الوصائل إلى الرسائل‏ - ج3

- السيد محمد الحسيني الشيرازي المزيد...
416 /
4

بسم الله الرحمن الرحيم‏

5

الوصائل الى الرسائل‏

تتمّة المقصد الثاني‏

«بحث الظنّ»

[تتمة القسم الثاني‏]

[تتمه بحث الإجماع‏]

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

قال في الايضاح في مسألة ما يدخل في المبيع: «إنّ من عادة المجتهد:

إذا تغيّر اجتهاده الى التردّد او الحكم بخلاف ما اختاره أوّلا، لم يبطل ذكر الحكم الأوّل، بل يذكر ما أدّى اليه اجتهاده ثانيا في موضع آخر، لبيان عدم انعقاد إجماع أهل عصر الاجتهاد الأوّل على خلافه‏

____________

(قال) فخر المحققين ابن العلامة (في الايضاح، في مسألة ما يدخل في المبيع) من التوابع، فاذا باع الدار- مثلا- دخل في المبيع: الماء الّذي في البئر، و الانابيب الّتي تنقل الماء منها و الاشجار الّتي فيها و ما اشبه ذلك، ممّا لا يسمّى دارا و كذلك توابع كلّ مبيع بحسبه.

قال: (انّ من عادة المجتهد، اذا تغيّر اجتهاده إلى التردّد، أو الحكم بخلاف ما اختاره أولا، لم يبطل ذكر الحكم الأوّل) بأن يشطب على ذلك الحكم، و يكتب الحكم الثاني مكانه.

مثلا: اذا كان اجتهاده الاوّل: وجوب صلاة الجمعة، و صار اجتهاده الثاني:

حرمة صلاة الجمعة لم يشطب على الوجوب‏ (بل يذكر ما أدّى اليه اجتهاده ثانيا، في موضع آخر) سواء في كتاب آخر، أو في موضع آخر من نفس الكتاب، و قد ذكر فخر المحققين: انّ فائدة عدم الشطب على الحكم الاوّل، أمور:-

أحدها: ما نبّه عليه بقوله: (لبيان عدم انعقاد، اجماع أهل عصر الاجتهاد الأوّل على خلافه) أي على خلاف اجتهاده الأوّل، اعلاما بانّه لم ينعقد في العصر السابق اجماع على خلاف اجتهاده.

فاذا كان اجتهاده الأوّل- مثلا- الوجوب، و اجتهاده الثاني: الحرمة، و قد وافق كلّ علماء عصره عند اجتهاده الأوّل، على الوجوب، لم يبطل اجتهاده الاوّل عند تبدّل اجتهاده إلى الحرمة، و ذلك لافادة: انّ وقت اجتهاده الاوّل، انعقد

8

و عدم انعقاد إجماع أهل العصر الثاني على كلّ واحد منهما و أنّه لم يحصل في الاجتهاد الثاني مبطل للأوّل، بل معارض لدليله مساو له»، انتهى.

و قد أكثر في الايضاح من عدم الاعتبار بالخلاف لانقراض عصر المخالف،

____________

الاجماع على الوجوب.

الثاني: ما اشار اليه بقوله: (و عدم انعقاد اجماع اهل العصر الثاني، على كلّ واحد منهما) أي: من الفتويين، فتوى الوجوب أوّلا، و فتوى الحرمة ثانيا، أمّا فتوى الوجوب: فلأنّه خالفه إلى الحرمة، و أمّا فتوى الحرمة: فلأنّ علماء عصره الباقين على فتاواهم، حتّى بعد فتواه الثاني، قائلون بالوجوب، و هو قائل بالحرمة.

الثالث: ما اشار اليه بقوله: (و انّه لم يحصل في الاجتهاد الثاني مبطل للاوّل، بل معارض لدليله مساو له) (1) لأنّه لا يعلم ما عند اللّه سبحانه واقعا من صحة الفتوى الاولى، أو الفتوى الثانية، و انّما كان ذلك ما استظهره أوّلا، و هذا ما استظهره ثانيا.

و من المعلوم: انّ الاستظهار قد يطابق الواقع، و قد لا يطابقه، فهما اجتهادان، يحتمل مطابقة ذاك أو هذا للواقع، بل و ربّما يحتمل مخالفة كليهما للواقع، فيما اذا كان أطراف الحكم ثلاثة: كالوجوب، أو الحرمة، أو التخيير في صلاة الجمعة، (انتهى) كلام الايضاح، و ما يكون شاهدا فيه لما ذكرناه‏ (و قد أكثر في الايضاح:

من عدم الاعتبار بالخلاف، لانقراض عصر المخالف) ممّا يظهر منه: انّ مخالفة واحد من علماء العصر مانع من انعقاد الاجماع، فيكون شاهدا لما ذكرناه سابقا

____________

(1)- ايضاح الفوائد في شرح القواعد: ج 1 ص 502.

9

و ظاهره الانطباق على هذه الطريقة، كما لا يخفى.

و قال في الذكرى:

«ظاهر العلماء المنع عن العمل بقول الميّت محتجّين بأنّه لا قول للميت، و لهذا ينعقد الاجماع على خلافه ميّتا».

____________

من القول باللطف بقولنا: هذا الوجه ظاهر من كلّ من اشترط في تحقّق الاجماع، عدم مخالفة أحد من علماء العصر.

(و ظاهره) أي: ظاهر كلام الايضاح في مواضعه المتعدّدة (: الانطباق على هذه الطّريقة) أي: على قاعدة اللطف الّتي ذكرها الشيخ.

و ذلك لأنّ قاعدة اللطف- كما عرفت- مبنيّة على عدم مخالفة أحد من العلماء، في العصر الواحد بل اجتماع الكلّ على رأي واحد، ممّا لو كان مخالفا للواقع، لوجب على اللّه سبحانه و تعالى من باب اللّطف، اظهار المخالف، حتّى لا تكون كلّ الأمّة على خلاف الواقع‏ (كما لا يخفى) ذلك على من تأمّل فيما ذكرناه.

(و قال) الشهيد الاول‏ (في الذكرى) ما يؤيّد هذا القول أيضا حيث قال:

(ظاهر العلماء: المنع عن العمل بقول الميّت محتجين: بأنّه لا قول للميّت) من باب السالبة بانتفاء الموضوع، فانّ الانسان اذا مات انفقد، و بذلك ينفقد تابعة الّذي هو قوله.

(و لهذا) أي لأجل انّه لا قول للميت‏ (ينعقد الاجماع على خلافه ميّتا) (1)، فيما اذا كان كلّ علماء عصره، الّذي توفي فيه، يخالفونه في الرأي.

كما اذا ذهب علماء عصر واحد- مثلا- إلى وجوب الجمعة و كان هو وحده من‏

____________

(1)- ذكرى الشيعة: ص 3.

10

و استدلّ المحقّق الثاني في حاشية الشرائع: «على أنّه لا قول للميّت، بالاجماع على أنّ خلاف الفقيه الواحد لسائر أهل عصره يمنع من انعقاد الاجماع اعتدادا بقوله و اعتبارا بخلافه فاذا مات و انحصر أهل العصر في المخالفين له انعقد و صار قوله غير منظور إليه، و لا يعتدّ به»، انتهى.

____________

بينهم، يقول بالحرمة، فاذا مات، انعقد الاجماع على الوجوب، لأنّ الّذي كان يقول بالحرمة قد مات، فمات قوله بموته، فلا مخالف للاجماع في العصر الثاني، بعد موت ذلك العالم القائل بالحرمة، فينحصر العلماء في القائلين بالوجوب، فيكون الوجوب اجماعيّا.

و من المعلوم: انّ هذا الكلام- ايضا- ممّا يشير إلى اللّطف الّذي ذكره شيخ الطائفة.

(و استدلّ المحقّق الثاني في حاشية الشرائع، على انّه لا قول للميّت بالاجماع على انّ خلاف الفقيه الواحد، لسائر أهل عصره، يمنع من انعقاد الاجماع اعتدادا) أي: اعتناء (بقوله) أي: لأجل الاعتناء بقول هذا الواحد، لا ينعقد الاجماع‏ (و) ذلك‏ (اعتبارا بخلافه) أي خلاف هذا الواحد لاهل عصره‏ (فاذا مات) هذا الواحد (و انحصر أهل العصر في المخالفين له، انعقد) بعد موته الاجماع‏ (و صار قوله غير منظور اليه، و لا يعتدّ به‏ (1)، انتهى) كلام المحقّق الثاني، صاحب جامع المقاصد.

و من المعلوم: انّ هذه العبارات كلّها- ايضا- تشير إلى قاعدة اللطف، الّتي ذكرها الشيخ في باب الاجماع.

____________

(1)- حاشية الشرائع: مخطوط.

11

و حكي عن بعض انّه حكى عن المحقّق الداماد انّه (قدّس سرّه)، قال في بعض كلام له، في تفسير النّعمة الباطنة: «إنّ من فوائد الامام- (عجّل اللّه فرجه)- أن يكون مستندا لحجّية اجماع أهل الحلّ و العقد من العلماء على حكم من الأحكام إجماعا بسيطا في أحكامهم الإجماعيّة و حجّية إجماعهم المركّب في أحكامهم الخلافيّة،

____________

(و حكي عن بعض: انّه حكى عن المحقّق الداماد: انّه (قدّس سرّه) قال في بعض كلام له، في تفسير النعمة الباطنة) حيث انّ للّه سبحانه و تعالى نعما ظاهرة، و نعما باطنة، و قد اشار اليهما بقول سبحانه: وَ أَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَ باطِنَةً (1).

قال: (انّ من فوائد الامام) الحجّة (عجّل اللّه تعالى‏ فرجه) (أن يكون مستندا لحجيّة اجماع أهل الحلّ و العقد، من العلماء) و قد تقدّم معنى:

الحلّ و العقد (على حكم من الأحكام) سواء كان الحكم وجوبا، أو حرمة، أو غيرهما، (اجماعا بسيطا في أحكامهم الاجماعية) و الاجماع البسيط عبارة عن: اتّفاق الكلّ على حكم واحد، كما اذا اتّفقوا جميعا على وجوب الجمعة.

(و حجّية اجماعهم المركّب في أحكامهم الخلافية) و الاجماع المركّب عبارة عن: اتّفاق الكلّ في شي‏ء على قولين بحيث انّه لا يجوز خلاف ذينك القولين.

كما اذا ذهب بعض الفقهاء: إلى حرمة الجمعة و بعض الفقهاء: إلى وجوب الجمعة فهذا هو الاجماع المركّب، و معناه: انّه قام اجماع الأمّة: على انّ الجمعة، ليست مخيرة بين الظهر و الجمعة، فلا يجوز احداث القول الثالث، لأنّه يعلم بأنّ القول الثالث خلاف الاجماع المركّب.

____________

(1)- سورة لقمان: الآية 20.

12

فانه- (عجّل اللّه فرجه)- لا ينفرد بقول، بل من الرحمة الواجبة في الحكمة الالهيّة أن يكون في المجتهدين المختلفين في المسألة المختلف فيها، من علماء العصر من يوافق رأيه رأي إمام عصره، و صاحب أمره، و يطابق قوله، قوله و إن لم يكن ممّن نعلمه بعينه و نعرفه بخصوصه»، انتهى.

و كأنّه لاجل مراعاة هذه الطريقة التجأ الشهيد

____________

(فانّه) (عجّل اللّه تعالى‏ فرجه) (لا ينفرد بقول) مخالف للاجماع البسيط، أو للاجماع المركّب‏ (بل من الرّحمة الواجبة في الحكمة الالهية) من باب اللطف‏ (أن يكون في المجتهدين المختلفين) على قول أو على أقوال‏ (في المسألة المختلف فيها: من علماء العصر من يوافق رأيه رأي امام عصره، و صاحب أمره، و يطابق قوله قوله) «(عجّل اللّه تعالى‏ فرجه)» (و ان لم يكن) هذا العالم، الّذي يطابق رأيه رأي امام العصر (ممّن نعلمه بعينه و نعرفه بخصوصه، انتهى).

مثلا: اذا ذهبت الأمّة إلى وجوب الجمعة، و كان الوجوب مخالفا للواقع، وجب على اللّه سبحانه و تعالى من باب اللطف: اظهار الحرمة أيضا، و اذا ذهبت الأمة إلى قولين: قولا بالوجوب، و قولا بالحرمة، فاللازم ان يكون احد هذين القولين مطابقا لقول الامام (عليه السلام)، لكي لا يقع كلّ الامّة في الخلاف- على ما عرفت سابقا-.

و من الواضح: انّ قول المحقّق الداماد أيضا، يشير إلى قاعدة اللطف الّتي ذكرها شيخ الطائفة.

