حاشية المكاسب‌

- الآخوند الشيخ محمد كاظم الخراساني المزيد...
282 /
1

[مقدمة التحقيق]

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ

الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة على سيدنا محمد و آله الطاهرين و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين في كل أفق من آفاق العالم الإسلامي أسماء رجال معدودين، امتازوا بمواهب و عبقريات رفعتهم الى الأوج الأعلى من آفاق العلم و المعرفة.

و ثمة رجال ارتسمت أسماؤهم في كل أفق من تلك الآفاق، و هم قليلون للغاية، شذت بهم طبيعة هذا الكون.

و من تلك القلّة شيخنا و شيخ الكل، علامة الآفاق الآخوند الشيخ محمد كاظم الخراساني أعلى اللّه درجاته و أجزل أجره، و قد كرس- (قدس اللّه نفسه)- حياته طوال عمره لخدمة الدين و المذهب.

توجد ترجمته في كثير من التراجم المؤلّفة في عصره و من بعد مشفوعة بالاكبار و التبجيل و الإطراء، و قصارى قولهم فيه: انه جماع الفضائل و مختبؤ المآثر كلها، و قد سبر ترجمة (قدس سره) حفيده في كتاب مستقل فتصفح عن ترجمته صفحا.

و اما الكتاب الحاضر و هو «التعليقة على المكاسب» فهو من امتن التعاليق على الكتاب مع وجازتها، مشتملة على معظم كتاب البيع و الخيارات.

و حيث كانت النسخة المطبوعة من الكتاب مصحفة محرفة، فبذلت‌

2

الوسع في تصحيح الكتاب و مقابلته مع النسخة الاصيلة بقلم مؤلفه و استخراج مصادر الروايات و كلمات الأصحاب و لم آل جهدا في تنميقه و تحقيقه حق التحقيق.

و من الواجب علىّ أن أقدم ثنائي العاطر الى حفيد المؤلف الفاضل البارع الشيخ الكفائي في بذله النسخة الأصلية للتحقيق، فجزاه اللّه عنى خير جزاء المحسنين و نرجو من العلماء الأفاضل الذين يراجعون الكتاب ان يتفضلوا علينا بما لديهم من النقد و تصحيح ما لعلنا وقعنا فيه من الأخطاء و الاشتباهات و الزلات.

و الحمد للّه الذي هدانا لهذا، و ما كنا لنهتدي لو لا ان هدانا اللّه، و نستغفره مما وقع من خلل و حصل من زلل، و نعوذ من شرور أنفسنا و سيّئات أعمالنا، و زلات أقدامنا و عثرات أقلامنا، فهو الهادي إلى الرّشاد، و الموفق للصواب و السداد، و السلام على من اتبع الهدى.

6- 6- 1405 قم المشرفة السيد مهدي شمس الدين هذه تعليقة شريفة أنيقة، و حاشية رشيقة، على مكاسب آية اللّه في الأنام، الشيخ مرتضى الانصارى طاب ثراه المتعلقة على مبحث البيع و ما بعده.

3

1- كتاب البيع

بسم اللّه الرحمن الرحيم

الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على محمد سيد النبيّين و آله، سادات الخلائق أجمعين، و لعنة اللّه على أعدائهم، إلى يوم الدين.

[في تعريف البيع]

قوله (ره): (مبادلة مال بمال- إلخ-)

التعبير بالمبادلة، لا يخلو عن مسامحة، و حقّه ان يقال: تبديل مال بمال، فإنه فعل الواحد، لا اثنين، فافهم.

قوله (ره): (و امّا عمل الحرّ، فان قلنا انه قبل المعاوضة- إلخ-)

لا إشكال انه من الأموال، بداهة انّ حاله حال عمل العبد، في كونه ممّا يرغب فيه، و يبدل بإزائه المال، و ان كان قبل المعاوضة، لا يكون ملكا، بخلاف عمل العبد، لانّه ملك لسيّده بتبعه، و لا شبهة في عدم اعتبار الملكيّة قبلها، لوضوح جعل الكلى، عوضا في البيع، مع عدم كونه ملكا قبله.

و بالجملة، المالية و الملكية، من الاعتبارات العقلائية الصحيحة، و لكل منهما منشأ انتزاع، و بينهما بحسب الموارد، عموم من وجه، يفترقان في الكلي المتعهّد به، و المباحات قبل الحيازة، و في مثل حبّة من الحنطة، و الماء على الشط، و الثلج في الشتاء، الى غير ذلك. فانقدح انه يجوز جعل عمل الحرّ عوضا، و ان قيل باعتبار كون العوضين مالا، قبل المعاوضة. فتدبر جيّدا.

قوله (ره): (و اما الحقوق الأخر- إلخ-)

لا يخفى انّه كلام مختلّ النظام، فإنّه في مقام انّها تجعل عوضا، أم لا،

4

فلا يناسبه التّعليل بقوله: لان البيع تمليك الغير، و لا النقض ببيع الدّين أصلا، فإنه إنّما يناسب إذا كان بصدد بيان انها لا يجعل معوّضا في البيع.

فالتحقيق ان يقال: انّه لو قيل باعتبار الماليّة في العوض كالمعوض، كما يظهر من المصباح، فلا إشكال في عدم صحة جعل الحقّ عوضا، و ان كان قابلًا للانتقال. فان الحقيّة و ان كانت من الاعتباريات، كالمالية و الملكيّة، الّا انّها غيرهما، و لو قيل بعدم اعتبارها، فلو قيل بعدم اعتبار الانتقال في العوض، و ان أخذه فيه، انما هو لمجرّد انّه ليس بتمليك مجانيّ، فلا إشكال في جعلها، عوضا مطلقا، و الّا في خصوص القابل منها للانتقال.

قوله (ره): (و السرّ انّ الحقّ سلطنة فعليّه- إلخ-)

لا يخفى ان الحق بنفسه ليس سلطنة، و انما كانت السلطنة من آثاره، كما انّها من آثار الملك، و انّما هو كما أشرنا إليه، اعتبار خاص، له آثار مخصوصة، منها السلطنة على الفسخ، كما في حقّ الخيار، أو التملّك بالعوض، كما في حقّ الشّفعة، أو بلا عوض، كما في حقّ التحجير، الى غير ذلك. و هي لا يقتضي ان يكون هناك من يتسلّط عليه، و الّا كانت من آثار الملك أيضا، و ان لم يكن نفسه، فيلزم في بيع الدّين، إمّا محذور تسلّط الشّخص على نفسه، و إمّا التفكيك بين الملك و أثره، مع انّ ذلك انّما يلزم في بيع الحقّ، ممّن كان عليه، لا من غيره، و قد عرفت انه أجنبيّ عمّا هو بصدده، كما يظهر من صدر كلامه و ذيله.

قوله (ره): (الّا ان الفقهاء، قد اختلفوا في تعريفه- إلخ-)

الظاهر انّ اختلافهم، ليس لأجل الاختلاف في حقيقته و ماهيته، بل لأجل ان البيع الحقيقي، لما كان له سبب، يتسببّ به اليه، و لوازم تترتّب عليه أخذ كلّ منهم، بطرف من أطرافه، لا بتمام جوانبه و أكنافه، حيث انّ الغرض، ليس إلا الإشارة إليه من نحوه و معرفته بوجه، لا معرفته بحدة أو برسمه، و بذلك يوفق بين كلمات الأعلام، و ينقدح انه لا وقع، لما وقع من النقض و الإبرام في المقام، بل لا اختلاف حقيقة فيه بين العرف و الشرع، و انّما الاختلاف بينهما، فيما يعتبر في تحققه، و ان شئت ان تعرفه بأطرافه،

5

فاستمع لما يتلى عليك، و هو ان البيع المأخوذ في، بعت، و سائر المشتقّات، من أوضح المفاهيم العرفية، و هو التّمليك بالعوض، و ان كان ممّا لا يكاد يمكن ضبطه، بحيث لا يبقى اشتباه في بعض المصاديق، كما هو الشأن في جميع المفاهيم. و لا يخفى انّه شرعا و عرفا، لا يكاد يصدر مباشرة، بل بالتّسبيب، و التّوسل اليه بالعقد عليه تارة، و بالمعاطات اخرى، على القول بها. و لا بدّ في سببه عقدا كان، أو معاطاة، كسائر المعاملات، من إيجاب، و هو إنشائه، و قصد حصوله، بلفظه، أو بفعل دالّ عليه من واحد، و من إنشاء قبول ذلك كذلك من آخر. و من المعلوم انّ لازمه إذا حصل، هو نقل الملك من البائع إلى المشترى، و لازمه الانتقال اليه، كما انّ لازمه، التّبديل و التّبادل بين العوضين، و قد يطلق على نفس السّبب، إلى المعاملة الخاصّة، القائمة بالبيعين، كما ربّما يطلق على جزئه، و هو الإيجاب القائم بالموجب، كما سيأتي الإشارة إليه في كلامه (ره) الّا انّه ليس على الحقيقة، ضرورة صحة سلبه عنه، فليس هو ببيع، و لا موجبه ببايع، و كذا صحّة سلبه عن نفس المعاملة، كما يشهد به جميع مشتقاته، لكن لا يبعد تداوله في السنة الفقهاء، الّا انّه بالقرينة. و عليك بالتّأمل في المقام.

قوله (ره) (لأن المقصود معرفة مادّة بعت- إلخ-)

و عليه يتوقّف معرفة البيع، على معرفة (بعت) بمادته، و معرفته كذلك يتوقف على معرفة البيع، و هو دور صريح، كما هو واضح. و الظاهر تعيّن ارادة الشقّ الثّاني، و عدم الاقتصار على النقل أو التمليك، للإشارة الى عدم كفاية مطلق الصيغة، و لو كانت كناية.

قوله (ره): (فالأولى تعريفه بأنّه إنشاء تمليك عين بمال- إلخ-)

كيف هذا، و البيع الذي عرّفه بذلك، هو المأخوذ في صيغة (بعت)، و غيره من المشتقات، كما يصرّح به عن قريب، و ليس المراد في الإخبار بوقوعه قبل أو بعد، بمثل: باع، أو يبيع، الّا نفس البيع، لا إنشائه، فالصّواب تعريفه، بتمليك العين بالعوض، لما عرفت انّ إنشاء التمليك، ليس ببيع، كما انّه ليس بتمليك. نعم انّما هو جزء سببه، فيما إذا قصد التوسّل‌

6

اليه. و يرد عليه أيضا، انّ إنشاء التمليك، لا يعقل إنشائه، و ما يقبل لهذا الطّور من الوجود، و سائر أطواره هو التمليك، فيتصوّر تارة، و ينشأ أخرى، و يوجد في الخارج ثالثة، و يختلف آثاره باختلاف أطواره، و يكون لكل طور منه اثر لا يكاد يترتّب على الآخر. فتدبّر.

قوله (ره): (منها انه موقوف على صحة الإيجاب- إلخ-)

لا يخفى عدم التوقف، فإنه لو قيل بعدم جوازه، لأجل اعتبار الصراحة في الإيجاب، و لزوم كونه بلفظ البيع، و ما يرادفه، و عدم كونه مرادفا له، لعدم صحة ما حكاه عن الفخر (ره) من كون (بعت) في لغة العرب، بمعنى ملّكت، لوضوح انه أعم، كان التعريف به بضميمة ما دلّ على خصوصيّته جائزا، كما هو واضح.

قوله (ره) (إذ ليس المقصود الأصلي منه، المعاوضة- إلخ-)

بل التمليك لا مجّانا، بل بنحو الغرامة، و لذا لا يجب تعيين ما عليه عينا، من المثل، أو القيمة، و لا كما إذا علم كونه قيميّا، بل يتعيّن عليه المثل، ان كان مثليّا، و قيمته، ان كان قيميّا، بمجرد تمليكه بالغرامة.

فافهم.

قوله (ره): (كان بيعا- إلخ-)

إذا لم يقصد به الصلح، أو الهبة المعوضة، و الّا يصحّ صلحا، أو هبة، لو قلنا بوقوعها بغير الألفاظ الصريحة، و الّا فلا يصح بيعا، و لا واحدا منهما. اما البيع، فلعدم كونه بمقصود، و العقود تابعة للقصود. و امّا هما، فلعدم الصراحة في عقدهما.

[استعماله في معان آخر]

قوله (ره): (أحدها التمليك المذكور، لكن بشرط تعقّبه- إلخ-)

أي التمليك الإنشائي، كما هو الظاهر، و يشهد به سائر كلماته، و لا يخفى انّه لا يلائمه ما استشهد لما ادّعاه، من تبادر التمليك المقرون بالقبول بقوله، و لهذا لا يقال: باع فلان- إلخ- بل يلائم ما أشرنا إليه، من انّه التمليك، ضرورة انّه لا يقال: باع، إذا عقد، و قد أخلّ ببعض الشّرائط، صحّة ان يقال: ما باع فتدبّر جيّدا.

7

قوله (ره): (و لعله لتبادر التمليك المقرون- إلخ-)

بل لتبادر التمليك الحقيقي الذي لا يكاد ينفك عن تملّك المشترى، و تبادر اقترانه بقبوله، انّما هو لكونه ممّا لا بدّ منه في حصوله، لا من نفس اللفظ، بل يتّبع معناه، و منه ظهر حال صحّة السّلب عن المجرّد، و انّه من جهة عدم التّمليك مع المجرّد، لا لذلك، و لا لما افاده بقوله (أقول- إلخ-).

فافهم.

قوله (ره): (تحقّق القبول شرط للانتقال في الخارج- إلخ-)

لا يخفى انّ الذي لا يكاد يكون القبول شرطا له، هو الانتقال الإنشائي التابع لإنشاء النّقل، و امّا الانتقال بنظر النّاقل، فيختلف بحسب الانظار، فربّما يكون شرطا له بحسب نظر، و لا يكون كذلك بنظر آخر.

و بالجملة، النقل بحسب كلّ مرتبة و نظر، لا يكاد يمكن انفكاكه عن الانتقال، بحسب تلك المرتبة، و ذاك النّظر، إذ الأثر لا ينفك عن التأثير، لاتحادهما ذاتا، و اختلافهما اعتبارا، فيكون تأثيرا من جهة انتسابه الى الفاعل، و أثرا من جهة الانتساب الى القابل، و ان كان انفكاكه عنه بحسب مرتبة اخرى، أو نظر أخر، بمكان من الإمكان، و كذلك الحال في الوجوب، و الإيجاب، لا يكاد يمكن انفكاكهما في مرتبة واحدة، بحسب نظر واحد، و انّما ينفك الإيجاب في مرتبة، أو بحسب نظر، عن الوجوب في مرتبة اخرى، و نظر آخر.

و من هنا ظهر انه لا فرق بين النّقل و الانتقال، و الوجوب و الإيجاب في مرتبة، و بحسب نظر، و بين الكسر و الانكسار. نعم هما، لمّا كان من الأمور التي تكون موجودة في الخارج، ليست لهما، إلّا مرتبة واحدة، بخلاف مثل الوجوب و الإيجاب، من الأمور النّفس الأمريّة الاعتباريّة الّتي لا واقع لها، الّا بحسب الاعتبار المختلف بحسب الانظار، و صحة الانتزاع عن منشأ بنظر، و عدم صحته بآخر. هذا مع ثبوت الانفكاك، بين الذّهني من الكسر و الانكسار، و الخارجي منهما أيضا، فلا تغفل.

قوله (ره): (و الى هذا، نظر جميع ما ورد- إلخ-).

لا يخفى إمكان إرادة ما ذكره، من معناه في هذه الإطلاقات، لو لم نقل‌

8

بظهورها فيه، و جعله بهذا المعنى من العقود، بملاحظة انّه لا بدّ في تحققه من العقد، قبالا للمعاني الإيقاعيّة، كالطلاق، و العتاق، و نحوهما.

قوله (ره): (ثمّ انّ الشهيد ره- إلخ-).

