خاتمة المستدرك‌ - ج7

- المحدث الشيخ حسين النوري المزيد...
417 /
5

الجزء السابع

الفائدة السابعة في ذكر أصحاب الإجماع، و عِدَّتهم.

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

و المراد من هذه الكلمة الشائعة، فإنه من مهمات هذا الفن، إذْ علىٰ بعض التقادير تدخل آلاف من الأحاديث الخارجة عن حريم الصحة إلىٰ حدودها، أو يجري عليها حكمها‌

و توضيح الحال يتم برسم أُمور:

الأول: في نقل أصل العبارة

فنقول:

قال الشيخ أبو عمرو الكشي في رجاله- [في] تسمية الفقهاء من أصحاب أبي جعفر، و أبي عبد اللّٰه (عليهما السّلام)-:

أجمعت العصابة علىٰ تصديق هؤلاء الأولين، من أصحاب أبي جعفر، و أبي عبد اللّٰه (عليهما السّلام) و انقادوا لهم بالفقه.

فقالوا: أفقه الأولين ستّة:

زرارة.

و معروف بن خربوذ.

و بريد.

و أبو بصير الأسدي.

و الفضيل بن يسار.

و محمّد بن مسلم الطائفي.

قالوا: و أفقه الستة زرارة.

و قال بعضهم: مكان أبي بصير الأسدي: أبو بصير المرادي، و هو ليث‌

8

ابن البختري (1).

تسمية الفقهاء من أصحاب أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام).

أجمعت العصابة علىٰ تصحيح ما يصحّ عن هؤلاء (2)، و تصديقهم لما يقولون، و أقرّوا لهم بالفقه من دون أُولئك الستة الذين عددناهم و سمّيناهم.

و هم ستّة نفر:

جميل بن دراج.

و عبد اللّٰه بن مسكان.

و عبد اللّٰه بن بكير.

و حماد بن عيسىٰ.

و حماد بن عثمان.

و أبان بن عثمان.

قالوا: و زعم أبو إسحاق الفقيه و هو ثعلبة بن ميمون أنّ أفقه هؤلاء: جميل بن درّاج. و هم أحداث أصحاب أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام) (3).

تسمية الفقهاء من أصحاب أبي إبراهيم، و أبي الحسن (عليهما السّلام).

أجمع أصحابنا علىٰ تصحيح ما يصحّ عن هؤلاء، و تصديقهم، و أقرّوا لهم بالفقه و العلم.

و هم ستّة نفر آخر، دون الستة النفر الذين ذكرناهم في أصحاب أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام) منهم:

يونس بن عبد الرحمن.

____________

(1) رجال الكشي 2: 507/ 431.

(2) اختلفوا في مفاد هذه العبارة، و دلالتها علىٰ أربعة أقوال، و سيأتي توضيح هذه الأقوال من قبل المصنف (قدّس سرّه) في الأمر الخامس من الأمور التي رسمها آنفاً، فلاحظ.

(3) رجال الكشي 2: 673/ 705.

9

و صفوان بن يحيىٰ بياع السابري.

و محمّد بن أبي عمير.

و عبد اللّٰه بن المغيرة.

و الحسن بن محبوب.

و أحمد بن محمّد بن أبي نصر.

و قال بعضهم: مكان الحسن بن محبوب: الحسن بن علي بن فضّال، و فضالة بن أيوب.

و قال بعضهم: مكان فضالة: عثمان بن عيسىٰ.

و أفقه هؤلاء: يونس بن عبد الرحمن، و صفوان بن يحيىٰ (1).

و قال ابن داود في رجاله في ترجمة حمدان بن أحمد، نقلًا عن الكشي-: أنّه من خاصّة الخاصة، أجمعت العصابة علىٰ تصحيح ما يصح عنه، و الإقرار له بالفقه في آخرين (2)، انتهىٰ.

و الموجود من نسخ الكشي خال عنه، و لعلّه أخرجه من الأصل، إذ الشائع الدائر مختصره، كما مرّ شرحه في ترجمته (3).

الثاني: في عددهم، و هم غير الأخير اثنان و عشرون:

ثمانية عشر منهم هم الذين نقل الكشي الإجماع عليهم، علىٰ الظاهر من عدم كون فضالة عطفاً علىٰ ابن أبي (4) نصر كما توهمه التقي المجلسي‌

____________

(1) رجال الكشي 2: 830/ 1050، و فيه: «و قال بعضهم: مكان ابن فضال. الى آخره» و مثله في الطبعة القديمة: 566/ 1050، مع الإشارة في الهامش إلىٰ وجود فضالة مكان ابن فضال في نسخة اخرىٰ، فلاحظ.

(2) رجال ابن داود: 84/ 524.

(3) انظر الجزء الثالث، صحيفة: 285.

(4) علىٰ أساس أنّ الحسن بن علي بن فضال، و فضالة بن أيوب كلاهما مكان الحسن ابن محبوب.

10

في شرح الفقيه (1) إذ يصير عددهم حينئذ سبعة، و قد صرّح بأنهم ستّة، مع أنه ذكر في الطبقة الأُولىٰ معتقده، ثم ذكر الخلاف في أبي بصير الرابع منهم فلا بُدّ و إن يكون هنا كذلك (2).

و الأربعة ممّن نقل عن بعض الأصحاب الإجماع عليهم، فالستّة عشر منهم محلّ اتفاق إجماعه و إجماع الآخر عليهم (3).

و انفرد الأول بنقل الإجماع علىٰ اثنين، و هما: أبو بصير الأسدي، و ابن محبوب.

و الآخر بنقله علىٰ أربعة، و هم: أبو بصير المرادي، و ابن فضّال، و ابن أيوب، و عثمان.

هذا إن كان المراد بالبعض في المواضع الثلاثة واحداً، و إلّا فيكثر نقل الإجماع علىٰ جماعة، ثم إنّه لا منافاة بين الإجماعين في محل الانفراد، لعدم نفي أحد الناقلين ما أثبته الآخر، و عدم وجوب كون العدد في كلّ طبقة ستّة، و إنّما اطلع كلّ واحد علىٰ ما لم يطلع عليه الآخر، و الجمع بينهما ممكن، فيكون الجميع مورداً للإجماع. و إنّما فسّرنا قوله: «بعضهم»: ببعض الأصحاب، لعدم جواز نقل الكشي في أمثال المقام عن غير العلماء الأعلام و الفقهاء العظام.

قال السيّد المحقق في تلخيص الرجال في ترجمة فضالة-: قال بعض أصحابنا: أنّه ممّن أجمع أصحابنا علىٰ تصحيح ما يصحّ عنهم،

____________

(1) روضة المتقين 14: 98 في شرح طريق الصدوق إلىٰ الحسن بن محبوب.

(2) أي: لا بُدّ و أنْ يكون عددهم هنا ستة، و لا يضر ذكر الخلاف بالحسن بن محبوب لعطف فضالة علىٰ ابن فضال لا علىٰ البزنطي.

(3) علىٰ اعتبار كون المجموع الكلي ثمانية عشر فقيهاً، مع أفراد أبي بصير و الحسن ابن محبوب؛ للاختلاف المتقدم فيهما.

11

و تصديقهم، و أقرّوا لهم بالفقه و العلم، الكشي (1).

و قال في منهج المقال في ترجمته: و في الكشي قال بعض أصحابنا. إلىٰ آخره، و العبارة تقدمت في أحمد بن محمّد بن أبي نصر (2)، و نقل في أحمد عين عبارة الكشي في الطبقة الثالثة (3).

و توهم بعض أفاضل المعاصرين في رسالة توضيح المقال، أنّ قوله: قال بعض أصحابنا، عين عبارة الكشي (4)، قال: و أمّا ناقل الإجماع المزبور فهو الكشي علىٰ ما هو المعروف، و ربّما ينقل عن غيره كما في فضالة بن أيوب، حيث قال: قال: بعض أصحابنا: أنه ممّن أجمع أصحابنا. إلىٰ آخره (5).

و هو توهم عجيب، مع أنّه لم يترجم فضالة في كتابه أصلًا، و قد سبقه إلىٰ هذا التوهم المحقق الداماد في الرواشح فقال بعد نقل تمام عبارة الكشي، و كلام لابن داود ما لفظه: ثم إنّ أبا عمرو الكشي قال في ترجمة فضالة بن أيوب: قال بعض أصحابنا: إنّه ممّن أجمع أصحابنا علىٰ تصديق ما يصحّ عنهم، و أقرّوا لهم بالفقه و العلم، انتهىٰ (6).

و أنت خبير بأنّه ليس في رجال الكشي ترجمة فضالة أصلًا.

و كيف كان فلا إشكال في ذلك، و إذا ضمّ إلىٰ الجماعة ما في رجال ابن داود يصير العدد ثلاثة و عشرين.

____________

(1) تلخيص الرجال (كتاب الرجال الوسيط للاسترآبادي): مخطوط، ورقة: 186/ ب، أي: نقالًا عن الكشي.

(2) منهج المقال: 259.

(3) منهج المقال: 41.

(4) رجال الكشي 2: 830/ 1050.

(5) توضيح المقال: 40.

(6) الرواشح السماوية: 46.

12

الثالث: في بيان تلقي الأصحاب هذا الإجماع بالقبول و عدم طعنهم عليه

و إنْ اختلفوا في المراد من العبارة المذكورة، و طعن بعضهم في مذهب بعض المجمعين.

فنقول: أمّا شيخ الطائفة فيظهر منه ذلك.

أوّلًا: بما ذكره في أوّل اختياره لكتاب الكشي، علىٰ ما نقله عن خطّه السيد الأجل علي بن طاوس في كتاب فرج المهموم، قال: و نحن نذكر ما روىٰ عنه يعني الشيخ من أول اختياره من خطّه، فهذا لفظ ما وجدناه: أملىٰ علينا الشيخ الجليل الموفق أبو جعفر محمّد بن الحسن بن علي الطوسي (أدام اللّٰه علوّه) و كان ابتداء إملائه يوم الثلاثاء السادس و العشرين من صفر سنة ست و خمسين و أربعمائة، بالمشهد الشريف المقدس الغروي، علىٰ ساكنه السلام، قال: هذه الأخبار اختصرتها من كتاب الرجال، لأبي عمرو محمّد بن عمر بن عبد العزيز الكشي، و اخترنا ما فيها (1)، انتهىٰ.

و ظاهر كلامه، بل صريح مدلوله كما نصّ عليه السيّد المتقدم أن كلّ ما في الموجود مرضيّة و مختاره، و استدل بذلك علىٰ مطلوبه من صحّة علم النجوم في كلام لا يقتضي المقام نقله، و من الواضح أنّ الإجماع لو لم يكن مختاره و مرضيه، و مقبولًا عنده، لما أبقاه علىٰ حاله.

و ثانياً: بما في العدّة، حيث قال (رحمه اللّٰه): و إذا كان أحد الراويَيْن مُسنداً و الآخر مُرسِلًا نظر في حال المرسِل، فإنْ كان ممّن يعلم أنه لا يرسل إلّا عن ثقة موثوق به، فلا ترجيح لخبر غيره علىٰ خبره، و لأجل ذلك سوّت الطائفة بين ما رواه محمّد بن أبي عمير، و صفوان بن يحيىٰ، و أحمد بن محمّد بن أبي نصر، و غيرهم من الثقات، الذين عرفوا بأنّهم لا يروون و لا‌

____________

(1) فرج المهموم: 30.

13

يرسلون إلّا عَمَّن يوثق به، و بين ما يسنده غيرهم؛ و لذلك عملوا بمراسيلهم إذا انفرد (1) عن رواية غيرهم (2)، انتهىٰ.

و ليس فيه ذكر للإجماع المذكور، إلّا أنّ المنصف المتأمل في هذا الكلام لا يرتاب أنّ المراد من قوله: من الثقات الذين. إلىٰ آخره: أصحاب الإجماع المعهودين، إذ ليس في جميع ثقات الرواة جماعة معروفون بصفة خاصّة، مشتركون فيها، ممتازون بها عن غيرهم غير هؤلاء. فإن صريح كلامه: أنّ فيهم جماعة معروفين عند الأصحاب بهذه الفضيلة، و لا تجد في كتب هذا الفن من طبقة الثقات عصابة مشتركين في فضيلة غير هؤلاء.

و منه يظهر أيضاً سبب هذا الإجماع، و مستند الإجماع الذي طال التشاجر فيه، و سننبه عليه (ان شاء اللّٰه تعالىٰ) و يظهر أيضاً أنّ ما اشتهر أنّ الشيخ ادّعىٰ الإجماع علىٰ أنّ ابن أبي عمير، و صفوان، و البزنطي خاصّة لا يروون و لا يرسلون إلّا عن ثقة، و شاع في الكتب حتى صار من مناقب الثلاثة، و عدّ من فضائلهم خطأً محض، منشأه عدم المراجعة إلىٰ العدة الصريحة في أنّ هذا من فضائل جماعة، و ذكر الثلاثة من باب المثال.

فمن الغريب ما في رسالة السيّد الجليل، البحر الزاخر، السيّد محمّد‌

____________

(1) إذا انفرد) كذا في الأصل و المصدر، و الصحيح: (إذا انفردت) لمكان الجميع، و يصح الأول فيما لو قال: «عملوا بمرسلهم.» كما مرّ في نقل النص بعينه في الفائدة الرابعة انظر الجزء الثالث، صحيفة: 475.

