الوصائل إلى الرسائل‏ - ج12

- السيد محمد الحسيني الشيرازي المزيد...
400 /
5

تتمة المقصد الثالث‏

تتمة بحث الاستصحاب‏

[تتمة أدلة حجية الاستصحاب‏]

بقي الكلام في حجج المفصّلين فنقول: أمّا التفصيل بين العدمي و الوجودي بالاعتبار في الأوّل و عدمه في الثاني، فهو الذي ربما يستظهر من كلام التفتازاني، حيث استظهر من عبارة العضدي في نقل الخلاف: «أنّ خلاف منكري الاستصحاب إنّما هو في الاثبات دون النفي».

و ما استظهره التفتازاني لا يخلو ظهوره عن تأمل، مع أنّ هنا

____________

(بقي الكلام في حجج المفصّلين)

حيث يرون بعض أقسام الاستصحاب حجة، و بعض أقسامه غير حجة.

(فنقول: أمّا)

حجة القول الثالث‏

و هو: (التفصيل بين العدمي و الوجودي بالاعتبار) للاستصحاب‏ (في الأوّل) و هو العدمي فإنه حجة (و عدمه) أي: عدم اعتبار الاستصحاب‏ (في الثاني) و هو الوجودي فليس بحجة (فهو) أي: هذا التفصيل هو (الذي ربما يستظهر من كلام التفتازاني).

و إنّما يستظهر منه ذلك‏ (حيث استظهر) التفتازاني‏ (من عبارة العضدي في نقل الخلاف) في باب الاستصحاب‏ ( «أنّ خلاف منكري الاستصحاب إنّما هو في الاثبات) فبعض يقول بحجيته، و بعض يقول بعدم حجيته‏ (دون النفي» (1)) فإن استصحاب النفي حجة عند الجميع.

هذا (و ما استظهره التفتازاني) من كلام العضدي‏ (لا يخلو ظهوره عن تأمل) لأن عبارة العضدي لا يظهر منها حجية استصحاب النفي بلا خلاف.

(مع أنّ هنا) أي: في كون استصحاب الاثبات محل خلاف عند من يرى‏

____________

(1)- تعليقة شرح مختصر الاصول (شرح الشرح): ص 284.

6

إشكالا آخر قد أشرنا اليه في تقسيم الاستصحاب و تحرير محلّ النزاع، و هو أنّ القول باعتبار الاستصحاب في العدميّات يغني عن التكلّم في اعتباره في الوجوديات، إذ ما من مستصحب وجودي إلّا و في مورده استصحاب عدمي يلزم من الظنّ ببقائه الظنّ ببقاء المستصحب الوجودي.

و أقلّ ما يكون عدم ضدّه، فإنّ الطهارة لا تنفكّ عن عدم النجاسة، و الحياة لا تنفكّ عن عدم الموت، و الوجوب أو غيره من الأحكام لا ينفكّ‏

____________

استصحاب النفي حجة (إشكالا آخر قد أشرنا اليه) أوائل البحث و ذلك‏ (في تقسيم الاستصحاب و تحرير محلّ النزاع) بين الأقوال.

(و هو) أي: ذلك الاشكال الآخر هو: (أنّ القول باعتبار الاستصحاب في العدميّات يغني عن التكلّم في اعتباره في الوجوديات).

و إنّما يغني عنه‏ (إذ ما من مستصحب وجودي إلّا و في مورده استصحاب عدمي يلزم من الظنّ ببقائه) أي: ببقاء ذلك العدم‏ (الظنّ ببقاء المستصحب الوجودي) فإذا قلنا: بأن الاستصحاب في العدميات حجة، فأيّة فائدة في أن نقول: بأن الاستصحاب في الوجوديات ليس بحجة؟.

(و أقلّ ما يكون) هنا حيث قلنا: بأنه ما من مستصحب وجودي إلّا و في مورده استصحاب عدمي هو: استصحاب‏ (عدم ضدّه) أي: عدم ضد ذلك الوجودي، لأن لكل وجود ضد، فإذا استصحبنا عدم ضده، فيثبت الوجودي نفسه.

و أما مثال ذلك، فكما قال: (فإنّ الطهارة لا تنفكّ عن عدم النجاسة، و الحياة لا تنفكّ عن عدم الموت، و الوجوب أو غيره من الأحكام) الخمسة (لا ينفكّ‏

7

عن عدم ما عداه من أضداده، و الظنّ ببقاء هذه الأعدام لا ينفكّ عن الظنّ ببقاء تلك الوجودات. فلا بد من القول باعتباره، خصوصا بناء على ما هو الظاهر المصرّح به في كلام العضدي و غيره: من أنّ إنكار الاستصحاب لعدم افادته الظنّ بالبقاء، و إن كان ظاهر بعض النافين كالسيد (قدّس سرّه) و غيره:

استنادهم الى عدم افادته للعلم، بناء على أنّ عدم اعتبار الظنّ عندهم مفروغ عنه في أخبار الآحاد، فضلا عن الظنّ الاستصحابي.

____________

عن عدم ما عداه من أضداده) فنستصحب عدم النجاسة، فيثبت القول بالطهارة، فلا حاجة الى استصحاب الطهارة، و كذا في سائر ما ذكره المصنّف من الأمثلة.

(و) معلوم: إن‏ (الظنّ ببقاء هذه الأعدام لا ينفكّ عن الظنّ ببقاء تلك الوجودات) للتلازم بينهما عقلا.

و عليه: (فلا بد من القول باعتباره) أي: باعتبار الظن ببقاء تلك الوجودات‏ (خصوصا بناء على ما هو الظاهر المصرّح به في كلام العضدي و غيره: من أنّ إنكار الاستصحاب لعدم افادته الظنّ بالبقاء) فإذا ثبت إفادته الظن بالبقاء- كما بيّناه- ثبت حجية الاستصحاب.

إذن: فالظن بالبقاء كاف في حجية الاستصحاب، لأن الظاهر من كلام العضدي و غيره: إن المحور هو الظن.

هذا (و إن كان ظاهر بعض النافين) لحجية الاستصحاب‏ (كالسيد (قدّس سرّه) و غيره:

استنادهم) في عدم حجية الاستصحاب‏ (الى عدم افادته للعلم) فالعلم هو المحور عندهم في الحجية، لا الظن؛ و ذلك‏ (بناء على أنّ عدم اعتبار الظنّ عندهم مفروغ عنه في أخبار الآحاد) أي: هي من الأمارات، فليست عندهم بحجة (فضلا عن الظنّ الاستصحابي) الذي هو من الأصول العملية، فهو ليس‏

8

و بالجملة: فانكار الاستصحاب في الوجوديات و الاعتراف به في العدميّات لا يستقيم بناء على اعتبار الاستصحاب من باب الظنّ.

نعم، لو قلنا باعتباره من باب التعبّد من جهة الاخبار صحّ أن يقال: إنّ ثبوت العدم بالاستصحاب لا يوجب ثبوت ما قارنه من الوجودات.

فاستصحاب عدم أضداد الوجوب لا يوجب ثبوت الوجوب في الزمان‏

____________

بحجة عندهم بطريق أولى.

و عليه: فإذا لم تكن اخبار الآحاد و هي أمارة، حجة عندهم مع إنها تفيد الظن، فالاستصحاب و هو أصل لا يكون حجة عندهم بطريق أولى، إذ في الخبر أمران:

خبر و ظن، بينما في الظن الاستصحابي أمر واحد، و هو الظن فقط.

(و بالجملة: فانكار الاستصحاب في الوجوديات و الاعتراف به في العدميّات) على ما ذكره المفصّلون‏ (لا يستقيم بناء على اعتبار الاستصحاب من باب الظنّ) لما عرفت من إن الظن بالعدم يستلزم الظن بالوجود.

(نعم، لو قلنا باعتباره) أي: باعتبار الاستصحاب‏ (من باب التعبّد من جهة الاخبار) لأن الاخبار هي التي أمرت بالاستصحاب، فالاستصحاب حجة تعبدا، فإن قلنا بذلك‏ (صحّ أن يقال: إن ثبوت العدم بالاستصحاب لا يوجب ثبوت ما قارنه من الوجودات) لما تقدّم و يأتي أيضا: من إن الاستصحاب لا يثبت اللوازم العقلية و العرفية و العادية.

مثلا: الظن بعدم الحدث و إن استلزم الظن ببقاء الطهارة، لكن هذا اللازم عقلي و ليس لازما شرعيا حتى يكون حجة و لذا لم يكن الظن ببقاء الطهارة حجة.

و عليه: (فاستصحاب عدم أضداد الوجوب) كما إذا قلنا: إنه لم يكن مستحبا و لا مكروها و لا حراما و لا مباحا (لا يوجب ثبوت الوجوب في الزمان‏

9

اللاحق، كما أنّ عدم ما عدا زيد من أفراد الانسان في الدار لا يثبت باستصحابه ثبوت زيد فيها، كما سيجي‏ء تفصيله إن شاء اللّه تعالى.

لكن المتكلم في الاستصحاب من باب التعبّد و الاخبار بين العلماء في غاية القلّة الى زمان متأخري المتأخّرين مع‏

____________

اللاحق) إذا استندنا في الاستصحاب الى الاخبار.

(كما أنّ عدم ما عدا زيد من أفراد الانسان في الدار لا يثبت باستصحابه ثبوت زيد فيها، كما سيجي‏ء تفصيله) أي: تفصيل الأصل المثبت فيما يأتي‏ (إن شاء اللّه تعالى).

مثلا: إذا علمنا بوجود أحد في الدار مردّد بين زيد، أو عمرو، أو بكر، فاستصحاب عدم الأخيرين لا يثبت وجود زيد في الدار لأن عدم الضد لازم عقلي للضد الآخر، و ليس لازما شرعيا له، و قد عرفت: إنه لو كان الاستصحاب حجة من باب الاخبار لا يثبت به إلّا اللوازم الشرعية فقط.

(لكن المتكلم في الاستصحاب من باب التعبّد و الاخبار بين العلماء في غاية القلّة الى زمان متأخري المتأخّرين) أي: الى زمان والد الشيخ البهائي (قدّس سرّهما)، على ما تقدّم.

و عليه: فحجّية الاستصحاب من باب الظن، و الظن بالعدم يستلزم الظن بالوجود، فلما ذا قال هؤلاء المفصّلون بأن الاستصحاب حجة في العدميات لا في الوجوديات.

(مع) إنه لو قلنا بحجية الاستصحاب من باب الاخبار كان استصحاب العدم ملازما لاستصحاب الوجود أيضا، إذ جملة من القائلين باعتباره من باب الاخبار يقولون بحجية اللوازم غير الشرعية للاستصحاب أيضا، و ذلك كما قال:

10

أنّ بعض هؤلاء وجدناهم لا يفرّقون في مقارنات المستصحب بين أفرادها و يثبتون بالاستصحاب جميع ما لا ينفكّ عن المستصحب على خلاف التحقيق الآتي في التنبيهات الآتية إن شاء اللّه تعالى.

و دعوى «أنّ اعتبار الاستصحابات العدمية لعلّه ليس لأجل الظنّ حتى‏

____________

(إنّ بعض هؤلاء) القائلين بحجية الاستصحاب من باب التعبّد (وجدناهم لا يفرّقون في مقارنات المستصحب بين أفرادها) أي: افراد المقارنات: من العقلية و الشرعية و العادية و العرفية (و يثبتون بالاستصحاب جميع ما لا ينفكّ عن المستصحب) حتى المقارنات غير الشرعية، و من تلك المقارنات: إنه إذا نفى العدم ثبت الوجود.

إذن: فاستصحاب العدم يلازم استصحاب الوجود حتى على القول بحجيته من باب التعبد، فكيف يقول المفصّل بحجية الاستصحاب في العدميات دون الوجوديات، مع إن الوجوديات ملازمة للعدميات؟.

و عليه: فإن هذا و إن كان‏ (على خلاف التحقيق الآتي في التنبيهات الآتية إن شاء اللّه تعالى): من إن الاستصحاب لا يثبت لوازمه العادية و العقلية و العرفية، إلّا أن الكلام في أقوال العلماء الذين يقولون بحجية الاستصحاب من باب الظن، أو من باب الاخبار، و لا يفرّقون على القولين بين لوازمه، فلما ذا يكون الاستصحاب حجة في العدميات دون الوجوديات؟.

(و دعوى) إن الاستصحاب ليس حجة ليس حجة لا من باب الظن، و لا من باب التعبّد، بل من باب بناء العقلاء، و بناء العقلاء على حجية الاستصحاب سواء كان للظن أم للتعبد لا يوجب السراية من العدمي الى الوجودي، فإن هذه الدعوى ليست في محلها كما قال: ( «أنّ اعتبار الاستصحابات العدمية لعلّه ليس لأجل الظنّ حتى‏

11

يسري الى الوجوديات المقارنة، معها بل لبناء العقلاء عليها في امورهم بمقتضى جبلّتهم»، مدفوعة: بأنّ عمل العقلاء في معاشهم على ما لا يفيد الظنّ بمقاصدهم و المضي في امورهم بمحض الشك و التردّد في غاية البعد، بل خلاف ما نجده من أنفسنا معاشر العقلاء.

