القواعد الفقهية - ج2

- الشيخ ناصر مكارم الشيرازي المزيد...
426 /
9

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على خير خلقه و أشرف بريته محمد (ص) و آله الطاهرين المعصومين و السلام علينا و على عباد اللّه الصالحين‏

10

أمور هامة يجب التنبيه عليها

و قبل ان نتناول ما تبقى من القواعد الفقهية بالبحث ينبغي الإشارة إلى أمور:

1- لا بد من تدوين علم مستقل بشأن القواعد الفقهية

القواعد الفقهية هي من أهم الأمور التي يجب على الفقيه معرفتها، و معرفة مواردها، و شرائطها، و ما يستثنى منها، و ذلك لاستيفاء كثير من المسائل الفقهية عليها، بحيث لا يمكن الجزم بالحكم الفقهي كثيرا بدون ذلك.

و كيف يتسنى للفقيه البحث عن كثير من مسائل الفقه في أبواب العبادات و المعاملات مع عدم إحاطته بموارد جريان قاعدة لا حرج، و الصحة، و ضمان اليد و لا ضرر، و عدم ضمان الأمين، و قاعدة السبق و الإلزام و غيرها، و الفرق بين مواردها و موقفها من سائر الأدلة من الامارات و الأصول و لكن رغم هذه الأهمية لم يبحث عنها الا نادرا و تباعا مع انها تحتاج إلى أبحاث مستقلة و مستوفاة.

و السبب في ذلك انها لا تندرج في الحقيقة لا في مسائل أصول الفقه و لا في مسائل الفقه نفسه، إذ ليس لها في مسائل هذين العلمين مجال الا بتبع بعض مسائلهما أو ما يكون بحثا استطراديا غير جامع و لا كافل بجميع ما يراد منها.

و ما يتراءى من بحث بعضها أخيرا في بعض الكتب الأصولية أو الفقهية مستوفى‏

11

مثل قاعدة لا ضرر أو قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده و قواعد طفيفة أخرى لا يوجب أداء حقها جميعا مع ما فيها أيضا من نقائض ظاهرة.

و كم من مسألة اشتبه حكمها على بعض الأكابر من جراء عدم تنقيح هذه القواعد و سيمر عليك كثير منها في طيات هذا الكتاب.

إذا فالواجب علينا الاهتمام بشأنها و أداء حقها و تدوين علم مستقل لها و ان أهملها المتقدمون رضوان اللّه تعالى عليهم، و كم ترك الأول للآخر.

2- تعريف القواعد الفقهية

القاعدة الفقهية، على ما يستفاد من استقراء كلمات الأصحاب قدس اللّه أسرارهم هي ما اشتملت على حكم فقهي عام لا يختص بباب معين من الفقه، بل يشمل أبواب الفقه كلها، أو كثيرا من مسائلها المبحوثة في «كتب متعددة فقهية»، أو مسائل كثيرة من «كتاب واحد».

فالأول كقاعدة حجية البينة، أو خبر الواحد في الموضوعات، فإنها تعم جميع أبواب الفقه لعموم موضوعها فهي تجري في جميع أبواب العبادات و المعاملات.

فالحجية هنا ليست كالحجية في الأدلة الأربعة مما تقع في طريق الاستنباط بل الحجية بنفسها حكم فقهي، لأنها تتعلق بموضوع كذلك، فإذا أخبرت البينة عن طهارة شي‏ء أو رؤية الهلال أو غير ذلك معناها جواز استعمالها في الصلاة أو وجوب الصوم أو الإفطار فهي مشتملة على حكم عام متعلق بإثبات الموضوعات في جميع كتب الفقه.

و الثاني مثل قاعدة أصالة اللزوم في المعاملات أو قاعدة ضمان اليد، فإنها تجري في أبواب المعاملات فقط.

12

و الثالث كقاعدة لا تعاد، أو قاعدة الطهارة أو قاعدة البينة على المدعي و اليمين على من أنكر الجارية في أبواب الصلاة، أو الطهارة أو القضاء لكنها مع ذلك لا تختص بباب خاص من هذه الكتب الثلاث.

فحينئذ تفترق القاعدة الفقهية عن المسائل الأصولية بأن الثاني لا يشتمل على حكم شرعي فرعي تكليفي أو وضعي بل يقع في طريق استنباط الاحكام حينما تشتمل القواعد الفقهية على أحكام كلية عامة إثباتا، أو نفيا (كما في لا حرج و لا ضرر على المشهور).

كما انها تفترق عن المسائل الفقهية في اشتمالها على أحكام جزئية كطهارة ماء البئر، و نجاسة الدم، و جواز عقد المعاطاة، و حرمة الخمر، و غيرها من أشباهها.

و لهذه الخصوصية لا يمكن إعطاء نتيجة القواعد الفقهية بأيدي المقلدين فإنها تفيد الفقيه فقط حينما تكون المسائل الفقهية قابلة لذلك.

و بالجملة القواعد الفقهية تشتمل على أمرين:

1- إثبات حكم شرعي فرعي تكليفي أو وضعي عام (أو نفيه).

2- اطرادها في جميع أبواب الفقه أو أبواب متعددة من كتب مختلفة فقهية أو كتاب واحد مثل القضاء أو الصلاة أو غيرهما.

و من هنا يظهر الوجه فيما ذكرنا من كونها ممتازة عن المسائل الأصولية و الفقهية و انها موضوع علم مستقل.

3- عدم تدوين كتاب خاص بهذا الموضوع‏

هناك كتب كثيرة قيّمة مسماة باسم القواعد مثل «القواعد» للعلامة و «قواعد» الشهيد و غيرهما و لكن من الواضح ان شيئا منها لا يبحث عن القواعد بالمعنى الذي‏

13

عرفت كما يظهر ذلك لمن راجعها في بادئ النظر، بل هي كتب فقهية جيدة كسائر الكتب المتداولة، سميت باسم القواعد، و لكن لا تبحث عنها بل تبحث عن مسائل الفقه الجزئية.

نعم هناك بعض المؤلفات لأصحابنا مثل «العوائد» للنراقي (قدس سره) و «العناوين» للمحقق البارع السيد عبد الفتاح الحسيني المراغي من تلاميذ الشيخ علي بن الشيخ جعفر كاشف الغطاء (قدس سره) تبحث عن غير واحد من القواعد الفقهية و لكنها أيضا غير متمحضة لهذا الأمر.

و لذا لا عجب ان قلنا أول كتاب مؤلف لسرد قواعد الفقه بمعناها المصطلح كتابنا هذا نشر أول مرة في سنة 1382 هجرية قمرية، ثمَّ نشر كتاب آخر بهذا الاسم من بعض أعيان المعاصرين شكر اللّه سعيه و جزاه عن الإسلام خير الجزاء، و ان كان يتفاوت في كثير من ابحاثه لما في هذا الكتاب، و قد بحث عن أمور كان الاولى تركها، و ترك بعض ما كان الواجب ذكره.

و على كل حال هذا العلم مما ينبغي ان يكون محطا لانظار العلماء و مضمارا لأهل التحقيق حتى تخرج عن هذه الغربة المؤسفة و يتسع نطاقه و يتضح جميع جوانبه و نواحيه.

4- محتوى الكتاب‏

كتابنا هذا يشمل على ثلاثين قاعدة فقهية هي أهم القواعد الى يحتاج إليها في الأبحاث الفقهية، لا أقول تنحصر القواعد فيها، بل أقول هي أهمها و أوسعها و اشملها.

و قد ذكرنا تسعا منها في «المجلد الأول» و هي‏

14

قاعدة «لا ضرر»

، و قاعدة «الصحة»،

و قاعدة «لا حرج».

قاعدة «التجاوز و الفراغ»،

قاعدة «اليد» (دلالة اليد على الملك)

و قاعدة «القرعة».

قاعدة «التقية» و موارد حرمتها و وجوبها،

و قاعدة «لا تعاد»

و قاعدة «الميسور»

و واحدة و عشرين في «الجزء الثاني» (و هو هذا المجلد) و هي:

1- قاعدة التسلط (الناس مسلطون على أموالهم)

2- قاعدة حجية البينة

3- قاعدة حجية خبر الواحد في الموضوعات‏

4- قاعدة حجية قول ذي اليد

5- قاعدة الحيازة

6- قاعدة السبق‏

7- قاعدة الإلزام‏

8- قاعدة الجب‏

9- قاعدة الإتلاف‏

10- قاعدة ما يضمن و ما لا يضمن‏

11- قاعدة اليد (على اليد ما أخذت)

12- قاعدة عدم ضمان الأمين‏

13- قاعدة الغرور

15

14- قاعدة الخراج‏

15- قاعدة اللزوم في المعاملات‏

16- قاعدة البينة و اليمين‏

17- قاعدة تلف المبيع قبل قبضه‏

18- قاعدة تبعية العقود للقصود

19- قاعدة التلف في زمن الخيار

20- قاعدة الإقرار و «من ملك»

21- قاعدة الطهارة

و بها تتم ثلاثون قاعدة.

و ختاما نحمد اللّه تعالى على توفيقه الذي لا يتم أمر إلا به، و نسأله أن يجعله ذخرا ليوم المعاد بمنّه و كرمه، يوم لا ينفع مال و لا بنون الا من اتى اللّه بقلب سليم.

كما ان من الواجب علي ان أشكر عدة من الأفاضل الذين وازروني في هذا الأمر و بذلوا جهدهم في المراجعة إلى المنابع الفقهية و الحديث و غيرهما و جمع مدارك هذه القواعد فإنها متفرقة غاية التفرق في كتب الفقه و الحديث و غيرهما.

و هم الفضلاء الكرام:

السيد أبو محمد المرتضوى‏

و السيد مهدي شمس الدين‏

و السيد على الموسوي‏

و الشيخ محمد على الحيدرى‏

و الشيخ رضا بلاغت‏

شكر اللّه سعيهم و جزاهم عن الإسلام خير الجزاء.

16

رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‏

رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا وَ لِإِخْوانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونا بِالْإِيمانِ‏

رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَ هَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً

(و الحمد للّه)

قم- الحوزة العلمية

ناصر مكارم الشيرازي‏

17

1- قاعدة التسلط (الناس مسلطون على أموالهم‏

مدرك القاعدة من كتاب اللّه‏

مدركها من السنة

مدركها من الإجماع‏

دليل العقل و بناء العقلاء

أنحاء الملكية في الإسلام‏

حدود قاعدة التسلط

هل القاعدة مختصة بالأموال أو تشمل «الحقوق» و غيرها أيضا

نسبة هذه القاعدة مع غيرها

نسبة قاعدة التسلط مع الواجبات المالية

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

من القواعد المشهورة بين الفقهاء، قاعدة تسلط الناس على أموالهم، و لا يزالون يستدلون بها في مختلف أبواب المعاملات بالمعنى الخاص، و العام، بل لعله هو المدرك الوحيد في بعض مسائلها، و بيان «محتواها» و «مداركها» و «ما يتفرع عليها» و «ما يستثنى منها» يتم في مقامات.

