السعي لم ينته الى نتيجة؛ ذلك أولا: أن المثال لا يثبت المقال.

و ثانيا: انّ ما مثّله الاستاذ للضرر، كخسارة التاجر و المرض و هتك الحرمة، كلها امور سلبية؛ فلا شك أنها من الشرور و العدميات، فالتقابل بين الصحة و المرض على ما في أمثلة الاستاذ من التقابل بين العدم- المرض- و الملكة- الصحة- فليس مفهوم المرض الّا عدم الصحة.

و ما عن اهل اللغة، أن الضرر ضد النفع، لا يضرنا بشي‏ء، ذلك أولا: أن قول اللغوي لا يكون حجة في ذاك الحقل.

و ثانيا: المقصود من الضد عند اهل اللغة هو معناه اللغوي- خلاف الشي‏ء- و لا يكون معناه المنطقي- تقابل الوجوديين- مقصودا عند اللغوي.

فاستبان لنا بكلّ وضوح أنّ الصحيح و الاوفق بالقواعد اللغوية و المنطقية هو أن الضرر يصدق على النقص الوارد على الانسان، و مفهومه عدم النفع، و التقابل بينهما تقابل العدم و الملكة، و تمّ المطلوب.

____________

(1). بدائع الدرر في قاعدة نفي الضرر، ص 61

(2). المصباح المنير، ج 2، ص 355

25

ما هي صيغة الضرار؟

قد ألمحنا أنّ الضرار بحسب اللغة مصدر باب مفاعلة- مضارة و ضرارا- و قد ورد هذا الباب في عدة آيات منها قوله تعالى: وَ لا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَ‏ (1)

و يؤيده ما ورد في الحديث انه قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) خطابا لسمرة بن جندب: انك رجل مضار. (2)

و ما يقال: أنه يمكن أن يكون الضرار- كالفرار- مصدر ثلاثى، فهو مما لا مسوغ له، ذلك أولا: أنّ المصدر بهذه الصياغة من الثلاثى، و إن كان مما يوافقه القياس، و لكنه مما لا يساعده السماع، فلا اشكال في امكانه، و الاشكال كله في وقوعه. (3)

و ثانيا: لو فرض اشتراك الضرار بين البابين لكان المنصرف اليه هو باب المفاعلة و يؤيده ما ورد في موردين من القرآن الكريم، كلمة الضرار على باب المفاعلة.

1. قوله تعالى: ... وَ لا تُمْسِكُوهُنَّ ضِراراً .... (4)

2. قوله تعالى: وَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِداً ضِراراً .... (5)

و قال المفسر الكبير الشيخ الطبرسي (رحمه اللّه) في محاولة تلك الآية: ضارّه مضارّه و ضرارا. (6)

و قال سيدنا الاستاذ (رحمه اللّه): و أما الضرار فيمكن أن يكون مصدرا للفعل المجرد كالقيام.

و يمكن أن يكون مصدر باب المفاعلة، لكنّ الظاهر هو الثاني؛ اذ لو كان مصدر المجرد لزم التكرار في الكلام بحسب المعنى، بلا موجب، و يكون بمنزلة قوله لا ضرر و لا ضرر، مع- أنه- قوله (صلى الله عليه و آله): انك رجل مضار في قصة سمرة بن جندب يؤيد كونه مصدر باب مفاعلة. (7)

فاستبان لنا بكل وضوح أن لفظ الضرار الذي ورد في الحديث هو مصدر باب المفاعلة و أما كونه- الضرار- من باب فعل هناك، على خلاف الاصل، لان الاصل عدم التكرار، و التكرار بلا مسوغ على خلاف الفصاحة، فلا يمكن الالتزام به.

كما قال الامام الخمينى (رحمه اللّه): إنّ الضرار تأسيس، لا تأكيد و تكرار للضرر. (8)

____________

(1). الطلاق، 6

(2). الوسائل، ج 17، ص 340

(3). البحث بحاجة الى تحقيق.

(4). البقرة، 231

(5). التوبة، 107

(6). مجمع البيان، ج 3، ص 72

(7). مصباح الاصول، ج 2، ص 523

(8). بدائع الدرر في قاعدة نفي الضرر، ص 72

26

الخلاصة

1. الضرر ضد النفع على قول اللغويين و على رأي المحقق الخراساني.

2. التقابل بين الضرر و النفع هو العدم و الملكة.

3. إنّ الضرار مصدر باب المفاعلة.

الأسئلة

1. هل يكون قول اللغويين في تعيين ابواب الافعال، حجة معتبرة؟

2. هل يكون قول اللغويين في تعيين الصياغة حجة؟

3. ما هو الدليل على أن التقابل هناك بالعدم و الملكة؟

4. ما هو الاتجاه بالنسبة الى لزوم التكرار في معنى الضرر هناك؟

27

4 في معنى الضرار

ما هو معنى الضرار؟

قال المحقق الخراساني (رحمه اللّه): الاظهر أن يكون الضرار بمعنى الضرر جي‏ء به تأكيدا- كما هو أضعف الاقوال لغة- لا فعل الاثنين و ان كان هو الاصل في باب المفاعلة.

و لا الجزاء على الضرر- كما قال به ابن الاثير- لعدم تعاهده من باب المفاعلة.

و بالجملة: لم يثبت له معنى آخر غير الضرر. (1)

توضيح المقال: يقول المحقق الخراساني (رحمه اللّه) أن الضرار من باب المفاعلة، فلا تكرار في الصياغة، و أمّا معناه هنا هو معنى الضرر، فيتحقق التكرار في المعنى؛ ذلك لعدم المقصود من الضرار في الروايات هو فعل الاثنين بحسب ظهورها اللفظية، و يدلنا عليه قوله (صلى الله عليه و آله) لسمرة انك رجل مضار، فلم يكن عمل ذاك الرجل إلّا عملا ضرريا و لا يكون هناك مجال لفعل الاثنين، و لا الجزاء على العمل.