اعلم انّ الصحة و الفساد، لما كانا من الأمور المتضايفة، لا يكاد يتصف الشي‌ء بواحد منهما، إلّا إذ أصحّ تواردهما عليه، فما لا يتّصف بالفساد أصلا، لا يتّصف بالصحة أيضا، كان البيع بمعنى التمليك مطلقا، حقيقيا كان أو إنشائيّا، لا يتصف بواحد منهما، بل يكون مع علّته، و لا يكون بدونها، و كذا البيع بمعنى النقل و الانتقال، و انّما يتّصف بهما البيع، بمعنى الإيجاب، و القبول، فيكون صحيحا لو كان واجدا لما اعتبر في تأثيره، و فاسدا فيما إذا كان فاقدا، لكلّه، أو بعضه، فلا ينافي ذلك، تأثيره شيئا أخر، إذا لم يكن ممّا يترقّب منه، أو لم يكن فعلا ممّا يتوسّل به اليه، و ان كان في نفسه مرغوبا، لو كان مما يتوسّل اليه، لكن لا وحده، بل مع اثر آخر، فإن الصحة و الفساد، من الأمور الإضافيّة، فيصح ان يتّصف بالصحة، بملاحظة أثر، و بالفساد، باعتبار آخر.

ثم لا يخفى انّ ما نقله عن الشهيد الثاني (ره) هيهنا، ينافي ما نقله عنه سابقا، من كون إطلاق البيع على العقد، مجاز، بعلاقة السببيّة، الّا ان يكون مراده، كون إطلاقه عليه، مجازا في الأصل، و حقيقة بالنقل، فتأمل.

[في أن العقود حقيقة في الصحيح]

قوله (ره): (فلان الخطابات لما وردت على طبق العرف- إلخ-).

فينكشف بإطلاقها، انّ الصحيح عندهم، يكون صحيحا عند الشارع، و لا يخفى انّه انما يجدي، فيما شك في اعتباره شرعا، و قد علم عدم اعتباره عرفا.

قوله (ره): (فيستدلّ بإطلاق الحكم يحله- إلخ-).

أي يستدل بإطلاقه على كون البيع الإنشائي، بمثل (بعت)، على إطلاقه، من دون اعتبار ما شكّ في اعتباره، يكون مؤثّرا نافذا، غاية الأمر، قد علم تقييده بالقبول. و من هنا ظهر انّه على الوجهين، يكون المراد بالبيع، هو‌

9

السبب القابل للاتصاف بالصحة، و الفساد. و الفرق بينهما انّما يكون بالتّماميّة، و النّقصان. فافهم.

[في المعاطاة]

قوله (ره): (و المعاطاة (1) على ما فسّره جماعة- إلخ-).

لا يخفى، انّ المعاطاة، ما جعل موضوعا لحكم في آية، أو رواية، و لا في معقد إجماع، و انّما عبّر به، عمّا يتداول بين الناس، من المعاملة بلا صيغة، فالمهمّ تعيين ما هو المتداول بينهم، و الظاهر عدم اختصاصه بما إذا كان هناك تعاطى من الطرفين، كما في السّلف، و النّسية، و لا بما إذا كان كلّ واحد من الإيجاب، و القبول به، لو كان، بل كما يكون به، يكون بالإعطاء إيجابا، و بالأخذ قبولا، و يكون إعطاء الأخر، وفاء بالمعاملة، لا متمّما لها، بل لا يبعد دعوى ان الغالب في المعاملات المتعارفة، بحسب قصد المتعاملين ذلك كما لا يخفى، فلا يضرّ بالمعاملة، لو ظهر ما أعطاه الثاني، مستحقا للغير، أو من غير ما عيّن من الجنس في المقاولة، بل يضرّ بالوفاء بها، بل ربّما يقال، بحصولها بالتّراضي المنكشف بالقطع، و الفصل في المساومة، و يكون التعاطي، أو الإعطاء، و الأخذ، خارجا عنها، و وفاء منهما بها، فيكون كل واحد من الثمن، و المثمن كلّيا، كما كان أحدهما على الوجه السابق. فتأمل.

قوله (ره): (و هو يتصوّر على وجهين- إلخ-).

لا يخفى، ان غرضه، ان كان بيان ما يتصوّر في باب البيع، فلا يتصوّر، الّا على ثاني الوجهين، و ان كان بيان ما يمكن ان يتصور فيه، من دون اختصاص بهذا الباب، فلا وجه للتّخصيص بهما، فإنّه يمكن ان يقع على وجوه عديدة، و قصد به كل ما يقصد باللقط، من إيقاع، أو عقد، بيعا كان، أو غيره، من غير فرق بينهما في ذلك، و ان كان بينهما فرق من حيث انّ دلالته لا يكون بمثابة دلالته، و ذلك مما لا شبهة فيه، و لا ريب يعتريه.

اللّهم الّا ان يكون غرضه، ما يتصور فيه، في هذا الباب، بحسب ما يوهم انه محلّ الكلام، و مؤد النّقض و الإبرام بين الأعلام.

____________

(1)- و في المصدر: ان المعاطاة على ما فسره جماعة.

10

قوله (ره): (و الإنصاف ان ما ارتكبه- إلخ-).

فإن مثل هذا التأويل، و ان كان مما يصار إليه في الاخبار، توفيقا بينها، لاحتمال التعويل فيها، على قرينة لم تصل إلينا، لتقطيع الاخبار، أو لاخفائها تقيّة، أو غير ذلك، و لم يأب عنه بعض الكلمات، الّا انه كيف يصار إليه في كلمات مشهور الأصحاب، الظاهر في إرادة الإباحة، و نفى الملك، بل مع صراحة بعضها بلا موجب، و لا داعي، و مجرد عدم مساعدة القواعد، على ما هو ظاهرهم، بل مساعدتها على خلافه، لا يوجب الحمل على ما يساعدها، سيّما مع احتمال مساعدة السّيرة الّتي هي العمدة في هذا الباب على ذلك و اما وجه أبعدية جعل محل النزاع، ما إذا قصد الإباحة، فهو انّه كيف، و قد جعل المعاطاة من فروع اعتبار الصيغة.

لا يقال: على هذا لا يحتمل، فلا وجه لاحتماله. فإنّه يقال:

لاحتمال ان يكون ذلك، لدفع توّهم انعقاد البيع بالمعاطات، مع قصد الإباحة ابتداء، من مشاهدة فائدته، و لو بعد التصرف، و انه لا يكون ذلك أوّلا، بل أوّلا و ما دعاه الى هذا التّحمل، الّا استبعاد تأثير قصد التّمليك للإباحة، لا للتّمليك، مع انّه كما ستعرف انّه ليس كذلك، بل يؤثّر التمليك غاية الأمر، بشرط التّصرف، كالقبض في الصّرف، و السّلف، أمّا الإباحة قبله، فليست شرعيّة، بل مالكيّة ضمنيّة، و لو سلّم انّ مرادهم، هي الإباحة الشرعيّة، فإنّما يستبعد المصير اليه، لو لم يكن هناك ما يمكن ان يتوهم منه ذلك، و السيرة الّتي هي العمدة في الباب مورد لذلك، فتدبّر جيدا.

قوله (ره): (مع انّ إلغاء الشارع للأثر المقصود- إلخ-).

قد أشرنا إلى انّه، ما ألغاه، بل رتّبه عليه بشرط التصرف، كالقبض في الصرف، و ترتّب الإباحة عليه شرعا، لو سلّم، فهو للاستناد إلى السيرة ظاهرا، بتوهم انّها تساعد على ذلك.

قوله (ره): (و يدفع الثاني تصريح بعضهم بان شرط لزوم البيع- إلخ-).

يمكن ان يقال: لزوم البيع، بمعنى عدم جواز فسخه، لا يقتضي لزومه، بمعنى عدم جواز التراد، و بهذا المعنى محل الكلام في المقام، و كون‌

11

الإيجاب، و القبول، من شرائط انعقاد البيع بالصيغة، لا يقتضي كونهما من شرائط البيع مطلقا، و لو بالمعاطات، و ليكن المراد بالإيجاب اللفظيين منهما، و الّا لم يكن المعاطاة بخالية عنهما، كما لا يخفى.

قوله (ره): (لكن في عدّ هذا، من الأقوال تأمّل- إلخ-).

وجهه، انّه مع شرط اللفظ، يكون البيع بالصيغة، لا بالفعل، لكنه يمكن ان يقال: انه يكون كذلك، إذا اعتبره، لكي يقع المعاملة به، لا إذا كان لأجل الدّلالة، على انّها بالتّعاطي، فتأمل.

قوله (ره): (و يدلّ عليه أيضا قوله تعالى «وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ» (1) حيث دل على حلّية جميع التّصرفات- إلخ-).

و الظاهر انّ سبب التصرف فيها، و صرف الحكم بالحليّة إلى التّصرفات، عدم كون البيع بنفسه اختياريّا، لكونه مترتّبا على سببه بلا اختيار، و أنت خبير، بانّ مجرّد ذلك لا يخرجه عن الاختيار المعتبر في متعلّق الأحكام، و على ذلك، فلا دلالة لها على المدّعى، فإنها مسوقة لبيان تحليل البيع، بمعنى التمليك قبالا لتحريم الرّبا. نعم لو كان البيع فيها، بمعنى ما يوجبه، لدلّت على صحة المعاطاة، و لو كان المراد من الحليّة، مجرد التكليف، فان تحليل الشّارع للبيع بما يتوسل به، الى التّمليك، و ترخيصه فيه كذلك، كما هو ظاهرها، ملازم عرفا لامضائه و إنفاذه، كما ان تحريم معاملة، و النهى عنها كذلك، يدلّ على الردع عنها كما في تحريم الرّبا، و فيما علّقنا على الخيارات، ما له نفع في المقام.

قوله (ره): (فمرادهم بالبيع، المعاملة اللازمة- إلخ-).

بل المعاملة الشرعيّة، و لذا صرّح في الغنية (2)، بكون الإيجاب و القبول، من شرائط الصّحة، لا اللّزوم. فافهم.

قوله (ره): (فهو انّما يجدي، فيما إذا أشكّ في انّ هذا النوع من السلطنة، ثابتة

____________

(1)- البقرة: 275.

(2)- الغنية- كتاب البيع- 523.

12

للمالك- إلخ-).

بل لا يجدي في ذلك، إذا شكّ في تشريع أصل هذا النوع أيضا، حيث انّه مسوق لبيان سلطنة المالك، و تسلّطه، قبالا لحجره، لا لبيان تشريع أنحاء السلطنة، كي يجدي فيما إذا شكّ في تشريع سلطنته، فلا يجوز التمسّك به على صحّة معاملة خاصّة، و جواز تصرّف خاص، مع الشّك فيهما شرعا.

فافهم، كي ينفعك في غير المقام.

قوله (ره): (و امّا ثبوت السيرة و استمرارها على التّوريث- إلخ-).

هذا في سيرة المسلمين، و امّا سيرة العقلاء، بما هم عقلاء، فلا شبهة فيها، و لا ريب يعتريها، حيث استقرّت طريقتهم على ذلك، من غير اختصاص بأهل ملة، و نحلة، و لم يردع عنها، صاحب شريعة، حيث لو ردع، لشاع نقله، و ذاع لتواتر الدّواعي، في مثل هذه المسألة إليه، فالأولى التّمسك بها، كما تمسّك بها في غير مقام، فإنّها أسلم ممّا تمسك به في المقام.

قوله (ره): (ان القول بالإباحة المجردة، مع قصد المتعاطيين- إلخ-).

لا يخفى، انّه انّما يتوجه ما افاده من الاستبعادات، على القول بها، إذا لم يقل القائل بها بالأول إلى البيع، بعد التصرف، أو التّلف، و قال: انّ الملك بعد أحدهما انما يكون به، لا بالمعاطاة بشرطها، بل يكون بالنسبة إليه لغوا، و ان كانت مؤثّرة للإباحة، و اما على القول بالأوّل، فلا يلزم انخرام قاعدة «العقود تابعة للقصود» و لا كون ارادة التصرّف، و لا التّصرف من جانب، و لا التلف السماوي من المملّكات، فان التمليك انّما حصل بنفس التّعاطي، الذي قصد به التمليك، لا بهذه الأمور، بل بشرطها.

و امّا حديث تعلق الأخماس، و الزكوات، و الاستطاعة- إلخ- بغير الاملاك، ففيه انّه لا محذور في ذلك في كثير منها، كالاستطاعة، و أداء الدّين، و النفقة، و الغنى، كما سيشير إليها، و كذا الوصايا، لو لم نقل بكفاية مثل الوصيّة، من التصرف في حصول الملك بالتعاطي، و الّا فلا إشكال، فإنّ نفوذها حينئذ يكون في الملك، و كذا لمواريث، فإنه لا اشكال بناء على الأول بموت أحد المتعاطيين، كتلف أحد الملكين، كما ليس ببعيد، و امّا بناء‌

13

على عدمه، فلا بعد في القول بالإرث، و صيرورة الوارث كالمورث فيما له، و قد تركه، ضرورة انّه ليس بلازم ان يكون ممّا ملكه، و في الباقي، لم يعلم التزام القائل بالإباحة في بعضها، فلا يصح إلزامه، و إفهامه، و لو كان بيّنا فساده، فلم يعلم منه القول، بتعلق الخمس، أو الزكاة قبل الأوّل، و لم يعلم فساد بعض الآخر، لو علم التزامه به، كما في الشفعة، فلا ضير في القول بها بمجرّد التعاطي، لشمول دليلها لبيع أحد الشريكين عرفا، و ان كان تأثيره شرعا يتوقف على أمر، لم يحصل بعد، و كذا الربا، إذ لا شبهة على الأوّل في تعلّقه بالمعاطات، و لا يكون حاله قبل التصرف و نحوه، الّا كالصّرف، قبل القبض في ذلك، كما لا شبهة في تبعيّته النماء المتصل، و امّا المنفصل، فلم يعلم انّ القائل بالإباحة، يلتزم بانتقاله إلى الأخذ، كما أشار اليه، مع انّه يمكن ان يقال: ان قضيّة قاعدة التبعيّة، ان يتّبعا في الملكيّة بعد التّصرف، كما يتبعها قبله، و بعبارة أخرى، يكون حالها، حال العين، المبيوعة، و ليس هذا ببعيد، كل البعيد. و بالجملة، على الاولى تكون هذه الأمور، بين ما لا يلزم، أولا يلتزم به القائل بالإباحة، و بين ما لا بعد فيه، لو التزم، أو لا بدّ من ان يلتزم به.

[في لزوم المعاطاة و عدمه]

قوله (ره): (مدفوعة مضافا الى إمكان دعوى كفاية- إلخ-).

لا مجال لدعوى الكفاية على مختاره، من عدم حجية الاستصحاب، مع الشّك في المقتضى، كما لا شبهة في صحتها على ما هو المختار، من حجيّة، و ملخّص ما أفاده في دفع الدعوى، بين منع انقسام الملك الى قسمين، و تنوّعه بنوعين، و الاختلاف في الأحكام، ليس لأجل الاختلاف في ناحيته، بل للاختلاف في ناحية أسبابه، قلت: لو كان الجواز، و اللزوم هيهنا، بمعنى جوازا فسخ المعاملة و عدمه كما في باب الخيار، فلا شبهة في كونهما من أحكام الأسباب و اما لو كان بمعنى تراد العينين، و تملّك ما انتقل عنه، و عدمه، بلا توسيط فسخ المعاملة، كما في الهبة، على ما صرّح به في الملزمات، فهما من أحكام المسببات لا محالة، و اختلافها فيهما، كاشف عن اختلافها في الخصوصيات المختلفة في اقتضاء الجواز، و اللزوم، لئلا يلزم الجزاف في أحكام‌

14

الحكيم تعالى شأنه، و ان كان اختلافها فيها، ناشيا عن اختلاف الأسباب ذاتا، أو عرضا.

