بحوث في مباني علم الرجال‌

- الشيخ محمد السند المزيد...
343 /
9

تقديم

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّٰه الذي ندب المؤمنين لينفر طائفة منهم ليتفقّهوا في الدين من معدن مشكاة النبوّة و العصمة، و لينذروا بالرواية و الفتوى قومهم و الأجيال اللاحقة.

و الصلاة و السلام على سيّد المرسلين الذي ترحّم على الذين يأتون بعده فيروون أحاديثه، و على آله الأوصياء الذين رغّبوا في المنازل على قدر الرواية عنهم و الدراية لها.

و بعد.. فإنّ الواجب من التمسّك بسنّة النبيّ (صلى الله عليه و آله) و أوصياءه المعصومين (عليهم السلام) في استنباط الأحكام الشرعيّة يتوقّف على تمحيص الطرق و الأسانيد للأحاديث عنهم (صلوات اللّٰه عليهم)، سواء في أخبار الآحاد أو في تقدير التواتر و الاستفاضة و ما يلابس ذلك من مقدّمات و لوازم، و هذا ما يتكفّل به علم الرجال، و هو لا يتمّ الخوض فيه بمتانة و رصانة إلّا بتنقيح المباني و الاسس العامّة للجرح و التعديل، و التوثيق و التحسين، فإنّها مبادئ تصديقيّة لبحث علم الرجال، و بلحاظ آخر بمثابة قواعد عامّة للبحث الرجالي، و هي تنطوي على مقدّمات اصوليّة و فقهيّة، في حين هي مسائل برزخيّة بين علمي الاصول و الرجال،

10

و بمنزلة تطبيقات اصوليّة تحليليّة على موادّ رجاليّة، و قد وفّق تعالى لبحثها مع مجموعة من الأفاضل في السنين الماضية، و قد قام السيّد الفاضل النحرير محمّد صالح ابن السيّد مهدي التبريزي أدام اللّٰه مثابرته العلميّة و نشره لعلوم الدين بتقرير تلك البحوث و تقويمها و متابعة المصادر بجدّ و جهد وافر، فشكر اللّٰه سعيه و أجزل توفيقه.

11 ذي القعدة ميلاد ثامن الأوصياء‌

الثاوي بأرض طوس- 1420 ه‍. ق‌

محمّد السند‌

11

مقدمة

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

و به نستعين، الحمد ربّ العالمين.

و صلّى اللّٰه على رسوله و آله الطاهرين،

و لعنة اللّٰه على أعدائهم أجمعين.

و بعد..

بداية علم الرجال

قد جرى الكلام في أوّل واضع لعلم الرجال في العهد الإسلامي، إلّا أنّ الصحيح أنّ مبتدأ هذا العلم هو من قوله تعالى: (يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جٰاءَكُمْ فٰاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهٰالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلىٰ مٰا فَعَلْتُمْ نٰادِمِينَ) (1)، حيث إنّه دعوة لتمييز النبأ و الخبر بين كون الناقل له فاسقاً أو عادلًا، و قد أكّد هذه الدعوة قول رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله): «أَيُّها النّاسُ، قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ الْكَذّابَةُ فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ» (2).

____________

(1). الحجرات/ 6.

(2) اصول الكافي 1/ 62، كتاب فضل العلم، باب اختلاف الحديث.

12

ثمّ تابع تأكيد هذه الدعوة أيضاً أمير المؤمنين (عليه السلام) في ما رواه سليم بن قيس الهلالي، قال: قلت لأمير المؤمنين (عليه السلام): إنّي سمعت من سلمان و المقداد و أبي ذرّ شيئاً من تفسير القرآن و أحاديث عن نبيّ اللّٰه (صلى الله عليه و آله) غير ما في أيدي النّاس، ثمّ سمعت منك تصديق ما سمعت منهم، و رأيت في أيدي النّاس أشياء كثيرة من تفسير القرآن، و من الأحاديث عن نبيّ اللّٰه (صلى الله عليه و آله) أنتم تخالفونهم فيها، و تزعمون أنّ ذلك كلّه باطل، أ فترى النّاس يكذبون على رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) متعمّدين، و يفسّرون القرآن بآرائهم؟ قال: فأقبل علَيَّ فقال:

«قَدْ سَأَلْتَ فَافْهَمِ الْجَوابَ، إِنَّ فِي أَيْدِي النّاسِ حَقّاً وَ باطِلًا، وَ صِدقاً وَ كِذْباً، وَ ناسِخاً وَ مَنْسُوخاً، وَ عامّاً وَ خاصّاً، وَ مُحْكَماً وَ مُتَشابهاً، وَ حِفْظاً وَ وَهْماً، وَ قَدْ كُذِبَ عَلى رَسُولِ اللّٰهِ (صلى الله عليه و آله) عَلى عَهْدِهِ حَتَّى قامَ خَطِيباً، فَقالَ: أَيُّها النّاسُ، قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ الْكَذّابَةُ فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّداً فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النّارِ. ثُمّ كُذِبَ عَلَيْهِ مِنْ بَعْدِهِ. وَ إِنَّما أَتاكُم الْحَدِيثُ مِنْ أَرْبَعَةٍ لَيْسَ لَهُمْ خامِسٌ:

رَجُلٌ مُنافِقٌ يُظْهِرُ الْايمانَ، مُتَصَنِّعٌ بِالْإِسْلَامِ، لَا يَتَأَثَّمُ وَ لَا يَتَحَرَّجُ أَنْ يَكْذِبَ عَلى رَسُولِ اللّٰهِ (صلى الله عليه و آله) مُتَعَمِّداً، فَلَوْ عَلِمَ النَّاسُ أَنَّهُ مُنافِقٌ كَذّابٌ، لَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُ وَ لَمْ يُصَدِّقُوهُ، وَ لٰكِنَّهُمْ قالُوا: هٰذا قَدْ صَحِبَ رَسُولَ اللّٰهِ (صلى الله عليه و آله) وَ رآهُ وَ سَمِعَ مِنْهُ، وَ أَخَذُوا عَنْهُ، وَ هُمْ لَا يَعْرِفُونَ حالَهُ، وَ قَدْ أَخْبَرَهُ اللّٰهُ عَنِ الْمُنافِقِينَ بِمَا أَخْبَرَهُ، وَ وَصَفَهُمْ بِمَا وَصَفَهُمْ فَقالَ عَزَّ وَ جَلَّ: (وَ إِذٰا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسٰامُهُمْ وَ إِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ) (1)، ثُمَّ بَقُوا بَعْدَهُ فَتَقَرَّبُوا إِلىٰ أَئِمَّةِ الضَّلَالَةِ وَ الدُّعاةِ إِلَى النّارِ بِالزُّورِ وَ الْكَذِبِ وَ الْبُهْتانِ، فَوَلَّوهُمْ الْأَعْمالَ، وَ حَمَلُوهُمْ عَلى رِقابِ النّاسِ، وَ أَكَلُوا بِهمُ الدُّنْيا، وَ إِنّما النّاسُ مَعَ الْمُلُوكِ‌

____________

(1). المنافقون/ 4.

13

وَ الدُّنْيا إِلَّا مَنْ عَصِمَ اللّٰهُ فَهذا أَحد الْأَرْبَعَة.

وَ رَجُلٌ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللّٰهِ (صلى الله عليه و آله) شَيْئاً لَمْ يَحْمِلْهُ عَلى وَجْهِهِ وَ وَهِمَ فِيْهِ، وَ لَمْ يَتَعَمَّدْ كِذْباً، فَهُوَ فِي يَدِهِ يَقُولُ بِهِ، وَ يَعْمَلُ بِهِ، وَ يَرْوِيهِ، وَ لَوْ عَلِمَ هُوَ أَنَّهُ وَهْمٌ لَرَفَضَهُ.

وَ رَجُلٌ ثالِثٌ سَمِعَ مِنْ رَسُولِ اللّٰهِ (صلى الله عليه و آله) شَيْئاً أَمَرَ بِهِ ثُمَّ نَهىٰ عَنْهُ وَ هُوَ لَا يَعْلَمُ، أَوْ سَمِعَهُ يَنْهىٰ عَنْ شَيْ‌ءٍ ثُمَّ أَمَرَ بِهِ وَ هُوَ لَا يَعْلَمُ، فَحَفِظَ مَنْسُوخَهُ وَ لَمْ يَحْفَظِ النَّاسِخَ، وَ لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ لَرَفَضَهُ، وَ لَوْ عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ إِذْ سَمِعُوهُ مِنْهُ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ لَرَفَضُوهُ.

وَ آخَر رابِعٌ لَمْ يَكْذِبْ عَلى رَسُولِ اللّٰهِ (صلى الله عليه و آله)، مُبْغِضٌ لِلْكَذِبِ خَوْفاً مِنَ اللّٰهِ وَ تَعْظِيماً لِرَسُولِ اللّٰهِ (صلى الله عليه و آله)، لَمْ يَنْسَهُ، بَلْ حَفِظَ ما سَمِعَ عَلى وَجْهِهِ فَجاءَ بِهِ كَما سَمِعَ لَمْ يَزِدْ فِيْهِ، وَ لَمْ يُنْقِصْ مِنْهُ، وَ عَلِمَ النّاسِخَ مِنَ الْمَنْسُوخِ، فَعَمِلَ بِالنّاسِخِ وَ رَفَضَ الْمَنْسُوخَ، فَإِنَّ أَمْرَ النَّبِيِّ (صلى الله عليه و آله) مَثَلُ الْقُرْآنِ ناسِخٌ وَ مَنْسُوخٌ، [خاصٌّ وَ عامٌّ]، وَ مُحْكَمٌ وَ مُتَشابِهٌ، قَدْ يَكُونُ مِنْ رَسُولِ اللّٰهِ (صلى الله عليه و آله) الْكَلَامُ لَهُ وَجْهانِ كَلَامٌ عامٌّ، وَ كَلَامٌ خاصٌّ مِثْلُ الْقُرْآنِ، وَ قالَ اللّٰهُ عَزَّ وَ جَلَّ فِي كِتابِهِ: (وَ مٰا آتٰاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مٰا نَهٰاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (1) فَيَشْتَبِهَ عَلى مَنْ لَمْ يَعْرِفْ وَ لَمْ يَدْرِ ما عَنى اللّٰهُ بِهِ وَ رَسُولُهُ (صلى الله عليه و آله)، وَ لَيْسَ كُلُّ أَصْحابِ رَسُولِ اللّٰهِ (صلى الله عليه و آله) كَانَ يَسْأَلُهُ عَنْ الشَّيْ‌ءِ فَيَفْهَمُ، وَ كانَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْأَلُهُ، وَ لَا يَسْتَفْهِمُهُ، حَتَّى أَنْ كانُوا لَيُحِبُّونَ أَنْ يَجِي‌ءَ الْأَعْرَابِيُّ، وَ الطّارِي فَيَسْأَلَ رَسُولَ اللّٰهِ (صلى الله عليه و آله) حَتَّى يَسْمَعُوا.

وَ قَدْ كُنْتُ أَدْخُلُ عَلى رَسُولِ اللّٰهِ (صلى الله عليه و آله) كُلَّ يَوْمٍ دَخْلَةً وَ كُلَّ لَيْلَةِ دَخْلَةً فَيُخَلِّينِي فِيْها أَدُورُ مَعَهُ حَيْثُ دارَ، وَ قَدْ عَلِمَ أَصْحابُ رَسُولِ اللّٰهِ (صلى الله عليه و آله) أَنَّهُ لَمْ يَصْنَعْ ذلك بِأَحَدٍ مِنَ النّاسِ غَيْرِي، فَرُبّما كانَ فِي بَيْتِي يَأْتِينِي رَسُولُ اللّٰهِ (صلى الله عليه و آله) أَكْثَرَ ذٰلِكَ. وَ كُنْتُ إِذا دَخَلْتُ عَلَيْهِ بَعْضَ مَنازِلِهِ، أَخْلانِي، وَ أَقامَ عَنِّي نِسَاءَهُ فَلَا يَبْقىٰ عِنْدَهُ غَيْرِي، وَ إِذا أَتانِي لِلْخَلْوَةِ‌

____________

(1). الحشر/ 7.

14

مَعِي فِي مَنْزِلِي لَمْ تَقُمْ عَنِّي فاطِمَةُ، وَ لَا أَحَدٌ مِنْ بَنِيَّ.

وَ كُنْتُ إِذا سَأَلْتُهُ أَجَابَنِي وَ إِذا سَكَتُّ عَنْهُ، وَ فَنِيَتْ مَسَائِلِي إبْتَدَأَنِي.

فَمَا نَزَلَتْ عَلى رَسُولِ اللّٰهِ (صلى الله عليه و آله) آيَةٌ مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا أَقْرَأَنِيها وَ أَمْلاها عَلَيَّ فَاكْتَتَبْتُها بِخَطِّي، وَ عَلَّمَنِي تَأْويِلَها وَ تَفْسِيرَها، وَ ناسِخَها وَ مَنْسُوخَها، وَ مُحْكَمَها وَ مُتَشابِهَها، وَ خاصَّها وَ عامَّها، وَ دَعا اللّٰهَ أَنْ يُعْطِيَنِي فَهْمَها وَ حِفْظَها فَمَا نَسِيتُ آيَةً مِنْ كِتابِ اللّٰهِ، وَ لَا عِلْماً أَمْلَاهُ عَلَيَّ وَ كَتَبْتُهُ مُنْذُ دَعا اللّٰهَ لِي بِما دَعا.

