الوصائل إلى الرسائل‏ - ج11

- السيد محمد الحسيني الشيرازي المزيد...
400 /
3

-

4

الوصائل الى الرسائل‏

تتمّة المقصد الثالث‏

5

[تتمة قاعدة لا ضرر]

توضيح الفساد: أنّ هذه القاعدة تدلّ على عدم جعل الأحكام الضررية و اختصاص أدلّة الأحكام بغير موارد الضرر.

نعم، لو لا الحكومة و مقام الامتنان‏

____________

أمّا (توضيح الفساد) في توهم هذا الاشكال فهو كما قال:

(أنّ هذه القاعدة) بمقتضى الأدلة الكثيرة (تدلّ على عدم جعل الأحكام الضررية) من الشارع فالوضوء و الصلاة و الحج و غيرها من العبادات إذا كانت ضررية فهي ليست مجعولة (و) تدل أيضا على‏ (اختصاص أدلّة الأحكام) الأولية، كأدلة الصلاة و الصوم و الحج و غير ذلك‏ (بغير موارد الضرر).

هذا، و لعل عمدة تلك الأدلة الكثيرة الدالة على عدم جعل الأحكام الضررية هو: ورود القاعدة قبال الأحكام الأولية حيث انهم (عليهم السلام) رفعوا الأحكام الأولية لمقابلتها دليل لا ضرر أو دليل لا حرج، أو دليل لا عسر، و غيرها من الأدلة الحاكمة، فقد ورد حكم النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بقلع عذق سمرة المضار (1) قبال: «الناس مسلطون على أموالهم» (2) و ورد حكم الإمام (عليه السلام) باثبات حق الشفعة للشريك قبال: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (3) و ورد حكمه (عليه السلام) بالمسح على المرارة (4) لدليل لا حرج، قبال: وجوب المسح على البشرة، و هكذا.

(نعم، لو لا الحكومة) التي يفهمها العرف بعد الجمع بين الأدلة العامة و بين دليل لا ضرر (و) كذا لو لا (مقام الامتنان) الذي وردت هذه الروايات الثانوية

____________

(1)- الكافي (فروع): ج 5 ص 294 ح 8.

(2)- نهج الحق: ص 494 و ص 495 و ص 504، غوالي اللئالي: ج 1 ص 222 و ج 2 ص 138 و ج 3 ص 208 ح 54، بحار الانوار: ج 2 ص 272 ح 7.

(3)- سورة المائدة: الآية 1.

(4)- الكافي (فروع): ج 3 ص 33 ح 4، تهذيب الاحكام: ج 1 ص 363 ب 16 ح 27، الاستبصار: ج 1 ص 77 ب 46 ح 3، وسائل الشيعة: ج 1 ص 464 ب 29 ح 1231.

6

كان للتوهّم المذكور مجال.

و قد يدفع: بأنّ العمومات الجاعلة للأحكام إنّما تكشف عن المصلحة في نفس الحكم و لو في غير مورد الضرر، و هذه المصلحة لا يتدارك الضرر الموجود في مورده، فانّ الأمر بالحج و الصلاة- مثلا- يدلّ على عوض و لو مع عدم الضرر، ففي مورد الضرر لا علم بوجود ما يقابل الضرر.

____________

في مورده‏ (كان للتوهّم المذكور) و هو: تقدّم أدلة التكاليف الأولية على قاعدة لا ضرر و شبهها (مجال) واسع، لكن القرينتين دليلان على ما ذكرناه: من حكومة لا ضرر و نحوه على الأدلة العامة الأولية.

هذا (و قد يدفع) التوهم المذكور و الدافع هو صاحب العوائد و صاحب العناوين: (بأن العمومات الجاعلة للأحكام) مثل: أَقِيمُوا الصَّلاةَ (1) و مثل:

كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ‏ (2) (إنّما تكشف عن المصلحة في نفس الحكم و لو في غير مورد الضرر) فان الصلاة و الصوم و الحج إنّما وجبت لمصلحة فيها (و هذه المصلحة لا يتدارك الضرر الموجود في مورده) أي: في مورد الضرر.

و عليه: (فانّ الأمر بالحج و الصلاة- مثلا- يدلّ على عوض و لو مع عدم الضرر) و لذا يجب الاتيان بالحج و الصلاة و نحوهما (ففي مورد الضرر لا علم بوجود ما يقابل الضرر) من المصلحة، و لذا تسقط تلك العمومات، فلا يجب ما كان من العبادات ضرريا.

و ان شئت قلت: ان الوضوء إنّما وجب لمصلحة فيه، فان كان فيه ضرر، قابل الضرر تلك المصلحة فأسقطها، و بعد ذلك لا يكون في الوضوء مصلحة حتى يجب الوضوء، و لذا يسقط وجوب الوضوء.

____________

(1)- سورة المزمل: الآية 20.

(2)- سورة البقرة: الآية 183.

7

و هذا الدفع أشنع من أصل التوهّم، لأنه إذا أسلم عموم الأمر لصورة الضرر، كشف عن وجود مصلحة يتدارك به الضرر في هذا المورد، مع أنّه يكفي حينئذ في تدارك الضرر الأجر المستفاد من قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «أفضل الأعمال أحمزها»، و ما اشتهر في الألسن و ارتكز في العقول: من أنّ: «الأجر على قدر المشقّة».

____________

(و هذا الدفع) للتوهم المتقدم‏ (أشنع من أصل التوهّم) فكما ان أصل التوهم فاسد لما ذكرناه من الأدلة الكثيرة الدالة على حكومة قاعدة لا ضرر على الأدلة الأولية، يكون هذا الجواب أفسد من ذلك التوهم لأمرين:

أولا: (لأنه إذا أسلم عموم الأمر) بالوضوء- مثلا- (لصورة الضرر، كشف) العموم هذا (عن وجود مصلحة يتدارك به الضرر في هذا المورد) أي: في مورد الضرر أيضا، فيكون حال الأمر الأولي بالوضوء حينئذ حال الأوامر الأولية المتعلقة بالموضوعات الضررية: من الخمس و الزكاة و الحج و الجهاد و غير ذلك، فيجب الوضوء حتى في مورد الضرر أيضا.

ثانيا: (مع أنّه يكفي حينئذ) أي: حين شمول الأدلة الأولية لمورد الضرر (في تدارك الضرر: الأجر المستفاد من قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «أفضل الأعمال أحمزها» (1)، و ما اشتهر في الألسن و ارتكز في العقول: من أنّ: «الأجر على قدر المشقّة» (2)) فيكون للوضوء الضرري جهتان: جهة المصلحة و هي تسقط بسبب الضرر و جهة الأجر و هي لا تسقط بسبب الضرر، فيكون واجبا لأجل ما فيه من الأجر.

ثم انه لا بأس باشارة مختصرة إلى هذه الرواية التي ذكرها المصنّف و هي:

____________

(1)- مفتاح الفلاح: ص 45، النهاية: ج 1 ص 440، بحار الانوار: ج 70 ص 191 ب 53 ح 2 و ص 237 ب 54 ح 6.

(2)- بحار الانوار: ج 73 ص 275 ب 132 ح 27 (بيان).

8

«أفضل الأعمال أحمزها» فانه لا يبعد ان يراد بذلك ما إذا كان هناك عملان أحدهما أشد من الآخر، فان الأشد يكون أفضل، فدراسة الفقه- مثلا- أصعب من دراسة الطب، فيكون دراسة الفقه أفضل و هكذا.

و بهذا المعنى لا ينافي هذا الحديث مثل قوله سبحانه: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ (1) و لا مثل قوله سبحانه: ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏ (2) و لا مثل قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «ان هذا الدين رفيق فأوغل فيه برفق» (3).

لكن ربما يقال: انه يمكن إرادة ذلك العمل الواحد أيضا، كما إذا كان للعمل الواحد طريقان: طريق أصعب و طريق أسهل، فان الطريق الأصعب يكون أفضل، فالحج- مثلا- مشيا أفضل من الحج ركوبا، و لهذا كان الأئمة (عليهم السلام) يذهبون إلى الحج مشيا.

هذا، و لكن لا شك في ان الحج مشيا أفضل من الركوب إذا كان لأجل التواضع للّه سبحانه، كما ان بساطة العيش و أكل ما جشب من الطعام لأئمة المسلمين أفضل من خصوبة العيش و أكل اللباب إذا كان للّه سبحانه، و ذلك لما فيه من توفير المال على الرعية، و مواساة الضعفاء منهم، و دفع اتهام التصرف في أموالهم، و تسلية الفقراء منهم، كما أشار إلى ذلك أمير المؤمنين (عليه السلام) في كلام له في نهج البلاغة (4).

أمّا بدون مصلحة التواضع، أو مصلحة المواساة للرعية كما في إمامة المسلمين فالأيسر أفضل.

____________

(1)- سورة البقرة: الآية 185.

(2)- سورة الحج: الآية 78.

(3)- وسائل الشيعة: ج 1 ص 110 ب 26 ح 270 و فيه (متين) بدل (رفيق)، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 2 ص 94.

(4)- راجع ارشاد القلوب: ص 214، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 16 ص 287 راجع الخطبة «أ أقنع من نفسي بأن يقال لي أمير المؤمنين و لا أشاركهم في مكاره الدهر و جشوبة العيش».

9

فالتحقيق في دفع التوهم المذكور ما ذكرناه من «الحكومة» و الورود في مقام الامتنان.

ثم إنّك قد عرفت بما ذكرنا: أنّه لا قصور في القاعدة المذكورة من حيث مدركها سندا أو دلالة، إلّا أنّ الذي يوهن فيها هي كثرة التخصيصات فيها بحيث يكون الخارج منها أضعاف الباقي،

____________

و الحاصل: ان اليسر هو مراد اللّه سبحانه، إلّا ان تكون مصلحة في خلاف اليسر، و حين وجود تلك المصلحة يكون الأحمز أفضل.

و كيف كان: (فالتحقيق في دفع التوهم المذكور) القائل بتقديم الأدلة العامة على دليل لا ضرر هو: (ما ذكرناه من «الحكومة» و الورود في مقام الامتنان) فانه قد عرفت: ان الحكومة و كذلك الامتنان بها قرينتان على تقديم لا ضرر على الأدلة الأولية.

و حيث فرغ المصنّف من الأمور الأربعة المرتبطة بقاعدة لا ضرر: من بيان مدركها، و معنى اللفظين فيها، و معنى النفي، و بيان نسبتها مع سائر العمومات، شرع في الأمر الخامس و هو: بيان إشكالات التمسك بهذه القاعدة فقال: (ثم إنّك قد عرفت بما ذكرنا: أنّه لا قصور في القاعدة المذكورة من حيث مدركها سندا) لما عرفت: من تواتر السند، و صحة بعض الأسانيد، و عمل المشهور بها قديما و حديثا، بل أجمعوا على العمل بها.

(أو دلالة) لما تقدّم: من حكومة قاعدة «لا ضرر» على الأدلة الأولية.

(إلّا أنّ الذي يوهن فيها هي: كثرة التخصيصات فيها بحيث يكون الخارج منها أضعاف الباقي) موارد الضرر في الفقه كثيرة جدا، فان شراء الماء للوضوء، أو للغسل، أو لتطهير الثياب، أو ما أشبه ذلك ضرر، كما ان الحقوق المالية كالخمس‏

10

كما لا يخفى على المتتبع، خصوصا على تفسير الضرر بادخال المكروه، كما تقدّم، بل لو بنى على العمل بعموم هذه القاعدة حصل منه فقه جديد،

____________

و الزكاة و الكفارات، و كذلك الجهاد و القصاص و الديات ضرر.

(كما لا يخفى على المتتبع خصوصا على تفسير الضرر بادخال المكروه كما تقدّم) فان الضرر قد يفسّر بمعناه العرفي: من التضرر المالي أو الجسمي أو ما أشبه ذلك، و قد يفسر بالمعنى الأعم الشامل لما فيه المكروه أيضا، فيكون الضرر على هذا أوسع دائرة من الضرر بالمعنى العرفي، لأنه يشمل مثل الصوم الواجب و الحج الواجب و أمثالهما مما يدخل بسببها المكروه على الانسان فيكثر بذلك التخصيص في قاعدة لا ضرر.

