المختارات في الأصول‏ - ج2

- محمد علي الحائري القمي المزيد...
218 /
1

[هوية الكتاب‏]

المجلد الثانى من المختارات فى الأصول لمؤلّفه العبد محمّد على القمّى عفى عنه طبع اوّل طهران ر مطبعه علمى به زيور طبع اراسته كرديد

شهر رجب 1354

2

المجلد الثانى من المختارات فى الاصول للعبد محمّد على القمّى عفى عن جرائمه‏ بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏ الحمد للّه ربّ العالمين و الصّلاة و السّلام على محمّد و آله الطّاهرين‏

المقصد الثالث فى بيان ما يثبت به الأحكام الواقعيّة من القطع و ما نزل منزلته شرعا

فنقول‏ المكلّف اعنى من وضع عليه القلم اذا التفت الى الأحكام الثابتة عليه فى الشّريعة لا محالة لا بدّ له ان يحصل القطع بتلك الأحكام او القطع بما يؤمن معه من تبعة تلك الأحكام فيترتّب على ذلك اثر القطع من لزوم الأتباع ايجابا و تحريما و لا فرق فى لزوم ترتّب آثار القطع بين الأمرين من الحكم او المؤمن و ما دام لم يحصل ذلك القطع لا يكاد يخرج من تبعة تلك الأحكام فاذا حصل القطع بنفس الاحكام الواقعية فيلزم متابعته و لا اشكال فى ذلك‏ و امّا المؤمن فعلى قسمين شرعىّ و عقلى فالمؤمن الشّرعى ايضا على قسمين لانّ ما ثبت مؤمنيّته شرعا امّا امارة او اصل لأن الشّارع فى مقام جعله امّا ان يجعل الشّي‏ء حجّة بلحاظ كشفه عن الواقع و تنزيله منزلة الواقع فيسمّى ذلك امارة كحجيّة الخبر الواحد او يجعله من غير لحاظ كشفه بل بلحاظ كونه مشكوك الحكم كقوله كلّ شي‏ء مباح حتّى تعلم حرمته و ينقسم الثّانى الى البراءة و الاستصحاب و الاشتغال و التخيير و المؤمن العقلى ايضا على قسمين يعنى يمكن فرض القسمين فيه اذ قد يحكم العقل بلزوم اتباع شي‏ء بلحاظ كشفه عن الواقع كالظنّ على تقدير الحكومة و كاصل البراءة العقليّة بناء على كون مناطها البراءة الأصليّة المستصحبة و عدم الدّليل دليل على العدم و الاستصحاب و الحكم بالغلبة و الاستقراء و القياس و تنقيح المناط و غير ذلك و قد يحكم بغير هذا اللّحاظ كالبراءة العقليّة بمعنى حكمه بقبح العقاب على غير بيان او التخيير العقلى‏ اذا عرفت ذلك فنقول‏ لا ينبغى الأشكال و لا اشكال فى وجوب متابعة القطع و العمل عليه لانّه طريق بذاته الى الواقعيّات و انه كاشف عنها بذاته تمام الكشف حيث لا يحتمل النقيض و لا يكاد يقع عليه يد الجعل نفيا و اثباتا مع بقاء الأحكام على ما هى عليه من البعث و الزجر كما هو الفرض للزوم التناقض و التضاد واقعا او حسب اعتقاد المامور فى صورة العدم فيكون فى ظرف الوجود ممّا يجب وجوده و الجعل لا محالة متعلّقه الممكن لا الممتنع و الواجب فمتعلّقه‏

3

نفس الواقع و الوجدان اجلى شاهد على ما ذكرنا و من ذلك لا يتفاوت الحال فيه بين الاشخاص و الاسباب‏ نعم‏ فى غير القطع ممّا يكون قابلا للجعل كالامارات و الظنون فما جعله الشارع حجة و نزل الشارع كشفه الناقص منزلة التام او نزل محتمله منزلة العدم او نزل متعلقه المرئى منزلة المعلوم لزم ترتيب آثار الواقع عليه فلا محالة يكون لازمتها جعل مدلوله حكما بدليل الاقتضاء فيكون واقعيّا ثانويّا ظاهريّا و ان كان يمكن ان يقال ايضا بجعل الحجية التى هى من الاحكام الوضعية فيترتب عليها آثار الحجيّة فيكون وجوب الاتباع ح عقليا من غير ان يكون هناك حكم ظاهرى شرعى‏ غاية الامر يكون الواقع منجزا فى صورة الاصابة و عذرا فى صورة المخالفة و لعله نتكلم فى ذلك ان شاء اللّه تعالى و امّا فاجعله العقل حجة فهو ليس الا الظنّ فى حال الانسداد على تقدير الحكومة فهو ح و ان كان واجب الاتباع الّا ان الحكم الشّرعى ليس الّا الواقعى المنجز فى صورة الاصابة و عند المخالفة يكون المكلف معذورا و امّا ما لا يكون قابلا للجعل اصلا كالشك من جهة عدم كشف فيه اصلا فيكون المجعولات الشرعية فى موضوعه حكما ظاهريا شرعيا بلا كلام كما انّ الاحكام العقلية الثابتة فى مواردها ليست باحكام‏ و اعلم‏ ان الظنون القابلة للجعل الغير المجعولة شرعا لا حجّية فيها الّا ما ثبت فيها بناء العقلاء على اعتباره فيتبعه بناء الشارع الا ما خرج بالدليل‏ فلعله‏ نتكلم فى ذلك إن شاء الله اللّه‏

اصل القطع بالحكم كالقطع بحرمة الخمر لا يصحّ ان يجعل تمام الموضوع او جزء الموضوع‏

لهذا الحكم او مثله و لا لضده و كذا القطع بمتعلق الحكم كالقطع بالخمر لا يصحّ ان يجعل موضوعا لنفس ذلك الحكم المتعلق بالخمر و لا مثله او ضدّه كلا او جزء و يصح فى ما سوى ذلك امّا عدم جوازه فى الاول فلان الحرمة المعلومة موضوعها الخمر فجعل القطع بها او موضوعها موضوعا لذلك الحكم موجب للخلف و الدّور اذ القطع يتوقف على الحكم المزبور المتوقف على القطع فيلزم وجوده فى طرف عدمه و امّا عدم جوازه فى الثانى فللزوم اجتماع المثلين فى موضوع واحد لان موضوع الحكم المماثل عنوان لمتعلق القطع مثلا اذا قطع بحرمة الخمر فمتعلق القطع الّذى تعلق به الحرمة الخمر و الخمر المقطوع حرمته الّتى هى موضوع الحكم الثانى المماثل عنوان لهذا الخمر فيصير الخمر موضوعا للحكمين المتماثلين و ذلك لا يجوز و امّا الثالث فلما يلزم من اجتماع الضدّين على ما عرفت من اتحاد الموضوع فى اجتماع المثلين لكون الحكم على الفرض فعليّا منجرا و هذا بخلاف غير القطع من الامارات لعدم كون الواقع بها منجزا بعد و ليس ذلك من باب اتحاد المصداق و اختلاف العنوانين كما فى مسألة اجتماع الامر و النهى حيث تعلق الامر بعنوان و النهى بعنوان آخر و اجتمعا فى مصداق واحد بل من باب النهى فى‏

4

العبادات من جهة تعلق الحكم الثّانى بنفس ما تعلق به الحكم الاوّل بعنوان الآخر و الاجتماع واضح عند القاطع مطلقا و عند غيره اذا طابق الواقع و عند المخالفة و ان لم يكن اجتماع الّا انّه لا يمكن تصديق القاطع به لعدم احتمال المخالفة مع قطعه و احتماله الخطاء فى قطعه انما هو بلحاظ الكلية لا الخصوص و ما ذكرنا ممّا لا اشكال فيه عند الالتفات و لهذا قد تقدّم عدم امكان تعلق الجعل بالقطع حيث انه مع تمكن تعلق الجعل به لا محالة يصير بلحاظه موضوعا للحكم الظاهرى مماثلا لحكم متعلقه فى صورة الموافقة و مضادا له فى المخالفة و المخالف فى المقام صاحب الفصول حيث انه لازم القول بالجعل لانه معه يصير موضوعا للحكم الظاهرى المماثل او المضاد كما هو الحال فى الامارات و قد صرّح بذلك فى باب التقليد فى طى اقسام معذوريّة الجاهل نعم اذا ظن بحرمة الخمر او بنفسه يمكن ان يصير ذلك الظن موضوعا لحكم مماثل لمتعلقه و ذلك فى ما اذا تعلق به الجعل‏ و هكذا

سائر الامارات و لتصوير اجتماع الحكمين الظاهرىّ المتحقق بالجعل و الواقعى محل آخر لعلّه نتعرض له إن شاء الله اللّه‏

اصل متعلق العلم و الاوامر الشرعيّة و الامارات جميعها ليس الّا نفس الحكم و لا يقتضى ذلك الّا الكشف لذلك الحكم‏

و يجب اطاعته اركانا و اما الالتزام و التدين به فهو غير لازم لنفس هذه الامارات بحيث يقتضى اطاعتين العمل بالاركان و الاعتقاد بالجنان كما فى سائر اوامر الموالى بالنّسبة الى العبيد و اما لزوم التّدين و الالتزام باحكام اللّه فهو على تقدير ثبوته دائر مدار تحقق موضوعه امّا على سبيل الاجمال فيلزم التدين بكلّ ما جاء به النبى و اما فى مقام التفصيل فدائر مدار ثبوت الحكم الواقعى لا مطلق تنجز التكليف بالواقع مثلا لو وجب الاحتياط بالاتيان بالمتباينين لا يجب الالتزام بخصوص احدهما بل لا يجوز لاحتمال المخالفة و الحاصل انّ التكليف المقتضى للاتيان مخالف لما وجب الالتزام و التدين فليس كلّ ما قام الدّليل على لزوم الاتيان به مقتض للتدين و الالتزام لان ما ثبت به الاول دون الثانى فليس العمل على جواز الارتكاب و عدمه مخالفا لذلك الدليل و لا مخالفا لادلة وجوب الالتزام كما لا يخفى‏

اصل القطع اذا تعلق بمجرّد حسن الفعل او قبحه لا يكفى فى اثبات الحكم الشرعى صحة و العقوبة و المثوبة على الموافقة و المخالفة

نعم لو قطع بالحكم الشرعى و انّ الشارع أراده و بعث عليه او كرهه و زجر عنه يثبت الحكم الشرعى و يجب العمل على طبقه لان القطع به ليس الّا كسماع الحكم منه و لا اشكال فى وجوب الإطاعة بعد ظهور الامر و النهى و احتمالك خطاء القطع كاحتمالك خطاء الحسّ‏

5

من السّمع و البصر و سائر الحواسّ اعلم انّه لا مجال لتعلق الجعل بالقطع من حيث الحجيّة اثباتا لعدم تعقل نفى الحجيّة بعد ثبوت الحكم منه و التزامه بالاطاعة و وصوله الى المكلف لان مرجعه الى التناقض فكذلك الحال اثباتا و ما لا يقبل العدم لا يقبل جعله اثباتا لكونه واجب الوجود و لا يكاد يصل اليه يد الجعل و توضيح الامر انه بالقطع يكشف نفس الحكم الواقعى و يتنجز ذلك الحكم فى حق المكلف بحيث لو منع الشارع عن العمل على طبقه لعدّ الشارع امّا مناقضا لما يحكم او رافعا يده عمّا حكم و معنى جعله ان يجعل حكما مماثلا او مضادا للحكم الواقعى فى مورد القطع بحيث يكون موضوع ذلك الحكم مقطوع الحكم مثلا فيكون هنا حكمان مختلفان فى الموضوع مفهوما احدهما ذات الشي‏ء و الثانى هو بوصف المقطوعيّة كما هو الحال فى حجية الظن فيقال هذا مظنون الخمرية مثلا و المظنون الخمرية حرام ينتج فهذا حرام فاجتمع فى الخمر حكمان واقعى و ظاهرى و ذهب الى ذلك فى الفصول و قال بحجّية القطع كذلك كالظن و يحصل الثمرة فى موضع المخالفة للواقع فقال فيه بثبوت حكم ظاهرى كما هو المعلوم فى الأحكام الظاهريّة و هو كما ترى لعدم الاحتياج و اللغوية فى مقام التّكليف مع ما عرفت من الاستحالة و بيانه انّ الآثار الثّابتة فى الاشياء قد يكون فى حدّ انفسها يمكن ان يثبت لها و ان ينفى عنها و قد يكون لازم الثبوت لها كزوجيّة الاربع اذ هى لازمة لذاته و الجعل التأليفى و المساوى باثنين انما يتصوّر فى القسم الاوّل دون الثانى اذ الجعل ان تعلق بالثبوت يلزم اثبات الثابت و تحصيل الحاصل و ان تعلق بالنفى لزم تفكيك اللازم عن الملزوم و المعلول عن العلة و كلاهما باطلان‏

اصل قد عرفت انّ القطع انما هو حجة بذاته لا بجعل الشارع كالظنّ فلا يكاد يكون متعلقه يصير حكما شرعيّا ظاهريا كمتعلق الظن‏

مثلا اذا ظنّ بحرمة شي‏ء مثلا و كان الظنّ حجة شرعيّه و معنى حجية جعل المظنون يكون حرمة ذلك الشي‏ء مجعولا ظاهريّا فى قبال الواقعى فلا محالة يجتمع هنا فى المتعلق حكمان احدهما ظاهرىّ بلحاظ الجعل و الثانى واقعى ثابت لذلك الشي‏ء بواقعيته بلا فرق بين تعلقه بالحكم او الموضوع و هذا الجعل من الشارع انما هو بلحاظ جعل الحجيّة و لما كان جعل القطع حجة شرعا من الممتنع لما عرفت من عدم الامكان فلا محالة لا يكون المقطوع حكما شرعيّا ظاهريّا بل هو تابع لواقعه فلو طابق القطع الواقع لا يكون الا الحكم الواقعىّ المنجز بواسطة القطع و ان خالف فليس المقطوع به حكما شرعيا اصلا و لكنه حكم متوهم و لا واقعيته له و هو بمنزلة السّراب‏ نعم‏ من جعل القطع كالظن فى كونه قابلا لجعل الحجّية كصاحب الفصول لا محالة يقول بان متعلقه مجعول شرعا و لو خالف الواقع‏ فهنا حكمان ظاهرى و واقعى‏

6

و لكنّه بمعزل عن التحقيق‏ فما وقع فى كلام شيخنا فى الرّسالة فى عنوان بحث التجرّى‏ بان‏ الكلام فى ان قطعه هذا هل هو حجة عليه من الشارع و ان كان مخالفا فى علم اللّه فيعاقب على مخالفته او انه حجة عليه اذا صادف الواقع بمعنى انه لو شرب الخمر الواقعى عالما عوقب عليه فى مقابل من شربها جاهلا لا انه يعاقب على شرب ما قطع بكونه خمرا و ان لم يكن خمرا فى الواقع و جعله محل بحث التجرى بين العلماء و حمل كلام القوم عليه فى غير محله قطعا هذا مع انه ستعرف من امكان منع العقاب على مخالفة الاحكام الطريقية فى غير مورد الاصابة بل العذاب و العقاب انما هو على الواقعيات منها ثم اعلم انا و ان قلنا بانّ الاشياء تختلف حسنا و قبحا بالوجوه و الاعتبارات حتى قالوا بانه يمكن ان يكون الظنّ بالشي‏ء وجها للشي‏ء و انه بسببه يصير حسنا او قبحا و بهذا اللحاظ يمكن ان يتعلق الجعل به على ما قرر فى جعل الطّرق الا انّ القطع ليس كلّ و ان الشي‏ء بلحاظ تعلقه به لا يكاد ان ينقلب عمّا هو عليه من الحسن و القبح كما فى رؤية البصر كما يشهد به الوجدان و مع ذلك قد عرفت انّ القطع لا يكاد ان يصير موضوعا و لا جزء موضوع للحكم المتعلق به و لمثله لاستلزامه الخلف و اجتماع المثلين فراجع و بهذا اللحاظ ايضا لا يمكن ان يصير محلا للنزاع فى مسئلة التحرى ثم انه قد عرفت ان حكم العقل بلزوم متابعة القطع لا يوجب الا المذمة العقلائيّة على المخالفة و لا يكاد يستتبع حكم الشرع فلو فرض للشارع حكم على طبقه كان ارشاديّا محضا لعدم امكان صيرورة الامر داعيا بعد وجود حكم العقل و كونه داعيا و باعثا الى الفعل و ايضا يستحيل الطلب لمن لا يلتفت بهذا الطلب اصلا لان القاطع لا يحتمل خلاف ما قطع به ليشعر بالحكم له باعتبار تعلق قطعه به فلا مجال للنزاع فى انه هل يوجب المثوبة او العقوبة فانحصر تحرير محل النزاع و ما يمكن البحث عنه بان قصد المخالفة من المحرّمات اذا ظهر فى الخارج اثره كسائر الملكات الرذيلة من الحسد و التكبر و حاصله‏ انّ العبد ما دام صفة التجرّى و قصد المعصية و المخالفة كامنة فى نفسه و لم يكن بصدد الابراز و الاظهار لم يذمّه العقلاء و لم يكن بمنهىّ عنه شرعا بل كان معفوا عنه شرعا و امّا اذا صار بصدد الاظهار و عزم عليه و اراد و ظهر علامته فى افعال الجوارح يعد عاصيا عند العقل و الشرع فاذا اراد العبد قتلا و عزم عليه و صار بصدد الفعل و ارتكب بعض المقدمات و لو بعيدا فعلم المولى و عذّبه فهل ترى فى وجدانك مذمة للسيّد او تقول بان العبد مستحق للعقوبة و حرىّ بها و العقلاء قاطبة يذمّون العبد و يعدّونه مستحقا للعقاب و ما ورد من ان العفو فى قصد المعصية انما هو مع عدم الاظهار

7

و مجرّد القصد كالحسد و التكبّر فاذا وجد منه ادنى حركة فى الخارج يكون محرّما شرعا و موجبا للعقوبة ثم اعلم انّه على فرض حرمة نية المعصية المقرونة بحركة من الحركات او حرمة الفعل الصّادر مع نية المعصية ليس يجري عليه آثار المعصية المقصودة مثلا من شرب ماء بتخيل انه خمر لا تجد كما يجدّ فى شرب الخمر بل و لا يبت له سائر آثار الخمر من العذاب الخاصّ و انّما يكون هذا محرّما من المحرّمات بل ربّما لا يعدّ بالكبيرة

اصل لا ينبغى الاشكال فى انّ المأمور به اذا اتى به فى الخارج على ما هو عليه من الشّرائط و الاجزاء اعم ممّا يمكن اخذه فى المأمور به ام لا يفيد الاجزاء و يسقط الامر

و ذلك ممّا يحكم به العقل و يمتنع عنده عدم الاجزاء فاذا قطع بذلك فى الخارج تفضيلا او اجمالا لا يترتّب عليه ذلك الحكم و اذا عرفت‏ كلتا المقدّمتين امتنع القول بعدم الاكتفاء حيث انّ المعرفة التفصيليّة فى ذلك غير معتبر قطعا اذ مدار الاسقاط و الاكتفاء الامتثال و موضوع ذلك الحكم عقلا نفس الاتيان الواقعى بالمأمور به على ما هو عليه نعم لو كان معتبرا فى المامور به ما يساوق العلم به تفصيلا لا يكاد يؤتى به واقعا الّا مع ذلك العلم كتميز الاجزاء و اتيانها فى الخارج بعنوان الجزئية اذ ذلك لا يتحقّق الّا مع العلم بجزئيّتها مميّزا و معيّنا و لكن اعتبار ذلك فى الواجبات المركبة مطلقا مقطوع الانتفاء و لو كان للتميز دخل فى الماهية مع انه مغفول عنه لاكثر النّاس و لا يلتفتون الى ذلك اصلا لوجب على الشارع البيان لئلا يلزم نقض الغرض و الحال انه ليس فى الاخبار و الآثار منه عين و لا اثر و امّا قصد القربة فحيث ان الامر معلوم متمكن من التقرّب به باتيان ما يحصل به المأمور به احتياطا و كذا بقصد الوجه صفة و غاية بالنّسبة الى الواجب الذى يأتى به بنحو الاحتياط فيمتنع عند العقل عدم الاكتفاء به و الاجزاء بالنسبة الى المأمور به الذى ياتى به فى الخارج جامعا لجميع الشّرائط و الخصوصيات حتى المعتبرة عند العقل من غير فرق بين ما يتمكن من العلم التفصيلى بالواجب بخصوصيّاته او الظنّ التفضيلى به كذلك او لا اذا الظنّ لا يكاد يكون اعلى شأنا من العلم نعم ربّما يجب الاحتياط فى بعض موارد الظنّ مثل انه كان حجّيته فيما اذا لم يتمكّن من الاحتياط و لا يكاد يرفع هذا لحكم العقلى بحرمة الاحتياط مع بقاء الواجب الواقعىّ على الوجوب الفعلى الّا ان يكون الواجب انطبق على المظنون بحيث يكون الواجب متعيّنا فيه فيخرج ح من الاحتياط موضوعا فتامّل جيّدا و ممّا ذكرنا ظهر انه لا يمتنع عن الاحتياط و عدم جواز الاتيان به و الاكتفاء به ما ذكر من لعبيّة التكرار ما دام لم يضرّ بقصد القربة مع انّ فى الشريعة موارد يثبت به الاحتياط و امّا الاحتياط الممنوع عنه فى مقدّمات الانسداد فانّما هو الاحتياط المنجز للاحكام‏

8

بان يكون منجزا بطريقة الاحتياط لا الاحتياط بالنسبة الى الواجب المنجز و كيف كان الاحتياط بعد تحقق موضوعه لا يعقل عدم الاكتفاء به فى مقام الامتثال نعم قد يجب لامور و قد لا يجب لامور أخر فتامل فى المقام‏

اصل القطع كما انّه يوجب الالتزام بمتعلقه فى مقام العمل بحيث لو خالف يستحقّ العقاب و بعبارة اخرى انه يجب العمل على طبقه كذلك يوجب الالتزام و التديّن به جنانا

