القول الرشيد في الاجتهاد والتقليد / تقريرات - ج2

- السيد عادل العلوي المزيد...
390 /
7

الإهداء

إليكم سادتي و مواليّ أئمتي المعصومين الأطهار (عليهم السّلام).

إلى فقهاء الإسلام و علمائنا الكرام.

إلى سيّدنا الأُستاذ فقيه أهل البيت (عليهم السّلام) آية اللَّه العظمى السيّد شهاب الدين المرعشي النجفي (قدّس سرّه).

إلى والدي العلّامة الفقيه السيّد عليّ بن الحسين العلوي تغمّده اللَّه برحمته الواسعة.

إلى طلّاب العلوم و عشّاق الفضيلة.

أُقدّم مجهودي المتواضع هذا برجاء القبول و الدعاء و الشفاعة ..

العبد عادل العلوي قم المقدّسة الحوزة العلمية

8

«الحمد للَّه الذي لا يبلغ مدحته القائلون، و لا يُحصي نعماءَه العادّون، و لا يؤدّي حقّه المجتهدون، الذي لا يدركه بُعدُ الهمم و لا يناله غوص الفطن ..».

و الصلاة و السلام على أشرف خلقه البشير النذير و السراج المنير «محمّد المصطفى عبده و رسوله، أرسله بالدين المشهور و العلم المأثور و الكتاب المسطور و النور الساطع و الضياء اللامع و الأمر الصادع، إزاحةً للشبهات و احتجاجاً بالبيّنات ..».

ثمّ الصلاة و السلام على خليفته و وزيره و ابن عمّه و نفسه أمير المؤمنين و سيّد الوصيّين، أسد اللَّه الغالب عليّ بن أبي طالب، و على عترة الهادي المختار الأئمة الهداة الأبرار، «موضع سرّ اللَّه و عيبة علمه، و موئل حكمه و كهوف كتبه و جبال دينه، بهم أقام انحناء ظهره و أذهب ارتعاد فرائصه ..».

(نهج البلاغة: الخطبة 1 2)

9

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

10

[مقدمة المقرِّر]

الحمد للَّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على أشرف خلق اللَّه محمّد و آله الطاهرين.

أمّا بعد:

فقد قال اللَّه تعالى في كتابه الكريم:

إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ‏ (1).

وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ‏ (2).

فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ‏ (3).

من الواضح أنّ الدين الإسلامي هو الدين الكامل و الشامل لكلّ جوانب‏

____________

(1) آل عمران: 19.

(2) آل عمران: 85.

(3) التوبة: 122.

11

الحياة، و إنّ الإنسان المكلّف ليسعد في الدارين بتطبيقه و الاقتداء بهديه و رشده.

و الكلّ يعلم ما للفقه الإسلامي في معارفه و علومه من دور فعّال و أصيل في مسارح الحياة و حقولها على مرّ العصور و الأحقاب.

و كان لإبقاء باب الاجتهاد مفتوحاً على مصراعيه كما لا بدّ من ذلك مردود إيجابي ملحوظ على التفكير الفقهي عند علماء الإسلام و أخصّ بالذكر فقهاء الطائفة الإمامية حيث راح ينضج و ينمو جيلًا بعد جيل، و يمتدّ مساحةً و عمقاً حتّى راح يستوعب كلّ جديد من الحوادث الواقعة و المشاكل الطارئة، و ذلك بما اوتي الفقه الشيعي من لياقة عالية و مرونة فعّالة، ما كانت لولا ذلك الإبقاء، الذي سمح باستمرارية العملية الفقهيّة و الاستنباط الشرعي و تطوّره، حيث يقع على عاتقه مهمّة جسيمة و خطرة.

فالعملية الفقهية هي المتكفّلة و الكفيلة بإدارة شؤون الحياة العامّة و الخاصّة للإنسان، لا سيّما و هذه الحياة تزداد تداخلًا و تشابكاً و تعقيداً كلّما ازداد الإنسان وعياً و اختراعاً و اكتشافاً و طموحاً و تطلّعاً، فإنّ العيش و المعاش كانا خفيفا المئونة بسيطا النسيج بالقياس إلى حياتنا المعاصرة، حيث أصبح العالم محشوراً في قرية صغيرة على اتّساعه و ترامي أطرافه، و لا ريب فإنّ هذا القرب القريب بين الشرائح البشريّة المختلفة التمدّن و المتنوّعة الثقافة، بل و المتصادمة الثقافة و المسالك في أغلب الأحيان، ينتج عنه احتكاكات تولّد انفجارات هائلة متنوّعة، منها: العلمية، و منها: الصناعيّة، و منها: السياسيّة و الثقافية و غيرها. فلا بدّ عندها للإنسان من‏

12

معرفة الموقف و تعقّله تعقّلًا سليماً تجاه كلّ ما يجري إمامه، لا سيّما إذا كان معنيّاً بما يجري من حوله، كالفقيه الجامع للشرائط.

و لا يمكن أن نواجه المواقف و الظروف هذه بعقليّة فقهيّة ترجع إلى مئات السنين، لأنّها و الوجدان يشهد بذلك لا تمتلك الشمولية و الاستيعاب المطلوب الذي تحتاجه مهمّة مواجهة هذه المواقف الحرجة و الصعبة و وضع الحلول لها.

لقد كان التفكير الشيعي بما فيه الفقه و أُصوله يسير بخطوات واثقة و ثابتة رغم كلّ المعوّقات و العقبات الشائكة و القاسية أشدّ القسوة من قبل الأعداء و المناوئين، لكنّ الفقهاء العظام جزاهم اللَّه خيراً حملوا على عواتقهم هذا الهدف الشريف و هذه المسئولية الخطيرة، باذلين دونه كلّ غالٍ و نفيس، غير هيّابين بالنتائج ما دام الهدف المقدّس مصوناً و محفوظاً.

لقد تفجّرت و تفتّحت العملية الفقهيّة في مداد و دماء هؤلاء الأعلام، حتّى وصلت إلى ما وصلت من مكانة سامية و شرافة أصيلة، بلغت القمّة في الشموخ و التطوّر و الحداثة.

إذن فمواجهة المشاكل الجديدة و الحوادث الواقعة لها دور في تحفيذ و تشحيذ الذهن الفقهي من أجل أن يبتكر لها الحلول الجديدة التي تتماشى مع الركب البشري المعاصر.

و أنت ترى بوضوح مشاكل هذا العصر التي تزداد كثرةً و تعقيداً و تسارعاً، و نحن عند ما نتحدّث عن الاستنباط و الاجتهاد و العملية الفقهية و تطوّرها، لا يمكن‏

13

أن نغفل عن دور العلوم الإسلامية الشريكة فيها و الداعمة لها، فأيّ تطوّر و تقدّم في الاستنباط الفقهي يلزمه مثله على هذه العلوم، و العكس بالعكس.

لذلك نجد هذه العلوم مفعمةً يوماً بعد يوم بالجديد و الحديث من الآراء و النظريات، فعلم الرجال في العصر الراهن يختلف عن علم الرجال قبل مائة سنة مثلًا، و كذلك علم الأُصول و علم الحديث و غيرها من العلوم التي لها دخل في عمليّة الاستنباط.

فقصدنا هذه النظرة في مباحثنا الاستدلالية في الفقه و أُصوله، بدءاً بكتاب الاجتهاد و التقليد، و كان المحور الأصيل هو (العروة الوثقى للمحقّق اليزدي (قدّس سرّه) الشريف) شرحاً و تعليقاً و بياناً للمباني و الأقوال و المدارك و الوجوه و ما هو المختار.

سائلًا المولى القدير أن يتقبّل أعمالنا خالصةً لوجه الكريم، و أن يُسدّد خطانا و يلهمنا الرُّشد و الصواب، إنّه خير ناصرٍ و معين، و ما توفيقي إلّا باللَّه العليّ العظيم، و الحمد للَّه ربّ العالمين.

14

[تتمة كتاب الإجتهاد و التقليد]

[المسألة الثالثة و العشرون في العروة: تعريف العدالة]

المسألة الرابعة عشرة إلى السادسة عشرة في المنهاج‏ (1)

قال سيّدنا الأُستاذ المرعشي النجفي (قدّس سرّه):

14 العدالة: الاستقامة الراسخة العملية في طريقة الشرع الغير المتخطى منها، الباعثة مستمرةً على ترك المحرّمات و إتيان الواجبات المنبعثة عن الرادع الإلهي و الخوف منه سبحانه أو رجاء مثوباته.

15 و تعرف العدالة بحسن الظاهر الكاشف عنها علماً أو ظنّاً اطمئنانياً سواء أحرز الحسن بالمعاشرة أم بغيرها، ثمّ الحسن كذلك أمارة تكشف عن حسن الباطن و العدالة الواقعية تعبّداً، و لو لم يحصل العلم و لا الوثوق، و إن كان الأحوط إفادتها الوثوق.

16 و تثبت العدالة بشهادة العدلين من غير فرق بين الشهادة القولية و الفعلية كصلاتهما خلفه، و بالشياع المفيد للعلم و لكن فيه تأمّل.

____________

(1) منهاج المؤمنين 1: 7.

15

(المسألة الثالثة و العشرون في العروة)

تعريف العدالة

قال المحقّق السيّد اليزدي (قدّس سرّه):

مسألة 23 العدالة عبارة عن ملكة إتيان الواجبات و ترك المحرّمات و تعرف بحسن الظاهر الكاشف عنها علماً أو ظنّاً، و تثبت بشهادة العدلين و بالشياع المفيد للعلم.