(2) عدة الأصول 1: 58، في آخر مبحث الخبر الواحد.

على أن هذه الدعوى من الشيخ (قدّس سرّه) لم يعمل بها الشيخ نفسه فقد أورد في التهذيب 8: 257/ 932، و الاستبصار 4: 27/ 87، رواية محمد بن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السّلام)، و ردّها في هذين الكتابين لكونهما مرسلة، و المرسل على حدّ تعبيره (قدّس سرّه) لا يعارض به الاخبار المسندة.

14

باقر الجيلاني (طاب ثراه) في ترجمة أبان بن عثمان، حيث قال في ردّ من ذهب إلىٰ أنّ المراد من العبارة: توثيق رجال السند بعد أصحاب الإجماع ما لفظه: و يؤيّده ما ذكره شيخ الطائفة في حقّ صفوان بن يحيىٰ، و ابن أبي عمير، من أنّهما لا يرويان إلّا عن ثقة (1)، إذ لو كان الأمر كما ذكر لما كان وجه لاختصاص ذلك بهما (2)، انتهىٰ.

و هذا منه مع تبحره، و طول باعه، في غاية الغرابة؛ لما عرفت.

و ثالثاً: بما في الروضة، عند شرح قول المصنف في كتاب الطلاق، و قد قال بعض الأصحاب و هو عبد اللّٰه بن بكير-: إنّ هذا الطلاق لا يحتاج إلىٰ محلّل بعد الثلاث؛ قال (رحمه اللّٰه): و إنّما كان ذلك قول عبد اللّٰه، لأنه قال حين سئل عنه: هذا ممّا رزق اللّٰه من الرأي، و مع ذلك رواه بسند صحيح، و قد قال الشيخ (رحمه اللّٰه): إنّ العصابة أجمعت علىٰ تصحيح ما يصح عن عبد اللّٰه ابن بكير، و أقرّوا له بالفقه و الثقة. و فيه نظر، لأنه فطحي المذهب. إلىٰ أن قال: و العجب من الشيخ مع دعواه الإجماع المذكور أنّه قال: إنّ إسناده إلىٰ زرارة وقع نصرة لمذهبه (3). إلىٰ آخره.

و هذا الكلام صريح في أنّ الشيخ بنفسه نقل الإجماع، إمّا لِمَا ذكره في أوّل اختياره، أو لِمَا في العدّة، أو وقف (رحمه اللّٰه) علىٰ كلام له في غير كتبه الدائرة، و احتمال مثل هذا السهو في موضعين من كلامه لا يليق بمقامه، خصوصاً في هذا الكتاب المبني علىٰ المتانة و الإتقان، كما عليه كلّ من تأخر عنه.

و قال رشيد الدين محمّد بن علي بن شهرآشوب في مناقبه، في‌

____________

(1) في حاشية (الأصل): «يعني قولهم: تصحيح ما يصح عنه».

(2) رسائل حجة الإسلام الشفتي: 6.

(3) الروضة البهية 6: 38، و انظر: حديث ابن بكير في الاستبصار 3: 276/ 982.

15

أحوال الباقر (عليه السّلام): و اجتمعت العصابة علىٰ أنّ أفقه الأولين ستة، و هم أصحاب أبي جعفر، و أبي عبد اللّٰه (عليهما السّلام)، و هم:

زرارة بن أعين.

و معروف بن خربوذ المكي.

و أبو بصير الأسدي.

و الفضيل بن يسار.

و محمّد بن مسلم الطائفي.

و بريد بن معاوية العجلي (1).

و قال في أحوال الصادق (عليه السّلام): و اجتمعت العصابة علىٰ تصديق ستّة من فقهائه (عليه السّلام) و هم:

جميل بن درّاج.

و عبد اللّٰه بن مسكان.

و عبد اللّٰه بن بكير.

و حمّاد بن عيسىٰ.

و حمّاد بن عثمان.

و أبان بن عثمان (2).

و الظاهر لكلّ ناظر أنّ نظره إلىٰ الإجماع المعهود، و لكثرة اعتماده عليه ادعاه بنفسه، و غرضه الإشارة إلىٰ العلماء من أصحابه (عليه السّلام) لا تحقيق المطالب الرجالية، فلا يضرّ إسقاطه بعض الكلمات.

و قال العلّامة في الخلاصة بعد نقل فطحيّة عبد اللّٰه بن بكير عن‌

____________

(1) مناقب آل أبي طالب 4: 211.

(2) مناقب آل أبي طالب 4: 280.

16

الشيخ و الكشي في موضع قال: و قال في موضع آخر: إنّ عبد اللّٰه بن بكير ممّن اجتمعت العصابة علىٰ تصحيح ما يصح عنه، و أقرّوا له بالفقه، و أنا أعتمد علىٰ روايته، و إن كان مذهبه فاسداً (1).

و قال في ترجمة صفوان: قال أبو عمرو الكشي: أجمع أصحابنا علىٰ تصحيح ما يصحّ عن صفوان بن يحيىٰ بياع السابري، و الإقرار له بالفقه في آخرين يأتي ذكرهم في مواضعهم إن شاء اللّٰه تعالىٰ (2).

و لكثرة اعتماده علىٰ الإجماع المذكور ادّعاه بنفسه، فقال في ترجمة البزنطي: أحمد بن محمّد بن أبي نصر. الىٰ أن قال: لقي الرضا (عليه السّلام) و كان عظيم المنزلة عنده، و هو ثقة جليل القدر، و كان له اختصاص بأبي الحسن الرضا، و أبي جعفر (عليهما السّلام)، أجمع أصحابنا علىٰ تصحيح ما يصح عنه، و أقرّوا له بالفقه (3). و لم ينسبه إلىٰ أحد، و قد سبقه في الاعتماد عليه و توزيعه علىٰ تراجم أصحابه: شيخه الأجل أحمد بن طاوس في رجاله كما يظهر من التحرير الطاووسي (4) من غير طعن عليه، كما هو دأبه في الطعن علىٰ أكثر أحاديث الكشي في مدح الرواة أو ذمّهم.

و قال في الفائدة الثامنة من الخلاصة في ذكر مشيخة الفقيه-: و عن أبي مريم الأنصاري صحيح، و إن كان في طريقه أبان بن عثمان، و هو فطحي، لكن الكشي قال: إنّ العصابة أجمعت علىٰ تصحيح ما يصحّ عنه (5).

و قال في المختلف في مسألة تبيّن فسق الإمام-: لا يقال عبد اللّٰه بن‌

____________

(1) رجال العلّامة: 107/ 24.

(2) رجال العلّامة: 89/ 1.

(3) رجال العلّامة: 13/ 1.

(4) التحرير الطاووسي: 168/ 223.

(5) رجال العلّامة: 277.

17

بكير فطحي. إلىٰ آخره؛ لأنّا نقول: عبد اللّٰه بن بكير و إنْ كان فطحياً إلّا أنّ المشايخ وثّقوه، و نقل توثيق الكشي. قال: و قال في موضع آخر: عبد اللّٰه بن بكير ممّن أجمعت العصابة علىٰ تصحيح ما يصح عنه، و أقرّوا له بالفقه (1).

و قال في كتاب المختلف في أول فصل الكفارة من كتاب الصوم-: لا يقال لا يصح التمسك بهذا الحديث من حيث السند، فان في طريقه أبان ابن عثمان الأحمر، و كان ناووسيّاً، لأنّا نقول: إنّ أبان و إنْ كان ناووسياً إلّا أنّه كان ثقة، و قال الكشي: إنّه ممّا أجمعت العصابة علىٰ تصحيح ما يصح عنه، و الإجماع حجّة قاطعة، و نقله بخبر الواحد حجّة (2)، انتهىٰ.

و أمّا ابن داود، فهو لغاية اعتماده ذكره في موضع واحد، و ادّعاه من غير نسبة إلىٰ الكشي، فقال: فصل: أجمعت العصابة (3) علىٰ ثمانية عشر رجلًا، فلم يختلفوا في تعظيمهم، غير أنّهم يتفاوتون، و هم ثلاث دَرَجٍ.

الدرجة العليا: ستة (4)، منهم من أصحاب أبي جعفر (عليه السّلام) أجمعوا علىٰ تصديقهم، و إنفاذ قولهم، و الانقياد لهم، و هم:

زرارة بن أعين.

معروف بن خربوذ.

بريد بن معاوية.

أبو بصير ليث بن البختري.

الفضيل بن يسار.

____________

(1) مختلف الشيعة: 156.

(2) مختلف الشيعة: 225.

(3) في حاشية (الأصل): «الصحابة، نسخة بدل»، «منه (قدّس سرّه)».

(4) في (الأصل): (الستة) بالألف و اللام، مع اشارة المصنف في الحاشية إلىٰ ورودها في نسخة بدل: (ستة)، و هو الصحيح.

18

محمّد بن مسلم الطائفي.

الدرجة الوسطىٰ: فيها ستّة، أجمعوا علىٰ تصحيح ما يصح عنهم، و أقرّوا لهم بالفقه، و هم أصحاب أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام) (1):

يونس بن عبد الرحمن.

صفوان بن يحيىٰ بياع السابري.

محمّد بن أبي عمير.

عبد اللّٰه بن المغيرة.

الحسن بن محبوب.

أحمد بن محمّد بن أبي نصر.

الدرجة الثالثة: فيها ستّة، أجمعوا علىٰ تصديقهم، و فضلهم، و ثقتهم، و هم:

جميل بن دراج.

عبد اللّٰه بن مسكان.

عبد اللّٰه بن بكير.

حماد بن عيسىٰ.

حماد بن عثمان.

أبان بن عثمان.

و أفقههم جميل (2).

و بين ما ذكره و بين ما تقدم عن الكشي اختلاف من وجوه، ينبئ عن‌

____________

(1) في حاشية (الأصل) و (الحجرية): «كذا في أكثر النسخ، و في نسخة: من أصحاب أبي الحسن (عليه السّلام)، و هو الأظهر كما لا يخفىٰ»، «منه (قدّس سرّه)».

(2) رجال ابن داود: 209.

19

عدم كون اختيار الكشي الدائر مأخذاً له، و بذلك يزيد اعتباره، و فيه أيضاً الإجماع علىٰ توثيق أبان فلا تغفل.

و قال الشهيد في مسألة بيع الثمرة من كتابه غاية المراد، بعد ذكر حديث في سنده الحسن بن محبوب، عن خالد بن جرير، عن أبي الربيع الشامي ما لفظه: و قد قال الكشي: أجمعت العصابة علىٰ تصحيح ما يصح عن الحسن بن محبوب.

قلت: في هذا توثيق ما (1) لأبي الربيع الشامي (2). إلىٰ آخره.

و قال الشهيد الثاني في شرح الدراية بعد تعريف الصحيح-: و قد يطلق الصحيح عندنا علىٰ سليم الطريق من الطعن بما ينافي الأمرين، و هما كون الراوي باتصال عدلًا إماميّاً، و إن اعتراه مع ذلك الطريق السالم إرسالٌ، أو قَطْعٌ.

و بهذا الاعتبار يقولون كثيراً: روىٰ ابن أبي عمير في الصحيح كذا، و في صحيحة كذا (3)، مع كون روايته المنقولة كذلك مرسلة.

قال: و بالجملة فيطلقون الصحيح علىٰ ما كان رجال طريقه المذكورون فيه عدولًا إماميةً، و إنْ اشتمل علىٰ أمر آخر بعد ذلك، حتى أطلقوا الصحيح علىٰ بعض الأحاديث المروية عن غير إماميّ بسبب صحّة السند إليه. إلىٰ أن قال: و كذلك نقلوا الإجماع علىٰ تصحيح ما يصح عن أبان بن عثمان مع كونه فطحياً (4)،

____________

(1) في حاشية (الأصل) و (الحجرية): «ليس في نسختي كلمة (ما)، و لكن نقله جماعة» «منه (قدّس سرّه)».

(2) غاية المراد: 87.

(3) انظر: إيضاح الفوائد لفخر المحققين 1: 25 في أحكام المياه، حيث صحح رواية ابن أبي عمير في بيع العجين النجس بخبزه علىٰ مستحل الميتة، أو دفنه، مع كونها مرسلة، و قد تكرر منه ذلك في المورد المذكور أكثر من مرة.

(4) في حاشية (الأصل) و (الحجرية): «نسبة الفطحية إلىٰ أبان هنا و في كلام العلّامة فيما سبق من سهو القلم، فإنه مرمي بالناووسية في كتب الفن، مع تأمل مذكور في محله» «منه (قدّس سرّه)».

20

و هذا كلّه خارج عن تعريف الصحيح الذي ذكروه.

قال: ثم في هذا الصحيح ما يفيد فائدة الصحيح المشهور، كصحيح أبان، و منه ما يراد منه وصف الصحة دون فائدتها، ثم ذكر القسم الأول (1)، انتهىٰ.

و ظاهره الإجماع علىٰ صحّة هذا الإجماع، ثم في قوله: ثم في هذا. إلىٰ آخره، فائدة جليلة تأتي إليها الإشارة إن شاء اللّٰه تعالىٰ.