(و كأنّه لأجل مراعاة هذه الطريقة) أي: طريقة اللطف الّتي تستلزم اتفاق الكلّ في عصر واحد، فاذا خالف بعض لم يتحقق الاجماع‏ (التجأ الشّهيد) الأوّل‏

13

في الذكرى إلى توجيه الاجماعات التي ادّعاها جماعة في المسائل الخلافيّة مع وجود المخالف فيها بارادة غير المعنى الاصطلاحيّ من الوجوه التي حكاها عنه في المعالم،

____________

(في الذكرى، إلى توجيه الاجماعات، الّتي ادّعاها جماعة) من العلماء (في المسائل الخلافيّة، مع وجود المخالف فيها) اذ كيف يدّعون الاجماع، مع وجود المخالف؟ مع وضوح: انّ الاجماع على مبنى المتقدّمين، و هو اللّطف، لا يكون إلّا بعدم استثناء حتّى واحد من العلماء.

و التوجيه يكون‏ (بارادة غير المعنى الاصطلاحي) عند الامامية (من الوجوه التي حكاها عنه في المعالم) فانّ المعالم، حكى عن الشهيد في الذكرى: وجوها في صحّة ادّعاء العلماء الاجماع، مع وجود المخالف.

أقول: و هذه عبارة الشهيد في الذكرى- كما حكي عنه- بالنصّ: يثبت الاجماع بخبر الواحد، ما لم يعلم خلافه، لأنّه أمارة قويّة كروايته، و قد اشتمل كتاب الخلاف، و الانتصار، و السرائر، و الغيبة، على أكثر هذا الباب، مع ظهور المخالف في بعضها، حتّى من الناقل نفسه.

و العذر: امّا بعدم اعتبار المخالف المعلوم النسب- كما سلف-.

و امّا تسميتهم لما اشتهر: اجماعا.

و امّا بعدم ظفره حين ادّعى الاجماع، بالمخالف.

و امّا بتأييد الخلاف، على وجه يمكن مجامعته لدعوى الاجماع- و ان بعد- كجعل الحكم من باب التخيير.

و امّا اجماعهم على روايته، بمعنى: تدوينهم في كتبهم، منسوبا إلى الأئمّة (عليهم السلام) انتهى.

14

و لو جامع الاجماع وجود الخلاف و لو من معلوم النسب لم يكن داع إلى التوجيهات المذكورة مع بعدها او أكثرها.

الثالث: من طرق انكشاف قول الامام (عليه السلام) لمدّعي الاجماع الحدس، و هذا على وجهين:

أحدهما: أن يحصل له ذلك من طريق لو علمنا به ما خطّأناه في استكشافه، و هذا على وجهين:

____________

و في الاستدلال بكلام الشهيد، على انّ المراد بالاجماع، هو: الاجماع اللّطفي ما ذكره المصنّف بقوله: (و لو جامع الاجماع) في نظر الشهيد الأوّل‏ (وجود الخلاف و لو من معلوم النسب، لم يكن داع إلى التوجيهات المذكورة مع بعدها) أي: بعد تلك التوجيهات‏ (أو أكثرها) أي بعد أكثر تلك التوجيهات- على ما عرفتها-.

فعلم من كلام الشهيد الأوّل: انّ الاجماع هو من باب اللّطف، و لذا يضرّه حتّى وجود المخالف الواحد.

و حيث قد تقدّم الاجماع الدخولي و الاجماع اللطفي، شرع المصنّف في بيان الاجماع الحدسي بقول:-

(الثالث من طرق انكشاف قول الامام (عليه السلام) لمدّعي الاجماع: الحدس، و) هو الّذي بنى عليه المتأخرون، و يكون‏ (هذا) الاجماع الحدسي‏ (على وجهين:).

(أحدهما: أن يحصل له) أي للناقل‏ (ذلك) الحدس‏ (من طريق) حسّي‏ (لو علمنا به) أي: بذلك الطريق‏ (ما خطّأناه) أي: الناقل‏ (في استكشافه) للاجماع.

(و هذا) القسم الأول أيضا (على وجهين):

15

احدهما: أن يحصل له الحدس الضروريّ من مباد محسوسة بحيث يكون الخطأ فيه من قبيل الخطأ في الحسّ، فيكون بحيث لو حصل لنا تلك الأخبار يحصل لنا العلم كما حصل له.

ثانيهما: أن يحصل الحدس له من إخبار جماعة

____________

(أحدهما: أن يحصل له الحدس الضروري، من مباد: محسوسة) كأن يتتبع مدعي الاجماع، أقوال جميع علماء الأعصار و الأمصار، فيراها قولا واحدا، فانّ مثل هذا حدس ضروري كاشف عن انّ سيّد الفقهاء، و هو: الامام (عليه السلام) يوافقهم في رأيهم، و إلّا كيف أمكن لجميع العلماء على اختلاف مشاربهم، و طرق استظهارهم و استنباطهم ان يتّفقوا على فتوى واحدة (بحيث يكون الخطأ فيه) أي في هذا الحدس‏ (من قبيل الخطأ في الحسّ).

فكما انّه لا يقع الخطأ في الحسّ الّا نادرا- و قد ذكرنا بعض موارد الندرة سابقا مثل رؤية الشي‏ء الكبير على البعد صغيرا، و رؤية السراب ماء، و رؤية الخطّين المتوازيين من بعيد متصلين، و ما اشبه ذلك، ممّا لا يعتني العقلاء باحتمال الخطأ فيه، الّا اذا ثبت الخطأ فيه قطعا كالأمثلة الّتي ذكرناها- كذلك الحدس المذكور، فانّه لا يقع في الخطأ الّا نادرا.

و معلوم: انّ مثل هذا الحدس كالحسّ ضروري‏ (فيكون) حدس هذا المدّعي للاجماع‏ (بحيث لو حصل لنا تلك الاخبار) من التتبع لأقوال فقهاء الاعصار و الأمصار (يحصل لنا العلم، كما حصل له) أي: للناقل باستكشاف رأي الامام من هذا الطريق.

(ثانيهما) أي ثاني القسمين، الذين ذكرناهما في القسم الاول من الحدس‏ (: ان يحصل الحدس له) لا من طريق حسّي، بل‏ (من إخبار جماعة) كالفقهاء

16

اتّفق له العلم بعدم اجتماعهم على الخطأ، لكن ليس إخبارهم ملزوما عادة للمطابقة لقول الامام (عليه السلام)، بحيث لو حصل لنا علمنا بالمطابقة أيضا.

الثاني: أن يحصل ذلك من مقدّمات نظريّة و اجتهادات كثيرة الخطأ، بل علمنا بخطإ بعضها في موارد كثيرة من نقلة الاجماع،

____________

الاعلام الذين هم مطّلعون على أقوال العلماء، كالشيخ، و السيّد، و المحقق، و العلّامة، و الشهيدين، و غيرهم‏ (اتّفق له) أي: للناقل‏ (العلم بعدم اجتماعهم على الخطأ) في الفتوى.

(لكن ليس اخبارهم ملزوما عادة للمطابقة لقول الامام (عليه السلام)) ملازمة عرفية لدى المتشرعة فليس‏ (بحيث لو حصل لنا) هذه الاخبار عن هذه الجماعة التي ذكرنا اسماءهم- مثلا- (علمنا بالمطابقة أيضا).

و على أي حال: ففي القسم الأوّل من الاجماع الحدسي نوعان: نوع حدسيّ ضروري و نوع حدسيّ غير ضروري.

أمّا القسم‏ (الثاني): من الاجماع الحدسي فهو (أن يحصل ذلك) الحدس بقول الامام (عليه السلام) للناقل‏ (من) مبادي حدسيّة و (مقدّمات نظريّة، و اجتهادات كثيرة الخطأ) و على نحو الاجمال، (بل علمنا) تفصيلا (بخطإ بعضها) أي بعض تلك الاجتهادات‏ (في موارد كثيرة من نقلة الاجماع) فان ادعاء هؤلاء الاجماع، مبني على اجتهاداتهم، و اجتهاداتهم على قسمين:

الاول: ما علمنا اجمالا بخطإ بعضها.

الثاني: ما علمنا تفصيلا، بخطإ ذلك البعض.

و على أي حال: فالشي‏ء الّذي يبنى على تلك الاجتهادات، لا يمكن أن يؤخذ به، اما للعلم اجمالا بخطئه، أو للعلم تفصيلا بخطئه.

17

علمنا ذلك منهم بتصريحاتهم في موارد، و استظهرنا ذلك منهم في موارد أخر، و سيجي‏ء جملة منها.

إذا عرفت أنّ مستند خبر المخبر بالاجماع المتضمّن للاخبار من الامام (عليه السلام)، لا يخلو من الامور الثلاثة المتقدّمة- و هي السماع عن الامام‏

____________

ان قلت: من اين علمنا: ان هذا الناقل استند في نقله الاجماع، الى اجتهادات نعلم خطأ كثير منها، أو خطأ بعضها بالتفصيل؟.

قلت: (علمنا ذلك منهم بتصريحاتهم من موارد) قد نقلوا فيها الاجماع و قالوا: انّ المسألة الفلانية اجماعية للآية الفلانية، أو للحديث الفلاني، أو للأصل، أو ما أشبه ذلك.

كما (و استظهرنا ذلك منهم) أي: من الناقلين للاجماع‏ (في موارد أخر) فانّهم، و ان لم يذكروا في هذه الموارد الأخر: انّهم استندوا في نقل الاجماع إلى الاجتهاد الفلاني، لكن القرائن الخارجية تدل على ان دعواهم للاجماع، هذا مستندة إلى اجتهادات نعلم خطأها.

(و سيجي‏ء جملة منها) أي من تلك الموارد ان شاء اللّه تعالى.

و عليه: (اذا عرفت: انّ مستند خبر المخبر بالاجماع) و خبر قوله «اذا عرفت» يأتي بعد أسطر حيث يقول: «وجب التوقف في العمل» (المتضمّن) هذا الخبر (للاخبار من الامام (عليه السلام)) و لا يراد: التضمن الاصطلاحي المنطقي، بل الأعم من ذلك، فانه‏ (لا يخلو من الأمور الثلاثة المتقدّمة و هي:)

اولا: (السماع عن الامام) (عليه السلام) الّذي كان بين المجمعين حتّى يكون الاجماع‏

18

مع عدم معرفته بعينه، و استكشاف قوله من قاعدة اللطف، و حصول العلم من الحدس، و ظهر لك أنّ الأوّل هنا غير متحقق عادة لأحد من علمائنا المدّعين للاجماع، و أنّ الثاني ليس طريقا للعلم- فلا يسمع دعوى من استند اليه، فلم يبق ممّا يصلح أن يكون مستندا في الاجماعات المتداولة على ألسنة ناقليها إلّا الحدس، و عرفت أنّ الحدس قد يستند إلى مباد محسوسة ملزومة عادة لمطابقة قول الامام (عليه السلام)،

____________

دخوليا (مع عدم معرفته) (عليه السلام) (بعينه) كما عليه المتقدمون، حيث انّه لو علم بعينه، لم يكن من الاجماع في شي‏ء، و أنما كان من اخبار الامام (عليه السلام).

(و) ثانيا: (استكشاف قوله) (عليه السلام) بسبب الاتفاق المذكور (من قاعدة اللّطف) و هو الذي عليه الشيخ (رحمه اللّه)، و من تبعه.

(و) ثالثا: (حصول العلم من الحدس) و عليه المتأخرون.

هذا (و) قد (ظهر لك أنّ الاوّل) و هو الاجماع الدخولي‏ (هنا) أي: في باب الاجماعات المنقولة من الفقهاء (غير متحقق عادة) في زمن الغيبة (لأحد من علمائنا المدّعين للاجماع) فان الشهيد، أو العلامة، أو من أشبههما، اذا ادعوا الاجماع نقطع بانهم لا يريدون الاجماع الدخولي‏ (و انّ الثاني:) و هو اللّطف‏ (ليس طريقا للعلم) و ذلك لما تقدّم من عدم وجوب اللّطف بالمعنى الذي ذكره الشيخ‏ (فلا يسمع دعوى من استند اليه) أي: إلى اللّطف.

و عليه: (فلم يبق ممّا يصلح أن يكون مستندا في الاجماعات المتداولة على ألسنة ناقليها، إلّا الحدس) و هو الامر الثالث من مستنداتهم في الاجماع.

كما (و عرفت: انّ الحدس قد يستند إلى مباد محسوسة، ملزومة عادة لمطابقة قول الامام (عليه السلام)) كالحدس الّذي يحصل من اتفاق جميع علماء الأعصار

19

نظير العلم الحاصل من الحواسّ الظاهرة، و نظير الحدس الحاصل لمن أخبر بالعدالة و الشجاعة لمشاهدته آثارهما المحسوسة الموجبة للانتقال إليهما بحكم العادة او إلى مباد محسوسة موجبة لعلم المدّعي بمطابقة قول الامام (عليه السلام) من دون ملازمة عادية، و قد يستند الى اجتهادات و أنظار.

