الهداية في الأصول‏ / تقريرات - ج2

- حسن الصافي الأصفهاني المزيد...
421 /
5

تتمة المقصد الأول في الأوامر

فصل: في مقدّمة الواجب‏

و تنقيح المقام يستدعي رسم أمور:

الأوّل: [فيما هو المبحوث عنه في مقدّمة الواجب‏]

أنّ المبحوث عنه هو ثبوت الملازمة بين طلب ذي المقدّمة و [طلب‏] المقدّمة عقلا، بمعنى أنّ المولى إذا طلب شيئا، يجب و يلزم أن يطلب مقدّمته أيضا بحكم العقل، فبحكمه يترشّح طلب شرعي من ذي المقدّمة و يتعلّق بالمقدّمة. و على هذا تكون المسألة أصوليّة، إذ لا نعني بالمسألة الأصوليّة إلّا ما يقع في طريق استنباط الحكم الشرعي و كبرى قياس الاستنباط، و هي كذلك، إذ بعد ثبوت الملازمة نرتّب قياسا، و نقول: هذه مقدّمة للواجب، و كلّ مقدّمة تجب، للملازمة بين وجوبها و وجوب ذيها.

نعم، لو كان المبحوث عنه هو وجوب المقدّمة- كما يظهر من صاحب المعالم‏ (1)- (قدّس سرّه)- كانت فرعيّة، لكنّ الأمر ليس كذلك [1].

____________

[1] يظهر من صاحب المعالم أنّ البحث لفظي، و أنّ المبحوث عنه هو وجوب المقدّمة، و كلاهما قابل للتوجيه، و الآن نتكلّم في الأمر الثاني، فنقول: إنّ ظاهر العنوان في كلام الأصوليّين هو وجوب المقدّمة، و هو ظاهر في كون البحث عن حكمها الشرعي لا الملازمة بين الوجوبين، و لا بأس بكون البحث عن ثبوت الملازمة أيضا، فإنّ بعض المسائل الأصولية له جهة واحدة من البحث، كمسألة حجّيّة الخبر الواحد، و بعضها الآخر له جهات مختلفة من البحث على بعضها تكون المسألة من علم و على بعضها الآخر من علم آخر، و من ذلك مسألة مقدّمة الواجب، فإنه إذا قلنا: «هل الملازمة بين الوجوبين موجودة أم لا؟» هذا يعني كون المبحوث عنه هو وجود الملازمة و عدمها، و تصير

____________

(1) معالم الأصول: 253.

6

و الشاهد عليه: أنّ كلّ من حكم بوجوب مقدّمة الواجب حكم باستحباب مقدّمة المستحبّ، فلو كان البحث فرعيّا، للزم أن يجعل لاستحباب مقدّمة المستحبّ بحثا مستقلّا، فجعل البحث واحدا و إجراء الحكم في غير مقدّمة الواجب قرينة قطعيّة على أن البحث ليس عن نفس وجوب المقدّمة، بل عن ثبوت الملازمة بين الطلبين و عدم ثبوتها.

ثمّ إنّ لشيخنا الأستاذ (1)- (قدّس سرّه)- في المقام كلاما حاصله: أنّا و إن فرضنا أنّ البحث عن نفس وجوبها، لا تكون المسألة مع ذلك فرعيّة، إذ الأحكام الفرعيّة تتعلّق بالعناوين الخاصّة، كالصلاة و الزكاة و الخمس و نحوها، و الحكم بوجوب المقدّمة ليس لعنوان خاصّ، بل ربّما ينطبق على الوضوء، و ربّما على المشي في طريق الحجّ، و هكذا.

و فيه: أنّ الأحكام الفرعيّة لا تختصّ بما ذكر، بل كثير من المسائل الفقهيّة- مثل النذر و العهد و اليمين و قاعدة الطهارة و غير ذلك- تكون كذلك كما لا يخفى.

[بيان المراد من الوجوب المبحوث عنه في المقام‏]

ثمّ إنّ الوجوب المبحوث عنه في المقام ليس المراد منه اللّابدّيّة العقليّة بمعنى أنّه لا يمكن عقلا إتيان ذي المقدّمة بدون المقدّمة، إذ معنى المقدّميّة ليس إلّا هذا.

و هكذا ليس المراد منه عين وجوب ذي المقدّمة الّذي ينسب إليها

____________

المسألة أصوليّة، و نتيجتها حكم فرعي، و إن قلنا: «هل مقدّمة الواجب واجبة شرعا بحكم العقل أم لا؟» أو غير ذلك من التعابير، فالمسألة فرعية، و حقيقة كلا العنوانين واحدة، و هذا مثل قول القائل: «خواجه على، على خواجه» كلاهما سيّان و إن كان البحث عن الجهة الأولى يشبه الأكل من القفا، لأنّه يحتاج إلى تشكيل قياس و استنتاج وجوب المقدّمة، بخلاف البحث عن الجهة الثانية، و إذا أمكن جعل المسألة من المقاصد لما ذا نجعلها من المبادئ؟ (م).

____________

(1) أجود التقريرات 1: 213.

7

بالعرض و المجاز، و يقال: إنّ المقدّمة لوجوب ذيها كأنّها واجبة.

و هكذا ليس المراد أنّ المقدّمة واجبة بوجوب استقلالي تبعي آخر من سنخ وجوب ذيها، كما أفاده المحقّق القمّي‏ (1) (قدّس سرّه)، إذ من المقطوع أنّ هذا يحتاج إلى التفات تفصيلي، و هو ربّما يكون و ربما لا يكون كما إذا غفل أو لم يعلم بمقدّميّة شي‏ء.

و إنّما المراد منه هو الوجوب الترشّحي التبعي الّذي لا يدور مدار الالتفات تفصيلا.

[مسألة مقدّمة الواجب من المسائل العقليّة غير المستقلّة]

ثمّ لا يخفى أنّ هذه المسألة من المسائل العقليّة غير المستقلّة، و ليست من مباحث الألفاظ، كما ربّما يتوهّم من إيرادها فيها، فإنّ مناط كون البحث عقليّا أحد أمرين: إمّا كون الحكم مأخوذا من العقل صغرى و كبرى، و إمّا كونه مأخوذا منه في إحداهما، و الأوّل: كحسن الإحسان و قبح الظلم، و الثاني:

كحجيّة الظواهر، فإنّ صغراها- و هي ورود رواية ظاهرة في معنى- لا ربط لها بالعقل، و المقام من قبيل الثاني. فظهر أنّ المسألة من المباحث الأصوليّة العقليّة غير المستقلّة.

الأمر الثاني: أنّ هذا البحث هل له ثمرة عمليّة فقهيّة، أو هو بحث علميّ محض؟

ذهب شيخنا الأستاذ- (قدّس سرّه)- إلى أنّه لا ثمرة له أصلا، إذ هذا الوجوب ليس منشأ لأثر من عقاب أو ثواب، و مقرّبيّة أو مبعّديّة، و وجود الثمرة في بحث الضدّ منوط بمقدّميّة ترك الضدّ للواجب الأهمّ و عدم القول بالترتّب، و كلاهما ممنوعان‏ (2).

____________

(1) قوانين الأصول 1: 101.

(2) أجود التقريرات 1: 243.

8

و هذا تسليم منه- (قدّس سرّه)- لوجود الثمرة لو قلنا بمقدّميّة ترك الضدّ و لم نقل بالترتّب، و هو ممنوع، إذ غاية ما يقال حينئذ: أنّ ترك الصلاة لكونه مقدّمة للإزالة يكون واجبا و الصلاة منهيّا عنها، و مجرّد هذا لا يكفي في الحكم بالفساد، فإنّه من باب أنّ المنهيّ عنه مبغوض للمولى، و مبعّد للعبد، و موجب لاستحقاقه العقاب، و ما هذا شأنه لا يمكن أن يكون مقرّبا و موجبا لاستحقاق الثواب، و هذا النهي غيريّ لا يترتّب على مخالفته عقاب و لا على موافقته ثواب، و هو أجنبيّ عن المقرّبية و المبعّدية، فبأيّ وجه يحكم بفساد الصلاة و تجعل هذه ثمرة للمسألة؟

نعم، يمكن فرض الثمرة- بناء على تعميم الحكم للمقدّمات غير الموصلة- فيما إذا توقّف إنقاذ غريق على التوسّط في أرض الغير، فإنّ التوسّط على هذا يكون محكوما بالجواز و لو لم يكن بداعي الإنقاذ، بل بداعي التفرّج و الاجتياز، لأنّه مقدّمة للواجب، توصل أولا، و المفروض أنّها واجبة مطلقا.

و بالجملة إن لم نقل بوجوب المقدّمة، كانت المسألة من باب تزاحم الواجب الأهمّ مع المحرّم، فيحكم العقل بلزوم ارتكاب المحرّم مقدّمة للتوصّل إلى الواجب الأهمّ، فيختصّ الجواز حينئذ بالمقدّمة الموصلة مطلقا أو مع قصد التوصّل إلى ذيها.

و إن قلنا بوجوب المقدّمة و لكن خصّصناه بخصوص الموصلة مطلقا أو مع قصد التوصّل إلى ذيها، فالكلام هو الكلام، إلّا أنّ الوجوب هنا شرعيّ يحكم به العقل من باب الملازمة، و هناك عقليّ من باب التزاحم.

و إن قلنا بوجوب المقدّمة مطلقا موصلة أولا، فمقتضاه: جواز التوسّط في الأرض المغصوبة، الّذي يكون مقدّمة للإنقاذ و لو لم ينقذ إمّا مشروطا بما إذا

9

قصد الإنقاذ لو خصّصنا الوجوب بما قصد به التوصّل إلى الواجب، أو مطلقا و لو لم يقصد الإنقاذ لو عمّمناه من هذه الجهة أيضا على الخلاف الآتي في محلّه، و أيّة ثمرة أحسن من هذه؟

الأمر الثالث: [تقسيم المقدّمة إلى الداخلية و الخارجية و ذات جهتين‏]

لا يخفى أنّ المقدّمة إمّا داخليّة محضة، و هي ما يكون قوام الماهيّة بها، كالأجزاء، و إمّا خارجيّة محضة، و هي المتوقّف عليها الماهيّة في الوجود الخارجي، كالمشي لتحصيل الماء للوضوء، و إمّا ذات جهتين: من جهة داخليّة، و من أخرى خارجيّة، و هي كالشروط الشرعيّة، فإنّها من جهة تقيّد الواجب بها داخليّة، أي نفس التقيّدات مقدّمات داخليّة، و يلحقها حكمها، و من جهة أنفسها خارجيّة يلحقها حكمها.

ثمّ لا ريب في دخول المقدّمات الخارجيّة في محلّ البحث، و أمّا الداخليّة: فقد وقع الخلاف و الإشكال فيه، فتارة يعترف بمقدميّتها، و يدّعى خروجها عن البحث، للزوم اجتماع المثلين، كما في الكفاية (1)، و أخرى ينكر أصل مقدّميّتها، كما يظهر من هامشها (2).

فالكلام في مقامين: أصل المقدّميّة، و وجوبها بعد الاعتراف بها.

[الكلام في أصل مقدّميّة المقدّمات الداخليّة]

أمّا المقام الأوّل: فالحقّ أنّه يطلق عليها المقدّمة، و تكون مصداقا لها، فإنّ التقدّم لا ينحصر بما يكون بين شيئين، بل من أقسامه التقدّم بالطبع، كتقدّم الواحد على الاثنين، و تقدّم الآحاد على العشرة، و المقام من هذا القبيل، فكما تكون العشرة عين الآحاد و مع ذلك تتقدّم الآحاد عليها طبعا، كذلك المركّب عين أجزائها، و مع ذلك تتقدّم عليه طبعا. و معنى التقدّم الطبعي أنّه يمكن‏

____________

(1) كفاية الأصول: 115.

(2) انظر كفاية الأصول: 116، الهامش.

10

تحقّق التكبيرة مثلا أو الواحد دون الصلاة و العشرة لا العكس، و لا نعني بالمقدّمة إلّا هذا.

[الكلام في وجوب المقدّمات الداخليّة، الغيريّ‏]

و أمّا المقام الثاني: فربما يقال: إنّ الأجزاء لا يعقل كونها معروضة للوجوب الغيري مع كونها معروضة للوجوب النفسيّ، للزوم اجتماع المثلين، و لا معروضة للوجوب الغيري فقط، إذ لو لم يكن وجوب نفسي لها فمن أين يترشّح الغيري و يتعلّق بها؟ فيتعيّن كونها معروضة للوجوب النفسيّ فقط.

و يرد عليه ما أورده عليه شيخنا الأستاذ (1)- (قدّس سرّه)- من أنّا نلتزم بالأوّل و عروض كليهما لها، و لا محذور فيه أصلا بعد تعدّد الجهة، بل نظيره في العرف و الشرع كثير، كشرب الخمر من إناء الذهب، المغصوب، في نهار شهر رمضان، حيث اجتمع فيه جهات أربعة من الحرمة، و به صارت الحرمة آكد، و عقابه أشد، و ما هو نظير المقام صلاة الظهر، فبما أنّها بذاتها مطلوبة للمولى فوجوبها نفسيّ، و بما أنّها مقدّمة لصحّة صلاة العصر فوجوبها غيريّ، فالحكم حكم واحد مؤكّد، و الجهة تتعدّد.

هذا، و لكنّ الظاهر أنّ الأجزاء و إن كانت مقدّمة، إلّا أنّها لا يعرضها الوجوب الغيري، فإنّه [1] وجوب ترشّحي يترشّح من شي‏ء إلى شي‏ء، و لا يعقل أن يترشّح من نفس الأجزاء الواجبة بالوجوب النفسيّ، إلى نفسها.

