المقدمات والتنبيهات في شرح أصول الفقه‏ - ج3

- محمود قانصوه المزيد...
510 /
5

المقصد الثاني الملازمات العقلية

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ*

تمهيد:

من الأدلة على الحكم الشرعي عند الأصوليين الإمامية: (العقل)، إذ يذكرون أن الأدلة على الأحكام الشرعية الفرعية أربعة: الكتاب و السنة و الإجماع و العقل.

و سيأتي في (مباحث الحجة) وجه حجية العقل. أما هنا فإنما يبحث عن تشخيص صغريات ما يحكم به العقل المفروض أنه حجة، أي يبحث هنا عن مصاديق أحكام العقل الذي هو دليل على الحكم الشرعي. و هذا نظير البحث في المقصد الأول (مباحث الألفاظ) عن مصاديق أصالة الظهور التي هي حجة، و حجيتها إنما يبحث عنها في مباحث الحجة.

و توضيح ذلك: إن هنا مسألتين:

1- إنه إذا حكم العقل على شي‏ء أنه حسن شرعا أو يلزم فعله شرعا، أو يحكم على شي‏ء أنه قبيح شرعا أو يلزم تركه شرعا، بأي طريق من الطرق التي سيأتي بيانها، هل يثبت بهذا الحكم العقلي حكم الشرع؟ أي أنه من حكم العقل هذا هل يستكشف منه أن الشارع واقعا قد حكم بذلك؟.

و مرجع ذلك إلى أن حكم العقل هذا هل هو حجة أو لا؟ و هذا

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

8

البحث- كما قلنا- إنما يذكر في مباحث الحجة، و ليس هنا موقعه.

و سيأتي بيان إمكان حصول القطع بالحكم الشرعي من غير الكتاب و السنة، و إذا حصل كيف يكون حجة.

2- إنه هل لعقل أن يدرك بطريق من الطرق أن هذا الشي‏ء مثلا حسن شرعا أو قبيح أو يلزم فعله أو تركه عند الشارع؟ يعني أن العقل بعد ادراكه لحسن الأفعال أو لزومها، و لقبح الأشياء أو لزوم تركها في أنفسها بأي طريق من الطرق ... هل يدرك مع ذلك أنها كذلك عند الشارع؟.

و هذا المقصد الثاني الذي سميناه (بحث الملازمات العقلية) عقدناه لأجل بيان ذلك في مسائل على النحو الذي سيأتي إن شاء اللّه تعالى، و يكون فيه تشخيص صغريات حجية العقل المبحوث عنها في المقصد الثالث (مباحث الحجة).

ثم لا بد- قبل تشخيص هذه الصغريات في مسائل- من ذكر أمرين يتعلقان بالأحكام العقلية مقدمة للبحث نستعين بها على المقصود، و هما:

1- أقسام الدليل العقلي‏

إن الدليل العقلي- أو فقل ما يحكم به العقل الذي يثبت به الحكم الشرعي- ينقسم إلى قسمين: ما يستقل به العقل و ما لا يستقل به.

و بتعبير آخر نقول: أن الأحكام العقلية على قسمين: مستقلات و غير مستقلات.

و هذه التعبيرات كثيرا ما تجري على ألسنة الأصوليين و يقصدون بها المعنى الذي سنوضحه. و إن كان قد يقولون: «إن هذا ما يستقل به العقل» و لا يقصدون هذا المعنى، بل يقصدون به معنى آخر، و هو ما يحكم به العقل بالبداهة و إن كان ليس من المستقلات العقلية بالمعنى الآتي.

و على كل حال فإن هذا التقسيم يحتاج إلى شي‏ء من التوضيح فنقول:

إن العلم بالحكم الشرعي كسائر العلوم لا بد له من علة،

9

لاستحالة وجود الممكن بلا علة. و علة العلم التصديقي لا بد أن تكون من أحد أنواع الحجة الثلاثة: القياس أو الاستقراء أو التمثيل. و ليس الاستقراء مما يثبت به الحكم الشرعي و هو واضح. و التمثيل ليس بحجة عندنا، لأنه هو القياس المصطلح عليه عند الأصوليين الذي هو ليس من مذهبنا.

فيتعين أن تكون العلة للعلم بالحكم الشرعي هي خصوص القياس باصطلاح المناطقة و إذا كان كذلك فإن كل قياس لا بد أن يتألف من مقدمتين سواء كان استثنائيا أو اقترانيا.

و هاتان المقدمتان قد تكونان معا غير عقليتين فالدليل الذي يتألف منهما يسمى (دليلا شرعيا) في قبال الدليل العقلي. و لا كلام لنا في هذا القسم هنا.

و قد تكون كل منهما أو إحداهما عقلية، أي مما يحكم العقل به من غير اعتماد على حكم شرعي، فإن الدليل الذي يتألف منهما يسمى عقليا و هو على قسمين:

1- أن تكون المقدمتان معا عقليتين كحكم العقل بحسن شي‏ء أو قبحه ثم حكمه بأنه كل ما حكم به العقل حكم به الشرع على طبقه. و هو القسم الأول من الدليل العقلي، و هو قسم (المستقلات العقلية).

2- أن تكون إحدى المقدمتين غير عقلية و الأخرى عقلية كحكم العقل بوجوب المقدمة عند وجوب ذيها فهذه مقدمة عقلية صرفة و ينضم إليها حكم الشرع بوجوب ذي المقدمة. و إنما يسمى الدليل الذي يتألف منهما عقليا فلأجل تغليب جانب المقدمة العقلية. و هذا هو القسم الثاني من الدليل العقلي، و هو قسم (غير المستقلات العقلية). و إنما سمي بذلك لأنه- من الواضح أن العقل لم يستقل وحده في الوصول إلى النتيجة بل استعان بحكم الشرع في إحدى مقدمتي القياس.

2- لما ذا سميت هذه المباحث بالملازمات العقلية؟

المراد بالملازمة العقلية هنا هو حكم العقل بالملازمة بين حكم‏

10

الشرع و بين أمر آخر سواء كان حكما عقليا أو شرعيا أو غيرهما مثل الإتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراري الذي يلزمه عقلا سقوط الأمر الاختياري لو زال الاضطراري في الوقت أو خارج على ما سيأتي ذلك في مباحث (الإجزاء).

و قد يخفى على الطالب لأول وهلة الوجه في تسمية مباحث الأحكام العقلية بالملازمات العقلية لا سيما فيما يتعلق بالمستقلات العقلية و لذلك وجب علينا أن نوضح ذلك فنقول:

1- أما في (المستقلات العقلية) فيظهر بعد بيان المقدمتين اللتين يتألف منهما الدليل العقلي. و هما مثلا:

الأولى: «العدل يحسن فعله عقلا». و هذه قضية عقلية صرفة هي صغرى القياس. و هي من المشهورات التي تطابقت عليها آراء العقلاء التي تسمى الآراء المحمودة. و هذه قضية تدخل في مباحث علم الكلام عادة، و إذا بحث عنها هنا فمن باب المقدمة للبحث عن الكبرى الآتية.

الثانية: «كل ما يحسن فعله عقلا يحسن فعله شرعا». و هذه قضية عقلية أيضا يستدل عليها بما سيأتي في محله، و هي كبرى للقياس، و مضمونها الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع. و هذه الملازمة مأخوذة من دليل عقلي فهي ملازمة عقلية، و ما يبحث عنه في علم الأصول فهو هذه الملازمة، و من أجل هذه الملازمة تدخل المستقلات العقلية في الملازمات العقلية.

و لا ينبغي أن يتوهم الطالب أن هذه الكبرى معناها حجية العقل، بل نتيجة هاتين المقدمتين هكذا «العدل يحسن فعله شرعا» و هذا الاستنتاج بدليل عقلي. و قد ينكر المنكر أنه يلزم شرعا ترتيب الأثر على هذا الاستنتاج و الاستكشاف، و سنذكر إن شاء اللّه تعالى في حينه الوجه في هذا الإنكار الذي مرجعه إلى إنكار حجية العقل.

و الحاصل نحن نبحث في المستقلات العقلية عن مسألتين:

إحداهما: الصغرى، و هي بيان المدركات العقلية في الأفعال الاختيارية أنه أيها ينبغي فعله و أيها لا ينبغي فعله.

ثانيهما: الكبرى، و هي بيان أن ما يدركه العقل هل لا بدّ أن يدركه‏

11

الشرع أي يحكم على طبق ما يحكم به العقل. و هذه هي المسألة الأصولية التي هي من الملازمات العقلية.

و من هاتين المسألتين نهيّئ موضوع مبحث حجية العقل.

2- و أما في (غير المستقلات العقلية) فأيضا يظهر الحال فيها بعد بيان المقدمتين اللتين يتركب منهما الدليل العقلي و هما مثلا:

الأولى: «هذا الفعل واجب» أو «هذا المأتي به مأمور به في حال الاضطرار». فمثل هذه القضايا تثبت في علم الفقه فهي شرعية.

الثانية: «كل فعل واجب شرعا يلزمه عقلا وجوب مقدمته شرعا» أو «يلزمه عقلا حرمة ضده شرعا» أو «كل مأتي به و هو مأمور به حال الاضطرار يلزمه عقلا الإجزاء عن المأمور به حال الاختيار» ... و هكذا. فإن أمثال هذه القضايا أحكام عقلية مضمونها الملازمة العقلية بين ما يثبت شرعا في القضية الأولى و بين حكم شرعي آخر. و هذه الأحكام العقلية هي التي يبحث عنها في علم الأصول. و من أجل هذا تدخل في باب الملازمات العقلية.

الخلاصة:

و من جميع ما ذكرنا يتضح أن المبحوث عنه في الملازمات العقلية هو إثبات الكبريات العقلية التي تقع في طريق إثبات الحكم الشرعي، سواء كانت الصغرى عقلية كما في المستقلات العقلية، أو شرعية في غير المستقلات العقلية.

أما الصغرى فدائما يبحث عنها في علم آخر غير علم الأصول، كما أن الكبرى يبحث عنها في علم الأصول، و هي عبارة من ملازمة حكم الشرع لشي‏ء آخر بالملازمة العقلية، سواء كان ذلك الشي‏ء الآخر حكما شرعيا أم حكما عقليا أم غيرهما. و النتيجة من الصغرى و الكبرى هاتين تقع صغرى لقياس آخر كبراه حجية العقل. و يبحث عن هذه الكبرى في مباحث الحجة.

و على هذا فينحصر بحثنا هنا في بابين: باب المستقلات العقلية، و باب غير المستقلات العقلية، فنقول:

12

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

13

الباب الأول المستقلات العقلية

14

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

15

تمهيد:

الظاهر انحصار المستقلات العقلية التي يستكشف منها الحكم الشرعي في مسألة واحدة، و هي مسألة التحسين و التقبيح العقليين.

و عليه يجب علينا أن نبحث عن هذه المسألة من جميع أطرافها بالتفصيل، لا سيما أنه لم يبحث عنها في كتب الأصول الدارجة فنقول:

وقع البحث هنا في أربعة أمور متلاحقة:

1- أنه هل تثبت للأفعال مع قطع النظر عن حكم الشارع و تعلق خطابه بها أحكام عقلية من حسن و قبح؟ أو أن شئت فقل: هل للأفعال حسن و قبح بحسب ذواتها و لها قيم ذاتية في نظر العقل قبل فرض حكم الشارع عليها، أو ليس لها ذلك، و إنما الحسن ما حسنه الشارع و القبيح ما قبحه، و الفعل مطلقا في حد نفسه من دون حكم الشارع ليس حسنا و لا قبيحا؟.