جاء في الغاية القصوى‏

(1)

:

في قوله: (عبارة عن ملكة)، قال: الحريّ بالقبول بعد التدبّر في الكتاب و السنّة و موارد استعمالها فيهما، و انتفاء الحقيقة الشرعية فيها أن يقال: إنّها الاستقامة الراسخة العملية في طريقة الشرع الغير المتخطّى منها، الباعثة مستمرّةً على ترك المحرّمات و إتيان الواجبات، المنبعثة على الرادع الإلهي و الخوف منه سبحانه أو رجاء مثوباته، لا المنبعث عن الفضائل النفسانية المعبّر عنه عند علماء الأخلاق بتعديل القوى الثلاثة: الإدراك و الغضب و الشهوة تارة، و بانقياد العقل العملي للقوّة العاقلة في إعمال القوّتين الشهوة و الغضب أُخرى، إذ هي درجة في غاية الشموخ و فوق العدالة، و لا المنبعث عن إحدى الدواعي النفسانية

____________

(1) الغاية القصوى لمن رام التمسّك بالعروة الوثقى 1: 18.

16

و الهواجس الشيطانية كالريا و إخوتها نعوذ باللَّه منها و بعبارة اخرى أن يكون الداعي لإتيان المأمور به و ترك المنهيّ عنه إحدى هذه الرذائل و عدم كون الفعل و الترك كذلك من العدالة من البديهيات، إذا دريت هذا علمت أنّ الاستقامة الموقّتة لانبعاثها عن الخوف الاتفاقي ليست من مصاديق العدالة، كما أنّ ارتكاب المنهيّ أو ترك المأمور به اتفاقاً إذا ندم و تاب فوراً غير منافٍ لعود تلك الاستقامة الراسخة التي ذكرناها، لإمكان غلبة مزاحمتها من القوتين، و قد ظهر بالتأمّل في مطاوي ما حرّرناه وجود الواسطة بين العدالة و الفسق، كما ظهر عدم مدخليّة ترك منافيات المروّة فيها، نعم لو عُدّ الإتيان بها موجباً لصدق المعصية و لو بالعناوين الثانوية، لكان المخالف عاصياً للَّه تعالى، و أمّا الصغائر فيعلم حكمها في صورتي الإصرار و عدمه من التأمّل فيما أسلفناه، و سيأتي الإشارة منّا إلى بعض هذه المباحث في كتاب الصلاة في شرائط إمام الجماعة إن شاء اللَّه تعالى.

و في قوله: (و تعرف بحسن الظاهر)، قال: سواء أحرز الحسن بالمعاشرة أم بغيرها، ثمّ الحسن كذلك أمارة تكشف عن حسن الباطن و العدالة الواقعيّة تعبّداً و لو لم يحصل العلم و لا الوثوق و إن كان الأحوط إفادتها الوثوق.

و في قوله: (أو ظنّاً)، قال: اطمئنانياً على الأقوى كما مرّ.

17

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

18

و في قوله: (و تثبت بشهادة عدلين)، قال: من غير فرق بين حصول الظنّ منها بوجودها و عدمه، و كذا من غير فرق بين الشهادة القولية و الفعلية كصلاتهما خلفه أو ترتيبهما آثار العدالة على الرجل في موارد اشتراطها كما في باب الطلاق و نحوه.

و في قوله: (بالشياع)، قال: قد مرّ منّا الكلام فيه في السابق، فراجع.

و في قوله: (المفيد للعلم)، قال: و المفيد للظنّ كذلك إذا كان اطمئنانيّاً. انتهى كلامهما رفع اللَّه مقامهما و متّعنا بأنفساهما القدسيّة، و دعائهما المستجاب.

أقول: لمّا كانت مسألة العدالة في الفقه الإسلامي تطرح في موارد عديدة كعدالة المفتي و القاضي و إمام الجماعة و الشاهد و غير ذلك، فالأولى أن نبحث عنها بنحوٍ من التفصيل، و قد أفرد بعض الأعلام رسالة مستقلّة في ذلك كشيخنا الأعظم الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه).

فيقع الكلام بعون اللَّه الملك العلّام في مقامات عديدة:

19

المقام الأوّل في تعريف العدالة

لقد نهجنا من قبل في معرفة الموضوعات و العناوين الفقهية أن نتعرّض لها من زاوية اللغة أوّلًا، ثمّ المعنى المصطلح، فإنّ في كثير من الموارد يكون المعنى الثاني و المصطلح الفقهي منقولًا عن معناه اللغوي، من نقل العامّ إلى الخاصّ أو بالعكس، فهناك ارتباط ما بين المعنيين.

العدالة لغةً:

العدالة مصدر ثانٍ من عَدُل بالضمّ يعدل عدلًا و عدالة، عدل الرجل ككرم، عدالة: صار عدلًا، بمعنى الاستقامة و الاستواء، و منها خشبة عدلة أي مستوية قائمة، و هو لازم، و من عَدَل بالفتح صار مائلًا فعدل عن الطريق مال و حاد عن الطريق، و بمعنى التقويم عدّل السهم أي قوّمه، و عدل فلان بفلان أي سوّى بينهما، و عدل بربّه أشرك، و من عَدِل بالكسر بمعنى ظلم و جار.

قال صاحب المدارك: العدالة لغةً: الاستواء و الاستقامة.

قال الشيخ في المبسوط: العدالة في اللغة، أن يكون الإنسان متعادل الأحوال متساوياً، و صرّح بمثل ذلك الحلّي في السرائر.

20

و في مفردات الراغب‏ (1): عدل: العدالة و العادلة لفظ يقتضي معنى المساواة و يستعمل باعتبار المضايفة، و العَدْل و العِدْل يتقاربان، لكن العَدْل بالفتح يستعمل فيما يدرك بالبصيرة كالأحكام، و على ذلك قوله‏ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً (2)، و العِدل بالكسر و العديل فيما يدرك بالحاسّة كالموزونات و المعدودات و المكيلات، فالعدل هو التقسيط على سواء، و على هذا روي بالعدل قامت السماوات و الأرض، تنبيهاً أنّه لو كان ركن من الأركان الأربعة في العالم زائداً على الآخر أو ناقصاً عنه على مقتضى الحكمة لم يكن العالم منتظماً، و العدل ضربان: مطلق يقتضي العقل حسنه و لا يكون في شي‏ء من الأزمنة منسوخاً و لا وصف بالاعتداء بوجهٍ، نحو الإحسان إلى من أحسن إليك، و كفّ الأذيّة عمّن كفّ أذاه منك، و عدل يعرف كونه عدلًا بالشرع، و يمكن أن يكون منسوخاً في بعض الأزمنة كالقصاص و أروش الجنايات و أصل مال المرتدّ، و لذلك قال‏ فَمَنِ اعْتَدى‏ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى‏ عَلَيْكُمْ‏ (3)، و قال‏ وَ جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها (4)، سمّى اعتداء و سيّئة، و هذا النحو هو المعنى بقوله‏ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ‏ (5)، فإنّ العدل هو المساواة في المكافأة؛ إن خيراً فخير، و إن‏

____________

(1) مفردات الراغب الأصفهاني: 337.

(2) المائدة: 95.

(3) البقرة: 194.

(4) الشورى: 40.

(5) النحل: 90.

21

شرّاً فشرّ، و الإحسان أن يقابل الخير بأكثر منه و الشرّ بأقلّ منه، و رجل عدل عادل و رجال عدل، يقال في الواحد و الجمع، واصلة مصدر كقوله‏ وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ‏ (1) أي عدالة، قال‏ وَ أُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ‏ (2)، و قوله‏ وَ لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ (3) فإشارة إلى ما عليه جبلة الناس من الميل، فالإنسان لا يقدر على أن يسوّي بينهن في المحبّة، و قوله‏ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً (4) فإشارة إلى العدل الذي هو القَسم و النفقة، و قال‏ وَ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى‏ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا (5)، و قوله‏ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً (6) أي ما يعادل من الصيام الطعام، فيقال للغذاء عدل إذا اعتُبر فيه معنى المساواة، و قولهم: (لا تقبل منه صرف و لا عدل) فالعدل قيل: هو كناية عن الفريضة و حقيقته ما تقدّم. و الصرف النافلة و هو الزيادة على ذلك فهما كالعدل و الإحسان، و معنى أنّه لا يقبل منه أنّه لا يكون له خير يقبل منه، و قوله‏ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ‏ (7)

____________

(1) الطلاق: 2.

(2) الشورى: 15.

(3) النساء: 129.

(4) النساء: 3.

(5) المائدة: 8.

(6) المائدة: 95.

(7) الأنعام: 1.

22

أي يجعلون له عديلًا فصار كقوله‏ بِهِ يُشْرِكُونَ‏ (1) و قيل: يعدلون بأفعاله عنه و ينسبونها إلى غيره، و قيل: يعدلون بعبادتهم عنه تعالى، و قوله‏ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ‏ (2) يصحّ أن يكون على هذا كأنّه قال: يعدلون به، و يصحّ أن يكون من قولهم عدل عن الحقّ إذا جار عدولًا، و أيام معتدلات طيّبات لاعتدالها، و عادل بين الأمرين إذا نظر أيّهما أرجح، و عادل الأمر ارتبك فيه، فلا يميل برأيه إلى أحد طرفيه.

العدالة اصطلاحاً:

لمّا كانت العدالة من الموضوعات المهمّة في حياة الإنسان، فقد بحثت في علوم مختلفة، ففي علم الكلام يبحث عنها باعتبار العدل الإلهي و النزاع بين الأشاعرة و العدلية المعتزلة و الإمامية-، كما يبحث عنها في علم الاجتماع من جهة العدالة الاجتماعية، و ثالثة يبحث عنها في علم الأخلاق و السير و السلوك باعتبار القوى الثلاثة العاقلة و الشهوية و السبعية الغضبية و الاعتدال فيها، فهي عبارة عن: هيئة أو ملكة يقتدر بها العقل العملي على تعديل القوى الثلاث على حسب ما يقتضيه العقل النظري.

____________

(1) الروم: 35.

(2) النمل: 60.