و مهما يكن فالمقصود من الضرار هو الضرر و هذا هو الذي ثبت لنا من تناسب الحكم و الموضوع في المحاورات، و أما التكرار على خلاف الاصل، اذا كان بدافع الاهتمام مما لا بأس به.

____________

(1). كفاية الاصول، ج 2، ص 268

28

الملاحظة على باب المفاعلة

قال المحقق الاصفهاني (رحمه اللّه): المعروف تقوّم المفاعلة بطرفين.

و التحقيق خلافه؛ كما تشهد به الاستعمالات الصحيحة الفصيحة القرآنية و غيرها.

كقوله تعالى‏ يُخادِعُونَ اللَّهَ‏ (1) وَ مَنْ يُهاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .... (2) و يُراؤُنَ. (3) و نافَقُوا. (4) و شَاقُّوا. (5)

و قولهم- الفصحاء-: عاجله بالعقوبة، و بارزه بالمحاربة و ساعده التوفيق.

الى غير ذلك مما لا يصحّ نسبة المادة اليها، او لا يراد منها ذلك.

بل الظاهر: أن هيئة المفاعلة لمجرد تعدية المادة و انهائها الى الغير، مثلا قولهم كاتبه، فانه يدل على تعدية الكتابة الى الغير، بحيث لو اريد افادة هذا المعنى بالمجرد لقيل كتب اليه.

و ربما تدل هيئة المجردة على نسبة متعدية كقولهم ضرب زيد عمرو الّا أن انهائها الى المفعول غير ملحوظ في الهيئة، و ان كان لازم النسبة، بخلاف ضارب زيد عمرو فانّ التعدية و الانهاء الى المفعول ملحوظ في مفاد الهيئة، فما هو لازم النسبة تارة، و مفاد حرف من الحروف اخرى مدلول مطابقى لمفاد هيئة المفاعلة.

و لذا ربما يفهم التعمد و التقصد الى ايجاد المادة، فيفرق بين ضارّ و مضارّ و خدعه و خادعه. (6)

و قال سيدنا الاستاذ (رحمه اللّه): إن المعروف بين الصرفيين و النحويين بل المسلم عندهم أن باب المفاعلة فعل للاثنين، لكن التتبع في موارد الاستعمالات يشهد بخلاف ذلك و أوّل من تنبه لهذا الاشتباه المسلم هو- المحقق الاصفهاني (رحمه اللّه) و الذي يشهد به التتبع أنّ هيئة المفاعلة وضعت لقيام الفاعل مقام ايجاد المادة، و كون الفاعل بصدد ايجاد الفعل.

و اقوى شاهد على ذلك هي الآيات الشريفة القرآنية:

____________

(1). نساء، 142

(2). نساء، 100

(3). ماعون، 6

(4). آل عمران، 167

(5). انفال، 13

(6). حاشية المكاسب، ج 1، ص 2

29

منها: قوله تعالى: يُخادِعُونَ اللَّهَ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ ما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ .... (1)

فذكر سبحانه و تعالى: أن المنافقين بصدد ايجاد الخدعة، و لكن لا تقع خدعتهم إلّا على انفسهم، و من ثمّ عبّر في الجملة الاولى بهيئة المفاعلة؛ لان اللّه تعالى لا يكون مخدوعا بخدعتهم؛ لان المخدوع ملزوم للجهل و تعالى اللّه عن ذلك علوا كبيرا.

و عبّر في الجملة الثانية بهيئة الفعل المجرد؛ لوقوع ضرر خدعتهم على انفسهم لا محالة. (2)

حصيلة الملاحظة

الذي تحصلنا من رأي المحقق الاصفهاني (رحمه اللّه) و تأييد الاستاذ (رحمه اللّه) أن باب المفاعلة لا يدل على فعل الاثنين بل يدل على التعدية و ايجاد الفعل بالوضع مطابقة، و الدليل الأمثلة الادبية، في الكتاب و السنة.

و بالتالي فلا يكون الضرار من باب المفاعلة.

الملاحظة على الملاحظة

قد نرى في تقرير آخر أن سيدنا الاستاذ (رحمه اللّه) يوضح مقال المحقق الاصفهاني (رحمه اللّه) و يردّه، فيصبح البحث ملاحظة على الملاحظة، و نص البيان بما يلي:

توضيح ذلك- المقال-: ان الهيئات المجردة لم يلحظ فيها تجاوز المادة عن الفاعل الى غيره بحسب وضع الواضع، بل التجاوز فيها اما ذاتي- يتصل بالمعنى- كجملة من الافعال المتعدية، نظير نصر و خدع و ضرب و نحوها، او بواسطة الاداة كما في الافعال المتعدية اللازمة، مثل جلس و ذهب و امثالهما، و قسم من الافعال المتعدية كلفظ كتب و نظائره، بديهة: أن تجاوز المادة في القسمين الاخيرين الى غير الفاعل انما هو بواسطة الاداة، فيقال: جلس اليه و كتب اليه. (3)

و اما هيئة المفاعلة، كخادع و ضارب و قاصر و نحوها فان تعدية المادة عنها الى‏

____________

(1). بقرة، 9

(2). مصباح الاصول، ج 2، ص 523

(3). البحث بحاجة الى المزيد من التحقيق.

30

غيرها ملحوظة فيها مطابقة في مقام افادة النسبة، و هذا بخلاف الافعال المجردة المتعدية كضرب و نصر و خدع و نحوها، فان التعدية فيها من ذاتيات مفادها- ذاتيات النسبة- و عليه فاذا صدر فعل من احد كان أثره خداع غيره، صدق عليه أنه خدعه، و لا يصدق عليه أنه خادعه، إلّا اذا تصدى لخديعة غيره.

و كذلك الحال في ضرب و ضارب و نصر و ناصر و اشباهها من الافعال المتعدية و من هنا يفرق بين ضار و مضار، فان سمرة بن جندب لما أبا عن الاستئذان من الأنصاري عند الدخول على عذقه من منزل الأنصاري قال له النبي (صلى الله عليه و آله): انك رجل مضار (1) أي متصد لاضرار الأنصاري.

