الهداية إلى غوامض الكفاية - ج1

- محمد حسين الميرسجادي المزيد...
404 /
3

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

[المقدمة مؤلف‏]

بسم الله الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على أشرف الأنبياء و المرسلين حبيب إله العالمين أبي القاسم محمد و آله الطيبين الطاهرين و اللعن الدائم على أعدائهم و مبغضيهم و منكري فضائلهم الى يوم الدين.

و بعد فإنّه لا يخفى مدى أهميّة علم اصول الفقه و تأثيره على عملية استنباط الأحكام الشرعية، فإنّ نسبته الى علم الفقه نظير نسبة علم المنطق الى سائر المعارف و العلوم، إذ أنّ الاستدلال على الحكم الشرعي عادة يتوقّف على تحكيم جملة من القواعد و المباني الكلية التي يتكرّر الاستناد اليها و الارتكاز عليها؛ فإنّها تؤخذ عادة في علم الفقه كقضايا مسلّمة مفروغ عنها من قبيل حجيّة الظهور و حجيّة الإجماع و ظهور الأمر في الوجوب و النهي في الحرمة أو الاصول العملية و قواعد التعارض و غير ذلك، و إنّك لا تكاد ترى عملية استدلال فقهية خالية من شي‏ء من تلك القواعد.

و كان لا بدّ من تنقيح هذه المسائل و تحقيقها؛ إذ أنّها ليست من المعارف البديهية و الضرورية بل هي من جملة القضايا النظرية التي تفتقر الى الدليل و تحتاج الى الإثبات، و قد تكفّل علم الاصول بمعالجة هذه المطالب و دراستها.

و نحن إذا تتبّعنا مسيرة علم الاصول نجد أنّه مرّ بمراحل تاريخية عديدة حتى بلغ ذروته على يد الوحيد البهبهاني (رحمه اللّه) و أوضح دقائقه الشيخ الأعظم (رحمه اللّه) و تبعه تلامذته النابغين و على رأسهم المحقق الخراساني (رحمه اللّه) الذي وضع اسس المدارس‏

6

الاصولية الحديثة التي تشيّدت على أيدي تلامذته أمثال المحقق النائيني و المحقق العراقي و المحقق الأصفهاني (رحمه اللّه)، حيث وصل علم الاصول على أيدي هؤلاء الفطاحل الى مرحلة النضج و البلوغ، و حموا بذلك بيضة الفقه من الانهيار، فجزاهم اللّه عن الإسلام و أهله خير الجزاء.

و قد أظهر المحقق الخراساني (قدّس سرّه) آراءه الراقية في مؤلفاته القيّمة و عمدتها الأثر العظيم و هو كفاية الاصول الذي احتوى على اختصاره و قلّة عباراته أتقن المباني و أرقى التحقيقات، و من أجله صار المحور الكبير في الدروس العالية. و قد توجّهت الأنظار الى تبيين مطالبه فمن أتقن و أكمل و أدقّ و أصوب التوضيحات لغوامض الكتاب هو ما أفاده أكبر تلاميذه السيد الفقيه الاصولي المحقق الكبير و المرجع الفقيد السيد أبو الحسن الأصفهاني (رحمه اللّه) على ما سجّله تلاميذه الذي قد نشر منه ما سجّله المحقق آية اللّه المرحوم الشيخ محمد تقي الآملي و آية اللّه المرحوم السيد السيادتي و آية اللّه المرحوم الشيخ ابراهيم الكرباسي رحمهم اللّه.

و قد وفّقني اللّه سبحانه لحضور دروس والدنا و استاذنا سماحة آية اللّه السيد محمد حسين الميرسجادي حفظه اللّه تعالى في مجال علم اصول الفقه حيث كان يعتمد المتن الاصولي المشهور ألا و هو كفاية الاصول للمحقق الخراساني (قدّس سرّه) الشريف. و هو في الوقت الذي عالج المطالب الاصولية حاول بيان النكات الدقيقة و النظريات الهامة التي احتوى عليها هذا السفر الخالد بما استفاده خلال فترة تلمّذه على كبار الأساتذة في عهد الحوزة العلمية في النجف الأشرف جوار أمير المؤمنين إمام علي عليه أفضل الصلوات و السلام، و التي امتدّت قرابة أربعين عاما ارتشف فيها سلسبيل الفقاهة و نهل من نمير الاصول على أيدي أساطين العلم و رجالات الفقه، و كان لتعدّد الأساتذة على اختلاف مشاربهم و تنوّع مسالكهم الأثر الكبير على تحكيم الاساس العلمية لسماحة سيدنا الاستاذ

7

و على بلورة رصيده الفقهي و الاصولي.

و أكثر تحصيله كان على يد سماحة آية اللّه العظمى السيد أبو القاسم الخوئي (قدّس سرّه) و كذلك سماحة آية اللّه الميرزا محمد باقر الزنجاني (قدّس سرّه). و لم تنحصر دائرة استفاداته بهذين العلمين فحسب بل قضى و طرا في حضور سماحة آية العظمى إمام الامة السيد روح اللّه الموسوي الخميني (قدّس سرّه).

و قد كان سيدنا الاستاذ يفيض علينا بما يراه مناسبا مع المقام في بحوثه التي ألقاها خلال سنوات عديدة؛ و نظرا لما لمسته من فوائد جمّة تنفع طلّاب العلم و روّاده عزمت على كتابة تقرير لأبحاثه بصورة شرح لكتاب كفاية الاصول راجيا من اللّه تعالى أن يجعله ذخرا لنا في الآخرة و يتقبّل ذلك منّا بأحسن القبول، و الحمد للّه أولا و آخرا.

رمضان المبارك عام 1420 علي ميرسجادي‏

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

قال المؤلف (رحمه اللّه): و بعد فقد رتّبته على مقدّمة و مقاصد و خاتمة، أمّا المقدّمة ففي بيان امور الأوّل: إنّ موضوع كلّ علم و هو الذي يبحث فيه عن عوارضه الذاتية أي بلا واسطة في العروض (1)

[المقدمة في بيان امور]

[الامر الاول موضوع العلم‏]

(1) تعرض في هذا الأمر لبيان موضوع علم الاصول و تعريفه و أمّا فائدته فأنّها تعرف من خلال التعريف، و بدأ كما هو المعمول بالبحث عن موضوع العلم (و هذه الأبحاث كلّها خارجة عن مسائل العلم).

المعروف إنّ موضوع العلم هو: ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية و أنّ مسائل العلم أعراضا ذاتية لموضوع العلم و المعروف في تفسير العرض الذاتي أنّه هو: ما يعرض للشي‏ء بلا واسطة أو مع واسطة مساوية، و ما يقابله و هو (العرض الغريب) ما يعرض للشي‏ء بواسطة أمر أخصّ أو أعمّ خارجيا كان أو داخليّا أو مبائنا، و للتوضيح نقول: إنّ العارض إمّا أن يعرض للشي‏ء من دون واسطة شي‏ء مثل: (إدراك الكليّات العارض للنفس الناطقة)، و إمّا أن يعرض له بواسطة شي‏ء و هو على ستّة أقسام فتكون الأقسام مع القسم السابق سبعة؛ لأنّ الواسطة إمّا أن يكون داخليّا و هو الجزء العقلي لحقيقة الشي‏ء أي الجنس و الفصل و تسمّى ب (الواسطة الداخليّة) فالعارض بواسطة الجنس كالحركة الإرادية العارضة للإنسان بواسطة الحيوان و يعبّر عنه (بالواسطة الداخليّة الأعمّ) و العارض بواسطة الفصل كالتكلّم العارض للإنسان بواسطة النطق و يعبّر عنه بالواسطة الداخلية المساوية، و إمّا أن يكون خارجيا و يسمّى بالواسطة الخارجية أي الأمر الخارج عن حقيقة الشي‏ء و هو على ثلاثة أقسام لأنّ الواسطة إمّا أن تكون مساوية للمعروض كالضحك العارض للإنسان بواسطة التعجّب أو تكون أعمّ كالأبعاد الثلاثة العارضة للبياض بواسطة الجسم أو تكون أخصّ كالضحك العارض للحيوان بواسطة الإنسان، و القسم‏

10

السادس هو ما تكون الواسطة أمرا مبائنا مع المعروض كالحرارة العارضة للماء بواسطة النار. و قد تسالموا على أنّ العارض بلا واسطة أو العارض بواسطة الجزء المساوي أو العارض بواسطة الأمر الخارج المساوي أعراض ذاتية، كما إنّ العارض بواسطة الخارج الأعم أو الأخص أو العارض بواسطة المباين أعراض غريبة و اختلفوا في الداخل الأعم.

و هنا إشكال و هو: أنّ محمولات المسائل تعرض لموضوع العلم بواسطة موضوعاتها فالرفع يعرض الكلمة بواسطة الفاعلية و هي خارج أخصّ فيكون عرضا غريبا (على التعريف) فلا يطابق ما ذكروا من أنّ: موضوع العلم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية، و قد حاولوا لدفع الإشكال بعدّة محاولات نذكر اثنين منها.

الاولى: محاولة الماتن (رحمه اللّه) (تبعا للفصول و هو العدول عن التعريف للعرض الذاتي بما ذكره في المتن) من أنّ العرض الذاتي هو أن لا تكون الواسطة من الواسطة في العروض سواء لم تكن واسطة أو كانت الواسطة في الثبوت أو الإثبات، فإن كانت الواسطة في العروض يكون العرض غريبا، و توضيحه هو:

أنّ أقسام الواسطة ثلاثة أحدها: الواسطة في الثبوت (و هي كون الواسطة علّة لوجود الشي‏ء كواسطية النار للحرارة و الثلج للبرودة)، ثانيها: الواسطة في الإثبات (و هي كون العلم بالواسطة علّة للعلم بوجود الشي‏ء كوساطة العلم بالدخان للعلم بوجود النار)، ثالثها: الواسطة في العروض (و هي كون الواسطة علّة لصحّة الحمل مجازا كعروض الحركة لجالس السفينة بواسطتها)، فبهذا التعريف تخلّص عن الإشكال فإنّ الفاعلية من قبيل الواسطة للإثبات بالنسبة الى الرفع.

و المحاولة الثانية (هي محاولة المحقّق النائيني (رحمه اللّه) تبعا للأسفار) و هو:

11

تقييد الموضوع بالحيثية فالموضوع لعلم النحو (الكلمة) من حيث لحوق الإعراب و البناء لا من حيث هو، فقولنا: (الفاعل مرفوع) يكون عرضا ذاتيا للكلمة مع تلك الحيثية و قولنا: (الصلاة واجبة) عرض ذاتي لفعل المكلّف الّذي هو موضوع الفقه من حيث عروض الأحكام له، فاتّحد موضوع العلم مع موضوع المسألة و صار المحمول عرضا ذاتيا لهما.

و أورد عليه سيدنا الاستاذ أوّلا: بأنّ التقييد بالحيثية يوجب تضييقا لجهة البحث لا تضييقا للموضوع فالكلمة بما هي موضوع علم النحو، و ثانيا: على تقدير التسليم فإنّ التقييد الحيثية لا يوجب تخصّص الموضوع بتلك الخصوصيّة، فإنّ الرفع يعرض الكلمة بواسطة الفاعلية و تقييد الكلمة بحيثيّة الإعراب لا يوجب تخصّصها بخصوصيّة الفاعلية، و مع ذلك كيف تصح دعوى اتحادهما؟ فإنّه من قبيل دعوى اتحاد الماهيّة لا بشرط مع الماهيّة بشرط شي‏ء.

و الصحيح هو: أنّه لا دليل من العقل أو النقل على لزوم كون البحث في العلوم عن العوارض الذاتية للموضوع، بل اللازم هو أن يكون لمحمولات المسائل دخلا في حصول الغرض سواء كانت من العوارض الذّاتية للموضوع أو الغريبة، أصلية كانت أم اعتبارية أم انتزاعية.

ثم إنّ المشهور ادّعوا أنّه: لا بدّ لكل علم من موضوع جامع ذاتيّ بين موضوعات المسائل بحيث تكون نسبته اليها نسبة الطبيعي الى مصاديقه و أنّ وحدة العلم تكون بوحدة الموضوع، و أنّ عمدة ما استدلّوا عليه برهان مؤلّف من مقدّمات هي: إنّ الغرض في كل علم واحد، و إنّ مسائل العلم كثيرة متشتتة، و إنّ تأثير الكثير في الواحد محال فوحدة الأثر تكشف عن و يرد عليه: إنّ البرهان قائم على استحالة صدور الواحد الشخصي عن الكثير و أمّا صدور الواحد النوعي عن الكثير فلا استحالة فيه، فالحرارة وحدة المؤثر و هو الجامع للمسائل.

12

هو نفس موضوعات مسائله عينا (1)

النوعية تتكوّن من الشمس و النار و الحركة السريعة و الكهرباء، و الغرض في العلوم واحد نوعي غالبا و ليس بشخصي، بل في بعض العلوم يكون واحدا اعتباريا منتزعا من أغراض عديدة، فلا مانع من الكثير منه.

