المحصول في علم الاُصول‏ - ج3

- محمود الجلالي المازندراني المزيد...
654 /
1

المحصول في علم الأُصول تقريراً لبحوث آية الله الشيخ جعفر السبحاني بقلم السيد محمود الجلالي المازندراني الجزء الثالث يبحث عن الأدلّة الاجتهادية و الأُصول العملية نشر مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) للتحقيق و التأليف قم إيران‏

2

هوية الكتاب اسم الكتاب: المحصول في علم الأُصول/ ج 3 الموضوع: علم الأُصول بقلم: السيد محمود الجلالي المازندراني المطبعة: اعتماد قم التاريخ: عام 1418 ه الكمية: 2000 نسخة الناشر: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) للتحقيق و التأليف السعر: 1650 تومان الصفّ و الإخراج باللاينوترون: مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) قم‏

3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

التقديم:

أحمده سبحانه على سوابغ نعمه، و عواطف كرمه حمداً كثيراً، لا يعادله شي‏ء. و اصلّي و اسلّم على أشرف رسله و خاتم أنبيائهِ محمدٌ نبي الرحمة و قائد الأُمّة، رسوله إلى الخلق بكتاب فيه حلاله و حرامه، و رخصه و عزائمه، و على عترته الذين بهم حفظت السنّة عن الضياع، و صين الدين عن التحريف و الاندراس، صلاة دائمة باقية.

أمّا بعد: فإنّ استنباط الأحكام الشرعية من أدلّتها التفصيلية منية كل طالب ديني، و لا يصل إليه إلّا ببذل الجهود، و لا ينال تلك الخلعة الإلهية إلّا بالعمل الدءوب، و النضال المتواصل في مجال المطالعة و الدراسة.

و إذا كانت ملكة الاجتهاد بمنزلة الجبل الأشم الّذي لا يتسلقه إلّا الأمثل فالأمثل من الأبطال، فإنّ علم اصول الفقه بمنزلة السُّلّم للصعود إلى قمّة هذا

4

الطود الشامخ. و التعرّف على مسئلة من مسائله، بمنزلة ارتقاء درجة من درجاته. و نعم ما قاله شيخنا الأنصاري معرباً عن مكانة الاجتهاد و صعوبته» رزقنا الله الاجتهاد فانّه أشد من طول الجهاد « (1).

و ممن بذل جهوداً مضنية في تحصيل هذا العلم، و ركوب مصاعبه، و تذليل مشاكله العلّامة الجليل حجّة الإسلام فضيلة السيد محمود الجلالي المازندراني دامت إفاضاته فقد عكف على بحوثي الأُصولية، دورة بعد دورة، و دوّن محاضراتي في المباحث اللفظية و العقلية، حتّى جمع نكات الدورتين الثانية و الثالثة الأُصولية. و ها هو يقدم لطلاب العلم، و بغاة الفضيلة المباحثَ العقلية من ذلك العلم في جزءين. و قد قرأت ما كتب و أمعنت النظر فيما حرّر بتصحيح يسير، فوجدته وافياً بما ألقيت، و كافلًا لما حققت. فجزاه الله فيه خير الجزاء بما أسدى إلى عشاق هذا العلم من خدمة علمية، و أرجو منه سبحانه أن يجعله في المستقبل من أصحاب الفتيا و من المراجع في الأحكام ... و السلام عليه و على كل ساع في طريق العلم المقرون بالعمل، و مجاهد في سبيل المعرفة.

في غرة شهر رمضان 1414 ه جعفر السبحاني عفي عنه‏

____________

(1)- الفرائد: مبحث الانسداد: 148 طبعة رحمة الله.

5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد لله الّذي أنزل على عبده الكتاب، و لم يجعل له عوجا، و الصلاة و السلام على سيد رسله، و خاتم أنبيائه محمّد و آله، الذين هم معادن العلم و ينابيع الحكم، و مصابيح الظلم، و عصم الأُمم، ما أنار نجم ساطع، و خوى نجم طالع.

أمّا بعد: فإنّ شرف كلّ علم بشرف غايته، و الغرض الأسمى الّذي يُترقّب من تحصيله. و العلم بالأحكام الشرعية عن مصادرها الأصلية، يُعدّ من أشرف العلوم و أثمنها و أغلاها، إذ في ظلّه يقف الإنسان على تكاليفه أمام الله سبحانه أوّلًا، و أما خلقه ثانياً، و يكتسب سعادة الدارين ثالثاً.

و من المعلوم أنّ تحصيل ذلك العلم ليس منهلًا لكلّ وارد، و إنّما تقوم به الطبقة العليا من رجال الدين و الشريعة الذين كرّسوا حياتهم في فهم الكتاب و السنّة، و استحصلوا ما يتوقّف عليه فهم الحكم من المصدرين المذكورين.

و مما يتوقف عليه فهم الأحكام من مصادرها، بل يدور عليه رحى الاستنباط هو التعرّف على القواعد الأُصولية الّتي تعدّ كبريات للاستنباط، فهي بالنسبة إلى الفقه كالشجرة إلى الثمرة، و الأساس إلى البناء.

و لأجل ذلك التأثير الهام لها، عكف علماء الإسلام على تدوينها من العصور

6

الماضية إلى عصرنا هذا (1). و قد كانت يوم ظهورها مجموعة من القواعد معدودة و لكنها ازدادت و تكاملت في ظلّ الدراسة كسائر العلوم إلى أن أصبحت علماً متكامل الأطراف، منتشر الأغصان، ناضج الثمار.

و ممن بذل جهوده في تحقيق مسائلها، و تذليل مصاعبها، و تبيين معضلاتها، هو الشيخ الأجل، علم العلم الخفاق، و بدر سماء التحقيق، الأُستاذ الكبير آية الله الشيخ جعفر السبحاني دام ظله، فقد ألقى محاضرات في ذلك العلم دورة بعد دورة، و ربّى أجيالًا كثيرةً من أهل العلم و الفضل، فشكر الله مساعيه الجليلة في تربية الطلاب، و نشر آثار الأئمّة (عليهم السلام).

و قد كنت ممّن أدلى دلوه بين الدلاء، و حضرت بحوثه الأُصولية و الفقهية سنين متمادية، و جمعتُ في هذه الأوراق ما ألقاه سماحته في الدورة الثانية، ثم أضفت إليها ما بدا له من المباني و الآراء في الدورة الثالثة، و عرضته على شيخنا المحاضر، فقرأه بالامعان و الدّقة، فصحح ما طغى فيه القلم، أو زاغ عنه البصر.

و ها أنا اقدّم لبغاة الفضيلة بحوثاً مشرقة بعبارات واضحة من دون تعقيد و اطناب، و سمّيته» المحصول في علم الأُصول «، و قدّمت المباحث العقلية على المباحث اللفظية لعظم فائدتها، و كثرة الحاجة إليها، و المرجوّ منه سبحانه أن يجعله نبراساً للعلم و أهله أنّه على كلّ شي‏ء قدير و بالاجابة جدير.

السيد محمود الجلالي المازندراني 22 رمضان 1414 ه

____________

(1)- قال شيخنا الأُستاذ مد ظلّه: إنّ أوّل رسالة ظهرت للشيعة في علم الأُصول هي رسالة الشيخ المفيد (336 413 ه) الّتي أدرجها الشيخ الكراجكي في كنز الفوائد، و توالى التأليف بعده على يد السيد الشريف المرتضى (355 436 ه) فألّف الذريعة، و الشيخ الطوسي (385 460 ه) فألّف العدة. و هكذا ...

7

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

المقصد السادس في بيان الأمارات المعتبرة شرعاً أو عقلًا

قال الشيخ الأعظم: اعلم أنّ المكلّف إذا التفت إلى حكم شرعي، فإمّا أن يحصل له القطع أو الظنّ أو الشك، فإن حصل له الشك، فالمرجع هي القواعد الشرعية الثابتة للشاك في مقام العمل، و تسمّى بالأُصول العملية.

إنّ الشيخ الأعظم لاحظ حال المكلّف بالنسبة إلى الحكم الشرعي لحاظاً طبيعياً و جعل القسمة ثلاثية، فإنّه إمّا أن يكون بالنسبة إلى الحكم الشرعي قاطعاً أو ظانّاً أو شاكّاً، و ليست هذه القسمة مختصة بهذا المورد، بل هي تقسيم سار في عامّة الموارد، فإنّ الإنسان إذا تصوّر شيئاً ما كائناً ما كان فإمّا أن يكون قاطعاً به أو ظانّاً أو شاكّاً.

8

ثمّ إنّ أساس هذا التثليث هو جعل متعلّق الحالات النفسانية، أعني القطع و الظنّ و الشكّ، الحكم الواقعي، و إلّا فلو كان متعلّقها الأعمّ من الحكم الواقعي و الظاهري، يصبح التقسيم ثنائياً كما يتّضح ذلك عند بيان التقسيم الثنائي للمحقق الخراساني، فتحصّل من ذلك أنّ التقسيم الثلاثي تقسيم طبيعي لحال الإنسان في عامّة الموارد إذا لاحظ شيئاً، و أنّ مصحّح هذا التقسيم في المقام هو كون المتعلّق هو الحكم الواقعي، لا الأعم من الواقعي و الظاهري.

و اورد عليه إيرادات نشير إليها:

الأوّل: أنّ هذه الحالات لا تحصل لمطلق المكلّف و إنّما تحصل لخصوص المجتهد، فهو الذي يكون قاطعاً أو ظانّاً أو شاكّاً بالحكم، لا العامّي، فلا وجه لأخذ مطلق المكلّف موضوعاً للتقسيم، بل لا بدّ من تخصيصه بالمجتهد. نعم، النتيجة عامّة لكلّ مكلّف، و ذلك لأنّ الحكم المستنبط بفضل هذه العناوين حكم إلهي عام، و ليس خاصّاً بالمجتهد، و إن شئت قلت: إنّ هذه العناوين واسطة في الإثبات، حتّى يصل المستنبط إلى الحكم الإلهي الكلّي، الشامل لجميع أفراد الأُمّة.

و لك أن تقول: إنّ المتيقن و الشاك في مورد الاستصحاب مثلًا و إن كان هو المجتهد، لكنّ المستصحَب هو حكم اللّه العام المتعلّق بجميع أفراد العباد، و لأجل ذلك تكون النتيجة عامّة لجميع المكلّفين، و مثله الظانّ في مورد الأمارات فإنّ هذا العنوان و إن كان خاصّاً بالمجتهد، لكنّ المظنون هو الحكم الإلهي العام، و مثله القاطع، و إلى ذلك يرجع ما اشتهر من أنّ المجتهد نائب عن المقلّد و أنّه ينزّل نفسه منزلة المقلّد.

الثاني: وجود التداخل في تقسيم الشيخ، فإنّ الظنّ إن قام عليه الدليل فيلحق بالقسم الأوّل، لأنّه يقطع بالحكم الشرعي و إن كان ظاهرياً، و إلّا فيلحق بالشك، فيكون مجرى للأُصول، فليس الظنّ أمراً ثالثاً، بل هو من حيث‏

9

النتيجة إمّا داخل تحت القطع، أو داخل تحت الشك.

فلا محيص في حفظ التقسيم الثلاثي عن تبديل الظنّ بلفظ الدليل المعتبر، حتى يكون شيئاً مستقلّا في مقابل القطع بالحكم الواقعي، و في مقابل الشك فيه، كما ذكره المحقق الخراساني، حيث قال:» و إن أبيت إلّا عن التقسيم الثلاثي فالأولى أن يقال: إنّ المكلّف إمّا أن يحصل له القطع أو لا، و على الثاني إمّا أن يقوم عنده طريق معتبر أو لا.

وجه عدم التداخل في تقسيم المحقق الخراساني مع اشتراك عبارته مع عبارة الشيخ في أنّ متعلّق القطع هو الحكم الواقعي فقط لا الأعمّ منه و من الظاهري، هو أنّ المحقق الخراساني، جعل الملاك في القسم الثاني قيام الدليل المعتبر، و هو بما أنّه لا يفيد القطع بالحكم الواقعي، لا يدخل تحت القسم الأوّل، و بما أنّه شي‏ء معتبر، لا يلحق بالشك أي القسم الثالث، و هذا بخلاف ما إذا جعل المقياس الظنّ، فبما أنّه أعمّ من المعتبر و غيره، يلحق بالقطع تارة و بالشكّ أُخرى.

نعم لو فرض كون متعلّق القطع حتّى في هذا التقسيم هو الأعمّ من الواقعي و الظاهري، يدخل الدليل المعتبر تحت القطع لإفادته القطع بالحكم الظاهري فلاحظ.