و الجواب عن ذلك: أن هيئة مفاعلة لا تتقوم إلّا بصدور الفعل من الاثنين؛ عرفته أنفا من دلالة المفاعلة على المشاركة في الغالب، و هي أن يفعل الواحد مثلما يفعله الآخر؛ لكي يكون كل منهما فاعلا و مفعولا، نحو ضارب زيد عمروا.

و من الواضح أنّ هذا المعنى لا يتحقق بمجرد تصد احدهما لايجاد المادة دون صاحبه، فلا يقال: ضارب زيد عمروا او صارعه أو جادله فيما اذا تصدى زيد لضرب عمرو او حربه او صراعه أو جداله، من دون ان يصدر منه احد هذه الامور، بل لو لم يصدر الفعل منه و من صاحبه معا، لعدّ مثل هذا الاستعمال من الاغلاط الواضحة.

نعم، قد تكون هيئة المفاعلة بمعنى الفعل المجرد نحو سافر زيد، و قاتله اللّه، و واراه في الارض و بارك في امره و اشباه ذلك في الامثلة و قد تكون بمعنى الكثرة و المبالغة و لعل من القبيل الثاني قول النبي (صلى الله عليه و آله) لسمرة بن جندب: إنك رجل مضار، و لا ضرر و لا ضرار، (2) و هذا هو أقرب للتحقيق.

و يؤيد ذلك ما ذكره الامام الخمينى (رحمه اللّه) قائلا: التأمل في كلامهم- اللغويين- يوجب الوثوق بانّ المعنى الذي ذكروه إنّما هو على قاعدة باب المفاعلة، و أن الضرار فعال من الضرّ و هو فعل الاثنين. (3)

____________

(1). الكافي، ج 5، ص 292

(2). مصباح الفقاهة، ج 2، ص 32، 33

(3). بدائع الدرر في قاعدة نفي الضرر، ص 71

31

الخلاصة

1. الضرار من باب المفاعلة و هي فعل الاثنين.

2. قد يقال أن باب المفاعلة في القرآن و كلمات الفصحاء لم يستعمل فى فعل الاثنين.

3. و التحقيق أن المفاعلة وضعت للمشاركة و قد تستعمل في غيرها.

الأسئلة

1. ما هو الدليل على أن المقصود من الضرار هو الضرر؟

2. ما هو معنى باب المفاعلة على رأي المحقق الاصفهاني؟

3. هل تستعمل المفاعلة بمعنى الكثرة و المبالغة؟

32

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

33

5 نهاية المطاف حول الضرار

المعنى على التحقيق‏

إنّ معنى المفاعلة بحسب الوضع هو المشاركة غالبا و تدل عليها بدون القرينة، و لها معان اخرى تدل المفاعلة عليها بالقرينة. و التفصيل بما يلي:

قال نظام الدين النيسابوري: و فاعل- من باب مفاعلة- للمشاركة.

فكل واحد منهما- الطرفين- فاعل من وجه، مفعول من وجه. (1)

قال الغلائيني: و باب فاعل يكون للمشاركة بين اثنين غالبا، نحو: راميته و خاصمته.

و المعنى: اي فعلت به ذلك و فعل بي مثله، و قد تأتي هذه الابواب لمعان غير هذه قلّما تنضبط، و انما تفهم من قرينة الكلام. (2)

قال الشرتوني: وزن فاعل يكون غالبا للمشاركة نحو: ضارب زيد عمروا. أي ان كل منهما ضارب و مضروب.

و قد يكون وزن فاعل بمعنى المجرد نحو: سافرت، و بمعنى أفعل، نحو: عافاك اللّه، و بمعنى فعل نحو: ضاعفته، و يكون للمبالغة نحو: طاولته أي غالبته في الطّول. (3)

____________

(1). شرح النظام، ص 20

(2). جامع الدروس العربية، ص 224

(3). مبادي العربية، ج 4، ص 49

34

التبيين و الانتاج‏

قد استبان لنا بكلّ وضوح أن معنى المفاعلة بحسب الوضع المشاركة (العمل المتقابل) و قد تستعمل المفاعلة في معان أخرى بحسب القرينة. و عليه كان الاستعمال هناك في غير المعنى الاصلي مسموحا؛ لانه مسموع.

و الاصل في صياغة الابواب و صناعتها هو القياس و السماع، و هذا هو الاصل الذي ينبثق عن حجية قول الخبرة، و لا يمكن النقاش فيه، و إلّا لفتحت الابواب و هدّمت المبوبات.

و في ضوء ذلك يستبين لنا أنّ ما سلكه المحقق الاصفهاني (رحمه اللّه) و أيّده سيدنا الاستاذ (رحمه اللّه) أنّ باب المفاعلة يدلّ على التعدية و ايجاد الفعل، لا يمكن المساعدة عليه؛ ذلك لان هذا المعنى- إيجاد الفعل الذي مفاد باب المفاعلة- يكون أحد المعانى المسطّرة في النصوص المعتبرة الصرفية.

و لم يكن ذلك انتباه خاص كرأي جديد حول الباب.

و أمّا دعوى الاختصاص بان يقال: أن المفاعلة تختص بذلك المعنى فهى على خلاف القواعد الادبية و على خلاف الواقع و على خلاف حكمة الوضع و التبويب، فان الامر ينتهى الى أن يكون معنى المفاعلة هو معنى الإفعال فلا تبقى حكمة لوضع المفاعلة كباب مستقل. اضف الى ذلك كلّه أن تلك الدعوى بلا شاهد. و ذكر المثال لم يكن من الاستدلال.

النتيجة النهائية

التحقيق: أن الذي يمكن أن نعتمد عليه في محاولة معنى الضرار- هو أن لفظ الضرار مصدر باب المفاعلة و قد استعمل هناك- في الرواية بحسب تناسب الحكم و الموضوع- بمعنى مصدر الثلاثى المجرد الذي هو أحد معانيه المسطرة في علم الصرف.

