المحيط في اللغة‌ - ج1

- الصاحب اسماعيل بن عباد المزيد...
482 /
9

الجزء الأول

مقدمة التحقيق

«المحيط» في اللغة للصاحب بن عباد، المتوفى سنة 385 ه‍، معجم شهير معروف، تردَّد ذكره كثيراً في بحوث اللغة و كتب التاريخ و التراجم و الطبقات (1)، و أفاد منه الكثير من أعلام اللغة و فضلائها فيما اطلعنا عليه من معجماتهم و مؤلفاتهم القيمة (2)، و نسخه الناسخون لأنفسهم و لغيرهم بالأجرة (3) عصراً بعد عصر، و نال مقاماً بارزاً في الدراسات اللغوية بكل جدارة و استحقاق؛ فأصبح المعنيُّ بالتاريخ الموسوعي للغة العربية ملزماً بذكر هذا الكتاب و بإعطائه ما يستحقه من الاهتمام (4).

و تلك حقيقة جلية لا تحتاج إلى مزيد بيان.

و حسبنا في إيجاز التعريف به أنْ نعرف أنَّ هذا الكتاب بما ضمَّ بين دفتيه‌

____________

(1) معجم الأدباء: 6/ 260 و وفيات الأعيان: 1/ 208 و معاهد التنصيص: 2/ 157 و البداية و النهاية:

11/ 316 و بغية الوعاة: 197 و شذرات الذهب: 3/ 114 و كشف الظنون: 2/ 1621.

(2) كفقه اللغة للثعالبي (ت 429 ه‍): 22 و 261، و العباب و التكملة و الذيل و الصلة للصغاني (ت 650 ه‍): 1/ 8، و القاموس المحيط للفيروزابادي (ت 816 ه‍): 1/ 359 و 2/ 231 و مواضع أخرى، و تاج العروس للزبيدي (ت 1205 ه‍): 1/ 39، و في كثير من صفحاته.

(3) انباه الرواة: 1/ 201.

(4) كالدكتور إبراهيم أنيس في كتابه دلالة الألفاظ: 242 (الطبعة الثالثة، القاهرة، 1976 م) و الدكتور حسين نصار في كتابه المعجم العربي: نشأته و تطوره: 1/ 360- 371 (الطبعة الثانية، القاهرة، 1968 م).

10

من ثروة لغوية ضخمة قد مثَّل لنا- بكل صدقٍ و شموخ- ذلك التطور العظيم في العمل المعجمي في القران الرابع الهجري، بما شهد من أعمال القالي و الأزهري و ابن فارس و الجوهري و اضرابهم من الجهابذة المدققين.

و من هنا كان لا بد من الاهتمام بهذا المعجم و من إخراجه للناس المعنيين، تحفة من تحف التراث الخالد و حلقة مضيئة من حلقات الجهد المعجمي المشرِّف؛ التي ابتدأها الخليل الفراهيدي ب‍ «عينه» و ما زالت متسلسلة حتى اليوم و إلى ما بعد اليوم، إن شاء اللّٰه.

*** [نبذة من حياة المؤلف]

إن مؤلِّف الكتاب هو الصاحب، كافي الكفاة، أبو القاسم، إسماعيل بن عبّاد بن العباس بن أحمد بن إدريس، الطالقاني، الأصبهاني (4) (/ أ)، المولود في اليوم السادس عشر من شهر ذي القعدة الحرام سنة 326 ه‍ (5) في أصح الروايات، و المتوفى عام 385 ه‍ (6)، و المدفون في تربته الخاصة بأصبهان (7).

اتصل في أوائل شبابه بأبي الفضل محمد بن العميد وزير ركن الدولة بن‌

____________

(4) (/ أ) أخبار اصبهان: 1/ 214 و 2/ 138 و محاسن اصفهان: 13 و 98 و يتيمة الدهر: 3/ 267 و الأنساب: 364 و معالم العلماء: 136 و معجم الأدباء: 6/ 168 و معجم البلدان: 6/ 8 و وفيات الأعيان: 1/ 206 و معاهد التنصيص: 2/ 152 و البداية و النهاية: 11/ 314 و النجوم الزاهرة:

4/ 170 و بغية الوعاة: 196 و شذرات الذهب: 3/ 113.

(5) أخبار اصبهان: 1/ 214 و معجم الأدباء: 6/ 208 و وفيات الأعيان: 1/ 209 و تاريخ أبي الفداء:

2/ 130 و معاهد التنصيص: 2/ 152 و لسان الميزان: 1/ 414 و شذرات الذهب: 3/ 115.

(6) أخبار اصبهان: 1/ 214 و انباه الرواة: 1/ 202 و نزهة الألباء: 401 و يتيمة الدهر: 3/ 253 و ذيل تجارب الأمم: 261 و وفيات الأعيان: 1/ 209 و الكامل: 7/ 169 و المنتظم: 7/ 179 و تاريخ ابن خلدون: 4/ 466 و نهاية الأرب: 3/ 108 و النجوم الزاهرة: 4/ 169 و معجم الأدباء: 6/ 171 و لسان الميزان: 1/ 414 و معاهد التنصيص: 2/ 161 و تاريخ أبي الفداء: 2/ 130 و مصادر أخرى.

(7) ذيل تجارب الأمم: 262.

11

بويه صلَةَ التلميذ بالأستاذ، ثم ازدادت هذه الصلة متانة فأصبح ابن عباد كاتباً لابن العميد (8)، فأبدى من الكفاية و المقدرة ما أثار الإعجاب و التقدير.

و حينما عزم الأمير أبو منصور بويه بن ركن الدولة على زيارة بغداد في سنة 347 ه‍ لم يجد مَنْ يصلح لمرافقته و الكتابة له في هذه الرحلة سوى ابن عباد (9)، فكانت صحبة السفر- هذه- مفتاحاً لعلاقةٍ توطَّدتْ بينهما على مرِّ الأيام، فحصل للصاحب «عنده بقِدَم الخدمة قَدَم، و أنس منه مؤيد الدولة كفاية و شهامة فلقَّبه بالصاحب كافي الكفاة» (10).

و لما توفي أبو الفضل ابن العميد سنة 360 ه‍ و ولي ابنه أبو الفتح منصبه في الوزارة، أبقى الصاحب على حاله السابقة أيام أبيه في الكتابة و الصحبة، حتى إذا مات ركن الدولة بن بويه سنة 366 ه‍ و رجعت الأمور إلى الأمير مؤيد الدولة خاف ابن العميد من الصاحب- بحكم علاقته المتينة بالأمير-؛ فبعث الجند على الشغب و همّوا بقتل الصاحب (11)، فرأى مؤيد الدولة أن من الحكمة إبعاد ابن عباد- ريثما تنفرج الأزمة- فأبعده إلى اصبهان، و ما ان لبث هناك مدة وجيزة من الزمن حتى تَمَّ لمؤيد الدولة ما دبَّره من الحيلة في قتل ابن العميد و التخلص منه (12) ف‍ «استدعى ابن عباد من اصفهان، و ولي الوزارة، و دبَّرها برأي وثيق» (13).