وَ ما تَرَكَ شَيْئاً عَلَّمَهُ اللّٰهُ مِنْ حَلَالٍ وَ لَا حَرامٍ، وَ لَا أَمْرٍ وَ لَا نَهْي كانَ أَوْ يَكُونُ، وَ لَا كِتابٍ مُنْزَلٍ عَلى أَحَدٍ قَبْلَهُ مِنْ طاعَةٍ أَوْ مَعْصِيَةٍ، إِلَّا عَلَّمَنِيهِ وَ حَفِظْتُهُ، فَلَمْ أَنْسَ حَرْفاً واحِداً.

ثُمَّ وَضَعَ يَدَهُ عَلى صَدْرِي وَ دَعا اللّٰهَ أَنْ يَمْلَأَ قَلْبِي عِلْماً وَ فَهْماً وَ حُكْماً وَ نُوراً فَقُلْتُ:

يا نَبِيَّ اللّٰهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَ امِّي مُنْذُ دَعَوْتَ اللّٰهَ لِي بِمَا دَعَوْتَ لَمْ أَنْسَ شَيْئاً، وَ لَمْ يَفُتْنِي شَيْ‌ءٌ لَمْ أَكْتُبْهُ أَ فَتَتَخَوَّفُ عَلَيَّ النِّسْيانَ فِيمَا بَعْدُ؟ فَقَالَ: لَا لَسْتُ أَتَخَوَّفُ عَلَيْكَ النِّسْيانَ وَ الْجَهْلَ» (1).

فإنّ في كلامه (عليه السلام) بيان لُاصول علم الدراية و علم الحديث، من أحوال الخبر و كيفيّات النقل، مضافاً إلى أحوال الراوي الناقل من ناحية الصفات العمليّة و العلميّة‌

تعريف علم الرجال

و قد عُرّف بتعاريف عديدة متقاربة، محصّلها: إنّه العلم الباحث عن رواة الأخبار، و تشخيصهم ذاتاً و صفةً، و توفّرهم على شرائط القبول، و هذا بخلاف‌

____________

(1) اصول الكافي 1/ 62، كتاب فضل العلم، باب اختلاف الحديث.

15

علم الدراية الباحث عن أحوال الحديث متناً و سنداً، و كيفيّة تحمّله و آدابه، و أمّا التعرّض لسند الحديث فيه فهو بما هو من أحوال الخبر و صفة له، أي أنّ البحث في مجموع السند، و أنّه على أي درجة، و بالتالي فلا يبحث فيه عن أحوال أفراد السند بأشخاصهم و أعيانهم، و إنّما البحث فيه من قبيل الكبرى، بينما الصغرى يتكفّلها علم الرجال.

و بذلك يتّضح موضوع علم الرجال، و يتّضح امتيازه عن موضوع علم الدراية، و كذلك تتّضح الفائدة منه، مضافاً إلى ما سيأتي في المدخل من بيان وجه الحاجة لعلم الرجال، إلّا أنّنا نضيف في المقام فوائد اخرى:

منها زيادة البصيرة في المسائل الاعتقاديّة؛ و ذلك لانطواء البحث الرجالي على دراسة الفرق المنحرفة و المستقيمة، و هذا يعطي للباحث إلماماً بموارد الانحراف و كيفيّة نشوئه، و الاطّلاع على المذاهب الاعتقاديّة المختلفة، كما تجد ذلك في ترجمة أمثال: محمّد بن أبي زينب، و يونس بن ظبيان، و المغيرة بن سعيد، و بنان.

كما أنّه يوقف المتتبّع في الأبحاث الرجاليّة على مذاق الشرع في كثير من الامور باطّلاعه على سيرتهم (عليهم السلام) مع مختلف أصناف الرواة؛ إذ تعاملهم معهم تجسيد عملي لرأي الشارع المقدّس تجاه أدقّ المسائل الحالكة المعضلة في أبواب كثيرة.

و بعبارة اخرى: إنّ البحث الرجالي تدقيق عميق في سيرة الأئمّة العمليّة و اتّجاههم في قبال الاعتقادات الموجودة في زمانهم؛ و بكلمة: أنّ البحث الرجالي في المفردات بمثابة الفتوى في الأحكام الاعتقاديّة المنطبقة على تلك المفردة، و عليه فالباحث الرجالي لا غنى له عن الاعتماد على مذهب كلامي في الجرح‌

16

أو التعديل للمفردة الرجاليّة.

و منها الاطّلاع على مسائل اعتقاديّة انفرد علم الرجال بتحريرها، حيث إنّ هناك من المسائل الاعتقاديّة التي لم تُحرّر في علم الكلام، و لا في الفقه، يجدها الباحث محرّرة استطراداً في علم الرجال، و مثال على ذلك مسألة ما لو كان أحد الرواة لا يعلم بجميع الأئمّة (عليهم السلام)، بل إلى الإمام المعاصر له، فهل مثل هذا يُدرج في الإماميّة أم لا؟ و قد ذهب مشهور الرجاليّين إلى الحكم بإماميّته، و ممّن عنون هذه المسألة السيّد بحر العلوم في رجاله.

و مثال آخر: الحدّ الفاصل بين الضروريّات و غيرها من المسائل الاعتقاديّة، و في تفاصيل المعارف، و اختلاف طبيعة المسائل الاعتقاديّة، و قد أشار المحقّق البحراني الشيخ سليمان الماحوزي- في المعراج في ترجمة أحمد بن نوح السيرافي- إلى ذلك، و أنّه لم ينقّح ذلك إلّا في علم الرجال، حتّى إنّه اضطرّ إلى الخوض في ذلك بشكل معمّق مستشهداً بسيرة الأئمّة (عليهم السلام) مع أصحابهم في ذلك، و كذلك أشار المولى الوحيد البهبهاني إلى ذلك في تعليقته في ترجمة جعفر بن عيسى، أنّه يظهر من تلك الترجمة، و ترجمة مثل يونس بن عبد الرحمن، و زرارة، و المفضّل بن عمر، و غيرهم من أصحاب الأئمّة (عليهم السلام)، كثير من المباحث، و كذا التعرّف على جذور الضرورات الدينيّة في التاريخ و نشوء البحوث العقائديّة.

و مثل ما ذكره الرجاليّون من كيفيّة الجمع بين الأخبار النافية لجملة من مقامات و شئون الأئمّة (عليهم السلام) و بين المثبتة، و أنّ مرجع ذلك إلى قابليّة الراوي، و مستواه العلمي، و قدرة تحمّله الذهني.

و مثل مقارنة المسألة العقائديّة في هذا اليوم ما كانت عليه في العصور الاولى،

17

و مثل مسألة حكم من أنكر نيابة النوّاب الأربعة، أي النيابة الخاصّة.

منها الاطّلاع على مسائل فرعيّة و فقهيّة انفرد علم الرجال بتحريرها و التركيز عليها، و ذلك بسبب ما يوفّره للمتتبّع من الاطّلاع على سِير العديد من أصحاب الأئمّة في أبواب الفقه المختلفة.

بل إنّ البحث الرجالي يُشرف على العديد من الضرورات و مسلّمات المذهب، و التي كانت من معالم الطائفة يَعرِفهم بها القاضي و الداني، و ذلك نظير الرجعة- فإنّها و إن كانت مثالًا للمسائل الاعتقاديّة و قد وردت بها الروايات المتواترة- حيث يشاهد الباحث في العديد من تراجم متكلّمي الطائفة من أصحاب الأئمّة و سجالاتهم مع وجوه العامّة أنّ القول بالرجعة هو من المتسالم عليه عند مذهب أهل البيت (عليهم السلام)، و أنّهم كانوا يُعرفون به، و أنّ النقاش في الأندية العلميّة بين الفريقين كان محتدماً حوله (1).

و بعبارة موجزة: إنّ التراث الرجالي ثروة زاخرة بالتراث الديني المتجسّد في السيرة العمليّة للمفردات الرجاليّة و لأصحاب الأئمّة، و موقف الأئمّة (عليهم السلام) تجاه تلك الظواهر المنتشرة، و لا يخفى على الباحث الفقهي مدى أهمّية سيرة أصحاب الأئمّة في استكشاف الأحكام الفقهيّة.

كما أنّ موقف الأئمّة العملي خير شاهد و دليل على تفسير فقه طوائف الروايات الواردة في ظهور معيّن، فإنّ ذلك الموقف يكون قرينة على المراد‌

____________

(1) لاحظ في ذلك ترجمة مؤمن الطاق، محمّد بن عليّ بن نعمان البجلي، و غيره من متكلّمي أصحاب الأئمّة (عليهم السلام)، و لاحظ ترجمة جابر بن يزيد الجعفي في كتاب رجال العامّة، و قول سنان: «إنّ النّاس كانوا يحملون عن جابر، و كان من وجوه الرواية قبل أن يظهر الإيمان بالرجعة».

18

الجدّي من ذلك، و على تحكيم طائفة من الروايات على طوائف اخرى، كما هو الحال في طوائف الروايات الواردة في شرطيّة الإيمان في الإسلام، أو أنّ الشهادتين يُحقن الدم و يحرم المال و تحلّ المناكح و الذبيحة، و كذا في تحديد درجة النُّصب و أنّه المجاهر بعداوتهم هو الذي يترتّب عليه الآثار من النجاسة و الكفر و غيرها، دون بقيّة درجات النُّصب، و كذلك تحديد الغلوّ الموجب للكفر و أحكامه، و كذلك تحديد التقصير في المعرفة، أو أدنى درجات المعرفة به تعالى و برسوله (صلى الله عليه و آله) و بهم (عليهم السلام)، التي يكون ما دونها تقصير.

فهذا الشيخ الطوسي في العدّة- مثلًا- تراه يستشهد في تفسير فقه الآيات و الروايات الواردة في حجّية الخبر و أقسامه بعمل الطائفة في عدّة من أقسام الخبر في كتبهم الرجاليّة و الفهارس و الحديث، و يستخلص منه التسالم العملي على ذلك إلى زمن الأئمّة (عليهم السلام)، و لقد شدّد عدّة من أساطين الفقه على لزوم إحراز سيرة الأصحاب و ديدنهم في الأبواب الفقهيّة المختلفة كشرط في الوصول إلى الفقه السليم لمدلول طوائف الروايات الصادرة عنهم (عليهم السلام)، و أنّ الظهور للروايات المجرّد عن سيرة أصحابهم لا يشكّل عناصر الدلالة بتمامها لاستكشاف المراد الجدّي.

و من البيّن الواضح أنّ الاطّلاع على تلك السير لا يتمّ إلّا بتوسّط علمي الرجال و الحديث، لأنّه تاريخ قطعي للمسير الفقهي لدى الطائفة الإماميّة في عصر الأئمّة (عليهم السلام)، و الحال كذلك في أبواب المعارف و الروايات فيها. فلاحظ- مثلًا- ما ذكره الوحيد البهبهاني في فوائده في شرح اصطلاح الواقفيّة، من بيان منشأ الشبهة التي حصلت لهم من ألفاظ الروايات ك‍ (صاحب الأمر)، و لفظ (القائم من آل محمّد) و (القائم بالأمر)، مستشهداً بما ورد في ترجمة عنبسة،

19

و أبي جرير القمّي، و إبراهيم بن موسى بن جعفر، و غيرهما، و كذا كلامه في الناووسيّة، و كذا كلام غيره من الرجاليّين.

منها معرفة درجات الضعف و القوّة في طريق الخبر، فإنّه مؤثّر جدّاً في جبر أو كسر الخبر بالشهرة العمليّة أو الفتوائيّة على القول بهما، فإنّ مجرّد عدم الصحّة لا يطّلع الباحث على درجة الضعف كي يعرف حصول الجبر من عدمه، و كذا الصحّة من دون معرفة علم الرجال لا يطلع الدرجة القابلة للكسر، و من ذلك يتّضح توقّف معرفة التواتر و المستفيض بالدقّة على معرفة علم الرجال، فإنّه تراكم الاحتمالات كيفاً و تعدّد الكمّ إنّما يقف عليه الباحث بهذا العلم، و إلّا كيف يتعرّف على بُعد وجود الدواعي للتواطؤ على الكذب. و كذا تتّضح درجات و أقسام التواتر و المستفيض.

منها معرفة صحّة النُّسخ و المتون، فإنّ كلّياتها و إن كان بحثها مختصّ بعلم الدراية، أو صغرياتها بعلم الحديث، إلّا أنّ الجانب المهمّ من صغرياتها يتوقّف على معرفة كتب الفهارس و المشيخة، و كيفيّة وصول النُّسخ، و طُرق الإجازات، و نحو ذلك، و هذه الفائدة يعرف خطورتها الممارس لعمليّة الاستنباط في الأبواب الفقهيّة أو الاعتقاديّة.

منها حصول الإحاطة التامّة بمجموع التراث الحديثي الروائي، و الابتعاد عن الغفلة عن مظانّ المدارك، فإنّه من أوّليّات اصول الفحص و البحث عن الدليل الشرعي، و يتمّ الاطّلاع بتوسّط ما يذكر من اصول و كتب للمترجم له في المفردات الرجاليّة.

