الفردوس الأعلى‌

- الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء المزيد...
352 /
7

[آراء العباقرة حول كتاب الفردوس الاعلى]

صورة المؤلف‌

الإنسان أفكاره و آراؤه * * *لا صورته و أعضاؤه

رسم خطّ المؤلّف‌

أحسن صورة للإنسان، ما كتب‌

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

العلّامة الشهيد آية اللّه السيد محمد علي القاضي الطباطبائي (رضوان اللّه عليه‌)

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

الأرجنتين و آراء العباقرة حول كتاب الفردوس الأعلى‌

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

بسم اللّه الرحمن الرحيم

بيان

لم يظهر كتاب «الفردوس الأعلى» لشيخنا و أستاذنا الإمام آية اللّه كاشف الغطاء (دام ظله) من المطبعة- الطبعة الأولى- و يصل إلى بعض الصحف العراقية و غيرها إلّا و نوّهوا به و أعلنوا عنه إيجازا من بعض و تفصيلا من آخرين، و حيث إنّ أحسن من كتب في هذا الموضوع و أدّى بعض حقه، أو كلّ ما هو أهل له عباقرة صحافيّ «المهجر» و أدبائهم اللامعين، و الغيارى على الإسلام و العروبة و العلم و الفضيلة في «بوينس‌آيرس» من الأرجنتين (1) «أميركا الجنوبية»، كالأستاذ عبد اللطيف الخشن في صحيفته الغراء «العالم العربي»، و الأستاذ الشيخ يوسف كمال في مجلته الزاهرة «الرفيق»، و الأستاذ الفاضل «صارمي» في مجلته الباهرة «المواهب».

و نحن من أجل بيان فضلهم و تقدير معارفهم و سموّ مداركهم، و نفوذ أفكارهم إلى أعماق الفضائل و أسرار العلوم و الحقائق كما يتجلى ذلك من‌

____________

(1)- آرژانتين

14

نفحات ألفاظهم، و رشحات أقلامهم، و بديع أساليبهم، ننشر هنا ما ذكروا، و نذكر ما نشروا، و إننا إذ ننشر نصّ كلماتهم في هذه الطبعة الثانية إنما نريد تخليد فخرهم و تشييد ذكرهم و الاعتراف في صدر الكتاب بمعروفهم و معارفهم، زادهم اللّه كرامة و فضلا و شهامة و نبلا.

و إليك مقال كلّ واحد من تلك الصحف على ترتيب ما وردنا منهم، و من اللّه نستمد التوفيق و نسأل التأييد.

القاضي الطباطبائي‌

15

الأولى

كلمة «العالم العربي» ننقلها عن مجلة «الغري» الغراء عدد 6 السنة الرابعة عشر- النجف الأشرف الفردوس الأعلى في نظر الصحافة الأمريكية صدّر الإمام الأكبر آية اللّه كاشف الغطاء آخر مؤلف له- و ما أكثر مؤلفاته و فيوضاته- و سماه ب‍ «الفردوس الأعلى»، لما فيه من مختلف أزهار العلوم و باقات الفكر و الفلسفة، و لما فيه من حياة الروح و سعادة الفكر، و متعة النفس، و لما فيه من الهداية إلى الإيمان باللّه، و الاعتقاد باليوم الآخر.

و قد جاء هذا الكتاب كسائر مؤلفات الإمام- مفرغة عن بيان ساحر و حقائق علمية ناصعة، و مؤلفة عن حاجة و إلحاح و ضرورة- و انتشر كأخواتها في آفاق العالم و أنحاء البلاد حتى وصل إلى أميركا، و اطلع عليه ذلك العالم الجديد البعيد، فكتب صحفيها البارع عن مدى تأثير الكتاب على ذهنية ذلك العالم، و مدى تأثرهم به.

16

و نحن نقتطف هذه الكلمة البليغة عن صحيفة «العالم العربي» الصادرة في الأرجنتين نظرا لأهميتها و إيفائها حق الكتاب و حق مؤلفه الإمام حفظه اللّه بقدر المستطاع.

الغري‌

*** سماحة الإمام الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء العراقي النجفي: ربما كان بين علماء المسلمين اليوم أبعدهم صيتا، و أغزرهم علما، و أكثرهم انتاجا فيما إذا توفرت الأسباب.

و بالرغم من السنين الطوال، البالغة السبعة عقود التي ينوء تحتها هذا الفيلسوف الكبير، لا يزال قلمه جمرة تستعر دفاعا عن الدين، و كرامته، و العروبة، و مناوئيها، بل لا يزال الإمام آل كاشف الغطاء يتدفق فلسفة و عبقرية و بحثا و تدقيقا حتى غدا مرجعا دينيا للعرب و العجم من المسلمين.

الفردوس الأعلى لقد أهدانا الإمام الحجة نسخة من مؤلفه الجديد الذي أطلق عليه اسم «الفردوس الأعلى»، و بالرغم من عرفنا في أعمالنا اليومية حتى الأسنان و الأذقان حاولنا أن نكتفي من معدن علّامتنا الأكبر بنهلة، و انكببنا على مطالعة «الفردوس الأعلى»، و لكن النفس المتعطشة إلى كل جديد، المتعشقة لما ينتجه قلم هذا الفيلسوف الكبير، لم يطف علتها بضع صفحات في الكتاب، بل أخذنا‌

17

نشفع الكأس بالكأس، و الكوب بالكوب حتى الثمالة، و حتى وصلنا إلى نهاية هذا الكتاب النفيس الذي يصح أن يكون مرجعا للمؤمن و الكافر، للعابد و الجاحد.

إنّ أعظم ما لفت نظرنا في الكتاب، و أعادنا إلى الإسلام الصحيح، و أفرغ قلبنا من نزوات الشك، و سقطات الظن و التقدير، و أبعد عنّا شيطان الوسوسة، المباحث الآتية في الكتاب «غيب و لكنه بلا ريب»، هذا الباب يتعلق بسيرة المعراج، و حديث إحضار آصف عرش بلقيس و غير ذلك، و فسر بعض الآيات القرآنية تفسيرا علميا ينطبق على نظريات عميقة تهدي القارئ إلى ضالته المنشودة عند ما يتعسر عليه معرفة كنه أسرار غوامض الحياة من شتى النواحي، و قد جال قلم المؤلف في تفسير المادة و الروح تفسيرا علميا منقطع النظير ينطبق على أقوال الكثيرين من علماء هذا العصر، حتى الذين لا يؤمنون بخلود الروح، و لا بوجود الخالق.

يقول المؤلف- مدّ اللّه في عمره-:

«... إنّ في الإنسان بدنا برزخيا بين الروح المجردة و البدن المادي، فاعلم أنّ هذا البدن قد تغلب عليه الناحية الروحية، و النزعات العقلية، فيغلب على الجسد المادي و يسخّره لحكمه، و يكون تابعا له، و منقادا لأمره، و قد ينعكس الأمر فتتغلب النواحي المادية، و الشهوات الحسية على الملكات الروحية فتصير الروح مسخرة للمادة، تابعة لها، منقادة لرغباتها و شهواتها، و هنا تصير الروح مادة تهبط إلى الدرك الأسفل، و ظلمات الجهالات، و لكنه أخلد إلى الأرض، و هناك تصير المادة روحا حتى تخف و تلطف، و تنطبع بطابع المجردات، فتسمو إلى الملأ الأعلى في هذه الحياة الدنيا، فضلا عن الحياة‌

18

الأخرى».

و قديما قال بعض الشعراء في سوانحهم الشعرية:

خفت و كادت أن تطير بجسمها * * *و كذا الجسوم تخف بالأرواح

و في باب «المعاد الجسماني» للمؤلف براهين تهبط بالرجل الدهري من عالم المادة، الفارغ من جوهر الإيمان، إلى العالم الملموس المحسوس و توقفه على نافذة الحياة التي يرى منها شعاع النور الإلهي.

و في باب «الزكاة و الاشتراكية الصحيحة و التعاون في الإسلام» ما يغني العالم كله عن البحث في كيفية التعاون المشترك بين الفرد و الجماعات، و بين الأسر و العائلات، و قد أفاض العلامة آل كاشف الغطاء بالبحث عن الاشتراكية حتى صورها من أفضل مزايا الإسلام.

و هناك أسئلة و أجوبة تتعلق في أصول الدين و فروعه، و الفروض و الفروع، و قد جاءت بعض فتاوى الحجة الإمام آل كاشف الغطاء موافقة لروح العصر الحالي إذا لم تجئ كلها.

و الذي لفت نظرنا هو أن سماحة المؤلف يستشهد كثيرا بأقوال أبي هريرة، بينما زميله الإمام السيد عبد الحسين آل شرف الدين «صور جبل عامل» قد فنّد جميع أقواله، في مؤلفه المشهور «أبو هريرة»، و جردها من الحقائق و الأسانيد العلمية، التي يصح الأخذ بها و الاعتماد عليها، و نحن لا نحاول بكلمتنا هذه أن نستبق الظروف، و نجعل من ضعفنا في التعرض للبحوث الدينية و العلمية قوة للخوض في معركة من هذه المعارك، بينما يعلم الجميع أن هذه الجريدة لا تهتم‌

19

إلّا للقضايا الوطنية البحتة، بقطع النظر عن احترامنا للدين و أربابه، و لعلماء الدين العاملين المخلصين كافة عامة.

فإلى سماحته- سماحة الإمام آل كاشف الغطاء- تحياتنا و تهانينا الحارة بمؤلفه الجديد، طالبين من الجمعيات الإسلامية المنتشرة في هذه الجمهورية و غيرها أن تطلب من هذا الكتاب نسخا للمطالعة و الإهداء، و بذلك تعود هذه الجمعيات- بعد أن غرقت في بحر المادة- إلى الحياة مرة ثانية، فتقف أمام الخالق الديان وقفة المعترف بذنوبه، المقر بعيوبه، و ما في كتاب «الفردوس الأعلى» كفاية لمن يفتّش عن ربه و عن ذنبه معا.

العالم العربي‌

20

الكلمة الثانية

عن مجلة الرفيق العدد 10- السنة 8 شهر رجب 1372 ه‍ نيسان 1953 م حول كتاب الفردوس الأعلى بقلم: الاستاذ أحمد سليمان الأحمد الأديب البارع الشهير حفظه اللّه‌

تمهيد:

صدر هذا الكتاب النفيس الرائع لمؤلفه الشهير مولانا الإمام الحجة الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء، صاحب المؤلفات العديدة الفريدة، و التي منها كتاب «الدين و الإسلام» الذي أخذ شهرة واسعة في العالمين الشرق و الغرب معا، فكان برهانا ساطعا للمطلعين.

و الفردوس الأعلى الذي بين أيدينا جامع للشروط و الأحكام العصرية من دينية و مدنية، حاو لكثير من المسائل العلمية و الفقهية لكبار علماء الأمة في مختلف البلدان الشرقية يستفتون الإمام كاشف الغطاء بها و أجوبته الجليلة‌

21

الواضحة عليها بما يقنع و يرضي كل سائل مستفيد.

و نحن إذ نشكر لمولانا الحجة آل كاشف الغطاء هديته الثمينة ندعو بطول بقائه و إسعاده لنتمتع ببركته و أدعيته و علمه الغزير، و ليس لنا ما نقول بعد هذه الكلمة التي ننشرها لشاعر شباب العرب الأستاذ أحمد سليمان الأحمد بهذا المؤلف الغزير المادة، و الكثير المنفعة و الفائدة، كما ننشر بختامها بعض الأسئلة الواردة و أجوبتها، و هذه كلمة الأستاذ الأحمد الموفقة وفّقه اللّه و زيد في حياته و رضي عنه.