(بل لو بنى على العمل بعموم هذه القاعدة حصل منه فقه جديد) لأنه يلزم منه تعطيل كثير من الأحكام الضرورية، و تغيير كثير من الفروع البديهية، من الخمس و الزكاة، و الحج، و الجهاد و ما أشبه، و ذلك مما لا يجوز.

أقول: لكن الظاهر: ان هذا الاشكال غير وارد، فان مثل الخمس و الزكاة و الحج و الضمانات لا يسمى ضررا عرفا، لأن الامور الموضوعة لمصلحة الفرد أو لمصلحة الاجتماع من مقوّمات الحياة لا من الاضرار، فالخمس و الزكاة- مثلا- للتكافل الاجتماعي، و الحج لمنافع لهم كما في الآية المباركة من الاجتماع و التعارف، و تحريك الأسواق، و انعاش الاقتصاد، و غير ذلك، و الضمانات لجبر الخسائر، و هكذا.

و من المعلوم: انّ مثل هذا لا يسمى ضررا، و إلّا لصح ان يقال للمشتري الذي يعطي المال في قبال البضاعة أو ما يحتاج إليه: انه متضرر، و من أجل ذلك لا يسمى صرف المال في المسكن و المأكل و المشرب و المنكح و المركب‏

11

و مع ذلك فقد استقرّت سيرة الفريقين على الاستدلال بها في مقابل العمومات المثبتة للأحكام و عدم رفع اليد عنها إلّا بمخصّص قويّ في غاية الاعتبار، بحيث يعلم منه انحصار مدرك الحكم في عموم هذه القاعدة.

____________

و نحوها ضررا.

و عليه: فاعتبار مثل هذه الامور ضررا و تخصيصا في دليل لا ضرر محل منع قطعي، كما ان تعميم الضرر لما فيه المكروه خلاف اللغة و العرف و الشرع.

إذن: فهذا الاشكال و هو: كثرة التخصيصات في لا ضرر الموهن لها، من أساسه محل نظر.

(و) لكن‏ (مع ذلك) الوهن كله على فرض تسليمه كما يراه المصنّف، فان القاعدة معتبرة عند المسلمين كلهم‏ (فقد استقرّت سيرة الفريقين) من العامة و الخاصة (على الاستدلال بها) أي: بقاعدة لا ضرر (في مقابل العمومات المثبتة للأحكام) فيسقطون بها وجوب الوضوء الضرري- مثلا- و لزوم البيع الغبني و غير ذلك من أمثلة تخصيص لا ضرر للعمومات الموجودة من أول الفقه إلى آخره.

كما (و) استقرت سيرتهم أيضا على‏ (عدم رفع اليد عنها) أي: عن قاعدة لا ضرر (إلّا بمخصّص قويّ في غاية الاعتبار) مثل: أدلة وجوب الخمس و الزكاة، و الكفارات و الديات، و غيرها من الأحكام الضرورية الثابتة بالدليل القطعي، لكن هذا التخصيص قد عرفت ما فيه، فانه تخصّص لا تخصيص.

لا يقال: فلعل الفقهاء ذكروا سقوط الوضوء الضرري و ما أشبه لدليل خاص لا لقاعدة لا ضرر، لأن قاعدة لا ضرر ساقطة بسبب كثرة التخصيصات.

لأنّه يقال: انّهم ذكروا سقوط الوضوء الضرري و ما أشبه ذلك مستدلين له بقاعدة لا ضرر (بحيث يعلم منه انحصار مدرك الحكم في عموم هذه القاعدة)

12

و لعلّ هذا كاف في جبر الوهن المذكور، و إن كان في كفايته نظر، بناء على أنّ لزوم تخصيص الأكثر على تقدير العموم قرينة على إرادة معنى لا يلزم منه ذلك،

____________

بل هم يصرحون بذلك في موارد كثيرة من الفقه‏ (و لعلّ هذا) أي: استدلال الفقهاء بقاعدة لا ضرر لتخصيص الأدلة العامة الأولية (كاف في جبر الوهن المذكور): من كثرة التخصيصات على تقدير تسليمه.

هذا، و لكن يمكن القول بعدم كفايته كما قال‏ (و إن كان في كفايته) أي: في كفاية استدلال الفقهاء بهذه القاعدة لتخصيص الأدلة الأولية (نظر، بناء على أنّ لزوم تخصيص الأكثر على تقدير العموم قرينة على إرادة معنى لا يلزم منه ذلك) أي: تخصيص الأكثر.

و عليه: فاذا ورد عام و رأينا كثرة التخصيص المستهجن فيه، و دار أمره بين المعنى الظاهر للعام الذي يسبب كثرة تخصيصه، و بين معنى آخر لا يسبب كثرة التخصيص، فاستهجان الأوّل يوجب حمل العام على خلاف ظاهره من المعنى الثاني الذي لا يسبب كثرة التخصيص فيه.

مثلا: إذا قال المولى: اكرم العلماء، فانه ظاهر في العموم الشامل لكل عالم عالم، فاذا خصص بالنحوي و الأديب، و الشاعر و الفاسق، و ما أشبه ذلك، بحيث كان الخارج أكثر من الباقي كما إذا بقي تحت العام عشرة و خرج منه تسعون، فانه يكون قرينة على ان المراد من هذا العموم ليس معناه الظاهر الشامل لكل أقسام العلماء.

إذن: فالمراد منه معنى آخر لا تخصيص فيه، أو تخصيصه قليل بحيث لا يكون مستهجنا، و ذلك بحمله- مثلا- على إرادة المجتهدين منه فيقال: ان هذه القرينة

13

غاية الأمر تردّد الأمر بين العموم و إرادة ذلك المعنى، و استدلال العلماء لا يصلح معيّنا خصوصا لهذا المعنى المرجوح المنافي لمقام الامتنان و ضرب القاعدة

____________

دلت على ان إرادة المولى من العالم هنا: المجتهد العادل فقط دون غيره من العلماء.

و الكلام فيما نحن فيه أيضا كذلك، فانه إذا رأينا ان قاعدة لا ضرر خصصت بكثير من الموارد من أول الطهارة إلى آخر الديات، كان ذلك قرينة على ان المراد من القاعدة ليس نفي مطلق الضرر الموجب لكثرة التخصيص المستهجن على ما عرفت، بل المراد: نفي اتلاف مال الغير فقط، و هذا المعنى اما لم يخصص بشي‏ء، أو خصص بتخصيص قليل لا يوجب استهجانه.

(غاية الأمر تردّد الأمر بين العموم و إرادة ذلك المعنى) فانه على تقدير عدم الجزم بأن المراد من العام هو المعنى الآخر، فلا أقل من الترديد في ان المولى هل أراد العموم من هذا العام أو أراد ذلك المعنى الآخر منه؟ فيلزم الاجمال في كلام المولى، و الاجمال يسبب الأخذ بالقدر المتيقن و هو: المجتهد العادل في مثل:

اكرم العلماء، و اتلاف مال الغير في مثل لا ضرر.

إذن: فالمعنى العام لا يريده المولى حسب هذه القرينة لا في: اكرم العلماء و لا في قاعدة لا ضرر.

(و) ان قلت: استدلال العلماء بهذه القاعدة لا خراج موارد الضرر من الأدلة العامة يكون معنيا لارادة العموم من لا ضرر.

قلت: (استدلال العلماء لا يصلح معيّنا) لارادة العموم من لا ضرر (خصوصا لهذا المعنى المرجوح المنافي لمقام الامتنان و ضرب القاعدة) فان إرادة العموم‏

14

إلّا أن يقال: مضافا إلى منع أكثرية الخارج و إن سلّمت كثرته، إنّ الموارد الكثيرة الخارجة عن العام إنّما خرجت بعنوان واحد جامع لها و إن لم نعرفه على وجه التفصيل.

و قد تقرّر: أنّ تخصيص الأكثر لا استهجان فيه إذا كان بعنوان واحد

____________

مع تخصيصات كثيرة مرجوح في نظر العلماء، و كذلك مناف لمقام الامتنان أيضا.

و عليه: فان قوله: «لا ضرر في الاسلام» (1) و ما أشبه ذلك من الروايات السابقة إنّما هو في مقام المنّة و ضرب القاعدة، فكيف يمكن أن يخرج منها هذه الكثرة الكثيرة من الموارد؟.

هذا، مع انا نرى ان مقام المنّة و ضرب القاعدة آبيان عن أصل التخصيص، فكيف بهذه الكثرة من التخصيص؟ فيكون ذلك دليلا على ان مراد المولى من لا ضرر: إتلاف مال الغير، فاذا أتلف أحد مال الغير فعليه تداركه بالضمان و نحوه.

(إلّا ان يقال: مضافا إلى منع أكثرية الخارج و ان سلّمت كثرته) أي: سلمنا كثرة الموارد الخارجة من تحت عموم لا ضرر، لكن لا نسلم كونها أكثر من الموارد الباقية تحت عمومه من أول الفقه إلى آخر الفقه، فانه إضافة إلى ذلك نقول:

(إنّ الموارد الكثيرة الخارجة عن العام إنّما خرجت بعنوان واحد جامع لها) أي: لتلك الموارد الكثيرة (و ان لم نعرفه) أي: لم نعرف ذلك الجامع‏ (على وجه التفصيل) فلا يكون الخارج حينئذ كثيرا، و إنّما يكون الخارج عنوانا واحدا، و العنوان الواحد لا مانع في خروجه من تحت العام.

هذا (و قد تقرّر: أنّ تخصيص الأكثر لا استهجان فيه إذا كان بعنوان واحد

____________

(1)- معاني الاخبار: ص 281، مصباح الكفعمي: ص 346، نهج الحق: ص 489، وسائل الشيعة:

ج 26 ص 14 ب 1 ح 32382.

15

جامع لأفراد هي أكثر من الباقي، كما إذا قيل: «أكرم الناس»، و دلّ دليل على اعتبار العدالة، خصوصا إذا كان المخصّص ممّا يعلم به المخاطب حال الخطاب.

و من هنا ظهر وجه صحّة التمسّك بكثير من العمومات مع خروج أكثر أفرادها، كما في قوله (عليه السلام):

____________

جامع لأفراد هي أكثر من الباقي، كما إذا قيل: «أكرم الناس»، و دلّ دليل على اعتبار العدالة) فيه، فان غير العادل و ان كان كثيرا إلّا انه لا يكون مستهجنا لمّا كان بعنوان واحد، بخلاف ما إذا كان التخصيص بعناوين متعددة كما إذا قلنا: اكرم العلماء، ثم قلنا: لا تكرم النحويين، و لا تكرم الصرفيين، و لا تكرم الادباء، و لا تكرم الشعراء، و ما أشبه ذلك، و لعل التخصيصات الواردة في قاعدة لا ضرر من القسم الأوّل غير المستهجن.

فان قلت: فما هو ذلك العنوان الواحد الخارج عن قاعدة لا ضرر، المطّرد من أول الفقه إلى آخره؟.

قلت: معرفتنا أو عدم معرفتنا بذلك العنوان ليس بمهم بعد علمنا ان الشارع حكيم و لا يصدر منه التخصيص المستهجن‏ (خصوصا إذا كان المخصّص) الذي خرج بعنوان واحد عن قاعدة لا ضرر (ممّا يعلم به المخاطب حال الخطاب) و ان كان ذلك العنوان مجهولا عندنا نحن معاشر الغائبين.

(و من هنا) أي: مما ذكرنا من ان كثرة الخارج لا يضر إذا كان بعنوان واحد، لأنه غير مستهجن و ان كان الخارج بالنتيجة أكثر من الباقي‏ (ظهر وجه صحّة التمسّك بكثير من العمومات مع خروج أكثر أفرادها. كما في قوله (عليه السلام):

16

«المؤمنون عند شروطهم» و قوله تعالى:

أَوْفُوا بِالْعُقُودِ

بناء على إرادة العهود، كما في الصحيح.

ثم‏

____________

«المؤمنون عند شروطهم» (1) و قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (2) بناء على إرادة العهود، كما) ورد (في الصحيح) فقد خرج من عموم: «المؤمنون عند شروطهم» شرط ارتكاب الحرام، و شرط ترك الواجب، و الشرط المنافي لمقتضى العقد، و الشرط المجهول، و الشرط الغرري، و غير ذلك.