و هذا المقدار كاف لأهل النظر و التحقيق في تلقيهم هذا الإجماع بالقبول، و لا يحتاج إلىٰ نقل كلمات من بعدهم، كالشيخ البهائي، و المحقق الداماد، و المجلسيين، و صاحب الذخيرة، و المولىٰ الكاظمي، و الطريحي، و غيرهم فإنه يوجب الإطناب.

الرابع: في وجه حجيّة هذا الإجماع

بعد وضوح عدم كون المراد منه الإجماع المصطلح المعروف الكاشف عن قول المعصوم، أو رأيه بأحد الوجوه المذكورة في محله.

فنقول: قال السيد الجليل الماهر السيد محمّد باقر الجيلاني (طاب ثراه) في رسالته، في تحقيق حال أبان: إنّ مدلول الإجماع المذكور بالدلالة الالتزامية كونهم في أعلىٰ درجات الوثاقة، فكما يُكتفىٰ بنقل عدل عن النجاشي توثيق راوٍ في توثيقه، فليكتف في ذلك بنقل الكشّي، بل هذا أولىٰ، لنقله عن كلّ الأصحاب، بل يحتمل القبول هنا، و لو علىٰ القول بعدم جواز الاجتزاء في التزكية بقول المزكي الواحد، كما يظهر وجهه‌

____________

(1) الدراية: 20.

21

للمتأمّل، مضافاً إلىٰ أنّه يمكن أن يقال: الظاهر من نقل الكشّي ذلك اعترافه بذلك، فيكون هو من المزكين لهؤلاء الأماجد أيضاً (1). انتهىٰ.

قلت: ما ذكره (رحمه اللّٰه) يتم علىٰ القول بكون مفاد العبارة: وثاقة الجماعة المذكورين، أو وثاقتهم و وثاقة كلّ من كان في السند بعد أحدهم، و أمّا علىٰ ما هو المشهور من أنّ المراد: صحّة أحاديث الجماعة بالمعنى المصطلح عند القدماء فلا دلالة فيها، و لو بالالتزام علىٰ وثاقتهم؛ لجواز كون وجه الصحة احتفاف أحاديثهم بالقرائن الخارجية التي تجامع ضعف راويها، كما صرّح به جماعة منهم.

و عليه فلا بُدّ أن يقال في وجه الحجية: إنّ إجماع العصابة علىٰ صحّة أحاديث الجماعة إجماع علىٰ اقتران أحاديثهم بما يوجب الحكم بصحتها، و قد أوضحنا في الفائدة الرابعة (2) في توضيح صحّة أحاديث الكافي: أنّ ما يوجب صحّة مضمون الخبر مثل موافقة الكتاب، و السنة القطعية، و العقل خارج عن تلك القرائن، و الباقي كالوجود في الأصل المعلوم، و في الكتاب المعروض علىٰ الإمام (عليه السّلام)، و تكرّر السند، و أمثال ذلك ممّا يدرك بالحس، و لا يتوقف علىٰ النظر و التحقيق الذي يتطرّق إليه الخطأ غالباً، فمرجع الإجماع علىٰ صحّة أحاديث زرارة مثلًا إلىٰ الإجماع علىٰ احتفاف أحاديثه بالقرائن المذكورة.

و إذا ثبت الإجماع المذكور بنقل الكشي (3) و غيره كما عرفت أن الأصحاب تلقوه بالقبول من غير نكير ثبت وجود تلك القرائن في‌

____________

(1) رسائل السيد الجيلاني: 7.

(2) تقدم ذلك في الجزء الثالث، صحيفة: 480.

(3) رجال الكشي 2: 507/ 431.

22

أحاديث هؤلاء الأعاظم، و معه لا ريب في حجيّتها؛ فإنّ سبب عدول المتأخرين من طريقتهم، إلىٰ الاقتصار علىٰ القرائن الداخلية و هي الوثاقة، و لو بالمعنى الأعم تعذّر وصولهم و عثورهم علىٰ تلك القرائن، و مع ثبوت وجودها في طائفة فلا تأمّل لأحد في حجيّتها.

و التحقيق أن يقال: بناء علىٰ كون الحجّة من الخبر هو ما وثق بصدوره، و حصل الاطمئنان بوروده، كما هو الحقّ، و عليه معظم أهل عصرنا، فلا شك في الوثوق بالخبر إذا كان في السند أحد من الجماعة، و صحّ الطريق إليه، مع قطع النظر عن معارض منه، أو من غيره، سواء كان مدلول العبارة وثاقته، أو مع من بعده أوْ لَا. خصوصاً إذا انضمّ إلىٰ التصحيح التصديق و الإقرار، و من أنكر الوثوق أو تأمّل فيه فقد كابر وجدانه و معه يدخل الخبر في صنف الحجة منه، و تشمله أدلّته، إذ لا فرق بين أسباب الوثوق إذا تعلّقت بالسند و الصدور لا بالحكم و المضمون، و هذا واضح بحمد اللّٰه تعالىٰ.

الخامس: في مفاد العبارة المذكورة، و هي قولهم: تصحيح ما يصح عنهم.

و لنقدم خلاصة كلمات الأصحاب، ثم نذكر ما عندنا من التحقيق و الصواب.

فنقول: و لهم في المقام أربعة أقوال:

أ ما يظهر من صاحب الوافي

حيث قال في المقدمة [الثانية] (1) من أول إجزائه بعد نقل عبارة الكشي-: قد فهم جماعة من المتأخرين من قوله: أجمعت العصابة، أو الأصحاب، علىٰ تصحيح ما يصح عن هؤلاء-: الحكم بصحة الحديث المنقول عنهم، و نسبته إلىٰ أهل البيت [(عليهم السّلام)]

____________

(1) في (الأصل) و (الحجرية): الثالثة، و ما أثبتناه بين المعقوفتين من المصدر.

23

بمجرد صحته عنهم، من دون اعتبار العدالة فيمن يروون عنه، حتى لو رووا عن معروف بالفسق، أو بالوضع، فضلًا عمّا لو أرسلوا الحديث، كان ما نقلوه صحيحاً محكوماً علىٰ نسبته إلىٰ أهل العصمة (صلوات اللّٰه عليهم)- و أنت خبير بأنّ العبارة ليست صريحة في ذلك و لا ظاهرة، فإن ما يصح عنهم هو الرواية لا المروي، بل كما يحتمل ذلك يحتمل كونها كناية عن الإجماع علىٰ عدالتهم، و صدقهم، بخلاف غيرهم ممن لم ينقل الإجماع علىٰ عدالته (1). انتهىٰ.

و حاصله: كما في رسالة السيّد المحقق ان متعلّق التصحيح الرواية بالمعنى المصدري، أي قولهم: أخبرني، أو حدثني، أو سمعت من فلان؛ و علىٰ هذا فنتيجة العبارة: أنّ أحداً من الجماعة إذا تحقق أنّه قال: حدثني فلان، فالعصابة أجمعوا علىٰ أنّه صادق في اعتقاده (2).

و لا يخفىٰ ما فيه من الركاكة، خصوصاً بالنسبة إلىٰ هؤلاء الأعلام، و لو كان المراد ما ذكره، اكتفىٰ بقوله: أجمعت العصابة علىٰ تصديقهم.

بل هنا دقيقة اخرىٰ و هي: إنّ أئمة فنّ الحديث و الدراية صرّحوا بأنّ الصحة و الضعف، و القوة و الحسن، و غيرها من أوصاف متن الحديث، تعرضه باعتبار اختلاف حالات رجال السند، و علىٰ ذلك جرت إطلاقاتهم في كتب الحديث، و الدراية، و الفقه، و الأُصول، فيقولون: الحديث الصحيح ما كان سنده كذا، و الضعيف ما كان سنده كذا، إلىٰ آخر الأقسام.

و قد يطلق علىٰ السند مسامحة و توسعة مع التقييد، فيقولون: في الصحيح عن ابن أبي عمير مثلًا، و هو خروج عن الاصطلاح كما صرّحوا (3)

____________

(1) الوافي 1: 12 الطبعة الحجرية و 1: 27 الطبعة الجديدة، من المقدمة الثانية.

(2) الرسائل الرجالية لحجة الإسلام الشفتي:

(3) انظر الدراية للشهيد الثاني: 20.

24

به، فالمراد بالموصولة في قوله: ما يصح عنه، هو متن الحديث؛ لأنه الذي يتصف بالصحة و الضعف.

و أغرب في هذا المقام الفاضل الكاظمي في التكملة، فقال في ذكر الألفاظ التي تداول استعمال أهل الحديث و الرجال إيّاها: و منها: صحيح الحديث، اعلم أنّ الصحة في لسان القدماء يجعلونها صفة لمتن الحديث، علىٰ خلاف اصطلاح المتأخرين حيث يجعلونها صفة للسند (1)، انتهىٰ.

و الكلّ علىٰ خلافه، كما لا يخفىٰ علىٰ من نظر إلىٰ كلمات الأصحاب، خصوصاً في مقام تعريف الأقسام حتى في كتب الأُصول.

و بالجملة فهو قول لم يذهب إليه أحد فيما أعلم، إلّا ما نقله أبو علي في رجاله، عن أُستاذه السيّد الأجل صاحب الرياض، قال: قال بعد إنكار المذهب المشهور-: بل المراد دعوى الإجماع علىٰ صدق الجماعة، و صحّة ما ترويه، إذا لم يكن في السند من يتوقف فيه، فإذا قال أحد الجماعة: حدثني فلان، يكون الإجماع منعقداً علىٰ صدق دعواه، و إذا كان فلان ضعيفاً أو غير معروف لا يجديه ذلك نفعاً (2).

و قد ذهب إلىٰ ما ذهب إليه بعض أفاضل العصر، و ليس لهما دام‌

____________

(1) تكملة الرجال 1: 50.

(2) قال صاحب الرياض في رواية مرسلة لابن أبي عمير: في رجل يعطي زكاة ماله رجلًا و هو يرىٰ انه معسر فوجده موسراً، و قول الإمام (عليه السّلام) في ذلك: «لا تجزي عنه». كما في الكافي 3: 545/ 1، و التهذيب 4: 102/ 289، و الوسائل 9: 215/ 1189، ما نصه:

«و إرساله يمنع عن العمل به و إنْ كان في سنده ابن أبي عمير؛ لأن المرسل غيره، و إنْ كان قبله؛ لأن الإلحاق بالصحيح بمثله. و كذا بدعوىٰ إجماع العصابة علىٰ تصحيح ما يصح عن ابن أبي عمير، و أنه لا يروي إلّا عن ثقة، غير متضح، فلا يخرج بمثله عن الأصل المقرر». رياض المسائل 5/ 146.

25

فضلهما ثالث (1).

و كتب تحت قوله: بعض أفاضل العصر: «هو السيّد البهي و الفاضل الصفي السيد مهدي الطباطبائي دام ظلّه، و زيد فضله» (2).

و الظاهر أن المراد منه العلّامة الطباطبائي بحر العلوم (طاب ثراه)، لا ولد أُستاذه (3).

أمّا الأول: فهو أعرف بما نقل.

و أمّا الثاني: فصريحه في رجاله خلاف ما نسبه إليه، و يأتي كلامه إن شاء اللّٰه تعالىٰ.

ب انّها لا تفيد إلّا كون الجماعة ثقات

نسبه الأُستاذ الأكبر في الفوائد إلىٰ القيل (4).

و قال المحقق الشيخ محمّد في شرح الاستبصار، بعد نقل القول المشهور-: و توقف في هذا بعض، قائلًا: أنّا لا نفهم منه إلّا كونه ثقة، قال: و الذي يقتضيه النظر القاصر: أنّ كون الرجل ثقة أمر مشترك، فلا وجه لاختصاص الإجماع بهؤلاء المذكورين، و حينئذٍ لا بُدّ من بيان الوجه (5)، انتهىٰ.

____________

(1) منتهىٰ المقال: 8.

(2) لا وجود لهذا التذييل في منتهىٰ المقال المطبوع علىٰ الحجر.

(3) و يؤيد صحة استظهار المصنف (قدّس سرّه) ان الشيخ أبا علي الحائري مات سنة (1215/ ه‍) في حياة أستاذه السيد علي بن محمّد بن علي الطباطبائي الحائري المشتهر ب‍ (مير داماد) صاحب الرياض (ت/ 1231 ه‍). و انه ألف منتهىٰ المقال في حياة أستاذه الوحيد البهبهاني (ت/ 1206 ه‍).

و لعل السيّد مهدي ابن السيد صاحب الرياض كان غير مؤهل لمثل هذا الوصف لصغر سنه في ذلك الحين، بينما كان السيّد بحر العلوم (ت/ 1212 ه‍) من أفاضل ذلك العصر و مراجعه.

(4) فوائد الوحيد البهبهاني: 6.

(5) استقصاء الاعتبار في شرح الاستبصار: مخطوط.

26

و ردّه في الفوائد (1)، و أطال الكلام بما لا نرىٰ حاجة في نقله.

و الذي ينبغي أن يقال، هو: أنّ مراد القيل، إنْ كان بيان معنىٰ العبارة و مدلولها، بأن يكون معنىٰ قولهم: تصحيح ما يصح عنه: أي ثِقَة و سبق الكلام لإفادة هذا المعنىٰ، فلا أظن أحداً يحتمله؛ لوضوح التغاير و التباين بين مفاد الكلمة و مدلول الجملة، بل التعبير عن الوثاقة بها أشبه شي‌ء بالأكل من القفا، و لفظ ثقة من الألفاظ الدائرة الشائعة، لا داعي للتعبير عنها بما لا ينطبق عليها مدلوله إلّا بعد التكلّف و البيان.