مضافا الى أنّه لا يمكن فرض الجامع مع الذاتي بين موضوعات مسائل بعض العلوم كالفقه، فإنّ الموضوع في بعضها: الماء و الأرض و الدم و هو من مقولة الجوهر، و في بعضها: النيّة و هي من مقولة الكيف النفساني، و في بعضها:

القراءة و هي من مقولة الكيف المسموع، و في بعضها: القيام و الركوع و هما من مقولة الوضع، و في بعضها: امور عدمية كالتروك، و كذلك محمولاتها. ففي بعض مسائل الفقه يكون المحمول حكما تكليفيا و في بعضها وضعيا أو تكون امورا انتزاعية كالسببية و الشرطية.

فتبيّن: أنّه مضافا الى عدم الحاجة لوجود موضوع جامع ذاتي للمسائل، هو غير ممكن في بعض العلوم.

(1) أي: إنّ نسبة موضوع العلم الى موضوعات المسائل نسبة، الكلي الى أفراده؛ كالإنسان و زيد فعوارض الفرد يكون عوارضا للكلّي، إلّا أنّ ذلك قابل للمنع فأنّ موضوع المسألة قد يكون نفس موضوع العلم و قد يكون جزئه و قد يكون جزئيه و قد يكون من أعراضه، بل قد لا يمكن أن يكون موضوع المسأله مصداقا لموضوع العلم كما عرفت ذلك بالنسبة الى مسائل الفقه؛ فأنّ المقولات متباينة و لا يعقل وجود جامع ذاتي للمقولات المختلفة، و هذا دليل ثان على أنّ مسائل العلم لا يمكن لأن تكون عوارضا ذاتية لموضوع العلم.

13

و ما يتّحد معها خارجا و إن كان يغايرها مفهوما تغاير الكلّي و مصاديقه و الطبيعي و أفراده (1)، و المسائل عبارة عن جملة من قضايا متشتّة (2) جمعها اشتراكها في الدّخل في الغرض الّذي لأجله دوّن هذا العلم (3) فلذا قد يتداخل بعض‏

(1) هذا عطف تفسير على قوله: الكلّي و مصاديقه.

(2) مثل قولنا: (الفاعل مرفوع) و أمّا تعريف الفاعل الذي هو موضوع المسألة أو تعريف الرفع الّذي هو محمول المسألة أو تعريف موضوع العلم فأنّها تسمّى بالمبادي التصوّرية، كما إنّ الدليل الدّال على ثبوت المحمول للموضوع و على صدق القضية تسمّى بالمبادي التصديقية. و للفقه مبادي اخرى تسمّى بالمبادي الأحكامية، و المبادي كلّها خارجة عن العلم.

(3) أي: إنّ الجامع للمسائل المتشتّة على المشهور هو الموضوع، إلّا أنّ الماتن (رحمه اللّه) خالفهم في ذلك و بنى على أنّ الجامع لها هو الاشتراك في الدّخل في الغرض الّذي لأجله دوّن العلم، و يشهد لذلك تداخل العلمين في المسألة الواحدة؛ كمسألة التجري فأنّه تداخل فيها الفقه و الاصول و الكلام و ليس ذلك إلّا من جهة تعلّق غرض الفقيه و الاصولي و المتكلم فيها، فلو كان الجامع الموضوع لما أمكن التّداخل. و ما أفاده (رحمه اللّه) صحيح و هو يشهد لما ذكرناه من عدم الحاجة لموضوع العلم فتبين أوّلا: أنّه لا يدل دليل على لزوم الموضوع للعلم و ثانيا: على تقدير وجود الدليل عليه لا دليل على أنّ مسائل العلم تكون أعراضا ذاتية لموضوع العلم كما ذكره المحقق الأصفهاني (رحمه اللّه) بل ذكر سيدنا الاستاذ: بأنّ محمول المسألة قد لا يكون عرضا ذاتيا لموضوعها فكيف يكون عرضا لموضوع العلم كمسائل الفقه؟ فأنّ محمولاتها غالبا هي الأحكام الشرعية و هي امور اعتبارية و أعراضا غير حقيقية و لا يمكن أن تكون‏

14

العلوم في بعض المسائل فما كان له دخل في مهمين لأجل كلّ [منهما] منها دوّن علم على حدّه فيصير من مسائل العلمين، لا يقال: على هذا يمكن تداخل (1) علمين في عامّ [تمام‏] مسائلهما فيما كان هناك مهمّان متلازمان في التّرتب على جملة من القضايا لا يمكن انفكاكهما، فأنّه يقال (2): مضافا الى بعد ذلك بل امتناعه‏

أعراضا ذاتيّة. و لا يخفى أنّ ما تقدّم أنّما يدل على عدم الحاجة الى موضوع العلم لا إنّه ليس للعلوم موضوعا.

(1) حاصل الإشكال هو: أنّه على ما ذكرت من أنّ الجامع لمسائل العلم هو الغرض من العلم و ليس الموضوع، و الشاهد لذلك هو تداخل بعض العلوم في بعض المسائل أنّه إذا فرض تعلّق غرضين مختلفين بجميع مسائل العلم لا بعضها، لا بدّ من تدوين علمين كل منهما لأجل غرض و هذا ممّا يستبشعه العقل السليم و الذّوق المستقيم، و إن قلت: بتدوين علم واحد و عدم التداخل في جميع المسائل نقول: ذلك في التّداخل في بعض المسائل أيضا لأنّ حكم الأمثال فيما يجوز و ما لا يجوز واحد.

(2) حاصل الجواب عن الإشكال يكون بوجهين أحدهما هو: أنّ هذا بعيد جدّا بل ممتنع عادة، إذ لا يوجد في العلوم المدوّنة علمان مشتركان في جميع المسائل، و ثانيهما هو: أنّه لو فرض تحقّق ذلك خارجا فأنّه لا بد من تدوين علم واحد حينئذ لأنّ العقلاء يقبّحون تدوين علمين كذلك، و هذا بخلاف التداخل في بعض المسائل فإنّهم يستحسنون تدوين علمين، لأنّ الاختلاف في بعض المسائل يكفي لتحسين العقلاء بجعلهما علمين.

و يمكن الإجابة عن الإشكال بأنّه: ليس المدّعى أنّ كلّ غرض يستدعي علما إذ لا مانع من أن يكون تدوين علم لأجل غرضين أو أغراض متعددة، بل‏

15

عادة، لا يكاد يصحّ لذلك علمين و تسميتها باسمين بل تدوين علم واحد يبحث فيه تارة لكلا المهمّين و اخرى لأحدهما، و هذا بخلاف التداخل في بعض المسائل فإنّ حسن تدوين علمين كانا مشتركين في مسألة أو أزيد في جملة مسائلهما المختلفة لأجل مهمّين مما لا يخفى. و قد انقدح (1) بما ذكرنا إنّ تمايز العلوم أنّما هو باختلاف الأغراض الداعية الى التدوين‏

المدعى هو: إنّ الجامع للمسائل المختلفة هو الغرض لا الموضوع و لهذا يجوز التداخل في بعض المسائل و لا يجوز في جميعها، و ما أفاده (رحمه اللّه) حسن و هو يوافق ما ذكرناه من عدم الحاجة الى وجود الموضوع، و ليت أدري أنّه لما ذا ألح مع هذا المبنى على لزوم الموضوع للعلم خصوصا و أنّه سيأتي منه أنّ تمايز العلوم ببعضها مع بعض أنّما يكون بالأغراض لا بالموضوعات و لا بالمحمولات.

(1) المشهور: أنّ تمايز العلوم بعضها عن بعض أنّما يكون بتمايز موضوعها فالاختلاف بين علم النحو و علم المنطق أنّما يكون من ناحية موضوع العلمين، و حيث أنّ هذا المبنى ينتقض ببعض العلوم المشتركة في الموضوع كالعلوم الأدبية؛ فأنّها مشتركة في أنّ الموضوع الكلمة أو الكلام أو أحدهما المقتضي لعدم إمكان التميّز بينها، اضطرّوا الى إضافة قيد الحيثية لذلك و ذكروا إنّ تمايز العلوم يكون بالموضوعات و تمايز الموضوعات بالحيثيات فموضوع علم النحو الكلمة و الكلام من حيث الإعراب و البناء و موضوع علم الصرف الكلمة من حيث الصحة و الإعلال.

و أمّا تمايز العلوم بالمحمولات فالظاهر أنّه لم يقل به أحد و أنّما ذكر في المتن:

(و لا المحمولات) تفنّنا في التعبير و أشكل في المتن على قول المشهور: بأنّه لا يمكن أن يكون التمايز بالموضوعات كما لا يمكن أن يكون بتمايز المحمولات، لاستلزام ذلك أن يكون كل باب من كلّ علم علما مستقلا لأنّ لكلّ باب‏

16

لا الموضوعات و لا المحمولات و إلّا كان كلّ باب بل كلّ مسألة من كلّ علم علما [على حدة] على حدّه كما هو واضح لمن كان له أدنى تأمّل، فلا يكون الاختلاف بحسب الموضوع أو المحمول موجبا للتعدد كما لا يكون وحدتهما سببا لأن يكون من الواحد.

ثمّ إنّه ربّما لا يكون لموضوع العلم (1) و هو: الكلّي المتحد مع موضوعات المسائل عنوان خاصّ و اسم مخصوص فيصح أن يعبّر عنه بكلّ ما دلّ عليه بداهة عدم دخل ذلك في موضوعيته أصلا، و قد انقدح بذلك (2)

موضوع مستقل و حيثيّة خاصّة، بل تكون كلّ مسألة من كل باب علما مستقلا لأنّ لكلّ باب أو لكلّ مسألة موضوع مستقل و حيثيّة خاصة، فقولك: (صيغة افعل ظاهرة في الوجوب) و قولك: (إنّ الجملة الشرطية ظاهرة في المفهوم) يكون لكلّ منهما موضوعا خاصّا و محمولا كذلك، و بطلانه من الواضحات فالصحيح هو: أنّ تمايز العلوم أنّما يكون باختلاف الأغراض الداعية الى التدوين.

(1) هذا تمهيد لما يريد أن يبيّنه من موضوع علم الاصول على ما هو الصحيح في نظره، و التمهيد هو: إنّ الغرض مترتّب على ذات الموضوع و واقعه سواء عرف اسمه و عنوانه أم لا؛ إذ لا تأثير لهما في موضوعية الموضوع بالبداهة.

(2) هذا هو التعبير الصحيح عن موضوع علم الاصول و هو: (الكلّي المتحد مع موضوعات المسائل) من دون أن يكون له عنوان خاصّ و اسم مخصوص، لا خصوص الأدلّة الأربعة بوصف الدليلية كما يقوله المحقّق القمي (رحمه اللّه)، و لا الأدلة بما هي هي أي ذواتها مع قطع النظر عن كونها أدلة كما هو مختار صاحب الفصول (رحمه اللّه)، أمّا الأوّل الذي عليه المشهور و اختاره المحقق القمي (رحمه اللّه) فيرد عليه‏

17

أنّ موضوع علم الاصول: هو الكلّي المنطبق على موضوعات مسائله المتشتّة لا خصوص الأدلة الأربعة بما هي أدلّة بل و لا بما هي هي، ضرورة إنّ البحث في غير واحد من مسائله ليس من عوارضها و هو واضح لو كان المراد بالسّنة هو نفس قول المعصوم أو فعله أو تقريره، كما هو المصطلح فيها (1)

[موضوع العلم الاصول‏]

ما أورده في الفصول و هو: لزوم أن يكون البحث عن حجيّة الأدلة بحثا عن وجود الموضوع بمفاد كان التّامة لا بحثا عن عوارض الموضوع بمفاد كان الناقصة، فيكون البحث عن حجيّة الخبر أو حجيّة أحد الخبرين المتعارضين أو حجية ظواهر الكتاب أو حجيّة الإجماع أو العقل من المبادي التصورية لعلم الاصول لا من مسائله، مع أنّ تلك المباحث من عمدة أبحاث العلم، و كونها مذكورا استطرادا بعيد جدّا لأنّ ضابط مسألة العلم هو أن يكون بحثا عن عوارض الموضوع على نحو الوجود النعتي و بمفاد كان الناقصة و الهليّة المركّبة، و أمّا إذا كان البحث على نحو مفاد كان التامة و الهليّة البسيطة أي البحث عن وجود الموضوع فأنّه يكون من المبادي، و لأجله عدل في الفصول عنه و أختار: إنّ الموضوع هو نفس الأدلّة الأربعة مع قطع النظر عن حجيتها؛ فيكون البحث عن حجيتها بحثا عن عوارضها بمفاد كان النّاقصة. و بهذا و إن تخلّص عن إشكال خروج تلك الأبحاث من مسائل العلم، إلّا أنّه يرد عليه أنّه: لو كان الموضوع نفس الأدلّة كما ادّعاه لما كان وجه لحصر الموضوع في الأربعة و لهذا نقول لو كان لا بدّ من تعيين موضوع للاصول فالصحيح أن يقال: أنّ الموضوع هو كلّما يستند اليه الفقيه في مقام الاستنباط.