و هذا هو الخلاف الأصيل بين الأشاعرة و العدلية، و هو مسألة التحسين و التقبيح العقليين المعروفة في علم الكلام، و عليها تترتب مسألة الاعتقاد بعدالة اللّه و غيرها. و إنما سميت (العدلية) عدلية لقولهم بأنه تعالى عادل، بناء على مذهبهم في ثبوت الحسن و القبح العقليين.

و نحن نبحث عن هذه المسألة هنا باعتبارها من المبادئ لمسألتنا الأصولية كما أشرنا إلى ذلك فيما سبق.

16

2- إنه بعد فرض بأن للأفعال في حد أنفسها حسنا و قبحا، هل يتمكن العقل من إدراك وجوه الحسن و القبح مستقلا عن تعليم الشارع و بيانه أو لا؟ و على تقدير تمكنه هل للمكلف أن يأخذ به دون بيان الشارع و تعليمه أو ليس له ذلك إما مطلقا أو في بعض الموارد؟.

و هذه المسألة هي إحدى نقط الخلاف المعروفة بين الأصوليين و جماعة من الإخباريين، و فيها تفصيل من بعضهم على ما يأتي. و هي أيضا ليست من مباحث علم الأصول، و لكنها من المبادئ لمسألتنا الأصولية الآتية لأنه بدون القول بأن العقل يدرك وجوه الحسن و القبح لا تتحقق عندنا صغرى القياس التي تكلمنا عنها سابقا.

و لا ينبغي أن يخفى عليكم أن تحرير هذه المسألة سببه المغالطة التي وقعت لبعضهم، و إلا فبعد تحرير المسألة الأولى على وجهها الصحيح كما سيأتي لا يبقى مجال لهذا النزاع. فانتظر توضيح ذلك في محله القريب.

3- أنه بعد فرض أن للأفعال حسنا و قبحا و أن العقل يدرك الحسن و القبح، يصح أن ننتقل إلى التساؤل: عما إذا كان العقل يحكم أيضا بالملازمة بين حكمه و حكم الشرع، بمعنى أن العقل إذا حكم بحسن شي‏ء أو قبحه هل يلزم عنده عقلا أن يحكم الشارع على طبق حكمه.

و هذه هي المسألة الأصولية المعبر عنها بمسألة الملازمة التي وقع فيها النزاع فأنكر الملازمة جملة من الاخباريين و بعض الأصوليين كصاحب الفصول.

4- أنه بعد ثبوت الملازمة و حصول القطع بأن الشارع لا بدّ أن يحكم على طبق ما حكم به العقل فهل هذا القطع حجة شرعا؟.

و مرجع هذا النزاع ثلاث نواح:

الأولى: في إمكان أن ينفي الشارع حجية هذا القطع و ينهى عن الأخذ به.

17

الثانية: بعد فرض إمكان نفي الشارع حجية القطع هل نهى عن الأخذ بحكم العقل و إن استلزم القطع كقول الإمام (عليه السلام): «إن دين اللّه لا يصاب بالعقول» على تقدير تفسيره بذلك؟.

و النزاع في هاتين الناحيتين وقع مع الاخباريين جلهم أو كلهم.

الثالثة: بعد فرض عدم إمكان نفي الشارع حجية القطع هل معنى حكم الشارع على طبق حكم العقل هو أمره و نهيه، أو أن حكمه معناه إدراكه و علمه بأن هذا الفعل ينبغي فعله أو تركه و هو شي‏ء آخر غير أمره و نهيه فإثبات أمره و نهيه يحتاج إلى دليل آخر و لا يكفي القطع بأن الشارع حكم بما حكم به العقل؟.

و على كل حال فإن الكلام في هذه النواحي سيأتي في مباحث الحجة (المقصد الثالث) و هو النزاع في حجية العقل. و عليه فنحن نتعرض هنا للمباحث الثلاثة الأولى، و نترك المبحث الرابع بنواحيه إلى المقصد الثالث:

*** المبحث الأول التحسين و التقبيح العقليان‏

اختلف الناس في حسن الأفعال و قبحها هل أنهما عقليان أو شرعيان، بمعنى أن الحاكم بهما العقل أو الشرع.

فقالت الأشاعرة: لا حكم للعقل في حسن الأفعال و قبحها، و ليس الحسن و القبح عائدا إلى أمر حقيقي حاصل فعلا قبل ورود بيان الشارع، بل أن ما حسنه الشارع فهو حسن و ما قبحه الشارع فهو قبيح. فلو عكس الشارع القضية فحسن ما قبحه و قبح ما حسنه لم يكن ممتنعا و انقلب الأمر فصار القبيح حسنا و الحسن قبيحا، و مثلوا لذلك بالنسخ من الحرمة إلى الوجوب و من الوجوب إلى الحرمة.

و قالت العدلية: إن للأفعال قيما ذاتية عند العقل مع قطع النظر عن حكم الشارع فمنها ما هو حسن في نفسه، و منها ما هو قبيح في نفسه،

18

و منها ما ليس له هذان الوصفان. و الشارع لا يأمر إلا بما هو حسن و لا ينهى إلا عما هو قبيح، فالصدق في نفسه حسن و لحسنه أمر اللّه تعالى به، لا أنه أمر اللّه تعالى به فصار حسنا، و الكذب في نفسه قبيح و لذلك نهي اللّه تعالى عنه، لا أنه نهى عنه فصار قبيحا.

هذه خلاصة الرأيين: و أعتقد عدم اتضاح رأي الطرفين بهذا البيان، و لا تزال نقط غامضة في البحث إذا لم نبينها بوضوح لا نستطيع أن نحكم لأحد الطرفين. و هو أمر ضروري مقدمة للمسألة الأصولية، و لتوقف وجوب المعرفة عليه.

فلا بد من بسط البحث بأوسع مما أخذنا على أنفسنا من الاختصار في هذا الكتاب، لأهمية هذا الموضوع من جهة، و لعدم اعطائه حقه من التنقيح في أكثر الكتب الكلامية و الأصولية من جهة أخرى.

و أكلفكم قبل الدخول في هذا البحث بالرجوع إلى ما حررته في الجزء الثالث من المنطق ص 17- 23 عن القضايا المشهورات، لتستعينوا به على ما هنا.

و الآن اعقد البحث هنا في أمور:

1- معنى الحسن و القبح و تصوير النزاع فيهما

إن الحسن و القبح لا يستعملان بمعنى واحد، بل لهما ثلاث معان، فأي هذه المعاني هو موضوع النزاع؟ فنقول:

أولا: قد يطلق الحسن و القبح و يراد بهما الكمال و النقص. و يقعان وصفا بهذا المعنى للأفعال الاختيارية و لمتعلقات الأفعال. فيقال مثلا: العلم حسن، و التعلم حسن، و بضد ذلك يقال: الجهل قبيح و إهمال التعلم قبيح.

و يراد بذلك أن العلم و التعلم كمال للنفس و تطور في وجودها، و أن الجهل و إهمال التعلم نقصان فيها و تأخر في وجودها.

و كثير من الأخلاق الإنسانية حسنها و قبحها باعتبار هذا المعنى، فالشجاعة و الكرم و الحلم و العدالة و الانصاف و نحو ذلك إنما حسنها باعتبار أنها كمال للنفس و قوة في وجودها. و كذلك أضدادها قبيحة

19

لأنها نقصان في وجود النفس و قوتها. و لا ينافي ذلك أنه يقال للأولى حسنة و للثانية قبيحة باعتبار معنى آخر من المعنيين الآتيين.

و ليس للأشاعرة ظاهرا نزاع في الحسن و القبح بهذا المعنى، بل جملة منهم يعترفون بأنهما عقليان، لأن هذه من القضايا اليقينيات التي وراءها واقع خارجي تطابقه، على ما سيأتي.

ثانيا: أنهما قد يطلقان و يراد بهما الملاءمة للنفس و المنافرة لها، و يقعان وصفا بهذا المعنى أيضا للأفعال و متعلقاتها من أعيان و غيرها.

فيقال في المتعلقات: هذا المنظر حسن جميل. هذا الصوت حسن مطرب، هذا المذوق حلو حسن ... و هكذا.

و يقال في الأفعال: نوم القيلولة حسن. الأكل عند الجوع حسن.

و الشرب بعد العطش حسن. و هكذا.

و كل هذه الأحكام لأن النفس تلتذ بهذه الأشياء و تتذوقها لملاءمتها لها.

و بضد ذلك يقال في المتعلقات و الأفعال: هذا المنظر قبيح.

ولولة النائحة قبيحة. النوم على الشبع قبيح ... و هكذا. و كل ذلك لأن النفس تتألم أو تشمئز من ذلك.

فيرجع معنى الحسن و القبح- في الحقيقة- إلى معنى اللذة و الألم، أو فقل إلى معنى الملاءمة للنفس و عدمها، ما شئت فعبر فإن المقصود واحد.

ثم أن هذا المعنى من الحسن و القبح يتسع إلى أكثر من ذلك، فإن الشي‏ء قد لا يكون في نفسه ما يوجب لذة أو ألما، و لكنه بالنظر إلى ما يعقبه من أثر تلتذ به النفس أو تتألم منه يسمى أيضا حسنا أو قبيحا، بل قد يكون الشي‏ء في نفسه قبيحا تشمئز منه النفس كشرب الدواء المر و لكنه باعتبار ما يعقبه من الصحة و الراحة التي هي أعظم بنظر العقل من ذلك الألم الوقتي يدخل فيما يستحسن. كما قد يكون الشي‏ء بعكس ذلك حسنا تلتذ به النفس كالأكل اللذيذ المضر بالصحة، و لكن ما يعقبه من مرض أعظم من اللذة الوقتية يدخل فيما يستقبح.

20

و الإنسان بتجاربه الطويلة و بقوة تمييزه العقلي يستطيع أن يصنف الأشياء و الأفعال إلى ثلاثة أصناف: ما يستحسن، و ما يستقبح، و ما ليس له هاتان المزيتان. و يعتبر هذا التقسيم بحسب ما له من الملاءمة و المنافرة و لو بالنظر إلى الغاية القريبة أو البعيدة التي هي قد تسمو عند العقل على ما له من لذة وقتية أو ألم وقتي، كمن يتحمل المشاق الكثيرة و يقاسي الحرمان في سبيل طلب العلم أو الجاه أو الصحة أو المال، و كمن يستنكر بعض اللذات الجسدية استكراها لشؤم عواقبها.

و كل ذلك يدخل في الحسن و القبح بمعنى الملائم و غير الملائم، قال القوشجي في شرحه للتجريد عن هذا المعنى: «و قد يعبر عنهما- أي الحسن و القبح- بالمصلحة و المفسدة فيقال: للحسن ما فيه مصلحة و القبح ما فيه مفسدة. و ما خلا منهما لا يكون شيئا منهما».

و هذا راجع إلى ما ذكرنا، و ليس المقصود أن للحسن و القبح معنى آخر بمعنى ما له المصلحة أو المفسدة غير معنى الملاءمة و المنافرة، فإن استحسان المصلحة إنما يكون للملاءمة و استقباح المفسدة للمنافرة.

و هذا المعنى من الحسن و القبح أيضا ليس للأشاعرة فيه نزاع، بل هما عندهم بهذا المعنى عقليان، أي مما قد يدركه العقل من غير توقف على حكم الشرع. و من توهم أن النزاع بين القوم في هذا المعنى فقد ارتكب شططا و لم يفهم كلامهم.