و إنْ كان المراد بيان إفادة العبارة وجود الوثاقة في الجماعة، و لو بالدلالة الالتزامية و إنْ سيقت العبارة لبيان معنىٰ آخر فهذا حقّ و عليه المحققون، حتى من المشهور الذين قالوا: أنّ معنىٰ العبارة صحّة ما رووه إذا صحّت الرواية إليهم، فلا يلاحظ ما بعدهم إلىٰ المعصوم (عليه السّلام) و إن كان فيه ضعيف، كما نصّ عليه الأُستاذ الأكبر في أوّل عنوان كلامه في بيان معنىٰ الإجماع (2).

و عليه، فلا وَقْع لإيراد شارح الاستبصار أصلًا، إذ الإجماع وقع علىٰ تصحيح رواياتهم، الذي يلزمه وجود الوثاقة فيهم، و هذا المعنىٰ مختص بهم، لا يشاركهم أحد فيه، و لم يقع علىٰ نفس الوثاقة فيسئل عن وجه الاختصاص، لوجود الشريك أو الشركاء لهم علىٰ تأمّل فيه، كما بيّنه في الفوائد (3)، نعم لا بُدّ من بيان وجه الملازمة.

فنقول: إن كان المراد من الصحيح في المقام هو باصطلاح المتأخرين و إنْ وقع اللفظ في كلام الكشي و مشايخه، و هم من القدماء-

____________

(1) فوائد الوحيد البهبهاني: 6.

(2) فوائد الوحيد البهبهاني: 6.

(3) فوائد الوحيد البهبهاني: 7.

27

و لا بُدّ من حمله علىٰ مصطلحهم؛ لكون الصحيح عند المتأخرين من إفراد صحيح القدماء، و هو المراد في هذا المقام كما سنوضحه إن شاء اللّٰه تعالىٰ فلا إشكال في الملازمة كما لا يخفىٰ.

و إن كان المراد منه الصحيح عند القدماء، و عدم ظهور إرادة الفرد المعهود منه، فقال السيد الجليل: إنّ اتفاق الأصحاب علىٰ تصحيح حديث شخص و قبوله بمحض صدوره منه من غير تثبت و التفات إلىٰ من قبله ليس إلّا من جهة شدّة اعتمادهم عليه، كما لا يخفىٰ علىٰ من سلك مسلك الإنصاف، و عدل عن منهج الجور و الاعتساف، بل الظاهر من الإجماع المذكور كونهم في أعلىٰ مراتب الوثاقة، و أسنى مدارج العدالة، و هذا هو الداعي لاختصاص الإجماع بهم دون غيرهم من الثقات و العدول (1)، انتهىٰ.

و في كلامه الأخير نظر، و سنبين وجه الاختصاص إن شاء اللّٰه تعالىٰ.

و في الفوائد: يبعد أن لا يكون الرجل ثقة، و مع ذلك تتفق العصابة بأجمعها علىٰ تصحيح جميع ما رواه (2).

و التحقيق أن يقال مضافاً إلىٰ ما أفادوا-: أنّ الحكم بالتصحيح إنْ كان من جهة الوثاقة فهو المطلوب، و إنْ كان من جهة القرائن الخارجية، بأن قوبلت أخبار الجماعة، فوجدت مطابقة للأُصول أو القرائن الخارجية من مطابقة الكتاب أو السنة كما زعموا أو علم مطابقة كثير منها بحيث صارت سبباً للظن، أو العلم بمطابقة الباقي كما قد يتوهم.

و قال المحقق السيد صدر الدين العاملي: إنّ وقوع المطابقة و حصولها في أخبار شخص أعظم دليل علىٰ وجود الوثاقة بالمعنى الأعم، بل هو‌

____________

(1) رسائل حجة الإسلام الشفتي.

(2) فوائد الوحيد البهبهاني: 7.

28

عينها، بل هو أعلىٰ أفرادها، و بعد تحقق كون الرجل إمامياً ما المانع من كون شدة تحرجه في الصدق بحسب ما ظهر لنا دليلًا علىٰ العدالة؟ فإنّا إنّما نستدلّ عليها بالآثار، و هذا أعظم أثر (1).

و لقد أجاد فيما أفاد، و يأتي إن شاء اللّٰه تعالىٰ في بعض الفوائد الآتية زيادة توضيح لما نبّه عليه.

هذا، و قد تقدم أنّ العلّامة استدلّ في المختلف لوثاقة أبان بن عثمان بهذا الإجماع، و وصف الخبر الذي في سنده أبان بالصحة (2).

و صرّح بذلك المقدس الأردبيلي في مواضع من كتابه مجمع الفائدة (3).

و نقله في التكملة عن الشيخ فخر الدين الطريحي في مرتب المشيخة (4).

و عن حاشية المختلف للسيد فيض اللّٰه: اعلم أنّ صحّة هذا الحديث مبني علىٰ أن أبان بن عثمان من الذين أجمعت العصابة علىٰ تصحيح ما يصح عنهم، علىٰ ما نقله الكشي، فإن صحّ الإجماع المذكور فالحديث صحيح، و إلّا فالحديث موثّق (5).

و في مشرق الشمسين للبهائي: يصفون أي المتأخرين بعض الأحاديث التي في سندها من يعتقدون أنّه فطحي، أو ناووسي بالصحة، نظراً إلىٰ اندراجه فيمن أجمعوا علىٰ تصحيح ما يصح عنه (6).

____________

(1) كتب السيّد صدر الدين العاملي (ت/ 1264 ه‍) كلها ما بين مخطوط و مفقود، و لا نعلم هذا الكلام في أي منها، و لعله في كتابه الفقهي (أسره العترة) أو في (المستطرفات)، و كلاهما غير موجود لدينا.

(2) مختلف الشيعة: 225.

(3) مجمع الفائدة و البرهان 2: 22 و 27 و 28.

(4) تكملة الرجال 1: 75.

(5) حاشية المختلف: مخطوط.

(6) مشرق الشمسين: 720، مطبوع ضمن الحبل المتين.

29

و قال المدقق الشيخ محمّد في شرح الاستبصار: و أمّا عثمان بن عيسىٰ، فالمعروف بين المتأخرين عدّ الحديث المشتمل عليه من الموثق، مع اتصاف باقي السند بوصفه.

أقول: و قد ينظر في ذلك بأنّ توثيقه لم يقف عليه، و كونه ممّن أجمع الأصحاب علىٰ تصحيح ما يصح عنه، إنّما يستفاد من الكشي، و عبارته هذه صورتها:

في تسمية الفقهاء من أصحاب أبي إبراهيم، و أبي الحسن الرضا (عليهما السّلام).

أجمع أصحابنا علىٰ تصحيح ما يصح عن هؤلاء، و تصديقهم، و أقرّوا لهم بالفقه و العلم. إلىٰ أن قال: و قال بعضهم: مكان الحسن بن علي بن فضال: فضالة بن أيوب. و قال بعضهم: مكان فضالة: عثمان بن عيسىٰ (1).

و أنت خبير بأنّ البعض غير معلوم الحال، و بتقدير العلم بحاله و الاعتماد عليه فهو من الإجماع المنقول بخبر الواحد، و الاعتماد عليه بتقديره لا يفيد إلّا الظن، و الأخبار الواردة في ذمّه منها ما هو معتبر، و الظن الحاصل منه إن لم يكن أقوى فهو مساو لغيره فلا وجه للترجيح (2)، انتهىٰ.

و في كلامه مواقع للنظر لا يناسب المقام ذكرها (إلّا أنّ صريحه) (3) مسلّمية استفادة الوثاقة من العبارة، و إنما منعه من الأخذ بها في عثمان مجهوليّة الناقل أو معارضة الأخبار.

____________

(1) رجال الكشي 2: 830/ 1050.

(2) استقصاء الاعتبار: مخطوط، و في عبارة الاستقصاء المتقدمة اختلاف مع المصدر في ذكر ترتيب أسماء الفقهاء لا أكثر.

(3) ما بين القوسين ضرب عليه في (الأصل) دون (الحجرية)، و عليه يكون قوله: «مسلمية» في (الأصل) مبتدأ مؤخراً، و (في كلامه) خبراً مقدماً، و ما بينهما جملة معترضة.

و يكون في (الحجرية) خبر أن و ليس في الكلام جملة معترضة.

30

و قال السيّد المحقق الكاظمي في عدّته-: ثم أنّ هنا أمارات تدل علىٰ وثاقة الراوي، و أُخرى تدل علىٰ مدحه. فمن الأولىٰ: اتفاق الكلمة علىٰ الحكم بصحة ما يصحّ عنه، كما اتفق ذلك في جماعات من الأوائل و الأواسط و الأواخر، و هو قولهم: إنّ العصابة أجمعت علىٰ تصحيح ما يصح عنهم؛ ما كانوا ليتفقوا في إنسان علىٰ الحكم بصحة كلّ ما يحكيه إلّا و هو بمكانة من الوثاقة، فبطل ما عساه يقال: إن حكم القدماء بصحة حديث لا يقتضي الحكم بوثاقة راويه؛ لأنهم ممّا يصححون بالقرائن، و إن كان في رواته الضعفاء، بل و المتأخرين، فإنهم ربّما حكموا بصحة الحديث و في طريقه مجهول أو ضعيف، من حيث أنّه شيخ إجازة، و ذلك إنّا إنّما تعلّقنا باتفاق الكلّ علىٰ الحكم بصحة كلّ ما يرويه، لا الحكم في الجملة بصحة ما رواه في الجملة بل علىٰ الكلية في كلا المقامين، و معلوم أنّ كلّ واحد منهم بحيث يصحح بالقرائن، لكن نهوض القرائن لكلّ واحد في كلّ خبر خبر يرويه خارج عن مجاري العادات، فعلم أنّ المدرك في حكم الكلّ في الكلّ إنّما هو وثاقته لدى الكلّ، و ذلك غير عزيز (1)، انتهىٰ.

و يأتي زيادة توضيح لما أفاده إن شاء اللّٰه تعالىٰ.

إلىٰ غير ذلك من الكلمات التي يوجب نقلها الملالة.

و من جميع ذلك ظهر صحة ما نقله في الفصول، حيث قال: و منها قولهم: أجمعت العصابة علىٰ تصحيح ما يصح عنه، و هذا عند الأكثر علىٰ ما قيل توثيق من قيل ذلك في حقّه، و لعلّ هذه الدلالة مستفادة منه بالالتزام، نظراً إلىٰ استبعاد إجماعهم علىٰ روايات غير الثقة. إلىٰ آخره (2).

____________

(1) عدة الرجال: 21/ أ.

(2) الفصول الغروية: 303.

31

و قال العالم الجليل المعاصر في توضيح المقال بعد نقل ما في الفصول-: و اختاره بعض أفاضل عصرنا (1)، و ادّعىٰ إجماع العصابة عليه.

ثم ردّه بما حاصله: إن كان المراد به ما ينفي المذهب المشهور فهو ضعيف؛ لعدم الدلالة، و عدم الوقوف علىٰ قائل غير من ذكر، و لا كثرة، و لا إجماع.

و إن أُريد به زيادة علىٰ المشهور إثبات وثاقة الرجل المقول في حقه اللفظ المزبور، نظراً إلىٰ استبعاد إجماعهم علىٰ روايات غير الثقة، و شرح ذلك.

ثم قال: ففيه أنّ ما ذكر علىٰ فرض تسليم إفادته بنفسه، أو بانضمام اللفظ المزبور شرطاً أو شطراً، للظن المعتبر معارض بظهور عبائر المشهور، بل صراحتها في نفي ذلك، مع أنّ الظاهر خلافه، ثم ناقش في أصل الملازمة (2)، انتهىٰ.

و أنت بعد التأمل فيما نقلناه عنهم، تعرف ضعف إيراده، و أن الحقّ هو الشق الثاني، و قد ذكرنا فساد قول القائل علىٰ الشق الأول.

و مع ذلك كلّه، ففائدة الإجماع علىٰ هذا القول إن عدّ مقابلًا للمشهور في غاية القلّة، خصوصاً ما نقله الكشي، إذ ليس في الطبقة الثالثة من يحتاج في إثبات وثاقته إلىٰ هذا الإجماع، و كذا في الطبقة الثانية، إلّا عبد اللّٰه بن بكير، و هو ثقة في الفهرست (3)، و الخلاصة (4)، و ادّعىٰ في العدّة‌

____________

(1) و هو صاحب كتاب لبّ الألباب كما في توضيح المقال مع عدم التصريح باسمه. و هو الحاج المولى محمّد جعفر الشريعةمداري الأسترآبادي (ت/ 1263 ه‍). و توجد نسخة من كتابه: «لبّ الألباب في الدراية و علم الرجال» في مكتبة السيّد المرعشي النجفي (قدّس سرّه) العامة في قم المشرفة كما في الذريعة 18: 283.

(2) توضيح المقال: 39 40.

(3) فهرست الشيخ: 106/ 452.

(4) رجال العلّامة: 106/ 24.

32

اتفاق الطائفة علىٰ العمل بروايته (1). و أبان بن عثمان الذي مرّ تمسك الجماعة لوثاقته به، و هو أيضاً مستغن عنه، لبعض الأمارات المذكورة في محلّه.