بحيث لو خالف كان عاصيا و يحتج عليه المولى بنفس القطع اوّلا و ان شئت اورد الكلام فى الامر فقل كما انّ الامر هو منشأ لاستحقاق العقاب و الثواب فى العمل و يقتضى الاتيان به فى مقام العمل هل هو كذلك بالنسبة الى الالتزام و التدين فيكون سببا للاطاعة الالتزاميّة بحيث لو خالف لكان عاصيا و يحتجّ عليه المولى بنفس الامر بانك خالفته كما يحتجّ عليه فى صورة ترك العمل أو لا يحكم العقل كذلك فالمسألة عقليّة مستتبعة للامر بحيث يصير نفس الامر منشأ لحكم العقل بالتديّن كما كان منشأ للزوم المثوبة و العقوبة و لا يخفى ان الكلام من حيث الاطاعة و العصيان بالالزام و عدمه من جهة نفس الامر دون امر خارجى فلا منافات فى عدم حكم العقل هنا مع ثبوت الدّليل على وجوب التديّن فى احكام اللّه فنقول ما يكشف بالامر و كذلك بالقطع الّا الحكم الواقعى من المولى و ذلك لا يستتبع غير لزوم الاطاعة و الانقياد فى مقام العمل فله اطاعة واحدة عند الامتثال و مخالفه كذلك و امّا التديّن و الالتزام فى مقام الاعتقاد فى الجنان زائد على نفس العلم بكونه هو حكم المولى اللازم تحصيله مقدّمة للعمل فلا يحكم العقل من جهة الامر و التكليف بلزوم الالتزام و التديّن مع العمل به اركانا و لا يستفاد من ذلك الامر و العلم الّا تكليف واحد و عدم صحة الاحتجاج واضح عند التامل اذ ليس المنكشف إلا ذات الحكم و ليس من لوازمه الّا الاطاعة المتحققة فى مقام العمل بالاركان و لزوم التديّن و الالتزام بخصوص احكام اللّه لو ثبت فانما ثبت بدليل آخر لا بدّ من ملاحظته و مقدار دلالته‏ و توضيح‏ الكلام فى المقام ان الاوامر و النّواهى و ادلة سائر الاحكام لا دلالة لها بحسب اللغة و الوضع الا على ذوات الاحكام من الوجوب و الحرمة و غيرهما و العقل انما يحكم بلزوم العمل على طبقها خارجا تحصيلا للاطاعة و اجتنابا عن المعصية الموجبة للسخط و العقوبة و لا يحكم زيادة على ذلك بوجوب الالتزام و عقد القلب عليها بحيث لو لا يلتزم بالوجوب يعاقب و لو عمل بها فى الخارج فمن اتى بالواجب خارجا و امتنع عن المنهىّ عنه لا يعاقب على عدم التزامه و عقد قلبه على الوجوب و الحرمة و هكذا و لو فرض حكمه على ذلك انما يحكم فيما لو علم الحكم تفضيلا و امّا فيما علم اجمالا فانما يحكم على الالتزام بالواقع المحتمل لانه الحكم الواقعى دون خصوص المشتبهين و الالتزام بالحكم الواقعى كذلك مما يمكن مع الجهل بالخصوصيّة و بعبارة اخرى‏

9

حكم العقل بالالتزام انما يكون بالنّسبة الى الحكم الواقعى على ما هو عليه ان تفصيلا فتفصيل و ان مجملا فمجمل اذ من الممتنع ان يحكم العقل بلزوم الالتزام باحد المشتبهين معيّنا مع احتمال ان يكون هو الحكم الواقعى و المخير لوضوح ان الالتزام بالمخير ليس هو الالتزام بالحكم الواقعىّ بل التزام بغير ما هو الواقع فيكون منهيّا عنه فافترق حكم العقل من حيث الاطاعة و المعصية و من حيث الالتزام فان الاطاعة قد يكون بالاحتياط فيما يمكن او بالموافقة الاحتمالية و التخيير فيما لا يمكن الاحتياط و هذا بخلاف حكمه بالالتزام فانه يتمشّى بالنسبة الى واقعة و لو كان مجملا بحسب الظاهر و الالزام بالتعيين و التخيير مخالف لحكمه بوجوب الالزام بالحكم الواقعى هذا و لو فرضنا قيام دليل شرعىّ دل على وجوب الالتزام بالاحكام فان كانت الاحكام معلومة تفصيلا فلا اشكال و ان كانت مشتبهة مثلا لا يعلم انه واجب او حرام فلا يمكن الالتزام بحرمته و الالتزام بوجوبه و تخصيص الوجوب او الحرمة ليس الالتزام بالحكم و كذلك الالتزام بنحو التخيير لبداهة مغايرة الالتزام باحد الخصال فى الكفّارة مع الالتزام بالتعين و الالتزام بالتعين هو مدلول الدّليل فان فرض مجى‏ء الدّليل على التخيير فى الالتزام يكون الالتزام بالتخيير التزاما بهذا الدّليل لا الحكم الواقعى الاولى و ليس امره كالتّخيير فى الاخبار لانّ الالتزام باحد الخطابين ليس التزاما بالخطاب الآخر و ان كان مماثلا له بخلاف العمل بالامارات فانه عمل بالواقع فى صورة الاصابة ثم نقول لزوم التديّن باحكام اللّه على تقدير تسليمه انّما هو عند العلم بها تفصيلا لان الاحكام ح ثابتة معلومة عند المكلف و امّا لو كان مجهولا فلا و بعبارة اخرى وجوب التديّن باحكام اللّه كسائر الاحكام المتعلّقة بالموضوعات لا يكاد متنجز عند العقل الا بعد احراز موضوعاتها و اما مع عدم الاحراز فالالتزام بها على ما هى عليها ممكن مثلا لو علم اجمالا بوجوب هذا و هذا فهو متمكن عن الالتزام بوجوب ما هو الواجب منهما واقعا دون خصوص هذا او هذا و معه لا يتعدى الوجوب الى الخاصّين بخلاف العمل فلا بدّ معه من الاحتياط و كذلك الحال فى الدّوران بين الوجوب و الحرمة فيلزم بالحكم الثابت من الشارع وجوبا او حرمة و امّا خصوصيّة الوجوب او الحرمة فلا و الحاصل ان الدّليل لو دل على وجوب التديّن بالاحكام يكون المكلّف متمكنا من التّدين بها تفصيلا مع العلم التفصيلى و اجمالا مع العلم الاجمالى و معنى اجماله ان يتديّن بخصوص ما هو الواقع على الاجمال و اما التخيير للثابت فى مقام العمل او الاباحة المحكوم بها كذلك فليس إلا حكما شرعيّا عمليّا و لو لزم الاعتقاد بها لزم التديّن بها كذلك عملا لا واقعا فتبصّر القول فى حجّية الامارات‏

10

و الظّنون النوعيّة

اصل لا ينبغى الارتياب فى انّ الظنّ ليس ممّا يثبت الحجيّة له ذاتا كالقطع بحيث يكون الحجّية من لوازمه الذاتية

كالزوجيّة للاربع لعدم تماميّته الكشف له كما هو ثابت للقطع و الوجدان شاهد عليه فالعبد اذا ظنّ بشي‏ء انّه مطلوب للمولى و لم يات به لا يعاقب ما لم يقم الحجّة عليه من المولى كما انّه فى مقام الامتثال و الاطاعة لا يكتفى به من ظنّ باتيان المامور به لا يسقط عنه بذلك فالظنّ فى مقام الاثبات و الاسقاط لا اثر له فلم يثبت التكليف به فى الاوّل و لم يسقط التكليف عنه فى الثانى كما هو ثابت للقطع فى المرحلتين نعم حيث انّ له جهة كشف و إراءة للواقع يمكن جعل الحجّية له و يكون مثبتا للحكم المتعلق به ان تعلق به و للحكم الثّابت للموضوع ان تعلق به بل ربّما يثبت ذلك له عقلا فى بعض التقادير كالظنّ الحاصل حال الانسداد على بعض التقادير و العقل السليم و الوجدان المستقيم حاكم بما ذكرنا

اصل جعل الحجّية له يتصوّر بوجوه‏

كما هو ظاهر فى الموضوعات مثلا لو ظنّ بخمرية شي‏ء معنى حجيّته انّ الشارع جعل الحرمة للخمر الواقعى و المظنون الخمرية و اما فى الحكم فتصويره ان يكون الحكم ثابتا فى حق من حصل له الظنّ به فيكون المكلف اعم ممن حصل له الظنّ و قد يسلم كون معنى الحجيّة التعميم فى خصوص ما اذا تعلق الظن بالموضوع دون الحكم و قد يكون ذلك منه بتصرّف فى الموضوع بان نزل المظنون منزلة الواقع فاذا ظنّ بالحرمة نزل الشارع المظنون منزلة الواقع و هكذا اذا ظنّ بالخمريّة نزل الخمر المظنون منزلة الخمر الواقعى و قد يكون بتصرّف فى الطريق بان احتمال الخطأ الذى جاء فى الظنّ نزله منزلة العدم فعلى اىّ حال يكون التصرّف من الشارع فى الموضوع مرجعه الى جعل الحكم اذ هو الوظيفة له و الا فالتكوين ليس مرتبطا به من حيث انه شارع فعلى الاخير معنى رفعه احتمال الخطأ رفعه الحكم الثّابت للاحتمال شرعا او جعله الحكم مطابقا للمظنون كالحكم الواقعى فيكون هنا حكمين متماثلين و هكذا معنى تنزيل الخمر منزلة الواقع جعله الحرمة له و هكذا معنى التعميم جعل الحكم للموضوع المظنون و كيف كان جعل التنزيلى و الموضوعى لا يكاد يكون الّا بجعل الحكم و لو كان ذلك بتنزيل فى الموضوع و لذا ذهب المشهود من العلماء بجعل الحكم فى موارد الحجّية و قالوا باجتماع حكمين فى موضوع الحجية احدهما واقعى و الآخر ظاهرى و قد يقال بانه لا تصرّف فى الموضوع اصلا و ليس قضية الحجية الّا لزوم العمل على وفقها و جعل الحكم المماثل للحكم المتعلق به او لموضوعه الظن و هذه هى الوجوه الرائجة التى يمكن القول بها نعم ذهب شيخنا صاحب الكفاية الى جعل الحجيّة بمعناها الوضعى و قال بانّ الحكم الوضعىّ قابل للجعل‏

11

فى مثل الحجيّة و الولاية فالمجعول فى الظنون هو الحجيّة شرعا كما انّ الثّابت للقطع هو الحجيّة ذاتا و عقلا و بعد ثبوت الحجيّة الشرعيّة يكون الحال حال الحجّية الذاتية فى لزوم المتابعة عقلا و حرمة المخالفة عقلا من غير جعل شرعى متعلق بالحكم و انما الثابت هو الواقع فقط بان طابق فهو و الّا فليس الّا توهّم الحكم كما فى صورة القطع به فعلى مذهبه لا يكون لنا حكمان واقعى و ظاهرىّ فى مورد الامارات و ليس الّا حكما واحدا و هو الواقعىّ الذى يصير منجّزا فى مورد الاصابة و توهّم الحكم فى صورة عدم الاصابة كما هو الحال فى القطع و لا فائدة مهمّة فى تنقيح هذا الّا انّ فى ما ذكره شيخنا موارد من الهلكة لعلنا نتكلّم بها فى مواردها

اصل نقل الاجماع لا يكاد يكون دليلا و حجّة على الحكم‏

و ان كان نقلا لرأى المعصوم من حيث دخوله فى المجتمعين او لقيام الملازمة العقليّة بين قولهم و قول الامام (عليه السّلام) او من حيث قيام الملازمة العادية او الاتفاقية لبعد الاطلاع على راى الجميع و بعد الاطلاع على دخول الامام (ع) فيهم مع غيبته و استلزام العلم بدخوله على الاجتهاد او الحدس مع اتكالهم و كذلك لا دليل على الملازمة العقلية مع استلزامه العلم باتفاق جميع الامّة او العلماء و كذلك بعد قيام الحدس مع اتكالهم غالبا على الدّليل عقلا او نقلا و لو على الاجماع و نقل السّبب انما يثمر فيما يمكن التعميم بما يفيد القطع و نقلهم الاجماع المنقول فى الكتب الفقهية انما هو لكونه دليلا للناقل او موجبا للظنّ القائل بحجيّته لدليل الانسداد و قد يكون شارحا للمراد من الرّواية الواردة فى الباب او ينجبر به سندها و غير ذلك من الفوائد المطّلع عليها المتدين الخبير

اصل لا ينبغى الاشكال فى عدم حجيّة الشهرة لعدم قيام الدليل على حجيّتها

و القول بدلالة المرفوعة و المقبولة على الحجيّة ضعيف و افادتها الظنّ غير مفيدة مع عدم حجّيته و لو قلنا بحجيّة الظنّ من بناء العقلاء او دليل الانسداد فاثبات حجية الظن الحاصل من الشهرة هنا به مشكل حيث ان الشهرة قائمة على عدم حجية الشهرة فيلزم من وجوده عدمه و القول بانّ الشهرة القائمة على عدم حجيّة الشهرة ينفى نفسه و غيره فيلزم من وجوده عدمه فلا يكاد يقيم لنفى غيره بعد نفى نفسه مدفوع بان لنا ان نقول الظنّ القائم على حجيّة الشهرة لمّا كان قائما على حجية ما يمنع عن حجيته يلزم من وجوده عدمه فلا يكاد يفيد الحجية و يستفاد من كلام صاحب المعالم التفضيل بين الشهرة المتقدّمة على الشيخ فيكون حجّة و الشهرة المتاخرة عنه فلا يكون حجة حيث انهم قلّدوا الشيخ فى المسائل و الفروع و وهن ما ذكره ظاهر و عن‏

12

بعضهم التفصيل بين حجيتها فى الفروع دون الاصول و فضل بعضهم بين ما اذا كان معها رواية ضعيفة دون ما اذا لم يكن معها رواية كذلك‏

اصل و ممّا اختلف فى حجّيته بالخصوص الخبر الواحد

[تقريب الاستدلال بآية النبأ على حجية الخبر]

و استدل على حجّيته بقوله تعالى‏ إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى‏ ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ‏ و تحقيق القول فيها ان الجواب و هو قوله فتبيّنوا يكون بمعنى بيّنوا و هو ممّا يستعمل لازما و متعدّيا كما صرّح به اهل العربيّة و المراد اظهار الواقع و ايضاح الحق و يكون كناية عن عدم العمل بالخبر و طرحه و لمّا كان المقام مقام العمل و لزومه بحيث لا يجوز الاهمال كما فى مورد الآية لوجوب اخذ الصّدقات او قتالهم و ارجاعهم الى الحق فقال بتبيين الواقع و العمل عليه و لو قيل التبيّن هو الفحص عن الخبر قيل الخبر معلوم محقق فلا معنى للفحص عنه الّا الفحص عن صدقه و مطابقته للواقع و المطابقة و عدمها حيث انّها من الاضافات كان يرجع الفحص عنها الى الفحص عن الواقع فيكون مرجع الفحص الى الواقع فيرجع الى ايضاح الحق و الواقع فى مقام العمل و لو قيل انّ معناه التثبيت الذى معناه التراخى و التأنى قيل ان مرجعه الى المعنى الكنائى و هو عدم العمل على الخبر فتلخص انّ قوله فتبيّنوا معناه الكنائى عدم العمل على طبق الخبر و معناه الصّراحى تعين الحقّ و لا يخفى عليك ان بعد التعيين و وضوح الحقّ يكون العمل على الواقع دون الخبر لانّ العمل للقاطع على قطعه لا على الخبر و العمل على الخبر انما هو فيما لم يكشف الواقع و لم يحصل خصوصا اذا كان ظهور الواقع و حصول القطع به من غير ناحيته اذا عرفت ذلك فاعلم انه قد يقرب الاستدلال بها بلحاظ الشرط بانّ تعليق الحكم بايجاب التبين عن النّبإ الّذى جي‏ء به على كون الجائى به الفاسق يقتضى انتفائه عند انتفائه و توضيحه انّ متعلق قوله فتبينوا النّبإ الذى جي‏ء به و يكون التبيّن بمعنى الفحص عن الخبر الكذائى يعنى يجب الفحص عن النّبإ الّذى جي‏ء به و لمّا كان للنبإ الموجود حالان من جهة المخبر علق وجوب الفحص عنه على كون الجائى به الفاسق و المفهوم و ان كان و ان لم يجئ به الفاسق الّا انّ فى صورة تحقق النّبإ لا محالة له جائى و هو العادل‏ و فيه‏ ما عرفت من انّ متعلق التبين هو الواقع و لو كان بمعنى الفحص و على فرض التسليم لما لم يكن المتعلّق مذكورا لا محالة كان هو المذكور فى الشرط و المذكور فيها هو النبأ الجائى به الفاسق و بانتفاء الشرط ينتفى المتعلّق فيكون مساق الشرط مساق الشروط المحققة للموضوع مثل اذا ركب الامير فخذ ركابه‏ ثمّ انه‏ لا يخفى انّ النبأ ممّا يقوم بالمخبر فالنبأ الّذى جاء به العادل يغاير النّبإ

13

الّذى جاء به الفاسق فهما موضوعان متباينان متغايران و الموضوع فى الآية النّبإ الخاصّ و ما جاء به العادل موضوع آخر و ليس هنا نباء خاصّ له حالتان بلحاظين مع بقاء الحقيقة حقيقة كما فى تبادل الحالات بالنسبة الى الموضوع الواحد و قد يؤجّه الاستدلال بانه علق وجوب التثبت على مجى‏ء الفاسق فينتفى عند انتفائه عملا بمفهوم الشرط و اذا لم يجب التثبت عند مجى‏ء خبر غير الفاسق فامّا ان يجب القبول و هو المطلوب او الردّ و هو باطل لانّه يقتضى كون العادل أسوأ حالا من الفاسق و فساده بيّن و فيه ما عرفت ان الجزاء و الجواب هو الرّد و عدم العمل و التثبت المراد هنا ذلك و المفهوم هنا ان لم يجئك الفاسق بالخبر فعدم وجوب التبين من السّالبة بانتفاء الموضوع و من هنا عرفت من اختلاف التقديرين فى السّالبة بانتفاء الموضوع و كون الشرط مسوقا لتحقق الموضوع و ملخّص الكلام انّ مفهوم الآية ان لم يجئكم الفاسق بالنباء فلا يجب عليكم التبيّن فان كان المراد صريح الآية و هو اظهار الواقع فسلب التبيّن هنا لعدم شي‏ء هنا لانتفاء موضوعه و ان كان المراد المعنى الكنائى فالانتفاء هنا ايضا لانتفاء الموضوع لانّ الشّرطية مسوقة له فلا مفهوم اصلا اقول و يمكن الاشكال فى دلالة الآية بوجه آخر و هو ان المفهوم على فرض تسليمه على ما سبق انتفاء الجزاء عند انتفاء الشرط و انّ العلّة التّامة المنحصرة للجزاء هو الشرط و الجزاء هو ردّ الخبر و عدم العمل به فبانتفاء الجزاء ينتفى الردّ و عدم العمل رأسا و لا ينافى ذلك دخل شي‏ء فى وجوب العمل به كتقييده بخبر آخر من العدول او بانضمام امارات أخر اليه فلا دلالة فى الآية على وجوب العمل بخبر الواحد من غير انضمام شي‏ء آخر اليه و لعلّه يشترط فى وجوب العمل به انضمام عدل آخر اليه فيصير بينة فلا اشكال فى حجّيته و بذلك يذبّ عن الاشكال الوارد فى المقام و هو انّ الآية على تسليم دلالتها غير معمول به فى كلى الموضوعات الخارجيّة او فى خصوص مورد الارتداد و ملخص الذبّ ان مفهوم الآية ليس الّا عدم الردّ و هو لا يستلزم وجوب العمل على سبيل الاطلاق لامكان ان يكون له شرط و هو انضمام العدل الآخر فيلحق بالبينة و قد صرّح بهذا الدفع شيخنا فى الرّسائل و غيره و لكنّه صرّح بالتقييد و امّا لو قلنا بوجوب العمل فى طرف المفهوم فيلزم تخصيص المورد و هو مستهجن و وجه تخصيص المورد هو ان المفهوم وجوب العمل بخبر العدل منفردا كما ان الامر كذلك فى طرف المظنون المنطوق و ليس المقام من باب التقييد فى المفهوم كما لا يخفى على المتدبر و يمكن‏ ان يقال انّ افادة الشّرط للمفهوم انما هو من باب استفادة العلّية التامة المنحصرة و انما يكون ذلك فيما اذا لم يكن فى الكلام ما يكون نصّا او ظاهرا فى العلّية اذ بعد ثبوت العلة للحكم لا مجال للاستفادة كما فى‏

14

المقام حيث انّ قوله ان تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين ظاهرا و نصّ فى العلّية و معه لا يستفاد العلّية بل ليس الشرط الّا من باب الانطباق و مطلق العلاقة و من العجب انه مع التصريح بالعلّية يستنبط العلة بالمناسبة و الاقتران او يستفاد من التعليق بالوصف او يستفاد من عدم البيان فى موضوع البيان او نحو ذلك من اقسام ما يستنبط منه العلة الّذى من اعلاها مفهوم الشرط فتامل و لا يكاد يفيد للمقام عدم كون الجهالة بمعنى عدم العلم كما هو معناها بحسب اللغة او كونها بمعنى السفاهة مع انها غير مذكورة بهذا فى كتب اللغة و لم يبعد كونها من الاطلاقات العرفية لانّ غاية الامر ضيق دائرة العلة معه و لا يجرى تلك العلة فى العمل بخبر الواحد العدل و لكنه ينفع فى ابطال المفهوم و ان العلة فى وجوب التبين هو ما اذا كان العمل على طبق الخبر سفهيا و انّ من ما ينطبق عليه ما اذا كان المخبر فاسقا و امّا حجية خبر العدل الذى هو مبنى على مفهوم الشرط بحيث يكون الكلام مسوق لبيان القضيتين المختلفتين فى الحكم فلا و ذلك معلوم جدا بعد الالتفات و التنبه‏

[اشكال على شمول دليل الحجّية للاخبار بالواسطة او الوسائط]

ثمّ انّهم اشكلوا فى شمول دليل الحجّية على القول به للاخبار بالواسطة او الوسائط و حاصله ان دليل الحجيّة انما يشمل الاخبار المترتبة عليها اثر شرعى فى الحكم و قول الشيخ مثلا اخبرنى الشيخ المفيد لا اثر للمخبر به و هو قول المفيد فان قلت اثره وجوب تصديقه فيما اخبر به قلت وجوب التصديق الذى هو دليل الحجيّة و التصديق لا يكاد يشمل نفسه فى مقام التصديق لان التصديق انما جاء بلحاظ الاثر و لا يكاد يكون نفسه اثرا فى مقام التصديق‏

اشكال آخر و هو انّ الآية لا يكاد يشمل الا الخبر المحقق و اما الخبر الّذى جاء تحققه من قبله فلا

فان شئت قلت تحقق الخبر انما هو متوقف على التصديق و ثبوت التصديق له متاخر عنه و الحاصل انّ الموضوع لا بد له من تحققه من غير ناحية المحمول المترتب عليه و لا يكاد يعمّ الحكم الموضوع الذى صار تحققه بواسطة نفس الحكم و اجابوا بان التصديق و ان كان لا يشمل نفسه فى مقام الاثر الشّرعى الا انّ المعلوم لنا من المناط ان الاثر الشرعى اللازم للمخبر به شامل للتصديق ايضا و لذا لو ثبت وجوب التّصديق من دليل خاصّ لخبر خاص لا اشكال فى البين و لك ان تقول انّ الاثر الشرعى يراد به طبيعة الاثر من غير نظر الى الافراد و من الطبيعة التصديق كما ان طبيعة الخبر يشمل الخبر المحقق للحكم كما فى كل خبرىّ صادق و عن الثانى انه بعد ما تبين كفاية التّصديقية فى الاثر الشرعى و بتصديق الشيخ يترتب عليه قول المفيد و اثره و هو تصديقه و به يثبت قول الصدوق و اثره و هو تصديقه فيثبت قول ابيه و هكذا

التحقيق‏

هذا و التحقيق فى المقام ان يقال ان المترتب على الاخبار هو قول المعصوم المشتمل على الحكم‏