ثالثا: إنهما يطلقان و يراد بهما المدح و الذم، و يقعان وصفا بهذا المعنى للأفعال الاختيارية فقط. و معنى ذلك: أن الحسن ما استحق فاعله عليه المدح و الثواب عند العقلاء كافة، و القبيح ما استحق عليه فاعله الذم و العقاب عندهم كافة.

و بعبارة أخرى أن الحسن ما ينبغي فعله عند العقلاء، أي أن العقل عند الكل يدرك أنه ينبغي فعله، و القبيح ما ينبغي تركه عندهم، أي أن العقل عند الكل يدرك أنه لا ينبغي فعله أو ينبغي تركه.

21

و هذا الإدراك للعقل هو معنى حكمه بالحسن و القبح، و سيأتي توضيح هذه النقطة، فإنها مهمة جدا في الباب.

و هذا المعنى الثالث هو موضوع النزاع، فالأشاعرة أنكروا أن يكون للعقل إدراك ذلك من دون الشرع، و خالفتهم العدلية فأعطوا للعقل هذا الحق من الإدراك.

تنبيه:

و مما يجب أن يعلم هنا أن الفعل الواحد قد يكون حسنا أو قبيحا بجميع المعاني الثلاثة، كالتعلم و الحلم و الإحسان، فإنها كمال للنفس، و ملاءمة لها باعتبار ما لها من نفع و مصلحة، و مما ينبغي أن يفعلها الإنسان عند العقلاء.

و قد يكون الفعل حسنا بأحد المعاني، قبيحا أو ليس بحسن بالمعنى الآخر كالغناء- مثلا- فإنه حسن بمعنى الملاءمة للنفس و لذا يقولون عنه إنه غذاء للروح، و ليس حسنا بالمعنى الأول أو الثالث فإنه لا يدخل عند العقلاء بما هم عقلاء فيما ينبغي أن يفعل و ليس كمالا للنفس و إن كان هو كمالا للصوت بما هو صوت فيدخل في المعنى الأول للحسن من هذه الجهة، و مثله التدخين أو ما تعتاده النفس من المسكرات و المخدرات فإن هذه حسنة بمعنى الملاءمة فقط، و ليس كمالا للنفس و لا مما ينبغي فعلها عند العقلاء بما هم عقلاء.

2- واقعية الحسن و القبح في معانيه و رأي الأشاعرة

إن الحسن بالمعنى الأول أي الكمال و كذا مقابلة أي القبح أمر واقعي خارجي لا يختلف باختلاف الأنظار و الأذواق، و لا يتوقف على وجود من يدركه و يعقله. بخلاف الحسن بالمعنيين الأخيرين.

و هذا ما يحتاج إلى التوضيح و التفصيل، فنقول:

1- أما (الحسن بمعنى الملاءمة)، و كذا ما يقابله، فليس له في نفسه بإزاء في الخارج يحاذيه و يحكي عنه، و إن كان منشؤه قد يكون أمرا خارجيا، كاللون و الرائحة و الطعم و تناسق الأجزاء و نحو ذلك.

22

بل حسن الشي‏ء يتوقف على وجود الذوق العام أو الخاص، فإن الإنسان هو الذي يتذوق المنظور أو المسموع أو المذوق بسبب ما عنده من ذوق يجعل هذا الشي‏ء ملائما لنفسه، فيكون حسنا عنده، أو غير ملائم فيكون قبيحا عنده. فإذا اختلفت الأذواق في الشي‏ء كان حسنا عند قوم قبيحا عند آخرين. و إذا اتفقوا في ذوق عام كان ذلك الشي‏ء حسنا عندهم جميعا، أو قبيحا كذلك.

و الحاصل أن الحسن بمعنى الملائم ليس صفة واقعية للأشياء كالكمال، و ليس واقعية هذه الصفة إلا إدراك الإنسان و ذوقه فلو لم يوجد إنسان يتذوق و لا من يشبهه في ذوقه لم تكن للأشياء في حد أنفسها حسن بمعنى الملاءمة.

و هذا مثل ما يعتقده الرأي الحديث في الألوان، إذ يقال إنها لا واقع لها بل هي تحصل من انعكاسات أطياف الضوء على الأجسام، ففي الظلام حيث لا ضوء ليست هناك ألوان موجودة بالفعل، بل الموجود حقيقة أجسام فيها صفات حقيقية هي منشأ لانعكاس الأطياف عند وقوع الضوء عليها، و ليس كل واحد من الألوان إلا طيفا أو أطيافا فأكثر تركبت.

و هكذا نقول في حسن الأشياء و جمالها بمعنى الملاءمة، و الشي‏ء الواقعي فيها ما هو منشأ الملاءمة في الأشياء كالطعم و الرائحة و نحوهما، الذي هو كالصفة في الجسم إذ تكون منشأ لانعكاس أطياف الضوء.

كما أن نفس اللذة و الألم أيضا أمران واقعيان و لكن ليسا هما الحسن و القبح اللذان ليسا هما من صفات الأشياء، و اللذة و الألم من صفات النفس المدركة للحسن و القبح.

2- و أما (الحسن بمعنى ما ينبغي أن يفعل عند العقل) فكذلك ليس له واقعية إلا إدراك العقلاء، أو فقل تطابق آراء العقلاء. و الكلام فيه كالكلام في الحسن بمعنى الملاءمة. و سيأتي تفصيل معنى تطابق العقلاء على المدح و الذم أو إدراك العقل للحسن و القبح.

23

و على هذا فإن كان غرض الأشاعرة من إنكار الحسن و القبح إنكار واقعيتهما بهذا المعنى من الواقعية فهو صحيح. و لكن هذا بعيد عن أقوالهم لأنه لما كانوا يقولون بحسن الأفعال و قبحها بعد حكم الشارع فإنه يعلم منه أنه ليس غرضهم ذلك لأن حكم الشارع لا يجعل لهما واقعية و خارجية. كيف و قد رتبوا على ذلك بأن وجوب العرفة و الطاعة ليس بعقلي بل شرعي. و إن كان غرضهم إنكار إدراك العقل كما هو الظاهر من أقوالهم فسيأتي تحقيق الحق فيه و أنهم ليسوا على صواب في ذلك.

3- العقل العملي و النظري‏

إن المراد من العقل- إذ يقولون أن العقل يحكم بحسن الشي‏ء أو قبحه بالمعنى الثالث من الحسن و القبح- هو (العقل العملي (في مقابل (العقل النظري).

و ليس الاختلاف بين العقلين إلا بالاختلاف بين المدركات، فإن كان المدرك- بالفتح- مما ينبغي أن يفعل أو لا يفعل مثل حسن العدل و قبح الظلم فيسمى إدراكه (عقلا عمليا) و إن كان المدرك مما ينبغي أن يعلم مثل قولهم: «الكل أعظم من الجزء» الذي لا علاقة له بالعمل، فيسمى إدراكه (عقلا نظريا).

و معنى حكم العقل- على هذا- ليس إلا إدراك أن الشي‏ء مما ينبغي أن يفعل أو يترك. و ليس للعقل إنشاء بعث و زجر و لا أمر و نهي إلا بمعنى أن هذا الإدراك يدعو العقل إلى العمل، أي يكون سببا لحدوث الإرادة في نفسه للعمل و فعل ما ينبغي.

إذن- المراد من الأحكام العقلية هي مدركات العقل العملي و آراؤه.

و من هنا تعرف أن المراد من العقل المدرك للحسن و القبح بالمعنى الأول، أن المراد به هو العقل النظري، لأن الكمال و النقص مما ينبغي أن يعلم، لا مما ينبغي أن يعمل. نعم إذا أدرك العقل كمال الفعل أو نقصه، فإنه يدرك معه أنه ينبغي فعله أو تركه فيستعين العقل‏

24

العملي بالعقل النظري، أو فقل يحصل العقل العملي فعلا بعد حصول العقل النظري.

و كذا المراد من العقل المدرك للحسن و القبح بالمعنى الثاني هو العقل النظري، لأن الملاءمة و عدمها أو المصلحة و المفسدة مما ينبغي أن يعلم، و يستتبع ذلك إدراك أنه ينبغي الفعل أو الترك على طبق ما علم.

و من العجيب ما جاء في جامع السعادات ج 1 ص 59 المطبوع بالنجف سنة 1368 إذ يقول ردا على الشيخ الرئيس خرّيت هذه الصناعة: «إن مطلق الإدراك و الإرشاد «إنما هو من العقل النظري، فهو بمنزلة المشير الناصح و العقل العملي بمنزلة المنفذ لإشاراته».

و هذا منه خروج عن الاصطلاح. و ما ندري ما يقصد من العقل العملي إذا كان الإرشاد و النصح للعقل النظري؟. و ليس هناك عقلان في الحقيقة كما قدمنا، بل هو عقل واحد، و لكن الاختلاف في مدركاته و متعلقاته، و للتمييز بين الموارد يسمى تارة عمليا و أخرى نظريا؛ و كأنه يريد من العقل العملي نفس التصميم و الإرادة للعمل و تسمية الإرادة عقلا وضع جديد في اللغة.

4- أسباب حكم العقل العملي بالحسن و القبح‏

إن الإنسان إذ يدرك أن الشي‏ء ينبغي فعله فيمدح فاعله، أو لا ينبغي فعله فيذم فاعله، لا يحصل له هذا الإدراك جزافا و اعتباطا، و هذا شأن كل ممكن حادث بل لا بد له من سبب. و سببه بالاستقراء أحد أمور خمسة نذكرها هنا لنذكر ما يدخل منها في محل النزاع في مسألة التحسين و التقبيح العقليين، فنقول:

الأول: أن يدرك أن هذا الشي‏ء كمال للنفس أو نقص لها، فإن إدراك العقل لكماله أو نقصه يدفعه للحكم بحسن فعله أو قبحه كما تقدم قريبا، تحصيلا لذلك الكمال أو دفعا لذلك النقص.

الثاني: أن يدرك ملاءمة الشي‏ء للنفس أو عدمها إما بنفسه أو لما فيه من نفع عام أو خاص، فيدرك حسن فعله أو قبحه تحصيلا للمصلحة أو دفعا للمفسدة.

25

و كل من هذين الإدراكين- أعني إدراك الكمال أو النقص، و إدراك الملاءمة أو عدمها- يكون على نحوين:

1- أن يكون الإدراك لواقعة جزئية خاصة، فيكون حكم الإنسان بالحسن و القبح بدافع المصلحة الشخصية. و هذا الإدراك لا يكون بقوة العقل، لأن العقل شأنه إدراك الأمور الكلية لا الأمور الجزئية، بل إنما يكون إدراك الأمور الجزئية بقوة الحس أو الوهم أو الخيال، و إن كان مثل هذا الإدراك قد يستتبع مدحا أو ذما لفاعله و لكن هذا المدح أو الذم لا ينبغي أن يسمى عقليا بل قد يسمى- بالتعبير الحديث- (عاطفيا) لأن سببه تحكيم العاطفة الشخصية و لا بأس بهذا التعبير.

2- أن يكون الإدراك لأمر كلي، فيحكم الإنسان بحسن الفعل لكونه كمالا للنفس، كالعلم و الشجاعة، أو لكونه فيه مصلحة نوعية كمصلحة العدل لحفظ النظام و بقاء النوع الإنساني. فهذا الإدراك إنما يكون بقوة العقل بما هو عقل، فيستتبع مدحا من جميع العقلاء.