و لما ذكره الشيخ المفيد؛ في كتاب الكافية في إبطال توبة الخاطئة، بعد ذكر خبر أوّله هكذا: فمن ذلك ما رواه أبو العباس أحمد بن محمّد بن سعيد بن عبد الرحمن، عن أبي الحسن علي بن الحسن بن فضال في كتاب المبتدأ و المغازي و إسناده في الكتاب عن أبان بن عثمان، عن الأجلح، عن أبي صالح، عن ابن عباس (رضى اللّٰه عنه) قال:. و ساق الخبر، ثم قال؛ فهذا الحديث صحيح الاسناد، واضح الطريق، جليل الرواة، و هو يتضمن. إلىٰ آخره (2).

و ظاهر أنّ الصحة إذا وصف بها السند لا يراد منها إلّا وثاقة رجاله، و منه يظهر حال الحسن (3) الموجود في إجماع البعض، مضافاً إلىٰ ما في ترجمته ممّا هو فوق العدالة، و قريب منه عثمان بن عيسىٰ، حسب الأمارات التي ذكرناها في (قمد) في ترجمته (4).

نعم في الطبقة الأُولىٰ يحتاج إليه معروف لا غيره (5)، فلاحظ و تأمّل.

____________

(1) عدَّة الرجال: ورقة 21/ آ.

(2) لم نقف عليه في كتاب الكافية في إبطال توبة الخاطئة، و لكن ذكر في خاتمة الكتاب 6: 45/ 55 ذيل هذا الكلام نقلًا عن هذه الفائدة، و هذا دليل علىٰ اختلاف نسخة المصنف عن النسخة المطبوعة، فلاحظ.

(3) اي: الحسن بن فضال.

(4) تقدمت ترجمته في الفائدة الخامسة، برمز (قمد)، المساوي لرقم الطريق [144]، و هو طريق الصدوق إلىٰ سماعة بن مهران.

(5) اي: لا يحتاج أصحاب الإجماع إلىٰ الإجماع لإثبات وثاقتهم؛ للتنصيص عليها في كتب الرجال، الا معروف بن خربوذ، حيث لم ينص أحد علىٰ وثاقته إلّا ما كان من دعوى الكشي في معروف من أنه من الطبقة الأولىٰ من أصحاب الإجماع كما تقدم، فلاحظ.

33

ج ما نسب إلىٰ المشهور.

قال المحقق الداماد في الرواشح: قد أورد أبو عمرو الكشي في كتابه الذي هو أحد أُصولٍ إليها استناد الأصحاب، و عليها تعويلهم في رجال الحديث جماعة أجمعت العصابة علىٰ تصحيح ما يصح عنهم، و الإقرار لهم بالفقه و الفضل، و الضبط و الثقة، و إن كانت روايتهم بإرسال أو رفع، أو عمّن يسمّونه و هو ليس بمعروف الحال، و لمّة منهم في أنفسهم فاسدوا العقيدة، غير مستقيمي المذهب، و لكنهم من السفط و الجلالة في مرتبة قُصْيَا (1).

ثم ذكرهم علىٰ ما في الكشي، و قال: و بالجملة هؤلاء علىٰ اعتبار الأقوال المختلفة في تعيينهم- [وَاحِدٌ] (2) و عشرون، بل و اثنان و عشرون رجلًا، و مراسيلهم و مرافيعهم و مقاطيعهم و مسانيدهم إلىٰ من يسمونه من غير المعروفين معدودة عند الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم) من الصحاح، من غير اكتراث منهم لعدم صدق حدّ الصحيح علىٰ ما قد علمته عليها (3).

و قال الشيخ البهائي [(قدّس سرّه)] في مشرق الشمسين، بعد أن ذكر أنواع الحديث باصطلاح المتأخرين ما لفظه: و أوّل من سلك هذا الطريق من علمائنا الشيخ العلّامة جمال الملّة و الحق و الدين، الحسن بن المطهر الحلي‌

____________

(1) الرواشيح السماوية: 45، و قُصْيَا و قصوى واحد، و المراد: في مرتبة بعيدة.

(2) في الأصل و المصدر: أحدَ و عشرون، و لعله من اشتباه الناسخ، و الصحيح ما أثبتناه بين المعقوفتين؛ لأن لفظ (أحد) لا يركّب الا مع العشرة فيقال: أحد عشر، و يقتصر علىٰ هذا الاستعمال العددي، فلا يستعمل استعمال الاعداد المفردة، و لا يكون في الفصيح معطوفاً عليه في الأعداد المعطوفة، فلا يقال مثلًا: جاء أحدٌ بمعنى واحد و لا هؤلاء أحدٌ و عشرون رجلًا، فلاحظ.

(3) الرواشح السماوية: 47، و قد فرّق المحقق الداماد في آخر الراشحة الثالثة من الرواشح صحيفة 48 بين الصحيح المندرج في حد الصحيح حقيقة، و بين ما ينسحب عليه حكم الصحة، كحديث أصحاب الإجماع المتصف بهذه الصفة، و قد سماه «صحّيّا» بمعنى انه منسوب إلىٰ الصحة، فلاحظ.

34

(قدس اللّٰه روحه) ثم إنّهم (أعلىٰ اللّٰه تعالىٰ مقامهم) ربّما يسلكون طريقة القدماء في بعض الأحيان، فيصفون مراسيل بعض المشاهير كابن أبي عمير و صفوان بن يحيىٰ بالصحة، لما شاع من أنّهم لا يرسلون إلّا عمّن يثقون بصدقه، بل يصفون بعض الأحاديث التي في سندها من يعتقدون أنّه فطحي أو ناووسي بالصحة، نظراً إلىٰ اندراجه فيمن أجمعوا علىٰ تصحيح ما يصح عنهم (1)، ثم ذكر بعض الأمثلة من كتب العلّامة و الشهيد.

و في التعليقة: المشهور أنّ المراد صحّة ما رواه، حيث تصح الرواية إليه فلا يلاحظ ما بعده إلىٰ المعصوم (عليه السّلام)، و إن كان فيه ضعيف، و هذا هو الظاهر من العبارة (2).

و في رسالة أبان بن عثمان للسيد الجليل المتقدم: قد وقع الخلاف في أنّ المراد بالموصول في قولهم: أجمعت العصابة علىٰ تصحيح ما يصح عنه ما هو؟ فالأكثر علىٰ أنّ المراد منه: المروي، حاصله أنه إذا صحت سلسلة السند بينهم و بين أحد هؤلاء العظام اتفقوا علىٰ الحكم بصحة ذلك الحديث، و قبوله، أو إذا صحّ و ظهر لهم صدور الحديث من أحدهم أطبقوا علىٰ الحكم بصحته، و هذا أنسب باصطلاح القدماء، و هذا هو المتبادر من الكلام، و لهذا بنىٰ الأمر عليه كثيرٌ من العلماء الأعلام، كالعلّامة، و الفاضل الحسن بن داود، و شيخنا الشهيد، و المدقق السمي الداماد، و الفاضلين المجلسيين، و الفاضل السمي الخراساني، و غيرهم عطّر اللّٰه تعالىٰ مراقدهم (3)، انتهىٰ.

و بالجملة دعوى الظهور في المعنىٰ المذكور، و نسبته إلىٰ المشهور،

____________

(1) مشرق الشمسين: 3، مطبوع ضمن الحبل المتين.

(2) تعليقة الوحيد علىٰ منهج المقال: 6.

(3) الرسائل الرجالية لحجة الإسلام الشفتي: 5.

35

وقعت في كلام جماعة يوجب نقلها الملالة، و فيما نقلناه كفاية.

د إنَّ المراد توثيق الجماعة و من بعدهم

كذا في كلام بعض المعاصرين، و الحقّ أنّ هذا القول و القول الثاني من فروع القول الثالث، بأن يقال بعد بطلان القول الأول، و إحقاق ما ذهب إليه المشهور إنّ الحكم بتصحيح رواياتهم هل يستلزم الحكم بوثاقة الجماعة، و كلّ من كان بعدهم إلىٰ المعصوم (عليه السّلام) أو لا؟

و علىٰ الثاني هل يستلزم الحكم المذكور الحكم بوثاقة الجماعة، أو لا؟.

أمّا الثالث: فالمصرح به قليل، و إن قوّاه الفاضل المعاصر في توضيح المقال (1).

و الثاني: هو الثاني الذي ضعّفناه علىٰ احتمال، و قوّيناه علىٰ احتمال آخر، و نسبناه إلىٰ المشهور، و لكن الذي استفدناه من المشهور وثاقة من قيل في حقّه ذلك، و كون الإجماع المذكور بمنزلة بعض ألفاظ التعديل، و أمّا النفي عن غيرهم فغير ظاهر منهم.

و كيف كان فالمتبع هو الدليل، و لا وحشة من الحقّ لقلّة السالك إليه.

فنقول: القول الأول الذي جعلناه الرابع استضعفه الأُستاد في فوائد التعليقة، فقال: و ربّما يتوهم بعض من إجماع العصابة وثاقة من روىٰ عنه هؤلاء، و فساده ظاهر، نعم، يمكن أن يفهم منه اعتداد ما بالنسبة إليه، و عندي أنّ رواية هؤلاء إذا صحت إليهم لا تقصر عن أكثر الصحاح (2)، انتهىٰ.

و قال السيّد الجليل في الرسالة: و وجه الثاني أي: القول بعدم الدلالة، هو أنّ الإجماع المذكور موجود من كلام الفاضل أبي عمرو الكشي، و هو من قدماء الأصحاب (نوّر اللّٰه مراقدهم) و الصحة في اصطلاحهم مغايرة لاصطلاح‌

____________

(1) توضيح المقال: 39.

(2) فوائد الوحيد: 7.

36

المتأخرين، إذ الحديث الصحيح عندهم ما ثبت صدوره عن المعصوم (عليه السّلام) سواء كان ذلك من جهة مُخْبره، أو من القرائن الخارجية، و الآثار المعتبرة.

قال (رحمه اللّٰه): و يكفي في الاعتماد بالحديث و نقله ثبوت صدوره عن الحجّة، سواء كان ذلك من جهة الاعتماد بالمخبر أو لا، بل من وجه آخر، و هو ظاهر. و معلوم أنّ العام لا دلالة له علىٰ الخاص.

لا يقال ذكر الواسطة دليل علىٰ الأول لظهور فساده، إذ الظاهر أنّ ذلك من جهة اتصال السند بأهل العصمة (عليهم السّلام) و لو كانت الواسطة ممّن لا يعوّل عليه كما لا يخفىٰ.

قال (رحمه اللّٰه): و يؤيّده ما ذكره شيخ الطائفة في حقّ صفوان بن يحيىٰ، و ابن أبي عمير، من أنّهما لا يرويان إلّا عن ثقة، إذ لو كان الأمر كما ذكر لما كان وجه لاختصاص ذلك بهما (1)، انتهى.

إلىٰ غير ذلك من الكلمات التي يشبه بعضها بعضاً، أو أُخذ بعضها من الآخر، و مرجع الجميع إلىٰ كلمة واحدة هي: أعميّة الاصطلاح، فأخذوها حجّة علىٰ النفي من غير كشف لحقيقة الحال.

و نحن لو نقول بها تبعاً لهم نتبع مع ذلك جماعة من الأعلام و إن قلّوا فيما أعلم في دلالة هذا العام علىٰ هذا الخاص بالقرينة الواضحة.

بل نقول: هو المستند لإجماعهم علىٰ تصحيح رواية هؤلاء دون غيرهم ممّن شاركهم في الوثاقة و الجلالة قولًا واحداً من غير طعن فيهم.

فنقول: قد تقدم كلام الشيخ في العدة: من أنّ البزنطي، و صفوان، و ابن أبي عمير، و غيرهم من الذين عرفوا بأنّهم لا يرسلون و لا يروون إلّا عن الثقة (2).

____________

(1) الرسائل الرجالية للمحقق الشفتي: 6.

(2) عِدَّة الأصول 1: 58.

37

و صريح كلامه أنّ في القوم جماعة معروفين بهذه الصفة، و استظهرنا أنّ مراده منهم أصحاب الإجماع فلاحظ (1).

و مرّ قول الشهيد في غاية المراد (2) في سند فيه الحسن بن محبوب، عن خالد بن جرير، عن أبي الربيع الشامي-: أنّ الكشي ادّعىٰ الإجماع في حق ابن محبوب، و فيه توثيق كما في نسختي، و هي عتيقة، أو توثيق ما لأبي الربيع الشامي (3).

و قال العلّامة الطباطبائي في رجاله في ترجمة زيد النرسي، في ردّ من طعن علىٰ أصله بأنه موضوع-: و الجواب عن ذلك أنّ رواية ابن أبي عمير لهذا الأصل تدلّ علىٰ صحته، و اعتباره، و الوثوق بمن رواه: إلىٰ أن قال: و حكىٰ الكشي في رجاله إجماع الصحابة علىٰ تصحيح ما يصح عنه، و الإقرار له بالفقه و العلم، و مقتضى ذلك صحّة الأصل المذكور، لكونه ممّا قد صحّ عنه، بل توثيق راويه أيضاً؛ لكونه العلّة في التصحيح غالباً، و الاستناد إلىٰ القرائن و إن كان ممكناً إلّا أنّه بعيد في جميع روايات الأصل (4)، انتهىٰ ما أفاد.