و بالجملة جواز فسخ المعاملة، بحقّ خيار، أو بمحض حكم، كما في الإقالة، و عدم جوازه، لا ريب في كونهما من أحكام السبب المملك، اما جواز الرّد، أو التراد و عدمه، فهما من أحكام الملك، و الحكم عليه، تارة بالجواز، و اخرى بعدمه، كاشف في مورد كل واحد منهما عن خصوصيّة مقتضية له، غير خصوصيّة في الآخر، و الاختلاف بحسب الخصوصيّة كاف في اختلاف الأحكام، من غير حاجة الى الاختلاف بالحقيقة، و الماهية، و هذا الاختلاف الناشي عن اختلاف الأسباب ذاتا، أو عرضا، لا يجب ان يوجب تفاوتا في المنشأ أصلا، كما لا يخفى، فانقدح بذلك، فساد ما أفاده في بيان كون الجواز، و اللزوم، من أحكام السبب المملّك، لا الملك، فتدبر جيدا.

قوله (ره): (فان مقتضى السلطنة، ان لا يخرج- إلخ-).

يمكن ان يقال: كما أشرنا إليه، انّه ليس الّا لبيان سلطنة المالك على ماله، و تسلّطه عليه، و انّه ليس بمحجور، لا لبيان إثبات أنحاء السلطنة له، ليصير دليلا على لزوم عقد، بمعنى عدم جواز الرّد، لمنافاة جوازه لا طلاقها، فتأمل.

قوله (ره): (فالقول بالملك اللازم، قول ثالث فتأمل).

لكنه لا بأس بالمصير اليه، بعد عدم الاتّفاق عليه نفيه، بل كان عدمه الى الآن، بمجرد الاتّفاق، كما هو الحال، في حدوث القول الثالث في كلّ مسألة، و لعلّه أشار إليه بأمره بالتأمّل.

قوله (ره): (بل يمكن دعوى السيرة- إلخ-).

دعواها، على نحو كانت كاشفة عن رضاء المعصوم، كما ترى، و الإنكار على المنع عن الرّجوع، لو سلّم، لم يعلم انّه من جهة بنائهم على جوازه، و لعله لأجل ما هو المركوز عقلا، و نقلا، من حسن الإقالة، و كون تركها مع الاستقالة، خلاف المروة، و مناف للفتوّة، من غير فرق بين إيقاع البيع بالصيغة، أو التّعاطي.

15

قوله (ره): (أو باعتبار محلّه و غير محلّه- إلخ-).

أو باعتبار كونه محللا لكلّ من الثمن، أو المثمن، على من انتقل اليه، و محرّما على من انتقل عنه، و يكون الغرض، دفع توهّم كون مجرّد المقاولة، من بيع ما ليس عنده المركوز حرمته، و عدم نفوذه، ببيان انها ليست بمحللة، و محرّمة، و الكلام، و هو البيع ما كان كذلك، فليست ببيع، حتى كانت من بيع ما ليس عنده، و عليه يكون التعبير عنه بالكلام، لا لانّه لفظ بمعناه، بل بما هو نفس المعنى بوجه، كما لا يخفى، و يكون الحصر ليس بحقيقى، بل بالإضافة إلى المقاولة، فلا دلالة فيه على انحصار التحليل، و التحريم، بالبيع بالصيغة، و لا به مطلقا. فتدبر جيّدا.

قوله (ره): (بان يقال (1) حصر المحلّل و المحرم في الكلام، لا يتأتّى إلّا- إلخ-).

هذا إذا كان المراد بالكلام، هو اللفظ بمعناه، و امّا إذا كان المراد به نفس المعنى، كما أشرنا إليه آنفا، أو كان حصر المحلل في المقاولة، و المواعدة، و حصر المحرم في إيجاب البيع و إيقاعه، بالإضافة إلى الآخر، فلا يكاد يمكن استظهار اعتبار الكلام في إيجاب البيع أصلا، كما لا يخفى.

[و ينبغي التنبيه على أمور]

[الأوّل في أن المعاطاة بيع]

قوله (ره): (فالظاهر انه بيع عرفي لم يؤثر شرعا- إلخ-).

لكنه قبل وجود أحد الملزمات، و الّا يصير بيعا شرعيّا، يؤثّر التمليك، و نفى البيع عنها في كلام المشهور، القائلين بالإباحة، هو البيع الشرعي بمجرده، لا بعد وجود أحدها، على ما عرفت من الأول إلى البيع. و من هنا ظهر انّ قوله (فنفى البيع- إلخ-) لا يصحّ ان يكون تفريعا على القول بالإباحة، و انما هو تفريع على القول بالملك، و ان كان خلاف سوق الكلام.

قوله (ره): (و حيث انّ المناسب لهذا القول التمسّك- إلخ-).

قد عرفت انه لا دلالة على مشروعيّة معاملة أصلا، و أنّه لا دلالة الّا على إثبات السلطنة للمالك، قبالا لحجره، كما في بعض أفراده، بأحد‌

____________

(1)- و في المصدر: بان يقال ان حصر المحلّل.

16

أسبابه، و في غيره، الّا بسبب ولاية، أو وكالة، لا إثبات أنحاء السلطنة، كي يجدي فيما إذا شكّ في شرعيّة أصل معاملة، أو فيما اعتبر في صحتها، و لو علم شرعيّتها، و عليه فلو شكّ في أصل مشروعيّة الإباحة العوضيّة، لا وجه للتّمسك به، على مشروعيّتها، فضلا عمّا إذا شكّ في اعتبار شي‌ء في سببها. نعم يحلّ التّصرف بما لا يتوقّف على الملك، لقوله (عليه السلام) «لا يحلّ مال امرء الّا بطيب نفسه (1)» و قوله «لا يجوز لأحد التصرف في ملك غيره، الّا بإذن مالكه، إذا كان بطيب من مالكه، أو باذنه (2)» و لو لم يكن هناك معاطاة. فلا تغفل.

قوله (ره): (و اما على المختار، من انّ الكلام فيما إذا قصد- إلخ-).

و نخبة الكلام في المقام، انه لا شبهة في اعتبار ما اعتبر في البيع، بإطلاق، أو عموم، على القول بإفادتها للملك، فإنّها بيع بلا إشكال، الّا ان يقال: انّ السّيرة قد ألغت بعض ما يعتبر بالإطلاق أو العموم، و انّى لها بذلك. نعم لو كان الاشتراط، بدليل يختص بما إذا كان بالصيغة، لا يعتبر فيها، إذا كان الدليل على الصحة، عموم، أو إطلاق، لا مثل السيرة، و كذلك على القول بالإباحة، بناء على الأوّل اليه، و إفادتها التمليك بعد التصرف، أو التلف، فإنّها بيع أيضا، و توقف تأثيره على مثله غير ضائر، كما في الصرف، و السلف، و امّا بناء على عدم الأول، و كون التمليك بعد التصرف به، لا بها، فإطلاق أدلة شروط البيع، و ان كان لا يساعد على اعتبارها فيها، لعدم كونها بيعا شرعا، و لا يجدي كونها بيعا عرفا، بعد كشف الشارع عن حالها، و انها ليست ببيع واقعا، الّا ان إفادتها لإباحة جميع التصرفات شرعا قبل التصرف، و حصول التمليك به بعده، لما كان على خلاف الأصل، وجب الاقتصار في خلافه، على القدر المتيقن، و هو ما إذا كانت واجدة لجميع ما يعتبر في صحة البيع. فتدبّر جيّدا.

قوله (ره): (و اما حكم جريان الخيار فيها، فيمكن نفيه- إلخ-).

إذا لم نقل بالأول إلى البيع بعد التلف، لعدم كونها بيعا، لا لجوازها،

____________

(1)- وسائل الشيعة: 3- 424- ب 3- ح 1.

(2) وسائل الشيعة: 6- 377- ب 3- ح 6 (بهذا المعنى).

17

و اما بناء عليه، فحالها حال بيع الصرف و السّلم قبل القبض، و مجرّد الجواز، بمعنى التراد، أو الردّ قبل التصرف، أو التلف، لا يمنع عن تعلق حق الخيار، مع ان جواز الفسخ بخيار، لا يمنع عن تعلق خيار آخر.

و من هنا ظهر انّ ثبوت الخيار فيها مطلقا، بناء على إفادتها الملك، أظهر، لا لصيرورتها بيعا بعد اللزوم، كما علّل به، بل لكونها فعلا بيعا عرفا، و شرعا، و الخيار موجود من زمن المعاطاة، و أثره يظهر من حين ثبوته، لصحة إسقاطه، و المصالحة عليه قبل اللزوم، فلا وجه لما افاده من ظهور أثره بعده، كما لا وجه، لما ذكره من احتمال التفصيل، إذ دعوى اختصاص أدلّة الخيار في البيع، بما وضع على اللزوم، مجازفة، كما لا يخفى على من لاحظها.

[الأمر الثاني في المتيقن من موارد المعاطاة]

قوله (ره): (الأمر الثاني: ان المتيقن من مورد المعاطاة- إلخ-).

قد عرفت في بعض الحواشي السابقة، ان لفظ المعاطاة ليس مما ورد في آية، أو رواية، و لا في معقد الإجماع، بل من المعلوم انه عبّر بها، عن المعاملة، المتعارفة، المتداولة، فالمدار في ترتيب الأحكام و الآثار، على ما هو المتعارف، و ان لم يصدق عليه معنى المعاطاة، بل معنى الإعطاء، بل و لو لم يصدق عليه بناء على حصول التمليك، و تحقق المعاملة بالمقاولة، و يكون الإعطاء من طرف أو طرفين، من باب الوفاء بها، لا إحداثا، أو تتميما لها، على ما احتملناه، فالعمدة تحقيق ذلك، و عليك بالتحقيق.

[الأمر الثالث تمييز البائع من المشترى]

قوله (ره): (الثالث: تمييز البائع من المشترى- إلخ-).

لا يخفى، انّه ليس هذا من تنبيهات المعاطاة، لعدم اختصاصه بها، و ان المنشئ للتمليك بالعوض، بايع، و منشى‌ء التملك به، مشتري، من غير فرق فيما قصدا به، بين اللقط، و الفعل، فلو لم يقصد كل واحد منهما، الّا ما قصد الآخر، فهما بائعان، أو مشتريان كذلك، اى من غير فرق بينهما، فلا فرق فيما هو المميّز لكلّ منهما عن الآخر، مفهوما بينهما.

نعم بينهما فرق في التّميز خارجا، و هو انه غالبا يكون في البيع بالصيغة، ما يدل بظاهره على انّ أيّهما بائع، و أيّهما مشتري، بخلاف الفعل،

18

لعدم دلالته بنفسه، و يكون الدلالة بالقرينة، و ربّما لا يكون، أو لا يكون محفوظة، و ربّما يعكس الأمر، لو قلنا بكفاية المجاز، و الكفاية في الصيغة، فافهم. فتدبر جيدا.

[الرابع أن أصل المعاطاة و هو إعطاء كل منهما الآخر ماله يتصور على وجوه]

قوله (ره): (فيكون الآخر في أخذه، قابلًا و مملكا- إلخ-).

لا يخفى، انه لا يتعين هذا، على هذا الوجه، لا مكان ان لا يقصد بأخذه التّمليك، بل بدفعه، و انّما أخذ مقدمّة لقبوله بدفع العوض، فلو مات قبل الدفع، مات قبل تمام المعاطاة، فلا تغفل.

قوله (ره): (فيكون تمليك بإزاء تمليك، بالمقابلة- إلخ-).

بل يكون المقابلة، بين مال المعطى، و تمليك الآخر، و يكون تمليكه ثمنا، كفعل آخر جعل ثمنا، فاذا قصد بأخذه القبول، فالمعاملة يتمّ، من دون توقّف على تمليكه، و ان وجب عليه الوفاء، و يستحقه عليه المعطى، فلو مات، لم يفت منه، الّا الوفاء، بالمعاملة، الحاصلة بالمعاطات، و لو كان الغرض من المعاملة، المقابلة بين التمليكين، بان يكون عمل كل منهما و تمليكه، جعل بإزاء عمل الآخر، و تمليكه، لم يقع بهذه المعاملة، تمليك من أحدهما، بل يستحق كلّ على الآخر، بعد وقوعها تمليك الآخر وفاء بها، كسائر الأعمال، إذا وقعت المعاوضة بينهما، كما لا يخفى.

و بالجملة، إذا قصد بنفس المعاملة، تمليك مال، بعوض تمليك الآخر شيئا، كان التمليك عوض المال، كما يظهر من مقايسته على بيع الأموال بالأعمال، فظهر انه بيع، لا انه بعيد عنه، و قريب من الهبة، كما افاده (ره). فانقدح بذلك مواضع الخلل في كلامه، زيد في علوّ مقامه، في هذا الوجه، و الوجه الرابع، فلا تغفل.

[في مفاد الإباحة المعوضة]

قوله (ره): (فاذا كان بيع الإنسان مال غيره- إلخ-).

تحقيقه ان يقال: انه لا شبهة و لا إشكال في انّه يعقل تمليك الإنسان، مال غيره، بعوض يملكه باذنه، كما يعقل تمليك ماله، بعوض يملكه غيره، و ان لم يصدق عليه عنوان البيع، لاعتبار خصوصية تملك المالك للعوض في صدقه، و لم يصح الاستدلال على صحته، بما دل على صحته،

19

و إمضائه، مع ان مجال المنع عنه واسع، و تعريفه بمبادلة مال بمال، انما يكون في قبال التمليك مجانا، كيف، و في بيع مال المضاربة بالمرابحة للعامل من الثمن ما جعل له من المقدار، مع انّ مال المضاربة للمالك، و لو سلّم، فيمكن ان يستدل عليه بمثل «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» (1) و «المؤمنون عند شروطهم» (2)، لا يقال:

لا يكاد يصح الاستدلال على صحته بأدلّة البيع، و لو سلّم صدقه عليه، لمكان ما دلّ على النّهى عن بيع ما ليس عنده، فإنه مع الاذن في بيعه، كذلك يمنع عن كونه من بيع ما ليس عنده، و امّا العتق عن غير المالك، فلا مانع عنه عقلا، و انّما منع شرعا عن عتق غير المالك، لا عن عتقه عن غيره، فاذا صح عتقه عن غيره، صح له ان يأذنه في ذلك، و اما الوطي، فلا بأس بالقول بجوازه للمباح له، بدعوى انه تحليل، و ان اعتبار لفظ خاص فيه، دعوى بلا دليل.

فتلخص مما ذكرنا، انّه لا بأس بأن يقال بصحّة إباحة جميع التصرفات التي منها البيع، و العتق، و الوطي، فتأمل.

قوله (ره): (فيشكل الأمر فيه، من جهة خروجه عن المعاوضات المعهودة- إلخ-).

إنما يشكل من هذه الجهة، إذا أريد الاستدلال عليه، بما دلّ على صحّتها بعناوينها، و الّا فلا إشكال في صحة الاستدلال عليها، بالمؤمنون عند شروطهم، و بأوفوا بالعقود (3)، الّا ان يدعى ان المراد بالعقود، هي المعهودة المتعارفة مها، لا مطلقا، و هو كما ترى، و قد عرفت الإشكال في الاستدلال ب‍ «النّاس مسلطون» (4) في تشريع المعاملات، و أنحاء التسلطات. فتدبر جيّدا.

____________

(1) المائدة: 1.

(2) بحار الأنوار- 2- 272.

(3) المائدة: 1.

(4) بحار الأنوار- 2- 272.

20

قوله (ره): (ففي لزومها مطلقا لعموم «المؤمنون عند شروطهم» (1)- إلخ-).

قد بيّنا فيما علّقناه على مبحث الخيارات من الكتاب، الإشكال في الاستدلال بمثل عمومه على اللّزوم، فليراجع ثمة، و في الاستصحاب كفاية، لكن قد يشكل بان اللزوم في مثله من العقود الإذنيّة، لا يكاد يعقل، لتقوّمه بالإباحة و الاذن، و مع الفسخ أو المنع، لا اباحة و لا اذن، و حلّه ان جواز التصرف في العقود الإذنيّة، ان كان مستندا الى الاذن الفعلي، فلا إشكال في زواله بزواله، و لكنه ليس كذلك، بل بالعقد على إباحته له، و الاذن في تصرفه مطلقا، و تعقّل لزوم العقد على ذلك، مما لا ريب فيه و لا شبهة يعتريه.