و كذا في إدراك قبح الشي‏ء باعتبار كونه نقصا للنفس كالجهل، أو لكونه فيه مفسدة نوعية كالظلم، فيدرك العقل بما هو عقل ذلك و يستتبع ذما من جميع العقلاء. فهذا المدح و الذم إذا تطابقت عليه جميع آراء العقلاء باعتبار تلك المصلحة أو المفسدة النوعيتين، أو باعتبار ذلك الكمال أو النقص النوعيين- فإنه يعتبر من الأحكام العقلية التي هي موضع النزاع.

و هو معنى الحسن و القبح العقليين الذي هو محل النفي و الإثبات.

و تسمى هذه الأحكام العقلية العامة (الآراء المحمودة) و (التأديبات الصلاحية). و هي من قسم القضايا المشهورات التي هي قسم برأسه في مقابل القضايا الضروريات. فهذه القضايا غير معدودة من قسم الضروريات، كما توهمه بعض الناس و منهم الأشاعرة كما سيأتي في‏

26

دليلهم. و قد أوضحت ذلك في الجزء الثالث من (المنطق) في مبادئ القياسات، فراجع.

و من هنا يتضح لكم جيدا أن العدلية- إذ يقولون بالحسن و القبح العقليين- يريدون أن الحسن و القبح من الآراء المحمودة و القضايا المشهورة المعدودة من التأديبات الصلاحية و هي التي تطابقت عليها آراء العقلاء بما هم عقلاء.

و القضايا المشهورة ليس لها واقع وراء تطابق الآراء، أي أن واقعها ذلك. فمعنى حسن العدل أو العلم عندهم أن فاعله ممدوح لدى العقلاء و معنى قبح الظلم و الجهل أن فاعله مذموم لديهم.

و يكفينا شاهدا على ما نقول- من دخول أمثال هذه القضايا في المشهورات الصرفة التي لا واقع لها إلا الشهرة و أنها ليست من قسم الضروريات- ما قاله الشيخ الرئيس في منطق الإشارات: «و منها الآراء المسماة بالمحمودة. و ربما خصصناها باسم الشهرة إذ لا عمدة لها إلا الشهرة، و هي آراء لو خلي الإنسان و عقله المجرد و وهمه و حسه و لم يؤدب بقبول قضاياها و الاعتراف بها .. لم يقض بها الإنسان طاعة لعقله أو وهمه أو حسه، مثل حكمنا بأن سلب مال الإنسان قبيح، و أن الكذب قبيح لا ينبغي أن يقدم عليه ...».

و هكذا وافقه شارحها العظيم الخواجة نصير الدين الطوسي.

الثالث: و من أسباب الحكم بالحسن و القبح (الخلق الإنساني) الموجود في كل إنسان على اختلافهم في أنواعه، نحو خلق الكرم و الشجاعة. فإن وجود هذا الخلق يكون سببا لادراك أن أفعال الكرم- مثلا- مما ينبغي فعلها فيمدح فاعلها و أفعال البخل مما ينبغي تركها فيذم فاعلها.

و هذا الحكم من العقل قد لا يكون من جهة المصلحة العامة أو المفسدة العامة و لا من جهة الكمال للنفس أو النقص، بل يدافع الخلق الموجود.

و إذا كان هذا الخلق عاما بين جميع العقلاء يكون هذا الحسن‏

27

و القبح مشهورا بينهم تتطابق عليهم آراؤهم. و لكن إنما يدخل في محل النزاع إذا كان الخلق من جهة أخرى فيه كمال للنفس أو مصلحة عامة نوعية فيدعو ذلك إلى المدح و الذم. و يجب الرجوع في هذا القسم إلى ما ذكرته عن (الخلقيات) في المنطق (ج 3 ص 20) لتعرف توجيه قضاء الخلق الإنساني بهذه المشهورات.

الرابع: و من أسباب الحكم بالحسن و القبح (الانفعال النفساني)، نحو الرقة و الرحمة و الشفقة و الحياء و الأنفة و الحمية و الغيرة ... إلى غير ذلك من انفعالات النفس التي لا يخلو منها إنسان غالبا.

فنرى الجمهور يحكم بقبح تعذيب الحيوان أتباعا لما في الغريزة من الرقة و العطف، و الجمهور يمدح من يعين الضعفاء و المرضى و يعني برعاية الأيتام و المجانين بل الحيوانات لأنه مقتضى الرحمة و الشفقة. و يحكم بقبح كشف العورة و الكلام البذي‏ء لأنه مقتضى الحياء. و يمدح المدافع عن الأهل و العشيرة و الوطن و الأمة لأنه مقتضى الغيرة و الحمية ... إلى غير ذلك من أمثال هذه الأحكام العامة بين الناس.

و لكن هذا الحسن و القبح لا يعدان حسنا و قبحا عقليين، بل ينبغي أن يسميا عاطفيين أو انفعاليين. و تسمى القضايا هذه عند المنطقيين ب (الانفعالات). و لأجل هذا لا يدخل هذا الحسن و القبح في محل النزاع مع الأشاعرة، و لا نقول نحن بلزوم متابعة الشرع للجمهور في هذه الأحكام، لأنه ليس للشارع هذه الانفعالات. بل يستحيل وجودها فيه لأنها من صفات الممكن. و إنما نحن نقول بملازمة حكم الشارع لحكم العقل بالحسن و القبح في الآراء المحمودة و التأديبات الصلاحية- على ما سيأتي- فباعتبار أن الشارع من العقلاء بل رئيسهم، بل خالق العقل، فلا بد أن يحكم بحكمهم بما هم عقلاء و لكن لا يجب أن يحكم يحكمهم بما هم عاطفيون. و لا نقول أن الشارع يتابع الناس في أحكامهم متابعة مطلقة.

الخامس: و من الأسباب (العادة عند الناس)، كاعتيادهم احترام القادم‏

28

- مثلا- بالقيام له، و احترام الضيف بالطعام، فيحكمون لأجل ذلك بحسن القيام للقادم و إطعام الضيف.

و العادات العامة كثيرة و متنوعة، فقد تكون العادة تختص بأهل بلد أو قطر أو أمة، و قد تعم جميع الناس في جميع العصور أو في عصر.

فتختلف لأجل ذلك القضايا التي يحكم بها بحسب العادة، فتكون مشهورة عند القوم الذين لهم تلك العادة دون غيرهم.

و كما يمدح الناس المحافظين على العادات العامة يذمون المستهينين بها، سواء كانت العادة حسنة من ناحية عقلية أو عاطفية أو شرعية، أو سيئة قبيحة من إحدى هذه النواحي: فتراهم يذمون من يرسل لحيته إذا اعتادوا حلقها و يذمون الحليق إذا اعتادوا إرسالها، و تراهم يذمون من يلبس غير المألوف عندهم لمجرد أنهم لم يعتادوا لبسه، بل ربما يسخرون به أو يعدونه مارقا.

و هذا الحسن و القبح أيضا ليسا عقليين، بل ينبغي أن يسميا (عاديين) لأن منشأهما العادة. و تسمى القضايا فيهما في عرف المناطقة (العاديات). و لذا لا يدخل أيضا هذا الحسن و القبح في محل النزاع.

و لا نقول نحن- أيضا- بلزوم متابعة الشارع للناس في أحكامهم هذه، لأنهم لم يحكموا فيها بما هم عقلاء بل بما هم معتادون، أي بدافع العادة.

نعم بعض العادات قد تكون موضوعا لحكم الشارع، مثل حكمه بحرمة لباس الشهرة، أي اللباس غير المعتاد لبسه عند الناس. و لكن هذا الحكم لا لأجل المتابعة لحكم الناس، بل لأن مخالفة الناس في زيهم على وجه يثير فيهم السخرية و الاشمئزاز فيه مفسدة موجبة لحرمة هذا اللباس شرعا. و هذا شي‏ء آخر غير ما نحن فيه.

*** فتحصل من جميع ما ذكرنا- و قد أطلنا الكلام لغرض كشف الموضوع كشفا تاما- أنه ليس كل حسن و قبح بالمعنى الثالث موضوعا للنزاع مع الأشاعرة، بل خصوص ما كان سببه إدراك كمال الشي‏ء أو

29

نقصه على نحو كلي، و ما كان سببه إدراك ملاءمته أو عدمها على نحو كلي أيضا من جهة مصلحة نوعية أو مفسدة نوعية فإن الأحكام العقلية الناشئة من هذه الأسباب هي أحكام للعقلاء بما هم عقلاء و هي التي ندعي فيها أن الشارع لا بد أن يتابعهم في حكمهم. و بهذا تعرف ما وقع من الخلط في كلام جملة من الباحثين عن هذا الموضوع.

5- معنى الحسن و القبح الذاتيين‏

إن الحسن و القبح بالمعنى الثالث ينقسمان إلى ثلاثة أقسام:

1- ما هو (علة) للحسن و القبح، و يسمى الحسن و القبح فيه ب (الذاتيين)؛ مثل العدل و الظلم؛ و العلم و الجهل. فإن العدل بما هو عدل لا يكون إلا حسنا أبدا أي أنه متى ما صدق عنوان العدل فإنه لا بد أن يمدح عليه فاعله عند العقلاء و يعد عندهم محسنا.

و كذلك الظلم بما هو ظلم لا يكون إلا قبيحا، أي أنه متى ما صدق عنوان الظلم فإن فاعله مذموم عندهم و يعد مسيئا.

2- ما هو (مقتض) لهما، و يسمى الحسن و القبح فيه ب (العرضيين) مثل تعظيم الصديق و تحقيره، فإن تعظيم الصديق لو خلي و نفسه فهو حسن ممدوح عليه، و تحقيره كذلك قبيح لو خلي و نفسه. و لكن تعظيم الصديق بعنوان أنه تعظيم الصديق يجوز أن يكون قبيحا مذموما كما إذا كان سببا لظلم ثالث، بخلاف العدل فإنه يستحيل أن يكون قبيحا مع بقاء صدق عنوان العدل. كذلك تحقير الصديق بعنوان أنه تحقير له يجوز أن يكون حسنا ممدوحا عليه كما إذا كان سببا لنجاته، و لكن يستحيل أن يكون الظلم حسنا مع بقاء صدق عنوان الظلم.

3- ما لا علية له و لا اقتضاء فيه في نفسه للحسن و القبح أصلا، و إنما قد يتصف بالحسن تارة إذا انطبق عليه عنوان حسن كالعدل، و قد يتصف بالقبح أخرى إذا انطبق عليه عنوان قبيح كالظلم. و قد لا ينطبق عليه عنوان أحدهما فلا يكون حسنا و لا قبيحا، كالضرب مثلا فإنه حسن للتأديب و قبيح للتشفي، و لا حسن و لا قبيح‏

30

كضرب غير ذي الروح.

و معنى كون الحسن أو القبح ذاتيا: أن العنوان المحكوم عليه بأحدهما بما هو في نفسه و في حد ذاته يكون محكوما به، لا من جهة اندراجه تحت عنوان آخر. فلا يحتاج إلى واسطة في اتصافه بأحدهما.

و معنى كونه مقتضيا لأحدهما: أن العنوان ليس في حد ذاته متصفا به بل بتوسط عنوان آخر، و لكنه لو خلي و طبعه كان داخلا تحت العنوان الحسن أو القبيح. أ لا ترى أن تعظيم الصديق لو خلي و نفسه يدخل تحت عنوان العدل الذي هو حسن في ذاته، أي بهذا الاعتبار تكون له مصلحة نوعية عامة. أما لو كان سببا لهلاك نفس محترمة كان قبيحا لأنه يدخل حينئذ بما هو تعظيم الصديق تحت عنوان الظلم و لا يخرج عن عنوان كونه تعظيما للصديق.

