تذكرة الأعيان‌

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
457 /
5

[مقدمة المؤلف]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه الذي فضل مداد العلماء على دماء الشهداء، و جعلهم ورثة الأَنبياء، و مصابيح الهدى في اللجج الظلماء.

و الصلاة و السلام على سيد الأَنبياء محمّد و آله الأَتقياء.

أمّا بعد: فقد بعث النبي- (صلى الله عليه و آله و سلم)- بشريعة بيضاء متكاملة الجوانب أُنيطت بها سعادة البشر في آجله و عاجله، فبقاؤها و استمرارها كظهورها رهن عوامل ساهمت مساهمة فعالة، أبرزها الدور الذي قام به أئمّة أهل البيت- (عليهم السلام)- من خلال تربية طليعة واعية أخذوا الشريعة من منهلها العذب و معينها الصافي و نشروها في الأُمّة بغية صيانتها عن الزوال و الاندثار، و قد تلتهم طبقات أُخرى من العلماء ورثوا هذه المهمة الصعبة منهم، فأخذوا على عاتقهم نشر الشريعة و بيان العقيدة عبر القرون، فتجلّت جهودهم الفكرية و العلمية في كتبهم و آثارهم الخالدة.

فالواجب المحتّم على الأُمّة الإِسلامية هو تقدير جهودهم، و تثمين أعمالهم، و إحياء مآثرهم للحيلولة دون أن يغمر ذكرهم و تنطمس معالمهم.

و انطلاقاً من هذا المبدأ فقد عطرت كتب المعاجم و السير بأسمائهم، و أُلّفت في سيرهم عشرات الكتب يقف عليها كلّ من سبر رفوف المكتبات و مخازن الكتب.

6

و قد كنت منذ ريعان شبابي و حداثة سني ذا ولع خاص بالاطّلاع على تراجم علمائنا الأَبرار و الوقوف على آثارهم، و أوّل من فتح عيني على هذا العلم هو شيخي و أُستاذي الكبير الشيخ محمد علي المدرس الخياباني التبريزي (1296 1373) مؤَلّف «ريحانة الأَدب في ترجمة من اشتهر بالكنى و اللقب» فإنّه (رحمه اللّه) أخذ بيدي و أجالني في رياض ذلك العلم و بساتينه، و على ما أُلّف في ذلك المضمار من قديمه و جديده.

هذا ممّا دعاني إلى أن أقوم ببعض هذا الواجب و أتحمل أعباءه من خلال ترجمة طائفة من فقهائنا الأَبرار و علمائنا الكرام الذين كانت لهم منزلة كبيرة في سماء العلم، و لم أقتصر على ذلك فحسب، بل أوعزت إلى نكات علمية و تاريخية لا غنى للباحثين عنها، و لما كانت تلك البحوث مبعثرة في مقدمات الكتب المنشورة بين الحين و الآخر ألحَّ عليّ بعض روّاد العلم بجمع شملها في كتاب واحد كي يسهل تناولها، فنزلت عند رغبتهم و قمت بجمع شواردها مرتباً إيّاها على حسب وفيات المترجمين، عسى أن ينتفع بها رواد العلم و طلاب الفضيلة.

و آخر دعوانا أن الحمد للّه ربّ العالمين جعفر السبحاني قم المقدسة، مؤَسسة الامام الصادق- (عليه السلام) في 16 ذي القعدة الحرام من شهور عام 1418 ه.

7

[قائمة في ترجمة طائفة من الفقهاء و العلماء الإمامية]

1- محمد بن مسلم بن رباح الثقفي الطائفي (80- 150 ه)

خريج جامعة الامام الصادق- (عليه السلام)

كان المسلمون في عصر الرسول- (صلى الله عليه و آله و سلم)- أُمّة متراصّة الصفوف ذات أهداف واحدة، و كان النبي الكريم- (صلى الله عليه و آله و سلم)- هو القطب الذي تدور عليه رحى الإِسلام و تلتف حوله الأُمّة، كلّما نجم شقاق بين المسلمين أو فصائلهم، عالجه بحكمته السديدة و قيادته الرشيدة.

و لقد كان الحفاظ على العقيدة و الشريعة، يتطلب وجود قيادة رشيدة، و مرجعيّة حكيمة، تنطق بالكتاب و السنّة بعد رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) حتى تلتفّ حولها الأُمّة، و تقوم بدورها في معالجة كل مشكلة تحدث، و رأب كل صَدع يطرأ على حياتهم في ضوء الكتاب و السنّة.

و كان رسول اللّه- (صلى الله عليه و آله و سلم)- قد عالَجَ بالفعل هذه الناحية الهامّة في حياة المسلمين المستقبلية، برسم خط القيادة من بعده، و ذلك من خلال التعريف بأهل بيته المطهَّرين، و إلفات نظر الأُمّة إليهم في مواضع عديدة، و بأساليب متنوّعة، واضحة و قاطعة.

غير أنّ الأُمّة تجاهلت و لشديد الأَسف هذا الأَمر و أقصَتْ أهلَ البيت‌

8

عن الحكم، و عزلتهم عن الدور المهمّ المرسوم لهم في قيادة و هداية الأُمّة بعد النبي- (صلى الله عليه و آله و سلم)-، و لمّ شعثهم، و قيادة سفينتهم في خضمِّ الأَمواج العاتية، على غرار ما كان يفعله رسول اللّه- (صلى الله عليه و آله و سلم)- في عهده المبارك.

و لأَجل هذا الانحراف في خطّ القيادة، نجم الخلاف الحاد بين المسلمين، في شتى النواحي السياسية و العقائدية و التشريعية.

فالشقاق المستمر بين الأُمّة و عمّال الخُلَفاء، و الحروب الدامية بين صفوف الأُمّة كان من نتائج الابتعاد عن قيادة أهل البيت الرشيدة التي رسمها النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) في حياته الشريفة و عهده المبارك، إلى أن آل أمر الخلافة إلى مُلك عضوض يرث فيه المُلك واحدٌ بعد واحد، و فاسد تلو فاسد، و يتلقّفه ولد بعد والد!! إنّ السنّة النبويّة هي الحجّة الثانية بعد الكتاب العزيز، و كان المسلمون في أمس الحاجة إليها، و لكن صارت كتابتُها و التحدّث بها أمراً ممنوعاً قرابة قرن و نصف القرن، بينما كان التحدّث بالاساطير من قِبَل مُسلِمة أهل الكتاب (من أحبار اليهود و قساوسة النصارى) أمراً مسموحاً به!! لقد أنتج هذا الابعاد للقيادة الإِسلامية الحقة، و الابتعاد عنها و ما تلاهما من أُمور، ظهور شقاق، و اختلاف بين المسلمين في شتى المجالات.

أمّا في السياسة فقد عرفت.

و أمّا في مجال العقيدة، فقد ظهرت فيهم آراء و أفكار خطيرة مستلهمة أغلبها من اليهود و النصارى.

فمن محدّثٍ يُثبت للّه سبحانه الجسم و الصورة، و الأَعضاء و الجوارح، و الزمان و المكان، و الحركة و الانتقال، و الجهة و الرؤية غير مكترث بقداسة الذات الإِلهيّة، و تنزّهها عن مشابهة المخلوقين، و يرى أنّ هذه هي العقيدة الإِسلامية التي جاء بها القرآن الكريم و صدع بها الرسول العظيم- (صلى الله عليه و آله و سلم)-.

9

إلى جَهميّ يرفع عقيرته بالجبر، و سلب الاختيار عن الإِنسان، و ينكر في المآل ضرورة بعث الأَنبياء، كما يصرّح بفناء النار في الآخرة مُأوِّلًا خلود الكفّار فيها، و الذي صرّح به القرآن الكريم.

إلى قدَريّ يفسّر القَدَر في مجال أفعال البشر كعامل قهري يرسم حياة الإِنسان، و يفرض عليه أفعاله، بحيث لا يكون الإِنسان قادراً على أن يحيد عن ذلك قيد شعرة، بل لهذا القَدَر الذي هو فعلُ اللّه، من السيادة على اللّه تعالى، بحيث لا يقدر هو سبحانه على تغييره.

إلى متفقّة يرى الكتاب و السُّنّة، غير وافيين بالتشريع، و بيان الحلال و الحرام، فعاد يلتجي إلى مقاييس ظنيّة و معايير استحسانية ما أنزل اللّه بها من سلطان، فصار التشريع حلبة الاختلاف، و مضمار الشقاق، حتى أنّك لا ترى فرعاً عملياً من الفروع اتّفقت عليه أئمّة المذاهب الفقهيّة إلّا الشاذّ النادر.

إلى داعٍ إلى الثنوية بشكل غير مباشر حيث يرى للإِنسان إرادة مطلقة، و اختياراً مستقلا، كأنّه في غنى في أفعاله عن اللّه سبحانه، و هو بهذا يشبه إله الأَرض.

إلى متفلسفٍ يخضع لتيّارات و آراء فلسفية مستورَدَة، من دون أن يقيّم مفاهيمها في ضوء الكتاب و السنّة و العقل السليم.

إلى ملاحدة ظهروا بين المسلمين، و أُعطيَت لهم حرية واسعة في العمل و الدعوة، فراحوا يضلّلون الناس، و يسفّهون أقوال الالهيين و ينكرون الشرائع و الأَديان من الأَساس.

إلى غير ذلك من الفرق و الطوائف و الاتجاهات و التيارات المعكّرة لصفو العقيدة الإِسلامية و المكدّرة لنقاء النظام الإِسلامي.

10

كان هذا هو وضع الأُمّة الإِسلامية، و حالهم في القرون التي أعقبت وفاة رسول اللّه- (صلى الله عليه و آله و سلم)-.

و في تلك الظروف بالذات كان في الجانب الآخر شيعة أئمّة أهل البيت- (عليهم السلام)- و كانوا على موقفين: موقف يرى الثورة على الحكومات التي كانت وراء هذا الشقاق و الاختلاف، و تدهور الوضع السياسي و الفكري و الاجتماعي و ربما كان هذا الموقف صحيحاً في بعض الحالات بل و مثمراً.

و موقف يرى أنّ الثورة المسلّحة لا تأتي في ظرف خاص طبعاً إلّا بالضرر و الخسارة الكبرى، و أنّه لا بدّ من العمل الفكري و بثّ العقيدة الصحيحة، و مكافحة التيارات المنحرفة و الفاسدة، عبر تربية الدعاة الصالحين، و حمَلَة الفقه و الحديث الواعين، و إرشاد الناس إلى ما هو الصحيح في مجالات الفكر و الفقه، و العقيدة و الشريعة.

فهو بالتالي الأسلوب الناجح، و الدواء الناجع، للأُمّة في حاضرها، و مستقبلها، و ذلك نظَراً لتعاظم قوة الحكومات آن ذاك، و قدرتها على الفتك بمعارضيها، و محوهم محواً كاملًا لا يُبقي و لا يذر.

و هنا تكمن أهمية الدور الحضاري لجامعة الامام جعفر الصادق الكبرى التي عالجت مشاكل مستعصية و أحيت الحضارة الإِسلامية، و ذلك:

1- ببيان العقيدة الإِسلامية المأخوذة من الكتاب و السنّة و خطب الإِمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب- (عليه السلام)- و العقل الحصيف، و ردّ السهام المرشوقة إلى توحيد اللّه سبحانه و صفاته، و قداسة الأَنبياء، و سائر قضايا العقيدة.

و كفى لمعرفة هذا ما دوّنه المحدّث الكبير الشيخ الصدوق (306 381 ه)

11

في كتابه القيم «التوحيد»، حيث يرى المتتبع في أحاديثه بياناً مشرقاً في مجال توحيد الافعال، و تنزيهاً رائعاً لأَفعاله سبحانه عن الحيف و الظلم، و الجبر و إرادة القبيح، و وصفاً لائقاً لمقام النبوّة و الأَنبياء في مجال تلقّي الوحي و التبليغ، و على صعيد السلوك و المعاشرة.

2- كان تدوين الحديث و نشره، و التحدّث بكلام رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) أمراً محظوراً و قد أُضفي على تدوينها ثوبُ البدعة، و صار لترك التحدّث بالسُّنة الشريفة قداسة بين الأُمّة، غفلةً عمّا يترتب على هذا الموقف من خسائر جمّة.

و لكن الامام الصادق- (عليه السلام)- قام غير مكترث بقرار الحظر الذي كان سائداً منذ زمن الخلفاء إلى عصره بنشر أحاديث الرسول (صلى الله عليه و آله و سلم) آخذاً إياها من عين صافية لم تعكر صفوها الأَهواء و الأَوهام، إذ رواها عن طريق آبائه المطهرين عن عليّ عن رسول اللّه- (صلى الله عليه و آله و سلم)- عن جبرئيل عن اللّه سبحانه.

و بذلك أعاد الحديث النبوي الشريف إلى حياة الأُمّة الإِسلامية مجرّداً عن الاساطير منزهاً عن بدع اليهود و النصارى.

3- تربية جيل عظيم، و ثلّة جليلة تربية أخلاقية و معنوية و علمية لتحمل هذه الرسالة من بعده، و نشر الأَحاديث و الروايات الشريفة في الاجيال اللاحقة.

و لقد تخرّج من مدرسة الامام الصادق- (عليه السلام)- ثلّة كريمة واعية من المتكلّمين الذابين عن حياض العقيدة، و الفقهاء و المحدّثين البارعين في حقل الشريعة و المفسرين و غيرهم ممن اعترفت الأُمّة بفضلهم، و استمرت بواسطتهم الهداية الإِلهية إلى القرون المستقبلة، و الأَجيال اللاحقة.