الثالث: أنّ الشيخ الأعظم أطلق لفظ الحكم فشمل الحكم الواقعي و الظاهري و الفعلي و الإنشائي، مع أنّه كان اللازم تخصيصه بالفعلي لعدم ترتّب شي‏ء من أحكام القطع و لا الظنّ و لا الشكّ على الحكم الإنشائي الذي لم يبلغ مرتبة الفعلية.

أقول: المراد من الحكم الإنشائي هو الحكم المخزون عند صاحب الأمر، فلو وقف رجل على حكم من هذه المقولة بالقطع لما وجب عليه ترتيب الأثر، لأنّ الحكم الذي قام النبي أو الوصي بإبلاغه، و لكنّه لم يصل إلى يد الأُمّة أو بعضهم‏

10

فهو فعلي غير منجّز، لكون الجهل عذراً.

و اورد على هذا الإشكال: بأنّه لو كان المراد من الحكم الإنشائي هو الإنشاء لا بداعي البعث و الزجر، بل بداعي التهديد، كما في قوله:» اعْمَلُوا ما شِئتُم «فهو ليس بحكم، و إن كان المراد الحكم الكلّي المنشأ بداعي البعث، و لكن لم يتحقق موضوعه كوجوب الحجّ على المستطيع، و إن لم يكن المستطيع موجوداً، أو وجوب قطع اليد، و إن لم تتحقق السرقة، فنمنع عدم ترتب أثر على مثل هذا الحكم الإنشائي، إذ وظيفة المجتهد هو الإفتاء، سواء أ كان هناك موضوع في الخارج أم لا (1).

يلاحظ عليه: أنّ القسم الثاني، من الأحكام الفعلية، إذ ليس المراد منها إلّا ما بلغت إلى حدّ الإعلام و الإبلاغ، سواء أ كانت هناك قدرة أم لا، و سواء أ كان هناك موضوع أم لا، و إنّما يكفي في تسويغ الإعلام، وجود القدرة أو الموضوع بين عدّة من الناس في طول الزمان و طيلة الأيّام، و مراد المحقق الخراساني من الحكم الإنشائي ما ذكرناه، فهو الذي لا يترتب عليه شي‏ء.

إلى هنا تمّ تحقيق التقسيم الثلاثي بالنسبة إلى حالات المكلّف في كلام الشيخ الأعظم و إليك التقسيم الثنائي في كلام المحقق الخراساني.

التقسيم الثنائي في كلام المحقّق الخراساني:

إنّ المحقّق الخراساني جاء بتقسيم ثنائي و حاصله: أنّ المجتهد إذا التفت إلى حكم فعلي واقعي أو ظاهري متعلّق به أو بمقلّديه، فإمّا أن يحصل له القطع به أو لا.

____________

(1)- مصباح الأُصول (تقرير لبحث السيد المحقق الخوئي، بقلم تلميذه السيد محمّد سرور البهسودي) ج 2 ص 12.

11

و على الثاني لا بدّ من انتهائه إلى ما استقلّ به العقل من اتّباع الظن لو حصل له، و قد تمّت مقدمات الانسداد على تقدير الحكومة.

و إلّا فالرجوع إلى الأُصول العقليّة من البراءة و الاشتغال و التخيير.

و أساس هذا التقسيم هو جعل متعلّق القطع، الحكم الأعمّ من الظاهري و الباطني، فعندئذ يدخل في هذا القسم القطع بالحكم، أو قيام الطريق على الحكم، أو جريان أصل في مورد عدم الطريق إلى الحكم، بشرط أن يتضمّن حكماً شرعياً، كالبراءة الشرعية و التخيير الشرعي و الاستصحاب، و على ضوء ذلك فالأُمور الثلاثة من القطع بالحكم، أو قيام الطريق به، أو جريان أصل متضمّن لحكم شرعي عند الشك، كلّها داخل في القطع بالحكم الشرعي الأعمّ من الظاهري و الواقعي.

هذا هو القسم الأوّل، و إذا فقد المكلّف القطع بالحكم على الوجه المزبور تصل نوبة العمل بالمعذِّرات، و مجموعها قسم واحد، و إن كان في مقام العمل ترتيب، و هو لزوم العمل بالظنّ عند انسداد باب العلم و العلمي على القول بالحكومة، بمعنى أنّ العقل يحكم في ذلك الظرف بلزوم العمل بالظنّ و أنّ العمل به معذِّر عند الخلاف، و منجّز عند الوفاق.

و عند عدمه تصل النوبة إلى الأُصول العقليّة من قبيل قبح العقاب بلا بيان أو لزوم البراءة عند الاشتغال القطعي، و الفرق بين الأُصول الشرعية و العقليّة واضح، فإنّ مفاد الاولى حكم شرعي رفعاً أو وضعاً، بخلاف الثانية فإنّها معذِّارت و مؤمِّنات من دون وجود حكم في مجاريها.

القضاء بين العلمين:

لا يخفى أنّ التقسيم الثنائي للمحقّق الخراساني أقرب إلى التحقيق حيث إنّه نزيه عن إشكال التداخل، فإنّه جعل متعلّق القطع، الأعمّ من الظاهري‏

12

و الواقعي، فأدخل تحته القطع الوجداني و الأمارات، و الأُصول الشرعية، و لم يعبّر بالظن و لم يعتمد عليه حتى يدخل قسم منه تحت القطع بالحكم الظاهري و قسم آخر، أعني غير الحجّة، تحت الشك.

هذا هو رجحان التقسيم الثنائي، و مع ذلك فهو غير خال عن الإشكال، لأنّ إدخال الأمارات تحت القطع بالحكم الظاهري فرع القول بأنّ المجعول فيها هو الحكم الشرعي، و أنّ للشارع حكمين: واقعي و ظاهري، فمفادها عند الموافقة هي الحكم الواقعي و عند المخالفة حكم مجعول ظاهراً لمصلحة فيه.

و لكن المبنى ضعيف، إذ ليس في مورد الأمارات أيّ جعل تأسيسي، و إنّما الصادر عن الشارع هو الإمضاء لما في يد العقلاء و هم يعملون بها بما هي طريق إلى الواقع، فلو صادف الواقع يكون منجّزاً و إلّا يكون معذِّراً، و سيوافيك تفصيل ذلك عند البحث عن الجمع بين الحكم الواقعي و الظاهري، و انّ القول بجعل الحكم الشرعي في مورد الأمارات، لا يخلو عن إشكال أو إشكالات.

و أمّا التقسيم الثلاثي للشيخ، فمع غضّ النظر عن إشكال التداخل فلا يخلو من محسّنات:

1 إنّ التقسيم تقسيم طبيعي بل هذا شأن الإنسان مقابل أيّ موضوع فكّر فيه.

2 إنّ هذا التقسيم كديباجة للرسائل الثلاثة التي يشتمل عليها الكتاب، حيث إنّه ألّف رسالة في القطع و رسالة في الظنّ، و رسالة في الشكّ، و أدخل تحتها جميع مباحث الأُصول العملية و جعل التعادل و الترجيح خاتمة الكتاب.

3 إنّ التقسيم الثلاثي هو المناسب لحال المبتدئ، و أمّا الثنائي، فإنّما يناسب المنتهى حيث إنّه يقف على كيفية إدخال جميع الطرق و الأُصول تحت القطع بالحكم.

13

حصر الأُصول العملية في الأربعة:

إنّ حصر الأُصول العملية الجارية في جميع أبواب الفقه في الأربعة استقرائي لا عقلي كما صرّح به الشيخ، و إلّا فمن الممكن أن يكون الأصل العملي خمسة، و أمّا أصالة الطهارة و الحلّية و غيرهما، فبما أنّهما تختصان ببعض أبواب الفقه، فلا تعدّ من الأُصول العملية العامّة.

هذا بالنظر إلى ضمّ الاستصحاب إليها، و أمّا مع تجريده عنها فالأقسام ثلاثة و يمكن أن يكون الحصر فيها عقلياً، لأنّ الأصل إمّا أن لا يراعى فيه التكليف أبداً أو يراعى بوجه، أو يراعى بكلّ وجه، فالأوّل هو البراءة، و الثاني هو التخيير، و الثالث هو الاحتياط.

في بيان مجاري الأُصول:

المعروف أنّ مجاري الأُصول العملية أربعة و انحصارها فيها عقلي دائر بين الإثبات و النفي كما سيوافيك، و قد اضطربت كلمة الشيخ في بيان مجاريها فالموجود في الفرائد عبارتان مختلفتان فاليك كلتيهما:

العبارة الاولى:

» الشكّ إمّا أن تلاحظ فيه الحالة السابقة أو لا، و على الثاني إمّا أن يمكن الاحتياط أو لا، و على الأوّل، إمّا أن يكون الشكّ في التكليف أو في المكلّف به، فالأوّل مجرى الاستصحاب، و الثاني مجرى التخيير، و الثالث مجرى البراءة، و الرابع مجرى قاعدة الاحتياط.

و هذه العبارة نفس ما ذكره الشيخ في رسالة الشك عند البحث عن البراءة (1) و الذي يلفت النظر في هذا التقسيم هو إخراج مجرى التخيير عن الشك‏

____________

(1)- لاحظ صفحة 192، طبعة رحمة اللّه، باختلاف يسير.

14

في التكليف و المكلّف به معاً و جعله قسماً في مقابلهما، و ستوافيك عبارته الثانية التي جعل فيها التخيير من أقسام الشك في المكلّف به.

هذا هو الإشكال المهمّ، و أمّا سائر ما اورد عليه، فليس بمهمّ جدّاً.

منها أنّه جعل مجرى الاستصحاب لحاظ الحالة السابقة، مع أنّه يختص بالشك في الرافع عنده فلا يعمّ المقتضى.

منها أنّه لم يقيد جريان الأُصول بالفحص و اليأس عن الدليل.

منها أنّه لم يخرج الأُمور المهمّة كالأعراض و النفوس و الأموال عن مجرى البراءة و لا يخفى سقوط هذه الإشكالات، لأنّ الشيخ ليس في مقام بيان كلّ ما هو دخيل في جريان هذه الأُصول، أضف إلى ذلك: أنّ لحاظ الحالة السابقة يغني عن ذكر الشك في الرافع، فإنّه لا يلاحظ إلّا فيه.

العبارة الثانية:

» الشك إمّا أن تلاحظ فيه الحالة السابقة أو لا، فالأوّل مجرى الاستصحاب، و الثاني إمّا أن يكون الشك فيه في التكليف أو لا، فالأوّل مجرى البراءة و الثاني إمّا أن يمكن فيه الاحتياط أو لا، فالأوّل مجرى الاحتياط و الثاني مجرى التخيير «.

و في هذه العبارة عدّ مجرى التخيير من موارد الشك في المكلّف به، فغاية الأمر أنّه يجري فيما لا يمكن الاحتياط كما أنّ الاشتغال يجري فيما يمكن فيه الاحتياط.

إشكال مشترك بين العبارتين: إنّ هنا إشكالًا مشتركاً بين التعبيرين، و هو أنّ الشيخ الأعظم جعل الشك‏

15

في التكليف في كلتا العبارتين مجرى للبراءة مع أنّه ليس كذلك مطلقاً، فربّما يكون الشك في التكليف و لكن يجب الاحتياط، كما إذا علم إجمالًا، بأنّ هذا الفعل واجب أو ذاك الفعل حرام، فيجب عليه الجمع بين فعل هذا و ترك الآخر، أو إذا وقف على أنّه إمّا أحد الفعلين واجب أو أحد الفعلين الآخرين حرام، فيجب فعلهما و ترك الآخرين، مع أنّه من قبيل الشك في التكليف و ذلك لأنّ المراد منه هو نوع التكليف و هو مجهول، و العلم بالإلزام يعني أنّ هناك إلزاماً من الشارع إمّا متعلّق بالفعل أو بالترك ليس علماً بالتكليف بل علماً بجنسه المنتزع من العلم بتعلّق واحد من الوجوب و الحرمة بفعله، و هو ليس علماً به.

و قد وقف المحقّق النائيني على هذا الإشكال، فأضاف في عبارته لفظة» بجنسه «و قال: إمّا أن لا يعلم بالتكليف أصلًا و لو بجنسه، و إمّا أن يعلم ... (1).

