الوسيط في اُصول الفقه‏ - ج2

- الشيخ جعفر السبحاني المزيد...
256 /
1

الوسيط في أُصول الفقه كتاب يبحث عن الأدلة اللفظية و العقلية بين الإيجاز و الإطناب الجزء الثاني تأليف الفقيه المحقّق الشيخ جعفر السبحاني كتاب دراسيٌ اعدّ لطلبة الحوزة العلمية السنة السادسة

2

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

مقدّمة المؤلّف‏

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد للّه الذي عجزت العقول عن كنه معرفته، و قصرت الألباب عن الإحاطة بكماله، و الصّلاة و السّلام على أفضل خليقته و أشرف بريّته أبي القاسم المصطفى محمّد الّذي بعثه بالحقّ ليخرج عباده من عبادة الأوثان إلى عبادته، و من طاعة الشيطان إلى طاعته، و على آله الطيّبين الطّاهرين الذين هم موضع سرّه، و عيبة علمه، و موئلُ حُكْمِه، و كهوف كتبه، و جبال دينه، بهم أقام انحناء ظهره، و أذهب ارتعاد فرائصه.

أمّا بعد، فإنّ خلود الشريعة و بقاءها على مرّ الزمان و مسايرتها للحضارات الإنسانية، و استغناءها عن كلّ تشريع، رهن أمرين:

الأوّل: احتواء التشريع على مادة حيوية خلّاقة للتفاصيل، بحيث يتمكّن علماء الأُمّة من استنباط كلّ حكم يحتاج إليه المجتمع البشري في كلّ عصر من الأعصار.

الثاني: فتح باب الاجتهاد و عدم إيصاده، ليقوم الفقهاء بدورهم في استنباط الأحكام التي تنسجم مع تطور الحياة و مواكبة العصر.

6

و من مفاخر الشيعة الإمامية هو عدم ايصاد باب الاجتهاد منذ رحيل النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) إلى يومنا هذا، فلذلك صار هذا سبباً لحفظ غضاضة الفقه و طراوته عندهم.

و مما لا شكّ فيه انّ أُصول الفقه يحظى بأهمية كبيرة في استنباط الأحكام الشرعية، ففي ظلّ قواعده يُتاح للمجتهد أن يُبدي رأيه في كافة الحوادث و المستجدّات.

و لقد قام بالتأليف حول هذه المهمة واحد بعد واحد من أُولي البصائر، و كابر بعد كابر من الأعاظم و الفطاحل، فللّه درّ عصابة ألّفوا فأسّسوا، و صنّفوا فأفادوا، و قد كانت كتبهم محور الدراسة جيلًا بعد جيل.

غير انّ لكلّ عصر لغتَه، و لكلّ مجتمع حاجتَه، هذا و ذاك، ممّا يُلزم أساتذة الحوزة و المشرفين على المناهج الدراسية بإعادة النظر في ما أُلّف و صار محوراً للدراسة، لكي يُنتفع بنقاط قوته و يضاف إليه مسائل جديدة تلبّي حاجات عصره، حتى يكون التأليف كحلقة متسلسلة من الجيل السابق إلى الجيل اللاحق.

و هذا، ما قمت به بفضل من اللّه خلال تدريسي لأُصول الفقه أزيد من خمسين سنة فجاء متمثّلًا في هذه الكتب:

1.» الموجز «أعددته للمبتدئين في علم الأُصول في جزء واحد.

2.» الوسيط «أعددته لمن أراد الخوض في علم الأُصول في جزءين بعد انّ كوّن فكرة عامّة عن المسائل الأُصوليةِ عبر دراسته لكتاب» الموجز «.

و أمّا المرحلة النهائية فقد ألقيت محاضرات لدورات متتابعة حتى انتهى بنا الأمر إلى الدورة الخامسة كلّ ذلك بفضل منه سبحانه فجاءت خلاصتها في كتابين:

7

1.» المحصول «طبع في أربعة أجزاء.

2.» إرشاد العقول إلى مباحث الأُصول «طبع منه إلى الآن جزءان.

و انبرى بعض الفضلاء من حضار بحوثي» حفظهم اللّه «إلى كتابتها و تدوينها.

و التمس من طالع» الوسيط «بكلا جزأيه أن يرشدني إلى مواضع الخلل فيه» فانّ أحبّ إخواني من أهدى إليَّ عيوبي «.

كما أرجو من اللّه سبحانه أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم.

جعفر السبحاني قم مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام) 17 رمضان المبارك 1421 ه

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

المقصد السادس في الحجج و الأمارات‏

1. العقل 2. الإجماع 3. الكتاب 4. السنّة 5. الإجماع المنقول بخبر الواحد 6. الشهرة الفتوائية 7. قول اللغوي‏

10

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

11

تمهيد

يعلم الفقيه أنّ بينه و بين ربّه حججاً معتبرة تقطع العذر و تُنجّز الواقع، غير انّه لا يعلم في بدء الأمر خصوصياتها و معالمها، فيبعثه العقل إلى التعرّف عليها بالتفصيل عن كثب، و هي عند الشيعة الإمامية أربعة: الكتاب، السنّة، الإجماع، و العقل التي يدور عليها رحى الفقه و الاستنباط، و أمّا سائر الأمارات فهي غير معتبرة عندنا و إن كانت معتبرة عند الآخرين.

إذا كانت الحجج منحصرة عندنا في الأدلّة الأربعة كان اللازم على الأُصوليّين المتأخّرين الذين أفاضوا القول في علم الأُصول أن يعقدوا لكلّ منها فصلًا خاصاً ليتعرّف عليه المبتدئ و يقف على معالمه و حدوده، و لكنّهم لم يقوموا بهذه المهمة.

و مع ذلك كلّه لم تفتهم الإشارةُ إليها في ثنايا بحوثهم حيث أدرجوا البحث عن الكتاب في مبحث حجّية الظواهر على الإطلاق، و البحث عن السنّة في مبحث حجّية خبر الواحد، كما أدغموا البحث عن الإجماع محصَّلًا كان أو منقولًا في مبحث الإجماع المنقول، و البحث عن حجّية العقل في مبحث القطع. و لكن مرّوا عليها مروراً خاطفاً دون التركيز عليها. و لأجل الأهميّة التي تمتعت بها الأدلّة الأربعة عقدنا لكلّ واحد عنواناً خاصاً متميزاً عن غيره و مع ذلك فلصيانة المنهج السائد في الكتب الأُصولية عقدنا الفصول كالتالي:

العقل، الإجماع المحصّل، الكتاب، و السنّة.

و إن كان الأنسب تقدّم الكتاب و السنّة على الآخرين.

12

الأدلّة الأربعة

1 العقل أحد مصادر التشريع‏

انّ العقل أحد الحجج الأربع الّذي اتّفق أصحابنا إلّا قليلًا منهم على حجّيته في مجال استنباط الحكم الشرعي، ثمّ إنّ البحث عن حجّية حكم العقل يقع في مقامين:

الأوّل: حجّية حكم العقل بما انّه من مصاديق القطع.

الثاني: كشفه عن حكم الشارع.

أمّا الأوّل فالبحث فيه من فروع البحث عن حجّية القطع مطلقاً (1) و انّ حجّيته ذاتية. و هذا هو الذي بسط الأُصوليون الكلام فيه في رسالة القطع و بحثوا عن حجّيته بحثاً مُسْهباً.

و أمّا الثاني فيرجع فيه البحث إلى وجود الملازمة بين حكمي العقل و الشرع و عدمه و هذا هو الذي اختصروا الكلام فيه غالباً (2). دون أن يعقدوا له فصلًا مستقلًا، و لأجل مزيد ايضاح، نفرد لكل بحثاً مستقلًا في ضمن مقامين:

____________

(1). سواء أ كان مصدره العقل أو غيره.

(2). إلّا المحقّق القمي في قوانينه و صاحب الفصول في فصوله.

13

المقام الأوّل في أحكام القطع و أقسامه‏

و فيه أُمور:

الأمر الاوّل في حجّية القطع‏

لا شكّ في وجوب متابعة القطع و العمل على وفقه ما دام موجوداً، لأنّه بنفسه طريق إلى الواقع، و هو حجّة عقلية، و ليس حجّة منطقية أو أُصولية، و لإيضاح الحال نذكر أقسام الحجّة، فنقول: إنّ الحجّة على أقسام:

1. الحجّة العقلية.

2. الحجّة المنطقية.

3. الحجّة الأُصولية.

أمّا الأُولى، فهي عبارة عمّا يحتج به المولى على العبد و بالعكس، و بعبارة أُخرى ما يكون قاطعاً للعذر إذا أصاب و معذِّراً إذا أخطأ، و القطع بهذا المعنى حجّة، حيث يستقل به العقل و يبعث القاطعَ إلى العمل وفْقَه و يُحذّره عن المخالفة، و ما هذا شأنه، فهو حجّة بالذات، غنيّ عن جعل الحجّية له.

و بهذا يمتاز القطع عن الظن، فإنّ العقل لا يستقلُّ بالعمل على وفق الظن و لا يحذِّر عن المخالفة لعدم انكشاف الواقع لدى الظن، فلا يكون حجّة إلّا إذا أُفيضت له الحجّية من قِبَلِ المولى، بخلاف القطع فانّ العقل مستقل بالعمل على‏

14

وفقه و التحذير عن مخالفته لانكشاف الواقع، و إلى هذا يرجع قول القائل بأنّ حجّية القطع ذاتية دون الظن فإنّها عرضية.

و بذلك يتبيّن أنّ للقطع ثلاث خصائص:

1. كاشفيته عن الواقع و لو عند القاطع.

2. منجّزيته عند الإصابة للحكم الواقعي بحيث لو أطاع يُثاب و لو عصى يعاقَب.