و لا معنى [2] لتعلّق الطلب التبعي بالأجزاء مع أنّها بذواتها مطلوبة

____________

[1] بعد معقوليّة مقدّميّة شي‏ء لنفسه لا محذور في ترشّح الوجوب منه إلى نفسه بعد ما كان المترشّح وجوبا آخر غير المترشّح منه، و المستحيل كون الشي‏ء معلولا لنفسه و مترشّحا من نفسه، و أمّا ترشّح الوجوب الغيري المتعلّق بشي‏ء، من الوجوب النفسيّ المتعلّق بذلك الشي‏ء بعينه فلا استحالة فيه أصلا. (م).

[2] ليت شعري ما الفارق بينه و بين صلاة الظهر، التي تعلّق بها الطلب التبعي مع كونها مطلوبة بالأصالة؟ (م).

____________

(1) أجود التقريرات 1: 216.

11

بالأصالة، ضرورة أنّ كلّ واحد من آحاد التّمّن المطبوخ مطلوب لنا نفسا لا نفسا و غيرا.

[في عدم الوجه لتقسيم المقدّمة إلى العقليّة و الشرعيّة و العاديّة و إلى مقدّمة الوجود و مقدّمة الصحّة و مقدّمة الوجوب و مقدّمة العلم‏]

ثمّ لا يخفى أنّه بعد تقسيم المقدّمات إلى الداخليّة و الخارجيّة و المتوسّطات لا وجه لتقسيمها إلى العقليّة و الشرعيّة و العاديّة، إذ العقليّة بعينها هي المقدّمات الخارجيّة، و الشرعيّة هي المتوسّطات التي من جهة نفس القيود خارجيّة و من جهة التقيّدات داخليّة.

و العاديّة إن كان المراد منها ما جرت العادة على إيجادها من دون توقّف لذيها عليها كلبس العمامة و الرداء للمشي إلى السوق، فمن الواضح خروجها عن حريم النزاع.

و إن كان المراد منها ما يتوقّف عليها ذوها عادة من دون توقّف عليها عقلا- كنصب السلّم للكون على السطح، فحيث إنّ طيّ هذه المسافة في المثال ممّا لا بدّ منه عقلا، لاستحالة الطّفرة، و هو إمّا بنصب السلّم أو بالدّراج أو بالطيّارة، ففي حقّ من لا يتمكّن فعلا إلّا من نصب السلّم لا يكون النصب مقدّمة إلّا عقلا- فهي داخلة في المقدّمات الخارجيّة.

و كذا لا وجه لتقسيمها إلى مقدّمة الوجود، و مقدّمة الصحّة، و مقدّمة الوجوب، و مقدّمة العلم، فإنّ مقدّمة الوجود هي الخارجيّة التي يتوقّف عليها وجود المأمور به في الخارج، و مقدّمة الصحّة هي من المتوسّطات التي من ناحية تقيّداتها داخليّة و من ناحية قيودها خارجيّة. و مقدّمة الوجوب لا ربط لها بالمقام، فإنّ المبحوث عنه هو [وجوب‏] مقدّمة الواجب، إذ لا معنى للنزاع في وجوب مقدّمة الوجوب و عدمه، فإنّ الوجوب متأخّر عن المقدّمة، فما لم‏

12

توجد لم يوجد الوجوب حتى يترشّح وجوب آخر إلى مقدّمته، و إذا وجدت فما معنى وجوبها و طلبها بعد وجودها و حصولها؟

و مقدّمة العلم أيضا خارجة عن محطّ البحث، فإنّه عن وجوب مقدّمة الواجب لا مقدّمة حصول العلم بتحقّق الواجب خارجا، كالصلاة إلى أربع جهات مقدّمة للعلم بإتيان الصلاة إلى القبلة.

[تقسيم المقدّمة إلى المقدّمة و المقارنة و المتأخّرة]

بقي الكلام في تقسيمها إلى المتقدّمة و المقارنة و المتأخّرة، و صحّة هذا التقسيم مبنيّة على معقوليّة الشرط المتأخّر، فلا بدّ من صرف عنان الكلام إليها، فنقول: قد تعرّض صاحب الكفاية (1)- (قدّس سرّه)- للإشكال و قرّبه بوجهين:

الأوّل: ما يظهر من صدر عبارته، و هو أنّ العلّة يجب أن تكون بتمام أجزائها مقدّمة على المعلول، و لا يعقل تأخّر شي‏ء منها عنه.

الثاني: ما يظهر من ذيل عبارته و هو: أنّ التقارن الزماني بين العلّة و المعلول ممّا لا محيص عنه، و لا يعقل تقدّمها و لا تأخّرها عنه زمانا، إذ في صورة التقدّم يلزم تخلّف المعلول عن العلّة، و في صورة التأخّر يلزم وجود المعلول بلا علّة، و المقام من قبيل الثاني، لكن لا ينحصر الإشكال بالشرط المتأخّر، بل يجري في الشرط المتقدّم أيضا و كذا المركّب المتصرّم بعض أجزائه حين تحقق الأثر.

[الكلام في الشرط المتأخّر]

و ربّما يتوهّم فساد التقريب الأوّل لأجل أنّه ثبت استحالة تأخّر ما هو متقدّم رتبة عن شي‏ء متأخّر عنه رتبة، و محلّ الكلام تأخّر ما هو متقدّم زمانا عمّا هو متأخّر كذلك، و الدليل المذكور لا يثبت هذا المدّعى، إذ من الممكن أن يكون الشي‏ء متقدّما على شي‏ء رتبة و متأخّرا بنحو آخر من أنحاء التأخّر، فإنّ‏

____________

(1) كفاية الأصول: 118.

13

النبيّ (صلّى اللَّه عليه و آله) متقدّم على سائر الأنبياء بالشرف و متأخّر عنهم بالزمان.

لكنّه فاسد، فإنّه بمدلوله المطابقي و إن كان لا يثبت المدّعى إلّا أنّه بلازمه يثبت، و هو كاف.

بيان ذلك: أنّ العلّة و المعلول على قسمين: قسم يكون ضرورة وجود المعلول بوجود علّته و بالعكس، و هذا كما في العلل البسيطة و الجزء الأخير من العلل التامّة المركّبة، و قسم يكون ضرورة وجود العلّة بوجود المعلول و لا عكس، و هذا في غير الجزء الأخير من المركّبة لا غير، و على كلا التقديرين لا يعقل وجود المعلول في زمان قبل زمان وجود علّته، فإنّه خلف واضح، فهذا التقريب تامّ لا إشكال فيه، إنّما الإشكال في التقريب الثاني، و فيه خلط واضح ناش من الخلط بين العلل التامّة و الناقصة، ضرورة أنّ تقارن العلّة و المعلول زمانا يعتبر في العلل البسيطة أو الجزء الأخير من العلل التامّة المركّبة لا في العلل الناقصة، أ فيشكّ في أنّ المشي في طريق الحجّ ممّا يتوقّف عليه و من مقدّماته العقليّة مع تقدّمه عليه زمانا؟

و كيف كان، قد ورد في الشريعة المقدّسة أمور بظاهرها شرائط متأخّرة، كالأغسال الليليّة، التي هي شرط لصحّة صوم المستحاضة، و الإجازة في بيع الفضولي بناء على الكشف، فلا بدّ من رفع الإشكال إمّا بمنع استحالة الشرط المتأخّر أو بإنكار شرطيّة هذه الأمور.

و قد تصدّى صاحب الكفاية (1)- (قدّس سرّه)- لرفع الإشكال بما حاصله أنّ هذه الشرائط إمّا شرائط للتكليف أو الوضع أو المأمور به.

أمّا الأوّل: فحيث إنّ التكليف من الأمور التشريعيّة لا التكوينيّة و فعل‏

____________

(1) كفاية الأصول: 118.

14

اختياريّ للمولى ناش من لحاظ مصلحة كامنة في متعلّقه فلا بدّ أوّلا من لحاظ المتعلّق و كلّ ما له دخل في اتّصافه بكونه ذا مصلحة من المتقدّمات و المقارنات و المتأخّرات ثمّ الإرادة و الاختيار ثمّ التكليف، فما هو شرط التكليف في الحقيقة هو لحاظ المتقدّم و المقارن و المتأخّر بوجودها الذهني لا أنفسها بوجودها الخارجي، و من البديهي أنّ لحاظ هذه الأمور لا يتقدّم و لا يتأخّر عن التكليف، و لذا ربما يتخلّف اللحاظ عن الملحوظ، كما في المولى العرفي، فيرى دخل شي‏ء في مصلحة شي‏ء، و الملحوظ ليس كذلك.

فاتّضح أنّ الوجود الخارجي لا ربط له بالجعل و التكليف، و إنّما المربوط به هو اللحاظ و الوجود الذهني.

نعم، في المولى الحكيم العالم بجميع الخصوصيّات لا يتصوّر تخلّف اللحاظ عن الملحوظ.

و بالجملة ما نسمّيه بالشرائط ليست بشرائط واقعا، بل هي أطراف اللحاظ الّذي هو شرط في كلّ فعل اختياري و أحد مقدّماته، و إنّما شرائط التكليف هي عبارة عن تصوّر متعلّقه و لحاظه بجميع أجزائه و شرائطه، و التصديق بكونه صلاحا أو محصّلا لغرضه و إرادته و اختياره، و ليس شي‏ء آخر وراء ذلك شرطا للتكليف، فلا انخرام للقاعدة. هذا ملخّص ما أفاده في بيان رفع الإشكال في شرائط التكليف متقدّمة أو متأخّرة.

و أورد عليه شيخنا الأستاذ (1)- (قدّس سرّه)- بأنّ هذا اشتباه واضح ناش من خلط القضايا الخارجيّة بالقضايا الحقيقيّة.

و ما أفاده في القضايا الخارجيّة متين جدّاً إلّا أنّ الأحكام الشرعيّة من قبيل‏

____________

(1) أجود التقريرات 1: 224.

15

القضايا الحقيقيّة، فلا يفيد هذا الجواب أصلا.

بيان ذلك: أنّ القضيّة إمّا خارجيّة بمعنى أنّ الحكم فيها مترتّب على الموضوع المتحقّق خارجا بجميع شرائطه، كما إذا قال المولى: «أكرم هذا الشخص» فإذا كانت كذلك، فلا بدّ للمولى من لحاظ الموضوع بجميع شرائطه و إحراز أنّ كلّ ما له دخل في حصول غرضه حاصل، متقدّما كان أو متقارنا أو متأخّرا، ثمّ الحكم بوجوب الإكرام، فإذا حكم، فليس على العبد إلّا الامتثال من دون حالة منتظرة له، لفعليّة الحكم بفعليّة موضوعه عند المولى، و لا عذر للعبد في ترك الامتثال أصلا حتى في صورة احتمال خطأ المولى.

و إمّا حقيقيّة و هي: ما ترتّب الحكم فيها على الموضوع المقدّر وجوده كما في «أكرم العالم» و «يجب الحجّ على المستطيع» و في هذا القسم لا يصير الحكم فعليّا بمجرّد جعله بل هو حكم شأني لم يكن في الشرع ثمّ كان، و فعليّته بفعليّة موضوعه، فالمكلّف ما لم يصر مستطيعا لا إلزام في حقّه و لا بعث نحوه، فليس مثل هذا الجعل في حقّه مناطا للإطاعة و العصيان و لا الثواب و العقاب، فإذا صار مستطيعا، ينقلب الموضوع من الفرض و التقدير إلى الواقع و التحقيق، و ينقلب الحكم من الشأنيّة إلى الفعليّة، و حينئذ ترتّبه على موضوعه يكون كترتّب المعلول على علّته التامّة و لا يعقل الانفكاك، فإنّه خلف محض، فكلّ موضوع من موضوعات الأحكام ما لم يتحقّق في الخارج بجميع أجزائه و شرائطه لا يعقل ترتّب الحكم، فتأخّر قيد أو شرط من قيود الموضوع و شرائطه كتأخّر بعض أجزاء العلّة عن معلولها، و هو غير معقول.

ففي الحقيقة هذا منه- (قدّس سرّه)- اشتباه مقام المجعول و الفعليّة بمقام الجعل و الإنشاء، فإنّ لحاظ الموضوع بجميع القيود المأخوذة فيه من شرائط الجعل‏

16

لا المجعول، و محلّ الكلام هو الثاني، و قد عرفت أنّ وجود الموضوع بتمام قيوده ممّا لا بدّ منه في تحقّق المجعول و فعليّته، و أنّ فرض تأخّر شي‏ء من القيود عن الحكم خارجا كفرض تأخّر العلّة عن معلولها.

هذا في شرائط التكليف، و الكلام في شرائط الوضع هو الكلام في شرائط التكليف إشكالا و جوابا.

نعم، جرى الاصطلاح على تسمية قيود الموضوع في موضوعات التكليف شرائط، و في باب الوضع أسبابا، و هذا مجرّد اصطلاح، فلو دلّ دليل على أنّ الرضي بوجوده المتأخّر يكفي في سببيّة التجارة للملكيّة و صيرورتها تجارة عن تراض، نلتزم به بلا انخرام للقاعدة العقليّة، فإنّ المتأخّر بوجوده التصوّري اللحاظي له دخل في الحكم بالملكيّة لا بوجوده الخارجي.

هذا ملخّص ما أفاده صاحب الكفاية- (قدّس سرّه)- في شرائط التكليف و الوضع مع ما أورد عليه شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه).