و أضعف من ذلك أن يدّعى: أنّ المعتبر عند العقلاء من الظنّ الاستصحابي هو الحاصل بالشي‏ء من تحققه السابق، لا الظنّ الساري من هذا الظنّ الى شي‏ء آخر.

____________

يسري الى الوجوديات المقارنة معها) أي: مع العدميات‏ (بل لبناء العقلاء عليها) أي: على الاستصحابات العدمية (في امورهم بمقتضى جبلّتهم») و فطرتهم تعبدا، لا بمقتضى الظن فلا يسري الاستصحاب العدمي الى الوجودي.

هذه الدعوى‏ (مدفوعة: بأنّ عمل العقلاء في معاشهم على ما لا يفيد الظنّ بمقاصدهم و المضي في امورهم بمحض الشك و التردّد في غاية البعد) فإن عملهم إنّما هو لافادته الظن‏ (بل) هو بمحض التعبد (خلاف ما نجده من أنفسنا معاشر العقلاء) فإنّا نعمل حسب الظن، لا تعبدا حتى و إن لم يفد الظن.

و عليه: فإذا كان الاستصحاب العدمي حجة من باب الظن العقلائي، فقد عرفت: إن الظن العدمي يسري الى الظن الوجودي.

(و أضعف من ذلك) أي: من الدعوى السابقة (أن يدّعى: أنّ المعتبر عند العقلاء من الظنّ الاستصحابي) أي: بنائهم على حجية الاستصحاب للظن، لا للتعبد، لكن المعتبر عندهم من هذا الظن‏ (هو الحاصل بالشي‏ء من تحققه السابق) فيكون الاستصحاب حجة فيه فقط (لا الظنّ الساري من هذا الظنّ الى شي‏ء آخر) كالساري من العدمي الى الوجودي.

12

و حينئذ فنقول: العدم المحقّق سابقا يظنّ بتحققه لا حقا ما لم يعلم أو يظنّ تبدّله بالوجود، بخلاف الوجود المحقق سابقا، فإنّه لا يحصل الظنّ ببقائه لمجرّد تحققه السابق.

____________

و إنّما كان هذا أضعف من سابقه لوضوح: إن المعيار عند العقلاء هو: حجية الظن سواء الظن العدمي المستصحب، أم الظن الوجودي الملازم للظن العدمي.

و عليه: فقد تحقق الى هنا أربعة احتمالات:-

الأوّل: كون الاستصحاب حجة من باب الظن.

الثاني: كونه حجة من باب التعبد و الاخبار.

الثالث: كونه حجة من باب بناء العقلاء تعبّدا، فلا يسري الاستصحاب العدمي الى الاستصحاب الوجودي.

الرابع: بناء العقلاء على حجية الاستصحاب من باب الظن، لكنهم لا يسرونه الى الوجودي.

(و حينئذ) أي: حين عرفت ذلك كله و علمت أن القول بالتفصيل في الاستصحاب بين العدمي فحجة، و الوجودي فليس بحجة هو محور البحث هنا (فنقول) في تقرير حجية هذا التفصيل و بيان الدليل عليه ما يلي:

(العدم المحقّق سابقا يظنّ بتحققه لا حقا ما لم يعلم أو يظنّ تبدّله بالوجود) فإذا كان ظانا بأنه محدث، فإنه يظن لا حقا بأنه محدث أيضا، إلّا إذا علم بأنه توضّأ، أو ظن تبدّل حالته بالتطهر.

(بخلاف الوجود المحقق سابقا، فإنّه لا يحصل الظنّ ببقائه لمجرّد تحققه السابق) و ذلك لأن الأعدام لا تحتاج الى المؤثر، بخلاف الوجودات، و من أين لنا إن المؤثر السابق باق في تأثيره الى الزمان اللاحق؟.

13

و الظنّ الحاصل ببقائه الظنّ الاستصحابي المتعلّق بالعدمي المقارن له غير معتبر إمّا مطلقا أو إذا لم يكن ذلك الوجودي من آثار العدمي المترتبة من جهة الاستصحاب.

و لعله المراد بما حكاه التفتازاني عن الحنفيّة: من أنّ حياة الغائب بالاستصحاب، إنّما يصلح عندهم من جهة الاستصحاب،

____________

أ لا ترى: إنه لو لم يكن بناء في أرض بقي كذلك آلاف السنوات، بل ملايينها، أمّا البناء فلا يبقى آلاف السنوات، فكيف بملايينها؟.

(و) إن قلت: إنكم إذا قلتم باستصحاب الظن العدمي، فإنه يلازم الظن الوجودي لأن الظن بعدم الحدث يلازم الظن ببقاء التطهر.

قلت: (الظنّ الحاصل ببقائه) أي: ببقاء الوجود (الظنّ الاستصحابي المتعلّق بالعدمي المقارن له غير معتبر) فلا يفيد استصحاب العدم اثبات الوجود (إمّا مطلقا) أي: سواء كان الوجودي المقارن من آثار العدمي أم لم يكن من آثاره‏ (أو) غير معتبر خصوص ما (إذا لم يكن ذلك الوجودي من آثار العدمي المترتبة) تلك الآثار (من جهة الاستصحاب).

و عليه: فانه قد يكون الوجودي من آثار العدمي، مثل وجوب النفقة للزوجة فإنه من آثار عدم موت الزوج، و قد لا يكون الوجودي من آثار العدمي مثل وجود النهار، فإنه مقارن لعدم الليل، لا إن وجود النهار من آثار عدم الليل، إذ وجود أحد الضدّين ليس من آثار عدم الضدّ الآخر.

(و لعله) أي: لعل هذا التفصيل الأخير الذي ذكره المصنّف بقوله: أو إذا لم يكن ذلك الوجودي من آثار العدمي هو (المراد بما حكاه التفتازاني عن الحنفيّة:

من أنّ حياة الغائب بالاستصحاب، إنّما يصلح عندهم من جهة الاستصحاب،

14

لعدم انتقال ارثه الى وارثه، لا انتقال ارث مورّثه اليه. فإنّ معنى ذلك: أنّهم يعتبرون ظنّ عدم انتقال مال الغائب الى وارثه، لا انتقال مال مورّثه اليه، و إن كان أحد الظنّين لا ينفك عن الآخر.

ثم إنّ معنى عدم اعتبار الاستصحاب في الوجودي: إمّا عدم الحكم ببقاء المستصحب الوجودي، و إن كان لترتب أمر عدمي عليه،

____________

لعدم انتقال ارثه الى وارثه، لا انتقال مورّثه اليه) و في هذا إشارة الى إن المستصحب في المقام أمور ثلاثة:

الأوّل: حياة الغائب، و هو أمر وجودي لا يعتبر استصحابه عند من لا يرى استصحاب الأمور الوجودية.

الثاني: عدم انتقال ارثه الى وارثه و هو أمر عدمي يعتبر استصحابه.

الثالث: انتقال ارث مورّثه اليه، و هو أمر وجودي لازم للعدمي يحصل من الظن بالعدمي الظن به، لكنه ليس من آثار العدمي المترتبة من جهة الاستصحاب، فإن انتقال ارث مورّثه اليه من آثار حياته، و ليس أثرا لعدم انتقال ارثه الى وارثه.

و لذا قال المصنّف: (فإنّ معنى ذلك: إنّهم يعتبرون ظنّ عدم انتقال مال الغائب الى وارثه، لا انتقال مال مورّثه اليه، و إن كان أحد الظنّين لا ينفك عن الآخر) عقلا، لأنه إن مات ورث و ورّث بالتشديد، و إن لم يمت لا يرث و لا يورّث بالتشديد.

و عليه: فإن عدم موت زيد من آثاره: عدم انتقال ارثه الى وارثه، و ليس من آثار عدم موته انتقال ارث مورّثه اليه، و إن كانا متلازمان عقلا.

(ثم إنّ معنى عدم اعتبار الاستصحاب في الوجودي: إمّا عدم الحكم ببقاء المستصحب الوجودي، و إن كان لترتب أمر عدمي عليه) فلا نستصحب أمرا

15

كترتّب عدم جواز تزويج المرأة المفقود زوجها المترتّب على حياته، و إمّا عدم ثبوت الأمر الوجودي لأجل الاستصحاب و إن كان المستصحب عدميا، فلا يترتب انتقال مال قريب الغائب إليه، و إن كان مترتّبا على استصحاب عدم موته.

و لعلّ هذا هو المراد بما حكاه التفتازاني عن الحنفيّة: من أنّ الاستصحاب حجّة في النفي دون الاثبات.

و بالجملة: فلم يظهر لي ما يدفع هذا الاشكال‏

____________

وجوديا نريد بذلك ترتيب أثر عدمي على هذا الأمر الوجودي‏ (كترتّب عدم جواز تزويج المرأة المفقود زوجها المترتّب على حياته) فلا نستصحب وجود زيد المفقود، حتى نرتّب على هذا الوجود عدم جواز تزويج امرأته.

(و إمّا عدم ثبوت الأمر الوجودي لأجل الاستصحاب و إن كان المستصحب عدميا) بأن نستصحب عدما لترتيب الوجود عليه‏ (فلا يترتب انتقال مال قريب الغائب إليه، و إن كان مترتّبا على استصحاب عدم موته).

و الحاصل: هل مراد من يقول بعدم استصحاب الوجود: إنه لا يستصحب الوجود و إن أريد ترتيب العدم عليه، أو إنه لا يستصحب العدم إذا أريد ترتيب الوجود عليه؟.

(و لعلّ هذا) المعنى الثاني الذي ذكره المصنّف بقوله: و إمّا عدم ثبوت الأمر الوجودي لأجل الاستصحاب، و إن كان الاستصحاب عدميا (هو المراد بما حكاه التفتازاني عن الحنفيّة: من أنّ الاستصحاب حجّة في النفي دون الاثبات) فلا يستصحب الوجود لترتيب العدم عليه.

(و بالجملة: فلم يظهر لي ما يدفع هذا الاشكال) القائل بأن الظن‏

16

عن القول بعدم اعتبار الاستصحاب في الاثبات و اعتباره في النفي من باب الظنّ.

نعم، قد أشرنا فيما مضى الى أنّه لو قيل باعتباره في النفي من باب التعبّد، لم يغن ذلك عن التكلم في الاستصحاب الوجودي، بناء على ما سنحققه: من أنّه لا يثبت بالاستصحاب إلّا آثار المستصحب المترتّبة عليه شرعا.

____________

بالمستصحب العدمي يستلزم الظن بالمستصحب الوجودي، فإذا اعتبرنا الاستصحاب العدمي كان اللازم أن نعتبر الاستصحاب الوجودي أيضا.

إذن: فالاشكال وارد على قول المفصّل، و لا دافع لهذا الاشكال‏ (عن القول بعدم اعتبار الاستصحاب في الاثبات و اعتباره في النفي من باب الظنّ).

أما لو كان اعتبار الاستصحاب من باب الاخبار، فقد عرفت: إنه من الممكن استصحاب النفي بدون ترتيب الوجود عليه، لأن الاخبار تدل على حجّية نفس الاستصحاب، لا لوازمه العقلية أو العرفية أو العادية.

(نعم) و هذا استثناء من قوله: و بالجملة فلم يظهر لي ما يدفع هذا الاشكال، و هو: أنّا (قد أشرنا فيما مضى الى إنّه لو قيل باعتباره) أي: باعتبار الاستصحاب‏ (في النفي من باب التعبّد) لا من باب الظن‏ (لم يغن ذلك) الاعتبار للاستصحاب العدمي‏ (عن التكلم في الاستصحاب الوجودي) لأن الاستصحاب العدمي لا يفيد حكما وجوديا.

و إنّما لم يغن ذلك عنه‏ (بناء على ما سنحققه: من أنّه لا يثبت بالاستصحاب إلّا آثار المستصحب المترتّبة عليه شرعا) لا عقلا أو عرفا أو عادة، و من المعلوم:

إن استصحاب العدم لاثبات الوجود من الآثار العقلية لا من الآثار الشرعية.

17

لكن يرد على هذا: أنّ هذا التفصيل مساو للتفصيل المختار، المتقدّم و لا يفترقان فيغني أحدهما عن الآخر، إذ الشك في بقاء الاعدام السابقة من جهة الشك في تحقق الرافع لها و هي علّة الوجود

____________

(لكن يرد على هذا) أي: على ما أشكلناه على التفصيل بين العدمي و الوجودي: من استلزام الظن بالمستصحب العدمي الظن بالمستصحب الوجودي، فكيف يكون استصحاب النفي حجة دون الاثبات؟ إن الاشكال نفسه يرد على تفصيلنا أيضا.

و إنّما يرد على تفصيلنا أيضا، لأنه كما قال: (أنّ هذا التفصيل) بين العدمي و الوجودي‏ (مساو للتفصيل المختار، المتقدّم) منّا بين المقتضي و المانع، حيث إنا أجرينا الاستصحاب في الشك في المانع و الرافع، و لم نجره في الشك في المقتضي.

(و لا يفترقان) أي التفصيلان: تفصيل هذا المفصّل مع تفصيلنا نحن‏ (فيغني أحدهما عن الآخر) فإذا قال شخص بتفصيل ذلك المفصّل معناه: إنه قال بتفصيلنا، و كذلك العكس.

