القوانين المحكمة في الأصول - ج3

- الميرزا القمي المزيد...
231 /
3

تتمة الباب السادس‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

مقدمة

الحمد للّه الذي حبانا بدينه و حبّبنا بأوليائه، و هدانا لإيمانه و هذّبنا بشريعته، و دلّنا على إحسانه و أرشدنا الى أحكامه، و جعلنا من الشّاكرين لنعمائه، و الصلاة و السلام على نبيّه و أمينه، و نجيبه و نجيّه، و صفيّه و صفوته، محمد و آله عباد اللّه، و أهل ذكره و خزنة علمه، و حملة كتابه و تراجمة آياته، و مهبط وحيه و مستودع شرائعه، الّذين علّمونا الحلال و الحرام و الشّرائع و الأحكام، و عرّفونا حقائق الإيمان و آيات القرآن و سبيل الرّضوان عليهم أفضل الصلاة و أتمّ السّلام.

و بعد ... فإنّ علم الأصول هو من أكبر الفنون للوصول الى أكثر الفروع، فهو أهم وسيلة لأشرف غاية و أعمّ نتيجة لأنفع نهاية، به نصوّب طرق الاستدلال و نصل الى أصحّ الأقوال و نبيّن المدارك و نبني المسائل، بأفضل المباني و أظهر الدّلائل، و كلّما ازداد به المرء مهارة ازداد معرفة، فهو أسهل مفتاح و أدلّ باب للولوج الى أفضل علم و أعظم حكم.

و غير خفي على كل ذي لبّ أهمية الفقه و أهميّة أصوله، فأصول الفقه هو من أهمّ العلوم ارتباطا في الاجتهاد كما ذهب إليه كثير، و لست في مقام الاستشهاد على ذلك، بل و لا مجال للاهتمام فعلا بذلك.

هذا و في الغالب عند الأصوليين يبحثون في مصنّفاتهم عن أدلّة الأحكام‏

4

الأربعة الكتاب و السّنة و الاجماع و العقل، و لمّا قد مرّ البحث في الثّلاثة الاولى، بقي الكلام عن الاخرى و المعروفة بالأدلّة العقليّة. كما و لمّا كان لا بد لهذا المؤلّف أن يكون حاويا لجميع المطالب الأصوليّة و ما يتعلّق بها، فقد جعل المؤلّف البحث عن الباقى المذكور و غيرها ممّا له تعلّق أكيد في علم الأصول في مجلّد على حدة عرف بمجلّد المباحث العقليّة من «القوانين»، قد طبع قبل قرن من الزّمن فيما أعلم- و الكلام فى المجلّد الثاني، و إلّا فإنّ الأوّل قد طبع قبل عقود ثلاث في مدينة قم المقدسة- و قد بقى بعد طبعه بعض قليل من نسخه حتى أصبح المجلّد المعهود نادر الوجود، قد حفظ ما فيه بنقل آرائه ممّن كتب في علم الأصول بعد المرجع المذكور.

هذا و بعد صدور المجلّد الأوّل و إقبال العلماء و الفضلاء عليه و للّه الحمد، و نتيجة للحاجة الملحّة للأساتذة العظام و الطلاب الكرام بضرورة نشر ما تبقى من «القوانين»، و رغبة بعض النّاشرين في التّعجيل، أسرعت فأخرجت عيونه و أنجزت متونه، و ذكرت ما علّقته على اولى بحوثه ما استطعت، و ما لم أسطع تركته لأيّام التّحصيل عند التّعطيل، فاقتصرت فيه على بعض المهم و اختصرت على بعض الأهم حتى صار ما توخيت و للّه الحمد. و هذا الكلام كلّه في الشّرح و التّعليق، و أمّا المتن فإنّني وفيت بالغرض و أديت المطلوب بدقة، ليصبح الكتاب بعونه تعالى كما أراده المصنّف و يريده الطالب كاملا غير ناقص. و كنت قد اعتمدت فيه على نسختين، واحدة بخط محمد على بن معصومعلي الأرونقي التي هي طبقا للنسخة التي نسخها عبد الرحيم بن محمد تقي التبريزي المطبوعة في شهر ربيع الأول 1319 ه و أخرى بخط محمد شريف بن فيض اللّه المرحوم الهشرودي (الهشترودي) المطبوعة في شهر ربيع الثاني 1324. و سرت به تحقيقا

5

و تدقيقا كما في المجلّدين السّابقين الذي عرفت من قبل. و هذا المجهود عادة ما تقوم به مؤسسة بجهازها و أجهزتها و عتادها و أعدادها و قد قمت به وحيدا بلا عدد و لا مدد، و بلا إعانة و لا استعانة إلّا من اللّه تعالى و ببركة أولياءه الكرام و السيدة المعصومة في قم عليهم الصلاة و السلام.

و هكذا اتممت كامل «القوانين» و للّه الحمد، بمجموع مجلّديه الحجريّين و جعلتها في أربعة أجزاء بطباعة عصريّة أنيسة المنظر سهلت القراءة و سريعة الملاحظة.

و الدّافع الذي جعلني أسيرا لهذا الكتاب و رهينا لهذه البحوث هو لأنّني وجدت بأنّ التّعاطي بها تمنح الانسان قوّة في الاستدلال و إحاطة بالمطالب و بيانا للطالب، فعلينا ان لا نستخفّ أبدا في مثل هذه الدروس العلمية العالية التي خاضوا أصحابها للوصول إليها اللّجج و اتعبوا المهج، و علينا أن لا نملك الجرأة سريعا في التّسفيه لعمل الآخرين. و التّسرّع في التّغليط و التّغليظ لمجرّد قراءتنا لحروف قليلة من العلم و لمّا نصل إليه.

فمثلا تكاد تجده قد عبّر كثيرا ببعض الكلمات قاصدا بها معان لا يحيط بها إلّا كل بليغ بمؤدّاها و كل عليم بسياقها و معانيها، و لا يقدر عليها إلّا كل متسلّط على صياغة الكلمات و صناعة الأدبيات و قادرا على التّقديرات و عالما بالتّأويلات.

فنجده مثلا بكلمة (عن) قد قصد بها كثيرا (من)، و هذا غير خفيّ على الطالب المجدّ بمعانيها العشرة، فمع الملاحظة تجده جاء بها بمعنى المجاورة تارة و اخرى بمعنى البدل او الاستعلاء او الظرفيّة او مرادفة (من) او غير ذلك. فالطالب المحصّل سرعان ما يعلمها فيصوّبها، و أمّا الفاشل فيسرع الى التّغليظ فيعلّها، و لذا أؤكد على ضرورة التّدبّر و التّوجّه، و التّدبير و التّوجيه لكلمات هذا الفقيه. و على كلّ إنّ‏

6

العصمة لأهلها.

فعلينا أن لا نبخس النّاس أشياءها، كما علينا أن نرتقي بهذا الكتاب لغزارة مواده و كثرة محتوياته و فيض معارفه. بل أقول: إن من يدرس هذا الكتاب حقّ الدّراسة و يداريه حق الدّراية و يفهمه حق الفهم و يتقنه حق الاتقان يصبح مؤهّلا لحضور أبحاث العظام، و ربما يصير مراهقا للاجتهاد، و لكن بالشّرط الذي ذكرت، بل الشّروط التي قلت، و إنّني لأجد مباحث الأصول العمليّة فيه، هي من أفخر البحوث العلميّة، و حرام أو قل عيب على طالب العلم أن لا يكون محيطا بها او لا يستفيد منها.

كما أقول: يمكن لك أن تحصي آراء الميرزا القمي و آراء غيره و مسائل الخلاف بينهما ممّن كانوا قد أتوا من بعده على آرائه كصاحب «الرّسائل» و «الكفاية» و غيرهما من المحقّقين كالميرزا النّائيني و الأصفهاني و صاحبي «الفصول» و «هداية المسترشدين» و غيرهم «رحمهم اللّه» و رغم ذلك فهي تحصى و لا تتعدى لتصل الى الأعداد الكبيرة، و هذا ديدن أصحاب هذه العلوم للوصول الى ازدهارها و رشدها أو قل رشدهم و ازدهارهم‏

أسأله تعالى العصمة و التّوفيق و التّعجيل بظهوره عليه الصلاة و السلام‏

و صلّى اللّه على محمد و آله الطاهرين و الحمد للّه ربّ العالمين‏

قم المقدسة- حرم السيدة المعصومة (عليها السلام)

رضا حسين على صبح‏

14 ربيع الأول 1431 ه

7

المقصد الرابع في الأدلّة العقلية

و المراد بالدّليل العقلي: هو حكم عقليّ يتوصّل به إلى الحكم الشّرعي، و ينتقل من العلم بالحكم العقلي إلى العلم بالحكم الشّرعي.

و هي أقسام تذكر في طيّ قوانين:

منها: ما يحكم القل به من دون واسطة خطاب الشّرع.

و منها: ما يحكم به بواسطة خطاب الشّرع كالمفاهيم و الاستلزامات‏ (1).

____________

(1) المفاهيم أي ما دلّ عليه اللفظ لا في محل النطق و خلافا للماتن، فقد توقّف في مثل هنا صاحب «هداية المسترشدين» فقال: فدرج بعضهم مباحث المفاهيم في هذا القسم ليس على ما ينبغى. و الاستلزامات كاستلزام وجوب الشّي‏ء و حرمة ضده، فإنّ العقل لا يحكم أوّلا بوجوب المقدمة و لا بحرمة الضّد، و إنّما يحكم بهما بعد الحكم بوجوب الشّي‏ء و لو من جهة حكم الشّرع به، فهو حكم عقلي تابع لحكم الشّرع.

8

قانون: [معنى كون ما يستقلّ به العقل و ينفرد به‏]

معنى كون ما يستقلّ به العقل و ينفرد به‏ (1)، كوجوب قضاء الدّين و ردّ الوديعة و حرمة الظّلم، و استحباب الإحسان، و نحو ذلك‏ (2).

دليل حكم الشّرع، أنّه كما تبيّن عندنا معاشر الإماميّة وفاقا لأكثر العقلاء من أرباب الدّيانات، و غيرهم من الحكماء و البراهمة (3) و الملاحدة و غيرهم بالأدلّة القاطعة و البراهين السّاطعة، بل بالضّرورة الوجدانية التي لا يعارضها شبهة و ريبة، أنّ العقل يدرك الحسن و القبح، بمعنى أنّ بعض الأفعال بحيث يستحق فاعله من حيث هو فاعله المدح، و بعضها بحيث يستحقّ فاعله كذلك الذّم‏ (4)، و إن لم يظهر من الشّرع خطاب فيه:

____________

(1) مسألة حسن الانفعال و قبحها ثار النزاع فيها و احتدم الخلاف عليها، و كثر الكلام فيه و اشتهر به المعتزلة و الأشاعرة و طال و لا زال و كثر في الكتب الكلاميّة، و يتفرّغ منه مسألة معروفة بين الأصوليين بالملازمة، بمعنى الملازمة بين حكم العقل و الشرع، فقد تنازعوا فيها عن أقوال، فذهب الأكثرون و منهم المصنّف الى ثبوت الملازمة، و بعض الى نفيها، و بعض آخر أنكرها في الأحكام المتعلّقة بالفروع و أثبتها في الأصول.

(2) و كذا ذكره المحقّق في «المعتبر» 1/ 32، الشهيد في «الذكرى»، المقدمة، و غيرهما كما في «الوافية» ص 171.

(3) واحدهم برهمي، قوم لا يجوّزون على اللّه تعالى بعثه الرّسل، و هم طائفة من الهنود ينكرون الشّرائع و يحرّمون لحم الحيوان و لهم عقائدهم الخاصة.

(4) بيانه في معنى كون ما يستقلّ به العقل دليل حكم الشرع ليس على ما ينبغي لقصوره عن إفادة الملازمة و وضوحها كما هو المدّعى، و إنّما مفاده وضوح الحكم بكل من الأمرين على ما يقتضيه العنوان، و قد ذكر في «الفصول» ص 340 وجه أوجه.

9

و يظهر عنده هذا الحسن و القبح في المواد المختلفة على مراتبهما المرتّبة فيها بحسب نفس الأمر، فقد يدرك في شي‏ء حسنا لا يرضى بتركه و يحكم بلزوم الإتيان به، و في بعضها قبحا يحكم بلزوم تركه. و قد يجوز الترك في بعضها و الفعل في بعضها، و هكذا.

فكذلك من الواضح أنّه يدرك أنّ بعض هذه الأفعال مما لا يرضى اللّه بتركه و يريده من عباده بعنوان اللّزوم، و بعضها ممّا لا يرضى بفعله و يريد تركه بعنوان اللّزوم، و أنها مما يستحق بها عن اللّه المجازاة إن خيرا فخير و إن شرّا فشرّ. و لازم ذلك‏ (1) أنّه تعالى طلب منّا الفعل و التّرك بلسان العقل.

فكما أنّ الرّسول الظّاهر يبيّن أحكام اللّه و مأموراته و منهيّاته، فكذلك العقل‏ (2) يبيّن بعضها، فمن حكم عقله بوجود المبدئ الحكيم القادر العدل الصّانع العالم، فيحكم بأنّه يجازي العبد القويّ بسبب ظلمه على العبد الضعيف بالعقاب.

و كذلك الودعي الذي ائتمنه عبد من عباده، سيّما إذا كان العبد محتاجا غاية الاحتياج بسبب ترك ردّها إليه، و يجازي العبد القويّ الرّفيع برأفته على العبد الضعيف العاجز المحتاج بالثواب. فلو لم يكن نهانا عن الظّلم و أمرنا بردّ الوديعة،

____________

(1) بعد ما عرفت من معنى الملازمة.

(2) في الرواية كما في «الكافي» كتاب العقل و الجهل عن الامام الكاظم (عليه السلام) في مواعظ منه لهشام أنّه قال: إنّ للّه على الناس حجّتين حجّة ظاهرة و حجّة باطنة، فأمّا الظاهرة فالرّسل و الأنبياء و الأئمة (عليهم السلام)، و أمّا الباطنة فالعقول. كما في الحديث 12، و في الحديث 34 عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): ... و استدلّوا بعقولهم على ما رأوا من خلقه من سمائه و أرضه و شمسه و قمره و ليله و نهاره، و بأنّ له و لهم خالقا و مدبّرا لم يزل و لا يزول و عرفوا به الحسن من القبيح و أنّ الظّلمة في الجهل و انّ النور في العلم، فهذا ما دلّهم عليه العقل.

