الوصائل إلى الرسائل‏ - ج14

- السيد محمد الحسيني الشيرازي المزيد...
400 /
5

[تتمة المقصد الثالث‏]

[تتمة بحث الاستصحاب‏]

[تتمة الموضع الثالث‏]

لكنّ الذي يبعّده أنّ الظاهر من الغير- في صحيحة إسماعيل بن جابر:

«إن شكّ في الركوع بعد ما سجد، و إن شك في السجود بعد ما قام، فليمض» بملاحظة مقام التحديد و مقام التوطئة للقاعدة المقرّرة بقوله، بعد ذلك:

«كلّ شي‏ء شك فيه، الخ»-، كون السجود و القيام حدّا للغير، الذي يعتبر الدخول فيه‏

____________

(لكنّ الذي يبعّده) اي: يبعّد الاحتمال الأوّل و يقرّب الاحتمال الثاني و هو:

اعتبار قيد الدخول في الغير و عدم كفاية مجرّد التجاوز هو: (أنّ الظاهر من الغير في صحيحة إسماعيل بن جابر: «إن شكّ في الركوع بعد ما سجد فليمض، و إن شك في السجود بعد ما قام، فليمض» (1)) فان الظاهر منه‏ (بملاحظة مقام التحديد) اعتبار الدخول في الغير، كما في المثالين المذكورين‏ (و) كذا بملاحظة (مقام التوطئة) لان التحديد في المثالين المذكورين في الصدر تمهيد لبيان قاعدة كلية مذكورة في الذيل و اذا كان التحديد في المثالين تمهيدا (للقاعدة المقرّرة بقوله، بعد ذلك) أي: بعد المثالين: ( «كلّ شي‏ء شك فيه، الخ») فلا يجوز حمل الدخول في الغير على الغالب.

و عليه: فان ما يبعّد الاحتمال الأوّل و يقرّب الاحتمال الثاني في الصحيحة هو أمران:

الأوّل: (كون السجود و القيام حدّا للغير، الذي يعتبر الدخول فيه) اي: في الغير حتى يصدق عليه التجاوز عنه، و اذا كان التحديد هذا في مقام يراد به التمهيد لبيان أمر كلّي- كما هو المراد هنا في الصحيحة- فلا يجوز حمله على الغالب حتى يقال: بانه لا يلزم الدخول في الغير.

____________

(1)- تهذيب الاحكام: ج 2 ص 153 ب 23 ح 60، وسائل الشيعة: ج 6 ص 318 ب 13 ح 8071، دعائم الاسلام: ج 1 ص 891 (بالمعنى).

6

و أنّه، لا غير أقرب من الأوّل بالنسبة الى الركوع، و من الثاني بالنسبة الى السجود، اذ لو كان الهويّ للسجود كافيا عند الشك في الركوع، و النهوض للقيام كافيا عند الشك في السجود، قبح في مقام التوطئة للقاعدة الآتية التحديد بالسجود و القيام و لم يكن وجه لجزم المشهور بوجوب الالتفات إذا شك قبل الاستواء قائما.

____________

الثاني: (و أنّه لا غير، أقرب من الأوّل) اي: من السجود (بالنسبة الى الركوع، و من الثاني) اي: من القيام‏ (بالنسبة الى السجود، اذ لو كان الهويّ للسجود كافيا عند الشك في الركوع، و النهوض للقيام كافيا عند الشك في السجود) حتى يكون تجاوزا (قبح في مقام التوطئة) و التمهيد (للقاعدة الآتية) و هي قوله (عليه السلام): «كلّ شي‏ء شك فيه، الخ» (1) (التحديد بالسجود و القيام) و إنّما كان يلزم التحديد بالهويّ للسجود، و النهوض للقيام، و هكذا.