منها الاطّلاع على اختلاف أقوال القدماء و تعدّدها من الرواة و أصحابها الأئمّة (عليهم السلام) في مختلف المسائل، سواء الفقهيّة أو اصول الفقه، أو الكلام،

20

أو الرجال، و غيرها من مسائل العلوم الدينيّة، فإنّ كثيراً منهم لم تكن له كتب مؤلّفة في تلك العلوم، أو كانت و لم تصل إلينا، فلا يتمّ تحقيق الأقوال في تلك المسائل أو وجوه الاستدلال المذكورة لها إلّا بضميمة ما يحصّله البحث في المفردات الرجاليّة.

منها إنّ هناك عدّة فوائد يقدّمها علم الرجال لعلوم اخرى، كعلم التاريخ لتحقيق الوقائع و الأحداث العامّة بدقّة، و بتحديد أدوار المفردات الرجاليّة فيها، و انطباع ما يذكر فيها على تحليل تلك الوقائع، و كعلم الأخلاق و السير و السلوك لتهذيب النفس، فإنّ نماذج المفردات الرجاليّة عبرة لأنماط التجارب التي تمرّ بها البشريّة في مسيرها العلمي أو العملي، و كيفيّة صعود بعض و تسافل آخرين، و تبديل بعض ثالث من حال إلى آخر، و كعلم الكلام و الفقه، و قد مرّ بيانه، و كعلم الحديث و الدراية و قد تبيّن ممّا سبق، و كذا بقيّة العلوم الدينيّة و قد مرّت الإشارة إلى ذلك‌

امتيازات الكتاب

و قد تضمّن هذا الكتاب مضافاً إلى منهجة الأبواب المقرّرة في الفوائد الرجاليّة عدّة فوائد اخرى:

الاولى:

بيان القيمة العلميّة للأحاديث الضعيفة و الآثار الشرعيّة الاخرى المترتّبة عليها.

الثانية:

الكشف عن مراد القدماء في تعبيرهم بتخريج أحاديث الكتاب عن الثقات، كما في كتاب الكافي و الفقيه و التهذيبين و كامل الزيارات، و غيرها.

الثالثة:

أنّ تقسيم الحديث لدى القدماء عبارة عن أربعة تقاسيم، و كلّ منها‌

21

يشتمل على عدّة أقسام، و من ثمّ قد بنوا على درجات عديدة في الحجّية و درجات عديدة في الضعف، كما بنوا على تحيّث الحجيّة في الحديث و تحيّث الضعف فيه، فالاعتبار للحديث ليس بقول مطلق دائماً، و هكذا الحال في الضعف.

الرابعة:

بيان انفتاح باب العلم في علم الرجال، و أنّ المبنى العمدة لدى الرجاليّين في هذا العلم هو على تراكم القرائن و الاحتمالات إلى حدّ الاطمئنان، و بيان مدى خطورة الفوائد المترتّبة عليه في كافّة الأبحاث الرجاليّة، عرض التحليل الصناعي الدقيق للمباني الاخرى في علم الرجال.

الخامسة:

بيان إدراج الخبر الحسن و القوي في دائرة الخبر الحجّة المعتبر، مع بيان حقيقة أصالة العدالة المنسوبة إلى المتقدّمين.

السادسة:

تفسير أمارات التوثيق، من قبيل قاعدة الإجماع، و لا يروي إلّا عن ثقة، و غيرها، على مبنيي الاطمئنان- تراكم الاحتمالات- و حُسن الظاهر.

السابعة:

استعراض أربعة عشر منهج للرجاليّين في البحث الرجالي.

الثامنة:

بيان ضوابط تصحيح الكتب و النُّسخ الحديثيّة و اعتبارها.

التاسعة:

توثيق عدّة من مصادر الكتب الروائيّة بوجوه و طرق عديدة.

ثمّ إنّ هذا الكتاب قد جاء تحريراً و تقريراً للدورة التي ألقاها الشيخ الاستاذ في شهري جمادى و رجب من سنة 1413 ه‍.

و الحمد للّٰه أوّلًا و آخراً‌

محمّد صالح التبريزي‌

22

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

23

المدخل:

الحاجة لعلم الرجال

في بيان وجه الحاجة لعلم الرجال أو فقل بيان الضرورة الملزمة لمراجعته مضافاً إلى ما يذكر من فوائد عديدة تنجم من الاضطلاع به، يتمّ ببيان عدّة مقدّمات ملخّصها:

إنّ المتديّن بالشرع له علم اجمالي بتكاليف و أحكام شرعيّة لا بدّ أن يتوصّل إلى معرفتها و ذلك لامتثالها، أو لأجل حفظ الدين عن الاندراس، أو لأجل تعليمها للآخرين، أو إقامتها في الناس و المجتمع، و تلك المعرفة لا تستتمّ بصورة شاملة إلّا عبر الأخبار الظنّية، و المقدار الحجّة من تلك الأخبار هو حصّة خاصّة منها، سواء بنينا في اعتبار خبر الواحد على الدليل الخاصّ أو على الانسداد، على القول بالكشف فيه، بل و الحكومة كما سيتّضح، و إحراز الصغرى لتلك الحصّة لا يتمّ إلّا بواسطة علم الرجال، و هذا الدليل يضاهي في الصياغة دليل الانسداد و مؤلّف من مقدّماته بعينها، غاية الأمر انّه تضاف إليه مقدّمة أخرى مبيّنة لكون صغرى الظن لا تحرز إلّا بعلم الرجال، و في الحقيقة انّ هذا الدليل صياغة لدليل الانسداد على العلم الإجمالي بالطرق، في قبال صياغته على العلم الإجمالي‌

24

بالأحكام الواقعيّة، فكما أنّ دليل الانسداد قد يكون كبيراً بلحاظ أبواب كلّ الشريعة و بلحاظ الطرق لتلك الأحكام صدوراً و دلالة وجهة أو امتثالًا قد يكون صغيراً بلحاظ باب معيّن أو بلحاظ موضوع في باب معيّن، كما قيل في الأنساب و الأوقاف و نحوهما، فكذلك الحال في صياغة هذا الدليل لبيان ضرورة علم الرجال.

و تفصيل ذلك يتمّ ببيان مقدّمات:

المقدّمة الأُولى: العلم الإجمالي بوجود أحكام يجب معرفتها،

إمّا للامتثال أو للحفظ عن الاندراس أو لتعليمها للآخرين أو لإقامتها بين المكلّفين.

المقدمة الثانية: انّ معرفة تلك الأحكام لا يفي بها مجموع ما يستفاد من ظاهر الكتاب

و حكم العقل و الأخبار المستفيضة منها و المتواترة، و هكذا المسلّمات الضرورية بين المتشرّعة، فإنّ مجموع ذلك لا يتولّد منه إلّا معرفة الأحكام الضرورية و ما يليها لا مطلق التفاصيل، فإنّ آيات الأحكام و إن رَبَتْ على الخمسمائة آية إلّا إنّ ما يستفاد منها ليس إلّا أمّهات قواعد الأبواب، و باطن الكتاب و إن اشتمل على تبيان كلّ شي‌ء من الفروع و المعارف الاعتقاديّة كما في قوله تعالى (وَ نَزَّلْنٰا عَلَيْكَ الْكِتٰابَ تِبْيٰاناً لِكُلِّ شَيْ‌ءٍ) (1). إلّا أنّ الوصول إلى ذلك بحكم الوجدان لا يمكن إلّا بحبل العترة الطاهرة.

و أما حكم العقل فهو في دائرة الأحكام الكلّية الفوقانيّة جداً (2)، كأحكام‌

____________

(1) النحل/ 89.

(2) و التي هي بمثابة المواد الدستورية الأمّ في القوانين الوضعية بخلاف المواد التشريعية في المجالس النيابية المتوسطة التي يعبّر عنها في اصطلاح الأصوليين العمومات المتوسطة، و بخلاف المواد التشريعية الوزارية التحتانية و التي يعبّر عنها بالعمومات التحتانية القريبة.

25

العقل العملي كالتحسين و التقبيح، و أمّا مدارج الأفعال النازلة فهو لا يصل إلى جهات حسنها و قبحها، و من ثمّ احتاج إلى هداية الوحي، و كأحكام العقل النظري في الملازمات العقلية غير المستقلة الخمسة فقط، و إن ضممنا إلى ذلك أخيراً في علم الأصول حكم العقل النظري المستقلّ في استكشاف الحكم الشرعي (1) إلّا أنّ دائرته هي أيضاً في الكليات الفوقانيّة الأولى، و كذا الحال في حصيلة الضرورات المسلّمة بين المتشرّعة.

و بعبارة موجزة: إنّ المتصفّح لدورة استدلاليّة في الفقه يرى أنّ القسم الأوفر منه يعتمد في إثباته على الأخبار، بل لو سلّمنا دعوى وجود الاستفاضة في أكثر المسائل فإنّ صغرى الاستفاضة الروائية لا يتمّ التوصّل إليها إلّا بعلم الرجال أيضاً، حيث انّ به يُتعرّف على الدرجة الاحتماليّة المتراكمة المتصاعدة من تكثّر الطرق، إذ لكلّ طريق درجة احتمالية في الصدور، و المطابقة للواقع يتمّ تحديدها بمعرفة درجة وثاقة أو ضعف سلسلة السند و معرفة تعدّد الطرق من اشتراكها.

و بذلك يتّضح إنّ هاتين المقدّمتين لا ينحصر صياغتهما على الحاجة لعلم الرجال في احكام الفروع، بل تصاغ أيضاً بلحاظ الأحكام الاعتقاديّة و المعارف الدينيّة، سواء بنينا على حجّية الظن في الجملة فيها في تفاصيل المعارف لا أساسياتها، فيكون الحال في تلك الدائرة هو الحال في الفروع، أو لم نبنِ على حجيتها و خصّصنا الحجية بالمتواتر و المتاخم له في باب الاعتقادات مطلقاً، فإنّ صغرى المتواتر و نحوه أيضاً لا يتوصّل إلى معرفتها إلّا بعلم الرجال، لما بيّناه آنفاً من أنّ الدرجة الاحتماليّة للخبر لا تُحدّد إلّا به.

____________

(1). إشارة إلى القاعدة الثانية: «كلّ ما حكم به العقل النظري حكم به الشارع».

26

المقدمة الثالثة: إنّ المقدار الثابت اعتباره من حجّية الخبر بالدليل الخاصّ انّما هو خبر الثقة أو الموثوق بصدوره دون مطلق الخبر،

و لو بنينا على عدم تمامية الدليل الخاصّ بل الاستناد في الحجّية على الانسداد، فإنّ دليله بناءً على الكشف منتج لحجية حصّة خاصّة من الظن تقارب دائرة خبر الثقة.

و أمّا على القول بالحكومة في دليل الانسداد أي حكم العقل بالاكتفاء الظني في فراغ الذمّة فهو أيضاً يُحدّد درجة الامتثال الظني بموارد خبر الثقة تقريباً، و تحديد صغرى الثقة من غيره يتكفّلها علم الرجال.

هذا فضلًا عن موارد التعارض في الأخبار المنتشرة في كلّ أبواب الفقه حيث يكون معالجتها أو تحديد الحجّة بالترجيح في صفات الراوي الممتاز بها عن الراوي الآخر، و تلك الصفات الزائدة على الوثاقة لا يتمّ إحرازها إلّا بعلم الرجال.

المقدمة الرابعة: و هاهنا دعويان:

إنّ ما بأيدينا من الأخبار الواصلة في الكتب الأربعة و غيرها من كتب الحديث ليس كما يدّعيه أصحابنا الأخباريون من اعتبار كلّ طُرقها، إذ في الطرق ما هو واجد لشرائط الحجّية و ما هو ليس كذلك، و لتميّز الواجد عن غيره لا بدّ أن يتوسّل بعلم الرجال، كما انّ دعوى المحقّق الهمداني و المحقّق العراقي من التوصّل في إحراز صغرى الخبر الموثوق به بتوسّط الشهرة بأقسامها، فهي غير تامّة أيضاً.

بيان عدم تماميّة الدعويين

نتعرض أوّلًا للدعوى الأخيرة منهما حيث أورد عليها:

أوّلًا: منع حجّية الشهرة بأقسامها كسراً و جبراً.

27

أقول: في هذا الإيراد نظر، حيث أنّ مراد القائلين بكاسريّة الشهرة أو جابريّتها ليست حجّية الشهرة المستقلّة و لا حجّيتها كبروياً، بل مرادهم تحقيق الشهرة لصغرى الخبر الموثوق به أي صغرى لحجّية أخرى، هذا في الجبر. أو ممانعتها لتحقّق تلك الصغرى في صورة الكسر، و قد وقعت الغفلة عن ذلك عند كثير من متأخّري هذا العصر، و قد حرّرناها مفصّلًا في علم الأصول و انّها من باب تراكم الاحتمالات و تزايدها تكويناً أو تضاؤلها، نعم شهرة الطبقات المتأخّرة لا تاثير لها كبروياً و لا صغروياً في الجبر و الكسر، لأنّها في الغالب مبنيّة على نكات اجتهاديّة حدسيّة فلا بدّ أن ينظر إلى تلك النكتة نفسها.