23

و الفضائل الأخلاقية إنّما هي الطريقة الوسطى بين الإفراط و التفريط، ففضيلة القوّة العاقلة هي التي تسمّى بالحكمة و العلم النافع، و هي الوسط بين الجربزة و البلادة، و فضيلة القوّة الشهوية، هي العفّة، و هي الوسط بين الشره و هو الإفراط في الشهوة و الخمود و هو التفريط، و فضيلة القوّة الغضبية هي الشجاعة و هي الوسط بين التهوّر و الجبن، و فضيلة النفس الناطقة بما هي عقل عملي هي العدالة و قيل لا إفراط و لا تفريط فيها، بل يقابلها الظلم و الجور، قيل: هي الوسط بين الظلم و الانظلام، و هي أُمّ الفضائل و أساس الأخلاق.

و تبحث العدالة في علم الفقه و لسان الفقهاء أيضاً، فهي موضوع لأحكام عديدة، فإنّ لهم اصطلاح خاصّ استنبطوه من لسان النصوص الشرعية من الآيات القرآنية و الأحاديث الشريفة. و اختلف الأعلام في تعريفها و مفهوماتها على خمسة أقوال كما ذكرها شيخنا الأعظم الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) في رسالته في العدالة و هي كما يلي:

1 حكي عن ظاهر الصدوقين و المفيد في المقنعة و غيرهم: أنّها الاستقامة الفعلية بترك المعاصي أو خصوص الكبائر (لكن عن ملكة)، و في المختلف قال الشيخ المفيد: العدل من كان معروفاً بالدين و الورع عن محارم اللَّه.

فتكون العدالة أمراً عملياً و ليست من الصفات النفسانية و مقولة الكيف. و لا تصدق حينئذٍ على من لم يتّفق له ترك فعل كبيرة مع عدم الملكة، كما لا يصدق على من كان له ملكة الاجتناب و لم يجتنب فعلًا كما إذا تاب عن ملكة، فملكة

24

الاجتناب لا يستلزم الاجتناب الفعلي، و ترك المعصية أو الكبيرة لا يستلزم أن يكون عن ملكة.

الثاني: تعريف شيخ الطائفة (قدّس سرّه) في المبسوط بأنّها: العدالة في الشريعة هو مَن كان عدلًا في دينه، عدلًا في مروّته، عدلًا في أحكامه. فالعدل في الدين أن يكون مسلماً، و لا يعرف منه شي‏ء من أسباب الفسق، و في المروّة أن يكون متجنباً للأُمور التي تسقط المروّة، مثل الأكل في الطرقات، و لبس الثياب المصبّغة و ثياب النساء، و العدل في الأحكام أن يكون بالغاً عدلًا عندنا، و عندهم أن يكون حرّا ..

و عن السرائر حكاية ذلك إلّا أنّه فسّر العدل في الدين بأن لا يخلّ بواجب و لا يرتكب قبيحاً، أي ترك المعاصي كبيرها و صغيرها أو خصوص الكبائر مع عدم الإصرار على الصغائر. و حكي ذلك عن ابن حمزة في الوسيلة و أبي الصلاح و المجلسي و السبزواري و غيرهم.

و ظاهر القول أنّها عبارة عن الاستقامة الفعلية في أفعاله و تروكه من دون أن يكون ذلك عن ملكة. فالعدالة نفس الأعمال الخارجية من فعل الواجبات و ترك المحرّمات من دون اعتبار اقترانها بالملكة أو صدورها عنها، فالعدالة هي الاستقامة عملًا في جادّة الشرع و عدم الجور و الانحراف عنها يميناً و لا شمالًا (1).

____________

(1) التنقيح 1: 253.

25

الثالث: حكي عن المفيد في كتاب الإشراف و عن ابن الجنيد و الشيخ في الخلاف و ادّعى عليه الإجماع بأنّها: عبارة عن الإسلام مع عدم ظهور الفسق في الخارج، فيلزم الحكم بعدالة أكثر المسلمين و إن لم نعاشرهم بوجه.

الرابع: حكي عن بعض القدماء بأنّها: حسن الظاهر فحسب، و إحراز ذلك حينئذٍ يتوقّف على المعاشرة، فلا يحكم بعدالة أكثر المسلمين.

و الظاهر كون القول الثالث و الرابع أمر واحد، فإنّ عدم ظهور الفسق بمعنى حسن الظاهر، إلّا أن يكون المراد من عدم ظهور الفسق في الخارج مطلقاً و إن لم يكن ظاهره حسناً، كما أنّهما معرّفان للعدالة و ليسا نفس العدالة، فربما في الواقع يرتكب المعصية فيكون فاسقاً واقعاً، و إن كان حسن الظاهر حفظاً على جاهه الاجتماعي فيلزم أن يكون عادلًا و فاسقاً في الواقع و هذا باطل. كما يلزم أن يكون عامل الكبائر في الخفاء مع حسن الظاهر، ثمّ تبيّن حاله، أنّه عادل و صار فاسقاً، مع أنّ المرتكز عند المتشرّعة خلاف ذلك، فإنّهم يرونه أنّه كان فاسقاً غير معلوم الحال.

كما أنّ صفات الإنسان الطبيعية على نحوين: ما يكون الاتصاف غير متوقّف على الغير كالشجاعة، و ما يكون متوقّفاً على الغير كالشهرة، و العدالة من الأوّل و حسن الظاهر من الثاني، و فرق بين المقولتين كما هو واضح. و الظاهر من وصف الشاهد بالعدل كون العدالة صفة واقعية، فكيف تكون صرف حسن الظاهر أو عدم ظهور الفسق.

26

ثمّ هناك تقابل بين العادل و الفاسق تقابل التضادّ المشهوري، فلهما عند ارتفاعهما ضدّ ثالث لا يتّصف بالعدل و الفسق كالمكلّف في ابتداء تكليفه فيما لم تتهيّأ له ظروف ارتكاب الكبيرة، و كالفاسق التائب من فسقه في أوّل زمان توبته، و بهذا يسقط القولان.

الخامس: حكي عن العلّامة في المختلف و التحرير و القواعد و من تأخر عنه و ينسب إلى المشهور بأنّها: كيفية نفسانية أو هيئة راسخة أو حالة نفسانية أو ملكة أو كيفية راسخة في النفس، على ملازمة التقوى و المروّة. و تحصل بالامتناع عن الكبائر، و من الإصرار على الصغائر.

و ربما يكون القول الأوّل و الخامس من مقولة واحدة بناءً على أنّه لا فرق في العدالة بين أن تكون عبارة عن ملكة الاجتناب عن المعاصي، أو الاجتناب عن المعاصي الذي يكون عن ملكة. فإنّ المعتبر في العدالة هي الملكة الفعلية المتلبّسة بالعمل، يعني المتمثّلة بإتيان الواجبات و ترك المحرّمات. و لو كانت العدالة هي الملكة و حسب للزم اجتماع العدالة و الفسق في مَن عنده الملكة و قد أذنب مرّة قبل أن يتوب، و قيل بالفرق بينهما، فتأمّل.

و بهذا يلزم رجوع الأقوال إلى قولين أساسيّين، هما: أنّ العدالة عبارة عن الاستقامة الفعلية و الأعمال الخارجية من دون اعتبار صدورها عن الملكة النفسانية، أو أنّها صادرة عن الملكة.

و الغالب في مثل هذه النزاعات أنّها وردت باعتبار التعريف المنطقي من كونه‏

27

بالجنس القريب و الفصل القريب لو كان حدّا تامّاً، أو بالجنس و الخاصّة لو كان رسماً تاماً، و إنّ التعريف لا بدّ أن يكون جامعاً للأفراد و مانعاً من الأغيار أي مطرداً منعكساً، و بهذا يلزم عدم كون التعاريف سديدة لاختلالها بالجامعية أو المانعية، و من ثمّ يزيدون قيداً أو ينقصونه حتّى يتمّ الغرض من التعريف و الحدود، و لكن يبدو أنّ هذه التعاريف إنّما هي من باب شرح الاسم و الإشارة إلى ما هو المرتكز. و المعلوم من قبل كما يقال في (سعدانة) ما هي؟ فيقال: نبت، و ما هو الغضنفر؟ فيقال: أسد، و المتكفّل لهذا التعريف معاجم اللغة و المتفاهم العرفي، فلا يرد عليه عدم المانعية و الجامعية حينئذٍ، و يكون النزاع لفظياً.

و لقد أجاد العلّامة الشعراني في حاشيته على الوافي قائلًا: إنّ عبارة الفقهاء و إن اختلفت في تعريف العدالة، لكن غرضهم منها واحد، و قال في كشف اللثام: النزاع لفظي و هو حقّ، و اختلافهم إنّما هو في التعبير، و تعريف بعضهم أجمع و قيوده و احترازاته أظهر، و طرده و عكسه أوضح، و بعضهم سامح فلم يذكر بعض القيود لا لكونه غير معتبر في نظره.

و أحسن التعاريف و أجمعها تعريف العلّامة (رحمه اللَّه) و غيره: بأنّها كيفية نفسانية راسخة تبعث على ملازمة المروّة و التقوى، فإنّه راعى شرائط التعريف المنطقي و ذكر الجنس العالي الذي وقعت العدالة تحته و هو الكيف من المقولات العشرة، ثمّ قيّده بقيوده، و أنّ الكيف له أربعة أنواع، فبيّن أنّ العدالة كيف نفساني، و الكيف النفساني أيضاً نوعان: راسخة تسمّى بالملكة، و غير راسخة تسمّى حالًا، ثمّ ذكر أنّ العدالة

28

من النوع الأوّل، و لمّا كانت الملكات أنواعاً عديدة بيّن فصلها المميّز عن غيرها. و أمّا سائر التعريفات فلم يراعوا فيها الشرائط المنطبقة بهذا الوضوح، و إن كان مرادهم ذلك قطعاً، مثلًا: من لم يعبّر بالملكة النفسانية، و قال: العدالة هي الاجتناب عن الكبائر مثلًا فليس مقصوده أنّ من اجتنب عنها اتفاقاً أو تقرّب عهده بالبلوغ و عدم تنبّهه للمعاصي مع عدم حصول ملكة راسخة فيه يكون عادلًا، و كذلك مَن لم يذكر المروّة في صفات العادل، فليس مقصوده أنّ كلّ سفيه لا يعرف الحسن و القبح أو كان بذيّاً و وقيحاً لا يلتزم باجتناب القبائح فهو عادل يصحّ الصلاة خلفه.