كما (و لم يكن وجه لجزم المشهور بوجوب الالتفات) و الاتيان بالمشكوك فيما (إذا شك) في السجود- مثلا- حال النهوض‏ (قبل الاستواء قائما) و الاتيان بالركوع اذا شك فيه حال الهويّ و قبل السجود.

لكن فيه: ان السجود و كذا القيام في الصحيحة من باب المثال الظاهر، و الغالب انّ الانسان يأتي بالمثال الظاهر للقواعد الكلية و ان كانت هناك أمثلة أخرى، و اذا كان كذلك فكون الرواية في مقام التحديد في المثال غير ظاهر، خصوصا عند الجمع بين هذه الرواية و الروايات السابقة، الظاهرة في كفاية التجاوز و ان لم يدخل في الغير.

____________

(1)- تهذيب الاحكام: ج 2 ص 153 ب 23 ح 60، وسائل الشيعة: ج 60 ص 318 ب 13 ح 8071، دعائم الاسلام: ج 1 ص 189 (بالمعنى).

7

و مما ذكرنا يظهر: أنّ ما ارتكب بعض ممن تأخّر: من التزام عموم الغير و إخراج الشك في السجود قبل تمام القيام بمفهوم الرواية- ضعيف جدا، لأنّ الظاهر: أنّ القيد وارد في مقام التحديد.

و الظاهر: أنّ التحديد بذلك توطئة للقاعدة، و هي بمنزلة

____________

(و) كيف كان: فانه‏ (مما ذكرنا): من انّ الصدر ظاهر في التحديد، و ان التحديد ظاهر في مقام التمهيد للذيل‏ (يظهر: أنّ ما ارتكب بعض ممن تأخّر: من التزام عموم الغير) للتجاوز و ان لم يدخل في غيره، و كفاية التجاوز الى كل غير، لقوله (عليه السلام) في بيان قاعدة كلية: «كل شي‏ء شك فيه و قد جاوزه و دخل في غيره، فليمض عليه» (1) (و إخراج الشك في السجود قبل تمام القيام) من عموم الغير (بمفهوم الرواية) اي: بمفهوم القيد المذكور في صحيحة اسماعيل حيث قال (عليه السلام): «بعد ما قام» عقيب قوله: «و ان شك في السجود» فان الغير الذي يعتبر الدخول فيه يشمل بعمومه النهوض من السجود الى القيام، و مفهوم القيد مخرج له من العموم، فان هذا الذي توهّمه بعض من تأخر بنظر المصنّف‏ (ضعيف جدا).

و إنّما هو بنظر المصنّف ضعيف جدا (لأنّ الظاهر: أنّ القيد وارد في مقام التحديد).

(و الظاهر: أنّ التحديد بذلك) اي: «بالقيام» في مثال الشك في السجود (توطئة للقاعدة) اي: لقاعدة التجاوز المذكورة في آخر الصحيحة (و هي بمنزلة

____________

(1)- تهذيب الاحكام: ج 2 ص 153 ب 23 ح 60، وسائل الشيعة: ج 6 ص 318 ب 13 ح 8071، دعائم الاسلام: ج 1 ص 189 (بالمعنى).

8

ضابطة كلّية، كما لا يخفى على من له أدنى ذوق في فهم الكلام.

فكيف يجعل فردا خارجا بمفهوم القيد عن عموم القاعدة؟.

فالأولى أن يجعل هذا كاشفا عن خروج مقدّمات أفعال الصلاة عن عموم الغير، فلا يكفي في الصلاة مجرّد الدّخول و لو في فعل غير أصلّي، فضلا عن كفاية مجرّد الفراغ.

____________

ضابطة كلّية، كما لا يخفى على من له أدنى ذوق في فهم الكلام).

و عليه: (فكيف يجعل) هذا البعض الشك في السجود قبل القيام‏ (فردا خارجا بمفهوم القيد عن عموم القاعدة؟) مع ان ظاهر الكلام هو: ان القاعدة المذكورة في آخر الصحيحة محدودة بالقيد المذكور في صدرها، فيكون القيد توطئة لها كما ذكرناه، و حينئذ فلا مجال لما فعله هذا البعض من حمل الصحيحة على الاطلاق و اخراج المورد بمفهوم القيد، لاستهجانه و بعده.