الأول: في مدرك القاعدة

يمكن الاستدلال عليها بالأدلة الأربعة:

1- كتاب اللّه‏

اما من كتاب اللّه العزيز فبآيات مختلفة، وردت في موارد خاصة، يستفاد من مجموعها ان كل إنسان له سلطة على أمواله الخاصة، لا يجوز لأحد مزاحمته الا من طرق معينة وردت في الشرع، فمما يدل على هذا المعنى قوله تعالى‏ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ‏

20

وَ لا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً (1).

دل على عدم جواز أكل أموال الناس الا من طرق خاصة مشروعة، تبتنى على رضا الطرفين، و جعل حرمته كحرمة قتل الأنفس، و كأنه الى هذا ينظر الحديث المعروف «حرمة مال المسلم كحرمة دمه» (2).

و مثله قوله تعالى‏ وَ آتُوا الْيَتامى‏ أَمْوالَهُمْ وَ لا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَ لا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى‏ أَمْوالِكُمْ إِنَّهُ كانَ حُوباً كَبِيراً (3).

و هو دليل على ان الإنسان لو لم يكن قادرا على حفظ أمواله لا بد أن تحفظ من طريق من يقدر على ذلك، و ان الولي يجب عليه كمال الاحتياط فيه، و الا ارتكب اثما عظيما.

و من الجدير بالذكران التعبير بأموالكم و أموالهم دليل واضح على الملكية الخاصة في هذه الأموال لا ملكية المجتمع كما قد يتوهمه من لا خبرة له بشي‏ء من الاثار الإسلامية و المتون الدينية.

و أيضا قوله تعالى‏ وَ آتُوا النِّساءَ صَدُقاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْ‏ءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً (4).

دلت على انه لا يجوز التصرف في شي‏ء من أموالهم الحاصلة من طريق الصداق، إلا بإذنهن و رضاهن، و أيضا قوله تعالى‏ وَ لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ وَ تُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ‏ (5).

____________

(1) النساء- 29.

(2) مسند احمد ج 1 ص 446.

(3) النساء- 2.

(4) النساء- 4.

(5) البقرة- 188.

21

الى غير ذلك من الايات الكثيرة الواردة في أبواب الإرث و الصداق و الوصية و سائر العقود، و ما دل على مطلوبية الإنفاق في سبيل اللّه، حتى ما دل على حرمة الربا و انه‏ «إِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُسُ أَمْوالِكُمْ» (1) و بالجملة لا يبقى شك لأحد بعد ملاحظة هذه الايات ان كل إنسان مسلط على أمواله التي اكتسبها من طرق مشروعة، و انه لا يجوز مزاحمته فيها، و لا التصرف إلا بإذنه و رضاه، و لو جمعنا هذه الايات مع تفسيرها كان كتابا ضخما.

2- السنة

و اما من السنة فهي روايات كثيرة عامة و خاصة:

1- الرواية المعروفة المشهورة في ألسن الفقهاء، المرسلة عن النبي (صلّى اللَّه عليه و آله) انه قال:

ان الناس مسلطون على أموالهم رواها العلامة المجلسي (قدس سره) في الجلد الثاني من البحار عن غوالي اللئالى‏ (2) و هي و ان كانت مرسلة لكنها مجبورة بعمل الأصحاب قديما و حديثا، و استنادهم إليها في مختلف أبواب الفقه، و سيأتي الإشارة إلى بعضها.

قال في الرياض في مسألة تضرر الجار بتصرف المالك في ملكه ان حديث نفي الضرر المستفيض معارض بمثله من، الحديث الدال على ثبوت السلطنة على الإطلاق لرب الأموال و هو أيضا معمول به بين الفريقين‏ (3) و هناك روايات أخر لا تشتمل على هذا العنوان و لكنه تحتوي معناها و مغزاها.

____________

(1) البقرة- 279.

(2) بحار الأنوار ج 2 ص 273 (من الطبعة الجديدة).

(3) الرياض- كتاب «احياء الموات» ج 3 ص 377.

22

2- ما رواها سماعة قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الرجل يكون له الولد أ يسعه ان يجعل ماله لقرابته؟ قال: هو ماله يصنع به ما شاء الى ان يأتيه الموت‏ (1) 3- رواية أخرى عن سماعة عن ابي بصير عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) مثله، و زاد:

ان لصاحب المال ان يعمل بماله ما شاء، ما دام حيا ان شاء وهبه، و ان شاء تصدق به، و ان شاء تركه الى ان يأتيه الموت‏ (2).

و من الواضح ان ذكر الهبة و الصدقة من باب المثال لما وقع التصريح فيها بان له ان يصنع بماله ما شاء، و ليست السلطة على المال غير هذا.

4- مرسلة إبراهيم ابن ابي سماك عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال: الميت اولى بماله ما دامت فيه الروح‏ (3).

5- و بمعناه رواية أخرى عن «عمار بن موسى» انه سمع أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول صاحب المال أحق بماله ما دام فيه شي‏ء من الروح يضعه حيث يشاء (4).

6- و روى عثمان بن سعيد عن ابى المحامد عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال الإنسان أحق بماله ما دام الروح في بدنه‏ (5).

و هناك روايات أخرى واردة في نفس هذا الباب، و من الواضح ان إطلاق قوله «اولى» و «أحق» يشمل أنواع التصرفات الناقلة و غير الناقلة.

و تقيد روايات الوصية بالثلث كتخصيص هذه الإطلاقات بغير مرض الموت، بناء على كون منجزات المريض من الثلث لا من الأصل، لا يضر بالمقصود، فإن إطلاق‏

____________

(1) الوسائل ج 13 أبواب أحكام الوصايا- الباب 17- الحديث 1.

(2) الوسائل ج 13 أبواب أحكام الوصايا- الباب 17- الحديث 2.

(3) الوسائل ج 13 أبواب أحكام الوصايا- الباب 17- الحديث 3.

(4) الوسائل ج 13 أبواب أحكام الوصايا- الباب 17- الحديث 4.

(5) الوسائل ج 13 أبواب أحكام الوصايا- الباب 17- الحديث 8.

23

السلطنة على المال كسائر الإطلاقات يقبل التقييد مهما ورد دليل عليه.

اما الروايات الخاصة فهي كثيرة جدا لا يمكن استقصاء جميعها، بل و لا نحتاج الى الاستقصاء بعد ما عرفت.

3- الإجماع‏

و اما الإجماع فهو ظاهر كلمات القوم حيث أرسلوها إرسال المسلمات، و استدلوا بقاعدة التسلط في أبواب مختلفة نشير إلى جملة منها.

1- قال في «الخلاف» في كتاب البيوع في مسئلة 290 في بحث إقراض الجواري: «دليلنا ان الأصل الإباحة و الحظر يحتاج الى دليل. و أيضا روي عن النبي (صلّى اللَّه عليه و آله) انه قال: الناس مسلطون علي أموالهم، و قال لا يحل مال امرئ مسلم الا بطيب نفس منه» (1).

و منه يظهر ان حديث عدم جواز التصرف في مال كل إنسان إلا بطيب نفسه يتحد معنا مع حديث التسلط.

2- قال في «السرائر في باب حريم البئر: و ان أراد الإنسان ان يحفر في ملكه أو داره بئرا، و أراد جاره ان يحفر لنفسه بئرا بقرب تلك البئر لم يمنع منه بلا خلاف في جمع ذلك و ان كان ينقص بذلك ماء البئر الأولى لأن الناس مسلطون على أملاكهم‏ (2).

و قال في «جامع المقاصد» في أبواب الاحتكار في شرح قول العلامة (قدس سره)): «و يجبر على البيع لا التسعير» ما نصه: «اى هذا أصح لأن الناس مسلطون على أموالهم الا ان يجحف في طلب الثمن أو يمتنع من تعيينه» (3).

____________

(1) الخلاف ج 2 ص 278.

(2) «السرائر» كتاب المتاجر باب بيع الماء و حريم الحقوق 249.

(3) جامع المقاصد ج 1 ص 207.

24

و قال في «جامع المقاصد» أيضا: في جواز التفريق بين الطفل و امه في المملوكة ما نصه: «يجوز التفريق بعد سنتين في الذكر، و بعد سبع في الأنثى (في الحرة) على المشهور بين المتأخرين فليجز ذلك في الأمة لأن حقه لا يزيد على الحرة، و لان الناس مسلطون على أموالهم‏ (1).

و قال هو أيضا في مسألة وطي الأمة من جانب المشتري، في مدة الخيار المشترك أو المختص بالبائع، انه ليس له ذلك على اشكال، ثمَّ ذكر ان منشأ الاشكال من عموم «الناس مسلطون على أموالهم» و من «انه ربما أفضى إلى الاستيلاد الموجب لسقوط خيار البائع.

و قال في مفتاح الكرامة، في أبواب الاحتكار بعد نقل كلام القواعد في نفي التسعير: «إجماعا و اخبارا متواترة كما في السرائر و بلا خلاف كما في المبسوط و عندنا كما في التذكرة، للأصل و عموم السلطنة» (2).

و قال في جامع المقاصد أيضا في شرح مسئلة تأجيج النار و إرسال الماء في ملكه «انه لما كان الناس مسلطين على أموالهم كان للإنسان الانتفاع بملكه كيف شاء» (3).

و هذا صاحب الجواهر الفقيه المتضلع استدل بهذه القاعدة و أرسله إرسال المسلمات في أبواب البيع، و الرهن، و الصلح، و الشركة، و المزارعة، و المساقاة، و الوديعة، و العارية، و كتاب السبق، و الوصايا، و الغصب، و الأطعمة و الأشربة، و احياء الموات، الى غير ذلك ما لو نقلنا كلها لطال بنا البحث و لكن نذكر شطرا منها:

1- قال في كتاب البيع في جواز الولاية من قبل الجائر إذا كان مكرها ما نصه:

____________

(1) جامع المقاصد ج 1 ص 224.

(2) مفتاح الكرامة ج 4 ص 111.

(3) حكاه الشيخ الأعظم في رسالة نفى الضرر في ملحقات المكاسب ص 375.

25

«لا بأس بجواز تحمل الضرر المالي في رفع الإكراه، و لعموم تسليط الناس على أموالهم» (1).