15

الشّرعىّ و هو اثر لجميع الأخبار غاية الامر مع الواسطة فى بعضها فكان جميع الاخبار اخبارا عن قول المعصوم و هذا هو الاثر المطلوب فى الاخبار و لذا كلّهم يعدّ من الرواة عن المعصوم و ح لا اشكال من جهة الاثر و امّا من جهة الخبر فقول الشيخ هو الخبر المطلق المحقق فى المقام و بتصديقه يحصل خبر المفيد بتنزيل من الشارع كما فى سائر التنزيلات فيصير الخبر المشكوك كالمعلوم تنزيلا من الشرع فيترتب عليه الحكم الثّابت للموضوع الواقعى و هو وجوب التصديق و الحاصل انّ صدق العادل حكم شرعىّ ثابت لجميع الاخبار الواقعيّة بواقعيتها و اذا ثبت خبر بحسب التنزيل الشرعىّ بالبيّنة و غيرها يجب تصديقه كالموضوع الواقعى فيترتّب عليه اثرها و هو الحكم الثابت من قول الامام و اذا قطعنا النظر عن هذا الاثر او قلنا بانّه ليس اثر الجميع الاخبار بل للخبر الاخير فلا يكاد يشمل وجوب التّصديق للاخبار الوسائط بداهة انّه لو فرض قول المفيد محققا كقول الشيخ لا يكاد يشمله وجوب التصديق لعدم ترتّب اثر شرعىّ عليه فلا يكاد يشمله وجوب التصديق حتّى يعدّ ذلك اثرا له و هل تجد فى نفسك اذا قال زرارة حدثنى ابو حنيفة بفتوى له فى واقعة كذائية من غير ان يكون هنا اثر شرعىّ اصلا يجب تصديقه و يشمله آية النبإ و انّ التنزيل الشّرعى انّما ياتى فى الموضوع الذى يكون له الحكم شرعا لبداهة ان تنزيل الشارع لا يصحّ الّا فى الحكم الشرعى او فى الموضوع الذى له حكم شرعا دون غيره و اذا لم يكن له كذلك لا يشمله دليل التصديق حتى يكون له ذلك الاثر كما هو اوضح من ان يخفى على البصير

و ممّا يستدل به على حجيّة الخبر الواحد قوله تعالى‏ فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ‏

[توقف الاستدلال بها على امور]

و دلالتها على المدّعى و هو حجيّة الخبر الواحد فى الاحكام الفرعيّة يتم بتميم امور

الاول ان المراد بقوله ليتفقهوا فى الدّين هو تحصيل الفروع الفقهية و المسائل الشرعية

كالعلّة الظاهر فى التفقه فى الدّين حيث ان ظاهر التفقه فى الدّين هو فروعاته لا اصله و كذلك ظاهر اللام كونها متعلقه بنفر فيكون المتبادر منها الغائية للنفر اى يكون النفر للتفقه الّا انه قد يفسر الآية بلحاظ ذكرها فى الآيات المسوقة للجهاد و ما ورد فى وجه نزولها بانه ما كان المؤمنون لينفروا كافة فى الجهاد و لو لا نفر من كلّ فرقة طائفة للجهاد فيكون اللام فى قوله ليتفقهوا للغاية و المراد بالتفقه ح حصول البصيرة فى الدّين فى مشاهدة آيات اللّه و ظهور اوليائه على اعدائه و ساير ما يتفق فى حرب المسلمين مع الكفار من آيات عظمة اللّه و حكمته اذ هى المترتبة على الجهاد فتخرج الآية ح عمّا نحن بصدده من حجّية الخبر الواحد فى الاحكام و يمكن الجواب بعدم حجّية هذا التفسير و عدم ظهور الآية فيه لما عرفت و لما ورد عن الباقر (عليه السّلام) من انّ القاعدين من الجهاد يتفقهوا فى الدّين من جهة تردّدهم الى النّبى (صلّى اللّه عليه و آله) و اخذهم المسائل عنه و هم ينذرون الراجعين على الجهاد و كذلك‏ ينافى‏

16

الأخبار الكثيرة الواردة فى الاستشهاد الامام بها فى المسائل الفرعيّة كما عن الفضل بن شاذان عن الرضاء فى حديث قال و انّما امروا بالحجّ لعلة الوفادة الى اللّه و طلب الزيارة و الخروج عن كل ما اقترف العبد الى ان قال و لأجل ما فيه من التفقه و نقل اخبار الأئمة (عليهم السّلام) الى كل صفح صقع و ناحية كما قال اللّه عزّ و جل‏ فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ الخ و عن على بن حمزة قال سمعت أبا عبد اللّه (ع) يقول تفقّهوا فى الدّين فان من لم يتفقه فى الدّين اعرابىّ فانّ اللّه عزّ و جل يقول‏ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا الخ و بما فى لفظ التفقه فى هذه الاخبار يعلم ان استعمال التفقه فى تعلّمهم تعلم الاحكام الشرعيّة ليس بامر مستحدث و ليس فى الاستشهاد بهذه الاخبار خروجا عن الاستدلال بالآية لما عرفت من ظهورها فى ذلك و يؤيد الظهور بتلك الاخبار و لكن يشكل ما ذكرنا باخبار أخر واردة فيما يجب على الناس عند مضىّ الامام (عليه السّلام) حيث انّ مفادها تعيّن الامام بالنفر و الامامة من اصول الدّين و لا اشكال عندهم فى عدم حجيّة الخبر الواحد فى ذلك‏

الامر الثانى الانذار هو الابلاغ و لا يكون الّا فى التخويف‏

يقال انذره بالامر اذا اعلمه و حذره و خوفه فى ابلاغه فيفرق بينه و بين مطلق الاخبار و وجوب الحذر متفرّع على جهة تخويفه فيكون الحجيّة الثابتة له بذلك اللحاظ لا الاخبار المجرّد فلا دلالة فى الآية على حجّية الخبر بل غايتها الدلالة على حجّية الانذار الصّادق على وعظ الواعظين و ارشاد المرشدين فيما علموا بالأحكام و بعبارة اخرى التخويف انّما يكون بلحاظ ما فهمه من الخبر و هو انما يكون حجيّة فى حق من يجب عليه متابعته فى الفهم لا فى حق غيرهم و امّا الاخبار المجرّد الذى لا دخل لفهم الناقل فيه فليست الآية دالة على حجّيته فى حقه‏ و ربّما يقال انه لا منافات بين نقل الخبر و صحّة الانذار و التخويف من دون واسطة الرأى و الفهم كما انه يصحّ الانذار من نقلة الفتوى الى المقلّدين مع عدم مدخليّة فهمهم و رأيهم و حال المتفقّهين فى صدر الاوّل حال نقلة الفتاوى بعينها فى امثال زماننا و اذا ثبت حجيّة قولهم مع التخويف يثبت مع عدمه بضميمة عدم القول بالفصل‏

الامر الثالث لا ينبغى التأمّل فى ان مرجع الضمير فى قوله لعلّهم يحذرون هو المنذرون بالفتح فيدل على ايجاب الحذر عليهم‏

عند اخبارهم و ايجابه عليهم كل انّما هو ملازم لحجّية الخبر الواحد امّا الايجاب فلعلّ مستعملة هنا فى محبوبية مدخوله مجازا او مستعملة فى معناه الحقيقى و هو انشاء الترجّى بداعى المحبوبيّة و على اىّ حال تفيد محبوبيّة مدخوله و المطلوبيّة المطلقة او الساذجة يفيد الوجوب على ما حققناه سابقا او للملازمة عقلا بين المحبوبية و الوجوب لانه مع المقتضى للحذر و يجب و بدونه و بدونه لا يحسن او شرعا لعدم القول بالفصل و قد يقال ان المقتضى للحذر هو تنجز التّكليف و صحة

17

و قد يقال انّ المقتضى للحذر تنجز التكليف و صحّة العقوبة عليها فاذا كان يجب الحذر و مع عدمه يعلم بالبراءة و عدم العقوبة يطمئن النفس و لا خوف عليها و معه لا يحسن لها الحذر او لا يمكن و غير خفى انّ الاحتياط و حسنه ممّا لا يمنع عنه و قد يقال انّ الحذر هو العمل على طبق ما اخبروا به و ان كان خبرهم حجة فيجب عليهم العمل على وفقه تعبّدا او ان لم يكن حجة فيحرم عليهم التعبّد و لا يحسن لهم او يقال لما وجب الانذار وجب التحذر لئلا يلزم اللغويّة او انه غاية الواجب‏ (2) واجبة و كيفما كان مفاد الآية وجوب التحذر و فيه‏ انّ وجوب التحذر لا اطلاق له يقتضى وجوبه على الاطلاق فيصح مع الاشتراط بالتعدّد او العلم و لعل فى كلمة لعلّ اشارة الى انّ محبوبيّة التحذر مشروط بشرط يمكن تحققه و عدمه فيكون محبوبية التحذر بسبب ذلك مرجوّا و لو كان المحبوبيّة مطلقة لما حسن ذكر لعل فى هذا لمورد و الحاصل و ان كان ممتنعا فى حق اللّه الّا انّها يذكر فى كلامه تعالى فى مورد يصحّ ذكره فى كلام غيره لو فرض كونه المتكلم و اذا فرضنا وجوب التحذر عقيب الخبر الواحد و كان يجب على الناس العمل به لوجب ذكره على التحقيق عقيب الاندار لا على سبيل الرجاء و ذكره على سبيل الرّجاء انّما يحسن عند ما كان مشروطا بشرط مرجوّ الوقوع لا مطلقا و لعلّ ما ذكرناه اوضح عند المنصف و لذا ورد فى الاخبار الكثيرة الاستشهاد بها فى معرفة الامام ففى صحيحة يعقوب بن شعيب قال قلت لابى عبد اللّه (عليه السّلام) اذا حدث على الامام حدث كيف يصنع النّاس قال اين قول اللّه عز و جل‏ فَلَوْ لا نَفَرَ الخ قال هم فى عذر ما داموا فى الطلب و هؤلاء الّذين ينتظرون هم فى عذر حتى يرجع اليهم اصحابهم و مثلها غيرها و لا شبهة فى انّ معرفة الامام ممّا لا يكتفى به فى خبر الواحد بل لا بدّ له من حصول العلم كمعرفة النبى و مقتضى الجمع بين الفروع و الاصول فى الآية على حسب الاخبار الواردة مورث للقطع بان الغاية المترتبة عليهما ممّا يشملها و اعلم انه لا ملازمة بين لزوم اظهار الحق و لزوم القبول مطلقا و كذا بين وجوب السؤال و لزوم القبول مطلقا لامكان ان يكون المصلحة فى انشاء الحق هو اتمام الحجّة على النّاس و استتباعه ايضاح الحق لكثرة من يغشيه و السؤال كثيرا ما مستتبع للعلم و الوصول الى الحق فلا دلالة فى آية الكتمان و آية السؤال على حجيّة الخبر الواحد مع الخلل فيهما من وجوه أخر و العمدة فى اثبات حجيّة الخبر هو الاخبار الكثيرة البالغة الى حدّ القطع للمتتبّع فيها و مفادها حجية الخبر الواحد الموثوق بصدورها عن الائمة (صلوات اللّه عليهم) و قد جمعها فى الوسائل فى ابواب شي‏ء و الحاصل ان ما دل منها على حجيّة ما ذكرنا مقطوع بها متواترة معنى لا ينبغى الارتياب فيها و الحوالة فيها على التتبع و قد يستدل للحجيّة باستقرار طريقة العقلاء على العمل بخبر الثقة فى اثبات اوامر الموالى الى عبيدهم و اسقاطها و امورهم العادية و غيرها و استقرار طريقتهم على ذلك امر واضح و هذه‏

____________

(2) و غاية الواجب‏

18

و هذه سيرتهم الى زماننا من غير ثبوت ردع من الشارع و لو كان لبان و عدم ثبوت الردع كاف فى حجيتها فى الشرع و اثبات الاحكام بها و لا يحتاج الى اثبات عدم الرّدع او اثبات الامضاء ضرورة ان بناء العقلاء فى مقام الاطاعة و المعصية متبع فى تماميّة الحجّية و استحقاق العقوبة و عدم استحقاقها فى الشرع ما لم ينهض دليل على المنع عن اتباعه فى الشرعيّات و لا يخفى انه مع البناء على العمل و السيرة المطردة لا بدّ من الرّدع ان يكون على وجه يصير معلوما عندهم و يكفون نفسهم عن العمل بحيث لو عملوا يعدّون مشرعا و ليس فى الآيات الناهية الرّدع لانهم يعملون بها مع التفاتهم اليها و لا يعدّون انفسهم مخالفا لها و لا مشرعا فى الشريعة و لا تاركا للادلة الشّرعية الدالة على حجيّة الاصول فيكشف من ذلك انه لا دلالة فيها على الردع امّا لاختلاف مواردها من حيث اختصاصها بالاصول او لقصور دلالتها من حيث اختصاصها بما لم يقم على اعتباره حجة او لعدم تماميّة العموم من جهة عدم جريان الاصل لا اصالة الظهور و الحقيقة مع قيام ما يصلح للمخصّصية و لا اصالة عدم القرينة مع الشك فى قرينة الوجود مع صحّة اعتماد المتكلم بقرينة السيرة فى التخصيص لكونها بلحاظ التسلم و التعين مقارنا لحال التكلّم و معلوم الوجود عند المحاورين‏ و بعد ما عرفت من الحجية للخبر الواحد الموثوق به عرفت انه لا مجال لاثبات حجّية مطلق الظنّ بدليل الانسداد المحتاج الى المقدمات منها انسداد باب العلم و العلمى بالنسبة الى الاحكام المعلومة بالاجمال مع انه يمكن ان يقال بانحلال هذا العلم بالنسبة الى الاخبار المعلوم صدور كثيرة منها على ما يظهر للمتتبع فى احوال الرّواة و كيفيّة اهتمام ارباب الكتب و التفاتهم الى الاخبار المدسوسة و عدم اكتفائهم فى الرواية الّا بالقراءة على صاحب الكتاب و تركهم رواية من يروى عن الضعاف او العلاة و غير ذلك او ان العمل بكتب المشايخ الثلاثة بل سائر الكتب المعتبرة مقطوع بها فى الجملة او انّ اللازم هو العمل بالاحكام الصّادرة عنهم (عليهم السّلام) اعنى النبى و الائمة لا مطلق الواقع و لو لم يصدر منهم فاذا علم بالصّدور فهو و الا فما يظنّ بصدوره عنهم و الحاصل انّ المقطوع من هذه الطرق هو العمل بالاخبار الآحاد المودّعة (2) فيها ينحل العلة العلم الاجمالى و كيف كان لا تامّل فى ان الاحكام المأخوذة منها كافية و وافية عن المقدار المعلوم بالاجمال و بعد ذلك لا يكون لنا علم اجمالى باحكام أخر فينحل فى لازمه الاخذ بكلّ ما فيها من الواجبات و المحرّمات و الاحتياط بما فيها ممكن من غير لزوم عسر فكيف بلزوم اختلال النظام‏ هذا مع امكان ان يقال ان اطراف العلم الاجمالى بعد ما لم يكن جميعها محلا للابتلاء او الالتفات لا مانع من اجراء الاصول المثبتة للتكاليف و بعد اجرائها و انضمامها الى المعلومات اعم من العلم و العلمى فان كان بمقدار الكفاية فهو و الّا يؤخذ فى موارد الاصول النافية و يحتاط بما لا يوجب العسر و لو بالعمل‏

____________

(2) فى الكتب معتمده و مع العلم بالاحكام المودعة

19

بمظنون التكليف فيها و مورد الاحتياط فى الاصول النافية ليس بمقدار يوجب العسر بعد الاخذ بالعلم و العلمى و الاصول المثبتة مع ان مفاد الدليل على الفرض ليس الّا الاحتياط بالعمل بالمظنونات لا حجّية الظنّ و اثبات الاحكام الشّرعيّة كما هو المطلوب فى اثبات متعلق الظن على الاخفى و ذلك لان اللازم على التقدير هو الاحتياط فلو كان الاحتياط اللازم هنا هو المعلوم لنا بنحو اللم من جعل الشارع لصيرورة الاحكام منجزة او فى من حكم العقل بعد تنجز الاحكام بالعلم الاجمالى فيكون لا محالة ممضى من جانب الشارع ايضا فعلى اىّ تقدير يكون الاحتياط حكما شرعيا حدوثا او امضاء ابتداء او ابقاء فلما كان كذلك موجبا للعسر و الحرج و علمنا ان الحكم الضررىّ و العسرى ليس فى الشريعة يعلم انّ الاحتياط اللازم بهذا المقام انما يكون بمقدار لا يوجب العسر و تعين ذلك المقدار انما هو بنظر العقل و هو فى المظنونات دون المشكوكات و الموهومات‏ هذا مع انه بعد تسليم جميع المقدّمات من القول ببقاء التكاليف و لزوم امتثالها مع عدم امكان العلم و العلمى لانسداد بابهما و عدم وجوب الاحتياط رأسا او عدم جوازها فلا بدّ ان يكون تمثيل‏ (2) بالظنّ دون الشكّ و الوهم لبطلان ترجيح المرجوح على الرّاجح لا يكاد يفيد لنا الحجّية و اثبات الاحكام بها و القول بان المظنون هو حكم اللّه بل يكون مفادها لزوم العمل على ما هو المظنون لتحصيل البراءة عن الاحكام الواقعية كما فى حكم العقل بلزوم الاحتياط فى اطراف المشتبه مع عدم ثبوت الحكم الشرعى فوجوب الاتيان ببعض الاطراف بلحاظ الواقع حيث يصحّ العقوبة على الواقع لو تركه مع مخالفة الواقع و عدم صحّة العقوبة عليه مع الاتيان به و لو خالفه و كما فى دوران الامر بين المحذورين و القول بالتخير او الاخذ بالترك و غير ذلك من الموارد التى يحكم العقل بلزوم الاتيان ببعض الافراد مع عدم تمكن الاحتياط ترجيحا او تخييرا او تعيينا بلا فرق بينهما كما لا يخفى فتامل جيّدا و من هنا يمكن ان يقال بانه لا يجوز تقليد الغير عنه فان لأنّه رجوعه اليه ليس من رجوع الجاهل الى العالم بل الى الجاهل و قضيّته مقدّمات الانسداد ليست الّا حجّية الظنّ عليه لا على غيره نعم لو دل دليل آخر من الاجماع او جريان دليل الانسداد آخر فى حق المقلد بحيث يكون منتجة بحجية الظن الثابت حجيّته بمقدمات الانسداد للمقلّد ايضا لجاز الرجوع اليه و لكنهما مفقودان و كذلك يمكن الاشكال فى نفوذ انفاذ حكمه فى المرافعات و فصل الخصومات مع ان الفاصل و القاضى هو الراوى عنهم و الحاكم بحكمهم و من عرف حلالهم و حرامهم و من الواضح عدم صدقها فيهم فتدبّر و يمكن ان يقال بعدم جواز الاقتداء بهم فى صلواتهم الواجبة فتامل جيّدا

فصل فى بيان ان الطرق و الامارات معتبرة على وجه الطريقية ام السببيّة

فنقول لا اشكال فى انّ الاصول انما اخذه على نحو السببيّة لعدم جهة كشف فيها او لا يكون ملحوظا اصلا و لا بدح ان لا يكون الحكم الواقعى فى مواردها فعليا لا يكون عليه بعث و لا زجر لمنافاته مع الرخصة فيكون الحكم الثابت فى حق المكلفين فهو مؤدّى الاصول دون الاحكام الواقعية فيمن اطلع على الاصل و علم به و هذا نوع تصويب فى الحكم الحاصل من الاصل لا

____________

(2) يمتثل‏

20

ينافى ثبوت حكم واقعى مشترك بين العالم و الجاهل غاية الامر اختلاف المكلفين بالنسبة اليه فهو منجر فى حق من علم به او علم بامارة موصلة اليه و غير منجز فى حق من خالف الامارة و من لم يقم عليه الامارة بل قام عنده اصل على الرخصة فلا محالة يتحقق هنا حكمان احدهما حكم واقعى و الآخر حكم ظاهرى و المكلفون مختلفون فى ذلك ففى حق بعضهم يكون المنجز حكم الواقعى و فى حق بعضهم هو الحكم الاصلى فتختلف حكم اللّه فى حقهم و ليس فى هذا المقام خطاء فى الحكم الواقعى الفعلى‏ (1) بل كل مكلف هو الثابت فى حقّه من مؤدى الاصل او الواقع نعم يختلف الموضوع عند صيرورته عالما بالحكم الواقعى و لو تنزيلا من الشارع و هل بعد صيرورته عالما بالحكم الواقعى‏ (2) حتى بالنسبة الى الامارة المتقدّمة عليه فيما لو تصوّر هنا اثر او لا ففيه تفصيل و تحقيقه انما ياتى فى الاجزاء و من هنا يمكن ذهاب على عدم حسن الاحتياط خصوصا لو كان عباديا حيث يعلم منه بعدم الواقع و امّا الامارات فالظاهر مما دل عليه على اعتبارها انّ النظر انما يكون الى الواقعيات التى يؤدى اليها المؤديات بما هى مؤدّيات كما لا يخفى على من تامّلها و امّا ما كان دليل اعتبارها السيرة و بناء العقلاء فيكون الحال فيها على هذا المنوال بداهة انّ العقلاء فى سلوك الامارات لا غرض لهم الّا الواقعيات‏

[حجّية الامارة يتصوّر على ثلاثة اوجه‏]

و توضيح الكلام ان حجّية الامارة يتصوّر على ثلاثة اوجه‏

الاول ان الامر بسلوك الامارة يكون ارشادا

من حيث كونه اغلب المطابقة

الثانى ان يكون الامر بالعمل به مولويا

من جهة ان قيام الامارة موجد للمصلحة او المفسدة على طبق الامارة فيكون الحكم المجعول ذا مصلحة او مفسدة غالبة على مصلحة الواقع و مفسدته‏

الثالث ان يكون العمل على طبق الامارة و تنزيله منزلة الواقع مصلحة فيكون المجعول حكما ظاهريا ملائما مع الحكم الواقعى لا فى عرضه‏

و الحاصل انّ الشارع ينزل متعلق الامارة منزلة الواقع فى جعل ما له من الاحكام فيما اذا كان موضوعا

[مناقشة الوجه الاول‏]

امّا الوجه الاول فهو و ان كان يصحّ الامر به كذلك فيما كان اصابته للواقع اكثر من غيره الّا انه لمّا كان الواقع بعده مجهولا لا يتم فيما كان لازما فيه الاطاعة من الواجبات و المستحبّات و كان اللازم معه جعل الحكم على وفقه ليتمكن المكلف من الاطاعة اذ ما دام لم يكن ذلك لا يتمكن من الاتيان او تنزيل متعلّقه منزلة الواقع او نحو ذلك غاية الامر يكون الحكم ظاهريا لمراعاة الواقع و تنجيزه فاذا تطابقا كان المنجز هو الواقع و عند المخالفة يكون حكما ظاهريّا و لا يحتاج الى مصلحة فى ذلك الحكم و يكفى فى ذلك الجعل هو المصلحة الطريقية نعم فيما لم يكن اصابته للواقع اكثر من العلم مثلا لا بد ح ان يكون الجعل بلحاظ مصلحة فيه يستدرك بها مفسدة مخالفة الواقع فى مورد المخالفة و لو كانت المصلحة هى التوسعة على العباد و الحاصل‏ انّ المطلوب و المرغوب من الشارع لما كان هو التمكين من التقرّب و الاطاعة و لما لم يكن ذلك حاصلا من الاوامر الواقعية فى غير مورد العلم فلا محالة لا بد له فى مورد جعل الطريق الى الواقع من جعل حكم مطابق للطريق بتنجز الواقع فى مورد المطابقة فما دام لم يكن كذلك لا اثر له نعم فى جعل الطريق للواقع لا بد ح من ان يكون مصلحة يتدارك لما يفوته من الواقع لو كان يدركه لو لا الطريق المجعول و لا يخفى عليك انّ الحكم المستفاد من جعل الطريق بدليل الاقتضاء هو الحكم الطريقى‏