و كذلك يقال في تحقير الصديق، فإنه لو خلي و نفسه يدخل تحت عنوان الظلم الذي هو قبيح بحسب ذاته، أي بهذا الاعتبار تكون له مفسدة نوعية عامة. فلو كان سببا لنجاة نفس محترمة كان حسنا لأنه يدخل حينئذ تحت عنوان العدل و لا يخرج عن عنوان كونه تحقيرا للصديق.

و أما العناوين من القسم الثالث فليست في حد ذاتها لو خليت و أنفسها داخلة تحت عنوان حسن أو قبيح، فلذلك لا تكون لها علية و لا اقتضاء.

و على هذا يتضح معنى العلية و الاقتضاء هنا، فإن المراد من العلية أن العنوان بنفسه هو تمام موضوع حكم العقلاء بالحسن أو القبح.

و المراد من الاقتضاء أن العنوان لو خلي و طبعه يكون داخلا فيما هو موضوع لحكم العقلاء بالحسن أو القبح. و ليس المراد من العلية و الاقتضاء ما هو معروف من معناهما أنه بمعنى التأثير و الإيجاد فإنه من البديهي أنه لا علية و لا اقتضاء لعناوين الأفعال في أحكام العقلاء إلا من باب علية الموضوع لمحموله.

31

6- أدلة الطرفين‏

بتقديم الأمور السابقة نستطيع أن نواجه أدلة الطرفين بعين بصيرة؛ لنعطي الحكم العادل لأحدهما و نأخذ النتيجة المطلوبة. و نحن نبحث عن ذلك في عدة مواد، فنقول:

1- إنا ذكرنا أن قضية الحسن و القبح من القضايا المشهورات، و أشرنا إلى ما كنتم درستموه في الجزء الثالث من المنطق من أن المشهورات قسم يقابل الضروريات الست كلها. و منه نعرف المغالطة في دليل الأشاعرة و هو أهم أدلتهم إذ يقولون:

«لو كانت قضية الحسن و القبح مما يحكم به العقل لما كان فرق بين حكمه في هذه القضية و بين حكمه بأن الكل أعظم من الجزء.

و لكن الفرق موجود قطعا إذ الحكم الثاني لا يختلف فيه اثنان مع وقوع الاختلاف في الأول».

و هذا الدليل من نوع القياس الاستثنائي قد استثني فيه نقيض التالي لينتج نقيض المقدم.

و الجواب عنه: إن المقدمة الأولى، و هي الجملة الشرطية ممنوعة، و منعها يعلم مما تقدم آنفا، لأن قضية الحسن و القبح- كما قلنا- من المشهورات و قضية أن الكل أعظم من الجزء من الأوليات اليقينيات، فلا ملازمة بينهما و ليس هما من باب واحد حتى يلزم من كون القضية الأولى مما يحكم به العقل ألا يكون فرق بينها و بين القضية الثانية. و ينبغي أن نذكر جميع الفروق بين المشهورات هذه و بين الأوليات، ليكون أكثر وضوحا بطلان قياس إحداهما على الأخرى. و الفارق من وجوه ثلاثة:

الأول: إن الحاكم في قضايا التأديبات العقل العملي، و الحاكم في الأوليات العقل النظري.

الثاني: إن القضية التأديبية لا واقع لها إلا تطابق آراء العقلاء و الأوليات لها واقع خارجي.

الثالث: إن القضية التأديبية لا يجب أن يحكم بها كل عاقل لو خلي و نفسه و لم يتأدب بقبولها و الاعتراف بها. كما قال الشيخ الرئيس على ما

32

نقلناه من عبارته فيما سبق في الأمر الثاني. و ليس كذلك القضية الأولية التي يكفي تصور طرفيها في الحكم، فإنه لا بد ألا يشذ عاقل في الحكم بها لأول وهلة.

2- و من أدلتهم على إنكار الحسن و القبح العقليين أن قالوا: أنه لو كان ذلك عقليا لما اختلف حسن الأشياء و قبحها باختلاف الوجوه و الاعتبارات كالصدق إذ يكون مرة ممدوحا عليه و أخرى مذموما عليه، إذا كان فيه ضرر كبير. و كذلك الكذب بالعكس يكون مذموما عليه و ممدوحا عليه، إذا كان فيه نفع كبير. كالضرب و القيام و القعود و نحوها مما يختلف حسنه و قبحه.

و الجواب عن هذا الدليل و أشباهه يظهر مما ذكرناه من أحسن الأشياء و قبحها على أنحاء ثلاثة، فما كان ذاتيا لا يقع فيه اختلاف، فإن العدل بما هو عدل لا يكون قبيحا أبدا، و كذلك الظلم بما هو ظلم لا يكون حسنا أبدا، أي أنه ما دام عنوان العدل صادقا فهو ممدوح و ما دام عنوان الظلم صادقا فهو مذموم. و أما ما كان عرضيا فإنه يختلف بالوجوه و الاعتبارات، فمثلا الصدق إن دخل تحت عنوان العدل كان ممدوحا و إن دخل تحت عنوان الظلم كان قبيحا. و كذلك الكذب و ما ذكر من الأمثلة.

و الخلاصة أن العدلية لا يقولون بأن جميع الأشياء لا بد أن تتصف بالحسن أبدا أو بالقبح أبدا، حتى يلزم ما ذكر من الإشكال.

3- و قد استدل العدلية على مذهبهم بما خلاصته:

«إنه من المعلوم ضرورة حسن الإحسان و قبح الظلم عند كل عاقل من غير اعتبار شرع، فإن ذلك يدركه حتى منكر الشرائع».

و أجيب عنه، بأن الحسن و القبح في ذلك بمعنى الملاءمة و المنافرة أو بمعنى صفة الكمال و النقص، و هو مسلم لا نزاع فيه. و أما بالمعنى المتنازع فيه فإنا لا نسلم جزم العقلاء به.

و نحن نقول: إن من يدعي ضرورة حكم العقلاء بحسن الإحسان و قبح الظلم يدعي ضرورة مدحهم لفاعل الإحسان و ذمهم‏

33

لفاعل الظلم. و لا شك في أن هذا المدح و الذم من العقلاء ضروريان لتواتره عن جميع الناس و منكره مكابر. و الذي يدفع العقلاء لهذا- كما قدمنا- شعورهم بأن العدل كمال للعادل و ملاءمته لمصلحة النوع الإنساني و بقائه و شعورهم بنقص الظلم و منافرته لمصلحة النوع الإنساني و بقائه.

4- و استدل العدلية أيضا بأن الحسن و القبح لو كانا لا يثبتان إلا من طريق الشرع، فهما لا يثبتان أصلا حتى من طريق الشرع.

و قد صور بعضهم هذه الملازمة على النحو الآتي:

إن الشارع إذا أمر بشي‏ء فلا يكون حسنا إلا إذا مدح مع ذلك الفاعل عليه و إذا نهى عن شي‏ء فلا يكون قبيحا إلا إذا ذم الفاعل عليه.

و من أين تعرف أنه يجب أن يمدح الشارع فاعل المأمور به و يذم فاعل المنهي عنه، إلا إذا كان ذلك واجبا عقلا، فتوقف حسن المأمور به و قبح المنهي عنه على حكم العقل و هو المطلوب.

ثم لو ثبت أن الشارع مدح فاعل المأمور به و ذم فاعل المنهي عنه، و المفروض أن مدح الشارع ثوابه و ذمه عقابه، فمن أين نعرف أنه صادق في مدحه و ذمه إلا إذا ثبت أن الكذب قبيح عقلا يستحيل عليه، فيتوقف ثبوت الحسن و القبح شرعا على ثبوتهما عقلا، فلو لم يكن لهما ثبوت عقلا فلا ثبوت لهما شرعا.

و قد أجاب بعض الأشاعرة عن هذا التصوير بأنه يكفي في كون الشي‏ء حسنا أن يتعلق به الأمر و في كونه قبيحا أن يتعلق به النهي، و الأمر و النهي- حسب الفرض- ثابتان وجدانا. و لا حاجة إلى فرض ثبوت مدح و ذم من الشارع.

و هذا الكلام- في الحقيقة- يرجع إلى أصل النزاع في معنى الحسن و القبح، فيكون الدليل و جوابه صرف دعوى و مصادرة على المطلوب، لأن المستدل يرجع قوله إلى أنه يجب المدح و الذم عقلا لأنهما واجبان في اتصاف الشي‏ء بالحسن و القبح و المجيب يرجع قوله إلى أنهما لا يجبان عقلا لأنهما غير واجبين في الحسن و القبح.

34

و الأحسن تصوير الدليل على وجه آخر، فنقول:

إنه من المسلم عند الطرفين وجوب طاعة الأوامر و النواهي الشرعية و كذلك وجوب المعرفة. و هذا الوجوب عند الأشاعرة وجوب شرعي حسب دعواهم، فنقول لهم: من أين يثبت هذا الوجوب؟ لا بد أن يثبت بأمر من الشارع. فننقل الكلام إلى هذا الأمر، فنقول لهم: من أين تجب طاعة هذا الأمر، فإن كان هذا الوجوب عقليا فهو المطلوب، و إن كان شرعيا أيضا فلا بد له من أمر و لا بد له من طاعة فننقل الكلام إليه ... و هكذا نمضي إلى غير النهاية. و لا نقف حتى ننتهي إلى طاعة وجوبها عقلي لا تتوقف على أمر الشارع. و هو المطلوب.

بل ثبوت الشرائع من أصلها يتوقف على التحسين و التقبيح العقليين، و لو كان ثبوتها من طريق شرعي لاستحال ثبوتها، لأنا ننقل الكلام إلى هذا الطريق الشرعي فيتسلسل إلى غير النهاية.

و النتيجة: إن ثبوت الحسن و القبح شرعا يتوقف على ثبوتهما عقلا.

المبحث الثاني إدراك العقل للحسن و القبح‏

بعد ما تقدم من ثبوت الحسن و القبح العقليين في الأفعال، فقد نسب بعضهم إلى جماعة الإخباريين- على ما يظهر من كلمات بعضهم- إنكار أن يكون للعقل حق إدراك ذلك الحسن و القبح. فلا يثبت شي‏ء من الحسن و القبح الواقعيين بإدراك العقل.

و الشي‏ء الثابت قطعا عنهم على الإجمال القول بعدم جواز الاعتماد على شي‏ء من الإدراكات العقلية في إثبات الأحكام الشرعية.

و قد فسر هذا القول بأحد وجوه ثلاثة حسب اختلاف عبارات الباحثين منهم:

1- إنكار إدراك العقل للحسن و القبح الواقعيين. و هذه هي مسألتنا التي عقدنا لها هذا المبحث الثاني.

35

2- بعد الاعتراف بثبوت إدراك العقل إنكار الملازمة بينه و بين حكم الشرع و هذه هي المسألة الآتية في (المبحث الثالث).

3- بعد الاعتراف بثبوت إدراك العقل و ثبوت الملازمة إنكار وجوب إطاعة الحكم الشرعي الثابت من طريق العقل و مرجع ذلك إلى إنكار حجية العقل. و سيأتي البحث عن ذلك في الجزء الثالث من هذا الكتاب (مباحث الحجة).

