الوصائل إلى الرسائل‏ - ج1

- السيد محمد الحسيني الشيرازي المزيد...
372 /
5

مقدمة الناشر

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السّلام على أشرف الانبياء و المرسلين و على آله المعصومين، و اللعنة الدائمة على أعدائهم أجمعين الى قيام يوم الدين.

و بعد:

فانّ الاصول هو جمع أصل، و أصل الشي‏ء في اللغة أساسه القائم عليه، و هذا المعنى بالذات هو المراد بأصول الفقه، لأن الفقه قائم عليه.

إذن: فلا نقل و لا مجاز في كلمة الاصول هنا.

و قالوا في تعريف علم الأصول: إنه علم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الاحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، فالأمر- مثلا- يدل على الوجوب هو: قاعدة أصولية، فإذا تعلّق بالصلاة- مثلا- جعلنا الامر بالصلاة صغرى في الدليل، و القاعدة الأصولية كبرى، و قلنا: أقيموا الصلاة أمر بالصلاة، و كل أمر يقتضي الوجوب، ينتج أن الصلاة واجبة.

و بالتالي نستخلص من هذا التعريف ان كل مسألة لا تبني حكم شرعي فرعي مباشرة و بلا واسطة فهي دخيلة على علم الأصول، و غريبة عنه.

6

و قد وضح مما قدمناه أن الغاية من علم الأصول استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها، و الأحكام الشرعية على نوعين:

منها تكليفية، و هي الوجوب و الحرمة و الاستحباب و الكراهة و الإباحة، و منها وضعية مثل الصحة و الفساد.

و ليس من شك أن من تمكن من علم الأصول و تضلّع فيه، فهو كامل العدة و الآلة لاستخراج الحكم الشرعي من دليله، و يستطيع الدفاع عن رأيه بمنطق الدليل و البرهان، و هذا هو عين الاجتهاد، و بذلك تبيّن أنه لا مجتهد بلا علم بأصول الفقه، و لا عالم بأصول الفقه بلا ملكة الاستنباط، و أيضا تبيّن أن معرفة الفروع دون الأصول ليست من علم الفقه في شي‏ء حيث اتفق العلماء على أنّ الفقه هو العلم بالاحكام الشرعية عن أدلتها التفصيلية، و معنى هذا أن كل فقيه مجتهد، و كل مجتهد فقيه و لو بالملكة، و ان غير المجتهد ليس بفقيه‏ (1).

و الكتاب الذي بين يديك هو لواحد من أعلام الفقه و الاصول و هو آية الله العظمى الشيخ مرتضى الانصارى (قدّس سرّه)، و الذي ولد في مدينة دزفول الايرانية، و هاجر الى العراق و هو في عمر العشرين عاما، و كانت كربلاء المقدّسة أول محطة له، حيث تلقى دروسه عند السيد محمد المجاهد، و عند شريف العلماء، و كان والده مردّدا بين العودة الى ايران و البقاء في العراق، فتدخل السيد محمد المجاهد في اقناع أبيه على البقاء في كربلاء المقدّسة، فبقى ملتزما درس السيد محمد المجاهد، حتى وقعت حوادث سنة «1241 ه» في كربلاء المقدّسة، حيث تم محاصرتها من قبل الوالي العثماني «داود باشا» فاضطرّ عدد كبير من طلبة العلوم الدينية ترك كربلاء الى الكاظمية و النّجف الشريفتين، و كان الشيخ مرتضى ممن هاجر الى الكاظمية ثم عاد الى كربلاء بعد انتهاء الحصار، فأخذ يحضر درس الشيخ شريف العلماء المازندراني، ثم عاد الى ايران و مكث في نراق من قرى‏

____________

(1)- علم اصول الفقه: ص 11- 15.

7

كاشان، و في دزفول فترة من الزمن، ثم عاد الى العراق سنة «1249 ه» أيام رئاسة الشيخ علي كاشف الغطاء، فحضر درسه في النجف الأشرف، ثم درس عند صاحب الجواهر فترة من الزمن.

و امتاز الشيخ (قدّس سرّه) بمكانة علمية رفيعة حيث يعتبر الواضع لعلم الاصول الحديث عند الشيعة (1)، فقد أدخل نتائج أبحاث سبعة من الأعلام كالوحيد البهبهاني، و السيد محمد المجاهد في لباس جديد، إذ كان أغلب ما كتبه الوحيد في الأصول هو في معرض مناقشاته مع الاخباريين لاثبات صحة نظرية الاصوليين.

و هكذا و على يد الشيخ الانصاري بلغ علم الاصول مرحلة التكامل، فأصبحت كتبه مادّة دراسية في علم الاصول.

يقول عنه السيد الأمين: و انتشر تلاميذه، و ذاعت آثاره في الآفاق و كان من الحفّاظ، جمع بين قوة الذاكرة و قوة الفكر و الذهن و جودة الرأي، حاضر الجواب، لا يعيبه حلّ مشكلة و لا جواب مسألة (2).

ثم يقول أيضا: كتب في الاصول و الفقه لا يسع الواقف عليها و على ما فيها من الدقائق العجيبة، و التحقيقات الغريبة، مع لزوم الجادّة المستقيمة، و السليقة المعتدلة، الّا الالتزام لما يرى بالموافقة، و التسليم حتى يرى المجتهد الناظر في ذلك نفسه كالمقلد، و ذلك أقل شي‏ء يقال في حقه، فقد اشتهر أمره في الآفاق، و ذكره على المنابر، على وضع لم يتفق قبله لغيره، و كان مرجعا للشيعة قاطبة في دينهم و دنياهم‏ (3).

و قال عنه الشيخ عباس القمي (قدّس سرّه): خاتم الفقهاء و المجتهدين و اكمل الربانيين من العلماء (4).

____________

(1)- انظر أعيان الشيعة: ج 10 ص 118.

(2)- أعيان الشيعة: ج 10 ص 118.

(3)- الفوائد الرضوية: ص 664.

(4)- أعيان الشيعة: ج 10 ص 118.

8

أمّا أخلاقه و زهده: فقد عرف الشيخ مرتضى الانصاري بكثرة الصلاة و الصلات و حسن الأخلاق‏ (1)، و عرف بالزهد و التقوى أيضا، فكانت تأتيه الاموال الكثيرة فيهرب منها.

أما الحقوق الشرعية التي كانت تصل اليه، فكانت في حدود «200 ألف تومان» كان الشيخ يأخذ منها بمقدار ما يأخذ طالب العلم العادي، ثم يصرف بقية الأموال على طلبة الحوزة العلمية.

و يذكر أنّه اذا سافر للزيارة يعادله في المحمل خادم الشيخ «رحمة الله» و تحت كلّ منهما لحاف و بطانية من الكرباس الأخضر بلا ظهارة، و معهما قدر صغير موضوع في وسط المحمل لطبخ غذائهما (2).

و يقول عنه التنكابني في قصص العلماء: كان في غاية الزهد و الورع، العابد الدقيق في العبادة، و قد عاصرته و حضرت مجلسه، كان ملتزما بالنوافل اليومية، و مواظبا على زيارة عاشوراء، و صلاة جعفر الطيار، وصلت اليه الرئاسة الدينية بعد صاحب الجواهر لكنه لم يدن نفسه الى الى المخاصمات و لم يعط اجازة اجتهاد الى أحد (3).

الشيخ الاعظم و علم الاصول‏

لا شك أن المدرسة الأصولية في عهد الشيخ الانصاري بلغت ذروتها، و في زمانه تطورت الدراسات الأصولية حتى بلغت مرتبة عالية من البحث العلمي و الاستدلال العميق، لكن في عهده لم يكن للاخبارية وجود ظاهري، فلم يكن في قبال الشيخ الانصاري أحد من الأخباريين، لكنه عاصر هذا الصراع في عهوده الأخيرة و استفاد كثيرا من الحوارات و النقاشات التي كانت تجري بين الطرفين.

____________

(1)- أعيان الشيعة: ج 10 ص 118.

(2)- أعيان الشيعة: ج 10 ص 118.

(3)- قصص العلماء: ص 106.

9

و من زاوية هادئة كان الشيخ الانصاري يرصد مؤاخذات كل طرف على الآخر ثم يتبحر في مناقشة أدلة كل طرف حتى توصل الى وضع الادلّة و الأجوبة القانعة و الردود المحكمة، فاكتمل علم الأصول في رسائله التي كتبها: رسالة حجّية القطع و الظن، رسالة أصالة البراءة، و الاستصحاب، و التعادل و التراجيح، و رسالة الاجماع، التي جمعت في مجموعة واحدة سميت بفرائد الأصول.

و كان الشيخ الانصاري يقول: لو كان الاسترابادي‏ (1) حاضرا في زمانه لا تبع مدرسة الأصوليين.

روايته‏

يروي عن استاذه النراقي، و أبيه ملّا مهدي، عن الشيخ يوسف البحراني، عن المولى محمد رفيع الجيلاني، عن المجلسي، عن مشايخه.

تلاميذه‏

كان يحضر درسه في الجامع الهندي زهاء أربعمائة من العلماء، و قد تخرج على يده أكثر الفحول من بعده، مثل الميرزا الشيرازي، و الميرزا حبيب الله الرشتي، و السيد حسين الترك، و الشرابياني، و المامقاني، و الميرزا ابو القاسم الكلانتري صاحب الهداية و غيرهم.

تصانيفه‏

كان لا يحب اخراج شي‏ء من الكتب إلّا بعد التنقيح و اعادة النظر مرارا، هذا مضافا الى ضعف بصره مما جعل كثيرا من آثاره في الفقه غير مرتبة.

صنّف المكاسب، و هو أحسن ما صنّف في هذا الباب.

____________

(1)- و الاسترابادي هو محمد امين واضع المدرسة الاخبارية، و رفض الأخذ بآراء الأصوليين، و كان يرى أن الكتب الأربعة قطعية الورود و الدلالة و هي تكفي للفقهاء، عارض الاجتهاد و المجتهدين و قال بعدم ضرورة الادلة العقلية في الفقه.

10

و كتاب الطهارة و يعرف بطهارة الشيخ.

و كتاب الصوم و الزكاة و الخمس.

اضافة الى رسائله الخمسة التي ذكرناها آنفا فقد كتب: رسالة في الرضاع، و رسالة في التقية، و رسالة في العدالة، و رسالة في القضاء عن الميت، و رسالة في المواسعة و المضايقة، و رسالة في قاعدة من ملك شيئا ملك الاقرار به، و رسالة في نفي الضرر و الضرار.

و انّ أكثر كتبه قد طبعت.

أما كتبه الخطية، فكتابان: كتاب الغصب و كتاب في الرجال، موجودان في مكتبة الآستانة في مشهد المقدسة.

هذا عن مؤلف المتن، و أما عن مؤلف الشرع فهو آية الله العظمى الامام السيد محمد الشيرازي «دام ظله» و الذي ولد سنة 1347 ه في النجف الأشرف بالعراق من أسرة عرفت على مدى عدة اجيال بالعلم و الاجتهاد، انجبت خيرة القادة و العلماء العظام من أمثال المجدد الشيرازي الذي أفتى بتحريم التنباك في عهد ناصر الدين شاه أحد ملوك القاجار، و الميرزا محمد تقي الشيرازي الذي أشعلت فتواه بتحريم التعامل مع الانجليز نار الثورة سنة 1338 ه، تلك الفتوى التي اجبرت سلطات الاحتلال البريطاني الى الاستسلام لإرادة الشعب العراقي و منحه الاستقلال السياسي.

فمن هذه الأسرة الطيبة ولد الامام الشيرازي و كان والده الميرزا مهدي الشيرازي آية في الأخلاق الحميدة و عنوان عريض للعلم و التقوى و الزهد، أصبح يضرب به المثل في تقواه و زهده.