3. معذِّريته عند عدم الإصابة، فيُعذَّر القاطع إذا أخطأ في قطعه و بان خلافه.

و أمّا الثانية، فهي عبارة عن كون الحدّ الوسط في القياس المنطقي علّة لثبوت الأكبر للأصغر أو معلولًا لثبوته له، فيوصف بالحجّة المنطقية، كالتغيّر الذي هو علّة لثبوت الحدوث للعالم.

يقال: العالم متغيّر، و كلّ متغيّر حادث، فالعالم حادث.

و القطع بهذا المعنى ليس حجّة، لأنّه ليس علّة لثبوت الحكم للموضوع و لا معلولًا له، لأنّ الحكم تابع لموضوعه، فإن كان الموضوع موجوداً يثبت له الحكم سواء أ كان هنا قطع أم لا، و إن لم يكن موجوداً فلا يثبت له، فليس للقطع دور في ثبوت الحكم و لذلك يُعدُّ تنظيم القياس بتوسيط القطع باطلًا، مثل قولك: هذا مقطوع الخمرية، و كلّ مقطوع الخمرية حرام فهذا حرام، و ذلك لكذب الكبرى، فليس الحرام إلّا نفس الخمر لا خصوص مقطوع الخمرية.

و أمّا الثالثة، فهي عبارة عمّا لا يستقل العقل بالاحتجاج به غير أنّ الشارع أو الموالي العرفيّة يعتبرونه حجّة في باب الأحكام و الموضوعات لمصالح، فتكون حجّيته عرضيّة مجعولة كخبر الثقة، و من المعلوم أنّ القطع غنيّ عن إفاضة

15

الحجّية عليه، و ذلك لاستقلال العقل بكونه حجّة في مقام الاحتجاج و معه لا حاجة إلى جعل الحجّية له.

أضف إليه انّ جعل الحجّية للقطع يتم إمّا بدليل قطعي، أو بدليل ظنّي.

و على الأوّل يُنقل الكلام إلى ذلك الدليل القطعي، و يقال: ما هو الدليل على حجّيته؟ و هكذا فيتسلسل.

و على الثاني يلزم أن يكون القطع أسوأ حالًا من الظن، و لذلك يجب أن ينتهي الأمر في باب الحجج إلى ما هو حجّة بالذات، أعني: القطع، و قد تبيّن في محله» أنّ كلّ ما هو بالعرض لا بد و أن ينتهي إلى ما بالذات «.

و بذلك يعلم أنّه ليس للشارع الأمرُ المولويّ بالعمل بالقطع لسبق العقل بذلك، كما ليس له المنع عن العمل بالقطع، فلو قطع إنسان بكون مائع خمراً لا يصحّ النهي عن العمل به، لاستلزامه كون الناهي مناقضاً في كلامه في نظر القاطع، و في الواقع إذا أصاب قطعه للواقع.

16

الأمر الثاني تقسيم القطع إلى طريقي و موضوعي‏

إذا كان الحكم مترتباً على الواقع بلا مدخلية للعلم و القطع فيه، كترتّبا لحرمة على ذات الخمر و القمار فيكون القطع بهما طريقيّاً، و لا دور للقطع حينئذ سوى تنجيز الواقع، و إلّا فمع قطع النظر عن التنجيز فالخمر و القمار حرام سواء أ كان هناك قطع أم لا، غاية الأمر يكون الجهل عذراً للمرتكب كما يكون العلم منجزاً للواقع.

و أمّا إذا أُخذ القطع في موضوع الحكم الشرعي بحيث يكون الواقع بقيد القطع موضوعاً للحكم، فيعبّر عنه بالقطع الموضوعي، و هذا كما إذا افترضنا أنّ الشارع حرّم الخمر بقيد القطع بالخمريّة بحيث لولاه لما كان الخمر محكوماً بالحرمة، و هذا التقسيم جار في الظنّ أيضاً، و لقد وردت في الشريعة المقدسة موارد أخذ القطع وحده أو الظن كذلك موضوعاً للحكم، نظير:

1. الحكم بالصحّة، فإنّه مترتّب على الإحراز القطعي للركعتين في الثنائية و للركعات في الثلاثية من الصلوات و للأُوليين في الرباعية، بحيث لولاه لما كانت محكومة بها.

2. الحكم بوجوب التمام لمن يسلك طريقاً مخطوراً محرزاً بالقطع أو الظن.

3. الحكم بوجوب التيمّم لمن أحرز بالقطع أو الظن كون استعمال الماء مضرّاً.

17

4. الحكم بوجوب التعجيل بالصلاة لمن أحرز ضيق الوقت بكلا الطريقين.

فلو انكشف الخلاف، و أنّ الطريق لم يكن مخطوراً، و لا الماء مضرّاً، و لا الوقت ضيّقاً لما ضرَّ بالعمل، لأنّ كشف الخلاف إنّما هو بالنسبة إلى متعلّق القطع لا بالنسبة إلى الموضوع المترتب عليه الحكم.

ثمّ إنّه ليس للشارع أيّ تصرف في القطع الطريقي فهو حجّة مطلقاً من أيّ سبب حصل، لانّ الحكم مترتب على الموضوع بما هو هو و ليس للقطع دور سوى كونه كاشفاً عن الواقع، فإذا قطع به، انكشف له الواقع و ثبت وجود الموضوع، فيترتب عليه حينئذ حكمه، ويحكم العقل بلزوم العمل به من غير فرق بين حصوله بالأسباب العادية أو غيرها فليس للشارع تجويز العمل بالقطع الحاصل من سبب و النهي عن القطع الحاصل من سبب آخر.

و أمّا القطع المأخوذ في الموضوع فبما أنّ لكلّ مقنّن، التصرفَ في موضوع حكمه بالسعة و الضيق، فللشارع أيضاً حقُّ التصرف فيه، فتارة تقتضي المصلحة اتخاذ مطلق القطع في الموضوع سواء أ حصلت من الأسباب العادية أم من غيرها، و أُخرى تقتضي جعل قسم منه في الموضوع كالحاصل من الأسباب العادية، و عدم الاعتداد بالقطع الحاصل من غيرها.

18

الأمر الثالث تقسيم القطع الموضوعي إلى طريقي و وصفي‏

ثمّ إنّ القطع الموضوعي ينقسم إلى قسمين:

1. موضوعي طريقي.

2. موضوعي وصفي.

توضيح ذلك: انّ القطع من الصفات النفسية ذات الإضافة، فله إضافة إلى القاطع (النفس المدرِكة) و إضافة إلى المقطوع به (المعلوم بالذات و الصورة المعلومة في الذهن)، فتارة يؤخذ في الموضوع بما أنّ له وصف الطريقية و المرآتية فيطلق عليه القطع الموضوعي الطريقي، أي أُخذ في الموضوع بما انّ له وصف الحكاية، و أُخرى يؤخذ في الموضوع بما أنّه وصف نفساني كسائر الصفات مثل الحسد و البخل و الإرادة و الكراهة، فيطلق عليه القطع الموضوعي الوصفي، أي المأخوذ في الموضوع لا بما أنّه حاك عن شي‏ء وراءه بل بما أنّه وصف للنفس المدركة.

لنفترض انّك تريد شراء مرآة من السوق، فتارة تلاحظها بما أنّها حاكية عن الصور التي تعكسها، و أُخرى تلاحظها بما أنّها صُنعت بشكل جميل مثير للإعجاب مع قطع النظر عن محاكاتها للصور.

فالقطع الموضوعي الطريقي أشبه بملاحظة المرآة بما أنّها حاكية، كما أنّ القطع الموضوعي الوصفي أشبه بملاحظة المرآة بما لها من شكل جميل ككونها مربعة أو مستطيلة و غيرهما من الأوصاف.

و أمّا ما هو الأثر الشرعي لهذا التقسيم فموكول إلى دراسات عليا.

19

الأمر الرابع الموافقة الالتزامية

لا شكّ أنّ المطلوب في الأُصول الدينيّة و الأُمور الاعتقادية هو التسليم القلبي و الاعتقاد بها جزماً، إنّما الكلام في الأحكام الشرعية التي ثبتت و تنجّزت بالقطع أو بالحجّة الشرعية، فهل هناك تكليفان؟

أحدهما الالتزام بأنّه حكم اللّه قلباً و جناناً.

ثانيهما الامتثال عملًا و خارجاً.

فهل لكلّ، امتثال و عصيان، فلو التزم قلباً و خالف عملًا فقد عصى عملًا؛ كما أنّه لو وافق عملًا و خالف جناناً و التزاماً فقد ترك الفريضة القلبية، فيؤاخذ عليه؟

أو أنّ هناك تكليفاً واحداً، و هو لزوم امتثال الأحكام الفرعية في مقام العمل و إن لم يلتزم بها قلباً و جناناً، و هذا كمواراة الميّت فتكفي و إن لم يلتزم قلباً بأنّها حكم اللّه الشرعي؟

فليعلم أنّ البحث في غير الأحكام التعبدية، فإنّ الامتثال فيها رهن الإتيان بها للّه سبحانه أو لامتثال أمره أو غير ذلك ممّا لا ينفك الامتثال عن الالتزام و التسليم بأنّه حكمه سبحانه، فينحصر البحث عن وجوب الموافقة الالتزامية و عدمه في الأحكام التوصلية.

ذهب المحقّق الخراساني إلى القول الثاني، باعتبار أنّ الوجدان الحاكم في باب الإطاعة و العصيان خير شاهد على عدم صحّة عقوبة العبد الممتثل لأمر

20

المولى و إن لم يلتزم بحكمه.