قلم التحرير‌

حول كتاب الفردوس الأعلى

قال سبحانه و تعالى: قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ ... الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهٰا خٰالِدُونَ.

بهذه الآية الكريمة صدّر الإمام الحجة آية اللّه الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء كتابه الجديد «الفردوس الأعلى»، و حقيق بنا أن نقف أمام ما يكتبه هذا الإمام الجليل، و أن نسترسل معه في آفاقه الفكرية ننهل من معين ينبوعه الفياض، أو نقطف من غرس فردوسه الأعلى.

و حقيق بنا أن نذهب مع هذا العالم الفقيه كل مذهب في أبحاثه و نظراته و نستشف منها حقيقة الدين، هذا الدين الذي يبرأ من فريقين، يدعيه الأول و هو أشد ما يكون منه براءة، هذا الفريق الأول هو حزب الجمود و الخرافات و الأكاذيب و الأضاليل و الانعزال و الكره و التعصب، يعد هذه المجموعة دينا و لا‌

22

يقول إلّا بها، فيشوّه حقيقة الدين و يكون هؤلاء القائلون الحجة القوية بنظر الملاحدة الذين يميلون عن الدين و يغالون في التنكر لكل عظيم و جميل و سام فيه.

ذاك الفريق الأول، و هذا الفريق الثاني «الملاحدة» يلتقيان على صعيد واحد، كلاهما شقاء للإنسانية، و كلاهما لطخة عار في جبينها، بل في رأيي و اعتقادي أن الفريق الأول أشد خطرا. و المجتمع الذي تفشو فيه هذه السموم هو مجتمع كتب عليه التأخر.

في كتابة الإمام الحجة كاشف الغطاء و أمثاله من المصلحين العظام ما يزيد إيماننا بالدين و بروحيته و بقداسته، و بأنه الطريقة الوحيدة لإنقاذ العالم من التخبط في حمأة حلوله و شكوكه و ظنونه، و ما أكثر ما يثلج صدورنا- نحن دعاة الإصلاح- أن نرى أحبار أمتنا تنهض للإصلاح الديني فلا تحيد خطوة واحدة عما يؤيده العقل، و عما يرتفع بالإنسان مادة و روحا.

إنّ النقيق المجرم الزري الذي قال بالخرافات و الأوهام هو نفسه النقيق المجرم الزري الذي تهجم على حملة لواء الإسلام و الإيمان، فما ذا يقول الإسلام و الإيمان؟ و يا ليت شعري أي معنى لحركة أو نظرية، و أي قيمة لها إذا كان علم يبرأ منها و يبين أخطاءها ثمّ يعتنقها جاهل أو خمسون جاهلا؟

حدانا إلى هذه العجالة الفكرية ما طلع علينا به علامتنا المرجع الديني الأعلى الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء في فردوسه الأعلى، و ما دبّجه قلمه البليغ من روائع الفكر و الالهام، و الحق أنّ مباحث العلامة الأكبر تمتاز بذلك التفكير المجرد، و الإحاطة الشاملة في الموضوع، بل أسارع و أقول: إنّ ما يهتدي إليه من الشرح و التعليل و إنارة السائل لممّا يعز نظيره، و يكاد ينفرد به‌

23

الشيخ الحجة من خوالج و خواطر و حقائق و دقائق.

و قد هزّنا بنوع خاص، و ما أكثر قول الإمام الذي يأخذ بمجامع القلوب، و يملك الأفكار و العقول، أقول: لقد هزّنا- بنوع خاص- وصفه لمن يجب أو يجوز الأخذ عنه و تقليده، فيقول: «النظر إلى مقدار انتاجه، و كثرة مؤلفاته، و عظيم خدماته للشرع و الإسلام، و مساعيه في صيانة الحوزة، و الذب عنها».

و ما أروع و أجل تفسيره رضى اللّه عنه لانخساف قمر العقل و انكساف شمس المعرفة، و ما أعظم نصيحته في آخر الجواب: و إن أبيت فطرح تلك الأخبار هو الأصح، و اللّه العالم.

كم في نفس هذا العالم من هدى و علم، و معرفة و إصلاح، و يا حبذا لو تأخذ الأمة بنصائحه و توجيهاته، إذا لعاد لنا عزنا و فوزنا في الدنيا و الآخرة.

و ما ذا أقول في الإمام إلّا ترديد بيت من قصيدة لمولاي الوالد وجهها جوابا لقصيدة أرسلها إليه الإمام الحجة الشيخ محمد الحسين، فقال:

بك ابن الرضى دالت إلى العلم دولة * * *بها خدمت بيض الصفائح أقلاما

و ما ذا أقول في «الفردوس الأعلى» إلّا أن أنقله بكليته للقارئ، و يا حبذا لو عمم في البيوت و لو وعته القلوب التي تبصر.

أحمد سليمان الأحمد‌

24

في عالم التأليف بقلم: آل كاشف الغطاء

الثالثة

كلمة مجلة المواهب الفردوس الأعلى بعض أسرار الحج: بحسب هذا المؤلف الجديد «الفردوس الأعلى» أن يكون بقلم الإمام المجتهد الأكبر آية اللّه العلامة سماحة حجة الإسلام الأشهر، الأجل الأفقه الأنور، مولانا الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء، متّع اللّه الأنام بإطالة عمره الشريف، فيأتي مطابقا اسمه مسماه، و لفظه معناه، و يجي‌ء آية في سلامة العقيدة و التفكير، و بلاغة التفسير و التعبير، و في كشف دقائق الفقه و العرفان، و توضيح أسرار العبادات و الزكاة و الحج و الصوم، و وحدة الوجود و المعاد الجسماني و غير ذلك، بأجلى بيان و أقوى برهان، عدا مقدمات حافلة الضرع، جليلة النفع، يحتوي عليها هذا الكتاب العظيم، و على مسائل فقهية فسيحة الأرجاء، متشعبة الطرق، متعددة المقاصد، مسائل يندر جدا في عصرنا هذا- عصر العلوم و الفنون- من بوسعه و طاقته الإجابة عنها بهذا البيان الشافي المبدع، و الأسلوب‌

25

الرشيق الممتع، بهذه الحجج البالغة و الأدلة القاطعة، كما تكرم و أجاب عنها صاحب «الفردوس الأعلى» أعلى اللّه كلمته، من طريق العقل الناضج الراجح، و النقل الثابت الصحيح.

و لا غرابة، فأمامنا آل كاشف الغطاء إن هو إلّا في الربيئة من أولئك الرجال الأفذاذ الذين غاصوا بجدهم و اجتهادهم إلى القرار في بحار علوم أهل العصمة آل بيت الرسول، أئمة الهدى و منائر الإيمان و الإسلام عليه و عليهم السلام، فاستخرجوا درر كلمهم من مكامنها، و جواهر معانيهم من معادنها، ثمّ أخذوا يبثونها في النفوس كتابيا شريفا، و سننا نبوية سنية، تصقل الأفهام، و تنير الأذهان، و تهدي إلى سواء السبيل، فما أكبرها نعمة على الناس، و ما أجلها منّة!

بئر معطلة و قصر مشرف * * *مثل لآل محمد مستطرف

فالقصر مجدهم الذي لا يرتقى * * *و البئر علمهم الذي لا ينزف

تعطف سماحة الأب الروحي البار سيدنا المؤلف الإمام فشرّفنا- و لسماحته أكمل الشكر- بإهداء نسخة من فردوسه الأعلى، صادرة من مدرسته في النجف الأشرف في 15 ربيع الأول 1372.

و بكلمة الإهداء عليها بقلمه الشريف نراه يتلطف فيرغب إلينا بأن نطالعه بإمعان و روية و استيعاب، ثمّ نفيه بعد ذلك حقه من نقد أو رد.

أما المطالعة بإمعان فسمعا و طاعة لما أمر، و أما النقد و الرد، فإنّ من يطيقهما- بعرفنا- على هذا الكتاب القيم القويم، الذي ما خرج عن كونه تقريرا لأحكام الشريعة الإسلامية الغراء فإنه يطيق الرد على كتاب اللّه و سنّة نبيه (صلّى اللّه عليه و آله)، و كلام الموالي أهل البيت المعصومين (عليهم السّلام).

26

و تتشرف «المواهب» بنقل الفصل الآتي «بعض أسرار الحج» من هذا الكتاب الجليل الذي يجدر بكل أديب عربي حق مسلم و غير مسلم أن يطالعه بإمعان و روية ليتبين مقدار فضله و نفعه، و حاجة النفوس الخيرة إليه، و إليك.

انتهى.

عن مجلة المواهب‌

العدد 9- 10- السنة الثامنة- جمادى الثانية و رجب سنة 1372 ه‍- ص 14‌

27

بسمه تعالى

مقدمة السيد القاضي الطباطبائي

عرفت اللّه بفسخ العزائم: لما قضت العناية الإلهية، و تقدير العزيز العليم في العام الماضي- أعني سنة (1371 ه‍)- بالتوفيق و التأييد، و وفقنا في النجف الأشرف لطبع كتاب «الفردوس الأعلى» من تصانيف سماحة شيخنا و أستاذنا الإمام آية اللّه كاشف الغطاء- و هو اليوم من أكبر مراجع الشيعة و مجتهديهم- متّع اللّه الأمة بطول حياته و بقائه، بعد أن بذلنا الجهد في طبعه و نشره باهتمام الشاب النشيط في مطبعته الحيدرية، فبرز هذا الأثر الخالد إلى عالم العلم و الأدب، و ما كان القصد إلّا خدمة الدين و المذهب، و بث العلم و نشر الحقائق، و بعد برهة قليلة من زمن نشره و ارتواء الناس من مناهله العذبة، وقعنا في المضايق المكربة بسبب بعض الحوادث العجيبة، و تصاريف الزمان و الدهر الخوّان، فعزمنا للقفول إلى الأرض التي نشأنا فيها، و في قصدي العود إلى النجف الأشرف- مركز الفقاهة و الثقافة العلمية و النزعات الأدبية- عاجلا من دون تأنّ في ذلك و لا تأخير، فوردنا إلى «تبريز» و وقعنا في الحوادث المزعجة التي تشمئز من سماعها النفوس الطيبة و القلوب النيّرة، فعاقت هذه العوائق بيني و بين تلك الأمنية و الرجوع إلى‌

28

الأرض المقدسة، و من جراء ذلك لم أجد بدا إلّا التوقّف و الإقامة حتى تنفرج المضايق، و تنقضي هذه الظروف بعون اللّه تعالى.

و صار من العنايات الربانية في هذه الآونة الأخيرة أن قيّض اللّه تعالى بعض الناشرين للعلوم و الفضائل لطبع هذا الكتاب النفيس و السفر الجليل طبعا ثانيا، بحلّة قشيبة رائعة و طبعة جديدة طامحة، فكتبنا إلى سماحة شيخنا الإمام- (دام ظله)- في النجف الأشرف، نستدعي الإذن في ذلك، فتفضّل علينا و على روّاد العلم و طلاب الفضيلة بالإجازة لتجديد طبعه، و أمر بإرسال نسخة مصححة بقلمه الشريف و فيها بعض الزيادات و التنقيحات، و أمرني بتوقيعه المبارك بكتابة بعض التعاليق أيضا زيادة على التعليقات التي كتبنا في الطبعة الأولى، و ليس ذلك إلّا من ألطافه الخاصة إلينا، فبادرت لامتثال أوامره شاكرا لألطافه و لإرشاده إلى ضالتي المنشودة و بغيتي المأمولة.