ثانياً: منع تحقّق الشهرة في كلّ موارد الروايات، و هذا بيّن للمتصفّح لأبواب الفقه، حيث إنّ كثيراً من المسائل تكثّر الأقوال فيها من دون وجود شهرة لأحدها، أو لا شهرة عملية أو روائية فيها لقلّة النصوص، كما أنّ بعض المسائل غير معنونة عند جميع القدماء، بل عند بعضهم فقط بنحو لا يكوّن الشهرة عندهم، كما أنّ كثيراً من الفروع المنصوص عليها لم يعنونها القدماء، بل عنونها من تأخّر عنهم مع كون النصوص في تلك المسائل محدودة بطريق واحد أو طريقين، كما أنّ هناك نمط آخر من المسائل وقع الشجار فيها بين المحدّثين و المتقدّمين، و اختلافهم في تضعيف الطرق حيث انّ بعضهم يصحّح بعض الطرق دون الطرق الاخرى، و ترى جماعة منهم يعكس الأمر تماماً، كما أنّ هناك نمط رابع من المسائل و هي التي يمكن تخريج الحكم فيها على مقتضى فذلكات صناعية، بحيث لا يحرز استنادهم الى النصّ الخاصّ الوارد في تلك المسألة، و غير ذلك من أنماط و طبيعة الاستدلال في أبواب الفقه، مما يجدها المتتبّع ممّا لا يكمن تحصيل الشهرة بأقسامها فيها.

28

ثالثاً: إنّه من البيّن وجود التعارض الروائي في أكثر الأبواب الفقهية، و علاج ذلك بالترجيح فيها بصفات الراوي لا يمكن إلّا بعد معرفة علم الرجال كما لا يخفى، بل إنّ الترجيح في جهة الصدور أو المضمون يعتمد كثيراً ما على علم الرجال أيضاً، و لا يكفي فيه الفقه المقارن و الرجوع إلى الكتب الفقهية من أبناء العامّة، حيث إنّ تحديد الجوّ العلمي و الرأي السائد للوسط العلمي للمخالفين حين صدور الرواية لا يتحدّد بالدقّة إلّا بعد التعرّف على حياة الرواة العلمية، و كذا التعرّف على مذاهب الفرق الشيعية الاخرى كالفطحيّة و الواقفيّة و الناووسيّة، أو معرفة مدى تأثّر الراوي أو انتمائه لهم، كلّ ذلك لا يتمّ إلّا بعد مراجعة علم الرجال، كما إنّ تحديد درجات أجوبتهم (عليهم السلام) بلحاظ إختلاف مستويات الرواة تقبّلًا أو اهتماماً أو تضلّعاً، بل قد قال عدّة من المحقّقين إنّ معرفة نوع درجة المخاطب مؤثّرة في دلالة و ظهور الجواب. و من ذلك يتبيّن أنّ لعلم الرجال فائدة غير هيّنة في باب الدلالة وجهة الصدور، و إن لم يُنبِّه على ذلك مَن تعرّض لبيان ضرورة علم الرجال، و لا سيما في باب روايات المعارف الاعتقاديّة.

رابعاً: إنّه قد تقدّم في معرفة الخبر المتواتر و المستفيض انّه لا يكفي فيه مجرّد الإلمام و الإحاطة بالمصادر الروائية، بل لا بدّ أن ينضمّ إليه الاطّلاع على أحوال الرجال، ليتمّ التحديد الدقيق لدرجات الضعف و الوثاقة في الطرق و مفردات الأسانيد و لتمييز الطرق بعضها عن البعض الآخر.

و بكلمة موجزة إنّ علم الرجال حافظ و صائن للتراث الروائي و السنّة عن الضياع و التلاعب و الحذف، و هذه الفائدة من أعظم فوائد علم الرجال و إن لم يصرّح بها في التعاريف المذكورة لعلم الرجال.

29

فمن باب المثال إنّ انتساب الكتب الروائية و نُسخها إلى أصحابها المتقدّمين، و هو ما يُعنون بمعرفة أحوال الكتب، كالذي قام به المحقّقان الجليلان الميرزا النوري في خاتمة المستدرك و الآغا بزرگ في الذريعة و غيرهم، إنّما يتحرّر و يتنقح بالاضطلاع في أحوال الرجال و كتب الفهارس.

الجواب على دعوى قطعيّة أو صحّة جميع ما في الكتب الأربعة

و أمّا الدعوى الاخرى من قطعية أو صحّة صدور جميع ما في الكتب الأربعة و التي ذهب إليها أصحابنا الأخباريّون، فمضافاً إلى ما ذكرناه على ردّ الدعوى المتقدّمة فإنّه يرد عليها:

أوّلًا: إنّ كثيراً من المسائل الفقهية قد اعتمد فيها على نصوص من غير الكتب الأربعة كقرب الاسناد و كتاب علي بن جعفر و تفسير القمي و غيرها من المصادر الروائية المعروفة، و عليه فلا يستغنى عن علم الرجال بهذه الدعوى.

ثانياً: إنّ كثيراً من الموارد الطرق في الكتب الأربعة ناقش فيها المحمّدون الثلاثة (قدس سرهم) أنفسهم، حيث ضعّفوا العديد من الطرق، فترى الصدوق مثلًا يضعّف روايات سماعة لأنّه واقفي (1)، و قوّاه في موضع آخر يصف رواية عبد العظيم الحسني التي تفرّد بها بالغرابة (2)، بل قد يُرى منهم طرح بعض الروايات ممّا هي صحيحة السند، كما صنع الشيخ الطوسي في التهذيب (3) في روايات عدم نقصان شهر رمضان عن ثلاثين يوماً، حيث قد ذكر رواية صحيحة السند استخرجها من‌

____________

(1) الفقيه 2/ 128 و 121.

(2) الفقيه 2/ 128.

(3) التهذيب 4/ 169.

30

كتاب محمّد بن أبي عمير عن حذيفة بن منصور، حيث قال: «و هذا الخبر لا يصحّ العمل به من وجوه: أحدها إنّ متن هذا الحديث لا يوجد في شي‌ء من الأصول المصنّفة و إنّما هو موجود في الشواذّ من الأخبار، و منها أنّ كتاب حذيفة بن منصور (رحمه الله) عريّ منه، و الكتاب معروف مشهور، و لو كان هذا الحديث صحيحاً عنه لضمّنه كتابه» (1) انتهى.

فترى الشيخ يضعّف سند الحديث بقرينة خلوّ كتاب حذيفة مع أنّ السند من الصحيح الأعلائي، و مع أنّ الصدوق التزم بمضمون هذه الرواية و نظائرها من عدم نقصان شهر رمضان في ثلاثين يوماً، و ادّعى فيه أنّه من مسلّمات المذهب، و قال:

بأنّ الذي لا يلتزم به نتكلّم معه بالتقيّة لأنّ ذلك شي‌ء ثابت.

و ترى الصدوق (رحمه الله) في باب (الوصي يمنع ماله الوارث بعد البلوغ) يروي رواية عن الكليني (رحمه الله) ثمّ يعقّبها بقوله: «قال مصنّف هذا الكتاب (رحمه الله) ما وجدت هذا الحديث إلّا في كتاب محمّد بن يعقوب و ما رويته إلّا من طريقه، حدّثني به غير واحد منهم محمّد بن محمّد بن عصام الكليني رضى الله عنه عن محمّد بن يعقوب» (2)، فترى الصدوق (رحمه الله) مع كون الحديث مشتملًا على الإرسال و مع عدم تعلّقه بحكم فقهي، بل هو متعرّض إلى إثم الوصي في ما لو زنى الوارث، ينبّه على تفرّد الكليني بهذا الحديث، أي يريد أن يبيّن عدم اعتقاده بقطعيّة صدوره، فهو لا يعتقد بقطعية أو صحّة كلّ ما في كتاب الكليني، كما أنّه يستفاد من ذلك إنّه ليس كلّ ما يودعه الصدوق (رحمه الله) في كتاب الفقيه يبني على قطعية أو صحّة صدوره.

و من أمثال هذين الموردين يجد المتتبّع الكثير من الموارد في التهذيبين‌

____________

(1) التهذيب 4/ 169.

(2) الفقيه 4/ 224.

31

و الفقيه، و هكذا ترى الكليني (رحمه الله) في باب الطلاق للعدّة يروي رواية مسندة عن عبد اللّه بن بكير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) إلّا أنّه يطرحها معلّلًا ذلك بأنّ مضمون هذه الرواية هو رأي ابن بكير و هو رأي الفطحيّة من جماعته لا روايته عنه (عليه السلام) مع أنّ ابن بكير من أصحاب الإجماع الذين أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنهم.

و كذا قال في الفقيه (1): «و في كتاب محمّد بن يعقوب الكليني (2) عن أحمد بن محمّد، قال: و لست أفتي بهذا الحديث، بل بما عندي بخطّ الحسن بن علي (عليه السلام)- العسكري- و لو صحّ الخبران جميعاً لكان الواجب الأخذ بقول الأخير كما أمر به الصادق (عليه السلام)».

و قال الشيخ في التهذيب بعد ذكر الخبرين- خبر الكليني و الصدوق المتقدّمين- قال: «و انّما عمل على الخبر الأوّل ظناً منه إنّهما متنافيين و ليس الأمر على ما ظنّ» (3).

و قال في الفقيه في (كفارة من جامع في شهر رمضان) قال: «لم أجد ذلك في شي‌ء من الأصول و إنّما انفرد بروايته علي بن ابراهيم»، و يشير إلى رواية الكليني عنه (4).

و قال في التهذيب في روايات الكرّ بعد ما روى مرسل ابن أبي عمير قال:

«فأوّل ما فيه أنّه مرسل غير مسند» (5).

____________

(1). الفقيه 4/ 151، 523.

(2) الكافي 7/ 46- 47.

(3) التهذيب 9/ 185- 186.

(4) الفقيه 2/ 73، الحديث 3013. الكافي 4/ 103.

(5) التهذيب 1/ 41، 43.

32

و هكذا ترى في العديد من الموارد أنّ الصدوق (رحمه الله) يضعّف روايات قد اعتمدها الشيخ في التهذيب و الكليني في الكافي مسندة، حتّى إنّه قال في الفقيه: «كلّما لم يحكم ابن الوليد بصحّته فهو عندنا غير صحيح» (1).

و هكذا ترى العكس حيث إنّ الشيخ يضعّف سند روايات قد اعتمدها الصدوق في الفقيه أو الكليني في الكافي.

و قد روى الكليني (رحمه الله) في باب (شهادة الصبيان) عن أبي ايوب، قال: سمعت إسماعيل بن جعفر (عليه السلام)...، حيث إنّ الرواية ليست قول المعصوم (عليه السلام).

و كذا الحال ما في الفقيه في (ارث الزوجة) ما رواه عن محمّد بن أبي عمير عن ابن اذينة (2)، فهي مقطوعة و غير مسندة.

و هكذا معالجة الكليني لباب التعارض بالترجيح السندي دليل على عدم حجّية كلّ ما في الروايات (3)، و هكذا في عبارة الصدوق في ديباجة الفقيه حيث قال:

«و لم أقصد فيه قصد المصنّفين في إيراد جميع ما رووا...»، فمؤدّى هذه أنّ الصدوق (رحمه الله) لم يكن يرى أنّ كلّ ما في كتاب الكافي حجّة في ما بينه و بين اللّه، و إلّا لاستغنى به عن كتابة الفقيه، مضافاً إلى أنّ عبارته عند قوله: «و لم أقصد قصد المصنّفين في ما رووا» يدلّ على أنّ ما صُنّف قبله و منه الكافي لم يكن مختصّاً بالروايات الصحيحة، بل هو حاوي للروايات الصحيحة و غيرها.

و هذا الرأي من الصدوق في قبال رأي الميرزا النوري صاحب المستدرك حيث‌

____________

(1) الفقيه 2/ 55، الحديث 241، في ذيل حديث صلاة الغدير.

(2) الفقيه 4/ 252.

(3) راجع ذلك في ديباجة الكافي.

33

إنّه يذهب إلى الاعتماد على كلّ طرق الكافي، لكون تأليفه في زمن الغيبة الصغرى مع وجود النوّاب الأربعة في بغداد و التي أقام فيها الكليني عند تأليفه للكتاب، و أنّه قد قيل فيه: إنّ الكافي كافٍ لشيعتنا.

و يدلّ كلام الصدوق أيضاً لا سيّما مع الالتفات إلى ما ذكرناه في ما نقله في باب الوصية على أنّ الكليني (رحمه الله) أيضاً لم يكن مبناه على أنّ كلّ ما يورده في الكافي أنّه يفتي به؛ لأنه قد صرّح إلى أنّ المصنّفين من قبله كان ديدنهم على عدم الاقتصار على خصوص الروايات الصحيحة عندهم، و إن نقّوا كتبهم عن الروايات المدسوسة و المدلّسة (1).

و أيضاً عبارة الشيخ في التهذيب عند قوله: «و الآن فحيث وفّق اللّٰه تعالى للفراغ من هذا الكتاب نحن نذكر الطرق التي نتوصّل بها إلى رواية هذه الأصول و المصنّفات و نذكرها لتخريج الأخبار بذلك عن حدّ المراسيل و تلحق بباب المسندات» (2).

فهذه العبارة صريحة في أنّه لا يرى قطعيّة صدور كلّ ما في التهذيبين و انّه ليس وراء صورة سلسلة السند معيار للتصحيح، كالذي ادّعاه أصحابنا الاخباريّون، ليجعل المدار في الصحّة على السند المذكور.

و قريب من ذلك كلام الصدوق في مشيخة الفقيه.

و هكذا عبارة الصدوق في ديباجة الفقيه إنّه قد وضع كتاب فهرس لجميع طرقه‌

____________

(1) سيأتي بيان الفرق بين الضعيف بالمعنى الأخص و بين المدلّس، و الموضوع و المدسوس، كما سيأتي تفسير أن الصحيح في اصطلاح القدماء يقع على معنيين: أحدهما: ما يقابل المدسوس و الموضوع و المجعول، و الآخر: ما يساوي الحجّة المعتبرة و يقابل الضعيف.