و حينما توفي مؤيد الدولة سنة 373 ه‍- و لم يكن قد عهد بالأمر لأحدٍ من بعده- عمل الصاحب على أن يكون ذلك لفخر الدولة بن ركن الدولة. فلما‌

____________

(8) معجم الأدباء: 6/ 172.

(9) تجارب الأمم: 6/ 168.

(10) معجم الأدباء: 6/ 172.

(11) معجم الأدباء: 14/ 194.

(12) المصدر السابق: 14/ 206- 210 و 219- 227.

(13) المصدر نفسه: 14/ 227.

12

انتظم الأمر لفخر الدولة «خلع على الصاحب خِلَعَ الوزارة، و أكرمه و عظَّمه، و صدر عن رأيه في جليل الأمور و صغيرها» (14).

و بقي الصاحب وزيراً لفخر الدولة حتى أدركته المنية في سنة 385 ه‍.

و كان قد نال من المقام و الاحترام و الأُبَّهة أيام وزارته ما لم ينل مثله أحدٌ من أمثاله (15).

*** [مؤلفاته]

ألَّف و صنَّف ما وسعه وقته و أسعفه جهده، و بلغت مؤلفاته في إحصاء بعض المتقدمين (18) كتاباً (16)، ثم ارتفع العدد في إحصاءات المتأخرين حتى بلغ (30) (17) و (31) (18) و (37) (19)، و قد طبع منها- فيما نعلم- ما نسرده فيما يأتي بحسب التسلسل الهجائي:

1- الإبانة عن مذهب أهل العدل (بتحقيق محمد حسن آل ياسين.

النجف 1371 ه‍، بغداد 1383 ه‍).

2- الإِقناع في العروض و تخريج القوافي (بتحقيق محمد حسن آل ياسين. بغداد 1379 ه‍).

3- الأمثال السائرة من شعر المتنبي (بتحقيق محمد حسن آل ياسين.

____________

(14) ذيل تجارب الأمم: 93 و الكامل: 7/ 117- 118.

(15) يراجع في تفصيل ذلك: الإِمتاع و المؤانسة: 1/ 54 و 61 و كمال البلاغة: 76- 77 و يتيمة الدهر: 3/ 169- 170 و 179- 180 و انباه الرواة: 1/ 202 و معجم الأدباء: 6/ 190 و 238- 239 و 245- 248 و 252.

(16) معجم الأدباء: 6/ 260.

(17) أعيان الشيعة: 11/ 427- 431.

(18) الغدير: 4/ 41- 42.

(19) مقدمة الهداية و الضلالة: 20- 22.

13

بغداد 1385 ه‍).

4- التذكرة في الأصول الخمسة (بتحقيق محمد حسن آل ياسين. بغداد 1373 ه‍).

5- ديوان الصاحب بن عباد (بتحقيق محمد حسن آل ياسين. بغداد 1384 ه‍، بيروت 1394 ه‍).

6- رسالة في أحوال عبد العظيم الحسني (بتحقيق محمد حسن آل ياسين. بغداد 1374 ه‍).

7- رسالة في الطب (وردت بالنص في المختار من رسائل الصاحب:

228- 229 و يتيمة الدهر: 3/ 180- 182).

8- رسالة في الهداية و الضلالة (بتحقيق الدكتور حسين محفوظ. طهران 1374 ه‍).

9- الروزنامجة (جمع و تحقيق محمد حسن آل ياسين. بغداد 1377 ه‍، بغداد 1385 ه‍).

10- عنوان المعارف و ذكر الخلائف (بتحقيق محمد حسن آل ياسين.

النجف 1371 ه‍، بغداد 1383 ه‍، بغداد 1385 ه‍).

11- الفرق بين الضاد و الظاء (بتحقيق محمد حسن آل ياسين. بغداد 1377 ه‍).

12- الفصول الأدبية (بتحقيق محمد حسن آل ياسين. دمشق 1982 م).

13- الكشف عن مساوى‌ء شعر المتنبي (بتحقيق محمد حسن آل ياسين.

بغداد 1385 ه‍).

14

14- المختار من رسائل الصاحب بن عباد (بتحقيق عبد الوهاب عزام و شوقي ضيف. القاهرة 1366 ه‍).

و تنحصر مؤلفات ابن عباد اللغوية بالكتب الآتية:

1- كتاب الفرق بين الضاد و الظاء:

نُشِر ببغداد سنة 1377 ه‍- 1958 م عن النسخة الفريدة المحفوظة بمكتبة الفاتح بتركيا المكتوبة سنة 520 ه‍.

جمع فيه الصاحب مجموعة كبيرة من المفردات الضادية و الظائية المتداولة في الاستعمال، و سجَّل خلال ذلك آراءه الخاصة في بعض المرويّات، كقوله عند استشهاده ببيتٍ لأبي الشيص الخزاعي: «ليس شعره حجة» (20)، و في مادة نضر: «النضر: الذهب، و النضير أجود» (21)، و في مادة ضرب يرى عدم صحة قولهم: «ضربه البرد» (22)، و في بعض الأحيان يورد كلمة فيقول: «بالظاء و الضاد لغتان» ثم يعلِّق على ذلك بأن «الظاء أصح» (23) أو «أجود» (24)، و هكذا.

2- جوهرة الجمهرة:

اختصر بها كتاب الجمهرة لابن دريد.

سماها بالنص المذكور في أعلاه عدد من المؤرخين (25)، و أطلق عليها‌

____________

(20) الفرق بين الضاد و الظاء: 5.

(21) المصدر السابق: 21.

(22) المصدر نفسه: 25.

(23) المصدر نفسه أيضاً: 34.

(24) المصدر السابق: 40.

(25) نزهة الألباء: 399 و معجم الأدباء: 6/ 260 و انباه الرواة: 1/ 203 و بغية الوعاة 197.

15

بعضهم اسم «الجوهرة» (26)، أو «جوهر الجمهرة» (27)، و أخبر الشيخ آقا بزرگ الطهراني بوجود نسخة مخطوطة من الكتاب في الكاظمية (28)، و أرجو اللّٰه أن يوفقني إلى إنجاز تحقيقها في وقت قريب.

3- كتاب الحجر:

قال ابن فارس: «أخبرني علي بن أحمد بن الصباح قال: حدثنا أبو بكر بن دريد قال: حدثنا ابن أخي الأصمعي عن عمه: إن الرشيد سأله عن شعرٍ لأبي حزام العكلي، ففسَّره، فقال: يا أصمعي إن الغريب عندك لَغَيْر غريب، فقال: يا أمير المؤمنين ألا أكون كذلك و قد حفظتُ للحجر سبعين اسماً، و هذا كما قال الأصمعي. و لكافي الكفاة- أدام اللّٰه أيامه و أبقىٰ للمسلمين فضله- في ذلك كتاب مجرد» (29).

و وصفه الثعالبي بأنه «دفيتر»، و استفاد منه في كتابه فقه اللغة (30).

4- المحيط:

و هو المعجم الذي نقدِّم له في هذه الصفحات، و قد سار فيه مؤلفه على منهج الخليل في العين؛ سواءاً فيما يتعلق بتسلسل الحروف مقسمة على مخارجها الصوتية؛ أو بترتيب الأبواب داخل كل حرف، ابتداءً بباب المضاعف الثنائي، ثم باب الثلاثي الصحيح، ثم باب الثلاثي المعتل، ثم باب اللفيف، ثم باب الرباعي، ثم باب الخماسي.