و كان من تلك الثلّة المباركة: محمد بن مسلم و هو الفقيه أبو جعفر الكوفي‌

12

المعروف بالاوقص، أحد أئمّة العلم في الإِسلام، و أحد وجوه الشيعة بالكوفة، اختص بالامامين أبي جعفر الباقر و أبي عبد اللّه الصادق (عليهما السلام)، و روى الشي‌ء الكثير من علومهما، و قد وقع في أسناد كثير من الروايات تبلغ ألفين و مائتين و ستة و سبعين مورداً.

روى عنه: يونس بن عبد الرحمن، و العلاء بن رزين، و عمر بن أذينة، و جميل ابن درّاج، و محمد بن حمران، و يعقوب الأَحمر، و حماد بن عثمان، و عبد الحميد الطائي، و خلق كثير.

و كان فقيهاً محدّثاً و من الأَعلام المأخوذ عنهم الحلال و الحرام و الفتيا و الأَحكام، له كتاب يسمّى: الأَربعمائة مسألة في أبواب الحلال و الحرام، و لقد ورد في روايات صحيحة عن أهل البيت لا سيما الباقرين (صلوات اللّه عليهم أجمعين).

و إليك فيما يأتي طائفة من الروايات و الأَخبار المادحة الصادرة من الإِمامين الهمامين الامام الباقر و الإِمام الصادق (سلام اللّه عليهما).

مكانة محمد بن مسلم عند الصادقين (عليهما السلام)

لقد أثنى الإِمامان الجليلان الباقر و الصادق (عليهما السلام) على حافظنا الكبير و أقرانه على وجه لا نرى مثله في حقّ غيره من تلاميذهما و خريجي منهجهما، و إليك البيان:

1- قال الصادق- (عليه السلام)-: أحبُّ الناس إليّ أحياء و أمواتاً أربعة: بريد بن معاوية العجلي، و زرارة، و محمد بن مسلم، و الأَحول، و هم أحبُّ النّاسِ إليّ أحياءً و أمواتاً (1).

2- روى أبو عبيدة الحذّاء قال: سمعت أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- يقول:

____________

(1) الكشي: اختيار معرفة الرجال، برقم: 215.

13

«زرارة، و أبو بصير، و محمد بن مسلم، و بريد من الذين قال اللّه تعالى: (وَ السّٰابِقُونَ السّٰابِقُونَ. أُولٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ)» (1).

3- روى سليمان بن خالد الأَقطع، قال: سمعت أبا عبد اللّه يقول: «ما أحد أحيى ذكرنا و أحاديث أبي- (عليه السلام)- إلّا زرارة، و أبو بصير ليث المراديّ، و محمد بن مسلم، و بريد بن معاوية العجلي، و لو لا هؤلاء ما كان أحد يستنبط هذا، هؤلاء حفّاظ الدين و أُمناء أبي، على حلالِ اللّه و حرامه، و هم السابقون إلينا في الدنيا، و السابقون إلينا في الآخرة» (2).

4- قال الصادق و هو يصف لفيفاً من أصحاب أبيه: «هم مستودع سرّي، أصحاب أبي حقّا إذا أراد اللّه بأهل الأَرض سوءاً صرف بهم عنهم السوءَ، هم نجوم شيعتي أحياء و أمواتاً، يحيون ذكر أبي- (عليه السلام)-، بهم يكشف اللّه كلّ بدعة، ينفون عن هذا الدين انتحال المبطلين، و تأوّل الغالين» ثم بكى فقلت: مَنْ هم؟ فقال: «مَنْ عليهم صلوات اللّه و رحمته أحياءً و أمواتاً: بريد العجلي، و زرارة، و أبو بصير، و محمد بن مسلم» (3).

5- سأل عبد اللّه بن أبي يعفور أبا عبد اللّه الامام الصادق- (عليه السلام) و قال: إنّه ليس كلّ ساعة ألقاك، و لا يمكن القدوم و يجيىَ الرجل من أصحابنا فيسألني، و ليس عندي كلّما يسألني عنه، قال: «فما يمنعك من محمد بن مسلم الثقفي، فإنّه قد سمع من أبي و كان عنده وجيهاً» (4).

6- روى زرارة قال: شهد أبو كريبة الأَزديّ و محمد بن مسلم الثقفي عند شريك بشهادة و هو قاض، فنظر في وجوههما مليّاً، ثم قال: جعفريان فاطميّان! فبكيا، فقال لهما: ما يُبكيكما؟ قالا له: نسبتنا إلى أقوام لا يرضَون بأمثالنا أن يكونوا من إخوانهم، لما يرون من سخف ورعنا، و نسَبْتنا إلى رجل لا يرضى بأمثالنا أن‌

____________

(1) الكشي: اختيار معرفة الرجال، برقم: 218، 219، 220، 273.

(2) الكشي: اختيار معرفة الرجال، برقم: 218، 219، 220، 273.

(3) الكشي: اختيار معرفة الرجال، برقم: 218، 219، 220، 273.

(4) الكشي: اختيار معرفة الرجال، برقم: 218، 219، 220، 273.

14

يكونوا من شيعته فان تفضّل و قبلنا فله المنّ علينا و الفضل، فتبسم «شريك» ثمّ قال: إذا كانت الرجال فلتكن أمثالكم، يا وليد أجزهما هذه المرّة! قال: فحججنا فخبّرنا أبا عبد اللّه- (عليه السلام)- بالقصة فقال: «ما لشريك، شركه اللّه يوم القيامة بشراكين من نار» (1).

7- روى أبو كهمس قال: دخلت على أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- فقال لي: «شهد محمد بن مسلم الثقفي القصير عند ابن أبي ليلى بشهادة فردّ شهادته؟» فقلت: نعم.

فقال: «إذا صرت إلى الكوفة فأتيت ابن أبي ليلى إلى أن قال: فقل له: يقول لك جعفر بن محمد ما حملك على أن رددت شهادة رجل أعرف منك بأحكام اللّه و أعلم بسيرة رسول اللّه منك؟» .. فقال لي: و من هو؟ فقلت: محمد بن مسلم الطائفي القصير، قال: فقال: و اللّه انّ جعفر بن محمد قال لك هذا؟ قال: فقلت: و اللّه إنّه قال لي جعفر هذا، فأرسل إلى محمد بن مسلم فدعاه، فشهد عنده بتلك الشهادة فأجازه (2).

8- قال الامام الصادق- (عليه السلام)-: «بشّر المخبتين بالجنة ..، و محمد بن مسلم، أربعة نجباء أُمناء اللّه على حلاله و حرامه، لولا هؤلاء انقطعت آثار النبوة و اندرست» (3).

9- و قال- (عليه السلام)-: «إنّ أصحاب أبي كانوا زيناً أحياءً و أمواتاً، أعني: زرارة، و محمد بن مسلم، و منهم ليث المرادي، و بريد العجلي، هؤلاء القوّامون بالقسط، هؤلاء القوّامون بالقسط، و هؤلاء السابقون، السابقون أُولئك المقربون» (4).

10- روى عبد اللّه بن محمد بن خالد الطيالسي، عن أبيه، قال: كان محمد ابن مسلم من أهل الكوفة يدخل على أبي جعفر- (عليه السلام)- فقال أبو جعفر: «بَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ».

____________

(1) اختيار معرفة الرجال، برقم 274، 277، 286، 287.

(2) اختيار معرفة الرجال، برقم 274، 277، 286، 287.

(3) اختيار معرفة الرجال، برقم 274، 277، 286، 287.

(4) اختيار معرفة الرجال، برقم 274، 277، 286، 287.

15

و قال أيضاً: كان محمد بن مسلم رجلًا شريفاً موسِراً، فقال له أبو جعفر (عليه السلام): «تواضع يا محمد!» فلمّا انصرف إلى الكوفة أخذ قوصرة من تمر مع الميزان و جلس على باب مسجد الجامع و جعل ينادي عليه، فأتاه قومه فقالوا له: فضحتنا، فقال: إنّ مولاي أمرني بأمر فلن أُخالفه و لن أبرح حتى من بيع باقي هذه القوصرة (1).

هذا هو محمد بن مسلم في لسان الصادقين (عليهما السلام)، و نصوصهما يكفينا عن توثيق أي موثّق، و مع ذلك لابن مسلم مع المتسنمين لمنصّة الإِفتاء و القضاء في عصره قضايا جميلة تعرب عن خضوعهم له في القضاء و الإِفتاء.

1- روى الكليني في الكافي أنّ رجلًا قدّم إلى ابن أبي ليلى خصماً له، فقال: إنّ هذا باعني هذه الجارية، فلم أجد على ركبها حين كشفتها شعراً، و زعمت انّه لم يكن لها قط، فقال ابن أبي ليلى: إنّ الناس يحتالون لهذا بالحيل حتّى يذهبوا به، فما الذي كرهت؟ قال: أيّها القاضي إن كان عيباً فاقض لي به، قال: اصبر حتى أخرج إليك فإنّي أجد أذى في بطني، ثمّ دخل و خرج من باب آخر، فأتى محمد بن مسلم الثقفي، فقال له: أي شي‌ء تروون عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في المرأة لا يكون على ركبها شعر، أ يكون ذلك عيباً؟ فقال محمد بن مسلم: أمّا هذا نصاً فلا أعرفه، و لكن حدّثني أبو جعفر عن أبيه عن آبائه عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أنّه قال: كلّ ما كان في أصل الخلقة فزاد أو نقص فهو عيب، فقال له ابن أبي ليلى: حسبك، ثمّ رجع إلى القوم فقضى لهم بالعيب (2).

2- قال محمد بن مسلم: انّي لنائم ذات ليلة على السطح إذ طرق الباب‌

____________

(1) اختيار معرفة الرجال، برقم: 278.

(2) الكافي: 5- 215، التهذيب: 7- 65 برقم 282.

16

طارق، فقلت: من هذا؟ فقال: شريك يرحمك اللّه، فأشرفت فإذا امرأة فقالت: لي بنت عروس ضربها الطَّلق، فما زالت تطلق حتى ماتت و الولد يتحرّك في بطنها و يذهب و يجي‌ء، فما أصنع؟ فقلت: يا أمة اللّه سئل محمد بن علي بن الحسين الباقر- (عليه السلام)- عن مثل ذلك، فقال: «يشق بطن الميت و يستخرج الولد»، يا أمة اللّه افعلي مثل ذلك! أنا يا أمة اللّه رجل في ستر، من وجّهك إليّ؟ قال: قالت لي: رحمك اللّه جئت إلى أبي حنيفة صاحب الرأي، فقال: ما عندي فيها شي‌ء، و لكن عليك بمحمد بن مسلم الثقفي فإنّه يخبر، فمهما أفتاك به من شي‌ء فعودي إليّ فاعلمينيه! فقلت لها: امضِ بسلام.

فلما كان الغد خرجت إلى المسجد و أبو حنيفة يسأل عنها أصحابه، فتنحنحت فقال: اللهمّ غفراً دعنا نعيش (1).

هذان النموذجان يدلان على مكانة الرجل في الإِحاطة بالنصوص و مصادر القضاء.

و قد لزم الرجل الامام الباقر قرابة أربع سنين و سأل الامام الصادق عن ستة عشر ألف حديث.

روي أنّ ابن أبي عمير قال: سمعت عبد الرحمن بن الحجاج و حماد بن عثمان يقولان: ما كان أحد من الشيعة أفقه من محمد بن مسلم قال، فقال محمد بن مسلم: سمعتُ من أبي جعفر ثلاثين ألف حديث، ثمّ لقيتُ جعفراً ابنه فسمعت منه أو قال سألته عن ستة عشر ألف حديث أو قال مسألة (2).

و على أيّة حال فهو من الذين أجمعت العصابة على تصديقهم و فقههم، و لهم دويّ في كتب الرجال و الحديث (3).

____________

(1) اختيار معرفة الرجال: 162 برقم 275.

(2) اختيار معرفة الرجال برقم 280، 431.

(3) اختيار معرفة الرجال برقم 280، 431.

17

محمد بن مسلم في الكتب الرجالية

قال النجاشي: محمد بن مسلم بن رباح، أبو جعفر الاوقص الطحان، مولى ثقيف، الأَعور، وجه أصحابنا بالكوفة، فقيه ورع، صحب أبا جعفر و أبا عبد اللّه (عليهما السلام) و روى عنهما، و كان من أوثق الناس، له كتاب يسمّى الأَربعمائة مسألة في أبواب الحلال و الحرام (1).

و قال الشيخ الطوسي: محمد بن مسلم بن رباح الثقفي، أبو جعفر الطحان، الأَعور أسند عنه، قصير حداج، روى عنهما (عليهما السلام)، و روى عنه العلاء بن رزين القلّاء، مات سنة 150 و له نحو من سبعين سنة (2).

و عدّه الشيخ المفيد في الرسالة العددية من الفقهاء و الأَعلام الرؤَساء المأخوذ عنهم الحلال و الحرام و الفتيا و الأَحكام، الذين لا يُطعن عليهم و لا طريق إلى ذم واحد منهم (3).

و قال إسماعيل باشا البغدادي: محمد بن مسلم بن رباح الاوقص المعروف بالطحان، مولى ثقيف، من علماء الشيعة الإِمامية بالكوفة، توفّي سنة 150 ه، له كتاب الأَربعمائة مسألة في أبواب الحلال و الحرام (4).

و قال أيضاً: كتاب الأَربعمائة مسألة من أبواب الحلال و الحرام لمحمد بن مسلم بن رباح الكوفي الشيعي المتوفى سنة 150 ه (5).

