الهداية في شرح الكفاية

- الشيخ عبد الحسين التستري الكاظميني المزيد...
520 /
1

-

2

[المجلد الأول:]

هذا كتاب الهداية فى شرح الكفاية بخط حضرت حجة الاسلام آية اللّه فى الانام المرزا محمد تقى الحائري (دام ظله العالى و خاتمه الشريف‏)

[تصدير:]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الحمد للّه رب العالمين و صلى اللّه على خير خلقه محمد و آله الطاهرين و بعد فلا يخفى ان جناب عمدة العلماء الاعلام المحقق المدقق انسان العين الشيخ عبد الحسين دام بقاه آل المرحوم المبرور العلامة الاواه الشيخ اسد اللّه طاب ثراه قد ابدع فى هذا الكتاب و اعجب و اعرب عن خفايا الاصول فاغرب و لقد حوى من التحقيقات الرائقة اصفاها و من التدقيقات الفائقة اعلاها و من التنبيهات الجليلة الجلية ما عم نفعها و من التلويحات الدقيقة الخفية ما عظم وقعها و لقد كشف فيه الغطاء عن كنوز الفرائد و اللثام عن رموز الفوائد فهو جدير ان يتلقاه طالبوا التحقيق بالقبول و يمعنوا النظر فى لطائف نكاته و دقايق فذلكاته فشكر اللّه تعالى مساعيه و وفقه لمراضيه و جعل يومه و ما بعده خيرا من ماضيه انه هو الكريم الوهاب الاحقر محمد تقى الشيرازى‏

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الحمد للّه رب العالمين و الصلاة و السلام على محمد سيد النبيين و آله الطيبين الطاهرين قال ايده اللّه تعالى‏

اما المقدمة ففى بيان امورH3}~h3}

ثلاثة عشر بل‏

3

اربعة عشر عددا ميمونا كما سيأتى إن شاء اللّه تعالى‏

الاول‏H3}~h3}

من تلك الامور لا يخفى (

ان موضوع كل علم‏

) بل كل شي‏ء هو المناط و الضابط فى تمايز العلوم و الاشياء بعضها عن بعض و ان اتحدت فى سائر الجهات الأخر لان التمايز بحسب العلتين المادية و الصورية فى مختلف الحقيقة و فى الصورية خاصة فى متفقها هو المطرد الذى لا يتخلف ابدا بخلاف التمايز بحسب العلتين الفاعلية و الغائية فانه غير مطرد اذ قد يتحد الفاعل او الغاية او هما معا مع تعدد الموضوعات فلا يصح جعله ضابطا و مناطا للتمايز بل لو اطردا جميعا كما هو كذلك فى العلوم بحسب الغاية كان جعل الاول ضابطا اولى لان التعليل بالذاتى مقدم على التعليل بغيره إلّا ان يحصل للثانى مرجحات كثيرة فيكون هو الاولى كما ستعرف و اذا اتحد الموضوع لعلمين او اكثر ذاتا و اختلف قيدا و لو بحسب عنوانه كان بحكم المتغاير ذاتا فالامر و النهى مثلا بما هما امر و نهى موضوع للاصول و بما هما كلم موضوع لعلم النحو و بما هما فصيحان او مطابقان لمقتضى الحال اولا موضوع لعلم المعانى و البيان و هكذا فعلم ان موضوع العلم هو الذى به يقع التمايز (

و هو الذى يبحث فيه‏

) اى فى ذلك العلم (

عن عوارضه‏

) اى عوارض الموضوع (

الذاتية

) و فسرت بما يعرض للشي‏ء اولا و بالذات (

اى بلا واسطة فى العروض‏

) فيدخل ما عرض بواسطة فى الثبوت و منه ما عرض للشي‏ء بواسطة امر مساو كالضحك للانسان و استعمال اللفظ فى المعنى المجازى بواسطة العلاقة و اما القرينة على التجوز فهى واسطة الاثبات و هل المراد بالموضوع الذى يبحث فى كل علم عن عوارضه الذاتية هو ما ذكره القوم من انه الادلة الأربعة فى الاصول و فعل المكلف فى الفقه و هكذا و تكون القضايا الباحثة عن العوارض هى مسائل العلم فيلزم على ذلك اشكالات صناعية منها خروج جملة من القضايا المذكورة فى ذلك العلم عن مسائله بل الاكثر فى خصوص المقام و يحتاج حينئذ الى التكلف و التعسف فى الجواب عنهما بما لا يسمن و لا يغنى او ان المراد به (

هو نفس موضوعات المسائل عينا و ما يتحد معها

) بحسب المصداق (

خارجا و ان كان يغايرها

) فى‏

4

الذهن (

مفهوما تغاير الكلى و مصاديقه و الطبيعى و افراده‏

) من غير فرق بين القولين فى وجود الطبيعى و تكون (

المسائل‏

) حينئذ (

عبارة عن جملة من قضايا متشتتة

) بتشتت غاياتها المقصودة بها (

جمعها

) فى علم واحد (

اشتراكها فى الدخل فى الغرض الذى لاجله دون هذا العلم‏

) كمسألة اجتماع الامر و النهى فانها من مسائل الاصول و الكلام على وجه بحسب اختلاف الجهة الملحوظة فيها و مسئلة تخلف القطع المتعلق بوجوب شي‏ء او حرمته فانها من مسائل العلوم الثلاثة ايضا فان البحث فيها من حيث صيرورة الفعل بسبب تعلق القطع بوجوبه او حرمته محبوبا او مبغوضا اصولية و واجبا او حراما فقهية و مستحقا على موافقته و مخالفته الثواب و العقاب كلامية فتترتب على هذه المسألة الواحدة غايات العلوم الثلاثة الذى جرى عليه اصطلاح القوم هو الاول إلّا ان المصنف ايده اللّه اصطلح به فى المعنى الثانى و لا مشاحة فى الاصطلاح و يرجح الاول انضباط امر الموضوع به و معرفة عنوانه و يوهنه لزوم ما تقدم و يرجح الثانى عدم لزوم شي‏ء مما تقدم و موافقته فى المقام لما هو الظاهر من تعريف الاصول من عموم الموضوع لسائر موضوعات المسائل لا خصوص الادلة الاربعة و يوهنه عدم انضباط امر الموضوع به للجهل بعنوانه و التزام جعل مناط التمايز بين العلوم هو اختلاف غاياتها و كلاهما ليس بشى‏ء بالنظر الى ما كان موهنا للاول و كيف كان فما اصطلح عليه القوم امثل و ما جرى عليه الاستاذ دام ظله ادق و اكمل و حيث عرفت امكان اشتراك المسائل فى الغرض الملحوظ بالمعنى المذكور (

فلاجل ذا قد يتداخل بعض العلوم فى بعض المسائل مما كان له دخل فى مهمين‏

) او اكثر (

لاجل كل منهما

) بل منها (

دون علم على حدة فيصير من مسائل العلمين‏

) بل العلوم كما عرفت فى المسألتين المتقدمتين (

لا يقال على هذا

) الذى ذكرت من كون الموضوع نفس موضوعات المسائل و ما يتحد معها و من امكان الاشتراك فى الدخل فى الفرض (

يمكن تداخل علمين فى تمام مسائلهما

) و يتصور ذلك (

فيما

) اى فى مقام كان (

هناك مهمان‏

) و غرضان (

متلازمان فى الترتب على جملة من القضايا

) بحيث لا يكاد يمكن انفكاكهما فيدون كل علم على حده مع وحدة جميع مسائلهما

5

موضوعا و محمولا لكفاية اختلافهما فى الفرض المترتب فى تحقق التمايز بين العلمين (

فانه يقال‏

) فى الجواب (

مضافا الى بعد ذلك او امتناعه عادة

) ان اختلاف الغرضين المهمين الذى به يكون تمايز العلمين محتاج الى الكاشف و الكاشف انما هو اختلاف المسائل اذ ظاهر الاتحاد اتحاد الغرض (

فلا يكاد يصح‏

) لاجل (

ذلك‏

) وضعا و لا يحسن طبعا (

تدوين علمين و تسميتهما باسمين‏

) بل الذى يحسن (

تدوين علم واحد يبحث فيه تارة لكلا المهمين و اخرى لاحدهما

) ما لم يكن هناك قدر جامع بين المهمين و مع وجوده فلا محيص عن تدوينه واحد الاتحاد الغرض (

و هذا بخلاف‏

) ما لو كان (

التداخل فى بعض المسائل‏

) و مثله ما لو نصب المدون قرينة عامة معينة للغرض المهم عند الشروع فى التدوين كاشفة عن اختلافه مع الغرض الآخر المترتب على العلم الآخر المتحد مع هذا العلم بحسب المسائل اذ مع نصب هكذا قرينة لا نتحاشى من الالتزام بحسنه (

فان حسن تدوين علمين‏

) حينئذ و تسميتهما باسمين مع نصب القرينة المذكورة و ان كانا متحدين فى جميع المسائل كحسنه فيما (

لو كانا مشتركين فى مسئلة أو أزيد

) مندرجة (

فى جملة مسائلهما المختلفة

) و قد دونا (

لاجل‏

) غرضين (

مهمين مما لا يخفى و قد انقدح‏

) و ظهر (

بما ذكرنا

) قوة ما افاده المصنف ايده اللّه تعالى (

من ان تمايز العلوم انما هو باختلاف الاغراض الداعية الى التدوين‏

) و ان اتحدت فيها الموضوعات و المحمولات لاطراد ما به الامتياز فيها و سلامته عن الاشكالات (

لا الموضوعات و لا المحمولات‏

) و ان اختلفت لما تقدم مما يتوجه عليه فلا ينفع فيه ما قدمنا من ان التعليل بالذاتى مقدم على التعليل بغيره إلّا ان ما افاده فى توهين ذلك بقوله (

و إلّا كان كل باب بل كل مسئلة من كل علم علما على حده كما هو واضح لمن له ادنى تأمل‏

) لا اراه موهنا اذ لا مانع من الالتزام بذلك و لذا تراهم فى كل باب من ابواب العلم بل فى كل مسئلة من مسائله المهمة يقدمون مقدمات قبل البحث فيها لتعيين موضوعها كما يقدمون ذلك قبل الشروع فى مقاصد العلم إلّا انه قد جرى ديدن القوم و استقر رأيهم‏

6

على عدم اعطاء العلوم الجزئية اسماء خاصة اذا كان هناك قدر جامع يجمعها بل يجعلون اسما واحدا بازاء ذلك القدر الجامع و الوجه اوضح من ان يخفى هذا مع ان من جعل مناط تمايز العلوم تمايز موضوعاتها لم يدع ان كل متمايز الموضوع علم مستقل ليرد عليه ذلك و انما يدعى ان كل علم مستقل متمايز الموضوع و هذا واضح نعم انما يوهنه لزوم الاشكالات الأخر و معها (

فلا يكون الاختلاف بحسب الموضوع او المحمول موجبا للتعدد

) مع وحدة الغرض المهم (

كما لا يكون وحدتهما

) اى الموضوع و المحمول (

سببا لان يكون من الواحد

) مع تعدده (

ثم انه‏

) لا يخفى عليك انه (

ربما لا يكون لموضوع العلم و هو الكلى المتحد مع موضوعات المسائل عنوان خاص و اسم مخصوص‏

) بل لا يوجد له ذلك على النحو المذكور فى علم من العلوم و مع ذلك (

فلا

) ضير فيه (

و يصح‏

) ان يشار اليه (

و يعبر عنه بكل ما دل عليه‏

) و لو بان يقال فى المقام هو ما يقع فى طريق استنباط الاحكام الشرعية و انما لم يحتج الى عنوان خاص (

بداهة عدم دخل ذلك فى موضوعيته اصلا و قد انقدح بذلك‏

) كله (

ان موضوع علم الاصول هو الكلى المنطبق على مسائله المتشتتة لا خصوص الادلة الاربعة

) كما ذكره القوم (

لا بما هى ادلة بل و لا بما هى هى‏

) مع قطع النظر عن وصفها العنوانى لأنه يلزم على التقدير الاول خروج البحث عن حجية السنة بناء على انها الخبر الحاكى عن قول المعصوم من مسائل العلم لانها باحثه عن عوارض الموضوع بعد الفراغ عن تحققه لوجوب كونه بينا فى نفسه او مبينا فى علم أعلى فلا يكون البحث عن ثبوته و تحققه من المسائل و خروج جملة من المسائل الأخر ايضا عن ذلك كمسائل الاجتهاد و التقليد و الأولوية و الاستقراء و غير ذلك و خروج الثانى خاصة على التقدير الثانى (

ضرورة ان البحث فى غير واحد من مسائله المهمة كما عرفت ليس من عوارضها و هو واضح‏

) بناء على ما تقدم من ان المراد بالسنّة نفس الخبر (

اما لو كان المراد بالسنة منها

) اى من الادلة (

نفس قول المعصوم او فعله او تقريره كما هو المصطلح فيها

) لزم ايضا عند المصنف ايده اللّه تعالى خروج كثير من‏

7

المسائل مضافا الى ما ذكر على كلا التقديرين (

لوضوح عدم البحث فى كثير من مباحثها المهمة كعمدة مباحث التعادل و التراجيح بل و مسئلة حجية الخبر الواحد

) عن عوارض السنة بل (

لا عنها و لا عن عوارض سائر الادلة

) الأخر و اما توجيه دخولها فى المسائل و كون البحث فيها عن العوارض (

برجوع البحث فيهما

) اى فى مباحث التعادل و التراجيح و مسئلة حجية الخبر (

الى البحث عن ثبوت السنة بخبر الواحد كما افيد

) فى كلام شيخنا العلامة المرتضى عند الكلام على حجية خبر الواحد و الى ان الاخذ (

باى الخبرين‏

) واجب فى (

باب التعارض فانه‏

) على هذا التقرير (

ايضا فى الحقيقة

) بحث عن حجية الخبر المثبت للسنة كما اجاب به جماعة من المحققين فهو عند المصنف ايده اللّه تعالى (

غير مفيد فان البحث‏

) عن ثبوت السنة بخبر الواحد بحث عن (

ثبوت الموضوع و ما هو مفاد كان التامة

) و هو محض التحقق و الثبوت و هذا مع خروجه عن المسائل من جهة لزوم كون موضوع العلم بينا او مبينا كما عرفت لا يجدى نفعا فى الجهة التى هى محل الكلام لانه (

ليس بحثا عن عوارضه‏

) اى الموضوع (

فانها

) اى الباحثية عن عوارض الموضوع (

مفاد كان الناقصة

) و هو نسبة المحمول الى الموضوع بعد الفراغ عن وجوده و تحققه كما فى سائر المسائل الباحثة عن العوارض (

لا يقال هذا فى الثبوت الواقعى‏

) مسلم إلّا انه غير مطرد قطعا (

و اما

) فى (

الثبوت التعبدى كما هو

) المقصود (

و المهم فى هذه المباحث فهو

) ممنوع لانه (

فى الحقيقة

) و نفس الامر بحث عن العوارض و لا محيص من ان (

يكون مفاد كان الناقصة فانه يقال فى الجواب نعم سلمنا

) ان ليس المراد الا الثبوت التعبدى و هو من العوارض قطعا (

لكنه مما لا يعرض السنة

) التى هى الموضوع بل يعرض الخبر الحاكى لها (

فان الثبوت التعبدى يرجع الى وجوب العمل على طبق الخبر كالسنّة المحكية به و هذا من عوارضه لا عوارضها كما لا يخفى و بالجملة الثبوت الواقعى ليس من العوارض و التعبدى و ان كان منها إلّا انه ليس للسنة بل للخبر فتامل جيدا

) و فى حاشية المصنف دام ظله على حجية الخبر فى رسالة حجية الظن‏

8

لشيخنا العلامة ما حاصله انه ان اريد الثبوت الواقعى فهو ليس من العوارض و ان اريد التعبدى فهو من عوارض مشكوك السنة لا نفس السنة انتهى و ما فى الكتاب اجود و يمكن ان يكون المراد فى كلا المقامين واحدا فتدبر و كيف كان ففيه ان الواقعيات التى نصبت الطرق اليها فى حال الشك لم يقيد موضوعها بالشك و انما المقيد هو موضوع الاصول العملية و معنى حجية الطرق و ان كان هو وجوب العمل على طبقها إلّا ان معنى ذلك هو وجوب البناء تعبدا على انها المحكى بها ليس إلّا الواقع الذى يئول الى وجوب ترتيب جميع آثار الواقع على المحكى بها لثبوت موضوعها بنفسه تعبدا و كما ان السنة الثابتة بالقطع انما تثبت بنفسها لا بما هى مقطوعة كذلك السنة الثابتة بطريق الظن القائم مقام القطع تثبت بنفسها تعبدا لا بما هى مشكوكة و اذا كانت صفة الاثبات لها من عوارض الحاكى فلا يعقل ان لا تكون صفة الثبوت من عوارض المحكى كما لا يعقل ان يكونا معا من عوارض الحاكى و القوم لما بنوا على ان الموضوع هو الدليل بما هو دليل و حسبوا ان السنة هى نفس الخبر اشكل عليهم الامر فى المسائل الباحثة عن حجية الخبر لما تقدم و هذا هو السر فى اختصاص الاشكال منهم فى المقام و لولاه لكان ما ذكروه هنا جاريا فى الاجماع و القرآن المنقولين بخبر لواحد حرفا بحرف مع انك لا تكاد ترى واحدا منهم توهم ذلك فى ذلك المقام فما افاده شيخنا العلامة المرتضى قده فى غاية القوة ثم (