____________

(1) حتى يتنجز عليه الحكم الواقعى‏

(2) حتى يتنجز عليه الحكم الواقعى‏

21

الذى لا مصلحة فيه الّا فى جعل طريقه لا اقول انّ الامر به ارشادىّ اذ لو كان الحكم ارشاديا لا يترتب عليه الآثار المرغوبة منه و هو الاطاعة و انّما يترتب ذلك فيما لو كان مولويا الّا انه مولوى طريقى حكم به بلحاظ الواقع نعم فى مورد الاصابة يكون الاطاعة و المخالفة و العقوبة و المثوبة دائرا مدار الواقع و فى مورد المخالفة يكون عذرا فاذا خالف الطريق و لم يخالف الواقع ليس الّا عقاب التجرّى لو قيل به و كيف كان فمثل هذا الحكم لا يدور مداره المثوبة و العقوبة و انما هو مصحّح لهما بالنسبة الى الواقع و من هنا تعرف انّ مآل الوجه الاوّل و الاخير الى امر واحد اذ الامر بالطريق مرجعه الى التنزيل الذى مرجعه الى الحكم او الى جعل الحكم ابتداء و على اىّ تقدير لا مصلحة فى المجعول و انما المصلحة فى الجعل‏

و اما على الوجه الثانى و هو صيرورة الفعل ذا مصلحة او مفسدة واقعيّة بقيام خبر الواحد

مثلا اليه فيكون متّصفا بالوجوب و الحرمة حقيقة فى عرض الواقع فيكون مصلحته او مفسدته غالبا على الواقع فينقلب الحكم عن الواقع اليه فلم يبق الحكم الواقعى فلا بعث و لا زجر فعلا نحوه و ذلك كما فى سائر الوجوه و الاعتبارات الطارية على الفعل يختلف حكمه بها فيكون تلك الاحكام مناطا للعقوبة و المثوبة و مرجعه الى التصويب و نفى الاحكام الواقعية و هذا هو المراد من السببيّة و الموضوعيّة و لا محالة يكون الاتيان مجزيا عن الواقع و لو كشف الخلاف و ان كان بعد كشف الخلاف و العلم بالواقع يجب العمل على طبقه لا على طبق الامارة لعدم حجيتها ح كما لا يخفى و هذا خلاف ظواهر الادلة الدّالة على حجّية الخبر الواحد كما يدل عليه لفظ الثقة و العدل و المأمونية و كذلك الأخبار الواردة فى موضوع المتعارضين كما لا يخفى و لعل الاخبار الدالة على انّ للّه فى كل واقعة حكما و الاجماع القائم على بطلان التّصويب كافية فى ابطال هذا لاحتمال‏

المقصد الرابع فى بيان الاصول المجعولة شرعا او عقلا عند الشك فى الاحكام و عدم طريق عقلى او شرعىّ عليها

فنقول بعون اللّه و توفيقه‏

[اصالة البراءة]

من الاصول المعتبرة شرعا و عقلا اصالة البراءة

و يدل عليه الادلة الاربعة

[الدليل من الكتاب‏]

من الكتاب‏

قوله تعالى‏ وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا

و المراد ببعث الرسول بعثه ببيان التكاليف و الاحكام لا مجرّد البعث و الارسال و قوله‏ وَ ما كُنَّا مُعَذِّبِينَ‏ نفى هذه الصّفة عنه تبارك و تعالى مثل قوله و ما كنا بظلّام للعبيد فتدل على انّ هذه الصفة مساوية عنه تعالى لا ان ذلك منه سعة على العباد و هذه الآية تدل على ان الحكمة الالهية و مقتضى عدله عدم التعذيب الا بعد البيان ببعث الرسل و لا يخفى ان هذه الحكمة جارية فى الدنيا و الآخرة و لا يعقل فيها الفرق بين الامم السّابقة و اللّاحقة و لعلّ الافعال المنسوبة الى اللّه تعالى منسلخة غالبا عن الزمان خصوصا مثل كان الدالة على دوام صيغته ذلك للّه تعالى فتدل الآية على انّ الواجبات و المحرّمات الواقعية ما كان اللّه يعاقب عليها الا بعد البيان ببعث الرسول نعم تخصيص البيان ببعث الرسول مع تماميّته بالعقل ايضا انما هو من جهة الاغلبيّة اذ البيان يكون غالبا به او يلتزم باللطف بتأييد العقل بالنقل و لا مناقشة فى دلالة الآية بان ظاهرها الاخبار بوقوع‏

22

التعذيب سابقا بعد البعث فيختصّ بعذاب الدّنيوى الواقع فى الأمم السّابقة لظهور دفعها ممّا ذكرنا و كذا لا وقع لما ذكره‏ شيخنا فى الكفاية اخذ لما ذكروه فى ردّ من استدل بها لدفع الملازمة من ان فيها دفع فعليته العذاب الغير اللازمة لرفع الاستحقاق فانه ح يكون المنفى ثابتا بعد بعث الرسول و الحاصل انه ليس بثابت فعليته لبقاء الامر بيد اللّه فما لا يكون قبل البعث و يكون بعده هو الاستحقاق و بعبارة اخرى البعث يكون مقتضيا للاستحقاق لا مقتضيا للفعليّة و اما حال الملازمة فلعلّه يظهر لك فى محله‏ ثمّ‏ انه لا ثمرة فى الوجوب و الالزام بعد مسلمية العفو و عدم العقوبة فان مجرّد الاستحقاق التى لا يترتب عليه عليها الفعلية ابدا غير مقتض عند العقل للاطاعة و انما حكم العقل بلزوم الاطاعة لما يترتب عليه احتمال العقاب و الضرر دون ما يكون مأمونا منه فكما ان الاذن فى عدم الاطاعة مستلزم لانتفاء الوجوب و الحرمة كذلك حكمه بعدم العقوبة عاجلا او آجلا مستلزم لرفع حكم الوجوب و هو لزوم الاطاعة فيستلزم ذلك اللغو و نقض الفرض فتامل جيّدا و يمكن الاستدلال ايضا بقوله تعالى‏ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها بضميمة رواته عبد الاعلى عن ابى عبد اللّه (عليه السّلام) قال قلت له هل كلف الناس بالمعرفة قال لا على اللّه البيان لا يكلف اللّه نفسا الّا وسعها و لا يكلف اللّه نفسا الّا ما اتاها و ذلك لان المراد بالمعرفة ان كان هو معرفة الصّانع تعالى و وجوده فالتكليف بها ثابت لانفتاح باب العلم به لقيام المعلولات و الآثار و ان كان المراد به المعرفة بالكنه فهى لا مجال لتعلق التكليف به بل هو محال للامتناع فتعين ان يكون المراد بالمعرفة معرفته بحقيقة اوصافه تعالى و كيفية تعلقه به المبحوث عنه فى الكتب الكلامية و ذلك مما يمكن بيانه و معرفته و لما استدل الامام على وجوب البيان فى تحقق التكليف و ثبوته بالآيتين تمكّنا من الاستدلال بهما و ان كان خلاف الظاهر و توضيح‏ المقال ان الاستدلال بالكتاب انما يتم بظواهره دون ما يحتمل ان يكون مرادا و لو لم يكن ظاهرا فيه و ظاهر الآية بقرينة سابقها هو انه لا يكلف اللّه نفسا بالانفاق الا بانفاق ما ايتها من الاموال و التعميم بالاموال و الاحكام و كون اعطائها كناية اعم عن الاعلام لانه ايضا نوع من الاعطاء خلاف الظاهر فلا يجوز الاستدلال به و ان كان محتملا إلّا انه بعد ما ورد النص بذلك فيجوز التمسّك بالآية بقرينة الخبر فيكون المراد من الآية فلا يكلف اللّه نفسا بالانفاق و غيره من الافعال المتعلقة للتكليف الوجوبى او الحرمتى الّا ما ايتها من العلم به او المال او اقدارها عليه و على‏ هذا متعلق التكليف هو المامور به او النهى عنه و التكليف هو الامر او الزجر فليس امتناع فى ذلك اذا النسبة بالنسبة الى الاعم انما هى نسبة الايقاعية المتعلقة بالمفعول و لو بالواسطة فافهم و تامل و يظهر من ذلك‏

23

الحال فى قوله لا يكلّف اللّه نفسا الّا وسعها اذ ليس الناس ح فى الوسع من التكاليف المجهولة و انّما يكون الوسع فيما علم من التكاليف و اللّه العالم‏

و من الآيات قوله تعالى‏ وَ ما كانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَداهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ ما يَتَّقُونَ‏

اى حتى يعرفهم ما يرضيه و يسخطه و قيل فى سبب النزول فات قوم من المسلمين على الاسلام قبل ان ينزل الفرائض فقال المسلمون يا رسول اللّه اخواننا الّذين ماتوا قبل الفرائض ما منزلتهم فنزل الآية و لما كان ذلك لمقتضى العدل و الحكمة لا يكاد يكون العقاب إلا عن سبب يرجع الى العباد دون ربّ العباد فلا وجه لتخصيص الحكم بالعذاب الدنيوى بالنّسبة الى الأمم الماضية و الاضلال سبب للعذاب و لو كان معناه الخذلان المتقدّم على تبيين الاحكام فعلى اىّ حال يكون الآية دالة بظاهرها و شان نزولها على انتفاء العذاب قبل تبيين الاحكام من الواجبات و المحرّمات‏

و اورد على الآيات بان مقتضاها عدم العذاب و العقاب على الحرام المجهول و لا ينافى ذلك ما اذا اورد فى الدليل العام وجوب اجتناب ما يحتمل التحريم و هذه الآيات غير معارضة لذلك الدليل‏

بل هى من قبيل الاصل بالنسبة اليه و لا يخفى عليك انّ مقتضى الآيات عدم العقاب بالنسبة الى الاحكام المجهولة و ما دل على وجوب الاحتياط ان كان حكما ظاهريّا فى مورد الاحكام المجهولة بحيث يكون العذاب و العقاب عليه دون الواقع فلا منافات بينهما و بين الآيات حيث انها ينفى العقاب عن الواقع المجهول و لا تمنع من جعل الاحتياط وجوبا نفسيّا ظاهريا فى مورد الاحكام المجهولة فلا منافات بينهما و لا يكون تلك الادلة من قبيل الاصل بالنسبة الى الدليل كما افاده شيخنا فى الرسالة فى اوّل كلامه و لكن الادلة الدالة على الاحتياط آبية عن ذلك و ان كان ما دل على وجوب الاحتياط حكما طريقيّا منجزا للواقع فلا يكاد يمكن الا بعد تنجز الواقع اذ الاحتياط طريق امتثال الواقع لا مبيّن للواقع و الواقع المجهول ما دام لم يصر منجزا لا يجب الاحتياط فى مقام امتثاله و هذه الادلة من الآيات دالة على عدم العقاب على الواقع المجهول اللهمّ الّا ان يقال يمكن جعل الاحتياط دليلا للواقعى و منجزا له كالخبر الواحد فيكون العقاب معه العقاب على الواقع المعلوم و فيه تامل واضح و لعلّه ياتى التعرض لذلك عن قريب إن شاء الله اللّه تعالى‏ (1)

[الدليل من السنة]

و ممّا يدل على البراءة من السنة

قوله(ص)رفع عن امتى تسعة الخطأ و النسيان و ما استكرهوا عليه و ما لا يعلمون و ما لا يطيقون‏

تقريب الاستدلال ان الموصول فيها لا يعلمون هو الفعل المجهول حكمه سواء كان منشأ الجهل بالحكم عدم النص او الامور الخارجيّة و يكون المراد برفع الفعل رفع حكمه لانه الذى يتعلق به التشريع و لا مانع من اسناد عدم العلم الى الموضوع بلحاظ حكمه المتعلق به فان‏ قلت‏ ظاهر النسبة فى ما لا يعلمون نسبة عدم العلم الى نفس الموضوع و ذلك ينطبق على الشبهات الموضوعيّة حيث ان الفعل مجهول فيها قلت‏ المشتبه فيها ايضا العنوان دون نفس الفعل‏

____________

(1) و لو قلنا باستكشاف التنجز للواقع منها بحكم العقل و دليل الاقتضاء كما لعله صحة مثل هذا من الضروريات لا بد ان نقول يكفى العقاب على الواقع المجهول ببيان انى عاقب على المجهول و طريق امتثاله الاحتياط فيلزم التقيد فى الآيات بمثل ذلك البيان فلا يكون ذلك ايضا من باب الحكومة و ان كان شيخنا فى الرّسالة يمنع عن ذلك و لذا اضطر الى ان جعل الاحتياط من قبيل الاول فبين كلا منه الخ عن تهافت‏

24

اذ المشتبه فى الشبهة الموضوعيّة هو عنوان الفعل اى لا يعلم شرب هذا المائع انه شرب الخمر او شرب الماء فالفعل و هو الشرب معلوم انما المجهول هو خمريته او مائيته فعلى اى تقدير لا يكون المشتبه نفس الفعل فلا فرق ح بين ان يكون المجهول حكمه او عنوانه هذا مع انّ الظاهر ان المرتفع هو المجهول و يصحّ ذلك فى الحكم بلا تقدير بخلاف ما اذا كان متعلّق الجهل العنوان فانه لا يحتاج الى تقدير و بالأخرة ينجرّ الى رفع الحكم فان قلت ما معنى رفع الحكم قلت معناه رفع الحكم عن مرتبة الفعلية او التنجز فيرتفع العقوبة الناشية من قبله على ذلك الموضوع و ان شئت قرب الاستدلال بان المراد بالموصول هو الحكم الذى لا يعلمونه اعم من ان يكون كليّا او جزئيا و منشأ الجهل به عدم النصّ مثلا او الامور الخارجيّة لا يقال الظاهر رفع المؤاخذة لانا نقول رفع المؤاخذة لا محالة ينجر الى رفع الحكم الّذى هو علّة للمؤاخذة و لا معنى لرفعها مع بقاء الحكم فان قلت هل الرفع هنا على معناه الحقيقى قلت نعم لان الحكم الواقعى الثابت لذات الفعل بما هو هو لو لم يرتفع يشمل حال الجهل و العلم بحسب الذات فيرتفع حال الجهل بالدليل فان قلت كيف يمكن التكليف حال الجهل قلت للتمكن من الامتثال بالاحتياط و الا لما كان ينفع ايجاب الاحتياط فى ذلك على ما ستعرف انش و قد يقرّب الاستدلال ان بان الموصول فى ما لا يعلمون يشمل الموضوع و الحكم فان حرمة شرب التتن مما لا يعلمون و كذلك الموضوع المشتبه و قد يورد عليها بان السياق يقتضى تخصيص الموصول بالموضوع لما هو ظاهر من الخطاء و النسيان و ما استكرهوا عليه و ما لا يطيقون و هكذا فيكون الموصول فيما لا يعلمون كذلك ايضا قلت‏ عموم الموصول انما هو بلحاظ ما يصدق عليه صلته و الاكراه و عدم الطاقة و امثالها انما يتحقق فى الموضوع و اما عدم العلم و الجهل يعم الموضوع و الحكم و الموصول فى جميع ذلك كناية عما يقع عليه صلته و اختلاف ما يقع عليه الصلة من حيث الموضوع و الحكم كاختلاف ما يقع عليه الاكراه مثلا من الافعال الخارجيّة فكما انه ليس اللازم فى السياق كون الموضوعات فى مورد الاكراه و الاضطرار و غيرهما تكون من جنس واحد او نوع واحد او لا يكون احدهما اكثر من الآخر كذلك لا يستلزم ان يكون ما يقع عليه الجهل ان يكون من جنس تلك الموضوعات او نوعها او مثلها لا ازيد و لا انقص مع ان السياق لا قابلية له للتخصيص العام لفرض عمومية الموصول لانه لا يفيد الّا الاشعار الغير القابل للتخصيص كما هو واضح هذا مضافا الى ان ليس السياق الا ذكر ما فى رفعها منّة على الامة اعنى التسعة المرفوعة و الجامع للجميع و الرابط له هو كونها من التسعة المرفوعة منة عليها بل لا يمكن ان يقال انّ المناسب للرفع و الامتنان و السياق اقتضاء العموم فى المقام حيث ان جميع اخواتها منقية بعمومها فكذلك ما لا يعلمون و قد يورد ايضا بان المقدر فى الكلام هو المؤاخذة فهى لا يلائم عموم الموصول للموضوع و الحكم لان المؤاخذة على الموضوع صحة العقاب عليه و لا معنى للمؤاخذة على الحرمة بل انما يؤاخذ بسببها على الموضوع و بعبارة اخرى المؤاخذة من آثار الحرمة لا على الحرمة و فيهما و فيه مضافا الى ان المؤاخذة غير مقدر و انما اللازم تقدير الحكم فيما يحتاج الى التقدير ان ما فى العبارة هو اسناد الرفع الى الموضوع و الحكم و مصحّح الاسناد المؤاخذة المقدّر باى نحو كانت و ليس فى الكلام اسناد المؤاخذة اليهما حتى يختلف حال النسبة نعم‏ يشكل بان الاسناد الرفع الى الحكم اسناد الى ما هو له اذ وظيفة

25

الشارع رفعه و وضعه و اسناده الى الموضوع اسناد الى غير ما هو له حيث انه بنفسه غير قابل لذلك بل رفعه بمعنى رفع آثاره و لم يكن فى البين اسناد واحد يجمع الاسنادين‏ و فيه‏ ان للشارع رفع الموضوع كما ان له رفع الحكم غاية الامر ان ذلك انما كان بلحاظ الحكم فرفع الحكم انما له اولا و بالذات و رفع الموضوع له ثانيا و بالعرض فاسناد الرفع اليهما على نحو واحد و لكن معنى رفع الحكم رفع نفسه و معنى رفع الموضوع رفع حكمه برفع موضوعه و اسناد الرفع اليهما على نحو واحد تشريعا و لذا يستصحب الموضوع فى الاستصحاب كما يستصحب الحكم و لو فى مورد لم يكن الحكم متحققا سابقا بل كان المتيقّن مجرّد الموضوع و لكنّه ذو حكم فى زمان الشك متحقق انّ اسناد الرفع الى الموضوع و الحكم بنحو واحد مع امكان ان يقال ان الحكم ايضا غير مرتفع من اصله و انما يرتفع ماله من البعث و الزجر او صحة العقوبة فيكون اسناد الرفع اليه بلحاظ ما له من الاثر فيتّحد حاله حال الموضوع‏

[تتميم فيه بيان امور]

و لا بأس لتميم المقال و شرح ما اشرنا اليه من الاجمال ان نذكر امورا

الاول ان قوله (عليه السّلام) رفع عن امتى تسعة الخطأ و النسيان و ما استكرهوا عليه الخ ظاهر فى انّ المرفوع ذات الفعل الذى وقع خطاء او نسيانا او مكرها عليه‏

و قد عرفت انه صحيح تشريعا غاية الامر مصحّح هذا التشريع الحكم الذى متعلق به و ان تاملت فى ذلك لم تكن تتامل فى ان الرفع الشرعى تعلق بحكم ذلك الفعل الذى وقع خطاء او نسيانا و يكون رفع الحكم فيها منّة على العباد فان قلت كيف يمكن ابقاء التكليف و الحكم منجزا فى غالب تلك الصّور مع انّ التكليف فى غالبها تكليفا بالمحال و هو ممتنع فضلا ان يكون رفعه منّة على الامة قلت‏ كلّا لانّ وقوع الخطاء و النسيان غالبا يكون من باب عدم التحفظ و الاهتمام و عدم المبالات و من الواضح ان مع وجودها لا يعرض الخطأ و النسيان و لمّا كان تلك المقدمة اختياريّة كان بقاء التكليف حالتهما فى مكان من الامكان و انجرار الأمر بالأخرة الى الاضطرار بالفعل او الترك غير مانع من التكليف كما اذا ترك المقدمات عمدا بحيث لا يتمكن من الفعل‏ (1) بعده او اتى بها بحيث صار مضطرا الى الفعل المحرّم و رفع حكمه ح يكون منة على العباد من خالفهم و القول بسقوط التكليف فى حال الاضطرار لا يهمّنا مع فرض بقاء مؤاخذته و هذا هو الحكم الذى يرفعه الخطاء و النسيان و لا وقع لان يقال ان الشارع له ان ليحكم بوجوب التحفظ و الاهتمام ليسلم عن الخطاء و لم يفعل فيكون المرفوع هو وجوب التحفظ فيترتب عليه رفع المؤاخذة و ذلك لان وجوب التحفظ ان كان لتصحيح بقاء الحكم المتعلق بذات الفعل الذى أخطأ فباطل لان تصحيحه انما هو بامكان التحفظ و الاهتمام لا بايجابه شرعا و تاثير الايجاب فى القدرة غير معقول مع ان المؤاخذة ح انما يتعلق بنفس الحكم الاولى لا بوجوب التحفّظ لانه من باب المقدّمة و لا مؤاخذة فى الوجوب المقدمى و ان كان لتصحيح رفع المؤاخذة مع تسليم‏

____________

(1) بعده من الفعل‏

26

؟؟؟ التكليف فى حقه مع قطع النظر عن ايجاب التحفظ فلا معنى لرفع الخطاء ح حيث انّ الفعل ممتنع فى خصه كسائر التكاليف الغير المقدورة و واضح انه لا منة فى رفعها مع انه يكون رفع الخطاء ح رفع وجوب التحفظ و ظاهر ان رفع الخطاء ح رفع الفعل الذى أخطأ فى فعله و رفع الفعل رفع حكمه فوجوب التحفظ بمعزل عن المرفوع و المرفوع له و بمثل ذلك نقول فى رفع ما لا يعلمون فانّ المرفوع هو الحكم المجهول و التكليف به مع امكان الاحتياط فى مقام امتثاله بنحو من الامكان فرفع امتنانا على العباد و ايجاب الاحتياط لا يكاد نفيه بعينه فى ذلك لعدم دخل الايجاب فى القدرة و ان قيل بسقوط الحكم المجهول و كان الاحتياط نفسيّا فهو مصحّح المؤاخذة كانت المؤاخذة ح على الاحتياط لا على الحكم المجهول و الحال ان الرّفع متعلّق بالمجهول‏

الامر الثانى قد عرفت ان الرفع هنا باق على معناه الحقيقى‏

و لا حاجة الى ان يقال ان المراد بالرفع ما يكون من شأنه الاثبات سواء ثبت من الشرع ما يقتضى ثبوته من العمومات و الاطلاقات ثم خصّص و قيد أو لا و لكنه كان مقتضى جعله موجودا كنجاسة الحديد مثلا و الامور المقدورة العسرة و يكون الخارج ما لا مقتضى لثبوته اصلا كالتكليف بغير المقدور و نحوه كالغافل الغير المتمكّن من الاحتياط و انما يحتاج الى هذا من اوقع المؤاخذة على ايجاب الاحتياط فيما لا يعلمون و ايجاب التحفظ و الاهتمام فى الخطاء و النسيان فتدبّر