____________

(1) رجال النجاشي، برقم 883.

(2) رجال الطوسي: أصحاب الإِمام الصادق- (عليه السلام)-، الرقم 317؛ و ترجمه أيضاً في أصحاب الإِمام الباقر- (عليه السلام)- برقم 1 باب الميم.

(3) الرسالة العددية: 25، طبعة المؤتمر العالمي بمناسبة ذكرى ألفية الشيخ المفيد.

(4) إسماعيل باشا البغدادي: هدية العارفين: 6- 7.

(5) إسماعيل باشا البغدادي: هدية العارفين المطبوع في ذيل كشف الظنون: 4- 265.

18

و قال عمر رضا كحالة: محمد بن مسلم بن رباح الكوفي الطحان، الشيعي (أبو جعفر) فقيه، من آثاره كتاب الأَربعمائة مسألة في أبواب الحلال و الحرام (1).

الأصول الأَربعمائة للشيعة

إذا كانت الأَحاديث مدونة على أسماء الصحابة يطلق عليها المسند مقابل تدوينها على الأَبواب حيث يرتب المحدِّث كتابه على الموضوعات، و قد يتوسع في إطلاقه فيطلق على تدوين روايات رأو في كتاب خاص سواء كان صحابياً أم لا، روى عن المعصوم أم لا، و قد دوّن من أحاديث الامام الصادق و ابنه الكاظم، أربعمائة مسندٍ اشتهر باسم الأَصل قد جمع كلّ محدّث رواياته عن الامام (عليه السلام) من غير ترتيب الأَبواب.

قال الإِمام الطبرسي (471 548 ه) في «إعلام الورى»: روى عن الامام الصادق (عليه السلام)- من مشهوري أهل العلم، أربعة آلاف إنسان، و صنّف من جواباته في المسائل أربعمائة كتاب تسمّى الأصول رواها أصحابه و أصحاب ابنه موسى الكاظم (عليه السلام)- (2).

و قال المحقّق الحلي (602 676 ه) في «المعتبر»: كتبت من أجوبة مسائل جعفر بن محمد أربعمائة مصنف لأَربعمائة مصنف سمّوها أُصولًا (3).

و قال الشهيد (734- 786 ه) في «الذكرى»: كتب من أجوبة الامام الصادق- (عليه السلام)- أربعمائة مصنَّف لأَربعمائة مصنِّف، و دوِّن من رجاله المعروفين أربعة آلاف رجل (4).

____________

(1) عمر رضا كحالة: معجم المؤَلفين: 12- 21.

(2) الطبرسي: إعلام الورى: 284.

(3) المحقّق الحلي: المعتبر: 1- 26.

(4) محمد بن مكي العاملي: الذكرى: 6.

19

هذه هي مسانيد الشيعة في القرن الثاني، المعروفة بالأُصول الأَربعمائة و طوارق الزمان و إن مسّت وضعها، لكن لم تمس موادّها و مضامينها، فموادّ الأُصول و أحاديثها انتقلت إلى الجوامع الحديثية الأَوّلية، كجامع البزنطي و جامع محمد بن أحمد بن يحيى بن عمران الأَشعري باسم نوادر الحكمة و غيرهما، أو الثانوية كالكافي للكليني (ت 329 ه) أو الفقيه للصدوق (306 381 ه) أو التهذيب و الاستبصار للطوسي (385 460 ه) إلى غير ذلك من الجوامع الحديثية.

و قد قام الفاضل الجليل و الحجّة الثقة الشيخ بشير المحمدي المازندراني دامت إفاضاته بإعادة مسند الحافظ الكبير محمد بن مسلم الطائفي إلى أوساط الحديث، بسعي متواصل و همّة قعساء، و بيّن مكانة محدّثنا الكبير في الحديث و الأَحكام و العقائد، و قد دوّن مسندين آخرين لِامامين كبيرين في الحديث، و هما:

1- مسند محمد بن قيس البجلي، راوية أقضية الإِمام أمير المؤمنين (عليه السلام).

2- مسند زرارة بن أعين الشيباني الكوفي.

و كان للكتابين صدى واسع في الأَوساط العلمية، و نال التقدير و التبجيل من الأَكابر الملمّين بالحديث، و ها هو الآن يقدم مسنداً ثالثاً للقرّاء، ألا و هو مسند ابن مسلم الطائفي، الذي كتب من أحاديث أبي جعفر الباقر- (عليه السلام) ثلاثين ألف حديث.

كما كتب من أحاديث ابنه الامام الصادق- (عليه السلام)- ستة عشر ألف حديث.

و لكنّه رعاه اللّه بعد الفحص الدَؤوب في زوايا المكتبات و غضون المعاجم لم يعثر إلّا على ألفي حديث، و هذا ان دلّ على شي‌ء إنّما يدلّ على ضياع قسم كبير من أحاديث حافظنا الكبير.

20

2- زرارة بن أعين الكوفي الشيباني (80- 150 ه)

مسند زرارة و المسانيد في الجوامع الحديثية

إنّ للحديث مكانة رفيعة بين المسلمين، و هو المصدر الرئيسيّ الثاني لديهم في مجالي العقيدة و الشريعة.

فالفقيه يرجع إليه في استنباط الأَحكام الشرعية المطهّرة، و المفسِّر يَركن إليه في تفسير آيات الذكر الحكيم، و المتكلِّم يتّخذه سناداً لعقائد الإِسلام، و الخطيب يستمدُّ منه في مجال الدعوة و الإِرشاد، و العارف يُميِّز به المحاسن عن المساوي، فهو القسطاس المستقيم و المعيار القويم.

و الحديث نور العقل و دليله، يتفكَّه به أُولو النُهى، و يأنس به اللبيبُ، و فيه غرر الحكم، و درر الحكم، و ينابيع العلم، فجَّرها اللّه سبحانه على لسانِ مَنْ لا ينطق عن الهوى، نبيِّه و أفضل رسله محمّد- (صلى الله عليه و آله و سلم)-، و وعاه عنه أوصياؤه و عترته، و حفظه عنه أصحابه و التابعون لهم بإحسان، بجدّ و حماس، و ولع شديد، إلى حدٍّ عضُّوا عليه النواجذ، و صرفوا فيه أعمارهم.

و ضربوا في طريق تحصيله آباط الإِبل.

و من الموسف جدّاً أنّ الحظر السياسي بعد رحيل النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) حالَ بين المسلمين و كتابة الحديث و تدوينه و نشره في الأَقطار و الأَمصار، حتى صار التحدُّث‌

21

بحديث الرسول و كتابته و إفشائه إلى قرن، عملًا محظوراً يُلام على فعله، و يُحْرق كتابه بالنار، و يذهب جهده سدى (1).

و قد سار الخلفاء على هذا النهي، و قامت حياتهم السياسية على هذا الأَساس، فكانت الصحابة و التابعون ممنوعين عن نشر ثاني أدلّة الأَحكام، و عدل القرآن، إلى أن رُفِعَ الحظرُ في خلافة عمر بن عبد العزيز، حيث أحسّ بضرورة تدوين الحديث، فكتب رسالة إلى عالم المدينة أبي بكر بن حزم و أمره بكتابة حديث النبي- (صلى الله عليه و آله و سلم)- لَانّه يخافُ من دروس العلم و ذهاب العلماء (2).

رُفِعَ الحظر، و عادت فكرة إحياء ما دثر من الآثار إلى المجتمع الإِسلامي، لكن بعد ما اختلط الحابل بالنابل، و تسرَّبتْ موضوعات كثيرة عن طريق الأَحبار و الرهبان إلى الأَوساط الإِسلامية، و تفاقم الأَمر إلى حدٍّ أخرج محمد بن إسماعيل البخاري صحيحه، الذي يحتوي بلا تكرار على 2761 حديثاً من زهاء ستمائة ألف حديث (3).

و مع أنّ عمر بن عبد العزيز كان مؤَكِّداً على تدوين الحديث و لكنَّ رواسبَ الحظر السابق حالت دون القيام بما أمر، فلم تكتب بعد صدور الأَمر إلّا صحائف غير مرتَّبة و لا منظَّمة، و إنّما قام المحدّثون بهذه الوظيفة الخطيرة بعد ما زالت دولة الأُمويين و أخذ أبو جعفر المنصور بمقاليد الحكم، فأخذوا بالكتابة و التدوين و التنظيم و الترتيب (4).

و لئن خضعت رقاب ثلّة من الصحابة و التابعين لهذا النهي رغباً أو رهباً الحديث، و ها هو الآن يقدم مسنداً ثالثاً للقرّاء، ألا و هو مسند ابن مسلم الطائفي، الذي كتب من أحاديث أبي جعفر الباقر- (عليه السلام) ثلاثين ألف حديث.

كما كتب من أحاديث ابنه الامام الصادق- (عليه السلام)- ستة عشر ألف حديث.

و لكنّه رعاه اللّه بعد الفحص الدَؤوب في زوايا المكتبات و غضون المعاجم لم يعثر إلّا على ألفي حديث، و هذا ان دلّ على شي‌ء إنّما يدلّ على ضياع قسم كبير من أحاديث حافظنا الكبير.

____________

(1) تقييد العلم للخطيب البغدادي: 52.

(2) الصحيح للبخاري: 1- 27.

(3) إرشاد الساري لشهاب الدين القسطلاني: 1- 28.

(4) تاريخ الخلفاء للسيوطي: 261.

22

لكن كان هناك لفيف منهم لم يروا لهذا النهي وزناً و لا قيمة، و لم يعبأوا به، و قاموا بضبط الحديث و تدوينه، و على رأسهم إمام المسلمين علي بن أبي طالب (عليه السلام)، و تبعته شيعته و أصحابه، نذكر منهم السبّاقين إلى التدوين:

1- أبو ذر الغفاري: ضبط ما أوصاه به النبي- (صلى الله عليه و آله و سلم)-، و قد شرحه العلّامة المجلسي و أسماه «عين الحياة».

2- أبو رافع مولى رسول اللّه- (صلى الله عليه و آله و سلم)- و خازن بيت المال في عصر الامام علي- (عليه السلام)-: له كتاب «السنن و الأَحكام و القضايا».

3- ابنه علي بن أبي رافع كاتب أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: صنَّف كتاباً في فنون من الفقه: الوضوء و الصلاة و نحوهما.

4- ربيعة بن سميع، تلميذ الإِمام أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: له كتاب «زكاة النعم».

إلى غير ذلك من صحابيّ و تابعيّ، دفعوا عادية الحظر بالقيام بالوظيفة و تدوين ما روي عن النبي- (صلى الله عليه و آله و سلم)-.

و قد استأثر الحديث باهتمام متزايد في عصر الامام الباقر- (عليه السلام)- (57 114 ه)، و الصادق- (عليه السلام)- (83 148 ه).

و هذا هو أحمد بن محمد بن عيسى رئيس القمّيين في عصره يقول: خرجت إلى الكوفة في طلب الحديث، فلقيت بها الحسن بن علي الوشّاء، فسألته أن يُخرج لي كتاب العلاء بن رزين و أبان بن عثمان الأَحمر فأخرجهما إليّ، فقلت له أحبُّ أن تجيزهما لي، فقال لي: يا رحمك اللّه و ما عجلتك؟! اذهب فاكتبهما و اسمع من بعد، فقلت: لا آمن الحدثان، فقال: لو علمت أنّ هذا الحديث يكون له هذا الطلب لاستكثرت منه، فإنّي أدركت في هذا المسجد تسعمائة شيخ كلّ يقول: حدّثني جعفر بن محمد (1).

____________

(1) رجال النجاشي: 40 برقم 80.

23

الشيعة هم أهل السنّة حقيقة

إنّ الشيعة في الواقع هم أهل السنّة، فإنّه إذا كانت اللفظة لا تعني سوى الاهتمام بالسنّة و شؤونها فأئمّة الشيعة و تلاميذ مدرستهم هم الذين أحيوا السنّة و أماتوا البدعة، خصوصاً في ظروف اندلعت فيها نيران الحرب بين الأَمويين و مناوئيهم من العباسيين، و قد استغلّ الإِمامان الباقر و الصادق (عليهما السلام) الفرصة فنشروا من أحاديث النبي- (صلى الله عليه و آله و سلم)- ما سارت به الركبان.

يقول الشيخ المفيد: لم يظهر عن أحد من ولد الحسن و الحسين (عليهما السلام) من علم الدين و الآثار و السنّة و علم القرآن و السيرة و فنون الآداب ما ظهر عن أبي جعفر- (عليه السلام)-، روى عنه معالم الدين بقايا الصحابة و وجوه التابعين و رؤَساء فقهاء المسلمين (1) و سارت بذكر كلامه الاخبار، و أُنشدت في مدائحه الاشعار.

تربّى على يدي الإِمام الصادق- (عليه السلام)- آلاف من المحدّثين و الفقهاء، و جمع أصحابُ الحديث أسماء الرواة عنه من الثقات فكانوا أربعة آلاف رجل (2) و هذه سمة امتاز بها الامام الصادق على غيره من الأَئمّة.

و قد وجد الامام الصادق- (عليه السلام)- أنّ السنّة النبويّة قد بدأ يعتريها اتجاهات خطيرة و انحرافات واضحة ففنَّد الآراء الدخيلة و الأَحاديث المتسربة.

و قد أنجبت مدرسته الرفيعة شخصيات بارزة و فقهاء كبار يُعَدُّون من أعلام الدين و أساتذة العلم و أئمّة الحديث و رواد الفضيلة، و أخصّ بالذكر منهم الطبقة الممتازة من تلاميذ الإِمامين (عليهما السلام) الذين كرّسوا أعمارهم في ضبط ما وعوه عنهما حتى صاروا مصابيح الدجى و مشاكي الظلام.