لا يذهب‏

) عليك ان التوجيه الثانى فى مسئلة التعادل و التراجيح مبنى صحة و فسادا على التوجيه الاول اذ لا مناقشه من حيث رجوع البحث فيه الى ما ذكر سواء فسد المبنى أو صح إلّا انه مع الفساد لا يجدى نفعا هذا فيما لو كان المراد نفس قول المعصوم (

و اما اذا كان المراد بالسنّة ما يعم الخبر

) المتضمن (

حكايتها

) فلا يجدى فى رفع المحذور اما اولا فلما عرفت فى اول البحث و اما ثانيا (

فلان البحث فى تلك المباحث و ان كان عن احوال السنة بهذا المعنى إلّا ان البحث فى غير واحد من مسائلها كمباحث الالفاظ و جملة من غيرها لا يخص الادلة بل يعم غيرها

) كما هو الظاهر من عناوين المسائل فانهم لم يجعلوا العنوان فيها لامر الكتابى‏

9

مثلا أو أحد الادلة الأخر بل جعلوه مطلق الامر (

و ان كان من المعلوم‏

) ان ما هو العمدة (

و المهم‏

) لهم (

معرفة خصوصها كما لا يخفى و يؤيد ذلك‏

) اى كون مسائل الاصول ليست خاصه بما يبحث عن عوارض الادلة بذاتها و لا بعنوانها (

تعريف الاصول بانه العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الاحكام الشرعية

) فان ظاهره دخول كل مسئلة تقع فى طريق الاستنباط و يتمهد بها قاعدة لذلك فظهر و اتضح لك من جميع ما تقدم ان ما ذكرناه من كون الموضوع هو نفس موضوعات المسائل و ما يتحد معها هو الحق و ان غير ذلك خارج عن منهج السداد و هذا التعريف بناء على ما هو ظاهر القوم من خروج جملة من المسائل عن علم الاصول و انها ذكرت فيه استطرادا حسن (

و ان كان الاحسن و الاولى تعريفه بانه صناعة يعرف بها القواعد التى يمكن ان تقع فى طريق استنباط الاحكام او التى ينتهى اليها فى مقام العمل‏

) و الاولى زيادة اولا و بالذات بعد قوله يعرف بها ليخرج بها سائر العلوم التى يتوقف عليها معرفة هذه القواعد كالنحو و الصرف و المنطق و المعانى و البيان و غيرها و إلّا دخلت قطعا و كان التعريف غير مانع و زيد القيد الاخير ليدخل فيه ما لا يقع فى طريق استنباط حكم شرعى إلّا انه ينتهى اليه فى مقام العمل و هو من مسائل الاصول كمسألة حجيه خبر الواحد على مذهب المصنف دام ظله من ان المجعول فيه هو الحجية لا غير و كالظن على احد الوجهين و كمسائل الاصول العملية فى الشبهات الحكمية (

بناء على ان مسئلة حجية الظن على تقرير الحكومة و مسائل الاصول العملية فى الشبهات الحكمية

) من علم (

الاصول كما هو كذلك عند التحقيق ضرورة انه لا وجه لالتزام الاستطراد فى مثل هذه المهمات‏

) و اما مسائل الاصول العملية فى الشبهات الموضوعية فهى خارجة قطعا و لا وجه لذكرها الا الاستطراد و اقتضاء المناسبة ذلك كما لا يخفى‏

الامر الثانى [فى تعريف الوضع‏]

من الامور المذكورة فى تعريف (

الوضع و هو

) على الصحيح تعيين اللفظ للمعنى و تخصيصه به فان كان المعين و المخصص فاعلا بالإرادة و القصد فهو التعيينى و ان كان غير ذلك ككثرة الاستعمال مثلا فهو التعينى و السر فى ذلك مع ان التعيينى حاصل فى القسمين‏

10

ان اللفظ اذا عين لشي‏ء تعين لا محالة فيحصل فيه جهتان فان كان المعين فاعلا بالارادة نسب الوضع الى الجهة الاولى لدلالتها بمادتها و هيئتها على حال الفاعل و ان كان غير فاعل بالارادة نسب الى الجهة الثانية للدلالة بظاهره على انه غير مقصود هذا و اما ما افاده المصنف دام ظله فى تعريفه من انه (

نحو اختصاص اللفظ بالمعنى و ارتباط خاص بينهما ناشئ من تخصيصه به تارة و من كثرة استعماله فيه اخرى‏

) قال (

و بهذا المعنى صح تقسيمه الى التعيينى و التعينى كما لا يخفى‏

) ففيه ان الاختصاص و الارتباط من آثار الوضع لا الوضع أ لا ترى انهما لا يترادفان و لا يتصادفان على معنى واحد بخلاف الوضع و التعيين فيحسن ان تقول ان اختصاص اللفظ بالمعنى و تخصصه به ناشئ من وضعه له و لا يصح ان تقول ان تعيين اللفظ للمعنى ناشئ من وضعه له لان معناه ان التعييني نشأ من التعيين نعم هذا يصلح تعريفا للوضع بمعنى الموضوعية لا بمعناه المصدرى و كأن الذى دعاه الى هذا التمحل تصحيح تقسيمه الى القسمين و قد عرفت ان التقسيم على الوجه الذى ذكرناه فى غاية الصحة (

ثم ان‏

) للوضع اقساما تتفاوت معنى و عنوانا بتفاوت اللحاظ المعتبر فيه (

لان الملحوظ حال الوضع اما ان يكون معنى عاما

) بنفسه و عنوانه كالانسانية و الحيوانية و غيرهما او باوصافه و آثاره لعدم امكان الوصول الى تصور نفس عنوانه كالمبرئ للذمة و الناهى عن الفحشاء على القول بوضع لفظ الصلاة مثلا للصحيح فيوضع اللفظ له تارة ان وقف اللحاظ عنده و لوحظ مرئيا بنفسه و لافراده و مصاديقه اخرى ان نفذ اللحاظ منه و تعداه و قد لوحظ مرآة لغيره و يتصور وضع اللفظ عند تصور المعنى العام على انحاء و اقسام (

احدها

) ان يضع اللفظ بازاء ذلك المعنى العام المتصور المتوزع حصصا بحسب انبساطه حال وجود انه الخاصة مع قطع النظر عن كونه متوزعا او غير متوزع فيكون استعماله فى نفس المعنى العام لوضعه له بلا واسطة و فى كل حصة من حصصه الموجودة بالوجود الخاص لوضعه لها بواسطة وضعه للمعنى العام (

ثانيها

) ان يضع اللفظ بازاء كل حصة من تلك الحصص حال تشخصها بوجودها الخاص لا بقيد التشخص فيكون استعماله فيها بوضعه‏

11

لها بلا واسطة و استعماله فى المعنى العام بواسطة عكس الاول فيكون المعنى العام فى هذه الصورة مرآتا الى تلك الحصص ذات الوجودات الخاصة و الفرق بين هذا و ما قبله ليس إلّا بالاعتبار و إلّا فهما واحد كما لا يخفى (

ثالثها

) ان يضع اللفظ بازاء كل حصة من تلك الحصص المتشخصة بقيد تشخصها كوضع العلم لمعناه و يكون ذلك المعنى العام الكلى مرآتا بها يبصر تلك الوجودات الخاصة فيكون الفرق بين هذا القسم و بين الثانى اخذ قيد التشخص و عدم اخذه فى الموضوع له و بينه و بين المشترك اللفظى بحسب مصطلح القوم وحدة الوضع و تعدده لا غير فتكون اقسام الوضع من هذه الجهة مختلفة الحال قسم هو المشترك المعنوى و هو الاول و قسم هو المشترك اللفظى و هو الجامع لخصوصيتى اللفظ و المعنى مع تعدد الوضع على حسب تعدد المعانى و قسمان مستقلان برأسهما برزخ بين هذين القسمين إلّا ان واحدا منهما بالقسم الاول انسب و اليه اقرب و هو الوضع بحسب الوجودات الخاصة للحصص لا بقيد التشخص و الآخر بالثانى اشبه و ترتيب آثاره عليه اوجه و هو الوضع كذلك لكنه بقيد التشخص و بحسب اختلاف الحال تختلف الآثار حقيقة و مجازا و احتياجا الى القرينة المعينة او الصارفة او كليهما و استغناء و غير ذلك هذا كله فيما اذا كان المعنى الملحوظ عاما (

و اما

) حيث (

يكون معنى خاصا

) فهو (

لا يكاد يصح الا وضع اللفظ له دون العام فيكون الاقسام‏

) على ما ذكرنا اربعة و على ما ذكره المصنف ايده اللّه تعالى (

ثلاثة و ذلك‏

) لصحة تصور العام و وضع اللفظ بازاء افراده دون العكس (

لان العام يصلح لان يكون آلة

) و مرآة (

للحاظ افراده و مصاديقه بما هو كذلك‏

) لان الوضع انما يتوقف على معرفة المعنى بوجهها و يتصور العام تحصل هذه المعرفة (

فانه من وجوهها

) اى الافراد (

و معرفة وجه الشى‏ء معرفته بوجه‏

) و هو المطلوب و هذا (

بخلاف الخاص فانه‏

) لا يترتب على تصوره بعنوانه تلك المعرفة ضرورة انه (

بما هو خاص لا يكون وجها للعام و لا لسائر الافراد فلا يكون معرفته و تصوره معرفة له و لا

) معرفة (

لها اصلا

) و لو معرفة

12

(

بوجه‏

) و بيان ذلك على التحقيق هو انه من المعلوم ان استعمال اللفظ فى كل معنى من المعانى محتاج الى الوضع فاذا تعددت المعانى و تعدد الاستعمال فاما ان يتعدد الوضع او يتحد و الاول كما فى المشترك و اما الثانى فان عم جميع المعانى على نحو العموم الشمولى فى العام اللفظى فهو الوضع العام و الموضع له الخاص و السبب فى امكان تعميم الوضع فى هذه الصورة لجميع المعانى مع كثرتها و عدم احصائها و توقف الوضع على معرفة المعنى هو تمكن الواضع من معرفتها بوجهها و هو العام المتصور حين الوضع و ان عملها على نحو العموم البدلى فى اسماء الاجناس بالنسبة الى افرادها فهو الوضع العام و الموضوع له العام لعمومه لجميع المعانى بصدق معناه على كل واحد على البدل فهذا معنى وصف الوضع بالعموم و اما اذا اتحد الوضع و وصف بكونه خاصا لخصوصية المعنى المتصور و وحدته و عدم لحاظ غيره من المعانى لا بعضا و لا كلا لا شمولا و لا بدلا فكيف يعقل ان يكون الموضوع له مع هذه الملاحظة عاما و كيف يعقل ان يكون الواحد بما هو واحد اثنين او اكثر و كيف يمكن ان يكون مسمى عمرو موضوعا له لفظ زيد بوضعه الشخصى العلمى بسبب تصوره عند تصور مسمى زيد لو اتفق و بالجملة وصف الشي‏ء بوصفين متضادين فى آن واحد غير معقول و الى ما ذكرنا اشار المصنف دام ظله حيث قال فى رفع توهم صلوح الخاص لان يكون مرآة للعام (

نعم ربما يوجب تصوره تصور العام بنفسه فيوضع له اللفظ فيكون الوضع عاما كما كان الموضوع له عاما و هذا بخلاف ما فى الوضع العام و الموضوع له الخاص فان الموضوع له و هى الافراد لا يكون متصورا الا بوجهه و عنوانه و هو العام و فرق واضح بين تصور الشي‏ء بوجهه و تصوره بنفسه و لو كان بسبب تصور امر آخر و لعل خفاء ذلك على بعض الاعلام و عدم تمييزه بينهما كان موجبا لتوهم امكان ثبوت قسم رابع و هو ان يكون الوضع خاصا مع كون الموضوع له عاما مع انه واضح لمن كان له ادنى تأمل‏

) و ظاهر العبارة ربما يوهم فيه ان ما ذكره فارقا بين المقامين مؤيد لا مفسد ضرورة انه اذا كان عموم الوضع و خصوصه لعموم‏

13

التصور المعتبر فيه و خصوصه و كان تصور الشي‏ء بوجه ما و لو بسبب تصور شي‏ء آخر كافيا فى وضع اللفظ فلان يكون تصوره بنفسه كافيا احق و اولى لان المعرفة المتوقف عليها الوضع حينئذ اتم و اكمل إلّا ان لباب مطلبه و حقيقة مقصوده ما ذكرنا لان العمدة فى خصوصية الوضع و عمومه صحة كون الخاص بما هو خاص وجها للعام بما هو عام و هو غير معقول و انما المعقول حضور العام بنفسه فى الذهن عند حضور الخاص و هو لا يجدى نفعا و منه توهم المتوهم تربيع القسمة (

ثم انه‏

) لا يخفى ان جميع ما ذكر فى تقسيم الوضع و الموضوع له انما هو بحسب الوجود الذهنى و اما بحسب الوجود الخارجى فاعلم انه (

لا ريب فى ثبوت الوضع الخاص و الموضوع له الخاص كوضع الاعلام‏

) مختصا و مشتركا (

و كذا الوضع العام و الموضوع له العام كوضع اسماء الاجناس و اما الوضع العام و الموضوع له الخاص فقد توهم انه‏

) موجود فى الخارج و زعم جماعة من المحققين (

انه وضع الحروف و ما الحق بها من الاسماء

) كاسماء الاشارة و الموصولات و الضمائر و ربما قيل به او بما اشبهه فى وضع الفاظ العبادات كلفظ الصلاة و سيأتى إن شاء اللّه تعالى (

كما توهم ايضا ان المستعمل فيه خاص مع كون الموضوع له كالوضع عاما

) و فى المسألة وجوه احدها و ثانيها ما تقدم ثالثها ان يكون الوضع عاما و الموضوع له خاصا بمعنى آخر و هو ان الواضع تصور اولا معنى الابتداء و مفهومه للعام ثم وضع اللفظ بازائه باعتبار كونه آلة و مرآة لملاحظة حال المتعلق و انما كان الموضوع له حينئذ خاصا لان الماهية اذا اخذت مع تشخص لاحق لها كانت جزئية كذا قال فى الفصول و الفرق بين هذا و بين الوجه الاول ان الموضوع له فى الاول جزئى حقيقى و فى هذا الوجه جزئى اضافى و المقصود من قيد التشخص اللاحق للماهية هو ما تكون الماهية به اقل افرادا منها مع عدم القيد و ان كانت بالنسبة الى ما تحتها كلية ايضا رابعها ان حالها حال الاسماء فمعنى من و الابتداء و الى و الانتهاء واحد فيكون كل من الوضع و الموضوع له عاما خامسها ان هذه الحروف بمنزلة العلائم فمعنى قولنا من للابتداء انها علامة و آلة على حصول‏

14

هذا المعنى فى المتعلق و دلالة المتعلق عليه فتكون كقرائن المجاز فى عدم دلالتها بنفسها على شي‏ء لا فى نفسها و لا فى غيرها و انما تدل على ان المراد من اللفظ معناه المجازى سادسها ان هذه الحروف وضعت للدلالة على معانى متعلقاتها المحذوفة لا الموجودة لتعديتها و تعليقها بما بعدها فمعنى سرت من البصرة الى الكوفة سرت و ابتدأت بالسير من البصرة و انتهيت الى الكوفة و لو كان معناهما هو الابتداء و الانتهاء اللذان هما حالة بين السير و البصرة و الكوفة للزم حصول التكرار من التصريح بالفعلين المذكورين و كانت العبارة مستهجنة مع انها من الحسن بمكان فمن تدل على الابتداء الذى يدل عليه لفظ ابتدأت و ما اشبهه و الى تدل على الانتهاء الذى يدل عليه لفظ انتهيت و ما اشبهه و هكذا فصح انها تدل على معنى فى غيرها و انما وضعت كذلك طلبا للاختصار فى العبارة (

سابعها

) ان تكون موضوعة لمفاهيمها المقيدة بالامور المذكورة فى القول الثالث على ان يكون كل من القيد و التقييد خارجا عن المعنى معتبرا فيه ذكر ذلك بعض المحققين توجيها لقول من قال بوضعها للمفاهيم الكلية بما هى كلية بعد ان اختار غيره و الى ذلك ذهب الاستاذ المصنف دام ظله و اتقنه و احكمه بما لا مزيد عليه و لم يسبق اليه و بما ذكره اتضح بطلان سائر المذاهب فيها فقال (

و التحقيق على ما يساعد عليه النظر الدقيق ان حال المستعمل فيه و الموضوع له فيها

) اى فى الحروف (

حالهما فى الاسماء

) فى كونه مفهوما كليا و انما قلنا (

ذلك لان الخصوصية المتوهمة فى‏

) الموضوع له و المستعمل فيه التى دعت القائل الى القول بكونه خاصا (

ان كانت هى الموجبة لكون المعنى المتخصص بها جزئيا خارجيا

) فالوجدان قاض بفساده و مخالفته للواقع (

اذ من الواضح ان كثيرا ما لا يكون المستعمل فيه فيها

) اى فى الحروف (

الا كليا كما

) فى قولك سر من البصرة الى الكوفة فانه يصدق على كل مكان يمكن الابتداء به و الانتهاء اليه و لذا يحصل الامتثال من اى موضع سرى و الى اى موضع انتهى (