كما خرج من: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ عقد الصغير، و السفيه، و السكران، و المفلّس، و الغرري، و المجهول، و عقد من ليس له حق العقد كالعبد، إلى غيرها.

و أمّا بالنسبة إلى العهود، فانّ أكثر العهود المتعارفة بين الناس لا يجب الوفاء به، لكنّا ذكرنا في الفقه: ان الظاهر من العقد هو غير العهد، و التعبير عنه بالعهد تعبير تسامحي، فانه ليس أحدهما مرادفا للآخر، كما يدل على ذلك العرف و اللغة، بل و الشرع أيضا.

(ثم) ان الظاهر من لا ضرر: نفي الضرر الشخصي، إلّا إذا دل دليل على نفي الضرر النوعي، كما في الشفعة و الغبن، فانه يقال فيهما بالنوعية لما دلّ من الدليل على إطلاق حق الشفيع و المغبون في الفسخ.

و عليه: فلا دليل على إرادة نفي الضرر النوعي من لا ضرر، و إنّما أفاد النوعية في الشفعة و الغبن دليل الشفعة و هو الرواية، و دليل الغبن و هو بناء العقلاء

____________

(1)- تهذيب الاحكام: ج 7 ص 371 ب 21 ح 66، الاستبصار: ج 3 ص 232 ب 142 ح 4، نهج الحق:

ص 480، وسائل الشيعة: ج 21 ص 276 ب 20 ح 27081، عيون أخبار الرضا: ج 2 ص 159.

(2)- سورة المائدة: الآية 1.

17

إنّه يشكل الأمر من حيث أنّ ظاهرهم من الضرر المنفي: الضرر النوعي لا الشخصي، فحكموا بشرعية الخيار للمغبون، نظرا إلى ملاحظة نوع البيع المغبون فيه و إن فرض عدم تضرّره في خصوص مقام، كما إذا لم يوجد راغب في المبيع و كان بقاؤه ضررا على البائع، لكونه في معرض الإباق أو التلف‏

____________

الذي سكت عليه الشارع، و لذا نقول بالخيار في الغبن بالنسبة إلى البيع و غير البيع من سائر المعاملات أيضا كالاجارة و المضاربة و الرهن و غيرها.

و بذلك ظهر: عدم ورود هذا الاشكال من المصنّف حيث أشار إليه بقوله: (إنّه يشكل الأمر من حيث أنّ ظاهرهم من الضرر المنفي: الضرر النوعي لا الشخصي) بل الظاهر على ما عرفت: ان مرادهم من الضرر المنفي:

الضرر الشخصي لا النوعي، إلّا في موارد خرج من الشخصية إلى النوعية بدليل خارجي.

و على أي حال: فالمصنف يرى الظاهر من الفقهاء النوعية و لذلك قال:

(فحكموا بشرعية الخيار للمغبون، نظرا إلى ملاحظة نوع البيع المغبون فيه و ان فرض عدم تضرّره في خصوص مقام) بأن لم يكن عليه شخصا ضرر في الغبن و مع ذلك له الخيار (كما إذا لم يوجد راغب في المبيع و كان بقائه ضررا على البائع لكونه في معرض الاباق)- مثلا- بالنسبة إلى العبد (أو التلف) بالنسبة إلى ما يتلف ليومه غاصب.

إذن: فالفقهاء لما حكموا بخيار البائع المغبون مطلقا، سواء كان متضررا أم لم يكن متضررا، و كان حكمهم بالخيار مستندا إلى قاعدة لا ضرر، دلّ ذلك على ان المراد من نفي الضرر هو: الضرر النوعي لا الشخصي.

18

و كما إذا لم يترتّب على ترك الشّفعة ضرر على الشفيع، بل كان له فيه نفع.

و بالجملة: فالضرر عندهم في بعض الأحكام حكمة لا يعتبر اطّرادها، و في بعض المقامات يعتبرون اطّرادها، مع أنّ ظاهر الرواية اعتبار الضرر الشخصي، إلّا أن يستظهر منها انتفاء الحكم رأسا إذا كان موجبا للضرر غالبا و إن لم يوجبه دائما،

____________

(و) كذا في حق الشفعة (كما إذا لم يترتّب على ترك الشفعة ضرر على الشفيع، بل كان له فيه نفع) فان الفقهاء لما رأوا ان ترك الشفعة يوجب الضرر على الشريك نوعا، حكموا بحق الشفعة للشريك مطلقا أيضا.

هذا، و لكن من الواضح: انه لا نتمكن ان نأخذ بنوعية الضرر في كل أقسامه من أول الفقه إلى آخره، فاذا كان الوضوء أو الغسل أو الصوم أو الحج- مثلا- يضرّ غالب الناس لبرد أو مرض أو خطر طريق أو ما أشبه ذلك، و لم يكن لزيد تلك المحذورات، فانهم قالوا بوجوب هذه العبادات على زيد الذي لا يتضرر بها، فكيف يمكن الجمع بين ان المراد بالقاعدة: النوعية، و بين فتواهم في هذه الموارد بالشخصية؟.

(و بالجملة: فالضرر عندهم في بعض الأحكام حكمة لا يعتبر اطّرادها) كما في باب الشفعة و الغبن و نحوهما (و في بعض المقامات يعتبرون اطّرادها) كما مثلنا له بالوضوء و الغسل و غيرهما (مع انّ ظاهر الرواية اعتبار الضرر الشخصي) لأنه لا معنى لرفع الضرر بالنسبة إلى من لا يتضرر فيما إذا كان الغالب يتضررون.

(إلّا ان يستظهر منها) أي من قاعدة لا ضرر بملاحظة بعض القرائن‏ (انتفاء الحكم رأسا إذا كان موجبا للضرر غالبا و ان لم يوجبه دائما) حتى يكون المراد من لا ضرر: نفي الضرر النوعي و ان لم يتضرر به بعض الافراد.

19

كما قد يدّعى نظير ذلك في أدلّة نفي الحرج.

و لو قلنا بأنّ التسلط على ملك الغير باخراجه عن ملكه قهرا عليه بخيار أو شفعة ضرر أيضا، صار الأمر أشكل،

____________

و أمّا القرائن التي يمكن هذا الاستظهار منها حسب رأي المصنّف فهو مثل:

حق الشفعة الذي قرره الإمام (عليه السلام)، من دون تفصيل بين تضرر هذا الفرد و عدم تضرره.

أقول: لكنك قد عرفت: ان الظاهر من لا ضرر هو الشخصي، و في مورد النوعي يحتاج إلى دليل خارجي، و الشفعة و الغبن دل الدليل الخارجي على النوعية فيهما، فدليل الشفعة الروايات، و دليل الغبن بناء العقلاء الذي سكت الشارح عليه.

هذا (كما قد يدّعى نظير ذلك) أي: نظير ما ادعي من نفي الضرر النوعي‏ (في أدلّة نفي الحرج) أيضا، لكن الظاهر: ان دليل الحرج و الضرر و العسر و غيرها كلها امور شخصية، و إنّما يحتاج الحكم فيها بالنوعية إلى دليل خارجي.

و لا يخفى انه قد تقدّم منّا الفرق بين الضرر و أخويه‏ (1): فانّ الضرر يتحقّق في المال و الجسم، بينما الحرج في النفس، و العسر في الجسد ما لم يكن ضرر، كما إذا كان الانسان يتأذى من الشمس بدون تضرر و إنّما يقع منها في شدة.

و حيث أشكل المصنّف على إثبات نفي الضرر النوعي بقاعدة لا ضرر، أشكل على إثبات أصل القاعدة فيما لو تعارض الضرران بقوله: (و لو قلنا بأنّ التسلط على ملك الغير باخراجه عن ملكه قهرا عليه بخيار أو شفعة ضرر أيضا، صار الأمر أشكل) لأن نفس القاعدة تنفي سلطته على ملك الغير، فكيف لها باثبات‏

____________

(1)- أي الحرج و العسر.

20

إلّا أن يقال: إنّ الضرر أوجب وقوع العقد على وجه متزلزل يدخل فيه الخيار، فتأمل.

____________

سلطته عليه؟.

إذن: فالاستدلال بقاعدة لا ضرر على نفي الضرر النوعي مشكل، و لكن الأشكل منه هو: الاستدلال بهذه القاعدة على نفي الضرر فيما لو تعارض ضرران، كما في الشفعة- مثلا- فان لزوم البيع ضرر على الشريك، و تزلزل البيع ضرر على المشتري، فيتعارضان.

(إلّا ان يقال: انّ الضرر أوجب وقوع العقد على وجه متزلزل يدخل فيه الخيار) فان اخراج الشفيع الملك من المشتري إنّما يعدّ ضررا على المشتري فيما إذا استقر ملك المشتري، بينما تضرر الشفيع هنا أوجب التزلزل من الأوّل، فهو كسائر العقود الجائزة، فلا يكون تعارض بين ضررين، و إنّما الضرر يكون بالنسبة إلى الشفيع فقط لو لم يكن له حق الفسخ.

(فتأمل) فان المشتري إنّما لا يصدق عليه التضرر إذا كان العقد بنفسه غير مقتض للزوم، كما في العقود الجائزة مثل: الهبة و نحوها، و امّا مع اقتضاء العقد اللزوم بنفسه كما في البيع، و إنّما حدث التزلزل فيه من جهة تضرر الشفيع فانه يصدق على المشتري التضرر حينئذ، فيتعارض مع تضرر الشريك.

و كيف كان: فقد تقدّم: ان نفي الحرج كنفي الضرر يراد به الشخصي، فانه و ان ذهب جملة من الأصحاب إلى ان المنفي بعمومات نفي الحرج هو الحرج النوعي، بمعنى: انه إذا كان فعل من الأفعال حرجا في حق الغالب فوجوبه مرتفع حتى في حق من لا حرج عليه كما انه إذا لم يكن حرج في حق الغالب لا يرتفع وجوبه حتى في حق من كان الفعل حرجا بالنسبة اليه، إلّا ان الظاهر على ما عرفت:

21

ثم إنّه قد يتعارض الضرران بالنسبة إلى شخص واحد أو شخصين،

____________

كون الحرج شخصيا.

و عليه: فاذا لم يكن على النوع حرج و كان على زيد حرج، فالحكم مرفوع بالنسبة إلى زيد فقط، كما انه لو انعكس بأن كان الحكم حرجا على الغالب و لم يكن حرجا على زيد فالحكم ثابت بالنسبة إلى زيد فقط.

(ثم إنّه قد يتعارض الضرران) و تعارضهما يتصور على وجوه ثلاثة:

الأوّل: ان يتعارضا (بالنسبة إلى شخص واحد) و ذلك كما إذا دار أمره بين ان يلقي نفسه من أعلى الدار فتنكسر رجله- مثلا- لكنه يبقى حيا، و بين ان يبقى في مكانه فيحترق و يموت فيكون المقام من باب التزاحم، فاذا كان أحدهما أقل ضررا من الآخر اختاره، و إذا تساويا كان الخيار له، امّا إذا كانت الأهمية محتملة غير مقطوعة، فالأمر يدور بين مسألة التعيين و التخيير، و قد اخترنا فيه التخيير خلافا لجماعة حيث اختاروا التعيين.

الثاني: (أو) يتعارض الضرران بالنسبة إلى‏ (شخصين) و أراد ثالث ان يحكم بينهما، و ذلك كما إذا دخلت دابة شخص دار شخص آخر و لم يمكن اخراجها إلّا بهدم الحائط، فاللازم ان يرجح الحاكم أحد الأمرين: من هدم الحائط أو ذبح الدابة إذا كان أحدهما أرجح، و ان لم يكن أحدهما أرجح تخيّر، و لذلك ذهب المشهور إلى ترجيح الهدم مع الغرامة من حيث كونه أقلّ ضررا.

و هكذا حال دابة شخص أدخلت رأسها في قدر شخص آخر و لم يمكن اخراجه منه، فانه يحكم بكسر القدر إذا كان أقل ضررا، إلّا إذا كان القدر نفيسا جدا و كانت الدابة أقل قيمة، فان الحاكم يرجح ذبح الدابة على كسر القدر.