هذا، و لكنك قد عرفت: إنّا ذكرنا فيما سبق: ان المثالين الذين ذكرهما الإمام (عليه السلام) هما من باب أظهر المصاديق، فلا يرد على المرتكب لذلك هذا الاشكال.

و على ايّ حال: (فالأولى أن يجعل هذا) اي: يجعل القيد الوارد في مقام التحديد، الظاهر في كونه تمهيدا لقاعدة التجاوز الكلية (كاشفا عن خروج مقدّمات أفعال الصلاة عن عموم الغير) و على هذا (فلا يكفي في الصلاة مجرّد) التجاوز، و لا مجرّد (الدّخول و لو في فعل غير أصلّي) كالهوىّ للسجود، أو الأخذ في النهوض للقيام، أو الشروع في رفع اليدين لاجل القنوت، أو ما أشبه ذلك‏ (فضلا عن كفاية مجرّد الفراغ).

9

و الأقوى اعتبار الدخول في الغير، و عدم كفاية مجرّد الفراغ، إلّا أنّه قد يكون الفراغ عن الشي‏ء ملازما للدخول في غيره، كما لو فرغ عن الصلاة و الوضوء، فانّ حالة عدم الاشتغال بهما يعدّ مغايرة لحالهما، و إن لم يشتغل بفعل وجودي فهو دخول في الغير بالنسبة اليهما.

و أمّا التفصيل بين الصلاة و الوضوء،

____________

لكن قد عرفت: ان ظاهر الروايات بعد ضمّها بعضا الى بعض هو: كفاية الفراغ و لو لم يدخل في الغير و لا في مقدماته.

هذا، و لكن المصنّف قال: (و الأقوى) عندنا (اعتبار الدخول في الغير، و عدم كفاية مجرّد الفراغ) و ذلك لما عرفت: من تقييد المصنّف اطلاق ما دل على كفاية مجرد الفراغ بما دل على الدخول في الغير.

(إلّا أنّه قد يكون الفراغ عن الشي‏ء ملازما للدخول في غيره، كما لو فرغ عن الصلاة و الوضوء، فانّ حالة عدم الاشتغال بهما) بعد ان كان فيهما قطعا (يعدّ مغايرة لحالهما، و إن لم يشتغل بفعل وجودي) كالأكل و المشي و الدرس و ما اشبه ذلك‏ (فهو) اي: الفراغ حينئذ (دخول في الغير بالنسبة اليهما) اي: الى الصلاة و الوضوء، و هكذا بالنسبة الى اعمال الحج.

و عليه: فهنا فرق بين الشك في أثناء العمل، حيث ان الفراغ لا يتحقق الّا بعد الدخول في الغير حقيقة، و بين الشك بعد تمام العمل، فانه شك بعد الدخول في الغير، و ان لم يشتغل بعمل آخر، اذ مجرّد الفراغ دخول في الغير.

(و أمّا التفصيل بين الصلاة و الوضوء) و هو قول ثالث في المسألة، لأنّ بعض الفقهاء قال: إنّ مناط عدم العبرة بالشك هو مجرد التجاوز عن المحل مطلقا، من غير فرق بين الصلاة و الوضوء و سائر الاعمال، كأعمال الحج و نحوه.

10

بالتزام كفاية مجرّد الفراغ من الوضوء و لو مع الشك في الجزء الأخير منه؛

____________

و بعض الفقهاء قال: ان المناط هو الدخول في الغير مطلقا، و ان الفراغ إنّما يتحقق مع الدخول في الغير- على ما مرّ الكلام فيهما-.

