أدوار الفقه الإمامي‌

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
333 /
5

[مقدمات التحقيق]

مقدمة المؤلف

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ*

الحمد للّه الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ، عَلَّمَ الْإِنْسٰانَ مٰا لَمْ يَعْلَمْ، و الصلاة و السلام على نبيّه الخاتم و على الأئمّة الهداة قادة الأُمم.

انّ الشريعة الإسلامية خاتمة الشرائع، خالدة إلى يوم القيامة و رسولها خاتم الرسل، و كتابه خاتم الكتب و قد أخذت الشريعة الإنسانَ محوراً للتشريع مجرداً عن النزعات القومية و الطائفية و اللونية و اللسانية، و أمرت مبلغها أن يقول: (يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّٰهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً).

و شريعة كهذه يجب أن تكون منطوية على مادة حيوية قادرة على تلبية حاجات الأُمّة إلى يوم القيامة و من المعلوم انّ المادة الحيوية تحتاج إلى من يرعاها و يستثمرها وفقاً للمصالح و المستجدات.

ثمّ إنّ هؤلاء الذين قاموا باستنطاق الشريعة هم الفقهاء الواعون الذين كرّسوا أعمارهم في إرساء قواعد الفقه على مرّ العصور، و قد مرّ على الفقه الإسلامي أدوار مختلفة لكلّ ميزته الخاصة، فالوقوف على ميزان تلك الأدوار يعد تعريفاً للشريعة بنحو خاص، فانّ تاريخ العلم لا ينفك عن العلم نفسه.

قد ألفت في سالف الزمان كتاباً في أدوار الفقه الإسلامي عند كلا‌

6

الفريقين، و فصلنا الكلام في الأدوار التي مرّ بها الفقه الإسلامي، و قد بذلنا الوسع في تبيين المحطات المهمة فيه. كما استعرضنا سير و تراجم فطاحل العلماء الذين تركوا بصمات واضحة على مسيرة الفقه التاريخية و ساهموا مساهمة فعالة في دفع عجلة الفقه نحو الإمام.

و قد طلب منّي غير واحد من روّاد العلم أن أفرِّد كتاباً يتناول خصوص تاريخ الفقه الشيعي الإمامي و أدواره، فنزلت عند رغبتهم، و أفرزت المباحث المتعلقة بالفقه الشيعي عن غيرها و دونتها في هذا الكتاب بتلخيص و إيجاز.

و هذا هو الذي نقدمه إلى القراء الكرام عسى أن يقع موقع القبول.

المؤلف

21 صفر المظفر من شهور عام 1423 ه‍-

7

تمهيد

أدوار الفقه الإسلامي

إنّ لكلّ علم هيكلًا عاماً له تعريفه و موضوعه و مسائله و غايته، و هذا ما يُتطرّق إليه في نفس العلم، و هناك جانب آخر يُدعى بتاريخ العلم، و يُهدف من وراء دراسته بيان مرحلة نشوئه و نضوجه و تكامله و ما أُصيب به من نكسات على طول تاريخه.

و قد قام الباحثون ذوو الاختصاص بدراسة تاريخ أكثر العلوم، حتى تكامل و أصبح تاريخُ كلّ علم موضوعاً مستقلًا وراء ذلك العلم، فهناك من يبحث في علم الطب مثلًا من منظار داخلي، و تثمر جهوده في نفس ذلك العلم، و لا تتجاوز عن حدوده، و هناك من يبحث فيه من منظار خارجي، و تنصبُّ جهوده في تاريخه، و المراحل التي مرّ بها و ما أعقبه من نضوج و تكامل، و هذا ما يسمّى بتاريخ العلم.

إنّ التتبع في تاريخ العلوم يثبت أنّ كلّ علم يوم نشوئه لم يكن سوى مسائل معدودة، لا تتجاوز عدد الأصابع، ثمّ كثرت و تشعبت عبر الزمان تحت ظل عوامل كثيرة ساهمت في ازدهاره.

و قد انصبَّ الاهتمام في العصور الأخيرة على تاريخ العلوم، و استعراض سيرها التكاملي، فأصبح لكلّ علم بل لكل مسألة تاريخ خاص بها.

و الباحث السابر في تاريخ العلوم حينما يواكب مراحلها التكاملية يقف على‌

8

حقيقة و هي انّ البحث في العلوم و الفهم العميق لها أمر لا ينفك عن دراسة تاريخها، إذ بها يقف على كافة أسرارها و خفاياها.

و التشريع الإسلامي و الفقه كغيره من العلوم لا يشذّ عن هذه القاعدة، فدراسة التشريع و الفقه الإسلامي غير دراسة تاريخهما.

نعم ثمة فرق بين التشريع و الفقه، و إن غفل عنه معظم من كتب في تاريخهما.

أمّا الأوّل، فيختص بما شُرّع في العهد النبوي من الأحكام طيلة 23 سنة، عن طريق الكتاب و السنّة في مجالي الأحكام و الأخلاق ممّا يحتاج إليه الفرد المسلم، و الأُسرة المسلمة، و المجتمع المسلم في إطار العمل.

و أمّا الثاني، فهو حصيلة الجهود المضنية التي بذلها الفقهاء بعد رحيل النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فيما له صلة بالتشريع، فخلّفوا وراءهم ثروة علمية فكرية تمثلت في فتاواهم و آرائهم.

و بما أنّ التشريع الإسلامي كان منحصراً بفترة خاصة، فلا غرو أن يُقتصر تاريخ التشريع على تلك الفترة القصيرة، ما بين بعثة النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) إلى رحيله التي لا تتجاوز عن 23 عاماً، و التي أعقبها غلقُ باب الوحي و التشريع.

فعلى الباحث في تاريخ التشريع الإسلامي أن يفصل بين تاريخ التشريع و تاريخ الفقه، و يُعطي لكلّ حقّه، ففي تاريخ التشريع يستعرض الآيات و الأحاديث الكفيلة ببيان الأحكام و أسباب النزول، و ما يرجع إليهما من مختلف الجوانب.

و أمّا تاريخ الفقه، فقد بدأ في الفترة التي أعقبت وفاة رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم)، و مرّ بأدوار مختلفة منذ عصر الصحابة و التابعين إلى عصر الفقهاء، و امتد إلى يومنا هذا.

9

الحاجة إلى تاريخ الفقه

قد ذكرت لدراسة تاريخ الفقه فوائد علمية جمّة، منها:

أ. الاطّلاع على الأساليب الفقهية التي سار على ضوئها الفقهاء، و تنوعت بها مناهجهم و مسالكهم، فلا شكّ انّ الفقه بمختلف أساليبه يهدف إلى أمر واحد، و إنّما الاختلاف في المناهج المتّخذة في الاستنباط و الاجتهاد للوصول إليه.

ب. معرفة العوامل التي ساهمت في تقدّم العلم و تطوّره.

ج. الوقوف على الأسباب المُعيقة لتطوّر الركب الفقهي، كظهور الأخبارية في القرن الحادي عشر و الثاني عشر عند الشيعة، و كإقفال باب الاجتهاد في أواسط القرن السابع عند السنّة، بيد أنّ العوامل المُعيقة عند الطائفة الأُولى لم تدم طويلًا، بل زالت بجهاد جهابذة فقهائهم، و لكن ما زالت الآثار السلبية للعامل الثاني باقية بين أهل السنّة إلى يومنا هذا.

و ثمة ميزة خاصة لتاريخ الفقه، و هو انّ تاريخه غير منفصل عن تاريخ التفسير و الحديث، فإنّ الفقه الإسلامي يستمد مادته من المصدرين الأساسيين: الكتاب و السنّة، فعلى من يدوّن تاريخ الفقه الإسلامي، الإلمام بتاريخ نزول القرآن الكريم و أسبابه، و تصنيفه إلى آيات تهدف إلى بيان المعارف العقلية، إلى أُخرى تستعرض قصص الأنبياء و سيرتهم و جهادهم ضدّ المشركين، إلى ثالثة تبيّن الأحكام الشرعية التي تدور عليها رحى الفقه.

ثمّ إنّ مصادر التشريع و المنابع التي يستنبط منها الفقه ليست أمراً متفقاً عليه بين كلا الفريقين، فهناك منابع و مصادر اتّفقت عليها الكلمة، و هناك منابع تعد مصدراً عند طائفة دون أُخرى، فالسنّة تعتمد على القياس و الاستحسان و غيرهما، مع أنّ الشيعة تُنكرها، فصار هذا باعثاً للباحثين في تاريخ التشريع‌

10

الإسلامي إلى تخصيص فصول بغية بيان مصادر التشريع الأصلية و التبعية. و قد أفردنا لها تأليفاً مفرداً.

المناهج المتّبعة في تاريخ الفقه

و هناك منهجان متّبعان في تاريخ الفقه:

المنهج الأوّل: و هو النظر إلى الفقه بما أنّه كائن حي يمر بأطوار مختلفة:

و هي: 1. طور الطفولية، 2. طور الشباب، 3. طور الكهولة، 4. طور الشيخوخة و الهرم.

و هذه النظرة إلى الفقه تتناسب مع الفقه السني الذي أوصد باب الاجتهاد منذ أواسط القرن السابع فأخذ الفقه يمر بطور الشيخوخة و الهرم و استنزاف قواه.

المنهج الثاني: تصنيف أطوار الفقه طبقاً للاسباب و الاحداث التي رافقت تكامله و ارتقاءه و التي اقترنت بأسماء جهابذة من الفقهاء الذين لعبوا دوراً هاماً في اغناء التراث الفقهي، و هذا النوع من التدوين الفقهي يتناسب مع الفقه الشيعي الذي لم يوصد باب الاجتهاد منذ ظهوره إلى يومنا هذا.

الفقه الإمامي الاثنا عشري

الفقه الإمامي تراث فكري فقهي تمتد جذوره إلى عصر الرسالة، و هو حصيلة جهود أُمّة كبيرة من شيعة آل البيت، الذين لم يألوا جهداً في استنباط الأحكام من الكتاب و السنّة، و من أهمِّ ما يُمتاز به هو سعة منابعه الحديثية بفضل العطاء الوافر للعترة الطاهرة و الذي استمرّ من عصر الرسول إلى عام 260 ه‍-، فيما يفقد الفقه السني هذا المنبع الواسع الزاخر المستمر.

كما أنّ من أهمّ ميزاته هو صدوره عن لسان أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) الذين‌

11

هم عيبة علم الرسول. و من هذه الشجرة الطيبة، الراسخة الجذور، أثمر الفقه الإمامي، و امتاز عن غيره بأمرين:

أ. السعة و الشمول من جهة المنبع.

ب. النقاوة وصفاء المصدر.

فقد صنّف فقهاؤهم طيلة 14 قرناً موسوعات و كتباً و رسائل فقهية لا يحصيها إلّا اللّه سبحانه، فكان على كُتّاب تاريخ الفقه الإسلامي أن ينظروا إلى الفقه من منظار واسع حتى يقفوا على الفقه الشيعي و ميزاته و تاريخه و تطوّره و أدواره.

و قد مرّ الفقه الإمامي بأدوار سبعة لكلّ ميزتُه الخاصة به و إليك الإشارة إلى عناوينها:

الدور الأوّل: عصر النشاط الحديثي و الاجتهادي (11- 260 ه‍-).

الدور الثاني: عصر تبويب الحديث و منهجة الاجتهاد (260- 460 ه‍-).

الدور الثالث: عصر الركود (460- نحو 600 ه‍-).

الدور الرابع: تجديد الحياة الفقهية (600- 1030 ه‍-).

الدور الخامس: ظهور الحركة الأخبارية (1030- 1180 ه‍-).

الدور السادس: تصعيد النشاط الفقهي (1180- 1260 ه‍-).