و منه يعلم: حال ما إذا أشرفت السفينة بأهلها على الغرق و لزم القاء طن‏

22

من أثاث المسافرين في البحر، فدار الأمر بين طن من حديد و بين طن من ذهب، فانه يلزم على الربّان هنا القاء طن الحديد، و إمّا إذا دار الأمر بين طن زيد و طن عمرو و كلاهما حديد فهو مخيّر بين القاء هذا أو ذاك فيما إذا لم يمكن التقسيم بنصف طن لكل واحد منهما، و إلّا لزم التقسيم لقاعدة العدل.

الثالث: أو يتعارض الضرران بين شخصين بالنسبة إليهما من دون ثالث يحكم بينهما، و ذلك كما إذا دار الأمر بين تضرره أو تضرر غيره، فالظاهر: وجوب تقديم تضرر النفس على الغير إذا تساويا أو كان تضرر الغير أهم، كما إذا أوجب سقي حديقته الاضرار بجدار الغير، فلا يسقي حديقته حفظا لحق الغير و يدل عليه تقديم النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ضرر الأنصاري على ضرر سمرة، و إطلاق «حرمة ماله كحرمة دمه» (1) و لأن ضرر الغير أذية له و اهانة غالبا، و ليس كذلك ضرر نفسه.

و أمّا إذا كان تضرر نفسه أهم، كما إذا كانت قيمة الحديقة ألف دينار و قيمة جدار الغير مائة بحيث لو لم يسق الحديقة ماتت اشجاره، فانه يسقي الحديقة و يتحمل ضرر الغير، اما انه يسقي الحديقة فلقاعدة الأهم و المهم، و اما انه يتحمل ضرر الغير فمن باب الجمع بين الدليلين: دليل جواز الاضرار، و دليل الضمان.

هذا، و قد ذكرنا المسألة في الفقه مفصلا فلا حاجة إلى تكرارها خصوصا و هي خارجة عن مقصود الشرح.

و على كلّ حال: فان الحكم في الضررين المتعارضين بوجوهها الثلاثة

____________

(1)- الكافي (اصول): ج 2 ص 359 ح 2، من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 569 ب 2 ح 4946 و ج 4 ص 377 ب 2 ح 5781، مجموعة و رام: ج 2 ص 65 و ص 209، أعلام الدين: ص 201، الاختصاص:

ص 342، تحف العقول: ص 212، تفسير القمّي: ج 1 ص 291، كنز الفوائد: ج 1 ص 216.

23

فمع فقد المرجّح يرجع إلى الاصول و القواعد الأخر،

____________

هو كالحكم في كل متعارضين حيث يرجع فيهما إلى المرجح‏ (فمع فقد المرجّح) بينهما (يرجع إلى الاصول و القواعد الأخر) كأصل التخيير و قاعدة السلطنة، و الضمان، و ما أشبه.

و إنّما قلنا: بأن الحكم في الضررين المتعارضين ذلك، لأن قاعدة لا ضرر إنّما هي منّة على العباد و نسبة العباد إليه تعالى كنسبة عبد واحد، و لا منّة على تحمل الضرر لدفع الضرر عن الآخر، فاللازم ملاحظة الأهم و المهم ان كان هناك أهم و إلّا تساويا فكان التخيير، و لكن مع تقديم الأهم يلزم على الذي ضرّ غيره ان يتحمل خسارته، كما في مثال الحديقة و الجدار إذا كان تضرّر الحديقة أهم من تضرر الجدار.

لا يقال: اضرار الغير حرام، اما اضرار النفس فليس بحرام.

لأنّه يقال أوّلا: ان اضرار النفس قد يكون حراما أيضا، كما إذا أجبره الجائر على ان يقطع يده أو يد صديقه، أو أجبره على ان يحرق متاعه أو متاع صديقه، فان القطع و الاحراق كلاهما محرّم سواء بالنسبة إلى النفس أو إلى الغير.

و يقال ثانيا: ان الشارع قد نفى الضرر عن الجميع فلا ضرر عليه و لا على الغير، و لذلك ينظر عند التعارض فان كان أحدهما أهم قدّم على الآخر، كما ذكرناه في مثال الحاكم الذي يقدّم الأهم على المهم في ضرر شخصين تحاكما اليه، و ان كانا متساويين فالتخيير.

هذا ما نراه، و أمّا المصنّف فيرى غير ذلك حيث قال:

24

كما أنّه إذا اكره على الولاية من قبل الجائر، المستلزمة للاضرار على الناس؛ فانّه يرجع إلى قاعدة نفي الحرج، لأنّ إلزام الشخص بتحمّل الضرر لدفع الضرر عن غيره حرج، و قد ذكرنا توضيح ذلك في مسألة التولّي من قبل الجائز من كتاب المكاسب.

____________

(كما انّه إذا أكره على الولاية من قبل الجائر، المستلزمة للاضرار على الناس) حيث يدور أمره بين قبول الولاية و الاضرار بالناس، و بين عدم قبول الولاية و الاضرار بنفسه من قبل الجائر.

و إذا كان كذلك‏ (فانّه يرجع إلى قاعدة نفي الحرج) حيث ان المصنّف يرى حكومة قاعدة «لا حرج» على قاعدة «لا ضرر»، معللا ذلك بقوله: (لأنّ إلزام الشخص بتحمّل الضرر لدفع الضرر عن غيره حرج) و الحرج منفي‏ (و قد ذكرنا توضيح ذلك في مسألة التوليّ من قبل الجائز من كتاب المكاسب).

هذا، لكن الظاهر: ان الحرج و الضرر في رتبة واحدة، فاذا ذكرا معا اريد بالحرج النفسي، و بالضرر الجسدي أو المالي، و ان كان كل واحد منهما يشمل الآخر إذا ذكر وحده، كالفقير و المسكين، فلا حكومة حينئذ لاحدى القاعدتين على الاخرى.

أمّا الولاية من قبل الجائر، فاللازم ان يقال فيها: بمسألة الأهم و المهم، إذ من أين يكون الحرج حاكما على الضرر و لا يكون الضرر حاكما على الحرج؟ فكما لا يقال: بأن الضرر حاكم على الحرج، كذلك لا يقال: بأن الحرج حاكم على الضرر.

و كذا حال قاعدة العسر مع القاعدتين: الحرج و الضرر، فانّ المعيار في الجميع ترجيح الأهم على المهم، و التخيير عند التساوي كما ذكرنا ذلك من غير فرق‏

25

و مثله: إذا كان تصرّف المالك في ملكه موجبا لتضرّر جاره، و تركه موجبا لتضرّر نفسه، فانّه يرجع إلى عموم: «الناس مسلّطون على أموالهم»، و لو عدّ مطلق حجره عن التصرّف في ملكه ضررا، لم يعتبر في ترجيح المالك ضرر زائد على ترك التصرّف،

____________

بين ان يكون الفردان تحت قاعدة واحدة بأن يكون في كلا الطرفين ضرر أو حرج أو عسر، أو يكون الفردان تحت قاعدتين، بأن يكون في طرف حرج و في طرف ضرر أو عسر- مثلا-.

و كيف كان حكم الاكراه على الولاية فقد قال المصنّف‏ (و مثله) أي: مثل الاكراه على الولاية (إذا كان تصرّف المالك في ملكه موجبا لتضرّر جاره، و تركه موجبا لتضرّر نفسه) كما في مثال: سقي الحديقة و انهدام جدار الجار (فانّه يرجع إلى عموم: «الناس مسلّطون على أموالهم» (1)) بعد تعارض الضررين و تساقطهما.

هذا إذا كان منع تصرّف المالك في ملكه يوجد تضرره بضرر آخر غير ضرر المنع من التصرف، كما لو كان محتاجا إلى ثمار أشجار حديقته، و اما إذا كان تضرره لمجرد منعه من التصرف فكما قال:

(و لو عدّ مطلق حجره عن التصرّف في ملكه ضررا) أي: من دون ان يلحقه ضرر آخر غير ضرر المنع من سلطته‏ (لم يعتبر في ترجيح المالك ضرر زائد على ترك التصرّف) فضرر منع المالك من التصرف في ملكه، كاف لأن يتعارض مع ضرر الجار و يتساقطان، و بعد التساقط، للمالك ان يرجع إلى أحد أمرين: عموم السلطنة، أو قاعدة نفي الحرج.

____________

(1)- نهج الحق: ص 494 و ص 495 و ص 504، غوالي اللئالي: ج 1 ص 222 و ج 2 ص 138 و ج 3 ص 208 ح 54، بحار الانوار: ج 2 ص 272 ح 7.

26

فيرجع إلى عموم التسلّط.

و يمكن الرجوع إلى قاعدة نفي الحرج، لأن منع المالك لدفع ضرر الغير حرج و ضيق عليه.

____________

أشار المصنّف إلى الأوّل بقوله: (فيرجع إلى عموم التسلّط) لتقديم نفسه على جاره، و هذا بخلاف البعض الآخر من الفقهاء، كما في بعض حواشي كتاب إحياء الموات من شرح اللمعة، حيث قدّم قاعدة «لا ضرر» على قاعدة «التسلط» بدليل: ان «التسلط» قاعدة أولية و «لا ضرر» قاعدة ثانوية، و القواعد الثانوية تقدّم على القواعد الأولية مطلقا، كتقديم قاعدة لا ضرر على الوضوء و الغسل و غيرهما.

و أشار إلى الثاني بقوله: (و يمكن الرجوع إلى قاعدة نفي الحرج) عن المالك و ذلك بعد تعارض ضرر المالك و ضرر الجار و تساقطهما (لأن منع المالك) عن التصرف في ملكه‏ (لدفع ضرر الغير حرج و ضيق عليه) فيكون جائز التصرف مطلقا.

و الحاصل من كل ذلك هو: ان تعارض ضرر المالك مع ضرر الجار يتصور على صورتين:

الاولى: أن يكون ترك التصرف موجبا لتضرر المالك فعلا، لاحتياجه إلى سقي حديقته، بحيث إذا لم يسقها ماتت أشجاره، فيسقي الحديقة لقاعدة السلطنة، أو قاعدة نفي الحرج بالنسبة إلى المالك، و يضمن ضرر الجار لقاعدة الضمان.

الثانية: ان يكون مجرد ترك التصرف من المالك ضررا، و ان لم يلزم منه ضرر فعلي عليه، كما إذا أراد غرس الأشجار في ساحة بيته للنظارة و الجمال، فان الأمر

27

إمّا لحكومته ابتداء على نفي الضرر، و إمّا لتعارضهما و الرجوع إلى الأصل.

و لعلّ هذا أو بعضه منشأ إطلاق جماعة و تصريح آخرين بجواز تصرف المالك في ملكه و إن تضرر الجار: بأن يبني داره مدبغة أو حماما أو بيت القصارة

____________

يدور بين إضرار الغير بغرس الأشجار، و بين إضرار النفس بحرمانها من النظارة و الجمال، فيغرس الأشجار لقاعدة السلطنة، أو قاعدة نفي الحرج بالنسبة إلى المالك، و يضمن ضرر الجار لقاعدة الضمان.

ثمّ إنّ المصنّف علّل الرجوع إلى قاعدة «نفي الحرج» بقوله: (إمّا لحكومته) أي: حكومة لا حرج‏ (ابتداء على نفي الضرر، و امّا لتعارضهما) أي: تعارض الضررين: ضرر الجار مع ضرر النفس‏ (و الرجوع إلى الأصل) بعد تساقطهما، فان قاعدة لا حرج يحتمل ان تكون حاكمة على قاعدة لا ضرر، فيرجع إلى قاعدة لا حرج ابتداء من دون حاجة إلى سقوط لا ضرر بالتعارض، و يحتمل أن تكون قاعدة لا حرج في رتبة لا ضرر أو متأخرة عنها، فيرجع اليها بعد اعتبار سقوط لا ضرر بالتعارض بين المالك و الجار.

(و لعلّ هذا) الذي ذكرناه كله: من الرجوع إلى قاعدة السلطنة، و حكومة لا حرج و ما أشبه‏ (أو بعضه) أي: بعض هذا الذي ذكرناه هو (منشأ إطلاق جماعة و تصريح آخرين بجواز تصرف المالك في ملكه و ان تضرر الجار) بسبب هذا التصرف.