كما أنّ المحقّق الخراساني صان بيانه عن توجّه هذا الإشكال، فعبّر عن مجرى البراءة في تعليقته على الفرائد بقوله:» أن لا يكون حجّة ناهضة على التكليف في البين عقلًا أو نقلًا «و بذلك جعل التعريف مطرداً، و ذلك لأنّه قامت في مورد النقض حجّة عقلية على لزوم الاحتياط، و هو العلم الإجمالي باللزوم، و هو يكفي في الاشتغال.

و إن شئت قلت: إنّ مجرى البراءة هو الشك في التكليف لكن إذا لم يكن هناك دليل على لزوم رعاية غرض المولى المعلوم إجمالًا، فإنّ المكلّف واقف على أنّ هنا غرضاً قطعياً للشارع يجب تحصيله و هو إمّا قائم بفعل هذا أو ترك هذا.

____________

(1)- فوائد الأُصول: ج 3، ص 4.

16

ما هو المختار في مجرى الأُصول:

و يمكن أن يقرر مجاري الأُصول بشكل آخر، هو أقرب إلى الواقع و هو أنّ الشك إمّا أن تلاحظ فيه الحالة السابقة أو لا، و الأوّل هو مجرى الاستصحاب، و على الثاني إمّا أن يكون الشك في التكليف أو يكون الشك في المكلّف به، و على كلّ تقدير، فإمّا أن يمكن الاحتياط في كلّ واحد منهما أو لا يمكن. و أمّا التخيير، فليس له مجرى خاص وراء مجرى البراءة و الاشتغال، بل الشكّ في التكليف و الشكّ في المكلف به كليهما مجرى له إذا لم يمكن الاحتياط في كلّ واحد منهما، مثلًا إذا كان الشك في التكليف و لم يمكن الاحتياط فهو مجرى التخيير كدوران الأمر بين حرمة شي‏ء و وجوبه بناء على أنّ الملاك في العلم بالتكليف هو العلم بالنوع لا الجنس، و المفروض أنّ النوع مجهول، و إذا كان الشك في المكلّف به، فلو أمكن الاحتياط، يكون مجرى الاشتغال، كالعلم بوجوب صلاة مردّدة بين الجمعة و الظهر، و إذا لم يكن فهو مجرى التخيير، كما إذا وقف على أنّه يجب عليه البيتوتة في ليلة معينة إمّا في هذا البلد أو في بلد آخر، فبما أنّ النوع معلوم و هو الوجوب فهو من قبيل الشك في المكلّف به، و بما أنّه غير ممكن الاحتياط فهو مجرى التخيير، و على ضوء ذلك فأصالة التخيير أصل يلتجئ إليه العقل عند عدم إمكان الجمع سواء كان الشك في التكليف أو الشك في المكلّف به.

و هذا البيان يغاير البيانين السابقين من الشيخ الأعظم و من سائر الأعلام، فإنّهم بين جاعل مجرى التخيير مقابل الشك في التكليف و الشك في المكلّف به كما في العبارة الأُولى للشيخ الأعظم، أو من أقسام الشك في المكلّف به كما في العبارة الثانية له، و أمّا على هذا البيان فمجراه أعمّ من الشك في التكليف و الشك في المكلّف به، و ملاكه عدم إمكان الجمع.

و أمّا النقض المتوجّه على التعبيرين، أعني: العلم الإجمالي بوجوب فعل و ترك‏

17

فعل آخر، فغير وارد، لأنّه إن جعل من أقسام الشكّ في التكليف بحجّة أنّ النوع مجهول فلزوم الاحتياط لأجل العلم بالغرض، و إن جعل من الشك في المكلّف به بحجّة أنّه مردّد بين الفعل و الترك فوجوب الاحتياط موافق للقاعدة.

إذا وقفت على ذلك فنقول: يقع الكلام في أُمور:

18

الأمر الأوّل: في طريقية القطع و حجيّته‏

قال الشيخ الأعظم: لا إشكال في وجوب متابعة القطع و العمل عليه ما دام موجوداً لأنّه بنفسه طريق إلى الواقع.

و قال المحقّق الخراساني: لا شبهة في وجوب العمل على وفق القطع عقلًا و لزوم الحركة على طبقه جزماً.

أقول: الكلام في القطع الطريقي لا في القطع الموضوعي، و المراد من الأوّل ما إذا كان القطع طريقاً إلى الواقع غير ملتفت إليه، بل كان الالتفات إلى الواقع بما هو هو، كما إذا رأى الإنسان السبع، فهو لا يرى إلّا السبع، و لا يلتفت إلى قطعه حتى يجب عليه تبعيّة القطع.

و على ذلك فما ذكره الشيخ من وجوب متابعة القطع غير تامّ، لأنّ وجوب متابعة القطع فرع الالتفات إليه، و المفروض عدمه، و إن أُريد من القطع، المقطوع أي الأحكام الشرعية المولوية، فهو و إن كان صحيحاً، لكن وجوب المتابعة من أحكام نفس الأوامر و النواهي المولويّة الواصلة إلى العبد. حيث إنّ العقل مستقلّ بلزوم إطاعة المولى و قبح مخالفته، نعم نفس الواقع بما هو هو ما لم يصل إلى حدّ المعلومية، لا يكون موضوعاً لوجوب الإطاعة فكان للقطع نحو مدخلية في‏

19

وجوب متابعة الواقع، لكن المدخلية غير مختصة بالقطع، بل إذا قامت الحجة الشرعية على حكم شرعي تجب متابعة الواقع.

ثمّ إنّه اشتهر في الألسن، من أنّ طريقية القطع و حجّيته من ذاتياته أو من لوازمه، و على ذلك فليست طريقيته و لا حجيّته بجعل جاعل لعدم جعل تأليفي حقيقة بين الشي‏ء و لوازمه، بل يكفي في تحقق اللازم جعل الملزوم بسيطاً، فعندئذ يكون اللازم مجعولًا عرضاً.

أقول: يقع البحث تارة في الطريقيّة و أُخرى في الحجّية.

أمّا الطريقية، فتوضيح الحال فيها يتوقف على بيان حقيقة الجعل و مناطه و أقسامه، فنقول: الجعل إمّا جعل بسيط بمعنى إيجاد الشي‏ء تكويناً، و إمّا جعل مركّب و هو جعل شي‏ء شيئاً، كجعل الجسم أبيض، و كلّ ينقسم إلى قسمين:

فإنّ جعل البسيط إمّا حقيقي كجعل الوجود، و إمّا عرضي كجعل الماهية، خصوصاً على منهج العرفاء، حيث قالوا: إنّ الأعيان الثابتة لم تشمّ رائحة الوجود.

ثمّ الجعل التأليفي إمّا حقيقي كجعل الجسم أبيض، أو مجازي و عرضي كجعل الأربعة زوجاً، و وجه تسمية الأوّل بالحقيقي و الثاني بالمجازي، هو أنّ ملاك الحاجة إلى الجعل هو الفقر و الحاجة، فإذا لم يكن الموضوع واجداً للمحمول، كان مناط الحاجة موجوداً حقيقة و كان الجعل حقيقياً كما في جعل الجسم أبيض، و أمّا إذا كان الموضوع واجداً له، بأن يكون فرض الموضوع و وجوده كافياً في اتّصافه بالمحمول، فمناط الحاجة مفقود فلا يحتاج بعد جعل الموضوع بسيطاً إلى جعل آخر بينه و بين محموله، كما في جعل الأربعة زوجاً، فإنّ إيجاد الأربعة نحو إيجاد للزوجية بلا حاجة إلى جعل آخر بل الجعل الأوّل يكفي لجعلهما معاً، و مع ذلك يصحّ لنا أن نقول: إنّ الجاعل جعل الأربعة زوجاً جعلًا مجازياً و عرضياً بحكم أنّ جعل الأربعة جعل للازمها أي الزوجية.

20

الطريقية ليست ذاتية للقطع:

إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى تحليل الطريقية فهل هي من ذاتيات القطع أو من لوازم وجوده، أو لا هذا و لا ذاك؟ فالظاهر عدم صحّة الأوّلين. أمّا عدم كونها من ذاتياته، فلأنّ الذاتي، إمّا أن يراد منه ذاتي باب الايساغوجي، أعني النوع و الجنس، و الفصل، أو ذاتي باب البرهان، أعني ما يكون وضع الموضوع فيه كافياً في وضع المحمول، و من المعلوم أنّ الطريقية ليست جنساً للقطع و لا فصلًا و لا نوعاً، لأنّ حقيقة القطع ترجع إلى كونه من الحالات النفسانية قائمة بها كسائر الصفات النفسانيّة، غاية الأمر له خصوصية و هي كونه وسيلة الإنسان للاتصال بالخارج على سبيل الاقتضاء لا العلّة التامّة، و هو غير كون الطريقية ذاته أو ذاتياته، و العجب أنّ المحقق الاصفهاني زعم أنّها ذات القطع فقال: إنّ ذاته نفس الانكشاف و انتزاع الكاشف عنه باعتبار وجدانه لنفسه، و لا معنى للطريقية إلّا وصول الشي‏ء بعين حضوره للنفس فالطريقية عين ذاته لا من ذاتياته‏ (1).

يلاحظ عليه: أنّ القطع كسائر الصفات النفسانية، كالحسد و البخل و الظن و الشك فهي بسائط من حيث الوجود، غاية الأمر أنّ لبعضها إمكان الكشف عن الواقع دون البعض الآخر لا أنّ الكشف نفس ذاته.

و أمّا عدم كونها من لوازم وجوده إذ لو كان كذلك لما انفكّت عنه، مع أنّ تخلف القطع عن الواقع غير عزيز، فلو صحّ لنا جعلها من لوازم وجوده يجب أن تعدّ من لوازم وجود قسم من القطع، أعني ما إذا كان مطابقاً للواقع.

____________

(1)- نهاية الدراية: ج 2 ص 4.

21

الطريقية لا تنالها يد الجعل:

بعد ما عرفت أنّ الطريقية ليست ذاته و لا ذاتياته و لا من لوازم وجوده فمع ذلك لا تنالها يد الجعل، لأنّ الجعل التشريعي لا يتعلّق إلّا بالأُمور الاعتبارية لا الطريقية التي هي أمر تكويني، و بذلك يظهر أنّ القول بأنّ المجعول في باب حجّيّة خبر الواحد هو الطريقيّة، ليس بتام، لأنّ الطريقية أمر حقيقي خارج عن مجال الجعل، فالجعل إنّما يتعلّق بالأُمور الاعتبارية التي قوامها باعتبار المعتبر كالرئاسة و المرءوسية، و الجزئية و الشرطية في الواجبات الشرعية، و كالوجوب و الحرمة في الأحكام التكليفية، و مثله القول بأنّ المجعول في باب حجّية خبر الواحد هو تتميم الكشف كما كان عليه السيد الأُستاذ الحجّة الكوه‏كمري‏ (1) (قدس سره) فإنّ الكشف أمر تكويني، فكيف يمكن تتميمه اعتباراً؟ و ستوافيك حقيقة الحال في باب حجّية خبر الواحد.

هذا كلّه حول الطريقية.

و أمّا الحجّية، فتارة يراد منها الحجّية بالمعنى اللغوي، و أُخرى بالمعنى المنطقي، و ثالثة الحجّية بالمعنى الأُصولي، أمّا الأوّل: فهو كل ما يصلح أن يحتجّ به من غير فرق بين احتجاج المولى على العبد أو العبد على المولى، أو احتجاج إنسان على إنسان مثله، فلا شكّ أنّ القطع من أوضح ما يصحّ أن يحتجّ به، إذ لا يصحّ الاحتجاج بنفس الأمر و النهي في الواقع مع عدم اطّلاع المكلّف عليه، و إنّما يحتجّ بالتكليف إذا وصل إليه حقيقة كما في القطع، أو تعبّداً كما إذا وصل إليه بطريق اكتفى به المولى في الوصول، و على كل تقدير. فإذا وقف العقل على حكم المولى و قطع به، يحصل في قرارة ذهنه أمران: إدراك و بعث، يدرك قبح مخالفة المولى‏

____________

(1)- العلّامة السيد محمّد الحجّة (1310 1372 ه. ق) فقد حضر شيخنا الأُستاذ أبحاثه في الفقه و الأُصول سنين، و كان (قدّس اللّه سرّه) آية في الحفظ و الإحاطة.

22

و يراها ظلماً عليه، ثم يبعث على الطاعة و يزجر عن المخالفة و مجموع هذا ما يحتجّ به المولى على العبد.