و قد ساعدنا في أمور الطبع و التصحيح و نشر هذا الأثر النفيس بأبهى حلة حضرة العالم الفاضل الأستاذ السيد محمد حسين الطباطبائي (1)، نسأل اللّه تعالى أن يوفّقه و إيانا لأداء أمثال هذه الخدمات الدينية إلى العالم الإسلامي و المجتمع المذهبي، و من اللّه التوفيق و هو المستعان و عليه التكلان.

تبريز- إيران- شوال المكرم 1372 ه‍- 1953 م‌

محمد علي القاضي الطباطبائي‌

____________

(1)- وكيل مجلة «العرفان» الغراء بتبريز- إيران، لصاحبها العلامة المصلح المجاهد الشيخ أحمد «عارف الزين»، تلك المجلة الجليلة التي خدمت العلم و الدين طيلة أربعين سنة، و هي اليوم من أكبر المجلات الإسلامية الراقية انتشارا و ازدهارا، تصدر في صيدا- لبنان.

29

[مقدمة الكتاب]

كلمة الإمام المجتهد الأكبر آية اللّه كاشف الغطاء المؤلف- أدام اللّه ظله- كمقدمة للكتاب بسم الله الرحمن الرحيم و له الحمد و المجد قال جلّ شأنه في محكم كتابه الكريم: وَ مِنْ آيٰاتِهِ خَلْقُ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ اخْتِلٰافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَ أَلْوٰانِكُمْ إِنَّ فِي ذٰلِكَ لَآيٰاتٍ لِلْعٰالِمِينَ (1).

و كما أنّ الحكمة الأزلية و العناية الكلية قضت اختلاف أفراد البشر و امتياز كل واحد عن الآخر في طوله و شكله و ملامحه و سائر جوارحه، بل و حتى في نبراته و نغمات صوته، فلا تكاد تجد فردين من نوع الإنسان يتساويان في كل المزايا الجسمية و الزوايا العضوية من لون أو لغة أو غيرهما، كل ذلك دليلا على عظيم القدرة و آية على باهر الصنعة، و أنّ سعة المشيئة لا حدّ لها و لا منتهى.

ثمّ و على هذا و مثله جعل اختلافهم في الأفهام و المدارك و الشعور و الميول و الأذواق و الغرائز، و لعل اختلافهم و تباينهم في الأخلاق أكثر من اختلافهم في الخلق حكمة باهرة، و قدرة قاهرة، جلّت و عظمت فوق العظمة‌

____________

(1)- سورة الروم، الآية 22.

30

و الإجلال بما لا يتناهى من الكبرياء و الكمال.

و كان من الغرائز و الميول التي أودعها جل شأنه في هذا البدن النحيف، و الجسم الضعيف منذ درج على الأرض أو صار يميز بين الطول و العرض، الميل و الرغبة الملحّة إلى التأليف و الجمع، من كل أصل و فرع، ينضم و تنتظم بها الرغبة المتوقدة إلى التذوق و المشاركة في شتى العلوم و أكثر الفنون.

فما انتهى العقد الأول من أعوامي إلّا و قد شرعت أو كرعت من مناهل علوم العربية و الأدب و مبادي الفقه و أصوله، و أول تأليف برز لي في هذه البرهة كتاب «العبقات العنبرية في طبقات الجعفرية» مجلدان، كله أدب و تأريخ و نوادر، برزت نسخة واحدة منه إلى المبيضة أرسلناها في ذلك العصر إلى عمّ لنا كان في أصفهان كي يمثله للطبع فعاجله الأجل قبل إنجاز العمل، و مات و ماتت تلك النسخة النفيسة معه، و قد علمنا أنها ما نشرت، و لكن لا نعلم أين قبرت، و ليس عندنا منه سوى مسودة الجزء الأول بخطنا قبل ستين سنة، و قد انتهل من مشارع هذه النسخة جملة من أدباء العصر، و نقلوا الكثير من فرائدها إلى مؤلفاتهم مع حفظ أمانة النقل و بدونها.

ثمّ لم تنطو صحيفة العقد الثاني من حياتنا إلّا و نحن منهمكون في طلب دائب و حركة سافرة بالاشتغال في علوم الحكمة و الفلسفة و الكلام عند أساطينها الذين هاجروا إلى النجف الأشرف لتحصيل العلوم الشرعية، عند مراجع الشيعة الأعاظم في أوائل القرن الرابع عشر، مضافا إلى اشتغالنا في علوم البلاغة كالمعاني و البيان و البديع، و الرياضيات من الحساب و الهيئة و أضرابها، بل الفقه و أصوله، و الحضور في حوزة درس الطبقة العليا من الأساطين كالكاظمين صاحب العروة و صاحب الكفاية (رضوان اللّه عليهما)، فقد لازمت‌

31

الحضور عليهما من سنة الثانية عشر هجرية إلى حين وفاة الأول سنة 1337 ه‍، و الثاني سنة 1329 ه‍، و على الشيخ الفقيه الهمذاني صاحب مصباح الفقيه، المتوفى سنة 1322 ه‍، و غير هؤلاء من الأعاظم (قدس اللّه أسرارهم)، و في حين الوقت الذي أحضر عند هؤلاء الأساتذة الأعلام كانت لي حوزة درس من الأفاضل المهاجرين لطلب العلم، فكنت أكتب ما أتلقاه من أساتذتي في الفقه و أصوله و أحرر ما ألقيه من الدروس على تلاميذي.

و في هذه الآونة و أنا في وسط العقد الثالث ألّفت شرح العروة في مجلدين كبيرين لم يطبع شي‌ء منها إلى الآن، و مع استفراغ الوسع و بذل الجهود البليغة في علمي الفقه و أصوله و الحديث و التفسير و نحوها، و صرف أكثر ساعات يومي و ليلتي فيها أجد في فؤادي شعلة متوقدة و عطشا ملتهبا يحفزني إلى الانتهال و الاشتغال بالعلوم الإلهية، و المعارف العليا، و الحكمة المتعالية، فكنت أدرس في عين ذلك الوقت كتب صدر المتألّهين (قدس اللّه سره) (1) من مختصراته‌

____________

(1)- إشارة إلى الحالة الوضاءة التي كانت عليها جامعة النجف الأشرف في أوائل هذا القرن من بزوغ شموس العلوم و المعارف و الثقافة الدينية و الثروة العلمية و المكانة الأدبية و سائر المزايا الفاضلة، فإنّ منذ تأسيس هذه الجامعة من زمن مؤسسها شيخ الطائفة و زعيم الشيعة الأكبر الشيخ أبي جعفر محمد بن الحسن الطوسي النجفي المتوفى (460) ه‍ إلى اليوم تشد إليها الرحال من البلدان و الأقطار الإسلامية لاقتباس العلوم الدينية على اختلاف أنواعها و أصنافها عند أساتذتها الأكابر زعماء الدين و كبراء المذهب، أجل تشد إليها الرحال، و يكثر إلى أرض الغري الترحال، و يطوف رواد العلم و طلاب الفضيلة حول ضريح أمير المؤمنين (عليه السلام)، و من قال في حقه الرسول الأمين (صلّى اللّه عليه و آله): «أنا مدينة العلم و علي بابها»:

إنما المصطفى مدينة العلم * * *

و هو الباب من أتاه أتاها

هاجر شيخ الإمامية من خراسان و قدم العراق سنة (408) ه‍، و أقام في بغداد إلى سنة

(448) ه‍، و استقل بالإمامة للشيعة بعد وفاة أستاذه الشريف علم الهدى السيد المرتضى المتوفى (436) ه‍، فاشتهر صيته في الآفاق، و سطع نوره و عرف فضله، و انقاد الكل لعظمته، و ازدلفت إليه العلماء و الفضلاء من كل حدب للتلمذة و الحضور تحت منبره، و اجتمع إليه المستفيدون من الأقطار، و بلغت عدة تلامذته إلى ثلاثمائة من مجتهدي الفريقين، حتى أنّ الخليفة العباسي القائم بأمر اللّه عبد اللّه بن القادر باللّه أحمد جعل له كرسي الكلام، و ما كان العباسيون يسمحون به يوم ذاك إلّا لمن هو في الرعيل الأول و القمة العليا بين العلماء في علومه و المتفوق على نظرائه في الكلام، فغلت الأضغان و الأحقاد في قلوب الحساد، و اشتعلت نائرة الفتنة بين الفريقين، و سارعوا في القضاء على الأخوة الإسلامية، و أوردوا أضربتهم المنكرة عليها و احترقت من جرائها كتب الشيخ (قدّس سرّه) و داره في باب الكرخ، و كرسي كان يجلس عليه للكلام.

فهاجر شيخنا وقتئذ إلى النجف الأشرف- هذه الأرض المقدسة- و أسس هذه الجامعة، و اختارها للمركزية العلمية، تحت لواء القبة العلوية، فازدلفت إليه العلماء و الأفاضل، و هاجروا معه و أحاطوا به من كل جانب كالهالة على القمر، و تقاطر إليه الفضلاء من كل صقع و ناحية حتى برعوا بعلومه الجمة، و نشروا ألوية العلم و الدين في أنحاء البسيطة بعده، و أبى اللّه إلّا أن يتم نوره.

و لا يزال من ذلك الزمن الغابر هذه الأرض المقدسة محطّ رحال رجال العلم، و دار الهجرة رواده، و لم يزل فيها على مرّ القرون إلى اليوم جمع من أكابر العلماء و الفقهاء يتكفلون أمور شيعة أهل البيت (عليهم السّلام) في التقليد و الفتوى، و تربية طلاب العلوم الدينية و رواد الفضيلة، و لذا نجد أكثر علماء الشيعة، بل جلهم في الأقطار و الأمصار من تلك القرون إلى اليوم من خريجي هذه المدرسة العلوية، و المقتبسون علومهم و معارفهم الدينية من هذه الجامعة المرتضوية، فإنها كالجامعات و الكليات الراقية، بالإضافة إلى المدارس الابتدائية بين جميع المعاهد العلمية للشيعة، و انتشرت منها إلى اليوم الملايين من المصنفات النفيسة و التصانيف الممتعة التي يعسر لنا بل لا يمكن لأحد إحصاؤها و عدّها على التحقيق.

و منذ تأسيس هذه الجامعة لم تزل تزدهر بالعلوم و تموج بالفضائل في كل هذه العصور، و لها تأثير عالمي و أثر قوي يشمل الإنسانية و يحيط البشرية جمعاء، بيد أن أوائل هذا القرن من

العصور المشرقة التي حوت على بعض المزايا الخالدة و الثمار اليانعة في هذه الجامعة، يوم ناهز فيها عدد طلاب العلوم الدينية عشرة آلاف نسمة، و اجتمع فيها جم غفير من فطاحل الفقهاء و المجتهدين و رؤساء الدين، و كانت الحرية التامة في دراسة العلوم من معقولها و منقولها، و التوسع في اقتنائها و تحصيلها على أنواعها سائدة على تلك الجامعة، و فتحت طرقات سهلة في التحليل و التحري العلمي و تنوير الأفكار في البحث و التنقيب النظري، و اجتمع فيها أيضا جمع من أكابر الحكماء المتشرعين و العرفاء الشامخين و المربين للنفوس بالحكمة العملية و الدراسة العلمية، و بتخلقهم بأخلاق اللّه، و بخشيتهم في جنب اللّه، و بتحليهم بالفضائل الإنسانية، و ما كان من نياتهم إلّا خدمة البشرية مع مراعاتهم الطريقة المثلى و الشرعة الوسطى في بحوثهم القيمة و دروسهم العالية، و تجنبهم عن الجمود و الوقوف عن تحصيل العلوم و الرجوع إلى القهقرى.