أمّا الإيراد ففي الجملة وارد متين، إذ لا ينبغي الإشكال في أنّه من خلط مقام المجعول بمقام الجعل، لكن جعله كلّ موضوع شرطا و كلّ شرط موضوعا و كذا كلّ قيد من قيود الموضوع شرطا- كما هو مكرّر في كلامه (قدّس سرّه)- ليس على ما ينبغي، فإنّ قيود الموضوع ليست بأنفسها شروطا بل هي من المتوسّطات التي تقيّداتها شروط لا القيود، فإذا كلّما أحرز وجود التقيّد- كان القيد سابقا أو متقارنا أو متأخّرا في الوجود- صار الحكم فعليّا قطعا، و له في الشرع و العرف أمثلة كثيرة، فنرى بحسب الارتكاز أنّ الموضوع غالبا لجواز التصرّف في الحمّام هو الدخول مشروطا بإعطاء عشرين فلسا مثلا عند الخروج، فمن دخل قاصدا لإعطاء المبلغ المزبور، جاز له التصرّف مع أنّ القيد

17

- و هو الإعطاء- متأخّر عن جواز التصرّف، و نحكم بأنّه يستحبّ لمن يريد الحجّ توفير الشعر و لمن يحجّ كذا و بعد الحجّ كذا، و قبل الصلاة كذا و حينها كذا و بعدها كذا، و يجب لمن يكون مكلّفا بالصلاة الوضوء قبلها و الطمأنينة حالها و سجدتا السهو- إذا سها- بعدها، و في باب الوضع نقول: «الولد غير القاتل لأبيه يرث، و القاتل لا يرث» و الشرط في جميع ذلك هو التقيّد بالقبليّة و المقارنة و البعديّة، لا القيد المتقدّم أو المقارن أو المتأخّر حتى يلزم محذور يساوق محذور انفكاك المعلول عن علّته التامّة أو تأخّر بعض أجزاء العلّة عن وجود معلولها، الواضح استحالة كليهما.

و بالجملة فعليّة الموضوع المتقيّد بأمر غير مقارن، بفعليّة تقيّده، و هو مقارن.

و منه ظهر عدم تماميّة ما أفاده صاحب الكفاية لدفع الإشكال، و أنّه التزام بلا ملزم مع ما فيه من خلط مقام المجعول بمقام الجعل.

مضافا إلى أنّ لازمه فعليّة كلّ تكليف بنفس إنشائه، ضرورة أنّ الموضوع بجميع أجزائه متحقّق بوجوده اللحاظي، و هو باطل بالضرورة.

و أمّا شرائط المأمور به فقد دفع الإشكال صاحب الكفاية (1) بما ملخّصه:

أنّ تفاوت حسن الأشياء بالوجوه و الاعتبارات ممّا لا ينبغي الريب فيه، و يمكن دخل أمر سابق أو لاحق في اتّصاف فعل بالحسن أو تعلّق الغرض به، كما هو واضح، و أمثلته في العرفيّات كثيرة غير محتاجة إلى البيان، فالمتقدّم أو المتأخّر إذ لم يكن شرطا في تحقّق ما يقابله بل كان دخيلا في صيرورته معنونا بعنوان حسن أو متعلّقا للغرض، لا يلزم [منه‏] محذور، و شرائط المأمور به من هذا

____________

(1) كفاية الأصول: 119.

18

القبيل.

و يرد عليه: أنّه لا يتمّ على مذهب العدليّة القائلين بأنّ الأحكام تابعة للمصالح و المفاسد، فإنّ المصلحة أمر واقعي لا يتفاوت بالوجوه و الاعتبارات، فالمتأخّر إمّا دخيل في ذلك الأمر النّفس الأمري المتقدّم الّذي هو المصلحة أولا، فإن كان له دخل، يلزم إشكال تأخّر العلّة عن معلولها، و إلّا فهو خلف، و لا ربط له بالمأمور به، فلما ذا جعل شرطا له؟

فظهر أنّ شيئا ممّا أفيد في المقام ليس بتامّ، فالصحيح أن يقال: إنّ الأمر المتأخّر تارة يفرض كونه دخيلا في ترتّب المصلحة على المتقدّم، و أخرى في لحاظه، و ثالثة في تعلّق الطلب به.

و الأوّل أمر واقعي لا يتفاوت الحال فيه، لوحظ أم لم يلحظ، تعلّق الأمر به أم لا، و أمثلته في العرف إلى ما شاء اللّه، منها: التمشّي بعد شرب المسهل، فإنّ له دخلا واقعيّا في ترتّب إصلاح المزاج و لينته عليه.

و الثاني- و هو دخله في اللحاظ- أيضا أمر واقعي بمعنى أنّ المولى إذا رأى شيئا مركّبا ذا أجزاء و قيود متقدّمة أو مقارنة أو متأخّرة، له مصلحة واحدة أو تحت غرض واحد، يلاحظه شيئا واحدا فيطلبه و يأمر به.

و الثالث- و هو دخله في تعلّق الطلب به- أمر اعتباري، فإنّ الشرطيّة و هكذا الجزئيّة و المانعيّة تنتزع من تعلّق الطلب بعدّة أمور مقيّدة بقيود وجوديّة أو عدميّة، و لا يكون من باب التأثير و التأثّر أصلا، و تعلّق طلب المولى بما هو كذلك بمكان من الإمكان، فما هو دخيل في المصلحة أو في اللحاظ من هذه الأقسام لا يعقل أن يكون متأخّرا عنها أو عنه، ضرورة أنّه- لكونه أمرا واقعيّا- عين تأخّر بعض أجزاء العلّة عن معلولها، و أمّا ما هو دخيل في الواجب‏

19

و المأمور به فحيث لا واقع له إلّا تعلّق الطلب به و لا تأثير له في المتقدّم أصلا فلا مانع من تأخّره.

و عدم تحقّق امتثال الأمر بالمقيّد بدونه ليس من باب أن القيد له دخل في تحقّق المقيّد، بل لأجل أنّ متعلّق الطلب هو طبيعة خاصّة مقيّدة، فما لم توجد بخصوصيّاتها و قيودها المأخوذة فيها لم يوجد مصداق الطبيعة المأمور بها، فالمطلوب من المستحاضة هو الصوم المتعقّب بالاغتسال في الليل، فلو فرض الإخلال بالاغتسال، لم يتحقّق الامتثال، لعدم تحقّق مصداق تلك الطبيعة المأمور بها، فهي كمن أمر بعتق رقبة مؤمنة و أعتق كافرة.

نعم، على مسلك العدلية- من تبعية الأحكام للمصالح- ربما يتوهّم دخل المتأخّر في مصلحة المتقدّم، و قد مرّ أنّه أمر واقعي، و لا يعقل تأثّر المتقدّم عن المتأخّر واقعا.

و دفع هذا التوهّم بالالتزام بأحد أمرين:

الأوّل: أنّ المصلحة لا تترتّب إلّا بعد وجود المتأخّر، كما هو ظاهر تعلّق الطلب به.

الثاني: أنّها تتحقّق قبله لكنّ المتأخّر بنفسه ليس دخيلا في مصلحة المتقدّم، بل التقيّد به هو الدخيل فيها، أو يقال: إنّه لا دخل له لا بنفسه و لا بتقيّده، بل هو معرّف و كاشف عن خصوصيّة في المتقدّم، ملازمة في الوجود للمتأخّر و إن لم نعلمها، و لكن هذا خلاف ظاهر تعلّق الطلب به.

بقي الكلام فيما أفاده شيخنا (1) الأستاذ- (قدّس سرّه)- في المقام من أنّ شرائط التكليف لا يعقل تأخّرها عنه بخلاف شرائط المكلّف به، فهو بمكان من‏

____________

(1) أجود التقريرات 1: 225.

20

الإمكان، فإنّ شرائط المكلّف به تكون متعلّقة للأمر كالأجزاء، و كما أنّ الأجزاء لا إشكال في تأخّر بعضها عن بعض كذلك لا إشكال في تأخّر الشرائط عن مشروطها.

ثمّ أورد على نفسه بأنّ الشرائط لا تقاس بالأجزاء، فإنّها داخلة في المأمور به قيدا و تقيّدا، بخلاف الشرائط، فإنّها داخلة في المأمور به تقيّدا و القيد خارج.

و أجاب عنه بأنّه لمّا كان الضابط في الفرق بين الأجزاء و الشرائط أنّ الأجزاء دخيلة في المتعلّق بذواتها و بتقيّداتها، و الشروط دخيلة في المتعلّق من حيث التقيّد بها فقط من دون أن يكون لذواتها دخل فيه، توهّم أنّ الأمر ينبسط على ذوات الأجزاء بخلاف الشرائط، فإنّ التقيّد بها يكون تحت الأمر فقط من دون أن يكون لذواتها نصيب من الأمر النفسيّ.

و هذا التوهّم فاسد، و الحقّ اشتراكها مع الأجزاء في انبساط الأمر على ذواتها أيضا، و ذلك لكون التقيّد أمرا انتزاعيّا يتحصّل من إضافة القيد إلى المقيّد به، و من الواضح أنّ العناوين الانتزاعيّة حيث لا تحقّق لها خارجا يستحيل تعلّق الأمر بها بأنفسها، بل الأمر يتعلّق بمناشئ انتزاعها لا محالة، فانبساط الأمر بالمقيّد على التقيّد مرجعه في الحقيقة إلى انبساطه على ذات القيد، فالشرط لا محالة يكون متعلّقا للأمر كالجزء، و يكون الامتثال مراعى بإتيانه في ظرفه، و الفرق بينهما من حيث تعلّق الأمر بالجزء من جهة دخله في المتعلّق قيدا أو تقيّدا و بالشرط من جهة دخله تقيّدا فقط.

هذا ملخّص ما أفاده في المقام، لكنّه محلّ للنظر و الإشكال.

و ذلك لأنّ الكبرى التي ذكرها- و هي تعلّق الأمر المتوجّه إلى العنوان‏

21

الانتزاعي بمنشإ انتزاعه حقيقة- و إن كانت مسلّمة إلّا أنّ تطبيقها على المقام غير تامّ، و ذلك لأنّ مثل السبق و اللحوق و التقدّم و التأخّر من العناوين الانتزاعيّة إنّما ينتزع من نفس السابق و اللاحق و المتقدّم و المتأخّر، و كذلك الفوقيّة و التحتيّة، فالشي‏ء بكونه في مكان عال بالنسبة إلى شي‏ء آخر يكون فوقا، و ينتزع عنه الفوقيّة، و يكون الأمر بإيجاد الفوقيّة أمرا بإيجاد ذات يكون فوقا، و على هذا فقس التحتيّة و السبق و اللحوق و غير ذلك من العناوين الانتزاعيّة، فذات القيد في المقام ليس منشأ لانتزاع التقيّد، بل منشؤه على ما بيّنّاه هو ذات الأمر المتقيّد به، و إنّما القيد طرف الإضافة، فالشرط للمأمور به ليس منشأ لانتزاع ذلك العنوان الانتزاعي كي ينبسط الأمر بالمركّب عليه أيضا.

هذا، مضافا إلى ما تقدّم منه في تقسيم المقدّمة إلى الداخليّة و الخارجيّة من أنّ الشروط الشرعيّة داخلة في المأمور به من حيث التقيّد و خارجة عنه من حيث أنفسها، و هذا تصريح منه بأنّ ذوات الشروط الشرعيّة ليست متعلّقة للأمر.

هذا تمام الكلام في الشرط المتأخّر، و قد ظهر لك جوازه في الشرعيّات بالنسبة إلى التكليف و الوضع و المأمور به.

نعم، الالتزام به في مقام الإثبات يحتاج إلى الدليل.

الأمر الرابع: في تقسيمات الواجب،

و منها تقسيمه إلى المطلق و المشروط،

و الكلام في شرح حقيقة القسمين كما ذكر في المتن‏ (1)، فلا حاجة إلى التعرّض لذلك،

[الكلام في رجوع الشرط إلى الهيئة و المادة]

و إنّما المهمّ في المقام هو التعرّض لما يرجع إليه الشرط في الجملة الشرطيّة و تحقيق ما هو المشروط به، و في ذلك وجوه ثلاثة:

____________

(1) أي: متن الكفاية.

22

الأوّل: ما اختاره في الكفاية (1) من رجوعه إلى الهيئة، و يقيّد مفادها به، و نتيجة ذلك اشتراط نفس الوجوب بذلك الشرط.

الثاني: ما نسب في التقريرات إلى الشيخ الأعظم‏ (2)- (قدّس سرّه)- من رجوعه إلى المادّة، و كون مفاد الجملة الشرطية إيراد الطلب على المادّة المقيّدة، و نتيجة ذلك إطلاق الوجوب و تحقّقه قبل تحقّق الشرط.

و لكنّ الظاهر من كلامه في موضع من الرسائل و في اشتراط عدم التعليق في صحّة العقد من المكاسب‏ (3) هو: الالتزام بإرجاع القيد إلى الهيئة، و الالتزام بالواجب المشروط.

الثالث: ما وجّه به شيخنا الأستاذ (4)- (قدّس سرّه)- كلام الشيخ من رجوعه إلى المادّة المنتسبة.

و بعبارة أخرى: المشروط هو المادّة بقيد تعلّق الوجوب بها، و أنّ كلام الشيخ ناظر إلى ذلك، لأنّ رجوعه إلى المادّة و كون الوجوب مطلقا لا يمكن المصير إليه بعد كون القضيّة الشرطيّة- التي هي محلّ الكلام- قضية حقيقية يمتنع فيها الحكم من دون فعليّة الموضوع و تحقّقه، و كيف يمكن فعليّة الوجوب للحجّ قبل تحقّق الاستطاعة!؟

هذا، و لكن لا يخفى رجوع ذلك عند التأمّل إلى الوجه الأوّل، إذ تقيّد المادّة من حيث انتساب الوجوب إليها و تعلّقه بها لا معنى له إلّا أنّ تعلّق الوجوب بالمادّة منوط بحصول ذلك الشرط بعد فرض أنّ المادّة ليست مقيّدة

____________

(1) كفاية الأصول: 121.

(2) مطارح الأنظار: 49.

(3) المكاسب: 100.