و الدليل على صحّة هذا التعريف تتبّع موارد الاستعمال كسائر اللغات و الاصطلاحات، كما أنّ علماء المعاني و البيان بعد تتبّع موارد استعمال الفصيح و البليغ إذا عرفوا أنّ الناس لا يطلقون هاتين الكلمتين إلّا على من له ملكة الإتيان بالكلام الخالي عن التنافر و التعقيد و ضعف التأليف المطابق لمقتضى الحال، كذلك عرف الفقهاء أنّ العادل و الورع و المعروف بالستر و العفاف و المتّقي و من يثق بدينه، و أمثال ذلك لا يطلق في عرف الناس المتشرّعة و غيرهم إلّا على من له ملكة تبعثه على فعل الواجبات و اجتناب الكبائر و مخالفات المروّة، فيحمل ما ورد في الأحاديث من الألفاظ الدالّة على العدالة على صاحب الملكة المذكورة) (1).

____________

(1) الدرّ النضيد 2: 36، عن هامش الوافي 2: 154.

29

فأسدّ التعاريف ما ذهب إليه المشهور المؤالف و المخالف: من أنّها ملكة أو كيفية راسخة في النفس تبعث على ملازمة التقوى العام أي إتيان الواجبات و ترك المحرّمات مع مراعاة المروّة على قول، أو بعبارة أُخرى كما في متن العروة: العدالة عبارة عن ملكة إتيان الواجبات و ترك المحرّمات.

و في عدالة إمام الجماعة زاد المروّة.

و قد علّق بعض الأعلام على ذلك قائلًا: «بل العدالة عبارة عن الاستقامة في جادّة الشرع و عدم الانحراف عنها يميناً و شمالًا» (1)، و هذا بناءً على أنّ العدالة هي الأعمال الخارجية و الاستقامة الفعلية من دون اعتبار صدورها عن الملكة النفسانية.

فقال: لم تثبت للعدالة حقيقة شرعية و لا متشرّعية، و إنّما هي بمعناها اللغوي أعني الاستقامة و عدم الجور و الانحراف، و هي قد تستند إلى الأُمور المحسوسة فيقال: هذا الجدال عدل أو مستقيم أو أنّ العصا مستقيم، فتكون العدالة و الاستقامة من الأُمور المحسوسة، و قد تستند إلى الأُمور غير المحسوسة فيراد منها الاستقامة المعنوية و ذلك كالعقيدة و الفهم و الأخلاق، فيقال: عقيدة فلان مستقيمة أي غير مشوّشة، أو أنّ فهمه مستقيم في قبال اعوجاجه، أو أخلاقه مستقيمة أي لا إفراط فيها و لا تفريط، و قد تستند إلى الذوات فيقال: زيد عادل، و معناه أنّه‏

____________

(1) التنقيح 1: 254.

30

مستقيم في الخروج عن عهدة التكاليف المتوجّهة إليه، و حيث أنّ الشارع يراه مستقيماً في جادّة الشرع فهو عادل شرعاً و غير منحرف عن جادّته. فالعدالة المطلقة و هي المنسوبة إلى الذوات هي الاستقامة العملية كما يقتضيه معناها اللغوي، مع قطع النظر عن الروايات، و المتحصّل أنّ العدالة ليست لها حقيقة شرعية، و إنّما استعملت في الكتاب و الأخبار بمعناها اللغوي أعني الاستقامة و عدم الاعوجاج و الانحراف، و غاية الأمر أنّ موارد استعمالها مختلفة. كما ظهر أنّ العدالة ليست من الأوصاف النفسانية، و إنّما هي صفة عملية لأنّها في اللغة كما عرفت هي الاستقامة و عدم الجور، و في الشرع هي: الاستقامة في جادّته و إلى ذلك أُشير في جملة من الآيات المباركة كما في قوله تعالى‏ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا (1) و قوله‏ وَ لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ (2) لإضافة العدالة فيهما إلى الذات بلحاظ استقامتها في جادّة الشرع و تطابق أعمالها لأحكامه، ثمّ يوضح كلامه بشي‏ء من التفصيل. إلّا أنّه يرد عليه أنّه بعد ذلك يفسّر الاستقامة بتفسير يتطابق مع الملكة، فيقول: إنّ الاستقامة بالمعنى المتقدّم تعتبر أن تكون مستمرّة بأن تصير كالطبيعة الثانوية للمكلّف، فالاستقامة في حين دون حين كما في شهر رمضان أو المحرّم أو غيرهما دون بقيّة الشهور ليست من العدالة في شي‏ء، فإنّ‏

____________

(1) النساء: 3.

(2) النساء: 129.

31

المكلّف لا يكون مستقيماً بذلك في الجادّة، و لا سالكاً لها بداعي الخوف أو رجاء الثواب.

و بعبارة اخرى: إنّ المكلّف وقتئذٍ لا يمكن الوثوق باستقامته، لأنّه قد يستقيم و قد لا يستقيم مع أنّ المعتبر في العادل أن يوثق بدينه، و لا يتحقّق ذلك إلّا بالاستمرار في الاستقامة، و كذلك الحال فيما إذا استقام بالإضافة إلى بعض المحرّمات دون بعض، و لعلّ ما ذكرناه من اعتبار الاستمرار في فعل الواجبات و ترك المحرّمات هو الذي أراده القائل بالملكة و لم يرد أنّها ملكة كسائر الملكات و اللَّه العالم بحقيقة الحال‏ (1). انتهى كلامه رفع اللَّه مقامه.

فما ذكره (قدّس سرّه) عبارة أُخرى عن الملكة كما جاء ذلك في تقريره الآخر: إنّه ظهر ممّا ذكرنا أنّه يمكن أن يكون مراد من فسّرها بالملكة هو رسوخ الخوف في النفس لا أنّها ملكة كملكة الشجاعة و الجود (2).

و بهذا يلزم أن يكون النزاع في العدالة في الواقع باعتبار مفهوم الملكة سعةً و ضيقاً، فمن يراها بمعنى عدم صدور المعصية لمن اتّصف بها مطلقاً، فيلزم أن يكون المتّصف بالعدالة فرداً نادراً، و الحال قد ترتّبت أحكام كثيرة عليها فيلزم اختلال النظام حينئذٍ، فالتجأوا إلى أنّ المراد منها صدور الفعل عن المتّصف بها بسهولة،

____________

(1) التنقيح 1: 258.

(2) الدروس 1: 128.

32

و هي المرتبة الدانية من الملكة.

عن الوحيد البهبهاني (قدّس سرّه): إنّ حصول الملكة بالنسبة إلى كلّ المعاصي إنّما يكون في غاية الندرة إن فرض تحقّقه، و بديهي أنّ العدالة ممّا تعمّ به البلوى و تكثر إليه الحاجات في العبادات و المعاملات، فلو كان الأمر كما يقولون لزم اختلال النظام مع أنّ القطع حاصل بأنّه لم يكن في زمان المعصومين (عليهم السّلام) على هذا النهج أ لا ترى أنّه ورد في أنّ إمام الجماعة إذا حدث أو حدث له مانع آخر أخذ بيد آخر و أقامه مقامه) (1).

و الظاهر أنّ المقصود من ملكة العدالة في لسان الفقهاء ليست العدالة الأخلاقية التي تعني الملكة التي يقتدر بها العقل العملي على تعديل القوى الثلاثة من العاقلة و الشهوية و الغضبية على حسب ما يقتضيه العقل النظري، بل بمعنى الهيئة و الحالة الراسخة و الثابتة في النفس بداعي الخوف من اللَّه سبحانه تبعث على ملازمة التقوى من إتيان الواجبات و ترك المحرّمات على ما هو المتعارف، فإن فعل معصية في بعض الأحيان لغلبة الشهوة أو الغضب و مسّه طائف من الشيطان، فتذكّر و تبصّر، و سرعان ما تاب و أناب، فإنّه لا ينافي ذلك ملكة العدالة، فتدبّر.

و الملكة هذه من الكلّي المشكّك ذات المراتب الطولية و العرضية تختلف بالقوّة

____________

(1) الدرّ النضيد 2: 37.

33

و الضعف، فأعلاها ما في المعصوم و هي العصمة الذاتية، و أدناها ما يشترط في إمامة الجماعة، و من المتوسّطات ما يشترط في الفقيه و مرجع التقليد كما مرّ.

ثمّ ترك المحرّمات و إتيان الواجبات من الأفعال الاختيارية للإنسان كما هو الحقّ، فلها مبادئ و دواعي مختلفة، فربما تكون خوفاً من اللَّه سبحانه و من النار، أو طمعاً في الجنّة، أو امتثالًا لأمره و أنّه أحقّ بالعبادة و شكراً و حبّاً له، و كلّ ذلك يرجع إلى حبّ النفس باعتبار النشأة الأُخرى و تسمّى بالشهوة الحقّة، و إذا رجع إلى حبّ النفس باعتبار الدنيا الدنيّة فهي من الشهوة الباطلة.