و قول ثالث هنا بالتفصيل بين الوضوء و غيره، فقال في الوضوء: ان المناط فيه مجرد التجاوز حتى عند الشك في الجزء الأخير الذي هو مسح الرجل اليسرى، و قال في غير الوضوء كالصلاة و اعمال الحج و نحوهما: ان المناط فيها هو الدخول في الغير، فهذا القائل فصّل بين الوضوء و غيره‏ (بالتزام كفاية مجرّد الفراغ من الوضوء و لو مع الشك في الجزء الأخير منه) فانه مع ذلك حكم بصحة الوضوء و عدم الالتفات الى الشك فيه بمجرّد الفراغ منه، بخلاف غير الوضوء حيث انه قيّد الصحة فيها بالدخول في الغير.

ثم استدل لكفاية مجرّد الفراغ في الوضوء بقوله (عليه السلام) فيمن شك في الوضوء بعد الفراغ: «هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك» (1) بتقريب ان اطلاق: «حين يشك» يشمل الدخول في الغير، و عدم الدخول فيه، و بقوله (عليه السلام) في مورد الشك في الوضوء بعد الفراغ: «إنّما الشك اذا كنت في شي‏ء لم تجزه» (2) بتقريب: انه اذا شك بعد الفراغ من الجزء الأخير كان شكا في شي‏ء قد جازه.

و استدل لعدم كفاية مجرّد الفراغ في غير الوضوء بسائر الروايات الدالة على اعتبار الدخول في الغير، فانه اذا لم يدخل في الغير لم يحكم بالصحة و عدم الالتفات الى الشك.

____________

(1)- تهذيب الاحكام: ج 1 ص 101 ب 4 ح 114، وسائل الشيعة: ج 1 ص 471 ب 42 ح 1249.

(2)- تهذيب الاحكام: ج 1 ص 101 ب 4 ح 111، السرائر: ج 3 ص 554، وسائل الشيعة: ج 1 ص 470 ب 42 ح 1244 و ج 8 ص 237 ب 23 ح 10524.

11

فيردّه اتحاد الدليل في البابين، لأنّ ما ورد من قوله (عليه السلام) فيمن شك في الوضوء بعد ما فرغ من الوضوء: «هو حين يتوضّأ اذكر منه حين يشكّ» عامّ بمقتضى التعليل لغير الوضوء أيضا.

و لذا استفيد منه حكم الغسل و الصلاة أيضا.

و كذلك موثّقة ابن أبي يعفور المتقدّمة، صدرها دالّ على اعتبار الدخول في الغير في الوضوء، و ذيلها يدلّ على عدم العبرة بالشك بمجرّد التجاوز مطلقا من غير تقييد بالوضوء،

____________

و على ايّ حال: (فيردّه اتحاد الدليل في البابين) فانا اذا اعتبرنا الدخول في الغير لم يختلف فيه الوضوء و غيره، و ان اكتفينا بالتجاوز لم يختلف فيه الوضوء عن غيره مطلقا (لأنّ ما ورد من قوله (عليه السلام) فيمن شك في الوضوء بعد ما فرغ من الوضوء: «هو حين يتوضّأ اذكر منه حين يشك» (1) عامّ بمقتضى التعليل لغير الوضوء أيضا) و انه كالقاعدة الكلية، و ان الوضوء يكون موردا، ممّا يظهر منه ان الشارع قدّم الظاهر على الأصل في مورد قاعدة الفراغ سواء في الوضوء و غيره.

(و لذا) اي: لأجل ما ذكرناه: من انه يفهم منه المناط الشامل لغير الوضوء ايضا (استفيد منه) اي: استفاد العلماء من هذا الحديث‏ (حكم الغسل و الصلاة أيضا) و حكم اعمال الحج و غيره.