فما عن المحقّق الاصفهاني‏ (1) و تبعه المحقق الخوئي‏ (2) من أنّه لا بعث من القوة العاقلة بل شأنها إدراك الأشياء فلا بعث و لا تحريك فكأنّه غير تامّ، لأنّ للقوة العاقلة وراء درك الحسن و القبح بعث إلى ما فيه صلاح الإنسان عاجلًا و آجلًا، من غير فرق بين إدارك الجزئيات، كمشاهدة السبع أمامه، فيبعث فوراً على الدفاع، أو إدراك الكلّيات، كتكاليف المولى فيبعث إلى امتثالها و يزجر عن عصيانها.

الحجّية اللغوية من أحكام القطع عند العقل:

إذا عرفت ذلك تقف على أنّ الحجّية بالمعنى اللغوي من الأحكام العقليّة الصادرة من العقل في مورد القطع بحكم المولى، و مثل ذلك لا يكون مجعولًا شرعياً لاستغنائها عن الجعل بعد استقلاله بصحّة الاحتجاج، و الحجّية بهذا المعنى، و إن لم تكن ذات القطع و لا ذاتياته و لا من لوازم وجوده، و لكنّها غير مجعولة شرعاً لسبق العقل على صحّة الاحتجاج.

فإن قلت: لما ذا لا تكون الحجّية من قبيل ذاتي باب البرهان كالإمكان بالنسبة إلى الماهية و الزوجية بالنسبة إلى الأربعة، فلتكن الحجّية بالنسبة إلى القطع كذلك.

قلت: قد أوضحنا حال ذلك في أبحاثنا حول الحسن و القبح، و قلنا: إنّ هناك فرقاً بين حكم العقل بحسن الشي‏ء و قبحه و إداركه إمكان الماهية و زوجيّة الأربعة، فإنّ الامكان وصف واقعي للماهية، سواء لاحظه الإنسان أم لا. و كذلك‏

____________

(1)- نهاية الدراية: ج 2 ص 3.

(2)- مصباح الأُصول: ج 2 ص 16.

23

الزوجية وصف واقعي للأربعة، كان هناك مدرك أولا، فدور العقل هنا دور الإدراك لشي‏ء واقعي كان هناك مدرك أو لا، و لذلك يكون قوله: الإنسان ممكن، و الأربعة زوج، إخباراً عن واقعية لا إنشاء حكم من العقل.

و هذا بخلاف حسن العدل و قبح الظلم، فإنّ اتّصافهما بالحسن و القبح فرع إدراك الملاءمة للفطرة الإنسانية في الأوّل، و المنافرة في الثاني، فعند ذلك يستقلّ العقل بحسن واحد و قبح الآخر، و أنّه حسن مطلقاً، أو قبيح كذلك، و لو لا حديث التطبيق، و إدارك الملاءمة و المنافرة لما كان هناك أيّ توصيف بهما. و لأجل ذلك يكون قوله:» العدل حسن «إنشاءً من العقل و حكماً منه عليه، لا إخباراً عن واقعية، نعم الواقعية الموجودة في جانبي العدل و الظلم، كون كلّ على وجه لو عرضه الإنسان على فطرته، و على الجانب العلوي من الإنسانية لأحسّ منه، كمال الملاءمة، أو كمال المنافرة، و لكنّه لو لا العرض و التطبيق، لما كان هناك أيّ إحساس ملائمة أو منافرة و بالتالي لم يكن هناك أيّ حكم بالحسن و القبح. و لو لا وجود الإنسان و دركه المنافرة و الملاءمة لما اتّصف العدل بالحسن و الظلم بالقبح، نعم لهما شأنية خاصة كلّما أدركها العقل يحكم لهما بواحد من الحكمين، و هذا و إن كان ثقيلًا على طائفة، و لكنّه واضح لمن له قدم راسخ في هذه الأبحاث.

و هذا لا يعني كون الحسن و القبح أمراً اعتبارياً، و أنّ زمامهما بيد المعتبر فيمكن أن يصف العدل بالقبح و الظلم بالحسن، نظير الرئاسة و المرءوسيّة حيث يمكن اعتبار المرءوس رئيساً و الرئيس مرءوساً، بل و للعدل و الظلم واقعيّتهما الخاصة كلّما لاحظها الإنسان بفطرته العالية، يجد الأوّل ملائماً و الثاني منافياً، فلهما هذه الشأنية دائماً و لا تزول عنهما، و مثل ذلك لا يكون من الأُمور الاعتبارية التي يصحّ فيها التقلّب و التصرّف كيفما شاء المعتبر، و لأجل هذه الصلاحية، كلّما لاحظها العقل، يحكم عليها بأحد الحكمين على وجه الدوام و الاستمرار.

و مثله الحجّيّة، فصحّة الاحتجاج حكم عقلي صادر منه في شأن القطع،

24

و له القابلية الخاصة التي كلّما لاحظها العقل يحكم بأنّه ممّا يحتجّ به على مرّ الزمان و عبر الدهور.

القطع ليس حجّة منطقيّة:

و أمّا الحجّة بالمعنى المنطقي، فحاصل الكلام فيه أنّ الحجّة المنطقية عبارة عن الوسط الذي تكون بينه و بين الأكبر الذي يراد إثباته للأصغر، علقة العلّية و المعلولية، و هذا كتعفّن الاخلاط و الحمّى، فبينهما علاقة العلّية و المعلولية، فتارة يكون الأوّل حدّ الوسط، و أُخرى يكون الثاني هو الحدّ الوسط، فعلى الأوّل يكون البرهان لمّيّاً، و على الثاني إنّيّاً.

و من المعلوم أنّ القطع الطريقي لا يتّصف بالحجّيّة بهذا المعنى، لأنّ المفروض أنّ الحكم مترتّب على الموضوع بما هو هو، لا بما أنّه مقطوع، فلا يصحّ أن يقال: هذا مقطوع الخمريّة و كل مقطوع الخمريّة حرام، فهذا حرام، لأنّ الكبرى كاذبة، إذ ليس كل مقطوع الخمرية حرام بل الخمر حرام، و بعبارة أُخرى: ليست هنا علاقة علّية بين القطع بالخمرية و ثبوت الحرمة لها واقعاً.

و بذلك يظهر عدم صحّة التفريق بين القطع و سائر الحجج، كالظنّ و البيّنة و فتوى المفتي فإنّ الكبرى في الجميع باطلة، فلو قلنا: هذا مظنون الخمريّة و كل مظنون الخمرية حرام، لا يصحّ و ذلك لأنّ الكبرى كاذبة، إذ ليس كلّ مظنون الخمرية حراماً، فما ذكره الشيخ الأنصاري من التفريق بين القطع و سائر الحجج من عدم صحة جعل القطع وسطاً بخلاف غيره فكأنّه في غير محلّه.

نعم القطع الموضوعي يمكن أن يقع وسطاً للحكم، فإنّ الحرام فيه ليس نفس الخمر بل ما قطع أنّه خمر فهناك ملازمة بين القطع بالخمرية و حرمتها، و هذا بخلاف ما إذا كان القطع طريقياً.

25

القطع ليس حجّة أُصولية:

و أمّا الحجّة الأُصولية، فهي عبارة عن الأدلّة الشرعية التي اعتبرها الشارع حجّة لإثبات متعلّقاتها، من دون أن تكون هناك ملازمة بينها و بين متعلّقاتها، و هذا كالظن و البيّنة و فتوى المفتي، و الحجّية بهذا المعنى من خصائص الأمارات و الحجج الشرعية التي أضفى لها الشرع هذا الوصف لا القطع، و ذلك لأنّ كاشفيّة الأمارات و الحجج الشرعية كاشفيّة ناقصة، لا يصحّ الاعتماد عليها إلّا إذا اعترف المولى بحجّيتها و هذا بخلاف القطع فإنّ كاشفيته تامّة عند القاطع، فلا يحتاج إلى إمضاء أو تصديق من المولى فإنّ إفاضة الحجّية عليه إمّا بالقطع أو بالظنّ و الثاني يستلزم أن يكون القطع أسوأ حالًا من الظنّ، و أمّا الأوّل فينقل الكلام إلى القطع الثاني، فإن كانت حجّية الثاني بنفس الأوّل فيدور، أو بقطع ثالث فيتسلسل.

في امتناع المنع عن العمل بالقطع:

إنّ من أحكام القطع هو امتناع المنع عن العمل به، و ذلك: لحكم العقل على وجوب العمل بالقطع أوّلًا و استلزامه اجتماع إرادتين مختلفتين على مراد واحد ثانياً، إذ لو كان القطع مصيباً، فبما أنّ الحكم رتّب على الواقع فهناك إرادة تشريعية تبعث على العمل به، فلو نهى عنه و الحال كذلك يلزم وجود إرادة تشريعية مخالفة للإرادة الأُولى.

هذا كلّه في القطع الطريقي، و أمّا القطع الموضوعي، فللمولى البعث على العمل على قطع خاص، و النهي عن العمل بقطع آخر، لأنّ الموضوع خصوصياته وسعته و ضيقه في القطع الموضوعي بيد المولى، فله أن يتّخذ قسماً خاصّاً منه في الموضوع لا مطلق القطع و سيوافيك تفصيله في الأبحاث الآتية.

26

الأمر الثاني: في التجرّي‏

و قبل الخوض في المقصود نقدّم أُموراً:

الأوّل: التجرّي من الجرأة و مقوّمه إرادة مخالفة المولى سواء أ كانت هناك مخالفة أم لا، كما أنّ مقوّم الانقياد هو إرادة الموافقة سواء أ كانت هناك موافقة أم لا، و لكن الاصطلاح جرى فيهما على غير ما يتبادر منه في اللغة، فالتجرّي هو مخالفة الحجّة الشرعية أو العقليّة حسب الاعتقاد و لم تكن في الواقع مخالفة، كما أنّ الانقياد إرادة إطاعة المولى حسب الاعتقاد و لكن لم تكن في الواقع أيّة إطاعة، و ذلك كما إذا قطع بخمرية مائع أو قامت الحجّة عليها فشربه فكان خلّا، أو أذعن بوجوب شي‏ء أو قامت الحجّة عليه فأتى به و لم يكن في الواقع واجباً. و بالجملة: فمخالفة الحجّة بالمعنى اللغوي هو التجرّي إذا لم تصادف الواقع، و موافقة الحجّة بهذا المعنى هو الانقياد إذا لم يكن في الواقع كذلك.

و بذلك تبيّن أنّ التجرّي لا يختص بمخالفة القطع، بل يعمّ مخالفة البينة أو الحجّة الشرعية، مثل الاستصحاب إذا قام على خمرية شي‏ء أو غصبيته فخالف فبان أنّه لم يكن كذلك، بل يعمّ ما إذا خالف التكليف المنجّز عقلًا و لكنّه خالف احتمالًا كما إذا ارتكب أحد أطراف العلم الإجمالي فالجامع هو

27

مخالفة الحجة أعم من العقلية و الشرعية مخالفة قطعية حسب الاعتقاد أو احتمالية كذلك.

ثمّ إنّ الشيخ ذكر للتجرّي أقساماً ستة في الفرائد يجمعها عدم المبالاة بالمعصية أو قلّتها، فمن أراد فليرجع إليه.

الثاني: انّ التجرّي بالمعنى المصطلح إنّما يتصوّر فيما إذا كان للواقع مدخلية في ثبوت الحرمة، كما إذا كان القطع طريقاً إلى الواقع أو موضوعاً و لكن جزء له، و أمّا إذا كان القطع تمام الموضوع من دون مدخلية الواقع، فمخالفته معصية و موافقته طاعة و ليست تجرّياً و لا انقياداً، هذا كما إذا كان الموضوع للحرمة صرف القطع بالخمرية، و إن لم يكن في الواقع خمراً، و مثل هذا القسم غير موجود في الشريعة.

الثالث: انّ البحث تارة يقع في حكم عنوان التجرّي المنتزع من ارتكاب مقطوع الحرمة مع عدم كونه كذلك من جهة أنّه يوجب استحقاق العقاب أو لا؟

و اخرى في الفعل الذي يتحقّق به التجرّي كشرب مقطوع الخمرية، فيقع الكلام في حرمته و قبحه و عدمهما و البحثان غير متداخلين في كلام المحقّق الخراساني بخلاف الشيخ الأعظم فهما متداخلان في فرائده، إذا عرفت هذه الأُمور فنبحث في مقامين:

المقام الأوّل: في أنّ التجرّي موجب لاستحقاق العقاب أو لا؟

إنّ عنوان المسألة و إن كان هو التجرّي لكنّه طريق إلى الموضوع الحقيقي له و هو: هل مخالفة الحجّة الأعمّ من العقليّة و الشرعية موجبة لاستحقاق العقاب أولا؟ فهذا هو الموضوع الحقيقي و إنّما أُخذ عنوان التجرّي طريقاً إليه و سيتّضح وجه هذه النكتة، فإنّه لو كان موضوع البحث هو التجرّي بما هو تجرّ لكان لاحتمال استحقاق العقاب مجال، و أمّا إذا قلنا بأنّ موضوع البحث هو مخالفة

28

الحجّة عن عمد، فربّما لا ينطبق عليه بعض العناوين التي تستلزم ثبوت العقاب و سيجي‏ء توضيح ذلك.