و نحن نشيد بنيانه بعون اللّٰه تعالىٰ‌

و نزيد عليه في طيّ مقامين.

المقام الأول

اعلم أنّ الذين صرّحوا بأن صحيح القدماء أعمّ و ذكروا من أمارات الصحة عندهم موافقة أحد الأُمور الأربعة: العقل، و الكتاب، و السنة‌

____________

(1) تقدم هذا الاستظهار في أول هذه الفائدة صحيفة: 12، في الفقرة الثانية من فقرأت الأمر الثالث، و هو في بيان تلقي الأصحاب لهذا الإجماع بالقبول، فراجع.

(2) غاية المراد: 87.

(3) تقدم في هذه الفائدة، صحيفة: 18.

(4) رجال السيّد بحر العلوم 2: 366.

38

القطعية، و الإجماع، من الأُمور الخارجية، و الوجود في الأصل أو المعروض علىٰ الإمام (عليه السّلام) و أمثاله كلماتهم (1) تنتهي إلىٰ ما ذكره الشيخ البهائي في أوّل مشرق الشمسين، و صاحب المعالم في أوّل المنتقى، حيث قال في كلام له: فان القدماء ليس لهم علم بهذا الاصطلاح قطعاً؛ لاستغنائهم عنه في الغالب بكثرة القرائن الدالة علىٰ صدق الخبر، و إن اشتمل طريقه علىٰ ضعف، فلم يكن للصحيح كثير مزيّة، فوجب له التمييز باصطلاح أو غيره، فلما اندرست تلك الآثار، و استقلت الأسانيد بالأخبار، اضطر المتأخرون إلىٰ تمييز الخالي من الريب، و تعيين البعيد من الشك، فاصطلحوا علىٰ ما قدّمنا بيانه، و لا يكاد يُعلم وجود هذا الاصطلاح قبل زمن العلّامة إلّا من السيّد جمال الدين ابن طاوس، و إذا أُطلق الصحة في كلام من تقدم فمرادهم منها الثبوت و الصدق (2)، انتهىٰ.

و مرّ ما في المشرق في الفائدة الرابعة (3).

و نحن نسأل الشيخ و هذا المحقق عن مأخذ هذه النسبة، و مدرك هذا القول؟ فإنّا لم نجد في كلمات القدماء ما يدل علىٰ ذلك، بل هي علىٰ خلاف ما نسباه و من تبعهما إليهم، بل وجدناهم يطلقون الصحيح غالباً علىٰ رواية الثقة، و إن كان غير الإمامي.

أمّا الأول: فقال الشيخ في العدة و هو لسان القدماء و وجههم-: فصل في ذكر القرائن التي تدل علىٰ صحة أخبار الآحاد، أو بطلانها، أو ما يترجح به الأخبار بعضها علىٰ بعض، و حكم المراسيل.

____________

(1) متعلق بقوله السابق: الذين صرحوا.

(2) منتقىٰ الجمان 1: 14 15، و قريب منه ما في مشرق الشمسين: 2، مطبوع ضمن الحبل المتين: 269.

(3) تقدم في الجزء الثالث، صحيفة: 481.

39

القرائن التي تدل علىٰ صحة متضمن الأخبار التي لا توجب العلم أربعة أشياء.

و ذكر العقل أي: أصل الإباحة، أو الحظر-.

و الكتاب: خصوصه، أو عمومه، أو دليله، أو فحواه.

و السنة المقطوع بها من جهة التواتر.

قال (رحمه اللّٰه): فان ما يتضمنه خبر الواحد إذا وافقه مقطوع علىٰ صحته أيضاً، وجب العمل به، و إنْ لم يكن ذلك دليلًا علىٰ صحة نفس الخبر؛ لجواز أن يكون الخبر كذباً، و إن وافق السنة المقطوع بها.

ثم ذكر الإجماع و قال: فإنه متى كان كذلك دلّ أيضاً علىٰ صحة متضمنة، و لا يمكننا أيضاً أن نجعل إجماعهم دليلًا علىٰ صحة نفس الخبر؛ لجواز أن يكونوا أجمعوا علىٰ ذلك عن دليل غير الخبر، أو خبر غير هذا الخبر، و لم ينقلوه، استغناءً بإجماعهم علىٰ العمل به، و لا يدل ذلك علىٰ صحة نفس الخبر، فهذه القرائن كلّها تدلّ علىٰ صحة متضمن أخبار الآحاد، و لا تدل علىٰ صحتها أنفسها، لما بيّناه، من جواز أن تكون الأخبار مصنوعة، و إن وافقت هذه الأدلّة (1)، انتهىٰ.

انظر كيف صرّح في مواضع عديدة بأن موافقة هذه الأدلة لا توجب الصحة في نفس الخبر، و لا يصير الخبر بها صحيحاً، و علىٰ هذا كافّة الأصحاب، و مع ذلك كيف يجوز نسبة ذلك إليهم من غير اكتراث، ثم ترتيب الآثار عليها.

و من الغريب ما في تكملة الفاضل الكاظمي في ردّ من ذكر قولهم: صحيح الحديث من ألفاظ الوثاقة ما لفظه: و اعلم أنّ الصحة في لسان القدماء يجعلونها صفة لمتن الحديث، علىٰ خلاف اصطلاح المتأخرين،

____________

(1) عِدَّة الأُصول: 53 55، بتصرف.

40

حيث يجعلونها صفة للسند، و يريدون أي: القدماء به ما جمع شرائط العمل، إمّا من كونه خبر ثقة كما هو في اصطلاح المتأخرين، أو بكونه محفوفاً بقرائن تدلّ علىٰ العلم أو الظن بواقعيّة مضمونه، و هي كثيرة، أكثرها اندرست في أمثال زماننا، و هي إمّا موافقة ظاهر الكتاب أو عمومه، أو فحواه، أو نصه، أو مفهومه المخالف، أو الشهرة عليه، أو رواية، أو غير ذلك ممّا هو مسطور في الكتب الأُصولية، و نبّه عليه الشيخ في مقدمة الاستبصار (1).

قال الشيخ البهائي في المشرق: كان المتعارف بينهم يعني: القدماء إطلاق الصحيح علىٰ كل حديث اعتضد بما يقتضي اعتمادهم عليه، و اقترن بما يوجب الوثوق به و الركون إليه، و ذلك أُمور (2). ثم أخذ بتفاصيلها (3)، انتهىٰ.

انظر كيف يضاد قوله العلم أو الظن بواقعية مضمونه قول الشيخ في مواضع عديدة، و كيف عدّ موافقة ظاهر الكتاب من القرائن المندرسة! و إحالته علىٰ ما في الاستبصار توجب أيضاً عدّ موافقة العقل و الإجماع و السنة المتواترة منها! و هو أعرف بما قال. مع أن الشيخ أجمل في أول كتابيه ما فصّله في العدة و غيرها، و أشار إلىٰ ذلك بقوله في أول الإستبصار، قبل ذكر أقسام الخبر و القرائن-: و أنا أُبين ذلك علىٰ غاية من الاختصار، إذ شرح ذلك ليس هذا موضعه، و هو مذكور في الكتب المصنّفة في أُصول الفقه، المعمولة في هذا الباب (4).

و قد عرفت ما ذكره في العدة (5).

____________

(1) الاستبصار 1: 3 4.

(2) مشرق الشمسين: 269، مطبوع ضمن الحبل المتين.

(3) تكملة الرجال 1: 50.

(4) الاستبصار 1: 3.

(5) تقدم آنفاً في صحيفة: 38.

41

و أمّا صاحب المشرق فلم يذكر الموافقة المذكورة في عداد القرائن، و إنّما عدّ أُموراً لا ريب في كونها من الأمارات، و لكن الشيخ مسؤول بذكر المستند لإطلاق الصحيح علىٰ الخبر المقترن ببعض منها، أو جملة منها لا تنافي مذهب المتأخرين.

و الظاهر أنّ الشيخ و من تبعه اشتبه عليهم المعمول به بالصحيح، و لا ملازمة بينهما كما عند المتأخرين، كالضعيف المنجبر، و الحسن عند من يرىٰ حجيّته، فلا بُدّ في المقام من ذكر موارد أطلقوا الصحيح علىٰ خبر غير الثقة، لمجرّد الاقتران، و إلّا فاعتمادهم ببعض القرائن في مقام العمل لا ينهض لإثبات الدعوىٰ.

و أمّا الثاني: و هو إطلاقهم الصحيح علىٰ خبر الثقة؛ و لو من غير الإمامي كثيراً، و في موارد لا يبعد بعد ملاحظتها دعوى الاطمئنان بانحصار مصطلحهم فيه، فتنحصر الأعميّة في دخول الموثق في الصحيح عندهم، فله شواهد:

منها: ما في أول الكافي، و هو قوله (رحمه اللّٰه): بالآثار الصحيحة عن الصادقين (عليهم السّلام) (1). و قد أوضحنا في الفائدة الرابعة أن المراد منها أخبار الثقات (2)، و له في باب ميراث ابن أخ و جدّ كلام أوضح منه (3).

____________

(1) الكافي 1: 7 8، من خطبة الكتاب.

(2) تقدم توضيحه في الجزء الثالث، صحيفة: 480.

(3) الكافي 7: 115 ذيل الحديث 16.

و ما ورد في هذا الباب مخالف للإجماع بتصريح الكليني (قدّس سرّه)، و مرسل ايضاً و مرسله إسماعيل بن منصور، و هو ليس من أصحاب الإجماع، و لا هو من الثلاثة الأجلاء الذين لا يرسلون الا عن ثقة، بل هو غير معروف بكتب الرجال، و علىٰ الرغم من ذلك كله قال ثقة الإسلام بعد رواية الحديث: «هذا قد روي و هي أخبار صحيحة».

و الوضوح الذي أشار إليه المصنف بقوله: «و له في باب. أوضح منه» يريد به ان خبر الباب المذكور مخالف للإجماع و هو من القرائن المهمة المعتمدة في تصحيح الاخبار، و بهذا يكون قول ثقة الإسلام ناظراً إلىٰ صحة السند لا إلىٰ القرائن الحاكمة علىٰ الخبر بعدم الصحة.

علىٰ ان هذا لا يعني كون المراد بالخبر هو المراد الجدي بعد التسليم بصحته و إلا كان الإجماع ساقطاً عن الاعتبار، بل المراد من الصحة هنا صدوره عنهم (عليهم السّلام) تقية، و بالتالي فان هذا الشاهد يؤيد دعوى المصنف من ان إطلاق الصحيح عند القدامى هو خبر الثقة، و في المسألة خلاف طويل الذيل آثرنا تركه، فلاحظ.

42

و منها: ما في الفقيه، و أمّا خبر صلاة يوم غدير خم، و الثواب المذكور فيه، فإن شيخنا محمّد بن الحسن (رضى اللّٰه عنه) كان لا يصححه، و يقول: إنّه من طريق محمّد بن موسى الهمداني، و كان غير ثقة، و كلّما لم يصححه ذلك الشيخ (قدس اللّٰه روحه) و لم يحكم بصحته من الأخبار، فهو عندنا متروك غير صحيح (1).

و لا يخفىٰ علىٰ المتأمل أنّ المراد من الصحيح في أول الكلام ما كان تمام رواته ثقات، فيكون في آخره كذلك، مع أنّ غير الوثاقة ممّا عدّوه من أسباب الصحة، كالوجود في الأصل، و المعروض علىٰ الإمام (عليه السّلام) و الموافقة من الأُمور المحسوسة الغير المحتاجة إلىٰ تبعيّة الآخر، و الذي لا ضير في التبعيّة فيها معرفة الرجال و وثاقتهم، و ضبطهم و تثبتهم، خصوصاً لمثل الناقد الخبير محمّد بن الحسن بن الوليد، الذي من سلم من طعنة فكأنّه مرضيّ للكلّ.

و منها: الفقرة الثانية في قولهم: تصحيح ما يصح عنه. فإن المراد من الصحة في قولهم: «ما يصح عنه» لا بُدّ و أن يكون من جهة اتصاف رجال السند مثلًا إلىٰ ابن أبي عمير بالوثاقة، لوضوح عدم قابلية السند إليه، لاقترانه بما عدّوه من قرائن الصحة عندهم، سوىٰ الوثاقة.

و السيد الجليل في رسالة أبان كأنّه التفت إلىٰ هذا فزاد في كلامه في‌

____________

(1) الفقيه 2: 55 ذيل الحديث: 18.

43

معنىٰ الصحة عنه، بعد اتصاف السند بالوثاقة كما سبق قوله: أو إذا صحّ و ظهر لهم صدور الحديث من أحدهم (1)؛ حذراً من وجوب حمل الصحة في الفقرة الأُولىٰ أيضاً عليه؛ لركاكة التفكيك.

و لا يخفىٰ أنّ الصحة و الظهور من غير جهة الوثاقة، لا يكون إلّا من جهة تكثّر الطرق إلىٰ أحدهم، إلىٰ حدّ التواتر أو ما يقرب منه؛ و فيه من التكلّف ما لا يخفىٰ، خصوصاً مع حمل الفقرة الأُولىٰ أيضاً عليه، رعاية للتطابق.

و منها: قولهم في ترجمة جماعة: صحيح الحديث، كما مرّ في شرح المشيخة (2)، و يأتي توضيحه (3) إن شاء اللّٰه تعالى.