هاجر الامام الشيرازي من النجف الأشرف بصحبة والده و هو في نعومة أظفاره حيث لم يبلغ من العمر إلّا تسع سنين، ثم هاجر منها الى الكويت على أثر الضغوطات التي مارستها بحقه الحكومة البعثية في العراق، و مكث قرابة عقد من الزمان في الكويت استطاع خلاله أن يوجد حوزة علمية و أن يحوّل النويات الاسلامية الى تيار إسلامي.

11

شيوخه و تلاميذه‏

درس الامام الشيرازي عند والده المعظم، و كان يتلقى الدروس الفقهية و الاصولية عند آية الله العظمى السيد هادي الميلاني أيضا.

و درس الفلسفة الاسلامية عند الفيلسوف الاسلامي الشيخ محمد رضا الاصفهاني.

أما في علوم اللغة و النحو، فقد تتلمذ على يد شيخ النحاة و استاذ العلماء الشيخ جعفر الرشتي.

هذا و قد تتلمذ على يده جمع من العلماء الأفاضل.

مكانته العلمية

برع الامام الشيرازي في تدريس الفقه و الأصول ابتداء من كربلاء و حتى اقامته أخيرا في ايران، و لم يكتف بالتدريس وحده، فقد قام بتدوين أبواب الفقه بصورة شاملة و كاملة حتى أصبحت موسوعته الفقهية بمثابة مدونة فقهية قلّ نظيرها من حيث الوسعة و العمق و هي تحكي عن مكانته العلمية التي أخذت تظهر منذ أوائل حياته الاجتماعية، فعند ما بلغ من العمر ثلاثة و ثلاثين سنة أوكل اليه كبار المراجع في ذلك اليوم من أمثال الامام الحكيم و آية الله العظمى السيد عبد الهادي الشيرازي و آية الله العظمى السيد احمد الخوانساري، بادارة الحوزة العلمية في مدينة كربلاء المقدسة، و قد أشار المحقق الكبير آغا بزرك الطهراني الى نبوغه العلمي بمناسبة ذكر التقاريض الواردة اليه و ذلك في المجلد العاشر من كتاب الغدير.

مكانته الجهادية

خاض الإمام الشيرازي جهادا متواصلا في مدينة كربلاء المقدسة حيث كان الطغاة يحكمون تلك البلاد بالحديد و النار، و قد مارسوا بحقه شتى و سائل الضغط و الظلم و التعسّف، و أصدروا عليه حكم الاعدام مما اضطر الى مغادرة العراق قاصدا الكويت.

12

لقد آمن الامام الشيرازي بمبادئ الحرية و المسئولية الاجتماعية و دعى الى نبذ الاستعمار و الى وحدة الكلمة و الى إيجاد الأمة الواحدة عبر تحسين روابط الأخوة الصالحة.

و كان يرى في الصدع بهذه الافكار مسئولية دينية، و تكليفا شرعيا، لذا وجدنا الطغاة و أذناب الاستعمار و كل اللذين لا يريدون للأمة التقدم يصطدمون بالامام الشيرازي و يحاولون اخماد صوته، لكنه و اصل مسئوليته على رغم المصاعب و المتاعب حتى تمكن من أن يوجد تيارا سياسيا يدافع عن الاسلام و المسلمين في أرجاء العالم الاسلامي.

بين يدي الكتاب‏

يرى الإمام الشيرازي أن لعالم الدين مسئوليّة كبرى، و أنّ من مسئولية الحوزات العلمية انجاب العلماء الواعين الخيّرين، لذا صبّ اهتمامه في تطوير الحوزات العلمية التي أشرف على تأسيسها في كربلاء المقدّسة و الكويت و قم المشرّفة.

و كان يرى ان التجديد و الأصالة معا كفيلان بتطوير الحوزة العلمية، فلا يجوز أن يأتي التجديد على حساب الاصالة أو العكس.

من هنا جاءت مساعي الامام الشيرازي بتطوير المناهج الدرسية في الحوزة العلمية لتأتي مناسبة و منسجمة مع روح العصر، فبعد شرحه للمكاسب للشيخ الانصاري قام بشرح كتاب الرسائل بصورة موسّعة، فجاء شرحه في خمسة عشر جزءا، و هو بهذا العمل أسدى خدمة كبيرة للحوزة العلمية.

عسى أن ينتفع المؤمنون من هذا الكتاب و يستفيدوا من العلوم التي اشتمل عليها أجزاءه الخمسة عشر.

و الله من وراء القصد

مؤسسة الوعي الاسلامي بيروت- لبنان ص. ب: 5083/ 13

البريد الالكتروني:alwaie @shiacenter .com

13

مقدمة الشارح‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على أشرف خلقه سيّدنا محمد و على آله الطيّبين الطاهرين.

لقد طالعت كثيرا من الكتب الحقوقية التي هي مبنى الحضارات المعاصرة و ان كانت الحضارة المعاصرة كثيرا ما تنكّبت عن مبنى الحقوق الموضوعة، مثلها مثل من يقرر الديمقراطية في برامج عمله، ثم لا يعمل بها في حياته السلطوية، فرأيت انها مبنيّة على الدّقة الشديدة في استخراج الحقوق و فهم العرف و العادة.

دقة من جهة اصل الفهم.

و دقة من جهة فهم المقدّم من المتعارضين.

و دقة من جهة علاج المجمل، و استخراج المهمل من القواعد الاوليّة.

اذ الشي‏ء على ثلاثة اقسام:

1- مقنّن صريح.

14

2- مقنّن مجمل.

3- مهمل في اصل التقنين.

و الاول: قد يكون بدون المعارض، و قد يكون مع المعارض، و الذي مع المعارض يحتاج الى العلاج من الترجيح، او الابطال، او قاعدة العدل، او التخيير.

اذ قد يلزم الترجيح في مثل ان الزوجة لأي واحد من المتنازعين، و قد لا يصل القاضي الى احدهما مما يجبر بابطال نكاحهما، او ما يشبه الابطال، كجبرهما على الاطلاق ثم تزويجها لأحدهما، او ما اشبه ذلك.

و قد يكون مال متنازع فيه، فيعمل بقاعدة العدل.

و قد يكون تخيير في الامر، كما اذا نذر ذبح شاة في النجف الاشرف او كربلاء المقدسة، فيكون مخيرا.

و كل هذه الدّقة المحتاج اليها بناء الحكم ابتداء و استمرارا في كل الابعاد السياسية، و الاقتصادية، و القضائية، و الاجتماعية، و الثقافية، و العمرانية، و غيرها بحاجة الى ارفع مستويات التدقيق و التحقيق.

و الفرق بين التحقيق و التدقيق: ان الاول: كشف الحقّ، بينما الثاني: الدّقة في الادلة.

فما هو الدليل: «الكبرى»؟ و ما هو مصداق هذا الدليل: «الصغرى»؟.

و لا يخفى: ان التدقيق مقدمة التحقيق الذي هو كشف الحقّ، و المراد بالحقّ:

أعم مما له مطابق في الخارج ماضيا او حالا او مستقبلا، او ليس له مطابق و انما هو اعتبار بيد المعتبر بحيث يوجب درك المصلحة و درء المفسدة.

و ليس في كتبنا الفقهية و الاصولية ما يفي بغرض الدّقة اللازمة في بناء الحكم‏

15

او استمراره، بمثل المكاسب و الرسائل للشيخ الاعظم (قدّس سرّه)، فهذان الكتابان هما الوحيدان اللذان سبقا جامعات العالم الحقوقية، في بيان المنهج، و كيفية الاستنباط لكل ابعاد الحياة.

و لهذا فانّا نحتاج الى فهم الكتابين لا في استنباط الاحكام الشرعية فحسب، بل في التفوّق الحضاري على العالم، حسب «الاسلام يعلو و لا يعلى عليه» (1) فان في فهمهما و استيعابهما كاملين، الدليل الملموس لتفوق المسلمين على العالم في بناء الحضارة الحديثة.

و لو اتيح للمسلمين ترجمة هذين الكتابين باللغات الحيّة، لاخذا مكانهما في ارقى مرحلة من المراحل الدراسية في الجامعات العالمية.

و بهذا تبيّن: ان احتمال الغنى عن بعض مباحث الكتابين كبحث الانسداد و بحث العدالة، او ان الطالب لا وقت له لدراسة الكتابين، و لكيلا يزاحم سائر مهامه التبليغيّة، و الاجتماعية، و ما اشبه، فاللازم التبعيض فيهما، او التلخيص لهما، فانه غير وارد اطلاقا، فان الانسداد يبقى منهاج الدقّة فيه، و ان لم يقل شخص بالانسداد.

هذا، و ليس الكلام: ان كل الطلاب يحتاجون اليهما حتى يستشكل بالمزاحمة، و انما الكلام: فيمن يريد الوصول الى آخر تطورات الفكر البشري في التحقيق و التدقيق، الذين هما مبنى الحضارة الحديثة بل كل الحضارات الراقية.

فهل يا ترى من الصحيح: الاشكال على من يطلب العلم عشرات السنين للاختصاص في أغوار النفس، او خصوصيات الجسم، او اجواء الفضاء، للحصول‏

____________

(1)- من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 243 ح 2، غوالي اللئالي: ج 1 ص 226 ح 118، نهج الحق: ص 515 الفصل الحادي عشر، وسائل الشيعة: ج 17 ص 376 ب 1 ح 11.

16

على دقائق النفس، او الجسد او الفلك: بان جملة من تدقيقاته و تحقيقاته لا اثر علمي لها، أو ان الوقت لا يسمح للانسان بالجمع بين هكذا تحصيل، و بين مهامه الاقتصادية و الاجتماعية و نحوهما؟.

و من اللّه سبحانه استمد العون، و ارجو منه الثواب، و اسأله ان ينفع بهذا الشرح كما نفع بشرح المكاسب، و هو الموفق المستعان.

محمد بن المهدي الحسيني الشيرازي‏

قم المقدسة

25/ جمادى الثانية/ 1409 ه. ق‏

17

المدخل‏

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

فاعلم انّ المكلّف، إذا التفت‏

____________

[المدخل‏]

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه ربّ العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا و نبينا محمّد و على آله الطيبين الطاهرين، و لعنة اللّه على اعدائهم أجمعين.

و بعد .. فهذا شرح توضيحي على الرسائل لآية اللّه العظمى في العلم و الفضيلة و الزهد و الاخلاق، الشيخ مرتضى الانصاري (قدّس سرّه) كتبته لتسهيل الامر على المبتدئين، و اللّه سبحانه أسأل التوفيق للاتمام، و النفع به و الثواب، انه ولي ذلك، و هو المستعان.

قال طيب اللّه تربته: (فاعلم) الفاء: لتوهم تقدير اما، و هو نوع زينة في الكلام، و لم يكن الامر بحاجة الى «اعلم» و انما ذكر مزيدا للتنبيه، و يمكن ان يشبه بكلمة: «قل» في اوائل السور، و نحوها، فانه نوع تأكيد لكونه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) هو المخاطب، و ذلك مما يزيده (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) اجلالا (انّ المكلّف) اما يراد به: المجتهد، او الاعم، حيث ان الاصول الاربعة أحيانا تكون تكليف المقلد ايضا.

و حيث كان المراد بالمكلّف: المكلّف شأنا قريبا لا شأنا بعيدا، كالطفل و نحوه و هو البالغ العاقل القادر، الذي لا محذور له في أداء التكليف، اذا كان مقلدا، او بيانه، اذا كان مجتهدا، قال (رحمه اللّه تعالى): (اذا التفت) فلا يقال: ان القيد

18

إلى حكم شرعيّ، فامّا أن يحصل له الشكّ فيه او القطع او الظنّ.

____________

مستدرك، لان غير الملتفت غير مكلّف، و المراد به: الالتفات الاجمالي الى ان الشي‏ء الفلاني له حكم في الجملة من الاحكام الخمسة، فان الاباحة ايضا حكم، حيث ان الاباحة الشرعية غير الاباحة العقلية، و اثر التشريع: الثواب على الاطاعة، فاذا شرب الانسان الماء، لان اللّه سبحانه أباحه، اعطاه اللّه الثواب‏ (الى حكم شرعي).