و بما أن الضرار بهذا المعنى- مصدر المجرد- يكون بمعني الضرر، ينتهى الامر

35

الى التكرار و التأكيد في المعنى.

و هذا هو الذي اختاره المحقق الخراساني، و قد استبان لنا أن هذا الرأي هو اجود الآراء في مجال الضرار.

و قد تبقّى الاشكال الذي تعرّضه سيدنا الاستاذ (رحمه اللّه)، و هو أن الضرار بمعنى مصدر المجرد يستلزم التكرار، فيصبح معنى الحديث: لا ضرر و لا ضرر، و هو على خلاف القاعدة و على خلاف الفصاحة.

الصحيح انه لا مجال لهذا الاشكال، ذلك لان التكرار هناك لم يكن في اللفظ فلا يكون نقص يخلّ بالفصاحة، و اما التكرار في المعنى اذا كان بدافع عقلائي، مما لا بأس به بل قد يكون مطلوبا. و قد ألمحنا ان التكرار هناك منبثق عن أهمية المعنى.

نفي الضرر و نفي الاضرار

التحقيق أنّ نفي الضرر يختلف عن نفي الاضرار بكل وضوح و لا صلة له به بوجه.

ذلك؛ لان نفي الضرر قانون هام وضع في ظروف خاصة التي تعبّر عنها بالعناوين الثانوية، و يثمر نفي الحكم الأوّلي.

و أمّا الاضرار فهو محرّم على كل مكلّف، و قد ثبتت حرمته التكليفية بالادلة الاولية القطعية.

و قد وردت في القرآن الكريم ستة و ستّون أية في محاولة الاضرار بصيغ مختلفة و تستفاد من تلك المجموعة الكريمة حرمة الاضرار، منها قوله تعالى:

... وَ لا تُضآرُّوهُنَّ لِتُضَيِّقُوا عَلَيْهِنَّ ... (1)، دلت على حرمة الاضرار على المطلقة بالتضييق عليها في المسكن و المأكل.

و توجد هناك عدة روايات ترشدنا الى الحكم الوضعى للاضرار، منها صحيحة الكناني عن الامام الصادق (عليه السّلام) قال: من اضرّ بشي‏ء من طريق المسلمين فهو له‏

____________

(1). الطلاق، 6

36

ضامن. (1) دلت على ضمان التلف الذي هو من الاحكام الوضعية. فاستبان لنا ان حرمة الاضرار التكليفية و الوضعية أجنبية عن نفي الحكم الضرري و عدم جعله شرعا.

و عليه فلا مجال لما يقال: أن المقصود من قوله (صلى الله عليه و آله): لا ضرر، نفي الضرر، و من لا ضرار، نفى الاضرار، لان بينهما بعد المشرقين، فلا يمكن أن يكون مفاد النفي- عدم الجعل- و مفاد النهي- عدم الجواز- مدلولا واحدا لقاعدة واحدة فلا يكون مدلول القاعدة إلا نفي الضرر كما فهمه الاصحاب، و الضرار هناك بمعنى الضرر، جي‏ء به للتأكيد.

____________

(1). الوسائل، ج 19، ص 180، باب 8 من ابواب موجبات الضمان، ح 2

37

الخلاصة

1. باب المفاعلة يستعمل في معان اخرى على اساس القرينة.

2. ان دعوى اختصاص المفاعلة بالمعنى الخاص على خلاف القواعد الادبية.

3. لا صلة لنفي الضرر بنفي الاضرار.

الأسئلة

1. ما هو الاصل في صياغة الابواب؟

2. ما هو الدليل على ان الضرار في الحديث بمعنى المصدر الثلاثي؟

3. ما هو الدليل على عدم العلاقة بين نفي الضرر و نفي الاضرار؟

38

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

39

6 في استكمال المعنى للحديث‏

قد اشبعنا البحث عن معنى كلمتى الضرر و الضرار، و الذي تبقى هناك هو البحث عن كلمة لا، التي لها دور هام في صياغة الرواية، فعلينا أن نتباحث عنها بما يلي:

ما هي نوعية كلمة لا؟

التحقيق: أن كلمة لا التي تكون جزء الحديث هي لاء النافية للجنس ذلك أولا:

الاصل، فان الاصل في- لا- أن تكون لنفي الجنس، و كونها للنهى- على خلاف الاصل.

كما قال المحقق الخراساني: الظاهر ان يكون لا لنفي الحقيقة- الجنس- كما هو الاصل. (1)

و ثانيا: تناسب الحكم و الموضوع. فان الموضوع في عملية الضرر هو فعل المكلف، و الحكم هو عدم الجعل، و ذلك التناسب يستدعي أن يكون المقصود من تلك الكلمة نفي الحكم الذي يساوق عدم الجعل بحسب الواقع.

و ثالثا: فهم الاصحاب، فان المصطلح عند الفقهاء كلهم- نفي الضرر- و هو المفهوم من الحديث عندهم و علينا ان نتابع عنهم اعتمادا عليهم كالاعتماد على اهل الخبرة.

و رابعا: الامتنان، بما أن الحديث في مقام المساهلة على العباد و الامتنان عليهم كان النفي بمعنى رفع التكليف عن عاتق المكلّف امتنانا على المكلفين، و اما النهى فهو يثمر المنع و الزجر، و لا صلة له بالامتنان جزما.

____________

(1). كفاية الاصول، ج 2، ص 268

40

و خامسا: الظهور في النفي، قال سيدنا الاستاذ (رحمه اللّه): أما كلمة لا الداخلة عليها- الضرر و الضرار- فهي لنفي الجنس.

وجه ذلك: أما بناء على اشتمال الرواية على كلمة في الاسلام كما فى- بعض الروايات-، فظاهر؛ لان القيد كاشف عن أن المراد هو النفي في مقام التشريع، لا نفي الوجود الخارجي بداعي الزجر.