(4) أجود التقريرات 1: 130.

23

بذلك القيد، فلا يمكن عدّ هذا وجها في قبال الوجهين.

و لا ريب أنّ الوجه الثاني مخالف لما هو مقتضى القواعد العربيّة من كون مفاد الجملة الشرطية هو ربط جملة بجملة و تعليقها عليها، لا ربط المفرد بالجملة، فمقتضى القواعد العربيّة: رجوع الشرط إلى الهيئة لزوما [و] لو أريد التعبير عن تقييد المادّة بالجملة الشرطيّة، كان غلطا، فإنّه إذا قيل لبيان شرطيّة الوضوء للصلاة و عدم صحّتها بدونه: «إذا توضّأت فصلّ» يكون غلطا، بخلاف ما لو عبّر عن شرطية الزمان لوجوب الصلاة بمثل «إذا زالت الشمس فصلّ» فإنّه ليس بغلط.

و بهذا يظهر أنّ رجوع الشرط إلى المادّة في الجملة الشرطيّة مخالف للصراحة لا للظهور و قد اعترف في التقريرات‏ (1) بذلك و أنّ المصير إلى خلاف الظهور إنّما هو للبرهان العقلي المانع من الأخذ بمقتضى القواعد، و سيأتي الكلام في البرهان المزبور.

و قد ظهر إلى هنا أنّ مقتضى القواعد لزوم المصير إلى الوجه الأوّل، و هو مختار صاحب الكفاية (قدّس سرّه).

و قد أورد عليه بوجوه ثلاثة:

الأوّل: ما في التقريرات‏ (2) من أنّ مفاد الهيئة من المعاني الحرفيّة، و هي جزئيّات حقيقيّة، فالطلب المنشأ بالهيئة جزئي حقيقي، فلا يمكن ورود القيد عليه.

و فيه أوّلا: ما تحقّق في محلّه من عدم كون المعاني الحرفيّة من‏

____________

(1) مطارح الأنظار: 49.

(2) مطارح الأنظار: 45- 46.

24

الجزئيّات، و أنّ تقيّدها بمكان من الإمكان.

و ثانيا: أنّ التقيّد ممكن و إن كان المعنى الحرفي جزئيّا حقيقيّا، و ذلك لأنّ الإطلاق و التقييد في المقام ليس بمعنى الإطلاق و التقييد في باب المطلق و المقيّد، كما توهّم، فإنّ الإطلاق في ذلك الباب بمعنى سعة الدائرة و كثرة الحصص، و يقابله التقييد، و الإطلاق في المقام بمعنى الإرسال و عدم الربط بشي‏ء آخر، و يقابله التقييد، بمعنى الربط، و هو ممكن التحقّق بالنسبة إلى الجزئي الحقيقي، فالإشكال ناش من الخلط بين المقامين.

و أمّا [ما] أورده المصنّف من أنّ الجزئي الحقيقي إنّما يأبى من التقيّد بعد الإيجاد، و أمّا إيجاده مقيّدا و متضيّقا من أصله فلا محذور فيه، فهو إنّما يتمّ على مبنى كون المعنى الحرفي كلّيّا في نفسه، و أنّ الشخصيّة تكون بالاستعمال.

و أمّا على مبنى الإيراد من كون المعنى الحرفي جزئيّا حقيقيّا في حدّ نفسه قبل الاستعمال و أنّ اللفظ يستعمل في معناه الّذي هو جزئيّ حقيقيّ فلا يتوجّه ذلك، كما هو واضح.

الثاني: ما أورده شيخنا الأستاذ (1) من أنّ الإطلاق و التقييد من شئون المفاهيم الاسميّة الاستقلاليّة، فلا يمكن تحقّقهما في مفاد الهيئة، الّذي هو معنى حرفي و ملحوظ بنحو الآليّة.

و فيه أوّلا: ما تقدّم في مبحث المعنى الحرفي من عدم صحّة ما هو المعروف و المشهور من كون المفاهيم الحرفيّة ملحوظة باللحاظ الآلي، بل هي كالمفاهيم الاسميّة ملحوظة بالاستقلال، فإنّ النفي و الإثبات في مثل «زيد قائم في الدار» و «زيد ليس بقائم في الدار» إنّما يتوجّهان إلى المعنى الحرفي المفاد

____________

(1) أجود التقريرات 1: 131- 132، فوائد الأصول 1: 181.

25

بلفظ «في» بل الغالب في الجمل الإيجابيّة و السلبيّة هو النّظر إلى المعاني الحرفية بحيث تكون هي المقصودة بالإفادة، فكيف يكون المعنى الحرفي- و الحال هذه- ملحوظا آليّا!؟ بل الحقّ- كما تقدّم- أنّها ملحوظة في الجمل الإيجابيّة أو السلبيّة بالاستقلال، كما هو الحال في المعاني الاسميّة التي تتضمّنها الجملة من دون فرق بينهما من تلك الجهة أصلا.

نعم، المعنى الحرفي يختلف عن المعنى الاسمي في نفسه، فهما سنخان من المعنى.

و ثانيا: أنّه لا مانع- على تقدير الآليّة- من تقييد المعنى الحرفي قبل الاستعمال ثمّ تعلّق اللحاظ الآلي بذلك المقيّد، في حال الاستعمال، فإنّ آليّة اللحاظ المتعلّق به إنّما تكون في حال استعمال اللفظ فيه، و هذا لا ينافي تعلّق اللحاظ الاستقلالي به قبل الاستعمال و تقيّده في حال ذلك اللحاظ ليكون استعمال اللفظ في ذلك المقيّد الملحوظ حال الاستعمال باللحاظ الآلي.

الثالث ممّا أورد على الوجه المزبور هو: أنّ حقيقة الإنشاء بعد أن كانت هي الإيجاد- غاية الأمر أنّ ذلك في وعاء الاعتبار لا في العالم الخارج، فلا يمكن تحقّق الإنشاء من دون تحقّق المنشأ، لأنّ الإيجاد يستحيل انفكاكه عن الوجود، إذ هما شي‏ء واحد، و الاختلاف بينهما بالاعتبار، فمن حيث الإضافة إلى الفاعل يكون إيجادا، و من حيث الإضافة إلى القابل يكون وجودا، فيستحيل تحقّق الإيجاد مع عدم تحقّق الوجود بالبداهة- فكيف يمكن تحقّق الإنشاء مع عدم تحقّق الطلب المنشأ به في ذلك الظرف!؟

و لا يخفى أنّ هذه الشبهة أوجه الشبه التي أوردت على الوجه المزبور، و أقواها.

26

و قد أجاب في الكفاية (1) عنه: بأنّ المنشأ في المقام هو الطلب على تقدير، لا الطلب الفعلي، و أنّ إنشاء أمر على تقدير بمكان من الإمكان، كالإخبار عن أمر على تقدير، و أنّ المنشأ إذا كان هو المعلّق، فلا بدّ من عدم تحقّق ذلك المنشأ قبل حصول المعلّق عليه، و إلّا لزم تخلّف المنشأ عن الإنشاء، فحيث إنّ المنشأ في المقام هو الطلب على تقدير خاصّ فلا بدّ من عدم تحقّق الطلب و البعث قبل حصول التقدير و تحقّقه.

و لكنّ التأمّل يقتضي عدم صحّة هذا الجواب، إذ الإشكال إنّما هو من ناحية عدم إمكان تفكيك المنشأ عن الإنشاء بعد أن كان حقيقة الإنشاء هي الإيجاد، إذ تحقّق الإيجاد في الخارج من غير أن يتحقّق الوجود مستحيل بالبداهة، فتحقّق إنشاء أمر على تقدير فرع إمكانه، و المستشكل يبرهن على عدم إمكانه، فلا وقع لما ذكره في الكفاية، إذ الكلام في إمكان مثل ذلك.

و أمّا ما ذكره في وجه إمكان ذلك من قياسه على الإخبار فغير تامّ، لتحقّق الفرق التامّ بين الإخبار و الإنشاء، إذ الإخبار هو الحكاية، و الحكاية عن أمر معلّق كالحكاية عن أمر منجّز في الإمكان بالبداهة، فيمكن [أن يكون‏] الإخبار بالفعل و المخبر عنه في المستقبل.

نعم، اتّصاف متعلّق الإخبار بكونه مخبرا عنه و محكيّا عنه مقارن لتحقّق الإخبار، كما في اتّصاف متعلّق الإنشاء بذلك، لكنّ الكلام ليس في ذلك، بل في التحقّق، و أنّه يمكن تحقّق الإخبار من دون تحقّق المخبر عنه في الخارج.

و أمّا الإنشاء فحقيقته الإيجاد على الفرض، و تعلّق الإيجاد الفعلي بالأمر المستقبل مستحيل بالوجدان.

____________

(1) كفاية الأصول: 123.

27

فظهر أنّ قياس الإنشاء- في جواز تعلّقه بالأمر المستقبل- على الإخبار في غير محلّه، و أنّ الشبهة المزبورة لا تندفع بما ذكره.

و تحقيق الجواب عنها- بحيث يظهر الفرق بين الواجب المطلق و المشروط و تندفع الشبهة- يتوقّف على بيان مقدّمات ثلاث:

الأولى: أنّ الاعتبار كما يمكن تعلّقه بالأمر الفعلي يمكن تعلّقه أيضا بالأمر الاستقبالي، و ذلك لأنّ وعاء الوجود الاعتباري وسيع، نظير وعاء الوجود الذهني، فكما يمكن تصوّر الأمر المتأخّر كقيام زيد في الغد كذلك يمكن اعتباره بالفعل، و يساعد على ذلك العرف و الشرع.

و من هذا القبيل: الوصيّة و التدبير، فإنّ الموصي يعتبر فعلا للموصى له ملكيته لشي‏ء بعد موته [و] كذلك المدبّر يعتبر فعلا انعتاق عبده بعد الموت، فصحّة الوصيّة و التدبير عرفا و شرعا تدلّ على إمكان ما ذكرناه.

و يمكن مثل ذلك في الإجارة و البيع، و وجه ذلك واضح، فإنّ الشخص بعد ما يكون مالكا للعين و منافعها بالملكيّة الدائميّة حسب الاعتبار العقلائي الّذي أمضاه الشارع و لذا يجوز له إيجار العين مدّة تكون أزيد من عمره، كما هو ظاهر المشهور بين الفقهاء، فله أن يرفع اليد عن بعضها كما له رفع اليد عن جميعها، فأيّة قطعة أراد رفع اليد عنها كان له ذلك، فإذا رفع اليد عن الجميع أو عن القطعة منها المتّصلة بالعقد، كان العقد منجّزا، و إن رفع اليد عن قطعة متأخّرة عنه، كان معلّقا، فتعلّق الاعتبار في البيع و الإجارة بالملكيّة المتأخّرة ممكن، كما في الوصيّة و التدبير، إلّا أنّ الإجماع قد قام- على ما ادّعي- على بطلان التعليق في غير الوصيّة و التدبير.

و بالجملة، اعتبار الأمر المتأخّر بمكان من الإمكان بالوجدان.

28

الثانية من المقدّمات: بيان حقيقة الإنشاء، و المائز بينه و بين الإخبار، و قد تقدّم في مبحث المشتقّ و فيما يتعلّق بصيغة الأمر و مادّته أنّ الإنشاء هو الإبراز و الحكاية كالإخبار بعينه، غاية الأمر أنّ المبرز في الإخبار له تعلّق بأمر ربما يكون مطابقا للخارج و ربما يكون غير مطابق له، و تحقّق الصدق و الكذب فيه من هذه الجهة، و المبرز في الإنشاء ليس له تعلّق بمثل ذلك الأمر.

و ذلك لأنّ مدلول الجمل الخبرية بمقتضى الظهور العرفي هو إرادة المتكلّم بها الإخبار و الحكاية عن أمر، كقيام زيد، و ليس مدلولها ثبوت النسبة في الخارج أو نفيها، و لذا لا يستفيد السامع من نفس اللفظ التحقّق و الانتفاء، بل حصول ذلك يتوقّف على القرائن، كعلمه بعدم كذب المتكلّم و غير ذلك، و اللفظ في نفسه محتمل للصدق و الكذب، و من هذه الجهة قلنا بوضع الألفاظ للمعاني المرادة، و مدلول الجمل الإنشائيّة هو إبراز الاعتبار النفسانيّ.

فالإنشاء و الإخبار يشتركان في أنّ حقيقتهما هي الإبراز و الحكاية، و احتمال الصدق و الكذب ليس من هذه الناحية، و يفترقان في أنّ المبرز و المحكيّ في الإخبار له تعلّق بأمر باعتباره يتوجّه فيه احتمال الصدق و الكذب، و أنّ مبرز الإنشاء و محكيّة- و هو الاعتبار النفسانيّ، كاعتبار الملكيّة و الزوجيّة و غير ذلك- ليس له مثل ذلك التعلّق، و إنّما هو إبراز و كشف عمّا قام بالنفس من الاعتبار الّذي هو فعل من أفعالها، فما هو المعروف من [أنّ‏] حقيقة الإنشاء هو الإيجاد في عالم الاعتبار ممّا لا أساس له، فإنّ مثل لفظ «بعت» ليس موجدا للملكيّة في اعتبار اللافظ و إنّما تتحقّق الملكيّة بفعل النّفس، و هو الاعتبار، فيتكلّم المعتبر بذلك اللفظ لإبراز ما تحقّق في نفسه.

الثالثة من المقدّمات: في بيان حقيقة ذلك المعتبر الّذي ينشأ بالهيئة

29

و يكون معلّقا على الشرط.

فنقول: إنّه هو الوجوب، و هو لغة بمعنى الثبوت، و اصطلاحا ثبوت التكليف في ذمّة المكلّف في عالم الاعتبار، كاعتبار ثبوت غيره في الذمّة، كما في الدّين.