(2) التهذيب في ديباجة المشيخة.

34

الى الكتب، فانّه دالّ على أنّ المدار في التصحيح عليها لا على شي‌ء آخر وراءها.

هذا مضافاً إلى كثير من عبارات الفقيه و الطوسي في تضاعيف الأبواب الدالّة على تضعيف بعض الروايات مثلًا:

1. عبارة الشيخ الطوسي في التهذيب حيث روى رواية عن الكليني بسنده عن أبي سعيد الخدري قال: «أمر رسول اللّٰه (صلى الله عليه و آله) بلالًا ينادي كذا...» (1) ثمّ يعقّبها بقوله: «قال محمّد بن الحسن: فما تضمن هذا الحديث من تحريم لحم الحمار الأهلي موافق للعامّة و الرجال الذين رووا هذا الحديث اكثرهم عامّة و ما يختصّون بنقله لا يلتفت إليه» (2)، مع أنّ الرواية موجودة في الكافي أيضاً (3).

2. و في الاستبصار يروي الرواية عن الكليني بسنده عن عمران الزعفراني في باب الأخبار التي تتعلّق بالعدد في شهر رمضان فيعبّر الشيخ: «إنّ الروايتين خبر واحد لا يوجبان علماً و لا عملًا و راويهما عمران الزعفراني و هو مجهول و في أسناد الحديثين قوم ضعفاء لا نعمل بما يختصّون بروايته» (4)، مع أنّ الرواية موجودة في الكافي (5)، بالإضافة إلى أنّ الصدوق أيضاً من القائلين- بتصلّب- بتمام العدد في شهر رمضان.

3. و في التهذيب في بحث الظهار روى رواية يرويها عن القاسم بن محمّد‌

____________

(1) التهذيب 9/ 40، الحديث 170. كتاب الصيد و الذبائح، باب 1، باب الصيد و الذكاة.

(2) المصدر المتقدّم 9/ 41.

(3) الكافي 6/ 243، كتاب الأطعمة، باب جامع في الدواب التي لا تؤكل لحمها، الحديث 1.

(4) الاستبصار 2/ 76، كتاب الصيام، الباب 36، باب ذكر جمل من الأخبار يتعلّق بها أصحاب العدد، الحديث 2.

(5) الكافي 4/ 81، كتاب الصيام، باب 8 بدون عنوان، الحديث 4.

35

الزيّات، قال: قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): إنّي ظاهرت من امرأتي... الخ، عن طريق محمّد بن يعقوب (1)، و مع ذلك يلاحظ أنّ الشيخ يعرض عن هذه الرواية و نظيراتها (2) التي رواها الصدوق (3) و يعمل على مقتضى القاعدة.

ثالثاً: إنّ نفس أصحاب الكتب الأربعة قد ذكروا في ديباجة كتبهم أنّهم ذكروا سلسلة السند كي تخرج روايات الكتاب عن حدّ الإرسال و هذا ممّا يدلّل على أنّ منشأ اعتبار روايات الكتب إنّما هو صورة السند المذكور و لو كان هناك قرائن أخرى على اعتبار السند لأوردوها لأنّ بغيتهم من إيراد السند هو اعتبار الرواية سنداً.

و دعوى أنّ إيرادهم لسلسلة الأسانيد و المشيخة هي للتزيين، واهية جداً و منافية لما صرّحوا به في ديباجة كتبهم و لما يصرّحون به في تضاعيف الأبواب من طرح عدّة من الروايات لإرسالها مثلًا، أو كون الراوي ذا مذهب فاسد و نحو ذلك.

نعم هناك دعوى أخرى لاعتبار طرق أصحاب الكتب الأربعة إلى كتب و أصول المشيخة لا لتمام سلسلة السند، و سيأتي التعرّض لها و بيان تماميّتها و مغايرتها لدعوى الأخباريين.

رابعاً: إنّ هناك دعوى وجود العلم الإجمالي بوقوع التدليس في الطرق و قد تعرّض لها الشيخ الأنصاري (رحمه الله) في رسائله في مبحث حجّية خبر الواحد قبل دليل‌

____________

(1). التهذيب 8/ 13، كتاب الطلاق، باب 2 في حكم الظهار، الحديث 17. و في الكافي 6/ 158، الحديث 24.

(2). التهذيب 8/ 14، كتاب الطلاق، باب 2 في حكم الظهار، ذيل الحديث 19.

(3) الفقيه 3/ 344، كتاب الطلاق، باب 171، باب الظهار، الحديث 13.

36

الانسداد، و جمع فيها عدّة شواهد و قرائن من كتاب الكشّي و النجاشي و فهرست الشيخ الطوسي على وقوع مثل هذا التدليس، نظير ما هو موجود في الكشّي بأسانيد بعضها معتبر كما في قوله (عليه السلام):

«قد كان المغيرة بن سعيد يكذب على أبي» و «دسّ في كتب أصحاب أبي أحاديث لم يحدّث بها أبي» (1).

و نظير ما يرويه عن يونس بن عبد الرحمن أنّه قد روى عن جمّ غفير من أصحاب أبي عبد اللّه (عليه السلام) ثمّ عرضها على أبي الحسن الرضا (عليه السلام) فحكم الإمام (عليه السلام) على العديد منها إنّها ممّا كُذب على أبي عبد اللّه (عليه السلام) (2) إلى غير ذلك ممّا تسالم الرجاليّون على بعض الرواة أنّهم من الوضّاعين ممّن قد وقعوا في أسانيد الروايات، و غير ذلك من القرائن فراجع.

و هذا العلم الإجمالي قد أشار الشيخ إلى أنّه قد أوجب صيرورة بعض المحقّقين إلى التمسّك بذيل دليل الانسداد في حجّية الخبر لعدم جدوى الدليل الخاصّ على حجّية خبر الثقة بعد فرض وجود العلم الإجمالي المزبور، لعدم إمكان إحراز الصغرى، فيتعيّن حينئذ قيام دليل الانسداد.

و قد ذهب إلى ذلك في الجملة بعض السادة من مشايخنا المحقّقين.

و بالجملة: فدعوى العلم الإجمالي المزبور و عدم انحلاله و بقائه و إن كانت غير سديدة عندنا كما سنبيّن ذلك، إلّا أنّها بشواهدها المتقدّمة صالحة لمقابلة‌

____________

(1) راجع: رجال الكشّي (اختيار معرفة الرجال) في المغيرة بن سعيد: 296- 301، الحديث 399- 408.

(2) رجال الكشّي/ 297، الحديث 401، في المغيرة بن سعيد.

37

ما يذكر من شواهد لدعوى الأخباريين من صحّة كلّ ما في الكتب الروائية، فإنّ شواهد الدعوى الاخرى و ان كانت تامّة في نفسها إلّا أنّها لا تثبت الدعوى المتقدّمة، بل هي موجبة لانحلال شواهد الدعوى الأولى بوجود العلم الإجمالي بوقوع التدليس.

و عليه فتسقط كلتا الدعويين و يكون المدار على صحّة السند حينئذ، و ليس ذلك من باب التساقط عند الشك و التعارض، بل لتولّد العلم التفصيلي اللاحق بانحلال العلم الإجمالي المزبور، أي العلم بوقوع الغربلة و التصفية و المقابلة و التثبّت و التشدّد لكلّ روايات الأصول الأربعمائة و كتب المجاميع بعدها بعرضها أمّا على الأئمّة (عليهم السلام) أو على ما استفاض من رواياتهم (عليهم السلام) بحيث طُرح كلّ ما علم بتدليسه أو وقع ضمن دائرة العلم بحسب الموارد و الأبواب.

و أمّا الشواهد على تولّد العلم التفصيلي فملخّصها هو ما وقع من تشدد القميين إلى الغاية، بل قد أفرطوا في ذلك في صيانة النقل، حيث كانوا يخرجون من (قم) كلّ من يروي عن الضعفاء و المجاهيل، و إن لم يُعلم أنّ تلك الرواية مدلّسة أو مدسوسة، فهذا البرقي الجليل قد أخرجوه و غيره من عشرات الرواة الأجلّاء، و كذا ما استثنوه من كتاب نوادر محمّد بن أحمد بن يحيى الأشعري، الموسوم كتابه (بدبّة شبيب)، و غيرها من الكتب التي استثنوا كثيراً من رواياتها تصلّباً منهم في تنقية الحديث، و كم من راوٍ ضعّفوه و هجروا روايته لمجرّد دعواهم الغلوّ في حقّه مع أنّ مبناهم في حدّ الغلوّ- ضابطته- إفراط من القول، كما ذكر ذلك عامّة متأخّري هذه الأعصار، و هذا التشدّد في الوقت الذي أوجب عمليّة تصفية و تنقية في الحوزات الروائية الحديثية، و أوجب ظاهرة المداقّة المتناهية في غربلة طرق الحديث، إلّا أنّه في الوقت نفسه أوجب ضياع جزء من التراث الروائي.

38

و من الشواهد أيضاً ما وقع من كبار الرواة من مقابلة الأحاديث التي جمعوها بعرضها على الأئمّة (عليهم السلام) المتأخّرين، كما وقع ذلك ليونس بن عبد الرحمن بطريق معتبر في الكشّي (1)، و كتاب عبيد اللّٰه بن علي الحلبي المعروض على الصادق (عليه السلام) (2)، و ككتابي: يونس بن عبد الرحمن و الفضل بن شاذان المعروضين على الإمام العسكري (عليه السلام)، و كما وقع ذلك في عدّة من الكتب التي عرضت على الإمام الجواد (عليه السلام) و التي ترحّم الإمام على مؤلّفيها، ككتاب يوم و ليلة (3)، و كما وقع ذلك أيضاً من النائب الثالث الحسين بن روح من عرض كتابه الذي جمع فيه مروياته عن شيوخ الرواة على فقهاء و محدّثي (قم) ليقابلوها مع المستفيض من رواياتهم كما ذكر ذلك الشيخ في كتاب الغيبة في ترجمته (4).

و بالجملة: فإنّ عمليّة مقابلة الكتب أدمنها الرواة منذ عهد الصادق (عليه السلام)، و مرحلة تدوين الأصول الأربعمائة مروراً بمرحلة تدوين المجاميع في عهد الرضا (عليه السلام)، كمشيخة الحسن بن محبوب و كتب الحسين بن سعيد الأهوازي و صفوان بن يحيى و ابن أبي عمير و غيرهم، إلى مرحلة تدوين الكتب في عهد العسكريين (عليهما السلام) و الغيبة الصغرى ككتاب قرب الاسناد لعبد اللّٰه بن جعفر الحميري، و كتاب المحاسن لأحمد بن محمّد البرقي و غيرهما، و انتهاءً بمرحلة أصحاب الكتب الأربعة في كتبهم الأربعة و غيرها.

حيث إنّ مرحلة الأصول كانت قائمة على التلقّي المباشر عن الإمام (عليه السلام)،

____________

(1) رجال الكشّي 297/ الحديث 401، في المغيرة بن سعيد.

(2) رجال النجاشي 231/ الرقم 612، عبيد اللّٰه بن عليّ بن أبي شعبة.

(3) وسائل الشيعة: كتاب القضاء، الباب 8 من أبواب صفات القاضي، الحديث 74.

(4) الغيبة/ 390.

39

و مرحلة المجاميع و كتب المشيخة كانت عبارة عن جمع ما في الاصول مع تشذيبها و تهذيبها و عرضها و مقابلتها على الأئمّة المتأخّرين (عليهم السلام)، و مرحلة الكتب كانت عبارة عن جمع الأصول اللاحقة المتولّدة من الأئمّة المتأخّرين (عليهم السلام) مع تبويب الروايات، و أمّا مرحلة أصحاب الكتب الأربعة فكانت عبارة عن استقصاء كلّ الروايات و الطرق مع المبالغة في التبويب و الفهرسة و التنقية، فنرى الكليني (رحمه الله) يذكر أن الداعي إلى تأليف كتاب الكافي هو: «أمّا بعد فقد فهمت يا أخي ما شكوت من اصطلاح أهل دهرنا على الجهالة و توازرهم و سعيهم في عمارة طرقها و مباينتهم للعلم...».

و نرى الصدوق في الفقيه في مقام بيان منهجه في كتابه يقول: «بل قصدت إلى إيراد ما أفتي به و أحكم بصحّته و أعتقد فيه أنّه حجّة في ما بيني و بين ربّي- تقدّس ذكره و تعالت قدرته- و جميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة، عليها المعوّل و إليها المرجع- ثمّ ذكر أسماء الكتب- و قال: و غيرها من الاصول و المصنّفات التي طرقي إليها معروفة في فهرس الكتب التي رويتها عن مشايخي و أسلافي- رضي اللّٰه عنهم- و بالغت في ذلك جهدي» (1).

هذا و قد ذكر الآغا بزرك الطهراني (رحمه الله) في كتاب مصفّى المقال في مصنّفي علم الرجال: «انّه كان في مكتبة السيّد ابن طاوس مائة و نيّف من مصنّفات الإمامية من كتب الفهارس و الرجال فقط».

و غير ذلك ممّا ذكره روّاد و مهرة علم الرجال من تواتر القرائن التي لا تُحصى على غربلة الحديث و تنقيته بما لم يعهد ذلك عند أحد من فرق المسلمين، بعد‌

____________

(1) ديباجة الفقيه/ 3- 5.