____________

(1) الإِرشاد للشيخ المفيد: 261.

(2) المناقب لابن شهرآشوب: 4- 247؛ الإِرشاد للشيخ المفيد: 271.

24

قال الكشي عند تسمية الفقهاء من أصحاب أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السلام): اجتمعت العصابة على تصديق هؤلاء الأَوّلين من أصحاب أبي جعفر (عليه السلام)-، و أصحاب أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- و انقادوا لهم بالفقه فقالوا: أفقهُ الأَوّلين ستة: زرارة، و معروف بن خرّبوذ، و بُريد، و أبو بصير الأَسدي، و الفضيل بن يسار، و محمد بن مسلم الطائفي.

فقالوا: و أفقه الستة: زرارة (1).

كيف لا يكون أفقه الستة، بل أفقه أهل عصره و خريجي مدرسة الإِمامين، و قد وصفه الامام الصادق- (عليه السلام)- بعقود درّية نقتطف منها ما يلي: إنّ زرارة من أُمناء اللّه على حلاله و حرامه، و من الذين ينفون عن هذا الدين انتحال المبطلين، و تأويل الغالين، و من القوّامين بالقسط، و السابقين إلينا في الدنيا، و السابقين إلينا في الآخرة، و هو أحبُّ الناس إليّ أحياءً و أمواتاً، و لولاه لكانت أحاديث أبي ستذهب (2).

و توالت كلمات الثناء و الاطراء في حقّه من موَرخي الإِسلام و علماء الرجال.

قال ابن النديم: و زرارة أكبر رجال الشيعة فقهاً و حديثاً و معرفة بالكلام و التشيّع (3).

و قال النجاشي: زرارة بن أعين بن سُنْسُن، أبو الحسن، شيخ أصحابنا في زمانه و متقدّمهم، و كان قارئاً فقيهاً متكلِّماً شاعراً أديباً، قد اجتمعت فيه خلال الفضل و الدين، صادقاً فيما يرويه.

و أطراه صدوق المحدّثين و قال: رأيت له كتاباً في الاستطاعة و الجبر، و أنّه‌

____________

(1) رجال الكشي: 206، ثمّ سمّى طبقة أُخرى من فقهاء أصحاب الإِمام الصادق.

(2) اقتطفنا هذه العقود الدرّية من مواضع مختلفة من كلام الامام الصادق (عليه السلام)- في حقّ زرارة، تقرأها في مواضعها في مقدمة مسند زرارة، فلاحظ.

(3) الفهرست لابن النديم: 323.

25

مات سنة خمسين و مائة (1).

و هو كوفيّ التربة و الولادة، شيبانيُّ الولاء لا النسب، كما صرح به أكثر من ترجمه (2).

مشايخه في الرواية

إنّ شيخنا المترجم كان من حواري الإِمامين الباقر و الصادق (عليهما السلام) و من المختصّين بهما، روى عنهما في العقيدة و الشريعة ما سيظهر لك مداه، إذا سبرت هذا المسند، و مع ذلك لم تَفِتْه الرواية عن سائر مشايخ الشيعة، أمثال:

1- أبي الخطاب 2- بكر 3- الحسن البزاز 4- الحسن بن السري 5- حمران بن أعين 6 سالم بن أبي حفصة 7- عبد الكريم بن عتبة الهاشمي 8- عبد اللّه بن عجلان 9- عبد الملك 10- عبد الواحد بن المختار الأَنصاري 11- عمر بن حنظلة 12- الفضيل 13 محمد بن مسلم 14- اليسع (3).

و قد جاء في هذا المسند من أحاديثه المبثوثة في كتب الحديث قرابة 1800 حديث.

هذا زرارة، و مكانته في الحديث، و منزلته عند الأَئمّة، و لا يشكّ في وثاقته و صدقه و أمانته أيّ ذي مسكة.

و لئن صدر عن الامام الصادق- (عليه السلام)- في بعض الظروف كلام لا يناسب شأن الرجل فإنّما صدر عنه- (عليه السلام)- لحفظ دمه و عرضه، لَانّ الرجل كان وليدَ بيت كبير ضربَ بجرانه الكوفة و أطرافها، و كان معاشراً مع أكابر السنّة و حكّامهم و قضاتهم، و كان في بيته من لم يتشيّع بعدُ و كان أعداء أهل البيت يكنُّون العداء لرافع ولائهم و لوائهم، فأراد الإِمام (عليه السلام)-

____________

(1) رجال النجاشي: 175 برقم 463.

(2) الفهرست لابن النديم: الفن الخامس من المقالة السادسة تحت عنوان آل زرارة ص 322.

(3) معجم رجال الحديث للسيد الخوئي: 7- 247 برقم 4662.

26

بكلامه هذا صيانة دمه.

و قد صرّح الامام بذلك في كلامه مع ولده الحسين بن زرارة، فقال: «أقرئ منّي على والدك السلام، و قل له إنّي إنّما أعيبُك دفاعاً منّي عنك، فإنّ الناس و العدوّ يسارعون إلى كلِّ من قرّبناه و حُمدنا مكانه، لإِدخال الأَذى فيمن نحبُّه و نقرِّبه، و يرمونه لمحبّتنا له و قربه و دنوّه منّا، و يرون إدخال الأَذى عليه و قتله، و يَحمدون كل من عبناه نحن، و أن يُحْمَد أمره، فإنّما أعيبك لأَنّك قد اشتهرت بنا و لميلك إلينا و أنت في ذلك مذموم عند الناس غير محمود الأَثر بمودتك لنا و بميلك إلينا، فأحببت أن أعيبك ليَحْمِدوا أمرك في الدين بعيبك و نقصك و تكون بذلك منّا دافع شرهم عنك.

ثمّ تمثل بآية السفينة التي كانت لمساكين .. و قال: لا و اللّه ما عابها إلّا لكي تَسْلَمَ من الملك و لا تُعْطَبَ على يديه، و لقد كانت صالحة ليس للعيب منها مساغ» (1).

إنّ هناك بوناً شاسعاً بين أبي بصير خِصِّيص الامام الصادق- (عليه السلام)- و زرارة ابن أعين، إذ لم تكن لأَبي بصير أيّة صلة بالشخصيات البارزة في العراق خصوصاً الحكّام و القضاة، و ما كان معروفاً في أوساط العراق، و هذا بخلاف زرارة، فقد كان من رجال العراق و رئيس القبيلة، و كفى في ذلك ما قاله الجاحظ: زرارة بن أعين مولى بني أسعد بن همام، و كان رئيس النميمية (2) و يصفه أبو غالب من مشايخ الشيعة و من أبناء ذلك البيت الرفيع بقوله: إنّ زرارة كان وسيماً، جسيماً، أبيض، و كان يخرج إلى الجمعة و على رأسه برنس أسود، و بين عينيه سجادة، و في يده عصا، فيقوم له الناس سماطين، ينظرون إليه لحسن هيئته، و ربما رجع عن طريقه، و كان خصماً، جدلًا، لا يقوم أحد لحجته، إلّا أنّ العبادة أشغلته عن الكلام، و المتكلّمون من الشيعة تلاميذه (3).

____________

(1) رجال الكشي: 138 برقم 221، و قد أفاض الكلام في ذلك العلّامة المامقاني، لاحظ تنقيح المقال.

(2) رسالة أبي غالب الزراري: 134 و 136.

(3) رسالة أبي غالب الزراري: 134 و 136.

27

بيت آل أعين

هذا غيض من فيض و قليل من كثير ممّا يمكن أن يقال أو قيل في حقّ فقيه عصره و محدّث زمانه، و كفى في الإِشادة بفضله و فقهه سبر هذا المسند، فإنّ في نفس الأَسئلة التي طرحها لدى الإِمامين (عليهما السلام) لدليلًا واضحاً على أنّ الرجل كان ملمّاً بالفقه، عارفاً بأُصوله و قواعده، مناقشاً أبناء عصره، و كان يستمدّ من منهل علوم أئمته، و ربما كان لا يقتنع بسماع الحكم من إمامه، و يطلب منه الحجّة من الكتاب و السنّة، و يناقشه حتى يتجلّى له الحقّ، تلمس كلَّ ذلك بالسبر في أحاديث هذا المسند.

و قد قام الشيخ المتضلّع أبو غالب الزراري (285 356 ه) بتأليف رسالة ضافية للتعرف على آل أعين والد زرارة فالناظر في هذا الكتاب ينظر إلى روضة غنّاء يشاهد فيها شجرة طيّبة لها أغصان، و دوحة لها أفنان، و قد نبغ في هذا البيت حَمَلةُ الحديث و حفّاظه، فصاروا قدوة للأُمّة و نوراً على جبين الدهر.

يقول شيخنا الزراري في صدر رسالته: أما بعد، فإنّا أهل بيت أكرمنا اللّه عزّ و جلّ بمنّه علينا بدينه و اختصّنا بصحبة أوليائه و حججه على خلقه من أوّل نشأتنا إلى وقت الفتنة التي امتحنت فيها الشيعة (1).

فلقي حمران (2) سيّدنا و سيد العابدين علي بن الحسين (صلوات اللّه عليهما) ، و كان حمرانُ من أكبر مشايخ الشيعة المفضَّلين، الذين لا يشكّ فيهم، فكان أحدَ حملة القرآن، و من يُعَدّ و يُذْكَرُ اسمه في كَتْبِ القرّاء، و روى أنّه قرأ على أبي جعفر محمد بن علي (عليهما السلام)، و كان مع ذلك عالماً بالنحو و اللغة.

و لقي حمران و جدّانا زرارة و بكير: أبا جعفر‌

____________

(1) أرّخ تاريخ الفتنة في رسالته عام 314، حيث هجمت القرامطة على الكوفة معقل الشيعة.

(2) حمران بن أعين أخو زرارة.

28

محمد بن علي، و أبا عبد اللّه جعفر بن محمد (عليهما السلام).

و لقي بعض إخوتهم و جماعة من أولادهم مثل حمزة بن حمران و عبيد بن زرارة و محمد بن حمران و غيرهم أبا عبد اللّه جعفر بن محمد (عليهما السلام) و رووا عنه إلى أن قال: و آل أعين أكثر أهل بيت في الشيعة و أكثرهم حديثاً و فقهاً، و ذلك موجود في كتب الحديث و معروف عند رواته. (1)

ثمّ ذكر في الرسالة رجال بيته الشامخ من عصر أعين إلى تاريخ تأليف الرسالة التي ألّفها لحفيده عام 356، و من أراد الاطّلاع فعليه الرجوع إليها و قد شرحها العلّامة المعاصر السيد محمد علي الموسوي الابطحي (دام ظلّه) (2).

و قال بحر العلوم: آل أعين أكبر بيت في الكوفة، من شيعة أهل البيت (عليهم السلام)، و أعظمهم شأناً، و أكثرهم رجالًا و أعياناً، و أطولهم مدة و زماناً، أدرك أوائلهم السجاد و الباقر و الصادق- (عليهم السلام)- و بقي أواخرهم إلى أوائل الغيبة الكبرى، و كان فيهم العلماء و الفقهاء و القرّاء و الأُدباء و رواة الحديث (3).

المدوّنات في الحديث و أقسامها

كثرت المدوّنات في الحديث، و من أنواعها المسند و المعجم و الجامع و السنن (4) فإذا كانت الأَحاديث مدوّنة مرتبة على أسماء الصحابة فَيُتَرجَم بالمسند مقابل تدوينه على الأَبواب، حيث يرتب المحدِّث كتابه على الموضوعات، و الموضوع الواحد يتناول موضوعاتٍ جزئية، و تحت كل موضوع جزئي أحاديث توضح الموضوع.

____________

(1) رسالة أبي غالب الزراري: 114.

(2) طبعت الرسالة عام 1399 ه.

(3) الفوائد الرجالية لبحر العلوم: 1- 222.

(4) راجع في الوقوف على خصوصيات هذه الأَنواع، التقريب و التفسير مع شرح السيوطي، و الوجيز في علوم الحديث، و لاحظ كتاب أُصول الحديث و أحكامه: 202 204.

29

ففي المسند يجمع المؤَلّف أحاديث الصحابي في موضوعات مختلفة و يَضُمّ بعضها إلى بعضٍ تحت عنوان، كمسند عبد اللّه بن عباس، أو عبد اللّه بن مسعود، أو أُبيّ بن كعب، و ربما يتوسع فترتب المسانيد على أسماء القبائل، أو على حسب السابقة إلى الإِسلام أو الشرافة في البيت و قد يقتصر على أحاديث صحابي واحد كمسند الامام علي- (عليه السلام)- أو جماعة منهم كأحاديث الخلفاء، أو العشرة، أو طائفة خاصة جمعها وصف واحد، كمسند الصحابة الذين نزلوا مصر أو الكوفة.

و قد قام لفيف من المحدثين القدامى بتدوين الحديث على هذا النوع، فمن الشيعة نذكر ما يلي:

1- مسند الإِمام أمير المؤمنين- (عليه السلام)- لأَبي أحمد عبد العزيز بن يحيى الجلودي شيخ جعفر بن قولويه الذي توفّي عام 367 ه (1).

2- مسند ابن عباس له أيضاً (2).

3- مسند زيد بن علي بن الحسين (الشهيد عام 122 ه) جمعها عبد العزيز ابن إسحاق البقّال (المتوفّى عام 313 ه)، و رواه عن زيد أبو خالد عمرو بن خالد الواسطي (3).

و قد ذكر النجاشي سنده إلى عمرو بن خالد الواسطي الذي كان زيدياً (4).