الدور السابع: عصر الإبداع الفقهي (1260- إلى وقتنا الحاضر).

و قبل الخوض في بيان أدوار الفقه الإمامي نذكر العهد التأسيسي للفقه و نفرزه عن سائر الأدوار.

12

العهد التأسيسي للفقه

بُعث النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) وسط مجتمع أُمّي، و الأُمّي من لا يُحسن القراءة و الكتابة، منسوباً إلى الأُم باقياً على الحالة منذ يوم ولدته أُمّه، و كان عدد من يجيد القراءة و الكتابة من قريش عند ظهور الإسلام لا يتجاوز سبعة عشر شخصاً، كما لا يتجاوز أحد عشر شخصاً بين الأوس و الخزرج في المدينة. ( (1))

و هذا هو الإمام علي (عليه السلام) يصف التخلّف الثقافي الذي فشا في تلك البيئة، بقوله: «إنّ اللّه بعث محمداً (صلى الله عليه و آله و سلم) و ليس أحد من العرب يقرأ كتاباً و لا يدّعي نبوّة، فَسَاق الناس حتى بوّأهم محلّتهم، و بلّغهم منجاتهم، فاستقامت قناتهم، و اطمأنّت صفاتهم». ( (2))

و لم يقتصر التخلّف على الصعيد الثقافي، بل شملت كافة الأصعدة الأخلاقية و الاجتماعية، و كانت حياتُهم حياة قَبَليّة لا يحكمهم القانون، و لا يسود بينهم العدل، فهذا هو التاريخ يحكي لنا انّ رجلًا من زبيد دخل مكة المكرمة في شهر ذي القعدة، و عرض بضاعة له للبيع، فاشتراها منه العاص بن وائل، و حبس عنه حقّه، فاستعدى عليه الزبيدي قريشاً، فطلب منهم أن ينصروه على العاص، و قريش آنذاك في أنديتهم حول الكعبة، فنادى المشتكي بأعلى صوته و قال:

____________

(1) البلاذري: فتوح البلدان: 457.

(2) نهج البلاغة، الخطبة 33.

13

يا آل فهر لمظلوم بضاعته*** ببطن مكة نائي الدار و النفر‌

و محرم أشعث لم يقض عمرتَه*** يا للرجال و بين الحِجْر و الحجَر‌

انّ الحرام لِمَنْ تمّتْ كرامته*** و لا حرام لثوب الفاجر القذر ( (1))

و تَكْمُن عظمةُ النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) في أنّه صَنَعَ من هذه الأُمّة المتخلّفة، أُمّة متحضّرة سائرة في ركاب الحضارة، و أوجد مدينة فاضلة قلّما يشهد التاريخ لها من نظير.

كانت الجزيرة العربية غاصّة بالفساد من كافة الجوانب، فكان يسودهم الشرك و عبادة الأوثان، و وأد البنات، و قتل الأولاد، و الإغارة، و قتل النفس، و البخس في الميزان، إلى غير ذلك من مساوي الأخلاق و رذائلها.

و إصلاح أُمّة كهذه، رهن أمرين:

الأوّل: التشريع الكامل.

الثاني: المنفِّذ الحاذق الذي يكون في مستوى ذلك التشريع الكامل.

و ما هذا الانقلاب الحضاري الذي طرأ عليهم إلّا بفضل هذين الأمرين.

و من وقف على آيات الأحكام في القرآن يجد فيها غزارة المادة، و روعة التشريع، و شمولها للعبادات و المعاملات و الإيقاعات و السياسات، فنستعرض الموضوعات التي تبنّاها القرآن بالتشريع.

فمن العبادات: الصلاة، و الصوم، و الحج، و العمرة.

و من المعاملات: البيع، و الربا، و العقود كلّها.

و من الإيقاعات: الطلاق، و الإيلاء، و الظهار، و الوصية.

و من السياسات: القصاص، و الحدود، كحد الزاني و القاذف و السارق و قطّاع‌

____________

(1) البداية و النهاية: 1/ 290؛ السيرة الحلبية: 1/ 132.

14

الطرق، و يلحق بها الجهاد بشتّى أقسامه، و العهود، و المواثيق المنعقدة بين الحاكم الإسلامي و خصومه، و أسرى الحرب، و غنائمها.

هذه نماذج من نظام التشريع القرآني الذي عدّ رصيداً في بناء الحضارة الإسلامية و إعادة الإنسان إلى الحياة الحرّة الكريمة، و قد اعترف أعداء الإسلام بهذه الحقيقة، قال الدوزي: «و بعد ظهور الذي جمع قبائل العرب أُمّة واحدة، تقصد مقصداً واحداً، ظهرت للعيان أُمّة كبيرة، مدّت جناح ملكها من نهر تاج إسبانيا إلى نهر الجانج في الهند، و رفعت على منار الإشادة أعلام التمدّن في أقطار الأرض، أيام كانت أوروبا مظلمة بجهالات أهلها في القرون المتوسطة، ثمّ قال: إنّهم كانوا في القرون المتوسطة مختصين بالعلوم من بين سائر الأُمم، و انقشعت بسببهم سحائب البربرية التي امتدت إلى أُوربا حين اختلّ نظامها بفتوحات المتوحشين».

هذه هي لمحة خاطفة للعهد التأسيسي و تعقبه الأدوار الفقهية واحداً تلو الآخر.

15

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

16

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

17

أدوار الفقه الإمامي

1‌

الدور الأوّل: عصر النشاط الحديثي و الاجتهادي (11- 260 ه‍-)

النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) هو المرجع في الأحكام‌

النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) هو المرجع الأوّل في الأحكام الشرعية، لأنّه (صلى الله عليه و آله و سلم) يفتي عن اللّه بوحيه المبين، فكلامه هو فصل الخطاب، و الخطاب الفاصل، يجب اتّباعه، و الأخذ بأوامره و نواهيه، سواء كان ذلك في مجال التشريع و بيان الأحكام، أو في مجال القضاء و فصل الخصومات، قال سبحانه: (مٰا آتٰاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مٰا نَهٰاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) ( (1)).

و قال سبحانه: (فَلٰا وَ رَبِّكَ لٰا يُؤْمِنُونَ حَتّٰى يُحَكِّمُوكَ فِيمٰا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لٰا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمّٰا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) ( (2)).

فالآية الأُولى تشير إلى ضرورة اتباعه في الأحكام بما لها من أوامر و نواهي، و الآية الثانية تشير إلى ضرورة التسليم لما قضى به في المخاصمات و المشاجرات و النزاعات.

و بكلمة جامعة لا يجوز التقدّم على النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) مطلقاً و الّذي يشمل التقدّم في الرأي أيضاً، قال سبحانه: (يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللّٰهِ وَ رَسُولِهِ

____________

(1) الحشر: 7.

(2) النساء: 65.

18

وَ اتَّقُوا اللّٰهَ إِنَّ اللّٰهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) ( (1)).

إنّ قوله سبحانه: (أَ فَحُكْمَ الْجٰاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَ مَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّٰهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ)، ( (2)) دلّ على أنّ الحكم يُصنَّف إلى صنفين: حكم جاهلي، و حكم إلهي. فما لم يكن بإذن من اللّه سبحانه، فهو جاهلي، و لا يعلم ذلك الإذن إلّا عن طريق النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) الذي يتولّى الوحيُ مهمةَ إيصاله إليه من ربه، و جاء في موارد ثلاثة لزوم الحكم بما أنزل اللّه دون غيره، و أنّ مَن لم يمتثل ذلك فهو كافر و ظالم و فاسق، كما يقول سبحانه: (وَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمٰا أَنْزَلَ اللّٰهُ فَأُولٰئِكَ هُمُ الْكٰافِرُونَ) ( (3)) و في مكان آخر: (فَأُولٰئِكَ هُمُ الظّٰالِمُونَ) ( (4)) و في موضع ثالث: (فَأُولٰئِكَ هُمُ الْفٰاسِقُونَ). ( (5))

و هذا ممّا لا خلاف فيه بين المسلمين، و الآيات الواردة في هذا الهدف كثيرة، نكتفي بهذا المقدار منها.

العترة هم المرجع في الأحكام بعد رحيله (صلى الله عليه و آله و سلم)

إذا كان النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) هو المرجع العلمي للمسلمين في المعارف و الأحكام، فطبيعة الحال تقتضي أن يكون هناك من يملأ هذا الفراغ بعد رحيله (صلى الله عليه و آله و سلم)، و لا يصحّ في منطق العقل ترك الأُمّة سدىً، لئلّا يأخذوا بحكم الجاهلية مكان الحكم الإلهي.

و هذا المرجع هو العترة الطاهرة، قرناءُ القرآن بتنصيص من النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) كما في حديثه (صلى الله عليه و آله و سلم) حيث قال: «إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه، و عترتي ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا».

و حديث الثقلين، حديث متواتر، رواه الفريقان في كتبهم، و ألّف غير واحد‌

____________

(1) الحجرات: 1.

(2) المائدة: الآيات: 50، 44، 45، 47.

(3) المائدة: الآيات: 50، 44، 45، 47.

(4) المائدة: الآيات: 50، 44، 45، 47.

(5) المائدة: الآيات: 50، 44، 45، 47.

19

رسائل و كتباً مستقلة في طرقه و اسناده و مفاده. ( (1))

و الجدير بالمسلمين التركيز على مسألة تعيين المرجع العلمي بعد رحيل النبي (صلى الله عليه و آله و سلم)، إذ لا يسوغ في منطق العقل أن يترك صاحب الرسالة، الأُمّةَ المرحومة بلا راع، و هو يعلم أنّه (صلى الله عليه و آله و سلم) برحيله سوف يواجه المسلمون حوادث مستجدة و وقائع جديدة تتطلب أحكاماً غير مبيّنة في الكتاب و السنّة، فلا محيص عن وجود مرجع علمي يُحلّ مشاكلها و يذلّل أمامها الصعاب، و قد قام (صلى الله عليه و آله و سلم) ببيان من يتصدّى لهذا المنصب بحديث الثقلين الذي ألقاه في غير موقف من المواقف.

و من العجب انّ كثيراً من المسلمين يطرقون كلَّ باب إلّا باب أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) مع أنّه (صلى الله عليه و آله و سلم) لم يذكر شيئاً ممّا يرجع إلى غير هؤلاء، فلا أدري ما هو وجه الإقبال على غيرهم و الإعراض عنهم؟!

أُولو الأمر

أمر سبحانه بإطاعة الرسول و أُولي الأمر، بأمر واحد، قال: (يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنٰازَعْتُمْ فِي شَيْ‌ءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّٰهِ وَ الرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ ذٰلِكَ خَيْرٌ وَ أَحْسَنُ تَأْوِيلًا). ( (2))

تأمر الآية بإطاعة اللّه كما تأمر بإطاعة الرسول، و أُولي الأمر، لكن بتكرار الفعل، أعني: (وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ) و ما هذا إلّا لأنّ سنخ الإطاعتين مختلف،

____________

(1) لاحظ صحيح مسلم: 7/ 122 و 123، باب فضائل علي، طبعة محمد علي صبيح، مصر؛ سنن الترمذي: 2/ 308؛ مستدرك الصحيحين: 3/ 109 و 148؛ مسند أحمد: 3/ 17 و 26 و ج 4/ 371 و ج 5/ 181؛ الطبقات الكبرى لابن سعد: 2/ 2، القسم 2؛ حلية الأولياء لأبي نعيم: 1/ 355 و ج 9/ 64؛ كنز العمال: 1/ 47 و 96، و غيرها.

(2) النساء: 59.

20

فإطاعته سبحانه واجبة بالذات، و إطاعة النبي و أُولي الأمر واجبة بإيجابه سبحانه.