الامر الثالث المرفوع فى تلك هو الحكم مطلقا باقسامه من التكليفى و الوضعى‏

فيكون المرفوع جميع الآثار لا خصوص التكليفى و هو المؤاخذة و الاثر المناسب و لكل واحد من هذه التسعة لانّه الملازم لنفى الحقيقة حقيقة و اقرب المجازات فى مورد نفيه لو لم يكن على سبيل الحقيقة و هذا هو المناسب ايضا لمورد الامتنان فى الرّفع و يشهد له الرّواية الصّحيحة عن ابى الحسن فى الرجل يستخلف على اليمن فخلف بالطلاق و العتاق و صدقه ما يملكه أ يلزمه ذلك الخ على ما قربه الشيخ فى الرسالة و ربّما يصحّح به الرواية من حيث ان المؤاخذة عن بعض المذكورات فى الرواية مرفوعة فكيف يعدّ رفعه منّة و هو شطط من الكلام كتصحيحه بلحاظ المجموع من حيث المجموع و قد اشار الى فى الرسالة ما ربّما يتوهم كونه موهنا له مع ردّه فراجع‏

و مما يستدل به على البراءة قوله كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهى‏

و تحرير المقال نقول انه يمكن تنزيل قوله ذلك على وجهين‏

[الوجه‏] الاول انه ورد لبيان حكم كل فرد فرد من الاشياء

و انه بماله من العنوان الاولى مطلق و مباح حتى يرد فيه نهى اوامر بذلك العنوان فيكون اخبار عن انّ الاشياء على الاباحة الّا ان يحكم فيه بالحرمة او الوجوب فيكون مرجع الضمير فى فيه كلّ فرد من الاشياء بما له من العنوان الاولى و المراد من الورود هو الورود الواقعى و يكون كناية عن جعل الحرمة فهذا ح اجنبى عمّا نحن فيه‏ نعم‏ يمكن ان يستدل به على الاباحة الواقعية الثابتة للاشياء بعناوينها الاولية

27

فى طرف الشكّ بانه لم يعلم فيه ورود النهى عنه اى لم يعلم جعل الحرمة و الاصل عدم ورود النهى عنه و عدم جعل الحرمة له فيكون هذا الشي‏ء بعنوانه الاولى مطلقا و مباحا الّا انه لا يخفى عليك انه بناء على جعل الاحكام الخمسة يكون الاصل معارضا بعدم جعل الاباحة و عدم ورود الرخصة و على فرض التسليم يكون الإباحة لذات الشي‏ء لا بعنوان شي‏ء لم يرد فيه النهى بداهة انّ الغاية غاية للحكم لا قيد للموضوع مثلا اذا شكّ فى اللّيل و استصحب عدمه يترتب على ذلك الاستصحاب وجوب الصّوم فى ذلك لا مقيّدا بعدم اللّيل فكذلك الحال فى كلّ مانع شك فى وجوبه و بعبارة اخرى ليس الحكم الثابت بذلك الاستصحاب حكما ظاهريّا بعنوان المشكوك الحرمة ثم لا يخفى عليك ان ظاهر هذا على ذلك ان يكون الحرمة طاريا فى الشرع على الاباحة المجهولة و كانت الحرمة جعلا غاية للاباحة المحققة اقتضاء للغائية و هو كما ترى و كذلك لا يكون على هذا مسوق للحكم الفرعى الفعلى بل اخبارا عما هو الواقع فى مقام الجعل‏

الوجه الثانى ان يكون مسوقا للحكم الشرعى الفعلى بل اخبارا عما هو الواقع فى مقام الجعل‏

الوجه الثانى لان يكون مسوقا للحكم الشرعى الفعلى بان يكون مفاده الحكم بالاباحة الفعلية للشي‏ء المشكوك حليته و حرمته و يكون الشي‏ء ملحوظا فيه العنوان الظاهرى اى مشكوك حليته و حرمته فلا محالة يكون الغاية ح العلم بالحرمة و يكون معنى قوله حتى يردّ فيه نهى حتى يرد عليك و يصل اليك النهى و مساقه ح مساق قوله كلّ شي‏ء لك حلال حتى تعلم بانه حرام فيكون الضمير فى فيه راجعا الى الشي‏ء بعنوانه المشكوك و هنا وجه آخر لعله نتعرض له فى مبحث الاستصحاب‏

و ممّا يدلّ على البراءة حكم العقل بقبح العقاب من دون بيان‏

و المؤاخذة بلا اقامة برهان و المراد من البيان ما يتمّ به الحجّة على المجهول و يتم الحجّة بالعلم تفصيليا كان او اجماليا على ما مر او جعل الطريق او الاحتياط او معلوميته الاهتمام به و غير ذلك لا خصوص العلم و وضوحه و فى مثله لا احتمال للعقاب و لا مجال لان يقال بان حكم العقل بوجوب رفع العقاب المحتمل بيان لان بيانيته يتوقف على كونه محتمل العقاب و كونه كذلك يتوقف على بيانيته فيتوقف الشي‏ء على نفسه و الحاصل ان موضوع حكم العقل بالقبح متحقق بذاته و موضوع القاعدة يتوقف على كونه محتمل العقاب فموضوع الاول تحقيقى و موضوع الثانى تعليقى‏ فان قلت‏ اذا احتمل الوجوب او الحرمة لا محالة يحتمل العقوبة الاخروية لان احتمال العقوبة ملازم لاحتمال الوجوب قلت كلا لان احتمال العقوبة ملازم للوجوب المنجز المتوقف على البيان لا للوجوب الغير المبين فمجرّد احتمال الوجوب فى الواقع الذى لا بيان عليه من العقل و الشرع لا يلازمه مع انه لو كان كذلك لكان حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان لغوا اذ لا مورد له اصلا لا فى مورد عدم الاحتمال اصلا مع انه ممّا اتفق عليه العقلاء و يستفاد من كلام شيخنا فى الرسالة ان المراد من البيان هو وضوح الحكم للمكلف فقال ان مع‏

28

جريان حكم العقل بدفع العقوبة المحتملة يكون الحكم الواقعى مع ذلك مجهولا لنا و مع الجهل به و عدم وضوحه يستقل العقل بعدم العقاب عليه فلا محالة يكون العقاب ح على مخالفة (2) الواقع المجهول فيكون القاعدة قاعدة كلية طاهرية لا ينوط العقاب عليها مناط التكليف فى الواقع و حاصله انّ موضوع حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان لا يرتفع بالقاعدة و هى دفع العقوبة المحتملة فهو باق فلا محالة يجرى حكمه فيرتفع موضوع القاعدة و مرجع هذا الى ان تقديم القاعدة يوجب المحال و هو تخصيص حكم العقل بخلاف العكس فانه يوجب التخصيص فينحصر مورد وجوب دفع العقوبة المحتملة الى مورد تنجز الحكم بالعلم و غيره و هو كما ترى و اما غير العقاب و لو كان محتملا الا ان محتمله غير واجب الدفع فافهم‏

اصل انما يجرى اصالة البراءة فيما اذا لم يكن هنا اصل موضوعى دون ما اذا كان هناك اصل موضوعى‏

فلو اشتبه الزوجة بالاجنبيّة لا يجوز وطيها و لا النظر اليها الوجود الاصل الموضوعى و هو اصالة عدم حصولة العلقة بينهما فاذا كان هذا هو الاصل فى المشتبه بدوا و ابتداء يكون الحال كذلك فى الشبهة المحصورة ايضا كما لو علم بكون الاجنبيّة بين المحصورة من زوجاته و لا يجوز النظر الى كلّ واحد منها و كذا الحال فى غير المحصورة لانه لا يزيد على الشك البدوى و قد عرفت الحكم فيه قال فى الجواهر و لو اشبهت الاجنبيّة بالمحرّمة على وجه الامتزاج وجب الاجتناب مع الحصر بناء على المقدّمة انتهى و هذا لا يخلو عن بحث لان وجوب الاجتناب انما هو لاجل الشكّ لا لاجل العلم حتى يتوصّل بحكم وجوب المقدمة ثم قال و مع عدم الحصر لا يجب كما صرّح به الفاضل فى عدو الكركى و عينه فيما اذا كان محارم محصورة فى اجنبيّات غير محصورة اذ قال حكمها عدم وجوب الاجتناب على ما سمعته من الفاضل و الكركى انتهى و انت خبير بان جريان حكم الغير المحصورة فى الشبهة انما هو فى مورد البراءة فى الشبهة البدوية

فرع و لو اشتبه المحرم من النساء كالعمة و الامّ مثلا بغيرها من الشبهة البدوية فالاصل الموضوعى هو عدم تاثير العقد محكمة

و لا فرق ايضا بين المحصورة و غيرها و يستفاد من الجواهر جريان البراءة فى بعض صور غير المحصور و هو كما ترى احتج القائلون بالاحتياط بالآيات الناهية عن القول بغير العلم و عن الالقاء الى التهلكة و الآمرة بالتقوى و جوابها يعلم ممّا ذكرنا من ادلة البراءة من حيث ان القول بالبراءة ليس قولا بغير علم و لا مهلكة مع هذه الادلة و لا مخالفة فيها للتقوى و بالاخبار الدالة على وجوب التوقف عند الشبهة و الدالة على وجوب الاحتياط و الجواب‏ عنها على فرض تماميّتها و صحة الاستدلال بها و كون الامر فيها مولويا معارض بما هو اخصّ منها و انص لنصية الحلية و ظهور ما دل على الاحتياط

____________

(2) القاعدة لا صح‏

29

و الجمع الدلالى مقدم على جميع وجوه الترجيح مع انّ الترجيح لادلة البراءة و توضيح ما اجملناه يطلب من الكتب المفصّلة و قد يستدل بالعلم الاجمالى بوجود واجبات و محرّمات كثيرة فى الشريعة فيجب الاحتياط فى اطراف المشتبهات من الوجوب و الحرمة قضاء لحكم العقل و تماميّة الحجّة و تفريغا للذمة بعد اشتغالها و الاحكام المعلومة لنا ليست بمقدار ينحل بها المعلوم بالاجمال و الادلة و الامارات الدالة على الاحكام التى اثبتنا حجّيتها لا يعلم بها الاحكام الواقعية و ليس مفاد الادلّة الدالة على اعتبارها الا وجوب العمل على طبقها فلا يكاد يزاحم بها ما دل العقل بل النقل على وجوب اتباعه من العلم الاجمالى لعدم المنافاة بين الادلة الغير المتعارضة فى وجوب العمل على طبقها نعم لو لم نقل بالاحكام الواقعية اصلا كما هو رأى المصوّبة او لم نقل بفعليتها و ثبوت التكليف بها بل كان التكليف على مؤدّى الامارات و الادلة من حيث الموضوعية و السببيّة او بلحاظ ارجاع القطعين الى قطع واحد كما لعلّه مفاد كلام بعض المحققين يصحّ القول بعدم منجزية العلم بالاحكام الواقعية لكنها بحذافيرها معلوم البطلان كما قد مرّ شرح القول فيها و الحاصل بعد فعليّته الاحكام الواقعية و كون العلم الاجمالى كالعلم التفصيلى فى تنجيز الاحكام لا مفرّ عن القول بتنجزها و صحّة العقوبة عليها و لزوم الاحتياط فى الاطراف و خروج المشتبهات عن الشك فى اصل التكليف اقول و الجواب عنه ان الامر كما ذكر لو لم ينحل العلم الاجمالى الى العلم التفصيلى و الشك البدوى و الانحلال هنا ثابت حكما و لو يكن ثابتا موضوعا و ذلك لما سنبين بعد ذلك ان شاء اللّه فى محله مفصّلا انّ معنى الحجيّة فى الادلة و الامارات هو تنزيل المؤدى منزلة الواقع شرعا فقول الراوى مثلا الخمر حرام بلحاظ دليل الجعل تنزيل حرمة الخمر المؤدّى للخبر منزلة الحرمة الواقعيّة فكان واقعا عند الشارع جعلا و بعد علمنا بكونه واقعا حكما عند الشرع فكما انه لو علمنا الواقع بما هو هو كان العلم الاجمالى منحلا موضوعا فكذلك بعد ما علمنا بما هو الواقع تنزيلا و حكما من الشرع علمنا بالانحلال حكما و بلحاظ التنزيل فيكون حكمه حكم الانحلال اذا كان المعلوم من الامارات و الادلة بمقدار المعلوم بالاجمال نعم لو قلنا بان مفاد الادلة الدّالة على الحجيّة جعل الحجيّة اعنى الحكم الوضعى فيترتّب عليها وجوب الاتباع عقلا كالحجية العقليّة الغير المنجعلة لا يكاد ينحل به العلم الاجمالى لان غاية ما فى الباب وجوب متابعة الحجية و لزوم العمل على طبقها عقلا كما ان العقل يحكم بوجوب اجتناب اطراف العلم الاجمالى و لا منافات بينهما فيجب اتّباعهما نعم‏ قد يورد الشارع فى بعض اطراف الشبهة فيكون مؤمنا و يجب الاجتناب عن الطرف الآخر بمقتضى حكم العقل و لا ربط لذلك بالانحلال و كذلك قد يكون الامارة فى الموضوعات مثبتا للاذن فى الطرف الآخر كما اذا اشتبه اناء زيد المعلوم نجاسته باناء عمر و المعلوم طهارته فاذا قامت البينة على تعين اناء زيد فثبت طهارة اناء

30

عمرو فى الطرف الآخر و مثبته حجة و مثل ذلك لا يكاد يثبت فى الاحكام لان قيام الدليل على حرمة شي‏ء لا يكاد يثبت اباحة اشياء أخر و الا لتعارضت الادلة فيها و هو بمكان من الامكان و مثل ذلك ما يقال ان اعتبار الادلة شرعا انما هو تنزيل الظنّ منزلة العلم اذ هو مع عدم تماميّة من وجوه يرد عليه ما يرد على متقدّمه و يمكن ان يقال انّ العلم الاجمالى لا يمنع بما هو هو من جريان الاباحة الشرعيّة فى الاطراف و انما يمنع عنه لتعارضها فيها و بعد ما ثبت من الادلة حرمة بعضها و وجوبها فلا مانع ح من اجراء الاباحة و البراءة فى بعضها الآخر فلا يبقى ح اثر للعلم الاجمالى كما هو واضح و يمكن ان يقال انا بعد ما تتبعنا الادلّة الشرعية و خصوصيّات الواردة فى حال الرّواة و كيفية ضبطهم الاحاديث نعلم بكثير من الواجبات و المحرّمات حيث نعلم بصحة تلك الاحاديث و صدورها عن الائمة و نقطع ح بهما فينحل العلم الاجمالى بلحاظ القطع الحاصل لنا منها كما انا لو سمعنا من النبى او الوصىّ بالاحكام بالمقدار المعلوم لنا اجمالا و ذلك واضح ايضا خصوصا على مذهب الاخبارية من دعواهم القطع بما فى ايدينا من الاخبار خصوصا الاخبار الواردة فى الكتب الاربعة و يمكن ان يقال ان الاحكام الواقعية التى يعلم بها اجمالا الملازم ثبوتها الثبوت اصل الشريعة المجعولة فى حق المكلفين ليست جميعها فى مرتبة الفعليّة و انما تختلف باختلاف المكلفين من حيث الاشتراط و الاطلاق بل جميعها مشروطة بالقدرة و العلم بل البيان من الشرع و ربما لا يكون كثير منهما محلا لابتلاء المكلف و مثل هذا العلم المتعلق بالاحكام المشروطة جلّها لو لم نقل كلّها او لم يكن كثير منها محلا للابتلاء من الواجبات و المحرمات الملازم لاصل الشريعة لا يكاد يوجب شيئا نعم ربّما يكون سببا لحكم العقل بالبحث و الفحص عن صاحب الشريعة او عن الطرق الذى جعله الشارع طريقا لتلك الاحكام و هل يدعى احد فى انّ الاحكام الواقعية الثابتة لجميع المكلفين مطلق كلّها فعلية تصير منجزة فى حقّ هذا المكلف او لم يكن كان من الممكن توقف فعليتها على بيان من صاحب الشرع بحيث انّه قبل وصول البيان من الشارع لا يكون فعليا او كان يتوقف فعليتها على امر آخر كان الواجب موقوفا و معلّقا على تحققه و هكذا و العلم بمثل هذه الاحكام التى لا يعلم بفعليّة جميعها لا يكاد يؤثر فى لزوم العمل و الاتيان بها بالاحتياط لاحتمال كلّ ما يشك فى وجوبه او حرمته ان يكون معلّقا وجوبه بامر غير حاصل كيف و الغرض من التكليف ليس الّا ان يصير المكلّف متمكنا بواسطته من التقرّب و الامتثال بواسطة الامر و النهى و هذا الغرض لا يتمشى الّا فيما علم دون ما لا يعلم فينحصر فعلية الاحكام الواقعيّة فى الاحكام التى يترتب عليها هذا دون غيره و لذا اشتهر بينهم ان جميع الاحكام مشروطة بالامور الاربعة و هى البلوغ و العقل و القدرة و العلم‏ و الحاصل‏ انّا نمنع كون المكلّف مكلفا بالاحكام الواقعية التى لا يعلم اطلاقها و اشتراطها بمجرّد العلم بثبوت احكام فى هذه‏

31

الشريعة و انما يؤثر العلم الاجمالى بالاحكام المعلوم ثبوتها و اطلاقها كما حقق فى محله‏

امور ينبغى التنبيه عليها

الاوّل الاصل انما يعوّل عليه عند عدم الدليل و الامارة و كذا عند عدم الاستصحاب و كذا عند عدم الاصل الموضوعى‏

لان جميع ذلك مقدم على الاصل الحكمى كما سيئاتى توضيح جميع ذلك ان شاء اللّه فى مواقعه‏ فح‏ ذكر الشهيد الثانى تبعا للمحقّق الثانى ان المتولد من الكلب او الخنزير و حيوان طاهر فانه يتبع فى الحكم الاسم و لو لغيرهما فان انتفى المماثل فالاقوى طهارته و ان حرم لحمه للاصل فيهما انتهى فالحيوان الحاصل منهما حيث لم يتبع فى الاسم شيئا من الحيوانات يكون الشكّ فى حرمة لحمه و حليته من الشك فى الحكم و

اورد عليه شيخنا فى الرّسائل بانّ الشك هنا مسبّب عن الشك فى تذكيته و عدمها

فان قلنا بعموم التذكية لكل حيوان الّا ما خرج بالدليل يكون المورد موردا للاصل الحكمى و هو الحلية و ان قلنا بعموم عدم التذكية للحيوانات الا ما قد خرج بالدليل يكون المورد موردا لاصالة عدم التذكية فيحرم فلا مجرى ح للاصل الحكمى‏ و حاصل‏ الاشكال ان اصالة الحرمة ان اريد منه الاصل الحكمى و لو فى مورد القابليّة للتذكية فلا معنى له لان الاصل هو الحلية لا الحرمة و ان كان المورد عدم القابليّة للتذكية فلا معنى لاصالة الحرمة بل الاصل عدم التذكية و ان ترتب عليه الحرمة و كذا لو شككنا فى القابلية و عدمها يكون الاصل عدم التذكية فان‏ قيل‏ الكلام فى حرمة اللحم و حليتها فى الصورة المذكورة انما هو فى مورد وقوع التذكية عليه و هى فرى الأوداج الاربعة مع الشرائط اذ مع عدم وقوعها عليه لا اشكال فى حرمته و معه لا معنى لاصالة عدم التذكية لفرض وجودها و التذكية فى الشرع ليس المراد بها الا ذلك و لا أمر وراه‏ قيل‏ لما راينا ان فرى الاوداج مع الشرائط يختلف فى الحيوانات من حيث الآثار ففى بعضها لا يثمر ذلك اصلا كما فى الكلب و الخنزير و فى بعضها يترتب عليه اثر الطهارة فقط فيما اذا كان من غير الماكول و فى بعضها يفيد ذلك مع الاكل فيما اذا كان من المأكول علمنا ان اختلاف الآثار انما هو لاختلاف القابليّة فى الحيوانات فتحقق انّ التذكية انما هو مؤثر فى مورد القابلية و تلك القابلية انما هى من شرائط التذكية فاذا شككنا فيها فالاصل عدمها فان قيل القابلية انما تحدث بحدوث الحيوان فامّا يوجد مع القابلية او لا معها فلا حالة لهما سابقة عليه‏ قلت‏ نعم و لكنّه فيما لم يخلق الحيوان لم يخلق القابلية فلم يخلق بعد و ان وجد الحيوان و هذا يكفى فى المقام و ان لم يثبت به اتصاف الحيوان بعدم القابلية و ليس بلازم ذلك فيما نحن فيه و الاثر مترتّب على كونها التام لا الناقص و ان شئت قلت ان التذكية هى فرى الاوداج مع الشرائط و منها القابلية و ذلك بشراشرها مسبوقة بالعدم فيستصحب‏ فان قيل‏ اذا كان الامر كذلك فيكون القابليّة مختلفة لاختلاف الآثار فالقابلية التى تترتب عليها حلية الاكل مغايرة للقابلية التى يترتب عليه الطهارة و ح اذا شككنا فى حليّة اللحم‏

32

و عدمها فنشك فى قابليتها للتذكية بتلك القابلية و عدمها فالاصل عدمها و ان علمنا بالقابلية للتذكية فح لا يجرى اصالة الحلية ابدا فى الشبهة الحكمية قلت حلية الاكل و عدم الحلية انما يعلم من نصّ الشارع ففيما نصّ بحلّية الاكل يعلم بقابلية الخاصّة و فيما صرّح بحرمة الاكل مع الحكم بتذكيته يعلم بقابلية الخاصّة دون الزائدة و لا فرق فى حكمه بالحلية بين الدليل و الاصل فاذا علمنا بان الاصل فى المشكوك هو الحليّة و علمنا هو بالقابلية للتذكية فى الجملة نعلم بجواز الاكل مع وقوع التذكية عليه فافهم‏ و الحاصل‏ انا لا نحتاج فى الحكم بالحلية سوى حكم الشارع بالحليّة و بوقوع قابليته للتذكية عليه فعرفنا كليتها بالحكم الاصلى و الدليل الدال على وقوع التذكية عليه‏ و الحاصل‏ انه بعد علمنا بان الاصل فى مشكوك الحكم هو الحلية انما يثمر لنا ذلك فى مورد يعلم و لو بالاصل بقابلية التذكية فى المورد و لك ان تجعل اصالة عدم التذكية على وجه المقرر فى ان قلت وجها للحكم فى الحرمة باللحوم كما ادّعاه الشهيد الثانى و المحقّق الثانى و لا يحتاج الى الوجه الذى نقله فى الرّسالة عن شارح الروضة و اعلم‏ ان الامر كذلك فى الشبهة الموضوعية كما فى اللحم المطروح المعلوم كونه من الشاة مع عدم ما يدل على التذكية شرعا مع الشكّ فى التذكية فى الخارج فانه يحكم عليه بالحرمة لاصالة عدم التذكية و قد يشكل ببطلان الاستصحاب و لو فى العدميّات و معارضته باستصحاب عدم موت حتف الانف و كلاهما ضعيفان على ما حقق فى محلّه و اما اذا علم بوقوع التذكية عليه خارجا و لكنه مردّد بين الشاة و الارنب و الظاهر الحلية للاصل‏ قال‏ شيخنا فى الرسالة الظاهر عدم الخلاف فيه و لعلّه يقع هناك بعض ما تقدم فى المسألة الشائعة و لو تردّد اللحم بين الشّاة و حيوان لم يقع عليه التذكية و ان علم بوقوعها عليه فى الخارج فيكون الشكّ عن كون هذا مما يقبل التذكية به أو لا و الظاهر الحرمة لاصالة عدم التذكية