و بعبارة أخرى: الوجوب الشرعي المجعول من قبل المولى هو اللابدّيّة، و كون الفعل على ذمّة المكلّف و عهدته في عالم الاعتبار، و إمكان تعلّق الاعتبار بمثل ذلك بمكان من الإمكان و الوضوح، و منشأ اعتبار هذا الأمر قد يكون هو الشوق النفسانيّ المتعلّق بذلك الفعل، و قد يكون غيره، كما في المولى الحقيقي.

و بذلك ظهر أنّ ما ذكرنا في مبحث الأمر- من أنّ المنشأ و المبرز في صيغة الأمر و مادّته هو الشوق النفسانيّ، و أنّ الوجوب و الاستحباب أجنبيّان عن مفادهما- غير صحيح، بل الصحيح هو أنّ الصيغة و كذلك المادّة مبرزة لاعتبار اللابدّيّة و الثبوت، الّذي منشؤه الشوق النفسانيّ تارة، و غيره أخرى، و عليه يكون الوجوب و الاستحباب مجعولين، كما يساعد على ذلك ما هو المعروف بينهم من كون الوجوب أمرا اعتباريّا، فليسا هما حكمين عقليّين.

و يساوق الوجوب فيما ذكرنا من المعنى، الإلزام.

و السرّ في عدولنا عمّا اخترناه سابقا أنّ الشوق النفسانيّ ليس أمرا اعتباريّا، بل هو من الأمور التكوينيّة، فلا ينافيه ما ذكرنا من الإرسال و التعليق، لأنّهما من شئون الأمور الاعتبارية، فلا بدّ من كون مفاد الهيئة الإنشائية أمرا اعتباريّا كي يمكن فيه الإرسال و الاشتراط، و ليس ذلك إلّا ما قرّبناه من المعنى.

هذا تمام الكلام في المقدّمات الثلاث، و بملاحظة مجموعها يتّضح‏

30

اندفاع الإشكال، إذ بعد كون مفاد الهيئة أمرا اعتباريّا بمقتضى المقدّمة الثالثة، و إمكان تعلّق الاعتبار بالأمر المستقبل بمقتضى المقدّمة الثانية، و كون حقيقة الإنشاء هي الإبراز لا الإيجاد بمقتضى المقدّمة الأولى، لا يكون محذور في تعلّق الإنشاء الفعلي بالوجوب و الإلزام الاستقبالي أصلا، لأنّ محذور انفكاك المنشأ عن الإنشاء يبتني على كون حقيقة الإنشاء هي الإيجاد، و قد ظهر خلافه.

فتحقّق أنّ الواجب المطلق هو ما يكون المنشأ فيه اللابدّيّة الفعليّة، و المشروط هو ما يكون المنشأ فيه هو اللابدّيّة الاستقباليّة. هذا كلّه على تقدير تسليم المقدّمة الثالثة.

و إن أبيت عنه و التزمت بأنّ الوجوب ليس أمرا مجعولا شرعيّا و أنّه ليس في البين اعتبار اللابدّيّة و أنّ المتحقّق في مقام الإنشاء ليس سوى الشوق النفسانيّ، فالتعليق و الاشتراط ممّا لا محذور فيه أيضا، إذ بعد أن تكون الهيئة لإبراز الشوق، ففي الواجب المطلق يكون المبرز بها هو الشوق الفعلي، و في المشروط يكون هو الشوق المتأخّر، و إبراز الشوق المتأخّر يكون بمكان من الإمكان.

هذا كلّه فيما يتعلّق بالإشكال على الواجب المشروط في مقام الإثبات و من جهة الدلالة.

و هذه الإشكالات إنّما ترد إذا كان الدالّ على الوجوب، ما يكون بصيغة الإنشاء، و أمّا إذا كان بنحو الجملة الخبريّة، فلا محذور فيه أصلا.

[الكلام في إمكان تصوير الواجب المشروط بالمعنى المشهور، و عدمه‏]

و قد أورد على الواجب المشروط في مقام الثبوت، و أنّ الواجب المشروط بالمعنى المشهور لا يمكن تصويره.

31

و ملخّص تقريبه: أنّ الأقسام المتصوّرة في مقام الالتفات خمسة، أحدها: صورة عدم تعلّق الطلب به بعد الالتفات إليه، و هي خارجة عن محلّ الكلام، و أربعة منها: صورة تعلّق الطلب به، و في جميعها يكون الطلب فعليّا، فلا محالة يكون القيد- في صورة تعلّقه بذلك الفعل على تقدير خاصّ- راجعا إلى المادّة، فليس في مقام التصوّر صورة يكون الطلب فيها واقعا بعد الالتفات و التصوّر معلّقا على تقدير من التقادير من دون فرق في ذلك بين القول بتبعيّة الأحكام للمصالح و المفاسد في المتعلّقات و القول بتبعيّتها لها في أنفسها.

و قد أجاب في الكفاية (1) عن الإيراد المزبور: بأنّ القسمة المزبورة و إن كانت مع الغضّ عن الطوارئ الخارجيّة حاصرة، إلّا أنّ هناك بلحاظ العوارض قسما آخر، و هو تحقّق المانع من الطلب الفعلي بالنسبة إلى الطلب الملتفت إليه قبل حصول التقدير الخاصّ، فحينئذ لا محالة يكون تحقّق الطلب معلّقا على حصول ذلك التقدير، و هذا هو الوجوب المشروط.

ثمّ أفاد بأنّ ذلك بناء على تبعيّة الأحكام للمصالح في أنفسها واضح جدّاً. و السرّ فيه: أنّ الطلب مع تحقّق المانع منه بالفعل لا يكون ذا مصلحة.

و أمّا بناء على تبعيّتها للمصالح و المفاسد في المتعلّقات فربما يتوهّم عدم توجّهه، إذ بعد فرض تحقّق المصلحة في الفعل- التي هي المقتضية له و يكون الحكم دائرا مدارها كما هو المفروض- لا ينبغي مجال لعدم الطلب، إلّا أنّ التوهّم المزبور مردود بأنّ التبعيّة للمصالح في المتعلّقات إنّما هي في الأحكام الواقعيّة الإنشائيّة، و أمّا الأحكام الفعليّة: فلا يدور مدار تلك المصلحة التي تكون في المتعلّق، و لذا لم يكن كثير من الأحكام فعليّا في أوّل البعثة، بل‏

____________

(1) كفاية الأصول: 124.

32

بعضها لا يبلغ المرتبة الفعلية إلى زمان ظهور الحقّ، فما هو المشروط و المعلّق على الشرط- و هو الحكم في المرتبة الفعليّة- ليس بتابع للمصلحة و المفسدة في المتعلّق، و ما هو التابع لذلك ليس بمعلّق على الشرط، بل يتحقّق من أوّل الأمر، فالمانع من تحقّق الطلب الّذي ذكرناه هو المانع عن بلوغ الحكم المرتبة الفعليّة، و المراد من الطلب في المقام هو البالغ تلك المرتبة، و الّذي يكون تابعا هو الحكم بالمرتبة الإنشائية.

هذا، و لا يخفى أنّ ما أفاده في المقام يبتني على ما أفاده في حاشية الرسائل‏ (1) في مقام الجمع بين الحكم الظاهري و الواقعي، و في موضع من الكفاية (2) في ذلك المقام أيضا من أنّ الحكم الفعلي مرتبة أخرى مجعولة غير الحكم الإنشائيّ، فالحكم الفعلي يغاير الحكم الإنشائيّ، و كلّ منهما يجعل بجعل مستقلّ.

و قد صرّح في الكفاية (3) في هذا المقام بما هو الحقّ من أنّ المجموع حكم واحد، و أنّ فعليّته بفعليّة الموضوع و تحقّقه، فليس هناك مرتبتان من الحكم، فما ذكره في تقريب تحقّق المانع من الطلب- على تقدير تبعيّة الأحكام للمصالح و المفاسد في المتعلّقات- لا يتّجه، لابتنائه على أساس فاسد.

و قرّبه بعض المحقّقين بما ملخّصه: أنّ المصالح و المفاسد ليست‏ (4).

فلا بدّ من الإجابة عنه بجواب آخر يتّضح به الفرق بين الواجب المطلق‏

____________

(1) حاشية فرائد الأصول: 38.

(2) كفاية الأصول: 321.

(3) كفاية الأصول: 125.

(4) كذا في الأصل، و ما بعدها ساقط فيه.

33

و المشروط لبّا، و هو يتوقّف على تمهيد مقدّمة، و هي: أنّ القيود- بعد ما كان الحقّ عند العدليّة من تبعيّة الأحكام للمصالح و المفاسد في المتعلّقات- إمّا أن تكون دخيلة في اتّصاف المتعلّق بكونه ذا مصلحة- بحيث لا يكون ذا مصلحة إذا لم يتحقّق القيد، كما في دخل المرض في اتّصاف شرب الدواء بكونه ذا مصلحة- و إمّا أن تكون دخيلة في فعليّة المصلحة و ترتّبها على المتعلّق، كما في بعض الأمور الدخيلة في ترتّب النّفع على الدواء الّذي يشربه المريض، و الثاني إمّا أن يكون اختياريّا أو يكون غير اختياريّ، فهذه أقسام ثلاثة.

إذا عرفت ذلك، فنقول: إذا التفت المولى إلى فعل يكون مطلقا من حيث الاتّصاف بكونه ذا مصلحة كما يكون مطلقا من حيث ترتّب المصلحة عليه، و كان القيد المزبور اختياريّا، فلا بدّ من تعلّق طلبه فعلا بالقيد و المقيّد معا على تقدير عدم تحقّق القيد، و إلّا فبالمقيّد فقط.

و كذلك إذا كان القيد المزبور غير اختياري، و كان متحقّقا، فإنّه لا بدّ من البعث بالفعل نحو المقيّد. و أمّا إذا كان غير متحقّق، فإمكان البعث الفعلي نحوه يبتني على إمكان الواجب المعلّق، كما سيأتي تحقيقه و أنّه لا محذور فيه، خلافا لشيخنا الأستاذ، و على القول باستحالته فلا بدّ من إنشاء الطلب المشروط، المعلّق على حصول ذلك الأمر الّذي يكون غير اختياريّ، و يكون المورد من موارد تحقّق المانع من الطلب الفعلي مع اشتمال الفعل على المصلحة و الاتّصاف بكونه ذا مصلحة، و المانع هو استحالة الطلب في مثل المقام.

هذا كلّه فيما إذا كان القيد دخيلا في ترتّب المصلحة على المتعلّق، و أمّا إذا كان دخيلا في الاتّصاف، فلا مناص من كون البعث و الطلب معلّقا و مشروطا

34

بحصوله، سواء كان اختياريّا أو غير اختياري، إذ لا مقتضي للبعث الفعلي، بل هو لغو بعد ما كانت الأحكام تابعة للمصالح و المفاسد في المتعلّقات.

نعم، الشوق النفسانيّ ربما يتعلّق به فعلا لكونه متّصفا بالمصلحة في ظرف حصول القيد، لإمكان تعلّق الشوق بمثل ذلك، لكنّه غير الوجوب.

و بذلك يظهر أنّ الأقسام ليست بمنحصرة بما ذكر في التقريرات.

توضيح ذلك: أنّ الطلب في كلامه إن كان المراد منه الإنشاء، فمن الواضح استحالة تعليقه، لأنّه إمّا أن يحصل أو لا.

و إن كان المراد به الشوق النفسانيّ، فهو و إن كان ممكن التعلّق فعلا بالأمر المستقبل، إلّا أنّه خارج عن محلّ الكلام كالإنشاء، إذ محلّ الكلام هو الوجوب و أنّه هل يمكن تعليقه أو لا يمكن، فالشوق و الإنشاء خارجان عن محلّ الكلام.

و إن كان المراد به الوجوب- كما هو الظاهر من كلامه- فالبعث يكون فعليّا على تقدير دخالة القيد في ترتّب المصلحة و عدم المانع من فعليّة البعث، و إلّا فإن كان دخيلا في الاتّصاف أو في الترتّب و كان مانع من البعث الفعلي، فلا محالة يكون الوجوب- و هو المعتبر- معلّقا و مشروطا بحصول القيد، إذ في الأوّل يكون لغوا، و في الثاني مستحيل.

هذا تمام الكلام فيما يتعلّق بالواجب المشروط و إمكانه، بقي الكلام فيما تعرّض له صاحب الكفاية بقوله: «إن قلت: فما فائدة الإنشاء» (1) إلى آخره.

و حاصل الإشكال: أنّه لو لم يكن طلب فعلا، فلا حاجة إلى إنشائه‏

____________

(1) كفاية الأصول: 124.

35

أيضا، بل الإنشاء لغو، كما هو واضح.

و جوابه: أنّه قد لا يقدر على الإنشاء حين وجود المصلحة، كما في الوصيّة و التدبير، إذ ليس الموصي قادرا على الإنشاء حين وجود المصلحة، لأنّه ميّت حينئذ، و كما إذا قال: «إذا نمت فلا يدخل أحد عليّ» لوضوح أنّه عند النوم لا تكون له القدرة.

هذا، مع أنّ الخطاب على نحو القضايا الحقيقيّة، كما في الكفاية.

ثمّ إنّ ما في الكفاية- من قوله: «غاية الأمر تكون في الإطلاق و الاشتراط تابعة لذي المقدّمة» (1) إلى آخره- إن كان المراد منه أنّه بعد وجود شرط الوجوب لا تكون المقدّمة واجبة مطلقة، فهو حقّ، إذ لا ينقلب الواجب المشروط عن كونه واجبا مشروطا بوجود مقدّمته، فإذا لم يكن واجبا مشروطا (2) فكيف يتعلّق بمقدّماته الوجودية وجوب مطلق مع لزوم ترشّح سنخ الوجوب المتعلّق بالواجب!؟ فلا بدّ من كون وجوب المقدّمة الوجوديّة وجوبا مشروطا.