____________

و الامصار، حيث قد تقدّم بانه‏ (نظير العلم الحاصل من الحواسّ الظاهرة)، فاذا علم الانسان: باتفاق جميع العلماء، منذ زمن الغيبة إلى اليوم، ينكشف له من ذلك قول الامام، كما لو سمع الحكم من نفس الامام، أو رأى كتابته أو تقريره (عليه السلام).

(و) انّه‏ (نظير الحدس) الضروري‏ (الحاصل لمن أخبر بالعدالة) في العادل الفلاني‏ (و الشجاعة) في الشجاع الفلاني و ذلك‏ (لمشاهدته) أي هذا المخبر بالعدالة او الشجاعة (آثارهما المحسوسة الموجبة للانتقال) من تلك الآثار (اليهما بحكم العادة) أي إلى الشجاعة و العدالة، و كذلك سائر الصفات النفسية كالسخاوة و الجبن، و نحو ذلك عادة.

و لذا لا يستشكل على من يدّعي العلم بالعدالة، أو الفسق، أو الشجاعة، أو الجبن، أو غير ذلك، من الصفات النفسية: بأنك من أين عرفت هذه الامور، و الحال انها أمور نفسانية لا تظهر للانسان؟.

(أو) يستند الحدس‏ (إلى مباد محسوسة، موجبة لعلم المدّعي بمطابقة قول الامام (عليه السلام)، من دون ملازمة عادية) بين الأقوال الّتي تصفحها هذا الناقل للاجماع، و بين قول الامام (عليه السلام)، كما اذا كان الحدس بقوله (عليه السلام) من اتفاق عشرة، أو عشرين، أو ما اشبه من كبار الفقهاء (و قد يستند) الحدس‏ (الى اجتهادات و انظار) كلّها، أو جلّها مخالفة لاجتهاداتنا و انظارنا، كالاجماع المستند إلى أصل‏

20

و حيث لا دليل على قبول خبر العادل المستند إلى القسم الأخير من الحدس، بل و لا المستند إلى الوجه الثاني، و لم يكن هناك ما يعلم به كون الاخبار مستندا إلى القسم الأوّل من الحدس، وجب التوقف في العمل بنقل الاجماع، كسائر الأخبار المعلوم استنادها الى الحدس المردد بين الوجوه المذكورة.

____________

أو نحوه، مما لا نراه نحن من صغريات ذلك الأصل.

(و حيث لا دليل على قبول خبر العادل، المستند إلى القسم الاخير من الحدس) و انّما الدليل على القسمين الأوّلين من الحدس، حيث قد عرفت انّ الحدس على ثلاثة أقسام.

(بل و لا) الحدس‏ (المستند الى الوجه الثّاني) لما سبق: من انّ أدلة خبر العادل، لا تدل الّا على نفي احتمال الكذب فقط، و لا دليل على اصالة: عدم خطأ الانسان في حدسه، اذا لم يسبب حدس الناقل للاجماع حدسنا أيضا (و لم يكن هناك) عند نقل الناقل للاجماع‏ (ما) أي قرينة (يعلم به) اي، بسبب تلك القرينة (كون الاخبار) عن قول الامام (عليه السلام) (مستندا إلى القسم الأوّل من الحدس)، أي: لا نعلم انّ الناقل استند إلى الحدس الضروري، حتّى يكون من قبيل الاخبارات الحسّية.

(وجب التوقف في العمل) و هذا جواب ما تقدّم من قوله: «اذا عرفت».

و عليه: فلا نتمكن ان نعمل نحن‏ (بنقل الاجماع، كسائر الاخبار المعلوم استنادها الى الحدس، المردد بين الوجوه المذكورة) أي: الاقسام الثلاثة من الحدس، فاذا اخبر انسان بشي‏ء، و لم نعلم انّه من القسم الأوّل الّذي هو حجة، أو القسم الثاني، أو الثالث، و هما غير حجة، فلا نتمكن أن نأخذ بخبره، كما اذا اخبر

21

فان قلت: ظاهر لفظ الاجماع اتفاق الكل، فاذا أخبر الشخص بالاجماع فقد أخبر باتفاق الكلّ و من المعلوم أنّ حصول العلم بالحكم من اتفاق الكلّ كالضروريّ فحدس المخبر مستند إلى مباد محسوسة ملزومة لمطابقة قول‏

____________

شخص بشجاعة زيد، و لم نعلم انّه رأى منه شهامة في حرب، أو فتحا في غزوة، و ما أشبه ذلك مما يستلزم عادة الشجاعة، أو رأى منه موقفا واحدا فاتفق له العلم بشجاعته، مع ان ذلك الموقف لم يكن، ملازما للشجاعة عادة، أو لم ير منه أثرا، الّا انّه راى كبر جسمه، و عظم هيكله، فحدس بشجاعته، و أخبر عنها، فانه لا نتمكن نحن أن نقول: بأنّ زيدا شجاع، لأنّ الاخبار بشجاعته، كان مرددا بين الوجوه الثلاثة، الّتي لم يكن بعضها حجة، و كذلك لو أخبر بالعدالة، و نحوها من الصفات النفسية، الّتي قد يقطع الانسان من آثارها عادة بها، و قد لا يقطع بها عادة، و قد يكون من القسم الثالث، الّذي هو صرف اجتهاد محض، و استنباط ليس بحجة.

(فان قلت:) ذكرتم: انّ محتملات الاجماع الحدسي على ثلاثة اقسام قسمان منها ليس بحجة، و قسم واحد حجة، فاذا ادّعى المدّعي الاجماع، و لم نعلم انّه من اي الاقسام الثلاثة لم يكن اجماعه حجّة.

قلت: ما ذكرتم ليس بصحيح، لأنّ‏ (ظاهر لفظ الاجماع: اتفاق الكلّ، فاذا أخبر الشخص بالاجماع، فقد أخبر باتفاق الكل) و الناقل عادل، فيكون اخباره صحيحا (و من المعلوم: انّ حصول العلم بالحكم) الصادر من الامام (عليه السلام)، المستند إلى الاجماع، الحاصل‏ (من اتفاق الكلّ كالضروري) في الحجّية.

و عليه: (فحدس المخبر، مستند إلى مباد محسوسة، ملزومة لمطابقة قول‏

22

الامام (عليه السلام)، عادة، فامّا أن يجعل الحجّة نفس ما استفاده من الاتفاق، نظير الاخبار بالعدالة، و إمّا أن يجعل الحجّة إخباره بنفس الاتفاق المستلزم عادة لقول الامام (عليه السلام)، و يكون نفس المخبر به حينئذ محسوسا، نظير إخبار الشخص بامور يستلزم العدالة و الشجاعة عادة.

____________

الامام (عليه السلام)) لزوما (عادة) لما تقدّم: من ان تتبع الأسباب يوجب العلم بالمسبب، و أقوال الفقهاء سبب للعلم، بقول الامام (عليه السلام).

(فأمّا أن يجعل الحجّة نفس ما استفاده من الاتفاق) و هو: قول الامام (عليه السلام)، أي: المسبب‏ (نظير الاخبار بالعدالة) فان من يخبر بالعدالة، يكون قوله حجّة، و ان كانت العدالة مسببة عن الأسباب الّتي رآها المخبر، لانّ العدالة لا تشاهد، و انّما تعرف بالآثار.

(و أمّا أن يجعل الحجّة، اخباره بنفس الاتفاق، المستلزم عادة لقول الامام (عليه السلام)) أي ان مدّعي الاجماع يدّعي: امّا السبب، و هو اتفاق الكل، و امّا المسبب و هو قول الامام (عليه السلام) و كلاهما حجة (و يكون نفس المخبر به حينئذ محسوسا، نظير اخبار الشخص بامور يستلزم العدالة) عادة.

فكما ان قول القائل: زيد متورّع عن المعاصي، و ملتزم بالواجبات، و ما اشبه، اخبار عن السبب، و حجّة، أو اخبار عن المسبب، أي: العدالة و حجة أيضا، كذلك ناقل الاجماع، فانه سواء اراد نقل السبب أو المسبب، يكون حجّة، لانه نقل لقول المعصوم، أو السبب الكاشف عن قول المعصوم، كاخبار الشخص، بأسباب العدالة، (و الشجاعة) و الجبن، و الكرم، و ما اشبه مما تكون تلك الأسباب ملازمة لهذه الصفات‏ (عادة) و على هذا: فلما ذا لا يكون نقل الاجماع الحدسي موجبا للكشف عن قول المعصوم الذي هو حجة؟.

23

و قد أشار إلى الوجهين بعض السادة الأجلّة في شرحه على الوافية، فانّه (قدّس سرّه)، لمّا اعترض على نفسه: ب «أنّ المعتبر من الأخبار ما استند إلى إحدى الحواسّ، و المخبر بالاجماع إنّما رجع إلى بذل الجهد، و مجرّد الشكّ في دخول مثل ذلك في الخبر يقتضي منعه».

أجاب عن ذلك: بأنّ المخبر هنا أيضا يرجع إلى الحس فيما يخبر عن العلماء و إن جاء العلم بمقالة المعصوم من مراعاة أمر آخر، كوجوب اللّطف و غيره.

____________

(و قد أشار إلى الوجهين) أي حجية نقل السبب أو المسبب‏ (بعض السّادة الأجلّة) و هو: الكاظمي (رحمه اللّه) (في شرحه على الوافية، فانّه (قدّس سرّه) لمّا اعترض على نفسه: بأنّ المعتبر من الاخبار، ما استند إلى احدى الحواس) الظاهرة، و هي:

اللامسة، و الشامّة، و الذائقة، و السّامعة، و الباصرة (و المخبر بالاجماع) لم يسمع الحكم من الامام (عليه السلام)، و لم ير تقريره و لا غير ذلك مما يرجع إلى الحواس، و (انّما رجع) الناقل للاجماع، في استكشافه قول الامام (عليه السلام) (الى بذل الجهد) و تتبع أقوال العلماء في الكشف و هو أمر حدسيّ، و ليس بحسّي، (و مجرّد الشّك في دخول مثل ذلك في الخبر، يقتضي منعه) أي: منع الدخول، فاذا شككنا في انّ هذا الخبر الحدسي، يدخل في ادلة حجّية الخبر الواحد، و ان تلك الادلّة تشمل الاجماع، ام لا؟ فأصالة حرمة العمل بالظن، تقتضي: أن لا يكون الاجماع من الخبر، فلا يشمل الاجماع أدلّة حجية الخبر.

(أجاب عن ذلك: بأنّ المخبر هنا- أيضا- يرجع إلى الحسّ، فيما يخبر عن العلماء، و ان جاء العلم بمقالة المعصوم (عليه السلام) من مراعاة أمر آخر) من الأدلّة على حجّية الاجماع‏ (كوجوب اللّطف) الّذي ذكره الشيخ‏ (و غيره) كالحدس.

24

ثمّ أورد: بأنّ المدار في حجّية الاجماع على مقالة المعصوم (عليه السلام)، فالاخبار إنّما هو بها، و لا ترجع إلى حس.

فأجاب عن ذلك: أوّلا، بأنّ مدار الحجّية و إن كان ذلك، لكن استلزام اتفاق كلمة العلماء لمقالة المعصوم (عليه السلام) معلوم لكلّ أحد، لا يحتاج فيه إلى النقل، و إنّما الغرض عن النقل ثبوت الاتفاق. فبعد اعتبار خبر الناقل لوثاقته و رجوعه في حكاية الاتفاق إلى الحسّ‏

____________

فان الناقل حينما ينقل اجماع العلماء على حكم كان ذلك اخبارا عن حسّ.

و من الواضح: ان قول الامام (عليه السلام)، ملزوم لهذا الشي‏ء الحسّي من باب اللّطف، أو من باب الحدس، أو غير ذلك.

(ثمّ أورد: بأنّ المدار في حجّية الاجماع، على مقالة المعصوم (عليه السلام)، فالاخبار انّما هو بها) أي: بمقالة المعصوم‏ (و) الحال ان مثل هذه المقالة (لا ترجع إلى حسّ، فاجاب عن ذلك: أولا): ان الناقل انّما نقل السبب، و يكفي نقل السبب في ثبوت المسبب و ذلك‏ (ب) واسطة (انّ مدار الحجّية، و ان كان ذلك) الّذي ذكره: من الرجوع إلى الحسّ‏ (لكن استلزام اتفاق كلمة العلماء) المتفقين على حكم‏ (لمقالة المعصوم (عليه السلام) معلوم لكلّ احد، لا يحتاج فيه) أي:

في ذلك الاستلزام‏ (إلى النقل)، فان كل احد يعلم: بان اتفاق الكل ملازم لمقالة المعصوم، فلا حاجة إلى أن ينقل كلام المعصوم بالنص‏ (و انّما الغرض) الأصلي‏ (عن النقل: ثبوت الاتفاق) لجميع العلماء، فان الناقل ينقل اتفاق جميع العلماء.