ثمّ المبدأ الباعث لفعل الواجبات و ترك المحرّمات ربما يكون في زمن قصير غير ثابت في النفس يحصل بوعظ واعظ مثلًا، و ربما تكون ثابتة في النفس في طول الزمان مع النزاع النفسي بين الشهوة الحقّة و الشهوة الباطلة، و ربما تكون ثابتة في النفس توجب الإتيان و الاجتناب بسهولة و تسمّى بالملكة، «و لا ينافي وجودها ارتكاب المعصية و لو كانت كبيرة لجواز غلبة المزاحم من قوّتي الشهوة و الغضب عليها، كما لا ينافي وجود سائر الملكات كملكتي الشجاعة و الكرم تخلّف مقتضاها أحياناً، و لذا قيل: (إنّ الجواد قد يكبو، و السيف قد ينبو) و ليس المراد منها خصوص المرتبة العالية التي لا يتخلّف مقتضاها و لا يغلبها المزاحم، فإنّ ذلك خلاف إطلاق الأدلّة، و يستوجب ندرة وجودها جدّاً، بل يمتنع إحراز وجود هذه المرتبة في أكثر الأعصار، فيلزم منه تعطيل الأحكام و اختلال النظام، و لذا قال الصادق (عليه السّلام) في رواية علقمة: (لو لم تقبل شهادة المقترفين للذنوب لما قبلت إلّا

34

شهادة الأنبياء و الأوصياء (عليهم السّلام)) لأنّهم المعصومون دون سائر الخلق، و قد ورد في جملة من النصوص قبول شهادة المحدود بعد توبته، و جملة منها واردة في خصوص القاذف بعد التوبة، و بالجملة: عدم اعتبار المرتبة العالية في ترتّب أحكام العدالة ممّا لا ريب فيه إجماعاً و نصّاً و سيرة» (1). و ربما تصل إلى أوجها فتكون من الفضيلة، و ربما تصل إلى درجة العصمة الأفعالية، و في المعصوم (عليه السّلام) العصمة الذاتية الكلّية الواجبة.

ثمّ الملكة ربما تكون شأنية و ربما تكون فعليّة، و ما يشترط في العدالة هي الملكة الفعلية لمناسبة الحكم و الموضوع. فتصدق العدالة عرفاً لمن كان مستقيماً في جادّة الشرع بملكة راسخة في النفس، بداعٍ إلهي، طمعاً في الجنّة أو خوفاً من النار أو حبّا و شكراً للَّه سبحانه.

و ذهب المشهور و منهم شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) و جمع ممّن تقدّمه و تأخّر عنه إلى أنّ العدالة يعتبر فيها أن يستند العمل إلى الملكة النفسانية تدعو المكلّف إليه و تبعثه على ملازمة الطاعة و ترك المعصية، فالعمل المجرّد من الملكة لا يكون من العدالة في شي‏ء، و حيث إنّ الملكة من الصفات النفسانية و الأُمور غير المحسوسة، فلا مناص من أن نستكشفها بما جعله الشارع معرّفاً إلى وجودها و كاشفاً عنها من حسن الظاهر أو غيره، و هذا قد استدلّ عليه بوجوه:

____________

(1) المستمسك 1: 51.

35

الأوّل: الشكّ في اعتبار الملكة في العدالة من الشكّ في المفهوم سعةً و ضيقاً، و لا بدّ فيه من الأخذ بالمقدار المتيقّن و هو اعتبار الملكة، فجواز الائتمام في صلاة الجماعة و نفوذ القضاء و الشهادة إنّما تترتّب على ترك المحرّمات و الآتيان بالواجبات إذا كان الباعث إليهما هو الملكة النفسانية. و أمّا مجرّد الإتيان و الترك من دون الملكة فمقتضى الأصل عند الشكّ عدم ترتّب الآثار عليه.

و أجاب سيّدنا الخوئي (قدّس سرّه) عن هذا بأنّ العدالة في مفهومها العرفي لم يكن مجملًا حتّى يجب الأخذ بالقدر المتيقّن و هو المضيّق بل هو من المبيّن و هي الاستقامة العملية في جادّة الشرع، و أنّ هذا هو الذي أُخذ في موضوع الأحكام الشرعية، و هو مفهوم موسّع و عند الشكّ في تقييده بالملكة فالأصل عدمه‏ (1).

و لكن قد ذكرنا أنّ المستفاد من المعنى اللغوي و المتفاهم العرفي ليس مجرّد الاستقامة الفعلية بل يرون ضرورة أن تكون ذلك عن ملكة راسخة في النفس، حتّى السيّد بنفسه قد اعترف بذلك، بأنّه لا بدّ من الاستمرارية في الاستقامة حتّى تكون طبيعة ثانوية، و هل الطبيعة الثانوية إلّا عبارة أُخرى عن الملكة، كما أنّ كلمة الاستقامة بنفسها تدلّ على كونها عن ملكة.

الثاني: الأخبار الواردة في أنّ إمام الجماعة يشترط فيه الوثوق بدينه، و لا يحصل الوثوق بمجرّد الاستقامة العملية المجرّدة عن الملكة، فإنّا لا نثق بدين من‏

____________

(1) التنقيح 1: 259.

36

يأتي بالواجبات و يترك المحرّمات لا عن ملكةٍ، لاحتمال أن يرتكب المعصية في المستقبل.

و أجاب السيّد الخوئي (قدّس سرّه) بالمنع عن عدم حصول الوثوق بدين من نرى أنّه يأتي بواجباته و يترك المحرّمات، فمن يخاف الجنّ مثلًا لو عاشرناه مدّة فوجدناه لا يسكن مكاناً خالياً من الإنس، فإنّه نحكم عليه جزماً أنّ الرجل يخاف الجنّ في المستقبل، و يحصل لنا الوثوق بذلك في حقّه، و كذلك في من عاشرناه فوجدناه يخاف اللَّه و لا يرتكب محرّماً، فإنّ يحصل الوثوق بدينه بأنّه لا يرتكب المعصية في المستقبل.

و لكنّ الظاهر خلاف ذلك، فإنّ مجرّد الخوف في برهة قصيرة كيف يوجب الوثوق و الاطمئنان بديانته؟ كما أنّه فرق بين الموردين فكيف يقاس بينهما؟

الثالث: الروايات الواردة في العدالة قد أُخذ في موضوعها أوصاف و عناوين خاصّة لا تنطبق إلّا على صاحب الملكة كالعفاف و الستر و الصلاح و المأمونية و الخيّر و الصائن، مع الإجماع على عدم اعتبارها زائدة على العدالة.

و ناقش السيّد الخوئي ذلك أيضاً بأنّ العناوين المذكورة غير منطبقة على الأفعال النفسانية فضلًا عن أن تنطبق على الصفات النفسانية، ثمّ يوضح كلامه بالتفصيل‏ (1).

____________

(1) راجع التنقيح 1: 262.

37

و الظاهر أنّ العفاف و الستر على نحو الاستمرارية تعني الملكة.

الرابع: صحيحة عبد اللَّه بن أبي يعفور كما سنذكر ذلك و تقريب الاستدلال بها يتوقّف على مقدّمتين:

الاولى: أن يكون قوله (عليه السّلام): «أن تعرفوه بالستر و العفاف» معرّفاً منطقياً أيّ حدّا أو رسماً للعدالة و بياناً لماهيّتها، فالعدالة عين الاشتهار و المعروفية بالستر و العفاف.

الثانية: أن يكون العفاف و الستر من الصفات النفسانية، و عند ضمّ إحدى المقدّمتين بالأُخرى تكون النتيجة أنّ العدالة ملكة و من الصفات النفسانية.

و قد ناقش السيّد الخوئي في المقدّمتين بأنّه من المعرّف الأُصولي اللغوي و ليس منطقياً حتّى يلزم العينية، كما أنّ العفاف هو الامتناع عمّا لا يحلّ و هو من الأفعال الخارجية لا النفسانية فضلًا عن أن تكون من الصفات النفسانية، و كذلك الكلام في الستر فهو بمعنى التغطية و هي من الأفعال الخارجية.

و لكن ما ذهب إليه خلاف الظاهر.

و السيّد الحكيم (قدّس سرّه) بعد ذكر روايات المقام يقول: «و المتحصّل ممّا ذكرنا أُمور:

الأوّل: اعتبار الملكة في العدالة.

الثاني: عدم اعتبار كونها بمرتبة لا يغلبها المزاحم بنحو يستوجب العصمة.

الثالث: أنّه لا يكفي أدنى مراتبها إذا كان بنحو لا يصدق الستر و الصلاح.

38

الرابع: أنّ من لوازم الملكة المذكورة حصول الندم بعد فعل المعصية و الالتفات إلى ذلك، و إن كانت الملكة بمرتبة دانية ضعيفة جدّاً» (1).

و المختار اعتبار الملكة في العدالة، و لو في بداية أمرها أي و إن لم تكن راسخة في النفس كرسوخ الوتد في الأرض، فتأمّل.

____________

(1) المستمسك 1: 53.

39

المقام الثاني العدالة في الكتاب و السنّة

بعد أن عرفنا معنى العدالة لغةً و اصطلاحاً، يقع الكلام في النصوص الشرعية من الآيات الكريمة و الأحاديث الشريفة التي ورد فيها كلمة (العدل) و مشتقّاتها، و أنّ العدل تارة يقابله الظلم و أُخرى يقابله الفسق، و إن كان الثاني يرجع إلى الأوّل لو كان المراد منه المعنى الأعمّ كما في قوله تعالى‏ رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا (1) عند ارتكاب المعصية أو ترك الأولى في الأنبياء (عليهم السّلام).

و الظاهر عدم ثبوت الحقيقة الشرعية للعدالة، بل قيل: و لا المتشرّعية؛ فما ذكر موضوعاً لبعض الأحكام الشرعية هل هو خصوص عنوان العدالة بما له من المعنى اللغوي و المعرفي أو تفسير خاصّ، أو هناك عناوين اخرى تدلّ على مفهوم العدالة، كالصالح و المأمون على دينه و المرضي في أفعاله و الخيّر و الصائن و العفيف و ما شابه ذلك.

فإن ورد في النصوص تفسير خاصّ للعدالة فهو المراد، و يكون حاكماً على المتفاهم اللغوي و العرفي، و إلّا فيرجع في معرفتها إلى العرف، فتكون من‏

____________

(1) الأعراف: 23.

40

الموضوعات العرفية يرجع في فهمها و معرفتها إلى العرف، و الظاهر باعتبار مناسبة الحكم و الموضوع يقتضي أنّ العدالة و إن أُخذت بمعناها العرفي، إلّا أنّه لا بدّ أن يكون في طريق الشرع و مفاهيمه و موارد استعماله.