و ربّما يقال: إنّ الالتزام مع العلم بأنّ الحكم للّه أمر قهري، فكيف يمكن أن يواري المسلمُ الميّتَ مع العلم بأنّه سبحانه أمر به و لا يلتزم بأنّها حكم اللّه، فعدم عقد القلب على وجوبه أو على ضدّه أمر ممتنع و بذلك يُصبح النزاع غير مفيد.

و على هذا، فالعلم بالحكم يلازم التسليم بأنّه حكم اللّه. (1) و لكن الظاهر عدم الملازمة بين العلم و التسليم، فربّ عالم بالحق، غير مسلِّم قلباً، فإنّ الإنسان كثيراً ما يعلم بأهلية المنصوب من قبل من له النصب، لكنّه لا ينقاد له قلبه و لا يسلّمه باطناً، و إن كان في مقام العمل يتحرّك بحركته خوفاً من سوطه و سطوته، و هكذا كان حال كثير من الكفّار بالنسبة إلى نبيّنا، حيث إنّهم كانوا عالمين بنبوّته كما نطق به القرآن، و مع ذلك لم يكونوا منقادين له قلباً و لا مقرّين باطناً، و لو كان ملاك الإيمان الحقيقي نفس العلم التصديقي لزم أن يكونوا له مؤمنين حقيقة. (2) و الذي يدلّ على أنّ بين العلم و التسليم مرحلة أو مراحل قوله سبحانه: (فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً). (3) قيل: نزلت في الزبير و رجل من الأنصار خاصمه إلى النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) في شراج‏ (4) من الحرّة كانا يسقيان بها النخل كلاهما، فقال النبي للزبير:» اسق ثمّ أرسل إلى‏

____________

(1). لاحظ تهذيب الأُصول: 46/ 2.

(2). نهاية الدراية: 26/ 2.

(3). النساء: 65.

(4). مسيل الماء من الحرّة إلى السهل، و» الحرّة «: الأرض ذات الحجارة.

21

جارك «، فغضب الأنصاري و قال: يا رسول اللّه لئن كان ابن عمتك .... (1) فإنّ خطاب الأنصاري للنبي (صلى الله عليه و آله و سلم) كشف عن عدم تسليمه لقضائه و إن لم يخالف عملًا، و بذلك يعلم أنّ المراد من الجحد في قوله سبحانه: (وَ جَحَدُوا بِها وَ اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَ عُلُوًّا). (2) هو الجحد القلبي و عدم التسليم لمقتضى البرهان، لا الجحد اللفظي؛ فالفراعنة أمام البيّنات التي أتى بها موسى كانوا:

1. عالمين بنبوة موسى و هارون (عليهما السلام) (اسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ‏).

2. لكن غير مسلِّمين قلباً، مستكبرين جناناً (وَ جَحَدُوا بِها).

ثمرة البحث‏

تظهر الثمرة في موارد العلم الإجمالي، فلو علم بنجاسة أحد الإناءين، فهل يجري الأصل العملي، كأصل الطهارة في كلّ منهما باعتبار كون كلّ واحد منهما مشكوك الطهارة و النجاسة أو لا؟

فثمة موانع عن جريان الأُصول في أطراف العلم الإجمالي. منها: وجوب الموافقة الالتزامية، فلو قلنا به، لمنع عن جريان الأُصول، فإنّ الالتزام بوجود نجس بين الإناءين، لا يجتمع مع الحكم بطهارة كلّ واحد منهما، فمن قال بوجوب الموافقة الالتزامية لا يصح له القول بجواز جريان الأصل في أطراف المعلوم إجمالًا، و أمّا من نفاه فهو في فسحة عن خصوص هذا المانع، و أمّا الموانع الأُخر فنبحث عنها في مبحث الاحتياط و الاشتغال إن شاء اللّه.

____________

(1). مجمع البيان: 69/ 2.

(2). النمل: 14.

22

المقام الثاني كشف العقل عن حكم الشرع‏

إنّ العقل كما مرّ أحد الحجج الأربع الّذي اتّفق أصحابنا إلّا قليلًا منهم على حجّيته في مجال استنباط الحكم الشرعي، غير انّ اللازم هو تحرير محلّ النزاع و تبيين إطار البحث، فإنّ عدم تحريره أوقع الكثير لا سيما الأخباريّين في الخلط و الاشتباه، فنقول:

إنّ عدّ العقل من مصادر التشريع و أحد الأدلّة الأربعة يتصوّر على أنحاء ثلاثة:

الأوّل: إذا استقلّ العقل بحسن فعل بما هو فعل صادر عن الفاعل المختار أو قبحه، و تجرّد في قضائه عن كلّ شي‏ء إلّا النظر إلى نفس الفعل فهل يكون حكم العقل كاشفاً عن حكم الشرع، و هذا نظير استقلال العقل بقبح العقاب بلا بيان، و حسنه معه، فهل يستكشف منه انّ حكم الشرع كذلك؟ و هكذا إذا أمر المولى بشي‏ء و استقل العقل بوجود الملازمة بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدّمته أو وجوب الشي‏ء و حرمة ضدّه، أو امتناع اجتماع الأمر و النهي على شي‏ء واحد بعنوانين، أو جوازه إلى غير ذلك من أنواع الملازمات، فهل يكشف حكم العقل عن حكم الشرع؟

و بذلك يظهر انّ الموضوع للحسن و القبح هو نفس الفعل بما انّه صادر عن فاعل مختار، سواء أ كان الفاعل واجباً أم ممكناً، و سواء أ ترتب عليه المصالح أو

23

المفاسد أو لا، و سواء أ كان مؤمِّناً للأغراض العقلائية و عدمها، فالموضوع للحكم بالحسن أو القبح أو الملازمة أو ما أشبه ذلك هو ذات الفعل دون سائر الأُمور الجانبية.

الثاني: إذا أدرك الفقيه مصالح و مفاسد في الفعل، فهل يمكن أن يتخذ وقوفَه على أحدهما ذريعة إلى استكشاف الحكم الشرعي في الوجوب أو الحرمة بحيث يكون علم الفقيه بالمصالح و المفاسد من مصادر التشريع الإسلامي؟

و بعبارة أُخرى: إذا كان الموضوع ممّا لا نصّ فيه و لكن أدرك الفقيه بعقله، وجودَ مصلحة فيه و لم يَرد من الشارع أمر بالأخذ و لا بالرفض، فهل يصحّ تشريع الحكم على وفقها؟ و هذا هو الذي يسمّى بالمصالح المرسلة أو الاستصلاح في فقه أهل السنّة لا سيما المالكية، فكلّ مصلحة لم يرد فيها نصّ يدعو إلى اعتبارها أو عدم اعتبارها و لكن في اعتبارها نفع أو دفع ضرر فهل يتخذ دليلًا على الحكم الشرعي أو لا؟

الثالث: تنقيح مناطات الأحكام و ملاكاتها بالسبر و التقسيم بأن يُحصر الأوصاف التي توجد في واقعة الحكم و تصلح لأن تكون العلّة، واحدة منها و يختبرها وصفاً وصفاً على ضوء الشروط الواجب توفّرها في العلة، و بواسطة هذا الاختبار تُستبعد الأوصاف التي لا يصحّ أن تكون علة، و يستبقى ما يصحّ أن يكون علّة، و بهذا الاستبعاد و هذا الاستبقاء يتوصل إلى الحكم بأنّ هذا الوصف هو العلّة ثمّ يتبعه التشريع، و هذا ما يسمّى في الفقه الشيعي الإمامي بتنقيح المناط و استنباط العلّة.

إذا عرفت هذا فاعلم أنّ محطّ النزاع بين الأُصوليّين و الأخباريّين من أصحابنا هو المعنى الأوّل.

و سنرجع إليه بعد استيفاء البحث في الأخيرين فنقول:

24

أمّا المعنى الثاني و الثالث فلم يقل به أحد من أصحابنا إلّا الشاذّ النادر منهم، و ذلك لأنّ كون الفعل ذا مصلحة أو مفسدة عند الفقيه لا يكشف عن الحكم الشرعي لقصور العقل عن الإحاطة بالمصالح و المفاسد الواقعية، فربما يُدرك المصلحة و المفسدة و يَغفل عن موانعهما، فإدراك العقل المصالح و المفاسد لا يكون دليلًا على أنّها ملاكات تامة لتشريع الحكم على وفقها.

و هكذا المعنى الثالث، فإنّ الخوض في تنقيح مناطات الأحكام عن طريق السبر و التقسيم من الخطر بمكان، إذ انّى نعلم أنّ ما أدركه مناطاً للحكم هو المناط له، فانّ العقل قاصر عن إدراك المناطات القطعية.

ثمّ لو افترضنا انّه أصاب في كشف المناط، فمن أين علم أنّه تمام المناط و لعلها جزء العلّة و هناك جزء آخر منضم إليه في الواقع و لم يصل الفقيه إليه؟

و لأجل ذلك رفض أصحابنا قاعدة الاستصلاح و المصالح المرسلة و هكذا استنباط العلّة عن طريق القياس، بمعنى السبر و التقسيم.

نعم يستثنى من المعنى الثاني، المصالح و المفاسد العامة التي أطبق العقلاء عامة على صلاحها أو فسادها على نحو صار من الضروريات، و هذا كتعاطي المخدّرات التي أطبق العقلاء على ضررها؛ و مثله التلقيح الوقائي عند ظهور الأمراض السارية كالجُدري، و الحصبة و غيرهما، فقد أصبح من الأُمور التي لا يتردّد في صلاحيتها ذوو الاختصاص.