و أما بناء على عدم ثبوت اشتمالها عليها- بسند معتبر، كان النهي ايضا خلاف الظاهر- لان حمل النفي على النهي يتوقف على وجود قرينة صارفة عن ظهور الجملة في كونها خبرية- و بما أنه لم يكن هناك قرينة- فلا موجب لرفع اليد عن الظهور و حمل النفي على النهي. (1)

البحث الجوهري في محاولة معنى الحديث‏

قد سطّرت للحديث اربعة معان، بعضها- الاثنان- مردود، و بعضها- الاثنان- مقبول عند المحققين. و التفصيل بما يلي:

قال الشيخ الأنصاري (رحمه اللّه): احدها- المعانى- حمله- النفى- على النهى، فالمعنى تحريم الفعل، فاجاب عنه قائلا: أما المعنى الاول فهو مناف لذكرها- الرواية- في النص و الفتوى لنفي الحكم الوضعى لا مجرد تحريم الاضرار. (2)

و قال المحقق النائيني (رحمه اللّه): بناء عليه- النهى- يكون لا ضرر- دليلا على حرمة الاضرار كسائر ادلة المحرمات. (3) و لم يكن دليلا للقاعدة.

إن ذلك الاحتمال يبتني على ان تكون كلمة: لا، للنهي و قد مرّ بنا أنّ النهى هناك على خلاف الاصل و خلاف الظاهر و خلاف فهم الاصحاب.

و قال الامام الخمينى (رحمه اللّه): هنا احتمال و هو كونه نهيا، لا بمعنى النهى الالهى كحرمة

____________

(1). مصباح الاصول، ج 2، ص 524- 526

(2). المكاسب، رسالة في نفي الضرر، ص 372

(3). منية الطالب، ج 3، ص 382

41

شرب الخمر بل بمعنى النهى السلطانى، بما أنه- الرسول (صلى الله عليه و آله)- سلطان الملّة. (1)

و قال الشيخ الانصارى (رحمه اللّه): الثانى- من المعانى- الضرر المجرد عن التدارك. فالمراد نفي وجود الضرر المجرد عن التدارك، فاتلاف المال بلا تدارك ضرر على صاحبه فهو منفي فاذا وجد في الخارج فلا بد ان يكون مقرونا بلزوم التدارك، و كذلك تمليك الجاهل بالغبن ماله بازاء ما دون قيمته من الثمن ضرر عليه، فلا يوجد في الخارج الا مقرونا بالخيار.

فاجاب عنه قائلا: إنّ أردأ الاحتمالات هو الثاني و إن قال به بعض الفحول- صاحب العناوين‏ (2) و شيخ الشريعة (3)-؛ لان الضرر الخارجي لا ينزل منزلة العدم بمجرد حكم الشرع بلزوم تداركه و انما المنزّل منزلته الضرر المتدارك فعلا.

فمنشأ هذا الاحتمال الخلط بين الضرر المتدارك فعلا و الضرر المحكوم بلزوم تداركه. (4)

إن ذلك المعنى هو الذي ذكره سيدنا الاستاذ (رحمه اللّه)- من المبدأ الى المنتهى- ببيان اوضح و نصّ البيان بما يلي: المراد من- ذلك المعنى- نفي الضرر غير التدارك، و لازمه ثبوت التدارك في موارد الضرر بامر من الشارع، فان الضرر المتدارك لا يكون ضررا حقيقة.

و هذا الوجه أبعد الوجود؛ اذ يرد عليه، أولا: أنّ التقييد خلاف الاصل فلا يصار اليه بلا دليل.

ثانيا: ان التدارك الموجب لانتفاء الضرر- على تقدير التسليم- انما هو التدارك الخارجي التكويني لا التشريعي، فمن خسر مالا ثم ربح بمقداره صح أن يقال:- و لو بالمسامحة- أنه لم يتضرر و أما حكم الشارع بالتدارك فلا يوجب ارتفاع الضرر خارجا، فمن سرق ماله متضرر بالوجدان مع حكم الشارع بوجوب رده عليه.

و ثالثا: أن كل ضرر خارجي ليس مما حكم الشارع بتداركه تكليفا او وضعا، فانه لو تضرر تاجر باستيراد تاجر آخر لا يجب عليه تداركه مع كون التاجر الثاني هو الموجب للضرر على التاجر الاول. (5)

____________

(1). بدائع الدرر في قاعدة نفي الضرر، ص 86

(2). العناوين، ج 1، ص 316

(3). قاعدة لا ضرر، ص 24

(4). المكاسب، رسالة في نفي الضرر، ص 372

(5). مصباح الاصول، ج 2، ص 529، 530

42

الخلاصة

1. ان كلمة لا، التي ذكرت في الحديث تكون النافية.

2. للحديث عدة معان، منها حمل النفى على النهى و منها، ارادة الضرر الغير المتدارك.

3. المعنى الاول- ارادة النهي من النفي- مجرد احتمال، و المعنى الثاني مقال.

الأسئلة

1. ما هو الدليل على ان المقصود من كلمة لا، في الحديث هو النافية؟

2. ما هو الدليل على عدم صحة المعنى الاول من الحديث؟

3. ما هو الدليل على عدم صحة المعنى الثاني من الحديث؟

43

7 في بيان اجود المعاني للحديث‏

قال الشيخ الأنصاري (رحمه اللّه): الثالث- من المعانى- أن يراد به نفي الحكم الشرعي الذي هو ضرر على العباد، و انه ليس في الاسلام مجعول ضرري.

و بعبارة اخرى: حكم يلزم من العمل به الضرر على العباد- منفى- مثلا يقال: أن حكم الشرع بلزوم البيع مع ضرر على المغبون فهو منفي في الشريعة. و كذلك وجوب الوضوء مع اضرار الماء حكم ضرري منفي في الشريعة.

فتبين مما ذكرنا أن الأرجح في معنى الرواية، بل المتعين هو المعنى الثالث. (1)

و هذا المعنى هو الذي أيده المحقق النائيني (رحمه اللّه) و نص البيان بما يلي:

المنفي هو الحكم الضرري، و مرجعه الى نفي الحكم الذي يوجب ثبوته ضررا على العباد سواء كان الضرر ناشئا من نفس الحكم كما في لزوم العقد و سائر الاحكام الوضعية، أو باعتبار متعلقه كالوضوء الضرري و غيره من الاحكام التكليفية.