و لذا

) اى و لعدم التمكن من انكار تحقق هذا الاستعمال بل و لعدم التمكن من دعوى المجازية فيه (

التجاء بعض الفحول الى جعله جزئيا اضافيا

)

15

مدعيا ان معنى قولنا الموضوع له او المستعمل فيه خاص انما هو بالنسبة الى كلى فوقه و هو مفهوم الابتداء العام الغير المتخصص بمكان لا بالنسبة الى ما تحته و هو كما ترى اما اولا فلانه خروج عن الفرض ظاهرا و اعتراف بالمطلوب فى الجملة و اما ثانيا فلان تلك الخصوصية التى توهموا تقييد الموضوع له او المستعمل فيه بها ان كانت صالحة للتقييد كان المعنى لا محالة جزئيا خارجيا حقيقيا و ان لم تصلح لذلك كان المعنى هو المفهوم العام الكلى فالقول بوضعها للكلى من جهة الجزئى من اخرى تحكم بحت لا نرتضيه اذ لا دليل يقتضيه (

و ان كانت‏

) تلك الخصوصية المتوهمة (

هى الموجبة لكونه اى المعنى جزئيا ذهنيا

) فهو مسلم (

حيث انه لا يكاد يكون المعنى حرفيا

) و يخرج عن كونه اسميا (

إلّا اذا لوحظ حاله‏

) و عرضا (

لمعنى آخر و من خصوصياته القائمة به‏

) كمفهوم البصرة و الكوفة فى المثال المتقدم (

و يكون حاله كحال العرض‏

) فى عدم استقلاله بنفسه و عدم وجوده الا بوجود غيره (

فكما لا يكون‏

) الغرض (

فى الخارج الا فى الموضوع كذلك هو

) اى المعنى الحرفى (

لا يكون فى الذهن الا فى مفهوم آخر

) كما مثلنا (

و لذا قيل فى تعريفه‏

) اى الحرف (

بانه ما دل على معنى فى غيره فالمعنى‏

) الحرفى على هذا (

و ان كان لا محاله يصير جزئيا بهذا اللحاظ الآلي‏

) لانه يكون معنى آليا لوحظ ربطا بين المتعلقات فماهية الابتداء و مفهومه قد تشخصا بحسب الوجود الذهنى بهذا اللحاظ فلا يعقل مع هذا التشخص صدقه على فرد آخر كما لا يعقل صدق الماهية لتشخصه فى الخارج على غير مورد المتشخص و إلّا لم يكن مشخصا هف فلو قال القائل سر من البصرة و كرره الف مرة كان كل فرد فى الاستعمال اللاحق غيره فى الاستعمال السابق بحسب الوجود الذهنى لعدم امكان صدق المفهوم المقيد باللحاظ فى الاستعمال الاول على غيره فيحتاج فى الثانى الى لحاظ آخر مشخص و هلم جرا فاللحاظ الاول لا يكون اولا إلّا (

بحيث يباينه‏

) اللحاظ الثانى (

اذا لوحظ ثانيا كما لوحظ اولا

) بان كرر العبارة الاولى بعينها (

و لو كان‏

) المستعمل (

اللاحظ واحدا

) لوجود المناط فلا

16

يفرق الحال بين تعدده و وحدته إلّا ان هذا اللحاظ المشخص للماهية ذهنا الموجب لكون المعنى فى ظرف الذهن جزءا حقيقيا لا يعقل تشخص المفهوم به فى الخارج (

و لا يكاد يكون ماخوذا فى مفهوم المستعمل فيه‏

) لان اخذه فى المفهوم كذلك فرع امكان تحققه من حيث هو بحسب الوجود الخارجى و هو غير معقول لان المعنى المستعمل فيه لا بد و ان يكون ملحوظا للمستعمل حال الاستعمال و قد فرضناه بحسب الوجود الذهنى مقيدا بهذا اللحاظ فان كان بحسب الوجود الخارجى مقيدا ايضا فاما ان يكون اللحاظ الاستعمالى عين اللحاظ الماخوذ قيدا فى المستعمل فيه او غيره و على الاول فيلزم الدور و هو واضح و على الثانى يلزم عدم كون المستعمل فيه مقيدا باللحاظ قبل الاستعمال لا ذهنا و لا خارجا لان المفروض كما عرفت ان هذا القيد فى المستعمل فيه بحسب الوجود الذهنى لم ينشأ و يوجد الا بهذا اللحاظ الاستعمالى و قد قرضنا ان هذا بعينه هو الماخوذ قيدا فى الوجود الخارجى ففرض كونه غيره يلزمه ما ذكرناه او تعدد القيد المشخص بحسب الوجودين فى آن واحد فى عرض واحد و هو غير معقول و الى ما ذكرنا اشار المصنف بقوله (

و إلّا فلا بد من لحاظ آخر متعلق بما هو ملحوظ بهذا اللحاظ بداهة ان تصور المستعمل فيه مما لا بد منه فى استعمال الالفاظ و هو كما ترى‏

) هذا كله (

مع انه‏

) مع عدم تعقل تشخص المفهوم به و عدم تعقل وجوده فى الخارج (

يلزم بالضرورة ان لا يصدق على الخارجيات‏

) لان الابتداء الآلي الربطي بما هو كذلك كالانسان الكلى فيمتنع صدقه بما هو كذلك على الموجودات الخارجية (

لامتناع صدق الكلى العقلى عليها حيث لا موطن له الا الذهن‏

) فاذا امتنع صدقه (

امتنع امتثال‏

) الامر به فى (

مثل سر من البصرة

) الى الكوفة لعدم وجود السير و البصرة و الكوفة المقيدة فى الخارج (

إلّا بالتجريد و الغاء الخصوصية

) و هو كما ترى هذا كله (

مع انه‏

) لو سلمنا فلنا ان نجيب بالنقض و نقول (

ليس لحاظ المعنى حالة لغيره فى الحروف الا كلحاظه فى نفسه فى الاسماء و كما لا يكون هذا اللحاظ

) اى لحاظ كونه فى نفسه (

معتبرا فى المستعمل فيه فيها

) اى فى الاسماء

17

(

كذلك ذلك اللحاظ فى الحروف كما لا يخفى و بالجملة ليس المعنى فى كلمة من و لفظ الابتداء الا الابتداء فكما لا يعتبر فى معناه لحاظه فى نفسه و مستقلا كذلك لا يعتبر فى معناها لحاظه فى غيره و آلة و كما لا يكون لحاظه فيه موجبا لجزئيته فليكن كذلك فيها

) فان قلت فكما ان لحاظه فى نفسه و مستقلا لا يوجب جزئيته ذهنا فليكن لحاظ المعنى الحرفى حالة للغير و آلة ربطية كذلك فى عدم تشخص الماهية به فى الوجود الذهنى فما وجه الفرق بين اللحاظين قلت لا ريب فى انه اذا اخذ لحاظ المعنى الاسمى فى نفسه على حد اخذ لحاظ المعنى الحرفى فى غيره كان جزئيا ذهنيا كالمعنى الحرفى لا محاله و كيف يعقل ان لا يكون كذلك بهذا اللحاظ الذى لا يمكن تعدده فى آن واحد و لكنا نقول ان قولنا فى نفسه ليس قيدا وجوديا ككونه فى غيره بل هو امر عدمى و معناه لا فى غيره كما ان قولنا فى المطلق و المقيد ان رقبة من حيث هى مطلق و من حيث الايمان المعتبر فيها مقيد لا يوجب كون الحيثية الاولى قيدا بل المقصود انها كذلك من حيث عدم المقيد يعنى ان رقبة حال عدم القيد مطلق و لذا تفسر الحيثية بقولنا لا بشرط و لو كان ذلك قد اخذ على سبيل القيدية لوقع التعارض بين المطلق و المقيد بالضرورة لعدم اتصاف كل واحد بقيدين متضادين فكذلك المطلق و المقيد الذهنيين فليس قولنا فى نفسه و مستقلا كقولنا فى غيره و آلة بل الاول كالاول و الثانى كالثانى فظهر لك عدم ورود هذا النقض من المصنف دام ظله على احد بحسب الذهن و لا بحسب الخارج كما لا يخفى (

فان قلت على هذا

) البيان و التحقيق الذى ذكرت من عدم اخذ اللحاظ فى المعنى الحرفى قيدا للمفهوم و مشخصا له فى الوجود الخارجى (

لم يبق فرق بين الاسم و الحرف فى المعنى و لزم كون كلمة من و لفظ الابتداء مترادفين‏

) و اذا كانا مترادفين (

صح استعمال كل منهما فى موضع الآخر و هكذا سائر الحروف مع الاسماء الموضوعة لمعانيها و هو باطل بالضرورة كما هو واضح قلت الفرق بينهما

) فى كمال الظهور لكنه لا فى الجهات المتقدمة (

انما هو في‏

) اختلاف الغرض و الغاية من وضعيهما الموجب (

اختصاص كل منهما بوضع حيث انه وضع الاسم ليراد منه معناه بما هو هو و فى نفسه‏

) لا على‏

18

جهة القيدية كما عرفت و وضع (

الحرف ليراد منه معناه لا كذلك بل بما هو حالة لغيره كما مرت الاشارة اليه غير مرة فالاختلاف بين الاسم و الحرف فى الوضع‏

) المتمايز المختلف بحسب تمايز الغاية و اختلافها لا محاله (

يكون موجبا لعدم جواز استعمال احدهما فى موضع الآخر

) لعدم امكان تصادقهما مع هذه الحال (

و ان اتفقا فيما له الوضع‏

) اى المعنى الموضوع له و لا اظنك تتوهم امكان اخذ هذه الغاية فى الموضوع له قيدا

و

الحال انك‏

قد عرفت‏

مما حققناه (

بما لا مزيد عليه ان نحو ارادة المعنى لا يكاد يمكن ان يكون من خصوصياته و مقوماته‏

) هذا غاية ما امكن فى تاييد هذا المذهب و تشييده و التحقيق هو انه من المعلوم ان كل معنى من المعانى مما تمس الحاجة الى افهامه و انفهامه لا بد له من لفظ موضوع يقع به التخاطب فى المحاورات فلا بد لنا من سبر المعانى اولا و معرفة كليها من جزئيها و عامتها من خاصها و جوهرها من عرضها و اصليها من تبعها ثم تلحظ الالفاظ الموضوعة بازائها فيقرن اللفظ بذلك الوصف الثابت لذلك المعنى فنقول انا قد استقصينا تلك المعانى و سرناها فوجدنا بعضها جواهر مستقلة بنفسها و بعضها اعراضا مستقلة بالمفهوم غير مستقلة بالوجود و بعضها كليات و بعضها جزئيات و وجدناها كلها متأصله بالمفهوم و ما عدا الاعراض منها متاصله فى الوجود و وجدنا هناك معنى غير متاصل بالمفهوم و لا بالوجود فلا يعقل الا فى غيره و لا يوجد إلّا بغيره و ذلك هو المعانى الحرفية و بيانه انك اذا تصورت السير و تصورت البصرة رايت ان لكل واحد من لفظيهما معنى مستقلا مفهوما و وجودا ثم اذا تصورت ان السير له مبدأ و له نهاية و ان ذلك المبدأ و تلك النهاية بوصفيهما العنوانى لهما محل يتلبسان به و ان هذه الحالة اعنى حالة التلبس التى لا تتحقق إلّا بتحقق امور أربعة السر و المحل و السائر و المحل الذى يقابل محل اول السر و مبدئه و هو محل التلبس بآخر السير الذى هو النهاية وجدت هذه الحالة معنى من المعانى التى تشتد الحاجة الى التعبير عنها و التخاطب به ثم اذا سبرت الالفاظ لم تجد لفظا موضوعا له الا من و الى فعند ذلك تعقل ان معنى من فى سرت من‏

19

البصرة هو كون البصرة محل اول السير و مبدئه و معنى الى فى الى الكوفة كون الكوفة محل آخر السير و نهايته فلا تفهم من قولهم من للابتداء و الى للانتهاء الا هذا المعنى فاذا احطت خبرا بذلك علمت بالضرورة ان هذا المعنى لا يستقل بنفسه مفهوما و لا وجودا لتوقفه فى كليهما على الامور الاربعة فيكون معنى تبعيا صرفا لا تاصل له اصلا فتعلم حينئذ بالبداهة ان مدلول هذين الحرفين لا يتصف بنفسه بكليّةٍ و لا جزئيه و انما يتصف بهما تبعا لطرفيه فان كانا كليين كان كذلك كالمثل المذكور و ان كانا جزئيين كما فى قولك سيرى هذا من هذا المكان الى هذا المكان كان جزئيا و مما يزيد الامر وضوحا حتى يكاد يلحقه بالبديهيات النظر الى ما لو تشخص احد الطرفين دون الآخر كان تقول سيرى هذا من البصرة او سيرى من هذا المحل المعين فان المعنى الحرفى من جهة كونه حالة للخاص جزئى و من جهة كونه حاله للعام كلى ففى المثال الاول ان لوحظ بالنسبة الى مبدإ السير و اوله لم يشمل غير مبدإ هذا السير المشخص و بالنسبة الى محل تلبس المبدا يشمل كل موضع من البصرة يمكن ان يكون محلا و منه يظهر حال العكس فلو كان متأصلا لم يتصف بوصفين متضادين فى آن واحد و لا يشتبه عليك الحال فتقول حاله حال الجزئى الاضافى فى اجتماع الوصفين لان المقام مقام اجتماع الجزئية الحقيقية مع الكلية و هو غير معقول فيما له التأصل فى الوجود فعلم ان الوضع فيها عام بمعنى انه تصور الواضع مبدئية كل مكان لكل شي‏ء من كل مبتدى لكل نهاية و وضع اللفظ بازاء المعنى المتلبس بتلك المتعلقات على اختلافها اذ لا يعقل وجود قدر جامع بجمعها حقيقة بعد ان كان فى آن واحد من جهة كلى و من جهة جزئى حقيقى فيكون حالها نضير الصلاة بناء على الوضع للصحيح فى عدم امكان تصور مركب جامع اذ كل ما يتصور قابل لان يكون صحيحا من جهة فاسدا من اخرى فيكون هذا نحو وضع خاص على حده لا يتصف الموضوع له فيه بعموم و لا خصوص و ادل دليل على امكانه وقوعه هذا كله و لكن مراجعة التأمل و تدقيق النظر حكما بان ما افاده المولى الاستاد الاعظم شرف اللّه تعالى قدره هو الحق الذى لا محيص عنه و المذهب الذى من سلك غيره ضل‏

20

و عمدة منشإ الاشتباه هو النظر الى كونه موصوفا بالوصفين المتضادين فى ان واحد و سر توهم التضاد نخيل ان الحرف فيما اذا كان احد الطرفين عاما كالبصرة و الآخر خاصا كالسير المعين قد استعمل فى الحالة المتعلقة بالسير بخصوصها و ليس الامر كذلك بل هو لم يستعمل الا فى المفهوم الكلى المنطبق من جهة على نوع او صنف مثلا و من جهة على فرد فهو نضير ما لو قلت زيد و الانسان جسم او حيوان فاطلقت المفهوم فى ان واحد و اردت النوع و الفرد فلم يوضع الحرف الا للعام و لم يستعمل الا فى العام غاية الامر انه تارة يكون فى متعلقيه كليا و تارة فردا و اخرى فردا من جهة و نوعا من اخرى فاعط التامل حقه فانه دقيق (

ثم ان‏

) المصنف دام ظله لما ذكر وجه الفرق بين الاسم و الحرف حركته المناسبة على ان يوصل بذلك ذكر الخبر و الانشاء لاتحادهما عنده فى جهة الفرق فقال (

لا يبعد ان يكون الاختلاف فى الخبر و الانشاء ايضا كذلك‏

) اى كالاسم و الحرف فى اختلافهما لاختلاف غاية الوضع (

فيهما فيكون الخبر موضوعا ليستعمل فى حكاية ثبوت معناه فى موطنه‏

) ذهنا او خارجا فزيد قائم وضع لان يحكى به المخبر ثبوت القيام له فى الخارج و الانسان كلى وضع لان يحكى به ثبوت الكلية له فى الذهن و هذه النسبة هى معنى الخبر (

و الانشاء

) وضع ليستعمل فى قصد تحققه و ثبوته فاضرب زيدا موضوع ليستعمل و يقصد باستعماله ايجاد طلب الضرب و ثبوته بنفس هذا الانشاء (

و ان اتفقا فيما استعملا فيه فتأمل‏

) بحسب الخارج فكما ان النسبة الموضوع لها الخبر قد تطابق الخارج و قد تخالفه كذلك الموضوع له الانشاء بحسب المطابقة و المخالفة للواقع من حيث الوجود الخارجى ففى الانشاء يكون للطلب وجود انشائى و هو يحصل بانشاء الصيغة و هذا لا تخلف له ابدا لان ايجاده عين انشائه و وجود خارجى يتبع الواقع و هو بحسب الوجود الاول جزئى و بحسب الثانى كلى بخلاف الخبر فانه ليس له إلّا الوجود الخارجى (