أمّا مثال ذلك فهو كما قال: (بأن يبني داره مدبغة) يدبغ فيها الجلود فيوجب أذى الجار بسبب الرائحة المنتنة (أو حماما) يستحم فيه الناس، فيوجب دخان محرقته أذى الجار (أو بيت القصارة) لغسل الثياب، فيوجب سريان رطوبتها

28

أو الحدادة، بل حكي عن الشيخ الحلبي و ابن زهرة دعوى الوفاق عليه.

و لعلّه أيضا منشأ ما في التذكرة: «من الفرق بين تصرف الانسان في الشارع المباح باخراج روشن أو جناح و بين تصرفه في ملكه» حيث اعتبر في الأوّل عدم تضرر الجار، بخلاف الثاني، فانّ المنع عن التصرف في المباح لا يعدّ ضررا، بل فوات انتفاع.

____________

إلى بيت الجار (أو الحدادة) حيث تزعج الجيران إزعاجا كثيرا.

(بل حكي عن الشيخ الحلبي و ابن زهرة دعوى الوفاق عليه) أي: على جواز تصرف المالك في ملكه و ان تضرر الجار.

(و لعلّه) أي: لعل ما ذكرناه هو (أيضا منشأ ما في التذكرة: «من الفرق بين تصرف الانسان في الشارع المباح باخراج روشن أو جناح) علما بأن الروشن ما لا يحتاج إلى العمود في الشارع، و الجناح ما يحتاج إليه.

(و بين تصرفه في ملكه» (1)) بسقي حديقته، أو غرس أشجاره، أو نحو ذلك مما يؤذي الجار (حيث اعتبر في الأوّل عدم تضرر الجار، بخلاف الثاني) فلم يعتبر فيه عدم تضرر الجار لأنه تصرف من المالك في ملكه.

و إنّما اعتبر في الأوّل عدم تضرر الجار لأنه كما قال: (فانّ المنع عن التصرف في المباح لا يعد ضررا) بالنسبة إلى الذي يريد اخراج الجناح أو الروشن في الشارع‏ (بل فوات انتفاع) بالنسبة إليه، و لذلك يشترط تصرفه هذا بعدم تضرر الجار، بينما لم يعتبر في الثاني عدم تضرر الجار، لأن منع المالك عن التصرف في ملكه يعدّ بنفسه ضررا، فيتعارض مع ضرر الجار و يتساقطان و يرجع بعدها إلى قاعدة السلطنة أو قاعدة لا حرج.

____________

(1)- تذكرة الفقهاء: ج 2 ص 182.

29

نعم، ناقش في ذلك صاحب الكفاية مع الاعتراف بأنّه المعروف بين الأصحاب بمعارضة عموم التسلط لعموم نفي الضرر، قال في الكفاية.

«و يشكل جواز ذلك فيما إذا تضرر الجار تضرّرا فاحشا، كما إذا حفر في ملكه بالوعة ففسد بها بئر الغير، أو جعل حانوته في صفّ العطّارين حانوت حداد، أو جعل داره مدبغة أو مطبخة»، انتهى.

____________

(نعم، ناقش في ذلك صاحب الكفاية مع الاعتراف) أي: اعتراف صاحب الكفاية و هو المحدث السبزواري‏ (بأنّه المعروف بين الأصحاب) فانه بعد اعترافه بذلك ناقش فيه‏ (بمعارضة عموم التسلط لعموم نفي الضرر) و تساقطهما، فكيف يقدّم التسلط على قاعدة لا ضرر؟.

(قال في الكفاية) و هو يبيّن المناقشة في الفتوى المعروفة بين الأصحاب:

( «و يشكل جواز ذلك فيما إذا تضرر الجار تضرّرا فاحشا، كما إذا حفر في ملكه بالوعة ففسد بها بئر الغير) لوصول الماء القذر إليها و اسقاطها عن الانتفاع بها.

(أو جعل حانوته) و محله الذي هو (في صفّ العطّارين حانوت حداد) حيث يزعجهم بمطرقته و حرارته.

(أو جعل داره مدبغة أو مطبخة» (1)) حيث ان المدبغ و كذلك المطبخ يسببان أذى الجيران بالروائح، و بالدخان و ما أشبه ذلك‏ (انتهى).

و الظاهر في هذه الموارد هو ما ذكرناه: من تقديم الأهم إذا كان هناك أهم، و إلّا تخيّر بين اضرار الجار و ضمان ضرره، و بين الاضرار بنفسه و ترك التصرف في ملكه، فحالهما حال غريمين رجعا إلى الحاكم، و ذلك لما عرفت: من ان العبيد بالنسبة إلى اللّه سبحانه و تعالى كعبد واحد، و انّ لا ضرر هو حكم الجميع.

____________

(1)- كفاية الأحكام: ص 241.

30

و اعترض عليه تبعا للرياض بما حاصله: «إنّه لا معنى للتأمّل بعد إطباق الأصحاب عليه نقلا و تحصيلا، و الخبر المعمول عليه، بل المتواتر:

من: «أنّ الناس مسلطون على أموالهم» و أخبار الاضرار على ضعف بعضها و عدم تكافؤها لتلك الأدلة

____________

و من ذلك ظهر: انه لا يبعد ان يكون للحاكم الشرعي حق المنع عن الامور المزعجة: كالمصانع و المعامل في المدن السكنية.

و أن يكون له حق المنع عن تربية الدواجن و المواشي ممّا لها أصوات مزعجة و روائح كريهة تؤذي الجيران اللذين ليست لهم هذه الامور في البلد، و نقل كل ذلك إلى خارج البلد أو إلى القرى و الأرياف، فان مثل هذه الاضرار في القرى و كذلك الأرياف متبادلة بعكس البلد، و قد ذكرنا ذلك مسهبا في كتاب إحياء الموات‏ (1) (و اعترض عليه) أي: على المحدث السبزواري- الذي ناقش في تقديم قاعدة السلطنة عند تعارض ضرر المالك مع ضرر الجار- بعض الفقهاء فقال في اعتراضه عليه‏ (تبعا للرياض بما حاصله: «إنّه لا معنى للتأمّل بعد إطباق الأصحاب عليه نقلا و تحصيلا، و) بعد (الخبر المعمول عليه بل المتواتر: من «أنّ الناس مسلطون على أموالهم» (2)).

إن قلت: فما ذا تصنعون بمثل أخبار: «لا ضرر و لا ضرار» (3)؟.

قلت: (و أخبار الاضرار على ضعف بعضها و عدم تكافؤها لتلك الأدلة)

____________

(1)- راجع موسوعة الفقه للشارح: ج 80 و كما ألمع الى ذلك في كتابه الفقه البيئة.

(2)- نهج الحق: ص 494 و ص 495 و ص 504، غوالي اللئالي: ج 1 ص 222 و ج 2 ص 138 و ج 3 ص 208 ح 54، بحار الانوار: ج 2 ص 272 ح 7.

(3)- الكافي (فروع): ج 5 ص 294 ح 8 و ج 5 ص 280 ح 4، تهذيب الاحكام: ج 7 ص 146 ب 22 ح 4، معاني الاخبار: ص 281، غوالي اللئالي: ج 1 ص 309 ح 18، نهج الحق: ص 489 و ص 495.

31

محمولة على ما إذا لم يكن غرض إلّا الاضرار، بل فيها كخبر سمرة إيماء إلى ذلك.

سلّمنا، لكنّ التعارض بين الخبرين بالعموم من وجه، و الترجيح للمشهور للأصل‏

____________

المصرّحة بأن «الناس مسلطون على أموالهم» (محمولة على ما إذا لم يكن غرض إلّا الاضرار، بل فيها كخبر سمرة إيماء إلى ذلك) حيث ان النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال له: «انك رجل مضار» (1) فيظهر منه: ان الممنوع هو قصد الاضرار بالغير، امّا إذا قصد إدارة اموره حتى لا يتضرر، فلا بأس باضرار الغير إذا عمل بسلطنة نفسه في ملكه.

(سلّمنا) عدم تقدّم قاعدة «السلطنة» على قاعدة «لا ضرر» (لكنّ التعارض بين الخبرين) أي: بين خبر السلطنة و خبر لا ضرر (بالعموم من وجه).

و إنّما يكون التعارض بينهما من وجه لأنه قد يكون سلطنة بلا ضرر، كما إذا تصرف في داره بلا تضرر الجار، و قد يكون تضرر بلا سلطنة، كما إذا هدم دار الجار، إذ لا سلطنة للانسان في التصرف في دار الغير، و قد يجتمعان كما إذا سقى حديقته فتضرر به دار الجار (و الترجيح) في مادة الاجتماع‏ (للمشهور) حيث يقدّمون حق المالك على حق الجار.

و إنّما يقدّم المشهور حق المالك‏ (للأصل) فانه إذا شك في جواز تصرف المالك في ملكه بما يتضرر به جاره و عدم جوازه فالأصل الجواز، لأنه «كل شي‏ء مطلق حتى يرد فيه نهي» (2) و غيره من أدلة أصل البراءة و أصل الاباحة.

____________

(1)- الكافي (فروع) ج 5 ص 294 ح 8.

(2)- من لا يحضره الفقيه: ج 1 ص 317 ح 937، غوالي اللئالي: ج 3 ص 462 ح 1، وسائل الشيعة:

ج 6 ص 289 ب 19 ح 7997 و ج 27 ص 174 ب 12 ح 33530.

32

و الاجماع»، انتهى.

ثم فصّل المعترض بين أقسام التصرف: بأنّه إن قصد به الاضرار من دون أن يترتّب عليه جلب نفع أو دفع ضرر، فلا ريب في أنّه يمنع، كما دلّ عليه خبر سمرة بن جندب، حيث قال له النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «إنّك رجل مضار».

و أمّا إذا ترتّب عليه نفع أو دفع ضرر، و على جاره ضرر يسير، فانّه جائز قطعا.

____________

(و) كذا لأجل‏ (الاجماع») حيث قد عرفت: ان المشهور يقدّمون حق المالك على الجار (انتهى) كلام هذا البعض المعترض على صاحب الكفاية.

(ثم فصّل المعترض بين أقسام التصرف: بأنّه ان قصد به الاضرار من دون ان يترتّب عليه جلب نفع) لنفسه‏ (أو دفع ضرر) عن نفسه‏ (فلا ريب في انّه يمنع، كما دلّ عليه خبر سمرة بن جندب، حيث قال له النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «إنّك رجل مضارّ» (1))

و احتمال كون الأمر بقلع الشجرة في خبر سمرة من باب اعمال الولاية الالهية، لا من باب قاعدة لا ضرر، لأن الضرر لم يكن من الشجرة، و إنّما من الدخول إلى الشجرة بلا إذن، غير تام.

و إنّما كان هذا الاحتمال غير تام، لأن الظاهر من الخبر: ان الشجرة هي بنفسها كانت مادة الفساد و منشأ الضرر، و لذا كان اللازم قلعها، فالأمر بقلعها إنّما هو بقاعدة لا ضرر لا لاعمال الولاية.

(و أمّا إذا ترتّب عليه نفع أو دفع ضرر، و على جاره ضرر يسير، فانّه جائز قطعا)

____________

(1)- الكافي (فروع): ج 5 ص 294 ح 8.

33

و عليه بنوا جواز رفع الجدار على سطح الجار، و أمّا إذا كان ضرر الجار كثيرا يتحمّل عادة، فانّه جائز على كراهة شديدة، و عليه بنوا كراهة التولّي من قبل الجائر لدفع ضرر يصيبه.

و أمّا إذا كان ضرر الجار كثيرا لا يتحمل عادة لنفع يصيبه، فانّه لا يجوز له ذلك.

و عليه بنوا حرمة الاحتكار في مثل ذلك،

____________

و ذلك اما لقاعدة الأهم و المهم، أو لقاعدة السلطنة، أو للأصل، أو للاجماع، أو لقاعدة لا حرج أو ما أشبه ذلك‏ (و عليه بنوا جواز رفع الجدار على سطح الجار) حيث يمنع الهواء و الشمس و غير ذلك عن الجار، فان المالك مسلط على هذا و ان تضرر الجار به تضررا قليلا.