و إن كان المراد أنّه قبل وجود مقدّمة الوجوب تكون المقدّمات الوجوديّة واجبة مشروطة، فهو في حيّز المنع، إذ بعد عدم طلب فعليّ كيف يترشّح الوجوب مع أنّه ليس هناك إلّا إنشاؤه!؟ فتدبّر.

[وجوب التعلّم نفسيّا طريقيّا]

ثمّ اعلم أنّ الحقّ كون التعلّم واجبا نفسيّا طريقيّا، لقوله تعالى:

فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ* (3) فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ‏ (4).

____________

(1) كفاية الأصول: 125.

(2) كذا، و الظاهر: مطلقا.

(3) النحل: 43، الأنبياء: 7.

(4) التوبة: 122.

36

و قوله: «هلّا تعلّمت» (1) بعد سؤاله عن العمل، و غيرها من الآيات و الروايات الشاملة بإطلاقها للواجب المطلق و المشروط، الظاهرة في أنّ التعلّم واجب نفسي.

فلو قلنا بالوجوب النفسيّ- كما قال به الأردبيلي و صاحب المدارك‏ (2)- فلا كلام، و أمّا لو لم نقل بالوجوب النفسيّ، فقد يقال بأنّه لا مانع من وجوبه بحكم العقل.

توضيحه أنّه قد يكون التعلّم من المقدّمات المفوّتة، و لا يمكنه الاحتياط، كما إذا علم أنّه لو لم يتعلّم ينسى الواجب في ظرفه فلم يقدر على الاحتياط، و كما إذا دار الأمر بين المحذورين، كما في الشكّ بين الثلاث و الأربع، فإنّه لا يقدر على إتيان ركعة منفصلة و متّصلة معا، أو لم يسع الوقت للاحتياط، لكثرة أطرافه.

و قد يكون قادرا على الاحتياط في ظرفه.

ففيما إذا كان قادرا على الاحتياط قد يقال: إنّ التعلّم قبل حصول الشرط لا يجب، لعدم وجوب ذيها، و بعد حصول الشرط- و إن كان لا يتمكّن من التعلّم لكنّه يتمكّن من الاحتياط- فبأصل البراءة و قبح العقاب بلا بيان يرفع، فلا يجب التعلّم.

و هو مدفوع: بأنّه حيث لا يكون لدليل حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان في المقام حكومة على دليل وجوب دفع الضرر المحتمل- كما يكون كذلك في الواجبات الشرعيّة- نقول بالبراءة العقليّة فيها من هذه الجهة.

____________

(1) أمالي المفيد: 227- 228- 6 و عنه في البحار 2: 29- 10.

(2) انظر مجمع الفائدة و البرهان 2: 110، و مدارك الأحكام 3: 219.

37

و السرّ في عدم حكومته في المقام هو: أنّ دليل القبح إنّما يكون في مورد عدم البيان، و ليس البيان من طرف المولى فيما نحن فيه إلّا جعل الأحكام في منظر المكلّفين و مرآهم، و لا يحتاج إلى أزيد من ذلك في تمامية البيان، فبمقتضى قاعدة وجوب دفع الضرر المحتمل يجب التعلّم قبلا، فتأمّل.

و أمّا ما لا يقدر على الاحتياط في ظرفه فداخل في المقدّمات الوجوديّة المفوّتة بل هو عينها.

فظهر أنّ التعلّم ليس خارجا عن المقدّمات المفوّتة مطلقا- كما التزم به شيخنا الأستاذ- (قدّس سرّه)- بل إنّما يخرج عنها لو كان التكليف به في ظرفه ممكنا لإمكان الاحتياط أو شكّ في إمكان الاحتياط و عدمه، و أمّا لو لم يمكن، فهو داخل في المقدّمات المفوّتة قطعا.

[الكلام في المقدّمات المفوّتة]

و بعد ذلك يقع الكلام في المقدّمات المفوّتة، و لا بدّ من تقديم مقدّمتين:

الأولى: أنّ لنا قاعدة عقليّة معروفة، و هي: أنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار،

و يستدلّ بهذه القاعدة في مقامين:

الأوّل: في ردّ الأشاعرة

القائلين بأنّ الأفعال الصادرة عن العبيد لا تكون إلّا عن قسر و جبر، بل كلّ شي‏ء فرض في العالم لا يخلو عن وجهين: إمّا واجب أو ممتنع، إذ الشي‏ء إمّا أن توجد علّته التّامّة، فيكون ضروريّ الوجود، و إمّا أن لا توجد، فيكون ممتنع الوجود و لا واسطة في البين، فأين ممكن الوجود؟ فالموجودات و المعدومات أمرها دائر بين ضرورة الوجود و امتناعه، و أفعالهم أيضا من هذا القبيل.

و الجواب عنه- كما عن المتكلّمين-: أنّ وجوب الوجود و امتناعه و إن‏

38

كان من جهة وجود العلّة و عدمها إلّا أنّ من أجزاء العلّة هو الاختيار الّذي هو فعل من أفعال النّفس، فالعبد إمّا أن يختار الوجود بعد تماميّة باقي أجزاء العلّة، فيصير الفعل واجب الوجود و ضروريّ الوجود بالاختيار، و إمّا أن يختار العدم و الترك، فيصير الفعل ممتنع الوجود بالاختيار، و الامتناع أو الوجوب بالاختيار لا ينافي الاختيار، ففي الحقيقة أمر الوجوب و الامتناع يكون بيد العبد، فمتى اختار الوجود فيوجد علّته فيجب وجوده، و متى اختار الترك و العدم يكون ممتنع الوجود.

ثمّ اعلم أنّ المخالف في هذا المقام جميع الأشاعرة.

المقام الثاني: في ردّ مقالة أبي هاشم‏

- و هي أنّه لو كان اختيار أمر شي‏ء بيد العبد أوّلا فاختار الوجود أو العدم، و بعد ذلك خرج عن تحت اختياره بحيث لو اختار بعد ذلك خلاف ما اختاره أوّلا من الوجود أو العدم و من الفعل أو الترك، لم يقدر على ذلك، لا مانع من الخطاب بعد أن خرج عن تحت اختياره بالاختيار، كما إذا قصد قتل أحد و أخرج السهم من القوس أو ألقاه من شاهق، فإنّ الفاعل بعد ذلك لا يقدر على إمساك السهم أو الملقى من الشاهق- فيجيبون عنها بهذه القاعدة، و أنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار عقابا لا خطابا، إذ لا يمكن عقلا الخطاب بالحفظ و النهي عن القتل، لأنّه قبيح حينئذ، و لكن هذا لا ينافي استحقاق العقاب على القتل، فالامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار لكن عقابا لا خطابا. و الفرق بين المقامين واضح.

و لا شبهة في أنّ العقلاء يرون هذا الشخص مستحقّا للعقاب مع تقبيحهم الخطاب ب «لا تفعل» أو نحوه.

المقدّمة الثانية:

أنّه قد سبق منّا قريبا أنّ الشروط و القيود على قسمين،

39

لأنّ منها ما لها دخل في اتّصاف الفعل بالمصلحة، و منها ما لها دخل في حصول المصلحة و تحقّقه.

[في انقسام القدرة إلى العقليّة و الشرعيّة]

و اشتراط القدرة في التكاليف أيضا على قسمين و نحوين، لأنّها تارة تكون دخيلة في حصول المصلحة و وجودها.

و بعبارة أخرى: تارة يكون الفعل تامّ المصلحة من جميع الجهات، و لكنّ القدرة تحسّن الخطاب، و تكون شرطا في حسنه.

و بعبارة أخرى: الفعل يتّصف بالمصلحة بدونها أيضا، كلزوم شرب الدواء للمريض، كان قادرا أم لا، لكن لا يحسن تكليفه عقلا بذلك عند عدم قدرته عليه، فإنّ العقل يقبّح تكليف العاجز، و هذا معنى القدرة العقلية، و أغلب الأحكام تكون القدرة فيها شرطا بحسب العقل في ظرف الامتثال.

مثلا: صوم شهر رمضان‏ (1) يكون تامّ المصلحة من أوّل الليل بحيث لو كان العبد قادرا على إيجاد اليوم في الليل و الصوم فيه، لما كان نقص في مصلحته، و لكن حيث يكون هذا الأمر محالا و غير مقدور للمكلّف، فلا يكون الخطاب ب «صم» حسنا من المولى، و هذا القسم من القدرة يسمّى بالقدرة العقليّة.

و أخرى يكون للقدرة دخل في اتّصاف الفعل بالمصلحة، كما في القدرة على الحجّ، فإنّها دخيلة في اتّصاف الحجّ بكونه ذا مصلحة، و غير المستطيع لا تكون مصلحة ملزمة في حجّة، فلو حجّ متسكّعا و بعد ذلك استطاع، لا يجزئ هذا الحجّ التسكّعي عن حجّة الإسلام، و كما في القدرة على الوضوء، فإنّ غير واجد الماء و من لا يتمكّن من استعمال الماء لا يتّصف‏

____________

(1) الظاهر أنّ هذا المثال ليس مثالا لهذا القسم. (م).

40

وضوؤه بكونه ذا مصلحة ملزمة، و الكاشف عنها أخذها في لسان الدليل، كما في الحجّ و الوضوء، و هذا القسم من القدرة يسمّى بالقدرة الشرعية.

[في انقسام القدرة الشرعيّة إلى ثلاثة أقسام‏]

و هي على أقسام ثلاثة، لأنّها تارة يكون وجودها في وقت من الأوقات- كالتعلّم قبل الصلاة و لو قبل حصول شرط الوجوب- موجبا لاتّصاف الواجب بالمصلحة في زمانه، فالقدرة في وقت ما كافية في اتّصاف الفعل بالمصلحة في ظرفه.

و أخرى تكون القدرة في زمان الوجوب قبل زمان الواجب موجبة لذلك، كالاستطاعة، فإنّ حصول الاستطاعة قبل مجي‏ء أيّام الحجّ يصير موجبا لوجوبه فيها، و القدرة قبل مجي‏ء أيّام الحجّ دخيلة في اتّصاف الحجّ في ظرفه و أيّامه بالمصلحة.

و ثالثة تكون القدرة في زمان الواجب موجبة لذلك، و سيتّضح الفرق بين القسمين الأخيرين عند بيان أحكامهما.

فنقول: أمّا ما كان القدرة المأخوذة فيه قدرة عقلية فلا محالة تكون المصلحة موجودة في ظرفه، فيجب على المكلّف حفظ هذه القدرة بمعنى أنّه ليس له أن يعجز نفسه حتى يفوت الواجب في ظرفه، و إن فعل، كان معاقبا، لأنّ الفوت مستند إلى اختياره، فامتناع تحصيل الغرض في زمان الواجب يكون بالاختيار، و هو لا ينافي الاختيار عقابا و إن كان لا يمكن تكليفه و ينافيه خطابا كما عرفت في المقدّمة الأولى، و هذا كحفظ الماء لمن يعلم بعطش مولاه غدا و عدم تمكّنه من الماء فيه، أو عدم النوم لأن يصلّي في الوقت لمن يعلم أنّه لو نام لما يستيقظ إلى مضيّ الوقت.

و أمّا ما كان القدرة المأخوذة فيه قدرة شرعيّة، فالقسم الأوّل منها كذلك‏

41

أيضا، أي حكمه حكم القدرة العقليّة، فيجب التعلّم قبل حضور وقت الصلاة لمن يكون قادرا عليه، و يعلم بعدم تمكّنه منه بعد ذلك حتى ينجرّ تركه في هذا الوقت إلى ترك الصلاة و تفويت المصلحة الصلاتية في وقتها، إذ المفروض أنّه بمجرّد القدرة في وقت ما يكون الواجب تامّ المصلحة و ذا ملاك ملزم، غاية الأمر لا يكون فعلا (1) واجبا، لعدم مجي‏ء وقته، و يكون الوجوب فيه مشروطا بالوقت، فحينئذ لا بدّ من تهيئة مقدّماته المفوّتة، لا لوجوبه الفعلي، لأنّه مفقود على الفرض، بل لحكم العقل بأنّ الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار عقابا، فلا فرق بين القدرة العقليّة و هذا القسم من القدرة الشرعيّة في وجوب تهيئة مقدّماته المفوّتة، فيجب التعلّم عقلا الملازم للوجوب شرعا عند التمكّن لمن يعلم بعدم تمكّنه في زمان وجوب الصلاة، كما يجب كذلك حفظ الماء و يحرم إراقته لمن يعلم بعدم وجدانه للماء في الوقت و أنّه لا يتمكّن من الصلاة عن طهارة فيه و إن لم يكن الوجوب فعليّا حينئذ، لعدم تحقّق شرطه و هو الوقت، لما سبق من أنّ الواجبات الموقّتة كلّها مشروطة بالوقت، و يعاقب على ذلك لو فعل، لاستناد عدم التمكّن من الصلاة في ظرفها باختياره، فلا ينافي استحقاقه للعقاب على ترك الصلاة.

و أمّا القسم الثاني منها، أي: ما كان القدرة المأخوذة فيه هي القدرة الخاصّة و القدرة في ظرف الوجوب و بعد حصول شرائط الوجوب، كالاستطاعة، بناء على استقرار الحجّ لو صار مستطيعا في الشوّال مثلا، فإنّ زمان الواجب بعد شهرين لكنّه استطاع بمعنى أنّه قدر على المسير إلى الحجّ، و تمكّن من الزاد و الراحلة، و لو ترك المسير، لعجز عن الحجّ في ظرفه.

____________

(1) «فعلا»: ظرف.