2- و قال في مبحث الاحتكار: «المسئلة الثانية الاحتكار مكروه، و قيل حرام، و الأول أشبه بأصول المذهب و قواعده التي منها الأصول و قاعدة تسلط الناس على أموالهم» (2).

و كلامه شاهد على ان القاعدة من القواعد المسلمة في مذهبنا.

3- و قال: في حكم التفرقة بين الأطفال و أمهاتهم قبل استغنائهم منهن بعد نقل كلام الشرائع انه محرمة و قيل مكروهة، و هو الأظهر ما نصه: جمعا بين ما دل على الجواز من الأصل و عموم تسلط الناس على أموالهم‏ (3).

و قال في الشرائع في كتاب الرهن لو غصبه ثمَّ رهنه صح و لم يزل الضمان.

و لو أسقط عنه الضمان صح و زاد في الجواهر و دعوى عدم صحة إسقاط مثل ذلك يدفعها عموم تسلط الناس على حقوقهم و أموالهم‏ (4).

و اضافة الحقوق في كلامه هنا من باب إلغاء الخصوصية عن الأموال و الا فالظاهر انه لم يرد هذا العنوان في النصوص.

و استدل به أيضا في أبواب الصلح في مسئلة صلح الشريكين عند ارادة الفسخ على ان يأخذ أحدهما رأس ماله و الأخر الباقي، ربح أو توى، جاز. و لعل عموم تسلط الناس على أموالهم يقتضيه‏ (5).

و استدل به أيضا في جواز الاعتماد على القرعة في القسمة في كتاب الشركة

____________

(1) الجواهر ج 22 ص 168.

(2) الجواهر ج 22 ص 478.

(3) الجواهر ج 24 ص 220.

(4) الجواهر ج 25 ص 228.

(5) الجواهر ج 26 ص 221.

26

و قال: انما الكلام في اعتبارها في القسمة كما عن ظاهر كثير أو الجميع نعم عن الأردبيلي الاكتفاء بالرضاء من الشركاء. لعموم الناس مسلطون عن أموالهم‏ (1).

و اعتمد عليه في أبواب المزارعة و المساقاة قال: في المسئلة الرابعة في جواز شركة غير المزارع (بالفتح) معه و عدم توقفه على اذن المالك بعد التمسك بعدم الخلاف بانتقال المنفعة إليه بعقد المزارعة و الناس مسلطون على أموالهم‏ (2).

و استند اليه في كتاب السبق أيضا (3).

و استدل به أيضا في كتاب الوصية إذا اوصى بالثلث‏ (4).

و قال: في كتاب الغصب بعد قول الشرائع «و لو أرسل في ملكه ماء فأغرق مال غيره أو أجج نارا فيه فأحرق لم يضمن ما لم يتجاوز قدر حاجته اختيارا».

بلا خلاف أجده فيه. للأصل بعد عدم التفريط و عموم تسلط الناس على أموالهم‏ (5).

و استدلاله هنا بقاعدة التسلط دليل على عمومها عنده، حتى إذا أوجب الضرر على غيره، ما لم يتجاوز عن حده و عن قدر حاجته.

و قال في كتاب الأطعمة و الأشربة في مسئلة الاضطرار إلى أكل الميتة و ان كان هناك من له مال حلال و لكن لا يبذله ما لفظه: «نعم يتجه ذلك (جواز أكل الميتة) إذا لم يبذل، لعموم الناس مسلطون على أموالهم، من غير فرق بين كونه قويا أو ضعيفا (6).

و هذا دليل ان عموم السلطة على المال يشمل حتى فرض الاضطرار من بعض الجهات و هو دليل على قوة العموم فيها عندهم.

____________

(1) الجواهر ج 26 ص 310.

(2) الجواهر ج 27 ص 141.

(3) الجواهر ج 28 ص 237.

(4) الجواهر ج 28 ص 314.

(5) الجواهر ج 37 ص 59.

(6) الجواهر ج 36 ص 439.

27

و استدل به في كتاب احياء الموات أيضا (1).

و قال في ذلك الكتاب أيضا: فيما إذا تصرف الإنسان في داره بما يوجب تضرر الجار تضررا فاحشا بعد الحكم بمنعه استنادا الى حديث نفي الضرر و الضرار المعمول به بين الخاصة و العامة المستفيض بينهم ما نصه:

«و قد يناقش بان حديث نفي الضرر المستفيض معارض بمثله من الحديث الدال على ثبوت السلطنة على الإطلاق لرب المال، و هو أيضا معمول به بين الفريقين و التعارض بينهما تعارض العموم من وجه و الترجيح للثاني بعمل الأصحاب» (2).

أقول: كلامه هنا دليل واضح ان هذا الحديث المرسل بلغ من ناحية عمل الأصحاب بحد من القوة بحيث يعارض «حديث لا ضرر» المستفيض المروي من طرق الفريقين بإسناد شتى.

و هذا شيخنا الأعظم العلامة الأنصاري استدل به في كثير من المسائل الفقهية في مكاسبه و أرسله إرسال المسلمات بحيث لا يشوبه شائبة و إليك نماذج منها.

منها في مسألة:

1- قال في بحث قبول الولاية من قبل الجائر مع وجود الضرر المالي في تركه مما لا يضر بالحال ان تركه رخصة لا عزيمة فيجوز تحمل الضرر لان الناس مسلطون على أموالهم‏ (3).

2- و قال في مبحث المعاطاة ردا لمن استدل بقاعدة الناس مسلطون على أموالهم على ان المعاطاة توجب الملك: «اما قوله الناس مسلطون على أموالهم فلا

____________

(1) الجواهر ج 38 ص 123.

(2) الجواهر ج 38 ص 50.

(3) المكاسب المحرمة ص 59.

28

دلالة فيه على المدعى لان عمومه باعتبار أنواع السلطنة، فهو انما يجدي فيما إذا شك في ان هذا النوع من السلطنة ثابتة للمالك و ماضية شرعا في حقه أم لا» (1).

و ظاهر كلامه هذا مفروغية القاعدة بين الجميع، و بحيث لا يتطرق إليه إشكال، و لو كان هناك إيراد، فإنما هو تطبيقها على بعض الموارد التي يشك فيها.

3- و قال ان الاستدلال على أصالة اللزوم في كل عقد شك في لزومه: «و يدل على اللزوم مضافا الى ما ذكر عموم قولهم الناس مسلطون على أموالهم» (2).

4- و قال في رسالته في قاعدة نفى الضرر المطبوعة في ملحقات مكاسبه و ينبغي التنبيه على أمور: الأول ان دليل هذه القاعدة حاكم على عموم أدلة إثبات الأحكام الشامل لصورة التضرر بموافقتها- الى ان قال: خلافا لما يظهر من بعض من عدهما من المتعارضين حيث انه ذكر في مسئلة تصرف الإنسان في ملكه مع تضرر جاره ان عموم نفي الضرر معارض بعموم الناس مسلطون على أموالهم.

ثمَّ أورد عليه بحكومة قاعدة نفى الضرر على قاعدة التسلط، و استدل على الحكومة بجريان سيرة الفقهاء في مقامات مختلفة عليه منها استدلالهم على ثبوت خيار الغبن و بعض الخيارات الأخر بقاعدة نفى الضرر مع وجود عموم الناس مسلطون على أموالهم‏ (3).

و يظهر من كلامه هذا تسالم القوم على هذه القاعدة في محلها و ان قدموا قاعدة نفى الضرر عليها لحكومتها.

5- و استدل أيضا بها في طيات مكاسبه في أبواب «ضمان المثلي و القيمي» و «مسقطات خيار المجلس» و «احكام الخيار» و غيرها مما يطول المقام بذكرها

____________

(1) المكاسب- البيع ص 83.

(2) المكاسب- البيع ص 85.

(3) ملحقات المكاسب ص 373.

29

جميعا.

فتحصل من جميع ما ذكرنا انه لا ينبغي التأمل في كون القاعدة مجمعا عليها بين فقهاء الفريقين، لاستنادهم إليها في كثير من المباحث المتخلفة، إرسالا له إرسال المسلمات من غير رد و لا إنكار، و ما أوردناه هنا من أقوالهم شطر من كلماتهم المشتملة على الحديث بعنوانه، و الا فما ذكروه بغير هذا العنوان مما يعطى معناه أكثر و أظهر.

4- دليل العقل و بناء العقلاء

هذه القاعدة قاعدة عقلائية قبل ان تكون شرعية، و لم يزل بناء العقلاء عليها من قديم الزمان الى عصرنا هذا، و لا فرق فيها بين أرباب الملل الإلهية و غيرهم، حتى ان من أنكرها بلفظه لا ينكرها في عمله، و ان الذين ادعوا إلغائها بالمرة في كتبهم و في مدارسهم لم يوفقوا له في العمل، و كلهم يرون أن للإنسان التصرف في ملكه بما يراه، الا ما منعه الشرع أو نهى عنه القوانين المعتبرة عندهم، و لا يشك في هذا احد منهم، و من أنكره فإنما ينكره باللسان‏ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ‏.

بل يمكن ان يقال انها من القواعد الفطرية قبل ان تكون عقلائية فإن ما عند العقلاء من القوانين لها أصولا و جذورا في أعماق فطرياتهم ما لم ينحرف عنها بأمور قسرية.

كما ان احكام الشرع أيضا تنطبق على الفطريات، فيطابق «التشريع» «التكوين»، و لا بد ان يتطابق، لان كل واحد منهما من صنع اللّه، و لا يضار صنعه صنعه، و ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت.

30

و ان شئت اختر حال من لم تشب فطرته بأي شائبة، أو تقاليد اجتماعية، من الصبيان غير العارفين بما عند آبائهم و أمهاتهم من الاحكام و القوانين، فان كلا منهم إذا ظفر بشي‏ء، و رآه ماله، احتفظ به، ورد كل من يزاحمه في ما كسبه، و يرى لنفسه التسلط عليه بجميع أنواع التسلط، الا ان يمنعه مانع من فطرته أو من الخارج.

بل قد يقال ان هذه الفطرة و السائقة النفسية لا تنحصر بالإنسان، بل تشترك فيها أنواع الحيوان، فهي تعتبر المالكية لأنفسها فيما كسبت، و تسيطر عليها، و لا يرى لغيره حقا في المزاحمة، تدافع عن وكرها، و عشها، و طعمتها، و غيرها مما يتعلق بها كما يدافع الإنسان عن أمواله، بل قد يكون عندها ما يشبه الملكية التعاونية عندنا كما في النمل و النحل و غيرهما من أشباههما فهي تدافع جميعا عما تتعلق بشركائها ضد الأجانب، و ترى لنفسها السلطة على ما تزودها.