نعم لزومه لا يمنع عن جواز تصرف المالك فيه، بما يذهب موضوعه، لعموم «الناس مسلطون- إلخ-» (2). فافهم و تأمل، كي لا يشتبه عليك الأمر.

[الخامس في حكم جريان المعاطاة في غير البيع]

قوله (ره): (لكن الأظهر بناء على جريان المعاطاة- إلخ-).

بل الظاهر جريانها فيها، لإطلاق أدلتها، و السيرة بالنّهج الذي فرّرناها في البيع، و عدم القول بالفصل بينه و بينها، ظاهرا، و الاشكال في مثل الرهن لأجل منافات ما هو قضيّته، و ما هو لازم المعاطاة من الجواز، لا يوجب و هنا في جريانها في غيره ممّا لا يكون هناك منافاة، مع انّ المنع عن كون الجواز لازم المعاطاة، بمكان عن الإمكان، و قضيّة الإطباق، على توقف العقود اللازمة على اللفظ، لو سلّم، فهو انّما إذا كان اللزوم من عوارض العقد، و جاز تبادله مع الجواز، لا ما إذا كان اللزوم، من مقتضيات ذاته، و حقيقته، كما في الرهن.

و من هنا ظهر، انّه من كان يبالي بمخالفة المشهور، فضلا عن المتفق عليه في فسخه عن هذا الاشكال، مع انّ ما أطبقوا عليه، ليس الا بنحو القاعدة، مخالفته بلا دليل على خلافه، لا يجوز، الّا بالدليل، و السّيرة في خصوص الرهن، دليل، فظهر انّ مخالفة ما أطبقوا عليه هيهنا، ليس لأجل‌

____________

(1) المستدرك- 2- 473.

(2) بحار الأنوار: 2- 272.

21

عدم المبالات بالمخالفة. فافهم و اغتنم.

[السادس في ملزمات بيع المعاطاة]

قوله (ره): (اعلم انّ الأصل على القول بالملك- إلخ-).

قد ظهر مما علّقناه على مبحث الخيارات، ان اللزوم المناسب للمقام، و هو بالمعنى المقابل لجواز التّراد، أو لجواز الفسخ، بمجرد الحكم به، لا بحقّ الخيار، ممّا يدلّ عليه بعض الوجوه المتقدمة، فمن أراد الاطلاع، فعليه المراجعة ثمة، ثم ان المهم في المقام، إذا شكّ في اللزوم و الجواز، بعد التلف مثلا، و قد قطع بالجواز قبله، بيان انه من موارد الرجوع الى استصحاب حكم المخصص عند الشك، أو الرجوع الى العام، فاعلم انه، و ان كان مثل «أَوْفُوا» و «المؤمنون» مما دلّ على عدم جواز فسخ العقد، إذا خصّص من موارد الرجوع الى استصحاب حكم المخصّص، لا الرجوع الى حكم العام، فان حكم وجوب الوفاء، أو لزوم الالتزام بالشرط، انّما لو حظ بنحو استمرار أمر وحداني في الأزمنة، لا متعددا بحسبها، فاذا قطع فلا يرجع إليه إذا شكّ، بل الى استصحاب حكم الخاص، الّا انه في المقام حيث ما انقطع حكمه من البين، بل منع عنه من الأول في الجملة قبل انقضاء المجلس، و حصول التلف مثلا، فاذا شكّ في انّه صار محكوما أولا، فالمرجع هو الحكم العام، لإطلاق العقود، أو الشروط، لو كان لهما إطلاق، فإن قضيّته ان يكون محكوما به مطلقا، و دليل الخيار، أو الجواز في المعاطاة، قيّده و جعل المحكوم به، هو العقد به انقضاء المجلس، أو حصول التلف، فاذا شكّ في زيادة التقييد، فالمرجع هو الإطلاق، الا ان يمنع عنه، بتقريب انّه غير مسوق بلحاظ الطّوارى بل بلحاظ نفس العقد، و الشرط، فليرجع الى استصحاب حكم المخصّص، هذا بالنسبة إلى جواز الفسخ، و اما بالنسبة إلى جواز التّراد، فكذلك، اى المتبع هو إطلاق مثل «لا يحل مال امرء- إلخ-» (1) لو كان، و الّا فاستصحاب جوازه، و لا يمنع عنه مثل تلف احدى العينين، لامتناع التّراد، كما أفاد، لأنّه ليس متعلّقه نفسهما، كي يمتنع ترادهما في الخارج، بل‌

____________

(1)- وسائل الشيعة: 3- 424- ب 3- ح 1.

22

ملكيّتهما، و الملكية كما صح انتزاعها عن الموجود، صحّ انتزاعها عن التالف، فإنها من الاعتبارات، و هي مما لا يتوقّف على موضوع موجود، بل إذا كان هناك منشأ انتزاع، تنتزع عن غيره، و ليست هي بالجدة، التي هي إحدى المقولات، كما توهم، حتى يحتاج الى موضوع موجود، كيف، و قد وقع التّراد مع التلف، فيما إذا فسح العقد بخيار، و لا يتفاوت في الامتناع، ان يكون التراد بلا واسطة، أو بواسطة الفسخ، لا يقال: في الفسخ لا تراد أصلا، بل يرجع الى بدل التّالف، فإنّه لو لا التراد، لم يكن وجه للرجوع الى البدل، بقاعدة ضمان اليه، أو الإتلاف.

هذا كلّه على القول بإفادتها الملك الجائز، و امّا على القول بالإباحة، فبناء على الاولى الى البيع، كما أشرنا إليه، يكون المرجع عند الشّك فيها، ما هو المرجع عند الشّك في جواز الفسخ، أو التراد من إطلاق وجوب الوفاء، أو لزوم الالتزام بالشرط، الى غير ذلك لو كان، و الّا فاستصحاب الإباحة طابق النعل بالنعل، و بناء على عدم الأوّل إليه، فما لم يعلم حصول الملك، فالأصل بقاؤها، لو كانا باقيين، أو الباقي منهما على الملكيّة للمالك قبل حدوث ما يوجب الشك فيجوز تصرفه فيه بما شاء، كما يباح لصاحبه التّصرف فيه بعده، كما كان قبله قطعا، إذا علم بانّ المالك لم يحدث فيه شيئا، لا يبقى معه الإباحة، و استصحابا لو شكّ فيه، امّا إذا أحدث فيه ذلك، فلا مجال لاستصحاب جواز التصرفات، لحكومة استصحاب نفوذ تصرف المالك، على استصحاب جوازها، كما لا يخفى. فانقدح بما حققناه، مواضع الخلل في كلامه، زيد في علو مقامه، قد أشرنا إلى بعضها، و ربما نشير الى بعض آخر.

فتدبر جيدا.

قوله (ره): (و المتيقن من مخالفتها، جواز تراد العينين- إلخ-).

قد عرفت جواز ترادهما ملكا، لا خارجا، فلا وجه للامتناع بمجرد التلف، و الارتفاع، فالوجه في عدم التّراد، هو اتباع إطلاق «الناس مسلطون» (1) و «لا يحل مال امرء» (2) و نحوهما، و الّا كان استصحاب جوازه‌

____________

(1) بحار الأنوار- 2- 272.

(2) وسائل الشيعة: 3- 424- ب 3- ح 1.

23

مقتضيا لجوازه، مثل استصحاب الجواز في البيع الخياري بلا تفاوت أصلا، و لو كان التلف مانعا عن التراد ملكا، لكان مانعا عنه في صورة الفسخ، مع ان الظاهر، ان يكون الجواز هيهنا، كالجواز في البيع الخياري، من عوارض المعاملة، لا العوضين، غاية الأمر هناك بحق الخيار، و هيهنا بمحض الحكم به، و ذلك لان الدليل عليه، ليس إلّا السّيرة التي استقرّت على انّ البيع بها، ليس بالصيغة في عدم جواز الفسخ، بل يجوز فسخه لعدم استحكام المعاطاة عندهم، استحكام الصيغة.

و بالجملة، بنائهم في المعاملة المعاطاتية، على نفوذ الفسخ من أحد المتعاطيين، و لو مع عدم رضاء الآخر.

قيل: استحكامها بالتصرف، أو التلف، و نحوهما، لا على جواز تراد العينين بلا توسيط الفسخ، كما يظهر ذلك من الاستفسار منهم، كما صرّح بجواز الفسخ في السرائر، و امّا التعبير بالتراد، الظاهر فيما ذكره (ره) فهو انما يكون من القائلين بالإباحة. فافهم.

و قد انقدح بذلك، فساد العلاوة الّتي ذكرها بقوله «مع ان الشّك- إلخ-» و ذلك لما علم من انّ الإطلاق لو كان، لكان مانعا من الاستصحاب مطلقا، و لو علم ان الجواز كان عن عوارض البيع، كما في البيع الخياري، و لولاه، فلا مانع من استصحابه، و لو علم بكونه عن عوارض البيع، كما في البيع الخياري، و لولاه، فلا مانع عن استصحابه، و لو علم بكونه من عوارض العوضين، لا مكان تحقّه مع تلفهما، و ما لا يكاد يتحقق معه ترادّهما خارجا، لا ملكا. و منه يعلم حكم ما لو تلف أحد العينين، أو بعضها، على القول بالملك، و اما على القول بالإباحة، فالأصل عدم اللزوم، كما استوجهه بعض المشايخ على ما حكاه، لأصالة السلطنة، بل لقاعدتها، بناء على شمول دليلها لمثل هذه الطّوارى.

24

قوله (ره): (و على المال التالف بأخذ بدله الحقيقيّ، و هو المثل أو القيمة- إلخ-).

قد مرّ غير مرة، انه ليس لعمومه هذا الشأن، و انما شأنه، إثبات السلطنة للمالك، قبالا لحجره فيما سوغ من التصرفات، فلا دلالة له على تجويز تصرف، فضلا عن الدلالة على الضمان بالمثل أو القيمة، و لعلّه أشار إليه بقوله فتدبّر.

قوله (ره): (و الظاهر انه في حكم التلف لان الساقط لا يعود- إلخ-).

لا يكاد يعود نفس الساقط، حقيقة لامتناع ارادة المعدوم، لكنه لا يختص بالساقط، بل الملكيّة الزّائلة عن العين الموجودة، كذلك لا تعود لذلك، و اعادة مثله كما في الملكيّة بمكان من الإمكان، فالعمدة مع الشك، هو أصالة عدم العود، و عدم زوال ملكه عمّا انتقل اليه بعوض الدين، و لا استصحاب للجواز ههنا، ليحكم عليها كما لا يخفى.

قوله (ره): (و الظاهر ان الحكم كذلك على القول بالإباحة، فافهم- إلخ-).

فإنّ الظاهر ان اباحة الدّين على من عليه الدّين لا يعقل لها معنى، الّا سقوطها، فيعود انّ السّاقط لا يعود مع ما علّقناه عليه طابق النعل بالنفل.

فافهم.

قوله (ره): (فهو كالتلف على القول بالملك- إلخ-).

قد عرفت ان التلف لا يمتنع معه التّراد، خلافا له (ره)، لكن الظاهر امتناعه مع النقل، و لو كان جائزا أيضا، و ذلك لان المراد به هو ردّ العين الى ملكه عن ملك حدث لصاحبه بنفس المعاملة، لا من ملك غيره، و لا عن ملكه بسبب غيرها، و لو كان فسخ ما يوجب ارتفاعها، لعدم إمكان التّراد بالمعنى المراد قبل فسخه، لكونه عن غير ملك المتعاطيين و بعده، لكونه عن غير ملكه الحاصل بالمعاملة، فإن فسخ المعاملة، كعقدها سبب مستقل، و ان أبيت فلا أقل من الشّك، و معه فالأصل عدم جوازه، لانقطاع الجواز بتخلّل ملك الغير، و بذلك ظهر عدم التفاوت بين ان يكون بعقد لازم، أو‌

25

جائز، فلا تغفل.

قوله (ره): (اتجه الحكم بجواز التراد مع بقاء العين الأخرى- إلخ-).

لا يخفى انّ المتّجه، عدم جوازه، فان تملّك المالك للعين الموهوبة، تملك بوجه آخر، غير التملّك بالرّد في المعاطاة، ليحجب ردّ الأخرى إلى مالكها، كي حصل التراد، و لم يلزم الجمع بين العوضين، فالعينان و ان اجتمعا عنده، الّا انّ إحديهما بالمعاطات ابتداء، أو بعد التصرف في إحديهما بالهبة، و الأخرى بالرجوع الى العين في الهبة، لا المعاطاة. نعم لو كان الرجوع إليها بالفسخ، يمكن ان يقال بعود العلقة السّابقة، بحسب الاعتبار، و ان لم يكن عودها بحسب الحقيقة، لامتناع اعادة المعدوم، فكأنّه لم يكن هناك هبة، فيكون المعاطاة على ما كانت محلّا للتّراد، لكن الرجوع في الهبة، ليس فسخا لها، مع انّه لو كان من باب الفسخ، فلا يحكم بجواز التراد لعدم القطع به، و لا لاستصحابه، لانقطاعه قبل الرجوع قطعا، فافهم.

قوله (ره): (سقط الرجوع على القول بالملك لامتناع التّراد- إلخ-).

لو قيل بحصول الشركة بمجرد الامتزاج، و الّا لم يمتنع التّراد، لبقاء الأجزاء الممتزجة على ما كانت عليه من الملك، أو الإباحة، لمن صارت اليه من المتعاطيين، فيصح ردّها الى من انتقل عنه. فتدبر جيّدا.

[السابع إن الشهيد الثاني في المسالك ذكر وجهين في صيرورة المعاطاة بيعا بعد التلف]

قوله (ره): (لإطباقهم على انها ليست بيعا حال وقوعها، فكيف يصير- إلخ-).

قد عرفت بما لا مزيد عليه انّه لا غرابة فيه أصلا، و ليس حالها، الّا حال بيع الصّرف و السّلف في عدم كونهما بيعا قبل القبض في المجلس بالاتفاق، و صيرورتهما بيعا بعده كذلك، و من هنا ظهر انّ حالها في ترتيب أحكام الخيار و غيرها حالها، كما لا يخفى.

[الثامن لا إشكال في تحقق المعاطاة بما إذا تحقق الإنشاء بالفعل]

قوله (ره): (فان قلنا بعدم اشتراط اللزوم أي- إلخ-).

لا يخفى، انه خلف إذا افترض فيما إذا حصل بالقول غير الجامع لشرائط اللزوم، فلا يكاد يتأتّى فيه، الّا بالخلف، ثم ان الفاقد لشرائط اللزوم، فان كان واجدا لجميع ما يعتبر في الصحة عند الجميع، فلا يعقل ان‌

26

يحتمل ان يكون من باب المعاطاة التي هي محل الخلاف، و ان كان فاقد البعض ما يعتبر فيها كذلك، فكذلك، و ان كان فاقدا لبعض ما يعتبر عند البعض دون الآخر، فيكون فاسدا عند من اعتبره، و صحيحا عند غيره، فكذلك أيضا، و انّما يصح الترديد في تمشية النزاع و الخلاف في الإنشاء القولي، فيما إذا جعل المحلّ الإنشاء بصيغة كذا أو بغير صيغة كذا، فيصح حينئذ ان يردّد في انه كالإنشاء بالمعاطات في كونه معركة للآراء و الخلاف بين العظماء- فافهم.

قوله (ره): (أقول: المفروض ان الصيغة الفاقدة لبعض الشرائط- إلخ-).

يمكن ان يقال انّ الصّيغة المفروضة، و ان لم تتضمن إلّا إنشاء واحدا، و المفروض فسادها، للإخلال ببعض ما اعتبر فيها، الّا انّ الصحة و الفساد، لمّا كان من الأمور الإضافيّة، كما أشرنا إليه في بعض الحواشي السابقة، كان فساد الصيغة المنشاء بها التمليك بما هي عقد البيع، و لا يترتب عليها شي‌ء ممّا يكون آثار العقد، من اللزوم و غيره، لا ينافي كونها معاطاتا و داخلة في المسألة التي تكون معركة للآراء، و صحيحة بما هو بيع عند بعض، و اباحة عند آخر، الى غير ذلك من الأقوال فيها، و الحكم بضمان المقبوض بالعقد الفاسد يمكن ان ينزل على انّه حكم اقتضائي لا فعلى، بمعنى ان قضية فساده بما هو عقد، ذلك لو لم يجي‌ء في البين الحكم بصحته بوجه آخر، اى بما هو بيع بغير العقد، و هذا أحسن ما يقال، توفيقا بين ما ذكر في المقامين.