(فبعد اعتبار خبر النّاقل لوثاقته) إذ المفروض انّ ناقل الاجماع عادل، موثق كلامه، صحيح، و لا يحتاج إلى الفحص‏ (و رجوعه في حكاية الاتفاق) و نقل الاجماع‏ (الى الحسّ) و ذلك اما بالسماع منهم، كما اذا كانوا في عصر واحد،

25

كان الاتفاق معلوما، و متى ثبت ذلك كشف عن مقالة المعصوم للملازمة المعلومة لكلّ أحد.

و ثانيا، انّ الرجوع في حكاية الاجماع الى نقل مقالة المعصوم لرجوع الناقل في ذلك إلى الحسّ، باعتبار أن الاتفاق من آثارها، و لا كلام في اعتبار مثل ذلك، كما في الاخبار بالايمان و الفسق و الشجاعة و الكرم و غيرها من الملكات،

____________

أو بالرؤية في كتبهم، أو بالأمرين معا (كان الاتفاق معلوما) لنا شرعا، لان الناقل ثقة فيما يدعي من اتفاقهم.

(و متى ثبت ذلك) الاتفاق‏ (كشف) بالبداهة (عن مقالة المعصوم) (عليه السلام)، فلا حاجة إلى ان ينقل قول المعصوم مباشرة، اذ لو كان هناك سبب و مسبب، فنقل الناقل السبب كان كما اذا نقل المسبب و ذلك‏ (للملازمة المعلومة لكلّ أحد) بين اتفاق العلماء، و بين قول المعصوم.

هذا كله اذا كان غرض الناقل السبب‏ (و) اما اذا كان غرضه المسبب فنجيب:

(ثانيا) بأنّ غرض الناقل: نقل قول الامام عليه الصلاة و السلام ف (انّ الرّجوع في حكاية الاجماع، إلى نقل مقالة المعصوم (عليه السلام)، لرجوع الناقل في ذلك) أي:

في نقل قول الامام (عليه السلام) (الى الحسّ، باعتبار انّ الاتفاق) المحسوس للناقل‏ (من آثارها)، أي: من آثار مقالة المعصوم (عليه السلام)، فان أثر الاتفاق هو: مقالة المعصوم و مقالة المعصوم هو: المؤثر لهذا الاتفاق.

(و لا كلام في اعتبار) و حجّية (مثل ذلك) الحدس الّذي حصل من الحسّ‏ (كما في الاخبار بالايمان، و الفسق، و الشجاعة، و الكرم، و غيرها من الملكات) النفسيّة الّتي لا ترى بالعين، و انّما يرى الانسان آثارها، فاذا رأى آثارها صح له أن‏

26

و انّما لا يرجع إلى الاخبار في العقليّات المحضة، فانّه لا يعوّل عليها، و إن جاء بها ألف من الثقات حتى يدرك مثل ما أدركوا.

ثمّ أورد على ذلك: بأنّه يلزم من ذلك الرجوع إلى المجتهد، لأنّه و إن لم يرجع إلى الحسّ في نفس الأحكام الّا أنّه رجع في لوازمها و آثارها إليه‏

____________

يخبر بهذه الصفات، أو يخبر بالآثار الّتي هي ملازمة لتلك الصفات.

(و انّما لا يرجع إلى الاخبار) اي: لا يكون خبر المخبر، حجّة، و ان ذكر اتفاق العلماء جميعا، لانّ الاجماع‏ (في العقليّات المحضة) ليس بحجّة، كما اذا نقل- مثلا- اتفاق العلماء على حدوث العالم، أو استحالة التناقض، أو ما أشبه ذلك، فان اللازم ان يرجع الانسان فيها الى الادلّة العقلية، لأنّه لا شأن للاجماع في مثل هذه الامور (فانّه لا يعوّل عليها) أي: على الاخبار (و ان جاء بها الف من الثقات، حتّى يدرك) هذا المنقول اليه اجماعهم على الامور العقلية (مثل ما ادركوا) من الدليل العقلي عليها.

و الحاصل: انّ الاجماع انّما هو حجّة في الشرعيات، لا في العقليات.

(ثمّ أورد) الكاظمي (رحمه اللّه) (على ذلك)، أي، على حجيّة الاخبار عن حدس، فيما اذا كان مستندا إلى الآثار الحسّية، كالاجماع المستند إلى ما رآه مدعي الاجماع من اقوال العلماء، فحدس بقول المعصوم من أقوالهم‏ (بأنّه يلزم من ذلك الرّجوع الى المجتهد)، أي اذا جاز استكشاف حكم المعصوم، من فتوى المجتهدين بسبب نقل الاجماع جاز ايضا ان نجعل آراء المجتهدين روايات المعصومين (عليهم السلام)، و ذلك‏ (لأنّه) أي المجتهد (و ان لم يرجع إلى الحسّ في نفس الاحكام) لأنّه لم يسمع الحكم الّذي يفتي به من الامام (عليه السلام) (الّا انّه رجع في لوازمها) أي: لوازم الأحكام‏ (و آثارها اليه) أي إلى الحس.

27

و هي الأدلة السمعيّة، فيكون رواية، فلم لا يقبل اذا جاء به الثقة.

و أجاب: بأنّه إنّما يكفي الرجوع إلى الآثار إذا كانت الآثار مستلزمة عادة.

____________

و الفرق بين اللّوازم و الآثار: ان الآثار اخص من اللّوازم، فان اللّوازم تشمل الملازم- أيضا- دون الآثار، فان لازم النار- مثلا- الحرارة، امّا الطبخ للطعام، فهو من آثار النار، و ان صدق عليه اللازم أيضا، باعتبار انّه مسبب من النار.

(و) تلك المبادئ الحسية (هي: الأدلّة السمعيّة) فكما انّ ناقل الاجماع لم يسمع الحكم من الامام (عليه السلام)، بل وصل حدسه إلى الحكم من مبادئ حسّية- و تلك المبادي عبارة عن تصفحه في أقوال الفقهاء، و حصول اتفاقهم لديه- كذلك يكون حال المفتي، فانه لم يسمع الحكم من الامام (عليه السلام)، بل وصل اليه حدسه من المبادي الحسّية الّتي هي عبارة عن الكتاب، و الروايات، و الاجماعات، و العقل.

فاذا كان الاجماع المنقول في حكم الحديث كما يدّعيه المدّعي‏ (فيكون) الفتوى من المجتهد ايضا (رواية) لأنّ ما ذكرتم في الاجماع المنقول، آت في الفتوى أيضا، (فلم لا يقبل اذا جاء به) المجتهد (الثقة)؟.

و الحاصل: انّ الفتوى و الاجماع، بمنزلة واحدة، لأن مبادئهما معا حسّية، و كشفهما عن قول المعصوم معا حدسي، فامّا ان يقبلا معا كرواية أو لا يقبلا معا كذلك.

(و أجاب) الكاظمي (رحمه اللّه): (بأنّه) ليس نقل الاجماع، كنقل الفتوى، لأنّه‏ (انّما يكفي الرّجوع إلى الآثار، اذا كانت الآثار مستلزمة عادة) للمؤثر و الاجماع مستلزم عادة لقول المعصوم بخلاف فتوى الفقيه، فانّ فتوى الفقيه، ليس مستلزما لقوله (عليه السلام) عادة لما نعلم من كثرة الخطأ و الاختلاف في فتاواهم.

28

و بالجملة: إذا افادت اليقين، كما في آثار الملكات و آثار مقالة الرئيس، و هي مقالة رعيّته، و هذا بخلاف ما يستنهضه المجتهد من الدليل على الحكم.

ثمّ قال: على أن التحقيق في الجواب عن السؤال الأوّل هو الوجه الأوّل،

____________

(و بالجملة اذا افادت) الآثار (اليقين) بقول المعصوم (عليه السلام) (كما في آثار الملكات) فانّ الانسان يكشف من آثار العدالة، أو الجبن، أو الكرم، أو الفسق، أو ما أشبه تلك الملكات النفسيّة، لأنّ الآثار الحسّية المتعددة، مستلزمة للمؤثر الحدسي، الّذي هو الملكة.

(و) كما في‏ (آثار مقالة الرئيس و هي) أي: تلك الآثار (مقالة رعيّته) فان الانسان اذا وجد آثارا في البلاد، يقطع منها أنها بأمر رئيسهم و مقالته، فاذا رأينا المحاكم تفعل كذا، بالنسبة الى السارق، أو الزاني، أو ما أشبه نقطع بأنّها من أمر الرئيس.

و الفقهاء حيث انّهم رعايا الامام (عليه السلام)، و هم عدول لا يريدون التخطي عن قوله، فاذا اتفقوا على شي‏ء، كشف ذلك عن ان هذا الشي‏ء هو رأي الامام و حكمه.

(و هذا بخلاف ما يستنهضه المجتهد من الدّليل) لوضوح انّ الدليل الّذي يقيمه المجتهد من الكتاب، أو السنة، أو الاجماع، أو العقل‏ (على الحكم) ليس من الآثار القطعية للحكم، لما عرفت من كثرة الاختلاف و الخطأ، في فتاواهم، بل في فتاوى مجتهد واحد، فهل يمكن ان تكشف فتاواهم هذه عن انها رواية؟.

و على أي حال: فقياس الفتوى بالاجماع، قياس مع الفارق.

(ثمّ قال) الكاظمي (رحمه اللّه): (على انّ التحقيق في الجواب عن السّؤال الاوّل، هو: الوجه الاول) اذ قد أشكل الكاظمي على حجيّة الاجماع بأمرين:

29

و عليه، فلا أثر لهذا السؤال، انتهى.

قلت:

____________

الأمر الأوّل: ان كشف الاجماع عن حكم الامام حدسي، و دليل الخبر لا يشمل الحدسيات، بل الحسّيات فقط.

و الثاني: لو كان الاجماع حجة، لزم ان يكون الفتوى أيضا حجة.

ثم اجاب عن الاشكال الثاني: بأنّه قياس مع الفارق، لأنّ الفتوى ليس كالاجماع.

و اجاب عن الأول بجوابين:

الجواب الأول: انّا نأخذ من الاجماع جانبه السببي و هو: نقل اتفاق الكل، و هو أمر حسّي ملازم لقول المعصوم (عليه السلام).

و الجواب الثاني: إنّا نأخذ من الاجماع جانبه المسبّبي و هو: نقل قول المعصوم (عليه السلام)، و هو أمر حدسي.

لكنا نأخذ بالجواب الأوّل الّذي هو حسّي، فلا يبقى مجال لان يستشكل علينا: بأنّ الخبر لا يشمل الحدسي، اذ الاجماع انّما يفيدنا للأمر الخارجي المحسوس و نحن نستكشف من هذا الأمر الخارجي- و هو: اتفاق الكل- قول المعصوم (عليه السلام).

(و) ان قلت بناء (عليه) أي: على اخذ الاجماع من جانبه الحسّي، لا الحدسي، (فلا أثر لهذا السؤال) (1) الذي اشكل: بان الاجماع خبر حدسي، فلا يشمله ادلة خبر الواحد، لانّا قد ذكرنا انا نأخذ جانبه الحسّي، لا الحدسي‏ (انتهى) كلام الكاظمي.

(قلت) الاجماع ليس مستندا إلى مبادي محسوسة، ممّا يستلزم قول‏

____________

(1)- شرح الوافية: مخطوط.

30

إنّ الظاهر من الاجماع اتفاق أهل عصر واحد، لا جميع الأعصار، كما يظهر من تعاريفهم و سائر كلماتهم، و من المعلوم أن إجماع أهل عصر واحد مع قطع النظر عن موافقة أهالي الاعصار المتقدمة و مخالفتهم، لا يوجب عن طريق الحدس العلم الضروري بصدور الحكم عن الامام (عليه السلام)، و لذا قد يتخلّف، لاحتمال مخالفة من تقدّم عليهم أو اكثرهم، نعم، يفيد العلم من باب وجوب اللّطف الذي لا نقول بجريانه في المقام،

____________

المعصوم، حتى يكون من قبيل: قول الرئيس و مرءوسيه، لان ظاهر الاجماع ليس هو اتفاق الكل، بل‏ (انّ الظاهر من الاجماع)- على ما عرفت في الاصطلاح الفقهائي عند الشيعة- هو: (اتفاق أهل عصر واحد لا جميع الأعصار، كما يظهر من تعاريفهم، و سائر كلماتهم) التي نقلنا جملة منها.