و قد استدلّ على استحقاق العقاب بوجوه:

1 ما ذكره المحقق الخراساني من شهادة الوجدان بصحّة مؤاخذته و ذمّه على تجرّيه، و هتك حرمته لمولاه و خروجه عن رسم عبوديّته، و كونه بصدد الطغيان، و عزمه على العصيان كما يشهد على صحّة مثوبته و مدحه على إقامته بما هو قضيّة عبوديته من العزم على موافقته و البناء على إطاعته‏ (1).

يلاحظ عليه أوّلًا: أنّ موضوع البحث كما عرفت هو مخالفة الحجّة الأعمّ من العقليّة و الشرعية و إذا عبّر عنها بالتجرّي فهو عنوان مشير إليها، و على ذلك فصدق ما ذكره من العناوين من التجرّي و هتك الحرمة و كونه بصدد الطغيان، لا ينطبق على جميع أقسام مخالفة الحجّة، لأنّه لو أقدم على ارتكاب مقطوع الحرمة، مستخفّاً بأمره، أو جاحداً لمولويته، أو رافعاً علم الطغيان، لكان لما ذكر من انطباق هذه العناوين وجه، و لكنّه ربّما تكون العلّة للارتكاب هو ضعف التمالك النفساني و غلبة الشقاء على الإنسان مع استيلاء الخوف عليه عند الارتكاب، و عروض الارتعاش حين العمل، و عندئذ لا يصدق عليه الهتك، و لا الظلم على المولى، و لا الجرأة عليه، و إنّما يصدق أنّه خالف الحجّة لغلبة الشقوة عليه، مع كونه على خوف و وجل من عقابه سبحانه، و لعلّ ما في دعاء أبي حمزة الثمالي الذي تعلّمه من الإمام السجاد (عليه السلام) إشارة إلى ذلك حيث قال:» ... إلهي لم أعصك حين عصيتك و أنا بربوبيتك جاحد، و لا بأمرك مستخفّ، و لا لعقوبتك متعرّض، و لا لوعيدك متهاون، لكن خطيئة عرضت، و سوّلت لي نفسي و غلبني هواي، و أعانني عليها شقوتي، و غرّني سترك المرخى عليّ ... «.

و على ذلك فالاستدلال على العقوبة بما في عبارة المحقق الخراساني استدلال‏

____________

(1)- الكفاية: ج 2 ص 8.

29

خطابي، و إلّا فمن خالف الحجّة راجياً مغفرته تعالى، و شفاعة أوليائه عن وجل، لا يصدق عليه أنّه هتك ستر المولى و تمرّد عليه و طغى، و إنّما هو ينطبق على المخالفة التي ربّما تقترن بأُمور توجب صدق التمرّد و الطغيان و الهتك و الظلم، و مثل هذا خارج عن موضوع البحث، و إنّما الموضوع هو مخالفة الحجّة بما هي هي مع قطع النظر عن سائر العناوين التي يمكن أن تنضمّ إليها.

و ثانياً: أنّه لا شكّ أنّ مخالفة المولى بما هي مخالفة له مجرّدة عن العذر و مجرّدة عن سائر العناوين، موجبة لصحّة العقاب، و لو لم يكن هناك هتك و لا تمرّد و لا طغيان، فالعقل يحكم بصحّة عقوبة ذلك الشخص لأجل المخالفة الواقعيّة بما هي هي، فلو كانت العناوين الأُخرى المشتركة بين التجرّي و المعصية مصحّحة للعقاب، يجب القول بتعدّده في المخالفة الواقعية، لتعدّد الملاك، الأوّل الجرأة و الهتك و التمرّد و الطغيان و غيرها ممّا يجتمع مع المخالفة الواقعية و عدمها، و الثاني ذات المخالفة الواقعية بلا عذر، مع أنّ المعروف هو وحدة العقاب في المعصية، و لأجل ذلك التجأ صاحب الفصول القائل بالعقاب في المقام إلى القول بالتداخل في المعصية الواقعية، و أورد عليه الشيخ الأعظم بأنّه إن أُريد من التداخل وحدة العقاب فهذا ترجيح بلا مرجّح، و إن أُريد كثرته فليس هذا تداخلًا.

و الحق أنّ مجرّد مخالفة الحجّة بلا عذر إذا لم تكن مخالفة واقعية و لم ينطبق عليها التمرّد و الطغيان و الهتك و الظلم، لا تكون موجبة لاستحقاق العقاب، بل تكون موجبة لصحّة اللوم و الذّم، لأنّه بلغت حاله إلى حدّ لا يملك نفسه في مقابل أمره و نهيه سبحانه.

2 لو كان ملاك العقاب هو المخالفة الواقعية، يلزم صحّة العقاب إذا كانت المخالفة مع العذر، بخلاف ما إذا قلنا بأنّ الملاك: التجرّي، و الهتك، فهو مشترك بين المعصية و المخالفة الاعتقادية، و لا يعمّ المخالفة عن عذر و جهل.

و إن شئت قلت: إنّ العقاب على المعصية الواقعية ليس لأجل ذات‏

30

المخالفة مع الأمر و النهي، و لا لأجل تفويت غرض المولى بما هو مخالفة، و لا لكونه ارتكاباً لمبغوض المولى، لوجود الكلّ في صورة المخالفة عن جهل، بل الملاك كونه هتكاً لحرمة المولى و جرأة عليه و إقداماً على ما أحرز أنّه مبغوض المولى، و هذا مشترك بين التجرّي و المخالفة الواقعية عن عمد فيقعان تحت جامع واحد، و هو أنّ عمله هذا على خلاف مقتضى العبودية، و أنّه مناف لزي الرقيّة و ظلم عليه‏ (1).

يلاحظ عليه: أنّ الملاك لصحة العقوبة ليس المخالفة الواقعية بما هي هي حتى يقال: إنّها مشتركة بين المعصية و المخالفة مع الجهل و العذر مع أنّه لا عقاب في الثاني، و لا المخالفة الاعتقادية سواء أ وافق الواقع أم لا، حتى يكون مشتركاً بين التجرّي و المعصية، بل الملاك شي‏ء ثالث يختص بالمعصية، و لا يوجد لا في المخالفة عن عذر و لا في التجرّي، و هو عبارة عن المخالفة الواقعية عن عمد بلا عذر، و هو يختص بالمعصية، ففي المخالفة عن جهل و عذر و إن كانت المخالفة الواقعية موجودة لكنّها ليست عن عمد أو ليست بلا عذر بل معه، و أمّا التجرّي فليس فيه أيّة مخالفة واقعيّة، و جعل هذا هو الملاك لأجل أنّ ما هو القبيح بالذات عبارة عن الظلم و هو ينطبق على المخالفة الواقعية عن عمد بلا عذر لا غير، و لا ينطبق على المخالفة معه، و لا على المخالفة الاعتقادية.

3 لو لا القول بعقاب المتجرّي يلزم كون العقاب منوطاً بأمر خارج عن الاختيار، و قد أوضحه الشيخ بمثال خاص و أورد في كلامه، و أجاب عنه: أنّ القول بعدم عقاب المتجرّي يستلزم كون عدم العقاب منوطاً بشي‏ء خارج عن الاختيار، و لا محذور فيه، و إنّما المحذور في كون العقاب منوطاً به، و كم فرق بين الأمرين.

4 انّ العقل يستقلّ بقبح التجرّي أي إرادة المعصية و هو يلازم حرمته، الملازمة للعقاب.

____________

(1)- نهاية الدراية: ج 2 ص 8.

31

يلاحظ عليه أوّلًا: نمنع الصغرى و أنّه لا يكون قبيحاً على وجه الإطلاق حتى ينطبق عليه عنوان قبيح من الظلم و التمرد و الطغيان، و غيرها كما عرفت، فكيف يكون قبيحاً مطلقاً.

و ثانياً: ليس ارتكاب كلّ قبيح مستلزماً للعقاب. أما ترى أنّ ترجيح المرجوح على الراجح قبيح، و كذلك الأفعال الحاكية عن الخسّة و الدناءة، و انحلال الشخصية قبيحة، و مع ذلك لا يستلزم ارتكابهما العقاب، و لأجل ذلك يجب أن يقيّد بارتكاب ما هو قبيح في دائرة العبودية و المولوية فما لم يقبح فيها لا يكون مستلزماً للعقاب.

إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ الملازمة بين القبح و الحرمة و أنّه كلّما حكم بقبحه العقل حكم بحرمته الشرع إنّما يصحّ إذا كان القبيح واقعاً في سلسلة علل الأحكام، كالحكم بقبح الظلم و حسن العدل، فيستكشف عن تعلّق الحرمة بالأوّل و الوجوب بالثاني، لا ما إذا وقع في سلسلة معاليل الأحكام كحكمه بحسن الطاعة و قبح العصيان، أو قبح مخالفة القاطع لقطعه، أو إرادة المعصية أو مخالفة الحجّة أو ما يقاربها.

توضيحه: أنّه إذا كان القبيح واقعاً في سلسلة علل الأحكام كقبح الخيانة بالأمانة و نقض العهد و إساءة الأدب إلى المنعم، يستكشف بفضل القاعدة كونها حراماً شرعاً و موجباً للعقاب عند المخالفة، و أمّا إذا كان القبيح أو الحسن واقعاً في سلسلة معاليل الأحكام كحسن طاعة المولى و قبح مخالفته و مثلهما إرادة المعصية و الطاعة و موافقة الحجّة و مخالفتها، فلا تجري فيه القاعدة، و إلّا يلزم عدم انتهاء الأحكام إلى حدّ، و لزوم تسلسل العقوبات في معصية واحدة، و نوضحه في مورد استقلال العقل على حسن الطاعة و منه يظهر حال سائر العناوين التي أشرنا إليها فنقول: إنّ استقلال العقل بحسن الطاعة و قبح العصيان يتوقّف على سبق أمر أو نهي من الشارع حتى يتحقق موضوع الحسن و القبح و يقال حسن طاعة

32

الأمر و قبح عصيانه، فلو قلنا بأنّ حكمه بحسن هذا و قبح ذاك يكشف عن حكم شرعي مولوي ثان بوجوب طاعته و حرمة معصيته يلزم أن يستقلّ العقل بحسن طاعة ذلك الحكم الثاني و قبح مخالفته، فلو كشف ذلك الاستقلال عن حكم شرعي ثالث بناءً على جريان قاعدة الملازمة يستقلّ العقل أيضاً بحسن طاعته و قبح معصيته، فلو كشف ذلك الاستقلال أيضاً عن حكم شرعي رابع يلزم عدم انتهاء الأحكام إلى حدّ و لا المعصية في معصية واحدة، بل يلزم أن يكون لحكم واحد معاصي كثيرة.

و لأجل ذلك ذهبوا إلى عدم جريان القاعدة في المسببات، و حملوا الأوامر الواردة في الكتاب و السنّة حول إطاعته سبحانه و إطاعة رسوله على الإرشاد لا المولويّة، و إلّا يلزم المحذور أيضاً، أي عدم انتهاء الوجوب عند حدّ و عدم انتهاء العقوبة لدى حدّ.

و حال إرادة المعصية كحال نفس المعصية لا يتعلّق بهما النهي، و مثله إرادة الطاعة و نفس الطاعة فالكلّ خارج عن حريم الملازمة.

و بما أنّ استقلال العقل بقبح مخالفة القاطع بالحرمة واقع في سلسلة المعاليل، فلا تجري فيه القاعدة لما سلف.

فاتّضح من ذلك أنّ التجرّي بمعنى مخالفة الحجّة لو فرضنا كونه قبيحاً لا يستلزم الحرمة و بالتالي لا يستلزم العقاب.

هذه دراسة الأدلّة الأربعة التي تهدف إلى إثبات استحقاق العقاب على المتجرّي و قد علمت عدم كفايتها، فأقصى ما يمكن أن يقال: استحقاقه اللوم و الذم لا العقاب.

هذا كلّه حول المقام الأوّل، و إليك البحث عن المقام الثاني.