و كان ينبغي اضافة: أو الموضوع المستنبط، أو الحكم الوضعي، لان كل الثلاثة، مورد للقطع و الظن و الشك، اللهم ان يرجع الموضوع و الوضع، الى الحكم بتكلّف.

(فاما ان يحصل له الشك فيه) و هو: تساوي الطرفين دقيا (او القطع او الظن) و هو ما يرجح احدهما على الآخر و لو بواحد في المائة، و في قباله: الوهم و ان كان واحدا في المائة، و حيث انه كلما حصل الظن في طرف حصل الوهم في طرفه الآخر، اكتفى بذكر الظن عن الآخر، و انما ذكره دون الوهم، و ان كان لو ذكر الوهم، كان كذلك متلازما ايضا، لان الظن له حكم دون الوهم.

و لا يخفى ان كلا من الظن و الوهم و الشك، يطلق على الآخر توسعا؛ و لا يخفى اني لم اجد لفظ القطع مستعملا في آية او رواية، و انما الوارد فيهما: «اليقين» لكن حيث اراد الفقهاء و الاصوليون: المانع من النقيض طابق الواقع اولا، ذكروه دون اليقين، و لعل السر في ذكر المصنف (قدّس سرّه) الشك اولا، لانه لا شي‏ء في جانبه، و هو: الاصل.

ثم ذكر القطع، لانه كل شي‏ء في طرفي النقيض فيقابل الشك.

ثم ذكر الظن، لانه ليس ذاك و لا هذا.

19

فان حصل له الشكّ فالمرجع فيه هي القواعد الشرعيّة الثابتة للشاكّ في مقام العمل، و تسمّى بالاصول العمليّة.

و هي منحصرة في أربعة،

____________

و على اي حال: (فان حصل له) القطع، كان هو المرجع، و ان حصل له الظن فان كان ظنا حجة، كان مرجعا ايضا، و ان كان غير حجة، كان المرجع فيه هو المرجع في الشك، و ان حصل له‏ (الشك، فالمرجع فيه هي القواعد الشرعية) و لذا فقد تكون تلك القواعد عقليّة أولا، ثم شرعية، و قد تكون شرعيّة محضة سمي الجميع بالشرعية، و ليس لنا قاعدة عقلية بحتة، يعمل على طبقها.

ان قلت: فلما ذا ذكر الفقهاء العقل من جملة الادلة الاربعة؟.

قلت: من جهة ارادتهم بيان: إنّ الاحكام الشرعيّة عقليّة ايضا في جملة منها، مقابل الاشاعرة و الظاهرية و الحشوية، الذين عطّلوا دور العقل‏ (الثابتة للشّاك في مقام العمل) و المراد بها: القواعد التي تأتي من اول الفقه الى آخره، لا مثل قاعدة الفراغ و الطهارة و الحلية و ما اشبه، المختصة ببعض الابواب‏ (و تسمّى) تلك القواعد (بالاصول العلميّة) «اصل»: لتفرع الفروع عليه كأصل الشجرة، و «العلميّة»: لكونها في قبال الاصول العقائدية.

(و هي منحصرة في اربعة): الاستصحاب و البراءة و التخيير و الاحتياط، اما سائر الاصول فهي اما راجعة الى احداها، مثل: اصالة عدم الاكثر، في الشك بين الاقل و بينه، الراجعة الى البراءة، و اصالة العدم، الراجعة الى الاستصحاب، فانهما فردان من افراد الاصلين المذكورين و اما هي مختصة ببعض مباحث الفقه كما تقدم، من مثل: اصالتي الطهارة و الحل، و اما اصول لفظية، مثل: اصالة عدم التقييد، و اصالة عدم التخصيص، و هي عبارة اخرى عن طريقة العقلاء

20

لأنّ الشكّ أمّا أن يلاحظ فيه الحالة السابقة ام لا، و على الثاني، فامّا أن يمكن الاحتياط

____________

في المحاورة، الى غير ذلك.

ثم ان الحصر في الاربعة و ان قيل انه عقلي، لكنه الى الشرعي اقرب، اذ أحد أركانه الشرع، و النتيجة تابعة لاضعف المقدمتين، فانه لو دلّ الشرع على اصل خامس، لم يكن خلاف العقل، و انما الامر العقلي هو: الدائر بين النفي و الاثبات بدون امكان ان يكون هناك شي‏ء خارج عن الحصر، مثل العدد اما زوج أو فرد (لان الشكّ اما ان يلاحظ فيه الحالة السابقة ام لا).

و المراد: ان تكون هناك حالة سابقة و تكون ملحوظة شرعا، اذ لو لم تكن الحالة السابقة، كان من السالبة بانتفاء الموضوع، او كانت، لكن الشارع لم يلاحظها، كان مجرى لاصل آخر، لا الاستصحاب كما اختاره الشيخ (قدّس سرّه) في الشك في المقتضي: بانه ليس مجرى للاستصحاب.

(و على الثاني) الذي لا يلاحظ فيه الحالة السابقة (فامّا ان يمكن الاحتياط) بأن يجمع المكلف بين الاطراف، كأن يأتي بصلاتي الظهر و الجمعة يوم الجمعة، و كذلك يمكن ان يجتنب عن الدخان و الترياق اذا نذر ترك احدهما، ثم نسي ان نذره تعلق بايهما؟ حيث يلزم عليه فعلهما في الاول، و تركهما في الثاني، و كذلك يمكن ان يكون قد نذر إما صوم الخميس، او ترك صوم يوم الجمعة- فيما كان لهما رجحان حتى يصلحا لتعلق النذر بهما- فانه يجمع بين فعل الاول و ترك الثاني.

و لا يخفى انه لا ينحصر الاحتياط بين امرين، بل يمكن ان يكون بين امور، ثم ان الاحتياط قد لا يمكن، و قد يخل بالنظام و يوجب الهرج و المرج، و قد يعسر

21

أم لا.

و على الأوّل، فامّا أن يكون الشكّ في التكليف او في المكلّف به.

فالأوّل مجرى الاستصحاب، و الثاني مجرى التخيير، و الثالث مجرى أصالة البراءة،

____________

عسرا رافعا للتكليف على نحو المنع من النقيض، و قد يعسر عسرا غير مانع عن النقيض‏ (أم لا) اي لا يمكن.

(و على الاول): بان امكن الاحتياط (فاما ان يكون الشك في التكليف) و هل انه مكلّف؟ و لا يلزم ان يكون الامر لنفسه، بل يشمل ما ذكرناه من امور مقلديه ايضا، و ربما لا يكون لنفسه و لا لمقلديه، بل يريد استظهار حكم المسألة (أو في المكلف به) و قد تقدم ان المراد هو الاعم من الاحكام التكليفية و الوضعية بل و من الموضوعات المستنبطة.

(فالاول) الذي يلاحظ فيه الحالة السابقة: (مجرى الاستصحاب) كما اذا شك المتطهر في الحدث، حيث يستصحب الطهارة، أو شك في بقاء زوجته، حيث يستصحب بقائها، فلا يجوز له التزويج باختها، او الخامسة، او شك في بقاء آلة اللهو بمعناها السابق في زمان المعصومين (عليهم السلام) حيث يستصحب بقائها.

(و الثاني) الذي هو صورة عدم امكان الاحتياط: (مجرى التخيير) اذا لم يكن احد الطرفين اهم، كما اذا شك في وجوب صلاة الجمعة او حرمتها، فقد قال بكل منهما جماعة من الفقهاء.

(و الثالث) و هو صورة الشك في التكليف: (مجرى اصالة البراءة) كما اذا شك في انه هل يحرم عليه التدخين ام لا؟.

22

و الرابع مجرى قاعدة الاحتياط.

و بعبارة اخرى: الشكّ إمّا أن يلاحظ فيه الحالة السابقة او لا. فالأوّل مجرى الاستصحاب،

____________

(و الرابع) و هو ما كان الشك فيه في المكلف به مع علمه بالتكليف: (مجرى قاعدة الاحتياط) اذا لم يكن محذور، كما اذا كان الاحتياط عسرا او حرجا او ضررا.

و لا يخفى ان الالفاظ الثلاثة اذا قيلت معا، اختص كل منها بمعنى:

الاول: بالعسر الجسدي، مثل ما اذا كان ذهابه الى منى يوم العيد، يوجب مشقة كثيرة له من جهة الحر.

و الثاني: بالامر النفسي، كما اذا كان الاغتسال على الفتاة في بيت ابيها بسبب احتلامها يوجب شدة خجلها و استحيائها.

و الثالث: ما كان ضررا جسديا او ماليا، كما اذا سبب الصوم مرضا شديدا.

نعم، اذا ذكر كل واحد منها مستقلا شمل الآخرين، كما ذكروا في الظرف و الجار و المجرور.

و مثال ذلك: ما اذا لم يعلم ان اي ثوبيه طاهر و ايهما نجس؟ حيث يحتاط بصلاتين: في هذا صلاة، و في ذلك صلاة.

و حيث أورد على هذا التقسيم بايرادات- كما هو مذكور في المفصلات- قال‏ (و بعبارة اخرى: الشك اما ان يلاحظ فيه الحالة السابقة، أولا، فالاول:

مجرى الاستصحاب) و لعل المجى‏ء بباب الاستفعال، من باب أن المكلّف يطلب صحبة الحالة السابقة، و اني لم اجد هذا اللفظ في نص شرعي، و لعله اصطلاح اصولي.

23

و الثاني إمّا أن يكون الشّك فيه في التكليف أو لا.

فالأوّل مجرى أصالة البراءة، و الثاني إمّا أن يمكن الاحتياط فيه أو لا.

فالأوّل مجرى قاعدة الاحتياط، و الثاني مجرى قاعدة التخيير.

و ما ذكرنا هو المختار في مجاري الاصول الأربعة،

____________

(و الثاني: اما ان يكون الشك فيه في التكليف، او لا، فالاول: مجرى اصالة البراءة) و هذه اللفظة مستعملة فيها، لكن لا بالمعنى الاصولي، و المراد بها هنا: ان الانسان بري‏ء من التكليف، بمعنى: ان لا تكليف عليه.

ثم ان المراد من التكليف: الواجب و الحرام، اما الاحكام الثلاثة الأخر، فلا كلفة فيها، لعدم الالزام، فاذا شك بين الواجب و المستحب- كغسل يوم الجمعة- كان الاصل عدم الوجوب، الى غيره من الامثلة.

(و الثاني: اما ان يمكن الاحتياط فيه، اولا، فالاول: مجرى قاعدة الاحتياط) و هذا اللفظ مستعمل في الروايات، و الاصل فيه «من حاطه» بمعنى: اشتمل عليه و منه المحيط بمعنى: الدائر حول الشي‏ء دورانا ماديا، كالسور المحيط بالبلد، او معنويا، كما قال سبحانه: وَ اللَّهُ مِنْ وَرائِهِمْ مُحِيطٌ (1) فكأنّ المحتاط يدور حول الحكم فيأتي به‏ (و الثاني: مجرى قاعدة التخيير) و الاصل فيه «خار» بمعنى:

سهل، اذ العمل بهذا او ذاك سهل، بخلاف العمل بشي‏ء واحد فقط، و هذا اللفظ وارد في الروايات.

(و ما ذكرنا) من التقسيم‏ (هو المختار في مجاري الاصول الاربعة) اذ بعض الاصوليين قسم الاربعة بشكل آخر، غير التقسيمين الذين ذكرناهما.

____________

(1)- سورة البروج: الآية 20.

24

و قد وقع الخلاف فيها، و تمام الكلام في كلّ واحد موكول إلى محلّه، فالكلام يقع في مقاصد ثلاثة: الأوّل في القطع، و الثاني في الظّن، و الثالث في الاصول العلميّة المذكورة التي هي المرجع عند الشّك.