4- مسند عبد اللّه بن بكير بن أعين جمعه أبو العباس أحمد بن عقدة الهمداني اليماني (المتوفّى عام 333 ه) (5).

إلى غير ذلك ممّا ذكره البحاثة الكبير شيخنا المجيز الطهراني في الذريعة (6).

____________

(1) رجال النجاشي: 240 برقم 640.

(2) رجال النجاشي: 240 برقم 640.

(3) الذريعة للطهراني: 21- 26.

(4) رجال النجاشي: 288 برقم 771.

(5) رجال النجاشي: 94 برقم 233.

(6) الذريعة للطهراني: 21- 27.

30

5- مسند زرارة بن أعين (80 150 ه) جمعها الشيخ بشير المحمدي بعد جهد متواصل و سعى حثيث، فأعاد بذلك تأليف مسند شيخ الشيعة في القرن الثاني.

و ألّف أهل السنّة مسانيد كثيرة نذكر المشهور منها:

1- مسند أبي داود سلمان بن داود بن الجارود البصري الطيالسي (المتوفّى عام 206 ه).

و قيل هو أوّل من ألّف في المسانيد بين أهل السنّة (1) و هو أحد عشر جزءاً طبع في مجلّد واحد.

2- مسند الحافظ عبد اللّه بن الزبير الحميدي (المتوفّى عام 219 ه)، بتحقيق حبيب الرحمن الاعظمي في جزءين، يبلغ عدد أحاديثه إلى 1300 حديث و الغالب عليه المرفوعة، و فيه عدد قليل من الآثار الموقوفة على الصحابة و التابعين.

3- مسند الامام أحمد (المتوفّى عام 241 ه) و هو المتبادر عند الإِطلاق، و قد أفردنا رسالة في تحقيق حال هذا المسند، طبعت في سالف الزمان ضمن كتاب حول مسند الامام أحمد.

4- مسند الحافظ أبي يعلى الموصلي (210 307 ه) طبع في ثلاثة عشر جزءاً، بتحقيق حسين سليم أسد، و هناك مسانيد أُخرى يقف عليها من له إلمام بالحديث و علومه.

____________

(1) تدريب الراوي للسيوطي: 1- 140 نقلًا عن العراقي.

31

3- السيد علي بن الحسين الموسوي الشريف المرتضى (355 436 ه)

أكاذيب مزيفة في حياة المرتضى

لقد كان للسيدين الرضي و المرتضى مقام شامخ في دنيا الكلام و الذبّ عن المذهب بما أُوتيا من و قادة الفكر، و رصانة البيان، ناهيك أنّ السيّد المرتضى له تصنيفات كثيرة في حقل الكلام تتجلّى فيها أفكاره و قوّة برهانه، ككتاب «الشافي» الذي نقض به كتاب المغني للقاضي عبد الجبار، و «الذّخيرة» و هي دورة كلامية مسهبة طبعت في جزءين.

إضافة إلى ما أورده من البحوث الكلامية في غرره و درره المعروف ب «الأَمالي» و في «الفصول المختارة» و «تنزيه الأَنبياء» و رسائله و جواباته القيّمة.

و هذه المؤَلّفات تدلّ على سموّ مقامه و أنّه أُستاذ لا ينازعه أحد في عصره.

و أمّا شقيقة الرضي فقد غلب أدبه و شعره على علمه، إلّا أنّ كتابه «حقائق التنزيل في تفسير القرآن الكريم» الذي عبث به الزمان و لم يصل إلينا سوى الجزء الخامس منه، خير شاهد على نبوغه في فهم و تفسير ما يرجع إلى الآيات حول العقائد و المعارف، مضافاً إلى أنّ ما في كتابيه «مجازات القرآن» و «المجازات النبوية» غنى و كفاية على ذلك أيضاً.

32

و لمّا نسبت بعض الأَيدي الاثيمة إليهما ما لا يليق بمقامهما الشامخ، آليت على نفسي أن أُدافع عنهما بمتابعة المعاجم و المصادر لتوخّي الحقيقة.

إنّ الرضي و المرتضى في دوح السيادة ثمران، و في فلك الرئاسة قمران، و أدب الرضي إذا قُرن بعلم المرتضى كان كالفِرِنْد في متن الصارم المنتضى (1).

و قد وصف أبو العلاء المعرّي الشريفين في قصيدة يرثي بها والدهما بقوله:

أبقيتَ فينا كوكبين سناهما * * *في الصبح و الظلماء ليس بخاف

إلى أن قال:

ساوى الرضي و المرتضى و تقاسما * * *خطط العلى بتناصف و تصاف

(2) روى أهل السير و التواريخ أنّ المفيد أبا عبد اللّه محمد بن محمد بن النعمان نابغة العراق، و مفخرة الآفاق، رأى في منامه أنّ فاطمة- (عليها السلام)- بنت رسول اللّه- (صلى الله عليه و آله و سلم)- دخلت إليه و هو في مسجده بالكرخ و معها ولداها: الحسن و الحسين (عليهما السلام) صغيرين، فسلّمتهما إليه، و قالت له: علِّمهما الفقه.

فانتبه متعجّباً من ذلك، فلمّا تعالى النهار في صبيحة تلك الليلة التي رأى فيها الرؤيا دخلت إليه المسجد فاطمة بنت الناصر، و حولها جواريها و بين يديها ابناها: محمد الرضي و عليّ المرتضى صغيرين، فقام إليها و سلم عليها فقالت له: أيّها الشيخ: هذان ولداي قد أحضرتهما لتعلّمهما الفقه، فبكى أبو عبد اللّه، و قصّ عليها المنام و تولّى تعليمهما الفقه، و أنعم اللّه عليهما و فتح لهما من أبواب العلوم و الفضائل ما اشتهر عنهما في آفاق الدنيا، و هو باق ما بقي الدهر (3).

____________

(1) دميّة القصر: 1- 299، القسم الثالث في فضلاء العراق.

الفِرِنْد: السيف، يقال: «سيفٌ فِرِند» أي لا مثيل له.

(2) ديوان سقط الزند لشاعر المعرّة: 1301، ط القاهرة.

(3) ابن أبي الحديد المعتزلي: شرح نهج البلاغة: 1- 41؛ رياض العلماء: 4- 22؛ الروضات: 4- 295.

33

هكذا بدأ العلمان حياتهما الفكرية و العلمية، و نشئا و ترعرعا في مدرسة أُستاذ واحد غير أنّ كلّ منهما انطلق حسب ذوقه و مواهبه الطبيعية، و في مجال خاصّ.

فصبّ الرضي اهتمامه على العلوم الأَدبية و الشعر، و الحديث و التفسير، و تولّي نقابة الطالبيّين إلى غير ذلك من مهامّ الأُمور.

بينما صبّ المرتضى جهوده على الفقه و الكلام ثمّ التفسير، فنبغ كلّ واحد منهما في مجال خاصّ مع اشتراكهما في سائر المجالات العلمية و الفكرية.

و لأَجل ذلك نجد أنّ الرضي يراجع أخاه المرتضى في المسائل الفقهية و يطلب منه حلّها.

قال الشهيد الأَوّل في «الذكرى» و الشهيد الثاني في «الروض» في مسألة الجاهل بالقصر في السفر: حيث إنّ الإِمامية تذهب إلى صحّة صلاة الجاهل بالحكم إذا أتمّ مكان القصر.

سأل الرضي أخاه المرتضى و قال: إنّ الإِجماع واقع على أنّ من صلّى صلاة لا يعلم أحكامها فهي غير مجزية، و الجهل بأعداد الركعات جهل بأحكامها فلا تكون مجزية، (فكيف تكون صلاة الجاهل بوجوب القصر إذا أتمّ صحيحة؟) فأجابه المرتضى بجواز تغيّر الحكم الشرعي بسبب الجهل، و إن كان الجاهل غير معذور (1).

كما أنّ هناك ما ينبئَ عن أنّ المرتضى يرجع إلى أخيه الرضي في الفنون التي برع فيها أخوه.

روى السيد نعمة اللّه الجزائري قال: دخل أبو الحسن على السيّد المرتضى طاب ثراه يوماً و كان المرتضى قد نظم أبياتاً من الشعر فوقف به بحر الشعر فقال: يا أبا الحسن خذ هذه الأَبيات إلى أخي الرضي و قل له يتمّها‌

____________

(1) بحر الفوائد للعلّامة الشيخ محمد حسن الاشتياني، ص 45 و غيرها.

34

و هي هذه:

سرى طيف سلمى طارقاً فاستفزّني * * *سحيراً و صحبي في الفلاة رقود

فلمّا انتبهنا للخيال الذي سرى * * *إذ الأَرض قفراً و المزار بعيد

فقلت لعيني عاودي النوم و اهجعي * * *لعلّ خيالًا طارقاً سيعود

قال أبو الحسن:

فأخذت الأَبيات، و مضيت إلى السيّد الرضي، فلمّا رآها قال: عليّ بالمحبرة فكتب:

فردّت جواباً و الدموع بوادر * * *و قد آن للشمل المشتت ورود

فهيهات عن ذكرى حبيب تعرّضت * * *لنا دون لقياه مهامه بيد

فأتيت بها إلى المرتضى، فلمّا قرأها ضرب بعمامته الأَرض و قال: يعزّ عليّ أخي، يقتله الفهم بعد أُسبوع، فما دار الأُسبوع إلّا و قد مضى الرضيّ إلى رحمة اللّه سبحانه (1).

و ممّا يكشف عن شدّة التلاحم و الارتباط و الودّ بين هذين الأَخوين العلمين، أنّه لمّا توفّي السيّد الرضي و حضر الوزير فخر الملك و جميع الأَعيان و الأَشراف و القضاة جنازته، و الصلاة عليه، مضى أخوه المرتضى من جزعه عليه إلى مشهد موسى بن جعفر (عليهما السلام) لَانّه لم يستطع أن ينظر إلى تابوته و دفنه.

و صلّى عليه فخر الملك أبو غالب؛ و مضى بنفسه آخر النهار إلى أخيه المرتضى بالمشهد الشريف الكاظمي، فألزمه بالعَوْد إلى داره.

نرى أنّ المرتضى يصبّ عواطفه الرفيعة و حنانه في الأَبيات التالية:

____________

(1) رياض العلماء: 4- 64؛ الروضات: 6- 199.

35

يا للرجال لفجعةٍ جَذَمَتْ يدي * * *و وددت لو ذهبَت عليّ برأسي

ما زلت آبَى وِردَها حتى أتت * * *فَحسوتُها في بعض ما أنا حاسي

و مَطلتُها زمناً فلمّا صمّمت * * *لم يَثنِها مَطْلِي و طولُ مِكاسي

للّه عمرك من قصير طاهرٍ * * *و لربّ عمرٍ طال بالادناس (1)

هذا بعض ما حفظ التاريخ من تفاني كلّ من الأَخوين بالنسبة إلى الآخر.

غير أنّ ثمة شرذمة من أهل السير و التراجم لم يتحمّلوا ما وجدوه بين هذين الأَخوين من العطف و المودّة، و الأَدب و الأَخلاق و الفضائل و المناقب، فعادوا ينسبون إليهما ما لا تصحّ نسبته إلى من هو أدون منهما بدرجات، و إليك بعض هذه التهم التي تكذّبها سيرة العلمين و حياتهما المشرقة.

المرتضى خائض في دماء ..

يحكى أنّه اقتدى الرضي يوماً بأخيه المرتضى في بعض صلاته، فلمّا فرغ قال: لا أقتدي بك بعد هذا اليوم أبداً؛ قال: و كيف ذلك؟ قال: لأَنّي وجدتك خائضاً في صلاتك في دماء النساء فصدّقه المرتضى و أنصف، و التفت إلى أنّه أرسل ذهنه في أثناء تلك الصلاة إلى التفكّر في مسألة من مسائل الحيض.

و ربّما يحكى أنّ الرضي بمجرّد أن انكشفت له الحالة المزبورة، انصرف من صلاته و أخذ في الويل و العويل، و أظهر الفزع الطويل في تمام السبيل إلى أن بلغ المنزل بهذه الحالة؛ فلمّا فرغ المرتضى، أتى المنزل من فوره، و شكا ما صنعه به إلى أُمّه، فعاتبته على ذلك، فاعتذر عندها بما ذكر و أنّه كان يتفكّر إذ ذاك في مسألة من الحيض، سألته عنها بعض النسوة في أثناء مجيئه إلى الصلاة (2).

____________

(1) ابن أبي الحديد المعتزلي: شرح نهج البلاغة: 1- 41.

راجع ديوانه: 2- 142.

(2) روضات الجنات: 2036- 202، نقلًا عن صاحب حدائق المقرّبين.

36

تساوَلات حول القصة؟ و هذه القصة تحيط بها إبهامات عديدة و تساؤلات نشير إليها: الأَوّل: هل الفكرة الشرعية الصحيحة إذا راودت ذهن الإِنسان في أوقات الصلاة أو غيرها توجب تمثّلَ الإِنسان بنفس تلك الفكرة عند أرباب البصائر و ذوي العيون البرزخية، الذين يستطيعون مشاهدة ما وراء الحجب و الستور ببصائرهم؟ فلو خاض الإِنسان في أحكام السرقة أو حدّ الزنا و القذف، فهل يوجب ذلك أن يتمثّل المفكّر فيها، عند من يعاين الأَشياء بأنظار ثاقبة، سارقاً و زانياً و قاذفاً؟ لا أظن أن يتفوّه بهذا أيّ حكيم نابه أو عارف بصير، بل لازم تلك البصيرة أن يعاين صاحب الفكرة على الحالة التي هو عليها، فيرى الرضي صاحب تلك البصيرة أخاه الفقيه على الحالة التي هو عليها، أي مفكّراً و متعمّقاً في مسألة فقهية شاغلًا بها لا خائضاً في الدماء.