____________

(26) تاج العروس: 1/ 39 و كشف الظنون: 1/ 606.

(27) كشف الظنون: 1/ 619.

(28) الذريعة: 5/ 292.

(29) الصاحبي: 15- 16.

(30) فقه اللغة: 439.

16

و في الكتاب بعض الشواهد الشعرية و لكنها قليلة.

*** [أساتذته]

قرأ الصاحب على لفيفٍ من علماء عصره و أدبائه و روى عنهم (31)، و «سَمع بالعراق و الري و أصبهان الكثير» (32)، و تملَّك مكتبةً حافلة بأنفس الكتب و أغلاها بلغ تعدادها- فيما حدَّث به هو نفسه- «مائتين و ستة آلاف مجلد» (33)، و يقال انها كانت حمل سبعمائة بعير (34)، و في رواية السيوطي: إن كتب اللغة وحدها كانت حمل ستين جملًا (35).

و أصبح الصاحب بفضل تلك التلمذة الواعية و هذه المكتبة القيمة «أوحد زمانه علماً و فضلًا» (36)، حتى صحّ أن يقال فيه انه «مع شُهرته بالعلوم و أخْذِه من كل فنٍّ منها بالنصيب الوافر، و الحظِّ الزائد الظاهر، و ما أوتيه من الفصاحة، و وُفقِّ لحُسن السياسة و الرجاحة- مستغنٍ عن الوصف، مكتفٍ عن الإِخبار عنه و الرصف» (37).

و لمّا كنّا- في هذه المقدمة- نُعْنىٰ بالجانب اللغوي لدى ابن عباد دون غيره من الجوانب، كان لا بد من وقفة فاحصة عند أساتذته في هذا الفن و مصادره التي رجع إليها، ليكون تقويمنا لعمله في كتابه أقرب إلى الدقة‌

____________

(31) أخبار أصبهان: 1/ 214 و الأنساب: 364 و معجم الأدباء: 6/ 279 و وفيات الأعيان: 1/ 206 و لسان الميزان: 1/ 413 و بغية الوعاة: 176 و شذرات الذهب: 3/ 114 و أمل الآمل: 42.

(32) أخبار اصبهان: 1/ 214.

(33) معجم الأدباء: 13/ 97. و يراجع في أخبار هذه المكتبة: المنتظم: 7/ 180 و الكامل: 7/ 169 و معجم الأدباء: 4/ 214- 215 و 6/ 259 و تاريخ ابن خلدون: 4/ 466.

(34) عمدة الطالب: 195.

(35) المزهر: 1/ 59.

(36) تاريخ ابن خلدون: 4/ 466.

(37) معجم الأدباء: 6/ 171.

17

و الموضوعية و المعرفة الصادقة.

لقد اعتمد الصاحب في تكوين ثقافته اللغوية على الأساتذة الذين نذكرهم فيما يأتي:

1- ابن العميد:

«أبو الفضل، محمد بن الحسين: عين المشرق، و لسان الجبل، و عماد ملك آل بويه، و صدر وزرائهم، و أوحد العصر في الكتابة و جميع أدوات الرئاسة و آلات الوزارة، و الضرب في الآداب بالسهام الفائزة، و الأخذ من العلوم بالأطراف القوية. يُدْعىٰ الجاحظ الأخير، و الأستاذ و الرئيس. يُضرَب به المثل في البلاغة، و يُنتهىٰ إليه في الإِشارة بالفصاحة و البراعة، مع حسن الترسل و جزالة الألفاظ و سلاستها، إلى براعة المعاني و نفاستها. و ما أحسن و أصدق ما قال الصاحب- و قد سأله عن بغداد عند منصرفه عنها-: بغداذ في البلاد كالأستاذ في العباد.

و كان يقال: «بُدئت الكتابة بعبد الحميد و خُتمت بابن العميد» (38).

ولد في آخر سنةٍ من القرن الثالث أو أول سنةٍ من القرن الرابع. و تولّى الوزارة لركن الدولة بعد وفاة أبي علي القمي سنة 328 ه‍ و كان عمره دون الثلاثين.

«كان أكتب أهل عصره و أجمعهم لآلات الكتابة: حفظاً للُّغة و الغريب، و توسُّعاً في النحو و العروض، و اهتداءً إلى الاشتقاق و الاستعارات، و حفظاً للدواوين من شعراء الجاهلية و الإِسلام» (39)، و يُعَدُّ- بحقٍّ- من أبرز أساتذة ابن‌

____________

(38) يتيمة الدهر: 3/ 137.

(39) تجارب الأمم: 6/ 275.

18

عباد و أكثرهم أثراً فيه و وقعاً في نفسه (40).

توفي سنة 360 ه‍ (41).

2- أبو بكر بن كامل:

«أحمد بن كامل بن خلف بن شجرة بن منصور بن كعب بن يزيد، أبو بكر، القاضي، أحد أصحاب محمد بن جرير الطبري، و كان من العلماء بالأحكام و علوم القرآن و النحو و الشعر و أيام الناس و تواريخ أصحاب الحديث» (42).

وصفه الصاحب بن عباد فقال:

«القاضي أبو بكر بن كامل بقيَّة الدنيا في علوم شتى، يعرف الفقه و الشروط و الحديث، و ما ليس من حديثنا، و يتوسَّع في النحو توسعاً مستحسناً، و له في حفظ الشعر بضاعة واسعة، و في جودة التصنيف قوة تامة، و من كبار رواة المبرّد و ثعلب و البحتري و أبي العيناء و غيرهم. و قد سمعتُ قدراً صالحاً مما عنده» (43).

و من مؤلفاته في علوم اللغة:

كتاب غريب القرآن.

كتاب القراءات.

كتاب التقريب في كشف الغريب (44).

____________

(40) وفيات الأعيان: 1/ 206 و بغية الوعاة: 196 و شذرات الذهب: 3/ 114 و أمل الآمل: 42.

(41) وفيات الأعيان: 4/ 189.

(42) انباه الرواة: 1/ 97.

(43) الروزنامجة: 100- 101.

(44) الفهرست: 35.

19

توفي سنة 350 ه‍ (45).

3- أبو بكر بن مقسم:

«محمد بن الحسن بن يعقوب بن الحسن بن الحسين بن محمد بن سليمان بن عبيد اللّٰه بن مقسم، أبو بكر، العطار، المقري، النحوي .. ولد سنة 265 ه‍، و سمع أبا مسلم الكجي و ثعلباً و يحيىٰ بن محمد بن صاعد ..... و كان من أعرف الناس بالقراءات و أحفظهم لنحو الكوفيين» (46).

يقول فيه الصاحب بن عباد:

«أبو بكر بن مقسم: و ما في أصحاب ثعلب أكثر درايةً و ما أصح روايةً منه، و قد سمعتُ مجالسه، و فيها غرائب و نكت، و محاسن و طرف، من بين كلمة نادرة، أو مسألة غامضة، و تفسير بيت مشكل، و حلِّ عقد معضل، و له قيام بنحو الكوفيين و قراءاتهم و روايتهم و لغاتهم» (47).