و ممن رحل إلى هذه الجامعة و أقام مدة فيها من فحول أبطال العلوم العقلية و النقلية، و أساتذتها الأفاخم هو العلامة الحكيم و الفقيه الشهيد الشيخ محمد باقر الشيرازي الاصطهباناتي، الفائز لدرجة الشهادة حينما وقع هدفا للرصاص في حسينية «قوام» بشيراز سنة 1326 ه‍، (وقفنا على تأريخ حياة هذا الفقيه الحكيم- على نحو التحقيق و التفصيل، و كيفية شهادته و خدماته الدينية، و ترويجه للشريعة، و قيامه للأمر بالمعروف و النهي عن المنكر أحسن قيام، بعد أن قفل عن النجف الأشرف إلى وطنه- في سفرنا إلى شيراز قبل عدة سنين، و كتب لنا تأريخ شئون حياته أيضا نجله الجليل بخطه، و نقلناه بطوله في بعض مجاميعنا، و كان من تلامذته و خاصته، بل صاحب أسراره حضرة سيدي الوالد الماجد المرحوم- (قدس اللّه روحه)- و سمعت أشعة من ترجمة حياته منه (قدّس سرّه) أيضا).

كان (قدّس سرّه) مدرسا في المعقول و المنقول، و ماهرا في تدريس الحكمة المتعالية على طريقة صدر المتألهين (قدّس سرّه)، درس العلوم الفلسفية و المعارف الإلهية و الأصول الكلامية على تلاميذه الكثيرين متنا و خارجا، و اجتمع للارتشاف من نمير حكمته جم غفير من الأعلام و الزعماء الكبراء من ظماء العلوم و الفضائل و في طليعتهم شيخنا الإمام العلامة أدام اللّه ظلاله و أيامه، كما ترشحت الإشارة به من قلمه الشريف في ذيل صفحة 33 ج 1 من كتابه القيم النفيس «الدين و الإسلام» عند ذكره ترجمة موجزة لصدر المتألهين صاحب الأسفار

عن أستاذه الحكيم المنوه باسمه الشريف.

و أيضا كان من مشاهير المدرسين للحكمة العالية في ذلك الوقت الشيخ العلامة الجامع لأنواع العلوم الحاج ميرزا فتح اللّه الشهير ب‍ «شيخ الشريعة» الاصفهاني المتوفى سنة 1339 ه‍- الذي تقلّد الزعامة العامة و المرجعية في التقليد و الفتوى مدة يسيرة في أواخر عمره الشريف- فإنّه عند قدومه من إيران إلى العراق مجازا من علماء اصفهان سنة 1295 ه‍ كان مدرسا كبيرا في الحكمة و الكلام و الفلسفة العالية و المعارف الدينية، و كان خصيصا في تشييد عقائد الدين في قلوب المحصلين بالأدلة و البراهين بغية استعدادهم و تثقيفهم للقيام بالذب عن الدين كيد الأعداء و الخصماء و شبهات الملحدين و أهل الضلال و الأهواء، و مدافعة الخصوم الواقفين في طريق السير و الانتهاء إلى أهدافهم المقدسة، و في سبيل بث العقائد الإسلامية.

و كان (قدّس سرّه) يدرس في المسجد الطوسي الواقع في جوار القبة العلوية ليلا و نهارا، و يحضر بين يديه مئات من المشتغلين كما نقل لنا ذلك جمع من مشايخنا الأعلام و أساتذتنا العظام أدام اللّه بركاتهم، و ذكرنا أيام إقامتنا في بلدة «قم» أشعة من تأريخ حياته، و فهرسا من تصانيفه الممتعة مع الإشارة إلى موضوعاتها في مقدمة كتابه «إفاضة القدير في أحكام العصير» المطبوع ب‍ «قم» سنة 1370 ه‍ فراجع.

و أيضا كان من الجهابذة في الحكمة و الفلسفة، و من المدرسين في هذه الجامعة الشيخ العلامة الحكيم الشيخ أحمد الشيرازي المتوفى 1332 ه‍، الجامع بين المعقول و المنقول، و هو أيضا من أساتذة سماحة شيخنا العلامة أدام اللّه أيامه، و له حاشية على كتاب الفصول في أصول الفقه، و نسخة منها بخط تلميذه حضرة سيدي الوالد الماجد (قدّس سرّه) (أنظر ترجمته في مجلة العرفان الأغر: ص 1197- 1198، ج 10 مج 33 ط. صيدا) موجودة في مكتبتنا الشخصية ب‍ «تبريز»، فلو أردنا إحصاء المدرسين و الأساتذة الكبراء في المعقول و الأخلاق و العرفان و الحديث و الرجال و علوم القرآن في أوائل هذا القرن لطال بنا الكلام.

و أما الفقهاء و المجتهدون من أفذاذ الفقه و أصوله، و حملة الشرع المقدس و قادته في فروعه و أحكامه في ذلك الوقت فهم كثيرون، يعسر إحصاؤهم و الإشارة إلى أساميهم الشريفة في المقام، خاصة من تلامذة الشيخ الإمام الأنصاري (رضوان اللّه عليه‌).

و غير خفي على القارئ الكريم أني لا أريد بكلمتي هذه أن أحوم حول تأريخ النجف الأشرف و جامعتها و مزاياها و شئونها الاجتماعية، و تطورات أوضاعها التاريخية، و آثارها العلمية الغابرة منها و الحاضرة، و أثرها العميق و وقعها العظيم، و تأثيرها المعجب في العالم الإسلامي و المجتمع المذهبي، و شرح آثارها الخالدة و ثروتها العلمية و مكانتها السامية في قلوب المسلمين عموما و الشيعة خصوصا، فإنّ التجوال في هذا المجال يحتاج إلى تأليف كتاب مستقل، و ترصيف تصنيف منيف، و إنما الغرض هو الإشارة بل الإشادة إلى الثقافة العالية و الحضارة العلمية و النزعات الدينية و الرغبات الأدبية، و التوسع في نطاقها و الاهتمام في شئونها في هذه الجامعة، مضافا إلى مركزيتها للفقاهة و الاجتهاد و سائر العلوم الدينية الموجودة أشعة لمعانها إلى اليوم ببركة أعلام الشيعة و عظمائها و مراجع الإمامية و زعمائها، و أفذاذ الأمة و رؤسائها، و الإفصاح بأن اللازم على كل مسلم و شيعي حي غيور الحافظ على كيانه السامي العناية التامة لحفاظة هذه الجامعة الكبرى، و لفت أنظارهم إليها فإن في تقويتها قوة للمذهب، و في تشييدها ترويج للدين، و في الاهتمام بها قمع للباطل، و ذلك غير خفي على من له إلمام بهذا الموضوع و اهتمام بهذا المشروع المقدس، إن كان ممن رزقه اللّه تعالى فهم ما هو الصالح لعالم التشيع و حماية حوزة الدين، و ممن يقدم المصالح العامة و المنافع الاجتماعية على المنافع الشخصية و الأغراض الفردية، و ليعلموا اخواننا بالقطع و اليقين أن من نيات أعداء الدين و خصماء المذهب من الأمم الأجنبية و من مكايدهم الممقوتة، هدم أساس هذه الجامعة و محوها و إبادة مجدها و عظمتها و حطها عن مقامها الشامخ في عالم التشيع، و نسف حضارتها العلمية و نزعاتها الدينية، و لهم السعي البليغ في تهيئة أسباب ضعفها و سقوطها و اضمحلالها، و إرجاع الناس إلى غيرها و ترغيبهم إلى سواها في أمر التقليد و الفتوى، و تحكيم الجمود على أفرادها و سوقهم إلى نبذ أغلب العلوم إلى ورائهم ظهريا، و الاكتفاء ببعض العلوم التي لا يكفي في قلع أساس الأباطيل و الأضاليل، و قمع جرثومة الزندقة و الإلحاد، كما فعلوا ذلك كله بالنسبة إليها بعد أوائل هذا القرن، و شاهدنا ذلك في هذه السنين الأخيرة، و في أثر ذلك توقف جمع من الأساتذة في هذه الجامعة عن دراسة بعض العلوم، و صار هذا الأمر من الجنايات التي لا يسدها شي‌ء إلّا التيقظ و سد هذه الثلمة بالحرية التامة في تحصيل العلوم بشتى أنواعها.

32

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

33

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

34

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

35

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

36

كالمشاعر و العرشية و شرح الهداية، و مطولاته كالأسفار و شرح أصول الكافي، ثمّ ألحّ بي العطش و الظماء إلى التماس جرعة من كتب العرفاء الشامخين كالفصوص و النصوص و الفكوك و كثير من مثنويات ملّا جلال الدين الرومي و الجامي و شمس التبريزي و الشبستري و غيرهم ممن نهج على منهاجهم و عرج في معراجهم، فكنت لا أجد راحة و روحا لروحي من عناء الحياة و متاعب الكفاح إلّا بمزاولة الأدب العربي و التلذذ بمطالعة كتب القوم و الأنس بأشعارهم و معارفهم حتى بلغت من ذلك على مثل ما قيل، كنت أشرب و لا أرتوي فصرت أرتوي و لا أشرب.

و على كل فلا أريد بكلمتي هذه أن أترجم لنفسي شئون حياتي، و كيف انقضت ساعات أيامي و ليلاتي، فإن هذا يحتاج إلى مؤلف ضخم كله عجائب و غرائب و دروس و حوادث و كوارث و عبر، و لعل التاريخ يحتفظ بشي‌ء منه إن كان لا يستطيع الاحتفاظ بكله.

نعم، جل القصد من هذه الومضة إنارة زاوية واحدة من هذا العمر الحافل بالزوايا و المزايا، و هي ناحية الشغف و الولع بالتأليف و نشر العلوم و الثقافة بشتى‌

____________

نسأل اللّه تعالى أن يوفق أهل الإيمان و العقيدة الراسخة لحفاظة هذه الجامعة، و تشييدها و تأييدها و تقوية هذا الهدف الأسمى و الغرض الأقصى، و رزقهم التيقظ عن رقدة الغفلة، و الاهتمام بمستوى الأمة، و القيام تجاه واجبهم الديني، و فرضهم المذهبي، و أن يوفقهم لنبذ المصالح الشخصية، و الإقبال على المعاضدة للأمور الاجتماعية و الدينية، و توحيد الجهود و التخلص عن كل غرض ممقوت، و اللّه الموفق.

القاضي الطباطبائي 18- 9- 1371 ه‍

37

أنواعها، فكان أول تأليف لنا «العبقات» كما أسلفنا، و هو أدب و تأريخ و تراجم، و أول تأليف في الفقه شرح العروى الوثقى، كنا نكتب الشرح ليلا و نلقيه نهارا على حوزة الدرس المؤلفة من أعلام الأفاضل المتجاوز عددهم المائة في مسجد الهندي تارة و في غيره أخرى.