____________

و لذا قال (رحمه اللّه تعالى): (و قد وقع الخلاف فيها) و بعضهم فسر العبارة: بأنّ المراد اختلاف بعض العلماء في جريان الحكم على احد الموضوعات الاربعة مثل انكار الاخباريين البراءة في ما اذا شك في التحريم و قالوا بالاحتياط، لكن ما ذكرناه اوفق باللفظ (و تمام الكلام في كل واحد) من الاربعة، موضوعا و حكما و دليلا (موكول الى محله) إن شاء اللّه تعالى، و المراد بتمام الكلام: الكلام التام لا بقية الكلام، اذ التمام يستعمل تارة بهذا المعنى، و اخرى بالمعنى الثاني، فهو من اضافة الصفة الى الموصوف، لا اضافة الجزء الى الكل، او الجزئي الى الكلي.

(فالكلام يقع في مقاصد ثلاثة: الاول: في القطع، و الثاني: في الظن) و قد عرفت انه يلازمه الوهم، فالكلام في المقصد الثاني فيهما، كقولهم: العمل في باب الانسداد، بالمظنونات و الموهومات و المشكوكات.

(و الثالث: في الاصول العملية المذكورة، التي هي المرجع عند الشك) حيث انه محل اجراء الاصول العملية.

و لا يخفى انه قد يكون الظن النفسي، حاله حال الشك في جريان احكام الشك، و هو ما اذا كان الظن غير حجة.

***

25

الوصائل الى الرسائل‏

المقصد الاول في القطع‏

26

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

27

مقدمة البحث‏

امّا الكلام في المقصد الأول:

فنقول: لا إشكال في وجوب متابعة القطع و العمل عليه ما دام موجودا، لأنّه بنفسه طريق إلى الواقع.

____________

(امّا الكلام في المقصد الاول) و هو القطع‏ (فنقول): هو عبارة عما اذا كان وجدان الانسان الى طرف بحيث يمنع عن نقيضه- سواء كان مطابقا للواقع اولا- فان طابق الواقع سمّي يقينا، و ان لم يطابق سمي جهلا مركبا، لانه يجهل الواقع، و يجهل انه يجهل الواقع.

هذا موضوع القطع، اما حكمه: فانه‏ (لا اشكال) عقلا و عقلائيا- و حيث انه تكويني لا شأن للتشريع فيه- (في) حجية القطع، و انه يحتج المولى على العبدان ترك العمل على طبقه، و يحتج العبد على المولى ان عمل بقطعه، و هذا هو معنى:

(وجوب متابعة القطع) و الّا، فمع قطع النظر عن الاحتجاج المذكور، يمكن للانسان ان يقطع و يخالفه‏ (و العمل عليه) جريا ورائه بالعمل، اذا كان القطع يوجبه، كالقطع بان هذا اسد فيفرّ منه، و بالترك، اذا كان القطع يوجب الترك، كالقطع بانه ليس بأسد فلا يفرّ، و لعل الفرق بين المتابعة و العمل هو: ان الاول: لوحظ فيه ان القطع شي‏ء يتبعه الانسان، كاتباع زيد لعمرو في مشيه ورائه.

و الثاني: لوحظ فيه حالة نفسية- لاضافة القطع الى النفس، كاضافة الشجاعة و الكرم اليها- فيكون العمل على طبق تلك الحالة (ما دام موجودا) فاذا فقد القطع، كان من السالبة بانتفاء الموضوع‏ (لانه بنفسه طريق الى الواقع) من غير حاجة الى تقوية و تأييد، بخلاف الظن فانه محتاج اليهما.

28

و ليس طريقيّته قابلة لجعل الشارع إثباتا و نفيا.

و من هنا يعلم أنّ إطلاق الحجّة عليه ليس كاطلاق الحجّة على الأمارات المعتبرة شرعا،

____________

(و ليس طريقيّته قابلة لجعل الشارع اثباتا) بأن يقول الشارع: اذا قطعت فاعمل على طبق قطعك، فيكون طريقيته مجعولة (و نفيا) بأن يقول: اذا قطعت فلا تعمل على طبق قطعك، شأن القطع في ذلك شأن سائر الامور التكوينية، فان الشارع يتمكن ان يزيل القطع تكوينا، او يوجده تكوينا، اما ان يوجد طريقيته أو ينفي طريقيته، فليس من شأن الامر التكويني ذلك، فكما ان الامر التشريعي لا يوجد و لا يعدم بالتكوين، كذلك الامر التكويني لا يوجد و لا يعدم بالتشريع.

و افضل مثال لذلك: رؤية العين، فان الشارع يتمكن ان يعطي لعين زيد النور، او يسلبها النور، لكن هل يصح ان يقول: جعلت رؤيتك للماء طريقا الى معرفتك بانه ماء؟ او جعلت رؤيتك للماء مسلوبا عنك المعرفة بانه ماء؟.

(و من هنا) اي من جهة ان القطع طريق ذاتا (يعلم ان اطلاق الحجة عليه) حيث يقال في الالسنة: القطع حجة (ليس كاطلاق الحجة على) سائر (الامارات المعتبرة شرعا) كالبينة، و خبر العادل، و ما اشبه.

علما بان الامارة: تطلق على ما يقوم على الموضوع كالبينة.

و الطريق: يطلق على ما يقوم على الحكم كخبر الواحد.

مثلا: اذا قيل الخمر حرام، فكون المائع الفلاني خمرا، انما يثبت بشهادة شاهدين، فشهادتهما تسمى امارة على الخمرية، اما كونه حراما فانه يثبت بالآية و الرواية، و هما طريقان على الحكم المذكور.

و لا يخفى: ان اطلاق الحجة على القطع و سائر الامارات على نحو الحقيقة،

29

لأنّ الحجّة عبارة عن الوسط الذي به يحتجّ على ثبوت الأكبر للأصغر، و يصير واسطة للقطع بثبوته له، كالتغيّر لاثبات حدوث العالم.

فقولنا: «الظنّ حجّة، او البيّنة حجّة، او فتوى المفتي‏

____________

لان المولى و العبد يحتج كل منهما على الآخر بالقطع و بسائر الامارات، إلّا ان كونه طريقا في الاول ذاتي، و في الثاني عرضي- هذا بناء على المعنى اللغوي للحجة- اما المعنى الاصطلاحي للحجة، فهو ما ذكروه في المنطق من: «الاوسط» الذي يجعل الاكبر في الكبرى محمولا على الاصغر في الصغرى، مثلا يقال: العالم متغيّر، و كل متغيّر حادث‏ (لان الحجّة، عبارة عن الوسط الذي به يحتج على ثبوت الاكبر للأصغر) و انما سمي الاول اصغر، لانه فرد من الافراد، و يسمى الثاني بالاكبر، لانه كلي يشمل الاصغر و غير الاصغر من الافراد، ففي المثال المتقدّم، العالم فرد من افراد المتغيّر، و لذا تسمى المقدمة الاولى: بالصغرى و المقدمة الثانية: بالكبرى‏ (و يصير) هذا الوسط (واسطة للقطع بثبوته) اي ثبوت الاكبر (له) اي للاصغر، فانّ قطعنا: بان العالم حادث، انما جاء من جهة الوسط، الذي هو «متغير» (كالتغير لاثبات حدوث العالم).

اقول: لا فرق بين الواسطة في الثبوت، او في النفي، مثلا يقال: هذا فرس، و الفرس ليس بناطق، فهذا ليس بناطق، فعدم النطق ثبت على هذا بواسطة الوسط، الذي هو «فرس».

و الاقسام في المنطق تحصل من ضرب «الاصغر» و «الاوسط» الاول و «الاوسط» الثاني، و «الاكبر» ايجابا في كل واحد، أو سلبا في كل واحد في الآخر، فقد يقال «العالم» و قد يقال: «غير العالم» و هكذا يأتي السلب و الايجاب في الاوسطين، و في الاكبر (فقولنا: الظن حجة، او البينة حجة، او فتوى المفتي‏

30

حجّة»، يراد به كون هذه الامور أوساطا لاثبات أحكام متعلّقاتها.

فيقال: هذا مظنون الخمريّة، و كلّ مظنون الخمريّة يجب الاجتناب عنه، و كذلك قولنا: هذا الفعل ممّا أفتى المفتي بتحريمه، او قامت البيّنة على كونه محرّما، و كلّ ما كان كذلك فهو حرام.

و هذا بخلاف القطع، لأنّه إذا قطع بوجوب شي‏ء فيقال: هذا

____________

حجة، يراد به) اي بكونه حجة (كون هذه الامور) الظن و البينة و الفتوى‏ (اوساطا لاثبات احكام متعلقاتها) مثلا: الظن بالخمر مثبت لحكم الحرمة على ما ظن انه خمر، فالحكم: الحرمة، و المتعلق للظن: خمرية ما في الاناء، فحيث تعلق الظن بانه خمر، ثبت عليه الحرمة (فيقال: هذا مظنون الخمرية، و كل مظنون الخمرية، يجب الاجتناب عنه) اي حرام، فهذا الموجود في الاناء يجب الاجتناب عنه.

و عليه: فالظن صار وسطا لاثبات الحرمة على ما في الاناء، كما ان المتغيّر صار وسطا، لاثبات الحدود على العالم‏ (و كذلك) في وسطية سائر الامارات ك (قولنا:

هذا الفعل مما افتى المفتي بتحريمه) او دل الخبر على تحريمه‏ (او قامت البينة على كونه محرما، و كلّما كان كذلك) اي قام على تحريمه الفتوى، او الخبر، او البينة (فهو حرام) فهذا حرام، و كذلك في باب الوجوب و الاستحباب و الكراهة و الاباحة، و هكذا في باب الاحكام الوضعية، كالجزء و الشرط و المانع و القاطع، و هكذا في باب ان اللفظ الفلاني ظاهر او مجمل، او عام او خاص، الى غير ذلك.

(و هذا) الذي ذكرناه انما هو بالنسبة الى الامارة (بخلاف القطع، لانه اذا قطع بوجوب شي‏ء) او حرمته او سائر الاحكام الوضعية و التكليفية (فيقال: هذا

31

واجب، و كلّ واجب يحرم ضدّه او تجب مقدّمته.

و كذلك العلم بالموضوعات، فاذا قطع بخمريّة شي‏ء، فيقال: هذا خمر، و كلّ خمر يجب الاجتناب عنه.

و لا يقال: إنّ هذا معلوم الوجوب أو الخمريّة، و كلّ معلوم حكمه كذا، لأنّ أحكام الخمر إنّما تثبت للخمر، لا لما علم أنّه خمر.

____________

واجب، و كل واجب يحرم ضده) اذا قلنا بمسألة الضد (او تجب مقدمته) اذا قلنا بوجوب المقدمة، و لا نأتي بلفظ القطع في الوسط، فلا نقول: «هذا ما قطع بوجوبه، و كل ما قطع بوجوبه يحرم ضده» كما كنا نقول: هذا ما افتى المفتي بوجوبه، و كل ما افتى المفتي بوجوبه، فهو واجب، هذا كله في ان القطع لا يكون جزءا من الحكم‏ (و كذلك العلم) اي القطع‏ (بالموضوعات فاذا قطع بخمرية شي‏ء) فان القطع لا يكون جزءا من الموضوع‏ (فيقال: هذا خمر، و كل خمر يجب الاجتناب عنه) فهذا يجب الاجتناب عنه‏ (و لا يقال: ان هذا معلوم الوجوب او الخمرية، و كل معلوم) الخمرية (حكمه كذا) لوضوح ان الشارع حرّم الخمر بما هو خمر، لا انه اذا علم و قطع بانه خمر، فليس القطع جزء الموضوع.

نعم، اذا قطع به، تنجز عليه، و اذا لم يقطع به لم يتنجز، و الّا فالخمر حرام من غير تقييد بالعلم‏ (لان احكام الخمر انما تثبت للخمر) على نحو لا بشرط (لا لما علم انه خمر) فنفس القطع لم يقع وسطا، و انما وقع فتوى المفتي و نحوه وسطا.