(1) هذا الإشكال يرد على مبنى المحقق القمي و صاحب الفصول؛ و هو: إنّ (السّنة) الّتي هي إحدى الأدلّة الاربعة كما هو المصطلح عبارة عن نفس قول‏

18

لوضوح عدم البحث في كثير من مباحثها المهمّة كعمدة (1) مباحث التعادل و التراجيح بل و مسألة حجية خبر الواحد لا عنها و لا عن سائر الأدلة و رجوع البحث فيهما (2) في الحقيقة الى البحث عن ثبوت السّنة بخبر الواحد في مسألة حجيّة الخبر كما افيد و بأيّ الخبرين فى باب التعارض فأنّه أيضا بحث في الحقيقة عن حجية الخبر في هذا الحال غير مفيد (3)،

المعصوم أو فعله أو تقريره، و البحث عن حجية الخبر لم يكن بحثا عن عوارضها لأنّ الخبر حاك عنها، فكما أنّ بحث حجيّة خبر الواحد أو حجيّة أحد الخبرين المتعارضين لم يكن بحثا عن الأدلة الثلاثة كذلك لا يكون بحثا عن السنة؛ فلم ينطبق عليها ضابط المسألة و يكون البحث عنهما فى العلم استطراديا و هو كما ترى.

(1) و هي حجية أحد الخبرين تعيينا عند وجود المرجّح و تخييرا عند فقده و كذلك البحث عن المرجّحات، و أمّا البحث عن تعارض القراءتين أو تعارض ظاهر الكتاب مع السّنة أو الإجماع يكون من عوارض الأدلّة.

(2) هذه إشارة الى ما أفاده الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) في أول بحث حجيّة الخبر الواحد من الرسائل- جوابا عن إشكال الفصول على موضوع العلم عند المشهور الّذي تقدم- و حاصله: هو إنّ البحث عن حجيّة الخبر يرجع الى أنّ السّنة الواقعية (أعني قول المعصوم و فعله و تقريره) هل تثبت بالخبر الواحد كما تثبت بالخبر المتواتر و بالخبر المحفوف بالقرائن القطعية أم لا؟ كما إنّ البحث في مسألة التعادل و التراجيح يرجع الى أنّ بأحد الخبرين المتعارضين تعيينا أو تخييرا تثبت السّنة الواقعية أم لا؟ فيكون البحث في كلتا المسألتين راجعا الى البحث عن عوارض الموضوع بمفاد كان الناقصة و إنّ المسألتين تعدّان من مسائل العلم لا من مباديه.

(3) هذا إشكاله على ما أفاده الشيخ (رحمه اللّه) و حاصله هو: إنّ الظاهر من‏

19

فإنّ البحث عن ثبوت الموضوع و ما هو مفاد كان التامة ليس بحثا عن عوارضه فإنّها مفاد كان الناقصة، لا يقال: (1) هذا في الثبوت الواقعي و أمّا الثبوت التعبدي كما هو المهم في هذه المباحث فهو في الحقيقة يكون مفاد كان الناقصة، فأنّه يقال: نعم (2)

كلامه إرادة الثبوت الحقيقي لا التعبدي، فيرد عليه مضافا الى أنّه ليس مورد البحث في المسألتين أنّه لا يكون البحث عن الثبوت الواقعي للشي‏ء بحثا عنه بمفاد كان الناقصة بل هو بحث عنه بمفاد كان التامة، فإشكال الخروج عن المسائل لازم لا محالة.

(1) هذا دفع للإشكال و حاصله: إنّ الإشكال أنّما يرد إذا كان مراد الشيخ (رحمه اللّه) من الثبوت الثبوت الحقيقي كما اشير اليه في الإشكال، إلّا أنّه قابل للمنع إذ يمكن أن يكون مراده (رحمه اللّه) الثبوت الظاهري التعبدي كما هو المهمّ في بحث حجية الإمارات؛ لأنّ لسانها لسان التعبّد و التنزيل بها منزلة الواقع (على ما سيأتي)، و لا شك في أنّ البحث عن الثبوت التعبدي و عدمه يكون بحثا عن العوارض و بمفاد كان الناقصة لا بحثا عن الموضوع بمفاد كان التامة و بهذا التوجيه يرتفع إشكال الخروج عن المسائل.

(2) هذا جواب الدفع و حاصله هو: إنّ البحث عن الثبوت التعبّدي و إن كان بحثا عن العوارض لا بحثا عن أصل وجود الموضوع، إلّا أنّه يرد إشكال آخر و هو: إنّ ذلك يكون بحثا عن عوارض الخبر و قد عرفت أنّه ليس بموضوع بل الموضوع: هو نفس قول المعصوم أو فعله أو تقريره الذي يعبّر عنه بالسّنة، و المسألة لا بدّ أن تكون من عوارض الموضوع لا ما هو الحاكي عن الموضوع. و قد يقال: بأنّ المراد من الثبوت غير الثبوتين الواقعي و الظاهري، فإنّ هناك ثبوتا ثالثا و هو: الثبوت التكويني الذّهني لا الخارجي أي يكون‏

20

لكنه ممّا لا يعرض السّنة بل الخبر الحاكي لها فإنّ الثبوت التعبدي يرجع الى وجوب العمل على طبق الخبر كالسّنة المحكيّة به و هذا من عوارضه لا عوارضها كما لا يخفى، و بالجملة: الثبوت الواقعي ليس من العوارض و التعبدي و إن كان منها إلّا أنّه ليس للسّنة بل للخبر فتأمّل جيّدا. و أمّا إذا كان المراد من السّنة (1)

الخبر علّة للعلم بالسنّة الواقعية، فأنّه يقال: إنّ ذلك أيضا غير صحيح لأنّه كذب فإنّ احتمال الكذب موجود في كل خبر غير قطعي وجدانا.

(1) هذا عطف على قوله: و لو كان المراد بالسنة منها (من الأدلة الأربعة)، و هذا هو مراد الفصول في الواقع، و حاصله هو: إنّ ما تقدّم من الإشكال عليه بلزوم خروج مسألتي حجيّة الخبر و مسألة حجيّة أحد الخبرين من مسائل العلم مبنى على إرادة المعنى المصطلح من السّنة إلّا أنّه ليس مراده به لأنّه صرّح بأنّ المراد منها (على خلاف ما هو المصطلح) الأعم منه و من الخبر الحاكي لها، و حينئذ يرتفع الإشكال فأنّ السّنة بهذا المعنى يكون صادقا على الخبر الحاكي و حينئذ يكون البحث عن حجيته بحثا عن عوارض السّنة بمفاد كان الناقصة و من المسائل. إلّا أنّه يرد إشكال آخر عليه؛ و هو لزوم خروج سائر مباحث الحجج و كثير من مباحث الألفاظ مثل البحث عن ظهور الصيغة في الوجوب، فأنّ المبحث عن ذلك لا يختصّ بألفاظ الكتاب و السنة بل هو بحث عن مدلول اللفظ على نحو العموم، و كذلك البحث عن الملازمات فأنّ البحث عن ثبوت الملازمة بين وجوب المقدّمة و ذيها، أو البحث عن مسألة اجتماع الأمر و النهي و غيرهما لا يختصان بالأوامر و النواهي الشرعية بل الأعمّ منها و من العرفية، فالصحيح هو ما ذكرناه: من أنّه إن كان لا بدّ من الموضوع للعلم فما ذكرناه من الموضوع أسلم من الإشكال، و أمّا ما ذكره سيّدنا الاستاذ من أنّ موضوع علم‏

21

ما يعمّ حكايتها فلأنّ البحث في تلك المباحث و إن كان عن أحوال السنة بهذا المعنى إلّا إنّ البحث في غير واحد من مسائلها كمباحث الألفاظ و جملة من غيرها لا يختصّ [يخصّ‏] الأدلّة بل يعمّ غيرها و إن كان المهمّ معرفة أحوال خصوصها كما لا يخفى، و يؤيّد ذلك تعريف الاصول بأنّه: العلم بالقواعد (1) الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعيّة، و إن كان الأولى تعريفه: (2) بأنّه صناعة يعرف بها القواعد الّتي يمكن أن تقع في طريق استنباط الأحكام أو الّتي ينتهي اليها في مقام العمل بناء على أنّ مسألة حجيّة الظنّ على الحكومة و مسائل الاصول العمليّة في الشبهات الحكمية من الاصول كما هو كذلك ضرورة أنّه لا وجه لالتزام الاستطراد في مثل هذه المهمات.

[تعريف العلم الاصول‏]

الاصول هو: (كلّما يمكن أن يكون مبدأ تصديقيا لاستنباط الأحكام و الوظائف)، فأنّه أيضا لم يكن سليما عن الإشكال.

(1) هذا هو الأمر الآخر الّذي تعرّض له في أمر الأول و هو تعريف علم الاصول و جعل ذكره مؤيّدا لما حقّقه من إنّ الأدلة الأربعة لا تكون موضوعا لعلم الاصول و التعريف المشهور لعلم الاصول هو أنّه: (العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعيّة) و وجه التأييد أنّ المذكور في التعريف (العلم بالقواعد) و اللام فيه للاستغراق فتشمل الأدلّة الأربعة و غيرها، و إنّما جعله مؤيّدا لا دليلا لأنّ المعرّفين بهذا التعريف وهم (المشهور) جعلوا الموضوع:

الأدلّة الأربعة، و هذه قرينة عقليّة على أنّهم أرادوا من اللّام العهد فيخرج حينئذ من العموم.

(2) وجه العدول عن تعريف المشهور الى ما اختاره من التعريف أعني (أنّه صناعة يعرف بها القواعد الّتي يمكن أن تقع في طريق الاستنباط أو الّتي ينتهي‏

22

اليها في مقام العمل)، هو: كثرة ما يرد على تعريف المشهور من الإشكال؛ منها أنّه ليس الاصول، اسما للعلم بل هو اسم للمعلوم، فالأنسب تبديل العلم بالصناعة خصوصا و أنّه ليس علما نظريا بل هو عملي، و منها: إنّ تعريف المشهور يختصّ بمعرفة القواعد الواقعة في طريق الاستنباط فعلا مع أنّ مسائل العلم تعمّ الوقوع الفعلي أو الشأني و عمدة ما يرد على تعريف المشهور امور:

أحدها: إنّه ليس بجامع لجميع مسائل العلم لأنّ تعريف المشهور لا يشمل حجيّة الظنّ المطلق بدليل الانسداد على نحو الحكومة؛ إذ لا علم بالحكم معه لا واقعا كما هو المفروض و لا ظاهرا لأنّه على الحكومة لا جعل من الشارع بالنسبة الى الطريق، كما لا يشمل الاصول العملية التي لا تقع في طريق الاستنباط، و أنّما هي وظائف شرعية أو عقلية للشّاك أو المتحيّر في مقام العمل، و لهذا تكون الأولوية فى المتن تعيينية و لأجل دفع هذا الإشكال أضاف الماتن في تعريفه (أو ما ينتهي اليه في مقام العمل).

و بهذه المحاولة و إن ارتفع الإشكال إلّا أنّه بذلك يخرج عن التعريف الفنّي، فأنّه من قبيل عطف جملة من المسائل على جملة اخرى مثل أن تقول في التعريف: أنّ علم الاصول عبارة عن مباحث الألفاظ و الملازمات العقلية و هكذا، فلا يمكن أن يتميّز به عن سائر العلوم، و المحاولة الأمثل لرفع الإشكال هو ما ذكره سيّدنا الاستاذ من أنّ المراد بالاستنباط في التعريف: هو التوصل الى الحجّة على الحكم و إثباته تنجيزا أو تعذيرا و إن لم يثبت به الحكم الواقعي. (1*)

ثانيها: إنّه ليس بمانع عن الأغيار بشمول التعريف لعدّة من القواعد الفقهيّه كقاعدة لا ضرر و قاعدة نفي الحرج و قاعدة الفراغ و التجاوز و غيرها ممّا يستنبط بها الحكم الشرعي، و لم يستطرق الماتن (رحمه اللّه) لهذه المناقشة.

____________

(1*) المحاضرات: ج 1 ص 10.

23

و أجاب عن الإشكال سيدنا الاستاذ أوّلا: بأنّ الأحكام المستفادة من القواعد الفقهية (سواء كانت مختصة بالشبهات الموضوعية كقاعدة الفراغ و اليد أم كانت جارية في كلتا الشبهتين كقاعدتي نفي الضرر و الحرج بناء على إرادة الضرر و الحرج النوعيين) و قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده هي من باب تطبيق مضامينها بأنفسها على مصاديقها، و ليست من باب الاستنباط و التوسيط، مع أنّ نتيجتها في الشبهات الموضوعية نتيجة شخصيّة. و يمكن الإيراد عليه بأنّه: على تقدير جريان القواعد في الشبهات الحكمية لم تكن نتيجتها التطبيق، بل شأنها شأن الاصول العملية تكون على نحو التوسيط.

و الجواب الصحيح هو ما ذكره بقوله و ثانيا و حاصله هو: إنّ الحكم المستفاد في المسألة الاصولية كليّة بخلافه في القواعد الفقهيّة؛ فأنّ العبرة في قاعدة لا ضرر هو الضرر الشخصي و في نفي الحرج أيضا الحرج الشخصي و نتيجتهما هو رفع الحكم الضرري أو الحرجي عن خصوص المورد، و أنّ أساس قاعدة ما يضمن هو ثبوت الضمان باليد مع عدم إلغاء المالك احترام ماله، و قاعدة ما لا يضمن عدم إقدام الأخذ بالضمان مع إلغاء المالك احترام ماله فيما إذا باع بلا ثمن و نتيجتهما تكون جزئيا، فإشكال عدم انعكاس التعريف مرتفع.