و المهم في الآية هو التعرّف على المراد من أُولي الأمر، فقد اختلف فيه المفسّرون على أقوال ثلاثة:

أ. الأُمراء.

ب. العلماء.

ج. صنف خاصّ من الأُمّة، و هم أئمّة أهل البيت (عليهم السلام).

و بما أنّه سبحانه أمر بإطاعة أُولي الأمر إطاعة مطلقة غير مقيّدة بما إذا لم يأمر بالمعصية، فيمكن استظهار أنّ أُولي الأمر- المشار إليهم في الآية و الذين وجبت طاعتهم على الإطلاق- معصومون من المعصية و الزلل كالنبي (صلى الله عليه و آله و سلم) حتى صارا مقترنين بالطاعة في الآية.

و بعبارة أُخرى: إنّه سبحانه أوجب طاعتهم على الإطلاق، كما أوجب طاعة نفسه، و طاعة رسوله، و لا يجوز أن تُوجَب طاعة أحد على الإطلاق إلّا من ثبتت عصمتُه، و علم أنّ باطنه كظاهره، و أُمن منه الغلط و الأمر بالقبيح، و ليس ذلك بحاصل في الأُمراء، و لا العلماء سواهم. جلَّ سبحانه عن أن يأمر بطاعة من يعصيه، أو بالانقياد للمختلفين في القول و الفعل، لأنّه محال أن يُطاع المختلفون، كما أنّه محال أن يجتمع ما اختلفوا فيه. ( (1))

و قد أوضحه الرازي في تفسيره، و ذهب إلى أنّ المقصود من أُولي الأمر، هم المعصومون من الأُمّة و إن لم يخض في التفاصيل، و لم يستعرض مصاديقهم، لكنّه‌

____________

(1) مجمع البيان: 3/ 64، ط صيدا.

21

بيّنه بصورة واضحة، و قال:

و الدليل على ذلك، أنّ اللّه تعالى أمر بطاعة أُولي الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية، و من أمر اللّه بطاعته على سبيل الجزم و القطع لا بدَّ و أن يكون معصوماً عن الخطأ، إذ لو لم يكن معصوماً عن الخطأ كان بتقدير اقدامه على الخطأ يكون قد أمر اللّه بمتابعته، فيكون ذلك أمراً بفعل ذلك الخطأ، و الخطأ لكونه خطأً منهي عنه، فهذا يفضي إلى اجتماع الأمر و النهي في الفعل الواحد بالاعتبار الواحد، و أنّه محال.

فثبت أنّ اللّه تعالى أمر بطاعة أُولي الأمر على سبيل الجزم، و ثبت أنّ كلَّ من أمر اللّه بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصوماً عن الخطأ، فثبت قطعاً أنّ أُولي الأمر المذكور في هذه الآية، لا بدّ و أن يكون معصوماً. ( (1))

روى ابن شهرآشوب عن تفسير مجاهد، أنّ هذه الآية نزلت في أمير المؤمنين حين خلفه رسول اللّه في المدينة، فقال: «يا رسول اللّه، تخلفني على النساء و الصبيان؟» فقال: «يا عليّ، أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنّه لا نبي بعدي، حين قال: اخلفني في قومي و أصلح، فقال اللّه: (وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ)».

و قد أخذت الأُمّة عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) خصوصاً الصادق و الباقر (عليهما السلام) في مجال المعارف و الأحكام ما ملأ كتب الفريقين، أمّا الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) فحدِّث عنه و لا حرج، و أمّا الحسنان فقد قسا عليهما الزمان، و حالت الحكومة الأُموية بينهما و بين الأُمّة، و بالتالي فقد قلَّت الرواية عنهما، و عن علي بن الحسين (عليهم السلام) أيضاً.

____________

(1) الفخر الرازي: التفسير الكبير: 1/ 144.

22

العترة عيبة علم الكتاب و السنّة

ترك النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) الكتاب العزيز، و قد رسمت فيه الخطوط العريضة للأحكام التي كانت بحاجة إلى تبيين و تفسير إذ فيها المجمل و المطلق و العام، و لا يُطّلع على حقيقتها إلّا ببيان شارح، كما أنّه ترك السنّة و هي في صدور الحفاظ الذين تفرّقوا في البلاد، و قد أكلت حروب الردة جماعة منهم. أضف إلى ذلك أنّ قسماً من السنّة وضعت المبادئ العامة دون تفسيرها و بيانها.

كان الوضع على هذا المنوال حتى مُنعت كتابة الحديث و تدوينه و التحدّث به، و لا شك انّ المنع لم يكن لدوافع شرعية، بل كان لدوافع سياسية، و قد مُني من جرّاء ذلك، جمهور المسلمين بخسارة جسيمة، إلّا أنّ الشيعة لم يعيروا أهمية لهذا الحظر، بل دأبوا على كتابة السنّة و تدوينها و نشرها بين أبنائهم، علماً منهم بأنّ السنّة وحي كالقرآن الكريم لا يمكن التساهل فيها دون نشرها و إلّا تذهب أدراج الرياح، و المسلمون خلال الأعصار المتعاقبة لمسوا الحاجة إلى تدوين السنّة و الاطّلاع عليها، لأنّ ما في الصدور يذهب بذهاب أصحابها.

قامت أئمّة الشيعة و أتباعهم بوجه منع كتابة السنّة، و دوّنوا الحديث من غير اكتراث بحظر المنع، منهم:

1. الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)

قال النجاشي في ترجمة محمد بن عذافر الصيرفي، عن أبيه، قال: كنت مع الحكم بن عتيبة، عند أبي جعفر، فجعل يسأله، و كان أبو جعفر (عليه السلام) له مُكْرِماً، فاختلفا في شي‌ء، فقال أبو جعفر (عليه السلام): «يا بُنيّ قم فأخرج كتاب علي (عليه السلام)»‌

23

فأخرج كتاباً مدروجاً عظيماً، ففتحه و جعل ينظر حتى أخرج المسألة، فقال أبو جعفر (عليه السلام): «هذا خط علي (عليه السلام) و إملاء رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم)» و أقبل على الحكم و قال: «يا أبا محمد اذهب أنت و سلمة (بن كهيل) و «أبو المقدام» حيث شئتم يميناً و شمالًا، فو الله لا تجدون العلم أوثق منه عند قوم كان ينزل عليهم جبرئيل (عليه السلام)».

و ( (1)) قد أخرج العلّامة الشيخ علي الأحمدي في موسوعته قسماً من الروايات المنتهية إلى كتاب علي (عليه السلام) المبثوثة في الكتب الحديثية لا سيما كتاب الوسائل. ( (2))

و كان للإمام كتاب آخر يدعى «الصحيفة» جمع فيه ما يرجع إلى الديات، و قد قام أيضاً الشيخ الأحمدي بجمع ما روي عن تلك الصحيفة في غير واحد من الصحاح و المسانيد.

و بذلك يظهر ( (3)) انّ ما رواه البخاري في باب كتابة العلم،- عن أبي جحيفة قال: قلت لعلي هل عندكم كتاب؟ قال: لا، إلّا كتاب اللّه، أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة» قال: قلت: و ما في هذه الصحيفة؟ قال: «العقل، و فكاك الأسير، و لا يقتل مسلم بكافر» ( (4))- ليس على صواب لوجهين:

أوّلًا: فقد كان للإمام كتاب وراء الصحيفة جاءت ميزاته و خصوصياته في رواية أئمة أهل البيت و كان طوله 70 ذراعاً و ضخامته كفخذ الإبل و كان الكتاب مدروجاً.

ثانياً: أنّ الصحيفة اشتملت على أحكام كثيرة في باب القصاص و الديات،

____________

(1) النجاشي: الرجال: الترجمة 967.

(2) لاحظ مكاتيب الرسول: 1/ 72- 89.

(3) لاحظ مكاتيب الرسول: 1/ 66- 71.

(4) البخاري: الصحيح: 1/ 38، باب كتابة العلم، الحديث الأوّل.

24

و لم تكن مقتصرة على هذه الجمل الثلاث.

2. أبو رافع الصحابي

و قد تبعت الشيعةُ الإمامَ علي بن أبي طالب (عليه السلام) في تدوين السنّة و لم يعيروا للمنع وزناً، و هذا أبو رافع الصحابي الجليل من شيعة علي بن أبي طالب، الذي أعتقه رسول اللّه عند ما بشّر بإسلام العباس، يقول النجاشي:

و لأبي رافع كتاب السنن و الأحكام و القضايا. ( (1))

و يظهر من النجاشي انّ الكتاب كان مشتملًا على أبواب الصلاة و الصيام و الحج و الزكاة و القضايا.

3. علي بن أبي رافع التابعي

و قد اقتفى أثر أبيه في تدوين السنّة، ابنه علي بن أبي رافع ذلك التابعي الذي كان من خيار الشيعة، و كان له صحبة مع أمير المؤمنين، و كان كاتباً له، و حفظ كثيراً، و جمع كتاباً في فنون من الفقه، الوضوء و الصلاة و سائر الأبواب. ( (2))

4. عبيد اللّه بن أبي رافع التابعي

فقد ألّف عبيد اللّه بن أبي رافع كتاباً في أقضية أمير المؤمنين، ذكره الشيخ في «الفهرست» و ذكر سنده إليه. ( (3)) فإذن أبو رافع و ولداه: علي و عبيد اللّه حفظوا السنّة النبوية التي ورثوها عن الإمام أمير المؤمنين و الصحابة و التابعين.

____________

(1) النجاشي: الرجال: 1/ 65، الترجمة 1.

(2) النجاشي: الرجال: 1/ 65، الترجمة 1.

(3) الطوسي: الفهرست: برقم 441.

25

نعم زعم شيخنا التستري انّ هناك كتاباً واحداً نسبه النجاشي إلى علي بن أبي رافع، و الشيخ إلى عبيد اللّه بن أبي رافع و اللّه العالم. ( (1))

و لم يعلم مدركه لهذا الادّعاء إذ لا مانع من وجود كتابين، أحدهما يرجع إلى أبواب الفقه كما هو صريح النجاشي، و الآخر يرجع إلى باب أقضية الإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام).

5. ربيعة بن سُميع التابعي

قال النجاشي عند ذكر الطبقة الأُولى من مؤلّفي الحديث: ربيعة بن سميع عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، له كتاب في زكوات النعم. ( (2))

ثمّ ذكر سنده إلى الكتاب ناقلًا عن ربيعة بن سميع، عن أمير المؤمنين أنّه كتب له في صدقات النعم و ما يؤخذ من ذلك، و هذا صريح في أنّ الإمام أملاه و كتبه ربيعة، أو كتبه نفس الإمام و دفعه إليه.

6. عبيد اللّه بن الحر الجعفي، الفارس الفاتك، الشاعر التابعي

قال النجاشي: له نسخة يرويها عن أمير المؤمنين (عليه السلام).

و روى النجاشي أيضاً بسنده عنه انّه سئل الحسين بن علي عن خضابه، فقال (عليه السلام): «أما إنّه ليس كما ترون إنّما هو حناء و كتم». ( (3))

هذه هي الطبقة التي دونت السنّة النبوية المأخوذة عن لسان أمير المؤمنين (عليه السلام) و سائر الصحابة و التابعين.

____________

(1) التستري: قاموس الرجال: 6، ترجمة علي بن أبي رافع.

(2) النجاشي: الفهرست: برقم 2.

(3) النجاشي: 1/ 71 برقم 5، و الكتم بالتحريك نبت يخلط بالحناء، و يختضب به الشعر، فيبقى لونه.