استعمل العدل و مشتقّاته في القرآن الكريم في (28) موضعاً،

منها قوله تعالى:

وَ لْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كاتِبٌ بِالْعَدْلِ‏ (1).

وَ أُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ‏ (2).

فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ‏ (3).

وَ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى‏ أَلَّا تَعْدِلُوا (4).

اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى‏ وَ اتَّقُوا اللَّهَ‏ (5).

وَ إِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَ لَوْ كانَ ذا قُرْبى‏ (6).

وَ إِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ‏ (7).

____________

(1) البقرة: 282.

(2) الشورى: 15.

(3) النساء: 3.

(4) المائدة: 8.

(5) المائدة: 8.

(6) الأنعام: 152.

(7) النساء: 58.

41

يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ‏ (1).

اثْنانِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرانِ مِنْ غَيْرِكُمْ‏ (2).

إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسانِ‏ (3).

وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَ أَقِيمُوا الشَّهادَةَ لِلَّهِ‏ (4).

كما ورد ما يقابل العدل أي الظلم في القرآن في (315) موضعاً، و الفسق في (54) موضعاً.

هذه جمله من الآيات الكريمة،

و أمّا ما ورد في السنّة الشريفة،

فعمدة الأخبار حديث عبد اللَّه بن أبي يعفور (5).

1 محمّد بن عليّ بن الحسين، بإسناده عن عبد اللَّه بن أبي يعفور، قال: قلت لأبي عبد اللَّه (عليه السّلام): بِمَ يعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتّى تقبل شهادته لهم و عليهم؟

____________

(1) المائدة: 95.

(2) المائدة: 106.

(3) النحل: 90.

(4) الطلاق: 2.

(5) الوسائل 18: 288، باب 41 من أبواب الشهادات، الحديث 1، و في من لا يحضره الفقيه 3: 24، و في تهذيب الأحكام 6: 241، و في الاستبصار 3: 12.

42

فقال (عليه السّلام): أن تعرفوه بالستر و العفاف، و كفّ البطن و الفرج و اليد و اللسان، و تعرف باجتناب الكبائر التي أوعد اللَّه عليها النار من شرب الخمور و الزنا و الربا و عقوق الوالدين و الفرار من الزحف و غير ذلك. و الدلالة على ذلك كلّه أن يكون ساتراً لجميع عيوبه حتّى يحرم على المسلمين ما وراء ذلك من عثراته و عيوبه و تفتيش ما وراء ذلك، و يجب عليهم تزكيته و إظهار عدالته في الناس، و يكون منه التعاهد للصلوات الخمس إذا واظب عليهن، و حفظ مواقيتهن بحضور جماعة من المسلمين، و أن لا يتخلّف عن جماعتهم في مصلّاهم إلّا من علّة، فإذا كان كذلك لازماً لمصلّاه عند حضور الصلوات الخمس، فإذا سئل عنه في قبيلته و محلّته قالوا: ما رأينا منه إلّا خيراً، مواظباً على الصلوات، متعاهداً لأوقاتها في مصلّاه، فإنّ ذلك يجيز شهادته و عدالته بين المسلمين. و ذلك أنّ الصلاة ستر و كفّارة للذنوب، و ليس يمكن الشهادة على الرجل بأنّه يصلّي إذا كان لا يحضر مصلّاه و يتعاهد جماعة المسلمين، و إنّما جعل الجماعة و الاجتماع إلى الصلاة لكي يعرف من يصلّي ممّن لا يصلّي، و من يحفظ مواقيت الصلاة ممّن يضيّع، و لو لا ذلك لم يمكن لأحد أن يشهد على آخر بصلاح، لأنّ من لا يصلّي لا صلاح له بين المسلمين، فإنّ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و آله) همّ بأن يحرق قوماً في منازلهم لتركهم الحضور لجماعة المسلمين، و قد كان فيهم من يصلّي في بيته فلم يقبل منه ذلك، و كيف يقبل شهادة أو عدالة بين المسلمين ممّن جرى الحكم من اللَّه عزّ و جلّ و من رسوله (صلّى اللَّه عليه و آله) فيه الحرق في جوف بيته بالنار، و قد كان يقول لا صلاة لمن لا يصلّي في المسجد مع المسلمين‏

43

إلّا من علّة).

2 و رواه الشيخ بإسناده عن محمّد بن أحمد بن يحيى، عن محمّد بن موسى، عن الحسن بن عليّ، عن أبيه، عن عليّ بن عقبة، عن موسى بن أكيل النميري، عن ابن أبي يعفور، نحوه، إلّا أنّه أسقط قوله: فإذا كان كذلك لازماً لمصلّاه إلى قوله و من يحفظ مواقيت الصلاة ممّن يضيع، و أسقط قوله: فإنّ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و آله) همّ بأن يحرق إلى قوله بين المسلمين، و زاد: و قال رسول اللَّه: لا غيبة إلّا لمن صلّى في بيته و رغب عن جماعتنا، و من رغب عن جماعة المسلمين وجب على المسلمين غيبته، و سقطت بينهم عدالته، و وجب هجرانه، و إذا رفع إلى إمام المسلمين أنذره و حذّره، فإن حضر جماعة المسلمين، و إلّا أُحرق عليه بيته، و من لزم جماعتهم حرمت عليهم غيبته و ثبتت عدالته بينهم.

سند الخبر الشريف:

و قبل بيان دلالة الخبر لا بدّ من معرفة السند و صحّته، فقد اختلف الأعلام في ذلك، فذهب سيّدنا الخوئي (قدّس سرّه) إلى تضعيفه قائلًا في الهامش بعد أن ذكر في المتن‏ (1) صحيحة عبد اللَّه بن أبي يعفور هكذا عبّروا عنها في كلماتهم إلّا أنّ الأمر ليس كذلك لأنّها قد رويت بطريقي الصدوق و الشيخ (قدّس سرّهما)، و كلا الطريقين ضعيف. أمّا

____________

(1) التنقيح 1: 263.

44

طريق الصدوق فلأنّ فيه أحمد بن محمّد بن يحيى العطّار و قد مرّ غير مرّة عدم ثبوت وثاقته، و أمّا طريق الشيخ فلأنّ فيه محمّد بن موسى الهمداني و هو و إن كان ممّن وقع في أسانيد كامل الزيارات و مقتضى ذلك وثاقته، إلّا أنّه معارض بتضعيفه، و هذا لا لأنّه مستثنى من كتاب نوادر الحكمة لأنّه مستند إلى توهّم أنّ الرجل قد وضع أصلي زيد النرسي و زيد الزرّاد و هذا خطأ، لأنّ أصلهما ممّا رواه عنهما ابن أبي عمير، و قد عثروا على طريق معتبر إليهما من دون أن ينتهي إلى الرجل على ما نبّه عليه السيّد الطباطبائي و السيّد الصدر كما لا يخفى على من راجع ترجمة زيد الزرّاد بل لما ذكره ابن الوليد من أنّ الرجل كان يضع الحديث، فإنّه ممّا لا يمكن حمله على وضعه خصوص أصلي الزيدين، لإطلاقه، إذ لا يمكن الاعتماد على روايات الرجل بوجه.

ثمّ بعد البحث عن دلالة الخبر قال: (و الذي يسهل الخطب أنّ الرواية ضعيفة السند و غير قابلة للاستدلال بها في شي‏ء) (1).

و ذهب من قبل صاحب مفتاح الكرامة إلى أنّ (الظاهر أنّ الخبر غير صحيح لا في التهذيب و لا في الفقيه) (2).

1 هذا ما قيل في تضعيف الخبر سنداً، إلّا أنّه صرّح جماعة من الأصحاب‏

____________

(1) التنقيح 1: 370.

(2) مفتاح الكرامة 3: 911، الدرّ النضيد 2: 21.

45

بصحّته، منهم: العلّامة الطباطبائي بحر العلوم، و الشيخ الأنصاري، و العلّامة الحلّي في خلاصته قد صحّح طريق الصدوق إلى عبد اللَّه بن أبي يعفور (1) و في طريقه أحمد ابن محمّد بن يحيى، و حكى توثيقه عن الشهيد الثاني في الدراية، و الشيخ البهائي في مشرق الشمسين، و سيّدنا الحكيم في المستمسك، و غيرهم.

2 ثمّ أحمد بن محمّد بن العطّار و إن لم يذكر بمدح و لا ذمّ، فيلزم أن يكون مجهولًا في ظاهر الأمر، إلّا أنّه ربما لم يذكر الرجل بمدحٍ مع كثرة ما يروي و يروى عنه لاشتهاره بالوثاقة و كأنّه مفروغ عنه بأنّه ثقة ثبت.

3 «كما أنّ أحمد العطّار من مشايخ الإجازة و لا يضرّ جهالته فإنّه يذكر لمجرّد اتّصال السند تيمّناً و تبرّكاً، و ليكون على رواية الحديث سنداً معنعناً، لا لأنّهم من المصنّفين حتّى يحتاج في صحّة رواياتهم إلى توثيقهم لتصريح أرباب الجوامع بأنّهم نقلوا الأحاديث من الكتب و الأُصول و الفهرستات المقرّرة المعروفة في ذلك الزمان كما هو الشأن في هذا الزمان بالنسبة إلى الكتب الأربعة و نحوها، فكما لا يضرّ جهالة الوسط في رواية الكتب الأربعة بعد اشتهارها في الخارج، فكذلك لا يضرّ جهالة هذا الوسط ما لم يظهر أنّه صاحب رواية أو أصل بعد اشتهار تلك الكتب و الأُصول» (2).

____________

(1) خلاصة الرجال: 257.

(2) الدرّ النضيد 2: 22، عن مجمع الرجال 7: 204.