و له من الكتب في العلوم اللغوية:

كتاب المدخل إلى علم الشعر.

كتاب احتجاج القراءات.

كتاب في النحو- كبير-.

كتاب المقصور و الممدود.

كتاب المذكر و المؤنث.

كتاب الوقف و الابتداء (48).

____________

(45) معجم الادباء: 4/ 103.

(46) بغية الوعاة: 36.

(47) الروزنامجة: 99- 100.

(48) الفهرست: 36.

20

توفي سنة 354 ه‍ (49).

4- السيرافي:

أبو سعيد، الحسن بن عبد اللّٰه بن المرزبان، النحوي، المعروف بالقاضي السيرافي. «سكن بغداذ ..... و ولي القضاء ..... و كان يدرس القرآن و القراءات و علوم القرآن و النحو و اللغة و الفقه و الفرائض و الكلام و الشعر و العروض و القوافي و الحساب و علوماً سوى هذه» (50).

تحدَّث عنه الصاحب فقال:

«و انتهيتُ إلى أبي سعيد السيرافي، و هو شيخ البلد، و فرد الأدب، و حسن التصرف، و وافر الحظ من علوم الأوائل، فسلَّمتُ عليه، و قعدتُ إليه، و بعضهم يقرأ الجمهرة، فقرأ: المقت، فقلت: لمقت، فدافعني الشيخ ساعةً ثم رجع إلى الأصل فوجد حكايتي صحيحة ... و ابتدى‌ء فقرى‌ء عليه من كتاب «المقتضب» باب ما يجري و ما لا يجري ... و رأيتُ الشيخ بعد ذلك غزيراً فاضلًا، متوسعاً عالماً، فعلقتُ عليه، و أخذتُ منه، و حصلتُ تفسيره لكتاب سيبويه، و قرأتُ صدراً منه» (51).

و ممّا ألفَّ في الموضوعات اللغوية:

كتاب شرح كتاب سيبويه.

كتاب ألفات الوصل و القطع.

كتاب أخبار النحويين البصريين.

كتاب الوقف و الابتداء.

____________

(49) انباه الرواة: 3/ 103.

(50) انباه الرواة: 1/ 313.

(51) الروزنامجة: 97- 99.

21

كتاب الاقناع في النحو.

كتاب صنعة الشعر و البلاغة.

كتاب شرح مقصورة ابن دريد (52).

توفي سنة 368 ه‍ (53).

5- ابن فارس:

أبو الحسين، أحمد بن فارس بن زكريا: من أعيان أهل العلم و أفراد الدهر.

جُلِب إلى الري ليقوم بتدريس أبي طالب مجد الدولة بن فخر الدولة أبي الحسين بن بويه، فاغتنم الصاحب هذه الفرصة، فقرأ عليه و تلقّىٰ منه، و كان يقول فيه: «شيخنا أبو الحسين ممن رُزِقَ حُسْنَ التصنيف، و أمن فيه من التصحيف» (54).

و نشأتْ بين ابن عباد و استاذه علاقة و صداقة ما فتئت تزداد قوةً و متانة على مرِّ الأيام. و قد توَّج ابن فارس هذه العلاقة بتسمية كتابه الجليل في فقه اللغة ب‍ «الصاحبي» نسبةً للصاحب بن عباد، و في ذلك يقول:

«هذا الكتاب الصاحبي في فقه اللغة العربية و سنُن العرب في كلامها، و إنما عنونتُه بهذا الاسم لأنِي لمّا ألَّفته أودعتُه خزانة الصاحب الجليل كافي الكفاة عمر اللّٰه عراص العلم و الأدب و الخير و العدل بطول عمره، تجملًا بذلك و تحسناً، إِذْ كان ما يقبله كافي الكفاة من علم و أدبٍ مرضيّاً مقبولًا، و ما يرذله أو‌

____________

(52) الفهرست: 68.

(53) تاريخ بغداد: 7/ 342.

(54) معجم الادباء: 4/ 83.

22

ينفيه منفياً مرذولًا، لأن أحسن ما في كتابنا هذا مأخوذ عنه و مُفاد منه» (55).

و من مؤلفات ابن فارس في العلوم اللغوية:

كتاب المجمل في اللغة.

كتاب متخيَّر الالفاظ.

كتاب فقه اللغة.

كتاب غريب اعراب القرآن.

كتاب الصاحبي.

كتاب مقاييس اللغة. و هو معجم مفصل.

كتاب كفاية المتعلمين في اختلاف النحويين (56).

كتاب الأضداد (57).

توفي سنة 395 ه‍ (58).

*** [مصادره في كتابه]

أما مصادره في كتابه فلن يستوقفنا منها ما رواه عن الأكابر المعروفين و اللغويين المشهورين كالخليل و الاصمعي و ابن دريد و أضرابهم، فقد كفتنا شهرتهم مؤونة الحديث عنهم و الترجمة لهم في هذا التقديم.

و لكن واحداً من اولئك العلماء لم يكن بتلك المثابة من الشهرة و المعرفة؛ فاستحق الوقفة المتأنّية الفاحصة، ذلك هو الخارزنجي البشتي الذي تردد اسمه كثيراً في «المحيط» و تكرَّر النقل عنه و بخاصةٍ في ما أهمله الخليل.

____________

(55) الصاحبي: 2.

(56) معجم الادباء: 4/ 84- 85.

(57) الصاحبي: 66.

(58) معجم الادباء: 4/ 93.

23

فَمَنْ هو هذا الرجل يا تُرىٰ؟ و ما مقدار الثقة بأقواله و رواياته؟.

ترجم له السمعاني فقال:

«الخارزنجي: بفتح الخاء المعجمة و سكون الراء بعد الألف و فتح الزاي و سكون النون و في آخرها الجيم. هذه النسبة إلى خارزنج، و هي قرية بنواحي نيسابور من ناحية بشت ... أبو حامد أحمد بن محمد الخارزنجي امام اهل الادب بخراسان في عصره بلا مدافعة، فاق فضلاء عصره، و لمّا حجَّ بعد الثلاثين و ثلاثمائة شهد له أبو عمر الزاهد صاحب ثعلب و مشايخ العراق بالتقدم، و كتابه المعروف بالتكملة البرهان في تقدمه و فضله، و لما دخل بغداد تعجَّب أهلها من تقدُّمه في معرفة اللغة فقيل هذا الخراساني لم يدخل البادية قط و هو من آدب الناس، فقال: أنا بين عربين: بشت و طوس».

«سمع الحديث من أبي عبد اللّٰه محمد بن إبراهيم الفوشنجي، و حدَّث، سمع منه الحاكم أبو عبد اللّٰه الحافظ، و توفي في رجب سنة ثمان و أربعين و ثلاثمائة» (59).

و قد اقتطف المتأخرون من السمعاني بعض فِقَره فذكروها في ترجمة الرجل (60)، و زادوا انَّ له من الكتب:

كتاب تكملة كتاب العين (61)، و قد ذكره السمعاني كما مر.

كتاب التفصلة أو التفضلة (62).

____________

(59) الانساب: 5/ 7- 8.