26

بيد انّ هذا الوضع لم يدم طويلًا، فقد كثرت الضغوط على الشيعة في عهد الأُمويين خاصة في عهد معاوية و عبد الملك بن مروان و ابنائه، فقام الأئمّة الثلاثة الّذين أعقبوا الإمام أمير المؤمنين علياً (عليه السلام)، أعني: الحسن بن علي، و الحسين بن علي، و علي بن الحسين (عليهم السلام)، بأعباء الإمامة و إرشاد الأُمّة في أجواء مشحونة بالعداء و البغض لأئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، فلم تسنح الفرصُ للشيعة من أن ينهلوا من معين علوم الأئمّة (عليهم السلام) إلّا قليلًا منهم، و سيوافيك أسماء من أخذ الفتيا عنهم في تلك الظروف العصيبة.

و مع هذا الضغط، فقد ذكر الشيخ الطوسي أصحاباً للإمام الحسن (عليه السلام) الذين صاحبوه و رووا عنه، فبلغوا 52 بين صحابي و تابعي ارتوَوا من معين علمه الفيّاض.

كما ذكر أصحاب الإمام الحسين بن علي (عليهما السلام) وفق الحروف الهجائية، فبلغوا 109 بين صحابي و تابعي، و قد رووا عنه في مختلف المجالات من العقائد و الفقه و التفسير.

و على الرغم من أنّ الإمام السجاد كان محاطاً بالعيون و على مرأى و مسمع من حكّام بني أُميّة، لكنّه ترك تراثاً علمياً في العقائد و الحقوق تتجسد في «الصحيفة السجادية» و رسالة «الحقوق».

أمّا الصحيفة، فهي في فصاحة ألفاظها، و بلاغة معانيها، و الأساليب العجيبة في طلب عفوه و كرمه سبحانه، فريدة في بابها ليس لها مثيل.

و أمّا الرسالة، فقد رواها الحسن بن شعبة في «تحف العقول» كما رواها الصدوق في «خصاله»، و هي من جلائل الرسائل في أنواع الحقوق، فيذكر الإمام فيها حقوق اللّه سبحانه على الإنسان، و حقوق نفسه عليه، و حقوق أعضائه من‌

27

اللسان و السمع و البصر و الرجلين و اليدين و البطن و الفرج، ثمّ يذكر حقوق الأفعال من الصلاة و الصوم و الحج و الصدقة و الهدي، ثمّ يذكر حقوق الأئمّة، و الرعية و حقّ الرحم حتى بلغت 50 حقاً آخرها حقّ الذمة. ( (1))

و قد ذكر الطوسي في رجاله الرواة عنه (عليه السلام) و رتّبها على حروف المعجم، فبلغ 175 شخصاً، و هم بين صحابي و تابعي. ( (2))

*** عصر الإمامين الباقر و الصادق (عليهما السلام)

و لمّا ضعفت الدولة الأُموية، و ازدادت القلاقل و الفتن ضدها سنحت الفرصة للإمامين الباقر و الصادق (عليهما السلام)، لبثِّ السنّة النبوية، و تزويد الأُمّة بالعلوم الإلهية، فصارت الشيعة تتحمل عناء السفر و الحضور عند الأئمّة بغية النهل من معين علومهم العذب، و ضبط كلّ ما سمعوه في كتبهم ما دامت الفرصة متاحة، فبثّا من العلوم ما يشدّ إليه الركبان.

يقول البحّاثة الكبير شيخنا الطهراني:

كانت الشيعة تتوصّل بكلّ طريقة للتشرّف بحضرتهم، و أخذ معالم دينهم عنهم، و تدوينها في كتبهم، و الفاحص في أحوال الرواة و أخبارهم يعرف مبلغ اهتمامهم في تلقّي أنواع المعارف و العلوم من معادنها في السر و العلانية حسب الاقتضاءات الزمنيّة، و يطّلع على مقدار رعايتهم للآداب في حالات حضور مجالس أئمتهم، و عرض المسائل عليهم و سماع الأجوبة عنهم، و إعدادهم ما يلزمهم لذلك من الأدوات بوضع الألواح من آبنوس و الاميال في أكمامهم، ثمّ‌

____________

(1) انظر تحف العقول: 184- 195؛ الخصال: 564- 570، في أبواب الخمسين.

(2) الطوسي: الرجال: 81- 102.

28

مبادرتهم إلى كتابة ما سمعوه عنهم بعينه صيانة من وقوع السهو، أو عروض نسيان، أو حصول تغيير في المعنى بتغيير اللفظ، ثمّ كيفيّة تحفّظهم على كتبهم بعدم إخراجها إلى من لا يثقون به خوفاً من دسّه شيئاً فيها، و عدم جعل سبيلها كسائر التركة، ثمّ يخرجونها عنهم في حياتهم إلى من يثقون بديانته و صلاحه و أهليّته أو يوصون بها إليه، كلّ ذلك منهم طوعاً و انقياداً لطلبات مواليهم المعصومين (عليهم السلام). ( (1))

قال ابن حجر في ترجمة الإمام الباقر (عليه السلام): سُمي بذلك لأنّه من بقر الأرض، أي شقّها، و إثارة مخبئاتها و مكامنها، فكذلك هو أظهر من مخبئات كنوز المعارف و حقائق الأحكام، و الحكم و اللطائف ما لا يخفى إلّا على منطمس البصيرة أو فاسد الطوية و السريرة، و من ثمّ قيل فيه هو باقر العلم و جامعه و شاهر علمه و رافعه. ( (2))

و قال ابن كثير: أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وسمي بالباقر لبقره العلوم، و استنباطه الحكم، كان ذاكراً خاشعاً صابراً، و كان من سلالة النبوة، رفيع النسب، عالي الحسب، و كان عارفاً بالخطرات، كثير البكاء و العبرات، معرضاً عن الجدال و الخصومات. ( (3))

و قال ابن خلكان: أبو جعفر محمد بن زين العابدين، الملقّب بالباقر، أحد الأئمة الاثني عشر في اعتقاد الإمامية، و هو والد جعفر الصادق. كان الباقر عالماً سيداً كبيراً، و إنّما قيل له الباقر لأنّه تبقّر في العلم أي توسّع، و فيه يقول الشاعر:

يا باقر العلم لأهل التقى*** و خير مَنْ لبّى على الأجْبُلِ ( (4))

____________

(1) الطهراني: الذريعة: 1/ 15- 16، المقدّمة.

(2) الصواعق المحرقة: 201.

(3) البداية و النهاية: 9/ 309.

(4) وفيات الأعيان: 4/ 174.

29

و هذا هو محمد بن طلحة، يعرّف الإمام الصادق بقوله: هو من عظماء أهل البيت و ساداتهم ذو علوم جمّة، و عبادة موفورة، و زهادة بيّنة، و طراوة كثيرة، يتبع معاني القرآن الكريم، و يستخرج من جواهره، و يستنتج عجائبه، و يقسم أوقاته على أنواع الطاعات بحيث يحاسب عليها نفسه، رؤيته تذكِّر بالآخرة، و استماع كلامه يُزهد في الدنيا، و الاقتداء بهداه يورث الجنة، نور قسماته شاهد أنّه من سلالة النبوّة، و طهارة أفعاله تصدع أنّه من ذرّية الرسالة: نقل عنه الحديث و استفاد منه العلم جماعة من أعيان الأئمّة و أعلامهم، مثل: يحيى بن سعيد الأنصاري، و ابن جريج، و مالك بن أنس، و الثوري، و ابن عيينة، و أبي حنيفة، و شعبة، و أبي أيوب السجستاني و غيرهم، و عدّوا أخذهم عنه منقبة شُرّفوا بها و فضيلة اكتسبوها. ( (1))

و لقد امتدّ عصر الإمام الصادق (عليه السلام) من نهاية خلافة عبد الملك بن مروان إلى منتصف خلافة المنصور الدوانيقي، أي من سنة 83 ه‍- إلى سنة 148 ه‍-. فقد أدرك فترة طويلة من العصر الأُموي، و عاصر كثيراً من ملوكهم و شاهد من جورهم أعنف أشكاله، و قضى شطراً من حياته حتى الحادية عشرة مع جدّه زين العابدين، و حتّى الثانية و الثلاثين مع أبيه الباقر، و نشأ في ظلّهما يتغذّى من تعاليمهما حتى تكاملت تربيته الدينية، و تخرّج من تلك المدرسة الجامعة، فاختصَّ بعد وفاة أبيه بالزعامة سنة 114 ه‍-، و اتسع نشاط مدرسته في المدينة و مكة و الكوفة و غيرها من الأمصار الإسلامية.

و قد اتّسم العصر المذكور الذي عاشه الإمام بظهور الحركات الفكريّة، و وفود الآراء الاعتقادية الغريبة إلى المجتمع الإسلامي، لا سيما حركة الغلاة الهدّامة، الذين تطلّعت رءوسهم في تلك العاصفة الهوجاء إلى بث روح التفرقة بين‌

____________

(1) كشف الغمة: 2/ 368، و فيه أيوب السختياني، و الصحيح ما ذكرناه.

30

المسلمين، و ترعرع بُناة أفكارهم في ذلك العصر ليقوموا بمهمّة الانتصار لمبادئهم التي قضى عليها الإسلام، فقد اغتنموا الفرصة في بث تلك الآراء الفاسدة في المجتمع الاسلامي، فكانوا يبثّون الأحاديث الكاذبة و يسندونها إلى حملة العلم من آل محمد، ليُغروا به العامّة، فكان المغيرة بن سعيد يدّعي الاتّصال بأبي جعفر الباقر، و يروي عنه الأحاديث المكذوبة، فأعلن الإمام الصادق (عليه السلام) كذبه و البراءة منه، و أعطى لأصحابه قاعدة في الأحاديث التي تُروى عنه فقال: «لا تقبلوا علينا حديثاً إلّا ما وافق القرآن و السنّة، أو تجدون معه شاهداً من أحاديثنا المتقدمة».

لقد أضمر الخصوم لا سيما حكام بني أُمية و بني العباس العداء لأئمّة أهل البيت (عليهم السلام) وسعوا إلى تضييق الخناق عليهم للحد من اختلاف الناس إليهم، إلّا أنّه شاءت الأقدار الالهية كسر هذا الطوق الذي فرضوه حيث سنحت الفرصة لهم (عليهم السلام) لنشر السنّة النبوية و بثها في أوساط المسلمين، و لما كان ذلك ثقيلًا على خصومهم عمدوا إلى بث الأكاذيب على لسان الأئمّة (عليهم السلام) بغية تشويه سمعتهم و التقليل من شأنهم.

إنّ الإمام (عليه السلام) شرع بالرواية عن جدّه و آبائه عند ما اندفع المسلمون إلى تدوين أحاديث النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) بعد الغفلة التي استمرت إلى عام 143 ه‍- حيث اختلط آنذاك الحديث الصحيح بالضعيف، و تسرّبت إلى السنّة، العديد من الروايات الإسرائيلية و الموضوعة من قبل أعداء الإسلام من الصليبيّين و المجوس بالإضافة إلى المختلقات و المجعولات على يد علماء السلطة و مرتزقة البلاط الأُموي.

و من هنا فقد وجد الإمام (عليه السلام) أن أمر السنّة النبوية قد بدأ يأخذ اتجاهات خطيرة و انحرافات واضحة، فعمد (عليه السلام) للتصدّي لهذه الظاهرة الخطيرة، و تفنيد الآراء الدخيلة على الإسلام، و التي تسرّب الكثير منها نتيجة الاحتكاك الفكري‌

31

و العقائدي بين المسلمين و غيرهم.

إنّ تلك الفترة شكّلت تحدّياً خطيراً لوجود السنّة النبوية، و خلطاً واضحاً في كثير من المعتقدات، لذا فإنّ الإمام (عليه السلام) كان بحق سفينة النجاة في هذا المعترك العسير.