(و من المعلوم: انّ اجماع أهل عصر واحد، مع قطع النظر عن موافقة أهالي الأعصار المتقدّمة، و مخالفتهم) و هكذا بالنسبة إلى الأعصار المتأخرة بان كان في عصر العلامة اتفاق الكل، ثم في عصر الشهيد اختلفوا، فانه‏ (لا يوجب عن طريق الحدس، العلم الضروري بصدور الحكم عن الامام (عليه السلام)) حتّى يكون حسّا يلازم قول الامام.

(و لذا قد يتخلّف) الاجماع عن كشف قوله (عليه السلام)، اذ ليس المقام من باب الآثار و الملكات، و ذلك‏ (لاحتمال مخالفة من تقدّم عليهم أو أكثرهم) للاجماع المتأخر، أو مخالفة الاجماع المتقدم للخلاف المتأخر- على ما عرفت-.

(نعم، يفيد) الاجماع لأهل عصر واحد- كما هو الاصطلاح- (العلم) بقوله (عليه السلام) (من باب وجوب اللّطف الّذي لا نقول بجريانه) أي: بوجوب اللّطف‏ (في المقام) أي: في مقام الفتوى، و ان كنّا نقول: بوجوب اللّطف في إرسال‏

31

كما قرّر في محلّه؛ مع انّ علماء العصر اذا كثروا، كما في الأعصار السابقة، يتعذّر او يتعسّر الاطلاع عليهم حسّا بحيث يقطع بعدم من سواهم في العصر، الّا إذا كان العلماء في عصر قليلين يمكن الاحاطة برأيهم في‏

____________

الرسل، و إنزال الكتب، و نصب الائمة (عليهم السلام).

و على أي حال: فاتفاق علماء عصر واحد، لا يوجب القطع بقول الامام (عليه السلام)، على أي وجه كان.

لا من باب الدخول، لانك قد عرفت: انّه لا يمكن الدخول عادة في عصر الغيبة.

و لا من باب اللّطف، لأنّا لا نقول باللّطف.

و لا من باب الحدس، لأنّه لا ملازمة (كما قرّر في محله).

نعم، أحيانا يوجب الحدس، بالنسبة إلى بعض الناس، لكن مثل ذلك لا يمكن أن يكون دليلا، كدلالة الكتاب، و السنة، و العقل.

هذا كله هو الاشكال على حجيّة الاجماع في الكبرى.

(مع) انّ هناك اشكالا على الاجماع من حيث الصغرى، و هو: عدم تحقق العلم باتفاق علماء عصر واحد، لكثرة العلماء، و ذلك‏ (انّ علماء العصر اذا كثروا، كما في الأعصار السّابقة) بل و اللاحقة (يتعذّر أو يتعسّر) تعسرا شديدا جدا (الاطلاع عليهم حسّا، بحيث يقطع بعدم من سواهم في العصر).

فانّه، لا يمكن لاحد من الفقهاء ان يدعي، انّه رأى قول جميع فقهاء عصره، المنتشرين في العالم الاسلامي، من الهند إلى باكستان، إلى أفغان و ايران، إلى العراق و الخليج، إلى لبنان و سوريا، و إلى سائر البلاد الّتي يكثر فيها العلماء.

(إلّا اذا كان العلماء في عصر قليلين، يمكن الاحاطة برأيهم في‏

32

المسألة فيدّعي الاجماع، إلّا أنّ مثل هذا الأمر المحسوس لا يستلزم عادة لموافقة المعصوم (عليه السلام).

فالمحسوس المستلزم عادة لقول الامام (عليه السلام) مستحيل التحقّق للناقل، و الممكن المتحقّق له غير مستلزم عادة.

و كيف كان، فاذا ادّعى الناقل الاجماع، خصوصا إذا كان ظاهره اتفاق جميع علماء الأعصار او أكثرهم إلّا من شذّ- كما هو الغالب في اجماعات مثل‏

____________

المسألة، فيدّعي) المدعي‏ (الاجماع) الاصطلاحي، و هو: توافق جميع علماء العصر.

(الّا انّ مثل هذا الأمر المحسوس) أي: اتفاق علماء العصر فيما اذا كان العلماء قليلين فرضا (لا يستلزم عادة، لموافقة المعصوم (عليه السلام)) اذ المتعدد القليل من المرءوسين، لا يستلزم قولهم قول الرئيس، فاذا كان هناك رئيس و مرئوسان فقط او ثلاثة مرئوسين، فهل يستلزم اتفاق هذين الاثنين أو الثلاثة، تطابق قولهم مع قول الرئيس.

و الحاصل: (فالمحسوس المستلزم عادة لقول الامام (عليه السلام)، مستحيل التحقّق للناقل) الّذي نقل الاجماع، و ذلك لعدم امكان احاطة الناقل بأقوال الفقهاء كلهم‏ (و الممكن المتحقق له) أي للناقل‏ (غير مستلزم عادة) لموافقة الامام (عليه السلام).

[وجوه ادعاء الإجماع‏]

(و كيف كان) أي: سواء كان الاشكال في الصغرى، أو الكبرى- على ما بيناه- (فاذا ادعى الناقل: الاجماع، خصوصا اذا كان ظاهره: اتفاق جميع علماء الأعصار) لا عصر واحد (أو أكثرهم الّا من شذّ، كما) ان هذا الاجماع المراد به أحد المعنيين: من اتفاق جميع العلماء، أو اكثرهم‏ (هو الغالب في اجماعات مثل‏

33

الفاضلين و الشهيدين- انحصر محمله في وجوه: أحدها: أن يراد به اتفاق المعروفين بالفتوى دون كلّ قابل للفتوى من أهل عصره او مطلقا.

الثاني: أن يريد اجماع الكلّ، و يستفيد ذلك من اتفاق المعروفين من أهل عصره،

____________

الفاضلين) و هما: المحقق صاحب الشرائع، و العلامة الحلّي (قدّس سرّهما) (و الشهيدين) و هما: الشهيد الأوّل و الشهيد الثاني (قدّس سرّهما) صاحبي اللّمعة و شرحها.

(انحصر محمله) أي: محمل الاجماع‏ (في وجوه) و انّما احتجنا إلى هذه المحامل، لأنّا نعلم: انّ الناقل للاجماع، حتّى مثل العلامة و الشهيد و أضرابهما، لا يريدون بالاجماع: اجماع جميع فقهاء الأعصار و الأمصار، لانه مما جرت العادة ان لا يحصل لانسان العلم بأقوال جميعهم، بل و حتى العلم بأقوال أكثرهم، فاللازم: أن نحمل اجماعاتهم على بعض هذه الوجوه:

(أحدها: أن يراد به) أي: بالاجماع غير معناه المصطلح، بل يريد بالاجماع‏ (اتفاق المعروفين بالفتوى) من المجتهدين الذين لهم ملكة الاستنباط، أو قد استنبطوا، لكن لم يفتوا للناس، أو افتوا لكن فتاواهم لم تدرج في الكتب، و الحاصل: انّه بدعواه الاجماع يريد المعروفين‏ (دون كلّ قابل للفتوى من أهل عصره، أو مطلقا) سواء كان اهل عصره أو أهل العصور المتقدمة.

(الثاني: أن يريد اجماع الكلّ) أي: جميع علماء الاعصار و الأمصار (و يستفيد ذلك من اتفاق المعروفين من أهل عصره) بأن يرى اتفاق هؤلاء المعروفين، و انّه ليس هناك مخالف اطلاقا، و لا اشارة إلى الخلاف، فيقطع منه باتفاق جميع أهل عصره، و أهل الأعصار المتقدمة، لأنّ من عادة العلماء، الاشارة

34

و هذه الاستفادة ليست ضروريّة و إن كان قد تحصل، لانّ اتفاق أهل عصره، فضلا عن المعروفين منهم، لا يستلزم عادة اتفاق غيرهم و من قبلهم، خصوصا بعد ملاحظة التخلّف في كثير من الموارد، لا يسع هذه الرّسالة لذكر معشارها، و لو فرض حصوله للمخبر كان‏

____________

إلى الخلاف في المسألة اذا كانت خلافية، خصوصا في كتبهم المفصلة.

(و) من المعلوم: ان‏ (هذه الاستفادة، ليست ضروريّة) بان ينتقل الانسان من المقدمات إلى النتائج، كانتقاله من ظواهر العدالة إلى العدالة، أو من ظواهر الشجاعة إلى الشجاعة، و غير ذلك مما قد تقدّم‏ (و ان كان قد تحصل) هذه الاستفادة لبعض الناس، لكنه ليس معيارا كليا حتّى يقال: انّ الاجماع حجّة، بل الحجّة هو القطع سواء حصل من مثل دعوى الاجماع أو غيره.

و ذلك‏ (لأنّ اتفاق أهل عصره- فضلا عن المعروفين منهم- لا يستلزم عادة اتفاق غيرهم) من أهل هذا العصر، الذين لم يعرف فتاواهم‏ (و) كذا لا يستلزم اتفاق‏ (من قبلهم) من العلماء إلى زمان الائمة (عليهم السلام)، (خصوصا بعد ملاحظة التخلّف في كثير من الموارد)، فانّا كثيرا ما نشاهد اتفاق علماء العصر، أو المعروفين منهم على حكم ثم عند ما ندقق الفحص نجد عدم الاجماع حتّى في أهل العصر الواحد، فكيف بالعصور المتوالية، و هذا التخلف بحد من الكثرة بحيث‏ (لا يسع هذه الرّسالة لذكر معشارها) أي: لا يسع ذكر حتّى العشر من تلك الاجماعات الّتي تتبعناها، فرأينا تخلفها، و عدم اتفاق حتّى بعض أهل العصر فيها.

(و لو فرض حصوله) أي حصول استفادة الكل من اتفاق البعض‏ (للمخبر كان‏

35

من باب الحدس الحاصل عمّا لا يوجب العلم عادة.

نعم، هي أمارة ظنّية على ذلك، لأنّ الغالب في الاتفاقيّات عند أهل عصر كونه من الاتفاقيّات عند من تقدّمهم، و قد يحصل العلم بضميمة أمارات أخر.

لكنّ الكلام في كون الاتفاق مستندا إلى الحسّ او إلى حدس لازم عادة للحسّ.

____________

من باب الحدس، الحاصل عمّا لا يوجب العلم عادة) فان الحدس قد يكون قطعيا، و قد يكون غير قطعي، كما اذا رأى شجاعة من زيد في مقام واحد، أو في مقامين، فانّه لا يمكن ان يقول: انّه شجاع بقول مطلق، و كذا اذا رأى عدله في مقام أو مقامين، إلى غير ذلك من الأمثلة.

نعم، قد يحصل القطع لبعض الأفراد من مثل ذلك، لكن الكلام في القاعدة الكليّة لا في الأفراد النادرة.

(نعم، هي) أي: موافقة فقهاء أهل العصر على حكم، أو اتفاق المعروفين من أهل عصر على حكم‏ (امارة ظنيّة على ذلك) أي: على اتفاق الكل‏ (لأنّ الغالب في الاتفاقيات عند أهل عصر، كونه من الاتفاقيات عند من تقدّمهم) من العصور السابقة أيضا.

هذا، (و قد يحصل العلم) باتفاق الكل، من اتفاق أهل عصر واحد (بضميمة امارات أخر) كدلالة آية، أو رواية معتبرة، أو أصل معتبر، أو ما اشبه ذلك.

(لكن الكلام: في كون الاتفاق مستندا إلى الحسّ، أو إلى حدس لازم عادة للحسّ) و ليس الكلام من باب القضايا الاتفاقية الّتي ذكرناها.

و من المعلوم: انّ حصول العلم اتفاقا، لا يكون مستندا إلى الحسّ،

36

و الحق بذلك ما إذا علم اتّفاق الكلّ من اتفاق جماعة، لحسن ظنّه بهم، كما ذكره في أوائل المعتبر حيث قال: «و من المقلّدة من لو طالبته بدليل المسألة ادّعى الاجماع، لوجوده في كتب الثلاثة (قدّس سرّهم)،

____________

أو إلى حدس لازم للحسّ، فانه اذا كان الأمر كذلك، كان كليا لا اتفاقيا.

أمّا انّه ليس مستندا إلى الحسّ: فللقطع بأن الناقل، لم يتبع اقوال الكل فردا فردا- على ما عرفت سابقا-.

و أمّا انّه ليس حدسا ملازما للحس: فلأن الفرض: ان الناقل للاجماع، حدس اتفاق الكل من اتفاق المعروفين من أهل عصره، و لا ملازمة بين اتفاق المعروفين، و اتفاق الكل.

(و الحق بذلك) الاحتمال الثاني و هو: ان يريد اجماع الكل، من اتفاق المعروفين من أهل عصره‏ (ما اذا علم) الناقل للاجماع‏ (اتفاق الكلّ، من اتفاق جماعة، لحسن ظنّه بهم) فان الشخص اذا حسن ظنه- مثلا- بفقيه، أو فقيهين، أو اكثر تخيّل ان اتفاقهم يلازم اتفاق الكل.