(60) معجم الادباء: 4/ 203- 208 و انباه الرواة: 1/ 107- 119 و الوافي بالوفيات: 8/ 7- 8 و بغية الوعاة: 169- 170.

(61) ذكر في الكتب السالفة الذكر و في التهذيب للازهري: 1/ 32 و كشف الظنون: 2/ 1443.

(62) ذكر في معجم الادباء و بغية الوعاة و هدية العارفين: 1/ 63.

24

كتاب تفسير أبيات أدب الكاتب (63).

و لمّا كان كتابه «التكملة» مفقوداً في أغلب الظن لم يكن لنا من سبيلٍ إلى الحكم عليه بمدح أو قدح، و لكن السمعاني- كما أسلفنا- قد عدَّه «البرهان في تقدمه و فضله»، و روى عنه الصاحب بن عباد في المحيط فأكثر. و يكون فحوى ذلك كله ان الكتاب جيد يصح الاعتماد عليه و الرجوع إليه.

غير ان ابا منصور الأزهري قد حمل على هذا الكتاب حملة شعواء تكاد تعصف بالثقة فيه و وجَّه نحوه من ضباب الشكوك ما يلزمنا بالتمهل و التعمق للتعرف بواقع الحال.

قال الأزهري:

«و نظرتُ في أول كتاب البشتي [و يعني به الخارزنجي] فرأيتُه أثْبَتَ في صدره الكتب المؤلَّفة التي استخرج كتابه منها فعدَّدها و قال:

منها للأصمعي: كتاب الأجناس، و كتاب النوادر، و كتاب الصفات، و كتابٌ في اشتقاق الأسماء، و كتابٌ في السقي و الأوراد، و كتاب في الأمثال، و كتاب ما اختلف لفظه و اتفق معناه.

قال: و منها لأبي عبيدة: كتاب النوادر، و كتاب الخيل، و كتاب الديباج.

و منها لابن شميل: كتاب معاني الشعر، و كتاب غريب الحديث، و كتاب الصفات.

قال: و منها مؤلفات ابي عبيد: المصنَّف، و الأمثال، و غريب الحديث.

____________

(63) معجم الادباء، و سمّاه السيوطي في البغية: «شرح أبيات أدب الكاتب» و مثله في كشف الظنون:

1/ 48، و سماه في هدية العارفين: 1/ 63 «شرح أدب الكاتب» و لعل في التسمية سقطاً.

25

و منها: مؤلفات ابن السكيت: كتاب الألفاظ، و كتاب الفروق، و كتاب الممدود و المقصور، و كتاب اصلاح المنطق، و كتاب المعاني، و كتاب النوادر.

قال: و منها لأبي زيد: كتاب النوادر بزيادات ابي مالك.

و منها: كتاب الصفات لأبي خيرة.

و منها: كتب لقطرب و هي: الفروق، و الأزمنة، و اشتقاق الأسماء.

و منها: النوادر لأبي عمرو الشيباني، و النوادر للفراء.

و منها: النوادر لابن الأعرابي.

قال: و منها نوادر الأخفش، و نوادر اللحياني، و النوادر لليزيدي،.

قال: و منها لغات هذيل لعزير بن الفضل الهذلي.

و منها: كتب أبي حاتم السجزي.

و منها: كتاب الاعتقاب لأبي تراب.

و منها: نوادر الأعاريب الذين كانوا مع ابن طاهر بنيسابور، رواها عنهم ابو الوازع محمد بن عبد الخالق، و كان عالماً بالنحو و الغريب، صدوقاً، يروي عنه أبو تراب و غيره.

قال أحمد بن محمد البشتي: استخرجتُ ما وضعتُه في كتابي من هذه الكتب. ثم قال: و لعلَّ بعض الناس يبتغي العنت بتهجينه و القدح فيه، لأني أسندتُ ما فيه إلى هؤلاء العلماء من غير سماع. قال: و إنما اخباري عنهم إِخبارٌ من صحفهم، و لا يزري ذلك على مَنْ عرف الغثَّ من السمين، و ميَّز بين الصحيح و السقيم. و قد فعل مثلَ ذلك أبو تراب صاحب كتاب الاعتقاب، فإِنه روى عن الخليل بن احمد و أبي عمرو بن العلاء و الكسائي، و بينه و بين هؤلاء فترة.

قال: و كذلك القتيبي، روى عن سيبويه و الأصمعي و أبي عمرو، و هو لم‌

26

ير منهم أحداً».

ثم يقول الأزهري تعليقاً على ذلك:

«قد اعترف البشتي بأنه لا سماع له في شي‌ءٍ من هذه الكتب، و انه نقل ما نقل إلى كتابه من صُحفهم، و اعتلَّ بأنه لا يزري ذلك بمن عرف الغثَّ من السمين. و ليس كما قال، لأنه اعترف بأنه صحفي، و الصحفي إِذا كان رأس ماله صحفاً قرأها فإِنه يصحّف فيكثر، و ذلك انه يخبر عن كتبٍ لم يسمعها، و دفاتر لا يدري أصحيح ما كُتِب فيها أم لا. و ان اكثر ما قرأنا من الصحف التي لم تضبط بالنقط الصحيح؛ و لم يتولَّ تصحيحها أهل المعرفة؛ لَسقيمة لا يعتمدها الّا جاهل».

«و أما قوله: ان غيره من المصنفين رووا في كتبهم عمَّن لم يسمعوا منه مثل أبي تراب و القتيبي، فليس رواية هذين الرجلين عمن لم يرياه حجة له، لأنهما و انْ كانا لم يسمعا من كل مَنْ رويا عنه فقد سمعا من جماعة الثقات المأمونين. فأما أبو تراب فإِنه شاهد أبا سعيد الضرير سنين كثيرة، و سمع منه كتباً جمة. ثم رحل إلى هراة فسمع من شمر بعض كتبه. هذا سوى ما سمع من الأعراب الفصحاء لفظاً، و حفَظه من أفواههم خطاباً، فإِذا ذكر رجلًا لم يره و لم يسمع منه سومح فيه و قيل: لعلَّه حفظ ما رأى له في الكتب من جهة سماعٍ ثبت له، فصار قول مَنْ لم يره تأييداً لما كان سمعه من غيره، كما يفعل علماء المحدّثين فانهم إِذا صحَّ لهم في الباب حديث رواه لهم الثقات عن الثقات أثبتوه و اعتمدوا عليه، ثم ألحقوا به ما يؤيده من الأخبار التي أخذوها اجازة».

«و أمّا القتيبي فإِنه رجل سمع من أبي حاتم السجزي كتبه، و من الرياشي سمع فوائد جمة، و كانا من المعرفة و الاتقان بحيث تثنى بهما الخناصر، و سمع من أبي سعيد الضرير، و سمع كتب ابي عبيد، و سمع من ابن أخي الأصمعي.

و هما من الشهرة و ذهاب الصيت و التأليف الحسن بحيث يُعْفىٰ لهما عن خطيئة‌

27

غلط، و نبذ زلة تقع في كتبهما، و لا يلحق بهما رجل من اصحاب الزوايا لا يُعْرَف الّا بقريته، و لا يوثق بصدقه و معرفته و نقله الغريب الوحشي من نسخة إلى نسخة، و لعل النسخة التي نقل عنها ما نسخ كانت سقيمة».