الثاني: أنّ القصة تكذّب نفسها، فإنّ لازم رجوع النساء إلى المرتضى في المسائل المختصة بالنساء هو كون المسئول من ذوي الشخصيات الضاربة في الأَربعين أو ما يقاربه، و لازم إرجاع الشكاية إلى الأم كون المصلّي و المقتدي في سنين الصبا، و من المعلوم أنّ الأَخوين كانا متقاربي السن و لا يكبر المرتضى عن أخيه الرضي إلّا بأربعة أعوام.

الثالث: أنّ القصة على بعض الروايات تصرّح بانصراف الرضي عن الصلاة بقطعها و إبطالها، و هو أمر محرّم و لا يسوغ لمثل الرضي ارتكابه.

37

2- المرتضى شحيح و الرضيّ سخي!

إنّ هذه التهمة ليست التهمة الوحيدة التي أُلصقت بالمرتضى، بل نسجت الأَلسنة الحاقدة فرية أُخرى أرادوا بها الانتقاص من ذينك العلمين الجليلين، و إليك واحدة أُخرى من هذه التهم: قال صاحب كتاب «عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب»: إنّ المرتضى كان يبخل و لمّا مات خلف مالًا كثيراً و خزانته اشتملت على ثمانين ألف مجلّد، و لم أسمع بمثل ذلك، و قد أناف القاضي عبد الرحمن الشيباني على جميع من جمع كتباً فاشتملت خزانته على مائة ألف و أربعين ألف، و كان المستنصر أودع خزانته في المستنصرية ثمانين ألف مجلداً (1).

ثمّ إنّ القصّاصين لم يكتفوا بهذه التهمة، بل ذكروا شاهداً و نقلوا عن أبي حامد أحمد بن محمد الاسفرائيني الفقيه الشافعي انّه قال: كنت يوماً عند فخر الملك أبي غالب محمد بن خلف وزير بهاء الدولة و ابنه سلطان الدولة، فدخل عليه الرضي أبو الحسن، فأعظمه و أجلّه و رفع من منزلته، و خلّى ما بيده من الرقاع و القصص، و أقبل عليه يحادثه إلى أن انصرف، ثمّ دخل عليه المرتضى أبو القاسم (رحمه اللّه) فلم يعظّمه ذلك التعظيم، و لا أكرمه ذلك الإِكرام.

و تشاغل عنه برقاع يقرأها، و توقيعات يوقّع بها، فجلس قليلًا، و سأله أمراً، فقضاه، ثمّ انصرف.

قال أبو حامد: فتقدّمتُ إليه، و قلت له: أصلح اللّه الوزير هذا المرتضى هو الفقيه المتكلّم صاحب الفنون، و هو الأَمثل و الأَفضل منهما و إنّما أبو الحسن شاعر، قال: فقال لي: إذا انصرف الناس و خلا المجلس أجبتك عن هذه المسألة.

قال: و كنت مُجمِعاً على الانصراف، فجاءني أمرٌ لم يكن في الحساب،

____________

(1) عمدة الطالب في أنساب آل أبي طالب: 235؛ و لاحظ أيضاً الرياض: 4- 21.

38

فدعتِ الضرورة إلى ملازمة المجلس إلى أن تقوّض الناس واحداً فواحداً.

فلمّا لم يبق إلّا غلمانه و حُجّابه، دعا بالطعام، فلمّا أكلنا و غسل يديه و انصرف عنه أكثرُ غلمانه، و لم يبق عنده غيري قال لخادم: هات الكتابين اللّذين دفعتهما إليك منذ أيّام و أمرتُك أن تجعلهما في السفَط الفلاني فأحضرَهما، فقال: هذا كتاب الرضيّ، اتّصل بي أنّه قد وُلدَ له ولد، فأنفذتُ إليه ألف دينار و قلت له: هذه للقابلة، فقد جرت العادة أن يحمِل الأَصدقاء إلى أخِلّائهم و ذوي مودّتهم مثلَ هذا في مثل هذه الحال، فردّها و كتب إليّ: هذا الكتاب فاقرأه، قال: فقرأته و هو اعتذار عن الرد، و في جملته: إنّنا أهل بيت لا يطّلع على أحوالنا قابلة غريبة، و إنّما عجائزنا يتولّين هذا الأَمر من نسائنا و لَسنَ ممّن يأخذ أُجرة، و لا يقبلن صلة.

قال: فهذا هذا.

و أمّا المرتضى فإنّنا كنّا قد وزّعنا و قسّطنا على الاملاك ببادرويا تقسيطاً نصرفه في حَفر فوّهة النهر المعروف بنهرِ عيسى، فأصاب مِلكاً للشريف المرتضى بالناحية المعروفة بالداهرية من التقسيط عشرون درهماً ثَمَنها دينار واحد، قد كتب إليّ منذ أيام في هذا المعنى هذا الكتاب، فاقرأه، فقرأته و هو أكثر من مائة سطر، يتضمّن من الخضوع و الخشوع و الاستمالة و الهزّ و الطلب و السؤَال في إسقاط هذه الدراهم المذكورة عن أملاكه المشار إليها ما يطول شرحه.

قال فخر الملك: فأيّهما ترى أولى بالتعظيم و التبجيل؟ هذا العالم المتكلّم الفقيه الأَوحد و نفسه هذه النفس، أم ذلك الذي لم يُشهر إلّا بالشعر خاصّة، و نفسُه تلك النفس! فقلت: وفّق اللّه تعالى سيدنا الوزير فمازال موفّقاً؛ و اللّه ما وضع سيدنا الوزير الأَمرَ إلّا في موضعه، و لا أحلّه إلّا في محلّه! و قمت فانصرفت (1).

____________

(1) ابن أبي الحديد المعتزلي: شرح نهج البلاغة: 401- 39؛ روضات الجنات: 6- 195.

39

قرائن تكذّب هذه القصة إنّ ثمة قرائن و شواهد قويّة دلّت على أنّ القصة، حديث كاذب، و تهمة مختلقة، و إليك تلك القرائن المفيدة للعلم بخلاف هذه الحكاية:

1- إنّ السيد المرتضى و هو ذلك الرجل الصدوق ينصّ بنفسه على أنّه لم يكن يرى لثروته الطائلة قيمة تجاه مكارمه و كراماته و كان يقول:

و ما حزّني الإِملاق و الثروة التي * * *يذلُّ بها أهل اليسار ضلالُ

أ ليس يُبقِّي المال إلّا ضنانة * * *و أفقر أقواماً ندى و نوالُ

إذا لم أنل بالمال حاجة مُعسر * * *حصورٍ عن الشكوى فمالي مال

(1) أ فترى أنّ صاحب هذه الروحية العالية يكتب لإِعطاء عشرين درهماً مائة سطر يتضمّن من الخضوع و الخشوع ما لا يرتكبه أدنى الناس فكيف بمثله؟! 2- إنّ الشريف المرتضى تقلّد بعد أخيه الرضي نقابة الشرفاء شرقاً و غرباً و إمارة الحاج و الحرمين، و النظر في المظالم، و قضاء القضاء ثلاثين سنة و ذلك من عام 406) و هو العام الذي توفّي فيه أخوه الرضي) إلى عام 436 الذي توفّي فيه نفس الشريف.

أ فهل يمكن أن يقوم بأعباء مثل هذه المسئولية الاجتماعية من يبخل بدينار واحد يصرفه فخر الملك في حفر نهر تعود فائدته إلى الجميع، و يكتب في إسقاطه أكثر من مائة سطر؟! حاشاه.

هذا و الحجيج بين شاكر لكلاءته، و ذاكر لمقدرته، و مُطْرٍ لأَخلاقه، و متبرّك بفضائله، و مثنٍ على أياديه، و هذا يفيد أنّ الشريف المرتضى كان كأخيه الرضي‌

____________

(1) الغدير: 4- 275، و لم يذكر مصدره.

40

سخياً معطياً، و لم ير للمال قيمة.

3- إنّ ابن خلّكان بعد ما عرّفه بقوله: كان إماماً في علم الكلام و الأَدب و الشعر، أتى بقصة حكاها الخطيب التبريزي، و هي بنفسها أقوى شاهد على أنّ السيد كان ذا سماحة كبيرة.

قال الخطيب: إنّ أبا الحسن عليّ بن أحمد بن عليّ بن سلَّك الفالي الأَديب كانت له نسخة لكتاب «الجمهرة» لابن دريد في غاية الجودة، فدعته الحاجة إلى بيعها فباعها و اشتراها الشريف المرتضى بستّين ديناراً، فتصفّحها فوجد فيها أبياتاً بخطّ بائعها، و هي:

أنِسْتُ بها عشرين حولًا و بعتها * * *فقد طال وَجْدي بعدها و حنيني

و ما كان ظنّي أنّني سأبيعها * * *و لو خلَّدتني في السجون ديوني

و لكن لضعفٍ و افتقار و صبيةٍ * * *صغارٍ عليهم تستهلُّ شئوني

فقلت و لم أملك سوابق عَبرةٍ * * *مقالة مكويّ الفؤَاد حزينِ

«و قد تُخرج الحاجات يا أُم مالك * * *كرائم من ربّ بهنّ ضَنين»

و قال الخطيب:

فأرجع السيد النسخة إليه و ترك له الدنانير (1).

أ فهل في وسع البخيل الشحيح المقدم على التنقيص من كرامته لأَجل إسقاط دينار ضُرب عليه لحضرته، أن تسخو نفسه و تجود بمثل هذه الدنانير؟! 4- روى أصحاب التراجم أنّ السيد المرتضى كان يجري الرزق على جميع تلامذته حتى انّه قرّر للشيخ الطوسي كلّ شهر أيّام قراءته عليه اثني عشر ديناراً و على ابن البرّاج كلّ شهر ثمانية دنانير، ليتفرّغوا بكلّ جهدهم إلى الدراسة من غير‌

____________

(1) وفيات الأَعيان: 3- 316، ط بيروت، دار الثقافة.

41

تفكّر في أزمات المعيشة (1).

أ في وسع القاري أن يتّهم من يدرّ من ماله الطاهر أو ممّا يصل إليه من الناس من الحقوق الشرعية على تلامذته الكثيرين البالغ عددهم المئات هذه الرواتب الطائلة، أن يشحّ و يبخل بدينار، و يكتب في إسقاطه مائة سطر؟!! 5- إنّ الشريف المرتضى كان قد وقف قرية على كاغذ (2) الفقهاء، حتى لا يواجه الفقهاء أية أزمة في لوازم الكتابة و التحرير.

6- و قد روي أنّ السيد المرتضى كان يملك قرى كثيرة واقعة بين بغداد و كربلاء، و كانت معمورة في الغاية، و قد نُقِل في وصف عمارتها أنّه كان بين بغداد و كربلاء نهر كبير، و على حافتي النهر كانت القرى إلى الفرات، و كان يعمل في ذلك السفائن، فإذا كان في موسم الثمار كانت السفائن المارة في ذلك النهر تمتلئ من سقطات تلك الأَشجار الواقعة على حافتي النهر، و كان الناس يأكلون منها من دون مانع (3).

7- قد نقل أصحاب السير أنّ الناس أصابهم في بعض السنين قحط شديد، فاحتال رجل يهودي على تحصيل قوته، فحضر يوماً مجلس الشريف المرتضى و سأله أن يأذن له في أن يقرأ عليه شيئاً من علم النجوم، و أمر له بجزاية تجرى عليه كلّ يوم، فقرأ عليه برهة، ثمّ أسلم على يديه (4).

8- إنّ ياقوت الحموي نصّ في معجم الأُدباء (ج 3، ص 154) على‌

____________

(1) الرياض: 4- 20، لاحظ مقالنا حول ترجمة عبد العزيز بن البرّاج المنشور في الجزء الأَوّل من كتاب «المهذّب» فقد ذكرنا مصادر هذا الموضوع.

(2) كذا في المصدر.

و المراد القرطاس.

لاحظ الروضات: 4- 296.

(3) الرياض: 4- 20.

(4) الرياض: 4- 23؛ الروضات: 4- 296.

42

أنّ المرتضى كان يدخل عليه من أملاكه كلّ سنة أربعة و عشرون ألف دينار.

9- إنّ الشريف المرتضى هو أوّل من جعل داره دار العلم و قدرها للمناظرة و يقال: إنّه أُمّر و لم يبلغ العشرين، و كان قد حصل على رئاسة الدنيا بالعلم و العمل الكثير، و المواظبة على تلاوة القرآن و قيام الليل، و إفادة العلم، و كان لا يؤَثر على العلم شيئاً مع البلاغة و فصاحة اللهجة.

و حكي عن الشيخ أبي إسحاق الشيرازي أنّه قال: كان الشريف المرتضى ثابت الجأش، ينطق بلسان المعرفة و يردّد الكلمة المسدّدة، فتمرق مروق السهم من الرمية ما أصاب و ما أخطأ أشوى (1).

و القاري الكريم إذا لاحظ ما ذكرناه في هذه الفقرات الخمس الأَخيرة يقف على تفاهة ما نُسب إلى هذا العَلَم من تلك القصّة المنحوتة المختلَقَة.