10

و لم يكن الظّلم و ترك الردّ مخالفة له، لما حكم العقل بمؤاخذة اللّه و عقابه.

فإنّ القبح الذّاتي يكفي فيه محض استحقاق الذّمّ، فيثبت من ذلك أنّ الظّلم حرام شرعا، و ردّ الوديعة واجب شرعا.

[في التّوهم من أنّ حكم العقل هو محض استحقاق المدح و الذّم‏]

و ما توهّمه بعض المتأخرين تبعا لبعض العامة من أنّ حكم العقل هو محض استحقاق المدح و الذّم لا ترتّب الثّواب و العقاب أيضا، الذي هو لازم حكم الشرع، فلم يدلّ الحكم العقلي على الحكم الشرعي، فهو مبنيّ على الغفلة عن مراد القوم من الحكم العقلي. و حسبان أنّ حكم العقل إنّما هو الّذي ذكروه في مبحث إدراك العقل للحسن و القبح، قبالا للأشاعرة المنكرين لذلك. و قد عرفت أنّ العقل يحكم بأزيد من ذلك أيضا، مع أنّ المستفاد من الأخبار الواردة في العقل و الجهل أيضا، هو ذلك و أنّه ممّا به يثاب و يعاقب، و أنّه مما يكتسب به الجنان و غير ذلك‏ (1)، مع أنّه يمكن أن يقال: بعد ما ثبت أنّ لكلّ أمر من الأمور حكما من اللّه تعالى بالضّرورة و الأخبار، و ثبت من الأخبار أنّها موجودة عند المعصومين‏ (2)،

____________

(1) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لمّا خلق اللّه العقل استنطقه، ثم قال له: أقبل فأقبل، ثم قال:

أدبر فأدبر، ثم قال: و عزّتي و جلالي، ما خلقت خلقا هو أحب إليّ منك و لا أكملتك إلّا فيمن أحبّ، أما إنّي إيّاك آمر و إيّاك أنهى، و إيّاك اعاقب و إيّاك اثيب. كما في كتاب العقل و الجهل الحديث الأوّل من «الكافي»، و فيه أيضا، الحديث (3) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت له: ما العقل؟ قال: ما عبد به الرّحمن و اكتسب به الجنان، قال:

قلت: فالّذي كان في معاوية؟ فقال: تلك النّكراء، تلك الشّيطنة و هي شبيهة بالعقل، و ليست بالعقل. و غير ذلك من الأحاديث في ذلك الباب.

(2) و قد ثبت عندنا بأنّهم (صلوات اللّه و سلامه عليهم) موضع الرّسالة و مهبط الوحي و خزّان العلم و محال معرفة اللّه و حملة كتابه و المظهرين لأمره و نهيه. و عن هشام بن الحكم-

11

و إن لم يصل إلينا كلّها، أنّ كلّ ما يدرك العقل قبحه فلا بدّ أن يكون من جملة ما نهى اللّه تعالى عنه، و ما يدرك حسنه لا بدّ أن يكون ممّا أمر به، فإذا استقلّ العقل بإدراك الحسن و القبح بلا تأمّل في توقيفه على شرط أو زمان أو مكان أو مع تقييده بشي‏ء من المذكورات، فيحكم بأنّ الشّرع أيضا حكم به كذلك، لأنّه تعالى لا يأمر بالقبيح و لا ينهى عن الحسن، بل إنّه يأمر بالعدل و الإحسان و ينهى عن الفحشاء و المنكر.

و قد يقال‏ (1): إنّ الثّواب و العقاب إنّما يترتّبان على الإطاعة و المخالفة لا غير، و الإطاعة و المخالفة لا يتحقق إلّا بموافقة الأوامر و النواهي من الكتاب و السنّة و مخالفتهما، و حيث لا أمر و لا نهي و لا خطاب، فلا طاعة، فلا ثواب و لا عقاب.

و فيه: أنّ انحصار الإطاعة و المخالفة في موافقة الخطاب اللّفظي و مخالفته دعوى بلا دليل، بل هما موافقة طلب الشّارع و مخالفته و إن كان ذلك الطلب بلسان العقل.

و نظير ذلك أنّ اللّه تعالى إذا عبده نبيّه (صلى الله عليه و آله) و سلم بواسطة إلهام من دون نزول وحي من جبرئيل (عليه السلام) و إتيان كلام و امتثله، فيقال: إنّه أطاع اللّه جزما، فإنّ العقل فينا نظير الإلهام فيه (صلى الله عليه و آله) و سلم.

____________

- قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) بمنى عن خمسمائة حرف من الكلام، فأقبلت أقول: يقولون كذا و كذا، قال: فيقول: قل كذا و كذا، قلت: جعلت فداك هذا الحلال و هذا الحرام، أعلم أنّك صاحبه و أنّك أعلم الناس به هذا هو الكلام، فقال لي: ويك يا هشام لا يحتجّ اللّه تبارك و تعالى على خلقه بحجّة لا يكون عنده كلّ ما يحتاجون إليه. كما في «الكافي» باب 105 ح 5.

(1) و هنا اعتراض على لازم الملازمة.

12

و القول‏ (1): بأنّ القدر الثّابت من الأدلة، أنّ ما يجوز اتّباعه و يجب متابعته هو ما حصل القطع به أو الظنّ من قول المعصوم (عليه السلام) أو فعله أو تقريره دون غيره، فالكلام في هذا الدليل العقلي مثل الكلام في جواز العمل بالرّؤيا إذا رأى أحد أحدا من المعصومين (عليهم السلام) و حكم بحكم، و لا دليل على جواز العمل بهذا الحكم، فهو كلام ظاهريّ، إذ من يدّعي حكم العقل بوجوب ردّ الوديعة و حرمة الظّلم يدّعي القطع بأنّ اللّه تعالى خاطبه بذلك بلسان العقل، فكيف يجوز العمل بالظنّ بخطاب اللّه تعالى و تكليفه، و لا يجوز العمل مع اليقين به.

فإن كان و لا بدّ من المناقشة فليكتف في منع حصول هذا القطع من جهة العقل و أنّه لا يمكن ذلك‏ (2)، و أنت خبير بأنّ دعوى ذلك بعيد عن السّداد.

و لا يرد هذا على من ادّعى ذلك، إذ لم يدلّ دليل على امتناعه إن لم يسلم البرهان على وقوعه‏ (3)، فإذا ادّعاه مدّع فكيف نكذّبه.

نعم، لا نمنع تفاوت الأفهام في ذلك، و ندرة المواضع التي يستقلّ العقل بإدراك الحكم، و ذلك لا يوجب نفي الحكم، رأسا و لا يرد نقضا على من جزم بذلك، فإنّ كلّ مجتهد مكلّف بمؤدّى فهمه قطعيّا كان أو ظنّيّا، و معذور في خطأه.

[معنى قولهم: إنّ العقل و الشرع متطابقان‏]

ثم إنّ معنى قولهم: إنّ العقل و الشرع متطابقان فكلّ ما حكم به الشّرع فقد حكم‏

____________

(1) و هو للأخباريين فإنّهم ينكرون حجيّة إدراكات العقل، و في ذلك نزاع جاء في مباحث حجيّة القطع.

(2) اي لا يمكن للعقل أن يدرك ما هو حسن أو قبيح عنده، قبيح أو حسن عند اللّه تعالى.

(3) أي أنّ مجرّد عدم ورود دليل على الامتناع يكفي في عدم ورود المناقشة و إن لم يثبت البرهان و الأدلة على وقوع درك العقل بأنّ ما هو حسن أو قبيح عنده حسن أو قبيح عند اللّه تعالى أيضا.

13

به العقل، و بالعكس، إنّ كلّ ما حكم فيه الشّرع بحكم لو اطّلع العقل على الوجه الذي دعا الشّارع إلى تعيين الحكم الخاص في ذلك الشّي‏ء لحكم العقل موافقا له، و ذلك لأنّ الحكيم العدل الذي لا يفعل القبيح لا يصدر عنه القبيح، و ترجيح المرجوح قبيح، و الترجيح بلا مرجّح محال‏ (1).

فتعيين الوجوب مثلا للصلاة و الزكاة، و تعيين الحرمة للخمر و الخنزير إنّما كان لجهة مرجّحة لذلك من حسن أو قبح ذاتي، أو بحسب زمان أو مكان أو شخص.

و تلك الجهة علّة تامّة لاختيار ذلك الحكم إمّا بذاتها أو مع ملاحظة قيد من زمان أو مكان أو غيرهما. فلو فرض اطّلاع عقولنا على تلك العلّة على ما هي علّة لحكم فيه، مثل ما حكم به لسان ظاهر الشّرع.

و ما يتوهّم أنّه قد يكون في أصل الفعل رجحان، لكنّه يأمر به امتحانا للعبد، فهو لا ينافي ما ذكرنا، إذ نفس الابتلاء أيضا مصلحة و إن لم يكن في نفس المأمور به مصلحة، مع أنّه قد يكون المراد بالأمر محض‏ (2) الامتحان مثل حكاية إبراهيم (عليه السلام)، فالمصلحة إنّما هي في الامتحان لا في الذّبح‏ (3)، مع أنّ الإيثار أمر مخصوص للامتحان أيضا دون أمر آخر جهة مقتضية و مصلحة معيّنة لأن لا يلزم الترجيح في إيثار ذلك الأمر للامتحان عدم إدراكنا إيّاها لا يدلّ على عدمها.

و بالجملة، العقل تابع لما أفاده الشّارع، فإذا اطّلع على طلب الفعل من حيث‏

____________

(1) و هنا لصاحبه «الفصول» ص 338 فيه كلام.

(2) المحض على شي‏ء خلص عن لا يشوبه شي‏ء يخالصه. و الظّاهر أنّ المعنى هنا قد يكون الأمر صوريّاً فقط لا يقصد منه وقوع الفعل من المكلّف و كما هو في المثال هنا في أمر إبراهيم بذبح إسماعيل (عليهما السلام).

(3) راجع «الفصول» ص 338، فقد علّق على هذا الاعتراض و اعتبره واضح السّقوط.

14

هو هذا الفعل؛ يحكم بحسن طلبه كذلك، و إذا اطّلع على طلبه من حيث الامتحان، فيحكم بحسن طلبه من حيث الامتحان و هكذا.

و أمّا العكس، أعني كلّ ما حكم به العقل فقد حكم به الشّرع، فيتصوّر له تقريران:

أحدهما: أنّ ما حكم العقل بحسنه و قبحه بعنوان لزوم الفعل و عدم الرضا بالترك أو بالعكس أو غيرهما من الأحكام، فيحكم الشّرع به، بمعنى أنّ العقل دلّ على أنّه مطلوب الشّارع و مراده و نحن مكلّفون بفعله، أو مبغوضه و مكروهة و نحن مكلّفون بتركه، و يثيبنا على الأوّل و يعاقبنا على الآخر.

و ثانيهما: أنّ ما حكم العقل بأنّه مراد اللّه و مطلوبه و أراد منّا فعله أو تركه بعنوان الإلزام أو غيره فهو موافق لما صدر عن اللّه تعالى من الأحكام و هو مخزون عند أهله من المعصومين (عليهم السلام). و ذلك مبنيّ على الاعتقاد بأنّ حكم كلّ شي‏ء ورد عن اللّه تعالى على النبيّ (صلى الله عليه و آله) و سلم و بلغنا أكثرها و بقي بعضها مخزونا عند أهلها لأجل مصلحة يرونها، فذلك الحكم العقليّ كاشف عن أنّ ما هو مخزون من الحكم عند أهله في شأن هذا الذي أدرك العقل حكمه هو ما حكم به العقل من الأحكام، و الأظهر هو التقرير الأوّل.

و بالجملة، لا وجه لما مرّ من الإشكال في كون دليل العقل بهذا المعنى مثبتا للحكم الشرعي مع أنّه متّفق عليه عند أصحابنا. فإنّهم يصرّحون في الكتب الاصوليّة و الفقهيّة أنّ من أدلّة أحكام الشّرع هو العقل، ثم يذكرون في أقسام الأدلّة العقلية ما يستقلّ به العقل كقضاء الدّين و ردّ الوديعة و ترك الظّلم.

و ينادي بذلك قولهم في الكتب الكلاميّة بوجوب اللّطف على اللّه، و تفسيرهم اللّطف بما يقرّب الطاعة و يبعد عن المعصية، و جعلوا من اللّطف إرسال الرّسل‏

15

و إنزال الكتب.

و ليس معنى ذلك‏ (1) إلّا أنّ العقل يدرك الأحكام الشرعية من أنّ اللّه تعالى يريد منهم العدل و ردّ الأمانة و ينهاهم عن الظلم و الفساد، و أنّ الصدق و التواضع و السّخاء و العفو حسن، و أنّ الكذب و الكبر و البخل و النّفاق قبيح، و أمثال ذلك.

فاللّطف إنّما هو لتعاضد العقل بالنقل حتى يكمل به البيان و يثبت به الحجّة.

[وجوه من الاعتراضات على قسم من الأدلّة و ردودها]

و قد أورد (2) على هذا القسم من الأدلّة العقليّة وجوه من الاعتراض سخيفة لا يليق كثير منها بالذكر أعرضنا عنها، و أقواها أمور:

____________

(1) أي ليس معنى وجوب اللّطف في إرسال الرّسل و إنزال الكتب.

(2) و قد أورد ذلك الفاضل التوني الذي يظهر انّه أنكر الملازمة راجع «الوافية» ص 176.