(و كذلك موثّقة ابن أبي يعفور المتقدّمة، صدرها دالّ على اعتبار الدخول في الغير في الوضوء، و ذيلها يدلّ على عدم العبرة بالشك بمجرّد التجاوز مطلقا) و معنى الاطلاق ما ذكره بقوله: (من غير تقييد بالوضوء) فلا مجال إذن للتفصيل‏

____________

(1)- تهذيب الأحكام: ج 1 ص 101 ب 4 ح 114، وسائل الشيعة: ج 1 ص 471 ب 42 ح 1249.

12

بل ظاهره يأبى عن التقييد.

و كذلك روايتا: زرارة و أبي بصير المتقدّمتان آبيتان عن التقييد.

و أصرح من جميع ذلك في الإباء عن التفصيل بين الوضوء و الصلاة قوله (عليه السلام): في الرواية المتقدمة: «كلّ ما مضى من صلاتك و طهورك فذكرته تذكّرا فأمضه».

____________

الذي ذكره هذا المفصل، بالفرق بين الوضوء و سائر الاعمال.

(بل ظاهره) حيث قال (عليه السلام): «إنّما الشك اذا كنت في شي‏ء لم تجزه» (1) (يأبى عن التقييد) بكونه حكم الوضوء فقط، لظهوره في انه قاعدة كلية شاملة للوضوء و غيره، خصوصا مع كلمة «انّما» الدالة على الحصر.

(و كذلك روايتا: زرارة) حيث قال (عليه السلام) فيها: «اذا خرجت من شي‏ء ثمّ دخلت في غيره فشكك ليس بشي‏ء» (2) (و أبي بصير) و هي الموثقة التي قال (عليه السلام) فيها: «كل ما شككت فيه ممّا قد مضى فامضه كما هو» (3) فهاتان الروايتان‏ (المتقدّمتان آبيتان عن التقييد) بكونهما لبيان حكم و شك في غير الوضوء.

(و أصرح من جميع ذلك في الإباء عن التفصيل بين الوضوء و الصلاة) و بيان ان حكم الجميع واحد (قوله (عليه السلام): في الرواية المتقدّمة: «كلّ ما مضى من صلاتك و طهورك فذكرته تذكّرا فأمضه» (4)) فانه قد جمع بين الطهارة و الصلاة

____________

(1)- تهذيب الاحكام: ج 1 ص 101 ب 4 ح 111، السرائر: ج 3 ص 554، وسائل الشيعة: ج 1 ص 470 ب 42 ح 1244 و ج 8 ص 237 ب 23 ح 10524.

(2)- تهذيب الاحكام: ج 2 ص 352 ب 13 ح 47، وسائل الشيعة: ج 8 ص 237 ب 23 ح 10524.

(3)- تهذيب الاحكام: ج 2 ص 344 ب 13 ح 14، وسائل الشيعة: ج 8 ص 238 ب 23 ح 10526.

(4)- تهذيب الأحكام: ج 1 ص 364 ب 16 ح 34، وسائل الشيعة: ج 1 ص 471 ب 42 ح 1248، جامع أحاديث الشيعة: ج 5 ص 580 ح 6.

13

الموضع الرابع:

قد خرج من الكلّية المذكورة أفعال الطهارات الثلاث، فانّهم أجمعوا على أنّ الشاكّ في فعل من أفعال الوضوء قبل اتمام الوضوء، يأتي به و إن دخل في فعل آخر.

و أمّا الغسل و التيمّم فقد صرّح بذلك فيهما بعضهم على وجه يظهر منه كونه من المسلّمات، و قد نصّ على الحكم في الغسل جمع ممن تأخر عن المحقق، كالعلامة و الشهيدين و المحقق الثاني،

____________

في الحكم، فكيف يفرّق بينهما؟ بل انه كما قلنا: يفهم من الرواية عرفا انهما من باب المثال، و الّا فالأمر جار في الحج و في غيره ايضا.