(كما ذكره) أي: هذا النحو من الاجماع المبني على حسن الظن، صاحب الشرائع‏ (في أوائل المعتبر حيث قال: و من المقلّدة) و قد ذكر بعضهم: انّه عنى مثل ابن زهرة، البادين في تلك العصور الغابرة (من لو طالبته بدليل المسألة ادّعى الاجماع، لوجوده) أي: الاجماع‏ (في كتب الثلاثة (قدّس سرّهم)) من اصحاب الكتب الاربعة، و هم: الشيخ، و الصدوق، و الكليني، فباتفاق هؤلاء الثلاثة على حكم، حصل لمثل ابن زهرة: الحدس باتفاق الكل، ثم ادعى اجماع العلماء، مع العلم بانّ مثل ذلك لا يوجب ان يكون العلماء مجمعين على حكم حتّى في زمان‏

37

و هو جهل إن لم يكن تجاهلا».

فانّ في توصيف المدّعي بكونه مقلّدا، مع أنّا نعلم أنّه لا يدّعي الاجماع الّا عن علم، إشارة الى استناده في دعواه إلى حسن الظنّ بهم و انّ جزمه في غير محلّه، فافهم.

____________

اصحاب الكتب الاربعة، فكيف بالأزمنة السابقة عليهم.

(و هو) أي: ادعاء الاجماع استنادا إلى حسن الظن‏ (جهل) بالواقع، فانّ هؤلاء الثلاث على جلالتهم، لا يكونون حاكين عن الكل‏ (ان لم يكن تجاهلا) (1)، و الفرق بين الجهل و التجاهل: أنّ الجهل: عدم العلم، و التجاهل:

انّه مع كونه يعلم بالخلاف، يظهر الجهل.

(فان في توصيف المدّعي: بكونه مقلّدا) أي: توصيف المحقق للذي يدعي الاجماع: بأنّه مقلد (مع انّا نعلم انّه) أي: المدعي للاجماع، ليس بمقلد في دعواه الاجماع، و انّما هو مجتهد، لكنه بحسن ظنه ادعى الاجماع، و (لا يدعي الاجماع الّا عن علم) باتفاق جميع العلماء.

و انّما وصفه بانه مقلد (اشارة إلى استناده في دعواه) الاجماع‏ (إلى حسن الظنّ بهم، و ان جزمه في غير محلّه) لوضوح: انّه لا ملازمة بين اتفاق هؤلاء الثلاثة على حكم و اتفاق الكل.

(فافهم) و لعله اشارة الى ان من ادعى الاجماع، بمجرد وجوده في كتب الثلاثة، أراد إجماع هؤلاء الثلاثة، لا إجماع الكل، أو لعله أراد إجماع الرواية على الحكم، لا اجماع الفتاوى.

و على كل حال: فليس قصد بعض المقلّدة: الاجماع المصطلح، و انّما قصد

____________

(1)- المعتبر: ص 18.

38

الثالث: أن يستفيد اتّفاق الكلّ على الفتوى من اتفاقهم على العمل بالأصل عند عدم الدليل او بعموم دليل عند عدم وجدان المخصّص، او بخبر معتبر عند عدم وجدان المعارض،

____________

أحد المعنيين، فنسبة المحقق له إلى الجهل، أو التجاهل محل نظر.

(الثالث) من الوجوه المحتملة في ارادة ناقل الاجماع مع انّه ليس باجماع اصطلاحي‏ (أن) يريد به: اتفاق الكل، و انّما (يستفيد اتفاق الكلّ على الفتوى من اتفاقهم على العمل بالأصل، عند عدم الدليل) لأنّ مدعي الاجماع يرى انّ الحكم الّذي يذكره، صغرى من صغريات أصل، و ذلك الأصل متفق عند الكل.

مثلا: يقول: شرب التتن حلال بالاجماع، و ذلك لأنّه يراه من صغريات أصل البراءة، و يرى أن أصل البراءة مقبولة عند الجميع، في وقت لم يكن على الحكم المذكور دليل اجتهادي.

(أو بعموم دليل عند عدم وجدان المخصّص) فانه يرى انّ هذه الصغرى التي ادّعى عليها الاجماع، من صغريات دليل عام، ليس لذلك الدليل العام مخصص، و العلماء مجمعون على العمل بالأدلّة العامة فيتم الاجماع.

مثلا: يقول: أن شرب لبن المرأة حلال إجماعا، لأنّه يستظهر: إنّ شربه من صغريات قوله تعالى:، قُلْ لا أَجِدُ فِي ما أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلى‏ طاعِمٍ يَطْعَمُهُ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً، أَوْ دَماً مَسْفُوحاً، أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ ... (1)، و من المعلوم انّ الآية اجماعية، فيسري الاجماع من الكبرى، إلى الصغرى الشخصية، التي استظهر أنّها من صغريات تلك الكبرى الكلية.

(أو بخبر معتبر عند عدم وجدان المعارض) فان الاجماع قام عندهم، على‏

____________

(1)- سورة الانعام: الآية 145.

39

او اتّفاقهم على مسألة اصوليّة نقليّة او عقليّة يستلزم القول بها الحكم في المسألة المفروضة،

____________

وجوب العمل بالخبر المعتبر، الّذي لا معارض له، فيزعم ناقل الاجماع، انّ هذا الحكم الذي ادعى عليه الاجماع، من صغريات ذلك الخبر المعتبر عندهم.

مثلا: يقول: يجب قضاء الصلوات فورا إجماعا، لانّه يرى انّ الحكم المذكور، دلّ عليه خبر معتبر، و الخبر المعتبر اجماعي العمل، فيسري الاجماع منه إلى هذه الصغرى، فيدّعي انّ هذه الصغرى اجماعية أيضا.

(أو اتفاقهم على مسألة أصوليّة نقليّة أو عقليّة):

فالنقلية، مثل ان يدعي الاجماع على وجوب صلاة الجمعة، لأنّه يرى اجماعهم على انّه لا نسخ بعد النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و قد كانت صلاة الجمعة في زمان النبي، فاللّازم بقاءها بهذا الاجماع بعده أيضا، فالاجماع على المسألة الاصولية قد أسراه إلى هذا الحكم الّذي يراه صغرى من صغريات ذلك الاتفاق.

و أمّا المسألة الاصولية العقلية، فالاتفاق فيها انّما يكون فيما (يستلزم القول بها) أي بتلك المسألة (الحكم) الّذي يذكره‏ (في المسألة) الفقهية (المفروضة) أيضا، لانّه يرى إجماع العلماء على ان ما خالف الكتاب و السنة فهو باطل، و يرى ان هذا الحكم الذي ادعى عليه الاجماع من صغريات ما خالف الكتاب و السنّة عندهم.

مثلا: يقول إنّ المطلّقة ثلاثا في مجلس واحد، لا يقع بسبب الطلاق إلّا تطليقة واحدة لانه يرى ان الحكم المذكور مخالف للكتاب و السنّة، و بطلانه اجماعي، فيدعي الاجماع على هذا الحكم الفرعي لاستناده إلى الاجماع في المسألة الاصولية العقلية، و المراد بالاصولية الاصول الجارية في الفقه من القواعد الكلية.

40

و غير ذلك من الامور المتّفق عليها التي يلزم باعتقاد المدّعي من القول بها، مع فرض عدم المعارض، القول بالحكم المعيّن في المسألة.

و من المعلوم: أنّ نسبة هذا الحكم إلى العلماء في مثل ذلك لا ينشأ الّا من مقدّمتين أثبتهما المدّعي باجتهاده:

____________

(و غير ذلك من الامور المتفق عليها) مثل: قاعدة: «قبح العقاب بلا بيان»، و قاعدة «من ملك شيئا ملك الاقرار به» (1)، و قاعدة: «ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده» (2) و غيرها.

فانه حيث تكون هذه القواعد اتفاقية، و يرى مدعي الاجماع: ان الفرع الفقهي، صغرى من صغريات هذه القواعد، يدعي الاجماع على هذه الصغرى‏ (الّتي يلزم باعتقاد المدّعي من القول بها) أي بتلك القواعد الكلّية، المتفق عليها (مع فرض عدم المعارض) في هذه الصغرى الجزئية، الّتي هي من صغريات تلك القواعد الكلية الفقهية (القول بالحكم المعيّن في المسألة).

و الحاصل: ان الاجماع انّما يكون على الكبرى، و حيث يزعم ناقل الاجماع انّ هذه الصغرى من صغريات تلك الكبرى يدعي الاجماع على هذه الصغرى أيضا.

(و من المعلوم انّ نسبة هذا الحكم) أي: الحكم الفرعي الشخصي الخاص‏ (الى العلماء) كافة بادعاء الاجماع على هذا الحكم الفرعي‏ (في مثل ذلك) أي:

فيما اذا استفاد اتفاقهم على الحكم الكلي الكبروي‏ (لا ينشأ الّا من مقدّمتين، اثبتهما المدّعي باجتهاده) أي: ان ادعائه الاجماع، على هذه الصغرى، مبني على حدسه، بسبب مقدمتين:

____________

(1)- راجع القواعد الفقهية للبجنوردي: ج 1 ص 4 قاعدة من ملك.

(2)- راجع القواعد الفقهية للبجنوردي: ج 2 ص 84 قاعدة ما يضمن.

41

إحداهما كون ذلك الأمر المتفق عليه مقتضيا و دليلا للحكم لو لا المانع.

و الثانية انتفاء المانع و المعارض، و من المعلوم أنّ الاستناد إلى الخبر المستند إلى ذلك غير جائز عند أحد من العاملين بخبر الواحد.

____________

(احداهما: كون ذلك الأمر المتفق عليه) مثل: «قبح العقاب بلا بيان»، أو ما اشبه ذلك‏ (مقتضيا و دليلا للحكم) الفرعي يعني: انّه يتصور انّ الكبرى الكلّية، تشمل هذه الصغرى الجزئية أيضا (لو لا المانع) الدال على خلاف تلك الكبرى الكلية.

(و الثانية: انتفاء المانع و المعارض) في هذه الصور الكلية.

مثلا: يقول: بأنّ أصل البراءة اجماعي- بلا مانع و لا معارض فيه- و شرب التتن صغرى من صغريات هذا الاصل، فجواز شرب التتن أيضا اجماعي.

(و من المعلوم: انّ الاستناد إلى الخبر المستند إلى ذلك، غير جائز عند احد من العاملين، بخبر الواحد) فانه من الواضح: انّ العاملين بالخبر الواحد، لا يقولون:

بانّ الخبر الواحد، يشمل مثل هذا الاجماع المبني على هاتين المقدمتين، و ليس مثل هذا بخبر عندهم، حتّى يشمله دليل حجّية الخبر الواحد.

و الحاصل: انّه ليس لناقل الاجماع، مستند صحيح لعلمه بقول الامام (عليه السلام)، فان حصل له بنفسه العلم بقول الامام، فهو حجّة بالنسبة اليه، لمكان العلم، أما انّه ليس بملزم لغيره، اذ ليست هذه الاجماعات المدعاة بمنزلة خبر زرارة، أو محمد بن مسلم، و من أشبههما، مما هو حجة بالنسبة إلى الجميع سندا و انّما عليهم ان ينظروا في قدر الدلالة.

و هذه الاجماعات ليست حجة سواء كانت من اللطف، أو الحدس على الاقسام المتقدمة للحدس، إلّا الاجماعات الملازمة قطعا لقول الامام، فان الملازم‏

42

ثمّ إنّ الظاهر أنّ الاجماعات المتعارضة من شخص واحد او من معاصرين او متقاربي العصرين و رجوع المدّعي عن الفتوى الذي ادّعى الاجماع فيها و دعوى الاجماع في مسائل غير معنونة في كلام من تقدّم على المدّعي‏

____________

لقوله (عليه السلام) قليل في الاجماعات جدا.

و اما ما نراه متداولا عند كثير من الفقهاء، كصاحب الجواهر، و من تقدّمه، و من تأخر عنه، حيث يدّعون كثيرا من الاجماعات في المسائل المختلفة، من باب الطهارة الى الديات، فليس لهذه الاجماعات قيمة الاجماع القطعي، الّذي هو من الأدلة للأحكام.

[الإجماعات المتعارضة]

(ثمّ انّ الظاهر) مما تقدّم‏ (: انّ الاجماعات المتعارضة من شخص واحد) حيث نرى بعض الفقهاء، يدّعون الاجماع تارة على جواز الشي‏ء، و أخرى على حرمته، أو تارة على هذا الطرف من المسألة، و تارة على الطرف الآخر منها.