(و أمّا إذا كان ضرر الجار كثيرا) لكنه مما (يتحمّل عادة) بين الجيران، مثل سراية الرطوبة إلى بيته، و تأذّيه بحشرات أشجار جاره و ما أشبه ذلك‏ (فانّه جائز) أيضا لما ذكر، و لكن‏ (على كراهة شديدة).

و إنّما يكون شديد الكراهة، لأن الأفضل للجار ان لا يعمل شيئا يتأذى جاره و ان كان من حقه ان يعمل ذلك.

(و عليه بنوا كراهة التوليّ من قبل الجائر لدفع ضرر يصيبه) إذ ما يصيب الناس من ضرر بسبب تولّيه، أقل مما يصيبه بسبب عدم قبوله ولاية الجائر.

(و أمّا إذا كان ضرر الجار كثيرا) بحيث‏ (لا يتحمل عادة) فانه حتى و ان كان تضرر جاره‏ (لنفع يصيبه، فانّه لا يجوز له ذلك) إذ يصدق عليه حينئذ انه مضار، فينفيه خبر لا ضرر المتواتر و خصوص خبر سمرة.

(و عليه بنوا حرمة الاحتكار في مثل ذلك) أي: فيما إذا كان تضرر الغير بسبب‏

34

و عليه بنى جماعة كالفاضل في التحرير، و الشهيد في اللمعة: الضمان إذا أجّج نارا بقدر حاجته مع ظنّه التعدّي إلى الغير.

و أمّا إذا كان ضرره كثيرا و ضرر جاره كذلك، فانّه يجوز له دفع ضرره و إن تضرّر جاره أو أخوه المسلم.

و عليه بنوا جواز الولاية من قبل الجائر إلى أن قال: و الحاصل أنّ أخبار الإضرار فيما يعدّ اضرارا معتدّا به عرفا،

____________

احتكار هذا الانسان تضررا كبيرا بحيث لا يتحمل عادة من جوع، أو مرض أو ما أشبه ذلك.

(و عليه بنى جماعة كالفاضل في التحرير، و الشهيد في اللمعة: الضمان إذا أجّج نارا بقدر حاجته مع ظنّه التعدّي إلى الغير) فان في تعدي النار إلى الغير ضرر كبير.

(و أمّا إذا كان ضرره كثيرا و ضرر جاره كذلك) كثيرا (فانّه يجوز له دفع ضرره و ان تضرّر جاره أو أخوه المسلم) لأنه لا دليل على وجوب تحمل الضرر لدفع ضرر الجار، فتجري قاعدة السلطنة، أو قاعدة لا حرج، أو ما أشبه ذلك.

(و عليه بنوا جواز الولاية من قبل الجائر) إذا كان ضرره في عدم القبول كثيرا و كان ضرر الناس بسببه كثيرا أيضا.

(إلى أن قال: و الحاصل) أي: حاصل ما ذكره هذا الفقيه المعترض على كفاية السبزواري: من التفصيل بين أقسام التصرفات المضرة بالغير هو: ان الضرر المحرّم في الروايات ليس هو كل ضرر بالغير، بل هو ما اجتمع فيه أمران:

الأوّل: ان يعدّ في العرف ضررا معتدّا به، و إليه أشار المصنّف بقوله: (أنّ أخبار الأضرار) إنّما تتحقق‏ (فيما يعدّ اضرارا معتدّا به عرفا).

35

و الحال أنّه لا ضرر بذلك على المضرّ، لأنّ الضرر لا يزال بالضرر»، انتهى.

أقول: الأوفق بالقواعد تقديم المالك، لأنّ حجر المالك عن التصرف في ماله ضرر يعارض ضرر الغير، فيرجع إلى عموم قاعدة السلطنة و نفي الحرج.

____________

الثاني: ان يكون هذا الضرر المعتد به في العرف مما لا يجلب على تاركه ضررا، فلو كان ضرر على تاركه لم يجب عليه تركه، و إليه أشار بقوله: (و الحال أنّه لا ضرر بذلك على المضرّ) و إنّما يشترط ذلك‏ (لأنّ الضرر لا يزال بالضرر) فانه لا دليل على وجوب إزالة الضرر عن الغير بتحمل الضرر بنفسه‏ (انتهى) كلام هذا المعترض القائل بالتفصيل في المسألة.

و لا يخفى: ان هذا المعترض على كفاية السبزواري تبعا للرياض، و المفصّل في أقسام التصرف المضر بالغير هو: صاحب مفتاح الكرامة، و قد جعل المسألة على خمسة أقسام:

الأوّل: أن يقصد بتصرفه الاضرار من دون ان يترتب عليه جلب نفع لنفسه أو دفع ضرر عنها.

الثاني: ان يترتب لنفسه عليه نفع أو دفع ضرر، و على جاره ضرر يسير.

الثالث: أن يتضرر به الجار كثيرا لكنه بحيث يتحمل عادة.

الرابع: أن يتضرّر به الجار كثيرا و يكون مما لا يتحمل عادة.

الخامس: أن يكون ضرره به كثيرا و ضرر جاره به كثيرا أيضا.

(أقول: الأوفق بالقواعد) عند المصنّف‏ (تقديم المالك) حتى في الصورة الأخيرة (لأنّ) مجرد (حجر المالك عن التصرف في ماله ضرر) و ضرر المالك هذا (يعارض ضرر الغير، فيرجع إلى عموم قاعدة السلطنة و نفي الحرج)

36

نعم، في الصورة الاولى التي يقصد المالك مجرّد الاضرار من غير غرض في التصرف يعتدّ به لا يعدّ فواته ضررا.

و الظاهر عدم الفرق بين كون ضرر المالك بترك التصرف أشدّ من ضرر الغير أو أقلّ، إمّا لعدم ثبوت الترجيح بقلة الضرر كما سيجي‏ء، و إمّا لحكومة نفي الحرج على نفي الضرر،

____________

على ما عرفت.

(نعم، في الصورة الاولى التي يقصد المالك مجرّد الاضرار) بالغير (من غير غرض في التصرف يعتدّ به) عند العقلاء بحيث‏ (لا يعدّ فواته) أي: فوات ذلك التصرف‏ (ضررا) على المالك، فانه يمنع المالك منه كما منع سمرة من الدخول إلى عذقه بدون إذن الصحابي.

و إنّما يمنع منه لأن تصرفه بهذا النحو لم يكن إلّا للاضرار بالغير، و من الواضح:

ان منع المالك عن هذا النحو من التصرف ليس ضررا على المالك حتى يكون معارضا بتضرر الجار و يكون المرجع بعد تساقطهما إلى قاعدة السلطنة أو قاعدة الحرج، بل يجري قاعدة لا ضرر بالنسبة إلى الجار فقط.

(و الظاهر) عند المصنّف: (عدم الفرق بين كون ضرر المالك بترك التصرف أشدّ من ضرر الغير أو أقلّ) فانه يجوز للمالك التصرف بنظر المصنّف مطلقا، و ذلك لأحد أمرين:

(إمّا لعدم ثبوت الترجيح بقلة الضرر) لأن «لا ضرر» شامل للمالك سواء كان ضرره قليلا أم كثيرا، و سواء كان ضرر الجار قليلا أم كثيرا (كما سيجي‏ء) فانه يتعارض الضرران و يتساقطان و يكون المرجع قاعدة السلطنة.

ثانيا: (و إمّا لحكومة نفي الحرج على نفي الضرر) لما تقدّم عن المصنّف:

37

فانّ تحمّل الغير على الضرر و لو يسيرا، لأجل دفع الضرر عن الغير و لو كثيرا، حرج، و لذا اتفقوا على أنّه يجوز للمكره الاضرار على الغير بما دون القتل، لأجل دفع الضرر عن نفسه، و لو كان أقل من ضرر الغير، هذا كلّه في تعارض ضرر المالك و ضرر الغير.

و أمّا في غير ذلك،

____________

من ان نفي الحرج حاكم على نفي الضرر، فانه و ان كان ضرر الجار كثيرا و ضرر النفس قليلا، إلّا ان قاعدة لا حرج توجب تقديم لا ضرر النفس على لا ضرر الجار كما قال: (فانّ تحمل الغير) أي: النفس‏ (على الضرر و لو يسيرا لأجل دفع الضرر عن الغير) أي: الجار مثلا (و لو كثيرا حرج) على النفس‏ (و لذا اتفقوا على انّه يجوز للمكره الاضرار على الغير بما دون القتل) إضرارا (لأجل دفع الضرر عن نفسه) كما في الوالي الجائر (و لو كان) ضرره على نفسه‏ (أقل من ضرر الغير).

و على قول المصنّف هذا: فانه إذا قال الجائر: اقطع يد زيد و رجله، أو اقلع عينيه و اجدع أنفه، أو اصلم أذنيه و اقلع أسنانه- مثلا- و إلّا قطعت اصبعا من أصابعك، جاز له اضرار الغير حتى لا تقطع اصبع من أصابعه.

هذا، و لكنّك قد عرفت: ان هذا خلاف ظاهر الأدلة، بل لا يعلم من إطلاق الفقهاء شمول مثل ذلك، بل مقتضى القاعدة هو ما ذكرناه: من ملاحظة الأهم إذا كان هناك أهم، أو التخيير إذا كان تساو مع ضمان ضرر الغير، و ذلك جمعا بين الدليلين: دليل لا ضرر، و دليل الضمان.

(هذا كلّه في تعارض ضرر المالك و ضرر الغير) بأن دار الأمر بين ان يتضرر المالك أو يتضرر الغير.

(و أمّا في غير ذلك) بأن كانت هناك واقعة دار الأمر فيها بين اضرار زيد

38

فهل يرجع ابتداء إلى القواعد الأخر، أو بعد الترجيح بقلّة الضرر؟ وجهان، بل قولان، يظهر الترجيح من بعض الكلمات المحكيّة عن التذكرة، و بعض مواضع الدروس، و رجّحه غير واحد من المعاصرين.

و يمكن أن ينزّل عليه ما عن المشهور: من أنّه لو أدخلت الدابة رأسها

____________

و اضرار عمرو، كما في قصة القدر و الدابة (فهل يرجع ابتداء إلى القواعد الأخر):

من القرعة، و التخيير، و قاعدة العدل ان كان لهذه القاعدة مسرح في تلك الواقعة (أو بعد الترجيح بقلّة الضرر) حيث يلزم على الحاكم- مثلا- ان يختار أقل الأمرين ضررا؟.

(وجهان) من الرجوع إلى القواعد ابتداء بلا ترجيح، لأن لا ضرر في هذا الجانب و لا ضرر في ذلك الجانب متعارضان، سواء كانا متساويين قدرا أم مختلفين، فيتساقطان و يرجع بعدها إلى التخيير- مثلا-.

و من عدم الرجوع إلى القواعد إلّا بعد فقد الترجيح بقلة الضرر، فان مع وجود الأقل ضررا، يقدم الأقل، لأن الضرر الكثير قليل و زيادة، فيتساقط القليلان بالتعارض و يبقى الزائد تحت دليل لا ضرر، فيكون كما إذا أجبره الجائر على ان يأخذ دينارا من زيد أو دينارين من عمرو، فاللازم ان يقدّم أخذ دينار من زيد لا دينارين من عمرو، لأنه مجبور في أخذ دينار واحد لا في أخذ الزائد عليه.

(بل قولان، يظهر الترجيح) أي: الترجيح بقلة الضرر (من بعض الكلمات المحكية عن التذكرة، و بعض مواضع الدروس، و رجّحه) أي: رجح الترجيح بأقلية الضرر (غير واحد من المعاصرين) لما ذكرناه من العلة.

(و يمكن ان ينزّل عليه ما عن المشهور: من انّه لو ادخلت الدابة رأسها

39

في القدر بغير تفريط من أحد المالكين كسرت القدر و ضمن قيمته صاحب الدابّة، معلّلا: بأنّ الكسر لمصلحته، فيحمل إطلاق كلامهم على الغالب: من أنّ ما يدخل من الضرر على مالك الدابّة، إذا حكم عليه بتلف الدابّة و أخذ قيمتها، أكثر ممّا يدخل صاحب القدر بتلفه و أخذ قيمته.

و بعبارة أخرى: تلف إحدى العينين و تبدّلها بالقيمة أهون من تلف الاخرى.