و بعد وفاة أستاذنا الطباطبائي أعلى اللّه مقامه بسنة واحدة رجع إلينا جماعة من المؤمنين من أهالي بغداد و طلبوا منا تعليقا على التبصرة ليكون عملهم عليها، فعلقنا عليها حواشي، و طبعت في هامش الكتاب مع حاشية الأستاذ (قدّس سرّه) سنة (1338) ه‍، و في خلال هذا ترجمنا عدة كتب من الفارسية إلى العربية ك‍ «فارسي هيئت» و «حجة السعادة» و «رحلة ناصر خسرو».

و أول تأليف لنا في الحكمة و العقائد «الدين و الإسلام»، و كنا وسمناه «الدعوة الإسلامية إلى مذهب الإمامية»، و شرعنا بطبعه بمطبعة دار السلام في بغداد، و بينا كانت المطبعة تشتغل بطبع الجزء الثاني سنة 1329 هجرية، و كانت بعض نسخ من الجزء الأول الذي نجز طبعه قد انتشر و تداولته الأيدي و إذا بالسلطة تهاجم المطبعة بغتة و تصادر الكتاب بجزئيه و تحمله إلى حيث لا ندري إلى الآن، و كان ذلك بأمر الوالي الشهير في عهد دولة «عبد الحميد و رشاد ناظم باشا»، و بإيعاز المفتي «شيخ سعيد الزهاوي»، فكبدونا بهذه الحركة الجائرة خسائر باهظة مادية و معنوية بعثت فينا روح النشاط و الحماس إلى السعي بطبعه خارج العراق، فصممنا العزيمة على الحج إلى بيت اللّه الحرام من الكاظمية إلى الشام على البغال شهرا كاملا، و منها إلى المدينة المنورة بالقطار، و منها إلى مكة على الجمال، و كتبنا بهذا السفر رحلة بديعة أسميناها «نزهة السمر و نهزة السفر» لا تزال بخطنا، ثمّ أقفلنا بعد الفراغ من أداء المناسك إلى‌

38

الشام أيضا، و منها إلى بيروت فصيدا فأنجزنا طبع الجزءين منه، و لطفنا من أسلوبه الثقيل في الطبعة الأولى حتى ساغ مشربه للجميع، ثمّ طبعنا الجزءين من «المراجعات الريحانية» و الجزءين من «التوضيح في الإنجيل و المسيح»، و في خلال هذا واصلنا السعي لنشر عدة كتب مهمة، و أشرفنا على تصحيحها ك‍ «الوساطة» للقاضي الجرجاني، و «معالم الاصابة» في الكاتب و الكتابة، و ديوان السيد الحبوبي و «سحر بابل» و غيرها.

ثمّ عدنا إلى النجف الأشرف سنة 1332 ه‍ أوائل الحرب العامة الأولى، و ألجئونا إلى الإرشاد و الدعوة، و سافرنا للجهاد عدة مرات حتى إذا وضعت الْحَرْبُ أَوْزٰارَهٰا و انتقل أستاذنا السيد الإمام الكاظم إلى جوار ربه و تحملنا أعباء وصيته مع الأخ المرحوم أعلى اللّه مقامه الذي اجتهدنا معه في تنقيح تأليف «العروة الوثقى» و طبعها مرتين في حياته، و كانت مرجعية الإمامية في عموم الأقطار قد انتهت إليه (رضوان اللّه عليه‌)، و علينا كان يعول في جميع مهماته و لا يضع ثقته عند غيرنا، و إلينا يرجع كل مرافعة تنشر عنده فيحكم بحكمنا و يقضي بقضائنا، و لا تزال وصاياه بخطه عندنا.

و مذ اتسعت دائرة المرجعية إلينا بعد وفاته اضطرّتنا الظروف إلى نشر الرسائل العملية المتنوعة، فأصدرنا عدة رسائل كالوجيزتين الصغرى و الكبرى، فارسية و عربية، و قد طبعت عدة طبعات، و كالسؤال و الجواب العربي الذي طبع تكرارا، و كزاد المقلدين الفارسي الذي تكرر أيضا طبعه في النجف الأشرف و في خراسان، و كحاشية التبصرة و حاشية العروة و فيه أنفس التحقيقات في المدارك الفقهية، و كذلك التعليقات على سفينة النجاة أربع مجلدات، و الأصل مجلدان للأخ المرحوم طبع و نفد في حياته فعلقنا عليه حتى بلغ أربعة أجزاء‌

39

و طبعناه ثانيا، و ألّفنا الآيات البينات أربع رسائل مهمة في رد الأموية و البهائية و الوهابية و الطبيعية.

و قبل الحرب العامة الثانية ألّفنا «تحرير المجلة» في خمسة أجزاء، و يعرف قدر هذا الكتاب و عظيم وقعه و علو مقامه من يطالعه إن كان من أهل ذلك.

و أعظم من كل هذا أثرا و أعظم نفعا و أصدق خبرا و خبرا كتاب «أصل الشيعة» الذي ترجم إلى عدة لغات، و طبع اثني عشر مرة، و يتلوه «الأرض و التربة الحسينية» ترجم إلى الفارسية و طبع فارسيا و عربيا، و المترجم لهما هو العالم المتبحر البر التقي الشاهزاده خسرواني أطال اللّه عمره و أجزل أجره، و كان البريد و غيره يوصل إلى مكتبتي- سحابة عمري- كتبا من الأقطار البعيدة و القريبة من العراق و خارجه، تشتمل على أسئلة في مسائل عويصة و مشاكل غامضة في أصول الدين و فروعه، و أسرار التشريع، و الحكمة في الأحكام، مضافا إلى الاستفتاء في الفروع الفقهية و القضايا العملية، فكان الجواب عنها يذهب مع السؤال و لم نحتفظ إلّا بالنزر اليسير مما ذهب، و قد جمعنا من هذا اليسير مجلدا كبيرا وسمناه ب‍ «دائرة المعارف العليا»، يصح أن يعدّ ثروة علمية من أنفس الذخائر، و قد بقي من هذا النوع أوراق مبعثرة في حقايبنا و مجاميعنا فيها الكثير من الخطب و الكلمات و المقالات التي تتعلق بأهل البيت (سلام اللّه عليهم)، باختلاف المناسبات من أيام شهادتهم و وفياتهم و مواليدهم و أسرار شهادتهم و ما إلى ذلك مما يناط بهم و يعود إليهم، مما نشر بعضه في بعض الصحف و المجلات و ما لم ينشر، و كنت طالما أحدّث نفسي بجمع تلك المتفرقات في كتاب عسى أن يكون كعقد ثمين ينتظم في سلك تلك العقود من‌

40

المؤلفات التي وفقنا اللّه جل شأنه لنشرها و لخدمة العلم و الفضيلة و نفع الإنسانية و هداية البشر بها التي تجاوزت الثمانين، و الكثير أو الأكثر منها لم يطبع.

ثمّ رأيت أن أفرد المسائل العلمية و المباحث النظرية في كتاب، و ما يتعلق بالنبي و أهل بيته الطاهرين (عليهم السّلام) في كتاب آخر ينتفع به أهل المنابر و الخطباء مستقلا على الأكثر، و إن كان هذا المنهل العذب للجميع شرعا سواء، و أجعل هذين المؤلفين أو الثلاثة مسك الختام أو ختامه مسك لحياتي التي أو شكت على الزوال و هي في آخر مراحلها و قد ذرفت على السبعين، و أخذت بعنقي أو أخذت بعنق الثمانين:

قالوا أنينك طول الليل يزعجنا * * *فما الذي تشتكي قلت (الثمانينا)

ثمّ هذه السبعون أو الثمانون مع تفاقم العلل و الأسقام و ضعف الحال و تراكم الأشغال و توالي الإحن و المحن و سوء الزمن و أهل الزمن، هو الذي كان يحول بيني و بين إنجاز تلك الرغبة و جعلها في حيز العمل.

و كنت مدة سنتين أو أكثر على هذا الحال من التسويف و المطال حتى كانت إحدى الليالي الشريفة من شهر رجب العام الغابر و بعد الفراغ سحرا من وظائفه و أنا جالس في مصلاي أنتظر الفجر أخذتني سنة، نقلتني إلى غير العالم الذي أنا فيه، و تمثل لي ملاك بصورة إنسان أو إنسان بهيئة ملك يقول لي: لما ذا و إلى كم تتساهل عن «الفردوس»؟ قلت: سيدي، و ما الفردوس؟ قال: الكتاب الذي عزمت على تأليفه، أما إنه الفردوس لك و لشيعتنا، فأخذتني هزّة أدهشتني، و رجعت بها إلى هذا العالم المحسوس أو المنحوس، و صممت العزيمة من‌

41

ساعتي على الشروع في هذا المشروع على أن يكون اسم المجلد الأول «الفردوس العليا أو الأعلى»، و اسم المجلد الثاني الخاص بأهل البيت (عليهم السّلام) «جنة المأوى»، و مواد هذا الجزء كلها جاهزة، و إن فسح اللّه تعالى في الأجل و وفقنا لأن نعزّزهما بثالث نجعله «شجرة طوبى و سدرة المنتهى»، فتلك زيادة فضل منه تعالى الذي عوّدنا على ألطافه منذ أوجدنا و أسعد جدّنا.

و كان من الألطاف الإلهية و العنايات الغيبية نشر هذا الكتاب الذي وضعناه بين يديك أيها الناظر فيه.

نعم، من أقوى أسباب ظهوره و سطوع نوره تصدي العلامة الشريف، الجامع بين شرفي الحسب و النسب، و طرفي فضيلتي العلم و التقى حجة الإسلام «السيد محمد علي القاضي» التبريزي دامت بركات وجوده، و كانت عرى الولاء بيننا وثيقة، و أمراس التعارف معه بالمراسلات المتوالية متينة، أيام توقفه في بلدة «قم» للتحصيل، ثمّ هاجر هذه البرهة إلى «النجف الأشرف» للتكميل، فتفضل علينا بل على العلم و الفضيلة و تصدى للإشراف على طبع الكتاب و تصحيحه و علق عليه تعاليق نفيسة لامعة لا تقصر فائدتها عن الأصل إن لم تزد عليه، مع أنّ وقته العزيز مستغرق في الدرس و البحث، و لكن من أخلص للّه تعالى في عمله بارك اللّه في وقته و عمره و أمله.

و إذا أراد اللّه شيئا هيّأ أسبابه، و من الأسباب التي هيّأها جل و علا إقدام شاب نجيب لا يزال يدأب في نشر الكتب النافعة على نفقته و في مطبعته، زاد اللّه في توفيقه و كثّر أمثاله.

42

[المتن]

ترجمة المسائل القندهارية الثمان

بقلم: القاضي الطباطبائي‌

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه مستحق الحمد، و الصلاة و السلام على سيدنا و نبينا محمد و آله الطاهرين، و لا سيما ابن عمه أمير المؤمنين.