«و الذي ادَّعاه البشتي من تمييزه بين الصحيح و السقيم و معرفته الغث من السمين، دعوى. و بعضُ ما قرأت من أول كتابه دلَّ على ضد دعواه».

«و أنا ذاكرٌ لك حروفاً صحَّفها و حروفاً أخطأ في تفسيرها، من أوراق يسيرة كنت تصفحتها من كتابه لأثبت عندك انه مبطل في دعواه» (64).

و بعد أنْ يسرد الأزهري تلك الحروف التي صحَّفها و الأخرى التي أخطأ في تفسيرها (65) يقول:

«و قد ذكرتُ لك هذه الأحرف التي أخطأ فيها و التقطتُها من اوراق قليلة، لتستدلَّ بها على ان الرجل لم يفِ بدعواه. و ذلك انه ادَّعى معرفة و حفظاً يميز بها الغث من السمين، و الصحيح من السقيم، بعد اعترافه أنه استنبط كتابه من صحفٍ قرأها، فقد أقرَّ انه صحفي لا رواية له و لا مشاهدة، و دلَّ تصحيفه و خطؤه على انه لا معرفة له و لا حفظ. فالواجب على طلبة هذا العلم ألّا يغتروا بما اودع كتابه، فإِن فيه مناكير جمة لو استقصيتُ تهذيبها اجتمعتْ منها دفاتر كثيرة» (66).

و يقول الأزهري في موضع آخر من مقدمة كتابه:

«روى الليث بن المظفر عن الخليل بن أحمد في أول كتابه: هذا ما ألفَّه الخليل بن أحمد من حرف «أ. ب. ت. ث» التي عليها مدار كلام العرب و ألفاظها، و لا يخرج شي‌ء منها عنها، أراد أنْ يعرف بذلك جميع ما تكلمتْ به‌

____________

(64) التهذيب: 1/ 32- 34.

(65) المصدر نفسه: 1/ 34- 39.

(66) التهذيب: 1/ 40.

28

العرب في أشعارها و أمثالها و ألّا يشذَّ عنه منها شي‌ء».

«قلت: قد أشكل معنى هذا الكلام على كثيرٍ من الناس حتى توهَّم بعض المتحذلقين ان الخليل لم يفِ بما شرط، لأنه أهمل من كلام العرب ما وجد في لغاتهم مستعملًا».

«و قال أحمد البشتي الذي ألَّف كتاب التكملة: نَقَضَ الذي قاله الخليل ما أودعناه كتابنا هذا أصلًا، لأن كتابنا يشتمل على ضعفي كتاب الخليل و يزيد، و سترى تحقيق ذلك إِذا حزتَ جملته و بحثت عن كنهه».

«قلتُ: و لما قرأتُ هذا الفصل من كتاب البشتي استدللت به على غفلته و قلة فطنته و ضعف فهمه، و اشتففت انه لم يفهم عن الخليل ما أراده و لم يفطن للذي قصده، و إنما أراد الخليل- (رحمه اللّٰه)- أنَّ حروف «أ. ب. ت. ث» عليها مدار جميع كلام العرب، و انه لا يخرج شي‌ء منها عنها، فأراد بما ألَّف منها معرفة جميع ما يتفرع منها إلى آخره، و لم يرد انه حصل جميع ما لفظوا به من الألفاظ على اختلافها ..» (67).

هذه مقتبسات وافية من صفحات طويلة سوَّدها الأزهري ليثبت بها صحة طعنه بكتاب التكملة و مؤلفه الخارزنجي البشتي، و لكنه- على الرغم من كل ذلك التطويل- لم يستطع أنْ يكون علمياً و موضوعياً في نقده و طعنه بهذا الرجل، فبان سوء القصد و الغرض جلياً صارخاً أمام كل قارى‌ء له أدنى مسكة من المعرفة و الاطلاع، و تجلَّتْ ألفاظ التجريح و التحامل حاملة الدليل القاطع على عدم سلامة النية في هذا البحث.

و ما أدري كيف صار الرجوع إلى كتب السلف و النقل عنها من غير سماع‌

____________

(67) التهذيب: 1/ 52- 53.

29

و مشافهة جريمة لا تغتفر؟؟ و كيف ساغ لنا أنْ نعدَّ كل من ينقل عن الكتب انه «لا يدري أصحيح ما كتب فيها أم لا»؟ و إِذا كان العالم المتعمق غير قادر على التمييز بين الصحيح و غيره فيما يقرؤه و يقف عليه فمن هو القادر إِذن؟، و لماذا هذا التفريق بين من أخذ من الكتب فأخطأ في بعض الحروف كالخارزنجي و مَنْ سمع من الأعلام فأخطأ أيضاً كأبي تراب و القتيبي؛ فنتهجم على الأول بكل قسوة و نعفو عن الثاني بكل رحابة صدر؟!.

انها لمسألة فيها أكثر من نظر.

و كيف لا يكون فيها أكثر من نظر، و نحن نعلم ان السماع ليس ملازماً للصحة دائماً، و هذا أبو عبيدة و الأصمعي و أبو زيد و أبو عمرو بن العلاء و المفضَّل و عيسى بن عمر و الخليل و سيبويه و أبو الخطاب و سعيد بن مسعدة الأخفش و أحمد بن حاتم و ابن الأعرابي و الكسائي و الفراء و اللحياني و ابن السكيت و ثعلب و المبرد و كثيرون غيرهم (68) قد صحفَّوا و حرَّفوا و وقع بعضهم في أفحش الأغلاط مع كل التزامهم بالقراءة و السماع و الدقة.

و اذن. فما يقوله الأزهري خلال حملته على الخارزنجي و ما أثبته من حروف صحفها و أخرى أخطأ فيها- و هي لا تتجاوز تصحيفات الآخرين و أخطاءهم- إِنما هو أمر له دوافعه الخاصة و مثيراته التي لا تمت إِلى هذه المعاذير المزعومة بصلة.

ثم نعود إِلى الحملة الثانية التي شنَّها الأزهري على معاصره بشأن استدراكه على الخليل و تأليفه «تكملة كتاب العين» و استدلال الأزهري بذلك على «غفلة» الخارزنجي «و قلة فطنته و ضعف فهمه»، و انها لحملة ظالمة ليس‌

____________

(68) يراجع في تفاصيل تصحيفات هؤلاء: التنبيه على حدوث التصحيف لحمزة بن الحسن الاصبهاني: 113- 154، و ما ورد في هوامش الصفحات من مراجع كل تصحيفة منها.

30

لها أي مسوِّغ مقبول. و ليس الخارزنجي هو الوحيد بين اللغويين في التجاسر على مقام الخليل المقدَّس، فقد روى لنا حاجي خليفة أسماء عدة ممن استدركوا على الخليل أو صححوا بعض أخطاء كتابه (69)، كما روى لنا قول ابن جني في كتاب العين بأنَّ «فيه من التخليط و الخلل و الفساد مالا يجوز أنْ يُحْمَل على أصغر اتباع الخليل فضلًا عن نفسه» (70)، خصوصاً و أن الخليل قد أورد في كتابه مجموعة كبيرة من المفردات و لم يكتفِ بما نسبه إِليه الدكتور مهدي المخزومي من أنه «كان يريد أنْ يخطِّط لكتاب يستوعب تخطيطُه جميعَ المستعمل من كلام العرب، لا يشذ منه شي‌ء» (71). وَ جَمْعُ المفردات- كما لا يخفى- عَمَلٌ قابل للاستدراك و الإِضافة قطعاً، و هذا هو الذي فعله الخارزنجي و غيره من المستدركين.