و إنّما يكون هذا التفصيل مساويا للتفصيل المختار (إذ الشك في بقاء الاعدام السابقة) كعدم المطلوبية إنّما هو (من جهة الشك في تحقق الرافع لها) أي: للمطلوبية كالاستدانة، و هذا الرافع‏ (و هي) الاستدانة (علّة الوجود) للمطلوبية.

يعني: إن الأعدام من طبيعتها البقاء و الاستمرار، فيبقى عدم المطلوبية كما في المثال مستمرا حتى يأتي ما يرفعه و هي الاستدانة، فنستصحب عدم الاستدانة، فيبقى عدم المطلوبية ثابتا.

18

و الشك في بقاء الأمر الوجودي من جهة الشك في الرافع لا ينفكّ عن الشك في تحقق الرافع، فيستصحب عدمه و يترتّب عليه بقاء ذلك الأمر الوجودي.

____________

(و) كذا يكون‏ (الشك في بقاء الأمر الوجودي) كالطهارة إذا كان‏ (من جهة الشك في الرافع) كطروّ الحدث، لا من جهة الشك في المقتضي، كالشك في مقدار استعداد الطهارة للبقاء، فإن الشك في بقاء الطهارة من جهة الشك في الرافع‏ (لا ينفكّ عن الشك في تحقق الرافع) أي: إن الشك في بقاء الطهارة عبارة أخرى عن الشك في تحقق الرافع.

و من المعلوم: إن معنى الشك في تحقق الرافع هو: الشك في علة العدم‏ (فيستصحب عدمه) أي: عدم الرافع‏ (و يترتّب عليه بقاء ذلك الأمر الوجودي) الذي هو الطهارة في المثال.

و عليه: فقد انطبق اعتبار الاستصحاب في العدميات الذي يقول به المفصّل، على اعتبار الاستصحاب عند الشك في تحقق الرافع الذي نقول به نحن، لأن الرافع: إمّا رافع العدم و هي علة الوجود فيستصحب عدم ذلك الرافع، و إمّا رافع الوجود و هي علة العدم فيستصحب عدمه أيضا، و معلوم: إن ذلك ليس من الشك في المقتضي، و إنّما هو من الشك في الرافع الذي نقول به نحن.

و الحاصل: إن الشك في بقاء الطهارة هو من باب الشك في الرافع، حيث لا نعلم هل حدث رافع يرفع الطهارة أم لا؟ و هذا الشك هو بعينه الشك في العدم، لأنّ الشك في العدم من باب الشك في الرافع أيضا، حيث لا نعلم هل حصل الوجود؟ فنستصحب عدم حصول.

إذن: فلا فرق بين أن نقول: بتفصيل المفصّل بين العدمي و الوجودي،

19

و تخيّل: «أن الأمر الوجودي قد لا يكون من الآثار الشرعيّة لعدم الرافع فلا يغني العدمي عن الوجودي»، مدفوع: بأنّ الشك إذا فرض من جهة الرافع فيكون الأحكام الشرعية المترتبة على ذلك الأمر الوجودي مستمرّة الى تحقق ذلك الرافع.

فإذا حكم بعدمه عند الشك ترتّب عليه‏

____________

أو نقول: بتفصيلنا بين المقتضي و المانع، إذ كل شك في الرافع هو شك في العدم.

(و تخيّل: «أن) هنا فرقا بين التفصيلين، و ذلك لأن‏ (الأمر الوجودي) كالطهارة (قد لا يكون من الآثار الشرعيّة لعدم الرافع) أي: عدم الحدث، فإن عدم الرافع لا يثبت وجود الطهارة، لأن وجود الطهارة ليس من آثار عدم الحدث‏ (فلا يغني) الاستصحاب‏ (العدمي عن) الاستصحاب‏ (الوجودي»).

إذن: فيثبت الأمر الوجودي باستصحابه على تفصيل المختار دون التفصيل المذكور، لأنه باستصحاب عدم الرافع لم يثبت الوجودي حيث لم يكن أثرا شرعيا لعدم الرافع.

هذا التخيّل‏ (مدفوع: بأنّ) العدمي يغني عن الوجودي، و ذلك لأن‏ (الشك إذا فرض من جهة الرافع) يعني: لم نعلم هل إنه حدث ما يرتفع به الطهارة أم لا؟

(فيكون الأحكام الشرعية المترتبة على ذلك الأمر الوجودي) كجواز الدخول في الصلاة، و مسّ كتابة القرآن، و صحة الطواف، و ما أشبه‏ (مستمرّة الى تحقق ذلك الرافع) الذي هو الحدث.

و عليه: (فإذا حكم بعدمه) أي: بعدم الرافع الذي هو الحدث‏ (عند الشك) في إنه هل تحقق الحدث أم لم يتحقق؟ (ترتّب عليه) أي: على عدم الرافع‏

20

شرعا جميع تلك الأحكام، فيغني ذلك عن الاستصحاب الوجودي.

و حينئذ: فيمكن أن يحتجّ لهذا القول: إمّا على عدم الحجّية في الوجوديات: فبما تقدّم في أدلّة النافين، و أمّا على الحجّية في العدميات:

فبما تقدّم في أدلّة المختار، من الاجماع و الاستقراء، و الاخبار، بناء على أنّ بقاء المشكوك في بقائه من جهة الرافع،

____________

(شرعا جميع تلك الأحكام) من جواز الدخول في الصلاة و الطواف، و ما أشبه ذلك.

إذن: (فيغني ذلك) الاستصحاب العدمي‏ (عن الاستصحاب الوجودي) فلا نحتاج الى استصحاب الطهارة، و إنّما يكفي أن نستصحب عدم الحدث.

(و حينئذ) أي: حين ثبت تساوي هذا التفصيل مع التفصيل الذي ذكرناه نحن بين المقتضي و المانع‏ (فيمكن أن يحتجّ لهذا القول) المفصّل بين الوجودي، فلا يجري فيه الاستصحاب، و بين العدمي فيجري فيه الاستصحاب بما يلي:

(إمّا على عدم الحجّية) للاستصحاب‏ (في الوجوديات: فبما تقدّم في أدلّة النافين) الذين قالوا بعدم حجية الاستصحاب مطلقا، فإن ما استدلوا به هناك لعدم حجيته يشمل الاستصحاب في الوجوديات هنا أيضا.

(و أمّا على الحجّية في العدميات: فبما تقدّم في أدلّة المختار، من الاجماع و الاستقراء، و الاخبار) فإنها تختص حينئذ بالاستصحاب في العدميات.

إن قلت: الاخبار مثل: لا ينقض اليقين بالشك، و غير ذلك لا يختص في الاستصحاب العدمي.

قلت: (بناء على أنّ بقاء المشكوك في بقائه) و قوله: المشكوك في بقائه، هي جملة واحدة، كالطهارة- مثلا- فالشي‏ء المشكوك البقاء (من جهة الرافع،

21

إنّما يحكم ببقائه لترتّبه على استصحاب عدم وجود الرافع، لا لاستصحابه في نفسه، فإنّ الشاك في بقاء الطهارة من جهة الشك في وجود الرافع يحكم بعدم الرافع، فيحكم من أجله ببقاء الطهارة.

و حينئذ: فقوله (عليه السلام): «و إلّا فإنّه على يقين من وضوئه و لا ينقض اليقين بالشك»، و قوله: «لأنّك كنت على يقين من طهارتك فشككت و ليس ينبغي لك أن تنقض اليقين»، و غيرهما، ممّا دلّ على أنّ اليقين‏

____________

إنّما يحكم ببقائه) أي: بقاء الشي‏ء المشكوك‏ (لترتّبه على استصحاب عدم وجود الرافع، لا لاستصحابه) أي: استصحاب بقاء الشي‏ء المشكوك‏ (في نفسه) فلا نستصحب الطهارة في نفسها بل نستصحب عدم الحدث فتثبت الطهارة.

و عليه: (فإنّ الشاك في بقاء الطهارة من جهة الشك في وجود الرافع) لا من جهة الشك في وجود المقتضي لبقاء الطهارة (يحكم بعدم الرافع) الذي هو الحدث‏ (فيحكم من أجله ببقاء الطهارة) و يترتب على هذه الطهارة الباقية آثارها:

من جواز الدخول في الصلاة و الطواف و مسّ كتابة القرآن و ما أشبه ذلك.

(و حينئذ) أي: حين استصحبنا عدم الحدث و رتبنا على ذلك آثار الطهارة (فقوله (عليه السلام): «و إلّا فإنّه على يقين من وضوئه و لا ينقض اليقين بالشك» (1)، و قوله: «لأنّك كنت على يقين من طهارتك فشككت و ليس ينبغي لك أن تنقض اليقين» (2)، و غيرهما) من روايات‏ (3) الاستصحاب‏ (ممّا دلّ على أنّ اليقين‏

____________

(1)- تهذيب الاحكام: ج 1 ص 8 ب 1 ح 11، وسائل الشيعة: ج 1 ص 245 ب 1 ح 631.

(2)- تهذيب الاحكام: ج 1 ص 421 ب 21 ح 8، الاستبصار: ج 1 ص 183 ب 109 ح 13، علل الشرائع:

ج 2 ص 59 ح 1، وسائل الشيعة: ج 3 ص 482 ب 24 ح 4236.

(3)- كرواية زرارة عن أحدهما، انظر الكافي (فروع): ج 3 ص 351 ح 3، تهذيب الاحكام: ج 2 ص 186 ب 23 ح 41، الاستبصار: ج 1 ص 373 ب 216 ح 3، وسائل الشيعة: ج 8 ص 217 ب 10 ح 10462 و كرواية محمد بن مسلم في حديث الاربعمائة، انظر الخصال: ص 619 ح 10-

22

لا ينقض أو لا يدفع بالشك يراد منه أنّ احتمال طروّ الرافع لا يعتنى به، و لا يترتّب عليه أثر النقض، فيكون وجوده كالعدم، فالحكم ببقاء الطهارة السابقة من جهة استصحاب العدم، لا من جهة استصحابها.

و الأصل في ذلك: أنّ الشك في بقاء الشي‏ء إذا كان مسبّبا عن الشك في شي‏ء آخر، فلا يجتمع معه في الدخول تحت عموم «لا تنقض»، سواء تعارض مقتضى اليقين السابق فيهما أم تعاضدا،

____________

لا ينقض، أو لا يدفع بالشك يراد منه) المعنى التالي، و هو كما قال:

(أنّ احتمال طروّ الرافع) الذي هو الحدث‏ (لا يعتنى به، و لا يترتّب عليه أثر النقض) و حيث لا يترتب أثر النقض على احتمال طروّ الحدث‏ (فيكون وجوده) أي: وجود هذا الاحتمال بطروّ الحدث‏ (كالعدم، فالحكم ببقاء الطهارة السابقة) إنّما هو (من جهة استصحاب العدم، لا من جهة استصحابها) أي: الطهارة نفسها.

(و الأصل في ذلك) أي: في اعتبار الاستصحاب في العدمي دون الوجودي على ما قرّبناه هو: (أنّ الشك في بقاء الشي‏ء إذا كان مسبّبا عن الشك في شي‏ء آخر) أي: كان بينهما سبب و مسبّب‏ (فلا يجتمع) الشك في بقاء الشي‏ء (معه) أي: مع الشك في شي‏ء آخر (في الدخول تحت عموم لا تنقض).

و إنّما لا يجتمع معه لأن الشك السببي و المسبّبي كليهما لا يدخلان تحت دليل واحد، فكلّما دخل السببي خرج المسبّبي‏ (سواء تعارض مقتضى اليقين السابق فيهما أم تعاضدا) أي: سواء كان السببي و المسبّبي أحدهما معارضا للآخر، أم كان أحدهما موافقا للآخر، فإنه إذا أجرينا الاستصحاب في الشك السببي، لا يبقى مجال للشك المسبّبي.

____________

- و وسائل الشيعة: ج 1 ص 247 ب 1 ح 636.

23

بل الداخل هو الشك السببي، و معنى عدم الاعتناء به زوال الشك المسبب به، و سيجي‏ء توضيح ذلك.

هذا،

____________

أما مثال التعارض: فكما إذا شككنا في طهارة الثوب النجس، المغسول بالماء المشكوك بقاؤه على الكرية، فإن مقتضى اليقين السابق في الماء المغسول به الثوب النجس هو: طهارة الثوب، و مقتضى اليقين السابق في الثوب هو: نجاسته، فالمقتضيان متعارضان، لكن الشك السببي مقدّم على الشك المسببي.

و أمّا مثال التعاضد: فكما لو شك في بقاء الزوجية فشك من جهته في وجوب النفقة، فإن استصحاب بقاء الزوجية و استصحاب وجوب النفقة متعاضدان، لكن لما جرى الاستصحاب الأوّل الذي هو سببي لم يكن مجال للاستصحاب الثاني الذي هو مسببي.

و إنّما لم يبق مجال للثاني لأنه لو كانت الزوجية باقية لم نحتج الى استصحاب وجوب النفقة، بل تجب النفقة تلقائيا، لأن وجوب النفقة من آثار الزوجية.

و عليه: فلا يجتمع السببي و المسببي تحت الأدلة (بل الداخل) في الأدلة (هو الشك السببي) فقط.