فتفطّن.

[مقدمة في خصوص ألفاظ عقد البيع]

قوله (ره): (ثم الكلام في الخصوصيات المعتبرة في اللفط- إلخ-).

و المرجع في عدم اعتبار خصوصية مادة، أو هيئة، هو الإطلاق المنافي لاعتبارها، لو كان، و الّا فأصالة الصحة، لو كان الشك في اعتبارها فيها، و أصالة اللزوم لو كان الشّك في اعتبارها فيه، كما مرّت إليه الإشارة.

قوله (ره): (اما الكلام من حيث المادّة، فالمشهور عدم الوقوع- إلخ-).

لكن مقتضى الإطلاقات في باب البيع، وقوعه بالكنايات، و أنحاء‌

27

المجازات، بلا فرق أصلي بين ان يكون القرينة على التّجوز لفظا أو غيره، لاستناد إنشاء التّمليك الى اللفظ على كل تقدير، كما لا يخفى. نعم ربما يمكن المناقشة في صدق العقد على ما إذا وقع بالكناية، فإنّه عهد مؤكّد، و لا يبعد ان يمنع عن تأكّده فيما إذا وقع بها، و ذلك لسراية الوهن من اللفظ، الى المعنى لما بينهما من شدّة الارتباط، بل نحو من الأنحاء.

[مسألة الأشهر لزوم تقديم الإيجاب على القبول]

قوله (ره): (ان القبول الذي هو أحد ركني العقد، فرع الإيجاب- إلخ-).

و محصل ما ذكره وجها للتفصيل على طوله و جواز تقديم مثل اشتريت، و عدم جواز تقديم مثل قبلت، هو اشتمال هذا على المطاوعة التي لا بدلها من الفرعيّة، و التابعيّة، فكيف يقدّم بخلاف ذاك فإنّه لا مطاوعة فيه، فيؤخّر و يقدّم، قلت: لا يخفى انّ العقد و ان كان ينعقد بفعل الاثنين، و يتقدم بركنين، الّا انّه أمر واحد، لا يكاد تحققه، الّا من تواطئهما على أمر وحداني يوقعه أحدهما، و يقبّله الأخر، و يظهر الرّضاء به، و لا يكاد يتحقق بإيقاع كل واحد معنى على حدة، بل يتحقق هناك من كل إيقاع، لا منهما، عقد، فلا بد في تحققه من إيجاب من أحدهما، و إنشاء الرضاء بما أوحيه، و قبوله بما يدل عليه، مطابقة أو التزاما من الأخر، فالتّبعية الّتي لا بد منها في القبول، بأيّ صيغة كانت، لو اقتضت التأخر، فليكن القبول مطلقا مؤخّرا، و الّا فلا مقتضى لوجوب تأخره إذا كان مثل لفظ، قبلت، و المطاوعة الّتي تكون مأخوذة في معناه، ليست الّا تلك التبعيّة الّتي لا بد منها في كلّ قبول، و هي غير مقتضية لوجوب تأخّره، الّا انّها لازمة نفس المعنى في (قبلت)، و لازم كونه في مقام القبول في مثل (اشتريت)، و هذا لا يوجب التفاوت بينهما في ذلك، كما لا يخفى.

و دعوى أن المطاوعة بمعنى أخر، تكون مأخوذة فيه، ممنوعة، مع انّ مطاوعة القبول مطاوعة ايقاعية، إنشائيّة، تحصل بأيّ شي‌ء كان، بمجرد قصد حصولها باستعمال اللفظ فيها، كما هو الشأن في جميع المعاني الإنشائيّة، و الّتي لا تكاد تكون إلّا متأخرة، هي المطاوعة الحقيقّية، كالانكسار حيث‌

28

لا يكاد يتحقق الا عن كسر، لا المطاوعة الإنشائيّة، بداهة صحة استعمال اللفظ في المعنى المطاوعي إنشاء، كما يصحّ اخبارا، و ان لم يكن هناك مما يكون هذا مطاوعة عين، و لا اثر واقعا، و لا إنشاء، و ذلك لكون الإنشاء خفيفة المؤنة، يمكن ان يعبّر إنشاء من اىّ معنى، و لو كان محالا، غاية الأمر يقع لغوا لو لم يكن بداعي عقلائي، فانقدح بما حقّقناه، انّه لا مانع عقلا عن تقديم مثل (قبلت). نعم يمكن ان يدّعى انّ تقديمه غير متعارف، و لا بدّ في تحقق العقد، ان يكون صيغته بالنحو المتعارف، فتأمّل، و لا اعتناء بما نقل من الإجماع في مثل المسألة، حيث يطمئن بأنّه ما ورد من صاحب الشرع، ما يدل بالخصوص على عدم جواز تقديم مثل (قبلت)، و انّما ذهب اليه، من ذهب لمثل ما افاده (ره)، أو أشرنا إليه، لا أقل من احتمال ذلك في من لهم الدّخل في تحصيله، لو لم يكن في الكل، أو الجلّ، و هو كاف في حصول الياس عن الكشف بالحدس، و عليك بالتأمل التام فيما افدناك في المقام.

قوله (ره): (فتلخص مما ذكرنا انّ القبول في العقود على ثلاثة أقسام- إلخ-).

قد عرفت بما حقّقناه، انّه لا بد في القبول الذي يتقوم به العقد، و يكون أحد ركنيه من التبعية مفهوما ركنه الأخر، تقدم في الخارج أو تأخر، تقدم في الخارج أو تأخر، و أزيد منها لا يكون فيه بمعتبر، مع انّك قد عرفت، انّه لا يوجب تأخره، و ان كان معتبرا. فتدبّر جيّدا.

[و من جملة شروط العقد الموالاة بين إيجابه و قبوله]

قوله (ره): (و ما ذكره حسن، لو كان الملك- إلخ-).

مع انه يمكن مع اعتبار الموالاة عرفا من صدق العقد أيضا، و دعوى صدقه على ما إذا كان تأخير القبول بتواطؤ منهما، بلا إخلال بشي‌ء آخر ممّا يعتبر فيه. اللّهم الّا ان يدّعى انصرافه عنه، فتأمل.

[و من جملة الشرائط التي ذكرها جماعة التنجيز في العقد]

قوله (ره): (و تسلّط الناس على أموالهم- إلخ-).

قد عرفت انه غير كاف في إثبات أنحاء التّسلّطات، فضلا عن أسبابها. فلا تغفل.

29

قوله (ره): (و بالجملة فإثبات هذا الشرط في العقود، مع عموم أدلتها و وقوع كثير منها في العرف، على وجه التعليق بغير الإجماع- إلخ-).

و تحصيل الإجماع في مثل هذه المسألة، من الاتفاق لو كان أشكل، لاحتمال تشبّث البعض، لو لا الجلّ، أو الكلّ، بما أشار إليه من الوجوه الاعتباريّة بما فيها من الضعف، و المنقول منه في مثلها ليس بحجة، و لو قيل بحجّيته في نفسه، فالعمل بإطلاقات أبواب المعاملات، لا يخلو من قوّة.

[و من جملة شروط العقد التطابق]

قوله (ره): (و من جملة شروط العقد التطابق- إلخ-).

ضرورة انّه لو لا التطابق لما قصدا امرا واحدا بل فان لكلّ همّ و قصد، فلا يكون بينهما عقد، نعم لو كانت الخصوصية التي اختلفا فيها بحسب القصد، غير مهمة لهما، و المهمّ كان الجامع المقصود لهما، لا بأس بعدم التطابق، فلو قصد الموجب البيع من القابل، و قد قصد قبوله لموكله صحّ العقد، فان مهم الموجب ليس الّا تمليك ماله من الأعمّ، من الشخص و موكله، و انّما قصده لأجل أنّه اعتقد انّه قصد الشراء لنفسه، و هذا بخلاف عقد المزاوجة، فإنّه لا بدّ فيه من تعيين الزوج، و انّه له أو لموكّله، فإنّه المهم فيه كالعوضين في البيع.

[و من جملة الشروط في العقد أن يقع كل من إيجابه و قبوله في حال يجوز لكل واحد منهما الإنشاء]

قوله (ره): (لانّ المعتبر فيه عرفا رضاء كل منهما- إلخ-).

لا يخفى انّ الرّضا ممّا يعتبر في صحة العقد، و تأثريه شرعا و عرفا، لا ممّا يعتبر في تحقّقه، و انما المعتبر فيه القصد، لطيب كان، أو كره منه. نعم في تحقّق الإكراه في مثل العقد ممّا يتقوّم بالقصد، بحث يأتي. و بالجملة لا ينبغي الإشكال في انعقاده فيما إذا قصد التوسّل الى تحقّق مضمونه، و لو كان عن كره، غاية الأمر، عدم ترتب الأثر عليه ما لم يلحقه الطيّب و الرضاء، فلا يكون صحة بيع المكره إذا لحقه الرضاء على خلاف القاعدة، للإجماع.

[فرع لو اختلف المتعاقدان في شروط الصيغة]

قوله (ره): (و الأولان مبنيان على انّ الأحكام الظاهرية- إلخ-).

هذا إذا قلنا بأنّها، أحكام واقعيّة مطلقا، و لو في حق من رأى خلافها، و لو قلنا باختصاص ذلك بمن رأى بواقعيتها، كما هو الأظهر، فلا يتفاوت كونها أحكاما واقعية، أو عذرية فيما هو المهمّ في المقام، و انّما التفاوت‌

30

بينهما في مقام أخر عند كشف الخلاف، فلا تغفل.

[مسألة في أحكام المقبوض بالعقد الفاسد]

[أحدها الضمان]

[قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده]

قوله (ره): (و كيف كان، فالمهمّ بيان معنى القاعدة- إلخ-).

و حيث انّ هذه القاعدة بألفاظها، ليست ممّا دلّت بها آية، و لا وردت في رواية، و ما وقعت في معقد إجماع، لم يكن بيان معناها من المهم بشي‌ء، ضرورة انّه لا بدّ ان يراد منها ما يساعد عليه سائر القواعد، و انّما المهم، بيان ان قضيّتها الضمان في أيّ الموارد، ساعد عليه ظاهر القاعدة، أو لم تساعد، و هكذا الحال في عكسها.

قوله (ره): (و المراد بالضمان في الجملتين، هو كون درك المضمون عليه- إلخ-).

لا يخفى، انّ الضمان هو اعتبار خاص، يترتب عليه آثار تكليفا، و وضعا، منها لزوم أداء المضمون الى المضمون له، لو تمكن منه، و أداء بدله من قيمته أو مثله، لو لم يتمكن من أدائه، لتلف و نحوه، و هو بهذا المعنى لا يكاد يكون في مال نفس الضامن، بل في مال غيره، فلا يكون في العقد الصحيح ضمان بمعناه الحقيقي، فلا بد ان يراد في القضيّة الأولى بالمعنى المجازي، و أقرب المجازات الى المعنى الحقيقي كون تلفه عليه، فإنّه من أظهر آثاره. لا يقال انّه لا يوجب صحّة التجوز، و الّا لجاز أن يقال، ان المالك يضمن أمواله، فإنّه لو سلّم فصحّة التجوّز هيهنا، انّما هو لخصوصيّة المقارنة مع الضمان في القضيّة الثّانية، كما في قوله تعالى «فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ- الآية-» (1) و لمثلها دخل في صحته، أو حسنه و ملاحته، و لا يصحّ ان يراد بالضّمان في القضيّة الأولى، ما افاده من درك المضمون، و خسارته في ماله الأصلي، كيف، و لا يكون ضمان بهذا المعنى في العقد الصحيح بالنسبة إلى الوارث، مع انّه من موارد القاعدة أصلا، و عكسا، حيث لا ضمان عليه فيما انتقل اليه من مورثه، من مال ملكه بالعقد الصحيح، الّا بمعنى كون تلفه عليه، و انّما كان خسارته هكذا على البائع بمجرد العقد، و لو لم يتلف، فافهم.

____________

(1)- البقرة: 194

31

قوله (ره): (فالمتعيّن بمقتضى هذه القاعدة، الضمان في مسألة البيع- إلخ-).

لا يخفى، ان البيع بلا ثمن، ليس من إفراد القاعدة، فإنّه ليس ببيع و ان كان بصيغته، لأنه مبادلة مال بمال، لا انّه ليس بصحيحة، بل هو من إفراد عكس القاعدة، فهبة صحيحة، ان قلنا بكفاية المجاز و الكناية، و فاسدة ان لم نقل بالكفاية. و كيف كان المتيقن بمقتضى عكسها، عدم الضمان في المسألة، هذا لو قصد التمليك بلا عوض، و امّا إذا قصد ما هو حقيقة البيع و بلا ثمن، فكما لا بيع، لا هبة، و لا يكون هناك عقد للمناقصة في القصد.

قوله (ره): (و اما لمطلق السبيّة- إلخ-).

في كلتا القضيتين حقيقة بناء على ان يكون السبب للضمان في العقد الفاسد، هو الاقدام، و مجازا في الثانية، لأجل المشاكلة، و المقاومة مع الاولى، بناء على ان يكون اليد سببا فيه، كما لا يخفى.

قوله (ره): (و لأنهما إنّما أقدما، و تراضيا، و تواطئا بالعقد الفاسد- إلخ-).

يمكن ان يقال، بأنّهما أقدما على أصل الضمان، في ضمن الاقدام على ضمان خاص، و الشارع انّما لم يمض الضمان الخاص، لا أصله، مع انّ دليل فساد العقد، ليس بدليل على عدم إمضائه، فافهم، لكن لا دليل على كون الاقدام سببا للضمان أصلا.

قوله (ره): (الّا ان مورده، مختصّ بالأعيان، فلا يشمل المنافع- إلخ-).

و مورده و ان كان مختصّا بالأعيان، الّا انّ قضيّة كونها مضمونة، ضمان منافعها، فضمان المنافع في الإجارة الفاسدة، انّما يكون بتبع ضمان العين المستأجرة. و بالجملة قضيّة ضمان اليد، ضمان المنافع فيما كانت العين مضمونة بها، فاختصاص مورده بالأعيان، لا يوجب اختصاص الضمان بها، نعم الحرّ، حيث لم يكن نفسه مضمونة باليد، لم يكن اعماله مضمونة في الإجارة الفاسدة بها، فافهم.

قوله (ره): (الّا ان يستدلّ على الضّمان فيها، بما دلّ على احترام مال المسلم- إلخ-).

لكنه لا يخلو عن الاشكال، لدعوى انصراف مال المسلم عن‌

32

إعماله، أولا، و عدم قضية الاحترام الّا حرمة التصرف فيها بدون الاذن لا الضمان، ثانيا، و لا أقل من عدم قضية الضمان إلّا إذا كان الغير سببا لا تلافها، ثالثا. ضرورة انّه ليس في عدم الضمان شي‌ء من المنافاة، للاحترام فيما إذا كان المالك باختياره متلفا لها، كما في المقام، حيث ان العاقد يعمل وفاء بالعقد اختيارا، بل و ربّما كان على خلاف ميل الأخر و رضاه، حيث لحقه الندم، و كون العقد فعل الاثنين، لا يقتضي عدم استقلال كل منهما في وفائه، و العمل على وفقه.

و من هنا انقدح الإشكال في الاستدلال بقاعدة الضرر أيضا، إذا كان عمله وفاء باختياره، كما هو محل الكلام.