فتامل‏

) فان لقائل ان يقول ان الخبر كالانشاء و ان للمحكى به و هو نسبة المحمول الى الموضوع ايضا وجودين وجود حكايتى و هو حاصل بمجرد الحكاية و وجود خارجى و هو يتبع الواقع‏

21

و الاول جزئى و الثانى كلى و دعوى الفرق غير واضحة الوجه (

ثم انه قد انقدح‏

) مما حققناه الى هنا كيفية وضع الاسماء الملحقة بالحروف و ان الامر فيها على ما حققه المصنف من الالحاق و انه يجب فضلا عن انه (

يمكن ان يقال‏

) فيها (

ان المستعمل فيه فى مثل اسماء الاشارة و الضمائر ايضا عام و ان تشخصه‏

) فى الخارج (

إنما تشاء من طور استعمالها

) لا من جانب وضعها (

حيث ان اسماء الاشارة وضعت ليشار بها الى معانيها

) فهذه الاشارة من غايات وضعها لا من مشخصات الموضوع له و مقوماته حين الوضع (

و كذا بعض الضمائر

) كضمير الغيبة و المتكلم وضعت كاسماء الاشارة (

و بعضها

) كضمير المخاطب وضع (

ليخاطب المعنى‏

) الموضوع له اللفظ (

و الاشارة و التخاطب‏

) اللذان هما غاية الوضع (

يستدعيان التشخص كما لا يخفى‏

) قال صاحب الاشراق فى محكى التلويحات فيما حكاه عن المعلم الاول لما رآه فى خلسته التى كانت شبه النوم و سأله عما اشكل عليه من علمه تعالى بذاته و اجابه حتى انتهى الى قوله له و انت تدرك ذاتك و هى مانعة للشركه بذاتها فليس هذا الادراك بالصورة فقلت ادرك مفهوم انا فقال مفهوم انا من حيث هو مفهوم انا لا يمنع وقوع الشركة فيه و قد علمت ان الجزئى من حيث هو جزئى لا غير كلى و هذا و انا و نحن و هو لها معان كلية من حيث مفهوماتها المجردة دون اشارة جزئيه انتهى (

فدعوى ان المستعمل فيه فى مثل هذا او هو او اياك انما هو المفرد المذكر و تشخصها انما جاء من قبل الاشارة او التخاطب بهذه الالفاظ اليه فان الاشارة و التخاطب لا يكاد يكون الا الى الشخص او معه غير مجازفة فتلخص مما حققناه‏

) و حققه المصنف دام ظله (

ان التشخص الناشى من قبل الاستعمالات لا يوجب تشخص المستعمل فيه مطلقا سواء كان تشخصا خارجيا كما فى مثل اسماء الاشارة

) نعم ربما يكون قرينة معينة للمراد (

او تشخصا ذهنيا كما فى اسماء الاجناس‏

) لان تشخصاتها الذهنية انما جاءت من قبل تعيناتها الذهنية لا من قبل الاستعمالات فان ارادة الشخص بحسب الذهن من رجل فى و جاء رجل من اقصى المدينة مثلا لا يوجب تشخص المستعمل فيه خارجا بل هو لم يستعمل الا فى الطبيعة و هكذا حال ساير المشخصات الذهنية العارضة لها

22

(

و

) مثلها (

الحروف و نحوهما من غير فرق فى ذلك اصلا بين الحروف و اسماء الاجناس و لعمرى‏

) ان (

هذا واضح و لذا ليس فى كلام القدماء من كون الموضوع له او المستعمل فيه خاصا فى الحرف عين و لا اثر و انما ذهب ذهب اليه بعض من تأخر و لعله لتوهم كون قصده بما هو فى غيره من خصوصيات الموضوع له او المستعمل فيه‏

) بناء على كونه خاصا او لتوهم ان له جهة استقلال بناء على كونه عاما (

و انما

) صدر ذلك (

غفلة عن ان قصد المعنى من لفظه على انحائه لا يكاد يكون من شئونه و اطواره و إلّا فليكن قصده بما هو هو و فى نفسه‏

) كما فى الاسماء (

كذلك مشخصا و هو كما ترى فتأمل فى المقام فانه دقيق و قد زلت فيه اقدام غير واحد من اهل التحقيق و التدقيق‏

)

الامر الثالث‏H3}~h3}

من الامور المذكورة اختلفوا فى ان (

صحة استعمال اللفظ فيما يناسب ما وضع له‏

) مناسبة تامة (

هل هو بالوضع‏

) لان امر الالفاظ توقيفى فيتوقف الاستعمال على الرخصة من الواضع (

او

) هو (

بالطبع‏

) فلا يتوقف على ذلك و لا على شي‏ء آخر عدا المناسبة المذكورة (

وجهان بل قولان‏

) اوجههما (

و اظهرهما انه بالطبع‏

) لا لما افاده دام ظله من ان ذلك ثابت (

بشهادة الوجدان بحسن الاستعمال فيه و لو مع منع الواضع عنه و باستهجان الاستعمال فيما لا يناسبه و لو مع ترخيصه‏

) و انه (

لا معنى لصحته الا حسنه‏

) لما ترى من حسن استعمال الفاظ كثيرة غير موضوعة لغة اصلا إلّا انه تعارف استعمالها فى المحاورات فبلغ من الحسن الى ان قيل فيه رب غلط مشهور خير من صحيح مهجور و استهجان استعمال الفاظ كثيرة موضوعة فى اصل اللغة إلّا انها مهجورة الاستعمال هذا فى الحقائق فكيف بالمجازات و الحاصل ان مناط الحسن و القبح مطلقا شهرة الاستعمال و قلته فالاستحسان و الاستهجان لا يدلان على انه وضعى او طبعى فلا نسلم الحسن فى المناسب اذا كان مهجورا و لا القبح فى غيره اذا كان مشهورا نعم الشاهد على ما ذكرنا انك لم تجد احدا من اهل التخاطب و المحاورات من الشعراء و الخطباء و سائر من له اهلية المحاورة من سائر اللغات فى جميع الاوقات لا مرئى‏

23

و لا مستمعا انه توقف فى مثل هذا الاستعمال على رخصة او سؤال او استند فيه الى وضع معلوم و لو بشاهد حال بل الكل يستعملون فى المناسب و هم فى غفلة عن تلك الجهة و اما تفسيره صحة الاستعمال بحسنه فلم اعرف مأخذه و انما هى موافقته للنهج العربى فى المحاورات (

و

) اذا عرفت ذلك فاعلم ان (

الظاهر ان صحة استعمال اللفظ فى نوعه او مثله من قبيله و ستأتى الاشارة الى تفصيله‏

) إن شاء اللّه تعالى‏

الامر الرابع لا شبهة فى صحة اطلاق اللفظ و ارادة نوعه‏H3}~h3}

من الامور المذكورة ينبغى ان يعلم ان المعانى قد تطلق و يراد بها ما يقابل الاعيان فيراد بها العرضيات و الاعراض كما يراد من الاعيان الجواهر و قد تطلق و يراد بها ما يقابل الالفاظ فيراد بها حينئذ ما يعم الجواهر و الاعراض كما يراد من الالفاظ ما يعم الحاكى و المحكى و قد تطلق و يراد بها مطلق مداليل الالفاظ فيراد بها حينئذ ما يعم الجواهر و الاعراض و الالفاظ المحكية بمثلها كما يراد بالالفاظ حينئذ خصوص الحاكى و النسبة ما بين المعانى ظاهرة اذا عرفت ذلك فاعلم انه (

لا شبهة فى صحة اطلاق اللفظ و ارادة نوعه‏

) به كما اذا قيل ضرب فعل ماضى فانه نوع لما يندرج تحته من التراكيب المتعددة مختلفة او متحدة (

او صنفه كما اذا قيل زيد فى ضرب زيد فاعل اذا لم يقصد به شخص‏

) هذا (

القول‏

) سواء قصد صنفه المتعدد المتحد فيكون المراد نفس هذا التركيب متكررا حسب الاشخاص و الاوقات او المختلف فيكون المراد نحو هذا التركيب مما تركب من فعل و فاعل هو زيد او هما معا و هو واضح (

او

) ارادة (

مثله كضرب فى المثال‏

) و هو ضرب زيد (

فيما اذا قصد

) شخص القول و مثله لفظ زيد بالقيد المذكور (

و قد اشرنا

) قريبا (

الى ان صحة الاطلاق كذلك و حسنه انما كان بالطبع لا بالوضع‏

) بل لا يعقل ان يكون بالوضع (

و إلّا

) لتسلسلت الاوضاع بتسلسل الحكايات و لو وقفت على حد و الحكايات متسلسلة دارت لتقدم الوضع على صحتها حسب الفرض لانها فرعه فلو صحت الحكاية الواقعة بعد الحد الذى انتهى اليه الوضع لزم تقدم الصحة عليه و هو الدور و كلاهما باطل و ليس هذا من قبيل الاوضاع النوعية فيقال انه يمكن ان يكون مثلها

24

فى الوضع بان يقول الواضع وضعت كل لفظ حاكى لكل لفظ محكى اذ ليس للحاكى هيئة خاصة يضع الواضع ما يندرج تحتها نوعا و هيئة حاكى من اوصاف اللفظ بعد الحكاية فهو من حيث الوضع اجنبى عنه و لان افراد العام فى النوعيات عرضية لا طولية ففى المقام يخرج اللفظ الحاكى لقول الواضع وضعت عن تعلق الوضع به و ليس هو من باب كل خبرى كاذب لان الوضع لا يتأتى بالتعليق على الطبيعة لو سلمنا صحة هذا الوجه و لا بتنقيح المناط بل المقام اشبه بمقام اوامر الطاعة حيث قلنا بعدم وجوب اطاعتها لنفسها و انها ارشادية و إلّا لزم التسلسل فتأمل فانه دقيق و ايضا لو احتاج الاطلاق المذكور الى الوضع (

كانت المهملات موضوعه لصحة الاطلاق كذلك فيها و الالتزام بوضعها كذلك كما ترى‏

) مما لا ينبغى الاصغاء اليه كما عرفت مضافا الى ان الحاكى للمهمل لا يكون اهم من المهمل مع مشاركته له فى وصف الاهمال بالمعنى المقصود منه فى اللفظ المحكى هذا و (

اما اطلاقه و ارادة شخصه كما اذا قيل زيد لفظ

) فلتصوره وجهان (

الاول‏

) ان يكون من باب كل خبرى صادق فيعم نفسه اما بالدلالة اللفظية بان يراد من ذلك ان طبيعة هذه الحروف اينما سرت لفظ او بتنقيح المناط و هو واضح (

الثانى‏

) ان يكون على نحو ارادة المعنى فى العلم الشخصى و حينئذ (

ففى صحته من دون تأويل نظر لاستلزامه اتحاد الدال و المدلول او تركب القضية من جزءين كما

) ذكره (

(فى الفصول) ببيان ذلك‏

) ان القضية اللفظية انما تحكى عن قضية خارجية و القضية الخارجية ذات اجزاء ثلاثة عين ثابته و معنى و صدور المعنى عن تلك العين و هذه ضرورية فلا بد فى القضية اللفظية الحاكية من لفظ يحكى تلك العين و يسمى الموضوع و أخر يحكى ذلك المعنى و يسمى المحمول و شي‏ء يحكى ذلك الصدور و يسمى النسبة و هى حمل ذلك المعنى على تلك العين و قد ظهر لك من ذلك وجوب تغاير الحاكى و المحكى و هما اللفظ الدال و المعنى المدلول لذلك اللفظ ثم ان عندنا قاعدتين عقليتين مطردتين يستحيل تخلفهما احداهما قاعدة تغاير الدال و المدلول اذ لا يعقل اتحادهما بما هما كذلك الثانية لزوم تركب القضية من اجزاء ثلاثة عقلا لا لما قدمنا لان ذلك‏

25

يفيد لزوم كونها ثلاثة صناعة بل لان المفروض ان احدها النسبة و لا يعقل وجودها بدون المنتسبين ثم ان هذه القضية و هى قولنا زيد لفظ لا شك فى كونها بظاهرها صحيحة تامة الفائدة غير موقوفة على شي‏ء فلا بد من تطبيقها على الصناعة و القاعدة العقلية و حينئذ فنقول الاخذ بظاهر هذه القضية يوجب انحزام احدى القاعدتين العقليتين لا محالة (

انه ان اعتبر دلالته‏

) اى زيد (

على‏

) شخص (

نفسه لزم‏

) انحزام القاعدة الاولى و هى قاعدة التغاير للزوم (

الاتحاد

) حينئذ بين الدال و المدلول و هو محال (

و إلّا

) اى و ان لم يعتبر دالا و حاكيا (

لزم‏

) انهدام القاعدة الاخرى و هى قاعدة التثليث للزوم (

تركبها

) اى القضية حينئذ (

من جزءين لان القضية اللفظية على هذا انما تكون حاكية عن المحمول و النسبة لا الموضوع فتكون القضية المحكية بها مركبة من جزءين مع امتناع التركيب الا من الثلاثة ضرورة استحالة ثبوت النسبة بدون المنتسبين‏

) محكية و حاكية لا يقال ان مع عدم احد المنتسبين يلزم انعدام النسبة رأسا لفرض توقف وجودها عليهما معا فيلزم تركب القضية من جزء واحد لانا نقول قد اشرنا سابقا الى ان الكلام فى المثال انما هو بعد الفراغ عن كون لفظ زيد الموجود منسوبا اليه المحمول قطعا و الغرض تصحيح كونه موضوعا صناعيا لا كونه موضوعا خارجيا لما عرفت من القطع بثبوت هذه الصفة له هذا غاية ما يمكن ان يقال فى شرح ما افاده فى الفصول فان قلت فهل ترى وجها لتصحيح هذه القضية من دون تأويل (

قلت يمكن ان يقال انه يكفى تعدد الدال و المدلول اعتبارا و ان اتحدا ذاتا فمن حيث انه لفظ صادر عن لافظه كان دالا و من حيث ان نفسه و شخصه مراد كان مدلولا مع ان حديث تركب القضية من جزءين لو لا اعتبار الدلالة فى البين انما يلزم اذا لم يكن الموضوع شخص نفسه و إلّا كان اجزائها الثلاثة تامة و كان المحمول فيها منتسبا الى شخص اللفظ و نفسه غاية الامر انه نفس الموضوع لا الحاكى عنه‏

) و توضيحه ان الصفات المتضادة بحسب المفهوم على قسمين قسم متضاد بحسب المصداق ايضا كالعلم و الجهل و العمى و البصر

26

و الجبن و الشجاعة و اشباهها و قسم متضاد بحسب المفهوم خاصه فقد يختلف مصداقا و قد يتحد كالشجاعة و الكرم و العلم و القدرة و اشباهها و منها صفات الواجب فانها مع اختلافها مفهوما عين ذاته فهو بعين ما هو عالم قادر و بعين ما هو قادر متكلم و هكذا و معانى الالفاظ ايضا على قسمين كما تقدم قسم مباين للفظ و هو المعانى الخارجية من الجواهر و الاعراض و قسم من سنخ اللفظ و قد عرفته قريبا اذا عرفت ذلك فاعلم ان صفتى الدالية و المدلولية فيما اذا كان المعنى غير اللفظ سنخا من القسم الاول من الصفات و فيما اذا كان من سنخ اللفظ كما فى المقام من القسم الثانى من الصفات فيجوز اتحادهما ذاتا و ان اختلفا مفهوما لاعتبارين مختلفين فزيد فى المثال باعتبار كونه صادرا من لافظه يتصف بالاولى و باعتبار كونه مرادا يتصف بالثانية و الحمل صحيح على كلا الاعتبارين لانه بالاعتبار الاول لفظ و بالاعتبار الثانى لفظ لما عرفت من انه اذا اتحد سنخ المعنى و اللفظ صح الحمل من كل وجه و مما ذكرنا يتضح لك غاية الوضوح عدم لزوم تركب القضية من جزءين لو سلمنا عدم اعتبار الدلالة لان ذلك انما يلزم لو كان المعنى المحكى غير الحاكى سنخا فلا يصح الحمل عليه بلا حاكى اما اذا اتحدا فى السنخية و صح الحمل و لو بلا حكاية لانه بما هو مدلول مثله بما هو دال فى صدق مفهوم اللفظ عليه فالقضية كاملة الاجزاء هذا غاية ما يمكن ان يقال فى توضيحه و فى النفس من كون هاتين الصفتين من القسم الثانى شي‏ء و المطلب محتاج الى مزيد التأمل (

فافهم فانه لا يخلو عن دقة

) و الاحسن هو الوجه الاول الذى ذكرناه فى المثال فانه سالم عن الاختلال (

و على هذا

) الوجه الذى ذكره المصنف لا الذى ذكرناه يتفرع انه اذا اطلق اللفظ و اريد به شخص نفسه (

فليس من باب استعمال اللفظ بشي‏ء بل يمكن ان يقال انه ليس ايضا من هذا الباب ما اذا اطلق اللفظ و اريد به نوعه او صنفه فانه‏