و منها: ما في التهذيب، في باب التيمم، في بحث المحتلم الخائف علىٰ نفسه من الغسل لشدة البرد، بعد إيراد حديث بسندين.

أولهما: محمّد بن أحمد بن يحيىٰ، عن محمّد بن الحسين، عن جعفر بن بشير، عمّن رواه، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام) (4).

و ثانيهما: سعد بن عبد اللّٰه، عن محمّد بن الحسين بن أبي الخطاب، عن جعفر بن بشير، عن عبد اللّٰه بن سنان أو غيره عنه (عليه السّلام) (5).

قال: فأول ما فيه أنه خبر مرسل منقطع الإسناد؛ لأنّ جعفر بن بشير في الرواية الأُولىٰ قال: عمّن رواه، و هذا مجهول يجب اطراحه؛ و في الرواية الثانية قال: عن عبد اللّٰه بن سنان أو غيره، فأورده و هو شاكّ فيه، و ما يجري هذا المجرىٰ‌

____________

(1) الرسائل الرجالية: 15.

(2) تقدم ذلك في الفائدة الخامسة في موارد متفرقة منها ما ذكره في ترجمة إبراهيم ابن هاشم المتقدم برمز (يد)، و هو المساوي للطريق رقم [14]، فراجع.

(3) سيأتي توضيحه في هذه الفائدة، صحيفة: 60.

(4) تهذيب الأحكام 1: 196/ 567.

(5) تهذيب الأحكام 1: 196/ 568.

44

لا يجب العمل به، و لو صحّ الخبر علىٰ ما فيه لكان محمولًا (1). إلىٰ آخره.

و منها: ما فيه في باب حكم المسافر و المريض في الصيام، بعد إيراد خبر سنده: الصفار، عن عمران بن موسى، عن موسى بن جعفر، عن محمّد بن الحسين، عن الحسن بن علي بن فضال، عن ابن بكير، عن عبد الأعلىٰ مولى آل سام، في الرجل. إلىٰ آخره (2).

قال: فأول ما فيه أنّه موقوف غير مسند إلىٰ أحد من الأئمة (عليهم السّلام) و ما كان هذا حكمه لا يعترض به الأخبار الكثيرة المسندة، و لو صحّ كان الوجه (3). إلىٰ آخره.

و منها: ما في الاستبصار، في باب من فاته الوقوف بالمشعر الحرام، بعد إيراد خبرين، في آخر سند الأول: محمّد بن يحيىٰ الخثعمي، عن بعض أصحابه، عن أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام). و في آخر الثاني: عنه، عنه (عليه السّلام).

قال بعد رمي الخثعمي بالعاميّة و الاضطراب من جهة روايته تارة بلا واسطة و أُخرى بدونها-: و يمكن علىٰ تسليمهما و صحتهما (4). إلىٰ آخره.

و منها: ما فيه، في باب ميراث ذوي الأرحام، بعد نقل خبرين عن الفضل بن شاذان (رحمه اللّٰه) في قضاءٍ لعلي (عليه السّلام)، أوّلهما: عن سويد بن غفلة.

قال: قال الفضل: و هذا الخبر أصح مما رواه سلمة بن كهيل، و ساقه.

ثم قال: لأنّ سلمة لم يدرك علياً (عليه السّلام)، و سويد قد أدرك علياً (عليه السّلام) (5).

و منها: ما في الفهرست، في ترجمة يونس بن عبد الرحمن بعد ذكر‌

____________

(1) تهذيب الأحكام 1: 196/ ذيل الحديث: 568.

(2) تهذيب الأحكام 4: 229/ 674.

(3) تهذيب الأحكام 4: 229 ذيل الحديث: 674.

(4) الاستبصار 2: 305/ 1090 و 1091.

(5) الاستبصار 4: 173/ 654.

45

الطرق إلىٰ كتبه.

[قال]: و قال محمّد بن علي بن الحسين: سمعت محمّد بن الحسن بن الوليد (رحمه اللّٰه) يقول: كُتب يونس بن عبد الرحمن التي هي بالروايات كلُّها صحيحة معتمد عليها، إلّا ما ينفرد به محمّد بن عيسىٰ بن عبيد، و لم يروه غيره (1).

إلىٰ غير ذلك من الموارد الصريحة في أنّ المناط في الصحة عندهم حالات نفس السند، من غير ملاحظة اقترانه بأمر خارجي.

و يوضحه و يدلّ عليه أنّ الشيخ ذكر الحجّة من الخبر الواحد في كتاب العدّة في مواضع، و ليس فيه ذكر للخبر الضعيف المنجبر ضعفه بالقرائن الخارجية، فلو كان الضعيف المقترن فيها داخلًا في صحيحهم لكان حُجّةً، و معه كان عليه أن يذكره، مع أنّه أهمله.

فإنه (رحمه اللّٰه) قال في موضع: و أمّا ما اخترته من المذهب و هو أنّ خبر الواحد إذا كان وارداً من طريق أصحابنا، القائلين بالإمامة، و كان ذلك مرويّاً عن النبيّ (صلّى اللّٰه عليه و آله) أو عن أحد من الأئمة (عليهم السّلام)، و كان ممّن لا يطعن في روايته، و يكون سديداً في نقله، و لم تكن هناك قرينة تدلّ علىٰ صحة ما تضمّنه الخبر لأنه إن كانت هناك قرينة تدلّ علىٰ ذلك كان الاعتبار بالقرينة، و كان ذلك موجباً للعلم، و نحن نذكر القرائن فيما بعد جاز العمل به، و الذي يدل علىٰ ذلك إجماع الفرقة المحقّة (2). إلىٰ آخر ما تقدم في الفائدة الرابعة (3).

و قريب منه ما ذكره في موضع آخر.

و من هنا أورد عليه الشهيد الثاني (رحمه اللّٰه) في درايته حيث قال:

____________

(1) فهرست الشيخ: 181/ 789.

(2) عدة الأُصول 1: 336 و 337.

(3) انظر الجزء الثالث، صحيفة: 489.

46

و اختلفوا في العمل بالحسن؛ فمنهم من عمل به مطلقاً كالصحيح، و هو الشيخ (رحمه اللّٰه) علىٰ ما يظهر من عمله، و كلّ من اكتفىٰ في العدالة بظاهر الإسلام و لم يشترط ظهورها. و منهم من ردّه مطلقاً و هم الأكثرون حيث اشترطوا في قبول الرواية الإيمان و العدالة، كما قطع به العلّامة في كتبه الأُصولية (1)، و غيره.

و العجب أن الشيخ (رحمه اللّٰه) اشترط ذلك أيضاً في كتب الأُصول، و وقع له في الحديث و كتب الفروع الغرائب، فتارة يعمل بالخبر الضعيف مطلقاً حتى أنّه يخصص به أخباراً كثيرة صحيحة حيث تعارضه بإطلاقها (2). إلىٰ أن قال: و أمّا الضعيف فذهب الأكثر إلىٰ المنع عن العمل به مطلقاً، و أجازه آخرون، مع اعتضاده بالشهرة رواية أو فتوى، كما يعلم مذاهب الفرق الإسلامية باخبار أهلها مع الحكم بضعفهم عندنا، و إن لم يبلغوا حدّ التواتر، و بهذا اعتذر للشيخ (رحمه اللّٰه) في عمله بالخبر الضعيف، و هذه حجّة من عمل بالموثق أيضاً. و فيه نظر.

و قال في وجهه: إنّ هذا يتمّ لو كانت الشهرة متحققة قبل زمن الشيخ (رحمه اللّٰه) و الأمر ليس كذلك، فإن من قبله من العلماء كانوا بين مانع من خبر الواحد مطلقاً، كالمرتضىٰ و الأكثر علىٰ ما نقله جماعة، و بين جامع للأحاديث من غير التفات إلىٰ تصحيح ما يصحّ، و ردّ ما يردّ، قال: فالعمل بمضمون الخبر الضعيف قبل زمن الشيخ علىٰ وجه يجبر ضعفه ليس بمتحقق، و لمّا عمل الشيخ بمضمونه في كتبه الفقهية جاء من بعده من الفقهاء و اتّبعه منهم عليها الأكثر تقليداً له (3). إلىٰ آخر ما قال.

و من مجموع كلامه يظهر أنّ الضعيف المنجبر بالشهرة رواية كانت‌

____________

(1) نهاية الأُصول 1: 211، الفصل السادس في شرائط الراوي.

(2) دراية الشهيد: 90.

(3) الدراية/ الشهيد الثاني: 92.

47

أو فتوى غير داخل في الصحيح عندهم، و إنْ عمل به لِمَا ذَكَرَ، بل الحسن أيضاً، و إن كان فيما ذَكَرهُ فيه نظر بيّن؛ لكون أكثر ما عدّوه من الحسان داخلًا في قسم الصحاح عندهم مع ملاحظة الشروط للوجه الذي سنتلوه عليك إن شاء اللّٰه تعالىٰ في بعض الفوائد الآتية.

و بالجملة فصريح كلامه: أنّ ما اشتهر [ت] نسبته إلىٰ القدماء في معنىٰ الصحيح لا أصل له أصلًا، و أنّ الاقتران بالقرائن الخارجية لا مدخلية له في اتصاف الخبر بالصحة.

و أوضح ممّا ذكره (رحمه اللّٰه) هنا، ما ذكره في أوّل الباب، فإنه عرّف الصحيح بما هو المشهور، و شرح قيود التعريف، و ردّ القيدين الذين قيّده بهما العامة و هما: الشذوذ و العلّة، و شرح قيود تعريفهم، ثم ذكر أنّه قد يطلق علىٰ سليم الطريق و إن اعتراه مع ذلك إرسال أو قطع (1) في كلام طويل مرّ بعضه سابقاً.

و ليس في كلامه إشارة إلىٰ مذهب القدماء في الصحيح، كما زعموا أنّه أعمّ مطلقاً أو من وجه من صحيح المتأخرين، أ ليس بغريب أن يتعرض في كلامه لكلام العامّة و يهمل كلام أصحابه، و مخالفة القدماء منهم فيه، و لا يتعرض لصحته و سقمه، فلو كان الصحيح عندهم غير الصحيح عنده لتعرض له يقيناً.

و مثله الشهيد الأول في أول الذكرى (2)، بل ظاهره فيما نقلناه عنه سابقاً حمل الصحيح في الإجماع علىٰ ما هو عند المتأخرين فلاحظ.

و من العجيب أنّ سيّد المفاتيح (رحمه اللّٰه) قال: إن القدماء يحكمون بالصحة بأسباب لا تقتضي ذلك.

منها: مجرّد حكم شيخهم بالصحة.

____________

(1) الدراية/ الشهيد الثاني: 77 79.

(2) الذكرى: 4.

48

و منها: اعتماد شيخهم علىٰ الخبر.

و منها: عدم منع شيخهم عن العمل به.

و منها: عدم منع الشيخ عن روايته للغير.

و منها: موافقته للكتاب و السنة (1)، انتهىٰ.

و قد عرفت نصّهم علىٰ عدم كون موافقتهما من أسباب الصحة، و الثلاثة الاولىٰ أخذها من كلام الصدوق في العيون و الفقيه، كما مرّ في الفائدة الرابعة (2)، و مرجعها إلىٰ الاتكال علىٰ تصحيح الغير، و عليه عمل غالب المتأخرين، بل جلّ أهل عصرنا، و اعتماد الصدوق علىٰ تصحيح ابن الوليد؛ المعلوم حاله، و عدم حاجته إلىٰ تمييز المشتركات، و معرفته معاني ألفاظ الجرح و التعديل، و غير ذلك؛ أهون من الاعتماد علىٰ من يحتاج إلىٰ النظر إلىٰ تلك الأُمور النظرية، مع تمكنه منه، فان هذا تقليد محض، و ذاك اتكال علىٰ تزكيته، مع أنّ الصدوق لم يطلق في الأخيرين الصحيح علىٰ الخبر؛ و مجرّد العمل و الرواية لا يصحح، فمن أين ينسب إلىٰ جميعهم ذلك؟

و أعجب منه ما ذكره العالم الجليل السيّد صدر الدين فيما علّقه علىٰ رجال أبي علي، في كلام له في هذا المقام- [فقال]: نعم يرد عليه أنّ الصحيح في كلام القدماء بمعنى آخر، فينبغي التأمل في أنّ الصحيح بالمعنى المعروف فردّ منه أم لا (3)، انتهىٰ.

فلم يرض بالاتحاد و لا الأعميّة حتى احتمل التباين، فيكون الصحيح عند القدماء خبر غير الثقة المقترن بما ذكروا، و هو كما ترى.

____________

(1) مفاتيح الأُصول: 332.

(2) تقدم في الجزء الثالث، صحيفة 485.

(3) تعليقة السيّد صدر الدين علىٰ منتهىٰ المقال.

49

و ممّا يؤيد أيضاً ما ذكرنا أنّهم في مقام ذكر اعتبار ما أرادوا جمعه من الأخبار يقولون: إنّها مرويّة عن الثقات، هذا علي بن إبراهيم قال في أول تفسيره: و نحن ذاكرون و مخبرون ما ينتهي إلينا، و رواه مشايخنا، و ثقاتنا، عن الذين فرض اللّٰه طاعتهم (1). إلىٰ آخره.