40

كون الطائفة الإمامية هي أوّل من دوّن الحديث في الصدر الأوّل ككتاب سليم بن قيس و غيره، بينما نرى بقيّة الفرق قد تأخّرت في تدوين الحديث إلى ما بعد منتصف القرن الثاني.

لكن لا يخفى أنّ كلّ ذلك لا يعني إهمال النظر من قبلنا في ملاحظة سلسلة الأسانيد و الطرق، بل هي في قبال دعوى العلم الإجمالي المتقدّم.

خامساً: إنّ ظروف التقيّة الشديدة السائدة في عهد أصحاب الأئمّة (عليهم السلام)، الرواة عنهم، و التي قد تؤدّي ببعضهم إلى ضياع كتبه أو عدم روايتها إلّا لواحد أو اثنين لظروف الخوف من السلطة الأمويّة و العباسيّة كما وقع ذلك لابن أبي عمير في القصّة المعروفة له و تعذيبه في سجن هارون ليقرّ على رواة الشيعة و قيام ابنته بدفن كتبه أو إخفاءها فانمحت عديد من الأسانيد، و لذلك اشتهر ابن أبي عمير بالمراسيل، كما أنّ العديد من الرواة الأجلّاء الكبار أصحاب الكتب ديدنهم على الرواية عن الضعاف في تلك الروايات التي لا يظهر منها الوضع و الدسّ و تكون غير مخالفة للكتاب و السنّة القطعية حتّى إنّ الذي اختصّ من الرواة بالرواية عن خصوص الثقة قد مُيّز بأصحاب الإجماع و بوصف أنّه لا يروي و لا يرسل إلّا عن ثقة، و بأدنى مراجعة إلى تراجم المفردات الرجاليّة يظهر عدم تقيّد العديد من الرواة بالرواية عن خصوص الثقة، و مع هذا فكيف تتمّ دعوى كون كلّ الأسانيد قطعيّة أو صحيحة.

تذييل ذو صلة بردّ الدعويين

لا يخفى أنّ كلّ ما ذكرناه في ردّ الدعويين المتقدّمتين لا يعني الاستهانة و الإنكار للقيمة العلمية لبعض روايات الكتب الأربعة و الكتب الاخرى الروائيّة،

41

لأنّ الروايات الضعيفة ليست بمعنى المدسوسة و المدلّسة و غير الصادرة عنهم (عليهم السلام) و كم هو الفارق بينهما، و إن اشتبه ذلك على كثير من المبتدءين، حيث أنّ المدسوس و المدلّس هو ما يحكم بوضعه و تزويره بقرائن شاهدة على ذلك، بخلاف الرواية الضعيفة أو المجهولة السند أو المرسلة أو المرفوعة أو المقطوعة أو الحسنة أو القويّة، فإنّ المراد من ضعفها عدم واجديّتها في نفسها لشرائط الحجّية، لا أنّها موضوعة فلربّما كانت صادرة و مضمونها حقّ و إن لم نحتجّ بها، كما أنّ للخبر الضعيف حكمين آخرين غير الحجّية يشترك فيهما مع الخبر الصحيح المعتبر:-

أوّلهما: حرمة الردّ الثابتة بروايات متواترة، و موضوعها كلّ رواية لم يُعلم و لم يُقطع بوضعها و لا تناقضها مع ضروريات الكتاب و السنة، و هذه الحرمة المسلّمة بين علماء الإمامية موضوعها كلّ من الخبر الصحيح و الضعيف.

ثانيها: تشكّل و تولّد و تكوّن الخبر المستفيض و المتواتر من كلّ من الخبر الصحيح أو الضعيف، حيث إنّ النسبة الاحتماليّة المتصاعدة بالصدور بالعامل الكمّي و الكيفي في نظرية الاحتمالات الرياضية البرهانية تتصاعد بهذين العاملين إلى أن يصبح مستفيضاً أو متواتراً، لا سيّما بعد ما نبّه عليه الآخوند من تقسيم التواتر و المستفيض إلى المتواتر و المستفيض اللفظي و المعنوي و الإجمالي، و أدناها درجةً هو الإجمالي و هو حاصل في غالب الأبواب.

فمن ثمّ من الخطورة بمكان تضييع التراث الروائي الديني عنهم (عليهم السلام) بالغفلة و الجهالة عن هذين الحكمين (1).

____________

(1) نظير ما ألّف من كتاب (الصحيح من الكافي).

42

و الحال أنّ التواتر و المستفيض على درجة من الأهميّة الكبيرة التي لا تقارن بآحاد الأخبار الصحاح من الحجّة المنفردة، إذ المتواتر و المستفيض مدرك قطعي و من بيّنات الدين الحنيف فكيف يُستهان و يُغفل عن منابع تولّده.

و نظير هذه الغفلة ما يطلقه بعض الأجلّة حول كتاب مستدرك الوسائل، أو غيرها من المجاميع الروائية لمصادر الأدلّة الشرعية أو ما يطلقه بعض المبتدءين حول كتاب بحار الأنوار، فإنّ في هذه المجاميع كثيراً من الطرق الصحيحة و المتعاضدة لحصول الوثوق بالصدور، و من الغريب أيضاً ما يُشاهد عن بعضهم من استعراض العديد من الروايات التي قد تصل أحياناً إلى الثمانية المختلفة في درجات الضعف أو المأخوذة من مصادر معتبرة، حيث يطرحها سنداً مع أنّ الوثوق بالصدور الحاصل منها بسبب العامل الكيفي كأن تكون الطرق مختلفة من حيث المدرسة الروائية حيث إنّ في بعضها سلسلة من الرواة القميين و أخرى البصريين و ثالثة البغداديين و رابعة الكوفيين ممّا يبعّد تواطئهم على أمر واحد، مضافاً إلى العامل الكمّي مع أنّه أكبر درجة في الوثوق من الخبر الصحيح الأعلائي.

إضافة إلى أنّ جلّ و معظم أبواب بحار الأنوار لا يقلّ عدد روايات كلّ باب منه عن حدّ الاستفاضة، هذا فضلًا عن كثرة وجود الصحاح و الموثّق و المعتبر فيه.

و بالجملة: فالالتفات إلى هذه القاعدة من علم الدراية و هي كيفيّة نشوء المستفيض و المتواتر و كيفيّة اجتماع و تظافر القرائن لحصول الوثوق بالصدور في الخبر مع الالتفات إلى الاختلاف في درجات الضعف عاصم عن مثل هذه الورطات العلمية.

فمثلًا: إنّ الإرسال في الخبر المرسل على درجات، إذ قد يكون الإرسال فيه في طبقة واحدة و قد يكون في طبقات عديدة و قد يكون المرسل من كبار الرواة‌

43

(كجميل بن درّاج)، و هكذا الحال في لفظ الإرسال، فنرى الاختلاف فيه كما في التعبير تارة: (عن بعض أصحابنا)، و أخرى: (عمّن ذكره)، و ثالثة: (عن رجاله)، و رابعة: (عن رجل)، فإنّ بينها اختلافاً في درجة احتمال الصدور.

و مثلًا الرجل الضعيف تختلف درجات ضعفه، فتارة هو ممدوح غير مطعون عليه أو له كتاب أو قد روى عنه الأجلّاء أو إنّ له رواياتاً كثيرة أو إنّه شيخ إجازة، و أخرى يكون مهملًا أو مجهولًا أو موصوفاً بالكذب أو طعن عليه بالغلوّ فقط أو طعن عليه بالتخليط و عدم الضبط و عدم التثبّت أي إنّه ثقة في نفسه إلّا أنّ ضعفه من جهة أخرى، فإنّ كلّ ذلك تختلف معه درجات احتمال الصدور، أي إنّ منشأ الضعف تارة يرجع إلى صدق اللهجة من حيث العمد و أخرى من جهة عدم الاشتباه و الضبط، كما ذكروا ذلك في أنّ حجّية الخبر من حيث الصدور يجب أن يؤمّن اعتبار الصدور من جنبتين: عدم العمد إلى الكذب و عدم الاشتباه. أو كما أنّه يمكن أن يكون في سلسلة السند عدّة مجاهيل أو مجهول واحد فقط، كما أنّ الرواية الضعيفة قد تكون منفردة بمضمونها في الباب و قد تكون متعاضدة في أبعاض مضامينها بروايات أخرى معتبرة.

إلى غير ذلك ممّا يتنوّع و يختلف درجات الضعف في الرواية ممّا تكون مقاربة و مشارفة للاعتبار أو تكون بعيدة عنه؛ فإنّ مثل هذه التقسيمات الروائيّة و الدرائية للحديث مع الالتفات إلى صغرياتها في الأبواب أمر بالغ الأهميّة في تحديد العامل الكمّي و الكيفي للوثوق بالصدور أو الاستفاضة و التواتر.

44

دعوى الثالثة عدم صحه المناقشة في أسانيد الكافى

و هي دعوى الميرزا النوري و تابعه عليها الميرزا النائيني 0، حيث قال في خاتمة المستدرك في الفائدة الرابعة (1):

«و كتاب الكافي..... امتاز عنها- الكتب الأربعة- بأمور إذا تامّل فيها المنصف يستغني عن ملاحظة حال آحاد رجال سند الأحاديث المودعة فيه و تورثه الوثوق و يحصل له الاطمئنان بصدورها و ثبوتها و صحّتها بالمعنى المعروف عند الأقدمين- مطلق المعتبر-:

الأوّل: ما ذكر في مقام مدحه تصريحاً أو تلويحاً، ثمّ ذكر عبارات المفيد و المحقّق الكركي و والد الشيخ البهائي و المجلسي و الأسترابادي و الشيخ حسن الدمستاني.

الثاني: ما ذكره عن السيّد ابن طاوس في كشف المحجّة (2) من كون الكليني في حياة النواب الأربعة أي في الغيبة الصغرى و كان مقيماً في بغداد في النصف الثاني من عمره «فتصانيف هذا الشيخ- محمّد بن يعقوب- و رواياته في زمن الوكلاء المذكورين في وقت يجد طريقاً إلى تحقيق منقولاته و تصديق مصنّفاته».

ثمّ ذكر الميرزا النوري إنّه من المطمئنّ به عرض الكتاب على أحدهم و إمضائه حيث كان وجهاً و عيناً و مرجعاً للطائفة؛ مع اعترافه بأنّ الخبر الشائع من عرض الكتاب على الحجّة (عليه السلام) و قوله: «إنّ هذا كافٍ لشيعتنا» لا أصل له و لا أثر، و صرّح المحدّث الأسترابادي بعدمه، مع أنّ الأخير يبني على كون أحاديث كتاب الكافي‌

____________

(1) خاتمة المستدرك 3/ 463، طبعة مؤسسة آل البيت (عليهم السلام).

(2) كشف المحجّة/ 159.

45

قطعيّة كما هو الحال في مكاتيب الحميري للناحية المقدّسة عبر النوّاب الأربعة.

و كما في عرض كتاب الشلمغاني- ابن أبي عزاقر- على النائب الثالث (1).

الثالث: قول النجاشي في حقّه (رحمه الله): «إنّه أوثق الناس في الحديث و أثبتهم، صنّف الكتاب المعروف بالكليني يسمّى الكافي في عشرين سنة» (2) ثمّ ذكر أنّ هذا التوثيق يفوق توثيق العديد من كبار الرواة و أصحاب الكتب، فلا يتمّ إطلاق تلك العبارة إلّا باعتبار سند أحاديث كتبه. ثمّ ذكر عبارة الشيخ المفيد بأنّه أجلّ كتب الشيعة و أكثرها فائدة.

الرابع: شهادته (قدس سره) بصحّة أخباره في خطبة الكتاب، ثمّ ذكر أنّ المراد عن صحّة الحديث عند القدماء هي ليست الصحّة عند المتأخّرين، بل المراد منها الخبر المعتبر بكافّة أقسامه، كما ذكر ذلك الشيخ بهاء الدين في كتاب مشرق الشمسين.

ثمّ استعرض النوري عدّة من الشبهات في قبال دعواه و أجاب عنها (3).

الجواب على هذه الدعوى

أمّا الأمر الأوّل الذي عنونه فإنّه هناك فرق بيّن، بين وثاقة الكتاب و وثاقة مشايخ صاحب الكتاب و الكتب الذي اعتمد عليها الكتاب كمأخذ و منبع له، و بين اعتبار كلّ الطرق الموجودة فيه إلى المعصوم (عليه السلام).

و بعبارة أخرى: إنّ هناك فرقاً واضحاً بين اعتبار الكتاب في مقابل الدسّ‌

____________

(1) الغيبة/ الشيخ الطوسي/ 251.

(2) رجال النجاشي 377/ 1026.

(3) خاتمة المستدرك 3/ 485- 505.

46

و الوضع و بين اعتبار طرق الكتاب في مقابل ضعف تلك الطرق، و كم وقع الخلط بينهما، نظير ما سيأتي في عبارة كامل الزيارات و عبارة علي بن إبراهيم القمي في تفسيره، و نظير تعبير الكليني نفسه في ديباجته و كذا الفقيه و التهذيب في ديباجتهما، إذ ديدن أصحاب الكتب الأجلّاء في تدوينهم لها هو اعتماد المصادر و الأصول التي ليس فيها شبهة الوضع و الدسّ، بل موثّق انتسابها لأصحابها، و السبب في هذه الظاهرة العلمية لديهم، هو أنّ تلك الفترة كانت فترة تشدّد في تصفية الحديث و تنقيته عن الكتب المخلّطة و الأحاديث الموضوعة و المدسوسة، كما هو معروف من المدرسة القمّية بإسقاطها اعتبار أيّ محدّث يروي عن غير المأمونين من الدسّ و الوضع، مهما بلغ مقامه العلمي و جلالته، و هذه الحالة نشأت تحفّظاً عن التسيّب في نقل الحديث و اندساس الكذّابة و الوضّاعة في طرق الحديث، إلى غير ذلك من قرائن و شرائط تجنّب المدسوس و الموضوع، و هذا الباب غير باب اعتبار الطريق مقابل ضعفه.