و بعده أيضا السيد صدر الدين شارح «الوافية»، و في «هداية المسترشدين» 3/ 503:

و قد خالف فيه بعض العامة، حكاه الزّركشي عن جماعة من العامة و اختاره قال:

و حكاه الحنيفيّة عن أبي حنيفة نصا، و قد مال إليه صاحب «الوافية» من أصحابنا، إلّا أنّه تردّد في المقام، و كيف كان فلم يحكم بثبوت الملازمة المذكورة، و استشكل في الحكم بثبوت الحكم في الشّريعة بعد استقلال العقل في الحكم بثبوت حسن الفعل أو قبحه، و قد تبعه في ذلك السيد الشّارح لكلامه، و قد ينسب الى بعض الجماعة المتقدّمة القول بإنكار الملازمة المذكورة و ليس كذلك، بل قد صرّح غير واحد منهم بثبوت الحكم إذا قضى به الضّرورة العقلية حسب ما مرّ، نعم قد يومئ إليه بعض أدلّتهم و ليس صريحا فيه، فلا وجه للنسبة المذكورة. و السيد القزويني في حاشيته قال: و نقل ربما أدعي على خلافهما إجماع المخالف و المؤالف محصّلا و منقولا في حدّ الاستفاضة القريبة من التّواتر بسيطا و مركبا على معنى أنّ كل من قال بحكم العقل قال بالملازمة بينه و بين حكم الشرع، و كل من لم يقل به قال بها أيضا على تقدير حكم العقل فالأشاعرة أيضا داخلة في الإجماع المذكور إلا الزّركشي منهم على ما حكي.

16

أحدها: قوله تعالى: وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (1) فإنّها تدلّ على نفي التعذيب إلّا بعد بعث الرّسول و تبليغه فلا يكون ما حكم العقل بوجوبه أو حرمته واجبا شرعيا أو حراما شرعيّا، بل هو إباحة شرعيّة.

و ردّ: بأنّ الواجب ما يستحقّ تاركه العقاب، و الحرام ما يستحقّ فاعله العقاب، و لا ملازمة بين الاستحقاق و فعليّة الجزاء.

و اعترض عليه‏ (2): بأنّ الواجب الشرعي مثلا هو ما يجوز المكلّف العقاب على تركه و مع الجزم بعدمه لإخباره تعالى بذلك، فلا تجويز فلا وجوب.

و فيه: أنّ هذا مناقشة في الاصطلاح.

و اعترض أيضا (3): بأنّ الواجب الشّرعي مثلا ما يوجب فعله الثواب من حيث هو طاعة و تركه العقاب من حيث هو مخالفة، و إخبار اللّه تعالى بنفي التعذيب إباحة للفعل فلا طاعة و لا مخالفة و لا وجوب و لا حرمة.

و قد ظهر دفعه ممّا مرّ من أنّ العقل يحكم بأنّ اللّه تعالى أمرنا بالفعل و نهانا فيحصل الإطاعة و المخالفة، و لا ينحصران في موافقة الخطاب اللّفظي و مخالفته، و دلالة نفي التعذيب على الإباحة فيه منع ظاهر.

و على القول بكون جميع الأحكام مخزونا عند أهله و الانتقال من إدراك العقل إلى ما هو الموجود عند أهله، فصدق الإطاعة و المخالفة أظهر، فيصدق بعث الرسول (صلى الله عليه و آله) و سلم حينئذ و حصول التبليغ منه في هذا الحكم أيضا فيثبت الحكم‏

____________

(1) الإسراء: 15.

(2) المعترض يبدو هو الفاضل التوني على ما عرفت من قبل، راجع «الوافية» ص 175.

(3) و المعترض هنا السيد صدر الدين في شرحة «للوافية» راجع «هداية المسترشدين» 3/ 503.

17

الشرعي بالعقل و يثبت الحكم بالثواب و العقاب.

و ما قيل في دفعه: من أنّ المراد ببعث الرسول (صلى الله عليه و آله) و سلم هو بعثه بالبيان التفصيلي، لا مثل هذا البيان الذي يبيّن العقل تفصيله، و يظهر بيانه من حكم العقل فهو بعيد جدا. أ لا ترى أنّا نثبت كثيرا من أحكام اللّه تعالى بالإجماع، مع أنّك لا تقول؛ بأنّ هذا ليس بتبليغ تفصيليّ، فإنّ اتّفاق الفقهاء كاشف عن رأي المعصوم (عليه السلام) و حكمه المعلوم إجمالا قبل العلم بالإجماع تفصيلا؛ و ليس بكاشف عن قوله التفصيليّ، و حال استخراج العقل للحكم حال استخراج اتفاق العلماء له.

فالتّحقيق في الجواب‏ (1) عن الآية أنّها من قبيل قوله: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى‏ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ (2)، و: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها (3)، و لا تكليف إلّا بعد البيان، و نحو ذلك. و لمّا كان أغلب التكاليف الشرعية مما لا يستقلّ به العقل، فاكتفى في الآية بذكر الرسول، فالمراد حقيقة و اللّه يعلم: وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ‏ (4) حتّى تتمّ الحجّة، و لا ريب أنّ مع إدراك العقل الحجّة تمام. أو نقول: إنّ الرسول أعمّ من الرسول الباطن‏ (5) كما ورد: «أنّ للّه تعالى حجّتين حجّة في الباطن و هو العقل و حجّة في الظاهر و هو الرسول» (6) مع أنّ الآية ظاهرة.

____________

(1) في رفع الاعتراض الثاني عند ذكره، و اعترض عليه أيضا. هذا و صاحب «الفصول» أيضا ص 342 تعرّض لكلا الاعتراضين، و كذا الكلام عن البيان التّفصيلي الذي ذكره.

(2) الانفال: ص 42.

(3) الطلاق: 7.

(4) الإسراء: 15.

(5) و هذا الدّليل و ما سبقه في الجواب غير مستقيم عند صاحب «الفصول» عن 343 راجع اجابته.

(6) و هي كما في «الكافي» كتاب العقل و الجهل الحديث 12 عن أبي عبد اللّه الأشعري‏

18

و فيه ألف كلام، فلا يعارض بها الدليل القاطع من حكم العقل فيما يستقلّ.

و لو نوقش في إدراك العقل بالاستقلال فإنّما هو كلام في الصغرى و كلامنا إنّما هو على فرضه، و المفروض انّا ندّعي استقلاله في بعض الأمور و كلّ مجتهد مكلّف بمقتضى فهمه، فإذا جزم بشي‏ء فهو المتّبع، و إذا ظهر بعد ذلك خطأه فهو معذور كما هو معذور في خطأ ظنونه، بل استقلاله في بعض الامور بديهيّ لا يقبل التشكيك، و منعه مكابرة،

و لقد أغرب بعضهم حيث سلّم ذلك في المعارف و العقائد لما دلّ عليه إطلاقات الأخبار الدالّة على تعذيب عبدة الأوثان، فإنّها تشمل حال الفترة أيضا بخلاف الأعمال، و هو مع أنّه معارض بالإطلاقات الدالّة على العذاب و اللّعنة على الظّلم و الكذب و غيرهما. فيه أنّ مآل التعذيب على عبادة الأوثان مثلا يرجع إلى التعذيب على الأعمال، فإنّ الاعتقادات ليست باختيارية، بل المقدور منها هو النظر الذي هو من مقدّماتها و التخلية و اندراج النّظر بمجرّد أنّ في تركه مظنّة الضّرر، و دفع الضّرر المظنون واجب عقلا في الواجبات الشرعية، و تسليم العقاب على تركه ليس بأوضح من اندراج الظلم في المحرّمات الشرعية، و ردّ الوديعة و الدّين في واجباتها فهذا تحكّم بارد، بل ترجيح المرجوح.

____________

- عن بعض أصحابنا رفعه الى هشام بن الحكم قال: قال لي ابو الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام): يا هشام إنّ اللّه على الناس حجّتين: حجّة ظاهرة و حجّة باطنة فأما الظّاهرة فالرّسل و الأنبياء و الائمة (عليهم السلام) و أمّا الباطنة فالعقول.

و فيه أيضا الحديث 22 عن علي بن محمد عن سهل بن زياد عن محمد بن سليمان عن علي بن ابراهيم عن عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه قال: حجّة اللّه على العباد النبي، و الحجّة فيما بين العباد و بين اللّه العقل.

19

و ثانيها: الأخبار التي دلّت على أنّه لا يتعلّق التكليف إلّا بعد بعث الرّسل، لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى‏ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ (1). و على أنّ على اللّه تعالى بيان ما يصلح للناس و ما يفسد، و على أنّه لا يخلو زمان عن إمام معصوم (عليه السلام) ليعرّف النّاس ما يصلحهم و ما يفسدهم‏ (2)، و على: «أنّ اللّه يحتجّ على العباد بما آتاهم و عرّفهم، ثم أرسل إليهم رسولا و أنزل إليهم الكتاب فأمر فيه و نهى، أمر فيه بالصلاة و الصيام» (3) الحديث.

و لا يخفى ضعف الاستدلال بها، و يظهر الجواب عنها ممّا قدّمنا، فإنّ المراد من بعث الرسل هو التبليغ و لا معنى للتبليغ بعد إدراك العقل مستقلّا، فإنّه تحصيل الحاصل.

نعم هو لطف و تأييد و تأكيد كموعظة الواعظين في التكاليف السّمعيّة الّتي صار كثير منها من ضروريّات الدّين، مع أنّ البيّنة أعمّ من الشّرع، و التعليل يفيد انحصار البيّنة في الشّرع و هو لا يتمّ إلّا فيما لا يدركه العقل.

سلّمنا الدّلالة لكنها مخصّصة بالأدلّة المتقدّمة، و بيان ما يصلح و يفسد لا ينحصر في بيان الرسول؛ فقد بيّن اللّه تعالى كثيرا من المصالح و المفاسد بسبب خلق العقل، و تعريف المصلح و المفسد ينحصر في المعصوم (عليه السلام) إذا لم يكن بحيث يدركهما العقل فهو في غير ما يستقلّ به العقل.

____________

(1) الأنفال: 42.

(2) و قد ذكر ذلك بتمامه في «الوافية» ص 173 في الباب الرابع في الأدلّة العقلية، و شبهه في «الفصول» ص 343.

(3) في «الكافي» كتاب التوحيد باب حجج اللّه على خلقه الحديث 4 و فيه [و أنزل عليهم‏] و ليس كما ذكر [و أنزل إليهم‏].

20

و أمّا الرّواية الأخيرة فهي على خلاف مطلب المورد أدلّ؛ إذ الظاهر ممّا أتاهم و عرّفهم هو ما أرشدهم العقل إليه أو المذكور في الخبر من أوامر الكتاب و نواهيه هو مثل الصلاة و الصيام ممّا لا يستقلّ به العقل و لا دلالة في الخبر على أنّ المراد أنّ الاحتجاج لا يتمّ إلّا بمجموع الأمرين من الإتيان و التّعريف و إرسال الرّسل.

و أما قوله (عليه السلام): «كلّ شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي» (1)، فلا يدلّ على أنّ كلّ ما لم يرد فيه نصّ فهو مباح و إن أدرك العقل قبحه كما توهّم، بل المراد منه ما لا يدركه العقل، فلا بدّ إمّا من تخصيص كلمة شي‏ء أو تعميم النهي بحيث يشمل مناهي العقل.

و قد ذكر بعضهم في تقريب الاستدلال به وجهين:

[الحسن و القبح‏]

الأوّل: أنّ الرّواية من باب الخبر لا الإنشاء، و معناها أنّ كلّ شي‏ء لم يرد من الشّارع منع فيه و لم يصل إلينا، فلا يحكم عليه بالمنع الشّرعي؛ و إن كان محظورا عند العقل استنادا إلى منع إدراك العقل العلّة المقتضية لحكم الشّرع فيبنى على أصالة البراءة حتى يصل النهي؛ فدلّ الخبر على أنّه لا يصحّ الحكم بوجوب شي‏ء أو حرمته شرعا لحكم العقل بحسنه و قبحه.

و الثاني: أنّها إنشاء لحكم ما لم يرد فيه نهي، و معناها أنّ حكم كل ما لم يرد فيه نهي هو الإباحة و إن أدرك العقل قبحه، و أنت خبير بأنّ المعنى الأوّل أيضا إنشاء للحكم، فإنّ المنع عن الحكم بالمنع الشّرعي و أنّه حرام شرعيّ، مثلا إذا صدر عن‏

____________

(1) رواه ابن بابويه في «الفقيه» في تجويز القنوت بالفارسية 1/ 317 الحديث 137، و هو ما استدل به أيضا الفاضل في «الوافية»، ص 173 إنكاره الملازمة، و ضعّف في «الفصول» ص 347 التمسّك في المقام بهذه الرّواية.

21

الإمام (عليه السلام) فلا يريد به بيان الاصطلاح و أنّه لا يجوز إطلاق الحرام الشّرعي عليه في الاصطلاح، بل وظيفته بيان الحكم.

و حاصله، أنّ ذلك ليس بحرام شرعي، فإذا لم يكن حراما فهو مباح فيرجع إلى المعنى الثاني.

فإن قلت: المراد من المعنى الأوّل بيان أنّ الحكم الظّاهرىّ للمكلّف هو الإباحة نظرا إلى أصل البراءة حتى يصل النهي، لا أنّ حكمه الإباحة في نفس الأمر.

و المراد من المعنى الثاني بيان أنّ حكم ما لم يصل حكمه هو الإباحة لنفس الأمرية مطلقا.

قلت: لا يصحّ حمل المعنى الثاني على الإباحة الواقعيّة، لأنّه لا يصحّ حينئذ جعله مغيّا بغاية، و يدفعه كلمة «حتى»، و إن اريد أنّ المكلّف لا بدّ له أن يبني على هذا حتّى يظهر له خلافه، فهذا يرجع إلى بيان الحكم الظّاهرىّ فيرجع إلى الأوّل و ليس معنى آخر.

فالتّحقيق: أنّ المعتبر في الدّلالة هو الظّاهر لا التأويل، و قوله (عليه السلام): مطلق، مساوق لقوله: مباح. و لمّا كان العقل يحكم بقبح إباحة القبيح فما تدركه‏ (1).

عقولنا بأنّه قبيح لا يجوز أن يبيحه الشّارع و يرخّص فيه كما بيّنا سابقا، و منع إدراك العقل لعلّة القبح قد عرفت فساده، و انّ كلامنا على فرض إدراكه، فتخصّص الحديث‏ (2) بما تدركه العقول أو تعمّم النّهي.

____________

(1) مبتدأ و الخبر و لا يجوز الآتي.