و قال جعفر بن قولويه، في أول كامله: و قد علمنا أنّا لا نحيط بجميع ما روي عنهم في هذا المعنىٰ و لا غيره، و لكن ما وقع لنا من جهة الثقات من أصحابنا (رحمهم اللّٰه برحمته) (2). إلىٰ آخره.

و قال الصدوق في أوّل المقنع: و حذفت الأسناد منه، لئلا يثقل حمله، و لا يصعب حفظه، و لا يملّه قاريه، إذ كان ما أُبيّنه فيه موجوداً بيّناً عن المشايخ العلماء الفقهاء الثقات (3) (رحمهم اللّٰه تعالىٰ).

و قال الشيخ محمّد بن المشهدي، في أوّل مزاره: فاني قد جمعت في كتابي هذا من فنون الزيارات. إلىٰ أن قال: ممّا اتصلت به ثقات الرواة إلىٰ السادات (4). إلىٰ آخره، إلىٰ غير ذلك.

ثم لا يخفىٰ أنّ المحقق (رحمه اللّٰه) و إنْ كان من المتأخرين إلّا أنّه آخر من تبع القدماء اصطلاحاً، و يعدّ منهم في هذا المقام، لحدوث الاصطلاح الجديد كما قالوا من العلّامة و من تأخر عنه، و قد قال (رحمه اللّٰه) في المعارج: قد تقترن بخبر الواحد قرائن علىٰ صدق مضمونه، و إن كانت غير دالة علىٰ صدق الخبر نفسه، لجواز اختلافه مطابقاً لتلك القرينة، و القرائن أربع:

إحداها: ان يكون موافقاً لدلالة العقل، أو لنص الكتاب خصوصه، أو‌

____________

(1) تفسير القمي 1: 4.

(2) كامل الزيارات: 41.

(3) المقنع: 2.

(4) مزار المشهدي: 3.

50

عمومه، أو فحواه، أو السنة المقطوعة بها، أو لما حصل الإجماع عليه (1). إلىٰ آخره.

و كيف خفي عن هؤلاء الأعلام كلامه، حتى عدوّا موافقة الكتاب و السنة من أمارات صحّة الخبر، و أظن و إن كان الظن لا يغني من الحق شيئاً أنّه اشتبه مذهب الشيخ و من وافقه سابقاً عليه، أو لاحقاً به، ممّن يرىٰ حجيّة الخبر الواحد المجرد عن القرائن الخارجية، المتصف ببعض الشروط الداخلية؛ بمذهب السيّد و الجماعة الذين منعوا من حجيّته إلّا مع اقترانه بما يقتضي العلم بصحّة مضمونه.

قال العلّامة الكراجكي منهم في مختصر كتاب التذكرة في أُصول الفقه لشيخه أبي عبد اللّٰه المفيد: فأمّا خبر الواحد القاطع في العذر، فهو الذي يقترن إليه دليل يفضي بالناظر فيه إلىٰ العلم بصحّة مخبره، و ربّما كان الدليل حجّة من عقل، و ربّما كان شاهداً من عرف، و ربّما كان إجماعاً بغير خلف، فمتىٰ خلا خبر واحد من دلالة يقطع بها علىٰ صحّة مخبره فإنه كما قدمناه ليس بحجّة، و لا موجب علماً و لا عملًا علىٰ كلّ وجه (2)، انتهىٰ.

و الحاصل أنا نطالب الجماعة الذين نصّوا بأنّ من الصحيح عندهم المقترن بأُمور خارجية، و أنّه أعمّ من الصحيح المصطلح من هذه الجهة، و أرسلوه إرسال المسلمات، بشاهدٍ يُصدِّق هذه الدعوىٰ، و نصٍّ علىٰ ذلك من كلام أحد من القدماء، و إلّا فانّا في عذر من عدم قبوله، مضافاً إلىٰ ما ذكرنا مما يدلّ علىٰ خلافه، و باللّٰه نستعين.

المقام الثاني

اعلم أنّ القرائن التي بها يصير الخبر الواحد حجّة إمّا داخليّة، أو خارجية.

____________

(1) معارج الأُصول: 148.

(2) كنز الفوائد 2: 29.

51

و نعني بالأُولىٰ: الوثاقة بالمعنى الأعم، أو العدالة بالمعنى الأعم، أي عدالة كلّ راوٍ علىٰ مذهبه، و يعبر عنها أيضاً بالوثاقة بالمعنى الأعم أو بالمعنى الأخص، فيدخل فيها الإيمان علىٰ اختلاف المذاهب، و غيرها من الضبط و التثبّت.

و بالثانية: ما عدّه في مشرق الشمسين (1) و المفاتيح (2) و غيرهما في هذا المقام.

أمّا الأُولىٰ: فإذا اتصف راويها [بها] و دخلت روايته في صنف الحجّة، فيمكن الحكم بصحّة حديثه من جهته مطلقاً، سواء كان صاحب كتاب أو لا، و سواء اطلع هذا الحاكم برواياته أو بعضها، أو لم يقف علىٰ حديث واحد من أحاديثه، فيجوز أن يقول: كلّما رواه زرارة عن الإمام (عليه السّلام) فهو صحيح، أو كلّما رواه الحسين بن سعيد كذلك، إذا كان من بعده مثله، و هذا واضح.

و من ذلك قول أبي محمّد العسكري (عليه السّلام) لأحمد بن إسحاق كما في الكافي-: «العمري و ابنه ثقتان، فما أدّيا إليكَ عنّي فعنّي يؤديان، و ما قالا لك فعني يقولان، فاسمع لهما و أطعهما فإنّهما الثقتان المأمونان» (3).

و أمّا الثانية: فلا يمكن أن يحكم بحديث واحد من رأو إلّا بعد الوقوف علىٰ اقترانه بها، لأنّها كلّها أوصاف لنفس الخبر، و ما لم يكن الخبر معيّناً معلوماً لا يمكن العلم باتصافه بها، فلا يمكن أن يقال في حقّ رأو غير مصدق قوله في نفسه: إنّ كلّما رواه صحيح، أي مقترن بها، لأن العلم بالاقتران إن كان من جهة إخباره فهو غير مصدّق فيه، و إن كان من جهة اطلاعه فالمفروض عدمه.

نعم يجوز الحكم بصحة أحاديثه المعلومة المحصورة في كتاب، أو عند رأو سمعها منه، و غير ذلك ممّا يمكن معه الاطلاع علىٰ الاقتران‌

____________

(1) مشرق الشمسين (ضمن الحبل المتين): 269.

(2) مفاتيح الأُصول: 332 و 333.

(3) الكافي 1: 266/ 1، و ذكره الشيخ في كتاب الغيبة: 218 219.

52

و عدمه، و هذا أيضاً واضح لا سترة فيه.

و من ذلك ما رواه الشيخ في كتاب الغيبة: أنه لمّا عمل محمّد بن علي الشلمغاني كتاب التكليف، قال الشيخ يعني: أبا القاسم الحسين بن روح (رضى اللّٰه عنه)-: اطلبوه إليّ لأنظره، فجاؤا به فقرأه من أوله إلىٰ آخره. فقال: ما فيه شي‌ء إلّا و قد روي عن الأئمة (عليهم السّلام)، إلّا موضعين أو ثلاثة فإنه كذب عليهم في روايتها لعنه اللّٰه (1).

إذا عرفت ذلك فنقول: إذا أعرضنا عن المقام الأول، و سلمنا من الجماعة أعَميّة صحيح القدماء، و أنّه قد يكون من الجهة الأُولىٰ، و قد يكون من الجهة الثانية، فلا بُدّ لنا أيضاً في المقام الحكم بكون المراد من الصحيح الصحيح من الجهة الأُولىٰ لوجهين:

الأول: أنّ العصابة حكموا بصحة كلّ ما صحّ عن هؤلاء من غير تخصيص بكتاب أول أصل أو أحاديث معينة.

و بالجملة الكل حكموا بتصحيح الكل، و ما صح عنهم غير محصور، لعدم انحصار أحاديثهم بما في كتبهم، خصوصاً الطبقة الأُولىٰ و الثانية، و لا بما عند رأو معلوم، و مع ذلك لا يجوز أن يكون السبب الجهة الثانية كما عرفت.

الثاني: أنّ ذلك قريب من المحال بحسب العادة، لأن جلّ أحاديثنا الموجودة تنتهي إلىٰ هؤلاء، و اللّٰه العالم بما لم يصل منها إلينا، هذا محمّد ابن مسلم أحد الستة الأُولىٰ، روىٰ الكشي عن حريز عنه، قال: ما شجرني رأي قطّ إلّا سألت عنه أبا جعفر (عليه السّلام) حتى سألته عن ثلاثين ألف حديث، و سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السّلام) عن ستة عشر ألف حديث (2).

هذه ستّة و أربعون ألف حديث أجوبة مساءلة، و هي أزيد من تمام‌

____________

(1) الغيبة للشيخ الطوسي: 251 252.

(2) رجال الكشي 1: 386 رقم 276.

53

أحاديث الكتب الأربعة و اللّٰه أعلم بسائر أحاديثه، و لا أظنّ أنّ أحاديث زرارة تنقص من أحاديثه، و هو الذي قال في حقّه أبو عبد اللّٰه (عليه السّلام): «لولا زرارة لظننت أن أحاديث أبي ستذهب» (1) و هكذا حال أغلب الجماعة كما لا يخفىٰ علىٰ من تأمل حقّ التأمل في تراجمهم و في الجوامع.

و المراد بالعصابة: الفرقة الشيعة الإمامية من أصحابهم (عليهم السّلام)، و من يليهم. و التعبير عنهم بها لعلّةٍ تبعاً لأبي عبد اللّٰه الصادق (عليه السّلام) فيما ذكره في رسالته إلىٰ أصحابه التي أمرهم بمدارستها، و النظر فيها، و تعاهدها و العمل بها، فكانوا يضعونها في مساجد بيوتهم، فاذا فرغوا من الصلاة نظروا فيها، فإنه (عليه السّلام) خاطبهم فيها بقوله: «أيّتها العصابة المرحومة المفلحة، أو أيتها العصابة المرحومة المفضلة، أو أيتها العصابة الحافظ اللّٰه لهم أمرهم» (2) و غير ذلك.

و في باب ميراث ابن أخ و جدّ، من الكافي بعد ذكر أخبار تخالف ما رواه في أول الباب قال: و هي أخبار صحيحة، إلّا أنّ إجماع العصابة أنّ منزلة الأخ. إلىٰ آخره. ثم ذكر خبراً آخر، و قال: و ليس هذا أيضاً ممّا يوافق إجماع العصابة (3). إلىٰ آخره.

و قال النجاشي في ترجمة أبي غالب أحمد بن محمّد بن سليمان الزراري-: و كان أبو غالب شيخ العصابة في زمنه و وجههم (4).

و قال أبو علي محمّد بن همام في أول كتابه التمحيص-: لمّا رأيت ما شملني و العصابة المهتدية من الاختبار و اللأواء (5). إلىٰ آخره.

____________

(1) رجال الكشي 1: 345 رقم 210.

(2) الكافي 8: 2 14/ 1، من الروضة.

(3) الكافي 7: 115.

(4) رجال النجاشي: 83/ 201.

(5) التمحيص: 28.

54

و في أمالي الشيخ، بإسناده عن عبد اللّٰه بن الوليد، قال: دخلنا علىٰ أبي عبد اللّٰه (عليه السّلام) في زمن مروان، فقال: «ممّن أنتم»؟ فقلنا: من أهل الكوفة. قال: «ما من البلدان أكثر محبّاً لنا من أهل الكوفة، و لا سيما هذه العصابة» (1)، الخبر.

قال المجلسي: هذه العصابة: أي الشيعة فإنّها أخص (2).

و بالجملة فالمراد منها في المقام حَمَلة الآثار، و نقّاد الأخبار، و هم في ذلك العصر خلق كثير و جمّ غفير منتشرون في البلدان متفرّقون في الأمصار، فاحتمال اطلاع كلّ واحد منهم علىٰ جميع أحاديث كلّ واحد من الجماعة و علمه باقتران كلّ واحد منها بإحدى القرائن المذكورة، ثم اطلاع الشيخ الكشي و شيخه الآخر علىٰ اطلاع كل واحد منهم عليها، فاسد عند كلّ من له أدنىٰ حظّ من البصيرة.

و أمّا ما قيل: إنّه قد يقع الإجماع علىٰ صحة أخبارٍ إذا قوبلت و علم من الخارج صدقها و مطابقتها للواقع، أو علم مطابقة كثير منها بنحو ظنّ أو قطع بمطابقة الباقي، فهو كسابقه في الفساد، خصوصاً نسبة الحدس إلىٰ العصابة، حيث فتشوا بعض أخبار الجماعة فوجدوها صحيحة، فقاسوا باقيها، و في قصّة كتاب الشلمغاني كفاية لبطلان هذا القياس، و عدم حصول الظن، فضلًا عن القطع بصحة الباقي، لمجرّد الوقوف علىٰ صحّة جملة منها.

هذا، و أمّا إنْ كان السبب في حكم العصابة بصحّة أحاديث الجماعة كونهم كما استظهرناه من العدّة (3) من الذين عرفوا بأنّهم لا يروون و لا يرسلون‌

____________

(1) أمالي الطوسي 1: 143.

(2) بحار الأنوار 60: 222.

(3) عدة الأُصول 1: 387.