هذا (و معنى عدم الاعتناء به) أي: بالشك المسببي هو: (زوال الشك المسبب به) أي: بسبب الشك السببي، فإذا استصحبنا كرّية الماء لم نشك في طهارة الثوب النجس المغسول به، و كذلك إذا استصحبنا بقاء الزوجية لم نشك في وجوب النفقة.

(و سيجي‏ء توضيح ذلك) إن شاء اللّه تعالى فيما يأتي من الشك السببي و المسببي، و إنه كلما جرى الشك السببي لم يكن مجال للشك المسببي أصلا.

(هذا) تمام الكلام في تساوي التفصيلين: التفصيل المذكور، و التفصيل الذي‏

24

و لكن يرد عليه:

أنّه قد يكون الأمر الوجودي أمرا خارجيا، كالرطوبة يترتّب عليها آثار شرعية، فإذا شك في وجود الرافع لها لم يجز أن يثبت به الرطوبة حتى يترتّب عليه أحكامها، لما سيجي‏ء: من أنّ المستصحب لا يترتّب عليه إلّا آثاره الشرعية المترتبة عليه، بلا واسطة أمر عقلي أو عادي،

____________

اخترناه نحن‏ (و لكن يرد عليه) أي: على تساوي التفصيلين و عدم افتراق أحدهما عن الآخر: إن هنا نقطة افتراق بينهما و هي كما قال:

(أنّه قد يكون الأمر الوجودي أمرا خارجيا، كالرطوبة) فإن الرطوبة ليست من الأمور الشرعية لكن‏ (يترتّب عليها) أي: على الرطوبة (آثار شرعية) كالنجاسة، فإذا علمنا برطوبة الثوب و ملاقاته للنجس، ترتّب عليه النجاسة، لكن إذا شككنا في رطوبة الثوب، للشك في هبوب ريح تجففها، فليس لنا أن نستصحب عدم هبوب الريح لنثبت به الرطوبة حتى يترتّب عليها القول بنجاسة الثوب كما قال:

(فإذا شك في وجود الرافع لها) أي: لهذه الرطوبة بأنه هل هبّت ريح فجففتها أم لا؟ (لم يجز أن يثبت به) أي: بعدم هبوب الريح وجود (الرطوبة حتى يترتّب عليه أحكامها) أي: أحكام الرطوبة من السراية إذا وقع الثوب على أرض نجسة.

و إنّما لم يجز ذلك‏ (لما سيجي‏ء: من أنّ المستصحب) كعدم هبوب الريح في المثال‏ (لا يترتّب عليه إلّا آثاره الشرعية المترتبة عليه، بلا واسطة أمر عقلي أو عادي) أو عرفي، و معلوم: إن الرطوبة و عدمها ليس أثرا شرعيا لهبوب الريح و عدمه، فلا يصح إثبات الرطوبة باستصحاب عدم هبوب الريح، لأنه يكون حينئذ مثبت و الاستصحاب المثبت ليس بحجة.

25

فيتعين حينئذ استصحاب نفس الرطوبة.

و أصالة عدم الرافع: إن أريد بها أصالة عدم ذات الرافع، كالريح المجفّف للرطوبة- مثلا- لم ينفع في الأحكام المترتبة شرعا على نفس الرطوبة، بناء على عدم اعتبار الأصل المثبت، كما سيجي‏ء.

و إن أريد بها أصالة

____________

و عليه: (فيتعين حينئذ) أي: حين لم نتمكن من استصحاب عدم الرافع‏ (استصحاب نفس الرطوبة) لكنك قد عرفت: إن نفس الرطوبة لا تستصحب عند من يقول بعدم جريان الاستصحاب في الوجوديات.

(و) إن قلت: فما فائدة (أصالة عدم الرافع) حينئذ مع تسليم حجيتها؟.

قلت: أصالة العدم على قسمين:

الأوّل: أصالة عدم الرافع من حيث ذات الرافع، كعدم هبوب الريح لاثبات الرطوبة كما في المثال، فليس بحجة لأنه مثبت فلا ينفعنا هنا.

الثاني: أصالة عدم الرافع من حيث وصف الرافعية و مرجعها الى أصالة عدم ارتفاع الرطوبة في المثال و هو حجة لكنه لا ينفعنا هنا أيضا.

و الى القسم الأوّل أشار المصنّف حيث قال: فإنه‏ (إن أريد بها) أي: بأصالة عدم الرافع: (أصالة عدم ذات الرافع، كالريح المجفّف للرطوبة- مثلا- لم ينفع في الأحكام المترتبة شرعا على نفس الرطوبة) كالنجاسة فيما إذا كان الثوب رطبا و لاقى نجسا، فإنها لا تثبت، و ذلك‏ (بناء على عدم اعتبار الأصل المثبت، كما سيجي‏ء) الكلام عنه إن شاء اللّه تعالى.

و الى القسم الثاني أشار بقوله: (و إن أريد بها) أي: بأصالة عدم الرافع: (أصالة

26

عدمه من حيث وصفه الرافعيّة، و مرجعها الى أصالة عدم ارتفاع الرطوبة، فهي و إن لم يكن يترتّب عليه الأحكام الشرعية للرطوبة، لكنّها عبارة أخرى عن استصحاب نفس الرطوبة.

فالانصاف: افتراق القولين في هذا القسم.

____________

عدمه من حيث وصفه الرافعيّة، و مرجعها الى أصالة عدم ارتفاع الرطوبة) كما في المثال، فإن كان هذا هو المراد بها (فهي و إن لم يكن يترتّب عليه الأحكام الشرعية للرطوبة، لكنّها عبارة أخرى عن استصحاب نفس الرطوبة) و قد تقدّم:

إن المفصّل لا يجري الاستصحاب في الوجوديات.

إذن: (فالانصاف: افتراق القولين): قولنا، و قول المفصّل بين العدمي و الوجودي‏ (في هذا القسم) و هو القسم الثاني من أصالة عدم الرافع، فيجري فيه الاستصحاب على مختارنا دون التفصيل المذكور، و ذلك بالتوجيه المتقدّم و هو:

أن يكون اعتبار الاستصحاب من باب التعبّد، و أن يكون المترتب على المستصحب هو آثاره الشرعية بلا واسطة، دون العقلية و العادية و الشرعية.

و عليه: فالأثر قد يكون أثرا شرعيا بلا واسطة، و هذا هو الذي يترتب على الاستصحاب بناء على حجيته من باب التعبد بالاخبار.

و قد يكون أثرا شرعيا مع الواسطة، أو يكون أثرا غير شرعي، و كلاهما لا يترتبان على الاستصحاب بناء على حجيته من باب التعبد بالأخبار.

إذن: فتحصل من كلام المصنّف ما يلي:-

أولا: تساوي التفصيلين و إن التفصيل المذكور بين الوجودي و العدمي هو التفصيل الذي اختاره المصنّف بين المقتضي و المانع.

ثانيا: عدم تساوي التفصيلين في بعض المواضع، حيث يجري الاستصحاب‏

27

حجّة من أنكر اعتباره في الأمور الخارجية ما حكاه المحقق الخوانساري في شرح الدروس، و حكاه في حاشية له عند كلام الشهيد: «و يحرم استعمال الماء النجس و المشتبه» على ما حكاه شارح الوافية و استظهره المحقق القمّي (قدّس سرّه) من السبزواري من: «أنّ الاخبار لا يظهر شمولها للأمور الخارجية، مثل: رطوبة الثوب و نحوها،

____________

فيه على مختار المصنّف دون التفصيل المذكور بين الوجودي و العدمي، و ذلك بناء على حجية الاستصحاب من باب التعبد بالاخبار.

(حجّة) القول الرابع‏

و هو: قول‏ (من أنكر اعتباره) أي: اعتبار الاستصحاب‏ (في الامور الخارجية) أي: في الموضوعات و قال بحجيته في الأحكام الشرعية:

(ما حكاه المحقق الخوانساري في شرح الدروس، و حكاه في حاشية له عند كلام الشهيد) فإن الشهيد قال: (: «و يحرم استعمال الماء النجس و المشتبه») كما في مورد العلم الاجمالي بنجاسة أحد الإناءين، و ذلك‏ (على ما حكاه شارح الوافية).

و عليه: فإن السيد الصدر في شرحه للوافية، حكى هذا القول عن المحقق الخوانساري في شرح الدروس‏ (و استظهره المحقق القمّي (قدّس سرّه) من السبزواري) أيضا، فالمحققان: الخوانساري و السبزواري يقولان بهذا التفصيل.

و أما حجة من حكي عنهم هذا التفصيل فهو ما أشار اليه المصنّف بقوله: (من «أنّ الاخبار لا يظهر شمولها للأمور الخارجية) أي: الموضوعات‏ (مثل: رطوبة الثوب و نحوها) فلا يستصحب رطوبة الثوب إذا كان للرطوبة أثر مثل نجاسته بسبب الملاقاة للنجس.

28

إذ يبعد أن يكون مرادهم بيان الحكم في مثل هذه الأمور الذي ليس حكما شرعيا و إن كان يمكن أن يصير منشأ لحكم شرعي، و هذا ما يقال: إنّ الاستصحاب في الأمور الخارجية لا عبرة به»، انتهى.

و فيه: أمّا أولا: فبالنقض بالأحكام الجزئية، مثل: طهارة الثوب من حيث عدم ملاقاته للنجاسة و نجاسته من حيث ملاقاته لها، فإنّ بيانها أيضا ليس من وظيفة الإمام (عليه السلام)،

____________

و إنّما لا يظهر من الاخبار شمولها لمثل هذه الأمور الخارجية (إذ يبعد أن يكون مرادهم) أي: مراد المعصومين (عليهم السلام)‏ (بيان الحكم في مثل هذه الأمور الذي ليس حكما شرعيا) لأن شأن الشارع بيان الأحكام لا بيان الموضوعات‏ (و إن كان يمكن أن يصير منشأ لحكم شرعي) فإن استصحاب الرطوبة منشأ لحكم شرعي و هو: نجاسة الثوب الرطب الملاقي للنجس.

(و هذا ما يقال: إنّ الاستصحاب في الأمور الخارجية لا عبرة به» (1) انتهى) ما حكاه المحقق الخوانساري (رحمه اللّه).

(و فيه: أمّا أولا: فبالنقض بالأحكام الجزئية) فإنه لا شك في جريان الاستصحاب في الأحكام الجزئية (مثل: طهارة الثوب من حيث عدم ملاقاته للنجاسة) فإذا شككنا في إنه هل لاقى النجاسة أم لا، نستصحب طهارته؟.

(و) كذا مثل‏ (نجاسته من حيث ملاقاته لها) أي: للنجاسة فإذا شككنا في إن الثوب النجس طهّرناه أم لا، نستصحب نجاسته، و هكذا سائر الأحكام الجزئية.

و عليه: (فإنّ بيانها) أي: بيان هذه الأحكام الجزئية (أيضا) كالأمور الخارجية مثل استصحاب بقاء زيد و نحو ذلك‏ (ليس من وظيفة الإمام (عليه السلام))

____________

(1)- القوانين المحكمة: ج 2 ص 66، مشارق الشموس في شرح الدروس: ص 281.

29

كما أنّه ليس وظيفة المجتهد و لا يجوز التقليد فيها، و إنّما وظيفته من حيث كونه مبيّنا للشرع: بيان الأحكام الكلّية المشتبهة على الرعيّة.

و أمّا ثانيا: فبالحل، توضيحه أنّ بيان الحكم الجزئي في المشتبهات الخارجيّة ليس وظيفة للشارع، و لا لأحد من قبله.

____________

لكن الإمام (عليه السلام) بيّنها.

(كما أنّه ليس وظيفة المجتهد) ذلك أيضا (و لا يجوز التقليد فيها) بأن نقلّد في إن الثوب هل لاقى النجس أم لا؟ و أن الثوب النجس هل طهّرناه أم لا؟ (و إنّما وظيفته من حيث كونه مبيّنا للشرع: بيان الأحكام الكلّية المشتبهة على الرعيّة) مثل كل مسكر حرام، و كل مسكر مائع بالأصالة، فهو نجس، و ما أشبه ذلك.

إذن: فالذي تقولون به بالنسبة الى هذه الأحكام الجزئية مع إن الشارع بيّنها يلزم أن تقولوا به بالنسبة الى الأمور الخارجية أيضا، و ذلك لعدم الفرق بينهما من الجهة التي ذكرناها.

(و أمّا ثانيا: فبالحل) و ذلك بأن الشارع إنّما عليه بيان الحكم الكلي، لكن الحكم الكلي كما ينطبق على الجزئيات الشرعية، ينطبق على الجزئيات الخارجية أيضا، فإن الشارع يقول مثلا: «لا تنقض اليقين بالشك» (1) فإذا شك الانسان في أن شخصا مات أو لم يمت يستصحب حياته، و إذا شك الانسان في أن شيئا لاقى النجس أو لم يلاق النجس يستصحب طهارته، و هكذا.