و عليه، فإن أرادوا التفسير الأول بعد الاعتراف بثبوت الحسن و القبح العقليين فهو كلام لا معنى له، لأنه قد تقدم أنه لا واقعية للحسن و القبح بالمعنى المتنازع فيه مع الأشاعرة و هو المعنى الثالث إلا إدراك العقلاء لذلك و تطابق آرائهم على مدح فاعل الحسن و ذم فاعل القبيح على ما أوضحناه فيما سبق.

و إذا اعترفوا بثبوت الحسن و القبح بهذا المعنى فهو اعتراف بإدراك العقل. و لا معنى للتفكيك بين ثبوت الحسن و القبح و بين إدراك العقل لهما إلا إذا جاز تفكيك الشي‏ء عن نفسه. نعم إذا فسروا الحسن و القبح بالمعنيين الأولين جاز هذا التفكيك و لكنهما ليسا موضع النزاع عندهم.

و هذا الأمر واضح لا يحتاج إلى أكثر من هذا البيان بعد ما قدمناه في المبحث الأول.

المبحث الثالث ثبوت الملازمة العقلية بين حكم العقل و حكم الشرع‏

و معنى الملازمة العقلية هنا- على ما تقدم- أنه إذا حكم العقل بحسن شي‏ء أو قبحه هل يلزم عقلا أن يحكم الشرع على طبقه؟.

و هذه هي المسألة الأصولية التي تخص علمنا، و كل ما تقدم من الكلام كان كالمقدمة لها. و قد قلنا سابقا: إن الإخباريين فسر كلامهم- في أحد الوجوه الثلاثة المتقدمة الذي يظهر من كلام بعضهم- بإنكار هذه الملازمة. و أما الأصوليون فقد أنكرها منهم صاحب الفصول و لم نعرف له موافقا. و سيأتي توجيه كلامهم و كلام الإخباريين.

36

و الحق أن الملازمة ثابتة عقلا، فإن العقل إذا حكم بحسن شي‏ء أو قبحه- أي أنه إذا تطابقت آراء العقلاء جميعا بما هم عقلاء على حسن شي‏ء لما فيه من حفظ النظام و بقاء النوع أو على قبحه لما فيه من الاخلال بذلك- فإن الحكم هذا يكون بادي رأي الجميع فلا بد أن يحكم الشارع بحكمهم، لأنه منهم بل رئيسهم. فهو بما هو عاقل- بل خالق العقل- كسائر العقلاء لا بد أن يحكم بما يحكمون. و لو فرضنا أنه لم يشاركهم في حكمهم لما كان ذلك الحكم بادي رأي الجميع، و هذا خلاف الفرض.

و بعد ثبوت ذلك ينبغي أن نبحث هنا عن مسألة أخرى، و هي أنه لو ورد من الشارع أمر في مورد حكم العقل كقوله تعالى: أَطِيعُوا اللَّهَ وَ الرَّسُولَ* فهذا الأمر من الشارع هل هو أمر مولوي أي أنه أمر منه بما هو مولى، أو أنه أمر إرشادي أي أنه أمر لأجل الإرشاد إلى ما حكم به العقل، أي أنه أمر منه بما هو عاقل؟ و بعبارة أخرى أن النزاع هنا في أن مثل هذا الأمر من الشارع هل هو أمر تأسيسي، و هذا معنى أنه مولوي أو أنه أمر تأكيدي و هو معنى أنه إرشادي؟.

لقد وقع الخلاف في ذلك، و الحق أنه للإرشاد حيث يفرض أن حكم العقل هذا كاف لدعوة المكلف إلى الفعل الحسن و اندفاع إرادته للقيام به، فلا حاجة إلى جعل الداعي من قبل المولى ثانيا، بل يكون عبثا و لغوا، بل هو مستحيل لأنه يكون من باب تحصيل الحاصل.

و عليه، فكل ما يرد في لسان الشرع من الأوامر في موارد المستقلات العقلية لا بد أن يكون تأكيدا لحكم العقل لا تأسيسا.

نعم لو قلنا بأن ما تطابقت عليه آراء العقلاء هو استحقاق المدح و الذم فقط، على وجه لا يلزم منه استحقاق الثواب و العقاب من قبل المولى، أو أنه يلزم منه ذلك بل هو عينه و لكن لا يدرك ذلك كل أحد فيمكن ألا يكون نفس إدراك استحقاق المدح و الذم كافيا لدعوة كل أحد إلى الفعل إلا للأفذاذ من الناس، فلا يستغني أكثر الناس عن الأمر من المولى المترتب على موافقته الثواب و على مخالفته العقاب في مقام‏

37

الدعوة إلى الفعل و انقياده، فإذا ورد أمر من المولى في مورد حكم العقل المستقل فلا مانع من حمله على الأمر المولوي، إلا إذا استلزم منه محال التسلسل كالأمر بالطاعة و الأمر بالمعرفة. بل مثل هذه الموارد لا معنى لأن يكون الأمر فيها مولويا، لأنه لا يترتب على موافقته و مخالفته غير ما يترتب على متعلق المأمور به، نظير الأمر بالاحتياط في أطراف العلم الإجمالي.

توضيح و تعقيب:

و الحق أن الالتزام بالتحسين و التقبيح العقليين هو نفس الالتزام بتحسين الشارع و تقبيحه، وفقا لحكم العقلاء لأنه من جملتهم، لا أنهما شيئان أحدهما يلزم الآخر، و إن توهم ذلك بعضهم.

و لذا ترى أكثر الأصوليين و الكلاميين لم يجعلوهما مسألتين بعنوانين، بل لم يعنونوا إلا مسألة واحدة هي مسألة التحسين و التقبيح العقليين.

و عليه، فلا وجه للبحث عن ثبوت الملازمة بعد فرض القول بالتحسين و التقبيح. و أما نحن فإنما جعلنا الملازمة مسألة مستقلة فللخلاف الذي وقع فيها بتوهم التفكيك.

و من العجيب ما عن صاحب الفصول- (رحمه اللّه)- من إنكاره للملازمة مع قوله بالتحسين و التقبيح العقليين، و كأنه ظن أن كل ما أدركه العقل من المصالح و المفاسد- و لو بطريق نظري أو من غير سبب عام من الأسباب المتقدم ذكرها- يدخل في مسألة التحسين و التقبيح، و إن القائل بالملازمة يقول بالملازمة أيضا في مثل ذلك.

و لكن نحن قلنا: إن قضايا التحسين و التقبيح هي القضايا التي تطابقت عليها آراء العقلاء كافة بما هم عقلاء و هي بادي رأي الجميع، و في مثلها نقول بالملازمة لا مطلقا. فليس كل ما أدركه العقل من أي سبب كان و لو لم تتطابق عليه الآراء أو تطابقت و لكن لا بما هم عقلاء يدخل في هذه المسألة.

و قد ذكرنا نحن سابقا: أن ما يدركه العقل من الحسن و القبح‏

38

بسبب العادة أو الانفعال و نحوهما، و ما يدركه لا من سبب عام للجميع- لا يدخل في موضوع مسألتنا.

و نزيد هذا بيانا و توضيحا هنا، فنقول:

إن مصالح الأحكام الشرعية المولوية التي هي نفسها ملاكات أحكام الشارع لا تندرج تحت ضابط نحن ندركه بعقولنا، إذ لا يجب فيها أن تكون هي بعينها المصالح العمومية المبني عليها حفظ النظام العام و إبقاء النوع التي هي- أعني هذه المصالح العمومية- مناطات الأحكام العقلية في مسألة التحسين و التقبيح العقليين.

و على هذا، فلا سبيل للعقل بما هو عقل إلى إدراك جميع ملاكات الأحكام الشرعية. فإذا أدرك العقل المصلحة في شي‏ء أو المفسدة في آخر و لم يكن إدراكه مستندا إلى إدراك المصلحة أو المفسدة العامتين اللتين يتساوى في إدراكهما جميع العقلاء، فإنه- أعني العقل- لا سبيل له إلى الحكم بأن هذا المدرك يجب أن يحكم به الشارع على طبق حكم العقل، إذ يحتمل أن هناك ما هو مناط لحكم الشارع غير ما أدركه العقل، أو أن هناك مانعا يمنع من حكم الشارع على طبق ما أدركه العقل و إن كان ما أدركه مقتضيا لحكم الشارع.

و لأجل هذا نقول: إنه ليس كل ما حكم به الشرع يجب أن يحكم به العقل و إلى هذا يرمي قول إمامنا الصادق (عليه السلام): «إن دين اللّه لا يصاب بالعقل» و لأجل هذا أيضا نحن لا نعتبر القياس و الاستحسان من الأدلة الشرعية على الأحكام.

*** و على هذا التقدير، فإن كان ما أنكره صاحب الفصول و الأخباريون من الملازمة هي الملازمة في مثل تلك المدركات العقلية التي هي ليست من المستقلات العقلية التي تطابقت عليها آراء العقلاء بما هم عقلاء- فإن إنكارهم في محله و هم على حق فيه لا نزاع لنا معهم فيه. و لكن هذا أمر أجنبي عن الملازمة المبحوث عنها في المستقلات العقلية.

39

و إن كان ما أنكروه هي مطلق الملازمة حتى في المستقلات العقلية كما قد يظهر من بعض تعبيراتهم فهم ليسوا على حق فيما أنكروا، و لا مستند لهم.

و على هذا فيمكن التصالح بين الطرفين بتوجيه كلام الإخباريين و صاحب الفصول بما يتفق و ما أوضحناه، و لعله لا يأباه بعضهم كلامهم.

40

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

41

الباب الثاني غير المستقلات العقلية

المسألة الأولى الإجزاء:

42

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

43

تمهيد:

سبق أن قلنا: أن المراد من (غير المستقلات العقلية) هو ما لم يستقل العقل به وحده في الوصول إلى النتيجة، بل يستعين بحكم شرعي في إحدى مقدمتي القياس (و هي الصغرى)، و المقدمة الأخرى (و هي الكبرى) الحكم العقلي الذي هو عبارة عن حكم العقل بالملازمة عقلا بين الحكم في المقدمة الأولى و بين حكم شرعي آخر.

مثاله حكم العقل بالملازمة بين وجوب ذي المقدمة شرعا و بين وجوب الحكم العقلي الذي هو عبارة عن حكم العقل بالملازمة عقلا بين الحكم في المقدمة الأولى و بين حكم شرعي آخر.

و هذه الملازمة العقلية لها عدة موارد وقع فيها البحث و صارت موضعا للنزاع و نحن ذاكرون هنا أهم هذه المواضع في مسائل:

المسألة الأولى: الإجزاء

تصدير:

لا شك في أن المكلف إذا فعل بما أمر به مولاه‏

____________

قوله (ره): (لا شك في ان المكلف ...).

اقول: هذا تصدير للبحث تضمن نقاطا لا بأس بالإشارة اليها.

النقطة الأولى: اعلم انهم (القدماء) كانوا يعنونون المسألة هذه هكذا:

44

(الأمر بالشي‏ء يقتضي الإجزاء أم لا) فكانوا ينسبون صفة الاقتضاء الى نفس الأمر حتى يكون الأمر هو الذي يقتضي الإجزاء.

و اما الشيخ (ره) فقد رأى أن نسبة الاقتضاء الى الأمر خاطئة جدا لذا عدل الشيخ (ره) عن هذا العنوان الى عنوان آخر و هو (ان الإتيان بالمأمور به على وجهه هل يقتضي الإجزاء أم لا).