) حال اطلاقه (

فرده‏

) اى فرد نوعه او صنفه (

لا لفظه‏

) اى لفظ النوع او الصنف (

و ذاك‏

) اى النوع او الصنف (

معناه كى يكون مستعملا فيه استعمال اللفظ فى المعنى و

) حينئذ ففى هذه الأمثلة التى توهم فيها ثبوت الاستعمال‏

27

(

يكون اللفظ نفس الموضوع الملقى الى المخاطب خارجا

) بما هو نوع او صنف او فرد منهما (

قد احضر

) بهذا الالقاء (

فى ذهنه‏

) اى المخاطب بذاته (

بلا واسطة حاكى و قد حكم عليه ابتداء بدون واسطة

) حاكى (

اصلا

) لانه بنفسه كما عرفت عين الموضوع (

لا لفظه‏

) و الموضوع معناه ليتحقق الاستعمال فاتضح لك ان القضية ذات موضوع بلا لفظ حاكى لا ذات لفظ بلا معنى محكى (

كما لا يخفى فلا يكون فى البين لفظ قد استعمل فى معنى‏

) بل نوع او صنف (

او فرد

) احدهما (

قد حكم فى القضية عليه بما هو مصداق لكلى اللفظ لا بما هو خصوص جزئيه نعم فيما اذا اريد به فرد آخر مثله كان من قبيل استعمال اللفظ فى المعنى‏

) قلت انى لا ارى للتفرقة بين هذين الاطلاقين وجها يمكن الركون: اليه و لا لصحة الحكم فى القضية بلا واسطة حاك سندا يكون الاعتماد عليه و ستعرف قريبا إن شاء اللّه تعالى تحقيق ذلك و قد اراحنا فى الجملة عدول المصنف دام ظله بنفسه عن الفرق المذكور حيث قال (

اللهم إلّا ان يقال ان لفظ ضرب و ان كان فردا له‏

) اى لكلى النوع او الصنف (

إلّا انه اذا قصد به حكايته‏

) كما يقصد بالالفاظ الموضوعة للمعانى الخارجية حكايتها (

و جعل‏

) لفظ الحاكى و هو ضرب (

عنوانا له‏

) اى للنوع او الصنف المحكى (

و مرآته كان لفظه المستعمل فيه‏

) و كان النوع او الصنف معناه المراد منه (

و كان حينئذ كما اذا قصد به فرد مثله‏

) فى تحقق الاستعمال فيه و بالجملة فكيفية الاطلاق فيه على نحوين (

فاذا اطلق و اريد به نوعه‏

) بحيث يكون (

كما اذا

) اطلق (

و اريد به مثله كان من باب استعمال اللفظ فى المعنى‏

) و لا باس به (

و ان كان فردا منه و قد حكم فى القضية بما يعمه‏

) و هذا نحو من الاطلاق (

و ان اطلق ليحكم عليه بما هو فرد كليه و مصداقه لا بما هو لفظه و به حكايته فليس من هذا الباب‏

) اذ لا استعمال فيه اصلا و هو النحو الثانى منه (

لكن الاطلاقات المتعارفة ظاهرا ليست كذلك‏

) بل من النحو الاول (

كما لا يخفى و فيها

) اى الاطلاقات (

ما لا

) يمكن ان يكون من النحو الثانى و لا (

يكاد يصح ان يراد منه ذلك مما كان الحكم فى القضية

)

28

(

لا يكاد

) يمكن ان (

يعم شخص اللفظ كما فى مثل ضرب فعل ماضى‏

) فان شخص ضرب فى هذا التركيب لا يمكن ان يحكم عليه بانه فعل ماض لانه اسم و قد وقع مبتدا بل التحقيق ان جميع الأمثلة من هذا القبيل بيان ذلك ان القضية الخبرية تحكى بموضوعها عن الموضوع الواقعى و بمحمولها عن المحمول الواقعى و بنسبتها عن صدور المحمول عن الموضوع او انطباقه عليه و انتسابه اليه فالحمل فيها يستدعى تقدم هذه الاشياء لا محالة و من هنا كانت محتملة للصدق و الكذب و قيل انه لا بد للخبر من نسبة تطابقه أو لا تطابقه فاذا قلت زيد لفظ فان اردت حمل كلى اللفظ على زيد الصادرة حروفه منك فعلا فهو لا يعقل اذ لم يسبق لكلى اللفظ انتساب اليه و انطباق عليه فلا واقع له فتحكيه بهذا الحمل و كيف يعقل ان يكون موضوع القضية انشائيا و محمولها خبريا مضافا الى انها على هذا التقدير كاذبة ابدا لا يعقل احتمال الصدق فيها و ان اردت حمله على زيد الصادر منك لفظه فى موضع آخر فان كنت حاكيا بهذا اللفظ له صح الحمل و ثبت الاستعمال و ان لم تكن حاكيا له كان الحال كما لو حملت القيام و ما ماثله على ذات زيد الخارجية بدون حكايتها فقلت قائم و قصدت ذلك فيلزم تركب القضية من جزءين لا محاله بل من جزء واحد و لا ينفع الجواب المتقدم فتحقق ان جميع الأمثلة من واد واحد و ان المثال لا يمكن ان يراد به شخص نفس الموضوع الا على الوجه الاول‏

الامر الخامس‏H3}~h3}

من الامور المذكورة (

لا ريب فى كون الالفاظ موضوعه بازاء معانيها من حيث هى لا من حيث هى مرادة للافظها

) اى مستعمل اللفظ فيها (

لما عرفت من ان قصد المعنى على‏

) كل نحو من (

انحائه من مقومات الاستعمال فلا يكاد يكون من قيود المستعمل فيه‏

) لانه اذا كان من قيوده فان كان القصد الماخوذ قيدا عين المقوم للاستعمال لزم الدور لتوقف وجود كل على وجود الآخر و ان كان غيره فان لزم فى الاستعمال قصد المعنى بقيده لزم اشتراط القصد بالقصد و ان لزم قصده بنفسه لا بقيده فان كان ذلك استعمالا فيما وضع له لزم خلاف الفرض و هو المطلوب و ان كان فى غيره لزم المجاز و هو باطل لانفهام المعنى باول استعمال من‏

29

دون قرينة هذا ما يتراءى من ظاهر العبارة و فيه ان القصد فى الاستعمال و المستعمل فيه واحد و يحصل بينهما معا بمجرد حصول الاستعمال و يكون مراد القائل ان اللفظ وضع للمعنى بشرط ان يقصده المستعمل من اللفظ حال استعمال اللفظ فيه و لا ريب فى صحته و يمكن ان يكون مراده دام ظله ان الوضع للمعانى المقصودة باطل لاستلزامه الدور لان القصد لا يتحقق فيها الا باستعمال اللفظ ضرورة ان القيد هو كونها مقصودة للافظها فيتوقف الوضع على حصول الاستعمال المحصل لقيد المستعمل فيه و من المعلوم ان الاستعمال متوقف على الوضع فيدور و الظاهر ان مراد القائل بوضعها كذلك معنى آخر صحيح لا غبار عليه و هو ان الواضع انما وضع الالفاظ للمعانى لتقصد المعانى باستعمالها فيها فيكون قصدها غاية للوضع لا قيدا للموضوع و هذا معنى حسن لا شك فيه و لا ينبغى ان يتوهم فى القائل ارادة غير هذا المعنى من هذه العبارة لان قوله موضوعة للمعانى بما هى مرادة ان حمل على الوضع للمعانى المرادة بغير لفظ فهو لا يتفوه به من له ادنى مسكة و ان حمل على المرادة باللفظ المستعمل فيها فهو كسابقه اذ لا يخفى على احد استلزام ذلك لاستغناء اللفظ عن الوضع و لا يحتاج الى الزامه بالدور و الحق فى مرامه ما ذكرناه اذ لا ريب ان غرض الواضع من وضع الالفاظ استعمالها فى المعانى عن قصد فانظر الى نفسك فى وضعك اسماء اولادك تعرف ما الغاية فيه اذا عرفت (

هذا

) فلا حاجة الى الاطناب بذكر وجوه فساد هذا القول فيذكر (

مضافا الى‏

) ما سبق امرين آخرين احدهما (

ضرورة صحة الحمل و الاسناد فى الحمل بلا تصرف فى الفاظ الاطراف مع انه لو كانت موضوعة لها بما هى مرادة لما صح بدونه‏

) و انما كانت صحة الحمل و الاسناد كذلك ضرورية (

بداهة ان المحمول على زيد فى زيد قائم و المسند إليه‏

) اى الى زيد (

فى ضرب زيد مثلا هو نفس القيام و الضرب لا بما هما مرادان‏

) قلت هذا قد يئول الى المصادرة لانه ان اراد صحة الحمل و الاسناد كذلك عنده حيث يحمل و يسند فذلك لا يجدى نفعا لانه يحمل و يسند على رأيه و ان اراد الصحة فى محاورات العرف قلنا ان الاطراف فى‏

30

جميعا مقصوده حملا و اسنادا و طريقنا لدعوى الثبوت ظهور الحال و لا طريق له لدعوى العدم نعم اذا اثبت حملا و اسنادا فى المحاورات العرفية مقطوعا بعدم كون اطرافه مراده سلمنا له تماميته المطلوب و انى له بذلك لا يقال ان كلام من لا شعور له كله من هذا القبيل مع تحقق الدلالة فيه لانا نقول للقائل ان يجيب بان كلام غير القاصد لما كان يشبه كلام القاصد بحسب الصورة فيتوهم منه ما يشبه الدلالة و ليست دلالة حقيقيه وضعية هذا مع ما فى عد ضم امثال هذه القيود تصرفا من المسامحة لانها قيود معنوية لا لفظية فلا ضمها تصرف فى ظاهر الاطراف و لا عدمه سلامة للظاهر (

ثانيهما

) و هو العمدة ان هذا القائل لم يظهر منه و لم ينقل عنه مخالفة القوم فى باب اوضاع الالفاظ من حيث العموم و الخصوص (

مع انه يلزم‏

) على ما ذهب اليه هنا من تقييد المعانى جميعا بالارادة (

كون وضع عامة الالفاظ عاما و الموضوع له خاصا لمكان اعتبار خصوص ارادة اللافظين فيما وضع له اللفظ

) و هى مصداق مفهوم الارادة فيوجب تشخص المعنى فى الخارج لا محالة و لا تقل ان التقييد بالمفهوم لا بالمصداق (

فانه لا مجال لتوهم اخذ مفهوم الارادة فيه‏

) اذ المقيد امر خارجى فلا بد من وجود قيده خارجا و المفهوم بما هو مفهوم لا حظّ له فى ذلك (

كما لا يخفى‏

) هذا حال المحمول و المسند (

و هكذا الحال فى طرف الموضوع و اما ما حكى عن العلمين الشيخ الرئيس و المحقق الطوسى من مصيرهما الى ان الدلالة تتبع الارادة فليس ناظرا الى‏

) هذا القول و هو (

كون الالفاظ موضوعة للمعانى بما هى مرادة كما توهمه بعض الافاضل بل ناظرا الى ان دلالة الالفاظ على معانيها

) ذات جهتين تصورية و هى خطور المعنى فى الذهن بمجرد سماعه من اى لافظ كان و تصديقيه و هى اذعان النفس بكون مدلول الكلام مرادا للمتكلم و ان هذه الجهة الثانية تابعة للارادة و هذا فى غاية الجودة اذ لا شك ان دلالة الالفاظ على معانيها (

بالدلالة التصديقية اى دلالتها على كونها مرادة للافظها تتبع ارادتها منها و

) من ذلك يعلم انه (

يتفرع عليها تبعية مقام الاثبات‏

) و هو حكم السامع بكون المتكلم اراد هذا المعنى من هذا الكلام لمقام (

الثبوت‏

)

31

و هو كون المتكلم مريدا له (

و

) يعلم ايضا (

تفرع الكشف‏

) بالكلام الظاهر فى كون المعنى مرادا (

على الواقع المكشوف فانه لو لا الثبوت فى الواقع لما كان للاثبات و الكشف و الدلالة مجال و لذا

) اى و لجهة الدلالة التصديقية (

لا بد من احراز كون المتكلم بصدد الإفادة فى اثبات ارادة ما هو ظاهر كلامه و دلالته على الارادة و إلّا

) اى و ان لم يحرز كونه بصدد الإفادة (

لما كانت لكلامه هذه الدلالة

) و هى التصديقية (

و ان كانت له الدلالة التصورية

) لان مناطها فى الكلام محرز (

و هو كون سماعه موجبا لاحظار معناه الموضوع له‏

) فى ذهن السامع (

و ان كان من وراء الجدار او من لافظ بلا شعور و لا اختيار

) (

فان قلت على هذا

) الذى ذكرت فى معنى الدلالة التصديقية و لوازمه (

يلزم ان لا يكون هناك دلالة عند الخطاء

) فى الكلام الصادر من المتكلم (

و

) عند (

القطع‏

) بما ليس بمراد (

و

) عند (

الاعتقاد بارادة شي‏ء و لم يكن له من اللفظ مراد

) اى نعتقد ان المتكلم اراد شيئا إلّا انه لم يكن ذلك الشي‏ء مرادا له من هذا اللفظ فلا تكون له على هذه التقادير الدلالة التصديقية و هذا قاض بكون لفظ مراد فى المتن منصوبا و هو فى نسختى مرفوع و عليه فهو فاعل لم يكن و هى تامة و الامر سهل (

قلت نعم‏

) هو مسلم و بطلان التالى ممنوع ففى هذا النحو من الكلام و اشباهه (

لا يكون حينئذ دلالة بل يكون هناك‏

) الالتزام بها جهالة و ضلالة يحسبها الجاهل دلالة (

و لعمرى‏

) ان (

ما افاده العلمان‏

) ابن (

سينا و الطوسى من التبعية على ما بيناه واضح لا محيص عنه و لا يكاد ينقضى تعجبى كيف رضى المتوهم ان يجعل كلامهما ناظرا الى ما لا ينبغى صدوره عن فاضل فضلا عمن هو علم فى التحقيق و التدقيق‏

)

الامر السادس لا وجه لتوهم وضع للمركبات غير وضع المفردات‏H3}~h3}

لا يخفى انهم بعد الاتفاق على تحقق الوضع فى المفردات اختلفوا فى ثبوته للمركبات و السبب فى اختلافهم ما رأوه من ثبوت انواع المجاز فى المركبات حال استعمال افرادها فى معانيها الحقيقية و من القواعد المسلمة فيما بينهم ان المجاز تابع للحقيقة فما ليس له معنى حقيقى لا يمكن ان يكون له معنى مجازى كما هو شان المتضايفين فذهب بعض الى ثبوته فيها مطلقا و بعض الى عدمه مطلقا و فصل ثالث بين وضع المواد

32

و الهيئات فنفاه فى الاول و اثبته فى الثانى و هو الحق و اليه ذهب الاستاد دام ظله فقال (

لا وجه لتوهم وضع للمركبات غير وضع المفردات‏

) الكافى فى اداء كل مقصود لدى المحاورات (

ضرورة عدم الحاجة

) حينئذ (

اليه بعد وضعها بموادها فى مثل زيد قائم‏

) من الجمل الاسمية (

و ضرب عمر و بكرا

) من الجمل الفعلية وضعا (

شخصيا

) و بعد وضعها (

بهيئاتها المخصوصة

) الناشي اختصاصها (

من خصوص حركات اعرابها

) مثل هيئات الافعال القاضية بكون بعضها ماضيا و آخر مستقبلا و آخر حالا و كذا الاسماء فاعلا و مفعولا و مبتدأ و هكذا وضعا (

نوعيا و منها

) اى و من الهيئات (

خصوص الهيئات‏

) الحالة (

فى المركبات‏

) مبتدأ و خبرا و فعلا و فاعلا و معلوما و مجهولا اخبار او انشاء و هكذا (

الموضوعة لخصوصيات النسب و الاضافات‏

) و هى كل فرد من نوع نسبة فعل الى فاعل او مفعول نائب منابه او خبر الى مبتدإ (

بمزاياها الخاصة من تأكيد

) بالفاظه الموضوعة له (

و حصر

) كذلك (

و غيرهما

) من سائر المقومات و المكملات من انواع البديع وضعا (

نوعيا

) فاذا كانت مواد المفردات و الهيئات بقسميها موضوعه اغنى ذلك قطعا عن وضع مواد المركبات و صحت فيها المجازات لانها انما تكون فى الهيئات (

بداهة ان وضعها كذلك واف بتمام المقصود منها كما لا يخفى من غير حاجة الى وضع آخر لها بجملتها مع استلزامه الدلالة على المعنى تارة بملاحظة وضع نفسها و اخرى بملاحظة وضع مفرداتها و لعل المراد من العبارات الموهمة لذلك هو وضع الهيئات على حدة

) و هو الحق كما عرفت و يؤيده استدلالهم على ذلك بحصول التجوز فيها مع انه تابع للوضع فان التجوز انما يكون فى الهيئات (

لا

) ان مرادهم (

وضعها بجملتها علاوة على وضع كل منها

)

الامر السابع‏ من الامور المذكورة

(

لا يخفى ان‏

) القوم ذكروا لمعرفة المعنى الحقيقى للجاهل بالوضع علامات بها يمتاز عن غيره منها (

تبادر المعنى من اللفظ و انسباقه الى الذهن من نفسه و بلا قرينة

) فانه (

علامة كونه حقيقة بداهة انه لو لا وضعه له لما تبادر لا يقال كيف يكون علامة مع‏

) استلزام كونه كذلك للدور الباطل ضرورة (

توقفه على العلم بانه موضوع له كما هو

)