و أما (توضيحه) فهو كما قال: (أنّ بيان الحكم الجزئي في المشتبهات الخارجيّة ليس وظيفة للشارع، و لا لأحد من قبله) أي: من قبل الشارع كالمجتهد

____________

(1)- الكافي (فروع): ج 3 ص 351 ح 3، تهذيب الاحكام: ج 2 ص 186 ب 23 ح 41، الاستبصار: ج 1 ص 373 ب 216 ح 3، وسائل الشيعة: ج 8 ص 217 ب 10 ح 10462.

30

نعم، حكم المشتبه حكمه الجزئي، كمشكوك النجاسة أو الحرمة، حكم شرعي كلّي ليس بيانه إلّا وظيفة للشارع، و كذلك الموضوع الخارجي كرطوبة الثوب، فإنّ بيان ثبوتها و انتفائها في الواقع ليس وظيفة للشارع.

نعم، حكم الموضوع المشتبه في الخارج، كالمائع المردّد بين الخل و الخمر حكم كلّي ليس بيانه وظيفة إلّا للشارع، و قد قال الصادق (عليه السلام):

____________

بما هو حكم جزئي.

(نعم، حكم) ذلك‏ (المشتبه حكمه الجزئي) فحكمه: فاعل المشتبه، و الجزئي: صفة حكمه‏ (كمشكوك النجاسة أو الحرمة) بما هو حكم كلي، فإنه‏ (حكم شرعي كلّي ليس بيانه إلّا وظيفة للشارع) حيث قال سبحانه: يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ، وَ يَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ (1).

(و كذلك الموضوع الخارجي كرطوبة الثوب، فإنّ بيان ثبوتها) أي: الرطوبة (و انتفائها في الواقع) أي: إنه خارجا هل هو رطب أو ليس برطب فإن هذا بما هو (ليس وظيفة للشارع) و إنّما هو وظيفة الانسان بنفسه.

(نعم، حكم) ذلك‏ (الموضوع المشتبه في الخارج كالمائع المردّد بين الخل و الخمر) بما هو حكم كلّي، فإنه‏ (حكم كلّي ليس بيانه وظيفة إلّا للشارع).

و كذلك بقية الموضوعات المشتبهة في الخارج، كرطوبة الثوب و عدمها الثوب نجسا، فإنه يلزم استطراق باب الشارع لنظر ما بيّنه من حكم كلي لهذه الجزئيات، فنطبّق ذلك الكلي على هذه الجزئيات الخارجية.

هذا (و قد قال الصادق (عليه السلام)) في بيان الحكم الكلي لأمثال هذه الجزئيات:

____________

(1)- سورة الاعراف: الآية 157.

31

«كلّ شي‏ء لك حلال حتى تعلم أنّه حرام، و ذلك مثل الثّوب يكون عليك» الى آخره، و قوله في خبر آخر: «سأخبرك عن الجبنّ»، و غيره.

و لعلّ التوهّم نشأ من تخيّل أنّ ظاهر «لا تنقض»: إبقاء نفس المتيقن السابق، و ليس إبقاء الرطوبة ممّا يقبل حكم الشارع بوجوبه.

و يدفعه بعد النقض بالطهارة المتيقنة سابقا، فإنّ إبقاءها ليس من الأفعال الاختياريّة القابلة للايجاب:

____________

( «كلّ شي‏ء لك حلال حتى تعلم أنّه حرام، و ذلك مثل الثّوب يكون عليك» (1) الى آخره، و قوله) (عليه السلام): (في خبر آخر: «سأخبرك عن الجبنّ» (2)، و غيره‏ (3)) فبيّن الإمام الحكم الكلي و نحن نطبّقه على الجزئي الخارجي.

(و لعلّ التوهّم) بأن بيان حكم الجزئي ليس من وظيفة الشارع‏ (نشأ من تخيّل أنّ ظاهر «لا تنقض»: إبقاء نفس المتيقن السابق، و) معلوم: إنه‏ (ليس إبقاء الرطوبة ممّا يقبل حكم الشارع بوجوبه) فإنّ الموضوع الخارجي من الأمور التكوينية و ليس من الأمور التشريعية حتى يثبت أو يسقط بالتشريع.

(و يدفعه بعد النقض بالطهارة المتيقنة سابقا، فإنّ إبقاءها) أي: الطهارة السابقة (ليس من الأفعال الاختياريّة القابلة للايجاب) أي القابلة لايجاب البقاء، فإن الاختيار فيما يصلح للاختيار إنّما هو بالنسبة الى المستقبل، و أمّا فيما مضى فقد خرج عن الاختيار و لا يوصف به.

____________

(1)- الكافي (فروع): ج 5 ص 313 ح 40، تهذيب الاحكام: ج 7 ص 226 ب 21 ح 9، وسائل الشيعة:

ج 17 ص 89 ب 4 ح 22053، بحار الانوار: ج 2 ص 273 ب 33 ح 12.

(2)- انظر الكافي (فروع): ج 6 ص 339 ح 2، وسائل الشيعة: ج 25 ص 118 ب 61 ح 31377، بحار الانوار: ج 65 ص 156 ح 30.

(3)- كرواية اللحم المشترى من السوق، راجع الاستبصار: ج 4 ص 75 ب 48 ح 1، وسائل الشيعة:

ج 24 ص 70 ب 29 ح 30023 (بالمعنى).

32

أنّ المراد من الابقاء و عدم النقض هو: ترتيب الآثار الشرعية المترتّبة على المتيقن. فمعنى استصحاب الرطوبة ترتيب آثارها الشرعية في زمان الشك، نظير استصحاب الطهارة. فطهارة الثوب و رطوبته سيّان في عدم قابلية الحكم بإبقائهما عند الشك و في قابلية الحكم بترتب آثارهما الشرعية في زمان الشك.

____________

و إنّما خرج ما مضى عن الاختيار لأن الفعل الاختياري ما كان كل من الفعل و الترك فيه مقدورا للمكلف، و من المعلوم: إن الطهارة المتيقنة بالنسبة الى سابق الشك إن نقضت فالابقاء غير مقدور، و إن لم تنقض فترك الابقاء غير مقدور.

و عليه: فإنه يدفع التوهم المذكور بعد النقض المزبور يدفعه: (أنّ المراد من الابقاء و عدم النقض هو: ترتيب الآثار الشرعية المترتّبة على المتيقن) لا إبقاء نفس المتيقن، و من المعلوم: إن ترتيب الآثار و عدم ترتيب الآثار هو من الأمور الاختيارية.

إذن: (فمعنى استصحاب الرطوبة) الذي هو أمر خارجي: (ترتيب آثارها الشرعية في زمان الشك) كما إنه لو لم نقل باستصحاب الرطوبة كان معناه: عدم ترتيب آثارها الشرعية، فاستصحاب الرطوبة إذن هو (نظير استصحاب الطهارة) الذي هو أمر شرعي من حيث ترتيب الآثار الشرعية أو عدم ترتيبها.

و عليه: (فطهارة الثوب) الذي هو أمر شرعي‏ (و رطوبته) الذي هو أمر خارجي‏ (سيّان في عدم قابلية الحكم بإبقائهما عند الشك) فإن الأمر التكويني، كما ذكرنا غير قابل للابقاء و عدم الابقاء.

(و) كذا سيّان أيضا (في قابلية الحكم بترتب آثارهما الشرعية في زمان الشك) لأن الأمر الاعتباري المستقبلي يمكن ترتيبه، كما يمكن عدم ترتيبه.

33

فالتفصيل بين كون المستصحب من قبيل رطوبة الثوب و كونه من قبيل طهارته، لعدم شمول أدلّة «لا تنقض» للأول، في غاية الضعف.

نعم، يبقى في المقام: أنّ استصحاب الامور الخارجية إذا كان معناه:

ترتيب آثارها الشرعية لا يظهر له فائدة، لأنّ تلك الآثار المترتّبة عليه كانت مشاركة معه في اليقين السابق، فاستصحابها يغني عن استصحاب نفس الموضوع،

____________

إذن: (فالتفصيل بين كون المستصحب من قبيل رطوبة الثوب) و حياة زيد (و كونه من قبيل طهارته) و نجاسته‏ (لعدم شمول أدلّة «لا تنقض» للأول) و شموله للثاني‏ (في غاية الضعف) على ما عرفت، فمقتضى القاعدة: جريان الاستصحاب فيهما معا.

(نعم، يبقى في المقام: أنّ استصحاب الامور الخارجية إذا كان معناه: ترتيب آثارها الشرعية) على كما ذكرنا: من إن معنى الاستصحاب ذلك، فإنه‏ (لا يظهر له) أي: لهذا الاستصحاب‏ (فائدة).

و إنّما لا يظهر له فائدة (لأنّ تلك الآثار المترتّبة عليه كانت مشاركة معه) أي:

مع تلك الأمور الخارجية (في اليقين السابق) فكان زيد و كان معه حرمة ماله و معه حرمة زوجته‏ (فاستصحابها) أي: استصحاب تلك الآثار الشرعية (يغني عن استصحاب نفس الموضوع).

و الحاصل: إن هنا موضوعا: هو زيد، و حكما: هو حرمة ماله، حيث إنه إذا مات حلّ ماله لوارثه، و المقصود: استصحاب الحكم و هو: حرمة ماله فلما ذا تستصحبون الموضوع و هو: بقاء زيد، و الحال إن استصحاب الحكم مغن عن بقاء الموضوع؟.

34

فإنّ استصحاب حرمة مال زيد الغائب و زوجته يغني عن استصحاب حياته إذا فرض أنّ معنى إبقاء الحياة: ترتب آثارها الشرعية.

نعم، قد يحتاج إجراء الاستصحاب في آثاره إلى أدنى تدبّر، كما في الآثار غير المشاركة معه في اليقين السابق، مثل توريث الغائب من قريبه المتوفّى في زمان الشك في حياة الغائب، فانّ التوريث غير متحقّق حال اليقين بحياة الغائب، لعدم موت قريبه بعد.

____________

و عليه: (فإنّ استصحاب حرمة مال زيد الغائب) فيما إذا شككنا في انه مات أم لا، للمنع من التصرف فيه، (و) استصحاب حرمة (زوجته) للمنع من تزوجها (يغني عن استصحاب حياته إذا فرض أنّ معنى إبقاء الحياة: ترتب آثارها الشرعية) على ما ذكرتم: من إن استصحاب الحياة إنّما يفيد ترتيب الآثار الشرعية.

(نعم) و هذا استثناء من قوله قبل قليل: «نعم يبقى في المقام»، فانه‏ (قد يحتاج إجراء الاستصحاب في آثاره إلى أدنى تدبّر) و هو فيما إذا لم يمكن استصحاب الآثار استصحابا مطلقا، بل استصحابا تعليقيا، و ذلك‏ (كما في الآثار غير المشاركة معه في اليقين السابق) فانه لا يمكن الاستصحاب فيها إلّا على نحو التعليق و ذلك‏ (مثل توريث الغائب من قريبه المتوفّى في زمان الشك في حياة الغائب) حيث يكون زيد الغائب، و لم يكن معه توريثه من قريبه المتوفى الآن- مثلا-.

و عليه: (فانّ التوريث غير متحقّق حال اليقين بحياة الغائب، لعدم موت قريبه بعد) أي: في حال اليقين بحياة الغائب، و المتوهم بقوله: «نعم يبقى في المقام»، يتوهم ان هنا يستصحب الحكم أيضا، و هو عدم التوريث، لأن الغائب لم يكن‏

35

لكن مقتضى التدبّر اجراء الاستصحاب على وجه التعليق، بأن يقال:

لو مات قريبه قبل الشك في حياته لورث منه.

و بعبارة اخرى: موت قريبه قبل ذلك كان ملازما لارثه منه، و لم يعلم انتفاء الملازمة فيستصحب.

و بالجملة: الآثار المترتبة

____________

وارثا حال حياة أبيه، فاذا شككنا في موت الغائب نستصحب عدم ارثه‏ (لكن مقتضى التدبّر اجراء الاستصحاب) هنا أيضا، لأن الحكم و الموضوع كليهما كانا سابقا و لكن مع فارق و هو: ان الحكم كان سابقا في استصحاب حرمة مال زيد على وجه التحقيق، و هنا على وجه التعليق.

إذن: فالاستصحاب يجري هنا (على وجه التعليق، بأن يقال: لو مات قريبه قبل الشك في حياته لورث منه) فكان الموضوع و هو الغائب، و كان الحكم التعليقي و هو التوريث.

(و بعبارة اخرى: موت قريبه قبل ذلك) أي: قبل زمان الشك‏ (كان ملازما لارثه منه، و لم يعلم انتفاء الملازمة فيستصحب) بقاء الملازمة، فالأثر مشارك معه في اليقين السابق أيضا.

و الحاصل من قوله نعم يبقى في المقام إلى هنا هو: ان المستشكل يقول لا حاجة إلى استصحاب الموضوع لترتيب الآثار، بل نستصحب نفس الآثار، سواء كان حكما تنجيزيّا مثل: حرمة مال الغائب إذا شككنا في انه مات أو لم يمت، أم حكما تعليقيا مثل: ارث الغائب عن أبيه إذا مات أبوه، و لا نعلم هل ان الغائب حي أو ميت؟.

(و بالجملة): لا فرق بين الآثار التنجيزية، و الآثار التعليقية، إذ (الآثار المترتبة

36

على الموضوع الخارجي منها: ما يجتمع معه في زمان اليقين به، و منها:

ما لا يجتمع معه في ذلك الزمان.