النقطة الثانية: و نتعرض فيها الى تفسير إجمالي للعنوان القديم فنقول إن العنوان القديم يحتوي على نقطة اساسية و هي ان الأمر الصادر من المولى هو الذي يقتضي الإجزاء فإذا قال المولى (أكرم زيدا) و قام المكلف و امتثل ذلك يكون هذا الامتثال مجزيا و مبرءا للذمة و الذي اقتضى هذا الإجزاء هو نفس الأمر.

و هنا نسأل ما معنى أن الكلام الذي صدر من المولى (أي الأمر) يقتضي الإجزاء.

الجواب ان يقتضي بمعنى (يدل) كما يقولون الأمر يقتضي الوجوب أي (يدل على الوجوب) فمرادهم هنا هو أن الأمر يدل على أن امتثال ذلك يسقط عنه هذا التكليف.

و من هنا نستنتج نتيجة و هي أن هذه المسألة عندهم دلالية أي أن النقاش و الخلاف فيها إنما هو في دلالة الأمر هل يدل على الإجزاء أم لا.

فهذه المسألة دلالية لفظية تماما كمسألة (الأمر يقتضي الوجوب).

إذن هذه المسألة عند القدماء مسألة لفظية يبحث فيها عن دلالة صيغة الأمر او مادته كسائر المسائل الأخرى التي تبحث عن دلالة الأمر.

النقطة الثالثة: إن المتأخرين عدلوا عن هذا العنوان لأنهم رأوه فاسدا و وجه فساده يتضح بعد ان نعرف ان صيغة الأمر إنما تدل على وضع التكليف فيستحيل أن تكون دالة على كيفية سقوطه و بعبارة اخرى عندنا مرتبتان.

الأولى: مرتبة وجود التكليف في لوح الشريعة.

45

على الوجه المطلوب- أي أتى بالمطلوب على طبق ما أمر به جامعا لجميع ما هو معتبر فيه من الإجزاء أو الشرائط شرعية أو عقلية- فإن‏

____________

الثانية: مرتبة كيفية اسقاط هذا التكليف الموجود.

و لا يخفى أن المرتبة الثانية متأخرة عن الأولى لا يمكن لحاظها قبل الفراغ عن لحاظ المرتبة الأولى.

و من هنا يستحيل ان يكون الأمر مستعملا للدلالة على هذين المعنيين (المرتبتين) حتى لو قلنا بجواز استعمال اللفظ في اكثر من معنى. و ذلك لأن استعمال اللفظ في معنيين إنما يمكن إذا كان المعنيان يمكن لحاظهما في آن لا ما إذا كانا مترتبين.

فالحاصل أنه لا مجال لكون الأمر هو الدال على الأجزاء و بذلك يتضح فساد العنوان القديم.

النقطة الرابعة: بعد أن عرفت فساد العنوان المتقدم تعرف لما ذا انتقل الشيخ (ره) و المتأخرون الى العنوان الجديد حيث نسبوا الإجزاء الى نفس الإتيان أي الامتثال فإن المكلف إذا امتثل التكليف و اتى به على وجهه هل يكون هذا الامتثال مستوجبا لإسقاط التكليف ام لا. فإن الذي يحتمل فيه اسقاط التكليف هو الامتثال لا الأمر الذي هو الدال على وضع التكليف.

إذن فالعنوان الصحيح هو العنوان الحديث و هو (الإتيان بالمأمور به على وجهه يقتضي الإجزاء ام لا) و نحتاج الى تفسير هذا العنوان و الظاهر ان جميع كلماته واضحة إلا ثلاث كلمات نبحث عنها في النقاط الآتية و قد تعرض المصنف (ره) لها فنحن نتعرض لها بعد ذكر عبارة المصنف (ره).

قوله (ره): (على الوجه المطلوب. أي أتى بالمطلوب ...).

أقول: هذا تعرض للنقطة الخامسة و فيها تفسير كلمة (على وجهه) و قد فسرت بتفاسير ثلاثة.

الأول: على وجهه أي على الوجه الذي كانت العبادة له و كان يجب قصده في العبادة فإن مذهب بعض الفقهاء أنه يجب قصد الوجه في العبادة أي قصد الوجوب او الاستحباب فالمراد من الوجه هو الوجوب او الاستحباب.

46

هذا الفعل منه يعتبر امتثالا لنفس ذلك الأمر، سواء كان الأمر اختياريا واقعيا، أو اضطراريا، أو ظاهريا.

____________

الثاني: أن المراد بالوجه هو النهج و الطريقة المقررة عقلا و شرعا.

الثالث: أن المراد بالوجه هو النهج و الطريقة المقررة شرعا.

أما التفسير الأول فواضح الفساد لأمور.

الأول: ما ذكره الشيخ (ره) من أنه لو كان المراد بالوجه هو الوجوب و الاستحباب كان المفروض ان يقال (اتيان المأمور به لوجهه ...) لا (على وجهه) فإن الإتيان بالعمل يتعدى الى الوجوب و الاستحباب بحرف اللام لا بحرف (على) فلا يقال أتيت بالعمل على وجوبه و هذا واضح.

الثاني: أنه لا خصوصية لقصد الوجوب او الاستحباب فإنه على فرض القول بلزومه كان من جملة الشرائط أو الأجزاء كالنية و قصد التمييز و نحو ذلك. فلا وجه لأن يذكر قصد الوجه دون كل ذلك.

الثالث: أن (قصد الوجه) على القول بوجوبه مختص بالعبادات و الكلام هنا اعم من العبادات و المعاملات.

فظهر فساد هذا التفسير الأول و تعين احد التفسيرين الأخيرين و تعيين احدهما مبني على مسألة مر اشارة اليها و لعله يأتي التعرض لها مفصلا و هي انه هل يوجد في العبادات شرائط يكون الحاكم بها هو العقل لا الشرع. فإن الشرائط قسمان.

الأول: شرائط الممتثل أي المأمور به.

الثاني: شرائط الامتثال.

و القسم الأول لا خلاف في كونه من الشرع.

و أما الثاني ففيه قولان. الأول انه من العقل. الثاني انه من الشرع.

فعلى القول الأول يكون الامتثال الكامل متوقف على الإتيان بالشرائط الشرعية و الشرائط العقلية و هو الموافق للتفسير الثاني.

و على القول الثاني يكون الامتثال غير متوقف إلا على الشرائط الشرعية و هو الموافق للتفسير الثالث.

47

و الأقوى هو القول الثاني و بالتالي يلزم التفسير الثالث، و المصنف (ره) ذكر التفسير الثاني مما يكشف عن اختياره للقول الأول في مسألة الشرائط.

و لكن هذا منه غريب حيث ان مذهبه ان قصد القربة (و هو من شرائط الامتثال) يمكن جعله من الشارع و لو بأمرين.

اللهم إلا أن يكون ذكر التفسير على مذهب غيره كمذهب صاحب الكفاية (ره) او يكون يدعي ان غير قصد القربة من شرائط الامتثال.

النقطة السادسة: في تفسير الاقتضاء و قد تعرض لها المصنف (ره) في آخر التصدير و حاصل الكلام فيها. أن (يقتضي) في هذا العنوان الحديث ليس معناها سوى العلية أي هل يكون الإتيان بالمأمور به على وجهه علة للإجزاء و لا يمكن ان يكون معناها (الدلالة) لوضوح أن الامتثال ليس من قبيل الدوال حتى يوصف بالدلالة او عدم الدلالة.

تنبيه: قولنا أن الإتيان علة الإجزاء فيه مسامحة سوف تتضح في النقطة الثامنة.

النقطة السابعة: في تفسير الإجزاء و قد اشار اليها المصنف (ره) في الحاشية و تفسيرها واضح فإن الإجزاء بمعنى الكفاية بحيث لا يكون المكلف مطلوبا بأي شي‏ء آخر تجاه هذا الأمر. أي أن الأمر يسقط عن التحريك و البعث.

فمثلا إذا قال المولى (اكرم زيدا) فإن هذا امر يبعث العبد و يحركه نحو متعلقة فإذا تحرك العبد و أكرم زيدا يكون هذا التحرك و الامتثال مقتضى للكفاية أي أن العبد لا يطالب بشي‏ء آخر تجاه هذا الأمر و هذا عبارة اخرى عن ان الأمر المذكور قد سقط عن التحريك و الباعثية.

فالإجزاء وصف يحمل على الفعل و هو كون الفعل مستوجبا لاكتفاء صاحب الحق سواء كان مولى او غير مولى فتقول هل (أجزأ عني عملي) او هل (اجزأك عملي).

النقطة الثامنة: في تحرير محل النزاع و قد تعرض لها المصنف (ره)

48

و ليس في هذا خلاف أو يمكن أن يقع فيه الخلاف.

و كذا لا شك و لا خلاف في هذا الامتثال على تلك الصفة

____________

فنتعرض لها بعد التعرض لكلامه.

قوله (ره): (و ليس في هذا خلاف او يمكن ان يقع فيه الخلاف ...).

اقول: ما أفاده في كلامه هو إن الإتيان بالمأمور به على وجهه يسمى امتثالا لذلك الأمر فإذا قال المولى (اكرم زيدا) و قام العبد و اكرم زيدا فإن هذا الفعل من العبد يسمى امتثالا لأمر المولى و هذا من الواضح أنه لا يمكن ان يقع فيه خلاف لأنه تفسير الشي‏ء بنفسه لوضوح أن ليس معنى الامتثال سوى ان يفعل العبد ما امره المولى.

قوله (ره): (و كذا لا شك و لا خلاف في هذا الامتثال ...).

اقول: هذا شروع في النقطة الثامنة و توضيحها يبتني على تذكير و هو أن الحكم على قسمين.

الأول: واقعي و هو الحكم الذي موضوعه لم يلاحظ فيه الشك و الجهل بالحكم الشرعي.

الثاني: ظاهري و هو الحكم الذي موضوعه قد لوحظ فيه الشك و الجهل بالحكم الشرعي.

ثم إن الحكم الواقعي على قسمين.

القسم الأول: ما كان للمختار.

الثاني: ما كان للمضطر و المكره. أي كان موضوعه قد اخذ فيه الاضطرار و الإكراه.

فالحكم ثلاثة اقسام واقعي اختياري، واقعي اضطراري، و ظاهري. و من هنا فالأمر أيضا على ثلاثة اقسام.

إذا عرفت هذا التذكير نقول إن المسألة التي نحن فيها تتفرع الى فرعين.

الفرع الأول: الإتيان بالمأمور به بالأمر الواقعي الاختياري او

49

يجزئ و يكتفي به عن امتثال آخر، لأن المكلف- حسب الفرض- قد جاء بما عليه من التكليف على الوجه المطلوب. و كفى!.

____________

الاضطراري او الظاهري يجزي عن نفسه ام لا فالصلاة عن قيام مثلا مأمور بها بالأمر الواقعي الاختياري فالإتيان بها هل يجزئ عن هذا الأمر الواقعي.

و التيمم مثلا مأمور به بالأمر الاضطراري فالإتيان به هل يجزئ عن هذا الأمر الاضطراري.

فالحاصل ان الإتيان بالمأمور به هل يقتضي سقوط الأمر الذي تعلق بهذا المأمور به ام لا.

الفرع الثاني: أن الإتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراري او الظاهري هل يقتضي الإجزاء عن الأمر الواقعي الاختياري فالصلاة من قعود مأمور بها بالأمر الاضطراري فهل الإتيان بها يقتضي اسقاط الأمر الواقعي الاختياري المتعلق بالصلاة التامة.

و مثلا الصلاة بدون سورة قد تعلق بها الأمر الظاهري فهل الإتيان بها يقتضي اسقاط الأمر الواقعي المتعلق بالصلاة التامة.