و بعد: فهذه المسائل الثمان هي المسائل «القندهارية» التي سألها بعض أهل بلدة قندهار من سماحة شيخنا الإمام العلامة المجتهد الأكبر آية اللّه الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء- متّعنا اللّه بوجوده و نفعنا بعلومه- و كانت تلك الأسئلة مع أجوبتها باللغة الفارسية، و برزت إلى عالم المطبوعات سنة 1339 ه‍ في النجف الأشرف، و كانت الاستضاءة بأنوارها و الاهتداء بشعاع لمعانها مختصة بالأمة الفارسية، و كنا على عادتنا المستمرة نتشرف بالحضور مع جمع من أفاضل أصدقائنا لدى سماحة الإمام للتزود من علومه الجمة، و الاستفادة من أفكاره العلمية، و الارتشاف من نمير حكمته العالية التي تجري من قلبه على لسانه و رشحات أقلامه، فرأينا أنّ بعض المسلمين من أهل البلاد العربية استدعى من سماحة الإمام كشف الغطاء عن حقيقة تلك المسائل التي كشف سماحته منذ سنين الستار عن وجه حقيقتها و ألبسها الحياة العلمية، و محّص حقائقها و أبان المغزى فيها مع دقة نظرياته البديعة في أجوبتها.

43

بيد أنه لا مجال لسماحته الآن من جراء كثرة المراجعات و رجوع الناس إليه في القضاء و الفتيا و في حوائجهم و احتياجاتهم مع ضعف في مزاجه الشريف في هذه الآونة الأخيرة عن كتابة الأجوبة المفصّلة خصوصا فيما يحتاج إلى فراغ واسع و صرف شطر وافر من أوقاته الشريفة فيه.

و لا غرو أنّ سماحة الإمام اليوم علم من أعلام الدين الشاهقة، و ركن من أركان الأمة الإسلامية، و هو العماد الأكبر في الجامعة الكبرى للشيعة الإمامية، و ليس له فرصة للتصدي بأجوبة السؤالات العلمية على نحو التفصيل و التوضيح.

و أضف إلى ذلك أنه يسدّ فراغا واسعا لا يستهان به في التأليف و التصنيف و قضاء حوائج المؤمنين، و إنجاح مقاصدهم مع نشر العظات و النصائح العلمية و العملية، و الدعوة الإسلامية بالأدلة و البراهين الحقة، و كل ذلك خدمة للشريعة و نصرة للحق و إذاعة للنصيحة، و تفاديا للدين، فله المنّة الكبرى التي يلزم ذكرها و يجب شكرها على كل مسلم حيّ مثقّف و شيعي متيقظ طامح.

فصار من التوفيقات الربانية لهذا العبد، و من ألطاف سماحة الإمام أن صدر أمره- (دام ظله)- في هذه الأرض المقدسة «النجف الأشرف» في عامنا هذا 1370 ه‍ بترجمة هذه المسائل و نقلها إلى اللغة العربية- اللغة الدينية الإسلامية- ليعم نفعها للمسلمين عامة، و الشيعة خاصة، فبادرت لذلك امتثالا لأمره، و انقيادا لطاعته، و شاكرا لإرشاده إلى ضالتي المنشودة.

و قد رأيت أن أقدّم و أؤخر في بعض المسائل؛ حرصا على التنسيق مع الاحتفاظ بالأصل الأوّلي، و ما توفيقي إلّا باللّه عليه توكّلت و إليه أنيب.

و أنا العبد محمد علي القاضي الطباطبائي‌

44

بسمه تعالى

السؤال الأول:

سماحة حجة الإسلام الشيخ محمد الحسين كاشف الغطاء (دام ظله):

إنّ علماء العامة، بل عموم أهل السنة، ينتقدون الشيعة الإمامية الاثنا عشرية في قولهم بوجوب غسل مس الميت؛ لأنهم ليسوا بقائلين به، و لا يفعلون هذا الغسل حتى على نحو الاستحباب، و يطالبون الدليل من الإمامية على ذلك، و إن كان العلامة (قدّس سرّه) (1) قد ذكر دليل المسألة في كتابه تذكرة الفقهاء، فإنا‌

____________

(1)- هو جمال الدين أبو منصور الحسن بن سديد الدين يوسف بن علي بن المطهر الحلي، الشهير بآية اللّه العلامة، رئيس الإمامية و زعيمها الأكبر، صاحب التصانيف الكثيرة الممتعة في مختلف العلوم، قرأ على جماعة كثيرين من علماء الشيعة و السنة، و ناظر علماء المذاهب الأربعة، و أفحمهم، و تشيع بسببه السلطان محمد المغولي الملقب ب‍ «شاه خدابنده الجايتو» المولود 680 ه‍ و المتوفى ليلة عيد الفطر 716 ه‍، و دفن في السلطانية على مسافة عدة فراسخ من بلدة «زنجان».

و أمر هذا السلطان بتزيين الخطبة و السكة بأسامي الأئمة الاثني عشر (عليهم السّلام)، و كان قبل ذلك بأسامي الخلفاء الأربعة، و رأيت من تلك المسكوكات في هذه الآونة الأخيرة، و أمر أيضا بترتيب مدرسة سيارة للعلامة تحتوي على مائة نفر من طلاب مجلسه الشريف، و هي ذات غرف من الخيام الكرباسية و ما يحمل عليها من الدواب، و كانت تحمل مع الموكب السلطاني و تضرب في كل منزل.

و نقل أنه وجد في أواخر بعض الكتب وقوع الفراغ منه في المدرسة السيارة السلطانية في

45

نستدعي من سماحتكم أن تتفضلوا بدفع ما أوردوه كما هو حقه بقلمكم المبارك، مشفوعا بذكر الدليل من كتبكم إن كان موجودا فيها، فإن تفضلتم بإجابة ملتمسنا يعدّ ذلك من جزيل ألطافكم علينا.

الجواب:

ليس لمسألة غسل مس الأموات في الكتب الفقهية لأهل السنة عين و لا أثر على ما وصل بأيدينا من كتبهم و مصنفاتهم من متونها و مطولاتها و مختصراتها، لا نفيا و لا إثباتا.

و الظاهر أنّ في النجف الأشرف بل في أغلب أنحاء بلاد العراق ليست مكتبة حافلة بالكتب و مصنفات الفريقين من مخطوطها و مطبوعها كجامعة مكتبتنا و اشتمالها على كتب الفقه و الحديث لأهل السنة، و فيها عدة من نفائس‌

____________

كرمانشاهان.

و كان للعلامة ثروة طائلة و قرى كثيرة قد حفر أنهارها بنفسه، و أحياها بماله، لم يكن لأحد فيها من الناس تعلّق، و أوقف كثيرا من قراه في حياته.

و ذكر الشيخ إبراهيم القطيفي في كتابه السراج الوهاج: أنه رأى خطه الشريف و خط الفقهاء المعاصرين له من الشيعة و السنة على الوقف، و في صدر سجله أنه أحياها و كانت مواتا.

و صاحب العلامة و ولده فخر المحققين ذلك السلطان سفرا و حضرا، و لم يفارقاه طيلة حياته منذ صاحباه، و توفى العلامة سنة 726 ه‍ و ولده سنة 771 ه‍.

و من أغرب ما ذكره بعض من سود وجه التاريخ بالترهات و الشطحات كابن بطوطة الرحالة الشهير أن السلطان المذكور رجع عن مذهب الإمامية إلى طريقة أهل السنة، و تبعه في هذا الزعم بعض المعاصرين لعدم تحرّيه الصادق في التأريخ. غفرانك اللهم من هذا الإفك العظيم الناشئ من العصبية الممقوتة، أعاذنا اللّه منها، و اللّه العاصم.

القاضي الطباطبائي

46

المؤلفات من المهمات و المطولات، و تشتمل على التصانيف القديمة و الحديثة، و فيها الصحاح الستة و شروحها، و الكتب الفقهية من جميع كتب المذاهب الأربعة المعروفة و غيرها، و إني بعد ما ورد عليّ هذا السؤال راجعت كتبهم و تتبعت ما قالوا في مؤلفاتهم في هذا الموضوع، و ليس لي الآن فرصة الاستيعاب و الاستقراء التام في مصنفاتهم، و مع ذلك بذلت الوسع في التتبع في الجملة بحيث يمكن أن يحصل الاطمئنان بما في باقي كتبهم مما لم أرجع إليها، و ما رأيت في كتبهم الفقهية من المتون و الشروح و المختصرات و المطولات لهذه المسألة ذكرا و أثرا أصلا.

و أما كتبهم و جوامعهم الحديثية من الصحاح الستة و غيرها كصحيح البخاري و صحيح مسلم و النسائي و سنن أبي داود السجستاني بعد أن أتعبت النفس في التتبع فيها فما وجدت أيضا أثرا و ذكرا لهذه المسألة فيها، و إني و إن لم ألاحظ صفحاتها صفحة بعد صفحة، و ما فتشتها سطرا بعد سطر، و لكني نظرت بالدقة إلى الأبواب و المظانّ لتلك المسألة فما وجدت شيئا منها في المحل المناسب لها.

نعم، في صحيح الترمذي، و هو من صحاحهم الستة، وجدت ما يناسب هذه المسألة، بل يمكن أن يكون ذلك دليلا لمسألتنا أو رافعا للاستبعاد على الأقل؛ لأنه إما نفس هذه المسألة أو نظير لها، ففي صحيح الترمذي صفحة 185 ج 1 من طبع مصر سنة 1292 ما هذه عبارته:

حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، حدثنا عبد العزيز بن المختار، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) قال: من غسله الغسل و من حمله الوضوء يعني الميت، قال: و في الباب عن علي (عليه السلام) و عائشة‌

47

قال أبو عيسى- يعني الترمذي نفسه- حديث أبي هريرة حديث حسن، و قد روي عن أبي هريرة موقوفا، و قد اختلف أهل العلم في الذي يغسل الميت فقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي (صلّى اللّه عليه و سلّم) و غيرهم: إذا غسل ميتا فعليه الغسل، و قال بعضهم: عليه الوضوء، و قال مالك بن أنس: استحب الغسل من غسل الميت، و لا أرى ذلك واجبا، و هكذا قال الشافعي، و قال أحمد: من غسل ميتا أرجو أن لا يجب عليه الغسل، و أما الوضوء فأقل ما قيل فيه، و قال إسحاق: لا بد من الوضوء، قال: و قد روي عن عبد اللّه بن المبارك أنه قال: لا يغتسل و لا يتوضأ من غسّل الميت. انتهى.

و من المعلوم أنّ ظاهر هذه الرواية وجوب الغسل على من غسل ميتا، و جمع من صحابة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و من التابعين أفتوا بذلك بنقل الترمذي، و لا سبب أوجب الغسل على الغاسل إلّا مباشرته و مماسته للميت، و هذا ليس من القياس الضروري البطلان في مذهب الإمامية، بل ذلك تنقيح للموضوع، فكأنه قال: مباشرة الميت توجب الغسل، و إن سلمنا أنه قياس فلا يضرنا ذلك أيضا بناء على مذهبهم.

و في كتاب الموطأ روى مالك بن أنس- و هو رئيس مذهب المالكية من المذاهب الأربعة المعروفة- ما هذه عبارته:

قال في صفحة 91 ج 1 من طبع مصر سنة 1280: حدثني عن مالك، عن عبد اللّه بن أبي بكر أنّ أسماء بنت عميس غسلت أبا بكر الصديق حين توفي، ثمّ خرجت فسألت من حضرها من المهاجرين فقالت: إني صائمة، و إن هذا يوم شديد البرد، فهل عليّ من غسل؟ فقالوا: لا.