ثم إنّ المحقق النائيني (رحمه اللّه) ذكر في المقام فرقا آخر و هو: إنّ نتيجة المسألة الاصولية بنفسها غير قابلة للإلقاء الى العامي و لا يمكن أن يقال له: إنّ خبر الواحد حجّة لعدم تمكّنه من استنباط الحكم، بخلاف القواعد الفقهية فأنّها بنفسها قابلة للإلقاء الى العامي لتمكنه من استفادة الحكم من تطبيقها على مواردها. و أورد عليه سيّدنا الاستاذ بأنّ: ما ذكره بالنسبة الى المسألة الاصولية صحيح و بالنسبة الى القاعدة غير صحيح؛ فأنّ الصلح أو الشرط لا يمكن إلقاؤهما الى العاميّ لأنّ من شرائطهما أن لا يكونا مخالفين للكتاب و السّنة

24

و ليس للعامي تشخيص مواردهما، و كذلك ما يضمن بصحيحه و ما لا يضمن، فهذا الفرق لا يرجع الى محصّل.

ثالثها: إنّ بالتعريف لا يمكن التمييز بين مطالب الاصول و بعض العلوم الأخر كعلمي الرجال و اللغة؛ إذ لا فرق بين القول بأنّ صيغة افعل ظاهرة في الوجوب و إنّ الصعيد ظاهر في مطلق وجه الأرض أو أنّ الراوي الفلاني ثقة فأنّ الاستنباط متوقّف على معرفة الجميع و لأجل دفع هذا الإشكال ذكر المحقّق النائيني (رحمه اللّه) في تعريف العلم أنّه: (هو العلم بالكبريات التي لو انضمّت اليها صغرياتها استنتج منها حكم فرعي كلّي) (1*). و هذا التعريف مفيد بالنسبة الى إخراج مثل وثاقة الراوي فأنّها لا تقع كبرى لقياس الاستنباط، إلّا أنّه يلزم خروج جملة من المسائل الاصولية الّتي تكون صغريات لكبرى حجيّة الظهور مثل: إنّ الصيغة ظاهرة في الوجوب.

و بالجملة: إنّ ما ذكره في مقام الفرق بين المسألة الاصولية و مسائل العلوم الّتي لها حظّ في الاستنباط: كاللغة و النحو و الصرف و المنطق و الرجال صحيح؛ و هو إنّ مسائل تلك العلوم غير وافية للاستنباط بل هى بحاجة الى ضمّ كبرى مسألة اصولية اليها، إلّا أنّه لا يكون تعريفا حقيقيا لعلم الاصول لعدم شموله لبعض مسائل العلم، و لهذا عدل سيدنا الاستاذ عنه الى تعريف آخر و هو إنّ علم الاصول: (علم بالقواعد الّتي تقع بنفسها في طريق الأحكام الشرعية الكليّة الإلهيّة من دون حاجة الى ضمّ كبرى أو صغرى مسألة اصولية اخرى اليها) (2*). و هذا بطوله أيضا لا يخلو من إشكال لأنّ بعض المسائل الاصولية بحاجة الى ضمّ كبرى مسألة اصولية اخرى مثل: أقوائية ظهور بعض الأدلة من‏

____________

(1*) فوائد الاصول: ج 1 ص 19.

(2*) محاضرات في اصول الفقه: ج 1 ص 16.

25

العمومات و المطلقات و المفاهيم الّذي يتوقف الاستنباط منها على كبرى ما نقّح في الجمع العرفي من اللزوم بالأخذ بأقوى الدليلين.

و لعلّ أسلم التعاريف للمسألة الاصولية هو ما ذكره المحقّق العراقي من أنّها:

(هي المتكفّلة للدّلالة على الحكم و ناظرة الى إثباته بنفسه أو بكيفيّة تعلّقه بموضوعه) (1*)، فأنّ ظهور الصيغة افعل في الوجوب و ظهور لا تفعل في الحرمة و ظهور الجمع العرفي في العموم ناظرة الى كيفية تعلق الحكم بالموضوع، و هذا بخلاف ظهور الصعيد في المعنى الكذائي أو إنّ الرجل الفلاني ثقة، و من خلال التعريف يمكن فهم فائدة علم الاصول التي هي المهمّة الثالثة التي يحاولون معرفتها في خلال المقدّمة.

و لا بدّ من التنبيه الى أمرين:

أحدهما: أنّه ذكروا في ضابط المسألة الأصولية امورا لا تخلو كلّها عن الإشكال و لعلّ أضبطها ما ذكره المحقق النائيني (رحمه اللّه) من أنّه: هو ما يقع كبرى في قياس الاستنباط للحكم، و أضاف اليه قيدين أحدهما: أن تكون النتيجة كليّة، الثانية: أن لا تصلح إلقائها الى العامي‏ (2*). أمّا وجه إضافة القيد الأول: هو أنّه يدخل فيه بعض المسائل الفقهية كوجوب الصلاة، فأنّه يرتفع في كبرى قياس الاستنباط للحكم الجزئى و مع إضافة القيد الأوّل يرتفع هذا الإشكال، إلّا أنّه يشمل الضابط بعض المسائل الّتي تكون نتيجتها كليّة كقاعدة نفي الضمان بالعقد الفاسد، و بالقيد الثاني يرتفع الإشكال إلّا أنّك عرفت ما في إضافة القيد الثاني من الإشكال.

و الصحيح أن يقال بأنّ الضابط للمسألة الاصولية هو: (كلّ ما يرتفع به‏

____________

(1*) مقالات الاصول: ج 1 ص 10.

(2*) أجود التقريرات: ج 1 ص 3.

26

الجهل بالحكم الشرعي و لو ظاهرا). ثم أنّه وقع عند الأعلام الخلط بين ضابط المسألة الاصولية و ثمرتها فنراهم يقولون بأنّ ضابط المسألة الاصولية هو أن يكون نتيجتها صالحة لأن تقع في طريق الاجتهاد، و عند ذكر الثمرة يقولون: أنّ ثمرة المسألة الأصولية وقوعها في طريق الاجتهاد، و لعلّنا ننبّه عليه في خلال شرح الكتاب مع وجود الفرق الكثير بينهما؛ فأنّ ضابط مسألة العلم عبارة عن: الشاخص المميّز لها عن مسائل غيره مثل العبارة الّتي ذكرناها و أمّا الثمرة هي: ما تظهر عمليا عند الاستنباط مثل أن يقال: إنّ صيغة افعل ظاهرة في الوجوب و ثمرتها هو أن يحملها على الوجوب إذا وقعت في الكتاب و السنة إلّا إذا قامت قرينة على الخلاف.

ثانيهما: إنّ المسألة الاصولية الّتي تكون نسبتها الى الاستنباط نسبة الجزء الأخير من العلّة التامة الى المعلول (الاستنباط) على قسمين أحدهما: ما يكون موصلا الى الحكم الواقعي، و ثانيهما: ما يكون موصلا الى الأحكام الظاهرية، و القسم الأوّل على قسمين لأنّ الإيصال الى الحكم الواقعي إمّا أن يكون قطعيّا وجدانيّا كما هو الحال في الاستلزامات العقلية؛ مثل البحث عن الملازمة بين وجوب شي‏ء و وجوب مقدّمته أو حرمة ضدّه، و البحث فيها هو عن لوازم الأحكام بما هي لا بما هي مدلولة اللفظ، و أنّما يبحث عنها في مباحث الألفاظ استطرادا، و اخرى يكون قائما مقام القطع الوجداني تعبّدا و البحث فيه أيضا يكون على قسمين أحدهما: ما يبحث فيه صغرويا و عن المصاديق مثل مباحث الألفاظ و ثانيهما: ما يبحث فيه كبرويا و هو بحث تنقيح الحجج و الإمارات؛ مثل البحث عن حجيّة الخبر و البحث عن حجيّة الإجماع و البحث عن حجيّة الظّن الانسدادي بناء على الكشف.

و أمّا القسم الثاني من مسائل الاصول (و هي الموصلة للأحكام الظاهرية) و

27

نقصد بها ما عيّنها الشارع أو العقل وظيفة في فرض الشك في الحكم الواقعي و عدم وجود ما يوصلنا الى الحكم الواقعي و اصطلحوا عليها بالاصول العمليّة أو الدليل الفقاهتي، في مقابل ما يدل على الحكم الواقعي المصطلح عليه بالدليل الاجتهادي، كما اصطلحوا على مؤدّاها بالحكم الظاهري (مع أنّه أيضا حكم واقعي مجعول للشي‏ء بعنوان أنّه مشكوك الحكم) حتّى يتميّز عمّا جعل للشي‏ء بعنوانه لا بعنوان أنّه مشكوك.

28

الأمر الثاني: الوضع هو نحو اختصاص اللفظ بالمعنى و ارتباط خاص بينهما (1) ناش من تخصيصه به تارة و من كثرة

الأمر الثاني في حقيقة الوضع‏

(1) قبل التعرض لبيان حقيقة الوضع لا بدّ من تقديم امور:

أحدها: إنّ دلالة اللفظ على المعنى ليست من جهة ارتباط و مناسبة ذاتيين بين اللفظ و المعنى (و إن توهم ذلك)، إذ لو كان بينهما ارتباط ذاتي و مناسبة ذاتيّة فإمّا أن يكون على نحو العليّة التامة و إمّا على نحو الاقتضاء و الأول بديهي البطلان إذ لو كان سماع اللفظ علّة تامة لانتقال الذهن الى المعنى لزم أن يكون كل واحد منهما عالما و محيطا بتمام اللغات، و الثاني ممكن ثبوتا إلّا أنّه لا دليل على إثباته، فتعيّن أنّ الدلالة لا بدّ و أن تكون ناشئة من الوضع، بل لا يعقل أن يكون بينهما مناسبة ذاتية بالنسبة الى الألفاظ المشتركة بين الضدّين.

ثانيها: إنّ الواضع للغات هو الإنسان خلافا لما يظهر من كلام المحقّق النائيني (رحمه اللّه) من أنّ واضع اللغات هو اللّه سبحانه؛ لعدم إمكان وضع الألفاظ من شخص واحد أو جماعة مع كثرة الألفاظ و المعاني على وجه لا يمكن إحاطة البشر بها، فأنّ ذلك كان بوحي منه الى نبيّ من أنبيائه أو بإلهام منه الى البشر أو بإيداع ذلك في طباعهم‏ (1*). و لا بدّ من أن يكون مراده وضع أسماء الأجناس لأنّه لا ريب في أنّ الأعلام الشخصيّة موضوعة من قبل البشر، و للمناقشة فيما أفاده مجال واسع، لأنّ حدوث الوضع بواسطة التعليم الربّاني و عن طريق الوحي مستبعد جدّا، بل هو قريب من المحال إذ لا بد على هذا التوهّم من انتقال‏

____________

(1*) فوائد الاصول: ج 1 ص 30.

29

اللغات المستحدثة الى من قبلهم من الامم، فلا بدّ من أن ينتقل الينا ألفاظ بعض الحقائق الّتي تستحدث في المستقبل مع، أنّا بالفعل لا نعرف منها شيئا، و أمّا الآية الكريمة: (وَ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها) (1*) فأنّ المقصود من ذلك غير معلوم و قد ذكروا لها تفاسير مختلفة و في بعض الروايات: إنّ المراد من الأسماء الأئمّة (عليهم السلام).

و الصحيح هو: إنّ اللّه تبارك و تعالى خلق الإنسان مدنيّا بالطبع يحتاج في شئونه الاجتماعيّة و تنظيم حياته الى ما يظهر به مراده و يفهم به مقاصده، و يلقي المعاني في ذهن غيره و قد وجد في بداية خلقه إنّ أفضل السبل لهذه المهمّة و أسهلها هو النطق؛ لأنّ الإشارة غير وافية بجميع المحسوسات فكيف بالمعقولات، و يصحّ أن نقول: بأنّ ذلك كان بإلهام من اللّه سبحانه في ضمن هدايته التكوينيّة الموجودة فى جميع المخلوقات‏ (الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَ الَّذِي قَدَّرَ فَهَدى‏) (2*) و لعلّه المراد من قوله سبحانه: (خَلَقَ الْإِنْسانَ عَلَّمَهُ الْبَيانَ) (3*)، و لا يبعد أن يكون الوضع حاصلا من الإنسان تدريجا و بحسب حاجة المجتمع، ففي العصور الاولى حيث إنّ المعاني كانت قليلة كانت الحاجة لاستعمال الألفاظ أيضا قليلة و كانت الألفاظ الموضوعة أيضا قليله، و كلّما عثروا على معنى جديد استعملوا له ألفاظا جديدة، فليس الواضع شخص واحد مثل يعرب بن قحطان على ما زعم، لعدم ثبوته تاريخيّا بل الظاهر إنّ الواضع هو مجموعة الناس و قد وضعوا ألفاظا بالتباني و التعاهد بينهم، و لهذا يكون من القريب جدّا أنّ الأوضاع حصلت على نحو التعيّن و بحسب‏

____________

(1*) البقرة: 31.

(2*) الأعلى: 2 و 3.

(3*) الرحمن: 3 و 4.

30

الاستعمالات لا بالتعيين، و أنّ الوضع التعييني مختصّ بالأعلام، و القول بأنّ أسماء الأجناس موضوعة بالوضع التعيّني قريب.