فاذا يكون حكم الشرع في هذه القاعدة من قبل إمضاء ما عند العقلاء، لا تأسيس قاعدة حديثة جديدة، مما ليس عندهم، كما هو كذلك في أكثر ما عند الشرع في أبواب المعاملات أو في جميعها، و ان ورد فيها شرائط خاصة، و قيود مختلفة لهذا الإمضاء، دفعا لهم عن مفاسد كثيرة لا يعلمونها، و لا يهتدى إليها عقولهم، أو ما يعلمونه و لا يعتنون به اتباعا لا هوائهم و غفلة عما فيه صلاحهم و فسادهم.

فاذا لا يبقى شك في عموم هذه القاعدة لجميع الأموال، و جميع الناس، و ان كان هذا العموم مشروطا بشرائط و قيود كثيرة و استثنائات مختلفه، و لا ينافي ذلك وجود المالكية العامة في الشرع بالنسبة إلى أموال أخر.

و لا بأس بالإشارة هنا الى نبذ مما يدل على مالكية كل إنسان لما كسبه، من طرق مشروعة، و نفوذ تصرفاته فيه، و عدم جواز مزاحمته بغير إذنه، التي تدل بالدلالة الالتزامية البيّنة على ثبوت قاعدة التسلط و مضيها.

و مما يجب ذكره قبلا انه قلما يوجد في لسان أدلة الشرع تعرض صريح لأصل‏

31

هذا الموضوع- اى جواز المالكية الفردية- بل ذكر فيها أحكامها بعد الفراغ عن ثبوتها، و لو لا وسوسة بعض من لا خبرة له بأحكام الشرع و العقل، ممن خدعتهم الأفكار المادية الالحادية لكنا في غنى عن مثل هذه الأمور، مما هو من الوضوح بمكان لا يرتاب فيه ذو فضل.

و اما الروايات الدالة على هذا المعنى‏

فهي أكثر من أن تحصى نشير الى بعض ما هو أوضح و أظهر:

1- ورد عن رسول اللّه (صلّى اللَّه عليه و آله) ان حرمة مال المسلم كحرمة دمه‏ (1).

2- و انه لا يحل مال امرء مسلم الا بطيب نفسه‏ (2).

بلغ احترام أموال المسلمين الى حد يعادل دمائهم، و من الواضح انه لا يعادل في الشريعة الإسلامية دم المسلم شي‏ء، إلا ما يكون مهما جدا.

3- و قال الصادق (عليه السلام): من أكل مال أخيه ظلما، و لم يرد عليه، أكل جذوة من النار يوم القيامة (3).

4- و في غير واحد من الروايات ان الدفاع لحفظ الأموال جائز و ان بلغ ما بلغ، و انه يجوز دفع المهاجم، و ان دمه هدر، و ان من قتل دون ماله فهو شهيد.

قال رسول اللّه (صلّى اللَّه عليه و آله) من قاتل دون ماله فقتل فهو شهيد (4).

و عنه (صلّى اللَّه عليه و آله) في حديث آخر من قتل دون ماله فهو بمنزلة الشهيد (5).

و قال الباقر (عليه السلام) لمن سأله ان اللص يدخل على بيتي يريد على نفسي و مالي:

____________

(1) مستدرك الوسائل ج 3 ص 145.

(2) مستدرك الوسائل ج 3 ص 146.

(3) الوسائل ج 11 ص 342 أبواب جهاد النفس الباب 78.

(4) النسائي ج 7 ص 115.

(5) الوسائل ج 11 ص 93.

32

اقتله فاشهد اللّه و من سمع ان دمه في عنقي! (1) و قال أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا دخل عليك اللص المحارب فاقتله فما أصابك فدمه في عنقي‏ (2).

5- و هناك روايات كثيرة دالة على كون اليد دليلا لملكية الإنسان على ما في يده، بل يجوز الشهادة على الملكية بمجرد كون شي‏ء في يد إنسان.

فقد قال الصادق (عليه السلام) فيما رواه حفص بن غياث عنه: قال قال له رجل إذا رأيت شيئا في يدي رجل يجوز لي ان اشهد انه له؟ قال نعم، قال الرجل: أشهد انه في يده، و لا أشهد انه له، فلعله لغيره، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام) أ فيحل الشراء منه؟

قال نعم، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): فلعله لغيره، فمن اين جاز لك ان تشتريه، و يصير ملكا لك، ثمَّ تقول بعد الملك هو لي، و تحلف عليه، و لا يجوز ان تنسبه الى من صار ملكه من قبله إليك؟

ثمَّ قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق‏ (3).

هذا قليل من كثير مما ورد في هذا الباب، و ما يدل عليه بالالتزام هو أكثر و أوفر، و قد ضمت أبواب التجارات و الأوقاف و الهبات و المهور و النفقات و الإرث و الضمانات و الديات و القضاء و الإجارات و غيرها ما لا يحصى في هذا المعنى.

أنحاء الملكية في الإسلام:

و مما ينبغي ان يذكر انه لا تنحصر الملكية في التشريع الإسلامي بالملكية الفردية، بل المعروف انها على أنحاء ثلاثة:

1- الملكية الفردية.

____________

(1) الوسائل ج 11 ص 92 (أبواب جهاد العدو الباب 46).

(2) الوسائل ج 11 ص 92 (أبواب جهاد العدو الباب 46).

(3) الوسائل ج 18 أبواب كيفية الحكم ص 215.

33

2- الملكية للمسلمين جميعا.

3- ملك الحكومة الإسلامية.

و لكن في الواقع لها شقوق أخر تنقسم هذه الأقسام إليها ربما تبلغ ستة أنحاء.

فإن الملكية الشخصية قد تكون على نحو المشاع، و هو اشتراك جماعة في ملك على سهام متساوية، أو مختلفة، و لهذا النوع من الملكية أحكام خاصة مذكورة في أبواب البيع، و الإجارة، و الشركة، و المضاربة، و المزارعة، و غيرها. أضف الى ذلك الوقف الخاص، فإنه أيضا قسم آخر من الملكية المشتركة، و لكن ليس كالمشاع و له أيضا أحكام خاصة مذكورة في أبواب الوقف.

و هنا نوع آخر من الملكية في الموقوفات العامة كالمساجد و القناطر الموقوفة و الخانات و شبهها، فعلى القول بأنها من قبيل فك الملك، و انها خارجة عن ملك كل احد حتى المسلمين جميعا فهي خارجة عن المقسم في هذا البحث.

و لكن ذكرنا في محله ان هذا القول و ان اشتهر في ألسنة المعاصرين و لكنها لا تساعده الأدلة فإنه لا شك انه إذا خربت بعض ابنية المسجد و بقي منها أخشاب و أبواب و أحجار، لا تنفع في تعميره و تجديد بنائه، و ليس هنا مسجد آخر يستفاد منها فيه، انه يجوز بيعها و صرف ثمنها في تعميره و تجديد بنائه، و لو كان من قبيل فك الملك لم يصح هذا فإنه لا بيع إلا في ملك.

و الفرق بين ارض المسجد و بناؤها بعيد عن الصواب لعدم الدليل عليه.

فلا مناص عن قبول كونه ملكا اما لجميع المسلمين، و لكن لا كالأراضي المفتوح عنوة، فإن لها أحكاما خاصة لا ترتبط الا بها.

أو يقال ان المساجد و أشباهها ملك تشريعي للّه و ان كان هو مالك الملوك و له ملك السموات و الأرض، لكنها مالكية تكوينية ناشئة عن خلقها و تدبيرها و فقرها اليه تعالى، فله جل شأنه ملك تشريعي و ان كان هو مالك تشريعا أيضا لجميع الاملاك لكنها ملك طولي فوق ملك العباد.

34

و لهذا البحث صلة يذكر في مقامه ان شاء اللّه، و المقصود من جميع ذلك تشعّب أنواع الملكية و اختلاف أحكامها.

و لكن قاعدة التسلط لا تختص بالملكية الشخصية الفردية، بل الظاهر انها تشمل كل ملك طلق، فاذا كان هناك ملك مشاع فلا ربابه جميعا السلطة عليها بما لا يزاحم حق كل واحد منهم للآخر.

و هذا المعنى اما داخل في عموم هذه القاعدة بعينها أو لا أقل من دخوله في ملاكها و مناطها للعلم بعدم الخصوصية.

«تنبيهات»

و هنا أمور ينبغي التنبيه عليها:

1- حدود قاعدة التسلط

قد ثبت من جميع ما ذكرنا ان لكل إنسان سلطة على أمواله، يفعل فيها ما يشاء و يقلبها كيف يريد، و لكن هذا المعنى لا ينافي تحديدها بحدود خاصة و قيود مختلفة بل لا ينافي استثنائات كثيرة واردة عليها من طريق بناء العقلاء، و طبقا لأحكام الشرع.

نعم حددها الكتاب و السنة من حيث متعلقها تارة، و من ناحية طرق كسبها اخرى، و كيفية مصرفها ثالثة، و الحقوق التي تتعلق بها رابعة، و غير ذلك.

اما من ناحية المتعلق فقد حرم الشرع كل ما فيه وجه من وجوه الفساد، مثل الميتة و الدم و لحم الخنزير و لحوم السباع و الخمر و كل شي‏ء من وجوه النجس و كل منهي عنه مما يتقرب به لغير اللّه عز و جل، كالأصنام و كل بيع ملهو به كآلات القمار و آلات اللهو و كل ما يقوي به الكفر و الشرك مثل كتب الضلال و ما أشبه ذلك، الى غير ذلك مما ورد في رواية تحف العقول المشهورة.

35

فإن شيئا من هذه لا يدخل في ملك احد، و لا يصح بيعه و لا شرائه.

كما انه لا يجوز تحصيل ما يباح ملكه من طريق معاونة الظلمة، و أخذ الرشوة و الغش و الخيانة، و السحر و الشعبدة، و القمار، و تعليم ما يحرم تعليمه، و الفحشاء و اللعب بآلات اللهو و غير ذلك مما يحرم فعله فان اللّه إذا حرم شيئا حرم ثمنه.

اما من ناحية طرق اكتسابها، فلا شك انها مقيدة بقيود شتى كأن يكون تجارة عن تراض من دون اكراه و لا إجبار، و صدور العقد عن البالغ العاقل المتمكن شرعا من التصرف في أمواله، و كون البيع غير غرري و لا ربوي، و غير ذلك من شروط البيع و الشراء و الهبة و المزارعة و غيرها، بل و كذا بالنسبة إلى الحيازة و الاحياء و أمثالهما مما ورد من طيّات أبواب الفقه.

و كذا عدم كون التسلط على المال موجبا للضرر على المسلمين كما سيأتي الإشارة إليه عن قريب ان شاء اللّه.