فتلخص انّه، لا مدرك للقاعدة، للإجازة الفاسدة المتعلّقة بعمل الحرّ، و في المسابقة الفاسدة مطلقا، فيمكن ان يكون القاعدة، بعد انه لا مدرك لها على حدة، بل مصطادة من الموارد التي حكم فيها بالضمان بأحد أسبابه غالبيّة، لا كليّة، كما هو الشأن في سائر القواعد الّتي كان لها مدرك على حدة، حيث انّه ما من واحدة منها، الّا و قد خرج منها بعض الموارد.

قوله (ره): (و مورد العقد في الإجارة، المنفعة- إلخ-).

كما هو المتوهم من تعريفها بتمليك المنفعة، و لكن التّحقيق، انّ مورده فيها، نفس العين، و لذا يقال «آجرت الدار، و استأجرتها» و انّ الإجارة عبارة عن، إضافة خاصة بين العين المؤجرة و المستأجر، و من آثارها تملّك منفعتها. و التعريف بالتمليك، تعريف بالرّسم، مع انّه لو سلّم انّه بالحدّ، كان مورد عقدها أيضا، نفس العين، فإنّها تمليك المنفعة، و لا يكاد يكون مورده، و متعلّقه، الّا العين، فافهم.

قوله (ره): (عموم ما دلّ على ان من استأمنه- إلخ-).

فإنّ بطلان استئمان المالك، بما هو وديعة، أو عارية، أو غيرهما، و عدم ترتيب الآثار الخاصة لهذه العقود عليها، لا يوجب خروجه عن الاستيمان المانع من الضمان.

33

[في عكس هذه القاعدة]

قوله (ره): (اما في الهبة (1)، فيمكن الاستدلال- إلخ-).

قضيّة الفتوى، ليست الّا عدم الضمان فيما إذا لم يكن هناك إفراط و تفريط، لا و لو كان كما هو المهمّ في الهبة الفاسدة، كي يكون كصحيحها، كما لا يخفى، هذا، مع انّ منع الفحوى، بمكان من الإمكان، إذ لعلّ ملاك عدم الضمان مع الاستيمان، ما نجده بالوجدان من الملائمة التّامة بينهما في الجملة، و لا يكاد يدركها بينه و بين الهبة الفاسدة، فضلا عن ان يكون بالأولى.

[الثاني من الأمور المتفرعة على المقبوض بالعقد الفاسد وجوب رده فورا]

قوله (ره): (الّا ان يقيّد بغيرها، بأدلة نفى الضّرر- إلخ-).

إنّما يقيّد بها، فيما إذا كانت المئونة الكثيرة، زائدة على ما يتوقّف عليه الرّد بحسب المتعارف و الّا كان دليله مقيّدا لها، و ذلك لما حقّق في محلّه، من ان أدلّة نفى الضرر كما يقيّد بها أدلّة الأحكام، كذلك يقيّد بها فيما لا بدّ منه، و يقتضيه طبعها بحسب المتعارف.

قوله (ره): (و لو نوقش في كون الإمساك تصرّفا، كفى عموم- إلخ-).

لا يخفى، ان المناقشة في عموم مثل «لا يحل» لغير التصرفات أوضح، مع انّه لو سلّم دلالته على حرمة الإمساك، فلا دلالة على وجوب الردّ تعيّنا أصلا، و لو على القول بمقدميّة الضّد، فان الردّ، و الإمساك، و ان كانا ضدّين، الّا انّه لهما ثالث، و هو التّخلية بينه و بين مالكه، فلا يجب عليه على هذا القول، إلّا أحدهما، لا خصوص الردّ، فافهم.

قوله (ره): (و اما توهم انّ هذا باذنه- إلخ-).

يمكن ان يقال: انّه إذا علم الدّافع بالفساد، لا يكون دفعه و قبض الغير الّا برضاه، و كون الدفع وفاء بالعقد، لا ينافي كونه برضاه في الصورة المذكورة. نعم لا يكون التصرف فيه، بمجرد العقد أو بعد الدّفع، و الجهل بالفساد برضاء المالك. فافهم.

____________

(1)- و في المصدر: اما في الهبة الفاسدة فيمكن الاستدلال.

34

[الثالث في ضمان المنافع المستوفاة]

قوله (ره): (و يدلّ عليه عموم قوله: لا يحلّ (1)- إلخ-).

قد تقدم الإشكال في الاستدلال بعمومه على الضمان، و انّ الدّليل على ضمان المنافع، هو الدّليل على ضمان الأعيان، لكون ضمانهما من آثار ضمانها و لوازمه، و لا يتفاوت في ذلك بين كونها مستوفاة أو غير مستوفاة، كما لا يخفى، و الظاهر انّ هذا هو الوجه في ضمانها مطلقا في باب الغصب، قولا واحدا، و لا أظن اختصاص ذلك الباب بوجه غير جار في الباب، الّا ان يكون هو إجماع الأصحاب، لكنه لا يظن ان يكون مدركهم أيضا، إلّا ما ذكرنا.

فافهم.

ثم انّ مثله في الاشكال، في الاستدلال به على الضمان، الاستدلال بما دل على احترام مال المسلم، كما تقدّم، و انقدح بما ذكرنا انه لا موجب للضمان في المنافع الّا اليد، بالتقريب الذي ذكرنا، لا ما ذكره، من غير فرق بين المستوفى منها و غير المستوفى. نعم لو سلم دلالة عدم حلّ مال الغير، و احترام مال المسلم، على الضمان، لاختّص بالمستوفى، فان غيره ما تصرّف فيه و ما انتفع به، كي لا يحلّ بلا عوض، أو ينافيه الاحترام.

قوله (ره): (محتجّا بان الخراج بالضمان (2)- إلخ-).

لا يخفى ضعف الخبر سندا، و دلالة، بإرساله و إجماله، لاحتمال ان يكون المراد به، هو ان خراج الأرض كمّا و كيفا على من ضمنها، انما هو بحسب ضمانها، أو معنى أخر، حيث لم يعلم انّه في أيّ مورد ورد. فتدبّر.

[الرابع في بيان ضمان المثلي]

قوله (ره): (و قد اختلف كلمات أصحابنا في توقف- إلخ-).

و حيث انّ هذا اللفظ لم يرد في أية أو رواية، لبيان حكم ضمانه بالمثل، بل غايته، وقوعه في معقد الإجماع، لا يجدي في الحكم به تعيين واحد من المعاني التي اختلفوا فيها، بل لا بدّ فيه ممّا اتّفقوا عليه من المعنى، و الرّجوع فيما اختلفوا فيه الى ما يقتضيه القواعد، و الخلاف في معناه، مع وقوعه في معقد‌

____________

(1)- وسائل الشيعة: 3- 424- ب 3- ح 1.

(2)- التاج الجامع للأصول- 2- 204.

35

الإجماع، انّما لا يمنع عن تعيينه بقواعده، إذا كان بماله من المعنى مجمعا عليه، كي لا ينافي خلافهم في ذاك، إجماعهم عليه بما له من المعنى، لا إذا كان بمعنى مجمعا عليه، فينافي الخلاف، الإجماع، إلّا فيما اتّفقت عليه المعاني المختلفة فيها، كما لا يخفى، و لم يعلم بعد انعقاده على النحو الأوّل، فافهم.

ثمّ الظاهر، انّ الاختلاف في تعريفه، ليس لأجل الخلاف في حقيقته و ماهيته، ضرورة انّ مثل هذه التعريفات، ليس بحدّ، بل و لا رسم، بل من باب شرح الاسم، كما هو الشأن في التفسيرات اللغوية، و لعلّه أشار الكلّ الى المعنى الواحد، و المفهوم الفارد من وجه التفت اليه من طرفه، فلا مجال للنقص و الإبرام فيها طردا و عكسا، و ليس اختلافهم في مثليّة بعض الأشياء و قيمته، كاشفا عن اختلافهم في المعنى، و سعة دائرته و ضيقها، لاحتمال ان يكون الاختلاف، للاختلاف في التضييق و صدق ذاك المعنى عليه، و عدم صدقة. فافهم.

و كيف كان فتعريف المشهور بأنّه ممّا يتساوى اجزائه بحسب القيمة، لا يعمّ كثيرا من المثليات، مثل المسكوكات، و سائر المصنوعات المشتبهات، كالسّاعات، و الظروف، و الآلات الفرنجية، حيث انّ كل واحد منهما يكون مثليّا، و ليس ممّا يتساوى، اجزائه بحسب القيمة، فالأولى تعريفه بما كثر افراده التي لا تفاوت فيها بحسب الصفات المختلفة، بحسب الرّغبات.

قوله (ره): (و لا يبعد ان يقال: ان الأصل هو تخيير الضامن- إلخ-).

لا يخفى، انّه لو كان الضمان، بالقيمة في القيميات مجرد إرفاق، بحيث لو تمكن من مثل العين التالفة، و ما يشابهها بحسب الصفات فيها، كان له دفعه، و لا يتعيّن عليه قيمته، كان الأمر من باب الدوران بين التّخيير و التّعيين، و الأصل عدم الخروج عن العهدة إلّا بالمعيّن للشك في الخروج بدونه، فلا وجه للتخيير، و لو كان الضمان بها فيها على نحو التّعيين، كان الأمر من باب الدوران بين المتباينين، و يتعيّن فيه الاحتياط لا التّخيير، الّا ان الاحتياط حيث يحصل هنا بمجرّد تسليمهما، ليختار المضمون له، اى‌

36

واحد شاء يكفى تسليمهما لذلك، لا دفع كليهما، كما انّ الاحتياط له ان لا يختار واحدا منهما، الّا برضاء الضامن، فالاحتياط لهما ان يختار أحدهما بتراضيهما.

قوله (ره): (و يمكن ان يقال: ان القاعدة المستفادة- إلخ-).

انما يمكن إذا لم يكن المتعارف في القيميات، ضمانها بالقيمة، و لو مع التمكن من المثل، بل كان المتعارف، هو الضمان مطلقا، بالأقرب إلى التالف فالأقرب، و لا إشكال في انّ المثل مطلقا أقرب، و الّا فقضيّة الإطلاقات، ليس الّا الرّجوع فيما علم انّه مثلي إلى المثل، و فيما علم انه قيميّ إلى القيمة، و امّا ما لم يعلم انّه من أيّهما، فهي ساكتة عن بيان حكمها، فلا بد فيه من الرجوع الى ما يقتضيه الأصل، و قد عرفت. لكن الظاهر انّ المرتكز في الأذهان في باب الضمان، بعد تعذّر ردّ نفس العين، هو دفع المثل مع الإمكان، و هو ظاهر الآية (1)، حيث دلّت على اعتبار المماثلة في الاعتداء الملازمة للاحتياط في المتعدي به، هذا، و لو سلّم انّه لبيان اعتبارها في الاعتداء، كما في المناقشة فيها، مع انّه ممّا يساعده الاعتبار، و التضمين بالقيمة في بعض الاخبار، كما يأتي، انّما يكون في مورد يتعذّر فيه المثل عادة.

[الخامس لو لم يوجد المثل إلا بأكثر من ثمن المثل]

قوله (ره): (و لكن الأقوى مع ذلك، وجوب الشراء- إلخ-).

و ذلك لان ضرر الضامن في الشراء بأزيد من ثمنه، يزاحم بضرر المالك في منعه عما يستحقّه من المثل، فيبقى ما دلّ على الضّمان بالمثل بلا مزاحم، و عدم العلم باستحقاقه للمثل شرعا، لا ينافي استحقاقه له عرفا، و اعتبارا، و هو كاف في صدق الضرر حقيقة. فافهم.

[السادس لو تعذّر المثل في المثلي]

قوله (ره): (لو تعذّر المثل في المثلي، فمقتضى القاعدة- إلخ-).

ربّما يشكل بأنّ القاعدة يقتضي الصبر الى ان يتمكّن منه حيث تعذّر، فلا يكون لذلك ظلما، و لا دليل على الانتقال الى البدل، بمجرد التعذّر في الحال، و لا اعتداء منه ثانيا يوجب جواز الاعتداء عليه بالإلزام بالقيمة‌

____________

(1)- البقرة: 194

37

بعد الاعتداء عليه بمثل ما اعتدى بإلزامه، و الحكم باشتغال ذمّته بالمثل أوّلا، فإلزامه معه بها اعتداء عليه بغير اعتداء منه، فلا دلالة للاية على جواز إلزامه بها. فافهم.

و لا يخفى انّ الاشكال، انّما يكون لو قيل باشتغال الذّمة بالمثل، و تبدّل عهدة العين المضمونة بالذّمة، كما هو ظاهر المشهور. و امّا لو قيل ببقاء العهدة على حالها، كما هو قضية ظاهر الأدلة، فلا إشكال، فإن أثر العهدة يختلف بحسب الأحوال، ففي صورة بقاء العين، هو وجوب أداء نفس العين مع التّمكن منه و مع عدمه بدل الحيلولة إلى أوان التمكن منه و في صورة عدم البقاء، هو وجوب أداء البدل من المثل في المثلي، فيما إذا تمكّن منه، و القيمة فيما إذا تعذر فيه، و في القيميّ. هذا، مع انّه يمكن ان يقال: ان الانتقال إلى القيمة في صورة تعذّر المثل، كالانتقال الى بدل الحيلولة عند تعذّر ردّ العين في الحال، و انّه مما هو متعارف في التّضمينات العرفية، فيكون متّبعا في الشّرعية منها، لعدم ورود نحو خاص من الشارع في باب التضمين، كما لا يخفى.

قوله (ره): (لأن المثلي ثابت في الذمة- إلخ-).

هذا على المشهور من اشتغال الذّمة بالمثل، و امّا على ما هو ظاهر الأدلة، فلانّ العين باقية على العهدة إلى ذاك الزمان، فيكون العبرة بقيمة يوم الدفع، لأنها قيمة العين لا المثل. فافهم.

قوله (ره): (و عن جامع المقاصد الرجوع فيه الى العرف- إلخ-).

الظاهر انّ مراده الرجوع الى العرف في تعيين ما يتحقق به الإعواز الموجب للانتقال إلى القيمة، و هو كذلك، لما مرّت الإشارة إليه، من ان المدار في باب كيفيّة التّضمين شرعا، هو العرف، لا الرجوع من تعيين مفهوم الإعواز، كي يتوقّف تعيينه على ما إذا انعقد الإجماع على ثبوت القيمة عند الإعواز، فافهم. و لعلّ المحكى عن التذكرة، كان في بيان ما يتحقق به ذلك، اى ما يوجب الانتقال إلى القيمة عرفا، و الّا كان بلا دليل. فتدبّر جيّدا.

38

قوله (ره): (ثم انّ معرفة قيمة المثل (1) مع فرض عدمه إشكال- إلخ-).

لا بد من تعيين ما هو المرجع في صورة الشك في التعيين، و انّه أصالة البراءة عن الأكثر، أو أصالة الاشتغال، فربّما يقال: انّ قضيّة بقاء العين المضمونة في العهدة مع التلف، و عدم تبدّل الذّمة بالاشتغال، على ما قوّيناه، هو لزوم الخروج عن العهدة بالأكثر، استصحابا لها مع الشك فيه، لو اقتصر على الأقل، أو قيل ببقاء المثل في الذمة مع التعذّر، بناء على التبدل، لكنه كان دفع المثل أو القيمة، خروجا عن العهدة كأداء نفس العين، و امّا لو كانت عهدتا باقية مع الدفع، و كان لزومه من أحكامها و آثارها، لا أفعالها، كما من بدل الحيلولة، أو قيل بعدم البقاء، و التّبدل بالذّمة، و عدم بقاء المثل فيها عند التعذّر، و الانتقال إلى القيمة، كان الأصل، البراءة عن الأكثر، حيث لم يعلم الّا وجوب الأقل.

قوله (ره): (فهل له المطالبة بأعلى القيمتين، أم يتعيّن قيمة بلد المطالبة؟

- إلخ-).