(2) لا يقال: إنّ تخصيص العموم و تعميم النّهي كلاهما خلاف الظّاهر، و قد ذكروه آنفا انّ المعتبر في الدّلالة هو الظاهر لا التأويل، لأنّه نقول إنّ حمل اللفظ على خلاف ظاهره-

22

فإن قلت: إنّ إطلاق الرّخصة فيما لا يدركه العقول أيضا يوجب الرّخصة في القبيح في الجملة؛ إذ القبيح النّفس الأمريّ قبيح في نفس الأمر و له خاصّيّة ذاتيّة توجب تأثيرا كالسّمّ.

و لا ريب أنّ في جملة ما لم يرد فيه نصّ و لم يصل إلى المكلّف بعد مقابح، فكيف يحكم الشّارع بالرخصة في جميعه.

قلت: بعد ما قدّمنا لك في مباحث الأخبار في مقام بيان أنّ الشّارع اكتفى عن المخاطبين بما يفهمونه بظنّهم و إن لم يكن موافقا للواقع لا يبقى لك مجال لهذا البحث فراجع ثمة، و ما يوافق هذا الخبر من رخصة تعاطي ما فيه حلال و حرام حتّى يعرف الحرام بعينه، و ترخيصه أخذ اللّحوم و الجلود من سوق المسلمين، و ترخيصه أكل طعام أهل الكتاب من غير اللّحوم، و نحو ذلك في غاية الكثرة.

و الجواب عن الكلّ واحد، فإنّ الحسن و القبح قد يكون بالوجوه و الاعتبارات، فتأثير الأشياء تابع لتلك الوجوه، مثل تفاوت الأشخاص و الأزمان و الأمكنة، و حال العلم و الجهل و غيرهما. و قد يتدارك تأثير التسمية بترياق الإتيان من باب التسليم و الانقياد و الامتثال بحكم اللّه الظّاهرىّ.

[الكلام في اللّطف‏]

و ثالثها: أنّ أصحابنا و المعتزلة قالوا: إنّ التكليف فيما يستقلّ به العقل لطف،

____________

- إن كان لقرينة لفظية ظاهرة كانت أو عقلية لا تخرج الدّلالة عن الظهور، بل يكون الظاهر حينئذ ما دلّت عليه القرينة، فإنّ أسدا و إن كان ظاهرا في الحيوان المفترس إلّا إلّا أنّه مع قولك يرمي ليس ظاهرا فيه، بل ظاهر في غيره، و بعد ما بيّن انّ الشارع لا يجوز منه أن يبيح ما أدرك العقل قبحه يكون الخبر ظاهرا فيما ذكره من خصوص صدره أو عموم ذيله كما في حاشية الملا محمد تقي الهروي.

23

يعني أنّ انضمام التكليف الشرعي بالتكليف العقلي‏ (1) بمعنى تواردهما معا لطف، كما أنّ مطلق التكليف السّمعي لطف فيما لا يستقلّ به العقل، و العقاب بدون اللّطف قبيح، فلا يجوز العقاب على ما لم يرد فيه من الشّرع نصّ لعدم اللّطف فيه حينئذ.

أقول: سلّمنا وجوب اللّطف، لكن وجوب كلّ لطف ممنوع‏ (2)، إذ كثير من الألطاف مندوبة، فإنّ التكليفات المندوبة أيضا لطف في المندوبات العقلية أو مؤكّدة للواجبات العقلية (3)، و قد يكتفى في اللّطف بالتكليف بسمعيّ لا يستقلّ به‏

____________

(1) أريد بالتكليف الشرعي الايجاب و التحريم الشرعيين اللّذين يدركهما العقل بعد إدراكه الوجوب و الحرمة العقليين بالمعنى المرادف للحسن و القبح، لا ما هو مفاد الخطاب اللّفظي و إلّا لعبّر عنه بالتكليف السمعي كما عبّر به فيما بعد. و على هذا فالوجه المذكور دليل لنا لا علينا. و السرّ في ذلك انّ هذا الكلام من أصحابنا و المعتزلة إنمّا قصد به إثبات الملازمة بين حكم العقل و الحكم الشّرعي بقا عدة اللّطف، فكيف يستدلّ به لنفي الملازمة. و ممّا يرشد الى ذلك أيضا انّ جمهور العدلية جعلوا الايجاب و التحريم الشرعيّين لطفا في الواجبات و المندوبات العقلية و لم يقصدوا بذلك انّه لا بد و ان يكون بخطاب لفظيّ حتى في المستقلّات، لأنّ غاية ما ذكروه كون الإيجاب و النّدب بالمعنى المتضمّن للطلب الفعلي لطفا، و هذا أعمّ من أن يكون مدلولا عليه بالعقل و بخطاب الشّرع هذا كما أفاده السيد القزوينى في حاشية.

(2) يعنى ان قولهم بوجوب اللّطف إنّما يسلم على طريقة القضيّة المهملة التي هي في قوّة الجزئيّة، بل على طريقة الجزئيّة الخاصّة، فإنّ اللّطف منه ما هو واجب و من جملته التكليف السّمعي فيما لا يستقل به العقل، و منه ما هو مندوب، و من جملته التكليف السمعي فيما يستقل به العقل، فبطل بذلك ما أطلقه المستدلّ من أنّ العقاب بدون اللّطف قبيح فإنّه إنّما يسلّم في الألطاف الواجبة لا المندوبة. كما في حاشية السيد القزويني أيضا.

(3) و قد تعرّض لهذا القول في «الفصول» ص 345 و قوله أو مؤكدة مرفوع عطفا على-

24

العقل لا بنفس التكليف العقليّ كما يشير إليه قوله تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَ الْمُنْكَرِ (1).

فوجوب كل الألطاف إذا لم يثبت، فإن أراد من قوله: إنّ العقاب بدون اللّطف قبيح قبحه مع عدم شي‏ء من الألطاف فسلّمناه، لكن اللّطف لا ينحصر في توافق التكليف السّمعي و توارده مع التكليف العقلي، و انتفاء المقرّب إلى الطاعة و المبعّد عن المعصية بدون ذلك ممنوع، إذ البلاء و المرض و الموت و أمثال ذلك، و كذلك سائر التكاليف السّمعية كلها لطف.

مع أنّا نقول: إنّ بعث الأنبياء و نصب الأوصياء و إنزال الكتب من الألطاف البالغة، و مع ذلك فأمر النبي (صلى الله عليه و آله) و سلم بمتابعة العقل و ورود الكتاب بذلك كاف في التقريب و التبعيد و لا حاجة إلى الحكم الخاصّ بما يوافق مدركات العقل.

____________

- قوله: لطف، يعني إنّ التكليف النّدبي بالمندوبات العقلية مؤكد للواجبات العقلية، و هذا قريب من ما ذكره المحقق الثاني في «جامع المقاصد» في بيان نيّة وجه الوجوب و النّدب في الوضوء حيث قال: المراد بوجه الوجوب و النّدب السّبب الباعث على ايجاب الواجب و ندب المندوب فهو على ما هو قرّره جمهور العدليين من الإمامية و المعتزلة انّ السّمعيات ألطاف في العقليات، و معناه انّ الواجب السّمعي مقرّب من الواجب العقلي أي امتثاله باعث على امتثاله، فإنّ من امتثل الواجبات السّمعية كان أقرب الى امتثال الواجبات العقلية من غيره، و لا معنى للّطف إلّا ما يكون المكلّف معه أقرب الى الطاعة، و كذا النّدب السمعي مقرّب من الندب العقلي أو مؤكدا لامتثال للواجب العقلي فهو زيادة في اللّطف و الزّيادة في الواجب لا يمتنع أن يكون ندبا. و لا نعني أنّ اللّطف في العقليات منحصر في السّمعيات فإنّ النّبوة و الإمامة و وجود العلماء و الوعد و الوعيد، بل جميع الآلام تصلح للألطاف فيها، و إنّما هي نوع من الألطاف.

(1) العنكبوت: 45.

25

فقوله: فلا يجوز العقاب ... الخ؛ إن أراد عدم نصّ أصلا، فعلى فرض تسليم أصل المسألة نسلّمه، و لكن النصّ على لزوم مطلق متابعة العقل موجود.

و إن أراد عدم نصّ خاص يرد على ما يستقلّ به العقل فلزومه ممنوع، و كذا عدم جواز العقاب حينئذ ممنوع.

ثم اعلم أنّ ما ذكرنا من حكم ما يستقلّ بإدراكه العقل و أنّه دليل الشّرع إنّما كان مبنيّا على القول بأنّ العقل يدرك الحسن و القبح كما هو مذهب العدليّة و أكثر العقلاء، و حكمهم بإدراكه إنّما هو على طريق الإيجاب الجزئيّ.

فإنّ بعض الأشياء ممّا يدرك حسنها و قبحها بالضّرورة كالصّدق النافع و الكذب الضارّ، و بعضها بالنظر كقبح الصّدق الضارّ و حسن الكذب النّافع.

و بعضها ممّا لا يدرك العقل فيه شيئا، و الأشاعرة يقولون بعدم إدراكه على طريق السّلب الكلّي.

ثم إنّهم بعد التّنزّل و المماشاة ناظروا مع القائلين به في الأشياء الغير الضّرورية للتّعيّش، كالتنفّس في الهواء، و شرب الماء عند العطش الشّديد قبل ورود الشّرع مع وجود النّفع فيها كشمّ الطّيب، و أكل الفاكهة، و قالوا: بأنّ العقل لا يدرك فيها شيئا.

[في التّحسين و التّقبيح‏]

و اختلف القائلون بالتّحسين و التّقبيح‏ (1): فوافقهم بعضهم.

و ذهب آخرون الى الحظر.

____________

(1) فقد اختلف القائلون بالتّحسين و التّقبيح و المنكرون لهما بعد التّنزّل في حكمه قبل ورود الشّرع فذهب الأكثرون الى الإباحة، و آخرون الى الحظر، و ذهب الحاجبي إلى أنّه لا حكم فيه أصلا، و توقف شيخ الأشاعرة، و فسّر تارة بعدم العلم بالحكم و أخرى بعدم الحكم.

26

و توقّف بعضهم.

و ذهب الأكثرون الى أنّ العقل يدرك إباحتها، فيكون دليلا على الإباحة الشرعيّة (1).

و يظهر من ذلك أنّ ما هو المسلّم عند كلّ القائلين بالتّحسين و التّقبيح العقليّين، و المتّفق عليه بينهم، إنّما هو الأحكام الأربعة في الجملة، و ليس عندهم شي‏ء مباح عقليّ كان متّفقا عليه بينهم‏ (2) إذ الحكم بالإباحة العقلية موقوف على حكم العقل باستواء الفعل و الترك في المصلحة و المفسدة، بأن لا يكون في شي‏ء منهما مصلحة و لا مفسدة، فإذا كان مثل أكل الفاكهة و شمّ الطيب من الخلافيّات بينهم؛ فأيّ شي‏ء يبقى بعد ذلك لأن يحكموا عليه بالإباحة بالاتّفاق.

فما لا منفعة فيه‏ (3) أصلا مثل تحريك اليد بلا جهة و لا داع، و مضغ الخشب و النّبات الغير اللّذيذ، لا حكم للعقل فيها عند الكلّ‏ (4)، و لذلك عقدوا مسألة التنزّل‏

____________

(1) لمزيد من المعرفة في المقام راجع «الفصول» ص 346 و «هداية المسترشدين» 3/ 504، و «المحصول» 1/ 54.

(2) و قد استدل على ضعف هذا القول في «الفصول» ص 346.

(3) و قد علق هذا الكلام صاحب «الفصول» فيه عند بحثه الى انقسام الفعل بالتّحسين و التّقبيح الى ما يستقل العقل بإدراك حسنه او قبحه، و الى ما لا يستقل به فقال: و كأنّهم أخذوا القيد المذكور من الحجّة المعروفة للقائلين بالإباحة حيث اعتبروا في الفعل اشتماله على المنفعة و الأقرب عندي أن يحمل المنفعة المأخوذة في الدليل على منفعة ما أعني موافقة القصد و الدّاعي سواء سميت عرفا منفعة أو لا و مرجعها الى ما يمتنع بدونها صدور الفعل الاختياري، و بهذا يحصل التّوفيق بين الدّليل و العنوان، و حمل كلام المعتبرين لهذا القيد في العنوان على ذلك تعسّف واضح.

(4) و الاتفاق الذي حكاه المصنّف على أنّه لا حكم فيما لا يشتمل على المنفعة فكأنّه‏

27

فيما يشتمل على منفعة، و ما هو من ضروريّات العيش، يحكم العقل بالرّخصة فيها اتّفاقا، بل بوجوبها، لأنّ تركها موجب لقتل النفس القبيح عقلا، المنافي لغرض الخالق من خلقه، و لذلك لم يختلف فيه القائلون بإدراك الحسن و القبح للعقل.

و ممّا ذكرنا (1) ظهر ما في كلام الفاضل الجواد (رحمه اللّه) حيث قال: الأشياء الغير الضروريّة عند المعتزلة قسمان: ما يدرك العقل حسنها أو قبحها، و ينقسم الى الأحكام الخمسة- الى أن قال-: و ما لا يدرك العقل حسنها و لا قبحها، و لكنّها ممّا ينتفع بها، كشمّ الطّيب و أكل الفاكهة مثلا، فهذا قبل ورود الشّرع ممّا اختلف في حكمها ... الى آخر ما ذكره‏ (2).

و تبعه في هذه الغفلة (3) بعض الأفاضل ممّن تأخّر عنه أيضا.

و المختار قول الأكثر من الحكم بالإباحة، لأنّها منفعة خالية عن أمارة المفسدة

____________

- وقع سهوا من قلمه، لأنّ من قال بالحظر في المشتمل على المنفعة كيف يقول بأن لا حكم فيما لا يشتمل على المنفعة و إنّما يلزمه بطريق الأولوية القول بالحظر.

(1) قال ليس عندنا مباح عقلي و هذا الفاضل يقول بوجود مباح عقلي.