و إِذا كان ذنب الخارزنجي عظيماً لأنه «توهَّم» أن الخليل قد «أهمل من كلام العرب ما وُجد في لغاتهم مستعملًا» فإِن الأزهري قد توهَّم مثل ذلك حين استدرك على الخليل ما أهمله ك‍ «العين مع الهاء و العين مع الخاء في المضاعف» (72) و «العين مع الكاف» (73) في الثلاثي، و «العين و الهاء مع الجيم» (74) و «العين و الهاء مع الدال» (75) و «العين و الهاء مع الميم» (76) و كثير غيره سنشير إليه في هوامش الكتاب و ننص فيه على وروده في المعجمات عامّةً و في كتاب التهذيب بالخصوص.

____________

(69) كشف الظنون: 2/ 1441- 1444.

(70) المصدر السابق: 2/ 1442.

(71) عبقري من البصرة: 65.

(72) التهذيب: 1/ 55.

(73) المصدر نفسه: 1/ 128.

(74) المصدر السابق: 1/ 128.

(75) المصدر نفسه أيضاً: 1/ 138.

(76) المصدر السابق: 1/ 149.

31

و لو كان الخليل في عمله العظيم في العين قد قصد التخطيط فقط- كما ذكر المدافعون عنه- لاكتفى بذكر المستعمل و المهمل من كان حرفٍ بدون سرد المفردات و التفاصيل. أما و قد سرد الألفاظ و بوَّبها فإِن من حقِّ العالم اللغوي المتتبع إِذا وجد في الاستعمال العربي ما لم يرد في معجم الخليل أنْ يستدرك ذلك عليه، و لهذا قال القدماء: كم ترك الأول للآخر.

و خلاصة القول: ان الخارزنجي بتكملته و استدراكه لم يكن بتلك المثابة التي يصوِّره بها الأزهري من الغفلة و قلة الفطنة و ضعف الفهم، كما انه لم يكن معصوماً من الخطأ و الغلط و التصحيف و التحريف، شأنه في ذلك شأن كل علمائنا الماضين الذين نجلُّهم و نكنُّ لهم كل احترام و تقدير.

*** [النسخ المعتمدة في التحقيق]

تهيأتْ لديَّ من «المحيط» النسخ الآتية:

(1) صورة عن نسخةٍ كاملة محفوظة في مكتبة المتحف البريطاني بلندن تحت رقم (12898). و هي مكتوبة في سنة 760 ه‍ بخط محمد بن محمد التبريزي الشافعي. تمت مقابلتها بأصلها و ضبطُها «ضبطاً متقناً مع تحري الصواب في ذلك حسب الطاقة» على يد علي بن أبي بكر بن أحمد البالسي الشافعي الشهير بأبي الحسن (77) في عاشر شعبان سنة 761 ه‍. عليها تملكات تاريخ أحدها 864 ه‍. خطها نسخي جيد مشكول. عناوين الفصول و الأبواب بالحبر الأحمر و بخط بارز جلي و بعضه بالكوفي. 355 ورقة. حجم الصفحة 5، 24* 6، 34 سم. و بالنظر إِلى تمامها و قدمها جعلتُها الأُمَّ و اعتمدتُها الأصلَ في النشر.

____________

(77) هو علي بن أبي بكر بن أحمد بن البالسي، المصري، نور الدين النحوي. أخذ عن ابن هشام و الاسنوي و غيرهما، و سمع من ابن عبد الهادي و الميدومي. و برع و تميَّز، و مات كهلًا و لم يحدِّث؛ و ذلك في جمادى الآخرة سنة 767 ه‍. الدرر الكامنة: 3/ 33.

32

(2) صورة عن قطعة منه محفوظة في مكتبة أحمد الثالث بتركيا تحت رقم (2714). ليس فيها تاريخٌ للنسخ و لكنَّ المفهرِسَ يقول انها مكتوبة في القرن السابع الهجري (78). (275) ورقة. حجم الصفحة 17* 26 سم. خطها نسخي جيد مشكول. تبدأ القطعة بكتاب الخاء- باب المضاعف- الخاء و القاف، و تنتهي بتمام حرف القاف، أي انها تضم حروف الخاء و الغين و القاف فقط. و قد قابلتُ الأصل بها و رمزتُ لها بحرف (ت).

(3) صورة عن قطعةٍ منه محفوظة في دار الكتب المصرية بالقاهرة تحت رقم (42 لغة). ذكر المفهرِس أنها مكتوبة في القرن السابع الهجري (79).

(274) ورقة. حجم الصفحة 21* 31 سم. فيها خروم و نقصان و تقديم و تأخير في بعض الأوراق أثناء التجليد. تضم أكثر حرف الكاف، ثم حروف: الجيم، و الشين، و الضاد، و الصاد، و السين، و بعض الزاي، و حروف: الطاء، و الدال، و التاء، و الظاء، و الذال، ثم بعض الفاء. و قد قابلتُ بها الأصل و رمزتُ لها بحرف (م).

(4) نسخة كاملة محفوظة في مكتبة السيد إِبراهيم شمس الدين القزويني في كربلاء، و هي مكتوبة بخط نسخي جيد مشكول، و فرغ منها ناسخها في شهر شوال سنة 1117 ه‍. عدد أوراقها (501) و قد سها كاتب أرقامها فزاد في العدد فبلغت (520) ورقة. حجم الصفحة 18* 30 سم. في أول الكتاب خمس أوراق جمع فيها الكاتب ترجمة للصاحب بن عباد من اليتيمة و وفيات الأعيان و لكنها لم تدخل في الترقيم. على صفحتها الأولى تملُّكات و نص وقفية شرعية تاريخها 1288 ه‍.

و تتميَّز هذه النسخة- على الرغم من كونها متأخرة- أنها تضم الكتاب كله؛

____________

(78) فهرس المخطوطات المصورة: 1/ 370.

(79) فهرس المخطوطات المصورة: 1/ 370.

33

و أن عالماً لغوياً جليلًا هو السيد علي (خان) المدني المشتهر بابن معصوم صاحب «السلافة» كان قد ملكها و استوعبها قراءة و مراجعة، و الرجل و إِنْ لم يذكر اسمه معروفُ الخطّ و القلم، و يقول الشيخ آقا بزرگ: ان «خطه و قلمه و مداده مطابق بعينه للمجلد الثالث من طرازه الذي فرغ من حرف الشين منه في 1117» (80).

و مما تجدر الإِشارة إِليه أن المرحوم الشيخ محمد السماوي كان قد نسخ المحيط عن نسخة كربلاء هذه، و تحتفظ اليوم مكتبة المتحف العراقي ببغداد بنسخة السماوي في مجلدين، و هما تحت رقم (528 و 529). و قد فرغ من كتابتها سنة 1354 ه‍. و كنتُ قد قارنتُ بها الأصل مقداراً مهماً من الكتاب و أشرتُ في الهوامش إِلى مواطن الخلاف، ثم أعرضت عن كل ذلك حينما حصلت على الأصل الذي نقل عنه السماوي.