لكن عدم الترتب فعلا في ذلك الزمان، مع فرض كونه من آثاره شرعا، ليس إلّا لمانع في ذلك الزمان، أو لعدم شرط، فيصدق في ذلك الزمان أنّه لو لا ذلك المانع أو عدم الشرط لترتب الآثار، فاذا فقد المانع الموجود، أو وجد الشرط المفقود، و شك في ترتّبه من جهة الشك في بقاء ذلك الأمر الخارجي،

____________

على الموضوع الخارجي) كحياة زيد الغائب الذي نشك في انه حي أو ليس بحي تكون على قسمين:

(منها: ما يجتمع معه في زمان اليقين به) أي: اليقين بالموضوع و هو زيد.

(و منها: ما لا يجتمع معه في ذلك الزمان) أي: زمان اليقين.

(لكن عدم الترتب فعلا في ذلك الزمان) ترتبا تنجيزيا (مع فرض كونه من آثاره شرعا، ليس إلّا لمانع في ذلك الزمان، أو لعدم شرط) أي: ان الحكم إذا لم يترتّب في الزمان السابق، فلوجود مانع عن ترتب الحكم، أو فقد شرط للحكم.

و عليه: (فيصدق في ذلك الزمان) أي: زمان اليقين و هو الزمان السابق‏ (أنّه لو لا ذلك المانع، أو) لو لا (عدم الشرط، لترتب الآثار) عليه و هو الحكم.

مثلا: حياة الأب الذي هو مورث الابن الغائب في المثال السابق مانع عن الارث، و موته شرط للارث‏ (فاذا فقد المانع الموجود، أو وجد الشرط المفقود، و شك في ترتّبه) أي: ترتب الحكم و هو الارث في المثال‏ (من جهة الشك في بقاء ذلك الأمر الخارجي) كحياة الابن الغائب الذي شككنا في انه هل بقي حيا حتى يرث من أبيه، أو لم يبق حيا حتى لا يرثه؟.

37

حكم باستصحاب ذلك الترتّب الشأني، و سيأتي لذلك مزيد توضيح في بعض التنبيهات الآتية.

هذا، و لكنّ التحقيق أنّ في مورد جريان الاستصحاب في الأمر الخارجي لا يجري استصحاب الأثر المترتّب عليه.

فاذا شكّ في بقاء حياة زيد، فلا سبيل إلى إثبات آثار حياته إلّا بحكم‏

____________

فان الشك في ترتب الحكم من هذه الجهة (حكم باستصحاب ذلك الترتّب الشأني) فنقول: ان الأب لو مات في السابق، كان الابن يرثه، و الآن نستصحب ذلك الارث الشأني بعد ان وجد شرط الارث و هو: موت أب الغائب.

هذا (و سيأتي لذلك) الاستصحاب التعليقي‏ (مزيد توضيح في بعض التنبيهات الآتية) إن شاء اللّه تعالى.

ثم لا يخفى: ان‏ (هذا) الذي ذكرناه من الاشكال بقولنا: «نعم يبقى في المقام» ممّا كان حاصله: ان المتوهم يقول: بأنّا نستصحب الحكم فلا حاجة إلى استصحاب الموضوع، سواء كان الحكم تنجيزيا، أم تعليقيا، غير تام كما قال:

(و لكنّ التحقيق) ان الاشكال بقوله: «نعم يبقى في المقام»، غير تام، إذ استصحاب الموضوع سببي، و استصحاب الحكم مسببي، و كلما أمكن الاستصحاب السببي لم يبق مجال للاستصحاب المسببي، فاللازم ان نستصحب حياة زيد الغائب، لا ان نستصحب حرمة ماله أو ان نستصحب حرمة زوجته كما قال: (أنّ في مورد جريان الاستصحاب في الأمر الخارجي لا يجري استصحاب الأثر المترتّب عليه) لأن استصحاب الأمر الخارجي سببي و استصحاب الأثر مسببي.

و عليه: (فاذا شك في بقاء حياة زيد، فلا سبيل إلى إثبات آثار حياته إلّا بحكم‏

38

الشارع بعدم جواز نقض حياته بمعنى: وجوب ترتيب الآثار الشرعية المترتبة على الشخص الحي، و لا يغني عن ذلك اجراء الاستصحاب في نفس الآثار، بأن يقال بأنّ حرمة ماله و زوجته كانت متيقنة فيحرم نقض اليقين بالشك، لأنّ حرمة المال و الزوجة إنّما يترتّبان في السابق على الشخص الحي بوصف أنّه حي، فالحياة داخل في موضوع المستصحب، و هي مشكوكة في الزمن اللاحق،

____________

الشارع بعدم جواز نقض حياته) أي: يلزم علينا ان نستصحب وجود زيد، لا ان نستصحب آثار حياته من حرمة زوجته و حرمة ماله و ما أشبه ذلك.

و إنّما لا سبيل إلى الآثار الشرعية إلّا باثبات موضوعها و هي الحياة هنا، لأن حكم الشارع بعدم جواز نقض الحياة إنّما هو (بمعنى: وجوب ترتيب الآثار الشرعية المترتبة على) الموضوع الخارجي و هو (الشخص الحي) كزيد مثلا، فلا بد من إثباته لترتب آثاره عليه.

(و) من المعلوم: انه ما لم يثبت الموضوع لم يترتب عليه آثاره، و لذا (لا يغني عن ذلك) أي: عن استصحاب الموضوع‏ (اجراء الاستصحاب في نفس الآثار، بأن يقال) في استصحاب نفس الآثار: (بأنّ حرمة ماله و زوجته كانت متيقنة) في الزمان السابق‏ (فيحرم نقض اليقين بالشك).

و إنّما نقول: لا يغني ذلك عن استصحاب الموضوع‏ (لأنّ حرمة المال و الزوجة إنّما يترتّبان في السابق على الشخص الحي بوصف أنّه حي، فالحياة داخل في موضوع المستصحب) فالمستصحب إذن هو الشخص الحي‏ (و هي) أي الحياة (مشكوكة في الزمن اللاحق) و ما دامت مشكوكة لم نقطع ببقاء الموضوع، فلم يترتب عليه آثاره إلّا إذا استصحبنا نفس الحياة و قطعنا

39

و سيجي‏ء اشتراط القطع ببقاء الموضوع في الاستصحاب، و استصحاب الحياة لاحراز الموضوع في استصحاب الآثار غلط، لأنّ معنى استصحاب الموضوع: ترتيب آثاره الشرعية.

فتحقّق أنّ استصحاب الآثار نفسها غير صحيح، لعدم إحراز الموضوع، و استصحاب الموضوع كاف في إثبات الآثار.

و قد مرّ في مستند التفصيل السابق و سيجي‏ء

____________

ببقاء الموضوع.

(و سيجي‏ء اشتراط القطع ببقاء الموضوع في الاستصحاب) فكيف يمكن استصحاب حرمة ماله و حرمة زوجته بدون القطع ببقاء حياته؟.

(و) ان قلت: سلّمنا: فانا نستصحب حياة زيد، لكن بعد ان استصحبنا حياته نستصحب حرمة ماله و زوجته.

قلت: (استصحاب الحياة لاحراز الموضوع في استصحاب الآثار) كحرمة ماله و زوجته‏ (غلط) إذ لا حاجة إلى استصحاب الآثار، لأنه مسبّبي بعد استصحاب الموضوع الذي هو سببي، فالسببي لا يدع مجالا للمسببي‏ (لأنّ معنى استصحاب الموضوع: ترتيب آثاره الشرعية) فلا حاجة إلى استصحاب الآثار.

إذن: (فتحقّق: أنّ استصحاب الآثار نفسها غير صحيح، لعدم احراز الموضوع، و استصحاب الموضوع كاف في إثبات الآثار) فلا حاجة بعده إلى استصحاب الآثار، و على هذا فقول المستشكل: «نعم يبقى في المقام»، لا مورد له.

هذا (و قد مرّ في مستند التفصيل السابق) بين الوجودي و العدمي‏ (و سيجي‏ء)

40

في اشتراط بقاء الموضوع و في تعارض الاستصحابين أنّ الشك المسبّب عن شك آخر لا يجامع معه في الدخول تحت عموم «لا تنقض»، بل الداخل هو الشك السببي، و معنى عدم الاعتناء به و عدم جعله ناقضا لليقين زوال الشك المسبّب به، فافهم.

____________

ان شاء اللّه تعالى‏ (في اشتراط بقاء الموضوع، و في تعارض الاستصحابين) هذا المطلب أيضا و هو: (أنّ الشك المسبّب عن شك آخر لا يجامع) المسبّب‏ (معه) أي: مع السبب‏ (في الدخول تحت عموم «لا تنقض») بلا فرق بين ان يكون السببي و المسببي متعاضدين أو متخالفين على ما تقدّم‏ (بل الداخل) تحت الأدلة (هو الشك السببي) فقط لا المسببي.

(و معنى عدم الاعتناء به) أي: بالشك السببي‏ (و عدم جعله) أي: جعل الشك السببي‏ (ناقضا لليقين) السابق معناه: (زوال الشك المسبّب به) أي: بالشك السببي حتى يكون الشك المسببي في حكم العدم.

(فافهم) و لعله إشارة إلى انه قد لا يمكن استصحاب الموضوع، لأن العرف يرون عدم الموضوع السابق إلّا بالمسامحة، مما نضطر إلى استصحاب الحكم، كما مثّل لذلك صاحب الرياض في المنقول عنه بما يلي:

لو رأت المرأة الدم في أول وقت الفريضة، و تردد دمها بين الحيض و الاستحاضة، فيقال: انه قد جاز لها الدخول في الفريضة قبل رؤية الدم، إلّا انّ فقد الشرط و هو دخول الوقت قد منع من ثبوت هذا الحكم لها قبل الرؤية، لكن مع تحقق الشرط يشك في ترتب هذا الحكم عليها من جهة الشك في بقاء الموضوع على الصفة التي كان معها موضوعا له، و هو صفة الخلو من الحيض، فتستصحب الملازمة الثابتة قبل الرؤية إلى ما بعدها.

41

و أمّا القول الخامس و هو: التفصيل بين الحكم الشرعي الكلّي، و بين غيره، فلا يعتبر في الأوّل، فهو المصرّح به في كلام المحدّث الاسترابادي، لكنّه صرّح باستثناء استصحاب عدم النسخ مدّعيا للاجماع، بل للضرورة على اعتباره.

قال في محكيّ فوائده المكّية- بعد ذكر أخبار الاستصحاب- ما لفظه:

____________

لكن هذا الاستصحاب إنّما يتم بالمسامحة العرفية، إذ موضوع جواز الدخول في الفريضة و ان كانت هي المرأة بوصف الخلوّ من الحيض، إلّا ان أهل العرف يزعمون ثبوت هذا الحكم بشخص المرأة من حيث هي، و يتخيّلون تبدّل حالة الخلوّ من الحيض إلى حالة الحيض من قبيل تبدل حالات الموضوع، لا من قبيل تغيّر نفس الموضوع.

(و أمّا القول الخامس)

في الاستصحاب‏ (و هو: التفصيل بين الحكم الشرعي الكلّي، و بين غيره) من الامور الجزئية (فلا يعتبر في الأوّل) و إنّما يعتبر في الثاني‏ (فهو المصرّح به في كلام المحدّث الاسترابادي، لكنّه صرّح باستثناء استصحاب عدم النسخ) مع انه حكم كلي.

و عليه: فنظر المحدث الاسترابادي هو: ان الحكم الشرعي لا استصحاب فيه إلّا ما كان من قبيل استصحاب عدم النسخ‏ (مدّعيا للاجماع، بل للضرورة على اعتباره) أي: اعتبار الاستصحاب في عدم النسخ.

(قال في محكيّ فوائده المكّية، بعد ذكر أخبار الاستصحاب- ما لفظه:

42

«لا يقال: هذه القاعدة تقتضي جواز العمل بالاستصحاب في أحكام اللّه تعالى، كما ذهب اليه المفيد و العلامة من أصحابنا و الشافعيّة قاطبة، و يقتضي بطلان قول أكثر علمائنا و الحنفيّة بعدم جواز العمل به.

لأنّا نقول: هذه شبهة عجز عن جوابها كثير من فحول الاصوليين و الفقهاء، و قد أجبنا عنها في الفوائد المدنيّة تارة بما ملخّصه: إنّ صور الاستصحاب المختلف فيها عند نظر التدقيق و التحقيق راجعة إلى أنّه إذا ثبت حكم بخطاب شرعي في موضوع في حال من حالاته‏

____________

«لا يقال: هذه القاعدة) أي: قاعدة البناء على اليقين السابق‏ (تقتضي جواز العمل بالاستصحاب في أحكام اللّه تعالى، كما ذهب اليه المفيد و العلامة من أصحابنا و الشافعيّة قاطبة، و يقتضي بطلان قول أكثر علمائنا و الحنفيّة بعدم جواز العمل به) أي: بالاستصحاب علما بأن عدم الجواز هو الذي نذهب اليه نحن الاسترابادي.