و من تأمّل في هذا الحديث علم أنّ وجوب الغسل على غاسل الميت كان‌

48

أمرا مفروغا عنه في صدر الإسلام حتى علمته النساء، و كان من المسلمات حتى عند المخدّرات، و أسماء بنت عميس (1) من مشاهير النساء، و من اللاتي لا يشك في أنها من ذوات الدين و المعرفة، و من اللائي التزمن بيت الوحي و النبوة، و هي أم محمد بن أبي بكر، و بعد وفاة أبي بكر تزوجها مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام)، و نالت الشرافة و الاحترام بهذا الزواج المقدس، فهي بعد ما غسلت أبا بكر- أشكل عليها الأمر- بأنّ الغسل لا ريب أنه واجب، فهل هو واجب على غاسل الميت حتى في حال الضرورة و شدة البرد؟ فحين ذاك قالوا‌

____________

(1)- أسماء بنت عميس الخثعمية من مشاهير العالمات في الإسلام، أسلمت قديما، و هاجرت إلى الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب (عليه السلام)، فولدت له بالحبشة عبد اللّه و عونا و محمدا، ثمّ هاجرت إلى المدينة، فلما استشهد عنها جعفر الطيار تزوجها أبو بكر فولدت له محمد بن أبي بكر، ثمّ مات عنها فتزوجها أمير المؤمنين (عليه السلام) فولدت له يحيى.

قال العلامة المامقاني (قدّس سرّه): إنها ثقة مقبولة الرواية.

و روى الصدوق (رحمه اللّه) في الخصال مسندا عن أبي بصير، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سمعته يقول:

رحم اللّه الأخوات من أهل الجنة: أسماء بنت عميس الخثعمية، و كانت تحت جعفر بن أبي طالب؛ و سلمى بنت عميس الخثعمية، و كانت تحت حمزة، و خمس من بني هلال ... الخ.

الحديث.

و كان عمر بن الخطاب يسأل أسماء بنت عميس عن تعبير المنام، و نقل عنها أشياء من ذلك و فرض لها ألف درهم، و ماتت بعد أمير المؤمنين (عليه السلام)، و قيل: توفيت في زمن خلافته (عليه السلام)، و يقال: إنها لما بلغها قتل ولدها محمد بمصر قامت إلى مسجد بيتها و كظمت غيظها حتى شخبت ثدياها دما، و أوصى أبو بكر أن تغسله امرأته أسماء بنت عميس. أنظر لسان الميزان:

ج 6/ ص 853 ط. حيدرآباد الدكن؛ أسد الغابة: ج 5/ ص 395 ط. مصر؛ أعيان الشيعة: ج 11، مج 12/ ص 219- 232 ط. دمشق؛ الإصابة: ج 4/ ص 225 ط. مصر 1359 ه‍؛ تنقيح المقال: ج 3/ ص 69 فصل النساء ط. النجف؛ أعلام النساء: ج 1/ ص 46 ط. دمشق؛ الدر المنثور في طبقات ربات الخدور: ص 35 ط. مصر 1313 ه‍.

القاضي الطباطبائي

49

لها: إنه ساقط في حال الضرورة، و ليس بواجب في تلك الحالة الصعبة.

و قد فسّر الحديث بهذا المعنى الشارح الزرقاني (1)، و هو من كبار علماء أهل السنة في شرحه الكبير على كتاب الموطأ صفحة 5 ج 2، و قال: و المعنى أن الغسل ليس بواجب عليك؛ لأنك معذورة بسبب الصوم و البرد، و بسط القول في اختلاف علماء أهل السنة في هذه المسألة، فنقل عن مالك صاحب المذهب و جمع آخر من علماء الشافعية و غيرهم القول بالوجوب، و دليلهم على ذلك هي رواية أبي هريرة: أنّ النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال: من غسل ميتا فليغتسل، و الأمر ظاهر في الوجوب.

و على أي حال، إنّ مسألة وجوب الغسل على الغاسل إما هي نفس مسألة المسّ أو نظيرها، و ذلك كاف لرفع الاستبعاد؛ و لذا ذكر العلامة أعلى اللّه مقامه هذه المسألة- أعني مسألة الغسل على الغاسل- في مسألة الغسل.

ثمّ إنّ في أغلب تلك الكتب التي أوعزنا إليها نقل القول بالاستحباب عن أبي حنيفة و غيره، و نقل القول بالوجوب عن آخرين.

إذا فعليه يمكن أن يقال: إنّ القول بوجوب غسل المس في الجملة فضلا عن القول بالاستحباب موجود عندهم، و الأحاديث الدالة على الوجوب موجودة في الكتب المعتبرة لديهم، و وردت أحاديث في ذلك من طرقهم، و ليس فرق كبير بين تغسيل الميت و بين مسّه.

و قد اتّفق لي نظير هذا السؤال من بعض المعاصرين من علماء أهل السنة‌

____________

(1)- أبو عبد اللّه محمد بن عبد الباقي بن يوسف المصري المالكي الزرقاني، توفي سنة 1122 ه‍، له شرح الموطأ، و غيره من المؤلفات.

القاضي الطباطبائي

50

في بلاد الشام، و ذلك في السنة التي عزمنا فيها على سفر الحج و التشرّف لزيارة بيت اللّه الحرام زاده اللّه تعالى شرفا، سنة 1330 ه‍، أي قبل أربعين سنة، و اتفق ملاقاتي فيها مع جمع من علماء أهل السنة، فجرى الكلام بيننا و بينهم و انجرّ الحديث- و الحديث ذو شجون- إلى المذاكرة في مسائل متفرقة.

و منها أنهم قالوا: إنّ للإمامية فتاوى عجيبة في الأحكام الشرعية، بحيث تنافي ضرورة العقل، مثل أنهم يرون وجوب الغسل على من مسّ ميتا آدميا، مع أنّ النوع الإنساني، و على الأخص المسلمين منهم، من أطهر الحيوانات و أشرف الموجودات، فكيف يوجب مس بدنه بعد الموت الغسل، مع أنهم يكتفون في مس ميتة الكلب و هو أنجس الحيوانات و أخس جميع الموجودات بغسل اليد فقط؟ و هذا الأمر من الفساد بحيث لا يحتاج إلى بيان حتى صار سببا لطعن اليهود و النصارى في دين الإسلام.

و لم أكن قبل ذلك مسبوقا بهذا السؤال و الاعتراض حتى أكون مستحضرا للجواب، غير أنّ روحانية الشرع المقدس، و كون الحق يعلو و لا يعلى عليه، ألهماني بعد دقيقة من التأمّل أن قلت: إنّ ضرورة العقل تقضي بما قالته الإمامية في هذه المسألة، فتعجبوا من كلامي و استغربوا مقالي.

فقلت لهم: استمعوا حتى أكشف لكم الحقائق الراهنة ليتبين لكم اللبّ و المغزى في هذه المسألة، فقد اعترفتم أنّ النوع الإنساني إنما هو أشرف الموجودات و أكمل المخلوقات كما هو من الضروريات و البديهيات.

و سرّ ذلك على الإجمال هو أنّ الإنسان إنما هو في آخر قوس النزول و مبدأ قوس الصعود، بمعنى أن وجوده المفاض تنزل من المراتب الشامخة و العقول و النفوس الكاملة و الأملاك و الأفلاك العالية حتى ورد إلى مرتبة‌

51

الأجسام العنصرية، و وصل نهايتها و هي مرتبة الهيولى الأولى (1) التي تلازم‌

____________

(1)- و ليسمح لي القارئ العزيز أن أبيّن في هذا المقام معنى «الهيولى و مرتبتها».

و أقول: اعلم أنه كما يوجد في المفاهيم المعقولة أمرا مشتركا بينها يسمى الجنس، و أمرا مميزا يسمى الفصل، و أمرا مؤلفا في العقل منهما بسيطا في الخارج يسمى النوع، كذلك إذا لاحظنا المحسوسات و الأجسام، فإنّ من أمعن النظر لمثل «المدرة» مثلا، و لاحظها يرى فيها من حيث وجودها الخارجي شيئا تساوق المدرة في ذلك الشي‌ء جميع الأشياء القائمة بذاتها، و تفارق الأمور العرضية، و ذلك الشي‌ء هو الجوهر، و تمتاز المدرة فيه إذن عن الأعراض، و يرى فيها شيئا آخر تشارك فيه جملة من الأشياء الجوهرية، و تمتاز عن جملة أخرى، و ذلك الشي‌ء هو «الجسم»، فإنّ المدرة تمتاز عن العقل و نحوه في ذلك، و تساوق الحجر و الياقوت و زيدا مثلا فيه، فمن هنا يعلم الإنسان أنّ في المدرة وراء الجوهرية شي‌ء آخر هو من جنس الجواهر و أخص منه.

ثمّ إنّ هذه الجسمية بعد إمعان النظر فيها نرى أنّ حقيقتها ليس إلّا أمرا مؤلفا من شي‌ء و مقدار، و هذا نظر إجمالي إلى ذاتها الموجود، و بعد لفت النظر في هذا الأمر إذا دققنا فيه رأيناه ينحل إلى أشياء يطلق الجسم على مجموعها، فأول ما نرى فيها و يظهر هو مقدار هذه المدرة عرضا و طولا و عمقا، و هو المقدار الخاص لها، فإذا تعمقنا في هذا المقدار الخاص نقطع بأنه ليس مناط جسميتها، و إلّا كانت المدرة الأخرى التي تخالفها في جميع أنحاء هذا المقدار الخاص غير جسم و هو باطل، فنعلم من ذلك أنّ خصوصية هذا المقدار يجب أن يكون أمرا عارضا على الجسم بما هو جسم، و أن الجسم إنما يكون ذا مقدار كلي و لا يقتضي خصوصية المقدار.

ثمّ بعد التأمل و التعمق تارة أخرى نرى أنّ بعض الأجسام ليس لها مقدار فعلا و هي جسم، و أن فعلية المقدار لو كان داخلا في قوام الجسمية لم يمكن لنا أن نفرض جسما ليس له مقدار فعلا؛ لأنه كفرض جسم ليس بجسم، فيتضح من ذلك وضوحا لا يقبل الشك أن قوام الجسمية ليس بفعلية المقدار بل بقابليته.

ثمّ بعد الإمعان و الدقة نجد أنّ حقيقة الجسم هي الشي‌ء القابل للمقادير مشتركة بين جميع أنواع الأجسام، و هي مختلفة في أمور ذاتية و فصول كجسم الحيوان، و جسم النبات، و جسم المعدن، و نحو ذلك، و نجد أنّ هذه الحقيقة باختلاف فصولها مرتبة فعلية الجسم،

و بين هذه الأجسام المتمايزة بحسب الفصول شي‌ء مشترك من الجسم قابل لانضمام كل من الهيئات إليه.

فتحقق بالتنقيب و التحليل الصحيح بحيث لا يشوبه شي‌ء من الدجل: أن في جسم المدرة أشياء عديدة، مقدار خاص، و اتصال عرضي و هو المقدار المطلق الذي يعرضه خصوصية المقدار، و صورة المدرية المميزة المدرة عن صورة النخلة مثلا، و شي‌ء مشترك قابل لطريان الصور و عروضها.