(2) ما يظهر من المصنّف أنّ ما فعله الفاضل الجواد شي‏ء ابتكره هو و لم يسبقه غيره إليه، بل تبعه بعض بعده و انّه غفلة صدرت منه ليس كذلك، بل هو (رحمه اللّه) كشيخه البهائي و غيره تبعوا السّابقين. قال العضدي: قد قسّم المعتزلة الأفعال الاختيارية الى ما لا يقضي العقل فيها لحسن و لا قبح و لهم فيها ثلاثة مذاهب الحظر و الإباحة و الوقف، و هو ينقسم الى الإقسام الخمسة المشهورة انتهى، و مثله عن العلّامة و الآمدي و غيرهما، بل قد يستظهر كونه محل اتفاق المخالف و المؤالف و ليس فيما ذكروه غفلة، و لا يرد عليهم ما أورده من التّناقض كما ستعرف ان شاء اللّه تعالى. كما أفاد ملا محمد تقي الغروي في حاشيته.

(3) و قد ردّ هذه الغفلة في «الفصول» ص 346، و اعتبر بأن ذلك الرّأي لم ينفرد به الشّارح الجواد، بل هو متداول بين القوم.

28

العاجلة و الآجلة، و الإذن من اللّه تعالى شأنه في التصرّف معلوم عقلا، لأنّ ما يتصوّر من جانبه من المانع إنّما هو التضرّر، و هو منتف قطعا كالاستظلال بحائط الغير، و الاستضاءة بنوره، و التسخّن بناره، حيث لا يوجب المذكورات ضررا على أحد، فيكون حسنا، بمعنى أنّ للفاعل القادر أن يفعله و لا يستحقّ ذمّا.

و احتمال حصول المفسدة في الواقع و إن لم تعلمها كما نشاهد وجودها في بعضها بعد كشف الشّرع، مثل حرمة الغناء، و الفقّاع الغير المسكر، و أمثال ذلك، لا يوجب حصول تزلزل في إدراك العقل، لأنّ هذا الاحتمال المبحث الذي لا منشأ له و لا أمارة عليه قبل ورود الشّرع ممّا لا يعتدّ به عند العقلاء، كما ترى إنّهم يلومون من يتحرّز عن الجلوس تحت الحائط المحكم البنيان الذي لا ميل فيه و يلحقون تجويز المضرّة حينئذ بظنّ أصحاب الجنون و السّوداء، مع أنّ هذا الاحتمال معارض باحتمال المفسدة في ترك الفعل أيضا، و هو يستلزم التكليف بالمحال، و المانع هنا أيضا لم يتشبّث إلّا بأنّه تصرّف في ملك الغير بغير إذنه، فكأنّه نفى احتمال مفسدة أخرى أيضا، و قد عرفت أنّه فاسد، مع أنّ حرمة مطلق التصرّف في مآل الغير غير معلوم عقلا و لا نقلا، و كذلك مطلق الغير حتى الخالق المنزّه عن النّقص و الاحتياج‏ (1).

ثمّ إنّ الفاضل الجواد بعد ما استدلّ على مختاره بمثل ما ذكرنا، قال: لكن لا يبقى شي‏ء هو أنّ الحكم بالحسن فيما نحن فيه لا يجتمع مع فرض أنّه ممّا لا يدرك بالعقل حسنه و لا قبحه.

____________

(1) و كل هذه الاحتجاجات للمصنّف على مختاره من الإباحة الواقعية، لم تنهض إلّا بإثبات الإباحة الظّاهرية كما عند صاحب «الفصول» ص 348.

29

و يمكن الجواب عن ذلك: بأنّ العقل لا يدرك الحسن و لا القبح بالنظر إلى خصوصيّاتها (1)، و يحكم حكما عامّا بالحسن بالنّسبة إلى الجميع.

و يمكن أن يجاب أيضا عن ذلك: بأنّ المراد أنّ العقل لا يدرك حسنها و لا قبحها ابتداء و مجرّدة (2) عن ملاحظة شي‏ء آخر، و لا ينافي ذلك حكمه بالحسن عامّا بالنّظر إلى الدليل فتأمّل. انتهى.

أقول: و الغفلة (3) التي حصلت أوّلا: هو الذي أورد عليه هذا الإشكال و تفطّن له، لكنّ الجوابين اللّذين ذكرهما (4) لا ينفعانه في شي‏ء لإمكان أن يقال: شمّ الورد منفعة مأذون فيها، و كلّ ما هو كذلك فحسن، يعني لا حرج في فعله و لا يستحقّ به الذمّ، فهو حسن، فقد علم حسنه بالخصوص من ذلك.

و أمّا الجواب الثاني: فيظهر بطلانه ممّا مرّ (5) من عدم انحصار مدركات العقل في الضروريّات‏ (6).

و قد يوجّه كلامه: بأنّ مراده أنّ النّزاع فيما لا يدرك العقل حسنه أو قبحه بدليل‏

____________

(1) فلا يحكم العقل في كل واحد من الأشياء غير الضّروريّة بشي‏ء في خصوص كل واحد، بل يحكم حكما عاما يندرج تمامها فيه، و ببيان آخر أي لا يحكم العقل في خصوص شمّ الورد بشي‏ء، بل يحكم أنّ كل ما فيه منفعة و لم يظهر منه ضرر و لا ضرار يجوز و يحق الاتيان به و من هنا يظهر معنى كلامه من حكم الخاص و العام.

(2) فيحكم من دون نظر و اجتهاد كالمستقلّات العقلية الضّرورية.

(3) و أشار صاحب «الفصول» الى كلام الفاضل الجواد في هذا.

(4) الشّارح الجواد.

(5) أي من حكمه بأنّ حكم العقل مستقل على قسمين ضروري و نظري فالانحصار بالابتدائي الذي هو الضروري لا وجه له.

(6) و ردّ المصنّف على الجوابين فيه كلام في «الفصول» ص 349.

30

مختصّ به و إن أدرك حسنه من دليل عامّ يجري في الكلّ.

مثال الثاني: ما تقدّم و هو قوله: شمّ الورد منفعة مأذون فيها.

و مثال الأوّل: أن يقال: شمّ الورد فيه المنفعة الفلانيّة، مثل تطريف الدّماغ، و كلّ ما هو كذلك فهو حسن.

و فيه: أنّ هذا القياس في المباح لا يثمر إلّا مع انضمام كونه مأذونا فيه، و بعد ضمّ كونه مأذونا فيه، لا فرق بين النفع الخاصّ و النفع العامّ.

و إن أراد من النفع الخاصّ هو ما يوجد في غير المباح، مثل أن يقال: في ردّ الوديعة جهة حسن خاصّ و هو حفظ العرض مثلا، و كلّ ما هو كذلك فهو حسن، بخلاف شمّ الورد لأنّه يقال فيه: إنّ شمّ الورد موجب لمنفعة مأذون فيها، و كلّ ما هو كذلك فهو حسن، فهو مع أنّه غير ملائم للسياق من ذكر النفع، و تعميمه و تخصيصه لا يجدي طائلا، لأنّه لا معنى لجعل أحدهما موضع النزاع دون الآخر مع صحة القياس و إنتاجه‏ (1).

و ربما يدفع أصل الإشكال: بأنّه لا منافاة بين عدم حكم العقل على شي‏ء مع قطع النظر عن كونه مجهولا بين حكمه عليه مع ملاحظة وصف الجهالة. يعني أنّ حكم العقل بحسن شمّ الورد و أكل الفاكهة إنّما هو مع ملاحظة أنّهما مجهولا الحكم.

و أمّا مع قطع النظر عن كونهما مجهولي الحكم، فلا حكم للعقل فيهما.

____________

(1) فإنّ القياس كما هو صحيح و منتج في ردّ الوديعة بالنّفع الخاص فكذلك في شمّ الورد بالنّفع العام المأذون فيه فإنّه صحيح و منتج أيضا، إذا فلا معنى لجعل شمّ الورد محلا للنزاع عند من يقولون بالتّحسين و التّقبيح العقليين دون ردّ الوديعة، هذا مقصوده من قياسه و نتاجه على ما يبدو.

31

و فيه أيضا: أنّ حكم المبيح بالإباحة حينئذ ليس من جهة أنّه مجهول الحكم عند العقل، بل لأنّه يحكم بأنّه منفعة مأذون فيها، و حكم الحاظر بالحظر أيضا ليس من جهة أنّه مجهول الحكم، بل لأنّه يزعم أنّه تصرّف في مال الغير و هو حرام، فكيف يجعل محلّ النزاع مجهول الحكم، مع كون مقتضى دليل الباحثين علمهم بالحكم؟

فإن قيل: إنّ ذلك مقتضى دليلهم نظرا إلى ظاهر الحال و إغماضا عن الاحتمال فقد يتبدّل الحكم بظهور خلافه، كما لو حكم الشّارع بعد ذلك بالحرمة، فيظهر الخلاف و يعلم أنّ الحكم السّابق إنّما كان حكما لمجهول الحكم.

قلنا: هذا كلام سار في جميع المطالب المعلومة عند النّاظرين، فكثيرا ما يقام البرهان على المطلوب، بل و قد يدّعى بداهته ثمّ يظهر خلافه. و ذلك لا يوجب الحكم بكون ذلك الحكم العقليّ الذي هو مقتضى البرهان، حكم ذلك الشّي‏ء من حيث إنّه مجهول الحكم، بل تكليف النّاظر في كلّ وقت مع التّخلية التامّة هو ما يصل إليه نظره، سواء صادف الواقع أم لا.

نعم، هذا الكلام يجري فيما لا نصّ فيه من الأحكام التي لا مسرح للعقل فيها أصلا، مثل وجوب غسل الجمعة مثلا، فإنّ حكمه قبل ثبوته من الشّرع، من حيث هو مجهول عدم الوجوب، لا مع قطع النظر عنه، و أين هو من الحكم بالإباحة.

فحينئذ يمكن أن يقال: إنّ للأشياء قبل العلم بأحكامها تفصيلا حكم عقليّ من حيث كونها مجهولا بالاستقلال و إن لم يكن العقل مستقلّا بإدراك أحكامها، مع قطع النظر عن الجهالة، و كلّ ذلك صدر من الغفلة التي أشرنا إليها (1).

____________

(1) للفاضل الجواد و تبعه فيها بعض الأفاضل ممّن تأخّر عنه أيضا، و في حاشية الملا

32

و بما ذكرنا ظهر اندفاع ما ربّما يورد هنا من الإشكال من لزوم تسبيع الأحكام لزيادة الإباحة الظّاهرية و الحظر الظّاهريّ على الأحكام الخمسة، إذ أدلّة القائلين بها لا تفيد إلّا الإباحة و الحظر ما لم يظهر مفسدة أو رخصة، فإنّه لا يمكن نفي الاحتمال العقليّ رأسا، سيّما مع ملاحظة ما ورد في الشّرع من تحريم بعض المنافع الخالي عن المضرّة، مثل الغناء، و شرب الفقّاع الغير المسكر، و نحوهما.

فربّما يكون في الشّي‏ء مفسدة ذاتيّة لا يدرك العقل‏ (1)، ثمّ يكشف عنه الشّرع، إذ ذلك إشكال سار في جميع الأحكام و لا اختصاص له فيما نحن فيه، بل بجميع المطالب المستدلّ عليها، و المبيح و الحاظر لا يريدان إثبات الإباحة و الحظر الظّاهريّتين، بل يثبتان الإباحة و الحظر النّفس الأمريّتين كما هو مقتضى دليلهما.

نعم، قد يتّضح هذا الإشكال‏ (2) إذا استدلّ على هذا المطلب بمثل قولهم (عليهم السلام):

«كل شي‏ء مطلق حتّى يرد فيه نهي» (3).

و يمكن أن يقال فيه أيضا: إنّه مباح لمن لم يطّلع على النهي في نفس الأمر (4)، و حرام على من اطّلع عليه في نفس الأمر، لا أنّه لغير المطّلع مباح ظاهرا و حرام‏

____________

- محمد تقي الهروي: يعني أنّ جميع ما ذكر من الإشكال و الأجوبة المذكورة عنه ناشئ عن الغفلة التي صدرت عن الفاضل الجواد (رحمه اللّه)، و قد عرفت انّه لا غفلة هنا لا منه و لا من غيره.

(1) كذا في المصنّف.

(2) إشكال لزوم التّسبيع.

(3) «الوسائل» 27/ 174 حديث 33530، و فيه وجوه و احتمالات ذكره الشيخ الحرّ العاملي (رحمه اللّه).

(4) بل يمكن أن لا يسمّى محظور إلّا بعد أن يكون أعلم حظره أو دلّ عليه.

33

واقعا، نظير ذلك ما بيّنا في الواجب المشروط بالنّسبة الى الواجد للشرط و الفاقد، كما بيّنا مرارا.

[الأقوال في المسألة]

ثمّ قد ظهر لك أنّ الأقوال في المسألة أربعة:

الإباحة، و هو مذهب الأكثرين من أصحابنا، و المعتزلة البصريّة (1).

و الحظر، و هو مذهب بعض أصحابنا، و المعتزلة البغدادية (2).

و الوقف، و هو مذهب المفيد من أصحابنا، و بعض العامّة (3).

____________

(1) و ذهب أكثر المتكلّمين من البصريّين و هي المحكيّ عن أبي الحسن و كثير من الفقهاء على الإباحة كما ذكر الشيخ في «العدّة» 2/ 742، و كما عن «المعتمد» 2/ 315، و «التبصرة» 532، و «اللّمع» 116 و شرحه 2/ 977، و اختاره السيّد المرتضى في «الذريعة» 2/ 809.

(2) و ذهب كثير من البغداديّين، و طائفة من أصحابنا الإمامية الى أنّها على الحظر، و وافقهم على ذلك جماعة من الفقهاء، كما في نقل الشيخ في «العدة» 2/ 742، و كما عن «المعتمد» و «التبصرة» و «اللّمع» و «شرحه».

(3) و ذهب كثير من الناس الى أنّها على الوقف كما عن «العدة»، و كذا في «المعتمد» و «التبصرة» و «اللمع» و «شرحه»، و أضاف الشيخ في «العدة» و يجوّز كل واحد من الأمرين فيه و ينتظر ورود السّمع بواحد منهما، و هذا المذهب كان ينصره شيخنا أبو عبد اللّه (رحمه اللّه)، و هو الذي يقوى في نفسي.