46

4 أضف إلى ذلك أنّ الشيخ الصدوق عند ذكر مشايخه في الإجازة يترحّم و يترضّى عليهم و منهم أحمد العطّار فيدلّ على إيمانه و توثيقه، و إلّا لصرّح بسوء عقيدته و فسقه.

5 كما أنّ السيّد البروجردي (قدّس سرّه) أشار إلى أنّ منشأ الإشكال في صحّة الخبر هو عدم ذكر أحمد بن محمّد بن يحيى العطّار في الكتب الرجالية حتّى نعرف تعديله أو جرحه، و التحقيق عدم الاحتياج إلى ذلك، فإنّ كتب الرجال معدودة و معروفة كرجال الشيخ و رجال الكشّي و فهرستي النجاشي و الشيخ، و عدم التعرّض لراوٍ في كتبهم لا يدلّ على عدم الاعتناء برواياته، لعدم اشتمال الكتب على جميع الرجال، فإنّ رجال الشيخ في الظاهر لم يوضع لبيان كلّ الرجال، و رجال الكشّي باعتبار الرواة الذين ورد في حقّهم رواية أو روايات في المدح أو القدح لا ذكر كلّ راوٍ، و أمّا كتاب النجاشي فغرضه بيان المصنّفين و من كان له تأليف أو تصنيف، و كذلك فهرست الشيخ، فعدم ذكر الراوي في كتبهم لا يدلّ على عدم توثيقه‏ (1).

6 كما أنّ الشيخ البهائي في مشرق الشمسين يرى وثاقة الراوي، بأنّه يمكن استكشاف وثاقة الراوي و عدالته من خلال تلامذته و الراوين عنه، فإذا كانوا من الأجلّاء كالمشايخ الثلاثة الصدوق و الشيخ المفيد و الشيخ الطوسي عليهم الرحمة مع كثرة الرواية عنه فإنّه لا يبقى الشكّ في وثاقته أصلًا (2).

____________

(1) اقتباس من الدرّ النضيد 2: 24، عن نهاية التقرير 2: 270.

(2) مشرق الشمسين: 276.

47

هذا بالنسبة إلى أحمد بن محمّد بن يحيى العطّار، و أمّا محمّد بن موسى الهمداني، فقد قال النجاشي في حقّه: (إنّه ضعّفه القمّيون بالغلوّ و كان ابن الوليد يقول إنّه كان يضع الحديث، و اللَّه أعلم) (1).

و ظاهر كلامه التوقّف في كلام ابن الوليد في وضعه الحديث، و ربما لما توهّم أنّه وضع أصلي الزيدين و لكن كما أشار السيّد الخوئي (قدّس سرّه) أنّهما مرويّان عنهما عن ابن أبي عمير بسندٍ معتبر.

و أمّا التضعيف بالغلوّ فلا يعتمد عليه، حتّى قال المحقّق المامقاني في رجاله: (ما هو اليوم من ضروريات المذهب كعدم سهو النبيّ (صلّى اللَّه عليه و آله) كان القدماء يعدّونه غلوّاً، كما أنّ الرجل له كتاب في الردّ على الغلاة، فكيف يكون منهم، كما أنّه وقع في سند كامل الزيارات.

و بهذا يلزم أن يكون الخبر صحيحاً من جهة السند كما اشتهر بين الأصحاب، و هو المختار.

دلالة الخبر الشريف:

لقد اختلف الأعلام في دلالة الخبر الشريف بأنّ سؤال السائل ابن أبي يعفور هل يتعلّق بمعرفة مفهوم العدالة أو أنّه يسأل عن الطريق الكاشف عن العدالة بعد

____________

(1) رجال النجاشي: 260.

48

فرض كون السائل عارفاً بحقيقة العدالة، و ربما السؤال عن الأمرين، أو كان عن الطريق الكاشف إلّا أنّ الإمام (عليه السّلام) أجاب عن الأمرين.

ذهب سيّدنا الحكيم (قدّس سرّه): إنّ ظاهر السؤال كونه عن الطريق إلى العدالة بعد معرفة مفهومها، و الظاهر أنّ هذا إنّما يتمّ لمن عرف العدالة المصطلحة من قبل فيسأل عن طريق كشفها، و هذا المعنى لا يصدق في حقّ ابن أبي يعفور و من في زمانه، فقد اشتهر الاصطلاح العلمي لمعنى العدالة بعد ذلك الزمان، فيبعد أن يكون مثل ابن أبي يعفور عارفاً بالمفهوم و جاهلًا بالطريق. فالمتبادر من السؤال هو أن يعرف حقيقة العدالة لا سيّما و كان الاختلاف بين المسلمين في عصر الأئمة (عليهم السّلام) حول حقيقة العدالة لورودها في الكتاب و السنّة.

يقول ابن رشد القرطبي المتوفّى سنة 597: اختلف المسلمون في ماهيّة العدالة، بعد اتفاقهم على اعتبارها في الشاهد، فقال الجمهور: هي صفة زائدة على الإسلام و هو أن يكون ملتزماً لواجبات الشرع و مستحبّاته مجتنباً للمحرّمات و المكروهات، و قال أبو حنيفة: يكفي في العدالة ظاهر الإسلام و أن لا تعلم منه حرمة، و سبب الخلاف كما قلنا تردّدهم في مفهوم العدالة المقابلة للفسق» (1).

فيلزم أن يكون السؤال عن مفهوم العدالة و الطريق إليها.

____________

(1) بداية المجتهد 2: 451.

49

فقوله (عليه السّلام): (أن تعرفوه بالستر و العفاف) إنّ مفهوم العدالة هو الستر و العفاف.

و قيل: لا يصحّ حمل الستر و العفاف على العدالة لمكان (أن تعرفوه) أي معروفية الرجل بالستر و العفاف، فالجواب بقوله (عليه السّلام): (أن تعرفوه بالستر و العفاف) ظاهر في إرادة المعروفية بهذه الأُمور بمعنى الشياع عند الناس، فيدلّ على أنّ الشياع بها طريق لمعرفة العدالة تعبّداً.

و أُجيب: بأنّه يصحّ حمل الستر و العفاف على العدالة فيصحّ أن يكون معرّفاً لها، (و أن تعرفوه) أُخذ بنحو الطريقية لا الموضوعية، فإنّها خلاف ظاهر الإطلاق‏ (1).

فالجملة الاولى جاءت لبيان مفهوم العدالة، فمراده (عليه السّلام) (أن تعرفوه بالستر و العفاف) أي يكون الرجل ساتراً عفيفاً كما ورد في موثّقة سماعة.

ثمّ ما المراد من الستر؟ ففي اللغة بمعنى تغطية الشي‏ء، و في النصّ فسّر بالحياء من اللَّه و من الناس بأن يأبى عن ارتكاب المحرّمات و الآثام فيستحيي و يستتر.

و العفاف لم يقصد منه المصطلح عند علماء الأخلاق و هو الفضيلة بين الشره و الجمود في القوّة الشهوية، فإنّ هذا معنى مستحدث بل بمعنى الحياء أيضاً، و بمعنى‏

____________

(1) الاجتهاد و التقليد؛ لسيّدنا رضا الصدر: 349.

50

الكفّ عمّا لا يحلّ و لا يجمل، فيكون مرادفاً للستر و عطفاً تفسيراً عليه، ثمّ الاستحياء من اللَّه سبحانه من الصفات النفسانية التي يعبّر عنها بالملكة، و ليس من الأفعال الخارجية كما قيل.

ثمّ قوله (عليه السّلام): (و كفّ البطن و الفرج و اليد و اللسان) هو من العطف التفسيري أيضاً و بيان مصاديق العفاف و الستر، فكفّ البطن عبارة أُخرى عن العفاف كما أنّ العفاف كفّ البطن.

ثمّ قوله (عليه السّلام): (و تعرف باجتناب الكبائر) إمّا أن يكون (عليه السّلام) في مقام بيان طريق الكشف بعد معرفة مفهوم العدالة، بقرينة إتيان الفعل مبنيّاً للمفعول، أو برجوع الضمير في قوله (عليه السّلام) (و تعرف) إلى كفّ البطن و الفرج و اليد و اللسان، فيكون مراده (عليه السّلام) بقوله (أن تعرفوه) إلى قوله (و الدلالة على ذلك) أنّ مفهوم العدالة هو الستر و العفاف باجتناب الكبائر التي أوعد اللَّه تعالى عليها النار بحيث صار صفة نفسانية و ملكة له.

و أمّا قوله (عليه السّلام): (و الدلالة على ذلك) إمّا أن يكون مصداق آخر لحسن الظاهر لو كان (تعرف بالاجتناب) مصداق لحسن الظاهر و طريق لمعرفة العدالة، كما أنّ من مصاديق حسن الظاهر تعاهده للصلوات الخمس، فمن المصاديق اجتناب المحرّمات و ترك الكبائر، و منها الإتيان بالواجبات و التعاهد على المستحبّات التي يراها الناس كالصلاة جماعة، و يشهد لذلك أنّه لو سئل عنه في قبيلته و محلّته لقالوا ما رأينا منه إلّا خيراً، و الاجتناب عن بعض المحرّمات طريقاً إلى معرفة

51

الاجتناب عن جميعها في الظاهر، و أنّ الظاهر عنوان الباطن و المجاز قنطرة الحقيقة.