إنّ علوم أهل البيت (عليهم السلام) متوارثة عن جدّهم المصطفى محمد (صلى الله عليه و آله و سلم) الذي أخذها عن اللّه تعالى بواسطة الأمين جبرئيل (عليه السلام) فلا غرو أن تجد الأُمّة ضالّتها فيهم (عليهم السلام) و تجدهم مرفأ أمان في هذه اللجج العظيمة، ففي ذلك الوقت حيث أخذ كلٌّ يحدّث عن مجاهيل و نكرات، و رموز ضعيفة، و مطعونة أو أسانيد مشوشة، تجد أنّ الإمام الصادق (عليه السلام) يقول: «حديثي حديث أبي، و حديث أبي حديث جدّي، و حديث جدّي حديث علي بن أبي طالب، و حديث علي حديث رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) و حديث رسول اللّه قول اللّه عزّ و جلّ». ( (1))

هذا غيض من فيض و قليل من كثير ممّا قيل في حقّ الإمامين الباقر و الصادق (عليهما السلام) و لو أردنا أن نستعرض كلمات المؤرّخين و المحدّثين حول الأئمّة الاثني عشر لضاق بنا المجال، فلنكتفِ بهذا المقدار، و من أراد التفصيل فعليه مراجعة الكتب المؤلّفة في هذا الخصوص.

لقد أسّس الإمامان جامعة علمية كبيرة في مهد الحديث تخرج منها الآلاف من المحدّثين حفظوا السنّة النبوية، و هذا ممّا أذعن به التاريخ، و صرّح به المؤرّخون.

و نأتي هنا بنصين:

1. ما ذكره النجاشي في ترجمة «الحسن بن علي بن زياد الوشاء البجلي‌

____________

(1) الوسائل: 18/ 58، الباب 8 من أبواب صفات القاضي، الحديث 26.

32

الكوفي» من أصحاب الرضا، قال- ناقلًا عن أحمد بن محمد بن عيسى-: خرجت إلى الكوفة في طلب الحديث، فلقيت بها الحسن بن علي الوشّاء، فسألته أن يُخرج لي كتاب العلاء بن رزين القلاء و أبان بن عثمان الأحمر، فأخرجهما إليّ، فقلت له: أُحب أن تجيزهما لي، فقال لي: يا رحمك اللّه، و ما عجلتك، اذهب فاكتبهما و اسمع من بعد، فقلت: لا آمن الحدثان، فقال: لو علمت أنّ هذا الحديث يكون له هذا الطلب لاستكثرت منه، فإنّي أدركت في هذا المسجد تسعمائة شيخ، كلّ يقول حدّثني جعفر بن محمد (عليه السلام) و كان هذا الشيخ عيناً من عيون هذه الطائفة، و له كتب، منها: ثواب الحج، و المناسك، و النوادر. ( (1))

2. ما ذكره المفيد في «إرشاده» و قال: نقل الناس عن الصادق (عليه السلام) من العلوم ما سارت به الركبان، و انتشر ذكره في البلدان، و لم ينقل عن أحد من أهل بيته العلماء ما نقل عنه، و لا لقى أحد منهم من أهل الآثار و نقلة الأخبار و لا نقلوا عنهم كما نقلوا عن أبي عبد اللّه، فإنّ أصحاب الحديث قد جمعوا أسماء الرواة عنه من الثقات على اختلافهم في الآراء و المقالات، فكانوا أربعة آلاف رجل. ( (2))

و قال ابن شهرآشوب في «مناقبه»: و نقل عن الصادق (عليه السلام) من العلوم ما لم ينقل عن أحد، و قد جمع أصحاب الحديث أسماء الرواة من الثقات على اختلافهم في الآراء و المقالات، فكانوا أربعة آلاف رجل. ( (3))

و قال شيخنا الفتّال: قد جمع أصحاب الحديث أسماءَ الرواة عن الصادق (عليه السلام) من الثقات على اختلافهم في الآراء و المقالات، فكانوا أربعة آلاف. ( (4))

____________

(1) رجال النجاشي: 1/ 138- 139.

(2) المفيد: الإرشاد: 288.

(3) ابن شهرآشوب: المناقب: 4/ 247.

(4) محمد بن علي الفتّال: روضة الواعظين: 177.

33

و قد قام أبو العباس المعروف ب‍- «ابن عقدة» (المتوفّى 333 ه‍-) بضبط أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام) في كتاب خاص له قال النجاشي في ترجمته: له كتاب الرجال، و هو كتاب من روى عن جعفر بن محمد. ( (1))

و قال بمثله الشيخ في «الفهرست». ( (2))

و ممّا يؤسف له انّ «رجال ابن عقدة» قد تلاعبت به يد الأقدار، فلم يصل إلينا شي‌ء منه بعد الفحص عنه في فهارس المكتبات، و قد اتصلنا بعلماء اليمن، فلم يحدّثوا عنه شيئاً.

نعم قام الشيخ الطوسي بإخراج أسماء الذين رووا عن الإمام الصادق (عليه السلام) مع أنّ المذكور في رجاله لا يتجاوز عن ثلاثة آلاف و خمسين رجلًا.

و على أيّة حال فجهاد الإمام الصادق (عليه السلام) يُعرب عن بث السنّة و نشرها في عصره على كافة الأصعدة حيث لم يقتصر مجلسه على الشيعة فحسب، بل عمّ حتى المخالفين في العقائد.

*** الأُصول و المصنّفات

كان لأصحابنا في عصر الصادقين (عليهما السلام) و ما تلاه لونان من التأليف، يسمّى أحدهما بالأُصول، و الآخر بالتصنيف، و يعرب عن ذلك تعبير الشيخ الطوسي في ديباجة الفهرست، قال: «أمّا بعد فإنّي لمّا رأيت جماعة من شيوخ طائفتنا من أصحاب الحديث عملوا فهرست كتب أصحابنا و ما صنّفوه من التصنيفات و رووه‌

____________

(1) النجاشي: الرجال: رقم 233.

(2) الشيخ: الفهرست: 53.

34

من الأُصول، و لم يتعرّض أحد منهم لاستيفاء جميعه إلّا ما قصده أبو الحسين أحمد ابن الحسين بن عبيد اللّه (رحمه الله)، فإنّه قد صنّف كتابين ذكر في أحدهما المصنّفات و في الآخر، الأُصول، و استعرضهما على مبلغ ما وجد و قدر عليه».

و الفرق بين الأُصول و المصنّفات هو انّ احتمال الخطأ و الغلط و السهو و النسيان أقل بكثير منها في المصنّفات، و ذلك لأنّ الأصل يمتاز عن المصنّف بأنّه يشمل الأحاديث التي رواها الراوي عن المعصوم مباشرة أو بواسطة واحدة، بخلاف المصنّف، فإنّه في سعة من ذلك الالتزام.

و قام تلامذة أئمّة أهل البيت بتأليف أُصول أربعمائة ما بين عصر الإمام الصادق (عليه السلام) إلى نهاية عصر الإمام الرضا (عليه السلام)، و هذه الأُصول هي المعروفة بالأُصول الأربعمائة، فلها من الاعتبار و المكانة ما ليس لغيرها.

قال: السيد رضي الدين علي بن طاوس (المتوفّى 664 ه‍-): حدّثني أبي قال: كان جماعة من أصحاب أبي الحسن من أهل بيته و شيعته يحضرون مجلسه، و معهم في أكمامهم ألواح آبنوس لطاف و أميال، فإذا نطق أبو الحسن (عليه السلام) بكلمة، أو أفتى في نازلة، أثبت القوم ما سمعوه منه في ذلك. ( (1))

قال شيخنا بهاء الدين العاملي في «مشرق الشمسين»: إنّه قد بلغنا من مشايخنا (قدّس سرّهم) انّه كان من دأب أصحاب الأُصول انّهم إذا سمعوا عن أحد من الأئمّة حديثاً بادروا إلى إثباته في أُصولهم، لئلّا يعرض لهم نسيان لبعضه أو كله بتمادي الأيام. ( (2))

و بمثله قال السيد الداماد في «رواشحه». ( (3))

____________

(1) ابن طاوس: مهج الدعوات: 224، الطبعة الحجرية.

(2) بهاء الدين العاملي: مشرق الشمسين. كما في الذريعة: 2/ 128.

(3) السيد الداماد: الرواشح: 98، الراشحة 29.

35

قال المحقّق الحلّي: كتب من أجوبة مسائله- أي جعفر بن محمد (عليهما السلام)- أربعمائة مصنّف سمّوها أُصولًا. ( (1))

قال الطبرسي في «إعلام الورى بأعلام الهدى»: روى عن الإمام الصادق (عليه السلام) من مشهور أهل العلم أربعة آلاف إنسان، و صُنّف من جواباته في المسائل أربعمائة كتاب تسمى «الأُصول» رواها أصحابه و أصحاب ابنه موسى الكاظم (عليه السلام). ( (2))

و قال الشهيد الثاني في «شرح الدراية»: و كان قد استقر أمر المتقدّمين على أربعمائة مصنَّف لأربعمائة مصنّف سمّوها الأُصول، فكان عليها اعتمادهم. ( (3))

إلى غير ذلك من كلمات أصحابنا التي جاءت حولَ الأُصول الأربعمائة.

و بما انّ معظم أصحاب الأُصول من أصحاب الباقر و الصادق و الكاظم و الرضا (عليهم السلام)، يمكن الحدس بأنّ أكثرها أُلّفت في فترة ظهور الضعف في الدولة الأُموية عام 125 ه‍- إلى عصر هارون الرشيد عام 170 ه‍- الذي بلغت فيه الدولة العباسية من القوة بمكان.

و لمّا لم يكن للأُصول ترتيب خاص إذ أنّ جلّها إملاءات المجالس و أجوبة المسائل النازلة المختلفة، عمد أصحاب الجوامع إلى نقل رواياتها مرتبة مبوبة منقحة تسهيلًا للتناول و الانتفاع، فما كان في هذه الأُصول انتقل إلى الجوامع الحديثية لا سيما الكتب الأربعة، و لكن بترتيب خاص، و باشتهارها قلّت الرغبات في استنساخ الأُصول و الصيانة على أعيانها.

____________

(1) نجم الدين الحلّي: المعتبر: 1/ 26.

(2) اعلام الورى: 166.

(3) زين الدين العاملي: شرح الدراية: 17. ط النجف.

36

و قد كان قسم من تلك الأُصول باقياً إلى عهد ابن إدريس (543- 598 ه‍-) حيث قام بنقل جملة منها في كتابه «السرائر» و أطلق عليها المستطرفات، كما نقل جملة منها عنه السيد رضي الدين بن طاوس كما ذكرها في «كشف المحجة» و قد وقف أُستاذنا السيد محمد الحجة الكوه‌كمري (1301- 1372) على ستة عشر من تلك الأُصول و قام بطبعها.

و هذا لا يعني انّ كتابة الحديث قد انحصرت بهذه الأُصول، بل ثمة ألوان أُخر للتأليف في مجال الحديث يطلق عليها الكتاب، و المصنف، و لكلّ خصوصياته و ميزاته.

و قد أكثر جملة من أصحاب الأئمّة في التأليف.

فهذا هو هشام الكلبي ألّف أكثر من 200 كتاب، و ألّف ابن شاذان 180 كتاباً، و لابن دوئل مائة كتاب، و لابن أبي عمير 94 كتاباً، و للحسن و للحسين الأهوازيين 30 كتاباً، و قد ذكر المحدث الحرّ العاملي انّه أُلّف بعد رحيل الرسول إلى عصر الغيبة الصغرى (11- 360 ه‍-) ما يقارب عشرة آلاف كتاب. ( (1))

و قد قام غير واحد من أصحابنا بترجمة رجال الحديث، و بيان منزلتهم في القوة و الضعف نظير:

أ. كتاب الرجال لعبد اللّه بن جبلة الكناني (المتوفّى 219 ه‍-).