42

فحينئذ نقول: بناء على إمكان الواجب المعلّق فلا شبهة في وجوب تلك المقدّمات بناء على وجوب المقدّمة شرعا و التلازم بين الوجوبين، أي:

وجوب ذي المقدّمة و وجوب المقدّمة، و أمّا بناء على امتناع الواجب المعلّق تكون تلك المقدّمات واجبة بمقتضى قاعدة الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار.

هذا كلّه فيما استقرّ عليه الوجوب بالاستطاعة، أمّا لو لم يستطع و لم يجب بذلك، فلا يجب تحصيل الاستطاعة و مقدّماتها و إن كان متمكّنا من ذلك، بل له أن يخرج نفسه عن موضوع المستطيع ما لم يستقرّ الوجوب عليه بأن وهب أمواله قبل ذلك، فإنّه لا يجب عليه أن يعمل عملا يصير الحجّ بسببه ذا ملاك ملزم، كما لا يجب عليه عدم الخروج عن بلده و المسافرة إلى حدّ المسافة آخر شعبان حتى يجب عليه الصوم في رمضان، بل له أن يسافر و يخرج نفسه عن موضوع الحاضر الّذي يجب عليه الصوم، و يدخل في موضوع المسافر الّذي لا يجب عليه الصوم.

و أمّا القسم الثالث منها، و هو ما كان القدرة المأخوذة فيه هي القدرة الخاصّة و القدرة في زمان الواجب، و في هذا القسم لا يجب تحصيل المقدّمات الوجوديّة، كما في الطهارات الثلاث بالنسبة إلى الصلاة، فإنّ التمكّن منها شرط في زمان الواجب بحيث لا يجب عليه الوضوء مثلا قبل الوقت لم يعلم بأنّه لا يتمكّن منه بعد حضور الوقت، بل لو كان متطهّرا، له أن يجعل نفسه محدثا، و لا يكون معاقبا بذلك.

فتلخّص ممّا ذكرنا أنّ المقدّمات المفوّتة منها ما لا يجب تحصيله، كما في القسم الرابع، و منها ما يجب، كما في سائر الأقسام.

43

[في أنّ معيّن كيفيّة أخذ القدرة هو لسان الدليل‏]

و كيفيّة أخذ القدرة و أنّه على أيّ قسم من هذه الأقسام الأربعة تعلم من لسان الدليل، فإنّه تارة لا تؤخذ فيه القدرة أصلا، فمن ذلك يعلم أنّ الملاك تامّ بدونها أيضا، و القدرة شرط عقلا، و تارة تؤخذ، فينظر إلى كيفية أخذها، فإن أخذت مطلقة، فهي بالنتيجة كالقدرة العقليّة، إذ في كليهما يجب تحصيل المقدّمات الوجوديّة بمجرّد القدرة و لكنّها فارقت القدرة المطلقة الشرعية من جهة أخرى، و هي أنّ الفعل قبل حصول القدرة- و لو في وقت- لا يكون له ملاك ملزم، فلو عجز و لم يتمكّن منه، لم تفت منه مصلحة، و هذا بخلاف القدرة العقليّة، إذ لا دخل لها في المصلحة، فلو عجز يكون كالمريض الّذي لا بدّ أن يشرب الدواء لكنّه لا يقدر على شربه، فتفوت منه المصلحة و لكن في وجوب حفظ القدرة و تحصيل مقدّمات الواجب، كلاهما على حدّ سواء بعد حصول القدرة و لو وقتا ما.

و إن أخذت في زمان الوجوب، فلا يجب تحصيلها قبل زمان الوجوب، و يجب بعده.

و إن أخذت في زمان الواجب، فلا يجب تحصيلها إلّا في ظرف الواجب.

ثمّ إنّ هذا الوجوب و إن كان بحكم العقل بمقتضى قاعدة «الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار» إلّا أنّه يستكشف منه الحكم الشرعي، كقصد التقرّب في العبادة.

نعم، ليس له وجوب نفسي، بل له وجوب تهيّئيّ لحصول الغرض، و لذا لا يكون عند تركه عقاب إلّا لترك ذيها.

إذا عرفت ذلك، فنقول: إنّ الواجبات الشرعية أكثرها من قبيل الأوّل‏

44

و الثاني، و منها التعلّم الّذي يعلم بترك الواجب في ظرفه عند تركه، و أمّا ما من قبيل الأخيرين ففي غاية الندرة.

ثمّ إنّ هناك فرقا بين التعلّم و سائر المقدّمات المفوّتة، فإنّ سائر المقدّمات كلّها يعلم أنّ الواجب يمتنع في ظرفه بالإخلال بها، و لا يمكن تحصيل الغرض في ظرف العمل بالاحتياط، و أمّا التعلّم فربما يعلم بإمكان الاحتياط و تحصيل الغرض في مقام الامتثال به، و حينئذ لا وجه لوجوب التعلّم، و ربما يعلم بعدمه و لا إشكال في وجوبه بمقتضى تلك القاعدة، و ربما يشك في ذلك فيشكل جريان القاعدة فيه، إذ القاعدة تختصّ بما إذا علم بفوت الملاك الملزم في ظرفه، و أمّا عند الشكّ في ذلك فلا تجري، فمن شكّ في ابتلائه بالشكّ في عدد الركعات لا يجب عليه تعلّم مسائل الشكّ قبل الصلاة، فلا وجه لفتوى جماعة من الأصحاب بذلك. اللّهم إلّا أن نلتزم بوجوبه النفسيّ، كما نفينا البعد عنه سابقا.

و أمّا وجوب دفع الضرر المحتمل فمرفوع بقاعدة قبح العقاب بلا بيان، إذ كما أنّ قاعدة القبح رافعة للتكاليف الشرعيّة كذلك رافعة للأحكام العقليّة، فلا مانع من جريان البراءة.

تذنيب: يذكر فيه أمران:

الأوّل: أنّ إطلاق الواجب على الواجب المشروط قبل زمان الوجوب و قبل حصول شرط الوجوب يكون حقيقة أو مجازا؟ و لا يترتّب على ذلك أثر عملي.

فنقول: بناء على مسلك الشيخ و ما نسب إليه في الواجب المشروط، فلا شبهة في صحّة إطلاق الواجب عليه، إذ الوجوب حاصل و إن كان ظرف‏

45

الواجب متأخّرا أو يكون مقيّدا بقيد غير حاصل.

و أمّا على المسلك الصحيح فإطلاقه بحسب زمان حصول الشرط يكون على نحو الحقيقة، إذ المدار في صحّة إطلاق المشتقّ و كونه حقيقة هو زمان الجري، فالفعل بعد حصول الشرط يكون واجبا حقيقة، فيصحّ بعد حصول الشرط أن يقال: هذا الفعل واجب الآن، و قبله يصحّ أن يقال: سيكون واجبا، و أمّا قبل حصول الشرط فصحّة إطلاقه و كونه على نحو الحقيقة مشكل، بل يكون مجازا، و لا شبهة فيه، لأنّه من قبيل ما لم يتلبّس بعد بالمبدإ.

نعم، يصحّ إطلاق المطلوب عليه على نحو الحقيقة، و ذلك لما مرّ في بحث الطلب و الإرادة من أنّ الطلب ليس إلّا التصدّي نحو المطلوب، و التصدّي يكون حاصلا في الواجب المشروط قبل حصول الشرط، إذ الإنشاء يكون نحوا من التصدّي نحو المطلوب و الفعل، فيتّصف الفعل حقيقة بكونه مطلوبا.

الثاني: أنّه هل يكون استعمال الهيئة في الواجب المشروط حقيقة أو لا، بل يكون مجازا؟

أمّا بناء على ما نسب إلى الشيخ- (قدّس سرّه)- فلا شبهة في كونه حقيقة، لأنّ المفروض أنّ الوجوب حاصل، و الواجب مقيّد، فاستعمال الهيئة في الوجوب حقيقة قبل حصول الشرط.

و أمّا بناء على المسلك المشهور المنصور، فالمسألة مبتنية على ما ذكروا في بحث المطلق و المقيّد من أنّ اللفظ إنّما وضع للطبيعة المطلقة، و الاستعمال في المقيّد يكون مجازا.

هذا هو المسلك المشهور قبل سلطان العلماء و لكن قد انقلب الأمر من زمانه إلى الآن، و ذهب جلّ العلماء- تبعا له- إلى أنّ اللفظ لم يوضع للطبيعة

46

المطلقة، بل كما لا يكون القيد داخلا في الموضوع له كذلك الإطلاق، فالإطلاق و التقييد خارجان عن الموضوع له، بل اللفظ قد وضع للماهيّة اللابشرط حتى من جهة الإطلاق. و بعبارة أخرى لفظ الرقبة إنّما وضع لتلك الماهيّة الخارج عن حقيقتها الإطلاق من جهة المؤمنة، و التقيّد بها، و كذلك لفظ الإنسان إنّما وضع للماهيّة الواجدة لذاتها و ذاتيّاتها بحيث تكون الكتابة و عدمها بالقياس إليها على حدّ سواء، و في جميع الموارد إنّما يراد من اللفظ تلك الماهيّة، و الإطلاق و التقييد إنّما يفهمان من دالّ آخر، فالإطلاق إنّما يستفاد من مقدّمات الحكمة، و التقييد يستفاد من قرينة موجودة في الكلام.

نعم، إذا لم تكن في المقام قرينة و لم يكن المتكلّم في مقام البيان، تبقى الماهيّة على إجمالها.

إذا عرفت ذلك، تعرف أنّ الهيئة إنّما وضعت للوجوب، أي لإبراز الاعتبار النفسانيّ، و الإطلاق و التقييد خارجان عن حقيقة الموضوع له، و كلّ منهما يعرف بدالّ آخر.

فظهر أنّ استعمال الهيئة في الواجب المشروط يكون بنحو الحقيقة على مذاق المشهور أيضا.

و من تقسيمات الواجب تقسيمه إلى المعلّق و المنجّز،

و هو برزخ بين المطلق و المشروط، و هذا التقسيم ممّا أفاده صاحب الفصول حيث قسّم الواجب إلى المطلق و المشروط، و المعلّق و المنجّز (1).

و حقيقة الواجب المعلّق هي أنّه إذا كان الواجب مقيّدا بأمر، تارة يكون ذاك الأمر هو نفس الزمان أو الزمانيّ على نحو يكون للتقيّد بالزمان مدخليّة في‏

____________

(1) الفصول: 79.

47

الواجب، سواء كان بلا واسطة أو مع الواسطة، و الأوّل كالصوم المقيّد بالغد، و الثاني كالوقوف بالعرفات المقيّد بكونه في يوم عرفة، و أخرى لا يكون كذلك، كالاستطاعة و المجي‏ء، فإنّه و إن كان واقعا في الزمان إلّا أنّ الزمان لم يؤخذ قيدا له.

و الواجب المعلّق- الّذي ذهب إليه صاحب الفصول- هو ما يكون الواجب مقيّدا بزمان أو زمانيّ، فيقول: إنّ الوجوب قبل مجي‏ء الزمان أو الزمانيّ يكون فعليّا و إن كان الواجب استقباليّا.

و الوجه فيما ذهب إليه هو: تصوير ترشّح الوجوب من الأمر بذي المقدّمة إلى المقدّمة، إذ لو كان الوجوب أيضا استقباليّا، لما كانت المقدّمة واجبة، و حيث نرى بالضرورة من الشرع أنّ بعض المقدّمات لبعض الواجبات واجب قبل مجي‏ء وقت الواجب، كالغسل في الليل بالنسبة إلى الصوم، و كأخذ الرفقة، و ركوب الدابّة، و المشي إلى الحجّ مع أنّ الواجب لا يكون إلّا يوم عرفة و ما بعده، و حيث إنّ الوجوب في هذه الأمور مسلّم و قد علم أنّ الوجوب فيها ليس نفسيّا بل يكون مقدّميّا فألجئ صاحب الفصول إلى القول بكون الوجوب فعليّا و الواجب استقباليّا و سمّاه بالواجب المعلّق.

و قد أورد في الكفاية (1) على هذا التقسيم بأنّ الغرض يحصل بصرف فعليّة الوجوب لا به و بكون الواجب أيضا استقباليّا.

و بالجملة وجوب المقدّمات، الداعي إلى هذا الأمر إنّما يحصل بالقول بكون الوجوب فعليّا، و لا مدخليّة لاستقباليّة الواجب في هذا الأمر.

و صيرورة الوجوب و جعله في هذه الموارد فعليّا كما يمكن بالقول‏

____________

(1) كفاية الأصول: 128.

48

بالواجب المعلّق، يمكن بالقول بالشرط المتأخّر بأن يقال: إنّ القيد الّذي أرجعه صاحب الفصول إلى المادّة و صيّر الواجب استقباليّا يمكن جعله شرطا للوجوب، فيقال: إنّ الوجوب للصوم مشروط بمجي‏ء الغد بشرط متأخّر، و قد حقّقنا في محلّه صحّة الشرط المتأخّر.

هذا، و التحقيق أن يقال: إنّ الالتزام بالشرط المتأخّر ملازم مع القول بالواجب المعلّق، و القول بالواجب المعلّق أيضا ملازم مع القول بالشرط المتأخّر، فمن قال بالواجب لا بدّ له من الالتزام بالشرط المتأخّر، و من صحّح المقام بالشرط المتأخّر لا بدّ له من الالتزام بالواجب المعلّق.

أمّا الثاني: فلأنّ إرجاع القيد إلى الهيئة، و الالتزام بالشرط المتأخّر لا يدفع غائلة الواجب المعلّق، إذ يسأل بعد ذلك عن أنّ وجوب الصوم، المشروط بمجي‏ء الغد بالشرط المتأخّر يكون فعليّا، فهل الواجب أيضا فعليّ أو يتوقّف على مجي‏ء الغد؟ لا يمكن المصير إلى الأوّل، إذ لازم ذلك وجوب الصوم و الإمساك من أوّل الليل، فلا بدّ من القول بتقييده بالغد، و هذا عين الواجب المعلّق، إذ الوجوب فعليّ على الفرض مشروط بالشرط المتأخّر، و الواجب استقبالي مقيّد بمجي‏ء الغد.