***

33

المقام الثاني: في حكم نفس الفعل المتجرّى به:

إذا كان التجرّي بمعنى مخالفة الحجّة غير مستلزم لاستحقاق العقوبة، فما هو حكم الفعل المتجرّى به؟ فقد وقع الكلام في قبحه أوّلًا و حرمته ثانياً، و استلزامه العقاب ثالثاً، و إليك البحث عن كلّ واحد:

أ: قبح الفعل المتجرّى به:

استدلّ المحقّق الخراساني على بقاء الفعل المتجرّى به أو المنقاد به على ما هو عليه من الحسن و القبح بوجهين:

الأوّل: أنّ القطع بالحسن أو القبح، لا يكون من الوجوه و الاعتبارات التي بها يكون الحسن و القبح عقلًا، و لا ملاكاً للمحبوبيّة و المبغوضيّة شرعاً ضرورة عدم تغيّر الفعل عمّا هو عليه من المبغوضيّة و المحبوبيّة للمولى بسبب قطع العبد بكونه محبوباً أو مبغوضاً له.

الثاني: أنّ الفعل المتجرّى به أو المنقاد به هو مقطوع الحرمة أو الوجوب لا يكون اختيارياً فإنّ القاطع لا يقصد إلّا بما قطع أنّه عليه من عنوانه الواقعي الاستقلالي لا بعنوانه الطارئ الآليّ‏ (1).

و أضاف في تعليقته على الفرائد وجهاً ثالثاً، قائلًا، بأنّ المتجرّى قد لا يصدر عنه فعل اختياري أصلًا، فمن شرب الماء باعتقاد الخمريّة لم يصدر منه ما قصده، و ما صدر عنه لم يقصده بل و لم يخطر بباله‏ (2).

يلاحظ على الأوّل: أنّ الجهة المحسّنة أو المقبّحة ليست هي القطع بالحسن أو القبح حتى يقال: إنّها ليست من الوجوه و الاعتبارات التي بها يتّصف الفعل‏

____________

(1)- الكفاية ج 2 ص 13.

(2)- تعليقة المحقق الخراساني: ص 13.

34

بالحسن و القبح ضرورة أنّ القطع بالمصلحة أو بالمفسدة لا يغيّر الفعل عمّا هو عليه، بل العنوان المقبّح في المقام لدى القائل به هو الجرأة و التمرّد و الطغيان أو الهتك و الظلم، فلا شكّ أنّها من العناوين المقبّحة.

و بذلك يظهر عدم تمامية الوجه الثاني، فإنّه مبنيّ على كون القطع بالقبح من العناوين المقبّحة، فأورد عليه بأنّ القطع ليس مورداً للالتفات، و قد عرفت أنّ المحسّن أو المقبّح شي‏ء آخر مضافاً إلى منع عدم كون القطع مورداً للالتفات لا إجمالًا و لا تفصيلًا، فإنّ الالتفات الإجمالي شي‏ء لا ينكر.

و أمّا الثالث: فهو من الغرائب، إذ ليس الفعل الاختياري إلّا كونه صادراً عن الإنسان بالعلم و الإرادة، فلو قتل ابن المولى بعنوان أنّه عدوّه فقد صدر منه القتل عن علم، و في مثال شرب الماء بنيّة الخمر، صدر منه شرب المائع عن اختيار و ليس الملاك في اختيارية الشي‏ء تحقق العنوان الأصلي، أعني شرب الخمر، بل يكفي صدور الجامع عن علم و إرادة، و لأجل ذلك يبطل صومه فيما لو شرب الماء بنيّة الخمر.

هذا كلّه في دلائل المحقق الخراساني، و قد علمت عدم تماميتها، و مع ذلك فما ذهب إليه صحيح لكن بدليل آخر، و هو أنّ العناوين المقبّحة المتوهّمة في المقام لا تتجاوز عن خمسة، ثلاثة منها قائمة بالجنان كالجرأة و العزم على المعصية و الطغيان، و اثنان منها قائمان بالفعل المتجرّى به، أعني هتك الحرمة و الظلم على المولى.

أمّا الثلاثة الأُولى: فهي و إن كانت موجبة للقبح لكنّها قائمة بالجنان و القلب، و الفعل المتجرّى به كاشف عنها، و قبح المكشوف لا يسري إلى الكاشف، فلو دلّ فعل المكروه على تواجد الجرأة و روح الطغيان في قلب الانسان، لا يكون الكاشف موصوفاً بالقبح.

و أمّا الاثنان الباقيان: فهما من خصائص المعصية، إذ فيها يتعدّى عن حريم‏

35

المولى فيصدق أنّه ظلم و هتك لحرمته بنقض القانون، لا ما إذا لم يفعل شيئاً و لو عن غير اختيار، و لعلّ هتك الحرمة من خصائص بعض المعاصي أيضاً لا كلّها.

ب حرمة الفعل المتجرّى به:

قد عرفت أنّ الكلام في الفعل المتجرّى به تارة يقع في قبحه، و قد مرّ الكلام فيه، و أُخرى في حرمته و صحة مؤاخذته، و إليك الكلام في الحرمة، ثمّ في صحّة المؤاخذة.

أمّا الأوّل، فقد قرر بوجهين:

الأوّل: أنّ متعلّق الحرمة هو الجامع بين العصيان و التجرّي:

حاصله: أنّ متعلّق التكاليف التحريمية ليس هو شرب الخمر الواقعي، بل المتعلّق هو القدر الجامع بين مصادفة القطع للواقع و مخالفته له، بأن يقال: إنّ الحرام تحريك العضلات نحو شرب ما أحرز أنّه خمر، فيكون المتجرّي عاصياً حقيقة، و مخالفاً للخطاب النفس الأمري.

هذا هو المدّعى و أمّا الدليل، فهو أنّه يجب أن يكون متعلّق التكليف مقدوراً للمكلف لعدم صحّة التكليف بغير المقدور كما هو واضح، و ليست المصادفة و المخالفة واقعتين تحت الاختيار حتى يتعلّق التكليف بالمصادف دون المخالف، فيجب أن يكون متعلّقه إرادة ما أحرز أنّه من مصاديق الموضوع، سواء أ كان مطابقاً للواقع أم مخالفاً إذ هو الفعل الاختياري للمكلّف، فيكون نسبة العصيان إلى المطابق و المخالف على حدّ سواء (1).

يلاحظ عليه: أنّه خلط بين كون العلم شرطاً للتنجّز و بين كونه جزءاً لموضوع التكليف، إذ لا شكّ أنّ العلم شرط التنجّز، فلولاه لما كان الحكم موجباً للعقاب،

____________

(1)- راجع الفوائد للكاظمي: ج 3 ص 39 (الطبعة الحديثة).

36

قال سبحانه: (وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا) (الإسراء/ 15).

و أمّا مدخليّته في متعلّق التكليف فلا، لأنّ التكليف على مذهب العدلية يدور مدار المصالح و المفاسد و هما قائمتان بنفس الفعل، لا المعلوم منه، نعم تنجّز التكليف مشروط بالعلم و هو غير كونه جزءاً للموضوع.

و أمّا الإصابة، فلا شكّ أنّها داخلة تحت الاختيار، فكيف لا تكون اختيارية مع أنّ مبادئها اختيارية، و أمّا عدم الاصابة و الخطأ في الوصول إلى المقصود فهو خارج عن الاختيار فلا يضرّ عدم اختياريته باختيارية الأُولى، كما لا يضرّ عدم ترتب العقاب في صورة الخطأ بترتّب العقاب في صورة الإصابة.

و بالجملة: إذا لاحظت أُموراً ثلاثة تقف على ضعف البرهان.

1 الأحكام تابعة لملاكاتها الواقعية، فالموضوع هو الخمر الواقعي لا الأعم منه و المتخيّل خمراً.

2 إنّ تنجّز التكليف فرع العلم به و هو يضيّق التكليف في مجال التنجّز و لا يقيّد الموضوع به، فالجاهل محكوم بالحرمة، مثل العالم، لكن الحكم في حقّه غير منجّز.

3 إنّ الإصابة أمر اختياري بشهادة الوجدان على أنّ قاتل حمزة قتله اختياراً، و ما هذا إلّا لكون مبادئها اختيارية. نعم عدم الإصابة في صورة الخطاء خارج عنه، و لكنّه لا يكون دليلًا على خروج الآخر عن إطار الاختيار، و لأجل ذلك يعاقب المصيب دون المخطئ، أمّا الأوّل فلأنّه تعدّى حدود اللّه عن اختيار، و أمّا الثاني فلأنّه لم يتعدّ، و لو عن غير اختيار.

و هذا مثل ما إذا قصد شخصان قتل إنسان فأصاب سهم أحدهما قلب المقتول دون الآخر.

37

الثاني: ادّعاء حرمته بالعناوين الثانويّة:

حاصله: أنّ حرمة الفعل المتجرّى به ليست لأجل انطباق العنوان الأوّلي، بل لأجل انطباق عناوين ثانوية عليه كالجرأة و الطغيان و التمرّد، و الظلم على المولى و الهتك.

يلاحظ عليه: أنّ الثلاثة الأُولى من العناوين، أُمور قلبية غير قائمة بالفعل، فلا تكون موجبة لقبحه، فأكثر ما توجبه هو القبح الفاعلي لا القبح الفعلي، و أمّا الاثنان الأخيران فإنّما يتحقّقان في المعصية لا في التجرّي، لأنّ الظلم هو التعدّي على المولى و المفروض عدمه و لو عن غير اختيار، و أمّا هتك الحرمة فإنّما هو أمر إثباتي يتوقف على التظاهر بالمعصية بين الناس، و أمّا هتك الحرمة بينه و بين ربّه فالمفروض أنّه لم يقع.

إلى هنا خرجنا بهذه النتيجة أنّ التجرّي لا يوجب سوى القبح الفاعلي و هو يستلزم اللوم و الذم دون العقاب.

إنّ هنا أسئلة تجب الإجابة عنها:

السؤال الأوّل:

إنّ التجرّي و الانقياد يرتضعان من ثدي واحد، و قد اتّفقوا على حسن الانقياد المستلزم لحسن المنقاد به، فلازمه قبح التجرّي المستلزم لقبح الفعل المتجرّى به، فما هو الفرق؟

قلت: لا فرق، فإنّ الانقياد بما هو هو حسن، و الجرأة (1) بما هي هي قبيحة، و أمّا الفعل المنقاد به، أو المتجرّى به فهما باقيان على ما كانا عليه، فلو جامع امرأة

____________

(1)- و قد عرفت أنّ الجرأة غير موجودة في جميع أقسام التجرّي، بل ربّما يكون بعضها مقروناً بالخوف و الوجل.

38

أجنبية بزعم أنّها زوجته قضاءً لحقّها يعدّ الفاعل صالحاً، و لا يتصف الفعل بالحسن.

و أمّا ترتب الثواب على الانقياد، فإنّما هو لدليل خارجي، و ليس هو موجوداً في التجرّي و سيوافيك دليل ترتّب الثواب على الانقياد.

السؤال الثاني:

اتّفقوا على أنّ ظانّ ضيق الوقت إذا أخّر الصلاة عصى، و إن انكشف بقاء الوقت، فإذا كان الظنّ كذلك فالقطع أولى، و اتّفقوا على أنّ سلوك الطريق المخطور ظنّاً أو قطعاً معصية يجب إتمام الصلاة فيه، و لو بعد خروج الوقت.

الجواب: أنّ البحث في المقام: في مورد يكون القطع أو الظنّ، طريقين إلى الواقع و الموضوع و كان الحكم مترتّباً على نفس الواقع، لا ما إذا كان موضوعاً للحكم، فمخالفة مثل ذلك معصية و ليست بتجرّ، و مثله الظانّ بالضرر عند استعمال الماء فيحرم عليه الوضوء أو الغسل و إن لم يكن هناك ضرر.

السؤال الثالث:

إنّ هناك آيات و روايات تدلّ على ترتّب العقاب على نيّة العصيان، أمّا الآيات فهي: قوله سبحانه: (وَ إِنْ تُبْدُوا ما فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ) (البقرة/ 284).

و قوله تعالى: (تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُها لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَ لا فَساداً وَ الْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ‏) (القصص/ 83).

و قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ اللَّهُ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏) (النور/ 19).

39

يلاحظ على الاستدلال بهذه الآيات، أمّا الآية الأُولى: فظاهر السياق أنّها راجعة إلى كتمان الشهادة و إظهارها، بشهادة قوله في الآية المتقدمة: (وَ لا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ وَ مَنْ يَكْتُمْها فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ‏) (البقرة/ 283).