10- إنّ القصّة تتضمّن أنّ فخر الملك لم يُعظِّم المرتضى بما يليق بشأنه و تشاغل عنه برقاع يقرأها و توقيعات يوقع بها، و لكن الفخر هذا قد عظم المرتضى بأفضل ما يمكن يوم مات الشريف الرضي حيث إنّ المرتضى لم يشهد جنازة أخيه، و لم يستطع أن ينظر إلى تابوته و ذهب إلى مشهد موسى بن جعفر (عليهما السلام)، و مضى فخر الملك بنفسه آخر النهار إلى المشهد الكاظمي، و استدعى منا لسيد العود إلى داره ببغداد.

فبأي هذين الموقفين نذعن؟! هذه القرائن و الشواهد تشهد بوضوح على بطلان هذه القصة الخرافية، و تدلّ على أنّ ناسجها نسجها في غير موضعها.

11- قد اشتهر على ألسن العلماء أنّه لمّا اتّفقت فقهاء العامة على حصر‌

____________

(1) لسان الميزان: 4- 223 نقلًا عن تاريخ ابن أبي طيّ.

43

المذاهب الفقهية الإِسلامية التي تعدّدت و تشعّبت من زمان الصحابة و التابعين و من تبعهم إلى عصر السيد المرتضى في مذاهب معيّنة، التقى السيد المرتضى بالخليفة و تعهّد له أن يأخذ من الشيعة مائة ألف دينار حتى ترفع التقيّة و المؤاخذة على الانتساب إليهم، فتقبّل الخليفة؛ ثمّ إنّه بذل لذلك من عين ماله ثمانين ألفاً، و طلب من الشيعة بقية المال، و من الأَسف إنّهم لم يقدروا عليه (1) و هذه القصة سواء أصحّت أم لا، تكشف على أنّ السيد كان من السخاء بمكان بحيث أمكن نسبة هذه القصّة إليه.

12- هذا هو الدفاع الصحيح عن كرامة السيد الجليل و دحض القصة بهذه القرائن المفيدة للعلم، و العجب أنّ صاحب الروضات بعد ما نقل تلك القصة المختلقة انبرى للدفاع عن السيد بما نقله عن السيد الجزائري بقوله: كأنّ الوزير فخر الملك لم يتحقّق معنى علو الهمّة، فلذا عاب الأَمر على الشريف المرتضى، و إنّما كان على غضاضة في ذلك الكتاب لو كان سائلًا لها من أموال الوزير، و ما فعله الشريف عند التحقيق من جملة علو الهمّة، و ذلك أنّه دفع عن ملكه بدعة لو لم يتداركها بقيت على ملكه، و ربما وضعت من قدره لو بقيت عند أهل الاملاك و غيرهم، و كما أنّه ورد الحديث: المؤمن ينبغي له الحرص على حيازة ماله الحلال، كي ينفقه في سبيل الطاعات.

كما كانت عادة جدّه أبي طالب بن عبد المطلب، فإنّه كان يباشر جبر ما انكسر من مواشيه و أنعامه، فإذا جاء الوافد إليه وهبها مع رعاتها له (2).

____________

(1) الروضات: 4- 307.

و لاحظ الرياض: 344- 32، و قال في الأَخير ص 53: إنّه خلف بعد وفاته ثمانين ألف مجلد من مقرواته و مصنّفاته و محفوظاته و من الأَموال و الأَملاك ما يتجاوز عن الوصف.

إلى آخر ما أفاد.

(2) روضات الجنات: 2046- 203.

44

غير أنّه كان من الواجب على السيد الجزائري و صاحب الروضات أن يفنّدا هذه القصة من أساسها للقرائن و الشواهد التي ألمحنا إلى بعضها، كما كان عليهما أن يتمسكا في المقام بما روي عن عليّ- (عليه السلام)-: «من أنّ أفضل المال ما وقي به العرض، و قضيت به الحقوق» (1).

الشريف الرضي

قد عرفت ما في كنانة القصّاصين من التّهم الباطلة الموجّهة إلى الشريف المرتضى، فهلمّ الآن إلى ما اختلقه الآخرون ممّن يحملون الحقد و البغض الدفين لأَبناء البيت العلوي حول الشريف الرضي و إن نقله أصحاب التراجم من غير دقّة و تحقيق.

فقالوا: كان الرضي ينسب إلى الإِفراط في عقاب الجاني، و له في ذلك حكايات، منها: انّ امرأة علويّة شكت إليه زوجها، و أنّه لا يقوم بمئونتها، و شهد لها من حضر بالصدق في ما ذكرت، فاستحضره الشريف و أمر به، فبُطِح و أمر بضربة فضرب، و المرأة تنظر أن يكف و الأَمر يزيد حتى جاوز ضربه مائة خشبة؛ فصاحت المرأة: «و أيتم أولادي كيف يكون حالنا إذا مات هذا؟» فكلّمها الشريف بكلام فظّ، و قال: ظننت أنّك تشكينه إلى المعلّم؟ (2) لا شكّ أنّه كان من وظيفة الشريف الرضي نصح الزوج، و دعوته إلى الرفق بالمرأة، و القيام بلوازم حياتها لا الأَمر ببطحه و ضربه ضرباً كاد يقضي على حياته.

و على فرض أنّ الشريف كان آيساً من تأثير النصح في ذلك الرجل، كان يجب عليه القيام بما جاء به الشرع من مورد التعزيرات، إذ لا شكّ أنّ ذلك المورد ليس من موارد الحدود بل من موارد التعزيرات، فإنّ الحدود ما جاء به الشرع‌

____________

(1) بحار الأَنوار: 78- 7.

(2) الروضات: 6- 196.

45

بمقرّر و حدّ خاص، و أسبابه كما في «الشرائع» على ما قرّر في الفقه ستّة: الزنا و ما يتبعه، و القذف، و شرب الخمر، و السرقة، و قطع الطريق.

و المورد ليس من تلك الموارد، ففيه التعزير، و قد قرّر في محلّه أنّه يجب أن يكون التعزير أقلّ من الحدّ.

روى حمّاد بن عثمان عن الصادق- (عليه السلام)- قال قلت له: التعزير؟ فقال: دون الحدّ، قال قلت: دون ثمانين؟ قال: لا، و لكن دون أربعين فإنّها حدّ المملوك، قلت: و كم ذاك؟ قال: على قدر ما يراه الوالي من ذنب الرجل و قوّة بدنه (1).

و بما أنّ حدّ القاذف في الحر هو ثمانون جلدة، فلو قلنا بأنّ حدّ المملوك فيه نصف ما على الحر، يصير الحدّ المقرر هو أربعون جلدة، قال تعالى: (فَإِنْ أَتَيْنَ بِفٰاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مٰا عَلَى الْمُحْصَنٰاتِ مِنَ الْعَذٰابِ) (2) فيجب أن يكون التعزير على هذا، دون الأَربعين.

و في خبر القاسم بن سليمان: سئل الصادق- (عليه السلام)- عن العبد إذا افترى على الحرّ كم يُجلد؟ قال: «أربعين» (3).

و لو قلنا بأنّه لا يشترط في الثمانين الحرية و أنّ حدّ القاذف في الحر و العبد سواء كما هو المشهور و أنّ الفاحشة (في الآية) التي تصرّح باختلاف حدّ الحر مع العبد ظاهرة في الزنا فقط، و حدّها حسب تصريح الذكر الحكيم هو مائة جلدة، يكون أقلّ الحدّ هو خمسين (4).

و إن قلنا: إنّ قوله: «دون الحد» منصرف عن حدود العبد، و الأَمة لأَنّ الأَحكام المتعلّقة بهما في الإِسلام، أحكام مؤَقتة ثابتة ما دامت الرقية موجودة، فإذا‌

____________

(1) الوسائل: 18- 584 أبواب بقية الحدود، الباب 10، الحديث 2.

(2) النساء: 25.

(3) المنتظم: 7- 279.

(4) ابن أبي الحديد المعتزلي: شرح نهج البلاغة: 1- 32.

46

ارتفع الموضوع و لم يوجد في أديم الأَرض أية رقية، ترتفع أحكامها بارتفاع موضوعها.

و الناظر في التشريع الإِسلامي يقف على أنّ الشارع اهتمّ بتحرير العبيد و الإِماء بطرق كثيرة كانت تقضي على حديث الرقية و أنّ الحكومات القائمة باسم الإِسلام ما قامت بوظيفتها في ذاك المجال.

فلو قلنا بذلك الانصراف، و قلنا بأنّ ما ورد في حدّ القيادة من أنّه يضرب ثلاثة أرباع الزاني خمسة و سبعين سوطاً (1) حدّ لا تعزير و لا توضيح لأَحد مصاديقه، يكون «أقل الحدّ» هو أربعة و سبعون سوطاً ممّا دونه، و على كلّ تقدير ليس في الفقه الإِمامي تعزير يتجاوز عن المائة، و كان الرضي يعمل بالفقه الإِمامي و يعتنقه و ليس ممّن يخفى عليه ذاك الحكم الذي كان يمارسه طيلة نقابته للطالبيين.

و على كلّ هذه التقادير كيف أمر الشريف بجلد ذلك الرجل حتى جاوز مائة خشبة مع أنّه (رحمه اللّه) ذلك الورع التقي الذي اتّفق الجميع على طهارته، و نزاهته و تقواه؟ و ما نرى ذلك إلّا فرية أراد الجاعل الحطّ بها من مكانة السيد الشريف (قدس اللّه روحه).

و قد روي عن أبي جعفر أنّ أمير المؤمنين- (عليه السلام)- أمر قنبراً أن يضرب رجلًا حدّا، فغلط قنبر، فزاده ثلاثة أسواط، فأقاده عليّ- (عليه السلام)- من قنبر بثلاثة أسواط (2).

إنّ الشريف الرضي هو الذي يعرّفه ابن الجوزي في المنتظم: كان الرضي نقيب الطالبيين ببغداد، حفظ القرآن في مدّة يسيرة بعد أن جاوز ثلاثين سنة، و عرف من الفقه و الفرائض طرفاً قويّاً، و كان عالماً، فاضلًا، و شاعراً مترسّلًا، عفيفاً، عالي الهمّة، متديّناً، اشترى في بعض الأَيام جزازاً من امرأة بخمسة دراهم فوجد‌

____________

(1) صحاح الاخبار: 61.

(2) ابن أبي الحديد المعتزلي: شرح نهج البلاغة: 1- 33.

و لاحظ الغدير: 1- 250.

47

جزءاً بخط أبي عبد اللّه بن مقلة، فقال للدلّال: أحضر المرأة، فأحضرها فقال: قد وجدت في الجزاز جزءاً بخط ابن مقلة، فإن أردت الجزء فخذيه و إن اخترت ثمنه فهذه خمسة دراهم، فأخذتها، و دعت له، و انصرفت (1).

فمن كان هذا مبلغ تقواه و ورعه، لا يقدم على معاقبة الزوج أمام زوجته بتلك المعاقبة الخشنة الخارجة عن حدود الشرع.

هذا ابن أبي الحديد يعرّفه في كتابه بقوله: كان عفيفاً، شريف النفس، عالي الهمّة، ملتزماً بالدين و قوانينه، و لم يقبل من أحد صلة و لا جائزة (2).

و هذا الرفاعي يعرّفه في صحاح الاخبار بقوله: كان أشعر قريش، و ذلك لَانّ الشاعر المجيد من قريش ليس بمكثر، و المكثر ليس بمجيد، و الرضي جمع بين فضلي الإِكثار و الإِجادة، و كان صاحب ورع و عفّة، و عدل في الأَقضية، و هيبة في النفوس (3).

فمن كان عفيفاً شريف النفس ملتزماً بالدين و قوانينه، و كان صاحب ورع و عفّة، و عدل في الأَقضية أ ترى يتجاوز عن حدود الشريعة و يرتكب ما لا يرتكبه من له أدنى ورع؟ ما هكذا تورد يا سعد الإِبل!! لقد تولّى الشريف نقابة الطالبيّين و أمارة الحجّ و النظر في المظالم سنة 380 ه و هو ابن واحد و عشرين سنة على عهد الطائع، و صدرت الأَوامر بذلك من بهاء الدولة و هو بالبصرة عام 397 ه، ثمَّ عهد إليه في 16 محرم عام 403 ه بولاية أُمور الطالبيّين في جميع البلاد فدُعي نقيب النقباء، و لم يبلغ أحد من أهل البيت تلك المنزلة إلّاالإِمام عليّ بن موسى الرضا (سلام اللّه عليه) الذي كانت له ولاية عهد و الجُزاز: قطعة من الصوف الذي يُجزّ من الغنم.

____________

(1) المنتظم: 15- 115 برقم 3065.

(2) ابن أبي الحديد المعتزلي: شرح نهج البلاغة: 1- 33.

(3) صحاح الأَخبار: 61.

48

المأمون.

و أُتيحت للشريف الخلافة على الحرمين على عهد القادر (1).

و النقابة موضوعة لصيانة ذوي الأَنساب الشريفة عن ولاية من لا يكافئهم في النسب، و لا يساويهم في الشرف ليكون عليهم أحبى، و أمره فيهم أمضى، و هي على ضربين: خاصّة و عامة، أمّا الخاصة فهو أن يختصر بنظره على مجرّد النقابة من غير تجاوز لها إلى حكم و إقامة حدّ، فلا يكون العلم معتبراً في شروطها و يلزمه في النقابة على أهله من حقوق النظر اثنا عشر حقّا، و قد ذكرها الماوردي في الأَحكام السلطانية.

و أمّا النقابة العامّة فعمومها أن يردَ إلى النقيب في النقابة عليهم، مع ما قدمناه من حقوق النظر، خمسة أشياء:

1- الحكم بينهم في ما تنازعوا فيه.