و بالرّجوع إلى «التذكرة بأصول الفقه» للشيخ المفيد ص 43 من سلسلة مؤلّفاته المطبوعة نجده يقول فيه: فأمّا القول في الحظر و الإباحة فهو أنّ العقول لا مجال لها في العلم بإباحة ما يجوز ورود السّمع فيها بإباحته، و لا يحظر ما يجوز وروده فيها بحظره، و لكن العقل لم ينفكّ قطّ من السّمع [باباحته و حظره‏] و لو أجبر اللّه تعالى العقلاء حالا واحدة من سمع لكان قد اضطرّهم الى مواقعة ما يقبح في عقولهم من استباحة ما لا سبيل لهم الى العلم باباحته من حظره، و ألجأهم الى الحيرة التي لا تليق بحكمته.

34

و ذهب الأشاعرة إلى أنّه لا حكم لها.

و المراد بالوقف: أنّا نجزم أنّ هناك حكما و لم نعلم أنّه إباحة أو تحريم.

و الفرق بين المتوقّف و الحاظر أنّه يجزم بالحرمة فيكفّ عنه لأجل الحرمة، و المتوقّف يكفّ عنه خوفا عن الوقوع في الحرام.

[الكلام في معنى قبل الشّرع‏]

بقي الكلام في معنى: قبل الشّرع، و المراد به قبل وصول الشّرع إليه، سواء كان ذلك في زمان الفترة، أو في وقت اضطرار المكلّف و انقطاعه بسبب حبس أو مانع أو نحو ذلك‏ (1).

و لا ينافي ذلك عدم خلوّ زمان من الأزمنة عن نبيّ أو وصيّ أو حافظ للشريعة على أصولنا، و لا ما ورد بأنّ جميع الأحكام صدر عن اللّه تعالى و هو مخزون عند أهله، فإنّ من المعاين المحسوس أنّ ذلك بحيث يمكن وصوله إلى كلّ أحد من المكلّفين مع أنّ بيان الأحكام تدريجيّ.

نعم، بعد ما وردت‏ (2) الأحكام الشرعيّة و ظهر لنا حرمة بعض الأشياء التي لم تدرك عقولنا حرمتها، و وجوب بعض آخر كذلك، فلا يجوز الاعتماد على ذلك الأصل حتى يقع التتبّع التّام كما في كلّ ما لا نصّ فيه، فإنّه لا يجوز التمسّك بأصل البراءة أوّلا حتى يحصل الظنّ بعدم المعارض كما سيجي‏ء إن شاء اللّه تعالى‏ (3).

ثمّ إنّ القول: بأنّ كلّ ما فيه منفعة خالية عن المضرّة قبل ورود الشّرع ممّا يستقلّ بحكمه العقل على القول بالإباحة و الحظر، إنّما يتمّ أن لو قلنا بأنّ الدليل‏

____________

(1) في نسخة الأصل (ورد).

(2) يبدو أنّه أتى على تبيينها لوجود كلام فيها، و قد فصّله في «الفصول» ص 350، و اعتبر انّ حمل المصنّف له لا وجه له.

(3) في مبحث البراءة الآتي.

35

على ذلك يفيد القطع، كما في الظّلم و العدوان، و حسن العدل و الإحسان، لعدم دليل على كون غير المقطوع به دليلا للشّرع بالخصوص.

و دعوى قطعيّته من حيث عدم كون التصرّف في مال الغير مانعا و إن كان يمكن، لكن دعوى عدم مضرّة مفسدة أخرى محتملة فيه بعنوان القطع في ما ينفعنا اليوم- أعني بعد ثبوت الشّرع و بعث النبيّ (صلى الله عليه و آله) و سلم و نصب الأوصياء- من ثمرات هذه المسألة، مشكلة (1)، إذ المفروض أنّ كثيرا ممّا يشتمل على المنفعة الخالية عن المضرّة في عقولنا قد نهى عنها الشّارع، و صار ذلك كاشفا عن قبح واقعيّ، و يحتمل فيما لم نقف فيه على نهي أن يكون مثل ذلك و عدمه مظنون لا مقطوع به.

فالاعتماد إذا إمّا باستصحاب الإباحة السّابقة على بعث النبيّ (صلى الله عليه و آله) و سلم و ورود الشّرع في الجملة، أو باستصحاب عدم ورود النّهي بذلك، أو بالظنّ الحاصل بملاحظة محض أنّه منفعة خالية عن المضرّة، لا مؤاخذة فيه.

و كيف كان، فالحكم بالإباحة في مثل ذلك في أمثال زماننا، من الظنيّات، و الدليل عليه ظنّي، فكيف يقال: إنّها ممّا يستقلّ بحكمها العقل بعنوان القطع.

نعم، يمكن أن يقال: لمّا كان العمل بظنّ المجتهد ممّا يستقلّ به العقل بعنوان القطع لانسداد باب العلم و انحصار المناص في الظنّ و ذلك من جزئيّاته، فمن هذه الجهة يصير من جملة ما يستقلّ به العقل.

و من ذلك ظهر أنّ ما يقال: إنّ التكلّم في هذا القسم من الأدلّة العقليّة قليل الجدوى لعدم انفكاك ما استقلّ به العقل من الدّليل الشرعي عليه، كما يلاحظ في‏

____________

(1) خبر للدعوى.

36

قبح الظلم و حسن العدل و وجوب ردّ الوديعة و غير ذلك لا وجه له، فإنّ العمل بظنّ المجتهد من أعظم ثمرات هذا الأصل، و أيّ فائدة أعظم من ذلك.

و لا ريب أنّ الدّليل المعتمد فيه هو دليل العقل إذ ما يستفاد من الشّرع في هذا الباب لا يفيد إلّا ظنّا، و التمسّك به بدون دليل قاطع، لا وجه له.

و هذا هو الوجه في جعل الظنّ المستفاد من الاستصحاب و غيره أيضا من الأدلّة العقليّة.

و بعد ملاحظة هذا المعنى، و اندراج المذكورات في أفراد ظنّ المجتهد، فيعاضدها الأدلّة الشرعيّة أيضا من الآيات و الأخبار في أصل الإباحة و الاستصحاب و غيرهما، كما سنشير إليها في مواضعها إن شاء اللّه تعالى.

هذا و لكن إثبات حجّية ظنّ المجتهد لا دخل له في الأدلّة الشرعيّة التي هي المناط (1)، لاستفادة الأحكام الفرعيّة، و هي الموضوع لعلم أصول الفقه، و المرجع في استنباط المسائل الفقهية، بل هو يشبه المسائل الكلاميّة كما سنشير إليه في مباحث الاجتهاد و التقليد.

نعم، يمكن أن يقال: ظنّ المجتهد بالمسائل الفقهيّة، كما قد يحصل من الأدلّة اللّفظية، كالكتاب و السنّة، فقد يحصل من الأدلّة العقلية، و إذا حصل الظنّ له، فيحصل الظنّ بالضّرر بمخالفته، فيلزم اتّباعه، و من ذلك يظهر الكلام في‏

____________

(1) قد لا يستقيم هذا الكلام، مع العلم بأنّ إثبات مثل حجيّة الخبر الواحد و الشهرة و الاجماع المنقول من حيث قيام الحجّة على حجّية ظنّ المجتهد، فمع القول بها في الأدلّة النقلية فما الذي يمنع من عدم القول بها في الأدلّة العقلية.

37

الاستصحاب و غيره أيضا.

فحاصل الكلام في هذا المقام، أنّ الدليل العقلي إمّا حكم العقل بعنوان القطع على وجوب الشّي‏ء عقلا، كردّ الوديعة، أو حرمته كذلك، كالظّلم، أو استحبابه كذلك كالإحسان، و هكذا.

و من جملتها: حكمه بالإباحة في المنافع الخالية عن المضرّة قبل ورود الشّرع على القول به، أو حكمه بعنوان الظنّ به، مثل أنّ العقل يحكم حكما راجحا ببقاء ما كان عند عروض الشّك في زواله، و بأنّ ما ثبت يدوم الى أن يحصل الرّافع، فإذا ظنّ بقاء الحرمة السّابقة أو الوجوب السّابق بسبب حصولهما في الآن السّابق، فيظنّ الضّرر بمخالفة الحالتين السّابقتين، و يحكم بعد ملاحظة أنّ دفع الضّرر المظنون واجب، بأنّ متابعة الحالتين السّابقتين واجبة.

فهذا هو المائز (1) بين الأدلّة التي تفيد الظنّ للمجتهد، إذ بعضها يفيد الظنّ من جهة أنّه كلام الشّارع، و بعضها يفيد الظنّ من جهة أنّه حكم العقل و لو كان حكما ظنيّا.

و من هذا يظهر الكلام في الحكم بإباحة ما لم يبلغنا المنع عنه بعد ظهور الشّرع أيضا، لحصول الظنّ حينئذ من جهة العقل.

فالعقل إمّا يحكم في الموضوعات الخاصّة صريحا قطعيّا كالعدل و الظّلم مطلقا، و شمّ الورد و أكل الفاكهة قبل ورود الشّرع.

____________

(1) المائز أو المائز كما عبّر في الكتاب و هي بالميم من التّمييز، و في بعض النّسخ كتبت بالحاء من الحيازة و في الاثنين توجيهين مع درك المطلب.

38

و إمّا من جهة عموم حكمه بقبح تكليف ما لا يطاق، و يندرج تحته نفي وجوب الوضوء على من فقد الماء، و الصّوم على من لم يقدر عليه، و كذا العمل على مقتضى الحكم النّفس الأمري فيما لا نصّ فيه و لم يدرك حكمه العقل، فيحكم العقل بعدم الوجوب و عدم الحرمة إذا لم يثبت الحكم بنصّ أو عقل قاطع، و هذا هو الأصل المعبّر عنه بالبراءة الأصليّة، بل و كذلك حكمه الظّاهرىّ كما سنبيّنه‏ (1)، و هو ما تنازع فيه الفريقان في الإباحة و الحظر و التوقّف كما سيجي‏ء في أصل البراءة.

و الظاهر أنّ العقل أيضا يحكم برفع التكليف فيه.

و إمّا من جهة عموم حكمه بأنّ ما ثبت فالمظنون بقاؤه إذا كان ما يثبت ثبوته محقّقا من عقل أو حسّ أو شرع، ثمّ يجب العمل عليه استنادا الى أنّ دفع الضّرر

____________

(1) فإنّ ايجاب العمل على ما هو مقتض الحكم النّفس الأمري كما يكون تكليفا بما لا يطاق فيما ليس فيه حكم من العقل و لا نص فيه من الشّرع، كذلك إيجاب العمل على مقتضى الحكم الظاهري هو أيضا تكليف بما لا يطاق، و ذلك لأنّ الحكم الظّاهرى بعد تعارض أدلّة الإباحة و الحظر الواردة في بيان الحكم الظاهري يكون مجهولا كالحكم الواقعي، فلو كلّف بما هو حكم ظاهري بحسب نفس الأمر لا بحسب ظنّنا لكان تكليفا بما لا يطاق، لأن الحكم الظّاهري سواء قلنا إنّه الإباحة أو الحظر يكون مظنونا كما يعلم من كلمات المصنّف في مبحثه لأصل البراءة حيث قال: إنّ الأقوى و الأظهر هو العمل على البراءة الأصليّة و إنّ أدلّة البراءة الأصلية أقوى من أدلّة التّوقف، و أمثال ذلك ممّا ينادي بأنّ الحكم الظاهري ليس مقطوعا به، بل ظنّي و الظّن كثيرا ما يخالف الواقع، و هذا هو مراده بقوله: كما سنبيّنه، و إلّا فليس في كلامه فيما يأتي تصريح بأنّه لو لم يكتف الشارع هنا بهذا الحكم الظّاهري في ظنّنا يلزم التكليف بما لا يطاق.

39

المظنون واجب.

و هذا هو أيضا ممّا يثبت بالعقل القاطع، و هذا هو الاستصحاب.

و كذلك الأمر في استصحاب الإباحة فيما يدرك العقل إباحته، فإنّ المظنون حينئذ ارتفاع المنع و الوجوب و يثبت الإباحة بمثل ما تثبت فيما لا نصّ فيه و لم يحكم العقل فيه بشي‏ء.

فهذا حاصل الكلام في مباني الأدلّة العقليّة و معنى انتسابها الى العقل.

و أمّا غير هذه الثلاثة المذكورة ممّا ذكروها، مثل أنّ عدم الدّليل دليل العدم، و الأخذ بالأقلّ عند عدم الدّليل على الأكثر، و غيرهما، فيرجع إليها كما سيظهر لك في المباحث الآتية إن شاء اللّه تعالى.

40

قانون؛ [أصالة البراءة]

من جملة الأدلّة العقلية؛ أصالة البراءة (1)، و يقال لها: أصالة البراءة، و ربما يقال لها: أصالة النّفي.

و الأصل‏ (2) يطلق في مصطلحهم على معان كثيرة، مرجعها الى أربعة: الدّليل، و القاعدة، و الاستصحاب، و الرّاجح، و هو هنا قابل لثلاثة منها (3).

الأوّل: استصحاب البراءة السّابقة في حال الصّغر أو الجنون، أو حالة علم فيها عدم اشتغال الذّمة بشي‏ء، مثل البراءة عن المهر قبل النّكاح، و عن الدّين قبل زمان ادّعاء المطالبة في ذلك الزّمان، و إجراء حكم هذه الحالة في الآن الذي شكّ فيه باشتغال الذّمة.

____________

(1) ربما جعله من الأدلّة العقلية لدلالة مثل قبح العقاب بلا بيان عليه، و هذه القاعدة عبارة عن حكم عقلي، هذا و بعضهم اعتبره مدلول يستنبط تارة من الأدلّة العقلية و اخرى من الأدلّة النّقلية فمن هنا قال: بأنّ جعله دليلا عقليا غير سديد.

(2) لغة أسفل كل شي‏ء و هنا بمعنى ما يبنى عليه الشّي‏ء. راجع «المصباح المنير» ص 16، و «لسان العرب» 1/ 114.

(3) و كذا ذكر الشهيد في «التمهيد» ص 32، و لكن بلا ذكره لما ذكر من أنّها تطلق على معان كثيرة مرجعها الى أربعة، و بلا ذكره: و هو هنا قابل لثلاثة منها.