33

(

واضح فلو كان العلم به‏

) كما هو معنى كون التبادر علامة (

موقوفا عليه لدار فانه يقال‏

) فى الجواب العلم (

الموقوف عليه‏

) التبادر (

غير

) العلم (

الموقوف عليه‏

) فى التبادر لتغايرهما بالتفصيل و الاجمال ان كان التبادر المجعول علامة هو تبادر نفس المستعلم الجاهل فعلا (

فان العلم التفصيلى بكونه موضوعا

) له (

موقوف على التبادر و هو موقوف على العلم الاجمالى الارتكازى‏

) فى خزانة خاطر المستعلم الناشئ عن سبق علم تفصيلى مع الغفلة عنه لعدم الاستعمال لا العلم التفصيلى فعلا (

فلا دور به‏

) قلت انه ان كان تبادر المستعلم حال كونه ملتفتا الى علمه الاجمالى لم يكن التبادر موجبا للعلم بالوضع و علامة له و انما هو كاشف عن سبق العلم التفصيلى به المستند الى غيره و ان كان حال كونه غافلا فان كان غافلا حتى عن التبادر فهو خلاف فرض كونه مستعلما و التبادر علامة له و ان كانت هذه الصورة بنفسها صحيحة واقعة فى الخارج كما ترى الانسان فى اثناء الاعمال الطويلة قد يغفل عن كونه فى عمل مع صدوره فى حال الغفلة مرتبا كما هو و من ذلك قلنا بصحة الاعمال المشروطة بالنية و ان غفل فى اثنائها و قلنا بوجوب قصد سورة معينه بالبسملة ثم ذهبنا الى صحة ما لو جرى على لسانه بسملة و سورة و هو غافل حتى اتمها او فى اثنائها و ان كان ملتفتا الى تبادره كما هو مفروض المسألة لانه مستعلم فالالتفات الى التبادر حينئذ مع الغفلة عن العلم الاجمالى غير معقول و مع الالتفات يرجع الى الشق الاول و قد عرفت ما فيه (

هذا اذا كان المراد به التبادر عند المستعلم‏

) كما عرفت (

و اما اذا كان المراد التبادر عند

) الغير من (

اهل المحاورة فالتغاير اوضح‏

) من ان يخفى لاختلاف العلم الموقوف عليه التبادر مع الموقوف على التبادر باختلاف العالم (

ثم ان هذا فيما لو علم استناد الانسباق الى نفس اللفظ

) لا ريب فيه كما عرفت (

و اما فيما احتمل استناده الى قرينة فلا يجدى‏

) على الاصح (

اصالة عدم القرينة فى احراز كون الاستناد

) فى التبادر (

اليه لا اليها كما قيل‏

) سواء كانت اصلا موضوعيا او طريقا (

لعدم الدليل على اعتبارها الا فى احراز المراد لا الاستناد ثم ان‏

) اصالة عدم استناد التبادر الى القرينة لا يجدى ايضا

34

لانه ان كان الشك فى الاستناد ناشئا عن الشك فى القرينة فهو لا يجرى لحكومة الاصل الجارى فى السبب عليه و ان كان ناشئا عن شي‏ء آخر غير الشك فى القرينة فهو و ان كان مجرى للاصل المذكور و لو مع القطع بوجود القرينة إلّا انه لا يجدى فى هذا الاثر لانه مثبت كما لا يخفى و منها (

عدم صحة سلب اللفظ بمعناه المعلوم المرتكز فى الذهن اجمالا كذلك عن معنى‏

) فانها (

تكون علامة كونه حقيقة فيه كما ان صحة سلبه عنه علامة كونه مجازا فى الجملة (و التفصيل)

) فى المقام على وجه يتضح به المرام و تنكشف به ظلمات الاوهام و يغنيك على اختصاره عما اطنبت به العلماء الاعلام (

ان عدم صحة السلب عنه و صحة الحمل عليه بالحمل الاولى الذاتى و هو حمل هو هو الذى كان ملاكه‏

) و مناطه فى المقام (

الاتحاد مفهوما علامة كونه نفس المعنى‏

) كما اذا شككت فى ان الحيوان الناطق معنى حقيقى للفظ الانسان اولا فان عدم صحة سلب لفظ الانسان بمعناه عنه بان تقول الحيوان الناطق ليس بانسان و صحة الحمل عليه حملا ذاتيا بان نحذف حرف النفى علامة كون الحيوان الناطق معنى حقيقيا للفظ الانسان و انه نفس المعنى الموضوع له لا فرد من افراده (

و بالحمل الشائع الصناعى الذى ملاكه الاتحاد وجودا

) لا موجودا و هو حمل الكلى على الفرد من حيث تحقق الطبيعة فيه (

بنحو من انحاء الاتحاد علامة كونه من مصاديقه و افراده الحقيقية

) و المثال ما تقدم بابدال موضوع الجملة بلفظ زيد مثلا (

كما ان صحة سلبه كذلك علامة انه ليس منها

) لا بما هو هو و لا بما هو فرد من كلى فان قلنا بان اطلاقه عليه حينئذ من باب المجاز فالامر واضح (

و ان لم نقل بان اطلاقه عليه من باب المجاز فى الكلمة بل‏

) قلنا هو (

من باب الحقيقة و ان التصرف فيه فى امر عقلى كما صار اليه السكاكى‏

) فلا منافات فيه لما ذكرنا لان نفى الحقيقة الواقعية لا ينافيه اثبات الحقيقة الادعائية (

و

) مما ذكرنا فى مسئلة التبادر تعلم ان [ (

استعلام حال اللفظ

)] من حيث الوضع [ (

و انه حقيقة او مجاز بهما

)] اى بصحة السلب و عدمها [ (

ليس على وجه دائر

)] يلزم فيه توقف الشي‏ء على نفسه [ (

لما عرفت‏

)] مفصلا [ (

فى التبادر من التغاير بين الموقوف‏

)]

35

فى كل من الطرفين [ (

و الموقوف عليه‏

)] من الجانبين [ (

بالاجمال و التفصيل‏

)] و قد عرفت ما فيه [ (

و الإضافة الى المستعلم و العالم فتأمل جيدا ثم انه‏

)] لا يخفى عليك ان المصنف دام ظله قد ذكر فى المقام فى قبال عدم صحة السلب التى هى علامة الحقيقة صحته التى هى علامة المجاز و لم يذكر فى التبادر ان تبادر الغير علامة المجاز و لعل السر واضح لان مطلق تبادر الغير اعم لاحتمال كونه غلطا و قد تبادر السامع غيره او ضعيف العلاقة و تبادر ما هو اقوى منه فيها لسبقه الى الذهن او فردا من المشترك قد قل استعماله فيه جدا فتبادر الاشهر استعمالا او فردا غير شايع من المطلق و قد تبادر الشائع فاذا كان اعم فلا دلالة للعام على الخاص بوجه (

ثم انه قد ذكر الاطراد و عدمه علامة للحقيقة و المجاز ايضا

) و هو بظاهره غير وجيه (

و لعله بملاحظة نوع العلائق المذكورة فى المجازات‏

) حكموا بان عدم الاطراد علامة له (

حيث‏

) انه (

لا يطرد صحة استعمال اللفظ معها

) لاشتراط الاستعمال بشروط مذكورة فى محالها و لا يكفى فيه تحقق مطلق نوع العلاقة (

و إلّا فبملاحظة خصوص ما يصح معه الاستعمال‏

) من ذلك النوع (

فالمجاز مطرد كالحقيقة

) فلم تكن العلاقة فارقه فتسقط (

و زيادة قيد من غير تأويل او على وجه الحقيقة

) ليكون الاطراد المقيد بذلك علامة كما فعله فى الفصول (

و ان كان موجبا لاختصاص الاطراد كذلك بالحقيقة إلّا انه حينئذ

) مسقط لها عن كونها علامة بالمرة لوضوح انه (

لا تكون‏

) على هذا التقدير (

علامة لها الا على وجه دائر

) لا مفر عنه (

و لا يتاتى التفصى عن الدور بما ذكر فى التبادر هنا ضرورة انه مع العلم يكون الاستعمال حقيقة لا يبقى مجال استعلام حال الاستعمال بالاطراد و غيره‏

) لحصول العلم التفصيلى للمستعلم حينئذ و انما دفعنا الدور هناك بان علمه الموقوف عليه التبادر اجمالى قلت يمكن ان يكون الاطراد و عدمه علامتين بمعنى آخر و هو ان الجاهل بالوضع المستعلم حال اللفظ بالنسبة الى معنى من المعانى ينظر الى المحاورات العرفية فاذا راى ذلك اللفظ مستعملا بينهم من كل شخص فى كل وقت فى ذلك المعنى كان ذلك علامة

36

كونه حقيقة و اذا رآه مستعملا من شخص دون شخص و فى وقت دون آخر كان ذلك علامة المجاز ضرورة ان ما عليه العرف فى محاوراتهم هو اطراد استعمالهم الالفاظ فى معانيها الحقيقية و اما المعنى المجازى فان علاقته و ان كانت اقوى العلائق لا يستعمل فى كل وقت و من كل شخص أ لا ترى الى قوله تعالى‏ وَ سْئَلِ الْقَرْيَةَ فما احسنه من مجاز و مع ذلك لم يطرد على كل لسان و فى كل زمان و كذلك سائر المجازات و المتتبع للمحاورات يرى هذا المعنى فيما بينهم عيانيا فان قلت ان اطراده كذلك اما مع القرينة على اطلاقه على هذا المعنى المستعلم فهو مجاز و بدونها قطعا فهو تبادر يغنى عن النظر الى كونه مطردا اولا او مع الشك فى القرينة فقد مر ان اصالة عدمها لا اثر لها فى اثبات الوضع فينحصر فى الوجهين الاولين و قد عرفت حالهما قلت المقصود هو الشق الثالث الا انا نقول اذا اطرد استعماله الى ان زال الشك عرف فى آن زوال الشك انه حقيقة فظهر ان الاطراد و عدمه علامتان سالمتان حتى عن توهم لزوم الدور كما فى الاولتين‏

الامر الثامن من الامور المذكورة

لا يخفى (

انه للفظ احوال خمسة و هى التجوز و الاشتراك و التخصيص و النقل و الاضمار

) هذا بالنسبة الى دوران الامر بينها و بين الحقيقة فانه (

لا يكاد يصار الى احدها فيما اذا دار الامر بينه و بين المعنى الحقيقى إلّا بقرينة صارفة منه اليه و اما

) بالنسبة الى دوران الامر بينها خاصة فهى ستة سادسها التقييد فانه لا يوجب التجوز فى المطلق فلا يدور الامر بينه و بين المعنى الحقيقى هذا و لا يذهب عليك ان التخصيص كالتقييد عند المصنف فى عدم لزوم التجوز منه كما سيجى‏ء و هو الحق فلا وجه لذكره خاصة دون التقييد فان كان بلحاظ مذهب المشهور فهما فيه سواء ايضا اللهم إلّا ان يكون مراده و مراد غيره من التخصيص ما يعم التقييد و لعل هذا هو الاظهر (

فاذا دار الامر بينها

) خاصة (

فالاصوليون و ان ذكروا لترجيح بعضها على بعض وجوها إلّا انها استحسانية لا اعتبار بها إلّا اذا كانت موجبه لظهور اللفظ فى المعنى لعدم مساعدة دليل على اعتبارها بدون ذلك كما لا يخفى و لعل نظرهم الى حجية الظن فى باب الالفاظ فارادوا بيان اسباب‏

)

37

(

حصوله لبعد غفلتهم عن ان الترجيح لا يثبت بالمرجحات الاستحسانية فتأمل جيدا

)

الامر التاسع‏ لا يخفى عليك انه اختلفوا فى ثبوت الحقيقة الشرعيةH3}~h3}

(

و عدمه على اقوال و قبل الخوض فى تحقيق الحال لا باس بتمهيد مقال و هو ان الوضع التعيينى كما يحصل بالتصريح بانشائه‏

) القولى بان يقول فى مقام انشاء الوضع وضعت هذا اللفظ لهذا المعنى (

كذلك يحصل‏

) بانشائه الفعلى و انما يكون ذلك (

باستعمال اللفظ فى غير ما وضع له‏

) بحيث يكون كما اذا استعمله فيه (

و قد وضع له‏

) و لا يكون ذلك إلّا (

بان يقصد الحكاية عنه و الدلالة عليه بنفسه لا بالقرينة و ان كان لا بد حينئذ من نصب قرينة إلّا انه‏

) يجب ان يعلم ان القرينة المنصوبة على ثلثه اضرب الاول القرينة الدالة على ان المقصود بهذا الاستعمال انشأ الوضع الثانى القرينة الدالة على ان هذا المعنى المستعمل فيه بلا قرينة غير ما وضع له الثالث القرينة الدالة على ان المراد من هذا اللفظ المعنى الغير الموضوع له فان كانت القرينة المشار اليها التى حكم المصنف دام ظله بانه لا يد من نصبها هى الاولى فهذا لا شك انه من التصريح بالوضع غايتها انه بإنشاء فعلى و ان كانت هى الثانية اى التى نصبت (

للدلالة على ذلك‏

) المعنى الذى عرفته و هو كون المستعمل فيه بلا قرينة غير ما وضع له فهذه لا دلالة لها على ان الاستعمال انشاء كما كان كذلك فى الاولى و (

لا على ارادة المعنى كما فى‏

) الثالثة و إن كانت هى الثالثة فهى قرينة (

المجاز فافهم‏

) فان الفرق بين الضربين الاخيرين لا يخلو عن عن دقة (

و

) قد ظهر ان ما ذكره دام ظله من ان (

كون استعمال اللفظ فيه كذلك فى غير ما وضع له بلا مراعاة ما اعتبر فى المجاز فلا يكون‏

) متصفا (

بحقيقة

) لعدم سبق الوضع (

و لا بمجاز

) لما عرفت (

غير ضائر

) لا يتجه لان الاستعمال على الوجه الاول مع القرينة الدالة على كونه انشاء للوضع يكون حقيقة لما عرفت من ان الوضع كما يحصل بالقول الانشائى يحصل بالفعل الانشائى بل عامة الاوضاع من القسم الثانى أ لا ترى الى وضعك لاسماء اولادك و انك اذا اردت ذلك ناديتهم او خاطبتهم بالاسم الذى تعينه فى نفسك و اما الاستعمال مع القرينة على الوجه الثانى فالظاهر انه كالاول لان الاستعمال فى غير الموضوع له بلا علاقة و لا قرينة مجاز مع نصب‏

38

قرينة تدل على انه وقع كذلك يدل على ان المقصودية الوضع لا يقال ان الاستعمال كذلك بلا وضع (

بعد ما كان مما يقبله الطبع و لا يستنكره و قد عرفت سابقا انه فى الاستعمالات الشائعة فى المحاورات ما ليس بحقيقة و لا مجاز

) كاطلاق اللفظ و ارادة مثله و كذلك فى غير الشائعة كاطلاقه و ارادة نوعه او صنفه يكون اعم من كونه انشاء وضع و عدم كونه كذلك و لا دلالة للعام على الخاص بوجه لانا نقول ان وجود مثل هذا الاستعمال فى باب اطلاق الالفاظ و ارادة امثالها نوعا او صنفا او فردا لا يجدى اصلا و انما يجدى اذا اطلقت و لو فى مورد واحد على المعانى الخارجية من الجواهر و الاعراض على نحو هذا الاطلاق و انى لك باثباته و مجرد كونه مما يقبله الطبع لو سلم لا يكون دليلا على الصحة لما عرفت من انها منوطة بموافقة النهج العربى فى المحاورات ثم ان صدر كلامه ينافى ذيله لانه صدر الكلام بانه قد يحصل الوضع التعيينى بالاستعمال كما يحصل بالتصريح بالوضع ثم حكم بان هذا الاستعمال على النهج المذكور ليس بحقيقة و لا بمجاز فان اراد ان الوضع انما يحصل بعد تكرر الاستعمال كذلك لم يكن الوضع تعيينيا كما افاده سابقا من ان الاختصاص الحاصل من كثرة الاستعمال تعينى لا تعيينى و هو الحق و ان اراد حصوله باول استعمال فلا وجه لنفى كونه حقيقة لا يقال ان غرضه ان الاستعمال يقع على انحاء ثلثه تارة بعد الوضع الصريح و تارة فى المعنى المجازى مع القرينة الى ان يبلغ من الشهرة حدا يستغنى به عنها و اخرى فى غير الموضوع له بلا قرينة مجازيه بل بالقرينة التى عرفتها و الاختصاص الحاصل بالنحو الاول وضع تعيينى لا غير و بالنحو الثالث تعينى لا غير و بالنحو الثانى ليس فيه شرط التجوز فلا يكون مجازا و الوضع التعينى منحصر بالنحو الثالث فالخاص بكثرة الاستعمال على النحو الثانى يكون تعيينيا لا محالة اذ لا واسطة بين الوضعين (

لانا نقول‏

) قد عرفت سابقا ما هو الوجه فى تسمية الوضع التعينى بهذا الاسم و منه تعرف ان ما كان عن كثرة الاستعمال فهو تعينى مطلقا و قد عرفت هنا فساد كونه لا حقيقة و لا مجازا فتأمل جدا هذا و اما صحة انشاء الوضع بالاستعمال على النحو المذكور مع ان شرط الاستعمال كذلك سبق الوضع فوجهها واضح لان معنى الشرط