و لهذا ربما يقال: انه لا فرق بين القطع الحجة ذاتا، و سائر الامارات الحجة عرضا، في ان الحكم تابع للواقع، فان كان الواقع كان الحكم، و إلّا لم يكن الحكم، و القطع و سائر الامارات تفيد التنجيز و الاعذار، و التجري في صورة

32

و الحاصل أنّ كون القطع حجّة غير معقول، لأنّ الحجّة ما يوجب القطع بالمطلوب، فلا يطلق على نفس القطع.

هذا كلّه بالنسبة إلى متعلّق القطع، و هو الأمر المقطوع به. و أمّا بالنسبة إلى حكم آخر، فيجوز أن يكون القطع مأخوذا

____________

مخالفة الامارة او مخالفة القطع، فيما اشتبه و لم يكن واقع، فلا وسطية اطلاقا، لا للامارة و لا للقطع.

(و) على اي حال ف (الحاصل) ممّا ذكره الشيخ (رضوان اللّه عليه):

(ان كون القطع حجة) بمعنى الوسط (غير معقول) في القطع الطريقي‏ (لان الحجة ما يوجب القطع بالمطلوب) اي بثبوت الاكبر على الاوسط (فلا يطلق) الحجة (على نفس القطع) الّا اطلاقا مجازيا، من باب اطلاق اسم السبب على المسبب.

نعم، الحجة بمعنى احتجاج كل من المولى على العبد اذا خالف، و احتجاج العبد على المولى اذا وافق، يطلق على القطع كما يطلق على سائر الامارات.

(هذا كله) الذي ذكرناه: من عدم كون القطع وسطا حجة، انما هو (بالنسبة الى) حكم‏ (متعلق القطع) الذي حمل الحكم وجوبا او تحريما او غير ذلك، على الشي‏ء المتعلق للقطع، بما هو، و يسمى ذلك بالقطع الطريقي‏ (و) متعلق القطع‏ (هو الامر المقطوع به) فلا اعتبار لصفة القطع في الحكم.

(و أما) القطع بشي‏ء (بالنسبة الى حكم آخر) كما اذا كان القطع بالخمر موضوعا لحكم، غير حرمة الخمر، مثلا: قال المولى: من قطع بالخمر، فعليه ان يريق ذلك المقطوع كونه خمرا (فيجوز) اي يمكن‏ (ان يكون القطع مأخوذا

33

في موضوعه، فيقال: إنّ الشي‏ء المعلوم، بوصف كونه معلوما، حكمه كذا.

و حينئذ: فالعلم يكون وسطا لثبوت ذلك الحكم و إن لم يطلق عليه الحجّة، إذ المراد بالحجّة في باب الأدلّة

____________

في موضوعه) كل الموضوع، او جزء الموضوع‏ (فيقال: إنّ الشي‏ء) الذي هو خمر (المعلوم) كونه خمرا (بوصف كونه معلوما، حكمه كذا) اي وجوب الاراقة- في المثال- كما ورد في باب القضاة: ان الرجل الذي يقضي بالحق و هو لا يعلم، يكون من اهل النار، فالحق المعلوم يجوز القضاء به اما الحق بما هو حق، فلا يجوز القضاء به، كما ورد شبه ذلك في الشي‏ء الذي للانسان، و يأخذه من المستولي عليه بحكم الجائر، فانه حرام على المالك نفس ذلك الشي‏ء، فالشي‏ء الذي لا يأخذه بحكم الجائر و انما بحكم العادل او يأخذه بنفسه بلا مراجعة حاكم الجور حلال له.

(و حينئذ) اي اذا كان القطع جزء الموضوع، او كل الموضوع‏ (فالعلم يكون وسطا لثبوت ذلك الحكم) لمتعلقه، فيقال: «هذا معلوم الخمرية، و كل معلوم الخمرية يلزم اراقته» فاذا كان قطع، بدون ان يصادف الواقع، بأن كان جهلا مركبا، او كان خمر، بدون ان يقطع بأنه خمر، لم يجب اراقته.

هذا في ما اذا كان العلم جزء الموضوع، اما اذا كان العلم كل الموضوع، فان علم بانه خمر- و ان كان علمه جهلا مركبا- وجب اراقته‏ (و ان لم يطلق عليه) اي على هذا القطع الذي هو كل الموضوع، او جزء الموضوع‏ (الحجة) لان الحجة هو الوسط بين الموضوع و المحمول، مثل: المتغير في العالم متغير، و هذا القطع الموضوعي، موضوع، و ليس وسطا (اذ المراد بالحجة في باب الادلة) لا باب الأقيسة، حيث ان المنطقيين يسمون كل القياس بكبراه و صغراه: حجة، و لعله‏

34

ما كان وسطا لثبوت أحكام متعلّقه شرعا، لا لحكم آخر، كما إذا رتّب الشارع الحرمة على الخمر المعلوم كونها خمرا، لا على نفس الخمر، و كترتّب وجوب الاطاعة على معلوم الوجوب، لا الواجب الواقعيّ.

و بالجملة: فالقطع قد يكون طريقا للحكم، و قد يكون مأخوذا في موضوع الحكم،

____________

من باب ان هذا المجموع حجة على النتيجة (ما كان وسطا) لثبوت الاكبر على الاصغر اي‏ (لثبوت احكام متعلقه شرعا) كفتوى المفتي حيث يقال: فتوى المفتي حجة، لثبوت الحكم على الموضوع، فاذا قال المفتي: العصير العنبي قبل ذهاب الثلثين نجس، احتج كل من المولى على العبد- اذا خالف- و العبد على المولى اذا وافق، بهذه الفتيا (لا لحكم آخر) كوجوب الاراقة في المثال السابق «الخمر المعلوم خمريته تجب اراقته». حيث ان وجوب الاراقة ليس حكم الخمر، و انما هو حكم «معلوم الخمرية» و القطع، الذي هو الموضوع كلا او جزءا (كما اذا رتب الشارع الحرمة على الخمر المعلوم كونها خمرا، لا على نفس الخمر).

و لا يخفى: ان «الخمر» يجوز فيه التذكير و التأنيث، فيقال مثلا: الخمر الحمراء، و الخمر الاحمر (و كترتب وجوب الاطاعة) عقلا (على معلوم الوجوب لا الواجب الواقعي).

(و بالجملة) الجملة: مقابل التفصيل، و يسمى جملة لان من جمال الكلام ان يجمع المتكلّم اطراف كلامه في عبارة موجزة، فانه اقرب الى الحفظ و البقاء في الذهن‏ (فالقطع قد يكون طريقا) و يسمى قطعا طريقيا (للحكم) فلا مدخلية له في الحكم‏ (و قد يكون مأخوذا في موضوع الحكم) و يسمى قطعا موضوعيا.

35

ثم ما كان منه طريقا لا يفرّق فيه بين خصوصيّاته من حيث القاطع و المقطوع به و أسباب القطع و أزمانه، إذ المفروض كونه طريقا إلى متعلّقه،

____________

و قد تقدم، أن القطع الموضوعي قد يكون جزء الموضوع، و قد يكون كل الموضوع‏ (ثم ما كان منه طريقا) يختلف عما كان منه موضوعا، في امور ثلاثة:

الاول: ان القطع الطريقي لا يقع وسطا، و لا يسمى حجة، بخلاف القطع الموضوعي- كما تقدم الكلام فيه-.

الثاني: ان القطع الطريقي‏ (لا يفرق فيه بين خصوصياته) بخلاف القطع الموضوعي، حيث ان الشارع يمكن ان يفرق فيه بين الخصوصيات، فان الشارع يقرر حكمه على قدر ما يريده من الموضوع- كما سيأتي تفصيل الكلام فيه-.

الثالث: ان القطع الطريقي، تقوم الامارات و بعض الاصول العملية مقامه بخلاف القطع الموضوعي، كما سيأتي بيانه عند قوله:

«ثم من خواص القطع الذي هو طريق الى الواقع الى آخره».

و حيث ظهر لك موجز الفروق، و قد تقدم الفرق الاول، نفصل الكلام حول الفرق الثاني، فلا فرق في القطع الطريقي بين تمام الاحوال: (من حيث القاطع) فهو حجة، سواء حصل للقطاع غير المتعارف، او للمتعارف‏ (و المقطوع به) سواء كان في الاصول او الفروع، في الاحكام الوضعية او التكليفية، او في الموضوعات‏ (و اسباب القطع) سواء كان من الادلة العقلية او اللفظية، بل و حتى من الخارج عن المتعارف‏ (و ازمانه) سواء كان في زمان الانفتاح او الانسداد،- لو قلنا بالانسداد- و زمان حضورهم (عليهم السلام) او حال الغيبة (اذ المفروض كونه) اي كون الطريقي‏ (طريقا الى متعلقه) فاذا قطع بأن المائع الفلاني خمر

36

فيترتّب عليه أحكام متعلّقه، و لا يجوز للشارع أن ينهى عن العمل به، لأنّه مستلزم للتناقض.

فاذا قطع كون مائع بولا، من أيّ سبب كان، فلا يجوز للشارع أن يحكم بعدم نجاسته او عدم وجوب الاجتناب عنه،

____________

(فيترتب عليه) اي على هذا القطع الطريقي‏ (احكام متعلقه) كالحرمة.

و ما ذكره: مثال للقطع بالموضوع، و كذلك حال الحكم، فاذا قطع بان الخمر حرام، فكلّما تحقق الموضوع تحقق الحكم‏ (و لا يجوز للشارع) اي يستحيل عقلا بالنسبة الى الحكيم، فكيف اذا كان سيد الحكماء و العقلاء؟ (ان ينهى عن العمل به) اي بالقطع الطريقي‏ (لانه) اي نهيه‏ (مستلزم للتناقض) و لو في نظر المكلّف، لانه من ناحية، قال الشارع: كل خمر حرام فلا تشربه، و من ناحية، قال: اشرب هذا الخمر.

و بذلك يظهر: انه لا يتمكن الشارع ان ياتي بحكم آخر، و لو غير النهي، من الاحكام، كان يقول: لا تشرب الخمر، ثم يقول: ان شئت فاشرب، او يكره شربه، او يستحب، او يجب، من غير فرق في ذلك بين القطع بالموضوع، او بالحكم.

(فاذا قطع) المكلّف‏ (كون مائع بولا، من اي سبب كان) قطعه، سواء باخبار من قطع بسبب اخبارهم، او برؤيته بالعين، او بان راى مكانه الذي نام ولده الصغير فيه مرطوبا او بغير ذلك‏ (فلا يجوز للشارع) بمعنى يمتنع- كما تقدم- (ان يحكم بعدم نجاسته، او عدم وجوب الاجتناب عنه) اي وجوب الاجتناب من آثار النجاسة، اذ التناقض كما يحصل بنفي المؤثر، يحصل بنفي الاثر ايضا، فانه اذا كان امران متلازمان، يناقضهما أمران متلازمان آخران، و لا يمكن الجمع‏

37

لأنّ المفروض أنّه بمجرّد القطع يحصل له صغرى و كبرى، أعني قوله:

«هذا بول، و كلّ بول يجب الاجتناب عنه، فهذا يجب الاجتناب عنه».

فحكم الشارع بأنّه لا يجب الاجتناب عنه مناقض له،

____________

بين الملزومين، و لا بين اللازمين، و لا بين ملزوم احدهما و لازم الآخر.

و كما لا يصح ان يحكم بعدم النجاسة، او عدم وجوب الاجتناب، كذلك:

لا يصح ان يحكم بجواز الصلاة فيه، و الحال انه قال: لا تصل في البول، و كذلك لا يصح ان يقول: ان هذا ليس ببول، الى غير ذلك.