هذا و لم أجدا غيره من أطلق الأصل على غير المعاني الأربعة بحسب الاصطلاح الأصولي، نعم لها معاني و إطلاقات كثيرة، بحسب اللغة، و أيضا بحسب إطلاق الرّجاليين فإنّهم كثير ما يعنون بأن له أصل أي كتاب، و أيضا كثيرا ما يستعملون كلمة الأصل في كثير من المواضع التي لا ترجع الى الأصل المذكور انّه حجّة و لا إلى القاعدة المستفادة من الشّرع. و الشهيد في «قواعده» استعمل كلمة الأصل في مواضع، منها صحيح، و منها لا يظهر له وجه، و قد ذكر عدد أمثلة منها في «الوافية» ص 196.

41

و هذا الإطلاق إنّما يناسب بالنّسبة الى ما شكّ في تحريمه أو وجوبه، لأنّ اشتغال الذّمة لا يكون إلّا بالتكليف، و التكليف منحصر فيهما، فالتمسّك بأصل البراءة بهذا المعنى إنّما يصحّ في مقابل دعوى الحرمة أو الوجوب.

و الثاني: أنّ القاعدة المستفادة من العقل و النقل أن لا تكليف إلّا بعد البيان أو وصول البيان إلينا بعد الفحص و الطّلب بقدر الوسع فيما يحتمل فيه الحكم المخالف للأصل، للزوم التكليف بما لا يطاق لولاه.

و الثالث: أنّ الرّاجح عند العقل براءة الذّمة إن جعلنا الرّاجح من معانى الأصل، أعمّ من المتيقّن و المظنون، و لكنّ الأصوليّين جعلوا كلّ واحد من المعنيين الأوّلين أصلا برأسه، و دليلا على حدة، و أصالة البراءة دليلا ثالثا.

و الأوّل: هو ما يسمّونه استصحاب النّفي، و استصحاب حال العقل، و سيجي‏ء الكلام فيه.

و الثاني: هو الأصل المتّفق عليه المعروف بينهم من أنّ عدم الدّليل دليل على العدم، فجعل أصالة البراءة قسما على حدة مشكل.

نعم، هو نوع خاصّ من هذا الأصل، كما أنّ الأصل الآخر المعروف بينهم من نفي الأكثر عند تردّد الأمر بينه و بين الأقلّ نوع من أصل البراءة، و ذلك لأنّ هذا الأصل يجري في جميع الأحكام الشرعيّة، و أصل البراءة مختصّ بقسمين منها.

و يمكن الفرق بنحو آخر، و هو أن يقال: إنّ ذلك الأصل ناظر الى إثبات الأحكام الشرعيّة و نفيها للموضوعات العامّة من حيث إنّها أحكام شرعيّة، و هي ناظرة الى تعلّقها بخصوص ذمّة آحاد المكلّفين.

و الحاصل، أنّ نفس البراءة الثّابتة لا يمكن أن تصير من الأدلّة الشرعيّة، بمعنى أن تثبت حكما شرعيا، فينسب عدم الوجوب أو عدم الحرمة من جهتها الى‏

42

الشّارع، فيقال: حكم الشّارع في المتنازع هو نفي الحرمة مثلا في الواقع أو في ظنّنا، إذ غاية الأمر حينئذ عدم ثبوت حكم الشّارع بالحرمة مثلا، أمّا نفيه، فلا.

نعم، يمكن إثبات الحكم من جهة القاعدة المذكورة (1)، و الأصل فيها لزوم تكليف ما لا يطاق، و هو ممّا يصحّ أن يجعل مناطا للحكم الشرعيّ كما مرّ في البحث الأوّل.

و توافق مقتضى هذه القاعدة من نفي التّحريم أو الوجوب مثلا لنفس البراءة لا يقتضي أن يكون ذلك ناشئا من البراءة، بل إنّما هو من باب التّوافق الاتّفاقي.

و ربّما قيل: إنّ عند التّحقيق حال استصحاب النّفي، بل الإثبات أيضا في موضع طرأت فيه حالة لم يعلم شمول الحكم الأوّل لها أيضا إنّهما ليسا أمارة على شي‏ء، و لا يثبت بهما حكم، بل يحصل منهما اعتقاد لزوم العمل على طبقهما، إلّا أنّ حكم الشّارع الواقعي هو عدم رفع ما يثبت بهما.

أقول: و فيه نظر، إذ غاية الأمر أنّ الاستصحاب لا يدلّ على عدم الحكم من الشّارع بخلافه، لكنّه يعلم منه حكمه ببقاء ما كان، و هذا أيضا حكم منه في الآن الثّاني ثبت إمّا من جهة الظنّ الحاصل بالبقاء من الكون الأوّل، أو من جهة الأخبار الصّحيحة، مع أنّ مقتضى تلك‏ (2) الأخبار (3) نفي الغير أيضا، فلاحظها.

____________

(1) و هي مذهب المشهور في تحديد الموقف العملي الذي هو عبارة عن مسلك قاعدة قبح العقاب بلا بيان، فإنّ التكليف بما أنّه لم يتمّ بيانه من المولى فإنّه يقبح المعاقبة على مخالفته فحق الطاعة للمولى يختص بالتكاليف المعلومة و لا يشمل المشكوكة.

(2) في نسخة الأصل (ذلك).

(3) كخبر زرارة المعروف في هذا الباب، بل و غيره من الأخبار التي تمسّكوا بها في كتب‏

43

و كيف كان، فأصل البراءة بالمعنيين اللّذين ذكرناهما (1)، يمكن جعله موضوعا للمسألة التي نحن على صدد بيانها.

و الحقّ، أنّه بالمعنيين حجّة شرعيّة، و مقتضاه نفي التكليف و رفع الحكم المشكوك فيه، و هو مختار أكثر العلماء.

و ذهب جماعة الى التوقّف و لزوم الاحتياط.

ثم إنّ الاستدلال بأصل البراءة إمّا فيما يستقلّ العقل بالحكم بإباحته قبل وصول الشّرع كشمّ الورد و أكل الفاكهة أو لا.

و الثاني: إمّا ورد فيه نصّان متعارضان، أو لم يرد فيه نصّ أصلا.

فالإباحة في القسم الأوّل إنّما يثبت بالعقل. و فائدة التمسّك بأصل البراءة نفي منع الشّارع ما لم يثبت المنع بدليل يقطع العذر، إذ قد بيّنا فيما سبق أنّ حكم العقل بالإباحة لا ينافي أن يكون في ذلك الشّي‏ء مفسدة كامنة لا يظهر إلّا ببيان الشّرع، و أنّ احتمال ذلك لا يضرّ فلا بدّ لمن يدّعيه من إثباته، فالتمسّك بأصل البراءة حقيقة إنّما هو لأجل نفي ذلك، لا لإثبات الإباحة العقليّة.

و أمّا ما لا يستقلّ العقل بالحكم بإباحته، كالتكفير حال الصلاة مثلا، و عدم وضع الأنف على الأرض حال السّجود؛ فأصل البراءة تنفي الحرمة في الأوّل لو لم يثبت النصّ عليها، و الوجوب في الثاني. فيبقى الفعل في الأوّل و الترك في الثاني مسكوتا عنه عند العقل، لأنّهما ليسا كشمّ الورد و أكل الفاكهة، و لكن يلزمه‏

____________

- الأصول و قد ذكر جملة منها في «الوافية» فراجعها.

(1) و هما استصحاب البراءة السّابقة، و القاعدة المستفادة من العقل و النّقل أن لا تكليف إلّا بعد البيان.

44

البقاء على مقتضى البراءة الأصليّة و إن لم يحكم العقل بالرّخصة فيه، أو نقول: يتمّ الحكم بالإباحة حينئذ بالشرع، مثل قوله (عليه السلام): «كلّ شي‏ء مطلق حتّى يرد فيه نهي» (1). كما أنّه يمكن في القسم الأوّل أيضا إثبات الإباحة بالشرع بأمثال ذلك أيضا.

و ما ذكرناه من الحصر في إثباته بالعقل إنّما كان مضافا الى أصل البراءة لا إلى الشّرع‏ (2)، و من ذلك يظهر حال ما ورد فيه نصّان متعارضان متساقطان، و سيجي‏ء الكلام في تفصيل المقامات.

____________

(1) «من لا يحضره الفقيه» 1/ 317 الحديث 937، «الوسائل» 27/ 173 الحديث 33530.

(2) حيث قال آنفا: فالإباحة في القسم الأوّل إنّما يثبت بالعقل. و مراده كما عن الملا محمد تقي الهروي في حاشيته أنّ مثل التّكفير و إن كان لا نثبت إباحته إلّا بالشّرع نحو كل شي‏ء مطلق ... إلخ، إلّا أنّ مثل شمّ الورد نثبت اباحته بالعقل و الشّرع جميعا، و عليه فما مرّ من حصر إثبات إباحته في العقل يكون إضافيا بالنّسبة الى أصل البراءة، إذ أصل البراءة يعني أنّ الإباحة في القسم الأوّل كشمّ الورد لا تثبت بأصل البراءة إذ أصل البراءة إنّما ينفي حرمته المحتملة النّاشئة من احتمال المفسدة الكامنة لا أنّها لا تثبت بالشّرع، بل إنّها كما تثبت بالعقل تثبت بالنّص أيضا، و قد تلخص من كلامه أنّ المنافع و غيرها كشمّ الورد و التّكفير سيّان في أنّ أصل البراءة ينفي الحرمة عن كل منهما و لا يثبت به الإباحة في شي‏ء منهما، و يفترقان في أنّ إباحة الأوّل تثبت بالعقل و الشرع و إباحة الثاني تثبت بالشرع فقط. هذا و لا يكفي انّ الإباحة التي تثبت بالعقل في المنافع هي الإباحة الواقعية عنده كما صرّح به في القانون السّابق، و أمّا الإباحة التي تثبت بمثل قوله (عليه السلام): كل شي‏ء مطلق فهي الإباحة الظاهرية العملية كما سيأتي في كلامه أيضا، فلم يتوافقا على شي‏ء واحد إلّا أنّ يحمل الحديث المذكور أيضا على الإباحة الواقعية كما احتمله في القانون السّابق حيث قال: و يمكن أن يقال فيه أيضا ...

الخ، و هو بعيد جدا مخالف لما قاله هو في بيانه هناك.

45

ثمّ إنّ المحقّق (رحمه اللّه) بعد اختياره حجّية أصل البراءة في كتاب الأصول مطلقا (1)، خصّها في «المعتبر» بما يعمّ البلوى‏ (2).

و توجيهه: أنّ العادة تقتضي بأنّه لو كان حكم من الشّارع فيما يعمّ به البلوى لنقل إلينا، فيحصل الظنّ من عدم الوجدان بعدم الوجود، بخلاف غير ما يعمّ به البلوى.

و هذا الكلام إنّما يناسب زمان الغيبة و ما يشبهها، كما هو المهمّ المحتاج إليه لنا، لا أوّل زمان صدور الشّرع.

و توجيهه على مذهبنا من صدور جميع الأحكام عن النبيّ (صلى الله عليه و آله) و سلم و كونها مخزونة عند الأئمّة (عليهم السلام)، و أنّه لم يبق شي‏ء إلّا و قد صدر حكمه عنه (صلى الله عليه و آله) و سلم.

أنّ مراد المحقّق، أنّ فيما يعمّ به البلوى يحصل الظنّ بأنّ الحكم الذي صدر فيه عنه (صلى الله عليه و آله) و سلم إنّما هو الإباحة إمّا بتصريحه (صلى الله عليه و آله) و سلم، و لكنّه لكونه غير محتاج إليه لموافقته للأصل لم ينقل إلينا. و إمّا بتقريره، لما هو مقتضى الأصل، بخلاف ما لا يعمّ به البلوى، فإنّه يحتمل أن يكون حكمه الصّادر عنه (صلى الله عليه و آله) و سلم مخالفا للأصل، و لكن لم يصل إلينا، لعدم توفّر الدّواعي، و أنت خبير بأنّه إنّما يحسن نكتة و علّة

____________

(1) راجع «معارج الأصول» ص 212 و نقل فيه أيضا قولا بوجوب الاحتياط مطلقا.

(2) فقوله: بأنّه حجة فيما يعمّ به البلوى خاصة، و عبارته في مقدمة كتابه «المعتبر» غير ملائمة على الحكاية إذ قسّم في الفصل الثالث منها الاستصحاب الى أقسام ثلاثة:

استصحاب حال العقل، و فسّره بالبراءة الأصلية، و استصحاب حال الشّرع، و ان يقال عدم الدّليل على كذا فيجب انتفاؤه، و ذكر هذا بين القسمين الأوّلين. و قال بعد ذكره:

و هذا يصحّ فيما يعلم انّه لو كان هناك دليل لظفر به أمّا لا مع ذلك فيجب التّوقف و لا يكون ذلك الاستدلال حجّة. و قد أفاد حول هذا المطلب صاحب «الفصول» ص 352 يمكن لك مراجعته.

46

للحكم بالإباحة الشرعيّة و عدمه بالخصوص، و لكنّه لا ينافي ذلك كون حكم ما لم يعلم حكمه من الشّارع بالخصوص هو البراءة، للزوم التكليف بما لا يطاق لولاه، و أنّ المثمر في البيان هو البيان الواصل الى المكلّف، لا مطلق البيان.

و مقتضى أنّ التكليف لا يصحّ إلّا بعد وصول البيان، لا يتفاوت فيه الأمران.

و بالجملة، الحقّ و التّحقيق جواز التمسّك بأصل البراءة فيما لم يبلغ إلينا فيه نصّ، سواء كان ممّا يحتمل الوجوب أو الحرمة، و اقتصر الأخباريّون على ما يحتمل الوجوب، و غير الحرمة، و حكموا بلزوم التوقّف في غيره‏ (1).

و مرادنا بالنصّ هو الدّليل الشّرعيّ و إن كان هو العقل القاطع كما مرّ في البحث الأوّل، و إن فرض قلّة انفكاكه عن النصّ الشّرعيّ، و حجّية أصل البراءة هو مذهب المجتهدين.