39

المذكور ان لا يكون بلا وضع اصلا لا ان المقصود هو السبق الزمانى و نظير ذلك فى الفروع الفقهية كثير كوطي الزوجة المطلقة رجعيا فانه بنفسه رجوع و التصرف المتلف شرعا او عقلا فى زمن الخيار و فى المنقول بعقد جائر فانه فسخ و هى كثيرة (

اذا عرفت هذا فدعوى الوضع التعيينى فى الالفاظ

) المتداولة (

فى لسان الشارع هكذا قريبة جدا و مدعى القطع به غير مجازف قطعا و يدل عليه‏

) امور كثيرة ربما تنتهى الى اثنى عشر و لا يسع التعرض لها فى المقام (

و

) اقوى ما يدل عليه الاستقراء و التتبع بالنظر الى حال ذوى الفنون العلميه و الحرف و الصناعات البدنية و المالية من الحكماء و الاطباء و اهل الهندسة و الفقهاء و غيرهم على تشعب الفنون و تعددها و كذا اهل الحرف و الصناعات على اختلاف حرفهم و صناعاتهم فانك تجدهم باجمعهم قد اصطلحوا و وضعوا للمعانى المخصوصة بفنونهم الدائرة فيما بينهم الفاظا مخصوصة متداولة فى محاوراتهم بحيث لا يكاد يخطر فى فكرك و هم المجازية فيها فهل ترى ان الشارع الحكيم المرسل كل رسول بلسان قومه المنشئ خطاباته على نهج تخاطب الناس فى محاوراتهم قد خالفهم فى فنه بما هو شارع الذى هو اعظم الفنون و اشدها احتياجا الى الوضع فاستعمل الالفاظ فى المعانى المختصة بشريعته مجازا مع ضعف العلائق المجازية فى اكثرها ملحقا كل استعمال بقرينتين صارفة و معينه او واحدة جامعة بين الامرين المغنى عن ذلك كله قرينة واحدة و لو حالية مع استعمال واحد يدلان على الوضع ان هذا الا تشكيك فى البديهيات و تردد فى الضروريات و لعمرى ان ما ذكرتا اقوى برهان لا اثبات للوضع بالاستحسان فلا تغفل و اضعف ما استدل به دعوى (

تبادر المعانى الشرعية منها فى محاورته‏

) لان اثبات ذلك مستندا الى حاق اللفظ بلا قرينة مقال و لا شاهد حال اشبه شي‏ء بدعوى المحال (

و

) مما (

يؤيد

) ان استعمال الشارع لها على (

ذلك‏

) النهج وضعى حقيقى (

انه ربما لا يكون علاقة معتبره بين المعانى الشرعية و اللغوية فاى علاقة بين الصلاة شرعا و الصلاة بمعنى الدعاء

) و بين الحج شرعا و الحج بمعنى القصد و بين الزكاة شرعا و الزكاة بمعنى النمو (

و مجرد اشتمال الصلاة على الدعاء

) و الحج على القصد و الزكاة على السببية للنمو (

لا يوجب ثبوت ما يعتبر من علاقة الجزء و الكل‏

) او السببية و المسببية (

بينهما كما لا يخفى هذا

)

40

(

كله بناء على كون معانيها مستحدثة فى شرعنا و اما بناء على كونها ثابته فى الشرائع السابقة كما هو قضية غير واحد من الآيات مثل قوله تعالى‏

كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ‏

و قوله تعالى‏

وَ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِ‏

و قوله تعالى‏

وَ أَوْصانِي بِالصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ ما دُمْتُ حَيًّا

الى غير ذلك فالفاظها حقايق لغوية

) لثبوتها قبل النبى (ص) (

لا شرعيه‏

) كذا افاد فى الفصول و وافقه المصنف و فيه اولا انه ان كان استفادة ثبوت هذه الحقائق فى الشرائع السابقة من مجرد هذا الاطلاق فليستفد من قوله تعالى‏ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَ تَسْبِيحَهُ‏ ثبوتها عند جميع من فى السموات و من فى الارض حتى الطير و لا احسب احدا يلتزم بذلك و ان كانت من شي‏ء آخر فعلى المدعى اقامة البينة و ثانيا ان الغرض من تحرير هذا العنوان تحقيق ان هذه الالفاظ العربية موضوعة لهذه المعانى اولا و من المعلوم انه على تقدير ثبوتها فى تلك الشرائع فهى بلغات أخر من سنخ لغة النبى (ص) و قومه المبعوث اليهم فى ذلك الوقت فلا بد ان تكون حكايتها فعلا بهذا اللفظ ان كان الاستعمال على وجه الحقيقة مستندة الى وضع جديد اذ لا يعقل الوضع السابق لعدم وجود الموضوع و كون المعنى مخترعا فى هذه الشريعة او فى الشرائع السابقة ليس بمناط للوضع الشرعى المبحوث عنه بل المناط فيه وضع الشارع بما هو شارع فى هذه الشريعة هذا اللفظ لهذا المعنى المخترع فى اى وقت كان بعد ان كان معناه الدعاء مثلا فى اللغة و هو حاصل و ثالثا لو سلمنا ذلك لكن نقول ان مناط كون الوضع شرعيا المسلم بين الجميع هو كون الشارع بما هو شارع يضع لفظا لمعنى اخترعه فى قبال معناه اللغوى و هذا المناط بجميع قيوده موجود و ان كان الاختراع من اول هبوط آدم (عليه السلام) الى الارض فما معنى الحكم بكونها على هذا التقدير لغوية و شيوع كونها بهذا المعنى بين خصوص المتدينين بشريعة من جاء بها لا يوجب ذلك بعد ان كان المنكرون لدينه اضعافا مضاعفة لا تحصى و كون المقصود بكونها لغوية مساواتها للمعنى اللغوى فى عدم ترتب الثمرات المذكورة عليه لا يناسب تعليل ذلك كما فى الفصول و ظاهر المصنف بان المراد من اللغوى ما كان قبل النبى‏

41

(صلى اللّه عليه و آله) و بالجملة فاصل احتمال ثبوتها فى الشرائع السابقة على وجه يجعل الاختلاف بينها و بين الثابت فى هذه الشريعة انما هو فى الاجزاء و الشرائط مع ما نرى بالعيان فى زماننا من عدم ثبوت ما يشبهها بين المتدينين بدين من حكى اللّه تعالى ثبوتها فى دينه كعيسى (عليه السلام) فضلا عنها اذ لو كان لبان فى غاية الضعف و لا يترتب عليه اثر نعم فى بعض الاخبار اشعار بذلك او دلالة ما و هو غير ضائر بما هو المقصود لو صح الخبر و مما ذكرنا يظهر لك ما فى قوله دام ظله (

و اختلاف الشرائع فيها جزء و شرطا لا يوجب اختلافها فى الحقيقة و الماهية اذ لعله كان من قبيل الاختلاف فى المصاديق و المحققات كاختلافها بحسب الحالات فى شرعنا كما لا يخفى‏

) و فيه مضافا لما عرفته مما تقدم ان الشرط فى الحكم بكونها لغوية لسبق اختراع معانيها العلم باتحادها ماهية و اختلافها مصاديقا مع الثابت فى هذه الشريعة لا ان القطع بعدم كونها كذلك مانع حتى يكفى احتمال ذلك فيها فلعلها بمعنى آخر مخترع او غير مخترع مباين لهذا المعنى بالمرة و اطلاق اللفظ وحده لا يكون دليلا على ذلك كما ترى من اطلاقه على صلاة الطير فى قوله تعالى‏ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ‏ مع انه على نهج باقى المذكورات فى الآية العامه لجميع‏ مَنْ فِي السَّماواتِ وَ مَنْ فِي الْأَرْضِ‏ (

ثم لا يذهب عليك انه مع هذا الاحتمال‏

) لا يتغير الحال و لا يتبدل المقال و لا يبطل الاستدلال نعم لو تم ظهور الآيات و باقى المقدمات فحينئذ (

لا مجال لدعوى الوثوق فضلا عن القطع بكونها حقايق شرعية و لا لتوهم دلالة الوجوه التى ذكروها على ثبوتها لو سلم دلالتها على الثبوت لولاه‏

) اى لو لا الاحتمال المذكور (

و منه انقدح حال دعوى الوضع التعيينى معه‏

) هذا كله مع النظر الى هذا الاحتمال (

و

) اما (

مع الغض عنه فالانصاف‏

) ان دعوى الوضع مسموعة بل هى عندى كالمقطوع بصحتها و (

ان منع حصوله فى زمان الشارع‏

) فى لسانه خاصه فضلا عن حصوله (

فى لسانه و لسان تابعيه مكابرة

) (

نعم‏

) لا يخفى عليك ان المصنف دام ظله عدل عما افاده فى صدر كلامه فقال (

حصوله فى خصوص لسانه ممنوع‏

) و لعل قوله (

فتأمل‏

) اشارة الى بعض ما ذكرنا فتلخص ان‏

42

الاصح عندنا هو الوضع التعيينى الحاصل باول استعمال لو لم يكن سابقا عليه (

و اما الثمرة بين القولين‏

) فى خصوص الثبوت و بينهما و بين القول بالنفى (

فتظهر فى لزوم حمل الالفاظ الواقعة فى كلام الشارع بلا قرينة على معانيها اللغوية مع عدم الثبوت و على معانيها الشرعية

) مطلقا على القول بحصول الوضع التعيينى لها قولا او فعلا باول استعمال و عليها ايضا (

على القول بالثبوت‏

) لا حملا مطلقا بل (

فيما اذا علم تأخر الاستعمال‏

) عن الوضع و فيما اذا علم تأخر الوضع عنه لا يحمل الا على اللغوى كالقول بعدم الثبوت (

و

) اما (

فيما اذا جهل التاريخ ففيه اشكال‏

) ينشأ من ان المثبت من الاصول اللفظية حجة ببناء العقلاء و استقرار السيرة على ذلك فيثبت التأخر (

و

) من ان خصوص (

اصالة تاخر الاستعمال‏

) فى المقام (

مع معارضتها باصالة تاخر الوضع لا دليل على اعتبارها تعبدا الا على القول بالاصل المثبت‏

) و لا دليل على اعتبار الاصل المثبت الا السيرة و بناء العقلاء كما عرفت و لم تستقر السيرة (

و لم يثبت بناء من العقلاء على التاخر عند الشك‏

) لكن اذا ثبت التقارن عند الشك بتصالحهما و توافقهما عليه بعد المعارضة فى تاخر كل من الامرين احتمل على ما عرفت من رأينا ان يكون مثمرا لما عرفت من صحة تقارن الوضع و الاستعمال فى حال كونه انشاء له بالفعل فتأمل (

و

) اما (

اصالة عدم النقل‏

) فلا تثبت التاخر لانها (

انما كانت معتبرة فى ما اذا شك فى اصل النقل لا فى تاخره فتأمل‏

) اذ لقائل ان يقول ان اصالة عدم النقل كما يثبت بها تقدم الوضع فيما اذا ثبت بحسب العرف ان الامر للوجوب مثلا و شك فى انه كذلك لغة اولا اذ من المسلم عندهم اثبات تقدم الوضع للوجوب فى اللغة باصالة عدم النقل يثبت بها ايضا تاخره و الفرق بين الامرين تحكم بحت‏

الامر العاشرمن الامور المذكورة

لا يخفى (

انه وقع الخلاف‏

) بين القوم (

فى ان الفاظ العبادات‏

) بل و المعاملات على وجه هل هى (

اسامى لخصوص الصحيحة او للاعم منها

) و ربما استشعر من جعل العنوان كونها اسامى عدم وقوع النزاع الا من القائلين بثبوت الحقيقة الشرعية بل عدم امكانه على بعض الوجوه‏

و الاولى قبل الخوض فى ذكر القولين‏ و نقل ادلة الطرفين ان يذكر امورH3}~h3}

43

خمسة بها يتضح المرام‏

منها انه لا شبهه فى تاتى الخلاف على القول بثبوت الحقيقة الشرعيةH3}~h3}

و ترتب ثمراته عليه كما هو واضح (

و

) لكن (

فى جريانه على القول بالعدم اشكال‏

) لانحصار تصويره فى وجه غير صحيح و أخر غير مثمر و لا فائدة فى التعرض للاول (

و غاية ما يمكن ان يقال فى تصويره‏

) صحيحا و ان لم يكن مثمرا (

ان النزاع وقع على هذا

) التقدير (

فى ان الاصل فى هذه الالفاظ المستعملة مجازا فى كلام الشارع‏

) فى المعانى الشرعية المعهودة لعلاقة بينها و بين المعانى اللغوية (

هو استعمالها فى خصوص الصحيحة

) اما لعدم العلاقة بينها و بين ما يعم الفاسدة او لكون العلاقة فيها اتم منها فى الاعم او لكون هذا الفرد من الاعم هو المراد المتعلق للاوامر (

او

) ان الاصل هو (

استعمالها فى الاعم بمعنى ان ايهما قد اعتبرت العلاقة بينه و بين المعانى اللغوية

) او رجحت العلاقة الموجودة بينه و بينها على الموجودة فى غيره او رجح على غيره لمطابقته للمراد فاستعمل اللفظ فيه (

ابتداء

) (

و

) بعد ذلك (

قد استعمل فى الآخر بتبعه و مناسبته‏

) تنزيلا لفاقد الجزء او الشرط منزلة الواجد لجهات ستعرفها إن شاء اللّه تعالى من غير فرق بين ان يكون الآخر هو الاعم او خصوص الفاسد لان استعماله فى الاعم بما هو اعم من الصحيح و الفاسد بعد استعماله فى الصحيح استعمال فى الفاسد و اما استعماله فى الاعم بشرط لا فهو كاستعماله فى الفاسد بشرط لا خارج عن موضع النزاع على جميع الاقوال و الغرض من تحقيق ذلك معرفة ذلك المعنى (

كى ينزل كلامه عليه‏

) اذا نقل الينا (

مع القرينة الصارفة عن المعانى اللغوية و عدم قرينة اخرى‏

) معينة للآخر المستعمل فيه (

و انت خبير بانه‏

) و ان كان هذا التصوير لجريان النزاع فى نفسه صحيحا إلّا انه معدوم الثمرة اذ (

لا يكاد يصح هذا إلّا اذا علم ان العلاقة

) او فردية الصحيح (

قد اعتبرت كذلك و ان بناء الشارع فى محاوراته‏

) قد (

استقر عند

) نصب القرينة الصارفة و (

عدم نصب قرينة اخرى‏

) معينة (

على ارادته‏

) اى ارادة ذلك المعنى المستعمل فيه (

بحيث كان هذا

)

44

الترك منه للقرينة (

قرينة عليه من غير حاجة الى قرينة معينة اخرى‏

) و هذا امر صعب المنال (

و انى لهم باثبات ذلك و قد انقدح بما ذكرنا

) ان (

تصوير النزاع على ما نسب الى الباقلانى‏

) من ان الالفاظ لم يتغير معناها و ان ما ثبت من الاجزاء و الشرائط فهى قيود للمعنى المطلق و تحريره بالوجه المذكور (

و ذلك بان يكون النزاع فى ان قضية القرينة المضبوطة

) فى تقييد تلك المطلقات (

التى لا يتعدى عنها الا با

) لقرينة (

الاخرى‏

) و ما افادته فى كمية التقييد اذ هى (

الدالة على‏

) ما قيد به المطلق من (

اجزاء المأمور به و شرائطه‏

) هل هو (

تمام الاجزاء و الشرائط

) بناء على الصحيح (

او هما فى الجملة

) بناء على الاعم اضعف من تصويره على القول بالمجازية فى سقوط الثمرة لانتفائها فى الاول موضوعا و انتفائها فى الثانى موضوعا و محمولا ضرورة ان العلم بكون القرينة على اى النحوين كانت دون حصوله خرط القتاد و لو سلم حصوله فتلك القرينة قد كانت متدرجة بحسب الوجود الى زمان الصادقين (عليهما السلام) فكيف يترتب على ذلك تنزيل كلام الشارع على ارادة تمام الاجزاء و الشرائط (

فلا تغفل‏

) نعم يمكن تصويره بنحو آخر و هو ان الشارع هل قيد ذلك المطلق بامر عام لجميع الاجزاء و الشرائط الواقعية و ان كان مجملا بحسب الظاهر و كان اظهاره لها تدريجا حسبما تقتضيه المصلحة فيسقط الاطلاق عن الحجية لانه قيد بالمجمل ظاهرا او قيده بامر مطلق يصدق مع وجود باقى الاجزاء و الشرائط و عدمه فيؤخذ حينئذ بالاطلاق الحاصل من القيد و المقيد بالنسبة الى الباقى حتى يعلم التقييد و هذا الوجه لا غبار عليه نعم تحصيل العلم بكونه على اى الوجهين فى غاية الصعوبة و ان كان اقل مئونة من الاول‏

و منها ان الظاهر ان الصحة عند الكل‏H3}~h3}

الفقهاء كالصحيح عند الاصوليين ليس لها قدر جامع يعرف و يشار اليه الا بآثاره كاسقاط القضاء و اسقاط التعبد به ثانيا ضرورة انهم لما رأوها مختلفة عند الشارع حسب اختلاف المقامات فربما حكم بصحة الصلاة و قد شمل منها النقصان ما عدا بعض الشرائط و الاركان كما اذا وقع ذلك سهوا او زادت و لو ضعفها كما لو صلى‏