[الموضع الرابع من المستثنيات من قاعدة التجاوز أفعال الطهارات الثلاث‏]

(الموضع الرابع): في المستثنيات من قاعدة التجاوز، و هي كما قال: (قد خرج من الكلّية المذكورة) اي: كلية عدم العبرة بالشك بعد تجاوز المحل و الدخول في الغير (أفعال الطهارات الثلاث) من الغسل و الوضوء و التيمم، و الخروج إنّما هو بالاجماع لا بنص خاص‏ (فانّهم أجمعوا على أنّ الشاكّ في فعل من أفعال الوضوء قبل اتمام الوضوء، يأتي به و إن دخل في فعل آخر) فالشاك في غسل اليد اليمنى يأتي به و ان كان شارعا في غسل اليسرى، و الشاك في مسح الرأس يأتي به و ان كان شارعا في مسح الرجل.

(و أمّا الغسل و التيمّم فقد صرّح بذلك) اي: بعدم اعتبار قاعدة التجاوز (فيهما بعضهم على وجه يظهر منه كونه من المسلّمات) و لعل ذلك لتنقيح المناط الذي ذكروه في الوضوء.

(و قد نصّ على الحكم) اي: الاتيان بالمشكوك و ان دخل في فعل آخر (في الغسل جمع ممن تأخر عن المحقق، كالعلامة و الشهيدين و المحقق الثاني،

14

و نصّ غير واحد من هؤلاء على كون التيمم كذلك.

و كيف كان: فمستند الخروج قبل الاجماع: الاخبار الكثيرة المخصّصة للقاعدة المتقدّمة،

____________

و نصّ غير واحد من هؤلاء على كون التيمم كذلك) أي: كالغسل في الحكم، لكن كلام بعضهم خاص بالوضوء مقتصرا على مورد النص، و معه فلا اجماع في الغسل و التيمم.

(و كيف كان: فمستند الخروج) اي: خروج الوضوء عن قاعدة التجاوز (قبل الاجماع: الاخبار الكثيرة المخصّصة للقاعدة المتقدّمة) و إنّما قال: ان مستند الاستثناء هو الاجماع، لأنّ الاخبار الدالة على الاستثناء متعارضة على تقدير الدلالة، فبعد التساقط يكون المرجع كليات قاعدة التجاوز، و من تلك الاخبار الكثيرة المخصصة لقاعدة التجاوز ما رواه زرارة عن الباقر (عليه السلام) قال: «اذا كنت قاعدا على وضوئك فلم تدر أ غسلت ذراعيك ام لا؟ فأعد عليهما، و على جميع ما شككت فيه انك لم تغسله أو تمسحه ممّا سمّى اللّه، ما دمت في حال الوضوء، فاذا قمت عن الوضوء و فرغت منه، و قد صرت في حال أخرى، في الصلاة أو في غيرها، فشككت في بعض ما سمّى اللّه تعالى ممّا أوجب اللّه تعالى عليك فيه وضوءا فلا شي‏ء عليك فيه» (1) الحديث.

أقول: لا يخفى انّ هنا مقابل هذا الحديث- على ضعف دلالته ايضا- جملة من الأحاديث، ممّا لو فرضنا تكافؤهما يجب الجمع بينهما، و ذلك بحمل هذا الحديث على الاستحباب.

____________

(1)- الكافي (فروع): ج 3 ص 33 ح 2، تهذيب الاحكام: ج 1 ص 100 ب 4 ح 110، وسائل الشيعة: ج 1 ص 469 ب 42 ح 1243.

15

إلّا أنّه يظهر من رواية ابن أبي يعفور المتقدّمة، و هي قوله (عليه السلام): «إذا شككت في شي‏ء من الوضوء و قد دخلت في غيره فشكّك ليس بشي‏ء، إنّما الشكّ اذا كنت في شي‏ء لم تجزه»، أنّ حكم‏

____________

«فعن عبد اللّه بن ابي يعفور، عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال: اذا شككت في شي‏ء من الوضوء و قد دخلت في غيره، فشكك ليس بشي‏ء، إنّما الشك اذا كنت في شي‏ء لم تجزه» (1) كذا رواه التهذيب، كما في الوسائل، و رواه ايضا آخر السرائر.