(لان المفروض) ان الشارع حكم بوجوب الاجتناب عن البول، و المكلّف قطع‏ (انه) بول، فانه‏ (بمجرد القطع) بالبولية (يحصل له صغرى) وجدانية (و كبرى) شرعية (اعني قوله) اي قول المكلّف: (هذا بول، و كل بول يجب الاجتناب عنه، فهذا يجب الاجتناب عنه، فحكم الشارع: بانه) لا يجب العمل بقطعك، او يحرم، او يستحب، او يكره، مما مؤداه:

(لا يجب الاجتناب عنه) اي عن هذا الشي‏ء الذي تقطع بانه بول‏ (مناقض له) و لو في نظر المكلّف، و كما لا يعقل ان يحكم الحكيم بالمناقض واقعا كذلك لا يعقل ان يحكم بما يراه المكلّف مناقضا، لانه يوجب نقض الغرض، باسقاطه نفسه عن كونه حكيما في نظر المكلّف، الذي يراه و قد ناقض نفسه بنفسه.

و بهذا تبين: ان الامر ليس منحصرا بالتناقض، بل ياتي نفس هذا الكلام فيما اذا رآه المكلّف مضادا لنفسه بنفسه، بان امر بالضدين، او بارتفاع النقيضين، او بارتفاع الضدين، الذين لا ثالث لهما.

هذا كله فيما اذا كانت «النجاسة» في لسان الشرع حكما للبول بنفسه، اما اذا كان حكما للبول المعلوم من طريق خاص، كما اذا قال الشارع: «البول الذي‏

38

إلّا إذا فرض عدم كون النجاسة و وجوب الاجتناب من أحكام نفس البول، بل من أحكام ما علم بوليّته على وجه خاصّ من حيث السبب او الشخص او غيرهما، فيكون مأخوذا في الموضوع.

____________

يشهد شاهدان بانه بول، يجب عليك الاجتناب عنه» فانه يتمكن ان يقول اما اذا رأيت بعينك انه بول، فلا يلزم الاجتناب عنه، لان الموضوع صار خاصا، و الى هذا اشار بقوله: (إلّا اذا فرض عدم كون النجاسة و وجوب الاجتناب) و امثالهما، كوجوب التطهير بالماء القليل مرتين، من اللازم و الملزوم و الملازم‏ (من احكام نفس البول) و لوازمه الشرعية.

و عليه: فلا يكون القطع بالبول كاشفا عن صغرى، فلا يمكن رفع الحكم، بعد حكم الشارع بالكبرى‏ (بل من احكام ما علم بوليته على وجه خاص) او من احكام ما قام على انه بول على وجه خاص‏ (من حيث السبب) كما اذا قال:

ما رأيته بعينك انه بول، فهو نجس‏ (او الشخص) كما اذا قال: ما علمه غير الوسواسي بانه بول، فهو نجس، لا ما علمه الوسواسي‏ (او غيرهما) كالزمان و المكان، كما اذا قال: ما علمته في الصيف انه بول، او ما علمته في مصر- حيث البلهارزيا- انه بول فهو نجس.

هذا، و قد ذكر جماعة: انه اذا علم القاضي بان فلانا زان، لا يكفي في حده بل اللازم الشهود الاربعة، او الاقرارات الاربعة، و ذلك لان النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و الوصي (عليه السلام) علما بزنا الرجل و المرأة باول اقرار (1)، و مع ذلك لم يجريا الحد، مما يدل: على ان وجوب الحد على القاضي ليس بمجرد الزنا، بل بعلمه من قيام الشهود او الاقرار- على الشرائط المقررة- (فيكون) القطع، حينئذ (مأخوذا في الموضوع)

____________

(1)- راجع وسائل الشيعة: ج 28 ص 56- 57 ب 32 ح 34202.

39

و حكمه أنّه يتّبع في اعتباره مطلقا او على وجه خاصّ دليل ذلك الحكم الثابت الذي اخذ العلم في موضوعه.

فقد يدلّ على ثبوت الحكم لشي‏ء بشرط العلم به، بمعنى انكشافه للمكلّف من غير خصوصيّة للانكشاف،

____________

فليس البول نجسا، بل البول المقطوع به من طريق خاص نجس.

(و حكمه) اي حكم ذلك الموضوع‏ (انه يتبع في اعتباره) اي اعتبار ذلك الحكم‏ (مطلقا) في انه كلما قطع بانه بول، كان حكمه النجاسة (او على وجه خاص) كالقطع في الصيف، او من غير الوسواسي، او ما اشبه ذلك‏ (دليل ذلك الحكم الثابت) «دليل»: نائب فاعل ل «يتبع» و (الذي) صفة «الحكم» (اخذ العلم في موضوعه) فنلاحظ هل قال الشارع: «البول المقطوع به نجس»؟ او قال: «البول الذي يقطع به غير الوسواسي نجس»؟.

ففي الاول: كلما حصل القطع كان محكوما بالنجاسة، و فرقه عن «البول النجس»: ان لموضوع النجاسة في «البول المقطوع به» جزءان: «البول، و القطع به» و في «البول نجس» جزء واحد- و مرادنا بالجزء: اعم من الجزء و القيد و الشرط-.

و تظهر النتيجة بين الموضوع «الفرد» و «المركب» في الآثار (فقد يدل) الدليل‏ (على ثبوت الحكم لشي‏ء بشرط العلم به) مطلقا، من غير خصوصية سبب خاص، او شخص خاص، او زمان خاص، او مكان خاص- و قوله: بشرط يريد به: «اعم من الجزء و الشرط» و القيد، كما ذكرناه- (بمعنى انكشافه) اي انكشاف ذلك الشي‏ء (للمكلف من غير خصوصية للانكشاف) سببا، او شخصا، او زمانا، أو مكانا، و لنمثل لمدخلية القطع مطلقا في ترتب الحكم، بمثالين:

40

كما في حكم العقل بحسن إتيان ما قطع العبد بكونه مطلوبا لمولاه، و قبح ما يقطع بكونه مبغوضا، فانّ مدخليّة القطع بالمطلوبيّة او المبغوضيّة في صيرورة الفعل حسنا او قبيحا عند العقل لا يختصّ ببعض أفراده.

____________

احدهما عقلي، و الآخر شرعي.

فالاول: (كما في حكم العقل بحسن اتيان ما) اي الفعل الذي‏ (قطع العبد بكونه مطلوبا لمولاه) كالاحسان و العدل، و الفرق بينهما: ان العدل: عبارة عن الموازنة بين امرين، كاعطاء الاجير اجرته حيث توازن الاجرة عمله، و الاحسان:

عبارة عن الزيادة الحسنة، مثل ان يعطيه فوق اجرته شيئا (و قبح ما) اي الفعل الذي‏ (يقطع بكونه مبغوضا) لمولاه، كالظلم، فان القطع الذي جعل في موضوع الاحسان و الإساءة، قطع مطلق، من اي سبب، او في اي زمان حصل، و الى آخره.

و الظاهر: ان مراد المصنف (قدّس سرّه): ان تنجيز حسن الاحسان، و قبح الإساءة منوط بالقطع، و الّا فمن الواضح: ان الاحسان حسن، و الإساءة قبيح، سواء قطع بهما العبد ام لا.

و على اي: (فان مدخلية القطع بالمطلوبية) للاحسان‏ (أو المبغوضية) للاساءة (في صيرورة الفعل حسنا، أو قبيحا عند العقل) و «عند» متعلق ب «صيرورة» (لا يختص ببعض افراده) اي افراد القطع، بل من كل سبب، ولاي احد، و في اي زمان، و في اي مكان، و في اي قسم من اقسام الاحسان او الاساءة، و الى غير ذلك.

و لا يخفى: ان اصل الحسن و القبح- حيث نحن بصددهما- شي‏ء، و المزيد في الاحسان و الإساءة من جهة خارجية، شي‏ء آخر، و كذا يكون القتل في الاشهر الحرم أسوأ، دون سائر الشهور، و قد قال الامام الصادق (عليه السلام) لشقران:

41

و كما في حكم الشرع بحرمة ما علم أنّه خمر او نجاسته بقول مطلق، بناء على أنّ الحرمة و النجاسة الواقعيّتين إنّما تعرضان مواردهما بشرط العلم، لا في نفس الأمر، كما هو قول بعض.

____________

«ان الحسن من كل أحد حسن، و انه منك احسن لمكانك منا، و ان القبيح من كل احد قبيح و منك اقبح لمكانك منا» (1).

(و) الثاني: (كما في حكم الشرع بحرمة ما علم انه خمر، او نجاسته بقول مطلق) فالقطع بالخمر من اين حصل، ولاي انسان، و في اي زمان، او مكان، ولاي قسم من الخمر، انما هو بقول مطلق، من غير تفاوت في تلك الخصوصيات‏ (بناء) اي لا يريد المصنف (قدّس سرّه) ان الامر كذلك، و انما ذكره من باب المثال‏ (على انّ الحرمة و النجاسة الواقعيتين، انما تعرضان مواردهما) من المحرمات و الاعيان النجسة (بشرط العلم) او جزئه، او قيده، فالتراب مثلا حرام اكله، بشرط القطع بانه تراب، و الكافر نجس، بشرط القطع بانه كافر، و الخمر حرام و نجس، بشرط القطع بانه خمر (لا في نفس الامر كما هو قول بعض) حتى يكون التراب حراما، و ان لم يقطع بانه تراب، الى غير ذلك.

و انت خبير بان المحرمات و الاعيان النجسة ليست كذلك، و انما ذكرها المصنف (قدّس سرّه) من باب المثال، و اما ما ورد من سؤال المسلمين عن قراءة آية الخمر على من شربها في زمن الثاني، و رفع علي (عليه السلام) عنه الحد لجهله بالحرمة (2)، فذلك لانه كان جاهلا قاصرا، و من الواضح انه ليس على مثله حد، فلا شاهد

____________

(1)- العدد القوية: ص 153، سفينة البحار: ج 4 ص 467 باب الشين، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 18 ص 205.

(2)- وسائل الشيعة: ج 28 ص 33 ب 14 ح 34145.

42

و قد يدلّ دليل ذلك الحكم على ثبوته لشي‏ء بشرط حصول القطع به من سبب خاصّ او شخص خاصّ، مثل ما ذهب إليه بعض الأخباريّين من عدم جواز العمل في الشرعيّات بالعلم الغير الحاصل من الكتاب و السنّة،

____________

فيه لما ذكره (قدّس سرّه).

(و قد يدل دليل ذلك الحكم على ثبوته) اي ثبوت ذلك الحكم‏ (لشي‏ء) من الموضوعات‏ (بشرط حصول القطع به من سبب خاص، او شخص خاص) او زمان، او مكان، او خصوصيات خاصة- كما تقدم- (مثل ما ذهب اليه بعض الاخباريين: من عدم جواز العمل في الشرعيات بالعلم غير الحاصل من الكتاب و السنة) فجواز العمل عندهم- بالمعنى الاعم للجواز، من الوجوب و غيره، في قبال الحرمة- انما هو بالحكم الشرعي، المقيد حصول العلم بذلك الحكم من الكتاب و السنة.

لكن لا يخفى: ان الاخباريين لا يقولون بانحصار جواز العمل بالعلم الحاصل منهما، بل يقولون بجواز العمل بالكتاب و السنة، سواء حصل العلم منهما، ام لا.

و انما مراد الشيخ (قدّس سرّه): ان نفي العمل بعلم غير حاصل منهما، لا يقيد الكتاب و السنة بالعلم، فهو مثل قولنا: الشاهد حجة سواء علم القاضي بصحة كلامهما ام لا، فهناك امور ثلاثة:

الاول: الشاهد الذي يعلم القاضي بان كلامه خلاف الواقع، و هنا لا يعمل القاضي بشهادته.

الثاني: الشاهد الذي يعلم القاضي بمطابقة كلامه للواقع، و هنا يعمل به.

الثالث: الشاهد الذي لا يعلم القاضي منه اي الامرين، و هنا ايضا يعمل بشهادته.

43

كما سيجي‏ء، و ما ذهب اليه بعض من منع عمل القاضي بعلمه في حقوق اللّه تعالى.