ب. مشيخة الحسن بن محبوب (المتوفّى 224 ه‍-).

ج. رجال الحسن بن فضال (المتوفّى 224 ه‍-).

د. رجال ولده علي بن الحسن بن فضال.

____________

(1) شرف الدين: المراجعات: 308.

37

ه‍-. رجال العقيقي (المتوفّى 280 ه‍-).

و هذا غير ما قام به المتأخّرون بترجمة رجال الحديث، نظير:

أ. رجال الكشي، المتوفّى نحو سنة (329 ه‍-).

ب. رجال أبي العباس بن عقدة (249- 333 ه‍-).

ج. رجال النجاشي (372- 450 ه‍-).

د. الفهرست و الرجال للشيخ الطوسي (385- 460 ه‍-).

ثمّ تلتهم طبقة أُخرى من مشاهير علماء الرجال، كابن داود و العلّامة الحلّي.

كلّ ذلك يعرب عن أنّ الفترة بين رحيل الرسول و غياب الحجة كان عصر بسط السنّة، و تبيين الأحكام، و تفسير القرآن على أيدي أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) الذين هم عيبة علم الرسول و حفظة سنّته.

إنّ صاحب الجامع الحديثي الشيخ الحر العاملي ذكر في الفائدة الرابعة من خاتمة الكتاب، المصادر التي نقل عنها الأحاديث بلا واسطة، فبلغت ثمانين كتاباً، ثمّ ذكر أسماء الكتب التي نقل عنها بواسطة، فقال في آخر المبحث: و أمّا ما نقلوا منه و لم يصرّحوا باسمه فكثير جداً مذكور في كتب الرجال يزيد على ستة آلاف و ستمائة كتاب على ما ضبطناه. ( (1)) و جلّ هذه الكتب مؤلّفة في عصر الأئمّة إلى نهاية القرن الثالث.

يقول العلّامة شرف الدين في «المراجعات»: و كان أصحاب هذين الإمامين العابدين الباقرين من سلف الإمامية أُلوفاً مؤلّفة لا يمكن إحصاؤهم، لكن الذين دوّنت أسماؤهم و أحوالهم في كتب التراجم من حملة العلم عنهما يقاربون أربعة‌

____________

(1) الوسائل: 20/ 49، الفائدة الرابعة.

38

آلاف بطل، و مصنفاتهم تقارب عشرة آلاف كتاب، أو تزيد رواها أصحابنا في كلّ خلف عنهم بالأسانيد الصحيحة، و فاز جماعة من أعلام أُولئك الأبطال بخدمتهما و بخدمة بقيّتهما.

ثمّ ذكر أسماء عدّة منهم:

1. أبو سعيد أبان بن تغلب بن رباح الجريري، و ذكر ترجمته على وجه التفصيل.

2. أبو حمزة الثمالي ثابت بن دينار، و فصّل الكلام في ترجمته و كتبه. ( (1))

إلى غير ذلك من الأبطال الأخيار الذين قام صرح التشيّع على وجودهم.

نعم لم يدم بسط السنّة على وتيرة واحدة، بل أعقبته نجاحات و إخفاقات تبعاً للظروف السياسية السائدة آنذاك، فكلّما سنحت الفرصة للشيعة للاتصال بأئمتهم أخذوا منهم الحديث، و سجّلوا ما سمعوه، و عند اشتداد الضغط و التنكيل من قبل السلطات الحاكمة نحت الشيعة منحًى آخر، و هو أخذ الأحكام و الأحاديث عن بطانة علومهم من أصحابهم.

و أخيراً نقول: إنّ الشيخ الطوسي ذكر في كتاب «الفهرست» أسماء 900 من المصنّفين، و ربما كان لمصنّف مصنّفات كثيرة، كما هو ظاهر لمن راجع.

و يعرب عن اهتمام الشيعة ببسط السنّة في تلك الفترة، هو كثرة عدد المحدّثين و الرواة، و هذا هو العلّامة المامقاني ترجم في «تنقيح المقال» 13365 محدّثاً. ( (2))

و قد استدرك عليه المحقّق السيد الخوئي في «معجمه»، فترجم 15128‌

____________

(1) شرف الدين العاملي: المراجعات: المراجعة رقم 110.

(2) المامقاني: تنقيح المقال: 3/ 344.

39

محدثاً. ( (1))

و ناهز عدد الرواة في دليل معجم رجال الحديث 15676 محدّثاً.

و لو افترضنا أنّ بعض من جاءت ترجمته في الكتابين من غير الشيعة الإمامية، أو أنّ بعض التراجم يتحد بعضها مع بعض، فلا يضر بالعدد الهائل الذي نشاهده في هذين المعجمين بعد استثناء ما ذكرنا من الدخلاء أو المتحدين.

هذا و قد أخذ عن أئمّة أهل البيت جيل كبير من الفقهاء و المجتهدين قد سجلت أسماءهم معاجم الرجال، و من حاول أن يقف على أسماء كثير منهم فعليه بالرجوع إلى فهرست الشيخ الطوسي و رجاله و رجال النجاشي و أخيراً معجم رجال الحديث مضافاً إلى ما جاء في معاجم الرجال من أهل السنة كميزان الاعتدال و لسان الميزان و تهذيب التهذيب.

____________

(1) الخوئي: معجم رجال الحديث: 22/ 200.

40

الشيعة و تدوين السنة

قد عرفت انّ السنة هي المصدر الثاني للتشريع فلها من الأهمية ما للقرآن الكريم غير انّ القرآن وحي بلفظه و معناه، و السنة وحي بمعناها دون لفظها، و لأجل هذه الأهمية قام غير واحد من أصحاب النبي و الأئمة بتدوين الحديث نشير إليهم على وجه الايجاز حسب تسلسلهم الزمني:

الطبقة الأُولى

1. أبو رافع، صحابي، له كتاب «السنن و الأحكام و القضايا».

2. سلمان الفارسي، قال الشيخ الطوسي: سلمان الفارسي (رحمه الله) روى حديث الجاثليق الذي بعثه ملك الروم بعد النبي. توفي بالمدائن سنة 35 ه‍-. ( (1))

و قد روى له البخاري و مسلم 60 حديثاً.

3. أبو ذر الغفاري، (المتوفّى 32 ه‍-) له خطبة يشرح فيها الأُمور بعد رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم). ( (2))

و أمّا الذين تربّوا على يد الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، فنخبة من التابعين منهم:

____________

(1) الطوسي: الفهرست: 106 برقم 340.

(2) الطوسي: الفهرست: 70، برقم 160.

41

4. الأصبغ بن نباتة المجاشعي، و الذي هو من خواص أمير المؤمنين (عليه السلام)، روى عنه (عليه السلام) عهده إلى مالك الأشتر و وصيته إلى ابنه محمد.

5. سليم بن قيس الهلالي، أبو صادق، له كتاب باسم أصل «سليم بن قيس».

6. زيد بن وهب الجهني، له كتاب خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) على المنابر في الجمع و الأعياد و غيرها. ( (1))

و قد مرّ ذكر الابطال الأربعة في عصر الإمام علي (عليه السلام) أعني علي بن أبي رافع و عبيد اللّه بن رافع، و عبيد اللّه بن حرّ الجعفي و ربيعة بن سميع ( (2)) الذين دَونوا الحديث في عصر الإمام (عليه السلام).

الطبقة الثانية

ارتحل الوصي أمير المؤمنين (عليه السلام) عن هذه الدنيا فتوجهت أنظار الشيعة نحو الحسن (عليه السلام) خليفته الشرعي، و لكن الضغوط المتزايدة التي مارسها معاوية بحق الإمامين الحسن و الحسين (عليهما السلام) و شيعتهما حالت دون تدوين الأحاديث المروية عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فلم يتسنّ لهما تربية جيل يأخذ على عاتقه تدوين الأحاديث، إلى أن وصل الأمر إلى ابن الحسين الإمام السجاد (عليه السلام) صاحب «الصحيفة الكاملة» فربّى جيلًا واعياً، منهم:

1. جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي، أبو عبد اللّه (المتوفّى 128 ه‍-).

2. زياد بن المنذر، كان مستقيماً ثمّ انحرف، له أصل و كتاب التفسير.

____________

(1) الطوسي: الفهرست: 97، برقم 303.

(2) لاحظ ص 18- 19 من هذا الكتاب.

42

3. لوط بن يحيى بن سعيد، شيخ أصحاب الأخبار بالكوفة، له كتب كثيرة ذكر أسماءها النجاشي في «رجاله». ( (1))

4. جارود بن المنذر الثقة، أورده الشيخ في أصحاب الباقر و الصادق (عليهما السلام)، له كتب. ( (2))

الطبقة الثالثة

ثمّ جاء دور الباقر و الصادق (عليهما السلام) بعد وفاة الإمام زين العابدين (عليه السلام) في ظروف مهيَّأة بعد ما أصاب كيان بني أُميّة الضعف و الانهيار تحت وطأة النزاعات التي نشبت مع خصومها و خاصة بني العباس، فوجد الإمامان فرصة ذهبية لإشاعة حديث الرسول، فشيّدوا أُسس جامعة إسلامية قلّ نظيرها، قصدها رواد العلم من كل صوب و حدب.

قال المفيد: لم يظهر من أحد من ولد الحسن و الحسين ما ظهر في علم الدين و الآثار و السنّة و علم القرآن و السيرة و فنون الآداب ما ظهر من أبي جعفر الباقر (عليه السلام). ( (3))

و روى عنه معالم الدين بقايا الصحابة و وجوه التابعين و فقهاء المسلمين، و سارت بذكر علومه الأخبار، و أُنشدت في مدائحه الأشعار. ( (4))

و أمّا الإمام الصادق (عليه السلام) فحدّث عنه و لا حرج، فقد ذاع صيته في جميع الأمصار الإسلامية، و أصبح قدوة لرواد العلم، روى عنه جماعة من أعيان الأُمّة،

____________

(1) النجاشي: الرجال: 191 برقم 873 و الشيخ في فهرسته برقم 584.

(2) الطوسي: الرجال: 112 في أصحاب الباقر (عليه السلام).

(3) المفيد: الإرشاد: 261.

(4) ابن الصباغ المالكي: الفصول المهمة: 210.

43

منهم: يحيى بن سعيد، و ابن جريج، و مالك بن أنس، و الثوري، و ابن عيينة، و أبو حنيفة، و شعبة، و أبو أيوب السجستاني، و غيرهم. ( (1))

قام الإمام بهداية الأُمّة إلى النهج الصواب في عصر تضاربت فيه الآراء، و الأفكار، و اشتعلت فيه نار الحرب بين الأُمويين و معارضيهم من العباسيين، ففي تلك الظروف الصعبة و القاسية استغل الإمام الفرصة لنشر أحاديث جدّه و علوم آبائه ما سارت إليه الركبان، و تربّى على يديه آلاف من المحدّثين و الفقهاء.

و ليس بإمكاننا أن نذكر قائمة بأسماء المحدّثين الذين رووا عن الإمام الصادق (عليه السلام) و تربّوا في مدرسته، و كفانا في ذلك ما كتبه علماء الرجال في ذلك المضمار. ( (2))

و تعاقبت أئمّة أهل البيت بعد الصادق (عليه السلام)، فغدوا قمماً شامخة في سماء الحديث، و عنهم أخذت شيعتهم أحاديث الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) فدوّنوها في جوامعهم الحديثية واحداً تلو الآخر.