الامر الثانى ربّما يقال فى الشبهة الموضوعية التحريميّة كالمائع المشكوك خمريته انه مجرى للاباحة شرعا لا عقلا

لعدم جريان حكمه بقبح العقاب بلا بيان هنا لان المفروض ان الشبهة هنا موضوعية و رفع الشبهة هنا ليست من وظيفة الشرع بخلاف الشبهة الحكمية فان رفعها من وظيفته و المراد من البيان فى حكمه هو بيان الشارع و قد تحقق منه البيان بقوله لا تشرب الخمر المعلوم ذلك عند المكلّف فكلما له البيان قد تحقق و هو الجعل و بيانه و ليس وراء ذلك شي‏ء على الشارع و اشتباه الموضوع الخارجى لدى المكلف ليس للشارع له بيان و الالفاظ المستعملة فى كلامه مستعملة فى معانيها الواقعية لا المعلومة فيكون المنهى عنه هو الخمر الواقعى فلو كان الموضوع المشكوك خمرا واقعا يصحّ العقوبة عليه لتمامية البيان‏

33

من الشّرع و هو الحكم المعلوم فيجب بحكم العقل اجتنابه لدفع العقوبة المحتملة نعم الاباحة الشرعية ثابته لقوله كل شي‏ء لك حلال حتى تعلم انه حرام‏ و يمكن‏ ان يقال المراد بالبيان فى حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان هو تمامية الحجة للمكلف فما دام لم يتم الحجة على المكلّف يكون عقاب الشارع عليه عقابا بلا بيان و المؤاخذة عليه مؤاخذة بلا برهان و تماميّة الحجة على المكلّف انما يتم بامور الاول بيان الشارع للحكم و الثانى وصوله الى المكلف و الثالث كونه مبيّنا و لا يكون مجملا او متعارضا و الرابع ان يكون الموضوع معلوما ليعلم توجّه التكليف اليه اذ مع عدمه يشك فى توجه التكليف فلا يعلم بالحكم المتعلق به اذ مجرّد العلم بحكم الشارع بحرمة الخمر لا يعلم بتوجّهه نحوه ما دام لم يعلم الموضوع بداهة ان كل حكم مشروط بتحقق موضوعه فما دام لم يتحقق الموضوع لدى المكلف لم يعلم بتنجز الحكم فى حقه‏

الامر الثالث لا اشكال فى رجحان الاحتياط عقلا و شرعا فى المشكوك‏

حيث ان الاحتياط معناه هو العمل على نحو يدرك به الواقع ففى مشكوك الحرمة اذا ترك لا محالة يدرك الواقع بلا مضرة لان الفعل غير واجب قطعا كما هو المفروض فكذلك فى مشكوك الوجوب لان فعله راجح لدرك الواقع معه مع عدم المضرة فيه كما هو المفروض لان المفروض دوران الامر بين الوجوب و غير الحرمة و الحرمة و غير الوجوب‏

[كلمات ينبغى التنبيه عليها]

و لكن هنا كلمات ينبغى التنبيه عليها

الاولى ان الاحتياط موضوعا من وجوه الاطاعة فلا محالة يكون الامر المتعلق به شرعا او عقلا بلحاظ كونه احتياطا و اطاعة للواجبات و المحرمات الواقعية

فيكون حاله حال الامر العقلى بالاطاعة فى الاوامر المنجزة من غير فرق الا فى الوجوب و الاستحباب فح لا يكون الامر به الّا ارشاديا كاوامر اطيعوا اللّه و اطيعوا الرسول فلا يترتب عليها ما يترتب على الاوامر المولويّة من الثواب و العقاب نعم ذلك نوع من الانقياد فلا باس بترتب نوع من الثواب عليه لانه فى حكم الاطاعة عقلا كما انه فى التجرى ايضا كذلك لا فى حكم المعصية عقلا و لو لم يكن الثواب هو الثواب المترتب على العمل و ربما يمكن القول بترتب نفس ذلك الثواب المجعول للعمل بناء على بعض الوجوه الممكنة فى اخبار من بلغ على ما ياتى التكلم فيه إن شاء الله اللّه هذا فى الاحتياط الذى هو موضوع البحث و اما لو كان الاحتياط الملحوظ بلحاظ مقدميّته للاطاعة المتيقنة بان يكون فعله بلحاظ صيرورة المكلّف بحيث يهون عليه الاجتناب عن المعلوم و بعبارة اخرى يترك المشكوكات فيكون اترك للمحرمات كمصلحة التمرين للعبادات للصبى او اشتغال الحائض بالاذكار و جلوسها فى محرابها حال صلواتها لا محالة ح يكون الامر به استحبابا مولويّا شرعيا و ح يخرج الاحتياط عما هو له من المعنى المتبادر المقصود من درك الواقع و اتيانه‏ و لكنّه‏ اثبات ذلك من الاوامر المتعلقة شرعا مشكل و ان‏

34

كان فى بعض الاخبار اشارة اليه و فى امكان تعلق الامرين به من وجهين تامل مع تمايز هما و اختلاف جهتيهما الا ان يكتفى بالمناط فتامّل جيّدا

الثانية انه لما كان محبوبية الاحتياط بلحاظ طريقيته للواقع كان محبوبيته دائرا مدار ما كان يدرك به الواقع لو كان‏

كما فى التوصليات لانه يؤتى ح به الواقع‏

[اشكال و جواب‏]

و قد يشكل فى التعبّديات حيث انّ الواقع لما كان الاتيان به واقعا محتاجا الى قصد القربة المتوقف على العلم بالامر به المفقود (1) فلا يكاد يتحقق فيها الاحتياط موضوعا لعدم امكان درك الواقع ح بمجرّد الفعل مع عدم قصد القربة و من هنا تعرف ان الاوامر المتعلق بعنوان الاحتياط شرعا او عقلا لا يكاد يصحّح به موضوع الاحتياط للدّور الواضح على فرض كونها مولويا كيف مع وضوح كونها للارشاد الغير القابل لان يتقرب به و هذا الاشكال انما يتمشى على القول بتوقف تحقق القرب على قصد الامر و اما لو قلنا بان القربة فى المشكوك انما يتاتى بداعى احتمال الامر لان التقرّب و الاطاعة اذا علم الامر بتحقق بقصده تفصيلا او اجمالا و اما اذا كان الامر مشكوكا تحققه بتحقق بداعى احتماله و حصوله بذلك عقلى لانه الحاكم فى موضوع الاطاعة و تحققها خارجا و بثبوته بذلك عند كافة العقلاء واضح مما لا ريب فيه و قد يقال فى دفع الاشكال بانه كما فى الامر بالواجبات التعبّدية انما يكون امرا بتمام الاجزاء غير قصد التقرب مع كونه شرطا او جزء للمامور به التعبّدى و يتحقق ذلك بنفس الامر المتعلق بتلك الاجزاء و الشرائط كذلك الحال فى الاحتياط فيكون الاحتياط موضوعه صرف الاجزاء و الشرائط غير قصد القربة و يتحقق ذلك ايضا بذلك الامر المتعلق به و الحاصل ان الاحتياط موضوعه نفس العبادة كما فى الاوامر و يتمكن من القربة باتيانها كذلك بذلك الامر المتعلق بالاحتياط او نفس تلك و الجواب ان الممتنع عقلا لا يكاد يصحّح بمثل ذلك و من الواضح بطلان ذلك فى اىّ مقام كان و مباينة الارشاد مع المولوية معلومة مع ان هذا ليس من الاحتياط المرغوب حيث ان طرفيه لم يعلم بموافقته للواقع فلو كان الدليل دالا على ذلك كان من الواجبات النفسيّة المطلوب بذاته لا الاحتياط (2) و هنا نكتة يحسن التنبيه عليها و هى ان منشأ الاشكال هنا انحصار القربة فى الاتيان بداعى الامر المتوقف على العلم به من غير توقف على كونها جزء او شرطا او انها خارجة عنها و لكنها معتبرة عقلا اذ مع كونها اعم من العلم بان يتحقق مع الاحتمال فلا اشكال فى امكان تحققها بالاحتياط و لو قلنا بالشرطية او الجزئية و من هنا تعلم ما فى كفاية الأستاد (رحمه اللّه) من عدم اللطافة فى مقام الجواب بقوله قلت الخ فارجعه و تامّل هذا فيما لو كان الامر دائرا بين الوجوب و غير الاستحباب و لو مع الاستحباب و اما فى الدوران بينهما فقط فلا اشكال للعلم بالامر

الثالثة قد علم مما ذكرنا انه لا يفيد فى المقام اثبات الامر للمشكوك‏

من مكان‏

____________

(1) فى المقام‏

(2) و الشح قد صحح ذلك فى التعبديات بامرين و لا يمكن يصحح الاحتياط بهم‏

35

آخر

[تحقيق فى اخبار من بلغ‏]

و لكنه بعضهم تصدّى لاثبات الامر للمشكوك باخبار من بلغ و لا بأس لان نتعرض لذلك اجمالا فنقول‏ بعون اللّه قد ورد فى صحيحة هشام المحكية عن المحاسن عن أبي عبد اللّه قال من بلغه عن النبي شي‏ء من الثواب فعمله كان اجر ذلك له و ان كان رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله) لم يقله و مثلها غيرها من الاخبار الا ان فى بعضها طلبا للثواب او قول النبى (صلّى اللّه عليه و آله) او رجاء و نحو ذلك و لا يخفى عليك ان تلك الاخبار امّا مسوقة لبيان ان اعطاء الثواب العامل ليس دائرا مدار الصدق و كون ما بلغ صادرا عن رسول اللّه او مسوقة لبيان ان ذلك الثواب المذكور له يعود اليه مع ما فيه من المبالغة او مسوقة لبيان ان البلوغ فى تلك المقامات يكفى و لو لم يصل على نحو الحجّية بعبارة اخرى يكون الغرض ان صرف البلوغ يكفى و لو لم يكن بلوغا صحيحا او كان مظنونا عدم صحته او يكون الجائي به فاسقا قد صرّح الشارع بعدم حجية قوله ثم ان الظاهر من تلك الاخبار باجمعها بحيث لا يحتمل فيه الريب ان يكون العمل على نحو التقرّب اى بإتيانه على نحو التقرب اما بعنوان الرجاء و طلبا لقول النبى او بالامر الثابت له من النبى(ص)و بعبارة اخرى تكون قريته العمل مفروغا عنها بوجه يكون هذا العمل القربى موضوعا لما يفهمه تلك الاخبار لا بالامر الحاصل له من تلك الاخبار بل تلك الاخبار مبيّن ان ذلك العامل بعمل قربة الى اللّه يؤتى له ذلك الثواب و هذا هو الحكم فيها ثم نقول الظاهر من تلك الاخبار هو سوقها لبيان انّه يؤتى الثواب و لو كان رسول اللّه لم يقله اى و لو كان مخالفا للواقع و نفس الامر فلا بدّ ح ان يكون سائر جهات العمل مفروغا عنها كأن يبلغه على نحو الحجية و كان عمله متقربا الى اللّه اى نحو من انحاء التقرّب و لو لطلب الثواب و رجائه و يدل عليه ان جميع الاخبار الواردة فى الباب مقيدة بقوله و ان كان رسول اللّه لم يقله و كذلك الحال ان كان مسوقا لبيان كيفية ثواب و انها على الوجه الذى اتى به و هذا و ان كان بعيدا مع عدم بيان الكيفية فى بعض منها الّا انه كالوجه السّابق غير متعرّض لخصوصيّات العمل و لا بد ان يكون ح ان يقع العمل على وجه صحيح من حيث البلوغ و من حيث القربة و لو بنحو الرجاء لا يقال‏ قيدت الاخبار بطلب قول النبى او طلب الثواب و ذلك لا يناسب مع كون البلوغ على نحو الحجّية قلت‏ لا ينافى ذلك ذلك امّا لكون ذكرنا اعم من ان يكون على نحو الحجيّة او الاحتياط و اخبار الباب مشتمل على قسمين و اما ذلك داعى الفعل القربى حيث انه اعم من الاتيان له تعالى لكونه غاية الغايات او لامر النبى(ص)او للثواب او الفرار عن العقاب او لغير ذلك و ما قيد فى الاخبار تعيين لبعض تلك الدّواعى و ان كان المراد بيان كفاية صرف البلوغ و مجرّده فى الخبر و ان كان على وجه لا يكون حجة لكن لا بد ان يكون‏

36

محتمل الصّدق بقرينة الذيل و يكون الغرض تحريص الناس على العمل بما يبلغهم عن النبى باى نحو من البلوغ و يبعد هذا الوجه انه عليه لا بد ان يخرج منه معلوم الحجية مع انه اقوى افراد البلوغ لو لم نقل بان البلوغ هو هذا اذ الخبر المعلوم عدم حجّيته لا يصدق عليه البلوغ بل لا يبعد ان يقال ان البلوغ انما يستعمل فى الثابت لا فى الاعمّ‏

[احتمالان فى مضمون روايات من بلغ‏]

و كيف كان و ذلك يحتمل امران‏

احدهما حكم العمل المتفرع على البلوغ‏

فح لا بد ان يكون العمل ماتيا به بعنوان الرجاء لان الحكم المترتب على العمل المفروض تحققه لا يكاد يكون الا بعد فرض صدوره قريبا و لا يكون ذلك الّا باتيانه بعنوان الرجاء و احتمال الواقع و يتعرض الخبر ح حكم ما صدر بعنوان الرجاء و الاحتياط و لا تعرض ح للاخبار فى استحباب ما دل عليه الخبر الضعيف بل مفاده الارشاد الى الاحتياط و

ثانيهما حكم العمل على طبق مطلق الخبر البالغ المحتمل للصدق و الكذب‏

بان يكون المراد ان العامل بتلك الاخبار مثاب بالثواب الموعود و يكون هذا حكما للعامل بالاخبار فتكون الروايات ح مسوقة لحجّية الخبر الضعيف الوارد فى امر مستحبّ شرعا و هذا ابعد الوجوه لان التقرب الحاصل للعمل انما يكون بنفس الخبر الضّعيف ح لا بعنوان الاحتياط و الرجاء المذكورة فى كثير من تلك الاخبار و خلاف ظاهر هذه الاخبار ايضا من جهة تعرضها لحكم العمل المفروغ عن العملية بجهاتها

[استفادة صاحب الكفاية من اخبار من بلغ‏]

و ممّا ذكرنا ظهر ما فى كفاية الاستاد (ره) من ان ظاهر خبر هشام بن سالم ان الاجر مترتب على نفس العمل و لا موجب لتقييده بالاخبار الأخر المقيدة بكون العمل للرجاء و طلب قول النبى لعدم المنافاة بينهما لامكان ترتب الثواب عليهما معا فيكشف ذلك عن كونه بنفسه مطلوبا و اطاعة فيكون وزانه وزان من سرّح لحيته او من صلى او صام فله كذا و لعله لذلك افتى المشهور بالاستحباب انتهى‏

[مناقشة استفادة صاحب الكفاية]

و فيه‏

اولا ان هذا خلاف ظاهر الاخبار

من حيث كونه حكما للعمل المفروغ عنه‏

و ثانيا ان التقييد انما هو بلحاظ ان الاخبار باسرها مفيدة لحكم واحد لا الحكمين‏

كما يظهر ذلك للناظر فيها و ذلك هو الوجه فى التقييد

و ثالثا ان الاخبار ح تدل على حجّية الخبر الضعيف فيكون كآية النبأ و ساير الاخبار

فالحكم المستفاد منها طريقى بمنزلة اعمل بالخبر الضعيف فكيف يكون بمنزلة من سرّح لحيته الذى يكون الحكم المستفاد منه هو الاستحباب النفسى و على اى تقدير لا مجال لان يستفاد من تلك الاخبار امر نفسى يعتد به عند ارادة الاحتياط فى مشكوك الوجوب و الاباحة مع انه على تقديره يخرج الاحتياط عن الاحتياط و يكون كسائر المستحبات النفسيّة و لا يكاد يصحّ به الفتوى بالاستحباب فى مورد الاخبار الغير البالغ بمرتبة الحجّية الدالة على الاستحباب فضلا فيما دلّ على الوجوب او الكراهة فضلا فيما دل على الحرمة و كذا فتوى الفقيه به الا ان يحمل أوامر الاحتياط على الاستحباب النفسى فت جيّدا الثالثة لما كان الاحتياط بلحاظ درك الواقع فلا محالة ينحصر موضوعه فيما لو كان الواقع فعليا

37

فعليا الى و يمكن ان‏ يقال ان النهى الواقعى المتعلق بالفعل الغير المنجز لما لم يكن و لا يكاد يكون بوجوده الواقعى المشكوك داعيا للمكلّف خصوصا بملاحظة البراءة العقلية و الترخيص الفعلى من الشرع صح ان يتعلق النهى التنزيهى الشرعى الى الترك بعنوانه لا بعنوان الاحتياط و يكون ذلك داعيا له بالترك و يكفى فى المصلحة فى النهى او المنهى عنه مجرّد الفرار عن المفسدة الواقعية المحتملة و لا يكاد يكون ذلك النهى ارشادا بتعلقه بذات الفعل و كذلك يصح فى محتمل الوجوب مع عدم صيرورة الامر الواقعى داعيا الى نفس الفعل ان يتعلق به الامر الشرعى التعبّدى ليكون ذلك داعيا له الى نفس الفعل بعنوانه لا بعنوان الاحتياط و يكفى فى المصلحة الامر الاستحبابى التعبدى مجرّد درك المصلحة المحتملة و هذا القسم من الامر و النهى صحيح قابل للتعبّد و يصير داعيا للمكلف الى الفعل و الترك و يتم به العبادية و هذا هو ملاك حكم العقل بالفعل او الترك غاية الامر بعنوان الاحتياط و يمكن استكشاف ذلك من الاخبار حيث ما تعلق الامر و النهى بنفس الفعل او الترك لا بعنوان الاحتياط مثل قوله و تركك حديثا لم تروه خير من روايتك حديثا لم تحصه و قوله لا تجامعوا فى النكاح على الشبهة و قوله من ترك ما اشتبه عليه من الاثم فهو لما استبان له اترك و قوله من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه و قوله دع ما يريبك الى ما يريبك و قوله من ترك الشبهات نجى من المحرمات و غير ذلك من الاخبار فيحمل الامر و النهى فيها على الاستحباب و يتعبّد به فى مقام الفعل و الترك و ح يتم ما ذكره القوم من التسامح فى ادلة السنن فيما دل على الوجوب خبر ضعيف او الكراهة فيما دل على الحرمة خبر ضعيف فافهم و تامل‏

[الرابعة] لما كان الاحتياط بلحاظ درك الواقع فلا محالة ينحصر موضوعه فيما لو كان الواقع فعليّا

اذ لو لم يصل الواقع الى حدّ الفعلية لا اطاعة له بوجه و لو كان المقتضى او الانشاء تحققا فعند المصوّبة المنكرين للواقع اصلا لا معنى للاحتياط عند قيام الامارات او الاصول و كذلك عند جماعة قائلين بثبوتها بحسب الاقتضاء او الانشاء حسب من غير فعليتها و لو كان بحيث يعلم بها يصير فعليا كما هو مذهب شيخنا فى الكفاية فى الجمع بين الواقع و الاصول الظاهريّة حيث انه منع من فعلية الواقع مع الترخيص فح يشكل امر الاحتياط فى موارد الاصول لعدم فعلية الواقع ففى الحقيقة لا واقع ح اصلا لعدم اقتضاء اطاعة اصلا فى الموردين حتى مع العلم بهما لو كانا باقيين على المرتبتين كيف مع تحقق الاذن من الشارع بالخلاف و ثبوت الحكم الفعلى الظاهرى و لا فرق بين المصوّبة و المخطئة فى ذلك اللهم الّا ان يقال لا نسلم عدم اقتضائهما الاحتياط فيما اذا علم بعدم المانع عن المرتبتين الاخيرتين الا مجرّد الجهل و عدم الطريق اليهما نعم اذا كان هناك مانع من‏

38

الوصول اليهما من غير ناحية الجهل بل المانع كان فى نفس المولى و الواقع مع قطع النظر بحيث انه مع العلم بالمرتبتين ايضا لا يكاد يصل الحكم الى الآخرتين تم الكلام فتامل جيّدا

[الخامسة] حسن الاحتياط كذلك انما يكون حيث لا مانع عنه شرعا او عقلا

فلو كان هناك مانع عنه كلزوم الاختلال او نقض الغرض للمولى فلا حسن فيما يلزم هذان منه فالبالغ منه حدّ اختلال النظام الموجب لنقض الغرض او العسر الشديد الممنوع منه شرعا لا يحسن او يحرم الاحتياط ففيما اذا كان الموجب للعسر او الاختلال كذلك معينا فلا اشكال و الّا فيعيّن بالاقوائية و الاضعفية احتمالا و محتملا او التقديم و التاخير فافهم‏

الامر الرابع اذا شك فى بعض الافراد فى دخوله تحت العام المتعلق به الحكم الوجوبى فالاصل هو البراءة

مثلا اذا قال اكرم كل عالم و شك فى زيد انه عالم او لا فالاصل عدم وجوب اكرامه لانه ح مشكوك تعلق الوجوب به و وجوب اكرامه مجهول فيكون مرفوعا كما هو الحال فى الشبهة التحريمية و كذلك الحال فيما اذا علمنا بوجوب القضاء لكل ما فات من الصّلوات و علمنا بفوت صلاة الصيح و شككنا فى انه فات الظهر او لا فالاصل عدم وجوب الظهر عليه بلا فرق بين ذلك و ما علم اجمالا بوجوب قراءة عليه مردّد بين الاقل و الاكثر فيجب عليه الاتيان بالاقل و يجرى البراءة عن الاكثر لانحلاله الى المعلوم التفصيلى و المشكوك البدوى‏

و قد يقال هنا بوجوب الاحتياط و لزوم الاتيان بالاكثر بوجوه كلّها ضعيفة

الاول ان قوله (عليه السّلام) اقض ما فات كما فات بضميمة انّ الالفاظ موضوعة للمعانى النفس الأمريّة موجب لقضاء جميع ما فات عنه واقعا

فالعلم بالاشتغال يوجب البراءة اليقينية و ليست الّا الاتيان بالاكثر و

الجواب عنه ان التكليف بالعمومات انما ينجز بالنسبة الى المقدار المعلوم تفصيلا دون المشكوك موضوعا

و قد عرفت توضيحه فى الجملة و العلم الاجمالى هنا منحل اليهما و لا اثر له الا بالنسبة الى المعلوم التفصيلى من الموضوع‏

الثانى استصحاب عدم الاتيان بالصّلاة الواجبة عليه فيترتب عليه وجوب القضاء

و المراد بالفوت فى دليل القضاء هو عدم الاتيان‏

و يردّه قاعدة الشك بعد الوقت‏

الثالث و الرابع اختيار ان القضاء بالامر الأوّل او بالامر الجديد بتعدد المطلوب و تعدّد الدلالة