و أمّا الأوّل: فلأنّه يمكن أن يسأل القائل بالوجوب المعلّق عن أنّ القدرة و الحياة و العقل هل تكون شروطا للتكليف أم لا؟ لا مجال للمصير إلى عدم الشرطيّة، فإذا كانت شروطا له، فهل تكون على نحو الشرط المقارن أو المتأخّر؟ لا سبيل إلى الأوّل، إذ القدرة و الحياة في الغد لا يمكن تقارنهما مع الوجوب الفعلي في الليل، فلا بدّ من القول بأنّهما شرطان للوجوب متأخّران عنه، فعلى صاحب الفصول، القائل بالواجب المعلّق، المنكر للشرط المتأخّر،

49

الالتزام به لا محالة.

ثمّ إنّه أورد على الواجب المعلّق أمور ثلاث:

الأوّل: ما حكي عن بعض أهل النّظر (1)، و هو المعروف المشهور عن السيّد المحقّق السيد محمد الأصفهاني (قدّس سرّه).

و حاصله: أنّ الإرادة التشريعيّة و الإرادة التكوينيّة لا فرق بينهما إلّا في كون الأولى متعلّقة بفعل الغير، و الثانية بفعل نفس المريد، فكما لا ينفكّ و لا يتخلّف المراد التكويني و تحريك العضلات عن زمان الإرادة التكوينية و يكون تخلّفه عنه من قبيل تخلّف المعلول عن علّته التامّة فكذلك المراد التشريعي و تحريك عضلات العبد نحو الفعل لا ينفكّ عن الإرادة التشريعيّة و البعث، إذ بعث المولى و تحريكه و طلبه للفعل يكون بمنزلة إرادة العبد، فالبعث نحو الأمر المتأخّر غير معقول، كما أنّ تعلّق الإرادة بالأمر المتأخّر كذلك.

و أجاب عنه في الكفاية (2) بأنّه لا شبهة في تعلّق الإرادة بأمر استقبالي، لوضوح أنّ تحمّل المشاقّ عند إرادة ما يتوقّف على مقدّمات كثيرة لا يكون إلّا لفعليّة الإرادة المتعلّقة بذيها، و إلّا ففي تلك المقدّمات لا شوق إليها، بل قد تكون في كمال الكراهية، لو لم تكن بلحاظ المقدّمية.

و بالجملة ليس القصور في الإرادة، و إنّما المراد قاصر في أن يتحقّق في الخارج عاجلا.

هذا، و التحقيق أنّ مجرد هذا لا يندفع به الإشكال، و ذلك لأنّه لو قلنا

____________

(1) كما في الكفاية: 128، و هو المحقّق النهاوندي صاحب تشريح الأصول على ما صرّح به المشكيني في حاشيته على الكفاية 1: 511 الطبعة المحقّقة.

(2) كفاية الأصول: 128.

50

بكون الإرادة علّة للفعل الخارجي- كما عليه صاحب الكفاية (قدّس سرّه)، و جميع الحكماء- فلا مدفع لهذا الإشكال، إذ ليس هذا إلّا عين تخلّف المعلول عن علّته التامّة.

نعم، لو قلنا بأنّ الإرادة فعلا غير موجودة، و الموجود ليس إلّا الشوق إلى فعل المقدّمات، و بعد إتيان المقدّمات تتجدّد الإرادة، فيمكن، لكنّه عين إنكار الواجب المعلّق، إذ المفروض فيه أنّ الوجوب فعليّ و الإرادة موجودة.

هذا، مع أنّه لا شبهة في أنّ إتيان المقدّمات إنّما هو الإرادة ذيها.

و الحاصل: أنّه بعد فرض علّيّة الإرادة للفعل و أنّه كالصفرة للوجل لا يمكن انفكاك الفعل عن الإرادة، و عند الانفكاك يعلم عدم العلّيّة، فلا يكون الوجوب فعليّا.

هذا، و لكنّه قد سبق في بحث الطلب و الإرادة فساد المبنى، و أنّ كون الأفعال معلولة للإرادة أمر غير واقع بالوجدان و الضرورة، بل الإرادة بالمعنى المعروف- الّذي هو الشوق مطلقا، أو المؤكّد منه- هي صفة نفسانيّة لا علّيّة لها و لا مقدّميّة لها بالنسبة إلى الأفعال الخارجيّة، بل لها شأنيّة لتحريك العضلات، و لا فعليّة لها لذلك.

و قد تقدّم الكلام في بطلان كون الإرادة بالمعنى المعروف علّة للأفعال الخارجية مستوفى، فلا إشكال من هذه الجهة في الواجب المعلّق، إذ هذا الإشكال يبتني على علّيّة الإرادة للفعل الخارجي، و قد عرفت بطلانها.

الثاني: ما أفاده شيخنا الأستاذ (1) المنكر للشرط المتأخّر من أنّ القول باستقبالية الواجب و فعليّة الوجوب مستلزم للقول بالشرط المتأخّر، إذ لو قلنا

____________

(1) أجود التقريرات: 143- 144.

51

بأنّ الوجوب فعليّ، فلا بدّ من القول بكونه مشروطا بالقدرة و الحياة و العقل و غيرها من الشرائط العامّة التي هي شرائط حين العمل و متأخّرة عن الوجوب.

و الشرط المتأخّر مستحيل، فما هو مستلزم لذلك أيضا مستحيل، كما هو واضح.

و هذا الإشكال وارد [بناء] على القول باستحالة الشرط المتأخّر، و لكنّا حيث صحّحناه و أثبتنا إمكانه، فلا يرد علينا إشكال من هذه الجهة.

الثالث: ما أفاده أيضا شيخنا الأستاذ (1) (قدّس سرّه)، و هي العويصة في المقام.

و حاصله: أنّ القيود الدخيلة في الواجب على قسمين لا ثالث لهما، أحدهما: أن تؤخذ مفروضة الوجود، فيلزم تأخير الحكم عنه، و هذا هو الواجب المشروط. و الآخر: أن تؤخذ في حيّز الخطاب و متعلّق التكليف بحيث تكون هي أيضا تحت الخطاب و متعلّقة للتكليف.

و على الثاني إمّا أن يكون القيد اختياريّا، فهو الواجب المطلق و المنجّز، أو يكون غير اختياريّ كالزمان، فلا يعقل تعلّق الخطاب بالمقيّد به، إذ المقيّد بأمر غير اختياري غير اختياري أيضا فكما لا يمكن توجّه التكليف بالأمر غير الاختياري كذلك لا يمكن بالمقيّد بذلك.

و حينئذ لو أخذ الزمان المتأخّر أو الزمانيّ كذلك مفروض الوجود، فهو خلاف الفرض، إذ الوجوب يكون مشروطا على ذلك، و لو أخذ الزمانيّ لا كذلك بل في حيّز الخطاب و تحت التكليف، فهو أيضا خلاف الفرض، إذ يكون الوجوب على ذلك مطلقا و منجّزا لا معلّقا. و لو أخذ الزمان في حيّز الخطاب و متعلّق التكليف، فهو و إن كان من المقام و من الواجب المعلّق إلّا أنّه‏

____________

(1) أجود التقريرات 1: 136- 141.

52

مستحيل، كما عرفت.

ثمّ إنّ كون الصوم في الغد، أو الصلاة عند الدلوك غير اختياريّ- لتقيّده بأمر غير اختياري- لا يحتاج إلى البيان.

و لا يدفع هذا الإشكال ما في الكفاية من أنّ القدرة في زمان الواجب كافية في تعلّق التكليف الفعلي به‏ (1)، لوضوح أنّه بعد حلول الوقت إنّما تكون القدرة على ذات المأمور به لا على قيده.

و بالجملة إنّما يقال: القدرة في زمان الواجب كافية لو قدر على ما كان عاجزا عنه قبلا، و في المقام ليس كذلك، إذ ما كان عاجزا عنه قبلا يكون حين الوقت أيضا عاجزا عنه، إذ لا يقدر على الصلاة المقيّدة بالدلوك حتى بعد تحقّق الدلوك، و إنّما يقدر على ذات الصلاة، فلا يكفي هذا لصحّة التكليف الفعلي، كما هو واضح.

هذا، و لكن أصل الشبهة أشبه شي‏ء بالمغالطة، و ذلك لأنّا ننقل الكلام إلى الواجب المشروط بشرط خارج عن تحت الاختيار، و نقول: إنّه حيث إنّ الوجوب فيه مشروط بالوقت، فلو حلّ الوقت و طلع الفجر أو دلكت الشمس مثلا، فهل يكون الصوم و الصلاة واجبة مطلقا أو مقيّدة بذاك المبدأ و المنتهى؟

أي: من دلوك الشمس إلى غسق الليل في الثاني، و من طلوع الفجر إلى الليل في الأوّل، فإن كان الواجب مطلقا و ليس مقيّدا بشي‏ء، فلازمه جواز تأخير الصلاة إلى الليل و جواز تأخير الصوم إلى الليل، إذ ما هو موجود شرط للوجوب و قد تحقّق، و ليس قيدا للواجب حتى يلزم إتيانه، و ذلك لأنّ تقيّد الواجب به يكون تكليفا بما لا يطاق.

____________

(1) كفاية الأصول: 130.

53

و بالجملة ما هو المحذور في الواجب المعلّق بعينه موجود في الواجب المشروط بعد تحقّق شرطه، و هو التكليف بالمقيّد بأمر غير اختياريّ.

و حلّ القضيّة: أنّ هناك شقّا ثالثا، و هو تعلّق الطلب فعلا بالتقيّد بشي‏ء أخذ مفروض الوجود على نحو الشرط المتأخّر.

و بعبارة أخرى: نفس الزمان حيث إنّه غير اختياري لا يكون متعلّقا للطلب، بل تقيّد الفعل به و إضافته إليه متعلّق للتكليف، و هو أمر مقدور للمكلّف، و ما هو غير مقدور هو أحد طرفي التقييد و الإضافة، و لا يضرّ بمقدوريّة أصل الإضافة و التقييد، كما أنّ الطهارة بالماء و الصلاة إلى القبلة كذلك.

و هكذا الصلاة في المسجد عندئذ إيقاع الصلاة فيه، فيكون الواجب و ما هو تحت التكليف تقيّد الصلاة بكونها واقعة في المسجد أو إلى القبلة، و تقيّد الطهارة بكونها بالماء، و أمّا نفس القيد فهو خارج عن دائرة التكليف، فحينئذ لا إشكال في تعلّق الوجوب فعلا إلى الصلاة أو الصوم المضاف إلى وقت حاصل بعدا، كما أنّ في الواجب المشروط أيضا كذلك، لما عرفت من أنّ متعلّق الطلب هو تقيّد الفعل بالوقت، و إضافته إليه، لا نفس الوقت قبل حصول القيد و حلول الوقت أو بعده، فالأوّل هو الواجب التعليقي، و الثاني هو الواجب المشروط.

فتلخّص من جميع ما ذكرنا أنّ فعلية الوجوب و استقبالية الواجب لا تنافي مع كون القيد المأخوذ في الواجب مفروض الوجود.

[شبهتان أخريان في تصوير الواجب المعلّق‏]

بقيت شبهتان أخريان في تصوير الواجب المعلّق:

54

الأولى: ما أفاده شيخنا الأستاذ (1)- (قدّس سرّه)- أيضا من أنّه بعد تصوير الواجب المعلّق و إمكانه فلا وجه لاختصاصه بالزمان، بل يعمّ غيره من القيود غير المقدورة، إذ الإشكال في الواجب المعلّق منحصر في القضايا الحقيقيّة، و أمّا الخارجيّة منها فلا إشكال فيه، كما إذا قيل: «يجب عليك فعلا الصلاة غدا» و في القضايا الحقيقية حيث إنّ فعليّة الحكم فيها متوقّفة على كلّ قيد أخذ في الموضوع مفروض الوجود، فلا بدّ من تأخّر الحكم عن جميع القيود، و حينئذ لا فرق بين الزمان و غيره، إذ المدار في تأخّر الحكم عن موضوعه، و عدمه هو أخذ الموضوع مفروض الوجود، و عدمه، فإمّا لا يؤخذ الزمان و غيره مفروض الوجود، فلا بدّ من تعلّق الطلب به فعلا، أو يؤخذ كذلك، فلا بدّ من تأخّر الطلب عن وجوده بلا فرق بين الزمان و غيره.

أقول: أمّا الفرق بين الزمان و بين البلوغ و العقل و أمثالهما أنّ القيود إذا كانت دخيلة في اتّصاف الفعل بالمصلحة كالبلوغ و العقل، لا يمكن فعليّة الحكم قبلها، بخلاف ما كان دخيلا في وجود المصلحة، كالزمان.

و أمّا الفرق بين سائر القيود الاختيارية و بين الزمان فلا يعلم إلّا من لسان الدليل، ففي مثل: «إذا تزوّجت فأنفق» يعلم بداهة أنّ الموضوع و ما رتّب عليه الحكم هو التزويج، فلا يمكن أن يصير الحكم فعليّا قبله.

و كذا في مثل «صم للرؤية و أفطر للرؤية» و قوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ‏ (2) يعلم أنّ الرؤية موضوع لحكم وجوب الصوم، و هذا بخلاف الزمان و طلوع الفجر للصوم، فإنّه لم يترتّب حكم وجوب الصوم عليه‏

____________

(1) أجود التقريرات 1: 142.

(2) البقرة: 185.