و ثمّة نقطة جديرة بالبحث، و هي انّ الجهود لم تقتصر على نشر السنّة و تبيين الأحكام و الإجابة على المستجدات، بل تعدتها إلى نهج إحياء الفكر، و بث الوعي في الأُمّة الإسلامية خصوصاً بين شيعتهم و حواريّيهم الّذين أناخوا ركائبهم عند عتبة أبواب الأئمّة (عليهم السلام)، فنُهلوا من العلم الناجع حتى بلغوا مكانة سامية في الذب عن حياض العقائد جعلتهم سدّاً منيعاً أمام شبهات المعاندين و المغرضين، و في الإحاطة بالفروع جعلتهم محنكين في رد الفروع إلى الأُصول، و استنباط الأحكام من الكتاب و السنّة.

و هكذا نشأ المنهجان في أحضان الأئمّة (عليهم السلام) منذ عهد الصادقين إلى عهد‌

____________

(1) المصدر السابق: 222.

(2) لاحظ ص 26.

44

الإمام العسكري (عليه السلام)، فلم تمنعهم العناية بالحديث و نشر السنّة عن تربية جيل واع في مجالي العقائد و الأُصول، و ها نحن نذكر أسماء ثلّة من متكلّمي تلك العصور و فقهائهم.

فمن المتكلّمين:

1. زرارة بن أعين (80- 150 ه‍-): كان فقيها، متكلما، شاعراً، أديباً، قد اجتمعت فيه خصال الفضل و الدين.

2. أبو جعفر محمد بن علي بن النعمان، مؤمن الطاق: توفّي نحو 160 ه‍-، من متكلّمي عصر الإمام الصادق (عليه السلام)، قال ابن النديم: كان متكلّماً حاذقاً، ثمّ ذكر كتبه. ( (1))

3. هشام بن الحكم: هو من متكلّمي الشيعة الإمامية و بطانتهم، و أكبر شخصية في الكلام، توفّي عام 199 ه‍-.

4. عيسى بن روضة، حاجب المنصور: كان متكلّماً، و له كتاب في الإمامة، من متكلّمي القرن الثاني.

5. الضحاك أبو مالك الحضرمي: كوفي عربي أدرك أبا عبد اللّه (عليه السلام) و روى عن أبي الحسن (عليه السلام) و كان متكلماً، ثقة ثقة في الحديث، و له كتاب في التوحيد. ( (2))

6. علي بن محمد بن حسن الطائي: عدّه ابن النديم من متكلّمي الشيعة، و له من الكتب كتاب «الإمامة» كما ذكره ابن النديم.

7. الحسن بن علي بن يقطين بن موسى: كان فقيهاً، متكلّماً، روى عن أبي الحسن و الرضا (عليهما السلام)، ذكره الشيخ في «رجاله» في أصحاب الرضا (عليه السلام). ( (3))

____________

(1) ابن النديم: الفهرست: 264.

(2) النجاشي: الرجال: برقم 544.

(3) الطوسي: الرجال: برقم 7.

45

8. حديد بن حكيم، أبو علي الأزدي المدائني: متكلّم، جليل، يروي عن الصادق و الكاظم (عليهما السلام). ( (1))

9. فضال بن الحسن بن فضال: من متكلّمي عصر الصادق (عليه السلام)، و له مناظرات مع أبي حنيفة.

إلى غير ذلك من متكلّمي الشيعة الكبار، كحمران بن أعين الشيباني، و هشام بن سالم الجواليقي، و السيد الحميري، و الكميت الأسدي. ( (2))

هذه نظرة عابرة حول مفكّري الشيعة و متكلّميهم في العقائد في عهد الأئمّة.

و أمّا الفقهاء الكبار الّذين رزقوا ملكة الاستنباط في عهد أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) حتى صاروا أئمّة في الفقه، متضلّعين في استنباط الفروع، فنذكر منهم على سبيل المثال ما يلي:

الطبقة الأُولى من الفقهاء

1. سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب القرشي المدني الفقيه: أحد الفقهاء الثمانية، ولد في أيام خلافة عمر بن الخطاب، و توفّي عام 94 ه‍-.

2. القاسم بن محمد بن أبي بكر: أحد الفقهاء في المدينة، توفّي عام 106 ه‍-.

3. أبو خالد الكابلي: روى الكليني عن إسحاق بن جرير، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «كان سعيد بن المسيب، و القاسم بن محمد بن أبي بكر، و أبو خالد الكابلي، من ثقات علي بن الحسين». ( (3))

____________

(1) النجاشي: الرجال: برقم 383.

(2) لاحظ أعيان الشيعة: 1/ 134- 135.

(3) الكليني، الكافي: 1/ 472، باب مولد أبي عبد اللّه الصادق (عليه السلام).

46

الطبقة الثانية

ثمّ أعقبتهم طبقة أُخرى كانوا من فقهاء عصر الصادقين (عليهما السلام) و من بعدهم من الأئمّة، و قد تربّى جلّهم في أحضان الأئمّة حتى بلغوا القمة في رد الفروع إلى الأُصول. نذكر أسماءهم على وجه الإيجاز، فإنّ التفصيل يحوجنا إلى تأليف مفرد، و الأصل في هذا ما ذكره الرجالي الكبير الكشي المتوفّى نحو (320 ه‍-) في كتابه القيّم المعروف الذي لخّصه الشيخ الطوسي.

عقد الكشي باباً أسماه «تسمية الفقهاء من أصحاب أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السلام)» قال: أجمعت العصابة على تصديق هؤلاء الأوّلين من أصحاب أبي جعفر (عليه السلام) و أصحاب أبي عبد اللّه (عليه السلام) و انقادوا لهم بالفقه فقالوا:

أفقه الأوّلين ستة:

1. زرارة، 2. معروف بن خرّبوذ، 3. بريد بن معاوية، 4. أبو بصير الأسدي، 5. الفضيل بن يسار، 6. محمد بن مسلم الطائفي.

قالوا: أفقه الستة زرارة.

هؤلاء الستة تخرجوا على يدي الصادقين (عليهما السلام).

و هناك طبقة أُخرى تلتهم، و هم خرّيجو مدرسة الإمام الصادق (عليه السلام) و لم يدركوا عهد الباقر (عليه السلام)، ذكرهم الكشي في باب أسماه «تسمية الفقهاء من أصحاب أبي عبد اللّه (عليه السلام)»:

أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عن هؤلاء، و تصديقهم بما يقولون، و أقرّوا لهم بالفقه، من دون أُولئك الستة الذين عددناهم و سمّيناهم، و هم ستة:

1. جميل بن دُرّاج، 2. عبد اللّه بن مسكان، 3. عبد اللّه بن بكير، 4. حماد ابن عثمان، 5. حماد بن عيسى، 6. أبان بن عثمان.

47

و قال أبو إسحاق الفقيه، و هو ثعلبة بن ميمون: إنّ أفقه هؤلاء جميل بن درّاج، و هم أحداث أصحاب أبي عبد اللّه (عليه السلام).

الطبقة الثالثة

و هناك طبقة ثالثة تربّوا على يدي الإمام موسى بن جعفر و علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) ذكرهم الكشي في باب أسماه «تسمية الفقهاء من أصحاب أبي إبراهيم و أبي الحسن (عليهما السلام)» قال:

أجمع أصحابنا على تصحيح ما يصحّ عن هؤلاء و تصديقهم، و أقرّوا لهم بالفقه و العلم، و هم ستة:

1. يونس بن عبد الرحمن، 2. صفوان بن يحيى بياع السابري، 3. محمد بن أبي عمير، 4. عبد اللّه بن المغيرة، 5. الحسن بن محبوب، 6. أحمد بن محمد بن أبي نصر.

و قال بعضهم مكان الحسن بن محبوب، الحسن بن علي بن فضال، و فضالة ابن أيوب.

و قال بعضهم مكان فضالة بن أيوب، عثمان بن عيسى، و على كلّ تقدير، فأفقه هؤلاء يونس بن عبد الرحمن، و صفوان بن يحيى بيّاع السابري.

هؤلاء هم أقطاب الاجتهاد في عهد الأئمّة الأربعة: الباقر و الصادق و الكاظم و الرضا (عليهم السلام) و استمرّ الركب سارياً على هذا المنوال في عصر الأئمّة الآخرين.

و من النجوم اللامعة في هذه الطبقة هو الفضل بن شاذان بن الخليل، أبو محمد الأزدي النيسابوري (المتوفّى 260 ه‍-) كان أبوه من أصحاب يونس، و روى‌

48

عن أبي جعفر الثاني، و قيل الرضا أيضاً، و كان ثقة، أخذ عنه أصحابنا الفقهاء و المتكلمون، و له جلالة في هذه الطائفة، و هو في قدره أشهر من أن يوصف، و نقل الكشي أنّه صنّف 160 كتاباً. ( (1))

و قد ألّف في الفقه غير واحد من الكتب، منها: كتاب «الطلاق»، و منها كتاب «الفرائض الكبير» و كتاب «الفرائض الأوسط» و كتاب «الفرائض الصغير» إلى غير ذلك من الكتب.

و كتبه هذه و إن لم تصل إلينا، و لكن نقل الشيخ الكليني شطراً وافراً من كتاب الطلاق و الفرائض، و المتتبع في ما نقله يقف على أنّ الفقه الشيعي قد استقل بالتأليف في عصره، و انّهم لم يكونوا ملتزمين بالإفتاء بنفس النص، أو التأليف بتجريد الأسانيد عن المتون، و تخصيص المتن بالذكر، بل قام الفضل بالتأليف على غير هذا النمط، فلاحظ المصادر أدناه ( (2)) لتقف بجلاء على ما قلناه.

فقد نقل في كتاب المواريث- باب ميراث ولد الولد- شيئاً كثيراً من كتاب الفرائض للفضل.

و باب ( (3)) ميراث ولد الولد مع الأبوين، فنقل فيه شيئاً كثيراً عن الفضل. ( (4))

و أيضاً باب ميراث الأبوين مع الزوج، فنقل شيئاً من عبارات الفضل. ( (5))

و قد وصل إلينا من كتب الفضل كتاب «الإيضاح» و هو مطبوع منتشر، و قد وردت فيه مسائل فقهية، استدلّ عليها و بحث عنها على نمط المتأخرين.

____________

(1) رجال الكشي: 456، و رجال النجاشي رقم 838.

(2) الكافي: 6/ 92- 96، كتاب الطلاق، باب الفرق بين من طلّق على غير السنّة.

(3) لاحظ الكافي: 7/ 88- 90، كتاب المواريث، باب ميراث ولد الولد.

(4) لاحظ الكافي: 7/ 90- 96، كتاب المواريث، باب ميراث ولد الولد.

(5) لاحظ الكافي: 7/ 98، كتاب المواريث، باب ميراث الأبوين مع الزوج.

49

و لا نستبعد أن يكون كتب بعض الفقهاء المتقدّمين على الفضل، على هذا النمط أيضاً، فإنّ يونس بن عبد الرحمن أحد الفقهاء الكبار من أصحاب الرضا و ألّف في الفقه شيئاً كثيراً، كما سيوافيك.

و لو أردنا استعراض أسمائهم إلى عصر الإمام الحجّة لطال بنا الكلام.