____________

في القدر بغير تفريط من أحد المالكين) لوضوح: انه لو كان تفريط من أحدهما، كان الضرر عليه من دون ضمان الآخر، لأنه هو الذي أتلف مال نفسه بتفريطه فاذا كان ذلك من دون تفريط (كسرت القدر) بحكم الحاكم إذا ترافعا إليه‏ (و ضمن قيمته) أي: قيمة القدر (صاحب الدابّة) جمعا بين الحقين على ما عرفت، فانهم رجحوا كسر القدر لقلة ضرره على قطع رقبة الدابة لكثرة ضرره.

و إنّما يضمن قيمة القدر (معلّلا: بأنّ الكسر لمصلحته) أي: لمصلحة صاحب الدابة، فانه إذا بقيت دابته سالمة و ضمن قيمة القدر و هي يسيرة، كان أولى في نظر العقل و الشرع و العرف من ان تقطع رقبة دابته، و لا يتضرر باعطاء قيمة القدر.

لا يقال: ان قول المشهور بكسر القدر هنا مطلق يشمل ما إذا تساوت الدابة و القدر قيمة، أو كانت الدابة أرفع، أو كانت الدابة أخفض.

لأنّه يقال: لا إطلاق لانصرافه إلى الغالب كما قال: (فيحمل إطلاق كلامهم على الغالب: من أنّ ما يدخل من الضرر على مالك الدابّة إذا حكم عليه بتلف الدابّة و أخذ قيمتها أكثر ممّا يدخل صاحب القدر بتلفه و أخذ قيمته) لأن الغالب في ذلك أن يكون قيمة الدابة أغلى بكثير من قيمة القدر.

(و بعبارة أخرى: تلف إحدى العينين و تبدّلها بالقيمة أهون من تلف الاخرى) فيؤخذ بالأهون و الأقل ضررا، إلّا إذا تراضيا معا على شي‏ء، فانه يجوز العمل‏

40

و حينئذ: فلا يبقى مجال للاعتراض على تعليل الحكم بكونه لمصلحته صاحب الدابة، بما في المسالك: «من أنّه قد يكون المصلحة لصاحب القدر فقط، و قد يكون المصلحة مشتركة بينهما».

و كذلك حكمهم بضمان صاحب الدابة إذا دخلت في دار لا يخرج إلّا بهدمها، معللا: بأنّه لمصلحة صاحب الدابّة، فانّ الغالب أنّ تدارك المهدوم أهون من تدارك الدابّة.

____________

بما تراضيا عليه سواء تراضيا على ذبح الدابة أم كسر القدر بشرط ان لا يكون ما تراضيا عليه إتلافا يمنع الشارع عنه كما إذا كانت الدابة حمارا لا ينتفع بلحمها فان ذبحها إتلاف لها و لا يجيزه الشارع إلّا لأمر أهم.

(و حينئذ) أي: حين حملنا إطلاق قول المشهور على الغالب‏ (فلا يبقى مجال للاعتراض على تعليل الحكم) أي: تعليل حكمهم بكسر القدر و ضمان صاحب الدابة قيمة القدر (بكونه لمصلحته صاحب الدابة) اعتراضا (بما في المسالك:

من انّه قد يكون المصلحة لصاحب القدر فقط) لنفاسة القدر و كونه من التحفيات- مثلا- (و قد يكون المصلحة مشتركة بينهما) لتساويهما.

(و كذلك) يحمل على الغالب‏ (حكمهم بضمان صاحب الدابة) قيمة الدار (إذا دخلت) الدابة (في دار لا يخرج إلّا بهدمها) أي: بهدم الدار و إنّما يضمن قيمة الدار (معللا: بأنّه لمصلحة صاحب الدابّة، فانّ الغالب انّ تدارك المهدوم أهون من تدارك الدابّة) فيكون كلامهم هذا محمول على الغالب أيضا، و إلّا فالميزان هو ما ذكرناه: من تقديم الأهم إذا كان أهم، و التخيير عند التساوي مع ضمان ضرر المتضرر في الصورتين: صورة تقديم الأهم، و صورة تقديم أحد المتساويين، هذا هو تمام الكلام في باب البراءة و الاشتغال و الحمد لله ربّ العالمين.

41

الوصائل الى الرسائل‏

رسالة الشارح في قاعدة لا ضرر

42

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

43

قاعدة لا ضرر

____________

ثم إنّا قد كتبنا في باب «لا ضرر» سابقا رسالة مختصرة رأينا إلحاقها هنا لعلها تفيد بعض المشتغلين ان شاء اللّه تعالى، فنقول و من اللّه التوفيق:

إنّ في باب «لا ضرر» أحاديث كثيرة، و فروعا كثيرة، و تحقيقات للعلماء حولهما كثيرة، و نحن نكتفي هنا بالأول و الثاني و ندع التحقيق لمجال آخر.

أما الأحاديث: ففي الكافي، عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:

«أنّ سمرة بن جندب كان له عذق في حائط لرجل من الأنصار، و كان منزل الأنصاري بباب البستان، فكان يمرّ به إلى نخلته و لا يستأذن، فكلّمه الأنصاري أن يستأذن إذا جاء، فأبى سمرة، فلما تأبّى جاء الأنصاري إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فشكى إليه و خبّره الخبر، فأرسل إليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و خبّره بقول الأنصاري و ما شكا، و قال: إن أردت الدخول فاستأذن، فأبى، فلما أبى ساومه حتى بلغ به من الثمن ما شاء اللّه، فأبى ان يبيع فقال: لك بها عذق يمد لك في الجنة، فأبى أن يقبل، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) للأنصاري: اذهب فاقلعها و إرم بها إليه، فانّه لا ضرر و لا ضرار» (1).

و في رواية اخرى عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:

«أنّ سمرة بن جندب كان له عذق و كان طريقه إليها في جوف منزل رجل من الأنصار، فكان يجي‏ء و يدخل إلى عذقه بغير إذن من الأنصاري، فقال الأنصاري:

يا سمرة لا تزال تفاجئنا على حال لا نحب أن تفاجئنا عليها، فاذا دخلت فاستأذن، فقال: لا أستأذن في طريق و هو طريقي إلى عذقي، قال: فشكاه الأنصاري‏

____________

(1)- الكافي (فروع): ج 5 ص 292 ح 2، تهذيب الاحكام: ج 7 ص 146 ب 22 ح 36.

44

إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، فأرسل إليه رسول اللّه فأتاه فقال له:

إنّ فلانا قد شكاك و زعم إنّك تمر عليه و على أهله بغير إذنه، فاستأذن عليه إذا أردت أن تدخل. فقال: يا رسول اللّه، أستأذن في طريقي إلى عذقي؟ فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): خلّ عنه و لك في مكانه عذق في مكان كذا و كذا، فقال: لا.

قال: فلك اثنان. قال: لا اريد. فلم يزل يزيده حتى بلغ عشرة أعذاق، فقال:

خلّ عنه و لك عشرة في مكان كذا و كذا، فأبى، فقال: خلّ عنه و لك مكانه عذق في الجنة، قال: لا اريد، فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): إنك رجل مضار و لا ضرر و لا ضرار على مؤمن.

قال: ثم أمر بها رسول اللّه فقلعت، ثم رمى بها إليه و قال له رسول اللّه: انطلق فاغرسها حيث شئت» (1).

و عن أبي عبيدة الحذاء قال: قال أبو جعفر (عليه السلام):

«كان لسمرة بن جندب نخلة في حائط بني فلان، و كان إذا جاء إلى نخلته نظر إلى شي‏ء من أهل الرجل يكرهه الرجل، قال: فذهب الرجل إلى رسول اللّه فشكاه إليه فقال: يا رسول اللّه، إنّ سمرة يدخل عليّ بغير إذني، فلو أرسلت إليه فأمرته أن يستأذن حتى تأخذ أهلي خدرها منه؟ فأرسل اليه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فدعاه فقال:

يا سمرة ما شأن فلان يشكوك و يقول: يدخل بغير إذني فترى من أهله ما يكره ذلك، يا سمرة استأذن إذا أنت دخلت، ثم قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): يسرك أن يكون لك عذق في الجنة بنخلتك؟ قال: لا. قال: لك ثلاثة، قال: لا. قال: ما أراك‏

____________

(1)- الكافي (فروع): ج 5 ص 294 ح 8.

45

يا سمرة إلّا مضار اذهب يا فلان فاقطعها و اضرب بها وجهه» (1).

و هنا لا بأس أن نقول تعليقا على الحديث المتقدم: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كان همّه نشر الاسلام، و كسر الأصنام، و صبّ الناس في بوتقة الدين، و لهذا كان (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) من اللين الخلقي، و الرفق العملي على جانب كبير لم يصل إليه أحد قبله و لا بعده، و كان من لينه العملي أن لم يجعل سجنا إطلاقا، فان أول من جعل السجن عمر بن الخطاب على ما ذكره المؤرّخون‏ (2)، و لم يجر الحدّ إلّا قليلا جدا، و لم نعهد منه تعزيرا، و ذلك لأنّ هذه الامور مما تنفّر الناس، فلا داعي لها إلّا في أشد حالات الضرورة.

و عليه: فانّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بهذا الخلق الرفيع و اللين الغريب حيث وصفه سبحانه بقوله: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَ لَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ‏ (3) تمكّن أن ينشر الاسلام و يحطّم الأصنام في رقعة واسعة من العالم، من الكويت الحالية إلى آخر اليمن، و إلى الاردن حيث قلعة أكيدر، مرورا بالبحرين، و المسقط، و الأمارات، و قطر، و كل أجزاء الحجاز.

إذن: فلا عجب من أن نراه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) يستعمل هذا القدر الهائل من اللين مع سمرة كما أن تهديده (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بتنفيذ حكم اللّه تعالى في حقه لم يكن إلّا بعد اليأس من ارتداعه عن الظلم، و كثيرا ما كان تهديده (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بمجرد اللفظ ليردع الطرف عن غيّه، و يرجعه إلى الصواب كما عليه دأب القرآن حيث يقول سبحانه‏

____________

(1)- من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 103 ب 2 ح 3423، وسائل الشيعة: ج 25 ص 428 ب 12 ح 32279.

(2)- للتفصيل راجع كتاب أحكام السجون للدكتور أحمد الوائلي.

(3)- سورة آل عمران: الآية 159.

46

في تهديد المنافقين: لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ‏ (1) أي: لنأمرنك يا رسول اللّه بقتالهم و اجلائهم عن وطنهم، و كقوله سبحانه: جاهِدِ الْكُفَّارَ وَ الْمُنافِقِينَ‏ (2) مع انّه لم يصلنا منه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّه جاهد المنافقين جهاد حرب، أو إجلاء أو مصادرة، أو سجن، و إنّما كان جهاده بالكلام فقط، و هذا بحث طويل مربوط بسيرته (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أردنا الالماع إليه فقط (3).

ثم إنّ من أحاديث الباب طائفة كبيرة ورد فيها كلمة: «لا ضرر و لا ضرار»، ففي رواية عن أبي عبد اللّه، عن أبيه، عن آبائه، عن أمير المؤمنين (عليهم السلام): إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: «لا ضرر و لا ضرار».

و عن الصدوق، قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): «الاسلام يزيد و لا ينقص» (4).

قال الصدوق: و قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): لا ضرر و لا اضرار في الاسلام، فالاسلام يزيد المسلم خيرا و لا يزيده شرا» (5).

و عن الشيخ في الخلاف: أنّه روي عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّه قال: «لا ضرر و لا ضرار».

و عن عقبة بن خالد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «قضى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بين‏

____________

(1)- سورة الأحزاب: الآية 60.

(2)- سورة التحريم: الآية 9، سورة التوبة: الآية 73.

(3)- و قد فصل الحديث الشارح عن سلوكيات الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في بعض كتبه منها: لأوّل مرّة في تاريخ العالم، اسلوب حكومة الرسول و الإمام علي (عليهما السلام)، السبيل الى انهاض المسلمين، الصياغة الجديدة، ممارسة التغيير، الفقه الحكم في الاسلام، الفقه الدولة الاسلامية، الفقه الادارة.

(4)- من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 334 ب 2 ح 5717 و ح 5720، غوالي اللئالي: ج 1 ص 226، نهج الحق: ص 515، الحجّة على ايمان أبي طالب: ص 164.