و الخامس ما ذكره بعض المحققين من التفصيل فيما كان عالما بالفوائت ثم نسي و تردّد

و النسيان لا يرفع الحكم المعلوم و الاستصحاب و قاعدة الاشتغال يثبت الامر الواقعى بالفوائت الواقعية فيجب الاحتياط

و فيه ما لا يخفى‏

و السّادس التفصيل بين ما ينحل بعد التدبّر فى اطرافه الى علم تفصيلى و شك بدوى و ما لا يزد التامل فى اطرافه الا مزيد تحير

كما لو حصل له العلم ببطلان كثير من صلواته فى الازمنة المتطاولة بجهله ببعض المسائل كالصّلوات الصّادرة فى طول عمره مع التيمّم لكونه مخلا بالترتيب المعتبرة فيه او كونه‏

39

مكلّفا بالجبيرة فى تلك الموارد مثلا فانه لا يسعه فى مثل هذه الموارد تشخيص متعلق علمه عما عداه بحيث يحدوه‏ (1) بحدّ فانه و ان علم اجمالا بانها ليست باقل من خمس و لا باكثر من الف مثلا و لكن ليس له ان يفصل علمه و يجعل الخمس الذى هو القدر المتيقن حدّا له بحيث يخبر عن علمه بانه فاتته خمس‏

و انت خبير بانّ هذا تصور فى حق الجاهل الغير القادر على الحساب فلا يعرف الّا الخمس و العشرين‏

و اما الملتفت العالم بالحساب بحيث يميز الالوف و المائة فانه يلتفت الى التفضيل و الشك فى اول الامر اقول‏ و لا يخفى عليك انّ هنا قاعدة اخرى و هى عدم الاعتبار بالشك بعد خروج الوقت‏ (2) و مقدّم على استصحاب عدم الاتيان على فرض صحته و معها لا قضاء و لو قلنا القضاء بالامر الاول او بالامر الجديد و لو على نحو تعدّد الدال و المدلول على ما قرره شيخنا فى الرسالة و الحاصل‏ لو فرضنا الشك هنا بدويا بالنسبة الى الاكثر و قلنا بانحلال العلم الاجمالى لا مجال لفتوى المشهور و القول بالاحتياط بالنسبة الى الاكثر علما او ظنا لقيام القاعدة سواء قلنا بالاحتياط فى الشبهة الوجوبية او قلنا بالاستصحاب او قلنا بكون القضاء بالامر الاول او الجديد نعم لو لم نقل بالانحلال و قلنا بالاحتياط فى اطراف العلم و لو كان مردّدا بين الاقل و الاكثر و بذلك قلنا بعدم جريان القاعدة فى الاطراف يمكن القول بالاحتياط مع تامل فى ذلك ايضا حيث ان القاعدة لا مانع من جريانها مع العلم الاجمالى الا من جهة المعارضة و لا معارض لها و لا مناقض فى جريانها مع الواقع ايضا حيث ان المانع من اجرائها اما المعارضة او مناقضتها للواقع و كلاهما فى المقام منتف‏

اصل اذا دار الامر بين وجوب شي‏ء او حرمته [مع احتمال الموافقة و المخالفة فلا مجال ح لحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان‏]

بمعنى انه علم اجمالا بتحقق احدهما مع كونها توصليين بحيث لا موافقة بالاحتياط و لا مخالفة فى العمل لدوران امره بين الفعل و الترك و فى كل منهما موافقة احتماليه و محالفة كل فلا مجال ح لحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان للعلم الاجمالى بثبوت احدهما و كفى به بيانا و لذا لو كانا تعبّديين او احدهما المعين كذلك يحرم المخالفة العملية و لو لا كان الحكم ينجز بذلك العلم كان العقاب على المخالفة عقابا بلا بيان و كذلك لو كان بعنوان‏ (3) الوجوب دخل فى محققه و لا فرق فى منجزية العلم بين ذلك او علم بحرمة ذلك الشي‏ء او وجوب امر آخر فيما لو كان متمكنا من الاحتياط و القدرة و عدم القدرة فى الفعل غير مضرّ بمنجزية الفعل كما لا يخفى و يمكن ان يقال بانه لا مجال ايضا بجريان الاباحة الشرعية لان الدليل الدال عليه مبنى معنى بالعلم الصادق الاجمالى منه كما هو صادق على التفصيلى و لا وجه للتخصيص بالتفصيلى مع كون الاجمالى منه علما و ليس الشك الماخوذ فى دليل الاباحة مذكورا حتى يقال بصدقه على الاطراف فيختصّ العلم الذى هو غاية بالعلم التفصيلى بل هو مقتبس من جعل الغاية هو العلم فيكون له الحكومة فى خصوصية الشكّ مع ان جعل الحكم الظاهرى المغاير للحكم المعلوم اجمالا محل تامل و لو لم يكن و له مخالفة عمليّة مع انه فى المقام ايضا مخالفة عملية

____________

(1) يحدده‏

(2) و هى مقتضية لعدم الاعتبار بالشك بالاتيان بعد الخروج الوقت‏

(3) لعنوان‏

40

غاية الامر فى واقعتين تدريجيتين مع ان جعل الاباحة هنا لغو لعدم فائدة لها لانها لا تزيد على مجرّد الحكم و الاصول العملية لا بد لها من فائدة فى مقام العمل مع ان الجعل هنا انما كان فى طرفى الحكم المعلوم تنجزه و هو ممّا لا يجوز و لا يكاد يمكن الجمع بين حكمين و الظاهر من شيخنا فى رسالة القطع جزم الاصحاب هنا بعدم الرجوع الى الإباحة فى المقام فلم يبق الا التخيير (1) العقلى بين الاخذ بالوجوب او الحرمة نعم لما لم يكن خصوصية للعنوان كان القول بتخيره بين الفعل و الترك معيّنا نعم لو كانا تعبّديين او احدهما تعبّديا يتعين الاخذ بالعنوان وجوبا او تحريما و لمّا كان فى التعبّد بين ايضا غير ممكن الاحتياط بالموافقة كان حكم العقل ايضا بالتنجيز و الاكتفاء بالموافقة الاحتمالية مع استقاله بحرمة المخالفة القطعيّة فعلم من ذلك ان الفارق بين التعبّديين او ما كان احدهما المعين تعبديّا هو تحقق المخالفة القطعية فيهما دون التوصّليين او كان احدهما الغير المعين تعبّديا و الا ففى كل منهما لا يتحقق الاحتياط و الموافقة القطعية فلا مجال الا للتنجيز و الحاصل ان الحكم بالتنجيز انما هو فى مقام الموافقة و لا فرق بينهما و الفرق انما هو فى المخالفة و من هنا قال شيخنا فى الكفاية لا وجه للتخصيص بالنسبة الى ما هو المهم فى الباب‏

اصل العلم الاجمالى مع ما له من التردد و الشك موجب للتنجيز و صحة العقوبة

لان الامر فى هذا اى فى صحة العقوبة و عدمها الراجع الى تنجيز الحكم الواقعى الفعلى راجع الى العقل و العقلاء و ديدنهم فى ذلك ذلك كما يظهر لمن راجع وجدانه و نظر الى طريق العقلاء و سيرتهم فى اوامر الموالى بالنسبة الى العبيد و كل من يجب طاعته بالنسبة الى من يجب عليه و لا يصح الاعتذار بالشك فى الخصوصية و توبيخه العقلاء فى هذا الاعتذار و اذا كان التنجيز ثابتا عند العمل بما ناله من الترديد كما ان حجية الامارة انما هى ثابتة لها بما لها من احتمال المخالفة فلا معنى و لا موقع لجعله موردا للحكم المنافى للواقع و هل ذلك الا التناقض بنظر العقل كما لا يخفى‏

و المخالفة فى هذا المقام يتصوّر من وجوه‏

الاول ما ربّما يقال بل عن جماعة القول به و الميل اليه و هو ان الترديد الحاصل فى المتعلق هنا موجب لاجمال الحكم‏

و الاجمال فى التكليف او متعلقه سبب لعدم تنجزه و فيه انّ الدال على الحكم او متعلقه ان كان مجملا فالامر مثل ما ذكرت و اما ان كان الحكم و متعلقه مبيّنا فى لسان الدّليل و تم الحكم الفعلى من جميع الجهات و تعلق به العلم من حيث الحكم و موضوعه غاية الامر مع التردّد و الشك كما هو المفروض فالامر كما ذكرنا و بعبارة اخرى هنا مقامان فعليته الحكم و تنجز ذلك الحكم الفعلي و صيرورته بحيث يصحّ العقاب عليه و الدال على المرتبة الفعلية

____________

(1) التخيير در جميع موارد

41

اجماله مانع عن فعلية الحكم حيث انه كان يلزم على الشارع فى مقام بيانه و امّا المرتبة التنجيز فانما هو بحكم العقل و هو يتحقق بمجرّد العلم به تفصيلا او اجمالا فلا يقاس احدهما بالآخر و كيف كان فعلى هذا يكون حال العلم الاجمالى كالشك البدوى فى انه لا يصحّ العقوبة على الحكم الواقعى‏

الثانى [ان تنجيز العلم الاجمالى معلق على عدم اذن الشارع فى ارتكاب الطرفين‏]

انّ العلم الاجمالى و ان كان مقتضيا للتنجيز بحكم العقل الّا انه حيث كان مع الشك فى الخصوصية و مع الشك فيها كان للحكم الظاهرى مجال كالشبهة البدويّة و الغير المحصور فلا محالة حكم العقل بالتنجيز معلق على عدم اذن الشارع فى ارتكاب الطرفين و مع الاذن فيها لا حكم للعقل و مناقضة الحكم الظاهرى فى الطرفين كمناقضته مع الواقع فى الشبهة الغير المحصورة او البدوية فما هو الجواب هو الجواب‏ و فيه‏ ان المكلّف هنا عالم بالحكم الفعلى و معه يرى هذا الجعل من المولى مناقضا لمطلوبه الفعلى الباعث عليه و الزاجر عنه و انما يصحّ الحكم الظاهرى فيما اذا لم يكن المكلف عالما بحكمه الفعلى و سيأتى الكلام فى الشبهة الغير المحصورة و انها من جهة كثرة الاطراف يكون هذا العلم ملحقا بالشك‏

الثالث ما ذهب اليه شيخنا المرتضى فى الرسالة من انه علّة تامة بالنسبة الى المخالفة القطعية

و مقتضى بالنسبة الى الموافقة القطعية و فيه ان الموافقة و المخالفة رضيعي لبان لتنجز الحكم و من تبعاته فان كان منجزا فيجب الموافقة و ان يحرم المخالفة و توضيح الكلام ان هنا مرحلتان احدهما فى تنجيز الحكم و اثباته و الثانية فى طريق امتثاله و اتيانه و تلك المرتبة متاخرة عن الاولى فكما انّ فى صورة العلم التفصيلى بالحكم قد يكون الامتثال على نحو التفصيل و قد يكون على نحو الاحتياط و الاجمال و قد يكون بالظن التفصيلى مع التمكن من العلم بل قد يكون بنحو الشكّ بلحاظ دليل الشرع كما فى الصّلاة فى مورد قاعدة التجاوز و بعد الفراغ و غير ذلك مما يستقل العقل لو لا حكم الشرع بعدم الاكتفاء به و لزوم الاتيان على نحو يتعيّن بالبراءة كذلك فى مورد العلم الاجمالى طريقه العقلى هو الاحتياط و لكنه للشارع ان يجعل الاكتفاء عن الواقع بالمظنون او ما قامت الامارة او الدليل على تعيينه فيكتفى بمحتمل الموافقة و هذا ممّا لا ينبغى الاشكال فى امكانه بل وقوعه و لكنه من تبعات المرحلة الاولى و لا ربط له باصل التنجيز بالعلم بل انما هو بعد تنجز الحكم بالعلم و لو كان على نحو التفصيل فدخلها فى المرتبة اجنبى عن المقصود فتلخص ان العلم الاجمالى كالعلم التفصيلى علّة تامة لتنجز الحكم فيجب امتثاله كالعلم التفصيلى و يحرم مخالفته كذلك بلا فرق بينهما فى تلك المرتبة و امّا المرحلة الثانية و هى امتثال الحكم الحكم المنجز بالعلم الاجمالى و طريقه الاحتياط بحكم العقل بداهة ان حكم العقل بعدم العقاب فى ارتكاب المشتبه هو قبح العقاب على الواقع فى مورد عدم البيان و علمه بالموضوع الواقعى فى المقام بيان فلا يرى‏

42

العقل اذ ارتكب احد الاطراف و صادف الواقع قبح عقابه لذلك العلم فيحكم بتركهما لدرك الواقع إلّا انه لا ينبغى التامل فى انه اذا علم تفصيلا بعد ذلك بالنجس الواقعى كان علم ان ذلك هو الخمر يتعين المعلوم بالتفصيل و يذهب موضوع العلم الاجمالى و لزم الاجتناب عنه و كذلك يجوز للشارع جعل الامارة و الطريق بالنسبة الى ذلك المعلوم المشتبه المراد (1) كالبيّنة مثلا فاذا قامت البيّنة على احد الأطراف بانه الخمر يصير ذلك بذلك كالعلم التفصيلى و يذهب اثر الاجمال فيكون منحلا حكما و مثل ذلك الاصل الموضوعى المبيّن للموضوع لو كان اذ جميع ذلك مما لا يخالف الواقع المجهول نعم لا يجوز الجعل فى الطرفين بحيث يوجب الاذن فى المعلوم المنجز حكما و امّا الاذن فى احد الاطراف فقد يقال انه لا يجوز الا مع جعل البدل بان يجعل احدهما بدلا عنه بجعل منه كالقرعة مثلا كما ان له تثبيته و تعيينه بجعل الامارة و قد يدلّ الاذن فى مورد خاص بجعل الآخر بدلا بدلالة الالتزام و اقتضاء العقل و ذلك لان مجرّد الاذن فى احدهما مخالفا للواقع المعلوم ينافى مع مطلوبيّته و صحّة العقوبة على مخالفته عقلا لان حكم العقل بصحّة العقوبة عليه معناه صحته مع المصادفة فى كلّ من الاطراف هذا او هذا و اذن الشارع فى فعل احدهما مناف لحكم العقل فرضا نعم لو حكم فى احدهما على وفق الواقع بجعله طريقا اليه كما فى الأمارة او جعله بدلا عنه كما فى الاصل جاز و يكون الواقع بجعله فى صورة المخالفة غير معاقب عليه و الحاصل ان حال المورد هنا كحال المتعلق يلوم تفصيلا المجهول اجزاء و شرائطا بالشبهة الحكمية او الموضوعيّة كالصّلاة مثلا فكما انّها مع معلوميّتها يجوز الرّجوع فى شرائطها و اجزائها الى الطريق الشرعى بقاعدة التجاوز و نحوها او الاستصحاب فيكون العمل على طبقها و ان تحققت المخالفة بحسب الواقع الّا انّها غير مضرّ بعد الجعل فيكون مفسدة الترك منجزة (2) تجعل الطريق او الاصل فكذا فى المقام و قد يقال بعدم لزوم ذلك و جواز الاذن و الرخصة فى بعض الاطراف بلا احتياج الى جعل بدل او طريق لان الطريق الى الواقع فى هذه الصورة بنظر العقل و ليس على الشارع جعل الطريق بل له الاكتفاء فى امتثال مطلوبه بنظر العقل لان العقل يحكم بالموافقة القطعية الاجمالية و الاحتياط فاذا طلع على عدم وجوب الاحتياط بنظر الشارع و جعله يحكم بلزوم الموافقة الاحتمالية فانه طريق امتثال الواقع بنظره فيكون المسألة على هذا مبتنيا على انه يجب على الشارع نصب الطريق لامتثال مطلوبه بعد تنجزه و صحة العقوبة عليه اوله الاكتفاء بما يراه العقل ح طريقا و لا يجب عليه جعل الطريق او البدل و الشيخ ره ذهب الى المسلكين فى الرسالة اختارا و لهما فى البراءة و ثانيهما فى مبحث حجّية الظن‏ و يمكن‏ ان يقرر المبحث على وجه آخر فيقال الحكم الذى علم بالاجمال الذى قلنا بتنجزه هل اللازم وجوب امتثاله بمعنى لزوم الاتيان به‏ (3) واقعا او جعلا او بما هو بدله شرعا او اللازم فى حكم العقل الخروج عن عهدته و الامن من عقوبته و ذلك لا ينافى اذن‏

____________

(1) المردد

(2) منجبرة

(3) فيكون اللازم الا بإتيان به‏

43

الشارع بترك احدهما و الحاصل انه اذا كان اللازم الاتيان به و كان ذلك بحكم العقل لا يجوز للشارع الرخصة فى الارتكاب بالنسبة الى احدهما لان بترك الآخر لا يكاد يحرز الاتيان به فكان هذا لاذن مخالفا لما حكم به العقل و استقل به بخلاف جعل البدل لان بامتثال المجعول بدلا امتثالا للمبدل و امّا اذا قلنا بان ما استقل به العقل هو الخروج عن عقوبة و الا من منها فلا ينافى ذلك اذن الشارع فى احدهما لان بترك الآخر يخرج عن عقوبته و يكون مأمونا من طرفه بحكم العقل‏ و مما قررنا ظهر لك ما هو الحق فى المسألة من عدم الاحتياج الى جعل البدل و يجوز الترخيص بالنسبة الى احدهما فتامل جيّدا و بعد فى النفس من عدم الاحتياج شي‏ء محتاج الى التامل التام و ذلك لان الحكم الواقعى لما صار منجزا بحكم العقل يجب امتثاله و الخروج عن عهدته بما يراه العقل من امتثاله و للشارع ان يبيّن طريق الامتثال بغير ما يراه العقل طريقا لان حكم العقل بالامتثال بوجه خاص متعلق على عدم جعل الشارع طريقا الى امتثاله فلا بل للشارع ان يبين الطريق او البدل للواقع و مع العدم و حكم العقل بلزوم امتثاله بوجه خاص و بقاء الشارع على حكمه الواقعى يكون الاذن فى بعض الاطراف مناقضا عند العقل و اذنه ح لو كان معلوما بالخصوص يكشف بدليل الاقتضاء عن جعل البدل و الموافقة الاحتمالية ليس طريقا للواجب امتثاله و انما هو فرار منه عن المخالفة القطعية فى مورد الاضطرار و الضرورة و اما الترخيص شرعا فى بعض الاطراف فليس بعنوان العموم الّا قوله كلّ شي‏ء لك حلال حتى تعرف انه حرام بعينه و قوله كلّ شي‏ء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه و لنتكلم اولا فى معنى العلم الاجمالى مقدمة فنقول‏ فلا يتوهم انّ متعلق العلم الاجمالى كلا الطرفين من الإناءين مثلا و معنى كونه معلوما بالاجمال كونه طرفا للعلم و هذا كما ان تعلق الوجوب بالطرفين من التخيير يصير سببا لانصاف كل منهما بالوجوب و لو تخييرا فكما ان الوجوب فى افعل هذا او هذا معروضه كلا الشيئين و لكن على نحو التخيير كذلك المعلوم فى علمت خمريّته هذا او هذا كل من الطرفين على نحو الترديد و الاجمال فيكون كل منهما معلوما على نحو اتصاف كل منهما بالوجوب فى التخير و قد يتوهّم‏ ان متعلق العلم ليس كلا منهما و انما العلم متعلق بكلّى منتزع يكون كل منهما مصداقا له فالمعلوم بالاجمال هو خمريّة احدهما الصادق على كلّ منهما فعليه ليس المعلوم الا الكلّى دون كل منهما فكل منهما مشكوك ليس الّا و قد يتوهّم ان المعلوم بالاجمال هو مصداق احدهما الخارجى اعنى هذا او هذا لا كلاهما و لا الكلى الخارج منهما فالمعلوم احد هذين لا بعينه فطر فيه كلّ منهما محتمل للمعلوم من جهة احتمال ان يكون هو المعلوم او غيره و لا يبعد ان يكون هذا هو الحق و كون كل منهما معلوما بالاجمال سفسطة واضحة و الفرق بينه و بين الواجب التخييرى واضح حيث لا يكاد يكون غير المطلوب‏

44

طرفا للمطلوب و لا يكاد ان يحرّك نحو غير المطلوب فيسقط به المطلوب ما دام لم يكن فيه مصلحة مقتضية للوجوب و معها لا بدّ ان يتّصف بالوجوب مثل الآخر فلا بدّ ان يكون كلّ منهما ذا مصلحة وجوبية غاية الامر لا يريد الجمع بينهما فافهم و تمام الكلام فى الواجب التخييرى و من الواضح ان المعلوم حرمة احد هذين الموجودين فى الخارج لا الكلى المنتزع بل هو منتزع بلحاظ تعلق العلم باحدهما و كيف كان فلو كان العرفان الذى هو الغاية للحلية شاملا للعرفان الاجمالى فعلى الاحتمال الاول يخرج كلا الفردين عن مورد الاصل لتحقق الغاية بلا فرق بين ان يكون هنا مخالفة عملية للواقع أو لا و ذلك واضح و على الثانى يكون كلاهما مجرى للاصل لعدم تحقق الغاية و لا بدّ ح من جريان الاصل من ملاحظة الواقع فلو قلنا بعدم جريان الاصل فى المجموع بلحاظ نفس الواقع على اشكال فلا فرق ح بين المخالفة العملية و عدمها و ان قلنا ان عدم الجريان فى المجموع بلحاظ العلم بالواقع و معلومية فكل الحال و ان قلنا ان ذلك بلحاظ تنجز الواقع و البعث عليه فكذلك فذلك يختلف الحال فيه بين ما اذا كان هناك مخالفة عملية او لم يكن فيكون ح مجرى الاصل فيما لم يكن مخالفة للواقع فى الاثر و لا ينافيه البعث المتعلق بالواقع و كذلك لا يفرق الحال على الاحتمال الثالث لانّ عدم الجريان فى المجموع ح لتحقق الغاية فى احدهما و لا يكاد يكون احدهما المعلوم جاريا فيه الاصل لعدم الترجيح و احدهما المخير ليس فردا ثالثا و لا بأس علينا ان نبسط الكلام لكون المقام جديرا بذلك البسط فنقول‏ العلم انما يكون متعلقا بالشخص لا بالكلّى مثلا اذا رايت شبحا من البعيد بحيث يحتمل ان يكون زيدا او عمروا فالمرئى هو الشخص الخاص بخصوصية قابلة لان يكون خصوص زيدا و عمرو فرؤيتك ح متعلقة بالشخص الخاصّ باحدى الخصوصيّتين و المدرك بالحسّ البصر لا يكاد يكون كليا فكذلك العلم باحدهما متعلق بالخاص القابل لان يكون هذا او هذا و ذلك الترديد لا ينافى الجزئيّة على ما لا يخفى فاذا علم بنجاسة احد الإناءين فاحدهما المعلوم الخارجى معلوم نجاسته بماله من الخصوصيّة المحتملة لان يكون هذا او هذا نعم‏ تعين احدى الخصوصتين غير معلوم لنا فلا محالة يكون كل منهما مشكوك النجاسة فح لنا قضايا ثلث إحداهما هذه بخصوصية المعينة مشكوك و هذا بخصوصته المعينة مشكوك و احدهما بخصوصية المرددة القابلة لان يكون هذا او هذا معلوم فاحدهما الخارجى الشخصى معلوم لا الكلّى المنتزع القابل للصدق عليهما فالعلم و الشك كلاهما متعلق بالوجود الخارجى الشخصى الجزئى‏ ثمّ‏ انه عليه السلم قال كل شي‏ء حلال حتى تعرف انه حرام و قال لا تنقض اليقين بالشك و لكنه تنقض اليقين باليقين نعرف منهما ثبوت الحرمة فى المعلوم و لزوم نقض اليقين باليقين فيه فهنا احدهما معلوم النجاسة فيجب نقض طهارته و ذلك المعلوم مردّد فلا يجوز استصحاب طهارة كليهما للزوم نقض احدهما و لا احدهما