و إنّما لا يقال ذلك‏ (لأنّا نقول: هذه شبهة عجز عن جوابها كثير من فحول الاصوليين و الفقهاء، و قد أجبنا عنها في الفوائد المدنيّة تارة): بأنه لا مجال للاستصحاب بعد تبدّل الموضوع، و اخرى: بانه و ان كان للاستصحاب مجال إلّا ان الشارع منع عنه.

أمّا الجواب الأوّل فنقول‏ (بما ملخّصه: إنّ صور الاستصحاب المختلف فيها عند نظر التدقيق و التحقيق) و قوله: التحقيق: عبارة عن تحصيل الحق، و ان لم يكن فيه دقة، و التدقيق: ما يحتاج في تحصيله إلى الدقة.

و كيف كان: فان صور الاستصحاب المختلف فيها (راجعة إلى أنّه إذا ثبت حكم بخطاب شرعي في موضوع في حال من حالاته) أي: حال من حالات ذلك‏

43

نجريه في ذلك الموضوع عند زوال الحالة القديمة و حدوث نقيضها فيه.

و من المعلوم: أنّه إذا تبدّل قيد موضوع المسألة بنقيض ذلك القيد، اختلف موضوع المسألتين، فالذي سمّوه استصحابا راجع في الحقيقة إلى اسراء حكم موضوع إلى موضوع آخر متّحد معه في الذات، مختلف معه في الصفات.

و من المعلوم عند الحكيم: أنّ هذا المعنى غير معتبر شرعا و أنّ القاعدة

____________

الموضوع‏ (نجريه) أي: نجري ذلك الحكم‏ (في ذلك الموضوع عند زوال الحالة القديمة و حدوث نقيضها) أي: نقيض تلك الحال‏ (فيه) أي: في ذلك الموضوع.

(و من المعلوم: أنّه إذا تبدّل قيد موضوع المسألة بنقيض ذلك القيد، اختلف موضوع المسألتين) فموضوع بقيد، و موضوع بقيد على خلاف ذلك القيد.

و عليه: (فالذي سمّوه استصحابا راجع في الحقيقة إلى اسراء حكم موضوع إلى موضوع آخر) بحيث يكون الموضوع الثاني‏ (متّحد معه) أي: مع الموضوع الأوّل‏ (في الذات، مختلف معه في الصفات).

مثلا: إذا تبدّل الماء المتغيّر إلى الماء غير المتغير، فاذا أجرينا الحكم و هو النجاسة الذي كان في الماء المتغير إلى الماء غير المتغيّر كان معناه: اسراء حكم موضوع إلى موضوع آخر، فانه و ان كان ذات الماء متحدا في كليهما إلّا ان الصفات مختلفة، حيث ان الصفة في الماء الأوّل: التغيّر، و في الماء الثاني: نقيض ذلك لزوال التغيّر.

(و من المعلوم عند الحكيم: أنّ هذا المعنى) و هو: اسراء حكم موضوع إلى موضوع آخر (غير معتبر شرعا) لأنه قياس و ليس باستصحاب‏ (و أنّ القاعدة

44

الشريفة المذكورة غير شاملة له.

و تارة: بأنّ استصحاب الحكم الشرعي، و كذا الأصل- أي الحالة التي إذا خلّي الشي‏ء و نفسه كان عليها- إنّما يعمل بهما ما لم يظهر مخرج عنهما، و قد ظهر في محل النزاع لتواتر الأخبار: بأنّ كلّ ما يحتاج اليه الامّة ورد فيه خطاب و حكم حتى أرش الخدش،

____________

الشريفة المذكورة) و هي قاعدة الاستصحاب‏ (غير شاملة له) أي: لما كان من اسراء حكم من موضوع إلى موضوع آخر.

هذا هو الجواب الأوّل، و امّا الجواب الثاني الذي ذكره الاسترابادي فهو: انه و ان كان للاستصحاب مجال، إلّا أن الشارع منع عنه كما قال: (و تارة: بأنّ استصحاب الحكم الشرعي، و كذا الأصل) أي: أصل البراءة و فسّر الاسترابادي الأصل بقوله: (- أي الحالة التي إذا خلّي الشي‏ء و نفسه كان عليها-) و تلك الحالة هي البراءة الأصلية، لأن الانسان بري‏ء ما لم يثبت عليه تكليف.

ثم قال: فان الاستصحاب و البراءة (إنّما يعمل بهما ما لم يظهر مخرج عنهما، و) الحال‏ (قد ظهر في محل النزاع) المخرج عن كلي الاستصحاب و أصل البراءة (لتواتر الأخبار: بأنّ كلّ ما يحتاج اليه الامّة ورد فيه خطاب و حكم) شرعي‏ (حتى أرش الخدش) (1) فما يراد استصحابه، أو اجراء الأصل فيه، محكوم شرعا بحكم، فلا يصح الاستصحاب و التمسك بالأصل في شي‏ء من الأحكام.

____________

(1)- الكافي (اصول): ج 1 ص 59 ح 3 و ج 7 ص 157 ح 9، بصائر الدرجات: ص 142 ح 3، الاحتجاج:

ص 153، المحاسن: ص 273، نوادر القمّي: ص 161، بحار الانوار: ج 2 ص 170 ب 22 ح 8، ج 26 ص 22 ب 1 ح 10.

45

و كثير ممّا ورد مخزون عند أهل الذكر (عليهم السلام) فعلم أنّه ورد في محل النزاع أحكام لا نعلمها بعينها و تواتر الأخبار بحصر المسائل في ثلاث: بيّن رشده، و بيّن غيّه، أي: مقطوع فيه ذلك لا ريب فيه، و ما ليس هذا و لا ذاك، و بوجوب التوقّف في الثالث» انتهى.

و ما ذكره أوّلا

____________

(و) ان قلت: انا لا نجد في كثير من الامور حكما، فنضطر إلى الاستصحاب، أو العمل بالأصل.

قلت: (كثير ممّا ورد) من الشارع من الأحكام‏ (مخزون عند أهل الذكر (عليهم السلام)) فعدم وجداننا لا يدل على عدم الوجود في الواقع.

إذن: (فعلم أنّه ورد في محل النزاع) أي: مورد الاستصحاب‏ (أحكام لا نعلمها بعينها) و حيث لا نتمكن من إجراء الاستصحاب و البراءة و لا نجد الحكم الوارد عنهم (عليهم السلام)، فلا بد من الاحتياط.

(و) كذلك يدلّ على انه لا يصح لنا العمل بالاستصحاب و أصل البراءة (تواتر الأخبار بحصر المسائل في ثلاث: بيّن رشده، و بيّن غيّه، أي: مقطوع فيه) أي:

في تلك المسائل‏ (ذلك) الرشد أو الغني بحيث انه‏ (لا ريب فيه) أي: في ذلك الرشد أو في ذلك الغيّ‏ (و ما ليس هذا و لا ذاك، و) هو القسم الثالث يعني: لا بيّن الرشد، و لا بيّن الغي، حيث أمروا (بوجوب التوقّف في الثالث) (1) فلا يعمل فيه لا بالاستصحاب و لا بالأصل، و إنّما يجب فيه التوقف و الاحتياط.

(انتهى) كلام الأمين الاسترابادي‏ (و) لكن يرد على‏ (ما ذكره أوّلا) عند قوله:

تارة بما ملخّصه، ما يلي: ان الأصحاب أجابوا بهذا الجواب، بل بأكثر منه، حيث‏

____________

(1)- الفوائد المكّية: مخطوط.

46

قد استدلّ به كلّ من نفى الاستصحاب من أصحابنا و أوضحوا ذلك غاية الايضاح، كما يظهر لمن راجع الذريعة و العدّة و الغنية و غيرها.

إلّا أنّهم منعوا عن اثبات الحكم الثابت لموضوع في زمان له بعينه في زمان آخر من دون تغيّر و اختلاف في صفة الموضوع سابقا و لا حقا، كما يشهد له تمثيلهم بعدم الاعتماد على حياة زيد أو بقاء البلد على ساحل البحر بعد الغيبة عنهما.

____________

إن الاسترابادي يمنع الاستصحاب في الشك في المقتضي، و الأصحاب المانعون عن الاستصحاب يمنعونه حتى في الشك في الرافع، و ذلك كما قال:

انه‏ (قد استدلّ به) أي: بما أجاب المحدث الاسترابادي‏ (كلّ من نفى الاستصحاب من أصحابنا و أوضحوا ذلك غاية الايضاح، كما يظهر لمن راجع الذريعة) للسيد المرتضى‏ (و العدّة) لشيخ الطائفة (و الغنية) لابن زهرة (و غيرها) من الكتب، فانهم قالوا بعدم جريان الاستصحاب إلى الحالة اللاحقة من الحالة السابقة.

(إلّا أنّهم منعوا عن اثبات الحكم الثابت لموضوع في زمان له بعينه) الضميران في: «له» «و بعينه»، راجعان إلى الموضوع فانهم منعوا من إثباته له‏ (في زمان آخر) حتى و ان كان‏ (من دون تغيّر و اختلاف في صفة الموضوع سابقا و لا حقا).

إذن: فالأسترآبادي يقول: ان الاستصحاب لا يجري لتغيّر الموضوع، و هؤلاء الأصحاب يقولون: ان الاستصحاب لا يجري لتبدل الزمان، و ان كان الموضوع بعينه و صفته باقيا (كما يشهد له) أي: لبنائهم على عدم جريان الاستصحاب بسبب تغيّر الزمان فقط (تمثيلهم بعدم الاعتماد على حياة زيد أو بقاء البلد على ساحل البحر بعد الغيبة عنهما) مع وضوح: ان المتبدل فيهما هو الزمان فقط،

47

و أهملوا قاعدة البناء على اليقين السابق، لعدم دلالة العقل عليه و لا النقل، بناء على عدم التفاتهم إلى الأخبار المذكورة، لقصور دلالتها عندهم ببعض ما أشرنا اليه سابقا، أو لغفلتهم عنها على أبعد الاحتمالات عن ساحة من هو دونهم في الفضل.

و هذا المحدّث، قد سلّم دلالة الأخبار على وجوب البناء على اليقين السابق و حرمة نقضه مع اتحاد الموضوع.

____________

فلا يكون الموضوع من حيث الصفة في السابق و هو زمان اليقين، مخالفا له من حيث الصفة في اللاحق و هو زمان الشك، و إنّما الاختلاف هو بتغير الزمان فقط.

هذا (و أهملوا قاعدة البناء على اليقين السابق) أي: قالوا بعدم الاستصحاب، و ذلك‏ (لعدم دلالة العقل عليه) أي: على هذه القاعدة (و لا النقل، بناء على عدم التفاتهم إلى الأخبار المذكورة) في البناء على اليقين السابق.

و إنّما لم يلتفتوا إلى هذه الأخبار الدالة على الاستصحاب‏ (لقصور دلالتها) أي: هذه الأخبار (عندهم ببعض ما أشرنا اليه سابقا) حيث ناقشنا في دلالة الأخبار المذكورة من جهة السند، أو الدلالة (أو لغفلتهم عنها) أي: عن هذه الأخبار (على أبعد الاحتمالات عن ساحة من هو دونهم في الفضل) فكيف بهم (رضوان اللّه تعالى عليهم)؟.

(و هذا المحدّث، قد سلّم دلالة الأخبار على وجوب البناء على اليقين السابق و حرمة نقضه مع اتحاد الموضوع) فهو يسلّم الكبرى: حجية الاستصحاب مع اتحاد الموضوع، لكن لا يرى الاستصحاب في الأحكام صغرى لهذه الكبرى، و ذلك لادّعائه تبدل الموضوع فيها، و رؤيته بأنها من اسراء الحكم من موضوع إلى موضوع آخر، بينما هؤلاء لا يسلّمون الكبرى و يقولون بعدم الحجية مطلقا

48

إلّا أنّه ادّعى تغاير موضوع المسألة المتيقنة و المسألة المشكوكة، فالحكم فيها بالحكم السابق ليس بناء على اليقين السابق، و عدم الحكم به ليس نقضا له.

فيرد عليه، أولا: النقض بالموارد التي ادّعى الاجماع و الضرورة على اعتبار الاستصحاب فيها، كما حكيناها عنها سابقا،

____________

حتى فيما لم يكن تبدّل الموضوع، بل كان تبدّل الزمان فقط مما معناه بقاء الموضوع كاملا.

و عليه: فانه سلّم دلالة الأخبار على الاستصحاب‏ (إلّا أنّه ادّعى) أي: المحدّث الاسترابادي: (تغاير موضوع المسألة المتيقنة) السابقة (و المسألة المشكوكة) اللاحقة و إذا تغاير موضوعهما (فالحكم فيها) أي: في المسألة المشكوكة (بالحكم السابق) الذي كان للمسألة المتيقنة (ليس بناء على اليقين السابق) لأن المسألة المتيقنة تبدلت إلى مسألة مشكوكة فصار الموضوع موضوعا آخر (و) لذلك كان‏ (عدم الحكم به) حينئذ (ليس نقضا له) أي: للحكم السابق.

إذا اتضح ذلك‏ (فيرد عليه) ما يلي:

(أولا): بانه كيف يجري الاستصحاب فيما هو أبعد من الاستصحاب في الأحكام الكلية؟ مما يكون خلاصة هذا الايراد هو: (النقض بالموارد التي ادّعى الاجماع و الضرورة على اعتبار الاستصحاب فيها) أي: في تلك الموارد (كما حكيناها عنها سابقا).