(5)- من لا يحضره الفقيه: ج 4 ص 334 ب 2 ح 5718.

47

أهل المدينة في مشارب النخل أنّه لا يمنع نفع البئر، و قضى بين أهل البادية أنّه لا يمنع فضل ماء ليمنع به فضل كلاء و قال: لا ضرر و لا ضرار» (1).

و عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «قضى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بالشفعة بين الشركاء في الأرضين و المساكن و قال: لا ضرر و لا ضرار» (2).

و عن تذكرة العلامة، أنّه روي عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أنّه قال: «لا ضرر و لا ضرار».

و في مجمع البحرين في حديث الشفعة: «قضى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بالشفعة بين الشركاء في الارضين و المساكن، و قال: لا ضرر و لا ضرار في الاسلام» (3).

و عن هارون بن حمزة الغنوي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «في رجل شهد بعيرا مريضا و هو يباع فاشتراه رجل بعشرة دراهم، فجاء و أشرك فيه رجلا بدرهمين بالرأس و الجلد، فقضى أنّ البعير برء فبلغ ثمنه دنانير، قال:

فقال (عليه السلام): لصاحب الدرهمين خذ خمس ما بلغ، فأبى و قال: اريد الرأس و الجلد، فقال: فليس له ذلك، هذا الضرار و قد اعطي حقه إذا اعطي الخمس» (4).

و عن عقاب الأعمال، عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في حديث قال: «و من أضرّ بامرأته حتى تفتدي منه نفسها، لم يرض اللّه له بعقوبة دون النّار و من ضارّ مسلما فليس منّا و لسنا منه في الدنيا و الآخرة» (5).

____________

(1)- الكافي (فروع): ج 5 ص 293 ح 6.

(2)- الكافي (فروع): ج 5 ص 280 ح 4، تهذيب الاحكام: ج 7 ص 164 ب 22 ح 4، من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 76 ب 2 ح 3368.

(3)- مجمع البحرين: ج 3 ص 373 (ضرر).

(4)- الكافي (فروع) ج 5 ص 293 ح 4.

(5)- ثواب الاعمال: ص 285، اعلام الدين: ص 416.

48

و عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «إنّه سئل عن جدار الرجل و هو سترة بينه و بين جاره سقط فامتنع من بنيانه؟ قال: ليس يجبر على ذلك إلّا أن يكون وجب ذلك لصاحب الدار الاخرى بحق أو بشرط في أصل الملك، و لكن يقال لصاحب المنزل: استر على نفسك في حقّك ان شئت، قيل له: فان كان الجدار لم يسقط و لكنه هدمه أو أراد هدمه إضرارا بجاره لغير حاجة منه إلى هدمه؟ قال: لا يترك، و ذلك أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: لا ضرر و لا ضرار» (1).

أقول: لا يخفى: إنّ هذا الحديث ضعيف لأنّه مروي في الدعائم، و لعل قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): لا يترك من باب التنزيه، لا أنّه حكم إلزامي، أو كان لمورد السؤال بعض الملابسات و القرائن الحالية و المقامية التي أوجبت ذلك.

و عن عقبة بن خالد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «في رجل أتى جبلا فشق فيه قناة فذهبت قناة الآخر بماء قناة الأوّل، قال: فقال: يتقاسمان بحقائب البئر ليلة ليلة، فينظر أيتها أضرت بصاحبتها، فان رئيت الأخيرة أضرت بالاولى فلتعوّر» (2).

قال في الوسائل: «و رواه الصدوق باسناده عن عقبة بن خالد نحوه و زاد:

و قضى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بذلك و قال: إن كانت الاولى أخذت ماء الأخيرة لم يكن لصاحب الأخيرة على الأوّل سبيل‏ (3)، و حقائب البئر بمعنى: احتباس الماء».

و عن محمد بن الحسين قال: كتبت إلى أبي محمد (عليه السلام): «رجل كانت له قناة في قرية فأراد رجل أن يحفر قناة اخرى إلى قرية له، كم يكون بينهما في البعد

____________

(1)- دعائم الاسلام: ج 2 ص 499 ح 7181، ج 2 ص 504 ح 1805.

(2)- الكافي (فروع): ج 5 ص 294 ح 7، من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 102 ب 2 ح 3420.

(3)- من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 102 ب 2 ح 3420، تهذيب الاحكام: ج 7 ص 145 ب 22 ح 29 على الاولى و فيه (شي‏ء).

49

حتى لا يضر بالاخرى في الأرض إذا كانت صلبة أو رخوة؟ فوقّع (عليه السلام): على حسب أن لا يضر إحداهما بالاخرى إن شاء اللّه» (1).

و روى عن محمد بن علي بن محبوب قال: كتب رجل الى الفقيه (عليه السلام) في:

«رجل كان له رحى على نهر قرية و القرية لرجل أو لرجلين، فأراد صاحب القرية أن يسوق الماء إلى قريته في غير هذا النهر الذي عليه هذه الرحى و يعطل هذه الرحى، أ له ذلك أم لا؟ فوقع (عليه السلام): يتّقي اللّه و يعمل في ذلك بالمعروف، و لا يضر أخاه المؤمن» (2).

و عن طلحة بن زيد، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، عن أبيه (عليه السلام) قال: «قرأت في كتاب لعلي (عليه السلام)، إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) كتب كتابا بين المهاجرين و الأنصار و من لحق بهم من أهل يثرب: إنّ كل غازية غزت بما يعقب بعضها بعضا بالمعروف و القسط بين المسلمين، فانّه لا يجوز حرب إلّا باذن أهلها، و إنّ الجار كالنفس غير مضار و لا آثم، و حرمة الجار على الجار كحرمة أمه و أبيه، لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل اللّه إلّا على عدل و سواء» (3).

و هناك جملة من الروايات مشتملة على أمثال هذه الألفاظ أيضا رواها العامة في كتبهم.

مثل: ما رواه عبادة بن الصامت في ضمن نقل قضايا كثيرة عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) حيث قال: و قضى أن لا ضرر و لا ضرار.

____________

(1)- الكافي (فروع): ج 5 ص 293 ح 5.

(2)- من لا يحضره الفقيه: ج 3 ص 238 ب 2 ح 3870.

(3)- الكافي (فروع): ج 5 ص 31 ح 5.

50

و في نهاية ابن الأثير قال: في الحديث: لا ضرر و لا ضرار في الاسلام‏ (1).

أمّا الفروع، و هو البحث الثاني في باب لا ضرر فامور:

الأوّل: إذا أضره أحد شخصين لا يعلم الضارّ منهما بعينه فالظاهر: تقسيم الضرر عليهما لقاعدة العدل، و إذا أضر بأحد شخصين لا يعلم انّه أيهما قسّم المال بينهما.

لا يقال: لما ذا يتضرر بنصف المال أحدهما؟.

لأنّه يقال: لقاعدة العدل، فقد ورد مثله في درهمي الودعي، و في تقسيم الحيوان بين نفرين كل يدعيه، كما في قضاء أمير المؤمنين علي (عليه السلام)، إلى غير ذلك من الروايات المتواترة في الموارد الخاصة، و التي يفهم منها قاعدة كلية قد استند إليها جملة من الفقهاء.

كما إنّه إذا لم يعلم هل أنّه أضره باتلاف شاة حيث قيمتها عشرة، أو جمل حيث قيمته عشرون؟ أعطاه نصفهما، و كذلك إذا أضره باتلاف متاع اختلف المقوّمون في قيمته، فقال بعض إنّه خمسون، و قال بعض إنّه مائة، فانّه يعطيه نصفهما.

هذا، و لا مجال للبراءة في أمثال هذه المقامات، لأنّ قاعدة العدل العقلائية مقدمة عليها.

الثاني: الضرر النوعي لأجل الشخص، أو الشخصي لأجل النوع، أو الشخصي لأجل الشخص، أو النوعي لأجل النوع، لا يسمى ضررا عند العقلاء، و لذا نرى كما في الغرب يرحّبون بذلك في الضرائب المعقولة التي تدار بها البلاد،

____________

(1)- النهاية لابن الأثير: ج 3 ص 81.

51

و تصلح بها العباد.

و على هذا: فالخمس و الزكاة و نحوهما ليس من الضرر، و كذلك الحج، و هكذا الغرامات من الديات و الكفارات و نحوهما فانّها لا تعدّ ضررا.

الثالث: إذا أقدم بنفسه طوعا على الضرر، لا يصدق عليه الضرر، كما إذا نذر أنّ يتصدّق بدينار، و هكذا إذا كان السبب نفسه، كما في الضمانات، فانها و إن كانت ضررا لكن المنصرف من «لا ضرر» في النص: أنّ الضرر المرفوع هو الذي جاء من قبل الشارع لا الذي جاء من قبل نفسه باقدامه عليه أو بتسبيبه له.

الرابع: مثل أرش المعيب، و الدية في قتل العمد الذي يتخير الولي بينها و بين القصاص، و التصدق باللقطة فيما إذا كان مخيرا فيها بين التملك و التصدق عن صاحبها، و ما أشبه، هل يؤثر بشي‏ء من ذلك في عدم استطاعته للحج، و في تحجير المفلّس، و في وجوب الخمس عليه؟.

الظاهر: إنّ ذمة بائع المعيب، و القاتل عمدا، ليست الآن مشغولة بهما، و لذا لا تأثير لها في عدم استطاعته، أو عدم وجوب الخمس عليه، أو ما أشبه ذلك.

الخامس: لما كان «لا ضرر» عرفيا و العرف يرى ضرر المغبون كان له صور، فما ذكروه: من كون الخيار فوريا، فاذا لم يتخير فورا سقط خياره، لأنه أقدم على ضرر نفسه، غير ظاهر، بل الظاهر: بقاء خيار المغبون إلى مدة لم يتضرر الغابن تضررا من جهة كونه معلق المال، فقولهم بالفورية لا دليل قوي عليه.

السادس: «لا ضرر» كما يشمل الضرر الحالي يشمل الضرر المستقبلي أيضا، فاذا لم يكن في الحال ضرر لكن يحدث منه الضرر في المستقبل جاز الدفع في الحال حتى لا يتضرر منه في المستقبل كما إذا كان حائط الغير مشرفا على السقوط

52

بحيث انه إذا لم يهدمه سقط فأضر الناس مالا أو نفسا فانه يجوز هدمه حتى لا يتضرر به المسلمون في المستقبل.

و كذا إذا كان في ملك الغير ماء راكد بحيث لو لم يجففه الآن، لأضر الناس بنتنه و حشراته في الصيف، فانه يجوز طمه و تجفيفه حتى لا يتأذى به الناس مستقبلا.

السابع: إذا كان الضرر في موارد العلم الاجمالي جاز دفع الجميع، لكن المتولي لذلك و هو الحاكم الشرعي يضمن من بيت المال لغير المورد الضار و يقسّمه بين المتضررين.

مثلا: إذا أصاب الوباء بعض الألبان، فالحاكم يأمر بصب الجميع و يدفع من بيت المال قدر الضرر مقسما ذلك على الجميع، فاذا كان- مثلا- بين عشرة أوان اناء وبائي مجهول، أمر الحاكم بصب الجميع و قسّم قيمة التسعة بين المالكين العشرة لقاعدة العدل، و ذلك جمعا بين الأدلة.

الثامن: حيث ان لا ضرر منّة، و قول الشارع ببطلان العبادة الضررية التي يجهل الانسان ضررها، اغتسالا كان أو وضوء، صوما كان أو حجا أو غير ذلك، خلاف المنّة، لأنه إذا أبطل الشارع عمله فقد حمّله صعوبة اخرى باعادة الصلاة و الصيام و الحج ثانيا، فيلزم القول بصحة أعماله تلك و ان كانت تبطل أتى بها و هو عالم بضررها.

و عليه: فانّ عدم الضرر في العبادات من الشرائط العلمية نظير الطهارة من الخبث بالنسبة إلى الصلاة، لا الواقعية نظير الطهارة من الحدث بالنسبة إلى الصلاة.

مثلا: إذا توضأ مع اعتقاد عدم التضرر باستعمال الماء ثم انكشف خلافه،