____________

نعم، ربما يناقش في ما اذا علم القاضي بمخالفة الشاهد للواقع، فانه اذا لم يعمل بكلامه، لزم الفوضى في القضاء، حيث يتمكن القاضي من رد الشهود، بحجة انه يعلم خلاف ما شهدا به، و محل البحث فيه كتاب القضاء (1)، و هذا هو ما اشتهر بين القضاة الجدد: من ان القاضي هل يقدم جسم القانون او روح القانون؟ (2).

(كما سيجي‏ء) الكلام في قول الاخباريين في التنبيه الثاني‏ (و) مثل‏ (ما ذهب اليه بعض من منع عمل القاضي بعلمه في حقوق اللّه تعالى) كما اذا علم بان فلانا ارتد، او شرب الخمر، او ما اشبه، لا مثل السرقة و الزنا، حيث هناك حقان: حق اللّه، و حق الناس.

و المراد بحق الناس: الحق الذي جعله اللّه للانسان، و إلّا فكل حق فهو للّه سبحانه.

و على اي حال: فمحل كلام المصنف: ان الحكم و هو مائة جلدة للخمار، لا يترتب بمجرد علم القاضي بل يترتب على علمه المقيد بكونه حاصلا من الشهود، و قد قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «انما اقضي بينكم بالبينات و الأيمان» (3)، بل ربما يقال بذلك، اذا علم القاضي بالزنا- بدون شهود اربعة، او اقرار اربع مرات- و الظاهر:

انه مقيد ايضا، و ذلك لان النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و الوصي (عليه السلام)، علما بالزنا

____________

(1)- راجع موسوعة الفقه: ج 84- 85 كتاب القضاء للشارح.

(2)- و قد اشار الشارح الى هذه المسألة في موسوعة الفقه: كتاب القانون ص 149.

(3)- الكافي (فروع): ج 7 ص 414 ب 29 ح 1، تهذيب الاحكام: ج 6 ص 229 ب 22 ح 3، وسائل الشيعة: ج 27 ص 232 ب 2 ح 33663.

44

و أمثلة ذلك بالنسبة إلى حكم غير القاطع كثيرة، كحكم الشارع على المقلّد بوجوب الرجوع إلى الغير في الحكم الشرعيّ، إذا علم به من الطرق الاجتهاديّة المعهودة، لا من مثل الرمل و الجفر،

____________

من اقرار الزاني و الزانية ثلاث مرات- قطعا- و مع ذلك لم يجريا الحد، و كذا اذا شهد ثلاثة عدول، يعلم القاضي بصدقهم لا يجري الحد حتى ينضم اليهم الرابع‏ (1).

(و امثلة ذلك) اي تقيد الحكم بموضوع خاص‏ (بالنسبة الى حكم غير القاطع) فان القاطع يعمل بقطعه- كما تقدم- من اين حصل، اما غيره فلا، إلّا اذا حصل من سبب خاص- مثلا- و هي‏ (كثيرة) بالنسبة الى المقلد و غيره‏ (كحكم الشارع على المقلد بوجوب الرجوع الى الغير في الحكم الشرعي اذا علم) ذلك الغير و هو المجتهد (به) اي بالحكم‏ (من الطرق الاجتهادية المعهودة): الكتاب و السنة، و الاجماع، و العقل، على ما ذكرها الفقهاء: من انها المدرك.

و في جملة من الروايات- كما في قضاء الوسائل- حرمة رجوع الشخص الى غيرهم (عليهم السلام)(2)، فاذا رجع و اجتهد و ان قطع بالحكم، يكون ساقطا عن العدالة، فلا يجوز تقليده، بل لا يجوز الرجوع اليه و ان لم يسقط عن العدالة، لانهم (عليهم السلام) لم يأذنوا للرجوع الى مثل هذا المستنبط، فالمجتهد القاطع من سبب خاص، هو المأذون في الرجوع اليه، لا مطلق المجتهد فانه‏ (لا) يجوز الرجوع الى من علم الحكم‏ (من مثل الرمل و الجفر) و سمي رملا، لان اول اكتشاف للمجهول بطرق‏

____________

(1)- وسائل الشيعة: ج 28 ص 96 ب 12 ح 34311.

(2)- وسائل الشيعة: ج 27 ص 17 ح 33092 فما بعده (باب 3 صفات القاضي).

45

فانّ القطع الحاصل من هذه و إن وجب على القاطع الأخذ به في عمل نفسه، إلّا أنّه لا يجوز للغير تقليده في ذلك.

و كذا العلم الحاصل للمجتهد الفاسق او غير الاماميّ من الطرق الاجتهاديّة المتعارفة، فانّه لا يجوز للغير العمل بها؛ و كحكم‏

____________

الرمل كان بالتخطيط في رمال الارض، كما انه سمي جفرا، لان الجفر عبارة عن جلد السخل و كان اول كتابة هذا العلم في جلده، و كلاهما اتخذا طريقا لكشف المجهولات، و مثلهما في زماننا: الكمبيوتر و الانترنيت.

(فان القطع الحاصل من هذه) الاسباب غير المتعارفة (و ان وجب على القاطع) المجتهد (الاخذ به في عمل نفسه) لما تقدم: من ان القطع حجة عقلية من اي سبب، و لأيّ احد حصل‏ (إلّا انه لا يجوز للغير تقليده في ذلك) المقطوع به، المكتشف بهذه الاسباب، و ان كان المجتهد جامعا لشرائط الفتوى.

(و كذا العلم الحاصل للمجتهد الفاسق، او غير الامامي) او المرأة، او العبد، او غيرهم ممن فقد شرائط التقليد و لم يجتهد (من الطرق الاجتهادية المتعارفة) اي الادلة الاربعة، فان هؤلاء يفقدون بعض الشرائط، كما ان القاطع من غير الاجتهاد المتعارف يفقد شرطا آخر، لانه حصل من غير الطريق المتعارف، فالعلم الذي يجوز التقليد فيه، مقيد بالشرائط المذكورة.

و هكذا لا يجوز للمترافعين، مراجعة القاضي الذي حصل له العلم من الامور غير المتعارفة، كما لا يصح لهما مراجعة القاضي اذا لم يكن عادلا، او رجلا، او مجتهدا مطلقا- عند من لا يكتفي بتجزي القاضي- الى غير ذلك من فاقدي الشرائط (فانه لا يجوز للغير) مقلدا او متنازعا (العمل بها) و مراجعته‏ (و كحكم‏

46

الشارع على الحاكم بوجوب قبول خبر العدل المعلوم له من الحسّ، لا من الحدس، إلى غير ذلك.

ثمّ من خواصّ القطع الذي هو طريق إلى الواقع قيام الأمارات الشرعيّة و الاصول العمليّة مقامه في العمل،

____________

الشارع على الحاكم، بوجوب قبول خبر العدل المعلوم له) اي لذلك العدل‏ (من الحس لا من الحدس) اي من الحواس الخمس، لا ما اذا علم بالشي‏ء من الجفر و نحوه.

و العلم من الحواس الخمس: كان يرى بعينه الزنا، او يتذوق الطعام فيعلم انه حامض، فيما لو اختلف البائع و المشتري في الحموضة، و ضدها، او يشم الخل او ماء الورد ليعلم من الرائحة: الجودة و الرداءة، او يسمع صوت زيد و هو يسب عمرا، او يلمس خشونة الحرير و زفته، فيشهد باحدهما بعد اختلاف المتبايعين‏ (الى غير ذلك).

(ثم) الفرق الثالث بين القطع الطريقي و القطع الموضوعي- على ما تقدم الالماع الى ان بينهما ثلاثة فروق:- (من خواص القطع الذي هو طريق الى الواقع، قيام الامارات الشرعية).

و المراد بها هنا: الاعم من الطرق، فان الامارات و الطرق كالظرف و الجار و المجرور اذا ذكر احدهما شمل الآخر، و ان ذكرا معا، كانا كما ذكرناه- فيما سبق- (و) بعض‏ (الاصول العملية) كالاستصحاب، الذي له كاشفية عن الواقع، و ان كانت كاشفيته ناقصة و بحاجة الى المتمم كما سيأتي بيانه إن شاء اللّه تعالى‏ (مقامه) اي مقام القطع‏ (في العمل) لا في كونه صفة نفسية، كما هو واضح، اذ القطع لامران:

47

.................

____________

الاول: ان المقطوع به يعمل به.

الثاني: ان القطع صفة للنفس.

و الامارة و الاصل، يقومان مقام القطع في الجهة الاولى لا الثانية، اي كما انه يعمل بالقطع، كذلك يعمل بالامارة و الاصل.

مثلا: اذا قطع بانه خمر وجب عليه الاجتناب، كذلك اذا قامت البينة بانه خمر وجب الاجتناب، و هكذا اذا كان علمه سابقا بانه خمر، ثم شك في انه هل بقي على الخمرية، او انقلب خلا؟ استصحب خمريته، فوجب عليه الاجتناب، فالبينة و الاستصحاب قاما مقام القطع.

نعم، الاصول الثلاثة الأخر، اي: البراءة، و الاحتياط، و التخيير، لا تقوم مقام القطع، فاذا شك في سائل انه ماء او خمر، كان حكمه البراءة لا انه خمر، و اذا شك في ان هذا الاناء خمر او ذاك الاناء، كان اللازم عليه الاحتياط باجتنابهما، لا انه اذا شرب احدهما اجروا عليه حد الخمر، او الزم بتطهير فمه، لان الاحتياط لم يكشف عن كونه خمرا، حتى يترتب عليه آثار الخمر.

و اذا شك في مائع هل انه خمر يحرم شربه، او خل يجب شربه؟ لانه نذر ان يشرب اناء ماء- و لا ماء غيره فرضا، فيكون هذا الاناء المصداق المنحصر لنذره- تخير بين الشرب و عدمه، و لا يكون التخيير طريقا الى كونه خمرا.

و لا يخفى: ان مثل: الصحة، و اصل الطهارة، و اصل الحل، و ما اشبه، تقوم ايضا مقام القطع الطريقي- على نحو ما ذكرناه في الاستصحاب- و كذلك مثل:

48

بخلاف المأخوذ في الحكم على وجه الموضوعيّة، فانّه تابع لدليل ذلك الحكم.

____________

سوق المسلم، و يد المسلم، و ارض المسلم، الى غير ذلك.

(بخلاف) القطع‏ (المأخوذ في الحكم على وجه الموضوعية) الوصفية (فانه تابع لدليل ذلك الحكم) اذ هو على قسمين:

الاول: القطع الموضوعي الوصفي.

الثاني: القطع الموضوعي الطريقي.

فأقسام القطع ثلاثة:

الاول: ما تقدّم من الطريقي البحث، كما اذا قال: الخمر حرام.

الثاني: القطع الموضوعي الوصفي، بمعنى: ان كون القطع صفة نفسية جزء الموضوع، كما اذا قال: الخمر المقطوع به- لان القطع صفة للنفس- حرام.

الثالث: القطع الموضوعي الطريقي، بمعنى: ان كون القطع طريقا الى الخمر جزء الموضوع، كما اذا قال: الخمر المقطوع به- لان القطع طريق الى الخمر- حرام، و قد سبق الكلام في الاول.

اما الثاني: فلا يقوم الطرق و الامارات مقامه، لان الشارع اعتبر الصفة النفسية، و من المعلوم ان الامارات و الاصول لا تحدث للنفس صفة.

و اما الثالث: فالامارات و الاصول تقوم مقامه، لانه اعتبر في القطع الطريقية، و كما يكون القطع طريقا عقليا، تكون الامارة و الاصول طريقا تعبديا.

49

فان ظهر منه او من دليل خارج اعتباره على وجه الطريقيّة للموضوع قامت الأمارات و الاصول مقامه.

و إن ظهر منه اعتبار صفة القطع في الموضوع، من حيث كونها صفة خاصّة قائمة بالشخص لم يقم مقامه غيره.