فهذه أمور أربعة: أولها الشكل، و ثانيها الكم المتصل، و ثالثها الصورة الجوهرية، و رابعها المادة الجوهرية، و الأولان عرضيان، و الأخيران جوهريان، و الأخير- أي المادة- هي الهيولى، و الثالث الصورة، فالهيولى وراء الجوهر أمر جسمي مشترك بين جميع أنواع الأجسام و ليس إلّا قابلا، و مرتبة القابلية للصور و الفعلية موقوفة على الصورة، و لذا قلنا: إنّ الهيولى تلازم الصورة.

هذا ما فهمنا في تصوير الهيولى و الصورة و هو تنقيح ما يظهر من كتاب الشفاء للشيخ الرئيس ابن سينا، مع بيان بعض الأساتذة الأعاظم، و لا أظن بقاء شبهة بعد هذا البيان في فهم معنى الهيولى و مرتبتها، فنسبة الهيولى إلى الأمور الجسمية الخارجية نسبة الجنس إلى المفاهيم المعقولة الذهنية، كما صرح به رئيس فلاسفة الإسلام في إلهيات الشفاء.

ثمّ إنه غير خفي على الباحث المنقب أنّ التعبير عن الأمر الجسمي المشترك بين جميع أنواع الأجسام ب‍ «الهيولى» اصطلاح للفلاسفة الأقدمين، و أما الفلاسفة في الأعصار المتأخرة فهم يعبرون في الأغلب عن ذلك الأمر بالمادة و القوة، أو الأثير، أو «اتوم»، أو الجواهر الفردة، أو تحولات الحركة، على اختلاف آرائهم و تشتت أقوالهم و أفكارهم حتى اليوم.

و الأقدمون مع قولهم بالهيولى قائلون بالصانع القديم القادر المختار؛ إذ لا تنافي بين القول بالهيولى و الصانع المختار كما هو رأي حكمائنا الإسلاميين الذين وصلوا إلى القمة العليا و الدرجة القصوى في الإلهيات.

و أما الفلاسفة الماديون في هذا العصر التعيس مع تشتت آرائهم و تناقض أقوالهم يظهر من كلماتهم أنهم يدعون عدم العلم بما وراء الطبيعة و المادة، فإنهم من كثرة انهماكهم و توغلهم

52

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

53

الصورة، ثمّ إلى مرتبة النطفة، و لكنه في هذه الحال حامل لجميع تلك الصفات الكمالية التي مرّ بها في سيره و حركته في تلك المراتب على نحو الاستعداد، و هذا آخر قوس النزول، و من هذه المرتبة ينهض للترقي و الصعود، فيترقّى من مرتبة الجسم المعدني إلى الجسم النامي النباتي، ثمّ إلى مرتبة الجسم الحيواني، ثمّ الإنساني، و هكذا إلى أن يصل إلى مرتبة العقول «القادسة» و الأنوار‌

____________

في المادة و الماديات و تهاجم شبهات الالحاد عليهم بعدوا أشواطا شاسعة عن الروحانيات و الإلهيات، و لا ينافي ادعائهم عدم العلم مع إثبات الإلهيين و علمهم أن في ما وراء المادة قوة روحية و إفاضة معنوية و هي علة العلل و مفيض الكل و المبدأ الحقيقي للهيولى أو المادة أو الأثير.

و بالجملة: للكائنات و الموجودات كلها، و إن شئت فعبر باصطلاح فلاسفة الإلهيين، إن الكائنات بأسرها بجميع عللها و معلولاتها تنتهي إلى «واجب الوجود لذاته» المنزه عن كل ما ينافي وجوب وجوده، فمن ينفي الصانع و يدعي عدم الدلالة في الكائنات و الموجودات عليه، أو الدلالة على عدمه فعليه إثبات ذلك بالبرهان الصحيح، و التحليل العلمي النزيه من كل موجود، و لا يكفيه مجرد النفي و ادعاء عدم العلم؛ فإن النفي يحتاج إلى الحجة كالإثبات، و لا يكفيهم خوضهم في الطبيعيات و غورهم في الماديات و إن بلغوا ما بلغوا فيها من الرقي و الاكتشافات الطبيعية؛ فإن القوة القاهرة المعنوية و الإفاضة الباطنية الشاعرة إنما هي ما وراء الطبيعة و المادة، و هي المدبرة لهذه الموجودات من المادة و الماديات كلها، لا الطبيعة العمياء و المادة الصماء الفاقدة للحس و الشعور.

و لهذا اعترف جمع من فلاسفة الغرب و مشاهيرهم في القرون المتأخرة بالصانع القادر المختار القاهر المحيط بكل شي‌ء، منهم «باستور» العالم الفلكي الفرنسي المتوفى (1912 م)، و «نيوتون» الطبيعي الفيلسوف الانكليزي الشهير الذي دحض آراء الماديين و معتقداتهم، المتوفى (1727 م)، و «مالبرانس» الفرنسي المتوفى (1715 م)، و «هكسلي» من أكبر علماء الانكليز المتوفى (1895 م)، و قد اعترف بأنه: «يستحيل نقض الألوهية بحسب مذهب الارتقاء»، و «بليز باسكال» الفيلسوف العظيم الفرنسي المتوفى (1662 م)، و إلى غيرهم ممن يطول بنا الكلام بذكر أساميهم و آرائهم و كلماتهم في هذا المقام.

القاضي الطباطبائي

54

الشامخة، منه المبدأ و إليه المنتهى كَمٰا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ.

و إلى هذا المعنى أشار سيد الموحدين و غاية العارفين بقوله: «و فيك انطوى العالم الأكبر».

فإذا من هنا يعلم أنّ الإنسان خلاصة الكائنات و زبدة الممكنات، و نتيجة العوالم، و لا بدّ أن تكون روحه من ألطف الأرواح، و جسمه من ألطف جميع الأجسام، و حين انفصال هذه الروح من بدنه و قطعها علائقها من جسمه التي بها حياة البدن، و صحته قائمة بها يفسد البدن و الدم لا محالة، و بفسادهما تفسد البخارات السارية و الدسوم المنتشرة في البدن لانفصال تلك الروح المحافظة لجميع شئون البدن و مواده.

و من الممكن أن يقال حينئذ: إنّ في تلك الأبخرة و الدسوم جواهر في غاية الدقة و اللطافة، و جراثيم في نهاية الدقة و النفوذ التي يعبّر عنها في لسان الفلسفة الطبيعية الجديدة «ميكروبات»، و هذه الجواهر اللطيفة الفاسدة هي في الحقيقة جواهر الموت، بناء على ما هو التحقيق من أنّ الموت و الحياة أمران وجوديان لا أنهما وجود و عدم، كما يدل على ذلك قوله تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَ الْحَيٰاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (1).

و هذه الجواهر الشفافة من غاية لطافتها و النفوذ الموجود فيها إذا مسّها بعض أعضاء الإنسان الحيّ نفذت حالا في جميع مسامات بدنه من دون أدنى تأخير في البين، و تسري إلى دمه، و يصير هذا سببا لابتلائه بأنواع الأمراض الجسمانية أو النفسانية من الأخلاق الرذيلة و الملكات القبيحة و الصفات‌

____________

(1)- سورة الملك، الآية 2.

55

الخبيثة، و الحق سبحانه و تعالى بمقتضى رأفته و رحمته على عباده و حسب حكمته البالغة و عطوفته الشاملة في حق عبيده شرّع جميع التكاليف في حقهم لجهة من المصالح الموجودة فيها، و الحكم الدنيوية و الأخروية الكامنة فيها، و هو جلّ شأنه يعلم بعلمه الأزلي أنّ القالع لتلك الجواهر الخبيثة و المواد الفاسدة، و القامع لها من أساسها، سواء من بدن الميت أو الإنسان الحي المباشر لبدن الميت، و اللامس له، ليس إلّا الماء؛ و لذا ورد في بعض الأخبار بهذا المضمون:

«ما خلق اللّه لعباده نعمة أعظم من الماء».

و نقل أنّ الأطباء استكشفوا في الطب الجديد أنّ في باطن دماغ الإنسان و سطح أسنانه جراثيم «ميكروبات» أصغر من الذر لاصقة بها، و لا يقلعها إلّا الماء، و من هنا يعلم الحكمة في أمر الشارع المقدس باستحباب المضمضة و الاستنشاق عند كل غسل و وضوء.

فقال لي أحد الحاضرين في أثناء هذه المحاورة و المحادثة: إنا نرى بالعيان و نشاهد بالوجدان أن أناسا يباشرون الموتى و لا يغتسلون و لا يبالون بذلك أصلا.

فقلت: له: إنّ من سبر و استقرأ الحكم و المصالح الشرعية يعلم أنّ ملاحظة شئون صحة النفس و حفظها من الأخلاق الرذيلة، و صونها من الصفات الخبيثة، و تخليتها من تلك الصفات، و تحليتها بالأخلاق الروحانية و الأوصاف الإنسانية عند الشارع المقدس أهم و أعظم بمراتب من ملاحظة الصحة الجسمانية، و رعاية صلاح البدن، و استقامة المزاج، و لعل مصالح أغلب المحرمات و الواجبات و سائر الأحكام و الآداب و السنن التي أتانا بها الدين الإسلامي، و أرشدنا إليها الشرع المحمدي (صلّى اللّه عليه و آله)، إنما هي من هذا القبيل، و لعل الأشخاص‌

56

الذين يشربون الخمر، و يأكلون لحم الخنزير، و يرتكبون المعاصي، و يتوغلون في الملاهي يصير بدنهم قويا سمينا، و لكنّ الأمراض الأخلاقية النفسانية كقساوة القلب و مسلوبية الغيرة و زوال الحمية و أمثالها تعرض لنفوسهم، بحيث تحطهم من المرتبة الإنسانية إلى أخسّ مراتب الحيوانات، فتظهر منهم أفعال السباع، و أوصاف البهائم أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلّٰا كَالْأَنْعٰامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (1)، و قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجٰارَةِ.

و خلاصة المقال أنّ الإنسان بحسب تلك المراتب من اللطافة و الصفاء، و في أي مرتبة كان من المراتب و المقامات يحصل بموته أثر في جسمه بحيث ينتقل و يسري ذلك الأثر إلى الجسم الآخر المباشر له و المماس ببدنه، و يوجب المضرّة العظيمة و المفسدة المهمة، إما المضرّة الجسمية أو الروحية النفسية، أو كليهما، و اللازم في نظر الشارع دفعها و يجب رفعها، و لا يمكن ذلك في نظره أيضا إلّا بغسل جميع البدن لعلة سراية ذلك الأثر لمعظم البدن، بخلاف ميتة الكلب و أمثاله، فإنّ الكثافات التي في روحه و بدنه ليست بمرتبة تسري و تنفذ في مسامات بدن الإنسان بمجرد مماسته لميتته، و لا يتجاوز من سطح ظاهر بدن المباشر إلى باطنه، و لذلك يجب غسل الموضع الملاقي فقط.

و يؤيد هذا الاعتبار، و يقرّب هذا البيان و التقرير، الخصوصيات و القيود التي اعتبرها الشارع في هذا الحكم، أعني وجوب غسل المس، فإنه أوجب ذلك بعد البرد و قبل التغسيل؛ لأنّ قبل برودة البدن لا يصل الفساد المترتب على المس إلى تلك المرتبة الموجبة لغسل البدن بأجمعه بواسطة بقاء أشعة الحياة في البدن، و عدم زوالها بتمامها، و أما بعد التغسيل فمن جهة أنّ الجواهر أو الأبخرة‌

____________

(1)- سورة الفرقان، الآية 44.