و لشيخنا المظفر (قدس سره) كلام يشير إلى خروج المعنيين عن محط النزاع، بنصّ واحد لا بأس بنقله:

» لا سبيل للعقل بما هو عقل إلى إدراك جميع ملاكات الأحكام الشرعية، فإذا أدرك العقل المصلحة في شي‏ء أو المفسدة في آخر، و لم يكن إدراكه مستنداً إلى‏

25

المصلحة أو المفسدة العامّتين اللّتين يتساوى في إدراكهما جميع العقلاء، فانّه أعني: العقل لا سبيل له إلى الحكم بأنّ هذا المدرَك، يجب أن يحكم به الشارع على طبق حكم العقل، إذ يحتمل انّ ما هو مناط الحكم عند الشارع، غير ما أدركه العقل مناطاً، أو أنّ هناك مانعاً يمنع من حكم الشارع على طبق ما أدركه العقل، و إن كان ما أدرك مقتضياً لحكم الشارع «. (1) فخرجنا بالنتائج التالية:

أوّلًا: انّ حكم العقل بشي‏ء يكشف عن كون الحكم عند الشرع كذلك شريطة أن يكون العقل قاطعاً و يكون المدرَك حكماً عاماً. و ذلك لما عرفت من انّ المدرك حكم عام لا يختصّ بفرد دون فرد، و الشرع و غير الشرع فيه سيان، كما هو الحال في الأمثلة المتقدمة.

ثانياً: إذا أدرك العقل وجود المصلحة أو المفسدة في الأفعال إدراكاً نوعياً يستوي فيه جميع العقلاء، كوجود المفسدة في استعمال المخدرات، ففي مثله يكون حكم العقل ذريعة لاستكشاف الحكم الشرعي. دون ما لا يكون كذلك كادراك فرد أو فردين وجود المصلحة الملزِمة.

ثالثاً: استكشاف ملاكات الأحكام و استنباطها بالسبر و التقسيم، ثمّ استكشاف حكم الشرع على وفقه أمر محظور، لعدم إحاطة العقل بمصالح الأحكام و مفاسدها، و سوف يوافيك عند البحث عن سائر مصادر الفقه عدم العبرة بالاستصلاح الذي عكف عليه مذهب المالكية.

إذا عرفت ذلك، فاعلم أنّ الكلام يقع في المعنى الأوّل في موردين:

الأوّل: إمكان استقلال العقل بدرك حسن الشي‏ء أو قبحه أو دركه الملازمة

____________

(1). أُصول الفقه: 239/ 1 240.

26

بين الوجوبين.

الثاني: إذا استقلّ العقل بما ذكر فهل يكشف عن كونه كذلك عند الشرع.

أمّا الأوّل، فالعدلية متّفقة على إمكانه، و هو من الأحكام البديهية للعقل ضرورة انّ كلّ إنسان يجد في نفسه حسن العدل و قبح الظلم، و إذا عرض الأمرين على وجدانه يجد في نفسه نزوعاً إلى العدل و تنفّراً عن الظلم و هكذا سائر الأفعال التي تعد من مشتقات الأمرين.

يقول العلّامة الحلّي:» إنّا نعلم بالضرورة حسن بعض الأشياء و قبح بعضها من دون نظر إلى شرع، فإنّ كلّ عاقل يجزم بحسن الإحسان و يمدح عليه و بقبح الإساءة و الظلم و يذم عليه، و هذا حكم ضروري لا يقبل الشكّ و ليس مستفاداً من الشرع لحكم البراهمة و الملاحدة به من غير اعتراف منهم بالشرائع «. (1) إنّ حكم الإنسان بحسن العدل و قبح الظلم ليس بأدون من الجزم بحاجة الممكن إلى العلّة، أو انّ الأشياء المساوية لشي‏ء متساوية، فإذا أمكن الجزم بالأمرين الأخيرين فليكن الأمر الأوّل كذلك.

هذا كلّه حول الأمر الأوّل.

و أمّا الأمر الثاني أعني: الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع فهو ثابت أيضاً، لأنّ الموضوع للحسن و القبح هو نفس الفعل بغضِّ النظر عن فاعل خاص، بل مع غض النظر عمّا يترتّب عليه من المصالح و المفاسد، فإذا كان هذا هو الموضوع فما وقف عليها العقل بفطرته و وجدانه يعمّ فعل الواجب و الممكن.

و بعبارة أُخرى: انّ ما يدركه العقل في الحكمة العملية مثل ما يدركه في الحكمة النظرية، فكما انّ ما يدركه لا يختص بالمدرِك بل يعمه و غيره، فهكذا الحال في الحكمة العملية، مثلًا: إذا أدرك العقل بفضل البرهان الهندسي بانّ زوايا

____________

(1). كشف المراد مع تعليقتنا: 59 نشر المؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام).

27

المثلث تساوي قائمتين فقد أدرك أمراً واقعياً لا يختص بالمدرك لانّ التساوي من آثار طبيعة المثلث، فهكذا إذا أدرك حسن شي‏ء أو قبحه و الفرق بين الحكمتين انّ المعلوم في النظرية من شأنه أن يعلم كما انّ المعلوم في العملية من شأنه أن يعمل به.

فإن قلت: كيف يمكن الاعتماد على حكم العقل و جعله دليلًا على الحكم الشرعي مع أنّه قامت الأدلّة على لزوم العمل بحكم تتوسط الحجّة في تبليغه و بيانه و لا عبرة بالحكم الواصل من غير تبليغ الحجّة؟ و تدلّ على ذلك الأحاديث التالية:

1. صحيح زرارة» فلو انّ رجلًا صام نهاره، و قام ليله، و تصدّق بجميع ماله، و حجّ جميع دهره، و لم يعرف ولاية ولي اللّه فيواليه و تكون جميع أعماله بدلالته إليه، ما كان له على اللّه ثواب و لا كان من أهل الإيمان «. (1) 2. قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم):» من دان بغير سماع ألزمه اللّه التيه يوم القيامة «. (2) 3. و قال أبو جعفر (عليه السلام):» كلّما لم يخرج من هذا البيت فهو باطل «. (3) إلى غير ذلك من الروايات. (4) قلت أوّلًا: انّ الروايات ناظرة إلى المُعْرضين عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام) و المستهدين بغيرهم على وجه كان جميع أعمالهم بدلالة سواهم، و أمّا من أناخ مطيّته على عتبة أبوابهم في كلّ أمر كبير و صغير، و مع ذلك اعتمد على العقل في مجالات خاصة فالروايات منصرفة عنه جداً.

____________

(1). الوسائل: الجزء 18، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 13.

(2). الوسائل: 18، الباب 10 من أبواب صفات القاضي، الحديث 14 و 18.

(3). الوسائل: 18، الباب 10 من أبواب صفات القاضي، الحديث 14 و 18.

(4). الكافي: 13/ 161، باب العقل و الجهل.

28

و بعبارة أُخرى: كما للآيات أسباب و شأن نزول، فهكذا الروايات لها أسباب صدور فهي تعبِّر عن سيرة قضاة العامة و فقهائهم كأبي حنيفة و ابن شبرمة و أضرابهم الذين أعرضوا عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) و لم ينيخوا مطاياهم على أبواب أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) فيخاطبهم الإمام بما في هذه الروايات.

و أمّا فقهاء الشيعة الذين رجعوا في كلّ واقعة إلى الكتاب و السنّة و تمسّكوا بالثقلين فلا تعمّهم، و المورد (صدورها في مورد فقهاء العامة) و إن لم يكن مخصصاً لكن يمكن إلغاء الخصوصية بالنسبة إلى المماثل و المشابه لا المباين، و تمسّك أصحابنا بالعقل في مجالات خاصة لا يعدُّ إعراضاً عنهم بخلاف غيرهم.

و ثانياً: إذا كان العقل أحد الحجج كما في صحيح هشام فيكون الحكم المستكشف ممّا وصل إلى المكلّف بتبليغ الحجّة أيضاً.

روى هشام عن أبي عبد اللّه (عليه السلام):» يا هشام إنّ للّه على الناس حجّتين: حجّة ظاهرة، و حجّة باطنة؛ فالظاهرة الرسل و الأنبياء و الأئمّة، و أمّا الباطنة فالعقول «. (1) و هناك كلام للمحقّق القمي نتبرّك بذكره ختاماً للبحث، قال:

» إنّ انحصار الطاعة و المخالفة في موافقة الخطاب اللفظي و مخالفته، دعوى بلا دليل، بل هما موافقة طلب الشارع و مخالفته و إن كان الطلب بلسان العقل، و نظير ذلك أنّ اللّه تعالى إذا كلّف نبيّه بواسطة إلهام من دون نزول وحي من جبرئيل (عليه السلام) و إتيان كلام، و امتثله النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فيقال إنّه أطاع اللّه جزماً، و العقل فينا نظير الإلهام فيه.

____________

(1). لاحظ الكافي: 60/ 1، باب الرد إلى الكتاب و السنة، الحديث 6؛ و أيضاً ص 56 باب البدع و الرأي و المقاييس، الحديث 7.

29

ثمّ يقول: إنّ من يدّعي حكم العقل بوجوب ردّ الوديعة و حرمة الظلم يدّعي القطع بأنّ اللّه تعالى خاطبه بذلك بلسان العقل، فكيف يجوز العمل بالظن بخطاب اللّه تعالى و تكليفه، و لا يجوز العمل مع اليقين به؟ فإن كان و لا بدّ من المناقشة، فليكتف في منع حصول هذا القطع من جهة العقل و انّه لا يمكن ذلك «. (1) ثمرات البحث إذا قلنا بالحسن و القبح العقليّين و الملازمة بين الحكمين تترتب عليه ثمرات أُصولية نذكر منها ما يلي:

1. البراءة من التكليف لقبح العقاب بلا بيان.

2. لزوم تحصيل البراءة اليقينيّة عند العلم الإجمالي و تردّد المكلّف به بين أمرين لأجل حكم العقل بأنّ الاشتغال اليقيني يستدعي الفراغ اليقيني.