و الغرض من استعراض أسماء هؤلاء الايعاز إلى أنّ الجهود لم تكن منصبَّة على نشر السنّة النبوية و تربية المحدّثين فحسب، بل كان يواكبه خط آخر و هو تربية أهل الفكر في كلا المجالين، و هذا من خصائص الشيعة الإمامية، خصوصاً عهد الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) الذي أخرج في خطبه كثيراً من المعارف و المسائل التي صار لها دور مؤثر في العصور المتأخّرة، و من قارن كتاب «التوحيد» للشيخ الصدوق (306- 381 ه‍-) و كتاب «التوحيد» لابن خزيمة الذي تنشره السلفية، لرأى بوناً شاسعاً بين الكتابين، فالثاني يركز على النقل، و فيه من الإسرائيليات و المسيحيات و المجوسيات ما لا يحصى بخلاف الأوّل، فإنّه يركز على القرآن و السنّة القطعية و الفكر و التفكير و يدعم العقيدة بالبرهان.

الاجتهاد الصحيح عند الشيعة هو استنطاق الكتاب و السنّة، و ليس الاجتهاد شريعة لكل وارد، و إنّما يطّلع عليه من رُزق ملكة الاستنطاق و ها نحن نذكر نماذج لكيفية تعليمهم ردّ الفروع إلى الأُصول، و قد كان هتافهم على رءوس أصحابهم: «إنّما علينا إلقاء الأُصول و عليكم التفريع ...». ( (1))

كان الأئمّة ينهضون همم أصحابهم في إعمال التدبّر و الفكر في فهم السنّة، و هذا هو الإمام الصادق (عليه السلام) يقول: «أنتم أفقه الناس إذا عرفتم معاني كلامنا، انّ الكلمة لتصرف على وجوه، فلو شاء إنسان لصرف كلامه كيف شاء و لا‌

____________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 52.

50

يكذب». ( (1))

و لأجل إيقاظ روح التفكير في صفوف أصحابهم كانوا يرشدونهم بالقول: «إنّ في أخبارنا محكماً كمحكم القرآن، و متشابهاً كمتشابه القرآن، فردّوا متشابهها إلى محكمها، و لا تتّبعوا متشابهها دون محكمها فتضلّوا». ( (2))

و قد أنهضت هذه الكلمات روح الاجتهاد، و أوجدت نشاط الاستنباط، فبلغت رتبة بعض أصحابهم درجة عالية صالحة للإفتاء، فهذا أبو جعفر الباقر (عليه السلام) يقول لأبان بن تغلب: «اجلس في المسجد و افتِ الناس، فإنّي أُحب أن يرى في شيعتي مثلك». ( (3))

تدريب أصحابهم على الاجتهاد

1. اختلفت كلمة الفقهاء في مقدار المسح الواجب على الرأس عند الوضوء، و قد سأل زرارة الإمام الصادق (عليه السلام) عن مقدار المسح، فقال له: أ لا تخبرني من أين علمت، و قلت إنّ المسح ببعض الرأس و بعض الرجلين؟ فضحك، و قال: «يا زرارة، قاله رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم)، و نزل به الكتاب عن اللّه عزّ و جلّ قال: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ) فعرفنا أنّ الوجه كلّه ينبغي أن يغسل، ثمّ قال: (وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ) فوصل اليدين إلى المرافق بالوجه، فعرفنا انّه ينبغي لهما أن يغسلا إلى المرفقين، ثمّ فصل بين الكلام فقال: (وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ) فعرفنا حين قال: بِرُؤُسِكُمْ أنّ المسح ببعض الرأس لمكان الباء، ثمّ وصل الرجلين بالرأس كما وصل اليدين بالوجه فقال: (وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) فعرفنا حين‌

____________

(1) الوسائل: ج 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 6.

(2) الوسائل: ج 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 22.

(3) النجاشي: 1/ 73، في ترجمة أبان بن تغلب.

51

وصلهما بالرأس انّ المسح على بعضها، ثمّ فسّر ذلك رسول اللّه فضيّعوه». ( (1))

2. سأل عبد الأعلى، مولى آل سام، الإمام الصادق عن كيفية المسح على الظفر الذي أصابه الجرح و جعل عليه جبيرة؟ قال: «هذا و أشباهه يعرف من كتاب اللّه، قال اللّه تعالى: (مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) (2) امسح على المرارة». (3)

فقد أوضح للسائل كيفية الاستنباط و ردّ الفرع إلى الأصل.

3. روى زرارة و بكير، انّهما سألا أبا جعفر عن وضوء رسول اللّه، فدعا بطست، إلى أن قال: إنّ اللّه عزّ و جلّ يقول: (يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ) فليس له أن يدع شيئاً من وجهه إلّا غسله، و أمر أن يغسل اليدين إلى المرفقين، فليس له أن يدع شيئاً من يديه إلى المرفقين إلّا غسله، لأنّ اللّه تعالى يقول: (فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ)». ( (4))

4. عن حكم بن الحكم، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول، و سئل عن الصلاة في البيع و الكنائس، فقال: «صل فيها قد رأيتها ما أنظفها» قلت: أ يصلّى فيها و إن كانوا يصلّون فيها؟ فقال: «نعم أما تقرأ القرآن (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلىٰ شٰاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدىٰ سَبِيلًا) (5) صل إلى القبلة و غرّبهم». ( (6))

____________

(1) الوسائل: 1، الباب 23 من أبواب الوضوء، الحديث 1. و الآية 6 من سورة المائدة.

(2) الحج: 78.

(3) الوسائل: 1/ 290 ح 1، الباب 23 من أبواب الوضوء.

(4) الوسائل: 1، الباب 15 من أبواب الوضوء، الحديث 3، و الآية 6 من سورة المائدة.

(5) الإسراء: 84.

(6) الوسائل: 3، الباب 13 من أبواب مكان المصلّي، الحديث 3.

52

5. روى سماعة بن مهران، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إنّ اللّه فرض للفقراء في أموال الأغنياء فريضة لا يحمدون إلّا بأدائها، و هي الزكاة بها حقنوا دماءهم و بها سمّوا مسلمين، و لكن اللّه فرض في أموال الأغنياء حقوقاً غير الزكاة، فقال عزّ و جلّ: (وَ الَّذِينَ فِي أَمْوٰالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسّٰائِلِ) ( (1)) فالحقّ المعلوم غير الزكاة، و هو شي‌ء يفرضه الرجل على نفسه في ماله يجب عليه أن يفرضه على قدر طاقته و سعة ( (2)) ماله».

6. روى سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت له: جعلت فداك، يدخل عليّ شهر رمضان فأصوم بعضه فتحضرني نيّة زيارة قبر أبي عبد اللّه (عليه السلام) فأزوره و أفطر ذاهباً و جائياً، أو أُقيم حتى أفطر و أزوره بعد ما أفطر بيوم أو يومين؟

فقال: «أقم حتى تفطر» فقلت له: جعلت فداك فهو أفضل، قال: «نعم، أما تقرأ في كتاب اللّه (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ)» ( (3)). ( (4))

و كيفية الاستدلال واضحة حيث إنّ الكتاب لم يوجب شهود الشهر، و إنّما علّق الصيام على من شهد اختياراً، و أمّا من لم يشهد و لو بالسفر، فلم تكتب عليه الصيام و إن كتب عليه القضاء.

7. روى أبو حمزة، عن أبي جعفر في حديث قال: إنّ اللّه جعل لنا أهل البيت سهاماً ثلاثة في جميع الفي‌ء، فقال تبارك و تعالى: (وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبىٰ وَ الْيَتٰامىٰ وَ الْمَسٰاكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ) ( (5)) فنحن أصحاب الخمس و الفي‌ء، و قد حرمنا على جميع الناس ما خلا‌

____________

(1) المعارج: 25.

(2) الوسائل: 6، الباب 7 من أبواب ما تجب فيه الزكاة، الحديث 2.

(3) البقرة: 185.

(4) الوسائل: 7/ 130، الباب 3 من أبواب من يصحّ منه الصوم، الحديث 7.

(5) الأنفال: 41.

53

شيعتنا». ( (1))

و قد استفاد الإمام من اللام الواردة في قوله: (وَ لِذِي الْقُرْبىٰ) انّ اختيار الخمس بيدهم، فلهم أن يبيحوه أو يحرّموه لمن شاءوا.

8. روى الكليني في «الكافي» مرفوعاً، انّه خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) و قال: «يا أيّها الناس إنّ آدم لم يلد عبداً و لا أمة، و إنّ الناس كلّهم أحرار، و لكن اللّه خوّل بعضكم بعضاً، فمن كان له بلاء فصبر في الخير، فلا يمن به على اللّه عزّ و جلّ، ألا و قد حضر شي‌ء و نحن مسوُّون فيه بين الأسود و الأحمر، فقال مروان لطلحة و الزبير: ما أراد بهذا غيركما، قال: فأعطى كلّ واحد ثلاثة دنانير و أعطى رجلًا من الأنصار ثلاثة دنانير، و جاء بعد غلام أسود فأعطاه ثلاثة دنانير، فقال الأنصاري: يا أمير المؤمنين هذا غلام اعتقته بالأمس تجعلني و إياه سواءً، فقال (عليه السلام): «إنّي نظرت في كتاب اللّه، فلم أجد لولد إسماعيل على ولد إسحاق فضلًا». ( (2))

هذه نماذج من الأساليب التعليمية التي علم بها الأئمّة (عليهم السلام) أصحابهم نهج الاستنباط و الاجتهاد، و لو أردنا استقصاء ما ورد في ذلك المضمار لطال فيها الكلام، و يكفيك النظر في الروايات الواردة في أبواب الحيض حيث إنّ الإمام يستدل في كثير من الروايات على أحكام الحيض عن طريق السنّة. ( (3))

فخرجنا من هذا الدور بميزتين:

الأُولى: انّ أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) صرفوا همهم إلى نشر السنّة النبوية في مجال تفسير الكتاب و بيان الأحكام و الحقوق و العقائد بعد التحاق الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم)

____________

(1) الوسائل: 6/ 385، الباب 4 من أبواب الأنفال، الحديث 19.

(2) الكليني: الكافي: 8/ 69.

(3) لاحظ الوسائل: 2، الباب 3 من أبواب الحيض، الحديث 3 و 4، و الباب 5، الحديث 1 من تلك الأبواب أيضاً.

54

بالرفيق الأعلى، و قد ألّفت لتلك الغاية آلاف من الكتب و الرسائل بألوان مختلفة.

الثانية: قد و اكب الخطُ الحديثي خط إنهاض الفكر و اعماله في الكتاب و السنّة بُغية استنباط الأحكام من مظانّها، و لم يكن بين أصحاب المنهجين أي تعارض، كل يمارس ما يوافق ذوقه و يتجاوب مع سليقته و نزعته النفسية، و ليس الناس على وتيرة واحدة في الحفظ و التعقّل.

فأصحاب المنهج الأوّل يهتمون بنقل النصوص و ضبطها في كتبهم و رسائلهم، بيد انّ أصحاب المنهج الثاني يهتمون بالتفكّر و التعقّل فيما روي عنهم (عليهم السلام).

و لم يول الأئمّة (عليهم السلام) اهتماماً لمنهج دون آخر، بل قد شجّعوا على كلا المنهجين على حدّ سواء.

الأساليب المختلفة لتدوين الفقه

و بالسبر في الكتب المؤلّفة في تلك الفترة من لدن رحيل الرسول إلى عصر الغيبة يقف الباحث على أنّه كانت لهم في تدوين الفقه أساليب مختلفة، منها:

أ. تدوين الفقه عن طريق جمع الأحاديث بلا ترتيب و تنظيم، كالأُصول الأربعمائة، فإنّ صاحب كلّ أصل يذكر جميع الروايات التي سمعها من الإمام، أو ممّن سمعه منه، دون التزام بذكر كلّ رواية في باب خاص، كما هو المشاهد من النماذج الباقية من الأُصول الأربعمائة المطبوعة، و هذا كان تدويناً للحديث من جانب، و تدويناً للفقه من جانب آخر، لما عرفت انّ بين تاريخي العلمين صلة وثيقة.