إذا عرفت هذين الفرعين فنقول.

اما الفرع الأول فلا خلاف فيه كما ذكره المصنف (ره). و دليل ذلك يتضح في مقدمات بديهية.

الأولى: ان الأمر تكليف و فعل صادر من المولى فلا بد ان يكون له غرض لاستحالة ان يقوم الحكيم بفعل بلا غرض.

الثانية: ان متعلق التكليف يجب ان يكون وافيا بالغرض بمعنى ان الفعل الذي امر به المولى يجب ان يكون محققا لغرضه.

الثالثة: ان الأمر كما يحتاج حدوثه الى غرض. كذلك يحتاج بقاؤه الى غرض إذ كل ممكن يحتاج إلى العلة حدوثا و بقاء.

إذا عرفت هذه المقدمات فبمقتضى الأولى ينتج ان الأمر لغرض.

و بمقتضى الثانية ينتج ان الفعل محقق للغرض فلو ان العبد حقق الفعل يتحقق غرض المولى.

50

و بمقتضى الثالثة ينتج استحالة بقاء الأمر لأن غرض المولى قد تحقق فلو بقي الأمر لبقي بلا غرض و هو محال.

فيتضح ان الإتيان بالمأمور به بأمر يقتضي اسقاط ذلك الأمر.

تنبيه: قد اتضح مما ذكرناه ان الإتيان ليس علة سقوط الأمر بل هو علة لانعدام علة بقاء الأمر، فإن الأمر يبقى بعلته و هو الغرض و الإتيان يحقق الغرض فتنعدم علة الأمر فينعدم الأمر بانعدام علته. و سبب انعدام علته هو الإتيان بالفعل.

نعم هو علة اكتفاء المولى بما فعله العبد فبين سقوط الأمر و اكتفاء المولى فرق و هو أن الأول من لوازم الثاني. إذن الخلاف إنما هو في الفرع الثاني.

النقطة التاسعة: في ان البحث في هذه المسألة هو عقلي ام لفظي.

فنقول بناء على العنوان الحديث فالبحث عقلي جزما لأن الكلام في ان الإتيان علة للإجزاء ام لا. و هذا امر عقلي لا لفظي كما لا يخفى.

و أما بناء على العنوان القديم فالبحث لفظي أي أن الأمر يدل على الإجزاء ام لا.

تنبيه: قد يحاول إثبات ان البحث لفظي بمحاولتين.

الأولى: أن الأمر و إن لم يكن دالا على الإجزاء بالمطابقة. إلا أنه يدل على ذلك بالالتزام و ذلك لأن الأمر يدل بالمطابقة على التكليف بشي‏ء.

و يوجد ملازمة عقلية بين التكليف بشي‏ء و بين كون الإتيان بذلك الشي‏ء مقتضيا للإجزاء.

و على هذه المحاولة يقع التصالح بين العنوان القديم و العنوان الحديث إذ عنوان القدماء يكون صحيحا لأنه يبحث عن وجود الدلالة الالتزامية كما ان العنوان الحديث يكون صحيحا يبحث عن نفس الملازمة و من الواضح ان وجود الدلالة الالتزامية هو فرع وجود الملازمة.

و هذه المحاولة فاسدة و ذلك لأن الدلالة الالتزامية تتوقف على كون‏

51

الملازمة بينه بالمعنى الأخص كما حرر في محله. و هذه الملازمة ليست بينه بالمعنى الأخص جزما و لذا فالدلالة الالتزامية غير موجودة و إن كانت الملازمة موجودة.

ثم إنك عرفت في النقطة الثانية إن ملاحظة الإجزاء متأخرة رتبة عن ملاحظة نفس التكليف، و من هنا فيستحيل على الآمر ان يلحظ الإجزاء حين الأمر فحتى لو قلنا ان الملازمة بينه بالمعنى الأخص لم يمكن ان يكون مدلولا التزاميا لأنه لا يمكن ان يكون مقصودا للآمر و من البديهي ان الدلالة التصديقية فرع القصد.

المحاولة الثانية: و هي انك عرفت في النقطة السابقة ان المسألة لها فرعان.

الأول أن الإتيان بالمأمور به على وجهه يقتضي الإجزاء عن أمر نفسه.

الثاني ان الإتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراري او الظاهري يقتضي الإجزاء عن الأمر الواقعي الاختياري.

اما الفرع الأول فهو عقلي و اما الثاني فليس عقليا لوضوح عدم وجود أي ترابط بين الإتيان بالمأمور بالأمر الظاهري مثلا مع الأمر الواقعي فلا مجال لتوهم العلية بل يجب ان يكون البحث لفظيا أي أن الدليل الدال على الأمر الظاهري مثلا هل دل على ان الإتيان به مسقط للأمر الواقعي ام لا.

فيكون البحث في هذا الفرع الثاني بحثا لفظيا و اما البحث الأول فإنه و إن كان عقليا إلا أنك عرفت أنه ليس محلا للخلاف و إنما محل الخلاف هو هذا الفرع الثاني.

ثم إن صاحب الكفاية (ره) قال إن هذه المحاولة و إن كانت صحيحة إلا أنها لا تنتج ان كلمة (يقتضي) في العنوان بمعنى الدلالة قال ما حاصله (على ما فسره بعضهم: أن عندنا كبرى و هي (إن الإتيان بالمأمور به الواقعي يقتضي الإجزاء عن الأمر الواقعي).

و عندنا الصغرى و هي (أن الإتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراري هو

52

و حينئذ يسقط الأمر الموجه إليه، لأنه قد حصل بالفعل ما دعا إليه و انتهى أمده. و يستحيل أن يبقى بعد حصول غرضه و ما كان قد دعا إليه، لانتهاء أمد دعوته بحصول غايته الداعية إليه، إلا إذا جوزنا المحال و هو حصول المعلول بلا علة.

____________

إتيان بالمأمور به بالأمر الواقعي). فالكبرى عقلية و الثانية دلالية بمعنى انها تؤخذ من الأدلة السمعية.

فالأدلة السمعية لا دلالة لها على اقتضاء او عدم اقتضاء و إنما تدل على الصغرى فيكون النتيجة من ضم الصغرى الى الكبرى (أن الإتيان بالمأمور به بالأمر الظاهري يقتضي الإجزاء عن الأمر الواقعي).

و لا يخفى ان كلمة يقتضي في هذه النتيجة هي عين كلمة يقتضي في الكبرى (لأنها الحد الأوسط). إذن (يقتضي) في الفرعين واحد و هو الاقتضاء العقلي.

اقول ما ذكره صاحب الكفاية (ره) يرد عليه أمور ليس هنا مقام ذكرها.

قوله (ره): (و يستحيل ان يبقى بعد حصول غرضه ...).

اقول: هذه العبارة الى آخرها فيها تشويش بحذف الضمائر و نحن نذكرها مع ضمائرها لتكون واضحة (و يستحيل ان يبقى الأمر بعد حصول غرض الأمر. أي الغرض الذي هو علة الأمر علة غائية. و هو (أي الغرض) الذي كان قد دعا الى الأمر. فيستحيل ان يبقى الأمر (بعد حصول الغرض) لانتهاء امد دعوته (الأمر) بحصول غايته (الأمر) الداعية اليه (الأمر). إلا إذا جوزنا المحال و هو حصول المعلول بلا علة فإذا جوزنا ذلك امكن ان يقال ببقاء الأمر بلا غرض أي بلا علة غائية لأن الغرض هو العلة الغائية).

قوله (ره): (و هو حصول المعلول بلا علة ..،).

اقول: الأولى ان يقول و هو بقاء المعلول بلا علة لأن الكلام في بقاء الأمر لا حدوثه.

ثم إنه ذكر في الحاشية مسألة تبديل الامتثال بالامتثال توضيح ذلك ان‏

53

المولى إذا أمر بصلاة الظهر مثلا ثم قام المكلف و امتثل و صلى. ثم قام و صلى ثانية فبالنسبة الى هذه الصلاة الثانية يقع ثلاث أسئلة.

السؤال الأول: أنه هل يجوز أن يكون كلا هاتين الصلاتين معا امتثالا واحدا لهذا التكليف.

السؤال الثاني: أنه هل يجوز أن يكون كلا هاتين الصلاتين امتثالين.

أي الصلاة الأولى امتثال للتكليف و الصلاة الثانية امتثال ثان لنفس هذا التكليف.

السؤال الثالث: انه إذا لم يجز ان يكون الصلاتان امتثالين فهلا يجوز ان نبدل الامتثال الأول بالثاني بحيث يصير امتثال التكليف بالفعل الثاني لا بالفعل الأول.

إذا عرفت هذه الأسئلة الثلاثة فالسؤال الثالث هو المختص بمسألة تبديل الامتثال بالامتثال.

و أما السؤال الثاني فهو المختص بمسألة جواز تعدد الامتثال.

و أما السؤال الأول فلا عنوان له و يمكن ان نعنونه الامتثال الواحد بأكثر من واحد.

إذا عرفت ذلك فلنتعرض للسؤال الثالث و لعل خلاله يتضح حكم السؤالين المتقدمين فنقول إن الكلام يقع في الإمكان او عدمه بغض النظر عن الوقوع او عدمه.

نعم بناء على الاستحالة يجب ان نؤوّل ما ورد من الروايات و كان ظاهره جواز تبديل الامتثال. و قد ذكر في المسألة ثلاثة أقوال.

الأول الاستحالة مطلقا.

الثاني الإمكان مطلقا.

الثالث التفصيل بين الفعل الذي هو علة تامة لتحقق الغرض فالاستحالة و بين الفعل الذي ليس علة تامة لتحقق الغرض فالإمكان.

54

اما القول الأول: و هو قول المشهور فقد استدلوا له بمقدمات.

الأولى: ان الأمر فعل حادث ممكن معلول للغرض و هو العلة الغائية للأمر حدوثا و بقاء إذ كما يستحيل حدوث الفعل بلا غرض يستحيل بقاؤه كذلك.

الثانية: ان متعلق الأمر يجب ان يكون محققا للغرض لاستحالة ان يأمر الحكيم بما لا يحقق غرضه.

الثالثة: ان عنوان الامتثال هو علاقة بين الفعل و الأمر و يستحيل وجود العلاقة إلا بوجود طرفيها.

إذا عرفت هذه المقدمات فلو ان العبد صلى اولا يجب ان يتحقق غرض المولى كما هو مقتضى المقدمة الثانية.

و إذا تحقق غرض المولى يجب سقوط الأمر كما هو مقتضى المقدمة الأولى.

و إذا سقط الأمر استحال صدق الامتثال على الفعل الثاني كما هو مقتضى المقدمة الثالثة.

و بالتالي ينتج استحالة صدق الامتثال على الفعل الثاني.

تنبيه: عين هذا الدليل يصلح للإجابة على السؤال الأول و الثاني فلا تغفل.

و أما القول بالتفصيل: و هو مذهب صاحب الكفاية (ره) فيعرف من الدليل المتقدم حيث أبطل المقدمة الثانية و ادعى ان متعلق الأمر قسمان.

القسم الأول: قسم يكون علة تامة لتحقق غرض المولى كما لو كان غرضه موت زيد فأمر بقتله فلو ان العبد قتله فقد تحقق غرضه و كان قتله هو العلة التامة له. و كما لو كان غرضه رفع عطش المكلف فأمره بالشرب فشرب المكلف فهنا يكون شرب المكلف هو العلة التامة لرفع العطش أي لتحقق الغرض.