لا يقال: تلك الموارد التي ذكرها الاسترابادي و قال فيها بالاستصحاب إنّما هو لا دعائه الاجماع، و لا إجماع في غير تلك الموارد، فكيف تنقضون عليه؟.

لأنه يقال: الموارد التي ذكرها الاسترابادي إنّما قال الأصحاب فيها

49

فانّ منها استصحاب الليل و النهار، فانّ كون الزمان المشكوك ليلا و نهارا أشدّ تغايرا و اختلافا، مع كون الزمان السابق كذلك من ثبوت خيار الغبن، أو الشفعة في الزمان المشكوك، و ثبوتهما في الزمان السابق.

و لو اريد من الليل و النهار: طلوع الفجر و غروب الشمس لا نفس‏

____________

بالاستصحاب لإطلاق أدلة الاستصحاب من العقل أو النقل، و ذلك الاطلاق شامل لغير تلك الموارد فصحّ النقض عليه حينئذ.

أما تلك الموارد التي ادّعى الاسترابادي الاجماع و الضرورة على اعتبار الاستصحاب فيها: (فانّ منها استصحاب الليل و النهار) لمن شك بانقضاء الليل، فيستصحب الليل، و لمن شك في انقضاء النهار فيستصحب النهار.

و عليه: (فانّ كون الزمان المشكوك ليلا و نهارا أشدّ تغايرا و اختلافا، مع كون الزمان السابق كذلك) أي: ليلا و نهارا (من ثبوت خيار الغبن، أو الشفعة في الزمان المشكوك، و ثبوتهما في الزمان السابق) المتيقن.

و إنّما يكون التغاير بينهما أشدّ، لأن التغاير بين الزمانين يكون بحسب الذات، و بين الخيارين و الشفعتين بحسب الزمان، فان الزمان السابق غير الزمان اللاحق بحسب الذات، امّا الخيار في الغبن و الشفعة، فلم يختلف حقيقتهما في الزمان اللاحق عن الزمان السابق، و إنّما اختلف زمانهما، فاذا جرى الاستصحاب في ما اختلف ذاته، فجريان الاستصحاب في ما لم يختلف إلّا زمانه يكون بطريق أولى.

لا يقال: لم يقصد الاسترابادي من الليل و النهار آنات الزمان حتى يختلف اللاحق عن السابق في ذاته، بل أراد كون الشمس فوق الأفق و كونها تحته، و من المعلوم: ان ذلك حقيقة واحدة سابقا و لا حقا.

لأنه يقال: (و لو اريد من الليل و النهار: طلوع الفجر و غروب الشمس لا نفس‏

50

الزمان، كان الأمر كذلك و إن كان دون الأوّل في الظهور، لأنّ مرجع الطلوع و الغروب إلى الحركة الحادثة شيئا فشيئا.

و لو أريد استصحاب أحكامهما مثل جواز الأكل و الشرب و حرمتهما ففيه: أنّ ثبوتهما في السابق كان منوطا و متعلّقا في الأدلّة الشرعية بزماني الليل و النهار،

____________

الزمان) أي: آناته المتعددة المختلفة الحقيقة (كان الأمر كذلك) أيضا يعني: كان التغاير بينهما مع السابق أشد مما ذكرنا من الغبن و الشفعة (و إن كان دون الأوّل) التي هي الآنات‏ (في الظهور) فانّ ظهور هذا في اختلاف الحقيقة، أقل من ظهور الآنات في اختلاف الحقيقة.

و إنّما كان الأمر في هذا أيضا كذلك‏ (لأنّ مرجع الطلوع و الغروب إلى الحركة الحادثة شيئا فشيئا) و إلّا فالطلوع و الغروب، و كون الشمس فوق الافق أو تحت الافق ليس شيئا في قبال الآنات.

إذن: فمعنى كون الشمس فوق الافق أو تحت الافق: آنات الشمس في تلك الآنات فوق الافق أو تحت الافق، مثل: النهر حيث انه قطرات متلاصقة بعضها ببعض و أجزائها مختلفة و ليست شيئا واحدا، بخلاف مثل: خيار الغبن في الآن الثاني، حيث انه نفس خيار الغبن في الآن الأوّل.

هذا (و لو أريد استصحاب أحكامها) أي: أحكام الليل و النهار (مثل جواز الأكل و الشرب) في الليل إذا شك في طلوع الفجر (و حرمتهما) أي: حرمة الأكل و الشرب في النهار إذا شك في المغرب‏ (ففيه) ما يلي:

(أنّ ثبوتهما في) الزمان‏ (السابق كان منوطا و متعلّقا في الأدلّة الشرعية بزماني الليل و النهار) لأن الشارع أجاز الأكل و الشرب في الليل و منع الأكل و الشرب‏

51

فاجراؤهما مع الشك في تحقق الموضوع بمنزلة ما أنكره على القائلين بالاستصحاب: من إجراء الحكم من موضوع إلى موضوع آخر.

و بما ذكرنا يظهر ورود النقض المذكور عليه في سائر الأمثلة، فأي فرق بين الشك في تحقّق الحدث أو الخبث بعد الطهارة، الذي جعل الاستصحاب فيه من ضروريات الدين و بين الشك في كون المذي محكوما شرعا برافعيّة الطهارة،

____________

في النهار (فاجراؤهما) أي: اجراء جواز الأكل و الشرب، أو منع الأكل و الشرب‏ (مع الشك في تحقق الموضوع) الذي هو الليل و النهار (بمنزلة ما أنكره) الاسترابادي‏ (على القائلين بالاستصحاب: من إجراء الحكم من موضوع إلى موضوع آخر).

و إنّما يكون ذلك من اجراء الحكم إلى موضوع آخر، لأن الثابت هو: جواز الأكل و الشرب في الليل، فمن أين جواز الأكل و الشرب في الوقت المشكوك كونه ليلا؟ و هل هذا إلّا من اسراء الحكم من موضوع مقطوع إلى موضوع آخر مشكوك؟.

(و بما ذكرنا) من النقض باستصحاب الليل و النهار الذي يقول به الاسترابادي‏ (يظهر ورود النقض المذكور عليه) أي: على الاسترابادي‏ (في سائر الأمثلة) التي يعترف بجريان الاستصحاب فيها.

و عليه: (فأي فرق بين الشك في تحقّق الحدث أو الخبث بعد الطهارة) من الحدث أو الخبث‏ (الذي جعل) الاسترابادي‏ (الاستصحاب فيه من ضروريات الدين) و قال: بانه يجري فيه الاستصحاب قطعا (و بين الشك في كون المذي محكوما شرعا برافعيّة الطهارة) أو ليس محكوما بذلك حيث أنكر الاسترابادي‏

52

فانّ الطهارة السابقة في كلّ منهما كان منوطا بعدم تحقق الرافع، و هذا المناط في زمان الشك، غير متحقق، فكيف يسري حكم حالة وجود المناط اليه؟.

و ثانيا: بالحلّ، بأنّ اتحاد القضية المتيقّنة و المشكوكة- الذي يتوقّف صدق البناء على اليقين و نقضه بالشك عليه- أمر راجع إلى العرف‏

____________

الاستصحاب فيه و قال: بأنه لا يجري فيه قطعا؟.

و إنّما لا فرق بينهما لأنه كما قال: (فانّ الطهارة السابقة في كلّ منهما) أي: في الشك في تحقق الحدث أو الخبث و الشك في رافعية المذي‏ (كان منوطا بعدم تحقق الرافع) فان الطهارة كانت مسلّمة قبل الشك في الحدث أو الخبث، كما ان الطهارة كانت قبل خروج المذي مسلّمة أيضا، فلما ذا الفرق بينهما؟.

هذا (و) من المعلوم: ان‏ (هذا المناط) و هو: عدم تحقق الرافع‏ (في زمان الشك، غير متحقق) في كلا المثالين، لأنه قد تبدّل الأمر فيهما من اليقين بعدم تحقق الرافع إلى الشك في عدم تحقق الرافع‏ (فكيف يسري حكم حالة وجود المناط) في حال اليقين السابق‏ (اليه؟) أي: إلى حالة فقد المناط في حال الشك اللاحق بالنسبة إلى كلا المثالين، فلما ذا أجرى المحدث الاستصحاب في أحدهما دون الآخر؟ فظهر: ان النقض وارد عليه.

(و ثانيا: بالحلّ) و ذلك: بأن استصحاب حكم المسألة المتيقنة إلى المسألة المشكوكة، ليس كما ذكره الاسترابادي: من اسراء الحكم من موضوع إلى موضوع آخر، فان الموضوع في المسألة المتيقنة و المشكوكة واحد عرفا كما قال:

(بأنّ اتحاد القضية المتيقّنة و المشكوكة- الذي يتوقّف صدق البناء على اليقين و نقضه بالشك عليه-) أي: على ذلك الاتحاد (أمر راجع إلى العرف) فان العرف‏

53

لأنّه المحكّم في باب الألفاظ.

و من المعلوم: أنّ الخيار أو الشفعة إذا ثبت في الزمان الأوّل و شك في ثبوتهما في الزمان الثاني يصدق عرفا: أنّ القضية المتيقّنة في الزمان الأوّل بعينها مشكوكة في الزمان الثاني.

نعم، قد يتحقق في بعض الموارد: الشك في إحراز الموضوع للشك في مدخليّة الحالة المتبدّلة فيه. فلا بد من التأمّل التامّ،

____________

هو الذي يقول باتحاد القضيتين أو اختلافهما، ففي اتحاد القضيتين يحكم بالبناء على اليقين السابق، و في اختلاف القضيتين لا يحكم بالبناء على اليقين السابق.

و إنّما يكون مرجعه إلى العرف‏ (لأنّه المحكّم في باب الألفاظ) فان الألفاظ ألقيت إلى العرف فما فهم منها العرف كان هو الحجة عليه.

(و من المعلوم: أنّ الخيار) في الغبن‏ (أو الشفعة إذا ثبت في الزمان الأوّل و شك في ثبوتهما) أي: في ثبوت كل من خيار الغبن و خيار الشفعة (في الزمان الثاني يصدق عرفا: أنّ القضية المتيقّنة في الزمان الأوّل بعينها مشكوكة في الزمان الثاني) فان المتيقن سابقا كان الخيار، و يشك ثانيا في وجود الخيار، و المتيقن أولا كانت الشفعة، و يشك ثانيا في بقاء الشفعة.

(نعم، قد يتحقق في بعض الموارد: الشك في إحراز الموضوع) بأن يشك في ان موضوع القضية المتيقنة هل هو موضوع القضية المشكوكة أم لا؟.

و إنّما يشك في احراز الموضوع‏ (للشك في مدخليّة الحالة المتبدّلة فيه) أي:

في الموضوع، لأنه سابقا كان على حالة، و لا حقا على حالة اخرى، كالماء إذا كان سابقا متغيّرا و لا حقا زائلا تغيّره‏ (فلا بد من التأمّل التامّ) حتى نحرز ان الموضوع هل هو باق أو ليس بباق؟.

54

فانّه من أعظم المزال في هذا المقام.

و أمّا ما ذكره ثانيا: من معارضة قاعدة اليقين و الأصل بما دلّ على التوقف.

ففيه- مضافا إلى ما ذكرنا من ضعف دلالة الأخبار على وجوب الاحتياط، و إنّما يدلّ على وجوب التحرّز عن موارد التهلكة الدنيويّة أو الأخرويّة، و الأخيرة مختصة بموارد يحكم العقل بوجوب الاحتياط

____________

و عليه: (فانّه) أي: الشك في احراز الموضوع‏ (من أعظم المزال في هذا المقام) أي: مقام الاستصحاب، فربما يرى شخص: ان الموضوع في الماء المتغير هو: الماء بوصف التغيّر، فاذا زال التغيّر رآه من تبدل الموضوع فلا يجري فيه استصحاب النجاسة، و يرى شخص آخر: ان الموضوع هو الماء فقط و التغير حالة، فاذا زال التغيّر رأى بقاء الموضوع، فيجري فيه استصحاب النجاسة.

(و أمّا ما ذكره) الاسترابادي‏ (ثانيا: من معارضة قاعدة اليقين و الأصل بما دلّ على التوقف) و انّ المحكّم هو التوقف حيث قال: و تارة بانّ استصحاب الحكم الشرعي و كذا الأصل إنّما يعمل بهما ما لم يظهر مخرج عنهما و قد ظهر (ففيه) ما يلي:

أولا: ما أشار اليه بقوله: (- مضافا إلى ما ذكرنا) في أصل البراءة حيث تقدّم هذا المبحث هناك: (من ضعف دلالة الأخبار) الدالة (على وجوب الاحتياط) و التوقف في كل مكان مطلقا سواء كان شكا في التكليف أم شكا في المكلّف به.

(و إنّما) نقول بضعف الدلالة، لأن مضمون أخبار الاحتياط (يدلّ على وجوب التحرّز عن موارد التهلكة الدنيويّة أو الاخرويّة، و الأخيرة) و هي موارد الهلكة الاخروية (مختصة بموارد يحكم العقل بوجوب الاحتياط) في تلك‏