ثالثها: إنّ الوضع ليس بأمر واقعي تكويني على ما نسب ذلك الى عباد بن سليمان على ما في القوانين، كما إنّه ليس وسطا بين التكويني و الجعلي على ما هو ظاهر المحقّق النائيني (رحمه اللّه)، بل هو أمر اعتبارى جعلي لأنّ كونه أمرا تكوينيا لا تناله يد الجعل واضح البطلان؛ لأنّ الامور التكوينيّة سواء كانت من المقولات أو من الملازمات فأنّها امور ثابتة في نفسها و أزليّة، و الوضع ليس كذلك. و أمّا مختار المحقّق النائيني (رحمه اللّه) فقد ذكر أنّ الواضع للألفاظ إزاء المعاني هو اللّه عزّ و جلّ فهو مجعول له و أنّ الحكمة تقتضي وجود المناسبة الذاتية بين اللفظ و المعنى إذ مع عدمها يكون وضع اللفظ للمعنى ترجيحا بلا مرجح، فمن هاتين المقدمتين استنتج أنّ الوضع يكون أمرا وسطا بين الحقيقي و الاعتباري، و قد عرفت بطلان المقدمتين فالنتيجة أيضا تكون باطلة فالصحيح هو: إنّ الوضع من الامور الاعتبارية و بعد تبيّن هذه الامور نقول:

اختلفوا في حقيقة الوضع فقيل: إنّه تعيين اللفظ للمعنى، و قيل: إنّه تخصيصه به، و قيل: إنّه إحداث للعلقة بينهما أو جعله شيئا لخطور المعنى الى ذهن السامع، و يرد على الجميع أنّها: تفاسير للوضع، بمعناه المصدري فيختص بالوضع التعييني و لا يشمل التّعيني، مضافا الى أنّ السببيّة غير قابلة للجعل لا تكوينا و لا تشريعا بل هي صفة ذاتية للسبب الحقيقي و هو أمر ذاتي.

و فسّره في المتن بأنّه هو: (نحو اختصاص اللفظ بالمعنى) و هو تفسير للوضع بمعناه الإسم المصدري الحاصل تارة من التعهّد، و اخرى من كثرة الاستعمال، و يرد عليه: مضافا الى أنّه إجمال في التفسير بل هو فرار معه من التفسير الحقيقي، أنّ الاختصاص المذكور هو نتيجة الوضع لا نفسه.

31

استعماله فيه اخرى و بهذا المعنى صحّ تقسيمه (1)

و فسّره بعضهم: بأنّ الواضع اعتبر اللفظ وجودا تنزيليا للمعنى، و لهذا يسري اليه آثاره الّتي منها تصوره عند الإحساس به، و يرد عليه: مضافا الى ما أورده سيدنا الاستاذ: من أنّه لم يكن هناك ذلك الاعتبار إذ لم يترتّب شي‏ء من آثار المعنى الخارجي على اللفظ (1*)، إنّ التنزيل قد يطلق و يراد به الاعتبار و قد يطلق و يراد به ما يقابله، فبالمعنى الأوّل اعتباري و بالمعنى الثاني حقيقي، فإن أراد الثاني فهو غير معقول لأنّه متقوم بترتّب الآثار التكوينيّة على اللفظ، و إن أراد الأول أي اعتبار أنّ للمعنى فردان واقعي و اعتباري تنزيلي المستلزم لصحّة حمل المعنى على اللفظ بالحمل الأوّلي الذاتي، و هو بديهي البطلان فهذا التحديد للوضع غير صحيح.

و فسّره سيدنا الاستاذ بأنّه: (تعهّد من الواضع بأن لا يتلفظ بالكلمة إلّا إذا كان يريد إفهام المعنى الخاص الّذي يحاول ربطه بها، فهذا التعهّد يؤدّي الى أنّنا متى ما سمعناه ينطق باللفظ المخصوص نتصوّر المعنى، و هذا معنى قيام السببية بين اللفظ و المعنى)، و فيه: إنّ لازم التعهد بأن لا يتكلم أحد بالمجاز اللّهم إلّا إذا اضيف اليه (من دون قرينة)، و لازمه حينئذ التعهّد على أن لا يتكلّم أحد بالإجمال و الإبهام مع أنّ الحاجة و المناسبة تقتضيان الإجمال تارة و الإبهام اخرى.

و الصحيح في تفسيره هو أنّه: جعل للفظ آية لإخطار المعنى في ذهن السامع نظير جعل المفتاح آلة لفتح الباب، غايته أنّه يكون بالجعل الاعتباري لا التكويني.

(1) أي ممّا ذكرنا في تعريف الوضع يتبيّن أنّه بحسب منشئه يكون على نحوين لأنّه تارة: يكون ناشئا من التعيين أو الجعل و اخرى: من كثرة

____________

(1*) المحاضرات: ج 1 ص 48.

32

الى التعييني و التعيّني كما لا يخفى. ثم إنّ الملحوظ حال الوضع (1) إمّا

الاستعمال، فالأوّل هو الوضع التعييني و الثاني هو الوضع التعيّني، كما إنّ الأوّل تارة يكون إنشائه بمثل قوله: أنّي سمّيت فلانا كذا و اخرى يكون إنشائه بالاستعمال و يقول: ناولني فلانا مشيرا الى المولود الجديد فبالاستعمال ينشأ الوضع و هذا الاستعمال ليس بحقيقي إذ لم يكن مسبوقا بالوضع، كما إنّه ليس بمجازي إذ ليس استعمالا له في غير ما وضع له، و لا مانع من وجود القسم الثالث كما سيجي‏ء نظيره.

(1) هذا تقسيم للوضع جار في قسمي الوضع و هو أنّه بحسب التصوّر يمكن تقسيمه بلحاظ وضع اللفظ بإزاء المعنى الى أربعة أقسام: هي الوضع العامّ و الموضوع له العامّ، و الوضع الخاص و الموضوع له الخاص، و الوضع العامّ الموضوع له الخاص، و الوضع الخاص الموضوع له العامّ، و قد بنى المحققون على إمكان ما عدا الأخير فلم يقل أحد بإمكانه إلّا ما ينقله الماتن (رحمه اللّه) عن بعض الأعلام كما سيجي‏ء.

و الوجه في إمكان الأقسام الثلاثة هو: إنّ الواضع لا بدّ حين وضعه اللفظ بإزاء شي‏ء (يعبّر عنه بالموضوع له) من ملاحظة شيئين و تصوّرهما في الذهن أحدهما: متعلقا بما يريد أن يعيّن له اللفظ و الثاني: متعلقا بالمعنى الّذي يريد أن يفهمه السامع من اللفظ، و لا إشكال في إمكان أن تكون الصورتان الملحوظتان كلّيتين كالإنسان، فإنّه يلاحظ ما يريد أن يسمّيه كليّا مع قطع النظر عن تشخّصاته الفردية، كما يلاحظ أن يكون ذاك المعنى الملحوظ موضوعا له للفظ الإنسان بأن يجعل اللفظ آلة لخطور ذاك المعنى الكلّي الى ذهن السامع، كما يمكن أن تكون الصورتان الملحوظتان جزئيتين مثل وضع لفظ زيد للمولود الّذي يريد أن يسمّيه بذاك الإسم و يلاحظ أن يكون ذلك الشخص معنى موضوعا

33

له للفظ، كما يمكن الوضع على نحو ثالث و هو: أن يلاحظ المعنى الكلّي و يلاحظ ذلك المعنى الكلي بما له من الأجزاء و يجعل الموضوع جزئيات ذلك الكلّي لا نفس الكلّي، فيلاحظ حين الوضع مفهوم كلّي الابتداء المنتزع من المفاهيم الجزئية و يجعل لفظ (من) آلة لتصوّر السامع الابتداء الجزئي المشخص حين التكلم.

و قد ذكر الماتن (رحمه اللّه) في وجه إمكان هذا القسم من الوضع: بأنّ العامّ يصلح أن يكون آلة للحاظ الخاص، فإنّ لحاظ العامّ بوجه يكون لحاظا للخاص لأنّ العامّ لا يباين الخاصّ، و لهذا يجوز حمله عليه و تقول: زيد إنسان، بخلاف العكس فأنّ الخاصّ يباين العامّ و لهذا لا يجوز حمله عليه إلّا بعناية، و من أجله نقول: بإمكان القسم الثالث، و عدم إمكان الرابع؛ إذ لا يمكن أن يتصوّر الواضع الخاص مع تشخصاته و يجعله آلة لخطور المعنى الكلّي الشامل له و لغيره من الجزئيات.

و ذكر المحقق العراقى (رحمه اللّه) إشكالا على ما أفاده في المتن من أنّ: العامّ باعتبار انتزاعه عمّا به الاشتراك بين الأفراد لا يصلح لأن يكون وجها لأفراده بخصوصيتها، و لا يكون تصوّره تصورا للخاصّ بوجه، لتقوّم الأفراد بالخصوصيات المفروض إغفالها و تجريد الأفراد عنها في انتزاع المفهوم العام فهو لا يحكي، إلّا عن القدر المشترك و الجامع بينها لا أكثر (1*)، و قرّبه سيدنا الاستاذ من أنّ: المفهوم في مرحلة مفهوميته لا يحكي إلّا عن نفسه، و يستحيل أن يحكي المفهوم كليا كان أو جزئيا عن مفهوم آخر كليا كان أو جزئيا، فكما لا يعقل أن يحكي المفهوم الخاص بما هو خاص عن مفهوم آخر خاصا كان أو عاما فكذلك لا يعقل حكاية المفهوم العام بما هو عام عن مفهوم آخر؛ بداهة إنّ لحاظ كلّ مفهوم و تصوّره عين تصوّر شخصه و إرادته فلا يكون معرّفا لغيره بوجه.

____________

(1*) بدائع الأفكار: ج 1 ص 39.

34

أن يكون معنى عاما فيوضع اللفظ له تارة و لأفراده و مصاديقه اخرى، و إمّا يكون معنى خاصا لا يكاد يصح إلّا وضع اللفظ له دون العامّ فتكون الأقسام الثلاثة و ذلك لأنّ العامّ يصلح لأن يكون آلة للحاظ أفراده و مصاديقه بما هو كذلك فأنّه من وجوهها، و معرفة وجه الشي‏ء معرفته بوجه بخلاف الخاص فإنّه بما هو خاص لا يكون وجها للعامّ و لا لسائر الأفراد فلا يكون معرفته و تصوّره معرفة له و لا لها أصلا و لو بوجه، نعم ربّما يوجب تصوّره تصوّر العام بنفسه (1) فيوضع له اللفظ فيكون‏

ثم أجاب عن الإشكال بما محصّله: إنّ المفاهيم منها ما يكون منتزعا عن خصوصية مشتركة بين الأفراد ذاتية كمفاهيم الجواهر و الأعراض، و منها ما يكون منتزعا عن الأفراد و الخصوصيات المفردة كمفهوم الفرد و المصداق، فالأوّل لا يحكي عن أفراده و لو إجمالا فأنّه لا يحكي إلّا عن الجامع بخلاف الثاني فأنّه يصلح للحكاية الإجمالية عن أفراده و الخصوصيات لأنّها منشأ انتزاعه و مقوّماته، فالالتزام بإمكان هذا النحو من الوضع هو المتعيّن بلحاظ وجود مثل النحو الثاني من المفاهيم.

(1) هذا دفع لما توهّمه بعض الأعلام (رحمه اللّه)(1*) من دعوى: إمكان القسم الرابع و تبعه المحقق الحائري (رحمه اللّه)(2*) و تقريبه هو: أن يتصوّر الكلي في ضمن تصوّر الفرد، ثم يضع اللفظ بإزاء المفهوم الكلي المنطبق على ذلك الفرد و غيره مثل ما إذا رأى شبحا من بعيد قد تيقّن أنّه حيوان، و بعد تصوّر ذلك الشبح يضع اللفظ بإزاء العنوان الواقعي المنطبق على هذا الشبح كان من الوضع الخاصّ، إذا الملحوظ حال الوضع هذا الموجود الخاص و الموضوع له عام لأنّه الكلي المنطبق على الشبح.

____________

(1*) المراد منه المحقّق الرشتي صاحب البدائع (رحمه اللّه).

(2*) درر الفوائد: ج 1 ص 5.

35

الوضع عاما كما كان الموضوع له عاما، و هذا بخلاف ما فى الوضع العامّ و الموضوع له الخاص فأنّ الموضوع له و هي الأفراد لا يكون متصوّرا إلّا بوجهه و عنوانه و هو العامّ، و فرق واضح بين تصوّر الشي‏ء بوجهه و تصوّره بنفسه و لو كان بسبب تصوّر أمر آخر، و لعلّ خفاء ذلك على بعض الأعلام و عدم تمييزه بينهما كان موجبا لتوهّم إمكان ثبوت قسم رابع و هو أن يكون الوضع خاصّا مع كون الموضوع له عاما، مع أنّه واضح لمن كان له أدنى تأمّل. ثمّ إنّه لا ريب في ثبوت الوضع الخاص (1) و الموضوع له الخاصّ كوضع‏

و فيه: أنّه إن لاحظ الشبح مجرّدا عن خصوصياته و مشخصاته و وضع اللفظ للمعنى الكلي المنطبق عليه و على غيره فهو من الوضع العامّ و الموضوع له العام، و إن لاحظه مع تشخصاته فلا يمكن أن يلاحظه فى حينه مجردا عن الخصوصيات لأنّه مستلزم لاجتماع ملحوظين مستقلين بلحاظ واحد، فإذا تصوّر المعنى مع تلك الخصوصيات ليس له إلّا أن يضع اللفظ بإزاء واقعه و يكون من الوضع الخاصّ و الموضوع له الخاصّ، و الظاهر أنّ المحقق الحائري (رحمه اللّه) أراد بتقريبه المتقدّم هذا القسم.