3. الإتيان بالمأمور به مجز عن الإعادة و القضاء لقبح بقاء الأمر بعد الامتثال.

4. وجوب تقديم الأهم على المهم إذا دار الأمر بينهما لقبح العكس.

و أمّا الثمرات الفقهية المترتّبة على القول بالملازمة العقلية فيستنتج منها الأحكام التالية:

1. وجوب المقدّمة على القول بحكم العقل بالملازمة بين الوجوبين.

2. حرمة ضد الواجب على القول بحكم العقل بالملازمة بين الأمر بالشي‏ء و النهي عن ضدّه.

____________

(1). القوانين: 2/ 32.

30

3. بطلان العبادة على القول بامتناع اجتماع الأمر و النهي و تقديم النهي عن الأمر.

4. صحّة العبادة على القول بالامتناع و تقديم جانب الأمر.

5. صحّة العبادة على القول بجواز اجتماع الأمر و النهي.

6. فساد العبادة إذا تعلّق النهي بنفس العبادة سواء كان المنهي نفسها أو جزئها أو شرطها أو أوصافها.

7. فساد المعاملة إذا تعلّق النهي بالثمن أو المثمن للملازمة بين النهي و فسادها.

8. انتفاء الحكم (الجزاء) مع انتفاء الشرط إذا كان علة منحصرة.

31

الأدلّة الأربعة

2 الإجماع المحصّل‏

الإجماع المحصّل أحد مصادر التشريع عند أهل السنّة بما هو هو لا بما هو كاشف عن حجّة شرعية، كما عليه الإمامية، و قد اختلفت كلمة الأُصوليّين في تعريفه.

فعرّفه الغزالي بقوله: إنّه اتّفاق أُمّة محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) بعد وفاته في عصر من العصور على حكم شرعي. (1) و على هذا التعريف لا يكفي اتّفاق المجتهدين، بل يجب اتّفاق جميع المسلمين في عصر من العصور، و هو أمر نادر الوقوع.

و عرّفه الآخرون: باتّفاق أهل الحلّ و العقد على حكم من الأحكام، أو اتّفاق المجتهدين من أُمّة محمّد في عصر على أمر.

المهم في المقام هو الوقوف على وجه حجّية الإجماع عند أهل السنّة أوّلًا، و عند الشيعة ثانياً، فانّ الإجماع عند الطائفة الأُولى بما هو هو دليل شرعي يُضفي على الحكم صبغة الشرعية فهو في عرض الكتاب و السنّة و العقل.

أمّا الإجماع عند الطائفة الثانية فهو عندهم حجّة لأجل كشفه عن قول المعصوم أو دليل معتبر، و لأجل إيقاف القارئ على موقف الطائفتين من الإجماع، نوضح الموضوع إجمالًا.

____________

(1). المستصفى: 110/ 1.

32

موقف أهل السنّة من الإجماع المحصَّل‏

إذا اتّفق المجتهدون من أُمّة محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) في عصر من العصور على حكم شرعي، يكون المجمع عليه حكماً شرعياً واقعياً عند أهل السنّة و لا تجوز مخالفته، و ليس معنى ذلك انّ إجماعهم على حكم من تلقاء أنفسهم يجعله حكماً شرعياً، بل يجب أن يكون إجماعهم مستنداً إلى دليل شرعي قطعي أو ظنّي، كالخبر الواحد و المصالح المرسلة و القياس و الاستحسان.

فلو كان المستند دليلًا قطعياً من قرآن أو سنّة متواترة يكون الإجماع مؤيداً و معاضداً له؛ و لو كان دليلًا ظنياً كما مثلناه، فيرتقي الحكم حينئذ بالإجماع من مرتبة الظن إلى مرتبة القطع و اليقين.

و مثله ما إذا كان المستند هو المصلحة أو دفع المفسدة، فالاتّفاق على حكم شرعي استناداً إلى ذلك الدليل يجعله حكماً شرعياً قطعياً، كزيادة أذان لصلاة الجمعة في عهد عثمان لإعلام الناس بالصلاة كي لا تفوتهم، حتى صار الأذان الآخر عملًا شرعياً إلهياً و إن لم ينزل به الوحي. (1) و على ذلك فقد أعطى سبحانه للإجماع و اتّفاق الأُمّة منزلة كبيرة على وجه إذا اتّفقوا على أمر، يُصبح المجمع عليه حكماً شرعياً قطعياً كالحكم الوارد في القرآن و السنّة النبويّة، و لذلك قلنا بأنّ الإجماع عندهم من مصادر التشريع.

ثمّ إنّهم استدلّوا على ما راموه بوجوه:

منها: قوله سبحانه: (وَ مَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى‏ وَ يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَ ساءَتْ مَصِيراً). (2) وجه الاستدلال انّه سبحانه ابتدأ كلامه بجملتين شرطيّتين:

____________

(1). الوجيز في أُصول الفقه لابن وهبة: 49.

(2). النساء: 115.

33

أ. (وَ مَنْ يُشاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدى‏).

ب. (و [مَنْ‏] يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ‏).

ثمّ إنّه سبحانه جعل لهما جزاءً واحداً و هو قوله: (نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى ...) فإذا كانت مشاقّة اللّه و رسوله حراماً كان اتّباع غير سبيل المؤمنين حراماً مثله بشهادة وحدة الجزاء، فإذا حرم اتّباع غير سبيلهم، فاتّباع سبيلهم واجب إذ لا واسطة بينهما. و يلزم من وجوب اتّباع سبيلهم كون الإجماع حجّة، لأنّ سبيل الشخص ما يختاره من القول أو الفعل أو الاعتقاد. (1) يلاحظ عليه أوّلًا: أنّ الوقوف على مفاد الآية يتوقّف على تبيين سبيل المؤمن و الكافر أي سبيل لا من يشاقق و من يشاقق في عصر الرسول الذي تحكي الآية عنه، فسبيل المؤمن هو الإيمان باللّه و إطاعة الرسول و مناصرته، و سبيل الآخر هو الكفر باللّه و معاداة الرسول و مشاقّته، فاللّه سبحانه يندّد بالكافر و يذكر جزاءه بقوله: (نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ‏) و يكون جزاء المؤمن بطبع الحال خلافه.

و على ضوء ذلك يكون المراد من اتّباع سبيل المؤمنين هو إطاعة الرسول و مناصرته، و من سبيل غيرهم هو معاداة الرسول و مناقشته فأي صلة للآية بحجّية اتّفاق المؤمنين على حكم من الأحكام.

و بعبارة أُخرى: أنّ الموضوع للجزاء في الآية مركّب من أمرين:

أ. معاداة الرسول.

ب. سلوك غير سبيل المؤمنين.

فَعَطفَ أحدهما على الآخر بواو الجمع و جَعَلَ سبحانه لهما جزاءً واحداً و هو قوله: (نُوَلِّهِ ما تَوَلَّى وَ نُصْلِهِ جَهَنَّمَ‏).

____________

(1). الوجيز: 49.

34

و بما انّ معاداة الرسول وحدها كافية في الجزاء و هذا يكشف عن انّ المعطوف عبارة أُخرى عن المعطوف عليه، و المراد من اتّباع غير سبيل المؤمنين هو شقاق الرسول و معاداته و ليس أمراً مغايراً معه كما حسبه المستدل.

و ثانياً: أنّ سبيل المؤمنين في عصر الرسول هو نفس سبيل الرسول، فحجّية السبيل الأوّل لأجل وجود المعصوم بينهم و موافقته معه فلا يدلّ على حجّية مطلق سبيل المؤمنين بعد مفارقته عنهم.

و منها: قوله سبحانه: (وَ كَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ وَ يَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً). (1) وجه الاستدلال: انّ الوسط من كلّ شي‏ء خياره، فيكون تعالى قد أخبر عن خيرية هذه الأُمّة، فإذا أقدموا على شي‏ء من المحظورات لما وُصِفُوا بالخيرية فيكون قولهم حجة.

يلاحظ عليه: أنّ وصف جميع الأُمّة بالخير و العدل مجاز قطعاً، فإنّ بين الأُمّة من بلغ في الصلاح و الرشاد إلى درجة يُستدرُّ بهم الغمام، و في الوقت نفسه فيها من بلغ في الشقاء إلى درجة خضّب الأرض بدماء الصالحين و المؤمنين، و مع ذلك كيف تكون الأُمّة بلا استثناء خياراً و عدلًا، و تكون بعامة أفرادها شهداء على سائر الأُمم، مع أنّ كثيراً منهم لا تقبل شهادتهم في الدنيا فكيف في الآخرة.

يقول الإمام الصادق (عليه السلام) في تفسير الآية:» فإن ظننت انّ اللّه عنى بهذه الآية جميع أهل القبلة من الموحّدين، أ فترى أنّ من لا تجوز شهادته في الدنيا على صاع من تمر، تُطلب شهادته يوم القيامة و تقبل منه بحضرة جميع الأُمم الماضية؟! «. (2) و هذا دليل على أنّ الوسطية وصف لعدة منهم، و لمّا كان الموصوف بالوسطية

____________

(1). البقرة: 143.

(2). البرهان في تفسير القرآن: 160/ 1.

35

جزءاً من الأُمّة الإسلامية صحّت نسبة وصفهم إلى الجميع، نظير قوله سبحانه: (وَ إِذْ قالَ مُوسى‏ لِقَوْمِهِ يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ وَ جَعَلَكُمْ مُلُوكاً) (1) فقد وصف عامّة بني إسرائيل بكونهم ملوكاً، مع أنّ البعض منهم كان ملكاً.