____________

و على هذا (فان ظهر منه) اي من الدليل نفسه‏ (أو من دليل خارج) كالاجماع‏ (اعتباره) اي اعتبار القطع‏ (على وجه الطريقية للموضوع) و هو القسم الثالث في كلامنا (قامت الامارات و الاصول) المصطلح عليها بالاصول المحرزة، اي الكاشفة عن الواقع و لو كشفا ناقصا، كما تقدّم من مثل: الاستصحاب، و اصالة الطهارة، و الحل، و الصحة، و ما اشبهها (مقامه).

لما عرفت: من ان القطع كاشف نفسي، و هذه الامارات و الاصول كاشفة تعبدية، بمعنى: ان الشارع اتم كشفها، بعد ان كان لها كشف في الجملة.

(و ان ظهر منه) اي من الدليل‏ (اعتبار صفة القطع في الموضوع من حيث كونها صفة خاصة قائمة بالشخص) و هو القسم الثاني في كلامنا، فانه‏ (لم يقم مقامه غيره) من الامارات و الاصول، لانها لا تحدث في النفس صفة.

ثم انه يمكن ان يضاف الى الاقسام الثلاثة، التي ذكرها المصنّف (قدّس سرّه) قسم رابع، و هو: ما اعتبره الشارع طريقا و صفة معا- مثلا قال: الخمر المقطوع به- لان القطع صفة للنفس و طريق الى الخمر، حيث ان القطع طريق و صفة معا- حرام.

و هذا القسم لا تقوم الامارات و الاصول المحرزة مقامه أيضا، لما عرفت من عدم قيامها مقام القطع الموضوعي الوصفي.

50

كما إذا فرضنا أنّ الشارع اعتبر صفة القطع على هذا الوجه في حفظ عدد الركعات الثنائيّة و الثلاثيّة و الاوليين من الرباعيّة، فانّ غيره، كالظّنّ بأحد الطرفين او أصالة عدم الزائد، لا يقوم مقامه‏

____________

ثم ان المصنّف (قدّس سرّه) مثّل للقطع الموضوعي الوصفي بقوله: (كما إذا فرضنا أن الشارع اعتبر صفة القطع) في الموضوع‏ (على هذا الوجه) الخاص بانه صفة، لا بانه طريق‏ (في حفظ عدد الركعات الثنائية) بان قال: إذا كانت هناك ركعتان مقطوع بهما في صلاة الصبح دائما، و الظهرين و العشاء في السفر، صحت الصلاة و إلّا بطلت، فاتخذ صفة القطع في الموضوع.

(و الثلاثية) بان قال: إذا كانت هناك ثلاث ركعات مقطوع بها في صلاة المغرب صحت، و الّا بطلت‏ (و الاوليين من الرباعية) بان قال: إذا كانت هناك ركعتان مقطوع بهما في أول الظهر، و أول العصر، و أول العشاء- في الحضر- صحت الصلاة، و الّا بطلت، و قام نفس النص، أو دليل اجماع و نحوه، على ان القطع المأخوذ في الموضوع، انما هو قطع على نحو الصفة (فان غيره) اي غير هذا القطع‏ (كالظن باحد الطرفين) و انه صلى ركعة أو ركعتين، في الصبح، و ثنائية السفر، أو انه صلى ثلاثا أو اقل في المغرب‏ (أو اصالة عدم الزائد) أو قيام البينة و ما اشبه، على احد الطرفين‏ (لا يقوم) خبر ل «فان غيره» (مقامه) اي مقام القطع الموضوعي الوصفي، لانه لا دليل على ذلك بعد عدم اعتبار الشارع القطع بما هو هو.

كما ان الامر كذلك في باب العقائد، فان العقيدة معتبرة بذاتها اما إذا قامت البينة على ان اللّه واحد، أو ظن بذلك، أو قام الخبر الواحد عليه، أو اجرى اصالة عدم الثاني للاله، لم ينفع كل ذلك في حصول التوحيد- و قد ادعى العلامة (قدّس سرّه)

51

إلّا بدليل خاصّ خارجيّ غير أدلّة حجيّة مطلق الظنّ في الصلاة و أصالة عدم الأكثر.

____________

على ذلك: الاجماع في الباب الحادي عشر (1)- فان هذه الامور غير الصفة النفسية الخاصة التي اعتبرها الشارع.

قال فضيل: سألته (عليه السلام) عن السهو؟ فقال (عليه السلام): في صلاة المغرب إذا لم تحفظ ما بين الثلاث الى الاربع فاعد صلاتك‏ (2).

و عليه: فلا يكون‏ (الّا بدليل خاص خارجي) بان يقول الشارع: اني و ان اعتبرت الصفة الخاصة في الموضوع، الّا ان الظن أو البينة مثلا، تقوم مقام هذه الصفة (غير ادلة حجية مطلق الظن في الصلاة) أو في غيرها، حيث قام الدليل على حجية الظن الخاص، المستند الى الخبر الواحد، أو البينة، أو ما أشبه، أو حيث قام الدليل على حجية مطلق الظن- عند الانسدادي- (و) غير (اصالة عدم الاكثر) فيما إذا كان الشك بين الاقل و الاكثر، و انما لا ينفع ادلة حجية مطلق الظن الخ، لان ادلة حجيتها منصرفة الى الحجية في القطع الطريقي لا القطع الموضوعي.

نعم إذا قال الشارع: بان كل قطع اعتبره العقل أو اعتبرته انا، فان الظن يقوم مقامه، أو ان الاصل يقوم مقامه، كان الظن و الاصل في هذه الحال، يقومان مقام كل قطع طريقي أو موضوعي على نحو الطريقية أو الموضوعية.

مثلا: عن عمار: انه قال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): يا عمار اجمع لك السهو كله في كلمتين، متى ما شككت فخذ بالاكثر، فاذا سلمت فاتم ما ظننت انك نقصت‏ (3).

____________

(1)- النافع يوم الحشر في شرح الباب الحادي عشر: ص 20.

(2)- وسائل الشيعة: ج 8 ص 195 ب 2 ح 10407.

(3)- وسائل الشيعة: ج 8 ص 212 ب 8 ح 10451، جامع أحاديث الشيعة: ج 5 ص 601، من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 340 ح 992.

52

و من هذا الباب، عدم جواز أداء الشهادة، استنادا إلى البيّنة او اليد على قول، و إن جاز تعويل الشاهد في عمل نفسه بهما إجماعا، لأنّ العلم بالمشهود به مأخوذ في مقام العمل على وجه الطريقيّة،

____________

(و من هذا الباب) اي باب اعتبار القطع الموضوعي على وجه الصفة: باب الشهادة، حيث لا يجوز شرعا ان يشهد الانسان إذا لم يعلم بشي‏ء، و ان قامت عنده البينة، أو راى المشهود له صاحب يد على ذلك الشي‏ء، و ذلك ل (عدم جواز اداء الشهادة استنادا) في شهادته‏ (الى البينة أو اليد على قول) بعض الفقهاء، و ان أجاز آخرون مثل هذه الشهادة، و ذلك لاختلاف الروايات في المسألة في انه هل يجوز اداء الشهادة استنادا الى البينة و اليد ام لا؟ (1).

(و ان جاز تعويل الشاهد) و اعتماده‏ (في عمل نفسه بهما) اي بالبينة و اليد (اجماعا) فإذا كانت هناك دار تحت يد زيد، أو شهدت البينة عند عمرو بانها دار زيد، فان عمرا لا يتمكن من اداء الشهادة عند القاضي بانها دار زيد، اما إذا اراد نفس عمرو شرائها من زيد، جاز له ان يعتمد عليها و يشتريها.

و كذلك إذا كان صاحب اليد مثلا مورث عمرو، فان مات المورث جاز لعمرو ترتيب آثار الملك على الدار التي ورثها.

فالظن الخاص و هو البينة أو كون زيد صاحب يد على الدار، لم يقم مقام القطع في جواز أداء الشهادة- لأن الشارع أجاز الاداء في صورة القطع- و ان قاما مقام القطع في معاملة نفسه.

و انما فرقنا بين اداء الشهادة و بين العمل‏ (لان العلم بالمشهود به مأخوذ في مقام العمل) انما يكون‏ (على وجه الطريقية) و لذا تقوم الامارة و اصل الصحة

____________

(1)- للمزيد راجع موسوعة الفقه: ج 86 كتاب الشهادات للشارح.

53

بخلاف مقام أداء الشهادة، إلّا أن يثبت من الخارج، أنّ كلّما يجوز العمل به من الطرق الشرعيّة يجوز الاستناد إليه في الشهادة، كما يظهر من رواية حفص الواردة في جواز الاستناد إلى اليد.

____________

في ذي اليد و نحوهما مقام العلم.

(بخلاف مقام أداء الشهادة) فان العلم اخذ على نحو الموضوعية، و لذا لا تقوم البينة و استيلاء صاحب اليد مقام هذا القطع‏ (الّا ان يثبت من الخارج، ان كلّما يجوز العمل به من الطرق الشرعية) امارة كان أو اصلا (يجوز الاستناد اليه في) اداء (الشهادة).

و حينئذ: تقوم الطرق الشرعية مقام القطع الموضوعي على نحو الصفة (كما يظهر) كفاية كل طريق شرعي‏ (من رواية حفص) بن غياث‏ (الواردة في جواز الاستناد الى اليد).

و المراد: الطريق الشرعي في اداء الشهادة، فاذا ورد مثل هذا الدليل جاز الاستناد الى الطريق في الشهادة، كما يجوز الاستناد اليه في الشراء، و في الارث، و في سائر المعاملات.

«فقد روى حفص عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال له رجل: إذا رأيت شيئا في يدي رجل، يجوز لي أن أشهد إنّه له؟.

قال (عليه السلام): نعم.

قال الرجل: أشهد أنّه في يده و لا أشهد أنّه له فلعله لغيره؟.

فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): أ فيحلّ الشراء منه؟.

قال: نعم.

فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): فلعله لغيره، فمن أين جاز لك أن تشتريه، و يصير ملكا

54

و ممّا ذكرنا: يظهر أنّه لو نذر أحد أن يتصدّق كلّ يوم‏

____________

لك، ثمّ تقول بعد الملك هو لي و تحلف عليه، و لا يجوز أن تنسبه إلى من صار ملكه من قبله إليك؟.

ثمّ قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): لو لم يجز هذا، لم يقم للمسلمين سوق» (1).

و على اي حال، فلم يظهر من نص انه لم تقم البينة و نحوها مقام القطع، اي قطع كان.

نعم، في الاعتقاديات، الامر بحاجة الى القطع على المشهور، و ان كان بعض العلماء ذكر عدم الاحتياج هناك أيضا، و تفصيل الكلام في الكتب الكلامية.

و كيف كان، فقد ظهر مما تقدّم إن القطع طريقا و موضوعا جزءا و كلا، صفة و غيرها، على سبعة اقسام:

الاول: الطريقي البحت.

الثاني: القطع الموضوعي جزءا على نحو الطريقية.

الثالث: القطع الموضوعي كلا على نحو الطريقية.

الرابع: القطع الموضوعي جزءا على نحو الصفة.

الخامس: القطع الموضوعي كلا على نحو الصفة.

السادس: القطع الموضوعي جزءا على نحو الطريق و الصفة.

السابع: القطع الموضوعي كلا على نحو الطريق و الصفة.

(و مما ذكرنا) من ان القطع الموضوعي الوصفي لا يقوم شي‏ء آخر مقامه، إلّا بدليل خاص‏ (يظهر: انه لو نذر) أو حلف أو عاهد (احد ان يتصدق كل يوم‏

____________

(1)- الكافي (فروع): ج 7 ص 387 ح 1، وسائل الشيعة: ج 27 ص 292 ب 25 ح 33780، من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 51 ب 2 ح 3307، تهذيب الاحكام: ج 6 ص 262 ب 22 ح 100.