(1) بعد الفراغ عن إمكان الأقسام الثلاثة من الوضع و استحالة القسم الرابع شرع في البحث عن الثبوت، و أنّه هل تكون الاقسام الثلاثة الممكنة ثابتة خارجا و إنّ لها تحقّق في الخارج أم لا؟ ذكر قده: لا ريب فى ثبوت القسمين الأوّلين أمّا الوضع الخاص و الموضوع له الخاص كوضع الأعلام الشخصيّة، و أمّا الوضع العامّ و الموضوع له العام كوضع أسماء الأجناس، و إنّما الكلام في ثبوت القسم الثالث فقد وقع الخلاف فى وقوعه و عدمه، و منشأ الخلاف هو الاختلاف في وضع الحروف و ما شابهها من الأسماء بالشباهة

36

الوضعية أو المعنوية أو الافتقارية أعني الضمائر و أسماء الإشارة و الموصولات، و قد تضاربت الآراء في ذلك و الذي يظهر من كلامه (رحمه اللّه) إنّ الأقوال في المسألة ثلاثة:

أحدها: إنّ الوضع فيها عام و الموضوع له خاص ذكره في التوهم الأوّل، نسب ذلك الى جماعة منهم السيد الشريف.

و ثانيها: إنّ الوضع فيها عام و الموضوع له أيضا كذلك و لكن المستعمل فيه خاصّ، نسب ذلك الى التفتازاني.

و ثالثها: ما اختاره هو في التحقيق و هو: إنّ كلا من الوضع و الموضوع له و المستعمل فيه في الحروف عامّ فيكون حال الحروف حال أسماء الأجناس إذ لا فرق بين كلمة (من) و كلمة (الابتداء) التي يرادفها، فأنّ معنى الموضوع له و المستعمل فيهما على نحو واحد و هو كلّي الابتداء، و ذلك لأنّ الخصوصيّة المتوهّمة إن اريد بها لوازم الوجود الخارجي، فمن الواضح إنّ كثيرا من استعمالات الحروف لا يكون كذلك بل يكون كليا مثل قولك: سر من البصرة الى الكوفة، فإنّ المراد كلّي الابتداء و كلّي الانتهاء، و لذا التجأ بعض الفحول الى جعله جزئيا، إضافيا (قيل إنّ المراد منه المحقق التقي صاحب الحاشية و قيل أنّ المراد منه أخوه صاحب الفصول (رحمه اللّه))، و أورد عليه في المتن بقوله: و هو كما ترى، و مراده: إنّ الجزئي الذي بمعنى أن يكون تحت كلّي لا ينافي أن يكون كليا، فالإنسان جزئي إضافي لكونه تحت كلي الحيوان. و إن اريد بها باللحاظ الذهني، يكون موجبا لأن يصير المعنى جزئيا فمعنى (من) مثلا الابتداء لكن لا مطلقا بل ملحوظا و متصوّرا في الذهن؛ بأنّه القائم بالغير نظير قيام العرض بمعروضه مثل قيام البياض بالقرطاس، فكما إنّ العرض لا يكون موجودا إلّا في الموضوع كذلك المعنى الحرفي.

37

الأعلام و كذا الوضع العامّ و الموضوع له العامّ كوضع أسماء الأجناس، و أمّا الوضع العام و الموضوع له الخاص فقد توهّم أنّه وضع الحروف و ما الحق بها من الأسماء كما توهّم أيضا أنّ المستعمل فيه فيها خاصّ مع كون الموضوع له كالوضع عامّا، و التحقيق حسبما يؤدّي اليه النظر الدقيق: أنّ حال المستعمل فيه و الموضوع له فيها حالهما في الأسماء و ذلك لأنّ الخصوصية المتوهّمة (1) إن كانت هي الموجبة لكون المعنى المتخصص بها جزئيا خارجيا فمن الواضح أنّ كثيرا ما لا يكون المستعمل فيه فيها كذلك بل كليا (2)

و الفرق هو: إنّ العرض القائم بالموضوع خارجا و الحرف قائم بالموضوع ذهنا، و لذا عرّف المشهور الحرف بأنّه: (ما دلّ على معنى في غيره) فالمعنى لا محالة يصير جزئيا لأنّ معنى (من) يكون الابتداء المقيّد ملحوظا ذهنا أنّه قائم بغيره، و هذا اللحاظ موجود في كلّ مورد من موارد استعمال (من) و لا شك إنّ كلّ لحاظ ذهني يكون مبائنا مع اللحاظ الذهني الآخر نظير مباينة الموجودات الخارجية بعضها مع بعض سواء كان اللحاظ قائما بلحاظ واحد أم بمتعدد، فأنّه يرد عليه حينئذ المحاذير الثلاثة الّتي يذكرها في المتن.

(1) هذا أحد فردي الترديد الّذي أبداه الماتن (رحمه اللّه) و هو أن يراد بالخصوصية المتوهّمة الجزئية الخارجيّة، إلّا أنّ القائلين بجزئية المعنى الحرفي أنّما يقولون بالجزئية الذهنية و هو الشقّ الثاني من الترديد.

(2) و إنّما ذكر في كثير من الموارد يكون كليا خارجيا لأنّه في بعض الموارد يكون جزئيا كما إذا كان في الجملة الخبرية الماضية مثل: سرت من البصرة، فإنّه لا بدّ أن يكون الابتداء المراد من لفظة (من) جزئيا حقيقيا لأنّ الشي‏ء ما لم يتشخص لم يوجد، إلّا أنّ تلك الموارد قليلة و في أكثر الموارد لا يكون جزئيا بل‏

38

و لذا التجأ بعض الفحول الى جعله جزئيا إضافيا (1)، و هو كما ترى، و إن كانت هي الموجبة لكونه جزئيا ذهنيا حيث أنّه لا يكاد يكون المعنى حرفيا إلّا إذا لوحظ حالة لمعنى آخر و من خصوصياته القائمة به و يكون حاله كحال العرض، فكما لا يكون في الخارج إلّا في الموضوع كذلك هو لا يكون في الذهن (2) إلّا في مفهوم آخر، و لذا قيل في تعريفه بأنّه: ما دلّ على معنى في غيره، فالمعنى و إن كان لا محالة يصير جزئيا بهذا اللحاظ (3)

يكون كليا كما إذا استعمل الحرف في الجمل الإنشائية و في كثير من الجمل الخبرية، فإنّ المولى إذا قال لعبده: اجلس في الدار، لم يقصد به الظرفيّة الخاصّة الخارجية بلا كلام.

(1) الجزئي الإضافي هو: ما كان تحت كلّي سواء كان جزئيا حقيقيا كزيد أو كليا حقيقيا كالإنسان الّذي هو تحت الحيوان، و في الحقيقة إنّ بعض الفحول أراد بذلك الفرار عن الإشكال مع تسليمه لا دفعه، و لذا أورد عليه في المتن بقوله: (و هو كما ترى)، فأنّ الجزئية الإضافية لا تنافي الكلّية فعلى القول بالجزئيّة الخارجيّة يكون صادقا في قليل من الموارد و كاذبا في كثير من الموارد.

(2) و الفرق إنّ الحرف يكون قائما باثنين لأنّه يحتاج الى طرفين بخلاف الأعراض الخارجية فإنّها قائمة بمعروض واحد، و وجه الشباهة هو: إنّ العرض كالبياض لا يمكن أن يتحقق في الخارج بدون الجوهر و هو القرطاس حتّى قيل:

إنّ وجوده في نفسه عين وجوده لموضوعه، و الحرف أيضا لا يتصور في الذهن بنفسه و بدون مدخوله.

(3) فالمعنى لا محالة يصير جزئيا لأنّ معنى كلمة (من) الابتداء المقيد ملحوظا ذهنيا أنّه قائم بغيره، و هذا اللحاظ موجود في كلّ مورد من موارد

39

بحيث يباينه إذا لوحظ ثانيا كما لوحظ أولا و لو كان اللاحظ واحدا، إلّا أنّ هذا اللحاظ لا يكاد يكون مأخوذا في المستعمل فيه (1) و إلّا فلا بدّ من لحاظ آخر (2) متعلّق بما هو ملحوظ بهذا اللحاظ، بداهة أنّ تصور المستعمل فيه ممّا لا بدّ منه في استعمال الألفاظ، و هو كما ترى، مع أنّه يلزم أن لا يصدق على الخارجيات (3)

استعمال (من)، و لا شك إنّ كلّ لحاظ ذهني يكون مبائنا مع اللحاظ الذهني الآخر نظير مباينة الموجودات الخارجية بعضها مع بعض سواء كان اللاحظ واحدا أم متعددا.

(1) هذا شروع في الإيراد على الشقّ الثاني من الترديد أي (الالتزام بالجزئية الذهنية في الحروف) و حاصل الإيراد إنّه: لا يعقل الالتزام بأخذ اللحاظ جزء للمعنى المستعمل فيه في الحروف و ذلك للزوم محاذير ثلاثة كما أشرنا اليه.

(2) هذا هو المحذور الأوّل و هو لزوم اجتماع لحاظين عند استعمال الحرف، و هو على خلاف الوجدان و توضيحه: هو إنّ كلّ استعمال يقتضي أن يكون مسبوقا باللحاظ فإذا قلت: زيد قائم، لا بدّ من تصوّر المفردات و تصوّر الهيئة التركيبية قبل الاستعمال حتّى يتمكّن منه اختيارا، كما هو الحال في سائر الأفعال الاختيارية فإذا فرض أنّ مفهوم الحرف متوقّف على لحاظه ذهنا فلا محالة يجتمع فيه اللحاظان فإذا قال المتكلم: كن على السطح، إنّ (على) لا بدّ من لحاظه مرتين بخلاف (كن و سطح) فإنّهما يتصوّر المعنى فيهما مرّة، و مع مراجعة الوجدان يظهر أنّه لا فرق بين الحرف و سائر كلمات الجملة من جهة تصوّر المعنى في الجميع مرّة واحدة.

(3) هذا هو المحذور الثاني و هو أنّه: لو كان الحرف واقعا عقيب تكليف من‏

40

لامتناع صدق الكلي العقلي عليها حيث لا موطن له إلّا الذهن فامتنع امتثال مثل: (سر من البصرة) إلّا بالتجريد و إلغاء الخصوصية، و هذا مع أنّه ليس لحاظ المعنى حالة لغيره في الحروف (1)

أمر أو نهي فإن قلنا بتقيّد المعنى الحرفي باللحاظ الذهني لزم أن لا يمكن امتثاله كما إذا قال المولى: سر من البصرة الى الكوفة، لأنّ متعلّق التكليف هو السير ابتداء من البصرة الملحوظ ذهنا و الابتداء المقيد باللحاظ يكون موجودا ذهنيا و الموجودات الذهنية مباينة مع الموجودات الخارجية فيستحيل أن يصدق على الخارج، فإذا أراد المولى من العبد السير المبتدأ من البصرة المقيّد ذهنا بكونه حالة لغيره يكون من التكليف بما لا يطاق إلّا إذا جرّد عن خصوصية، فأنّ المأمور به يكون قابلا للانطباق على الخارج و تكليفه يكون بما يطاق كسائر التكاليف المتعلقة بالطبائع، إلّا أنّ التجريد على خلاف فرضهم.

و المصنف (رحمه اللّه) اصطلح على كلّ موجود ذهني ب (الكلي العقلي) كما في المقام و هذا على خلاف اصطلاح المنطقي فأنّ المنطقيين يعبّرون عن مجموع الكلّي الطبيعي و المنطقي مثل: (الإنسان الكلّي) ب (الكلي العقلي)، و المقصود حسب دعوى القائل بجزئية المعنى الحرفي أنّ المعنى في الحرف يكون مقيّدا باللحاظ الذهني الى المقيد بالكلّي على ما يتوهّم من اصطلاحه.

(1) هذا هو المحذور الثالث و هو: النقض بمعاني الأسماء لأنّه كما إنّ الحرف يكون ملحوظا ذهنا قائما بغيره و حالة لغيره كذلك الإسم يكون ملحوظا ذهنا مستقلا و قائما بنفسه، فإذا لم يكن اللحاظ الاستقلالي جزء لمفهوم الإسم لا بدّ أن لا يكون اللحاظ الآلي جزء لمفهوم الحرف، إذ ليس اللحاظ الاستقلالي جزء لمفهوم الابتداء فلا بدّ أن يكون الأمر في الحرف أيضا كذلك، و لا وجه لصيرورة معنى الحرف جزئيا بسبب اللحاظ الآلية و يكون معنى الإسم كليا و إن لوحظ

41

إلّا كلحاظه في نفسه في الأسماء و كما لا يكون هذا اللحاظ معتبرا في المستعمل فيه فيها كذلك ذاك اللحاظ في الحروف كما لا يخفى، و بالجملة:

ليس المعنى في كلمة من و لفظ الابتداء مثلا إلّا الابتداء فكما لا يعتبر في معناه لحاظه في نفسه و مستقلا كذلك لا يعتبر في معناها لحاظه في غيرها و آلة، و كما لا يكون لحاظه فيه موجبا لجزئيته فليكن كذلك فيها. إن قلت:

على هذا لم يبق فرق بين الإسم و الحرف في المعنى (1) و لازم ذلك كون مثل كلمة من و لفظ الابتداء مترادفين صح استعمال كلّ منهما في موضع الآخر و هكذا سائر الحروف مع الأسماء الموضوعة لمعانيها و هو باطل بالضرورة كما هو واضح، قلت: الفرق (2)

استقلاليا، و من أجل هذه المحاذير بنى على كلية المعنى الحرفي و إنّ اللحاظ الآلي لا يوجب جزئية معناه.