لا يبعد تعيّن قيمة بلد المطالبة، فإنّه محلّ الخروج عمّا عليه، و الوفاء بما في ذمّته، بناء على المشهور، من بقاء اشتغال ذمّته بالمثل مع تعذّره، و عدم تبدّل الاشتغال به، بالاشتغال بالقيمة، و كذا على ما قرّبناه من بقاء العين على العهدة، فإنّه محل العمل بما هو قضيّة كون العين، مضمونة، و في العهدة، و لو منع عن انّه لم يعلم استقرار سيرة العقل، على ذلك، فلا بدّ من الرجوع الى ما يقتضيه الأصل، و قد مرّ تحقيقه.

[بقي الكلام في انّه هل يعد من تعذّر المثل خروجه عن القيمة]

قوله (ره): (بقي الكلام في انّه هل يعد من تعذّر المثل، خروجه عن القيمة؟

- إلخ-).

و لنقدّم الكلام في بيان حكم ما إذا خرج نفس العين المضمونة عن المالية، ثم نتبعه ببيان ما إذا خرج المثل.

فاعلم انّه لا ريب في دفع نفس الى مالكها على الملكيّة و عدم‌

____________

(1)- و في المصدر: ثم ان في معرفة قيمة المثل.

39

الخروج بذلك عنها مع انّه لو سلّم بالخروج، فلا أقلّ من ان يكون له حق اختصاص بها كما لا يخفى. و امّا دفع القيمة مع ذلك لو أوجب، لو قلنا بكون وجوب الدّفع من آثار العهدة و أحكامها عند العقلاء، حتى يقتضيه إطلاق دليل ضمان العين، و الّا فلا دليل عليه أصلا، لعدم شمول من أتلف لما إذا تلف المالية، فضلا عمّا إذا تلف، و الخروج عن عهدة العين و ضمانها النّاشى عن اليد، يكون بدفعها، و المفروض عدم كون دفع القيمة من آثار العهدة.

و ضرر صاحب العين، معارض بضرر ذي اليد، فلا وجه لتقديم ضرره على ضرره على ضرره، مع ان الضرر ابتداء متوجه عليه بلا أقدام من الأخر، حيث انّه ما أقدم، الّا على ان يكون العين تحت يده، و وجوب دفع المثل، أو القيمة عند تلف العين أو الإتلاف، انّما هو لأجل قاعدة اليد، أو الإتلاف، لا أقدام على ضرر دفع البدل. هذا كله في العين.

امّا المثل، فبناء على بقاء العين مع التلف على العهدة، كما قويّناه، لا يعبد ان يكون من آثارها حينئذ، دفع القيمة، كما كان في صورة تعذّر المثل، فإنّه حينئذ لا يكون قابلًا لان يعوض به عن الماليات، و بناء على تبدّل العهدة بالاشتغال، كما هو ظاهر المشهور في وجوب دفع المثل، فإنّه الوفاء بما في ذمّته حقيقة، أو وجوب دفع القيّمة، فإنّ المثل في نظر العقلاء بذلك، خرج عمّا يوفى به الدّين، و جهان: أظهرهما الأول، و مع الشّك، فالمرجع هو الأصل، و قضيّته وجوب دفع القيمة، بناء على بقاء العهدة، استصحابا لها ما لم يدفعها، و كذلك بناء على اشتغال الذّمة بالمثل، لو كان دفع القيمة أيضا من باب الوفاء بما فيها، لا لأجل انتقال اشتغال الذّمة بها، لاستصحاب بقائه فيها ما لم يدفعها للقطع بكون القيمة حينئذ، مما يوفى به، بخلاف المثل، كما لا يخفى. و عدم وجوب دفعها، بناء على ان منشأ الشّك فيه، و الشك في انتقال الاشتغال بالتعذّر الى الاشتغال بالقيمة، استصحابا للاشتغال به و عدم الاشتغال بها، ثم ان قضيّة الأصل فيما إذا شك في انّ اىّ قيمة وجب دفعها مع اختلافها، هو وجوب دفع أعلى القيم، بناء على انّه الوفاء للأصل و قاعدة الاشتغال، و أقلّها بناء على بقاء العهدة و انّه من آثارها، أو الانتقال‌

40

الى الاشتغال بها، لأصالة البراءة عن الزائد، و استصحاب عدم الاشتغال به، و قد مرّت الإشارة إليه. فلا تغفل.

[فرع لو دفع القيمة في المثل المتعذّر مثله، ثم تمكّن]

قوله (ره): (لو دفع القيمة في المثل المتعذّر مثله، ثم تمكّن- إلخ-).

لا إشكال في عدم عود المثل، فيما إذا كان دفع القيمة بتراضى منهما عوضا عما هو عليه، و انما الإشكال فيما إذا كان دفعها استحقاقا لها فعلا، و منشئه احتمال كونه وفاء حقيقة في هذه الصورة، أو كونه من قبيل بدل الحيلولة، و من هنا انقدح الفساد و اخلل فيما علّل به (ره) عدم العود، بان المثل كان دينا في الذّمة، سقط بأداء عوضه مع التراضي، و انّه في غير المحل، ثم انه حيث لم يعلم ان أداء القيمة من باب الوفاء، أو بدل الحيلولة، و استصحاب بقاء المثل في الذّمة يعارض باستصحاب بقاء القيمة المدفوعة على ملك المدفوع اليه، و عدم عودها الى ملك الدافع. و كيف كان لم يثبت للمالك بعد أخذ القيمة حق مطالبة الضامن بالمثل بعد تمكنه منه، و المرجع أصالة البراءة عن وجوب دفع المثل، لو طولب به. فتدبر جيّدا.

قوله (ره): (احتمل وجوب المثل عند وجوده، لأن القيمة بدل الحيلولة).

لا يخفى: ان القيمة بناء على انقلاب المثل بالقيمة، و سقوطه عن الذّمة يكون وفاء حقيقة، لا بدل الحيلولة، و احتمال عدم كونها وفاء، انما هو على القول بعدم الانقلاب، كما عرفت فلا تغفل.

[السابع لو كان التالف المبيع فاسدا قيميا]

قوله (ره): (فيكون الفصل بين التّيسير و عدمه، قولا ثالثا- إلخ-).

لا بأس بالمصير اليه، حيث لم يظهر اتفاق و إجماع على عدمه، لاحتمال كونه من باب الاتفاق.

قوله (ره): (ثم (1) اختلفوا في تعيين القيمة- إلخ-).

الظاهر تعيّن قيمة يوم التلف، لو قيل باشتغال الذّمة بالقيمة، و تبدّل العهدة به، كما هو المشهور، و يوم الدفع، لو قيل ببقاء العين على العهدة، كما قوّيناه، لانّ الاشتغال انّما يكون بما هو قيمته بقول مطلق، و ما‌

____________

(1)- و في المصدر: ثم انهم اختلفوا في تعيين القيمة.

41

هو إلّا قيمة يوم التلف، كما انّ قضيّة العهدة، دفع ما هو قيمته كذلك، و ليست إلّا قيمة يوم الدفع، فافهم.

[تحقيق حول صحيحة أبي ولّاد]

قوله (ره): (اما بإضافة القيمة المضافة إلى البغل ثانيا- إلخ-).

فيه إشكال، فإنّ إضافة المضاف بما هو مضاف ثانيا، يستلزم ان يكون الإضافة، بما هي إضافة و ملحوظة باللحاظ الالى طرفا لها، و ملحوظة على الاستقلال، فإنها من مقوماته في الإضافة الثانية، و لو كان المراد إضافته ثانيا، لا بما هو كذلك، اى مضاف يلزم ان يكون حين التلفظ به طرفا لهذا على حدة، و لذاك كذلك، و هذا يستلزم ان ينظر اليه ذاك الحين بالنظرين المتباينين، ضرورة تنافي النظر اليه بما هو مضاف لأحدهما، للنظر اليه بما هو مضاف للآخر، كما لا يخفى على من تدبّر، مع انّه غير مفيد، فإنّه لا يوجب اختصاص قيمة البغل بيوم المخالفة. و قد انقدح بذلك حال اضافة مجموع المضاف المضاف إليه، فإنّه لا بد فيها من ملاحظة الإضافة الأولى ثانيا على حدة، لكونها من مقومات المضاف في الثانية. اللهم الّا ان لا يكون اللحاظ الثاني الاستقلالي، حين اللحاظ الالى، و هو حال التلفظ بالمضاف و المضاف إليه في الإضافة الاولى، بل بعده، بان يكون اضافة المجموع، أو اضافة المضاف بحسب المعنى. فافهم فإنه دقيق.

نعم لو كان المراد إضافة القيمة المضافة إلى البغل المضاف الى اليوم، فهو و ان كان ممّا لا إشكال في صحّتها، الّا انّه لا يجدي فيما هو المهمّ، فإنّ إضافة البغل الى يوم المخالفة، لا يقتضي اختصاص القيمة بيومها، كما لا يخفى. هذا، مع انّ الموجود في بعض نسخ الكافي و الاستبصار، البغل مع اللّام.

قوله (ره): (بل غير ممكن، لأنّ السائل إنّما سأل- إلخ-).

بل إنما سأل عن اللزوم أو الملازمة بينه، و بين العطب، و ليس في كلامه ما يشهد بكون سؤاله عما يلزمه، ضرورة ظهور قوله «أ ليس له عطب أو نفق- إلخ-» في السؤال عن الملازمة أو اللزوم، لا عما يلزم، كما هو واضح، و عليه كونه قيد النعم، بمكان من الإمكان، فيكون لبيان انّ زمان‌

42

الملازمة التي هي مبني الضمان، يوم المخالفة، دفعا لتوهم كون زمانه، يوم الاكتراء، أو لبيان اللزوم، يوم المخالفة، نحو الوجوب المتعلق على المتأخّر، دفعا لتوهم كون زمانه يوم الاكتراء، أو يوم العطب، و وجه السؤال عليهما، ما اختلج بباله من فتوى أبي حنيفة، من الملازمة بين لزوم اجرة المثل، و عدم ضمان العين، فافهم.

فظهر انّ اليوم كما يمكن ان يكون قيدا للقيمة، يمكن ان يكون قيدا لنعم، بل هذا أظهر، لأنّ جعله قيدا للقيمة امّا بإضافتها اليه، و لا بدّ فيه من التحمل، كما أشرنا إليه في الحاشية السابقة، و امّا بجعله قيدا للاختصاص الحاصل لها من الإضافة، و لا بد فيه من التقدير، لان الاختصاص بما هو غير قابل لأن يكون متعلقا، و التقدير على خلاف الأصل، لكن ربّما يستشهد لكونه قيدا للقيمة، قوله (عليه السلام) «أو يأتي صاحب البغل بشهود- إلخ-» (1)، فإنّ الظرف في هذه الفقرة، يكون قيدا للقيمة لا محالة، و قد استظهر اتحاده مع يوم المخالفة، فهي دالّة على ان الضّمان انّما يكون لقيمة يوم التّلف، و كيف كان، فلو سلّم انّ الرّواية ظاهرة في كون العبرة بقيمة يوم الضمان، لاختّص بالعين المغصوبة، ففي اجزاء هذا الحكم الى محلّ البحث، لا بدّ من إجماع على عدم الفصل بين المغصوب و غيره من الأعيان المضمونة، أو استظهار عدم دخل الغصبيّة في ذلك، بل هو حكم مجرد الضمان. فتأمل.

قوله (ره): (إذ لا عبرة في أرش العيب بيوم الردّ- إلخ-).

لا يخفى، انّ يوم ردّ البغل و ان كان ممّا لا عبرة به أصلا، الّا انّ يوم ردّ الأرش به العبرة، و يكون على وفق القاعدة، و لا بد ان يراد منه هذا اليوم، و انّما عبّر به لاتّحادهما غالبا، و كون المتعارف ردّ الأرش، يوم ردّ العين، و لا محيص عن ذلك، و لو قيل بتعلّق الظرف بعليك، فان يوم العين كما ليس به العبرة في الأرش، لا عبرة به في حدوث الضمان، و هو واضح، و لا في فعليّته، فان زمانها يوم ردّ الأرش، لا يوم ردّها، مع انّ تعلّقه بعليك، يستلزم ان‌

____________

(1)- وسائل الشيعة: 13- 255- ب 17- ح 1.

43

لا يكون، عليك، بيانا للحكم الشرعي، و هو بعيد في كلام الامام (ع)، خصوصا في المقام، فلا بد من جعل الظرف، قيدا لليوم، و بذاك الإجماع يستكشف بطريق الإن انّ العبرة في قيمة أصل العين بيوم ردّ القيمة. فافهم.

قوله (ره): (و حمل الحلف هيهنا على الحلف المتعارف- إلخ-).

ربّما يأتي عنه، انّه الحلف الفاصل للخصومة في مقام الحكومة، و ليس هو الّا الحلف عند الحاكم، و يمكن ان يقال: انّ الامام (ع) انّما يكون بصدد الإشارة الى ما لا يقع معه الخصومة، لا في مقام بيان موازين الحكومة لدى التّشاجر و المخاصمة، حيث انّ الإنسان يحصل له الاطمئنان بحلف خصمه غالبا، لو لم يكن دائما، و كان مراده من الحلف أو الرّد، الحلف في صورة اطمينانه بمقدار القيمة دون صاحبه، و الردّ في صورة العكس، فيحصل للجاهل منهما الاطمئنان بحلف الأخر. فتدبّر. و لا يخفى بعد ما افاده من التّوجيه عن ظاهر الرّواية. فتأمل.

قوله (ره): (فان تسلّط النّاس على أموالهم الذي فرض كونه في عهدته- إلخ-).

لا يخفى، انّ السلطنة على المال، لا يقتضي جواز المطالبة بالبدل عند تعذّر ردّ عينه، نعم لا يبعد ان يكون جوازها، من آثار الضمان و العهدة، فيكون قضيّته وجوب ردّ العين مع التمكن، و جواز المطالبة ببدل الحيلولة مع التعذر في زمان، و بالبدل مع التعذّر مطلقا، كيف، و لو كان جواز المطالبة من أحكام السلطنة، لكانت جائزة فيما إذا كان التعذّر في زمان يسير جدّا.

قوله (ره): (و لو لا ظهور الإجماع و أدلة الغرامة في الملكية- إلخ-).

لا يخفى، انّ الإباحة المطلقة، من أول الأمر، حتّى بالنسبة إلى التّصرفات المتوقّفة على الملك، لا يكاد يكون إلّا إذا كان موردها ملكا للمباح له، و لا يفيد التّمليك آنا ما قبل التّصرف، فإنّه مسلتزم للتّقييد، فلا يكون اباحة جميع التصرفات مطلقة، بل مقيّدة بالنسبة إلى الموقوف، منها على التصرف لتعذّر التّملك قبله آنا ما فيباح، فافهم. الّا ان يكون الإباحة بالنسبة إلى الموقوف، بمعنى انّ له هذا التصرف لتمكّنه من ان ينسب إلى‌

44

إباحته بإيجاده، و ان لم يتّصف بالمباحيّة بدونه.

قوله (ره): (و على اىّ حال لا ينتقل الى الضامن (1)، فهي غرامة- إلخ-).

لا عوض كي يلزم الجمع بين العوض و المعوض، و انّما يلزم الضامن بغرامة العين بلا عوض، لأجل ما فات على المالك من نفس العين المضمونة، أو سلطنتها، أو قيمتها، أو ماليتها، أو غير ذلك، فالغرامة و ان كانت لنفس العين في جميع صور لزوم الغرامة، الّا انّه ليس بعوض العين، ليلزم الجمع بينهما، و لا بإزاء ما فات منها، من سلطنة، أو قيمة، أو مالية، كما يظهر منه (ره)، حيث جعلها بإزاء السلطنة الفاسدة، و بإزاء الأوصاف، أو الأجزاء التي خرجت العين بفواتها عن التقويم، و الّا لوجب عليه تداركها، لو لم يدفع الغرامة إلى زمان التمكن من العين، أو رجوعها إلى القيمة أو المالية، نعم انما يكون لزوم غرامة نفس العين، بملاحظتها، و هذا غير كونها عوضا لها، كما لا يخفى.

قوله (ره): (لم يبعد انكشاف ذلك من انتقال العين الى الغارم- إلخ-).