و قد رمزتُ لنسخة كربلاء بحرف (ك).

*** [منهجي في التحقيق]

أما منهجي في التحقيق فيقوم في أساسه على بذل أقصى جهدٍ ممكنٍ لاخراج نصّ صحيح يمثِّل أصل الكتاب كما كتبه مؤلفه أقرب تمثيل، و قد أشرتُ في الهوامش إِلى موارد اختلاف النسخ؛ و إِلى ما جاء في العباب و تاج العروس منقولًا عن المحيط و هو كثير جداً؛ و إِلى تخريج ما ورد في الأصل من أشعار و أمثال و أقوال على المصادر الموثوق بها و المعتمد عليها لدى المعنيين؛ مع الاقتصار في تخريج الشعر على ديوان الشاعر إن كان مطبوعاً، و في النقل عن المعجمات اللغوية على ذكر أسمائها مجردة عن أرقام الأجزاء و الصفحات لأن‌

____________

(80) الذريعة: 20/ 163.

34

«المادة» اللغوية التي هي موضوع البحث كافية في الدلالة على مواضع النقل و المراجعة.

و مع ذلك كله فقد ألزمت نفسي بتخفيف الهوامش- بالمقدار الممكن- من التعليقات العلسية التي لا تمت إِلى تحقيق النص بصلة، رعايةً للاختصار؛ و اعتقاداً مني بأن مجال هذه التعليقات إِنما هو البحوث اللغوية و ليس الهوامش المعنية بتصحيح النصوص.

*** و بعد:

فهذا هو «المحيط» للصاحب بن عبّاد أقدِّمه للقراء المعنيين بلغة القرآن الكريم جزءاً بعد جزء، على هذا النمط من التحقيق و الاخراج. شاكراً جميع الاخوان الذين ساهموا في دلالتي على نسخ الكتاب و سهَّلوا لي الحصول عليها، و بخاصة الصديق الأستاذ الدكتور عبد اللّٰه درويش استاذ اللغة العربية في كلية الآداب بجامعة القاهرة، و إِدارة معهد المخطوطات التابع لجامعة الدول العربية بالقاهرة. و أملي باللّٰه تعالى أن يكون لي خير مساعد و معين. و آخر دعوانا أَنِ الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ.

العراق/ بغداد- الكاظمية:

محمد حسن آل ياسين‌

35

[صور من النسخ الخطية للكتاب]

«صورة الصفحة 1/ أ من النسخة الأصل»‌

«نسخة المتحف البريطاني»‌

36

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

37

«صورة الصفحة 1/ ب من النسخة الأصل»‌

«نسخة المتحف البريطاني»‌

38

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

39

«صورة الصفحة الأخيرة من النسخة الأصل»‌

«نسخة المتحف البريطاني»‌

40

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

41

«صورة الصفحة 1/ أ من النسخة ت»‌

«نسخة تركيا»‌

42

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

43

«صورة الصفحة 1/ ب من النسخة ت»‌

«نسخة تركيا»‌

44

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

45

«صورة الصفحة الأخيرة من النسخة ت»‌

«نسخة تركيا»‌

46

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

47

«صورة صفحة من النسخة م»‌

«نسخة دار الكتب المصرية»‌

48

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

49

«صورة الصفحة 1/ أ من النسخة ك»‌

«نسخة كربلاء»‌

50

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

51

«صورة الصفحة 1/ ب من النسخة ك»‌

«نسخة كربلاء»‌

52

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

53

«صورة الصفحة الأخيرة من النسخة ك»‌

«نسخة كربلاء»‌

54

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

55

[1/ أ]

كِتابُ «المُحيط» في اللُّغةِ تأليف الإِمام العلّامة، أكفى الكفاة، الصاحب، إِسماعيل ابن عباد، (رحمه اللّٰه)

56

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

57

[1/ ب]

[مقدمة المؤلف]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ* [و به ثقتي] (1) كلام العرب مبنيٌّ على أربعة أنحاء: الثُّنائيّ، و الثلاثيّ (2)، و الرباعي، و الخماسي. لا يُجاوَزُ ببناء الكلمة- و الحروف أصلية- ذلك؛ إِلّا أن تلحقها الزوايد، فقد تبلغ بها حينئذٍ سبعة؛ نحو: القَرَعْبلانة؛ و هي دُوَيبة.

فأمّا الثنائي:

فإِنه يجي‌ء على ضربين:

ربما جاء و أصله ثلاثة، نحو: دَم، و فَم، و شَفَه. و يتبيّن الذاهب منه ما هو بالتصريف.

و ربما جاء و لا أصل له في الثلاثي (3)، نحو: الأدوات و أسماء الزَّجر و الحكايات، مثل: مِن، و عَن، و صَه، و مَه، و طَق، و قَه.

و الثلاثي:

نحو قولك من الفعل: ذَهَبَ وَ ضَرَبَ، و من الاسم: حَجَرٌ وَ شَجَر.

و الرباعي:

____________

(1) زيادة من (ك).

(2) في الأصل و ك: «الثلاثي و الثنائي»، و الشرح الذي يلي هذا الكلام يقتضي ما أثبتناه، و هو الذي ذكره الخليل في العين: 1/ 48.

(3) في الأصل: «و ربما جاء و أصله ثلاثة و لا أصل له في الثلاثي»، و ما أثبتناه من (ك).

58

من الفعل نحو: دَحْرَجَ وَ قَرْطَسَ، و من الاسم نحو: عَقْرَب وَ عَبْقَر.

و الخماسي:

من الأفعال لا يكون إِلّا بالزيادة. فأمّا من الأسماء فنحو: سَفَرْجَل وَ شَمَرْدل.

و لا يجي‌ء الخماسي إِلّا و فيه حرفٌ أو حرفان من حروف الذَّلاقة، و هي ستة أحرف، و لها مخرجان، فمنها: الفاء و الباء و الميم؛ و هي من الشَّفَه، و منها:

الراء و النون و اللام؛ و هي من أَسَلةَ اللسان.

و كذلك الرباعي، إِلّا أن يكون فيه أحد حرفَي الطَّلاقة؛ و هما: العين و القاف؛ أو كلاهما، أو السين و الدال؛ أو إِحداهما. و هو- مع ذلك- قليل.

*** و اعلمْ: انّ من الأبنية «الصحيح» و «المعتلّ».

فالصحيح: ما سَلِمَ في أصل بنائه من حروف العلل؛ و هي: الواو و الياء و الألف.

و المعتلّ: ما شابَ حروفَه حرفٌ أو حرفان منها.

فأمّا اللفيف: فما لا يكون فيه من الحروف الصحاح إِلّا حرف واحد.

*** فإِنْ قال قائل:

لِمَ ابتدأ الخليل عند ذكر الأبنية بالثنائي؛ و قد قال سيبويه: «أقلُّ ما تكون عليه الكلمة حرف واحد»؟ (4).

____________

(4) الكتاب لسيبويه: 2/ 304.