(1) حاصل الإشكال هو: أنّه حسب التحقيق لا يوجد فرق بين الإسم و الحرف و إنّ كلمة (من) تكون مترادفة مع كلمة الابتداء كالإنسان و البشر، فلا بدّ من صحة استعمال كلّ منهما مكان الآخر، و هذا ضروري البطلان إذ لا يصح أن يقال بدل سرت من البصرة الى الكوفة: سرت ابتداء البصرة انتهاء الكوفة، أو يقال بدل: الابتداء خير من الانتهاء: (من) خير من (إلى) بالبداهة، و هذا يكشف عن وجود الفرق الجوهري بينهما.

(2) و محصّل الجواب مع توضيح للدعوى بنحو أحسن هو: إنّ عدم جواز استعمال كل منهما مكان الآخر ناش من الاختلاف في كيفيّة وضعهما، لا من جهة وجود الفرق بين المعنيين، حيث أنّ الواضع وضع الإسم كالابتداء في المثال ليراد منه المعنى في نفسه و الابتداء المستقل و الحرف ليراد منه المعنى الغير المستقل و حالة لغيره، فهما و إن كانا مترادفين و إنّ الآلية و الاستقلالية لا يمكن أن تكونا

42

بينهما أنّما هو في اختصاص كلّ منهما بوضع حيث أنّه وضع الإسم ليراد منه معناه بما هو هو و في نفسه و الحرف ليراد منه معناه لا كذلك بل بما هو حالة لغيره كما مرّت الإشارة اليه غير مرّة فالاختلاف بين الإسم و الحرف في الوضع يكون موجبا لعدم جواز استعمال أحدهما في موضع الآخر و إن اتفقا فيما له الوضع و قد عرفت بما لا مزيد عليه أنّ نحو إرادة المعنى لا يكاد يمكن أن يكون من خصوصيّاته و مقوّماته.

دخيلتين في المعنى و من خصوصياته و مقوماته، إلّا أنّه لم يتضح مراده هنا و لهذا فسرّوا كلامه بتفاسير مختلفة منها ما يظهر من المحقّق النائيني (رحمه اللّه): من إرجاعه التقييد بالآلي و الاستقلالى الى اشتراط الواضع أن لا يستعمل لفظ الابتداء إلّا إذا لوحظ مستقلا، و لا يستعمل لفظ من إلّا إذا كان ملحوظا آليا، و على هذا التفسير أورد عليه أوّلا: (على فرض ثبوت واضع خاصّ فمن المقطوع أنّه لم يشترط ذلك؛ لأنّ ذلك خارج عن وظيفته إذ ليس من وظيفته تعيين تكليف على المستعملين، و ثانيا: هب إنّ الواضع اشترط ذلك و أنّه لم يلزم العمل به، فما الّذي يلزم من مخالفة الشرط؟ إذ غايته مخالفة الواضع و هذا لا يوجب كون الاستعمال غلطا إذ لا يقصر عن المجاز بل ينبغي أن يكون هذا أولى من المجاز) (1*)، و سيأتي ما فيه.

و منها: بإرجاع القيد باللحاظ الآلي أو الاستقلالي الى العلقة الوضعيّة المصحّحة للاستعمال الناشئة عن الاعتبار و الوضع، أي إنّ الواضع قد يجعل العلقة بين اللفظ و المعنى في جميع الأحوال، و قد يجعلها ثابتة في حال معيّن فلا يصحّ استعمال اللفظ في غير ذلك الحال و حينئذ على هذا التفسير لا يرد شيئا من الإيرادات السابقة عليه.

____________

(1*) فوائد الاصول ج 1 ص 49.

43

و منها: إرادة ربط اللحاظ الآلي و الاستقلالي بالموضوع له لكن لا بنحو التقييد، و على كلّ من التفاسير الثلاثة يكون كلامه (رحمه اللّه) محلّ إشكال.

فتبيّن أنّ للماتن (رحمه اللّه) دعويان الاولى: إنّ الحرف و الإسم لا يختلفان ذاتا و جوهرا و أنّما يختلفان لأمر عارضي و هو لحاظ الآلية و الاستقلاليّة حين الاستعمال، و الثانية: إنّ اللحاظ المذكور لا يكون قيدا للموضوع له و لا المستعمل فيه و هذه النظرية مأخوذة من نجم الأئمة رضي الدين الاسترابادي فى شرح الكافية (1*).

و اورد عليه إيرادات متعددة، منها: ما أورده المحقق النائيني (رحمه اللّه) عند تفسيره لكلام الماتن (رحمه اللّه) الّذي تقدّم، و يمكن الجواب عنه بأنّ: مراده تقييد العلقة الوضعية بذلك و حينئذ يكون في غيره مهملا، فلا يكون حقيقة لعدم ثبوت العلقة الوضعية بين من و الابتداء المستقل، و لا يكون مجازا لعدم وجود ملاكه؛ و هو تحسين الطبع على ما سيأتي و حينئذ لا يكون الاستعمال حقيقيا و لا مجازيا.

و منها ما أورده المحقق الأصفهاني (رحمه اللّه) من أنّه: إذا كان معنى الإسم و الحرف واحدا و لا فرق بينهما إلّا من ناحية اللحاظ لزم أن يكون المعنى الواحد قابلا لأن يوجد في الخارج على نحوين كما هو في الذهن على نحوين، مع أنّ المعنى الحرفي كسائر النسب و الروابط لا يوجد في الخارج إلّا على نحو واحد (2*)، و يمكن أن يجاب عنه بأنّه: لا ملازمة بين ما يوجد في الذهن و ما يوجد في الخارج فإنّ العرض يمكن لحاظه في الذهن مستقلا و مع ذلك لا يوجد في الخارج إلّا قائما بالجوهر.

و منها ما أورده سيدنا الاستاذ عليه بوجهين أحدهما: إنّ لازم ما أفاده‏

____________

(1*) شرح الكافية ج 1 ص 10 طبع بيروت.

(2*) نهاية الدراية ج 1 ص 43.

44

صيرورة جملة من الأسماء حروفا لمكان وجود ملاك الحرفية فيها كالتّبين المأخوذ غاية لجواز الأكل و الشرب في قوله تعالى: (كُلُوا وَ اشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ) (1*) الآية، ثانيهما: إنّ ما هو المشهور من أنّ المعنى الحرفي ملحوظ آلة، لا أصل له فأنّ المعنى الحرفي قد يكون مقصودا بالإفادة و للاستفادة كالاسم في بعض الموارد مثل: ما إذا كان الموضوع و المحمول معلوما عند المتكلم و يريد أن يستعلم الخصوصية فيسأل عنها و يجاب على طبق سؤاله‏ (2*).

و فيه: مضافا الى أنّه على خلاف مبناه في المعنى الحرفي كما سيأتي، أنّ ما هو المشهور صحيح و لكن لا مانع من أن ينتزع مفهوما اسميا مشيرا الى ذلك المعنى الحرفي، فمع لحاظه استقلاليا يخرج عن كونه حرفيا و صار معنى اسميّا.

و الصحيح في مناقشة المتن هو: إنّ المعاني الحرفية (كما ذكره) تلاحظ حالة و آلة لغيرها و هو ناش عن الخصوصية الذاتية فيها و الفرق الجوهري بينها و بين المعاني الاسمية لا من جهة اشتراط الواضع.

ثمّ إنّ في الحرف آراء اخرى لا بأس بذكر عمدتها منها: ما ذهب اليه المحقق النائيني (رحمه اللّه) و ملخص ما أفاده إنّ قوام المعنى الحرفي يكون بأربعة الأول: إنّ المعنى الحرفي يكون إيجاديا و ليس بإخطاري، و استشهد له بالحديث الشريف المأثور عن مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام) الّذي قاله لأبي الأسود: (الإسم: ما أنبأ عن المسمّى و الفعل ما أنبأ عن حركة المسمّى و الحرف: ما أوجد معنى في غيره) كما عن أمالي الزجاج. الثاني: أن يكون المعنى قائما بغيره لا بنفسه كالمعاني الموجدة في باب العقود و الإيقاعات، الثالث: أن لا يكون لذلك المعنى الإيجادي نحو تقرّر و ثبوت بعد إيجاده بل إيجاده كان في مواطن الاستعمال و

____________

(1*) البقرة: 187.

(2*) المحاضرات ج 1 ص 58.

45

يدور مداره حدوثا و بقاء، الرابع: أن يكون المعنى حين إيجاده مغفولا عنه غير ملتفت اليه و هذا لازم كون المعنى إيجاديا و كون موطنه الاستعمال. (1*)

و ناقشه سيدنا الاستاذ أوّلا: بأنّ الألفاظ لا تكون مرتبطة بعضها ببعض إلّا بواسطة الحرف فهذا لا إشكال فيه، فإنّك إذا قلت: سرت- البصرة- الكوفة- لا يكون ارتباط بين الكلمات إلّا إذا توسّطها (من و إلى) إلّا أنّ ذلك من أجل دلالة الحرف على معنى بذلك المعنى يكون الحرف موجدا للربط و نحن في مقام تشخيص ذلك المعنى، فالربط مسبب عن معنى الحرف لا أنّه هو معنى الحرف، و ثانيا: إنّ كون المعنى الحرفي مغفولا عنه خلاف الوجدان لأنّ في كثير من الموارد يكون المعنى الحرفي ملحوظا استقلالا و مقصودا كذلك كما اذا أراد السائل أن يستعلم الخصوصية و يذكر الإسم مقدمة لذلك، إلّا أنّا أجبنا عن ذلك.

و منها: ما هو منسوب الى نجم الأئمة الشارح الرضي و عبارته غير واضحة فقد يستظهر منها ما هو مختار المتن، و قد يستظهر منها إنّ الحرف لا معنى له أصلا بل جعل علامة على خصوصية معنى مدخوله نظير الإعراب في الأسماء، و نسب هذا القول الى جدنا (قدّس سرّه) على ما ذكره مقرّره في (منهاج الاصول)، و ظاهره إنّ الحرف يكون فارغا تماما عن كلّ دلالة إلّا العلامية، و هذا لا يمكن مساعدته إذ لا شك في أنّ حذف الحرف يوجب إخلالا في مدلول الجملة. إلّا أن يوجّه بأنّ: المعنى الحرفي ليس في مرتبة المعنى الاسمي بل هو في طوله و من هذه الجهة يشبه الحركات فإذا قلت: زيد في الدار (فأنّ ظرفية الدار لزيد أنّما يخطر للذهن بعد تصوّر زيد و الدار)، إلّا أنّ ذلك بعيد عن كلامهم بل ظاهره هو إنّ الحرف يؤثر فيما يراد من المدخول، و هذا قابل للمنع إذ لا تأثير له لا في الإرادة الاستعمالية من المدخول و لا في الإرادة الجدّية منه.

____________

(1*) فوائد الاصول ج 1 ص 44.

46

و منها ما ذهب اليه المحقق العراقي و حاصل ما أفاده على ما في تقرير بحثه هو: إنّ الموجودات العينية منها جوهر و منها عرض و الأعراض يعبّر عنها بالوجود الرابطي، و منها وجود ربطي أي يربط الأعراض بموضوعاتها، و العرض قد يتقوّم بموضوع واحد مثل (مقوله الكيف) و قد يحتاج في تقوّمه الى موضوعين مثل (الأين و الإضافة)، و لا بدّ من وجود دالّ على هذه الامور بحسب السيرة العقلائية و قد وصفوا الأسماء و الأفعال و الهيئات لذلك، و قد وجد خلأ لم يوضع له اللفظ؛ و هو العرض الإضافي النسبي الذي يحتاج الى موضوعين و إنّ في الجملة المشتملة على الحرف مثل قولك: زيد في الدار دلالة على ذلك و على الربط المخصوص، فإمّا أن نقول بأنّ الهيئة التركيبة دلّت على العرض الإضافي النسبي و الحرف على الربط، أو يقال بالعكس، لا سبيل الى الأول إذ لم يقل أحد بدلالة الهيئة على العرض فتعيّن الثاني‏ (1*). فالمعاني الحرفية عبارة عن الروابط الخاصة الذهنية و عين النسب و الإضافات بين المفهومين لكن لا بمفهوم الربط لأنّه معنى اسميا بل واقع الربط الذهني و مصداقه. و أورد عليه سيّدنا الاستاذ ثبوت استعمال الحرف في موارد يستحيل تحقق العرض النسبي فيه كالواجب مثل قوله تعالى: (الرَّحْمنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوى‏) (2*) و قولك:

اللّه عالم بكذا، فأنّ اتّصاف ذاته سبحانه بالعرض النسبي محال و في مثله لا بد من الالتزام بمجازيته و مسامحيته و كلاهما خلاف الضرورة العرفية، و فيه: إنّ هذا الإيراد يرد على تعريفه للحرف أيضا، الذي هو عبارة عن تحصيص المفهوم الاسمي و تضييقه، هذا و يرد عليه: أنّ بعض الحروف لم يكن في مفهومه التحصيص كحروف التفسير، فلا بدّ من حلّ له على كلا المسلكين و لا مانع من‏

____________

(1*) بدائع الأفكار ج 1 ص 42.