و إذا كانت الوسطية لعدّة منهم دون الجميع، يكون قولهم هو الحجّة كما يكونوا هم الشهداء يوم القيامة لا جميع الأُمّة و إنّما نسب إلى الجميع مجازاً. و أمّا من هو هذه العدّة فبيانه على عاتق التفسير.

و منها: ما روي عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم):» انّ أُمّتي لا تجتمع على ضلالة «. و رواه أصحاب السنن. (2) يلاحظ عليه: أوّلًا: أنّ الحديث مع أنّه روي في غير واحد من السنن ضعيف السند.

قال الشيخ العراقي في تخريج أحاديث تفسير البيضاوي:» جاء الحديث بطرق في كلّها نظر «. (3) و قد قمنا بدراسة هذا الحديث و تحليله في رسالة (4) جمعنا فيها أسانيده و خرجنا بحصيلة انّ جميع تلك الأسانيد ضعيفة، مضافاً إلى أنّ الحديث خبر واحد لا يحتجّ به في الأُصول.

ثانياً: أنّ الوارد في الحديث هو عدم الاجتماع على» الضلالة «لا عدم الاجتماع على» الخطأ «، فيكون الحديث ناظراً إلى مسائل العقيدة التي هي مدار الهداية و الضلالة لا إلى الفروع، فلا يوصف المصيب فيها بالهداية و المخطئ بالضلالة.

____________

(1). المائدة: 20.

(2). ابن ماجه: السنن: 2، الحديث 3950؛ الترمذي: السنن: 4، برقم 2167؛ أبو داود: السنن: 4، برقم 4253؛ مسند أحمد: 145/ 5.

(3). سنن ابن ماجه: 1303/ 2.

(4). لاحظ كتاب» رسائل و مقالات «: ج 194/. 2 209

36

ثالثاً: أنّ المصون من الضلالة هي الأُمّة بما هي أُمّة لا الفقهاء فقط و لا أهل العلم و لا أهل الحل و العقد، و على ذلك ينحصر مفاد الحديث بما اتّفقت عليه جميع الأُمّة في مجال العقائد و الأُصول و الفروع.

إلى هنا تمّ ما استدلّ به أهل السنّة على حجّية الإجماع و كونه من مصادر التشريع بما هو هو، و قد عرفت قصور أدلّتهم عن إثبات مرامهم فهلمّ معي ندرس مكانة الإجماع عند الشيعة.

مكانة الإجماع المحصّل عند الشيعة

إنّ الأُمّة مع قطع النظر عن الإمام المعصوم بينهم، غير مصونة من الخطأ في الأحكام فليس للاتّفاق و الإجماع رصيد علمي، إلّا إذا كشف عن الحجّة بأحد الطريقين:

1. استكشاف قول المعصوم بالملازمة العقلية (قاعدة اللطف).

2. استكشاف قوله (عليه السلام) بالملازمة العادية (قاعدة الحدس).

أمّا الأمر الأوّل فحاصل النظرية انّه يمكن أن يستكشف عقلًا رأي الإمام (عليه السلام) من اتّفاق من عداه من العلماء على حكم و عدم ردعهم عنه نظراً إلى قاعدة اللطف التي لأجلها وجب على اللّه نصب الحجّة الموصوف بالعلم و العصمة في كلّ الأزمنة. فإنّ من أعظم فوائدها، حفظ الحقّ و تمييزه عن الباطل كي لا يضيع بخفائه و يرتفع عن أهله أو يشتبه بغيره، و تلقينُهم طريقاً يتمكن العلماء و غيرهم من الوصول به إليه و منعهم و تثبيطهم عن الباطل أوّلًا أو ردّهم عنه إذا أجمعوا عليه ثانياً. (1)

____________

(1). كشف القناع: 114.

37

و حاصل هذا الوجه: انّ من فوائد نصب الإمام هو هداية الأُمّة و ردّهم عن الإجماع على الباطل و إرشادهم إلى الحقّ، فلو كان المجمع عليه باطلًا كان على الإمام ردّهم عن ذلك الاتّفاق بوجه من الوجوه. و هذا ما يسمّى بقاعدة اللطف.

و أمّا الثاني أي استكشاف قوله (عليه السلام) بالملازمة العادية فيمكن تقريره بالنحوين التاليين:

الف: تراكم الظنون مورث لليقين‏

إنّ فتوى كلّ فقيه و إن كان يفيد الظن و لو بأدنى مراتبه، إلّا أنّها تعزَّز بفتوى فقيه ثان فثالث، إلى أن يحصل للإنسان اليقين من إفتاء جماعة على حكم القطعُ بالصحة، إذ من البعيد أن يتطرق البطلان إلى فتوى جماعة كثيرين.

نقل المحقّق النائيني عن بعضهم: إنّ حجّيته لمكان تراكم الظنون من الفتاوى إلى حدّ يوجب القطع بالحكم كما هو الوجه في حصول القطع من الخبر المتواتر. (1)

ب: الاتّفاق كاشف عن دليل معتبر

إنّ حجّية الاتّفاق ليس لأجل إفادتها القطع بالحكم، بل لأجل كشفه عن وجود دليل معتبر وصل إليهم و لم يصل إلينا، و هذا هو الذي اعتمد عليه صاحب الفصول و قال: يستكشف قول المعصوم عن دليل معتبر باتّفاق علمائنا الذين كان ديدنهم الانقطاع إلى الأئمّة في الأحكام و طريقتهم التحرّز عن القول بالرأي و الاستحسان.

____________

(1). فوائد الأُصول: 149/ 3

38

و هذان الوجهان هما السندان لحجية الإجماع المحصل، و هناك بحوث أُخرى تطلب من دراسات عليا.

ثمّ إنّ الدارج في الكتب الأُصولية هو البحث عن حجّية الإجماع المحصّل المنقول إلينا بخبر الواحد، و بما انّ حجّية مثل هذا النقل، فرع حجّية خبر الواحد آثرنا تأخيره إلى الفراغ من حجّية خبر الواحد.

39

الأدلّة الأربعة

3 الكتاب‏

إنّ الكتاب من أهم المصادر الشرعية للاستنباط، فلا محيص للفقيه من مراجعة الكتاب و استنطاقه، و قد نقل عن بعض أصحابنا الأخباريين عدم حجّية ظواهر الكتاب، و هذا ما يندى له الجبين، إذ كيف تكون المعجزة الكبرى للنبي (صلى الله عليه و آله و سلم) مسلوبة الحجية. و لعل اقتصارهم على السنّة كان رد فعل لما رواه البخاري عن عمر بن الخطاب انّه قال عند ما طلب النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) القلم و الدواة ليكتب كتاباً للأُمّة لئلّا يضلّوا بعده: حسبنا كتاب اللّه. (1) و على كلّ تقدير فالاقتصار على الكتاب كالاقتصار على السنّة على طرفي الإفراط و التفريط.

و المراد من حجّية ظواهر القرآن في مجال الفقه مضافاً إلى موارده الخاصة هو التمسك بعموماته و مطلقاته بعد الفحص عن القرائن العقلية أو اللفظية المتصلة أو الحالية المنقولة بخبر الثقة خصوصاً بعد الفحص عن مقيداته و مخصصاته في أحاديث العترة الطاهرة، فإذا تمت هذه الأُمور فهل يتمسك بظواهر القرآن في موردها؟

ذهب علماء الأُصول إلى وجوب الاستضاءة بنور القرآن فيما يدل عليه‏

____________

(1). صحيح البخاري: 30/ 1، كتاب العلم، باب كتابة العلم.

40

بظاهره و الاخباريون إلى المنع و انّ الاستدلال بالقرآن يتوقف على تفسير المعصوم فيُصبح الاحتجاج بتفسيره (عليه السلام) لا بنصّ القرآن.

ثمّ إنّ الأدلّة على حجّية ظواهر القرآن كثيرة نذكر منها ما يلي:

الأوّل: دلّت غير واحدة من الآيات القرآنية على أنّ القرآن نور، و النور بذاته ظاهر و مظهر لغيره، قال سبحانه: (يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَ أَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً). (1) و في آية أُخرى: (قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَ كِتابٌ مُبِينٌ‏) (2) فلو كان قوله (وَ كِتابٌ مُبِينٌ‏) عطفَ تفسير لما قبله، يكون المراد من النور هو القرآن.

إنّه سبحانه يصف القرآن بأنّه تبيان لكلّ شي‏ء، و حاشا أن يكون تبياناً له و لا يكون تبياناً لنفسه، قال سبحانه: (وَ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْياناً لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ وَ هُدىً وَ رَحْمَةً وَ بُشْرى‏ لِلْمُسْلِمِينَ‏). (3) و قال سبحانه: (إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَ يُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً). (4) أ فيمكن أن يهدي من دون أن يكون المهتدي مستفيداً من هدايته؟! فإن قلت: إنّ الاستدلال بظواهر القرآن على حجّيتها دور واضح، فإنّ الأخباري لا يقول بحجّيتها.

قلت: إنّ الاحتجاج على حجّية القرآن إنّما هو بنصوصه لا بظواهره، و الأخباري إنّما يمنع حجّية ظواهره لا حجّية نصوصه.

____________

(1). النساء: 174.

(2). المائدة: 15.

(3). النحل: 89.

(4). الإسراء: 9.

41

الثاني: قد تضافر بل تواتر عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) وجوب التمسك بالثقلين و فسرهما بالكتاب و السنّة، و قال:» إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه، و عترتي. ما إن تمسكتم بهما لن تضلّوا «فكلّ من الثقلين حجّة و انّ كلًا يؤيد الآخر.

الثالث: الروايات التعليمية التي علّم فيها الإمام تلاميذه كيفية استنباط الحكم من القرآن الكريم، فلو لم تكن ظواهر الكتاب حجّة لما كان للتعليم قيمة، فإنّ موقف الإمام في هذه المقامات موقف المعلّم لا موقف المتكلم عن الغيب.