و ما يتراءى في الكتب الفقهيّة مثل كتب الفاضلين و غيرهما من التوقّف في الفتوى، و يقولون: فيه توقّف، أو تردّد، أو نحو ذلك، فليس قولا بوجوب التوقّف منهم أو العمل عليه، بل مرادهم بيان تعارض الأمارات من الطّرفين من حيث بيان الحكم في المسألة بالخصوص، و لم يترجّح عندهم أحد الطرفين، فيظهرون أنّه محلّ التوقّف عندهم من حيث خصوص المسألة بالنظر الى الدّليل الخاصّ، و إن كان فتواهم و عملهم بعد ذلك الرّجوع الى الأصل و التخيير. و سنشير بعد ذلك الى أنّ أخبار التوقّف أيضا تحمل على ذلك، أي على التوقّف في الخصوص.

____________

(1) فالأخباريون فيما لم يصلنا فيه نص على أربعة مذاهب: التّوقف و هو المشهور بينهم، و الحرمة ظاهرا، و الحرمة واقعا، و وجوب الاحتياط، و القول بالتّحريم يحتمل أن المقصود منه يكون قبل ورود الشرع فيكون غير مختص بالأخباري. و هذا و قد ألحق الأخباريّون بما لا نصّ فيه ما قد تعارض فيه النّصان، و الأفراد غير ظاهرة الفرديّة.

47

فالمجتهدون و الأخباريّون كلاهما متوقّفون في الحكم من حيث الخصوص، ثمّ يختلفون في حكم الواقعة بعد ذلك من حيث إنّها مجهول الحكم.

[الكلام في البراءة و لزوم الاحتياط]

فذهب المجتهدون الى البراءة الأصليّة، و الأخباريّون الى لزوم الاحتياط.

و كيف كان فالأقوى و الأظهر هو العمل على البراءة الأصليّة، و ادّعى عليه الإجماع جماعة، منهم الصدوق (رحمه اللّه) في «اعتقاداته» (1) في باب الحظر و الإباحة في الأشياء المطلقة قال: اعتقادنا في ذلك أنّ الاشياء كلّها مطلقة حتّى يرد في شي‏ء منها نهي، فيظهر منه انّه دين الإماميّة.

و عن المحقّق (رحمه اللّه) أنّه قال: إنّ أهل الشّرائع كافّة لا يخطّئون من بادر الى تناول شي‏ء من المشتبهات، سواء علم الإذن فيها من الشّرع أو لم يعلم، و لا يوجبون عليه عند تناول شي‏ء من المأكل أن يعلم التّنصيص على إباحته، و يعذرونه في كثير من المحرّمات إذا تناولها من غير علم، و لو كانت محظورة لأسرعوا الى تخطئته حتّى يعلم الإذن. انتهى‏ (2).

و أيضا يحكم العقل بعدم التكليف إلّا بعد البيان، و يدلّ عليه الكتاب و السنّة.

[أدلّته من الكتاب‏]

أمّا الكتاب فقوله تعالى: وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (3). و المتبادر منه أنّا لا نعذّبهم على ما يفعلون حتّى تبلغهم الأحكام ببعث الرّسول‏ (4).

و بعد ملاحظة ما سبق في البحث الأوّل، يظهر أنّ المراد، الأفعال التي لا حكم‏

____________

(1) ص 66 كما في النسخة المصوّرة عن الحجرية و المطبوع معها الباب الحادي عشر.

(2) في «المعارج» ص 205، و فيه لفظ المشتهيات بدل المشتبهات كما في النسخة المحققة التي بين يدي و المطبوعة حديثا. نعم أنا لا أقول باشتباه المصنّف.

(3) الإسراء: 15.

(4) كما عن الوحيد في رسالة أصالة البراءة «من الرسائل الأصولية» ص 353.

48

للعقل فيها بالأمر و النّهي. أو نقول أنّ الرسول أعمّ من الظّاهر و الباطن، و عدم التّعذيب كناية عن أنّه ليس هناك إيجاب و تحريم حتّى يبعث رسولا، و إلّا فيلزم انفكاك اللّازم عن الملزوم، و الأخبار عن العفو عن المؤاخذة عن جميع المحرّمات و ترك الواجبات الى زمان يستلزم القاء الإيجاب و التحريم‏ (1).

و العجب من بعض الأعاظم‏ (2) حيث جمع في كلامه بين الاستدلال بالآية لأصل البراءة، و دفع الإشكال الوارد من جهة الآية على الأحكام العقليّة الإلزاميّة بجواز العفو عن اللّه تعالى.

ثمّ إنّ نفي الإيجاب و التحريم من الشّارع، يستلزم الرّخصة في الفعل و الترك، و احتمال ذلك للأحكام الثلاثة الباقية لا يضرّ، إذ المراد من أصل البراءة نفي أحد الحكمين، سواء استلزم المقام بعد ذلك ثبوت الاستحباب أو الكراهة أو الإباحة بالمعنى الأخصّ. فإنّ المراد أنّ الأصل براءة الذّمّة عن الوجوب و الحرمة قبل وصول ما يدلّ عليهما إلينا، سواء وصل مطلق الرّجحان أو المرجوحيّة أم لا.

و قوله تعالى: لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى‏ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ (3).

و التّقريب فيه يظهر ممّا تقدّم.

____________

(1) و نقل في «الفصول» 353.

(2) يظهر لي أن بعض الأعاظم المعين به الوحيد كما يبدو من رسالته «أصالة البراءة» ص 380 من «الرّسائل الأصولية» و حيث قال: كان قد صرّح به أفضل المحقّقين و أكمل المدقّقين جمال الملّة و الدّين في تعليقته على «المختصر» للحاجبي. فقال: نحن معاشر الشيعة قائلون بجواز العفو منه تعالى.

(3) الأنفال: 48.

49

و كذلك قوله تعالى: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها (1). و أمثالها من الآيات الدالّة على عدم المؤاخذة إلّا بعد البيان.

[أدلّته من السّنة]

و أمّا السنّة، فمثل ما رواه الصدوق (رحمه اللّه) في «الفقيه» (2) في باب جواز القنوت بالفارسيّة عن الصادق عليه الصلاة و السلام: «كلّ شي‏ء مطلق حتّى يرد فيه نهي».

و رواه الشيخ (رحمه اللّه) أيضا (3)، و في روايته: أمر أو نهي.

و دلالته ظاهرة، فإنّ المراد: كلّ شي‏ء مطلق عنانه، مقيّد بزجر من الشّارع بحيث لا يمكن تناوله، فيجوز تعاطي فعله و تركه حتى يثبت منع و زجر بسبب قيد الشّارع و حبسه بنهيه عنه.

و المراد من النّهي في حديث الصّدوق أعمّ ممّا تضمّنه الواجب من النّهي عن الترك. و حمل الرّواية على استصحاب إطلاق الحكم الوارد من الشّرع حتّى يثبت التقييد، أو على ما لا يحتمل التحريم، فإنّه وفاقي أو على ما يعمّ به البلوى لحصول الظنّ فيه كما مرّ، أو نحو ذلك من المحامل البعيدة، تأويلات بعيدة لا داعي الى ارتكابها، لضعف معارضاته كما سيظهر إن شاء اللّه تعالى.

و ما رواه الصدوق في «التوحيد» (4) في الصحيح عن حريز عن الصادق عليه الصلاة و السلام قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) و سلم: «رفع عن أمّتي تسعة: الخطأ، و النسيان، و ما استكرهوا عليه، و ما لا يطيقون، و ما لا يعلمون، و ما اضطروا إليه،

____________

(1) الطلاق: 7.

(2) 1/ 317 الحديث 937.

(3) «تهذيب الأحكام» 2/ 326 الحديث 1337.

(4) ص 353، و «الخصال»: 417 الحديث 9، «الوسائل» 7/ 293 الحديث 938، و 8/ 248 الحديث 10559.

50

و الحسد، و الطّيرة، و التّفكّر في الوسوسة في الخلق ما لم ينطقوا بشفة». و رواه في أوائل «الفقيه» (1) أيضا.

فإنّ رفع المؤاخذة عمّا لا يعلمون ظاهر في الإباحة الشرعيّة.

و ما رواه في «الكافي» (2) في باب حجج اللّه على خلقه في الموثّق عن أبي الحسن زكريا بن يحيى عنه (عليه السلام): «ما حجب اللّه علمه عن العباد فهو موضوع عنهم». فإنّ المراد وضع تكليفه عنهم، أو وضع المؤاخذة، و هذا يشمل محتمل الوجوب و الحرمة، و لا وجه لتخصيصه بمحتمل الوجوب، إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة الدالّة على عدم التكليف و المؤاخذة إلّا بعد العلم، مثل قوله (عليه السلام):

«أيّما إمرئ ركب أمرا بجهالة فليس عليه شي‏ء» (3). و قوله (عليه السلام): «الناس في سعة ممّا لم يعلموا» (4). و نحوهما.

و قد يستدلّ بصحيحة عبد اللّه بن سنان، رواه في «الكافي» في نوادر المعيشة (5) عن الصادق عليه الصلاة و السلام قال: «كلّ شي‏ء يكون فيه حلال و حرام فهو حلال لك أبدا حتّى تعرف الحرام منه بعينه فتدعه».

و في الاستدلال به فيما لا نصّ فيه فيما اشتبه حكمه الشرعيّ إشكال، بل هو ظاهر فيما اشتبه موضوع الحكم.

و بيانه: أنّ المتّصف بالحلّ و الحرمة إنّما هو أفعال المكلّفين، فإن جعلناهما أعمّ‏

____________

(1) 1/ 36 الحديث 132.

(2) 1/ 126 الحديث 3، «وسائل الشيعة» 27/ 163 الحديث 33496.

(3) «تهذيب الأحكام» 5/ 73 الحديث 239، «الوسائل» 12/ 489 الحديث 16861.

(4) «الكافي» 6/ 297 الحديث 2، «الوسائل» 3/ 493 الحديث 4270.

(5) 5/ 313 الحديث 39.

51

من العقليّ فيشمل مثل التنفّس في الهواء الذي هو ممّا يضطرّ إليه الإنسان، إذ المراد بالحلّ في الرّواية حينئذ هو الرّخصة، لا حصول الإباحة بالمعنى الأخصّ، و إلّا فيكون المقسّم هو غير الاضطراريّات لعدم انصراف الحلال شرعا إليها، و قد ينسبان الى الأعيان توسّعا لكونها مشتملة على علّة الحكم المتعلّق بها و حكمته، و في الحقيقة، المتّصف بهما هو الفعل المتعلّق بها.

ثمّ إنّ الفعل قد يتّصف بهما باعتبار المتعلّق كحلّ أكل الخبز و حرمة أكل الميتة، و قد يتّصف بهما باعتبار الحال و الوقت، كالأكل على التّخمة، و إن كان المتعلّق مباح الأكل بالذّات، و وقت الاحتياج و إن كان حرام الأكل بالذّات، فما علم فيه المتعلّق أو الحال و الوقت و تعيّن كونه من أفراده، فلا إشكال فيه، و ما جهل فيه المتعلّق أو الوقت، فهو مورد هذه الرّواية و أمثالها. فاللّحم منه ما يحلّ أكله بالذّات و بالوصف و بالوقت و الحال كأكل لحم الغنم المملوك الغير الجلّال و نحوه المذكّى في خلاء المعدة (1). و منه ما يحرم بسبب خلاف أحد المذكورات، كلحم الخنزير أو أكل الغنم المغصوب أو الجلّال أو غير المذكّى أو على التّخمة، فإذا علم المذكورات فلا إشكال.

و أمّا لو جهل الحال، فمقتضى الرّواية كونه حلالا حتى يعلم أنّه متّصف بواحد من جهات الحرمة، فالشّاكّ في كونه على التّخمة أم لا مثلا، يحلّ له الأكل، و كذلك اللّحم المشترى من السّوق الذي لا يعلم أنّه مذكّى أو ميتة، و هذا هو الشّبهة في الموضوع، أعني ما يكون سبب اشتباه حكمه الشرعيّ الشّك في أنّه داخل تحت أيّ القسمين اللّذين علم حالهما بالدليل الشرعيّ، فلو ارتفع الجهل و حصل العلم‏

____________

(1) مقابل التّخمة.

52

بكونه أحدهما، فلا يحتاج الى دليل شرعيّ آخر في معرفة الحكم.

و أمّا الشّبهة في نفس الحكم الشّرعيّ، فهو أن يكون من جهة عدم الدليل أصلا

لا في هذا الشّي‏ء و لا في شي‏ء آخر يندرج هذا فيه كشرب التّتن مثلا، أو من جهة تعارض الدّليلين.

و قد توجّه الرّواية (1) بحيث تشمل الشّبهة في نفس الحكم الشّرعيّ ليتمّ الاستدلال بها على أصالة البراءة فيما لا نصّ فيه، و يقال: إنّ معنى الحديث أنّ كلّ فعل من جملة الأفعال التي تتّصف بالحلّ و الحرمة (2)، و كذا كلّ عين ممّا يتعلّق به فعل المكلّف و يتّصف بالحلّ و الحرمة، إذا لم يعلم الحكم الخاصّ به من الحلّ أو الحرمة، فهو لك حلال، فخرج ما لا تتّصف بهما جميعا من الأفعال الاضطراريّة و الأعيان التي لا يتعلّق بها فعل المكلّف، و ما علم أنّه حلال لا حرام فيه، أو حرام لا حلال فيه، و ليس الغرض من ذكر هذا الوصف مجرّد الاحتراز، بل هو مع بيان ما فيه الاشتباه.

فصار الحاصل، أنّ ما اشتبه حكمه و كان محتملا لأن يكون حلالا و لأن يكون حراما؛ فهو حلال، سواء علم حكم لكلّي فوقه أو تحته، بحيث لو فرض العلم باندراجه تحته أو تحقّقه في ضمنه، علم حكمه أيضا أم لا.

و بعبارة أخرى: إنّ كلّ شي‏ء فيه الحلال و الحرام عندك، بمعنى أنّك تقسّمه الى هذين و تحكم عليه بأحدهما لا على التعيين، و لا تدري المعيّن منهما، فهو لك حلال، فيقال حينئذ: إنّ الرّواية صادقة على اللّحم المشترى من السّوق المحتمل‏

____________

(1) و قد وجّه هذا التّوجيه السيد صدر الدين في شرحه «للوافية».

(2) و ستأتي الإشارة إليه في الأسطر القليلة الآتية في شرب التّتن.