45

المعين لعدم المعين و المخير ليس فردا ثالثا و ان شئت قلت احدهما يجب نقضه و هو مشتبه موضوعا فاشتبه مصداق ما يستصحب و لا يجوز التمسك بالعام فى الشبهة المصداقية و هكذا نقول الغاية محققة فى احدهما فيجب الحكم بحرمته و حلّية احدهما المعيّن ترجيح بلا مرجح و المخير ليس فردا ثالثا او قلت الشبهة المصداقية لا يجوز التمسّك بالعموم باجراء حكمه فيه‏ و الحاصل‏ ان دليل الحكم الظاهرى من البراءة و الاستصحاب بواسطة اشتماله على الغاية و لزوم نقض اليقين باليقين قاصر عن شمولهما و شمول احدهما على ما عرفت فاذا لا يكون اطراف العلم الاجمالى مشمولا لدليل الاصل و لا اصل هنا فليس من تعارض الاصلين فى شي‏ء و يمكن ان يقال ان الترديد الحاصل فى اطراف العلم ان كان يمكن بلحاظ الجعل الحكم الظاهرى فلازمه جريان الحاصل فى كلا الطرفين لثبوت المقتضى و شمول الدليل فيكون العلم المتعلق بالواقع فى البين حاله بالنسبة الى الموافقة و المخالفة متحدا فلا معنى للمنع بلحاظ المخالفة لفرض اكتفاف العلم بالترديد القابل بجعل الحكم فلا يكاد يكون العلم المقترن به علة تامة للتنجز و ان لم يكن الترديد هذا كذلك بل لا يمكن كونه مقتضيا للجعل لاكتفافه بالعلم فلا يقبل الجعل بالنسبة الى احد الاطراف اصلا فيكون العلم علة تامة بالنسبة الى الموافقة و المخالفة و يمكن‏ ان يقرّب عدم جريان الاصل فى الاطراف بان موضوع الاستصحاب مثلا هو التعيّن و الشك و ليس لنا شكان فى طرفى المعلوم بالاجمال بل هنا شك واحد متعلق بالطرفين فتحتمل عدم كلّ واحد منهما و لكنه فى طرف احتمال عدم هذا لا يحتمل عدم الآخر اذ مع عدمه يكون الآخر موجودا قطعا و كذلك فى طرف احتمال عدم الآخر لا يحتمل عدم هذا اذ احدهما باق على ما كان قطعا فهنا احتمال واحد قائم بهذا او هذا فقبل العلم الاجمالى كلاهما متيقن الوجود و العلم بنفى الحالة السّابقة لا يوجب الّا شكا واحدا متعلقا بهما لا شكان يستقل كل منهما بشك و ان كان هنا شكان لا محالة يكون احتمال عدم هذا فى طرف احتمال عدم الآخر و ليس فظهر ان موضوع الاستصحاب لم يكن ازيد من واحد و ذلك الواحد مشتبه فلا يجرى الاستصحاب مع تعيين موضوعه و هذا التقريب يمكن ان يناقش فيه بان يقال انه لا مجال لانكار كون كل منهما مشكوكا و هذا امر وجدانى و لا يعتبر فى ادلة الاصول و جريانها ازيد من هذا و لا يعتبر فى الشك ان يكون كل من المشكوكين ثابتا فى طرف محتمل الآخر ففى المقام لو كان هذا طاهرا فالآخر نجس و لو كان هذا نجسا فالآخر طاهر و تعين احد المحتملين فى ظرف تعين الآخر او عدم تعينه كذلك غير مرتبط بحقيقة الشّك و الاحتمال و لك ان تقول فى بيان عدم جريان الاصل فى اطراف العلم الاجمالى من الاستصحاب و اصالة الاباحة انه لا شكّ و لا شبهة فى انّ الحكم الواقعى ينجز بالعلم التفصيلى و بقوم مقامه الامارات على ما حقق من‏

46

قيامها مقام العلم الطريقى و ينجز بها الاحكام الواقعية كالعلم التفصيلى و كذلك يقوم مقامه العلم الاجمالى فى تنجزها به و صحّة العقوبة عليها عند العقل كما عرفت من شهادة العقلاء فكل ما ينجز به الحكم الواقعى يقوم مقام العلم التفصيلى الطريقى و دليل الاصل قوله كل شي‏ء لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه فالعلم التفصيلى بحرمة الشي‏ء فى الواقع غاية و يرفع الشك فكذلك الامارات و العلم الاجمالى و لا يكاد يكون الموضوع للحلية ح الّا الشكّ التفصيلى اذ هو الذى يمكن ان يكون غايته العلم الاجمالى و اما الشك الآتي من قبل العلم الاجمالى فلا يكاد يكون مشمولا للدّليل لان ما يثبت به الحكم الواقعى و يصحّ به العقوبة لا يكاد يكون علة تامّة لما يرفع به العقوبة و الّا يستلزم الخلف فلا يشمل موضوع الحكم بالحلية الشك الحاصل مع الامارات و العلم الاجمالى فاذا لا معنى للحكم بالاباحة بمثل الدليل و لكن ذلك ليس بمانع عن الاذن فى بعض الاطراف بجعل البدل او بالامارة لقابلية المورد و للشارع ان يبين طريق الامتثال فالاصل الثابت المثل هذه الادلة العامة براءة و استصحابا لا يجرى فى اطراف العلم‏ نعم‏ لو منع عقلا تنجز الحكم الواقعى بالعلم الاجمالى لانه لا يثبت التنجيز للواقع من جهة الترديد الحاصل من قبله و هذا الترديد ممّا يمكن ان يجعله الشارع رافعا لتنجيزه و ان كان منجزا من غير هذه الجهة بسبب العلم فالعلم الاجمالى يقوم مقام العلم التفصيلى فيما حصل منه من الكشف دون الترديد الموجود من قبله فان علم ح بمنجزية الحكم من هذه الجهة ايضا فيجب الاحتياط فلا يعقل الاذن فى بعض الاطراف بوجه للخلف و ان لم يعلم من الخارج كذلك فيجوز للشارع الاذن فى ارتكاب كليهما و يجعل هذا لاحتمال مانعا و لا يلزم هنا الا مخالفة الحكم الظاهرىّ للحكم الواقعى و ح يبحث عن ترخيص الشارع بلحاظ هذا الشك و عدمه فيقال قد اذن بعموم قوله كلّ شي‏ء لك و بهذا جرى شيخنا العلّام الخراسانى الا انّ الكلام فى شمول العبارة لما عرفت آنفا و لكنّه لا يخفى عليك ان العقل القائل بحجّية العلم الاجمالى انما يقول بحجّيته مع ما له من التردد فى المتعلق كالامارة الثابتة حجيتها شرعا فانها حجة مع ما لها من احتمال المخالفة للواقع فمعنى حجية العلم الاجمالى عند العقلاء الغاء احتمال الحاصل من قبله و ان هذا التّرديد لا يضرّ بنظر العقل و كذا يرى الاذن فى الطرفين من الشارع منافيا لما حرمه و مناقضا فهذا الترديد كعدمه فى تنجز الحكم الواقعى و قد عرفت سابقا ان جعل الطريق و البدل لا ينافى هذا من العقل فافهم‏

اصل يمكن ان يقال ان قوله عليه السلم كلّ شي‏ء لك حلال حتى تعلم الحرام منه بعينه ظاهر فى الحكم بحلّية كل شي‏ء

بحيث يكون كلّ شي‏ء فى حدّ ذاته موضوعا للحكم و غاية هذا الشي‏ء لا يكاد يكون الا العلم التفصيلى لا الاجمالى لانه غير متعلق بشي‏ء واحد فى حدّ ذاته و القول بانه معلوم بالاجمال كالواجب التخييرى سفسطة

47

من الكلام و بعبارة اخرى معنى العبارة هذا و هذا و هذا حلال حتى تعرف حرمة هذا و هذا و هذا و هذه الغاية بالنسبة الى كلّ واحد فى حد ذاته لا يكون الا العلم التفصيلى و يؤيد هذا وقوع منه فى العبارة و يمكن ان يناقش بان العلم الاجمالى ايضا متعلق بذات الشي‏ء لا بالكلى المنتزع غاية الامر ان خصوصيّة المعينة مجهولة و هذا غير مضرّ بغائيته لذات الشي‏ء و لا ينافى ذلك عنه الواقعة فى العبارة كما لا يخفى و لفظه بعينه لا يفيد شيئا ازيد ممّا يفيد اصل العبارة لانه تاكيد معنوى سيق لعدم التجوز فى الاسناد و الا يخرج من التاكيد الى التأسيس و الاشتباه يحصل من اختلاف معنى بعينه‏

وجه آخر لبيان ان العلم الذى جعل غاية هو العلم التفصيلى هو ان الغاية غاية للموضوع لا الحكم‏

و الا يلزم جعل الحكمين منطوقا و مفهوما و لا يكاد يمكن الجعل لدى العلم بالحكم الواقعى على ما عرفت فى محله فيكون الموضوع الشي‏ء الّذى لم يعرف حكمه الواقعى و متعلّق العرفان ذات الشي‏ء اى نفس المصاديق فلا محالة ينطبق ذلك على علم التفصيلى فيكون موضوع الحكم هو ما سوى المعلوم حرمته و هو يشمل المشكوك مطلقا بالشك البدوى او المقرون بالاجمال و معه لا يكاد يكون العلم الاجمالى مخرجا للموضوع لانه مقتضى للموضوع و به يحصل الموضوع فى الخارج لما عرفت من شمول الموضوع للشك الحاصل بسببه فكيف يكون و افعاله‏ و لك‏ ان تقول ان العلم الاجمالى ايضا متعلق بذات الشي‏ء الخارجى المشخص إلّا انه مردّد بعض خصوصياته المعينة لا المشخّصة فيختص المشكوك بالشكوك البدوية

وجه آخر و هو مقطوعية شمول الاخبار لاطراف العلم الاجمالى فى الشبهة الغير المحصورة

و لما كان احد طرفى الشبهة المحصورة مضطرّا اليه فلو كان المراد اعمّ لما كاد يجرى فى اطرافها مطلقا لان الغاية هو العلم من غير دخل لشي‏ء آخر و صحة العقوبة و عدمها لا اثر لها فى الغائية كما هو واضح‏ فيعلم‏ من ذلك ان الغاية هو العلم التفصيلى و يمكن ان يقال انّ الغاية هو العلم بلحاظ مرآتيته للحكم الفعلى بحيث يصير منجزا و ليس ذلك فى كثرة الاطراف و لا فى مورد الاضطرار

وجه آخر و هو انّ الظاهر من الغاية هو العلم الحاصل عقيب الشك دون الشك الحاصل عقيب العلم‏

و لذا لو طرأ الشكّ عقيب العلم التفصيلى يشمله الرواية فح يكون الشكّ الحاصل عقيب العلم الاجمالى موردا للاخبار لعدم حصول الغاية و العلم الاجمالى الموجب للشك و السّابق عليه سبق العلة على المعلول لا يكاد يكون غاية للشك المتاخر و يمكن رفعه بان بعد فرض غائيته يصير المعنى منحصرا فى الشكوك البدوية لا الاعم لوضوح تبعيّة المغيّى للغاية فان اريد بالعلم خصوص التفصيلى يكون المعنى شاملا للاطراف و ان اريد الاعمّ يختصّ بالتفصيلى من الشك‏

وجه آخر و هو دعوى ان العلم ظاهر فى العلم التفصيلى‏

و يدفع بمنع الظهور ثمّ‏

48

انك قد عرفت انه على فرض التسليم يكون احدهما معلوما تفصيلا و منجزا حكمه بالعلم لان يتعلق العلم احدهما المصداقى فهو معلوم تفصيلا و لو مع وصف التردد فلا يكون داخلا فى المغيى و موردا للغاية فلا يكون معه المقتضى لاجراء الاصل فى الطرفين و لا احدهما المعيّن و لا المخير على ما عرفت و يمكن ان يقال بان العلم و العرمان فى الغاية اعم من الاجمالى و التفصيلى للاطلاق بداهة انه لا تفاوت فى ناحية العلم الا اقتران الاجمالى بالجهل بالخصوصية المميزة و هو لا يغير العلم عمّا هو عليه و ان شئت قلت ان اطلاقه يشمل ما لو كان مع الجهل بالخصوصية المميزة اولا و لا منافات بين ارادة الاعم و قوله (ع) بعينه لما ذكرنا من ان متعلق العلم ايضا ذات الشي‏ء مشخصا و معنى بعينه ايضا بشخصه فح لا مجرى للاصل فى طرفى المشكوك بالعلم الاجمالى اصلا من غير فرق بين ما يلزم منه المخالفة العلمية (1) او لا و يمكن ان يقال ان المراد بعرفان الحكم هو تنجزه بما يصير منجزا و بعبارة اخرى حتى يقام الحجة على حرمته فيشمل كلّ ما يصير سببا للتنجز من العلم الاجمالى و الامارات و لذا ذهب بعض اساتيدنا الى ورود الامارات على الاصول و هذا و ان كان خلاف ظاهر العلم و العرفان إلّا انه موافق لقولهم بقيام الامارات مقام العلم الطريقى و عليه ايضا لا مجرى للاصل كما هو واضح فصل لو قلنا بان الغاية هو العلم التفصيلى و يكون المشكوك الذى هو طرف للعلم الاجمالى مشمولا للحلّية كالمشكوك تفصيلا و قلنا بانّ العلم الاجمالى انّما هو متعلق بالكلى الذى يصدق على احد الاطراف و امّا الاطراف فلا يكون متعلقا للعلم اصلا و يشمل دليل الحلية لكليهما إلّا انه لما كان العلم الاجمالى منجزا لا يكون الاصل فى الطرفين جاريا مع تماميته الاقتضاء للزوم مخالفة القطعية مع الواقعى المنجز حيث انه علة تامة لعدم المخالفة و ان كان حكمه بالنسبة الى الموافقة القطعية معلقا على عدم ثبوت الاذن من الشارع فى بعض الاطراف فاذنه فى الطرفين انّما يمنع لاجل المخالفة القطعية و الّا فلا مانع من اجراء الاصل فى الطرفين كما لو لم يستلزم مخالفة عمليه فح يشكل الحال فى جريانه بالنسبة الى بعض الاطراف من انه بعد عدم جريان الاصل فى كليهما للمخالفة مع الواقع المنجز لا يجرى فى احدهما المعيّن حيث لا ترجيح و لا معين فيتساقطان و هذا معنى تعارض الاصلين و الاصل فيهما التساقط لا التخيير لان احدهما المخير ليس فردا خارجيا و لا ترجيح لاحدهما المعين‏

[تقريبان لامكان اجراء الاصل فى احد طرفى العلم الاجمالى‏]

يمكن أن يقال باجراء الاصل فى احدهما و استفادة ذلك من قوله (عليه السّلام) كل شي‏ء لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه من غير احتياج الى دليل خاصّ و اورد (2) فى موضوع خاصّ بتقريبين‏

احدهما ارجاع امر الاصلين هنا الى المتزاحمين‏

فكما انّ فى‏

____________

(1) العملية

(2) وارد

49

المتزاحمين اذا لم يمكن العمل بكليهما يحكم بالتخيير عقلا فكذلك فى المقام و توضيح ذلك ان الاصول اعتباره على نحو السبيّة و على القول بها فى الادلة لا محالة يقال بالتخيير عند التعارض فكذلك فى المقام فانه لا اشكال فى كون الطرفين مشمولا لدليل الاصل فكليهما ممّا يشمله الدليل غاية الامر جمعهما و القول بحلية المجموع مستلزم للمخالفة العملية فالمخالفة العمليّة مانعة عن جمعها فى الدليل لا عن احدهما فيقدر الضرورة بقدرها و يرفع اليد عن الاصل فيهما بمقدار ما يمنعه المانع و هو الجمع دون احدهما يحكم العقل ح بالتخيير قلت‏ التخيير العقلى فى مورد المتزاحمين فيما يكون المصلحة و المقتضى للحكم موجودا فى كليهما و مجموعهما بحيث يكون ذلك واضحا عند العقل و لما كان ذلك واضحا عنده فى حال جمعهما فلا محالة يقول بالتخيير لوجود المقتضى فى كليهما و ليس المانع عن الفعلية و صحّة العقوبة عليهما إلا عدم القدرة التى لا ربط له بمقام المقتضى و المصلحة للجعل و فى المقام لا يكاد يكون المقتضى للجعل اعنى جعل الحكم الظاهرى مع استلزامهما جمعا المخالفة المعلومة الممنوعة بحكم العقل لتنجز الواقع بالنسبة اليها على نحو العلية التامّة ففى حال الجمع لا مقتضى لجعل الحكم الظاهرى بالنسبة الى المجموع و معه كيف يحكم بالتخيير فى هذا الحال التى لا يرى ثبوت المقتضى فيهما و ان كان يمكن من الشارع الجعل فى احدهما بغير هذا لدليل العام و الحاصل ان للمقتضى لجعل الحكم الظاهرى انما يكون فى مورد عدم تنجز الواقع تفصيلا و بالنسبة الى الجمع يعلم تفصيلا تنجيز الواقع بالنسبة الى المخالفة التفصيلية فكيف يحرز العقل المقتضى فى حال الجمع فيها حتى يحكم بالتخيير المترتب على بقائه فى هذا الحال و بعبارة اخرى اثبات تماميته المقتضى فى هذا الحال غير معلوم لو لم يكن معلوم العدم و معه لا يمكن الحكم بالتخير لعدم الدليل عليه لا من العقل و لا من الدليل لان احدهما التخييري ليس من الافراد المشتمل عليها الدليل حتى يقال ببقائه تحته و عدم خروجه و كلاهما لا يمكن تحقق الجعل بالنسبة اليهما و العقل لا يرى كونهما فى هذا لحال الاجتماعى ثبوت المقتضى للحكم فيهما حتى يحكم بتحقق المقتضى فى احدهما لان المانع هنا ليس من جهة الخارج من الجعل كما فى انقذ الغريقين حيث ان المانع عن التكليف بهما العجز مع قطعه ببقاء مقتضى التكليفين فيهما معا و المانع هنا فيهما معا هو عدم تحقق الاقتضاء لجعل الحكم الظاهرى مع منافاته للواقع المعلوم تنجزه بالنسبة الى المخالفة القطعية كما فى مورد العلم التفصيلى دون امر خارج من المقتضى فاحدهما فى هذا الحال غير محرز عند العقل تحقق المقتضى من هذا الحكم و امكان الجعل بجعل آخر لا ربط له باستكشاف الحكم فى احدهما من هذا الجعل كما لا يخفى و القول بان الاصول من باب السّببية فى مقابل الامارات من باب الطريقية حيث لا يتصوّر ذلك فى الاصول لانّه‏ (1) يصح جعل الاصول حتى فى مورد مخالفة المعلوم المنجز بحيث يكون اثره الغاء الواقع و تبقية الحكم للظاهر كما فى الامارات‏

____________

(1) لا انه‏

50

على السّببية فى بعض التقادير المستلزم للتصويب الباطل و الاشتباه نشاء من لفظ السّببية فى جعل الاصول‏

ثانيهما ان يقال انّ مقتضى عموم الادلة الترخيص فى كلّ منهما و الذى يقتضى الرفع عن العموم لا يقتضى الّا المنع عن الجمع‏

و اما احدهما فداخل فى العموم فرفع اليد عن احدهما تخصيص بلا مخصّص‏ و الجواب‏ عنه ما تقدم من ان للعام فردين و ليس احدهما المخير فردا ثالثا للعام نعم فى مورد دوران الامر بين الخروج الفردى او الاحوالى يقتصر على القدر المتيقن من الخروج و هو الاحوالى دون اخراج الفرد

اصل يعتبر فى متعلق العلم الاجمالى ان يكون فعليا

بمعنى انّه يعلم بالتكليف الفعلى اذا فرض العلم به تفصيلا فى كل من الطرفين فاذا علم بحكم يكون كذلك فى كل من الطرفين يكون منجزا بالعلم فلو علم بوقوع قطرة من البول و امّا فى هذا الاناء او فى الكر او اناء آخر نجس لم يحدث هذا العلم فى حقّه تكليف فعلى لانه لو وقع فى الكرار فى ذلك الاناء النجس لم يحصل بسببه تكليف و كذا الحال لو لم يحصل به تكليف فعلى و ان كان يثبت التكليف فى الجملة كما لو علم بوقوعها فى الإناءين الذين ليس احدهما حكمه منجزا عليه بل معلقا بامر غير حاصل و لا يشترط العلم بحدوث التكليف بل يكفى العلم بوجود التكليف الفعلى كما لو كان احد الإناءين من اطراف المشتبه فوقع دم مثلا امّا فى اناء طاهر او فى ذلك الاناء الذى هو من اطراف المشتبه فانه ح يعلم باصل التكليف الشرعى لانّه قبل ذلك لا يعلم بحكم شرعى بينهما و الآن هو عالم به فوجب الاجتناب عنهما و لعله سيئاتى التكلم فيه ان شاء اللّه‏

[البحث فى امور]

و هنا نبحث عن امور

الاول لو صار مضطرا الى احدهما المعين ثم علم اجمالا بنجاسته او الآخر فلا يعلم ح بحدوث التكليف الفعلى‏

لانه لو وقع فى المضطر اليه لا يؤثر شيئا و كذا لو كان قارن الاضطرار و العلم الاجمالى فعليهما لا يجب الاجتناب عن الآخر و امّا لو علم اجمالا و تنجز النجس فى البين ثم حصل الاضطرار يجب الاجتناب عن الآخر لان حال الاضطرار هنا كحال الفقدان فكما لو فقد احدهما يجب الاجتناب عن الآخر فكذلك هنا من غير فرق و لكنّه قد يقال بل قيل انه اذا اضطر الى بعض الاطراف بعد العلم الاجمالى لا يجب الاجتناب عن الآخر لانه لو ان علم سابقا بالتكليف إلّا انه محدود بالاضطرار لان وجوب الاجتناب انما هو محدود بعدم الاضطرار و بعد ثبوته فى احدهما المعين يشك فى ان المتكلف به هو الخاص المنقضى او العام الباقى فاذا كان من المكلف به مردّدا بين الامرين لا يؤثر العلم الّا بالنسبة الى الاقل المتيقن فبعد الانقضاء الخاصّ يشك فى اصل التكليف و العلم الاجمالى من اول‏ (1) لا تاثير له الّا بالنسبة الى الاقل و لا يقتضى الا التكليف به‏

و الجواب عنه من وجوه‏

اولا [يجب الاحتياط بين تكليفين احدهما محدود و الآخر غير محدود]

نقول انه اذا علم بتكليف‏

____________

(1) الامر