و قد نسب هذا الوجه الى فهم الاصحاب و اختاره شيخنا الأنصاري (رحمه اللّه) و هذا هو المختار.

و قال بعد ردّ الوجوه الأخر أن ذلك المعنى: و هو نفي الحكم الضرري أصوب الوجوه و أقوى المحتملات؛ لانه هو المعنى الحقيقى. (2) فان المنفي الحقيقي هو الحكم الضررى.

____________

(1). المكاسب، قسم البيع، ص 372، 373

(2). منية الطالب، ج 3، ص 380، 394

44

و قال سيدنا الاستاذ (رحمه اللّه): قال الشيخ الأنصاري (رحمه اللّه): أن المراد- هناك- نفي الحكم الناشئ من قبله الضرر، فيكون الضرر عنوانا للحكم؛ لكونه معلولا له في مقام الامتثال، فكل حكم موجب لوقوع العبد المطيع في الضرر، فهو مرتفع في عالم التشريع و بالجملة مفاد نفي الضرر في عالم التشريع هو نفي الحكم الضرري، كما أن مفاد نفي الحرج في عالم التشريع هو نفي الحكم الحرجي، و هذا هو الصحيح، و لا يرد عليه شى‏ء مما كان يرد على الوجوه المتقدمة، فيكون الحديث الشريف دالا على نفي جعل الحكم الضررى‏ (1).

الرابع: قال المحقق الخراساني (رحمه اللّه) المعنى الرابع هو نفي الضرر: كناية عن نفي الآثار، كما هو الظاهر من مثل: لا صلاة لجار المسجد إلّا في المسجد، و يا اشباه الرجال و لا رجال، فانّ قضية البلاغة في الكلام هو ارادة نفي الحقيقة ادعاء- و هو غير نفي الحكم- إبتداء مجازا في التقدير،- فالمعنى هو نفي الحكم بلسان نفي الموضوع- و قد انقدح بذلك بعد ارادة نفي الحكم الضرري، ضرورة بشاعة استعمال الضرر و ارادة خصوص سبب- الحكم- من اسبابه. (2) فان الاستعمال على الاسلوب البلاغي هو ذكر السبب و ارادة المسبب و العكس على عكس الاسلوب، و قال في بيان آخر؛ ليس من الشائع المتعارف في المحاورات التعبير عن نفي السبب بنفي مسببه. (3) و عليه فلا يصح ارادة نفي الحكم- السبب- من نفي الضرر- المسبب- هناك.

ملتقى المنهجين‏

التحقيق أن ما سلكه الشيخ الأنصاري (رحمه اللّه)- نفي الحكم الضرري-، و ما سلكه المحقق الخراساني- نفي الحكم بلسان نفي الموضوع-، ينتهيان الى نتيجة واحدة و هي عدم جعل الحكم تجاه الضرر.

____________

(1). مصباح الاصول، ج 2، ص 530

(2). كفاية الاصول، ج 2، ص 268

(3). درر الفوائد، ص 282

45

فلم يكن هناك اختلاف جوهري، و إنما الاختلاف في الاسلوب مجازا و كناية.

فان مسلك الشيخ الأنصاري هناك ينطبق على منهج المجاز في الحرف- بحذف كلمة الحكم- و مسلك المحقق الخراساني ينطبق على المنهج الكنائى- نفي الضرر كناية عن نفي الآثار- و كلاهما من الاساليب الرائجة في البلاغة.

و بما أن المسلكين يستهدفان هدفا واحد فيتحدان في المنتهى، كملتقى المنهجين و ليس بينهما الاختلاف في المنهجية بعد الاتحاد فى الهدف المنشود. كما قال المحقق النائيني (رحمه اللّه) فحاصل النظرين: أن الشيخ يعبّر عن مفاد لا ضرر بان الحكم الضرري لا جعل له.- و المحقق الخراساني- يعبّر عنه بان الموضوع الضرري لا حكم له، و نحن بينا في خيار الغبن بانه لا فرق بين هذين التعبيرين في الاثر. (1) و هو عدم جعل الحكم عند الضرر.

و قال الامام الخمينى (رحمه اللّه): ما افاده المحقق الخراساني (رحمه اللّه)- نفي الموضوع ادعاء كناية عن نفي الآثار، و مراده من الآثار هي الاحكام الثابتة للافعال بعناوينها الاولية- يرجع الى ما افاده الشيخ- نفي الحكم الضرري- بالنتيجة. (2)

الاشكال على المنهجين‏

قد ذكرت عدة إشكالات كلها تتعلق بالمنهجية و لا صلة لها بمدلول القاعدة و أهم تلك الاشكالات بما يلى:

1. اشكال المحقق الخراساني (رحمه اللّه) على منهج الشيخ، بان ارادة نفي الحكم الضرري من نفي الضرر يكون من قبيل ذكر المسبب و ارادة السبب و هو غير شائع.

فاجاب عنه المحقق النائيني قائلا: ان الضرر عنوان ثانوي للحكم و نفي العنوان الثانوي للحكم و ارادة العنوان الاولي ليس من باب المجاز، مثل القتل أو الايلام المترتب على الضرب فاطلاق احدهما على الآخر شائع متعارف.