و إمّا أن يكون (و الدلالة على ذلك كلّه) هو الطريق و الأمارة على معرفة عدالة الرجل، فكلّ من كان ساتراً لجميع عيوبه حتّى يحرم على المسلمين تفحّص ما وراء ذلك، بل عليهم تزكيته و إظهار عدالته و عدم جواز غيبته، و لمّا كان إحراز ذلك يتوقّف على معاشرة طويلة يصعب على عامّة الناس فقد أشار (عليه السّلام) إلى طريق سهل و ذلك تعاهد الرجل لصلواته الخمسة و حفظ مواقيتهن بحضور الجماعة و عدم تخلّفه إلّا عن علّة، فيصحّ الحكم بعدالته حينئذٍ. و اختيار الصلوات لعدم قبول الاعتذار عند عدم حضوره الجماعة غالباً، بخلاف الحجّ و الصوم و الزكاة و الخمس فيصحّ الاعتذار عنها بعدم القدرة، كما أنّ الصلاة عمود الدين إن قُبلت قُبل ما سواها، و إن رُدّت رُدّ ما سواها، كما أنّ الفارق بين المؤمن و الكافر. كما أنّ من ترك الجماعة لا يكون ساتراً لعيوبه بل يلزمه الإظهار كما من لم يحضر فلا دليل لنا على أنّه يصلّي، كما أنّ حضوره للجماعة دليل شرعي على كونه تاركاً لما نهى اللَّه عنه و عاملًا بكلّ ما أمر اللَّه تعالى به.

فالعدالة هي الملكة الراسخة في النفس الباعثة على ملازمة التقوى بإتيان الواجبات و ترك المحرّمات، فمن اجتنب عنها أحياناً بعد التوبة عن المعصية، أو كان قريب العهد بالبلوغ و لم تحصل له الملكة لا يكون عادلًا، كما لا يكون فاسقاً لعدم ارتكاب المعصية.

52

[بقية الأخبار]

هذا و من الأخبار الشريفة الدالّة على عدالة الشاهد، و من ثمّ تعريف العدالة بعناوين اخرى تدلّ عليها بالملازمة أو الترادف، كخبر عمّار بن مروان عن أبي عبد اللَّه (عليه السّلام).

في الرجل يشهد لابنه و الابن لأبيه و الرجل لامرأته، فقال: لا بأس بذلك إذا كان خيّراً (1).

و خبر أبي بصير.

قال: لا بأس بشهادة الضيف إذا كان عفيفاً صائناً.

و خبر عبد الكريم بن أبي يعفور عن أبي جعفر (عليه السّلام).

قال: تقبل شهادة المرأة و النسوة إذا كنّ مستورات من أهل البيوتات معروفات بالستر و العفاف مطيعات للأزواج تاركات للبذاء و التبرّج إلى الرجال في أنديتهم.

و خبر السكوني عن جعفر عن أبيه (عليهما السّلام).

إنّ شهادة الأخ لأخيه يجوز إذا كان مرضيّاً و معه شاهد آخر.

و في خبر قاسم بن سليمان.

فقال أبو عبد اللَّه (عليه السّلام): كان أبي يقول: إذا تاب و لم يعلم منه إلّا خيراً تجوز شهادته، قال: نعم.

____________

(1) الوسائل: الباب 41 من أبواب الشهادات، الحديث 9 10، 19 20.

53

و خبر علاء بن سيابة، عن أبي جعفر (عليه السّلام).

قلت: فالمكاري و الجمّال و الملّاح؟ فقال: و ما بأس بهم تقبل شهادتهم إذا كانوا صلحاء.

و خبر يونس بن عبد الرحمن عن بعض رجاله عن أبي عبد اللَّه (عليه السّلام)، قال: سألته عن البيّنة إذا أُقيمت على الحقّ، أ يحلّ للقاضي أن يقضي بقول البيّنة؟ فقال: خمسة أشياء يجب على الناس الأخذ فيها بظاهر الحكم: الولايات و المناكح و الذبائح و الشهادات و الأنساب، فإذا كان ظاهر الرجل ظاهراً مأموناً جازت شهادته و لا يسأل عن باطنه.

و خبر عبد اللَّه بن المغيرة، قال: قلت للرضا (عليه السّلام): رجل طلّق امرأته و أشهد شاهدين ناصبيين؟ قال: كلّ من ولد على الفطرة و عرف بالصلاح في نفسه جازت شهادته.

إلى غير ذلك من الأحاديث الشريفة.

فقال بعض الأعلام: إنّ العناوين المذكورة (العفاف و الستر و الصلاح و المأمونية و المرضي و الخيّر و الصائن مع الإجماع على عدم اعتبارها زائدة على العدالة) غير منطبقة على الأفعال النفسانية فضلًا عن أن تنطبق على الصفات النفسانية، و تفصيل ذلك: أنّ كون الرجل مرضياً بمعنى أن يكون أفعاله ممّا يرضى به الناس، كما إذا لم يظلمهم و لم يكذبهم و لا أنّه عمل عملًا ينافي لرضاهم فهو من صفات الأعمال الخارجية، و ليس من الصفات النفسانية في شي‏ء، نعم الرضا صفة

54

نفسانية، إلّا أنّه أجنبيّ عن المتّصف بالعدالة لأنّه أمر قائم بالغير، إذ العادل هو المرضي، و الراضي عن أفعاله هو الغير، و معنى كونه صالحاً أن لا يكون فاسد العمل و لا مفسداً به، فهو أيضاً من صفات الأعمال الخارجية. و كذلك كونه مأموناً، فإنّ الأمن و إن كان بمعنى اطمئنان النفس و سكونها في مقابل اضطرابها و تشويشها، إلّا أنّه أمر قائم بالغير دون المتّصف بالعدالة لأنّه المأمون و هو إنّما يتحقّق بكونه مستقيماً في أعماله و وظائفه بعدم أكله أموال الناس و ترك الخيانة في إعراضهم و نفوسهم حتّى يطمئنّوا به، و أمّا الستر فهو بمعنى التغطية و كون المكلّف ساتراً إمّا بمعنى أنّه ساتر لعيوبه عن اللَّه سبحانه فهو بهذا المعنى عبارة أُخرى عن اجتنابه المعاصي لئلّا ينهتك سرّه و تظهر عيوبه لدى اللَّه. و إمّا بمعنى كونه مستوراً لدى الناس و معناه أنّه لا يتجاسر بالمعاصي و لا يتجاهر بها لدى الناس، فهذا أيضاً من عناوين الأعمال الخارجية و ليس من الصفة النفسانية في شي‏ء. كما أنّ الخيّر هو الذي كانت أعماله خيراً، و الصائن من ترك المعاصي مع وجود المقتضي لارتكابها. و العفّة بمعنى الامتناع عمّا لا يحلّ، ففلان عفيف أي ممتنع عمّا لا يحلّ كأذى الناس و غيره من المحرّمات الإلهيّة، و يأتي للعفاف بيان زائد على ذلك عند التكلّم على الوجه الرابع حول صحيحة عبد اللَّه بن أبي يعفور و المتحصّل أنّ العناوين المذكورة غير منطبقة على الصفات النفسانية بوجه‏ (1).

____________

(1) التنقيح 1: 263.

55

أقول: و لكنّ ظاهر الأخبار و الظواهر حجّة خلاف ذلك، فإنّ معنى الخيّر هو الذي يأتي بالخيرات مستمرّاً حتّى ينبئ ذلك عن ملكة راسخة و حالة نفسانية، فلا يقال له خيّر، إلّا إذا استمرّ منه عمل الخير بسهولة و بساطة، و العفيف هو الذي له ملكة العفّة و الحياء من اللَّه و من الناس، فيمتنع عمّا لا يحلّ و ما لا يجمل، و الصائن من له ملكة ترك المعاصي مع وجود المقتضي لارتكابها، فيصون نفسه بيُسر و سهولة، فإنّ الصيانة أصبحت عنده حالة نفسانية راسخة يرتدع بها عن الارتكاب.

و كذلك العناوين الأُخرى فظاهرها الاستمرارية الدالّة على الملكة التي هي صفة نفسانية لا تزول بسرعة، و تكون سبباً لصدور الأفعال أو تروكها بسهولة، و على سبيل الاستمرار في زمان غير قصير.

فملكة الشجاعة و الكرم إنّما تصدق مع دوام البسالة و استمرار العطاء، فالدوام و الاستمرارية من مقوّمات الملكة.

فالعناوين الواردة في النصوص و إن كانت مختلفة الألفاظ إلّا أنّها متقاربة المعاني.

ثمّ ربما تصير الملكة مغلوبة في بعض الأحوال باعتبار معارضتها بأقوى منها لشهوة حاضرة، لكن المغلوبية لا تنافي وجود الملكة بمعناها الطبيعي و العرفي.

فهذا ما يظهر من النصوص بأنّ العدالة ملكة راسخة في النفس تبعث على ملازمة التقوى كما عند العلّامة و من تبعه من المتأخّرين.

56

المناقشات الواردة على الملكة و أجوبتها:

1 إلّا أنّه حكي عن صاحب الذخيرة المحقّق السبزواري بعد تعريف العدالة بالملكة أنّه قال: (إنّي لم أجد ذلك في كلام من تقدّم على المصنّف العلّامة و ليس في الأخبار منه شاهد و لا أثر، و كأنّهم اقتفوا في ذلك أثر العامّة، حيث يعتبرون ذلك في مفهوم العدالة، و يوردونه في كتبهم) (1).

و أُجيب بأنّ عدم وجود تعريف العدالة بالملكة في من تقدّم على العلّامة (قدّس سرّه) غير مضرّ، فكم ترك الأوّل للآخر، و أمّا دعوى عدم وجوده في الأخبار فممنوعة كما مرّ في النصوص لا سيّما في صحيحة ابن أبي يعفور، فإنّ فيها الظاهر بل كاد أن يكون صريحاً على اعتبار الملكة في مفهوم العدالة.

2 كما حكي عن المحقّق البهبهاني في شرح المفاتيح، من أنّ حصول الملكة بالنسبة إلى جميع المعاصي ربما يكون نادراً كما يوجب العسر و الحرج و اختلال النظام، لتوقّف كثير من العبادات و المعاملات على العدالة.

كما إنّه لم يكن المعنى الذي ذكروه في عدالة الشاهد و إمام الجماعة، كما لم يكن في عصر النبيّ و الأئمة بهذا النحو و أنّها ملكة راسخة.

و أُجيب: إنّ العسر و الحرج و اختلال النظام إنّما يلزم لو لم يجعل حسن الظاهر

____________

(1) الاجتهاد و التقليد؛ السيّد رضا الصدر: 358.