أضف إلى ذلك: أنّ من المحتمل أن يكون المراد من قوله: (ما فِي أَنْفُسِكُمْ‏) ما هو الثابت و المستقرّ في النفس و هذا كالملكات النفسانية من الكفر و النفاق و العداء و أحوالها، و أمّا الخطورات و الهواجس النفسانية، و إرادة المعصية غير المستقرة، فلا تشمله الآية.

و أمّا الآية الثانية، فقد وردت في ذيل قصة قارون، و المفهوم من إرادة العلوّ و الفساد ليس هو العلوّ القلبي فقط بل إرادة العلوّ المستتبعة للتعالي عملًا، و إيجاد الفساد، و مثل ذلك حرام قطعاً، و بالجملة: ليس مفهوم الآية أنّ من أراد التعالي في الأرض و الفساد و إن لم يقترف شيئاً، بل المراد هو إرادتهما مثل إرادة قارون، فيكون المقصود الإرادة المستتبعة بالعمل.

و أمّا الآية الثالثة أعني قوله: حبّ شيوع الفاحشة، فليست من مصاديق التجرّي بل هي من أقسام المعصية، لأنّ المراد من الفاحشة في الآية هي الزنا، و المقصود من إشاعته هو قذف الأبرياء بها، و مثل هذا معصية، و لأجل ذلك قال سبحانه: (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ‏) (النور/ 11).

هذه دراسة الآيات، و إليك دراسة الروايات:

دراسة الروايات:

الروايات، على طائفتين: منها ما هي ظاهرة في ترتّب العقاب على نيّة المعصية بأقسامها، و منها ما يدلّ على خلافه، فإليك الطائفتين:

1 ما رواه السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم):

نيّة

40

المؤمن خير من عمله و نيّة الكافر شرّ من عمله، و كل عامل يعمل على نيّته‏ (1). و قد ورد في سند الرواية: النوفلي و السكوني و قد قبل الأصحاب روايتهما. إنّما الكلام في دلالتها، و قد فسّرت في بعض الروايات بقولهم:» إنّ المؤمن ينوي من الخير ما لا يدركه، و الكافر ينوي الشر و يأمل من الشرّ ما لا (2) يدركه «.

و لو صحّ التفسير فملاك التفضيل هو الكمية، فنيّة المؤمن أوسع من عمله كما أنّ نيّة الكافر كذلك، غير أنّ المؤمن ينوي الخير و الكافر ينوي الشرّ، و لو أغمضنا عن ذلك التفسير لضعف سنده، فالمظنون لا يوافق الأُصول، إذ كيف تكون النيّة خيراً من العمل، فإنّ العمل القليل أفضل من النيّة المجرّدة و إن كانت أوسع.

2 ما رواه الحسين بن أحمد المنقري عن أحمد بن يونس عن أبي هاشم (المدني) قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام):» إنّما خلّد أهل النار في النار لأنّ نيّاتهم كانت في الدّنيا أن لو خُلّدوا فيها أن يعصوا اللّه أبداً، و إنّما خُلّد أهل الجنّة في الجنّة لأنّ نيّاتهم كانت في الدّنيا أن لو بقوا فيها أن يطيعوا اللّه أبداً، فبالنيات خلّد هؤلاء و هؤلاء، ثمّ تلا قوله تعالى: (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى‏ شاكِلَتِهِ‏) قال: على نيّته‏ (3).

و لكن الاحتجاج برواية المنقري غير صحيح، لأنّ النجاشي ضعّفه و قال: و كان ضعيفاً (4). و أمّا أحمد بن يونس فلم يُعَنْوَن في كتب الرجال، و مثله أبو هاشم، و الظاهر أنّه أبو هاشم بن يحيى المدني و هو كالسابق.

3 ما روي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: أيّها الناس إنّما يجمع الناس‏

____________

(1)- الوسائل: ج 1، الباب 6 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 3.

(2)- المصدر نفسه: الحديث 17.

(3)- المصدر نفسه: الحديث 4.

(4)- النجاشي: الرجال، برقم 117.

41

الرضا و السخط، و إنّما عقر ناقة ثمود رجل واحد فعمّهم اللّه بالعذاب لما عمّوه بالرضى، فقال سبحانه: (فَعَقَرُوها فَأَصْبَحُوا نادِمِينَ‏) (1) (الشعراء/ 157).

4 ما روي عنهم: الرّاضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم و على كلّ داخل في باطل إثمان: إثم العمل به و إثم الرضا به‏ (2).

يلاحظ على الاستدلال: بأنّ الروايتين و ما على شاكلتهما أجنبية عن بحث التجرّي، فإنّ المراد منه ما إذا نوى الفاعل المعصية سواء أتى بمقدماتها أم لا، و هو مقهور غرائزه، من دون حبّ لشيوع الفاحشة و المعصية بين الناس، و الرضا بمعصية الغير من قبيل حبّ شيوع الفاحشة بين الناس، و مثل ذلك حرام لا صلة لها بالتجرّي، و بالجملة: فرق بين من غلبت عليه شقوته، فنوى المعصية، و ذهب وراءها، و لكنّه رجع بحرمان و خيبة، و هو يلوم نفسه، و بين من رضي بشيوع المعاصي و الفساد و تحقق الموبقات بين الناس، فالأوّل تجرّ و الثاني معصية.

هذا كلّه حول الطائفة الأُولى و إليك بعض ما ورد في مجال الطائفة الثانية و نذكر منها ما استفاض نقله:

روى زرارة عن أحدهما (عليهما السلام)، قال: إنّ اللّه تبارك و تعالى جعل لآدم في ذرّيته أنّ من همّ بحسنة فلم يعملها، كتبت له حسنة، و من همَّ بحسنة و عملها كتبت له عشراً، و من همَّ بسيّئة لم تكتب عليه، و من همَّ بها و عملها، كتبت عليه سيّئة (3). و السابر في الباب السادس و السابع من روايات أبواب مقدّمة العبادات من الوسائل يقف على هذا المضمون و إنّما الكلام في الجمع بين الطائفتين، و قد حاول الشيخ الأعظم الجمع بينهما بوجهين:

____________

(1)- نهج البلاغة: الخطبة 221.

(2)- المصدر نفسه: قسم الحكم، الرقم 154.

(3)- الوسائل: ج 1، الباب 6 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 6، و بهذا المضمون الأحاديث التالية: 7، 8، 20، 21.

42

أ حمل الطائفة الأُولى على من بقي على قصده حتى عجز عن الفعل، لا باختياره، و الثانية على من ارتدع عن قصده بنفسه، و استشهد على هذا الجمع بالنبوي:» إذا التقى المسلمان بسيفهما على غير سنّة، فالقاتل و المقتول في النار، قيل: يا رسول اللّه هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: لأنّه أراد قتله « (1).

يلاحظ على هذا الجمع أوّلًا: أنّه لا يلائم ظهور الطائفة الثانية، فإنّها ظاهرة أو صريحة في عدم الإثم إلى أن يعمل المعصية، روى الصدوق في توحيده:» و من همَّ بسيّئة فلم يعملها لم تكتب عليه حتى يعملها «و هو ظاهر في عدم الفرق بين أن يرتدع بنفسه أو يطرأه العجز.

و ثانياً: أنّ الحديث ضعيف فقد ورد في سنده الحسين بن علوان، و هو عامي لم يوثق‏ (2) و عمرو بن خالد و هو زيدي بتري من رؤساء الزيدية (3) و مثل هذا لا يصحّ أن يقع شاهداً.

ب حمل الأُولى على من اشتغل بعد القصد ببعض المقدمات و الثانية على من اكتفى بمجرّد القصد، و يرد على هذا الجمع: ما أوردناه على الجمع الأوّل من أنّ ظاهر الطائفة الثانية عدم الكتابة حتى يصدر عنه الفعل.

روى عبد اللّه بن جعفر الحميري في قرب الاسناد عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال:» و لا يؤاخذ أهل الفسق حتى يفعلوا « (4).

و هناك جمع ثالث اختاره المحقق الخوئي دام ظلّه حيث حمل الروايات الدالة على ترتّب العقاب بأنّها ناظرة إلى قصد ارتكاب الحرام الواقعي، فلا صلة لها بقصد الحرام الخيالي و ما يعتقده المكلّف حراماً، مع عدم كونه حراماً في الواقع‏

____________

(1)- الوسائل: ج 11، الباب 67 من أبواب جهاد العدو، برقم 1 و في المصدر:» أراد قتلًا «.

(2)- النجاشي: برقم 115.

(3)- رجال الشيخ: برقم 69.

(4)- الوسائل: ج 1، الباب 6 من أبواب مقدمة العبادات، الحديث 21.

43

كما في التجرّي‏ (1).

يلاحظ عليه: أنّ المتجرّي و العاصي يقصدان الحرام الواقعي لا الخيالي، غير أنّ الأوّل في مقام التطبيق خاطئ دون الثاني، و هذا المقدار من التفاوت لا يخرج المتجرّي عن حريم الروايات.

و الظاهر أنّ الجمع بين الطائفتين بعيد و لا مناص من الطرح، فيؤخذ بالطائفة الثانية لاستفاضتها و مطابقتها لأُصول المذهب، دون الأُولى فتطرح.

السؤال الرابع:

إذا لم يكن للتجرّي و لا الفعل المتجرّى به عقاب، فكيف يفسّر ما دلّ على ترتّب العقاب على مقدّمات بعض المحرّمات كالنميمة حيث ورد فيها:» و من مشى في نميمة بين اثنين، سلّط اللّه عليه في قبره ناراً تحرقه إلى يوم القيامة « (2).

و الجواب: أنّ هذا القسم من الروايات مختص بالمقدّمة الموصلة، و المترتّب عليها هو نفس عقاب ذيها، و هذا غير التجرّي.

السؤال الخامس:

هل يصحّ ما في الفصول من أنّ قبح التجرّي لمّا كان بالوجوه و الاعتبار لا بالذات، فإذا كان الفعل المتجرّى به واجباً في الواقع يقع التزاحم بين ملاك الوجوب و ملاك قبح التجرّي، فربّما يكون ملاك الوجوب أقوى فيتقدم؟

و الجواب: أنّه لو سلمت المقدمة (قبح التجرّي بالوجوه و الاعتبارات) و لكنّها إنّما تفيد إذا كانت الوجوه ملتفتة إليها و المفروض أنّها مغفولة عنها، فمن قطع بأنّ من وقف أمامه عدوّ للمولى و لم يقتله فبان أنّه ابنه، فلا يصير التحفّظ

____________

(1)- مصباح الأُصول: 29/ 2.

(2)- الوسائل: ج 8، الباب 164 من أبواب أحكام العشرة، الحديث 6.

44

على ابنه أمراً حسناً مزيلًا لقبح التجرّي لعدم التفات المتجرّي إلى أنّه ابنه.

السؤال السادس:

هل البحث عن أحكام التجرّي و المتجرّى به كلامي أو أُصولي أو فقهي؟

أقول: يمكن عدّ البحث كلامياً إذا كان البحث عن استحقاق العقاب و عدمه، كما يمكن أن يكون فقهياً إذا كان البحث عن حرمة التجرّي أو عن حرمة قصد المعصية أو عن حرمة الفعل المتجرّى به، كما يمكن عقدها أُصولياً فيما إذا كانت جهة البحث عمومية الخطابات الأوّلية لصورة مصادفة القطع للواقع و مخالفته له.

نعم جعلها مسألة أُصولية بهذا التفسير (1) غير وجيه، لأنّ البحث عن شمول الإطلاق و عدمه بحث عن وجود الدليل عن مسألة فقهية، و إنّما تكون مسألة أُصولية إذا كان الإطلاق محرزاً و كان البحث عن حجّيته، كما هو الحال في الخبر الواحد.

و في خاتمة المطاف نقول: إنّ البحث عن استحقاق المتجرّي أو الفعل المتجرّى به للعقاب و عدمه، لا صلة له بمسألة القرب من ساحته تعالى، و بعده عنها، إذ لا شك أنّ التجرّي يوجب بعد الانسان عن حظيرة القدس و مرافق الأولياء.

____________

(1)- فوائد الأُصول: 50/ 3 حيث قال: إنّ البحث عن الجهة الأُولى (عمومية الخطابات الأولية لصورتي مصادفة القطع للواقع و مخالفته) أُصولي.

45

الأمر الثالث: في أقسام القطع‏

اشتهر من زمان الشيخ الأعظم تقسيم القطع إلى أقسام خمسة:

1 القطع الطريقي المحض.

2 القطع الموضوعي الطريقي.

3 القطع الموضوعي الوصفي.