(أو من معاصرين، أو متقاربي العصرين) فيدعي أحدهما الاجماع على شي‏ء، و يدعي الآخر الاجماع على خلاف ذلك الشي‏ء، و هما معاصران، أو متقاربا العصر، حيث لا يعقل ان يكون في عصر واحد، أو في عصور مختلفة، قولان متخالفان في مسألة واحدة، بان يقول الكل بهذا القول، و يقول الكل بالقول الآخر.

(و رجوع المدّعي عن الفتوى، الذي ادّعى الاجماع فيها) بينما، انّه لو كانت المسألة اجماعية، لم يجز له الرجوع عن المجمع عليه، الى ما يضاده.

(و دعوى الاجماع في مسائل، غير معنونة في كلام من تقدّم على المدّعي) و لا معنونة في كلام معاصريه، فهو متفرد في المسألة، و مع ذلك نراه يدعي الاجماع عليها.

43

و في مسائل قد اشتهرت خلافها بعد المدّعي، بل في زمانه، بل فيما قبله؛ كلّ ذلك مبنيّ على الاستناد في نسبة القول إلى العلماء على هذا الوجه.

و لا بأس بذكر بعض الموارد صرّح المدّعي بنفسه او غيره في مقام توجيه كلامه فيها بذلك.

فمن ذلك: ما وجّه المحقّق به دعوى المرتضى و المفيد:

____________

(و في مسائل قد اشتهرت خلافها) أي خلاف تلك الفتوى، و ذلك في زمان‏ (بعد المدّعي، بل في زمانه، بل فيما قبله) فانه اذا كانت المسألة اجماعية، كيف يفتي من جاء بعد المدعي للاجماع، على خلاف ذلك الاجماع، و بطريق أولى، اذا كان في زمان المدعي، أو ما قبل المدعي؟.

فان‏ (كلّ ذلك مبنيّ على الاستناد، في نسبة القول إلى العلماء، على هذا الوجه) الثالث، فان هذه الاجماعات لا تستند إلى تتبع كل الأقوال، و لا إلى أقوال المعروفين من الفقهاء، بل إلى اجتهاد الناقل مستندا إلى أصل، أو رواية، أو آية، أو دليل عقلي، اعتقد الناقل انّ ما يدعي فيه الاجماع، من صغريات تلك الكبريات الكلية المسلمة.

(و لا بأس بذكر بعض الموارد) الّتي‏ (صرّح المدّعي بنفسه أو) صرّح‏ (غيره في مقام توجيه كلامه) أي: كلام المدّعي للاجماع‏ (فيها) اي: في تلك الموارد (بذلك) أي بالّذي ذكرناه، من ان دعواه للاجماع مستندة إلى الاجتهاد، من جهة تطبيق كبرى كلية اجماعية، على صغرى جزئية اعتقد الناقل للاجماع، بانّها من صغريات تلك الكبرى الكلية.

(فمن ذلك ما) أي الاجماع الّذي‏ (وجّه المحقّق به دعوى المرتضى و المفيد) «رحمهما اللّه» حيث قالا:

44

انّ من مذهبنا جواز إزالة النجاسة بغير الماء من المائعات قال:

«و أمّا قول السائل: كيف أضاف المفيد و السيّد ذلك إلى مذهبنا و لا نصّ فيه، فالجواب: أمّا علم الهدى، فانّه ذكر في الخلاف: انّه إنّما أضاف ذلك إلى مذهبنا، لأنّ من أصلنا العمل بالأصل ما لم يثبت الناقل، و ليس في الشرع ما يمنع الازالة بغير الماء من المائعات‏

____________

(انّ من مذهبنا: جواز ازالة النجاسة بغير الماء من المائعات) فاذا وقعت نجاسة على ثوب أو على بدن أو على شي‏ء آخر، جاز ازالة تلك النجاسة بماء الورد، أو البصاق، أو ما اشبه ذلك، و قد نسب هذان العلمان، هذا الحكم إلى مذهبنا، الظاهر في الاجماع.

(قال) المحقّق- في مقام توجيه هذا الكلام من هذين العلمين- (و أمّا قول السائل: كيف اضاف) أي: نسب‏ (المفيد و السيّد ذلك) الحكم‏ (إلى مذهبنا و) الحال انّه لا اجماع و (لا نصّ فيه؟) فكيف يدعي بعض الاجماع بدون نص، أو اتفاق من جميع الفقهاء؟.

(فالجواب: أمّا علم الهدى، فانّه ذكر في الخلاف: انّه إنّما اضاف ذلك إلى مذهبنا لأنّ من اصلنا) أي: من قواعدنا الّتي عرفناها من الشرع‏ (: العمل بالأصل) أي: اصالة الجواز (ما لم يثبت الناقل) أي: المانع عن أصل الجواز، (و ليس في الشّرع، ما يمنع الازالة بغير الماء، من المائعات) اذ زوال النجاسة يوجب عدم وجود حكم النجاسة، و غير الماء من السوائل أيضا يزيل النجاسة، فيزول حكمها، لانه اذا ذهب الموضوع ذهب الحكم، و قد صرّح السيّد: بأنّه جعل هذه الفتوى، من صغريات ذلك الأصل، و حيث انّ ذلك الأصل اتفاقي بين العلماء، فاللازم أن تكون هذه الصغرى، التي استظهر السيّد انها من صغريات تلك القاعدة

45

- ثم قال-: و أمّا المفيد، فانّه ادّعى في مسائل الخلاف: أنّ ذلك مرويّ عن الأئمة» انتهى.

فظهر من ذلك أنّ نسبة السيّد (قدّس سرّه)، الحكم المذكور إلى مذهبنا من جهة الأصل، و من ذلك ما عن الشيخ في الخلاف حيث انّه ذكر، فيما إذا بان فسق الشاهدين بما يوجب القتل بعد القتل، بأنّه يسقط القود و يكون الدّية

____________

الكلية، أيضا اجماعية.

(ثمّ قال) المحقّق‏ (: و أمّا المفيد: فانّه ادّعى في) كتاب‏ (مسائل الخلاف انّ ذلك) أي: جواز ازالة النجاسة بسائر المائعات‏ (مرويّ عن الائمة) (عليهم السلام)(1).

فالمحقق يرى: ان اجماع المفيد، مستند إلى الرواية فالكبرى و هي: الرواية، لما كان مجمعا على العمل بها بقول مطلق، و رأى المفيد: ان المسألة من صغريات تلك الكبرى الكلية، ادعى عليها الاجماع.

(انتهى) كلام المحقق، بالنسبة إلى اجماعيّ: الشيخ المفيد، و السيد المرتضى «(رضوان اللّه عليهم)» (فظهر من ذلك انّ نسبة السيّد) و المفيد ((قدّس سرّهما) الحكم المذكور إلى مذهبنا من جهة الاصل) و الرواية المجمع عليهما.

(و من ذلك، ما عن الشيخ في الخلاف، حيث انّه ذكر فيما اذا بان فسق الشاهدين) الّذين شهدا (بما يوجب القتل) كالارتداد، و زنا المحصن، و القتل قصاصا، ثم ظهر فسق الشاهدين‏ (بعد القتل) أي، بعد أن نفّذ الحاكم حكم القتل على المشهود عليه ظهر ان الشاهدين كانا فاسقين، قال‏ (بانه يسقط القود)، و القود: بكسر القاف، و فتح الواو على وزن: عنب، و معنى سقوط القود: انه لا يقتل الشاهدان بذلك‏ (و يكون الدّية) لورثة المقتول الّذي قتل ظلما

____________

(1)- المسائل المصرية راجع فرائد الاصول: ص 332.

46

من بيت المال؛ قال: «دليلنا إجماع الفرقة، فانّهم رووا انّ ما أخطأت القضاة، ففي بيت مال المسلمين» انتهى.

فعلّل انعقاد الاجماع بوجود الرواية عند الأصحاب، و قال بعد ذلك، فيما اذا تعدّدت الشهود فيمن أعتقه المريض، و عيّن كلّ، غير ما عيّنه الآخر، و لم يف الثّلث بالجميع: «إنّه يخرج السابق بالقرعة،

____________

(من بيت المال) و هو: البيت الّذي يرعاه الحاكم، مما يجمع فيه أموال المسلمين، لمصالح المسلمين.

(قال) الشيخ في الخلاف، بعد فتواه هذه‏ (: دليلنا: اجماع الفرقة) المحقّة، و هم الشيعة (فانّهم رووا: انّ ما اخطأت القضاة، ففي بيت مال المسلمين) (1) و حيث انّ هذا خطأ لأن الحاكم اشتبه، و قبل شهادة الفاسقين، فالدّية تكون من بيت المال.

(انتهى) كلام الشيخ في الخلاف، و ما علل به الاجماع‏ (ف) انّه قد (علّل انعقاد الاجماع، بوجود الرّواية عند الأصحاب) لا أنّ اجماعه ثابت من أقوال الفقهاء الذين عاصروه، أو الذين تقدموا عليه.

(و قال) الشيخ في الخلاف‏ (بعد ذلك) ايضا (: فيما اذا تعدّدت الشهود، فيمن اعتقه المريض، و عيّن كلّ، غير ما عيّنه الآخر، و لم يف الثلث بالجميع) كما اذا قال شاهدان: بأنّ المعتق زيد، و شاهدان: بأنّ المعتق عمرو، و شاهدان:

بأنّ المعتق خالد، و الحال انّ الثلث لا يفي بالكل، أمّا اذا وفى الثلث بالكل فكلهم يعتقون.

قال: (انّه يخرج السّابق بالقرعة) لأنّ الوصية السابقة، تنفّذ دون اللاحقة،

____________

(1)- وسائل الشيعة: ج 29 ص 147 ب 7 ح 35351.

47

- قال-: دليلنا اجماع الفرقة و اخبارهم، فانّهم أجمعوا على أنّ كلّ أمر مجهول فيه القرعة»، انتهى.

و من الثاني ما عن المفيد في فصوله، حيث أنّه سئل عن الدّليل على أنّ المطلقة ثلاثا في مجلس واحد يقع منها واحدة.

____________

و ذلك فيما اذا لم يفي الثلث بالجميع و لم يجز الورثة الاكثر من الثلث، و حينئذ اذا لم نعلم انّ السابق زيد أو عمرو أو خالد، أخرجنا السابق منهم بالقرعة، و اعتق حسب الوصية، أما اللاحق الّذي لم يف به الثلث، فيبقى تركة للورثة.

(قال: دليلنا: اجماع الفرقة و اخبارهم) ثم علل الاجماع بقوله: (فانّهم أجمعوا: على انّ كلّ أمر مجهول، فيه القرعة (1)، انتهى) كلام الشيخ، فان الشيخ لم يجد الاجماع على هذه المسألة الشخصية، و انّما وجد الاجماع على الكبرى الكلية، و هي: انّ في كل مجهول القرعة، و حيث رأى، انّ هذا الفرع الفقهي، من صغريات تلك الكلية المتضمنة للقرعة، ادعى الاجماع على الفرع أيضا.

(و من) هذا القبيل‏ (الثاني) و هو الحدس باتفاق الكل، من اتفاقهم على مسألة اصولية- على ما سبق الالماع اليه: (ما عن المفيد) (رحمه اللّه) (في فصوله، حيث انّه سئل عن الدّليل، على انّ المطلقة ثلاثا) الّتي قال لها الزوج: انت طالق ثلاثا، بلفظ واحد (في مجلس واحد) أو قال: «أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق» و ذلك بدون رجعة بين الطلقات، كما يشترطها الشيعة بخلاف العامة فانهم يكتفون بكل من العبارتين، في حصول الطلقات الثلاث.

قال‏ (يقع منها) أي: من الطلقات الثلاث‏ (واحدة، ف) انّه حيث اراد

____________

(1)- تهذيب الاحكام: ج 6 ص 240 ب 22 ح 24، من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 92 ب 2 ح 3389، وسائل الشيعة: ج 27 ص 260 ب 13 ح 33720، الأمان من أخطار الأسفار: ص 96 بيان، الخلاصة:

ج 2 ص 620 (بالمعنى).

48

فقال: «الدلالة على ذلك من كتاب اللّه عزّ و جلّ و سنّة نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و إجماع المسلمين»، ثمّ استدلّ من الكتاب بظاهر قوله تعالى:

الطَّلاقُ مَرَّتانِ‏

ثمّ بين وجه الدلالة؛ و من السنّة قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «كلّ ما لم يكن على أمرنا هذا فهو ردّ»، و قال: «ما وافق الكتاب فخذوه، و ما لم يوافقه فاطرحوه»، و قد بينّا أنّ المرّة لا تكون المرّتين أبدا

____________

الاستدلال على ذلك‏ (قال: الدّلالة على ذلك من كتاب اللّه عزّ و جلّ، و سنّة نبيه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و اجماع المسلمين)، (ثم استدلّ من الكتاب بظاهر قوله تعالى: الطَّلاقُ مَرَّتانِ) فَإِمْساكٌ بِمَعْرُوفٍ، أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسانٍ‏ (1)، يعني: بعد المرتين، اما ان يمسك الزوجة امساكا حسب العرف و يقوم بشئونها اللازمة المتعارفة أو أن يطلقها و يسرّحها باحسان، من دون ان يضيّق عليها، فاذا طلقها ثالثا، حرمت على الزوج إلّا بمحلّل، (ثمّ بيّن) المفيد (رحمه اللّه) (وجه الدلالة) في الآية المباركة، بان المتبادر من المرتين، هو: أن يطلق، ثم يرجع، ثم يطلق، لا أن يقول: انت طالق مرتين، أو ما اشبه ذلك.