45

المسافر تماما جهلا او غير كيفيتها كذلك مخفتا فى محل الجهر او العكس او صلى قبل الوقت فدخل عليه قبل السلام او ادرك من وقتها ركعة او صلاها خلف كافر يعتقد ايمانه او محدث يعتقد طهارته او شك فيها فصححها بالاحتياط و هكذا و من المعلوم انه لا يمكن ان يقال ان اجزائها للعامد و للساهى و للجاهل مختلفة المقادير فان الساهى و الجاهل انما نويا ما يعتقد ان لا ما صح لهما عند الجهل و النسيان و ليس فى هذه المقامات ما يدرك العقل انتزاع قدر جامع للصحة منه فلذلك اشاروا الى ذلك الجامع بآثاره فعرفوها باسقاط القضاء مثلا و انما لم يعرفوها بالاثر الذى عرفها به المتكلمون لان الفقهاء غرضهم ما يتعلق منها بالفروع و المناسب له من الآثار هذا و نحوه و اما المتكلمون فلما كان غرضهم معرفة ذات الآمر و ما يترتب على ذلك من آثارها من وجوب طاعته و حرمة معصيته من غير فرق فى الامر المطاع بين كونه صوريا او حقيقيا او ظاهريا او واقعيا لان المناط هو الانقياد و هو فى الكل حاصل فلذا عرفوها بموافقة امر المولى اذ لا جامع لها عندهم كالفقهاء و اما اهل العرف فحيث انهم لا يرون الكامل من كل شي‏ء الا ما اجتمعت صفاته و لا الصحيح الا ما تمت شروطه و اجزائه كان الجامع عندهم معلوما لعدم اختلافه باختلاف المقامات و هو مفهوم تام الاجزاء و الشرائط فصح ان الصحة مختلفة المعنى بين الطوائف الثلاث و يقابلها الفساد و ان احتمال الاتحاد منحرف عن منهج السداد فما افاده المصنف دام ظله من انها (

عند الكل بمعنى واحد و هو التمامية

) (

و

) ان (

تفسيرها باسقاط القضاء كما عن الفقهاء او بموافقة الشريعة كما عن المتكلمين او غير ذلك انما هو

) تفسير لها (

بالمهم من لوازمها لوضوح اختلافه حسب اختلاف الانظار و هذا لا يوجب تعدد المعنى كما لا يوجبه اختلافها يحسب الحالات من السفر و الحظر و الاختيار و الاضطرار الى غير ذلك كما لا يخفى‏

) فيه تأمل بل منع كما عرفت نعم يمكن ان تكون عند الكل بمعنى واحد على وجه ستعرفه فى بيان معنى الصحيح إلّا ان ارادة ذلك المعنى من لفظ الصحة لا يخلو عن نوع تجوز فلا تغفل (

و منه ينقدح‏

) بل و مما حققنا يتضح (

ان الصحة و الفساد

) باى‏

46

معنى كانا (

امران اضافيان‏

) قد تجمعها جهتان و قد يفترقان (

فيختلف شي‏ء واحد صحة و فسادا بحسب الحالات‏

) و اختلاف المقامات (

فيكون تاما

) و مسقطا للقضاء و موافقا للامر (

بحسب حاله و فاسدا

) غير نام و لا مسقط للقضاء و لا موافق للامر (

بحسب اخرى‏

) و هو واضح (

فتدبر جيدا و منها انه لا بد على كلا القولين من قدر جامع فى البين‏

) قد (

كان‏

) حين وضع تلك الالفاظ (

هو المسمى بلفظ كذا

) صلاة او غيرها بناء على عموم الموضوع له كالوضع او مرآة للمسمى بناء على خصوصه و إلّا لزم الاشتراك بين معان لا تحصى او تعدد المعانى المجازية كذلك و كلاهما كما ترى و تحقيق المقام ان لفظ الصلاة مثلا فى شموله للواجبة و المندوبة كلفظ السورة فى شمولها للعزيمة و غيرها و فى شمولها لكل من اصناف هذين النوعين مثلها فى شمولها لاصناف نوعيهما من المكى و المدنى مثلا و فى شمولها لافرادهما مثلها فى شمولها لكل سورة و فى معناها التى وضعت له من المركب الذى اوله التكبير و آخره التسليم مثلها فى معناها و هو المركب الذى اوله البسملة و آخره كذا مثلا و فى انه قد يتخلف ذلك عنها فتطلق على غير ذلك مثلها فى تخلف ذلك عنها كسورة براءة مثلا و الكلام يقع تارة فى حقيقة جنسها و اخرى فى حقيقة الفرد اما الاول فاعلم ان حقيقة الصلاة التى وضع لها هذا اللفظ هو المفهوم المنتزع من الافراد الصحيحة المتحد معها فى الوجود (

و

) هو القدر المشترك الذى (

لا اشكال فى وجوده بين الافراد الصحيحة

) (

و

) لا ريب (

فى امكان الاشارة اليه بخواصه و آثاره‏

) و كفى بذلك معرفا له و كاشفا عنه (

فان الاشتراك فى الاثر كاشف عن الاشتراك فى جامع واحد يؤثر الكل فيه‏

) اى فى ذلك الاثر بمعنى صدوره عن الكل (

بذلك الجامع‏

) و عدم امكان معرفة الشي‏ء الا بآثاره غير عزيز (

فيصح‏

) حينئذ (

تصوير المسمى بلفظ الصلاة مثلا

) بما ورد من آثارها شرعا فنسميها (

بالناهية عن الفحشاء او ما

) (

هو معراج المؤمن و نحوهما

) ككونها قربان كل تقى او عمود الدين او الخير الموضوع او خير موضوع و غير ذلك فان ظاهر الاخبار بل صريحها ان هذه اوصاف تلك الطبيعة و آثار ذلك القدر المشترك فيدخل تحت جنسه‏

47

كل ما يصدق عليه صلاة او غيرها و يخرج بفصله المعنى الذى ليس له هذه الاوصاف و هو غير الصلاة الشامل كل ما عداها حتى الفاسد منها و توضيح المقام انك بعد ما عرفت من ان المرجع فى معرفة تفصيل هذه الحقائق و مسمياتها انما هو الشارع المقدس لا غير لان اختراع هذه المعانى و تسميتها بتلك الالفاظ و امره بها و مقدار ما جعله مناطا لصحتها و فسادها كله بيده و اليه فيه المرجع فلا محيص حينئذ من تتبع جميع ما ورد عنه فى بيان ذلك المعنى المخترع اجزاء و شروطا موضوعا و حكما ثم البناء على ما يتحصل منها بعد ذلك فنقول ان الشارع قد بين ان تكبيرة الاحرام و القيام و الركوع و ذكره و السجود و ذكره و هكذا الى التسليم اجزاء واجبه و ان الطهارة الحدثية و الخبثيه و الاستقبال و هكذا الى آخر الشروط شرائط واجبة و ان التكبير هو اول الاجزاء و به افتتاح الصلاة و تحريمها و ان التسليم هو آخرها و به اختتامها و تحليلها ثم بين المندوبات جزء و شرطا حكما و موضوعا ثم حكم على مثل التكبير و الركوع و السجود مثلا من الاجزاء و الطهارة و النية من الشروط ان فقد انها و زيادتها عمدا و سهوا مبطل ثم ساوى بينها و بين باقى الواجبات فى صورة العمد حكما و استثنى صحة الصلاة اذا وقعت سهوا و عبر عن البطلان تارة بلفظه و تارة باستقبال الصلاة و تارة باستينافها و اخرى باعادتها و عن الصحة فى صورة النسيان تارة بتمت صلاته و تارة بعد قوله للسائل أ ليس قد اتممت الركوع و السجود و قوله نعم بلفظ قد اتممت الصلاة و اخرى بلا شي‏ء عليه و مرة بلا تعاد الصلاة الا من خمسة ثم ربما قال فى بيان حقيقتها الصلاة ثلث طهور و ثلث ركوع و ثلث سجود و غير ذلك مما هو بمثل مضمونه ثم ان من المعلوم بالاجماع القطعى ان جميع اجزاء الصلاة واجبة و مندوبة حتى التقييدية منها داخلة فى حقيقة الصلاة و كل منها يسمى جزء صلاتيا خلافا للمصنف قده كما سيجى‏ء إن شاء اللّه تعالى كما ان من المعلوم بالاجماع جواز ترك الاجزاء المندوبة مطلقا فهذه الاخبار مع هذا الاجماع يدلان بالدلالة الصريحة القطعية على التفصيل بين الاجزاء فى الكفاية و الاجزاء و الصدق‏

48

و التسمية فحكما بزوالهما و عدم الاجزاء فى الاجزاء الاول و ببقائهما و الاجزاء فى الاجزاء الاخيرة و بالكيفية المذكورة بحسب المضمون ورد التعبير فى باقى العبادات موضوعا و حكما تكليفا و وضعا فيكون المتحصل و النتيجة من هذه المقدمات الصادقة السالمة من كل خلل ان الصلاة المأمور بها اسم للمركب الجامع لاجزاء لوجئ بها بداعى الامر تم معناها عند الشارع الذى افتتاحه التكبير و اختتامه التسليم و لا نعنى بالصحيح الا هذا فيشمل جميع افراد الصلاة الصحيحة قلت اجزائها او كثرت و قد صح لك بما ذكرناه من الجامع ان ما به الامتياز فى الزائد عين ما به الاشتراك لصدق الجامع على الزائد حقيقة و حمل قوله (عليه السلام) تمت صلاته و اتممت الصلاة على التمامية حكما لا موضوعا اعوجاج فى السليقة و اختلال فى الطريقة و التزام ان المركب لا بد من زوال اسمه بمجرد زوال مطلق جزئه لا ارى عليها شاهدا بل فى خصوص هذا المركب شواهد كثيرة من النقل على خلافه فان الاجزاء الندبية الصلاتية و الوجوبية غير الركنية مما صرح النقل كما عرفت بعدم زواله بزوالها و السر فى ذلك ان المصلحة فى المركب التى قضت بالامر به لها مراتب ثلاث الاولى هو القدر الذى لو جاء العبد من المركب بالاجزاء الوافية به حال تمكنه من اتيانها بداعى الامر لم يبق محل للامر بباقى الاجزاء اذ لو امر بها منضمة الى الاولى لزم بالتكرار تحصيل الحاصل مثلا ان المركب الكذائى دواء لاجل اسهال الصفرا عبارة عن خمسة اجزاء و لكن لو ركبه من ثلاثة اجزاء مثلا اسهل مقدارا منها بحيث لم يبق منها ما يقتضى الالزام بتركيب الخمسة جديدا بل لو ركبه ثانيا من الخمسة و شربه كان مضرا لانه بالثلاثة قد فعل ذلك المقدار من الاثر و بالخمسة يفعل اثر الخمسة فيكون كما لو ركبه من ثمانية غير مطلوب ابدا الثانية المقدار الذى يفى به المركب و استحق العبد الدلالة عليه لطفا الثالثة هى مرتبة الكمال من كل وجه و قالبها الاجزاء المندوبة و المقام من هذا القبيل فان العبد لما جاء بالاجزاء الوافية بشروطها ناسيا و لم يبق محل لاستيفاء باقيها بالامر به ثانيا فقد جاء بالصلاة حقيقة و هكذا من جاء بالمركب كملا حال الذكر و كذا باقى الحالات فاجزاء المركب تتفاوت مقدارا

49

بحسب تفاوت مقدار المصلحة فان ارادوا هذا المعنى من زوال الاسم فهو مسلم لكنه غير ضائر و ان ارادوا فى المقام غير ذلك فهو ممنوع و لعل مرادهم هو ذلك اذ ربما قالوا جزء ذكرى و شرط علمى و من المعلوم ان الوضع كالتكليف لا يعقل اشتراطه بالعلم لانه دورى و بهذا المعنى يكون معنى الصحة واحدا عند الكل كما اشرنا اليه سابقا فقد اتضح لك بما ذكرنا تصوير الجامع بنفسه فى الجملة و الى هذا الجامع اشارت الاخبار فوصفته بتلك الاوصاف و ان شئت اختصار العبارة فقل هو المركب الذى بدئه التكبير و ختامه التسليم بحيث لو جي‏ء به بداعى الامر سقط الامر و اما الثانى و هو حقيقة الفرد فاعلم ان مشخص افراد هذه الطبيعة فى الوجود الخارجى هو الفاعل الخاص فى المكان و الزمان الخاصين بالكيفية المخصوصة فالظهرية مثلا مفهوما مصنفة و بمصداقها الخارجى الذى يقع فيه ذلك الصنف مشخصة كما لا يخفى فلم يبق اشكال فى المسألة بحمد اللّه (

و

) ما ذكر (

من الاشكال فيه بان الجامع لا يكاد يكون مركبا اذ كل ما فرض جامعا يمكن ان يكون صحيحا و فاسدا من جهتين‏

) مدفوع بما عرفت فانه لا يكون فاسدا اصلا (

و

) اما ما قيل من انه (

لا يكون امرا بسيطا لانه اما ان يكون هو عنوان المطلوب او ملزوما مساويا للمطلوب‏

) فى مرتبته و ان لم يكن بعنوانه كالمحبوب و ذى المصلحة الناهية عن الفحشاء و غير ذلك مما يكون ملزوما للطلب و الطلب لازم له (

و الاول غير معقول لبداهة استحالة اخذ ما لا يتأتى إلّا من قبل الطلب فى متعلقه لاستلزامه الدور مع لزوم الترادف بين لفظ الصلاة و المطلوب و عدم جريان البراءة مع الشك فى اجزاء العبادة و شرائطها لعدم الاجمال حينئذ فى المأمور به فيها و انما الاجمال فيما يتحقق به و فى مثله لا مجال لها كما حقق فى محله مع ان المشهور القائلين بالصحيح قائلون بها فى الشك فيها و بهذا

) و هو لزوم الترادف و عدم جريان البراءة لا لزوم الدور (

يشكل لو كان البسيط هو ملزوم المطلوب ايضا

) فهو (

مدفوع‏

) ايضا (

بان الجامع‏

) كما عرفت مما ذكره المصنف دام ظله و ذكرناه هو (

مفهوم واحد منتزع عن هذه المركبات المختلفة زيادة و نقيصة بحسب اختلاف الحالات‏

)

50

و قدر مشترك بين جميع الافراد (

متحد معها نحو اتحاد

) كاتحاد كلى ماء الفرات مثلا و افراده المتشخصة بحسب تعدد الأمكنة قل او كثر و كاتحاد ساير مفاهيم المركبات مع مصاديقها الخارجية المختلفة ايضا زيادة و نقيصة (

و فى مثله تجرى البراءة و انما لا تجرى فيما اذا كان المأمور به امرا واحدا

) خارجيا مسببا عن مركب مردد بين المتباينين او الاقل و الاكثر كالطهارة المسببة عن الغسل و الوضوء فيما اذا شك فى نفسهما او فى اجزائهما (

هذا

) كله (

على القول بالصحيح و اما على القول بالاعم فتصوير الجامع فى غاية الاشكال فما قبل فى تصويره او يقال وجوه احدها

) ما افاده المحقق القمى اعلى اللّه تعالى مقامه (

و هو ان يكون عبارة عن جملة من اجزاء العبادة كالاركان فى الصلاة مثلا و كان الزائد عليها معتبرا فى المأمور به لا فى المسمى‏

) و فيه على ما هو الظاهر من عبارته (

ما لا يخفى فان التسمية بها حقيقة لا تدور مدارها ضرورة صدق الصلاة مع الاخلال ببعض الاركان منها بل و عدم الصدق عليها مع الاخلال بسائر الاجزاء و الشرائط عند الاعمى مع انه يلزم ان يكون الاستعمال فيما هو المأمور به و شرائطه مجازا عنده و كان من باب استعمال اللفظ الموضوع للجزء فى الكل لا من باب اطلاق الكلى على الفرد و الجزئى كما هو واضح و لا يلتزم به القائل بالاعم فافهم‏

) قلت هذا المعنى الذى حمل المصنف كلام المحقق القمى عليه لا ينبغى ان ينسب الى اصاغر الطلبة فضلا عن ان ينسب اليه و تحقيق مراده هو انه لما تتبع الاخبار الواردة فى بيان الاجزاء و الشرائط و رأى حاصلها كما عرفت آنفا ان مناط الصدق عند الشارع و التسمية هو الاركان اذ قد صحح الحاوى لها و ان فقد جميع الباقى و افسد الفاقد واحدا منها و ان حوى جميع الباقى و رأى ايضا ان الباقى فى صورة العلم مطلوب و لا تجزى الاركان اصلا منفردة جمع بين ذلك قائلا ان المطلوب و متعلق الامر فى الصلاة اولا و بالذات الذى لا بد منه على جميع الاحوال هو القدر المشترك الذى هو مناط التسمية و الصدق عند الشارع الذى يتبعه اللفظ وجودا و عدما و ان تعلق الامر بباقى الاجزاء من باب تعدد المطلوب و الطلب فالصلاة ذات الاجزاء مطلوبة بنفسها