و كلّ من الأخيرين على قسمين: إمّا أن يكون القطع تمام الموضوع، أو يكون جزأه فيكون المجموع خمسة.

و المراد من الطريقي المحض هو أن يكون الحكم مترتّباً على نفس الموضوع بما هو هو من دون أن يكون للقطع أيّة مدخلية في ثبوت الحكم إلّا في تنجّزه على المكلّف كما هو الغالب في الأحكام المترتّبة على الموضوعات الخارجية كحرمة الخمر و القمار و الغناء و غير ذلك. فهذه الموضوعات بما هي هي محرّمات، غير أنّ العلم بالكبرى لا يكون منجّزاً و باعثاً إلّا إذا انضمّ إليه العلم بالصغرى أعني كون ذاك المائع خمراً، أو هذا الصوت المسموع غناء، و هكذا، فللعلم دخل في التنجّز لا في أصل الحكم حتى لو قيل: كلّ معلوم الخمرية حرام، تصبح الكبرى كذبةً و باطلةً.

46

و أمّا القطع الموضوعي فقد عرّف بما إذا أخذ القطع في لسان الدليل موضوعاً للحكم أو جزء موضوع، و الأولى أن يعرّف بما إذا كان للقطع دخل في ثبوت الحكم بحيث لولاه لما كان الحكم متحقّقاً، و ذلك لأنّ الأخذ في الموضوع قد يكون على وجه يستفاد منه عرفاً الطريقيّة المحضة ففي مثل قوله سبحانه: (وَ كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ) (البقرة/ 187) و إن كان القطع مأخوذاً في موضوع الحكم أعني قوله: (كُلُوا) و (اشْرَبُوا) لكنّه عنوان يشير إلى طلوع الفجر، فلو كان في الهواء غيمٌ أو كان الانسان محبوساً و لا يتبيّن له الخيطان فمع العلم بطلوع الفجر، يجب عليه الإمساك و يبطل صومه لو أكل أو شرب.

و على ذلك فلو كان الموضوع بقيد كونه محرزاً و مقطوعاً موضوعاً للحكم الشرعي لبّاً، فالقطع هناك موضوعي و إلّا فهو طريقي و إن كان مأخوذاً في لسان الدليل، و المثال المعروف لذلك هو أنّ الحكم بالصّحة في الثنائية و الثلاثية من الصلوات و الأوليين من الرباعية، متوقّف على العلم بإتيانهما في الرباعية و إحراز عدد الركعات في الثنائية و الثلاثية بحيث لو لا الإحراز، لكانت باطلة و إن كان في الواقع محرزاً، فلو أتمّ الصلاة شاكّاً ثمّ تبيّن كونها كاملة، بطلت.

و هناك أمثلة أُخرى نذكرها:

1 الحكم بوجوب إتمام الصلاة متفرّع على إحراز كون سلوك الطريق مخطوراً، إحرازاً قطعياً.

2 الحكم بوجوب التيمّم و تبدل التكليف من الغسل و الوضوء إليه متفرّع على إحراز كون استعمال الماء مضرّاً إحرازاً قطعياً.

3 الحكم بلزوم التعجيل بالصلاة و حرمة تأخيره متفرّع على إحراز ضيق الوقت إحرازاً قطعياً (1).

إلى غير ذلك من الأمثلة التي أخذ العلم أو الإحراز في‏

____________

(1)- و ربّما يكتفى في هذه الموارد بالظن، و هو أيضاً مأخوذ على النحو الموضوعي فتدبّر.

47

موضوع الحكم لبّاً سواء أ كان موضوعاً في لسانه أم لا؟ بحيث لو كشف الخلاف و علم عدم محظور سلوك الطريق أو عدم ضرر استعمال الماء، لما ضرّ بما أتى من العمل لأنّ كشف الخلاف إنّما هو بالنسبة إلى متعلّق القطع، لا إلى الحكم الشرعي و إنّما هو بالنسبة إليه من قبيل تبدّل الموضوع.

هذا هو معنى كون القطع موضوعياً أي دخيلًا في ترتّب الحكم، و لأجل ذلك لو سلك الطريق المخطور بلا علم و قصّر الصلاة أو استعمل الماء بلا إحراز ضرره، و صلّى، كان عمله صحيحاً لعدم تمامية الموضوع بالنسبة إلى الإتمام أو التبدّل من الوضوء إلى التيمّم.

ثمّ إنّ المعروف أنّ القطع الموضوعي بهذا المعنى على قسمين: طريقي و وصفيّ، و كلّ على قسمين تمام الموضوع أو جزئه.

و توضيحه: أنّ القطع من الحالات النفسانية ذات الإضافة فله إضافة إلى النفس المدرك، و إضافة إلى الصورة المعلومة التي تسمّى المعلوم بالذات. فتارة يلاحظ بما أنّه نور و طريق إلى متعلّقه و من أدوات الكشف و المعرفة و أنّه لولاه لانقطعت صلة الإنسان بالخارج، قال سبحانه: (وَ اللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَ جَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَ الْأَبْصارَ وَ الْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏) (النحل/ 78) فالسمع و الأبصار و الأفئدة من أدوات المعرفة و هي الوسيلة للعلوم التي تحصل للإنسان.

و أُخرى أنّه حالة نفسانية تعرض لها كسائر الصفات النفسانية من الحسد و البخل و الحبّ و الغضب.

فلو أخذ في موضوع الحكم بما له وصف الطريقية و الكاشفية يقال له القطع الموضوعي الطريقي. و لو أخذ فيه بما أنّه وصف من الأوصاف النفسانية يطلق عليه القطع الموضوعي الوصفي، فالتسمية دائرة مدار لحاظه بأيّة حيثية من حيثياته.

48

و هذا كالمنظار و المرآة تلاحظان تارة بما أنّهما من أدوات الكشف و الرؤية، و أُخرى بأنّهما من الأجسام الصقيلة (1) الشفافة.

و إن شئت قلت: إنّ القطع من الصفات الحقيقية ذات الإضافة، فله إضافة إلى العالم، و إضافة إلى المعلوم.

فلو أخذ في الموضوع بما أنّه وصف من الصفات النفسانية و له تحقّق فيها، يكون موضوعياً وصفياً.

و لو أخذ فيه بما أنّ له إضافة إلى المعلوم يكون موضوعياً طريقياً. فكلّ من قيدي الصفات الحقيقية و ذات الإضافة يوجب انقسام القطع إلى قسمين، فلاحظ.

و الفرق بين الطريقي المحض و الموضوعي الطريقي واضح جدّاً، لأنّ القطع في الأوّل غير ملتفت إليه تفصيلًا و غير دخيل في الحكم بخلافه في الثاني فهو ملحوظ بإحدى الطريقين.

ثمّ إنّ كلّا منهما على قسمين: تارة يكون تمام الموضوع بلا دخل للواقع، بل الحكم دائر مدار وجوده، و أُخرى يكون جزأه بحيث يكون لكلّ من القطع و الواقع دخل فلا يترتّب الحكم إلّا إذا تحقّق الأمران.

ثمّ إنّ المحقق النائيني استشكل في إمكان أخذه تمام الموضوع على وجه الطريقية قائلًا: بأنّ أخذه تمام الموضوع يستدعي عدم لحاظ الواقع وذي الصورة بوجه من الوجوه، و أخذه على وجه الطريقية يستدعي لحاظ ذي الطريق و ذي الصورة، و يكون النظر في الحقيقة إلى الواقع المنكشف بالعلم‏ (2).

و اختاره تلميذه قائلًا: بأنّ معنى كونه تمام الموضوع، أنّه لا دخل للواقع في‏

____________

(1)- الصيقل: مبالغة» صاقل «و الصقيل: المصقول و هو المراد هنا.

(2)- فوائد الأُصول: ج 3 ص 11.

49

الحكم أصلًا، بل الحكم مترتب على نفس القطع و لو كان مخالفاً للواقع و معنى كونه مأخوذاً بنحو الطريقية، أنّ للواقع دخلًا في الحكم و أُخذ القطع طريقاً إليه. و هذا جمع بين المتناقضين‏ (1).

يلاحظ على كلامهما: أنّه ليس معنى أخذ القطع في الموضوع على وجه الطريقية هو لحاظ الواقع أو دخله، حتى يستلزم أخذه كذلك تمام الموضوع الجمع بين النقيضين، بل معناه ملاحظة القطع بما أنّ له وصف الطريقية و المرآتية لا بما أنّه من الأوصاف النفسانية، و قد عرفت أنّ الشارع يمكن أن يلاحظ القطع بما أنّه وصف قائم بالمكلّف و بما أنّه طريق إلى الواقع في ذهنه، و ليس للقطع الوصفي و لا الطريقي معنى سوى ذلك.

نعم يمكن تقرير الإشكال بوجه آخر: و هو أنّ أخذه القطع في الموضوع يدلّ على كونه ملحوظاً استقلالًا، و أخذه طريقاً إلى الواقع يدلّ على عدم كونه ملحوظاً إلّا آليّاً. فيلزم الجمع بين اللحاظين المتنافيين.

و الجواب: أنّه إنّما يلزم لو أخذ الشارع القطع القائم في ذهنه، و أمّا إذا أخذ القطع القائم في ذهن المكلّف الذي هو طريق إلى متعلّقه، فلا يلزم أبداً، فالشارع يأخذ القطع الطريقي في ذهن المكلّف في موضوع حكمه، لا أنّه يأخذ القطع الطريقي القائم بنفسه في الموضوع فلاحظ.

ثمّ إنّ المحقّق الخراساني بحث عن أقسام القطع الموضوعي صحيحها و باطلها في أمر خاص، فنحن أيضاً نقتفيه و نشرح قوله هنا:» و قد يؤخذ في موضوع حكم آخر يخالف متعلّقه لا يماثله، أو لا يضادّه «في ذاك البحث فانتظر و إن كان الأولى البحث عن أقسام القطع في موضع واحد.

____________

(1)- مصباح الأُصول: ج 2، ص 33 و الفرق بين التعبيرين هو: أنّ الأُستاذ استخدم لفظة» لحاظ الواقع إذا كان القطع مأخوذاً على نحو الطريقية «و التلميذ استخدم لفظ دخل الواقع.

50

في قيام الأمارات مقام القطع و عدمه‏ (1):

المراد من قيامها مقام القطع: هو ترتيب ما للقطع من الآثار كالحجّية عليها في الطريقي المحض و دخلها في الموضوع كدخله في الموضوعي. كما أنّ المراد من القيام، هو القيام بنفس أدلّتها بأن يقوم خبر الواحد بنفس آية النبأ، أو النفر أو سيرة العقلاء مكان القطع، لا القيام بدليل خاص، إذ لا كلام في القيام معه.

ثمّ إنّه لا إشكال في قيام الأمارات مقام القطع الطريقي المحض في الحجّية و التنجيز بنفس أدلّتها، إذ لا معنى لحجّية الأمارة إلّا إثبات متعلّقها في الموضوع و الحكم، فلو قامت الأمارة على كون هذا خمراً أو كونه حراماً يثبت به المتعلّق مثل ما إذا تعلّق به القطع، غاية الأمر اعتبر الشارع تعدد المخبر في الموضوع فجعل كلّ واحد جزءاً للأمارة.

كما أنّه لا إشكال في عدم قيام الأمارات مقام القطع الموضوعي الوصفي، لأنّ اعتبار القطع في الموضوع بما أنّه وصف نفساني لا أنّه كاشف عن الشي‏ء أمر، و اعتبار الأمارة بما أنّها كاشفة و طريقة إلى المتعلّق أمر آخر، لا مشاركة بينهما. فلا يفي دليل التنزيل بذاك القيام.

و على الجملة: إذا اعتبر القطع بما هو وصف نفساني كالحسد و البخل في الموضوع، لا بما هو طريق و كاشف، لا تعدّ الأمارة التي اعتبرت بما هي طريقة و كاشفة، عديلة و قرينة له إذ يجب أن يكون بين المنزّل و المنزّل عليه جهة اشتراك في‏

____________

(1)- قيام الامارات مقام القطع و عدمه هو الثمرة لتقسيم القطع إلى الأقسام المزبورة و إن كانت الثمرة لا تختصّ به، لظهورها في باب الإجزاء أيضاً إذ أنّه لا يجزي عن الواقع عند كشف الخلاف فيما إذا كان القطع طريقاً صرفاً أو جزء الموضوع، بخلاف ما إذا كان تمامه فلا يضرّ كشف الخلاف لأنّه بالنسبة إلى متعلّقه، لا إلى الحكم الشرعي.