و اما من ناحية المصرف فهو أيضا ليس مطلقا، بل لا بد ان لا يكون فيه إسراف و لا تبذير و لا ان يصرف في وجوه المعاصي و طرق الفساد، و لا الإضرار بالغير، و لا بالنفس إجمالا.

و الحاصل ان كون الإنسان مسلطا على أمواله يتقلب فيه كيف يشاء لا ينافي تقييده بقيود مختلفة من شتى الجهات، بل احكام أبواب المعاملات على سعتها انما شرعت لبيان تلك القيود.

كما ان هذا العموم لا ينافي تعلق حقوق الفقراء و غيرهم بها على حسب ما ورد في أبواب الزكاة و الخمس و غيرهما، و لكن مع ذلك كلّه هي قاعدة عامّة تؤخذ بها ما لم يرد دليل على تخصيصه و تقييده، و هي حجة في جميع أبواب المعاملات فيما لا يوجد هناك دليل خاص يخالفه.

36

2- هل القاعدة مختصة بالأموال أو تشمل «الحقوق» و غيرها

قد عرفت ان ما ورد في الاخبار هو عنوان «الأموال» فقط، و ان الناس مسلطون على أموالهم، و لكن قد يضاف اليه «و على حقوقهم» و لكن لم نجد به رواية عدا ما أشار إليه في الجواهر في كتاب الرهن عند الاستدلال على جواز إسقاط الضمان في الرهن بقوله «و دعوى عدم صحة إسقاط مثل ذلك يدفعها عموم تسلط الناس على حقوقهم و أموالهم» (1) و قد عرفت انه لم ينقل هذا العنوان في سائر أبواب الفقه، و كأنه أخذه من بناء العقلاء و قبولهم سلطنة كل ذي حق على حقوقه، بعد عدم ردع الشارع عنه.

أو أنه تمسك في ذلك بقياس الأولوية، فإن الإنسان إذا كان مسلطا على أمواله كان مسلطا على حقوقه بطريق اولى.

و اما تسلط الناس «على أنفسهم» فلم يرد في نصوص الباب، و لا كلمات الأصحاب، في شي‏ء من أبواب الفقه فيما تصفّحناه.

فان كان المراد تسلط الإنسان على نفسه في أبواب الإجارات، فيجوز له ان تكون أجيرا على كل أمر مشروع بأي أجرة أرادها و أمثال ذلك، فلا شك في ثبوت هذه السلطنة له، بل يمكن ان يقال انه من قبيل الأموال لأن أفعال الإنسان الحر و ان لم يكن أموالا بالفعل و لكنها أموال بالقوة، فتأمل.

و ان أبيت عن ذلك فعمدة ما يدل على تسلط الإنسان على أمواله من بناء العقلاء يدل على تسلطه على نفسه من هذه الناحية.

و كذلك بالنسبة إلى عقد النكاح و أشباهه فإنه مسلط على نفسه من هذه الناحية في كل أمر مشروع و جميع ما يدل على اشتراط الاختيار و عدم الإكراه و الإجبار

____________

(1) الجواهر ج 25 كتاب الرهن ص 228.

37

في أبواب النكاح و شبهها تدل على عموم هذه السلطنة. فتسلط الناس على أنفسهم من هذه الجهات ممّا لا يرتاب فيه.

و كذلك بالنسبة إلى إرادته في طريق طاعة اللّه و فعل ما يجوز له فعله بحسب حكم الشرع بل قد يعبّر عن هذه السلطة بالملكية كما ورد في قوله تعالى حكاية عن موسى عند عصيان بني إسرائيل و خروجهم عن امره‏ «قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَ أَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنا وَ بَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ» (1).

و ان كان المراد تسلط الإنسان على نفسه بان يقتل نفسه من دون اي مبرّر أو إلقاؤها في التهلكة في غير ما هو أهم منه بل إيراد نقص على أعضائه و ضرر عظيم على جسمه أو عقله فإن شيئا من ذلك غير جائز و هذا النوع من التسلط لم يثبت لأحد على نفسه.

و لكن قد عرفت انّه لم يثبت مثل هذا في باب الأموال أيضا فلا يجوز لأحد إتلاف ماله بغير مبرر و لا إحراقه و لا إفساده فلو كان هناك دليل على عموم التسلط على الأنفس كان قابلا للتخصيص بمثل هذه الأمور كما هو كذلك في باب الأموال و الحقوق.

و الحاصل ان تسلط الناس على أنفسهم- بهذا العنوان- لم يرد في آية و لا رواية و لكن مفادها و مغزاها ثابتة بحسب بناء العقلاء فيما عرفت توضيحه.

3- نسبة هذه القاعدة مع غيرها

و أول ما نتكلم فيه هنا نسبتها مع قاعدة لا ضرر و الا فقد عرفت ان عموم قاعدة التسلط مخصصة بكل ما ورد في أبواب المعاملات من الشرائط و القيود و كذلك كل ما ورد في أبواب المحرمات من تحريم بعض التصرفات في الأموال من الإسراف و التبذير و إنفاقها في طرق الحرام و الفساد.

____________

(1) مائدة: 25.

38

و في نسبته مع قاعدة لا ضرر خلاف بينهم فيظهر من بعض المحققين كونهما من قبيل متعارضين.

قال المحقق السبزواري (قدس سره) صاحب الكفاية في مسألة جواز تصرف المالك في ملكه و ان تضرر الجار، بعد الاعتراف بأنه معروف بين الأصحاب، ما هذا نصه: و يشكل جواز ذلك في ما إذا تضرر الجار تضررا فاحشا كما إذا حفر في ملكه بالوعة فعد بها بئر الغير أو جعل حانوتة في صف العطارين حانوت حداد، أو جعل داره مدبغة أو مطبخة (انتهى).

و ان اعترض عليه في الرياض بما حاصله انه لا معنى للتأمل بعد إطباق الأصحاب عليه نقلا و تحصيلا، و الخبر المعمول عليه بل المتواتر من «ان الناس مسلطون على أموالهم»، و اخبار الإضرار على ضعف بعضها و عدم تكافؤها تلك الأدلة محمولة على ما ذا لم يكن غرض إلا الإضرار، بل فيها كخبر سمرة إيماء الى ذلك، سلمنا لكن التعارض بين الخبرين بالعموم من وجه، و الترجيح للمشهور، للأصل و الإجماع‏ (1).

و ظاهر كلام الرياض و غيره معلومية تقديم قاعدة التسلط على قاعدة لا ضرر، اما من جهة حكومتها عليها، أو من جهة كونهما متعارضين بالعموم من وجه و تقديمها عليها بحكم الأصحاب.

و الانصاف انه ليس قاعدة التسلّط حاكما على لا ضرر، بل و لا مقدما عليه عند التعارض، بل و لا من قبيل المتعارضين بل الحق هنا قول ثالث و هو القول بالتفصيل في المسألة.

توضيحه: ان الضرر الحاصل من عموم تسلط الناس على أموالهم على أنحاء:

1- إذا لزم من ترك التصرف المالك في ملكه ضرر عليه يعتد به.

2- إذا لم يلزم من تركه التصرف ضرر و لكن يفوت بعض منافعه.

____________

(1) الرياض كتاب احياء الموات ج 2 ص 377.

39

3- إذا لم يلزم شي‏ء منهما و لكن بدا له التصرف عبثا، أو لبعض المنافع الجزئية التي لا يعتد بها.

4- إذا كان قصده من ذلك التصرف الإضرار بالغير فقط من دون ان ينتفع به.

لا ينبغي الإشكال في عدم جواز الأخير فإنه القدر المتيقن من عموم لا ضرر، بل الظاهر ان مورد رواية سمرة هو بعينه هذه الصورة كما أشرنا إليه في بيان قاعدة لا ضرر.

و اما الصور الثلاثة الأخرى فظاهر المحكى عن المشهور الحكم بالجواز فيها مطلقا، بل ادعى الإجماع عليه في الصورة الاولى.

و لكن صريح بعضهم كالمحقق، و ظاهر اخرين كالعلامة في التذكرة و الشهيد في الدروس (رضوان اللّه عليهم)استثناء الصورة الأخيرة حيث قيد الأول منهم الجواز بصورة دعاء الحاجة اليه، و الباقي بما جرت به العادة. و من المعلوم انه لم تكن هناك حاجة في الصورة الأخيرة، و لا جرت به العادة، و لعل كلمات غير هؤلاء الاعلام أيضا منصرفة عن هذه الصورة، فيبقى الكلام في الصورتين الأولتين.

و شيخنا العلامة الأنصاري (ره‏) حكم بتقديم جانب المالك فيهما، نظرا الى عموم قاعدة تسلط الناس على أموالهم، و قاعدة نفى الحرج، بعد سقوط لا ضرر من الجانبين.

و الانصاف انّ قاعدة التسلط حيث انها متخذة من بناء العقلاء بإمضاء من الشرع، في حد ذاتها قاصرة عن شمول كل تصرف.

فأيّ عاقل يجوّز للمالك التصرف في ماله بما يوجب ضررا على جاره من دون عود منفعة اليه أو دفع ضرر منه، بل عبثا و تشهيا؟! بل ايّ عاقل يرخّص للمالك ان يجعل داره مدبغة بين دور المسلمين، و حانوتة حداد في صف العطارين بما يوجب فساد أمتعتهم و بضاعتهم، و عدم قدرتهم‏

40

على المكث هناك؟

و من هنا يظهر ان قاعدة التسلط بذاتها قاصرة عن شمول الصورة الرابعة من صور المسألة، حتى مع قطع النظر عن ورود أدلة لا ضرر، فدليل لا ضرر هنا تأكيد أخر على هذا الحكم.

و الوجه في جميع ذلك ان تسلط المالك على ماله ليس إلا كسائر الاعتبارات العقلائيّة، لها حدود و شرائط معلومة، لا يتعدى منها، فانتفاع المالك بماله لا بد ان يكون في هذا المجال فقط.

إذا عرفت هذا يبقى الكلام فيما إذا تعارض ضرر المالك و الجار، فيما لا يخرج تصرف المالك في ملكه عن الحدود العقلائية، و كذلك إذا لزم من ترك تصرفه فوت منفعة منه، من دون ورود ضرر عليه.

فالأول مثل ما إذا رفع جداره على جانب جدار جاره بما يتضرر منه كما إذا أوجب انخفاض قيمة داره، مع انه إذا لم يرفع المالك جداره تضرر من ناحيته، أو فات بعض منافعه.

ففي الصورة الاولى الذي هو من باب تعارض الضررين تتساقط قاعدة لا ضرر من الجانبين، لأنه من باب المنّة على العباد، و لا منّة في إضرار بعض المؤمنين بنفي الضرر عن بعض آخر، و حينئذ يرجع الى قاعدة التسلط.