2- الولاية على أيتامهم في ما ملكوه.

3- إقامة الحدود عليهم في ما ارتكبوه.

4- تزويج الأَيامى اللّاتي لا يتعيّن أولياؤهنّ أو قد تعيّنوا فعضلوهن.

5- إيقاع الحَجر على من عته منهم أو سفه و فكه إذا أفاق و رشد.

فيصير بهذه الخمسة عامَّ النقابة، فيعتبر في صحّة نقابته وعد ولايته أن يكون عالماً من أهل الاجتهاد ليصحّ حكمه، و ينفذ قضاؤَه (2).

فمن تصدّى لهذه المناصب الخطيرة أعواماً و سنين عديدة مضافاً إلى ولاية المظالم و الولاية على الحج، و الكلّ يتطلّب خصوصيات و صفات نفسانيّة عالية، و سجايا أخلاقية رفيعة جدّاً حتى انّه يجب أن يكون ظاهر العفّة، قليل الطمع، كثير الورع، لا يعقل أن يقوم بما جاء ذكره في القصة السابقة التي لا توجد إلّا في‌

____________

(1) ابن أبي الحديد المعتزلي: شرح نهج البلاغة: 1- 38.

و لاحظ الغدير: 4- 205.

(2) الاحكام السلطانية، ص 8682.

49

علبة القصّاصين و جعبة الوضّاعين.

كلّ ما مرّ عليك من الأَكاذيب و التهم قد أُلصقت إمّا بالشريف الرضي أو بأخيه المرتضى، و كان الهدف من وراء وضعها تكبير هذا بتصغير ذلك أو بالعكس، هذا يرشد إلى أنّ كليهما كانا موضع حقد البعض و بغضهم و حسدهم.

و يؤَيّد ذلك ما اتُّهما به على وجه الاشتراك، و أوّل ما رُميا به ما ذكره ابن خلّكان في تاريخه إذ قال: اختلف الناس في كتاب «نهج البلاغة» المجموع من كلام الامام عليّ بن أبي طالب هل هو جَمْعه الشريف الرضي أم جمع أخيه المرتضى؟ و قد قيل: إنّه ليس من كلام عليّ، و إنّما الذي جمعه و نَسَبه إليه، هو الذي وضعه (1).

و تبعه اليافعي من دون تحقيق و ردّد نفس ما قاله ابن خلّكان في تاريخه (2).

فما تورّط فيه هذان الكاتبان من نسبة الكتاب إلى علم الهدى و اتّهامه بوضعه أو أخيه سيدنا الشريف الرضي، ممّا لا يقام له في سوق الحقائق وزن و ليس له مناخ إلّا حيث تربض فيه العصبية العمياء، و يكشف عن جهل أُولئك، و قد قام عدّة من المحقّقين بتفنيد هذه النسبة عن طريق ذكر مصادر نهج البلاغة المؤَلّفة قبل أن يولد الرضي أو الشريف المرتضى، فنحن نضرب عن ذلك صفحاً و نمرّ عليها كراماً.

و في كتاب مصادر نهج البلاغة للعلّامة الخطيب السيد عبد الزهراء الحسني، و ما كتبه الأُستاذ عبد اللّه نعمة، و ما أفرد العلّامة الشيخ هادي آل كاشف الغطاء في ذلك المضمار و طبع مع كتابه مستدرك نهج البلاغة، غنى و كفاية في دحض الشبهة، و إبطال الفرية.

و اللّه الهادي.

____________

(1) وفيات الأَعيان: 2- 313، بيروت، ط دار الثقافة.

(2) لاحظ الروضات: 4- 304.

و لاحظ الرياض: 4- 55.

50

4- الشيخ سعد الدين بن نحرير بن عبد العزيز ابن البراج (400- 481 ه)

مكانة الفقه

إنّ شرف كلّ علم بشرف موضوعه، و شرف ما يبحث فيه عن عوارضه و أحواله.

فكلّ علم يرتبط باللّه سبحانه و أسمائه و صفاته و أفعاله، أو يرجع إلى معرفة سفرائه و خلفائه و ما أوحى إليهم من حقائق و تعاليم، و أحكام و تكاليف يعدّ من أشرف العلوم، و أفضلها، و أسناها.

و قد تمتع (علم الفقه) بمكانة خاصة بين تلك المعارف و العلوم، لَانّه منهج للحياة في كافة المجالات لا سيما العبادات و المعاملات كالنكاح و الإِرث و القضاء و فض الخصومات و المنازعات و غيرها.

و في الجملة: هو المنهاج الوحيد و البرنامج الدقيق لحياة المسلم الفردية، و الاجتماعية، و قد أشار أمير المؤمنين- (عليه السلام)- إلى أهمية تلك التعاليم و البرامج، من خلال الإِشارة إلى آثارها في حياة الفرد و الجماعة إذ يقول: «فرضَ اللّهُ الايمانَ تطهيراً من الشرك، و الصَّلاة تنزيهاً عن الكبر، و الزَّكاة تسبيباً للرِّزق.

و الصّيام ابتلاء لإخلاص الخلق، و الحجَّ تقوية للدِّين: و الجهاد عزاً‌

51

للإِسلام، و الأَمر بالمعروف مصلحة للعوامِّ، و النّهي عن المنكر ردعاً للسفهاء، و صلة الرحم منماة للعدد، و القصاص حقناً للدِّماء، و إقامة الحدود إعظاماً للمحارم، و ترك شرب الخمر تحصيناً للعقل، و مجانبة السرقة إيجاباً للعفة، و ترك الزِّنا تحصيناً للنَّسب، و ترك اللِّواط تكثيراً للنَّسل، و الشَّهادات استظهاراً على المجاحدات، و ترك الكذب تشريفاً للصِّدق، و السَّلام أماناً من المخاوف، و الإِمامة نظاماً للأُمَّة، و الطّاعة تعظيماً للإِمامة» (1).

و إذا كان الفقه كفيلًا بسعادة العباد في الدارين و مبيناً لفرائضهم و وظائفهم، فقد اختار اللّه سبحانه أفضل خلائقه، و أشرف أنبيائه لإِبلاغ تلك المهمة الجسيمة، فكان النبي- (صلى الله عليه و آله و سلم)- في حياته مرجعاً للمسلمين، في بيان وظائفهم و ما كانوا يحتاجون إليه من أحكام، كما كان قائدهم في الحكم و السياسة، و معلمهم في المعارف و العقائد؟

إكمال الشريعة بتمام أبعادها

أنّ الشريعة التي جاء بها خير الرسل، هي آخر الشرائع التي أنزلها اللّه سبحانه، لهداية عبادة فهو (صلوات اللّه عليه) خاتم الأَنبياء، كما أنّ كتابه و شريعته خاتمة الشرائع، و آخر الكتب.

قال سبحانه: (مٰا كٰانَ مُحَمَّدٌ أَبٰا أَحَدٍ مِنْ رِجٰالِكُمْ وَ لٰكِنْ رَسُولَ اللّٰهِ وَ خٰاتَمَ النَّبِيِّينَ وَ كٰانَ اللّٰهُ بِكُلِّ شَيْ‌ءٍ عَلِيماً) (2) و هي شريعة كاملة الجوانب، جامعة الأَطراف لم يفوتها بيان شي‌ء، و أغنت المجتمع البشري عن كلّ تعليم غير سماوي.

____________

(1) نهج البلاغة، قسم الحكم، الحكمة رقم 252.

(2) الأَحزاب: 40.

52

قال تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلٰامَ دِيناً) (1).

و ظاهر قوله: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ) أنّه سبحانه أكمل دينه النازل على نبيّه- (صلى الله عليه و آله و سلم)- من جميع الجوانب، و كافة الجهات.

فهذا الدين كامل في معارفه و عقائده، كامل في وظائفه و أحكامه، كامل في مقومات استمراره، و موجبات خلوده، و متطلبات بقائه، على مدى الأَيام و الدهور.

فلا وجه اذن لقصر الآية على الكمال من ناحية دون ناحية، و جانب دون آخر، فهي بإطلاقها تنبئ عن كمال الشريعة في جميع جوانبها، و مجالاتها من غير اختصاص بالايمان، أو بالحج، أو بغيره.

على أنّ حديث الإِكمال الوارد في هذه الآية، لا يختص بإكمال الدين من حيث بيان العقيدة و تبليغ الشريعة، بل يعم الإِكمال بقاء الشريعة و استمرارها طيلة الأَعوام، إذ ليس حديث الدين كالمناهج الفلسفية و الأَدبية و ما يشبه ذلك، فإنّ الإِكمال في هذه المناهج يتحقّق بمجرّد بيان نظامها و توضيح خطوطها الفكرية، سواء تحققت على الصعيد العملي أم لا و سواء دامت أو اندثرت، بل الدين شريعة إلهية أنزلت بغية تحقيقها في الخارج ابتداء و استمراراً حسب الأَجل الذي أُريد لها.

فتشريع الدين من دون الأَخذ بنظر الاعتبار عوامل استمراره يعد ديناً ناقصاً.

و لأَجل ذلك دلت السنّة على نزول الآية (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ) يوم غدير خم عند ما قام النبي- (صلى الله عليه و آله و سلم)- بنصب علي- (عليه السلام)- للولاية و الخلافة (2).

____________

(1) المائدة: 3.

(2) راجع الغدير: 1 217- 210.

53

و العجب أنّ ابن جرير أخرج عن ابن جريج، قال: مكث النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) بعد ما نزلت هذه الآية (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ ..) احدى و ثمانين ليلة (1).

و بما أنّ الجمهور أطبقوا على أنّ وفاة النبي- (صلى الله عليه و آله و سلم)- كانت في الثاني عشر من ربيع الأَوّل، فينطبق أو يقارب يوم نزول هذه الآية على الثامن عشر من شهر ذي الحجّة، و هو يوم الغدير الذي قام النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فيه بنصب علي- (عليه السلام)- للخلافة و الولاية.

و قد بلغت هذه الآية من الأَهمية بمكان حتى روى المحدّثون عن طارق بن شهاب، قال: قالت اليهود للمسلمين: إنّكم تقرأون آية في كتابكم لو علينا معشر اليهود نزلت، لاتخذنا ذلك اليوم عيداً، قال: و أيّ آية؟ قال: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي).

أخرج ابن جرير، عن عيسى بن حارثة الأَنصاري قال: كنّا جلوساً في الديوان، فقال لنا نصراني: يا أهل الإِسلام: لقد أُنزلت عليكم آية لو أُنزلت علينا لاتخذنا ذلك اليوم، و تلك الساعة عيداً ما بقي اثنان، و هي قوله: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ).

و كما روى ابن جرير، عن ابن جريج، عن السدي أنّه لم ينزل بعد هذه الآية حرام و حلال، و رجع رسول اللّه- (صلى الله عليه و آله و سلم)- فمات (2).

بماذا يتحقّق الكمال؟

لا شكّ أنّ الشريعة الإِسلامية اكتملت بأمرين أحدهما: كتاب اللّه سبحانه، و الآخر سنّة نبيّه الكريم.

أمّا الأَوّل فقد عرّف سبحانه مكانته، و سعة معارفه بقوله: (وَ نَزَّلْنٰا عَلَيْكَ الْكِتٰابَ تِبْيٰاناً لِكُلِّ شَيْ‌ءٍ) (3).

____________

(1) الدر المنثور: 2- 257 و 259.

(2) الدر المنثور: 2- 257.

(3) النحل: 89.

54

فلا شكّ أنّ المراد من لفظة (كلّ شي‌ء) هو كلّ شي‌ء أُنيط بيانه إلى سفرائه و أنبيائه سبحانه من العلوم و المعارف، و المناهج و التعاليم التي لا يصل الفكر الإِنساني إلى الصحيح منها مهما بلغ من الكمال.

فهذه الأُمور تكفّل الكتاب الكريم ببيانها و ذكر خصوصياتها، و أمّا بقية العلوم كالهندسة و الرياضيات و الفيزياء و الكيمياء، فهي خارجة عن رسالة ذلك الكتاب، و ليس بيانها من مهامه و وظائفه.

نعم ربَّما يحتمل أن يكون للآية معنى أوسع ممّا ذكر، غير أنّ هذا الاحتمال على فرض صحته لا يصحح أن يكون (القرآن الكريم) مصدراً لتلك المعارف، حتى يرجع إليه كافة العلماء الإخصاء في هذه العلوم، و إنّما يتيسر استخراج هذه العلوم و المعارف لمن له قابلية علمية إلهية غيبية، حتى يتسنّى له استخراج هذه الحقائق و المعارف من بطون الآيات.

و أمّا مكانة السنّة فيكفي فيها قوله سبحانه: (وَ مٰا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوىٰ) (1) و قوله سبحانه: (وَ مٰا آتٰاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مٰا نَهٰاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) (2) و غير ذلك من الآيات التي تنص على لزوم اقتفاء أثر النبي، و تصريح على وجوب اتّباعه، و عدم مخالفته و معصيته.

و على ذلك تكون الشريعة الإِسلامية شريعة كاملة الجوانب، قد بيّنت معارفها، و أحكامها بكتاب اللّه العزيز و سنّة نبيّه الكريم، فلم يبق مجال للرجوع إلى غير الوحي الإِلهي و إلى غير ما صدر عن النبي الكريم.

و هذه الحقيقة التي تكشف عنها الآية بوضوح و أنّ الدين اكتمل في حياة النبي بفضل كتابه و سنته، مما أطبقت عليه كلمة العترة الطاهرة بلا خلاف، نأتي ببعض ما ورد عنهم في ذلك المجال.

____________

(1) النجم: 3.

(2) الحشر: 7.