كما قد نبّهنا إلى التفرقة بين الضعيف بأقسامه و بين المدسوس و الموضوع و المجعول فكذلك فرق بين الخبر الصحيح- أي المعتبر بأقسامه- مع الضعيف بأقسامه، فبين الأقسام الثلاثة تعدّد، فتارة تقام الشواهد على نفي القسم الثالث و أخرى تقام الشواهد على نفي القسم الثاني، نظير ما ذكرناه في الجواب الرابع عن دعوى أصحابنا الأخباريّين من وجود العلم التفصيلي بقرائن و شواهد عديدة على تمحيص و غربلة الأخبار؛ فإنّ مؤدّى هذا العلم هو نفي القسم الثالث لا نفي القسم الثاني، و من ثمّ اقتصرنا في مؤدّاه على حلّ دعوى العلم الإجمالي بوجود القسم الثالث.

و الحاصل: إنّ لدى المحدّثين و الرجاليّين نمطين من الاعتبار و الصحّة‌

47

لا يخفيان على مثل المحدّث الميرزا النوري.

و أمّا الجواب على الأمر الثاني، فقد نقل الميرزا النوري نفسه عن العلّامة المجلسي في مرآة العقول ما لفظه: «و أمّا جزم بعض المجازفين بكون جميع الكافي معروضاً على القائم (عجّل اللّٰه فرجه) لكونه في بلد السفراء، فلا يخفى ما فيه، نعم عدم انكار القائم (عجّل اللّٰه فرجه) و آبائه في أمثاله في تأليفاتهم و رواياتهم ممّا يورث الظن المتاخم للعلم بكونهم (عليهم السلام) راضيين بفعلهم و مجوّزين للعمل بأخبارهم» (1).

و وجه ضعف هذا الأمر الثاني هو أنّه كان نصب النوّاب الأربعة من الناحية المقدّسة في الأمور التنفيذيّة من قبض مال الصاحب (عجّل اللّٰه فرجه) و رفع الأسئلة في وقائع الحوادث المستجدّة و ارتباط الطائفة بالأصل و نحو ذلك، و لم يكن ديدنهم عرض ما يرويه الرواة عن آبائه (عليهم السلام) عليه (عجّل اللّٰه فرجه) حتّى إنّ في كثير من الأسئلة الموجّهة للناحية المقدّسة يجيبهم (عجّل اللّٰه فرجه) بالرجوع إلى كتب الروايات عن آبائه تعليماً للطائفة على هذا النهج، حتّى في مثل مكاتبات الحميري التي استشهد بها المحدّث النوري فإنّ في كثير منها يرجعه إلى موازين معالجة تعارض الروايات المرويّة عن آبائه (عليهم السلام) تعليماً للطائفة بالرجوع إلى روايات الرواة عن الأئمّة الماضين (عليهم السلام) بأعمال موازين الحجّية و عدم التوقّف و الحيرة، بل إنّ ذلك كان ديدن النوّاب الأربعة أنفسهم، حيث يذكر الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة (2) إنّ النائب الثالث الحسين بن روح قد ألّف كتاباً جمع فيه روايات عن‌

____________

(1) مرآة العقول 1/ 22.

(2) الغيبة/ 390، طبعة مؤسسة المعارف.

قال: «أنفذ الشيخ الحسين بن روح رضى الله عنه كتاب التأديب إلى (قم) و كتب إلى جماعة ل لا الفقهاء بها، و قال لهم: انظروا في هذا الكتاب و انظروا فيه شيئاً يخالفكم، فكتبوا إليه: انّه كلّه صحيح، و ما فيه شي‌ء يخالف إلّا قوله في الصاع: في الفطرة نصف صاع من طعام، و الطعام عندنا مثل الشعير من كلّ واحد صاع».

48

الرواة عن الأئمّة الماضين (عليهم السلام) ثمّ عرض ذلك الكتاب على محدّثي و فقهاء قم و منهم علي بن بابويه فصحّحوا له روايات كتابه عدا ما رواه في القدر الواجب في زكاة الفطرة، فإنّه خلاف مسلّمات المذهب.

و كذا ما ذكره الشيخ (1) عن النائب الأوّل و الثاني من تأليفهما لكتاب جمعا فيه ما روياه عن الإمامين العسكريين (عليهما السلام)، و ما روياه عن الرواة عن الأئمّة الماضين، و ورثته بنتهما العالمة الجليلة و قد تلقّت الطائفة هذا الكتاب كبقيّة الكتب الروائية من النظر إلى أسانيده و غير ذلك؛ فإذا كان الحال في النوّاب الأربعة ذلك فكيف بغيرهم!

و الحاصل: انّه كان ديدن الناحية المقدّسة (عجّل اللّٰه فرجه) بل و كان ديدن الأئمّة الماضين (عليهم السلام) ذلك، إذ هي الطريقة المألوفة، فهل يتوهّم أنّ ما ألّف من كتب روائيّة في عهد الصادقين أو الكاظمين و الرضا و العسكريين (عليهم السلام) إنّه قد عُرضت جميع تلك الكتب عليهم و صحّحت جميع طرقها، مع أنّ عهدهم كان عهد الحضور و التقيّة فيه، دون التقيّة في زمن الغيبة الصغرى.

و أمّا الجواب عن الأمر الثالث، فإنّ أوثقيّة الكليني و أثبتيّته حتّى سُمّي بثقة الإسلام لا تعني إلّا الإعتبار لنفي الدسّ و الوضع عن كتابه و عن المنابع و المآخذ التي استند إليها، لا إنّها تعني توفّر الكليني (رحمه الله) على ما يرفع الإرسال أو القطع أو المجهولية في سلسلة الطرق التي قد تكون في روايات كتابه، إذ قد ذكرنا أنّ ذكر‌

____________

(1). الغيبة/ 363.

49

أصحاب الكتب الأربعة و غيرهم لصورة أسانيد الروايات هي لكون السند ميزان اعتبار الرواية و أنّه ليس ورائه ميزان آخر و إلّا لذكروه لكون غرضهم ذكر ما يوجب اعتبار ما يروونه.

و يكفي- مثلًا- في المقام ما ذكر في أصحاب الإجماع- الطبقات الثلاث- فإنّه حكى كلّ من الكشّي و الشيخ إجماع الطائفة على تصحيح ما يصحّ عنهم و هم أقرب عهد بصدور الروايات و هم مشيخة أصحاب الكتب التي روى عنها الكليني و مع ذلك سيأتي أنّ الإجماع المزبور في حقّهم إنّما هو بمعنى وثاقتهم و تحفظهم عن رواية المدسوس و الموضوع، و أنّ ديدنهم كان على التثبّت و تنقيد صدور الروايات لا بمعنى صحّة الطريق بينهم و بين المعصوم ممّا يتوسط من الرواة الآخرين.

و أمّا الجواب على الأمر الرابع، فيتّضح الجواب عنه بما ذكرناه في الجواب عن الأوّل فتدبّره فإنّه نافع في مقامات كثيرة‌

دعوى رابعة اعتبار طرق المشيخة المشهورين

و مقتضاها التفصيل في اعتبار طرق روايات الكتب الأربعة، و ذلك بالتفصيل في تلك الطرق بين طرق أصحاب الكتب الأربعة إلى الكتب المشهورة- طرقهم إلى كتب المشيخة- و بين طرق أصحاب كتب المشيخة إلى المعصوم و كذا الحال في طرق من أتى بعد أصحاب الكتب الأربعة من القدماء كالراوندي و ابن إدريس و ابن شهرآشوب بالنسبة إلى طرقهم إلى الكتب المشهورة، فيترتّب على هذه الدعوى لو تمّت حصر الحاجة لعلم الرجال و تمحيص السند في قطعة منه من صاحب الكتاب المشهور في ما يرويه بسلسلة معنعنة عن الإمام (عليه السلام) أو في الفوائد الاخرى التي ذكرت آنفاً من حفظ التراث و تحصيل التواتر و المستفيض و غير ذلك.

50

و قد تبنّى هذه الدعوى العلّامة المجلسي (رحمه الله) في كتاب الأربعين (1) في شرح الحديث الخامس و الثلاثين عند كلامه في تحقيق سند الحديث، الذي رواه الكليني الذي وقع فيه محمّد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان عن ابن أبي عمير حيث قال:

«و كُتُب ابن أبي عمير كانت أشهر عند المحدّثين من اصولنا الأربعة (2) عندنا، بل كانت الاصول المعتبرة الأربعمائة عندهم أظهر من الشمس في رابعة النهار، فكما إنّا لا نحتاج إلى سند لهذه الأصول الأربعة و إذا أوردنا سنداً فليس إلّا للتيمّن و التبرّك و الاقتداء بسنّة السلف و ربّما لم ينال [ينل] بذكر سند فيه ضعف أو جهالة لذلك فكذا هؤلاء الأكابر من المؤلّفين، لذلك كانوا يكتفون بذكر سند واحد إلى الكتب المشهورة و إن كان فيه ضعف أو مجهول. و هذا باب واسع شاف نافع إن أتيتَها يظهر لك صحّة كثير من الأخبار التي وصفها القوم بالضعف.

و لنا على ذلك شواهد كثيرة لا يظهر على غيرنا إلّا بممارسة الأخبار و تتبّع سيرة قدماء علمائنا الأخيار و لنذكر هنا بعض تلك الشواهد ينتفع بها من لم يسلك مسلك المتعسّف المعاند.

الأوّل: إنّك ترى الكليني (رحمه الله) يذكر سنداً متّصلًا إلى ابن محبوب أو إلى ابن أبي عمير أو إلى غيره من أصحاب الكتب المشهورة ثمّ يبتدئ بابن محبوب مثلًا و يترك ما تقدّمه من السند و ليس ذلك إلّا لأنّه أخذ الخبر من كتابه فيكتفي بإيراد السند مرّة واحدة فيظنّ من لا دراية له في الحديث أنّ الخبر مرسل.

____________

(1). كتاب الأربعين/ 509- 514.

(2) اي الكتب الأربعة.

51

الثاني: إنّك ترى الكليني و الشيخ و غيرهما يروون خبراً واحداً في موضعين و يذكرون سنداً إلى صاحب الكتاب ثمّ يوردون هذا الخبر بعينه في موضع آخر بسند آخر إلى صاحب الكتاب أو يضمّ سنداً أو أسانيد غيره إليه، وتراهم لهم أسانيد صحاح في خبر يذكرونها في موضع، ثمّ يكتفون بذكر سند ضعيف في موضع آخر و لم يكن ذلك إلّا لعدم اعتنائهم بإيراد تلك الأسانيد لاشتهار هذه الكتب عندهم.

الثالث: إنّك ترى الصدوق (رحمه الله) مع كونه متأخّراً عن الكليني (رحمه الله) أخذ الأخبار في الفقيه عن الأصول المعتمدة و اكتفى بذكر الأسانيد في الفهرست و ذكر لكلّ كتاب أسانيد صحيحة و معتبرة، و لو كان ذكر الخبر مع سنده لاكتفى بسند واحد اختصاراً و لذا صار الفقيه متضمّناً للصحاح أكثر من سائر الكتب.

و العجب ممّن تأخّره كيف لم يقتف أثره لتكثير الفائدة و قلّة حجم الكتاب فظهر أنّهم كانوا يأخذون الأخبار من الكتب و كانت الكتب عندهم معروفة مشهورة متواترة.

الرابع: إنّك ترى الشيخ (رحمه الله) إذا اضطرّ في الجمع بين الأخبار إلى القدح في سند، لا يقدح في من هو قبل صاحب الكتاب من مشايخ الإجازة، بل يقدح إمّا في صاحب الكتاب أو في من بعده من الرواة، كعلي بن حديد و أضرابه، مع أنّه في الرجال ضعّف جماعة ممّن يقعون في أوائل الأسانيد.

الخامس: إنّك ترى جماعة من القدماء و المتوسّطين يصفون خبراً بالصحّة مع اشتماله على جماعة لم يوثّقوا، فغفل المتأخّرون عن ذلك و اعترضوا عليهم كأحمد بن محمّد بن الوليد و أحمد بن محمّد بن يحيى العطّار و الحسين بن الحسن بن أبان و أضرابهم، و ليس ذلك إلّا لما ذكرنا.

52

السادس: إنّ الشيخ ((قدّس اللّٰه روحه)) فعل مثل ما فعل الصدوق، لكن لم يترك الأسانيد طرّاً في كتبه، فاشتبه الأمر على المتأخّرين، لأنّ الشيخ عمل لذلك كتاب الفهرست و ذكر فيه أسماء المحدّثين و الرواة من الإماميّة و كتبهم و طرقه إليهم و ذكر قليلًا من ذلك في مختتم كتابي التهذيب و الاستبصار؛ فإذا أورد رواية ظهر على المتتبّع الممارس أنّه أخذه من شي‌ء من تلك الأصول المعتبرة و كان للشيخ في الفهرست إليه سند صحيح، فالخبر صحيح مع صحّة سند الكتاب إلى الإمام و إن اكتفى الشيخ عند إيراد الخبر بسند فيه ضعف.