و اما في الصورة الثانية فتتعارض قاعدة لا ضرر مع قاعدة التسلط، و لكن المرتكز في الأذهان، بل قد عرفت دعوى الشهرة أو الإجماع من الأصحاب، على تقديم قاعدة التسلط، و الظاهر انّه ليس من باب التعبد و وصول روايات خاصة إليهم لم تصل إلينا، بل من ناحية ان منع المالك عن التصرف في ماله إذا ينتفع به منفعة معتدا بها خلاف المنّة، فلا يدخل تحت قاعدة لا ضرر، و إذا سقطت تلك القاعدة لم يبق إلا قاعدة تسلط الناس على أموالهم.

41

هذا كله إذا لم نقل بان منع المالك عن ترك الانتفاع بماله يكون دائما من قبيل الضرر، فان كل مال معد للانتفاع و إذا منع منه كان ضررا فتأمّل.

4- نسبة قاعدة التسلط مع الواجبات المالية

يبقى الكلام في النسبة بين هذه القاعدة و ما دل على وجوب الزكاة و الخمس في أموال الناس و ما دل على ان للميّت حق في ثلث ماله إذا اوصى به، و كذا ما دل على حجر المفلّس بحكم الحاكم و غير ذلك من أشباهها.

لا ينبغي الشك في ورود بعض ما ذكر على قاعدة التسلط، فان ما يدل على تشريك اللّه و رسوله و ذوي الحقوق الأخر في أموال الناس ينفي ملكية المالك بالنسبة الى هذا المقدار، و إذا انتفت الملكية انتفت السلطنة، و قال اللّه تعالى‏ وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى‏ وَ الْيَتامى‏ وَ الْمَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ‏ (1).

و قال‏ فِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَ الْمَحْرُومِ‏ (2) بناء على كونه ناظرا الى الحقوق الواجبة.

و كذا ما دل على ان اللّه عز و جل فرض للفقراء في أموال الأغنياء ما يسعهم، و لو علم ان ذلك لا يسعهم لزادهم.» و «لو ان الناس أدوا حقوقهم لكانوا عائشين بخير» (3).

فان ظاهره ان الزكاة ليست واجبا تكليفيا فقط، بل هو حكم وضعي و حق للفقراء في أموال الأغنياء فقوله تعالى‏ «خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ.» و ان كان ظاهرا في ان المال لهم و لكن كونهم مالكين انما هو بحسب الظاهر و قبل فرض الزكاة، لا أقول‏

____________

(1) الأنفال: 41.

(2) الذاريات: 19.

(3) الوسائل أبواب الزكاة الباب 1 الحديث 2.

42

انهم شركاء على نحو الإشاعة، بل أقول ان لأرباب الزكاة حقا وضعيا فيها، و قد أوضحنا حال هذا الحق و آثاره في أبواب الزكاة، و انه حق لا كسائر الحقوق له أحكام خاصة و اخترنا هذا القول من بين الأقوال الثمانية الموجودة في المسألة في كيفية تعلق حق الفقراء بأموال الأغنياء.

اما إذا لم يكن من هذا القبيل فلا شك ان أدلة تعلق هذه الواجبات المالية حاكمة على قاعدة التسلط لأنها ناظرة إليه، فلا يبقى شك في تخصيصها بها و لو لم تكن النسبة بينهما عموما و خصوصا مطلقا.

الى هنا تمَّ الكلام في «قاعدة التسلط» و يتلوه الكلام ان شاء اللّه في قاعدة «حجية البينة».

9 جمادى الأولى 1404

43

2- قاعدة حجية البينة

تعريفها و معناها لغة و شرعا

أدلة حجية البينة

شرائطها و القيود المعتبرة فيها

الموارد المستثناة من هذه القاعدة

اعتبار كون البينة في الأمور المحسوسة

كون حجية البينة عاما لكل أحد و بالنسبة الى جميع الاثار

نسبة البينة مع غيرها

تعارض البينتين‏

44

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

45

حجية البينة و المراد منها هنا شهادة عدلين، أو ما يقوم مقامها من شهادة المرأة، في جميع الموضوعات، مما يترتب عليه حكم من احكام الشرع، فلا يدور الكلام مدار لفظ «البينة» فلا يهمنا البحث في ان تسمية شهادة العدلين باسم البينة هل هي حقيقة شرعية ثابتة من لدن زمن النبي (صلّى اللَّه عليه و آله) أو بعد ذلك في زمن المعصومين (عليهم السلام) أو في لسان الفقهاء؟

و الحاصل ان المقصود هنا إثبات قاعدة كلية تقوم على حجية شهادة عدلين في جميع أبواب الفقه، سواء في باب القضاء أو غيره من الأبواب و الموضوعات.

و عدها من القواعد الفقهية- لا من المسائل الأصولية و لا المسائل الفقهية- انما هو من هذه الجهة، فإنه لا يبحث هنا عن ما يقع في طريق الاستنباط حتى يكون مسألة أصولية، بل يبحث عن ما يقع في طريق إثبات الموضوعات.

كما انه ليست من المسائل الخاصة في الفقه، لأنه يجري في جميع الأبواب من الطهارة إلى الديات، و على كل حال نتكلم في هذه القاعدة في مقامات:

1- المقام الأول: في تعريف البينة و معناها لغة و شرعا.

2- المقام الثاني: في أدلة حجيتها بعنوان عام من الكتاب و السنة و الإجماع و بناء العقلاء.

46

3- المقام الثالث: شرائطها و القيود المعتبرة فيها.

4- المقام الرابع: الموارد المستثناة من هذه القاعدة التي يلزم فيها أربع شهود و ما يقوم شهادة المرأة مقام شهادة الرجل.

5- المقام الخامس: في اعتبار كون البينة في الأمور المحسوسة.

6- المقام السادس: في كون حجية البينة عاما لكل أحد و بالنسبة الى جميع الاثار.

7- المقام السابع: في نسبة البينة مع غيرها.

8- المقام الثامن: في تعارض البينتين.

المقام الأول في تعريفها و معناها لغة و شرعا

«البينة» مأخوذة من «بان، يبين، بيانا و تبيانا» و هي كما قال «الراغب» في «المفردات» الدلالة الواضحة، عقلية كانت أو محسوسة، و سمي الشاهدان بينة لقوله (صلّى اللَّه عليه و آله) «البينة على المدعى و اليمين على من أنكر» (1).

و قد استعمل في هذا المعنى (الدلالة الواضحة) في عشرات من الايات في القرآن الحكيم.

و قد استعمل بصورة المفرد في تسعة عشر موضعا من كتاب اللّه منها قوله تعالى‏ «قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ»* (2).

و قوله تعالى‏ «لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَ يَحْيى‏ مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ» (3).

____________

(1) المفردات: مادة «بين».

(2) الأعراف: 73، 85.

(3) الأنفال: 42.

47

و بصورة الجمع «البينات» في اثنين و خمسين موضعا، منها قوله تعالى‏ «لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَ أَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَ الْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ» (1) و قوله تعالى‏ «وَ لَقَدْ أَنْزَلْنا إِلَيْكَ آياتٍ بَيِّناتٍ وَ ما يَكْفُرُ بِها إِلَّا الْفاسِقُونَ» (2).

و المراد منها في جميع هذه الايات على كثرتها هو معناها اللغوي أي الأمر البين الواضح، سواء كان من المعجزات الباهرات، أو من الايات القرآنية، و الكلمات الإلهية، التي نزلت على الأنبياء و الرسل.

و استعمل أيضا سائر مشتقاتها من «المبينة» و «المبينات» و «المبين» و «المستبين» و غيرها في آيات كثيرة في هذا المعنى.

و من الجدير بالذكر انه لم يستعمل في شي‏ء من آيات الكتاب على كثرتها هذه الكلمة في معناها المصطلح في الفقه، بل استعمل- كما سيأتي- شهادة العدلين أو الرجلين أو شبه ذلك.

و من هنا وقع الكلام بينهم في ان لها حقيقة شرعية في شهادة العدلين من لدن زمن النبي (صلّى اللَّه عليه و آله) أو لم تثبت له ذلك، و انما ثبت كونها حقيقة في هذا المعنى في زمن الصادقين (عليهما السلام) و من بعدهم من الأئمة (عليهم السلام)، أو لم يثبت شي‏ء من ذلك؟

الظاهر من كلمات القوم ان البينة كانت حقيقة في هذا المعنى من لدن عصره (صلّى اللَّه عليه و آله) و لذا استدلوا بالحديث المشهور منه (صلّى اللَّه عليه و آله) «إنما أقضي بينكم بالبينات و الايمان» على حجية قول العدلين.

قال بعض المحققين: «تبادر هذا المعنى منها في لسان الشرع يرجع الى انصراف المفهوم الكلي الى بعض مصاديقه، و لذلك لم يحتمل احد من الفقهاء من‏

____________

(1) الحديد: 25.

(2) البقرة: 99.

48

قوله (صلّى اللَّه عليه و آله) «البينة على المدعي و اليمين على من أنكر» (1) أو قوله (صلّى اللَّه عليه و آله) «إنما أقضي بينكم بالبينات و الايمان» (2) ان يكون مراده (صلّى اللَّه عليه و آله) غير هذا المعنى.

و لكن يمكن الخدشة فيه بان فهم الفقهاء (رضوان اللّه عليهم)و تبادر هذا المعنى في أذهانهم، يمكن ان يكون مستندا الى ما حدث في الأزمنة المتأخرة، فلا يكون دليلا على كونها حقيقة في هذا المعنى في عصر النبي (صلّى اللَّه عليه و آله) و من بعده.

و قال في «تحقيق الدلائل» بأن اختصاص عنوان البينة في الشريعة عند الإطلاق على ما فوق الواحد، من الواضحات بأدنى رجوع الى كلماتهم و الاخبار، فبسببه بعد اشتهار قوله (صلّى اللَّه عليه و آله) «البينة على المدعى.» جعلت شهادة خزيمة ثابت شهادتين و سمى به حتى اشتهر بذي الشهادتين و به اتفقت الأخبار الحاكية لقضاياهم على شهادة اثنين (انتهى موضع الحاجة) (3).

فإن كان مراده من ذلك كونه حقيقة في هذا المعنى من لدن زمانه (صلّى اللَّه عليه و آله) فما ذكره لا يثبت شيئا من ذلك، و جعل شهادة خزيمة شهادتين من قبيل بيان المصداق و لا يدل على انحصار المفهوم فيه.

و قال النراقي في العوائد ان معناها المصطلح في الاخبار هو الشاهد المتعدد، و يدل عليه توصيفها في رواية منصور عن الصادق (عليه السلام) بالجمع حيث قال «و اقام البينة العدول» (4).