(2*) طه: 5.

47

ثم لا يبعد أن يكون الاختلاف في الخبر و الإنشاء أيضا كذلك فيكون الخبر موضوعا ليستعمل في حكاية ثبوت معناه في موطنه (1)

القول بالتجريد.

و بالجملة إنّ ما أفاده المحقق العراقي هو المتبادر منه بحسب موارد استعمالاته عند أهل المحاورة، و من هنا يتبين أوّلا: إنّ المعنى الحرفي يختلف عن المعنى الاسمي جوهريا و ماهويا لأنّ الأسماء قابلة للتصور بالاستقلال بخلاف الحرف، فما ذكره الماتن (رحمه اللّه) لا يمكن مساعدته، و ثانيا: إنّ معاني الحروف إخطارية و ليست إيجادية (كما ذهب اليه المحقّق النائيني (رحمه اللّه)) و ثالثا: إنّ الحرف دالّ على الربط الخاص و الإضافة الجزئية فقولك سرت من البصرة، ليس المراد منه جامع الإضافات بين السير و البصرة، فيكون الموضوع له و المستعمل فيه دائما جزئيا و الوضع عاما بخلاف المعاني الاسمية.

(1) الخبر على ما عرف: أنّه الكلام الّذي يكون لنسبته خارج تطابقه أو لا تطابقه، و الإنشاء: الذي ليس لنسبته خارج تطابقه أو لا تطابقه، ذكر أنّ حالهما حال الإسم و الحرف، فكما إنّ التفاوت بين الإسم و الحرف (على مبناه) يكون بحسب قصد الاستقلالية و الآلية و إنّ قصد كل منهما يكون من شئون الاستعمال و لا يكون داخلا في مفهومهما وضعا و استعمالا، كذلك الحال في الخبر و الإنشاء، فأنّهما يختلفان بحسب القصد و إنّ القصد يكون من شئون الاستعمال و حالاته لا أنّه داخل في المعنى الموضوع له.

و ليعلم: إنّ الكلام هو في الألفاظ المشتركة الّتي يمكن استعمالها في الخبر كما يمكن استعمالها في الإنشاء مثل (بعت) و أمّا الألفاظ المختصّة بالخبرية مثل: زيد قائم أو المختصة بالإنشائية مثل: افعل و ألفاظ التمنّي و الترجّي و غيرها فإنّه لا إشكال في عدم صحة استعمال كل منهما في المعنى الآخر.

48

و محصّل دعواه إنّ كلا من قصد الإنشائية و الخبرية يكون من شئون الاستعمال لا أنّه جزء للمعنى الموضوع له أو المستعمل فيه، فبعت الخبري موضوع ليستعمل في معناه بقصد ثبوت معناه في موطنه (أحد الأزمنة الثلاثة)، و الإنشائي منه موضوع ليستعمل في معناه بقصد تحقّقه و ثبوته و إيجاد مضمونه مع اتفاقهما في المعنى الموضوع له و المستعمل فيه؛ لأنّ القصدين من شئون الاستعمال و حالاته. هذا في مرحلة الثبوت و أمّا في مرحلة الإثبات ففيما تردّد السامع في أنّ المتكلّم قصد الخبرية أو الإنشائية فالظاهر إنّ طبع الجملة يقتضي الحمل على الخبرية (فيما قامت مقدمات الحكمة لأنّ الإنشائيّة تحتاج الى بيان زائد)، و أوّل ما يرد عليه: إنّ عدم البعد لا يثبت الدعوى بل لا بدّ من إقامة البرهان عليه و لعلّه لهذا أمر بالتأمل.

ثم إنّ الماتن (رحمه اللّه) وافق المشهور في أنّ حقيقة الإنشاء هو إيجاد المعنى بنحو وجود و خالفهم في أنّ وجوده على مختاره نحو وجود إنشائي من سنخ الاعتباريات، فالملكيّة توجد بإنشاء (ملّكت) بوجود إنشائي اعتباري غير وجودها الاعتباري في نفسهما و في وعائهما المفروض لها، و على المشهور أنّها توجد بوجودها الاعتباري الثابت لها في حدّ ذاتها و يتحقق في وعائها المقرّر لها و هو عالم الاعتبار العقلائي، و يرد على المشهور أوّلا: اختصاص الإنشاء بما كان وعائه الاعتبار كالعقود و الإيقاعات و لا يشمل مثل التمنّي و الترجّي و الطلب و الاستفهام، و ثانيا: يلزم عدم تحقق الإنشاء في الموارد الّذي يعلم بعدم ترتّب الأثر من العقد عليه كبيع الفضولي مع العلم بعدم لحوق الإجازة، و غير المقدور تسليمه مع أنّ الإنشاء صادق على الجميع عرفا كما يبعّد قول الماتن (رحمه اللّه) أنّه لا دليل يثبت مدّعاه.

و خالفهم سيدنا الاستاذ و ذهب الى أنّ: مفاد كلّ جملة (سواء كانت خبرية

49

و الإنشاء ليستعمل في قصد تحققه و ثبوته و إن اتفقا فيما استعملا فيه فتأمّل. ثمّ أنّه قد انقدح ممّا حققناه (1) أنّه يمكن أن يقال: أنّ المستعمل‏

أم إنشائية) هو إبراز ما في النفس باللفظ؛ ففي الخبرية إبراز ما في النفس باللفظ من قصد الحكاية، و في الإنشائية هو إبراز ما في النفس من قصد الإنشاء و أنّ إيجاد المعنى باللفظ محال، إذ لا علاقة بين اللفظ و المعنى إلّا بالوضع و لا يعقل أن يترتّب عليه السببية للوجود الخارجي بل غايته السببية للتصوّر الذهني، و مضافا الى ذلك إنّ كثيرا من الجمل الإنشائية موجودة خارجا قبل الكلام كالتمنّي و الترجّي و الاستفهام، ثم أخذ في مناقشة المشهور بمناقشات أكثرها غير واردة. و العمدة أنّه: لو كان مدلول الجملة الخبريّة ثبوت النسبة لم يبق فرق بين الجملة التامّة مثل: زيد قائم و الناقصة مثل: زيد القائم، لأنّ النسبة غير قابلة للتمامية و النقصان فلا بدّ أن يكون الفرق في قصد الحكاية عن وقوع النسبة حتّى يصح السكوت عليه و هذا بخلاف الناقصة، فما اختاره هو المختار عندنا.

(1) أي: ممّا ذكره في الحروف و الخبر و الإنشاء يتبيّن إنّ حال أسماء الإشارة و الضمائر حال الحروف، فأنّ أسماء الإشارة موضوعة للإشارة الى معانيها و إنّ كلمة (ذا) موضوعة للإشارة الى المفرد المذكّر (و هكذا سائر أسماء الإشارة)، فالموضوع له و المستعمل فيه فيه هو كلّي المفرد المذكّر المشار اليه لا المفرد المذكّر المتصف بكونه مشارا اليه حتّى يكون جزئيا، و الضمائر أيضا كذلك فأنّ بعضها و هو ضمير الغائب مثل: (هو) موضوع للمفرد المذكّر الغائب الكلّي و يقصد به المرجع، من دون أن يكون هذا القصد داخلا في المعنى الموضوع له حتّى يوجب جزئيته، و بعضها و هو ضمير الخطاب مثل (إيّاك) موضوع للتخاطب للمذكّر الحاضر، فالإشارة و التخاطب و إن كان لشخص معيّن إلّا أنّه لا يوجب كون الموضوع له و المستعمل فيه جزئيا لأنّ الإشارة و التخاطب غير داخلين في‏

50

المعنى بلا فرق بين المفرد و التثنية و الجمع و بين المذكّر و المؤنّث، و لم يذكر لدعواه دليلا سوى أنّ هذا القول لا مجازفة فيه و من المعلوم إنّ ذلك لا يوجب إثبات الدعوى بل لا بدّ من إقامة البرهان عليه.

و أورد عليه سيدنا الاستاذ بأنّه: على تقدير تسليم دعواه في الحروف لا يمكننا تسليمه في الضمائر و أسماء الإشارة، و ذلك لأنّ لحاظ المعنى في الاستعمال يكون ضروريا و لا يمكن أخذه قيدا في الموضوع له بخلاف الإشارة و الخطاب لأنّ لحاظهما لم يكن ضروريا حين الاستعمال، فلا بدّ من أخذه قيدا في الموضوع له و يقول: إنّ كلمة هذا موضوعة للدلالة على قصد تفهيم المفرد المذكّر في حال الإشارة اليه لا لمفهومه بل لواقعه على نحو الوضع العامّ و الموضوع له الخاص.

ثم إنّ المحقّق الأصفهاني (رحمه اللّه) بعد ما أشكل على المتن قال: التحقيق أنّ أسماء الإشارة و الضمائر موضوعة لنفس المعنى عند تعلّق الإشارة به خارجا أو ذهنا بنحو من الأنحاء، فقولك (هذا) لا يصدق على زيد إلّا إذا صار مشارا اليه باليد أو العين مثلا. و تبعه سيدنا الاستاذ مع اختصاصه الموضوع له بصورة تعلق الإشارة الخارجية، و يرد على سيدنا الاستاذ من أنّه لا بدّ أن يكون المشار اليه أمرا خارجيا مع أنّه ليس الأمر كذلك، إذ قد يشار الى الكلّي و يقال: هذا الإنسان كما يشار الى الصور الذهنيّة و يقال: هذا الّذي قصدته، و ثانيا: أنّه يشار الى الأمر الخارجي من دون ضمّ إشارة و القول بانّ المرتكز هو المقارنة مع الإشارة مجازفة، بل المرتكز أنّه لو انضمت الإشارة باليد أو العين مع اللفظ يكون للتأكيد، و الحقّ: أنّ اسم الإشارة موضوع لتبيين المراد من الكلام حتّى لا يقع السامع في الاشتباه.

51

فيه في مثل أسماء الإشارة و الضمائر أيضا عام و أنّ تشخصه أنّما نشأ من قبل طور استعمالها حيث إنّ أسماء الإشارة وضعت ليشار بها الى معانيها و كذا بعض الضمائر و بعضها ليخاطب بها المعنى، و الإشارة و التخاطب يستدعيان التشخص كما لا يخفى، فدعوى أنّ المستعمل فيه في مثل: هذا أو هو أو إيّاك أنّما هو المفرد المذكّر و تشخصه أنّما جاء من قبل الإشارة أو التخاطب بهذه الألفاظ اليه فأنّ الإشارة أو التخاطب لا يكاد يكون إلّا الى الشخص أو معه، غير مجازفة. فتلخص ممّا حققناه: أنّ التشخص (1) الناشئ من قبل الاستعمالات لا يوجب تشخص المستعمل فيه، سواء كان تشخّصا خارجيا كما في مثل أسماء الإشارة أو ذهنيا كما في أسماء الأجناس و الحروف و نحوهما من غير فرق في ذلك أصلا بين الحروف و أسماء الأجناس، و لعمري هذا واضح و لذا ليس في كلام القدماء من كون الموضوع له أو المستعمل فيه خاصّا في الحروف عين و لا أثر و أنّما ذهب اليه بعض من تأخر.

(1) هذه إعادة لما أفاده في هذا الأمر مع إضافة شي‏ء طفيف عليه و هو: إنّ الموضوع له و المستعمل فيه في أسماء الأجناس و الحروف و الضمائر و أسماء الإشارة كلّي و أنّ التشخّص يكون ناشئا من قبل الاستعمال، من دون أن يكون ساريا في المعنى الموضوع له، بلا فرق بين التشخص الخارجي الموجود في أسماء الإشارة و ضمير المخاطب و التشخّص الذهني الموجود في الحروف و ضمير الغائب، و لهذا لم يقل أحد من القدماء بأنّ الموضوع له في الحرف خاص و أنّما ذهب اليه بعض المتأخرين. و ممّا ذكرنا يتبيّن ما هو الصحيح في المعنى الحرفي.

52

و لعلّه لتوهّم كون قصده بما هو في غيره من خصوصيات الموضوع له أو المستعمل فيه (1) و الغفلة (2) من أنّ قصد المعنى من لفظه على أنحائه لا يكاد يكون من شئونه و أطواره و إلّا فليكن قصده بما هو هو و في نفسه كذلك، فتأمل في المقام فأنّه دقيق و قد زلّ فيه أقدام غير واحد من أهل التحقيق و التدقيق.

(1) هذا توجيه لكلام القائلين بأنّ الموضوع له في الحروف خاص و هو توهّم أنّ قصد الآلية اللازم في الحرف يكون من قيود المعنى الموضوع له، فمن هذه الناحية يكون الموضوع له خاصا.

(2) هذا ردّ التوجيه و هو: إنّ قصد الآلية لا يمكن أن يكون من قيود المعنى الموضوع له أو المستعمل فيه بالأدلة الّتي سبق ذكرها الّتي من جملتها النقض بأسماء الأجناس، فأنّ قصد الاستقلالية معتبر فيها مع أنّهم لا يقولون بأنّ هذا اللحاظ مأخوذ في معنى الموضوع له و صيرورة المعنى جزئيا.