السابع: إنّ الشيخ (رحمه الله) ذكر في الفهرست عند ترجمة محمّد بن عليّ بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي ما هذا لفظه: «له نحو من ثلاثمائة مصنّف...

أخبرنا بجميع كتبه و رواياته جماعة من أصحابنا؛ منهم الشيخ أبو عبد اللّه محمّد بن محمّد بن النعمان، و أبو عبد اللّه الحسين بن عبيد اللّٰه الغضائري، و أبو الحسين بن جعفر بن الحسن بن حسكة القمي، و أبو زكريّا محمّد بن سليمان الحمراني كلّهم عنه» (1) انتهى.

فظهر أنّ الشيخ روى جميع مرويّات الصدوق (نوّر اللّٰه ضريحهما) بتلك الأسانيد الصحيحة، فكلّما روى الشيخ خبراً من بعض الأصول التي ذكرها الصدوق في فهرسته، بسند صحيح، فسنده إلى هذا الأصل صحيح و إن لم يذكر في الفهرست سنداً صحيحاً إليه، و هذا أيضاً باب غامض دقيق ينفع في الأخبار التي لم تصل إلينا من مؤلّفات الصدوق (رحمه الله).

فاذا أحطت خُبراً بما ذكرنا لك من غوامض أسرار الأخبار و إن كان ما تركنا‌

____________

(1) الفهرست/ 443 و 444، الرقم 710.

53

أكثر ممّا أوردنا و أصغيت إليه بسمع اليقين و نسيت تعسّفات المتعصّبين و تأويلات المتكلّفين لا أظنّك ترتاب في حقّية هذا الباب و لا تحتاج بعد ذلك إلى تكلّفات الأخباريّين في تصحيح الأخبار و اللّٰه الموفّق للخير و الصواب، و لنا في تصحيح الأخبار طرق لا تتّسع تلك الرسالة لإيرادها و عسى أن تقرع سمعك في عوض تلك الرسالة بعضها.

و تابعه المحقّق القمي في القوانين (1)، بعد أن نقل عبارته بطولها لما فيها من النكات و الفوائد الجمّة.

و ذكر قريباً من هذا المضمون صاحب الوسائل في الخاتمة في الفائدة الرابعة «في ذكر الكتب المعتمدة التي نقلت منها أحاديث هذا الكتاب، و شهد بصحّتها مؤلّفوها و غيرهم و قامت القرائن على ثبوتها و تواترت عن مؤلّفيها أو علمت صحّة نسبتها إليهم بحيث لم يبق فيها شك و لا ريب كوجودها بخطوط أكابر العلماء و تكرّر ذكرها في مصنّفاتهم و موافقة مضامينها لروايات الكتب المتواترة أو نقلها بخبر واحد محفوف بقرينة و غير ذلك- ثمّ عدّد أسماء الكتب ابتداءً من الكتب الأربعة إلى ستّ و تسعين كتاباً و غيرها من الكتب- قال: و أمّا ما نقلوا منه و لم يصرّحوا باسمه فكثير جدّاً مذكور في كتب الرجال يزيد على ستة آلاف و ستمائة كتاب على ما ضبطناه» (2).

ثمّ قال في الفائدة الخامسة: «في بيان بعض الطرق التي يروي بها الكتب المذكورة عن مؤلّفيها و إنّما ذكرنا ذلك تيمّناً و تبرّكاً باتصال السلسلة بأصحاب‌

____________

(1). القوانين: ج 2، باب التعادل و التراجيح.

(2) خاتمة الوسائل/ 153 و 165.

54

العصمة (عليهم السلام) لا لتوقّف العمل عليه لتواتر تلك الكتب و قيام القرائن على صحّتها و ثبوتها كما يأتي» (1).

و قال في الفائدة السادسة: «في ذكر شهادة جمع كثير من علمائنا بصحّة الكتب المذكورة و أمثالها و تواترها و ثبوتها عن مؤلّفيها و ثبوت أحاديثها عن أهل العصمة (عليهم السلام)» (2) ثمّ ذكر ما في ديباجة الفقيه من أنّه حذف الأسانيد لكي لا تكثر طرقه و من إنّ جميع ما فيه مستخرج من كتب مشهورة عليها المعوّل و إليها المرجع و أنّ طرقه إليها معروفة في فهرست كتب خاصّ به بطرق الروايات التي رواها عن مشايخه.

ثمّ ذكر صاحب الوسائل ما في ديباجة الكافي: «من أنّ الكتاب جُمع فيه الآثار الصحيحة عن الصادقين (عليهم السلام) و السنن القائمة التي عليها العمل و بها تؤدّى فرائض اللّٰه و سنّة نبيّه» (3).

و استظهر صاحب الوسائل (4) من عبارته تلك كالعبارة المتقدّمة عن ديباجة الفقيه دعوى أخرى- و هي الدعوى الأولى المتقدّمة- غير الدعوى الرابعة التي نحن بصددها و التي كان صاحب الوسائل في صددها في صدر الفائدة الأولى و الثانية و السادسة، و إن كان الصحيح مع الالتفات إلى ما ذكرناه حول الدعوى الأولى و الثالثة بعد تدبّره بإمعان ترى أنّ مراد الكليني و الصدوق رحمهما الله هو ما ينطبق على الدعوى الرابعة و أنّهما كانا في صدد نفي قسم الموضوع و المدسوس‌

____________

(1) خاتمة الوسائل/ 169.

(2) خاتمة الوسائل/ 193- 194.

(3) خاتمة الوسائل/ 195.

(4) المصدر المتقدّم/ 196.

55

من الأحاديث.

ثمّ ذكر صاحب الوسائل عبارة الشيخ في العدّة و الاستبصار (1) من أنّ أحاديث كتب أصحابنا المشهورة بينهم ثلاثة أقسام:

منها: ما يكون الخبر متواتراً.

و منها: ما يكون مقترناً بقرينة موجبة للقطع بمضمون الخبر.

و منها: ما لا يوجد فيها هذا و لا ذاك و لكن دلّت القرائن على وجوب العمل به و هذا القسم الثالث ينقسم إلى أقسام.

منها: خبر أجمعوا على نقله و لم ينقلوا له معارضاً.

و منها: ما انعقد إجماعهم على صحّته و إنّ كلّ خبر عمل به في كتابي الأخبار و غيرهما لا يخلو من الأقسام الأربعة. ثمّ نقل عنه من موضع آخر أنّ كلّ حديث عمل به فهو مأخوذ من الأصول و الكتب المعتمدة.

ثمّ نقل صاحب الوسائل (2) عبارة الشيخ البهائي في مشرق الشمسين (3) في استعراض القرائن و المعاضدات التي توجب الاعتماد و الوثوق و الركون إلى الحديث.

منها: وجوده في كثير من الأصول الأربعمائة التي نقلوها عن مشايخهم بطرقهم المتّصلة بأصحاب العصمة و كانت متداولة في تلك الأعصار مشتهرة بينهم‌

____________

(1). خاتمة الوسائل/ 197.

(2) خاتمة الوسائل/ 198.

(3) مشرق الشمسين/ 269- 270.

56

اشتهار الشمس في رابعة النهار.

و منها: تكرّره في أصل أو أصلين منها فصاعداً بطرق مختلفة و أسانيد عديدة معتبرة.

و منها وجوده في أصل معروف الانتساب إلى أحد الجماعة الذين أجمعوا على تصديقهم كزرارة و محمّد بن مسلم و الفضيل بن يسار أو على تصحيح ما يصحّ عنهم كصفوان بن يحيى و يونس بن عبد الرحمن و أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطي عنهم أو العمل برواياتهم كعمّار الساباطي و غيرهم ممّن عدّهم في العدّة و نقله المحقّق في بحث التراوح على نزح البئر من المعتبر.

و منها اندراجه في أحد الكتب التي عُرضت على الأئمّة (عليهم السلام) فأثنوا على مصنّفيها.

و منها كونه مأخوذاً من الكتب التي شاع بين سلفهم الوثوق بها و الاعتماد عليها ككتاب عبيد اللّٰه بن علي الحلبي الذي عرضه على الصادق (عليه السلام)، و كتابي:

يونس بن عبد الرحمن و الفضل بن شاذان المعروضين على العسكري (عليه السلام). و منها كونه مأخوذاً من الكتب التي شاع بين سلفهم الوثوق بها و الاعتماد عليها، سواء كان مؤلّفوها من الفرقة الناجية المحقّة ككتاب الصلاة لحريز بن عبد اللّه و كتب ابني سعيد و علي بن مهزيار، أو من غير الإماميّة ككتاب حفص بن غياث القاضي و كتب الحسين بن عبيد اللّٰه السعدي و كتاب القبلة لعلي بن الحسن الطاطري.

ثمّ قال في مشرق الشمسين: «و قد جرى رئيس المحدّثين على متعارف القدماء، فحكم بصحّة جميع أحاديثه، و قد سلك ذلك المنوال جماعة من أعلام‌

57

علماء الرجال لما لاح لهم من القرائن الموجبة للوثوق و الاعتماد» (1).

أقول: إنّ ما ذكره الشيخ البهائي (رحمه الله) في استنتاج صحّة جميع الأحاديث المودعة في الكتب إلى المعصومين (عليهم السلام) إنّما هو منطبق على الدعوى الرابعة، أي صحّة الطريق من أصحاب الكتب الأربعة إلى كتب المشيخة المشهورة المعروفة خاصّة، التي استخرجوا منها روايات كتبهم لا الدعوى الأولى، أي الصحّة إلى المعصوم (عليه السلام) كما لا يخفى ذلك على من تدبّر‌

مبدأ تقسيم الأحاديث

ثمّ ذكر صاحب الوسائل (2) عنه أنّ أوّل من قرّر الاصطلاح في تقسيم الأحاديث هو العلّامة (قدس سره) مع أنّه كثيراً ما يبني العلّامة على مسلك المتقدّمين في تصحيح و اعتبار الأحاديث.

أقول: سيأتي البحث مفصّلًا حول هذا الرأي للشيخ البهائي و الذي تابعه عليه أكثر المتأخّرين، و بيان أنّ هذا الاصطلاح في التقسيم كان عند القدماء في كتب الحديث و الرجال و الفهرست من الفقهاء أو المحدّثين أو الرواة، و أنّ الأقسام التي لديهم تزيد بأضعاف على ما عدّده العلّامة (قدس سره) و أنّ لتلك الأقسام فوائد هامّة في كيفيّة اعتبار الطرق.

ثمّ ذكر صاحب الوسائل (3) عن الشيخ البهائي في الوجيزة (4) ذكر أنّ ما في‌

____________

(1) مشرق الشمسين/ 270.

(2) خاتمة الوسائل/ 199.

(3) خاتمة الوسائل/ 200.

(4) الوجيزة/ 6- 7.

58

كتاب الخاصّة من الأحاديث المرويّة عن الأئمّة (عليهم السلام) يزيد على ما في الصحاح الستّة للعامّة بكثير (1) و أنّ راوي واحد مثل أبان بن تغلب قد روى عن إمام واحد و هو الصادق (عليه السلام) ثلاثين ألف حديث، و أنّه قد جمعت تلك الأحاديث عن الأئمّة (عليهم السلام) في أربعمائة كتاب سُميت بالاصول، ثمّ تصدّى جماعة من المتأخّرين لجمع تلك الكتب- الأصول- و ترتيبها تقليلًا للانتشار و تسهيلًا على طالبي تلك الأخبار، فألّفوا كتباً مضبوطة مهذّبة مشتملة على الأسانيد المتّصلة بأصحاب العصمة (عليهم السلام).

ثمّ ذكر صاحب الوسائل (2) عن الشهيد الثاني في الدراية (3): إنّه قد استقرّ أمر المتقدّمين على أربعمائة مصنَّف، لأربعمائة مصنّف، سمّوها أصولًا فكان عليها اعتمادهم، ثمّ تداعت الحال إلى ذهاب معظم تلك الأصول و لخّصها جماعة في‌

____________

(1). قد حكى الميرزا النوري في الخاتمة في الفائدة الرابعة عن صاحب الحدائق في لؤلؤة البحرين ص 394:

«إنّ جميع أحاديث الكافي حُصرت في ستة عشر ألف و مائة و تسعة و تسعين حديثاً، الصحيح منها خمسة آلاف و اثنان و سبعون حديث، و الحسن مائة و أربعة و أربعين، و الموثق مائة و ألف و ثمانية عشر حديثاً، و القوي منها اثنان و ثلاثمائة، و الضعيف منها أربعمائة و تسعة آلاف و خمسة و ثمانون حديثاً.

أقول: و لا يخفى القيمة العلمية للخبر الضعيف في تولّد المستفيض و المتواتر كما تقدّم بيان ذلك في تحقيق حال الدعوى الثالثة».

و حكى في الهامش عن الشهيد في الذكرى (ص 6): «إنّ ما في الكافي يزيد على مجموع الصحاح الستّ. و الظاهر انّ مراد الشهيد (قدس سره) هو الخالص من كلّ كتاب بعد حذف المكرر في الكتاب الواحد كما نبّه على ذلك في كشف الظنون 1/ 544- 556».

(2) خاتمة الوسائل/ 201.

(3) الدراية/ 17.