و لذا قال في التنقيح: «و الذي يمكن ان يقال ان لفظ البينة لم تثبت لها حقيقة شرعية و لا متشرعة، و انما استعملت في الكتاب و الاخبار بمعناها اللغوي، و هو ما

____________

(1) المستدرك كتاب القضاء الباب 3 من أبواب أحكام الدعوى.

(2) الوسائل كتاب القضاء الباب 2 من أبواب كيفية الحكم الحديث 1.

(3) تحقيق الدلائل ص 259.

(4) العوائد ص 277.

49

به البيان و ما به يثبت الشي‏ء، و منه قوله تعالى‏ «بِالْبَيِّناتِ وَ الزُّبُرِ»* و قوله تعالى‏ «حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ» و قوله تعالى‏ «إِنْ كُنْتُ عَلى‏ بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي»* و غيرها من الموارد، و من الظاهر انها ليست في تلك الموارد الا بمعنى الحجة و ما به البيان، و كذا في ما ورد عن النبي (صلّى اللَّه عليه و آله) من قوله «إنما أقضي بينكم بالبينات و الايمان» اي بالايمان و الحجج، و ما به يبين الشي‏ء، و لم يثبت في شي‏ء من هذه الموارد ان البينة بمعنى شهادة عدلين و غرضه (صلّى اللَّه عليه و آله) من قوله «إنما أقضي.» على ما نطقت به جملة من الاخبار بيان ان النبي (صلّى اللَّه عليه و آله) و سائر الأئمة (عليهم السلام) سوى خاتم الأوصياء المهدي (عج) لا يعتمدون في المخاصمات و المرافعات على علمهم الوجداني المستند إلى النبوة و الإمامة» (1).

أقول: و لكن مع ذلك كله فهناك قرائن مختلفة واردة في اخبار الباب يمكن ان يستفاد من مجموعها ان البينة كانت حقيقة في هذا المعنى في عصر الأئمة (عليهم السلام) و انتقلت من معناها اللغوي العام الشامل لكل دليل، الى خصوص شهادة العدلين، و إليك نماذج منها:

1- ما ورد في ذيل رواية سعدة بن صدقة الاتية، من قوله «و الأشياء كلها على هذا حتى تستبين لك غير هذا أو تقوم به البينة» (2) فإن جعل الاستبانة في مقابل قيام البينة دليل على ان البينة ليست مطلق الاستبانة و الدليل الظاهر الواضح، بل خصوص شهادة العدلين.

2- و يدل عليه أيضا، في رواية منصور قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): «رجل في يده شاة فجاء رجل فادعاها فأقام البينة العدول انها ولدت عنده. و جاء الذي في يده بالبينة مثلهم عدول أنها ولدت عنده.».

فان توصيف البينة بالعدول مرتين في الرواية دليل على ان المراد منها الشهود

____________

(1) التنقيح ج 1 ص 258.

(2) الوسائل ج 12 أبواب ما يكتسب به الباب 4 الحديث 4.

50

العدول عند إطلاقها، و لذا أطلق عنوان البينة على هذا المعنى من غير تغيير بالعدول في نفس هذه الرواية مرارا، حيث قال الصادق (عليه السلام) في جوابه: «حقها للمدعي و لا اقبل من الذي في يده بينة، لان اللّه عز و جل إنما أمر ان تطلب البينة من المدعي فان كانت له بينة و الا فيمن الذي هو في يده، هكذا أمر اللّه عز و جل» (1).

3- ما ورد في رواية محمد بن عبد اللّه بن جعفر الحميري عن صاحب الزمان (أرواحنا فداه) و فيها قوله في السؤال «أقام به البينة العادلة. و له بذلك كله بينة عادلة» (2).

فإن توصيف البينة بالعادلة قرينة على ان المراد منها خصوص الشهود لا غير.

4- ما ورد في رواية أبي بصير عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) «قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يأتي القوم فيدعى دارا في أيديهم و يقيم البينة، و يقيم الذي في يده الدار البينة أنه ورثها عن أبيه، و لا يدري كيف كان أمرها؟ قال: أكثرهم بينة يستحلف و تدفع إليه» (3).

فإن تقييد البينة بالأكثرية دليل على ان المراد منها خصوص الشهود فتدبر.

5- ما ورد في رواية «عبد اللّه بن سنان» قال سمعت «أبا عبد اللّه» (عليه السلام) يقول أن رجلين اختصما في دابة الى علي (عليه السلام) فزعم كل واحد منهما انها نتجت عنده على مزودة، و اقام كل واحد منهما البينة سواء في العدد.» (4).

فان توصيف البينة بقوله سواء في العدد دليل على ان المراد منها الشهود.

6- و ما ورد في تفسير الامام الحسن بن علي العسكري عن آبائه عن أمير المؤمنين‏

____________

(1) الوسائل ج 18 كتاب القضاء الباب 12 من أبواب كيفية الحكم الحديث 14.

(2) الوسائل ج 18 كتاب القضاء الباب 16 من أبواب كيفية الحكم الحديث 1.

(3) الوسائل ج 18 كتاب القضاء أبواب كيفية الحكم الباب 12 الحديث 1.

(4) الوسائل ج 18 كتاب القضاء أبواب كيفية الحكم الباب 12 الحديث 15.

51

(عليه السلام) قال كان رسول اللّه (صلّى اللَّه عليه و آله): «إذا تخاصم اليه رجلان قال للمدعي أ لك حجة؟ فان أقام بينة يرضاها و يعرفها أنفذ الحكم على المدعى عليه، و ان لم يكن له بينة حلف المدعى عليه باللّه ما لهذا قبله ذلك الذي ادعاه، و لا شي‏ء منه، و إذا جاء بشهود لا يعرفهم بخير و لا شر قال للشهود أين قبائلكما فيصفان.» الحديث‏ (1).

فان توصيف البينة بكونها معروفة عنده (صلّى اللَّه عليه و آله) و يرضاها، دليل على ان المراد منها الشهود، و لذا ذكر في مقابله بعد تلك العبارة قوله «و إذا جاء بشهود لا يعرفهم بخير و لا شر» فبدل البينة بالشهود فهذا دليل على ان المراد بهما واحد، فاذا عرف الشهود و رضيها حكم به و ان لم يعرفهم بعث الى قبائلهما و استخبر حالهما.

و يتحصل من جميع ذلك ان كونها حقيقة في هذا المعنى في زمن الأئمة (عليهم السلام) بحيث يفهم منها عند إطلاقها لا ينبغي إنكاره، و اما كونها كذلك في زمن النبي (صلّى اللَّه عليه و آله) فهو قابل للتأمل، و ان كان بعض ما مر مشعرا بكونه كذلك حتى في عصره (صلّى اللَّه عليه و آله) و اللّه العالم.

المقام الثاني في أدلة حجية البينة

و يدل عليها أمور:

الأول «كتاب اللّه العزيز»

و فيه آيات كثيرة تدل على حجية قول العدلين من غير التصريح بعنوان البينة.

منها ما ورد في سورة المائدة في أحكام الوصية «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ» (2)

____________

(1) الوسائل ج 18 كتاب القضاء أبواب كيفية الحكم الباب 6 الحديث 1.

(2) المائدة: 105.

52

و دلالتها على حجية قول العدلين واضحة، و ان لم يكن موردها خصوص الشهادة بل يحتمل كونهما مع ذلك وصيين عن الميت، فاذا قبلت قولهما في الشهادة و الوصاية فقبوله في الشهادة المجردة عن الوصاية بطريق اولى.

و اما قوله تعالى‏ «أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ» فالمراد منه على الظاهر شاهدان آخران ثقتان من غير المسلمين إذا لم يوجد من المسلمين، و لا شك انه مختص بحال الضرورة، و الا فالأيمان شرط بلا اشكال.

و احتمل بعضهم ان يكون المراد من قوله‏ «مِنْكُمْ» من أقاربكم و «غَيْرِكُمْ» اي من الأجانب‏ (1).

و قد يقال ان قوله‏ «أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ» منسوخ و لكن المشهور بين الأصحاب بقائه و عدم نسخه، و تخصيصه بشهادة أهل الذمة مع تعذر شهادة المسلمين في الوصية.

و اما القيود الأخر الواردة في هذه الآية من قوله‏ «تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ.» سواء كانت واجبة أو مستحبة فهي مختصة بموردها، و ما يلحق بها، و لا ينافي ما نحن بصدده.

و منها قوله تعالى في حكم كفارة قتل الصيد في حال الإحرام‏ «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ وَ مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ» (2).

دل على وجوب كون الكفارة مماثلا للحيوان الذي اصطاده، و حيث ان المماثلة قد تخفى و تكون موردا للشك وجب ان تكون بحكم ذوي عدل، اي خبرتين عدلين.

____________

(1) حكاه في «كنز العرفان» عن بعض من لم يسمه (ج 2 ص 97 كتاب الوصية).

(2) المائدة: 95.

53

و هل المراد المماثلة في الكبر و الصغر و النوع، أو المماثلة في القيمة؟ الظاهر هو الأول و اليه ذهب أصحابنا في ما يوحد له مماثل.

و تقييده بقوله‏ «مِنْكُمْ» بعد ذكر العدالة اما من باب التأكيد لأن العدالة لا ينفك عن الايمان و الإسلام، و اما من جهة ان العدالة هنا بمعنى الوثاقة الى قد تجتمع مع الايمان و عدمه، فذكر هذا القيد لاشتراط الايمان.

نعم يرد عليه ان الآية ناظرة إلى حجية قول أهل الخبرة، مع ان كلامنا في حجية قول الشاهدين في المحسوسات، و لكن يمكن الجواب عنه بأن حجية قول العدلين في الحدسيات دليل على حجيته في الحسيات بطريق أولى (فتأمل).

و منها قوله تعالى في أحكام الطلاق‏ «فَإِذا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ» (1) أي إذا بلغت النساء عدتهن، و المراد ببلوغ العدة، كما قيل، مقاربتها أو مشارفة تمامها بحيث يبقى للزوج مجال للرجوع، فاما ان يرجع إليها و يحسن معاشرتها فيكون من قبيل الإمساك بالمعروف، أو يتركها حتى يخرج عدتها فيكون من المفارقة بالمعروف.

و هل الاشهاد بالنسبة إلى الرجوع كما قالت الشافعية، أو راجع الى الطلاق كما ذهب إليه أصحابنا، و هو المروي عن أئمتنا (عليهم السلام) لكون الكلام في الطلاق، لا يتفاوت فيما نحن بصدده، فإنه دليل على حجية قول العدلين اما في الطلاق أو الرجوع و هو المطلوب.