____________

(1). منية الطالب، ج 3، ص 381

(2). بدائع الدرر في قاعدة نفي الضرر، ص 77

46

و بالجملة: نفس ورود القضية في مقام التشريع و انشاء نفي الضرر حقيقة تقتضى أن يكون المنفي هو الحكم الضررى، لا انه استعمل الضرر و اريد منه الحكم الذي هو سببه. (1) و لعل ذلك الاقتضاء كان في ضوء القرينة. و قال الامام الخمينى (رحمه اللّه) ردا على ما سلكه المحقق النائينى (رحمه اللّه) بانّ اطلاق اللفظ الموضوع للعنوان الثانوي و ارادة العنوان الاولى باطلاق القتل على الضرب مجاز بلا اشكال. (2)

2. اشكال السيد الاستاذ (رحمه اللّه) على منهج المحقق الخراساني (رحمه اللّه) بان نفي الحكم بلسان نفي الموضوع هناك، مما لا يمكن الالتزام به ذلك لان المنفي في المقام هو عنوان الضرر، و الضرر ليس عنوانا للفعل الموجب للضرر، بل مسبب عنه، و مترتب عليه، فلو كان النفي نفيا للحكم بلسان نفي موضوعه لزم أن يكون المنفي الحكم الثابت لنفس الضرر، لا الحكم المترتب على الفعل الضرري. (3)

و التحقيق أن المنفي هناك هو الفعل الضرري، كموضوع للحكم، و لا واقع للضرر بدون الفعل فلا يكون الموضوع هو عنوان الضرر نفسه مجردا عن الفعل لعدم تكوّنه بذاته بل هو لازم ذاتي للفعل فيكون لفظ الضرر هناك من قبيل ذكر اللازم و ارادة الملزوم و هو تركيب رائج في البلاغة.

و عليه يكون نفي الفعل الضرري كناية عن نفي حكمه كنفي الوضوء الضرري كناية عن نفي الوجوب و هذا هو نفي الحكم بلسان نفي الموضوع.

كما قال سيدنا الاستاذ (رحمه اللّه) استدراكا للمطلوب: نعم لو كان المنفى في المقام هو الفعل الضرري امكن القول بان المراد نفي حكم هذا الفعل بلسان نفي الموضوع كالوضوء الضرري مثلا. (4) و تم المطلوب.

و مهما يكن فاستبان لنا أن مفاد القاعدة هو عدم جعل الحكم عند الضرر، و هذا هو رأي العلمين.

____________

(1). منية الطالب، ج 3، ص 396

(2). بدائع الدرر في قاعدة نفي الضرر، ص 83

(3). مصباح الاصول، ج 2، ص 527

(4). المصدر السابق‏

47

الخلاصة

1. ان اجود المعاني للحديث ما يقول به الشيخ الأنصاري (رحمه اللّه)، بان المراد من النفي في الحديث هو نفي الحكم الشرعي الذي هو ضرر على المكلف، و أيده جمع من المحققين منهم المحقق النائيني و السيد الخوئي.

2. و من المعاني الجديرة بالذكر ما يقول به المحقق الخراساني و هو أن المعنى هناك يكون: نفي الحكم بلسان نفي الموضوع.

3. إن المنهجين منتهيان الى نتيجة واحدة و هي عدم جعل الحكم تجاه الضرر.

الأسئلة

1. ما هو الدليل على ان المراد من النفي هو نفي الحكم الشرعى الذي هو ضرر على العباد؟

2. ما هو الدليل على أن المراد من النفي هو نفي الحكم بلسان الموضوع؟

3. ما هو الفرق بين المنهجين المتلوين؟

48

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

49

8 التنبيه الاول في حكومة القاعدة

توجد هناك عدة امور لها صلة تامة بقاعدة لا ضرر، فالبحث المشبع عن هذه القاعدة يستلزم الانتباه على تلك الامور، و يعبّر عنها- الامور- في اصطلاح الفقهاء بالتنبيهات، و الاول في حكومة القاعدة.

ان قاعدة لا ضرر حاكمة على الادلة الاولية العامة، و عليه لا معارضة بين عموم ادلة الاحكام و بين ما تدلنا عليه القاعدة؛ لتقدم الحاكم على المحكوم، كتقدم التخصيص على العام.

كما قال الشيخ الأنصاري (رحمه اللّه): ان دليل هذه القاعدة حاكم على أدلة اثبات الاحكام الشامل لصورة التضرر.

ان الدليل الناظر بدلالته اللفظية، الى اختصاص دليل عام ببعض افراده حاكم عليه و لا يلاحظ فيه النسبة الملحوظة بين المتعارضين، نظير حكومة أدلة الحرج على ما يثبت بعمومه التكليف في موارد الحرج، و عليه جرت سيرة الفقهاء- مثل- استدلالهم على ثبوت خيار الغبن بقاعدة نفي الضرر، مع وجود عموم الناس مسلطون على اموالهم. (1)

و قال المحقق الخراساني (رحمه اللّه): لا تلاحظ النسبة بين ادلة نفيه- الضرر- و ادلة

____________

(1). المكاسب، رسالة في نفي الضرر، ص 373

50

الاحكام، و تقدّم أدلته على أدلتها، مع أنها عموم من وجه، حيث أنه يوفق بينهما عرفا، بانّ الثابت للعناوين الاولية اقتضائي يمنع عنه فعلا ما عرض عليها من عنوان الضرر بادلته كما هو الحال في التوفيق بين سائر الادلة المثبتة أو النافية لحكم الافعال بعناوينها الثانوية، و الادلة المتكفلة لحكمها بعناوينها الاولية. (1)

و قال المحقق النائيني (رحمه اللّه): الاقوى- أن النسبة بين القاعدة و بين ادلة الاحكام- هي الحكومة، فتقدم عليها.

و لا فرق بين القولين- المتلوين من العلمين- في الحكومة، و لا فرق في الحكومة- هناك- لانه ليست الحكومة منحصرة في أن يكون الحاكم مفسرا للمحكوم بلفظ (اي و اعني)، بل إذا رفع احد الدليلين ما اخذ موضوعا مثلا في الآخر فهو ايضا حاكم كما في مثل لا شك لكثير الشك، الحاكم على قوله: اذا شككت فابن على الاكثر.

فبناء على أن يكون المراد- كما هو الظاهر- من الحديث نفي الحكم بلسان نفي الموضوع فهذا الدليل اذا أخرج فردا من موضوع أدلة الاحكام فهو حاكم عليها. (2) و عليه كان قول رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) للانصاري: اذهب فاقلعها- الشجرة المضرة التي غرسها سمرة- و ارم بها اليه فانه لا ضرر و لا ضرار، حاكما على قاعدة السلطنة و قاعدة الاحترام. فيرتفع التسلط و الحرمة عن شجرة سمرة بن جندب بواسطة الضرر.