و الروايات في ذلك المجال كثيرة نذكر منها واحدة، و هي رواية عبد الأعلى مولى آل سام و قد سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) بقوله: رجل عثر فوقع ظفره فجعل على إصبعه مرارة، فقال:» إنّ هذا يعرف من كتاب اللّه: (وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏) (1) ثمّ قال:» امسح على المرارة «. (2) فأحال الإمام (عليه السلام) حكم المسح على اصبعه المغطّى بالمرارة إلى الكتاب.

الرابع: قد تضافر عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في مورد تعارض الروايات لزوم عرضه على القرآن و انّ ما وافق كتاب اللّه يؤخذ به و ما خالف يضرب به عرض الجدار.

فقد روي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم):» إنّ على كلّ حق حقيقة، و على كلّ صواب نوراً، فما وافق كتاب اللّه فخذوه، و ما خالف كتاب اللّه فدعوه «. (3) الخامس: اتّفق الفقهاء على أنّ كلّ شرط خالف كتاب اللّه فهو مرفوض،

____________

(1). الحج: 78.

(2). الوسائل: 1، الباب 39 من أبواب الوضوء، الحديث 5.

(3). الوسائل: 18، الباب 9 من أبواب صفات القاضي، الحديث 10، و لاحظ الحديث 11، 12، 14 إلى غير ذلك.

42

ففي صحيحة عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سمعته يقول:» من اشترط شرطاً مخالفاً لكتاب اللّه فلا يجوز له، و لا يجوز على الذي اشترط عليه، و المسلمون عند شروطهم ممّا وافق كتاب اللّه «.

و في رواية أُخرى:» المسلمون عند شروطهم، إلّا كلّ شرط خالف كتاب اللّه عزّ و جلّ فلا يجوز «. (1) فلو لم يكن ظواهر الكتاب حجّة، لما كان هناك معنى لعرض الشرط على الكتاب في هذه الروايات و غيرها ممّا يشرف الفقيه على القطع بحجّية ظواهر الكتاب، و إنّما المهم دراسة أدلّة المخالف.

أدلّة الأخباري على عدم حجّية ظواهر الكتاب‏

استدلّ الأخباري على عدم حجّية ظواهر الكتاب بوجوه، أهمها وجهان:

الأوّل: انّ حمل الكلام الظاهر في معنى على أنّ المتكلّم أراد هذا، تفسير له بالرأي، و قد قال النبي (صلى الله عليه و آله و سلم):» من فسّر القرآن برأيه فليتبوّأ مقعده من النار «. (2) يلاحظ عليه: أنّ حمل الظاهر في معنى، على أنّ المتكلّم أراده ليس تفسيراً فضلًا عن كونه تفسيراً بالرأي، فانّ التفسير عبارة عن كشف القناع عن وجه المراد.

و أمّا الرأي فهو عبارة عن الميل إلى أحد الجانبين اعتماداً على الظن الذي لم يدلّ عليه دليل.

إذا عرفت معنى التفسير أوّلًا ثمّ الرأي ثانياً، نقول:

إنّ حمل الظاهر في معنى، على أنّه مراد المتكلّم، ليس من مقولة التفسير، إذ

____________

(1). الوسائل: 12، الباب 6 من أبواب الخيار، الحديث 1 و 2.

(2). الوسائل: 18، الباب 13 من أبواب صفات القاضي، الحديث 76.

43

ليس هنا أمر مستور يُكشف عنه، فالاستدلال بإطلاق الظاهر أو عمومه، ليس تفسيراً، و رافعاً لإبهامه بل هو من قبيل تطبيق الظاهر على مصاديقه، و التفسير عبارة عن كشف القناع عن وجه الآية، كالغطاء الموجود في الصلاة الوسطى في قوله سبحانه: (حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَ الصَّلاةِ الْوُسْطى‏) (1) فحملها على إحدى الصلوات، يقال انّه تفسير و كشف للقناع.

فإذا لم يكن حمل الظاهر على معنى على أنّه المراد، تفسيراً للآية يكون بالنسبة إلى الجزء الآخر» برأيه «أشبه بالسالبة بانتفاء الموضوع.

الثاني: اختصاص فهم القرآن بأهله. يظهر من مذاكرة الإمام أبا حنيفة و قتادة انّه لا يفهم القرآن إلّا من خوطب به، و هم أئمّة أهل البيت، و إليك نصّ ما دار بينهما من الحوار:

» يا أبا حنيفة! تعرف كتاب اللّه حق معرفته و تعرف الناسخ و المنسوخ؟ «قال: نعم.

قال:» يا أبا حنيفة: لقد ادّعيت علماً، ما جعل اللّه ذلك إلّا عند أهل الكتاب الذين أنزل عليهم، و لا هو إلّا عند الخاص من ذريّة نبيّنا محمّد، و ما ورثك اللّه عن كتابه حرفاً «. (2) أقول: إنّ الرواية لا تنفي عن أبي حنيفة المعرفة الإجمالية، و إنّما تنفي حقّ المعرفة، و هو لا يتحقّق إلّا بمعرفة الناسخ و المنسوخ و الخاص و العام و المطلق و المقيد إلى غير ذلك من القرائن المنفصلة التي تؤثِّر في الاحتجاج بالآية، و كلّها مخزونة عند أئمّة أهل البيت (عليهم السلام)، فمن عمل بظاهر الآية، بعد الرجوع إليهم في‏

____________

(1). البقرة: 238.

(2). وسائل الشيعة: الجزء 18، الباب 6 من أبواب صفات القاضي، الحديث 27.

44

معرفة تلك المواضع، فهو غير مشمول للرواية بل هي تردُّ على المستبدين بالقرآن الذين يفسرونه و يفتون به من دون مراجعة إلى من نزل القرآن في بيوتهم حتى يعرفوا ناسخه و منسوخه، و عامّه و خاصّه، و مطلقه و مقيده، و أين هو من عمل أصحابنا؟! فانّهم يحتجون بالقرآن بعد الرجوع إلى حديث العترة الطاهرة، في مجملاته و مبهماته، و مخصصات عمومه و مقيدات مطلقاته، ثمّ الأخذ بمجموع ما دلّ عليه الثقلان.

فالاستبداد بالقرآن شي‏ء و الاحتجاج بالقرآن بعد الرجوع إلى أحاديث العترة الطاهرة شي‏ء آخر، و الأوّل ممنوع و الثاني مجاز جرى عليه أصحابنا (رضوان اللّه عليهم) عبر القرون.

و بذلك يظهر مفاد سائر الروايات الواردة في هذا المضمار.

إلى هنا تمّ ما استدلّ به الأخباريون من منع التمسّك بظواهر القرآن و بقيت هناك أدلة أُخرى لهم تظهر حالها بالإمعان فيما ذكرنا.

الظواهر من القطعيات‏

ثمّ إنّ الأُصوليين ذكروا ظواهر القرآن تحت الظنون التي ثبتت حجّيتها بالدليل و أسموه بالظن الخاص مقابل الظن المطلق الذي ليس على حجّيته دليل سوى دليل الانسداد.

و لكن الحقّ انّ ظواهر كلام كلّ متكلم فضلًا عن ظواهر القرآن من الكواشف القطعية، و يظهر حال هذا المدعى بالإمعان فيما ذكرناه في الموجز و ما نوضحه في المقام.

إنّ الفرق بين الظاهر و النص هو انّ كلا الأمرين يحملان معنى واحداً و يتبادر منهما شي‏ء فارد، غير انّ الأوّل قابل للتأويل، فلو أوّل كلامه لعدّ عمله‏

45

خلافاً للظاهر و لا يعدّ مناقضاً في القول، كما إذا قال: أكرم العلماء، الظاهر في الوجوب ثمّ أشار بدليل خاص بأنّ المقصود هو الندب.

و أمّا النصّ فهو لا يحتمل إلّا معنى واحداً، و لا يصحّ تأويله بل يعد أمراً متناقضاً، و هذا مثل قوله سبحانه: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ‏). (1) فإنّ كون حظّ الذكر مثلي حظ الأُنثى شي‏ء ليس قابلًا للتأويل و لذلك يعدّ نصاً، و من حاول تأويله لا يقبل منه، و مثله قوله سبحانه: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ).

إذا علمت ذلك، فنقول: إنّ القضاء بين الرأيين: كشف الظواهر عن مراد المتكلّم هل هو كشف قطعي أو ظني، يتوقّف على بيان الوظيفة التي حملت على عاتق الظواهر؟ و تبيين رسالتها في إطار التفهيم و التفهّم؟ فلو تبيّن ذلك لسهل القضاء بأنّ الكشف قطعي أو ظني.

فنقول: إنّ للمتكلّم إرادتين:

1. إرادة استعمالية، و هي استعمال اللفظ في معناه، أو إحضار المعاني في ذهن المخاطب سواء أ كان المتكلّم جادّاً أو هازلًا أو مورّياً أو غير ذلك، سواء أ كان المعنى حقيقياً أو مجازياً.

2. إرادة جدية، و هي انّ ما استعمل فيه اللفظ مراد له جداً، و ما هذا إلّا لأنّه ربما يفارق المرادُ الاستعمالي، المرادَ الجدي، كما في الهازل و المورّي و المقنّن الذي يُرتِّب الحكم على العام و المطلق مع أنّ المراد الجدي هو الخاص و المقيد، ففي هذه الموارد تغاير الإرادةُ الجدية الإرادةَ الاستعمالية، إمّا تغايراً تاماً كما في الهازل و المورّي و اللاغي، أو تغايراً جزئياً كما في العام الذي أُريد منه الخاص، أو المطلق‏

____________

(1). النساء: 11.