لا وجه لهذا الانكشاف أصلا، لوضوح ان دفع تمام القيمة، انما يكون من باب الغرامة، و قد عرفت عدم اقتضائها الانتقال، و خصوصيتها تعبدا غير موجبة لخروجها عمّا هو قضيّة بابها، كما لا يخفى.

قوله (ره): (و من ان الموضوع في المستصحب ملك المالك- إلخ-).

لا يخفى، ان الموضوع بمقتضى اليد، هو نفس العين، لا ببعض عناوينها، و هي حقيقة باقية، فلا إشكال في صحة استصحاب وجوب أدائها أصلا، مع ان استصحاب حق الاختصاص الذي حصل للمالك قبل دفع القيمة، و بعد الانقلاب بلا ارتياب، فان البحث في ارتفاعها يدفعها، لا في حدوثه بسببه. فتأمل.

قوله (ره): (ثم انّ مقتضى صدق الغرامة خروج الغارم عن عهدة العين- إلخ-).

بل خروجه عما هو قضيّة عهدتها و ضمانها، و ان كانت نفس العهدة‌

____________

(1)- و في المصدر: و على اى حال فلا ينتقل العين الى الضامن.

45

باقية، و لا مخرج عنها إلّا أداء نفس العين، كما هو قضيّة على اليد، كما لا يخفى، فبغرامة العين يخرج عمّا هو مقتضى الضمان بالنسبة إلى العين، و النماءات المتجددة بعد الغرامة، و كذا المنافع مطلقا، أو خصوص المستوفاة منها، على الخلاف فيها، و اما الحادثة قبلها، فلا بدّ من ان يخرج عن عهدتها على حدة. هذا في صورة التّعذر في الجملة، و اما التعذّر المطلق، فلا يبعد ان لا يكون لما تجدد من النماء و المنفعة بعد التعذر، ضمان على حدة، فان العين حينئذ يعامل معها معاملة التّالف. فتدبر جيّدا.

قوله (ره): (ثم انّه لا إشكال في انّه إذا ارتفع تعذر ردّ العين و صار متمكنا، وجب ردها- إلخ-).

فإنه أيضا مما يقتضيه ضمان العين، حيث انه لا يخرج عن عهدة نفس العين و ضمانها الّا بالرّد، كما هو قضيّة على اليد المغيى بالأداء، كما لا يخفى. ثم الظاهر ان الغرامة المدفوعة، لا يعود الى ملك الغارم بمجرد حدوث تمكنه من ردّ نفس العين ما لم يردها، حيث ان العرف الحاكم في باب كيفيّة الغرامات انّما يكون بنائهم على العود بالرّد، لا بالتمكن، و عليه فليس للغارم مطالبة ما دفعه الا بعد الرّد، كما انّه ليس له حبسها مطلقا، و ان قلنا بالعود بالتمكن، كما انّه ليس للمالك حبس الغرامة، بل يجب على كلّ، ردّ ما عنده، و ليس من باب المعاوضة، حتى جاز لكل منهما الامتناع عن التسليم قبل تسليم الأخر، اللهم الّا ان يدّعى انّه مقتضى باب الغرامة أيضا، لكنه لم يثبت، فتدبر.

[الكلام في شروط المتعاقدين]

[مسألة المشهور بطلان عقد الصبي]

قوله (ره): (المشهور كما عن الدروس (1) و الكفاية (2)، بطلان عقد الصبي- إلخ-).

و مجمل الكلام في صحة معاملة الغلام قبل البلوغ بالسن، أو‌

____________

(1)- الدروس- 335.

(2)- كفاية الأحكام- 89.

46

الاحتلام، و عدم صحتها، انّه لا شبهة في عدم نفوذ المعاملة التي استقلّ بها، و لو فيما إذا و كلّه المالك فيها، أو أوكل الولي إليه أمرها، للإجماع المنقول في لسان جمع من الأصحاب الاخبار، و غير واحد من الاخبار. و امّا إذا و كلّ في مجرد إجراء الصيغة، أو أوكل إليه أمره بعد المساومة و المقاطعة، ممن بيده إنفاذ المعاملة، ففيه اشكال، للعمومات، و عدم نهوض المنقول من إجماع الأصحاب، و اخبار الباب، لتخصيصها، اما الإجماع فإنّ المتيقّن من معقده، غير هذه الصّورة، و استثناء العلامة عنه، إيصال الهدية، و اذنه في دخول الدار، لا يكشف عن شموله لجميع أفعال الصبي الّتي منها محل البحث، فإنّ استثنائهما، إنّما يكشف عن دخول مثلهما، لا عن دخول عمل لم يستقلّ به، بل يكون إله في مجرّد إيقاع الصيغة كاللسان من الإنسان، و امّا حديث رفع القلم (1) ففيه مضافا الى مكان دعوى ظهورها في رفع خصوص المؤاخذة عنه كحديث الرفع ان رفع القلم عنه مطلقا، وضعا و تكليفا، لا يقتضي رفع القلم عن غيره بسبب فعله إذا كان باذنه، ففعله انّما لا يكتب بما هو مضاف اليه، لا بما هو مضاف الى الغير و قد صدر باذنه. و اما خبر عمد الصبي- إلخ- (2) فلان ظاهره ان الفعل الذي يقع على نحوين: عن عمد و عن خطأ، و يختلف بحسبهما حكمه، كما في باب الجنايات إذا صدر عن الصبيّ عمدا يكون كما إذا صدر خطأ، فلا يعم ما لا يكون الّا متقوما بالعمد و القصد، كالإيقاع و العقد، و لا يكون له حكم الّا بعنوانه و ان كان لا يكاد يكون الّا بالقصد.

و اما خبر «انّ الغلام أو اليتيم لا يجوز امره» (3)، فظهوره فيما إذا استقلّ في العمل مما لا يكاد يخفى، كما افاده (ره)، فلا يعمّ ما إذا كان وكيلا في مجرد إيقاع الصيغة، و بمنزلة اللسان من الإنسان. فافهم.

____________

(1)- وسائل الشيعة: 1- 32- ب 4- ح 10.

(2) وسائل الشيعة: 19- 307- ب 11- ح 2.

(3)- وسائل الشيعة: 1- 30- ب 4- ح 2.

47

[منها قصدهما لمدلول العقد]

قوله (ره): (بل بمعنى عدم تعلق إرادته و ان أوجد مدلوله- إلخ-).

أي بمعنى عدم التوسل بإنشائه إلى حصول البيع و التسبيب اليه، حيث لا يكاد العقد بدون هذا القصد، و لا يخفى، انّ كلّ واحد من القصد الى اللفظ، و الى المعنى الاستعمالى، و الى هذا المعنى، من مقومات العقد، لا يكاد يتحقق بدون واحد منها، و معه لا وجه لجعله بأحد هذه المعاني من شروط المتعاقدين.

قوله (ره): (أقول مقتضى قضية المعاوضة و المبادلة، دخول كل من العوضين في ملك (1) الأخر- إلخ-).

فيه ان انتزاع مفهوم المعاوضة و المبادلة عن البيع، لبئس بلازم لا محالة، إلّا إذا قيل بأنّه قد أخذ في حقيقته دخول كل من الثمن و المثمن في ملك مالك الأخر، و هو محل تأمل، و كونه تمليكا بالعوض، لا يكون إلّا في قبال انّه ليس مجانيا، و على هذا، فالقصد، الى العوض و تعيّنه، لا يغني عن تعيين المالك المنتقل اليه الثمن أو المثمن، بل لا بدّ منه مطلقا، و ان قيل انّه قد أخذ في حقيقة البيع، دخول كل منهما في ملك الأخر، غاية الأمر عليه، لا يكاد ان يقصد أصل البيع بدونه، و على الأول لم يقصد بشخصه، لعدم قصد التّعيين الذي به تشخّصه، و لا بد من قصده، لعدم نفوذ العقد على المبهم، و لا يجدي التّعيين بعده. فافهم.

[في اعتبار تعيين الموجب و القابل للبائع و المشتري]

قوله (ره): (و اما تعيين الموجب لخصوص (2) المشترى، و القابل لخصوص البائع- إلخ-).

لا يخفى، ان العقد لما كان امرا ربطيّا بين الاثنين، لم يكد يتحقق إلّا إذا تواطئا و توافقا بحسب القصد، فلو قصد أحدهما تمليك الأخر نفسه، و قصد الأخر تمليك غيره وكالة أو فضولا، لم يتواطئا على واحد، فلا عقد بينهما، بل من كل واحد منهما إيقاع، نعم ربما يقال، بأنه يكفي قصد أحدهما‌

____________

(1)- و في المصدر: أقول مقتضى قضية. كل من العوضيين في ملك مالك الآخر.

(2)- و في المصدر: لخصوص المشترى المخاطب.

48

ما يقصده الأخر إجمالا في البيع، و ان لم يعرفه تفصيلا، إذ لم يقم دليل على تعيينه، كما في النكاح، بالنسبة إلى تعيين الزوج و الزوجة، كما ان دليل نفى الفور، دلّ على لزوم تعيين العوضين فيه، و عدم كفاية توافقهما على ما عينه أحدهما بحسب قصده.

و بالجملة، اعتبار تعيين ما توافقا عليه، شي‌ء آخر، و الذي لا بد منه في تحقق العقد، التواطؤ على واجب بحسب القصد، فيكون وجه صحة البيع، لأجل قصد البائع غالبا ما قصده القابل، من دون تعلّق غرضه أصلا بشخص خاصّ و عدم دليل على تعيين من ينتقل اليه العين، بخلاف النكاح، حيث ان الغرض غالبا، متعلّق بخصوص شخص، و الدليل قد دلّ على اعتبار تعيينه، و إسناده إلى الوكيل غير صحيح عرفا، بخلاف البيع. فالفرق بين البيع و النكاح، ليس بعد توافقهما على لزوم التّواطؤ على واحد معيّن واقعا و لو إجمالا، إلّا في لزوم التعيين في النكاح شرعا، دون البيع، و صحة إسناد البيع عرفا الى القابل، و لو لم يكن باصيل، بل فضول، أو وكيل، فيكون قصد الموجب، بعتك لذاك الشخص الذي قصدته من نفسك أو غيرك، و عدم صحة إسناد النكاح الّا الى الأصيل. فتأمل في كلامه، زيد في علوّ مقامه، لعلّه يرجع الى ما ذكرنا، و ان كان ربّما يأبى ظاهر بعض فقرأته.

[فيما يتعلق بعقد المكره]

قوله (ره): (و غير ذلك مما يوجب القطع بان المراد بالقصد المفقود في المكره، هو القصد الى وقوع اثر العقد- إلخ-).

أي القصد الى وقوعه شرعا، لو كان ملتفتا الى اعتبار الطيب في تأثيره، و امّا القصد الى وقوعه عرفا، و التوسل بإنشاء مضمونه الى تحققه كذلك ممّا لا بدّ منه في تحقّق العقد، و لا يكاد يكون إنشاء مضمون عقد بدون هذا القصد كما عرفت.

و بالجملة، محل الكلام بين الأعلام في عقد المكره، هو الذي لا يقصر عن عقد غيره، الّا انّه ليس برضاء و طيب منه، بل بالكره.

قوله (ره): (لكن الإنصاف انّ وقوع الفعل عن الإكراه- إلخ-).

لا يبعد دعوى صدق وقوع الفعل كرها فيما إذا وقع بسبب الإكراه،

49

بحيث لولاه لما وقع و ان كان التفصّى ممكنا، و لكن لا يتفصّى لعدم داعي عقلائي اليه كالتّورية، أو لوجود داعي كذلك الى عدمه، و ان أبيت إلّا عن عدم صدق وقوع الفعل كرها، الّا مع عدم إمكان التّفصىّ و لو بالتّورية، أمكن ان يقال بعدم الصّحة مع إمكانه، لمكان عموم «وَ لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ- إلخ-» (1) و «لا يحل مال امرء- إلخ-» (2) بناء على ثبوت الواسطة بين الإكراه و طيب النفس. فتدبّر.

قوله (ره): (و يظهر الثمرة فيما لو ترتّب اثر على خصوصيّة المعاملة الموجودة- إلخ-).

ظاهره انّ ترتّب الأثر على أحد الأمرين الّذين اكره على أحدهما دون الأخر، يمنع عن وقوعه مكرها عليه، فلو اختاره لترتب عليه أثره، و أنت خبير بان اختلافهما في الترتّب و عدمه، لا يوجب تفاوتهما في الوقوع كرها، ضرورة انّ الغرض انّه لو لا الإكراه لما اختار واحدا منهما و اختار أحدهما، لا محالة عن داعي أخر مطلقا اختصّ بالأثر أم لا، كما لا يخفى.

و بالجملة، يكون الإكراه على أحد الأمرين كافيا في وقوع ما اختاره مكرها عليه مطلقا، كان لكلّ واحد منهما بخصوصه أثر، أو كان لخصوص أحدهما. نعم يمكن ان يقال، انّ دليل ذي الأثر في الفرض أظهر، ففيما اكره مثلا على مباح أو محرم أو عقد فاسد أو صحيح، يقدم دليله على دليل رفع الإكراه، كما يقدّم لذلك دليل رفعه على دليله في غير مقام.

قوله (ره): (فاحتمل في المالك عدم الصحة نظر الى ان الإكراه يسقط حكم اللفظ- إلخ-).

لكن الظاهر هو الصحة، فإنّ الإكراه، إنّما يوجب رفع الأثر فيما كان رفعه منّه على المكره، و لا يكون في رفع صحة العقد الصادر عن الوكيل منة عليه. كما لا يخفى.

____________

(1)- البقرة: 188.

(2)- وسائل الشيعة: 3- 424- ب 3- ح 1.

50

[فروع لو أكرهه على بيع واحد غير معين من عبدين فباعهما]

قوله (ره): (و الأوّل أقوى- إلخ-).

انّما يكون أقوى إذا كان بيع الجميع بداعي غير الإكراه، و امّا إذا لم يكن إلّا بداعي الإكراه، كما إذا كانت هناك ملازمة بحسب غرضه بين بيع أحدهما و بيع الأخر، حيث ان الإكراه حينئذ على بيع أحدهما يكون اكراها على بيع الأخر. و من هنا ظهر حال ما لو اكره على معيّن فضمّ اليه غيره و باعهما دفعة، بل لا يبعد ذلك فيما باع العبدين تدريجا أيضا. فتدبّر جيدا.

قوله (ره): (بل من جهة دفع الضرر (1) عن المكره بالكسر- إلخ-).

لا يخفى، انّ التّوعيد بالضرر على الغير، انّما يكون إكراها إذا كان الضرر عليه، يعدّ ضررا على المكره بالفتح، كما إذا كان الغير مثل من مثله به (ره)، أو كان دفع الضرر عنه فعلا و أحيا عليه، و الّا لا يكون اكراها، كما لا يخفى.

قوله (ره): (إذ يكفي فيه مجرّد قصد الإنشاء المدلول عليه- إلخ-).

قد عرفت في بعض الحواشي السابقة عدم كفاية ذلك، بل لا بد في صدق العقد و تحققه من قصد التّوسل به الى تحقق مضمونه.

و بالجملة لا بدّ فيه من ان يكون قصد الإنشاء بداعي التّوسل، كما إذا لم يكن هناك إكراه و لم يكن بينهما تفاوت، الّا ان اختياره هيهنا، لأجل الفرار عمّا وعده به، بخلاف سائر الموارد.

قوله (ره): (و كذلك على القول بالكشف بعد التأمل- إلخ-).

لكن مع القول بدخله بطور الشرط المتأخّر في التأثير، و امّا على القول بعدم الدّخل فيه أصلا، بل انّما يكون له الكشف عما هو المؤثر فمشكل، فان الرّضاء حينئذ يكشف عن نفوذ عقده الصادر عنه كرها. فافهم.

قوله (ره): (الّا ان يقال ان أدلة الإكراه كما ترفع السببيّة المستقلّة- إلخ-).

إنّما ترفع مطلق الأثر فيما كان ذاك الأثر، بمقتضى الإطلاقات‌

____________

(1)- و في المصدر: بل من جهة دفع الضرر اللاحق عن المكره بالكسر.