و منها قوله تعالى في حكم الدين‏ «وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَ امْرَأَتانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ. وَ أَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ» (2)

____________

(1) الطلاق: 2.

(2) البقرة: 282.

54

دلت الآية على الوجوب أو استحباب كتابة الديون و إشهاد رجلين مسلمين (بقرينة قوله تعالى‏ مِنْ رِجالِكُمْ‏) «فَإِنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَ امْرَأَتانِ».

و قوله «مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ.» إشارة إلى العدالة أو الوثاقة.

و قوله بعد ذلك‏ «وَ أَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ» ظاهر في إشهاد عدلين، الذي سبق ذكره، فالاية دالة على حجية قول العدلين في الديون و كذا في أبواب البيوع.

و كون هذا الحكم بعنوان الوجوب أو الاستحباب لا يهمنا بعد ما عرفت و قال في كنز العرفان: «الأمر هنا عند مالك للوجوب و الأصح انه اما للندب أو الإرشاد إلى المصلحة» (1).

و لو لم يكن المقام مقام الإرشاد أمكن القول بوجوبه لظهور الأمر في الوجوب.

و تحصل مما ذكرنا حجية شهادة العدلين في الطلاق، و الوصية، و الدين، و البيع، و احكام الكفارات، و هل يمكن استفادة العموم من هذه الموارد الخاصة، أو لا بد من الاقتصار على مواردها، و عدم التعدي منها الى غيرها؟

الإنصاف أنه بحسب الفهم العرفي يصطاد منها العموم بلا اشكال، لا سيما مع مناسبة الحكم و الموضوع، و قوله تعالى في أحكام الدين‏ «مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْداهُما فَتُذَكِّرَ إِحْداهُمَا الْأُخْرى‏» (2) الذي هو من قبيل التعليل و هو دليل على العموم و لا أقل من الاشعار.

و بالجملة لو لم يكن في المقام دليل آخر على العموم كفانا ما ورد في الكتاب العزيز، و لكن ستعرف ان هناك أدلة كثيرة أخرى أيضا.

و قد يستدل هنا بالآيات الواردة في حكم وجوب الشهادة مثل قوله تعالى‏

____________

(1) كنز العرفان كتاب الدين ج 2 ص 47.

(2) البقرة: 282.

55

«وَ لا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ» (1) و قوله تعالى‏ «وَ أَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ» (2) و غير ذلك.

و لكن الإنصاف أنها بأنفسها غير دالة على المقصود الا ان ينضم إلى الإجماع أو غيرها، بل يأتي فيها ما ذكر في الأصول في أبواب حجية خبر الواحد، من ان وجوب الإظهار على العالم، و الإنذار على الفقيه، و أشباههما لا تدل على حجية قولهم تعبدا، نعم غاية ما يمكن ان يقال في المقام انها لو لم تكن حجة لكانت لغوا و لكن يكفي في دفع اللغوية حصول العلم منها كثيرا كما يحصل بقول العالم و الفقيه.

الثاني: السنة

اما الروايات العامة فهي كثيرة واردة في باب القضاء منها:

1- ما رواه يونس عمن رواه، قال: استخراج الحقوق بأربعة وجوه، بشهادة رجلين عدلين، فان لم يكونا رجلين فرجل و امرأتان، فان لم تكن امرأتان فرجل و يمين المدعي، فان لم يكن شاهد فاليمين على المدعى عليه‏ (3).

و لكنها مرسلة مضافا الى الإضمار و عدم التصريح باسم الإمام المروي عنه فيه.

2- ما رواه صفوان الجمال في حديث قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) لقد حضر الغدير اثنا عشر ألف رجل يشهدون لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) فما قدر على أخذ حقه، و ان أحدكم يكون له المال و يكون له شاهدان فيأخذ حقه‏ (4).

3- ما رواه محمد بن سنان عن الرضا (عليه السلام) في ما كتب إليه في جواز مسائله:

«و العلة في شهادة أربعة في الزنا و اثنتين في سائر الحقوق، لشدة حد المحصن،

____________

(1) البقرة: 283.

(2) الطلاق: 2.

(3) الوسائل ج 18 كتاب القضاء أبواب كيفية الحكم الباب 15 الحديث 2.

(4) الوسائل ج 18 كتاب القضاء أبواب كيفية الحكم الباب 15 الحديث 3.

56

لان فيه القتل» (1).

الى غير ذلك مما ورد في هذا المعنى.

4- منها ما دل على «ان البينة على المدعي و اليمين على المدعى عليه» بنحو عام، كالخبر المعروف المروي عن النبي (صلّى اللَّه عليه و آله) قال «البينة على المدعي و اليمين على المدعى عليه» (2) و هو مروي أيضا عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال قال رسول اللّه (صلّى اللَّه عليه و آله) «البينة على من ادعى و اليمين على من ادعي عليه» (3).

5- ما رواه سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال في كتاب علي (عليه السلام) ان نبيا من الأنبياء شكى الى ربه فقال يا رب! كيف اقضي فيما لم أر و لم اشهد؟ قال فأوحى اللّه إليه: احكم بينهم بكتابي و أضفهم إلى اسمي، فحلّفهم به و قال هذا لمن لم تقم له بينة (4).

و الروايات في هذا المعنى كثيرة جدا (رواها في الوسائل في الباب الأول و الثاني و الثالث من أبواب كيفية الحكم من كتاب القضاء).

و لكن كل ذلك مبينة على ان المراد بالبينة شاهدي عدل، و قد مر كلامنا في هذا المعنى فراجع.

ثمَّ ان هذه الروايات و ان كانت عامة في أبواب القضاء متضافرة، أو متواترة و لكن لا تشمل الموضوعات المختلفة في أبواب الفقه إذا لم تكن محلا للدعوى، اللهم الا ان يتمسك بالأولوية، و يقال: إذا كان الشاهدان حجة في أبواب الحكم و القضاء، و ما فيه النزاع و الدعوى، ففي ما ليس كذلك يكون حجة بطريق أولى،

____________

(1) الوسائل ج 18 كتاب القضاء أبواب كيفية الحكم الباب 5 الحديث 2.

(2) التاج ج 3 ص 61 كتاب الامارة و القضاء باب البينة على المدعى و اليمين على من أنكر.

(3) الوسائل ج 18 كتاب القضاء أبواب كيفية الحكم الباب 3 الحديث 1.

(4) الوسائل ج 18 كتاب القضاء أبواب كيفية الحكم الباب 1 الحديث 1.

57

و ليس ببعيد.

و اما الروايات العامة التي تشمل الأبواب كلها سواء أبواب القضاء و غيرها فلم نجد منها غير رواية «مسعدة بن صدقة» المروية عن «أبي عبد اللّه (عليه السلام)» قال سمعته يقول: «كل شي‏ء هو لك حلال حتى تعلم انه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك و ذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته و هو السرقة، و المملوك لك لعله حر قد باع نفسه، أو خدع فبيع قهرا، أو امرأة تحتك و هي أختك أو رضيعتك، و الأشياء كلها على هذا حتى يستبين لك غير ذلك أو تقوم به البينة» (1).

و أورد عليها تارة بضعف السند للإشكال المعروف في وثاقه «مسعدة» فإن النجاشي و العلامة في الخلاصة و الشيخ في الفهرست و الكشي و غيرهم ذكروه من غير توثيق، مضافا الى انه عامي بتري و لكن أجيب عنه بان عمل الأصحاب يوجب انجبارها.

هذا و لكن وجود روايات كثيرة و آيات متعددة على حجية شهادة العدلين يمنع عن العلم أو الظن بكون استناد الأصحاب في إثبات حجيتها إلى رواية مسعدة.

و أورد عليها من حيث الدلالة أيضا أو لا بان المراد من البينة معناها اللغوي، و هو الدليل الواضح الظاهر، و لا أقل من الشك فالرواية مجملة.

و لكن قد عرفت انها و ان كانت بهذا المعنى في اللغة، و الاستعمالات القرآنية و لكن نقلت الى المعنى الشرعي، لا سيما في زمن الصادقين (عليهما السلام).

و هنا قرينة واضحة في نفس الرواية على هذا المعنى أيضا فإنه جعلت البينة في مقابل الاستبانة العلمية، فقال «حتى تستبين أو تقوم به البينة» و هذا يدل على ان المراد بالبينة غير ما هو معناها اللغوي، و الا لم يحتج اليه بعد ذكر الاستبانة.

و ثانيا ان البينة في الرواية جعلت غاية للحليّة، فغاية ما يستفاد منها ان الحلية

____________

(1) الوسائل كتاب التجارة أبواب ما يكتسب به الباب 4 الحديث 4.

58

المستندة إلى أصالة الحل تنتهي بقيام البينة، و اما ان البينة حجة في نفسها فلا دليل عليه.

و الانصاف سقوط هذا الاشكال جدا، فان ظاهرها- لا سيما بقرينة عطف البينة على الاستبانة- انه إذا قام البينة، أو الدليل العلمي على الحرمة، يؤخذ بها، لأنها حجة، فإذا لا يبقى مجال بلا اشكال على الرواية من حيث الدلالة.

و هاهنا اشكال آخر لا من هذه الناحية، بل من جهة ان الحلية في الأمثلة المذكورة في الرواية ليست مستندة الى أصالة الحل، بل في مسألة الثوب، و العبد مستندة الى حجية اليد، و في مسألة الرضاع مستندة الى استصحاب عدمه، فشي‏ء من الأمثلة غير منطبق على قاعدة الحل.

و لكن يمكن ان يجاب عنه أو لا بان المراد من الاستناد إلى قاعدة الحل انه مع قطع النظر عن اليد و الاستصحاب الحكم هو الإباحة فتأمل، أو ان ذكر الأمثلة من باب التقريب الى الذهن.

و ثانيا وجود الاشكال فيها من حيث الأمثلة و عدم العلم بمحتواها و مغزاها من هذه الناحية، لا يمنع عن الأخذ بالكبرى الواردة فيها فتدبر.

هذا و قد ورد روايات خاصة كثيرة في مختلف أبواب الفقه لا يمكن إحصاء جميعها في هذا المختصر، و لكن يمكن اصطياد العموم من مجموعها، و استظهار الإطلاق من ناحيتها، بحيث لا يبقى شك للناظر فيها في حجية البينة مطلقا و إليك نماذج من هذه الروايات نلقيها عليك من أبواب مختلفة من كل باب نموذجا.

منها ما ورد في أبواب النكاح، عن يونس: «قال سئلته عن رجل تزوج امرأة في بلد من البلدان فسألها لك زوج؟ فقالت لا، فتزوجها، ثمَّ ان رجلا أتاه فقال هي امرأتي فأنكرت المرأة ذلك، ما يلزم على الزوج؟ فقال هي امرأته الا ان‏