و قال سيدنا الاستاذ (رحمه اللّه): و التحقيق في وجه التقديم أنّ دليل لا ضرر حاكم على الادلة المثبتة للتكاليف، و الدليل الحاكم يقدم على الدليل المحكوم بلا ملاحظة النسبة بينهما، و بلا ملاحظة الترجيحات الدلالية و السندية، بل الدليل الحاكم بعد إحراز حجيته يقدّم على المحكوم، و ان كان أضعف منه دلالة و سندا.

ثم تعرض اقسام الحكومة، فقال: و الجامع بينها- الاقسام- أن دليل الحاكم الناظر

____________

(1). كفاية الاصول، ج 2، ص 296

(2). منية الطالب، ج 3، 405، 406، 407

51

الى الدليل المحكوم هو الذي لو لم يكن الدليل المحكوم مجعولا كان الحاكم لغوا.

و هذا الكلام جار في كل قرينة متصلة او منفصلة مع ذيها، فانه تقدم القرينة بعد احراز قرينيتها على ظهور ذي القرينة و إن كان اقوى من ظهور القرينة. (1)

فاستبان لنا بكل وضوح أن قاعدة لا ضرر حاكمة على ادلة الاحكام الاولوية.

و قال الامام الخميني (رحمه اللّه): لا يكون دليله- الضرر- حاكما على أدلة الاحكام الأولية سوى قاعدة السلطنة، فان دليل نفي الضرر ورد لكسر سورة تلك القاعدة الموجبة للضرر. (2)

و الذي يسهّل الخطب أنّ الامام الخميني (رحمه اللّه) يناقش في الامثلة التي سطّرت كموارد للضرر و المناقشة في المثال لم تكن من الاشكال في حكومة القاعدة بحسب الذات.

____________

(1). مصباح الاصول، ج 2، ص 540- 543

(2). بدائع الدرر في قاعدة نفي الضرر، ص 129

52

الخلاصة

1. عدة امور لها صلة بقاعدة لا ضرر تسمى بالتنبيهات.

2. ان لقاعدة لا ضرر، حكومة على الادلة الاولية.

3. ان الدليل الحاكم يتقدم على الدليل المحكوم بلا معارضة.

الأسئلة

1. ما هو الدليل على كون القاعدة حاكمة على الادلة الاولية؟

2. هل يوجب اختلاف النظر في معنى الحكومة اختلافا في النتيجة؟

3. ما هو معنى كون الحاكم ناظرا الى المحكوم؟

53

9 التنبيه الثاني في شمول القاعدة على الاحكام العدمية

يتحدث هناك عن أن مدى النفي في نفي الضرر هل هو الضرر الوجودي فحسب او يعم الحكم الضرري العدمي؟

اختلفت الآراء حول الحكم، و التفصيل بما يلي:

قال الشيخ الأنصاري (رحمه اللّه): لا إشكال في أن القاعدة المذكورة ينفي الاحكام الوجودية الضررية تكليفية كانت او وضعية.

و أما الاحكام العدمية الضررية، مثل عدم ضمان ما يفوت على الحرّ من عمله بسبب حبسه. اشكال، من أن القاعدة ناظرة الى نفي ما ثبت بالعمومات من الاحكام الشرعية- الوجودية-.

و حكم الشرع- بالعدم ليس من قبيل الحكم المجعول- الوجودي- بل هو اخبار بعدم حكمه بالضمان.

فيشكل الحكم بالشمول.

و من أن المنفي ليس خصوص المجعولات- الوجودية- بل مطلق ما يتدين به، وجوديا كان أو عدميّا. (1) فانتهى الامر الى الترديد و الاشكال.

____________

(1). المكاسب، رسالة في نفي الضرر، ص 373

54

و قال المحقق النائيني (رحمه اللّه): أما حكومة- القاعدة- على الاحكام العدمية ففيها اشكال، بل لا دليل عليها، فعلى هذا إذا لزم من عدم الحكم في مورد ضرر على شخص، لا يمكن نفي هذا العدم بقاعدة لا ضرر. (1)

و عليه فنفي الضرر لا يشمل الحكم الضرري العدمي.

التوضيح و الاستنتاج‏

توجد هناك موارد من الاحكام العدمية الضررية التي يتحدث عنها الفقهاء في رحاب القاعدة.

قال سيدنا الاستاذ (رحمه اللّه): منها- ما ذكره الفاضل التونى (رحمه اللّه) و هو أنه لو حبس أحد غيره عدوانا فشرد حيوانه او ابق عبده، فان حكم الشارع فيه بالضمان ضرر على المحبوس، فينفي بحديث لا ضرر و يحكم بالضمان. (2)

و منها؛ ما ذكره السيد الطباطبائي (رحمه اللّه) في- بحث الطلاق- و استدل له بقاعدة لا ضرر تارة، و بالروايات الخاصة اخرى، و هو أنه لو امتنع الزوج عن نفقة زوجته، فعدم الحكم بجواز طلاقها للحاكم ضرر عليها، فينفي بحديث لا ضرر و يحكم بجواز طلاقها للحاكم. (3)

و قد اورد المحقق النائيني (رحمه اللّه) على ذلك بوجهين:

اما الاول: فهو أن حديث لا ضرر ناظر الى الاحكام المجعولة في الشريعة المقدسة، و يقيد بصورة عدم الضرر، و عدم الحكم ليس حكما مجعولا، فلا يشمله حديث لا ضرر.

و أما الثاني فهو أن حديث لا ضرر ناظر الى نفي الضرر في عالم التشريع كما- هو معلوم-. و لا دلالة فيه على وجوب تدارك الضرر الخارجي المتحقق من غير جهة الحكم الشرعي و الضرر في المثالين ليس ناشئا من قبل الشارع في عالم التشريع،

____________

(1). منية الطالب، ج 3، ص 418

(2). الوافية، ص 41

(3). ملحقات العروة الوثقى، ج 2، ص 75