قال: (و من السنّة: قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «كلّ ما لم يكن على أمرنا هذا)» أي: لم يكن على طبق ما أمرنا به « (فهو ردّ) (2) أي: مردود.

(و قال: «ما وافق الكتاب فخذوه، و ما لم يوافق فاطرحوه») (3).

قال المفيد (رحمه اللّه): (و قد بيّنا ان المرّة) و هي قوله: أنت طالق ثلاثا، أو اذا قال:

أنت طالق، أنت طالق، بدون فصل رجعة بينهما (لا تكون المرّتين أبدا) أي:

____________

(1)- سورة البقرة: الآية 229.

(2)- عدة المسائل الصاغانية: ص 86، الفصول المختارة: ص 177.

(3)- الكافي (اصول): ج 1 ص 69 ح 1، الاستبصار: ج 1 ص 190 ب 112 ح 9، وسائل الشيعة:

ج 20 ص 464 ب 20 ح 26099.

49

و أنّ الواحدة لا تكون ثلاثا، فأوجب السنّة إبطال طلاق الثلاث، و أمّا إجماع الامّة؟، فهم مطبقون على أنّ ما خالف الكتاب و السنّة فهو باطل، و قد تقدّم وصف خلاف الطلاق بالكتاب و السنّة فحصل الاجماع على إبطاله»، انتهى.

و حكي عن الحليّ في السرائر، الاستدلال بمثل هذا.

و من ذلك الاجماع الذي‏

____________

قطعا، لوضوح انّ المتبادر من المرتين، الطلاق، ثم الرجوع ثم الطلاق‏ (و انّ الواحدة لا تكون ثلاثا) فلا توجب الطلقة الواحدة الحرمة، سواء اقترنت بالمرتين، أو بالثلاث في اللفظ (فأوجب السنّة) اي: سنة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و هو قوله المتقدم: ما لم يوافق القرآن فاطرحوه، و غير ذلك‏ (ابطال طلاق الثلاث) من دون رجعة بينها، و معنى الابطال: انّ الطلاق لا يقع ثلاثا، و انّما يقع واحدا.

(و أمّا اجماع الامّة: فهم مطبقون على انّ ما خالف الكتاب و السّنة فهو باطل، و قد تقدّم وصف خلاف الطلاق) و قلنا: (ب) إنّ التطليقات الثلاث من دون رجوعين بينهما، خلاف‏ (الكتاب و السنّة، فحصل الاجماع على إبطاله انتهى) (1) فانه جعل هذه الصور الجزئية، من كبريات ما ورد في الكتاب و السنة، و ادعى اجماع المسلمين عليها، حيث حصل له الحدس باجماعهم على بطلان طلاق الثلاث، من اتفاقهم على بطلان ما خالف الكتاب و السّنة.

(و حكي عن) ابن ادريس‏ (الحلّي) (رحمه اللّه) (في) كتابه‏ (السرائر، الاستدلال بمثل هذا) الذي استدل به المفيد لبطلان التطليقات الثلاث، في مجلس واحد، على الكيفية الّتي ذكرناها.

(و من ذلك) الاجماع المستند إلى آية أو رواية، على ما ذكرناه‏ (الاجماع الذي‏

____________

(1)- الفصول المختارة: ص 177.

50

ادّعاه الحلّي على المضايقة في قضاء الفوائت في رسالته المسماة بخلاصة الاستدلال، حيث قال:

«أطبق الاماميّة عليه خلفا عن سلف و عصرا بعد عصر و أجمعت على العمل به، و لا يعتدّ بخلاف نفر يسير من الخراسانيين، فانّ ابني بابويه، و الأشعريين، كسعد بن عبد اللّه صاحب كتاب الرحمة، و سعد بن سعد و محمّد بن عليّ بن محبوب صاحب‏

____________

ادّعاه الحلّي) أيضا (على المضايقة) أي: وجوب الفور (في قضاء الفوائت في رسالته المسماة: بخلاصة الاستدلال) فان العلماء اختلفوا في انّ الانسان اذا فاتته صلوات، هل يجب قضاؤها فورا، و يسمون ذلك بالمضايقة، أو لا يجب؟ بل يجوز التراخي و يسمون ذلك: بالمواسعة.

و الاقوال في المسألة متعددة، و الغالب عند المتأخرين: المواسعة، بينما يرى الحلّي و جمع آخر: المضايقة، و هناك بعض الاقوال الأخر تفصّل بين أقسام القضاء و الصلوات، محلها الكتب الفقهية المفصلة (1).

(حيث قال) الحلّي‏ (أطبق الاماميّة عليه) أي: على الفور (خلفا عن سلف، و عصرا بعد عصر و أجمعت) الامامية (على العمل به) أي: بالفور (و لا يعتد بخلاف نفر يسير) أي: لا يعتنى بمخالفة عدة قليلة، ذهبوا الى المواسعة دون المضايقة (من الخراسانيّين) الذين أفتوا بالمواسعة.

(فانّ ابني بابويه) و هما الصدوقان: الاب و الابن‏ (و الأشعريّين: كسعد بن عبد اللّه صاحب كتاب الرحمة، و سعد بن سعد، و محمّد بن عليّ بن محبوب صاحب‏

____________

(1)- راجع موسوعة الفقه: ج 17- 28 للشارح.

51

كتاب نوادر الحكمة، و القميّين أجمع، كعليّ بن إبراهيم بن هاشم، و محمّد بن الحسين بن الوليد، عاملون بأخبار المضايقة، لأنّهم ذكروا انّه لا يحلّ ردّ الخبر الموثوق برواته و حفظتهم الصدوق ذكر ذلك في كتاب من لا يحضره الفقيه، و خرّيت هذه الصّناعة و رئيس الأعاجم الشيخ أبو جعفر الطوسيّ مودع أخبار المضايقة في كتبه مفت بها، و المخالف إذا علم‏

____________

كتاب نوادر الحكمة، و القميّين أجمع: كعليّ بن إبراهيم بن هاشم، و محمّد بن الحسين بن الوليد) و غيرهم، من الأعلام‏ (عاملون بأخبار المضايقة) التي تدل على وجوب الفور بالقضاء.

فاذا قيل لابن ادريس من أين علمت ان هؤلاء عملوا باخبار المضايقة، ليكون رأيهم الفور:

أجاب بقوله: (لأنّهم) نقلوا اخبار المضايقة في كتبهم و (ذكروا: انّه لا يحل ردّ الخبر الموثوق برواته و حفظتهم) على وزن: همزة بضم الحاء، و الضمير: هم راجع الى الامامية (الصدوق) (رحمه اللّه) (ذكر ذلك) أي: عدم جواز ردّ الخبر، اذا كان الراوي ثقة (في كتاب: «من لا يحضره الفقيه»، و خرّيت) بكسر الخاء، على وزن: سكّيت، و المراد به: الماهر في صناعته، كالشيخ الماهر في‏ (هذه الصناعة) أي: علم الفقه، و يسمى: صناعة، لأنّه ليس علما نظريا، بل هو علم عملي لأنّ الفقه هو العمل، بخلاف اصول الدين فانه هو الفكر و لا يسمّى صناعة، لانه عقائد محضة، (و) هذا الماهر في الفقه هو (رئيس الأعاجم) و نعته بهذا ليس من باب الاستخفاف بشأن الشيخ (رحمه اللّه) بل انه مثل قولنا: رئيس الطائفة و نحو ذلك‏ (الشيخ أبو جعفر الطوسيّ مودع أخبار المضايقة) أي: أودعها و ذكرها (في كتبه) و (مفت بها، و المخالف) لهذا القول كبعض الخراسانيين- على ما تقدّم- (اذا علم‏

52

باسمه و نسبه لم يضرّ خلافه». انتهى.

و لا يخفى: انّ اخباره باجماع العلماء على الفتوى بالمضايقة مبنيّ على الحدس و الاجتهاد من وجوه: أحدها: دلالة ذكر الخبر على عمل الذاكر به، و هذا و إن كان غالبيّا إلّا أنّه لا يوجب القطع لمشاهدة التخلّف كثيرا.

الثاني: تمامية دلالة تلك الأخبار عند اولئك على الوجوب،

____________

باسمه و نسبه، لم يضرّ خلافه، انتهى) (1) كلام ابن ادريس الحلّي.

(و لا يخفى) عليك‏ (: انّ اخباره) أي: الحلّي (رحمه اللّه) (باجماع العلماء على الفتوى بالمضايقة، مبنيّ على الحدس و الاجتهاد، من وجوه) متعددة.

(أحدها: دلالة ذكر الخبر) المروي عنهم (عليهم السلام) في الكتاب‏ (على عمل الذاكر به) أي عمله بذلك الخبر، فحدس الحلّي: ان هؤلاء الذين ذكروا أخبار المضايقة قد عملوا بها، حدس فقط، و ليس عليه دليل.

و لهذا قال المصنّف: (و هذا) أي: عمل الذاكر بالخبر (و ان كان غالبيّا) في بعضهم لا في كلهم، فانّ بناء بعضهم على ذكر الأخبار فقط، لا العمل بها (الّا انّه) كون ذلك غالبيا (لا يوجب القطع) بالتلازم بين الذكر و العمل‏ (لمشاهدة التخلف كثيرا) فانهم كثيرا ما يذكرون الخبر في كتبهم، و لكن لا يعملون به.

(الثاني: تماميّة دلالة تلك الأخبار عند اولئك، على الوجوب) فانّ الحلّي (رحمه اللّه)، حدس ان هؤلاء الناقلين للأخبار، فهموا منها الوجوب، و هذا ليس بقطعي، فكثيرا ما يمكن للانسان ان يذكر الخبر، و لا يستظهر منه الوجوب لقرائن خارجية و داخلية، تدل على ان الخبر للاستحباب، أو للكراهة في بابي: الأمر

____________

(1)- خلاصة الاستدلال، مخطوط.

53

إذ لعلّهم فهموا منها بالقرائن الخارجيّة تأكد الاستحباب.

الثالث: كون رواة تلك الرّوايات موثوقا بهم عند اولئك، لأنّ وثوق الحلّي بالرّواة لا يدلّ على وثوق اولئك، مع أنّ الحلّيّ لا يرى جواز العمل بأخبار الآحاد و إن كانوا ثقات، و المفتي إذا استند فتواه إلى خبر الواحد

____________

و النهي و نحوهما، (اذ لعلّهم فهموا منها) أي: من تلك الأخبار الدالة ظاهرا: على المضايقة (بالقرائن الخارجيّة تأكد الاستحباب) للفور، لا الوجوب، كما انّ المتأخرين فهموا غالبا من تلك الاخبار، تأكد الاستحباب، لا الوجوب، فأين التلازم بين ذكرهم الاخبار و فهمهم الوجوب منها، الذي استفادة الحلّي بالحدس؟.

(الثالث: كون رواة تلك الرّوايات موثوقا بهم عند اولئك) الذين ذكروا تلك الاخبار في كتبهم، فحدس الحلّي هذا بوثاقة الرواة، عند اولئك المصنفين، ليس بقطعي‏ (لأنّ وثوق الحلّي بالرّواة لا يدلّ على وثوق اولئك) بهم و برواياتهم.

هذا (مع انّ الحلّي) (رحمه اللّه) (لا يرى جواز العمل باخبار الآحاد، و ان كانوا ثقات) فهو يعمل بالخبر المتواتر، و المستفيض، و ما اشبه، لا بخبر الواحد، حتى و ان كان راوي الخبر الواحد ثقة.

و عليه: فانّا و ان سلّمنا قطعية المقدمات الثلاث التي ذكرها الحلّي: من انّ ذاكر الخبر يعمل به، و ان ذاكر الخبر فهم من الخبر وجوب المضايقة، و ان ذاكر الخبر اعتقد بوثاقة الراوي، لكن لا نسلم للحلّي دعوى الاجماع، اعتمادا على هذه المقدمات، لانّه لا يعتقد بحجيّة خبر الواحد، فكيف يدعي الحلّي استنادا الى هذه المقدمات الاجماع؟.

(و) من الواضح: ان‏ (المفتي اذا استند) في‏ (فتواه الى خبر الواحد،