46

الذي أُريد منه المقيد بالإرادة الجدية.

و على ضوء ذلك فيجب علينا أن نركِّز على أمرين:

الأوّل: ما هي الرسالة الموضوعة على عاتق الظواهر؟

الثاني: ما هو السبب لتسميتها ظنوناً؟

أمّا الأوّل: فالوظيفة الملقاة على عاتق الظواهر عبارة عن إحضار المعاني في ذهن المخاطب سواء أ كانت المعاني حقائق أم مجازات، فلو قال: رأيت أسداً، فرسالته إحضار انّ المتكلّم رأى الحيوان المفترس، و إذا قال: رأيت أسداً في الحمام، فرسالته إحضار انّ المتكلّم رأى رجلًا شجاعاً فيه، فكشف الجملة في كلا الموردين عن المراد الاستعمالي كشف قطعي و ليس كشفاً ظنياً، و قد أدّى اللفظ رسالته بأحسن وجه. و على ذلك لا تصحّ تسميته كشفاً ظنياً، اللّهمّ إلّا إذا كان الكلام مجملًا أو متشابهاً، فالكلام عندئذ قاصر عن إحضار المعنى الاستعمالي بوجه متعيّن، لكنّهما خارجان عن محطّ البحث فإنّ الكلام في الظواهر لا في المجملات و المتشابهات.

و أمّا الثاني: أي السبب الذي يوجب تسمية ذلك الكشف ظنياً، فانّه يتلخص في الأُمور التالية:

1. لعلّ المتكلّم لم يستعمل اللفظ في أيّ معنى.

2. أو استعمل في المعنى المجازي و لم ينصب قرينة.

3. أو كان هازلًا في كلامه.

4. أو مورّياً في خطابه.

5. أو لاغياً فيما يلقيه.

6. أو أطلق العام و أراد الخاص.

7. أو أطلق المطلق و أراد المقيّد.

47

إلى غير ذلك من المحتملات التي توجب الاضطراب في كشف المراد الاستعمالي عن المراد الجدي على وجه القطع.

و لكن أُلفت نظر القارئ إلى أُمور ثلاثة لها دور في المقام:

1. انّ علاج هذه الاحتمالات ليس من وظائف الظواهر حتى يوصف كشف الظواهر عن المراد الجدي لأجلها بالظنّية، و ذلك لما عرفت من أنّ المطلوب من الظواهر ليس إلّا شي‏ء واحد و هو إحضار المعاني في ذهن المخاطب، و أمّا الاحتمالات المذكورة و كيفية دفعها فليس لها صلة بالظواهر حتى يوصف كشفها لأجلها بأنّه ظني.

2. انّ بعض هذه الاحتمالات موجودة في النصوص فيحتمل فيه كون المتكلم لاغياً، أو هازلًا، أو مورّياً، أو متّقياً، أو غير ذلك من الاحتمالات، مع أنّا نرى أنّهم يعدّونها من القطعيات.

3. إنّ القوم عالجوا هذه الاحتمالات بادّعاء وجود أُصول عقلائية دافعة لها، كأصالة كون المتكلّم في مقام الإفادة، لا الهزل و لا التمرين، بدافع نفسي، لا بدافع خارجي كالخوف و غيره.

و الظاهر انّه لا حاجة إلى هذه الأُصول فإنّ الحياة الاجتماعية مبنيّة على المفاهمة بالظواهر، ففي مجال المفاهمة و التفاهم بين الأُستاذ و التلميذ و البائع و المشتري و السائس و المسوس، يعتبر المخاطبُ دلالة كلام المتكلّم على المراد الاستعمالي و الجدي دلالة قطعية لا ظنية، إلّا إذا كان هناك إبهام أو إجمال، أو جريان عادة على فصل الخاص و القيد عن الكلام.

و بذلك خرجنا بأن كشف الظواهر عن المراد الاستعمالي، بل المراد الجدي، على ما عرفت أخيراً في مجال المفاهمة الخصوصية (1) كشف قطعي و لا يُعرَّج إلى تلك الشكوك.

____________

(1). أي لا في مجال التقنين فإن كشفها عن المراد الجدّي ليس بقطعي.

48

الأدلّة الأربعة

4 السنّة

قد تطلق السنّة و يراد منها قول المعصوم و فعله و تقريره، فلا شك انّ السنّة بهذا المعنى من الأدلة القطعية، إذ هي عدل القرآن الكريم فهي الحجّة الثانية بعد الذكر الحكيم، و من أعرض عن السنّة و استغنى بالقرآن الكريم فقد عدل عن المحجّة البيضاء.

و قد يطلق السنة و يراد منها الخبر الحاكي عن السنّة الواقعية و هو المراد في المقام سواء نقلت بصورة متواترة أو مستفيضة أو محفوفة بالقرائن أو مجرّدة عن الاستفاضة و القرائن، و الكلام هنا في حجّية الخبر الواحد المجرّد عن كلّ شي‏ء، فانّ المتواتر أو الخبر الواحد المحفوف بالقرينة يفيدان العلم، و هكذا الخبر المستفيض يورث الاطمئنان المتاخم للعلم.

امّا كون السنّة الخبر الواحد المجرد عن القرائن «دليلًا ظنياً فإنّما هو لأجل سندها، و أمّا من حيث الدلالة فقد عرفت أنّ الدلالة في الجميع دلالة قطعية بالنسبة إلى المراد الاستعمالي، بل المراد الجدي في بعض المقامات.

ثمّ إنّ الإفتاء بمضمون الخبر الواحد يتوقف على ثبوت أمرين:

أ: إمكان التعبّد به إمكاناً ذاتيّاً.

ب: إمكان التعبّد به إمكاناً وقوعيّاً.

49

أمّا الإمكان بالمعنى الأوّل الذي يعبّر عنه بالإمكان الماهوي فهو أمر لا سترة عليه، ضرورة انّ التعبّد بالخبر ليس واجباً و لا ممتنعاً فيُصبح أمراً ممكناً بالذات، فنسبة جواز التعبد إلى الخبر كنسبة الوجود و العدم بالنسبة إلى الإنسان، فالبحث عن الإمكان بهذا المعنى، أمر خارج عن محط البحث.

و أمّا الإمكان بالمعنى الثاني و هو الذي لا يمنع عن وقوعه مانع خارجي عن الذات بعد إمكانه الذاتي فهو داخل محطّ البحث.

و هذا نظير إدخال المطيع في النار، فإنّه و إن كان ممكناً بالذات، لأنّه سبحانه قادر على الحَسن و القبيح، لكن غير ممكن وقوعاً لمخالفته لعدله و حكمته، فهو ممكن بالذات غير ممكن وقوعاً.

فذهب بعضهم كابن قبة (1) إلى امتناع التعبّد بالظن وقوعاً و استدلّ له بوجهين:

الأوّل: لو جاز العمل بالخبر الواحد في الفروع، لجاز العمل به في الأُصول، فلو أخبر أحد من اللّه سبحانه لزم قبول قوله إذا كان عادلًا بلا حاجة إلى طلب البيّنة و المعجزة.

يلاحظ عليه: أنّ الأمر في الفروع أسهل، فقبول الخبر فيها لا يلازم قبول خبره في ادّعاء النبوة التي هي أمر خطير.

الثاني: انّه يستلزم تحليل الحرام أو تحريم الحلال، فإذا كان الحكم الواقعي هو الحلية و قام خبر الواحد على الحرمة أو بالعكس و قلنا بحجّيته، يلزم أحد المحذورين.

____________

(1). محمد بن عبد الرحمن بن قبة الرازي المتكلّم المعاصر لأبي القاسم البلخي الذي توفّي عام 317 و قد توفى ابن قبة قبله بقليل. لاحظ رجال النجاشي برقم 1024.

50

و يعبّر عن حلّ هذا الاشكال في مصطلح الأُصوليّين» بالجمع بين الحكم الظاهري و الواقعي «.

و قد فصّل المتأخرون الكلام فيه و موجز الجواب في هذا المقام عن هذا الإشكال انّه إذا كان مفاد الخبر موافقاً للواقع يكون منجّزاً للحكم الواقعي، و أمّا إذا كان مخالفاً للواقع فيكون الحكم الواقعي عند من قامت الأمارة على خلافه، إنشائياً لا فعلياً، و إنّما يتوجّه الإشكال إذا كان هناك حكمان فعليان متضادان في واقعة واحدة، و أمّا إذا كان أحد الحكمين (الحكم الواقعي) إنشائياً و الآخر فعلياً فلا إشكال فيه، و التفصيل يطلب من دراسات علياء.

ما هو الأصل في العمل بالظنّ؟

و قبل التعرّف على أدلّة وقوع التعبّد بالظن في الشريعة الإسلامية يجب الوقوف على ما هي القاعدة الأوّلية في العمل بالظن، فهل هي حرمة العمل بالظن إلّا ما خرج بالدليل؟ أو الأصل جواز العمل بالظن إلّا ما خرج بالدليل؟ فعلى الأوّل يكون الأخذ بواحد من أقسام الظنون كالخبر الواحد و قول اللغوي و الشهرة الفتوائية و غيرها متوقفاً على وجود دليل، و إلّا فالأصل هو الحرمة؛ كما أنّه تنعكس القاعدة على القول الثاني، فالأصل هو حجّية كلّ ظن إلّا ما قام الدليل على الحرمة كالقياس و الاستحسان.

و بذلك يعلم أنّ المراد من الأصل في العنوان هو مقتضى الأدلة الاجتهادية، و يعبّر عنها بمقتضى القاعدة الأوّلية و ليس المراد منه هو الأصل العملي.

و على كلّ تقدير اتّفقت كلمة المحقّقين على أنّ الأصل هو حرمة العمل بالظن إلّا أن يقوم الدليل على الحجّية.