«و عن عبد اللّه بن بكير عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: كل ما مضى من صلاتك و طهورك فذكرته تذكرا فأمضه كما هو و لا اعادة عليك فيه» (2).

«و عن بكير بن أعين قال: قلت له: الرجل يشك بعد ما يتوضأ؟ قال: هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك» (3).

و على هذا، فمقتضى القاعدة هو: ان يكون حال الطهارات الثلاث حال غيرها من الصلاة و الحج و غيرهما.

و كيف كان: فقد قال المصنّف: (إلّا أنّه يظهر من رواية ابن أبي يعفور المتقدّمة، و هي قوله) (عليه السلام): (إذا شككت في شي‏ء من الوضوء و قد دخلت في غيره فشكّك ليس بشي‏ء، إنّما الشكّ اذا كنت في شي‏ء لم تجزه» (4) أنّ حكم‏

____________

(1)- تهذيب الاحكام: ج 1 ص 101 ب 4 ح 111، السرائر: ج 3 ص 554، وسائل الشيعة: ج 1 ص 470 ب 42 ح 1244 و ج 8 ص 237 ب 23 ح 10524.

(2)- تهذيب الاحكام: ج 1 ص 364 ب 16 ح 34، وسائل الشيعة: ج 1 ص 471 ب 42 ح 1248، جامع أحاديث الشيعة: ج 5 ص 580 ح 6.

(3)- تهذيب الاحكام: ج 1 ص 101 ب 4 ح 114، وسائل الشيعة: ج 1 ص 471 ب 42 ح 1249.

(4)- تهذيب الأحكام: ج 1 ص 101 ب 4 ح 111، السرائر: ج 3 ص 554، وسائل الشيعة: ج 1 ص 470 ب 42 ح 1244 و ج 8 ص 237 ب 23 ح 10524.

16

الوضوء من باب القاعدة لا خارج منها، بناء على عود ضمير «غيره» إلى الوضوء، لئلا يخالف الاجماع على وجوب الالتفات اذا دخل في غير المشكوك من أفعال الوضوء.

____________

الوضوء من باب القاعدة لا خارج منها) اي: ليس الوضوء خارجا عن القاعدة الكلية الدالة على عدم الاعتناء بالشك بعد التجاوز، و هذا المعنى يتم بارجاع الضمير في: «غيره» الى الشي‏ء، فيكون معناه حينئذ: اذا شككت في شي‏ء من الوضوء كالشك في غسل اليد اليمنى، و قد دخلت في غير ذلك الشي‏ء كالشروع بغسل اليد اليسرى، فشكك ليس بشي‏ء بل احكم باتيانه و لا تلتفت اليه، فحكم الوضوء على مقتضى القاعدة.

و أما (بناء على عود ضمير «غيره») في قوله (عليه السلام): «اذا شككت في شي‏ء من الوضوء و قد دخلت في غيره» (إلى الوضوء) فيكون حكم الوضوء خارجا عن القاعدة، و يجب الاعتناء بالشك و اتيان الامر المشكوك، اذ يكون معناه حينئذ: اذا شككت في شي‏ء من الوضوء كالشك في غسل الوجه، و قد دخلت في غير الوضوء كالدخول في الصلاة، فشكك ليس بشي‏ء، و مفهومه: انك اذا كنت بعد في الوضوء فعليك الاعتناء بالشك و اتيان الأمر المشكوك، و هو خروج لحكم الوضوء عن القاعدة.

و إنّما قال المصنّف: بناء على ان الضمير في «غيره» عائد الى الوضوء لا الى «شي‏ء» (لئلا يخالف الاجماع) القائم‏ (على وجوب الالتفات اذا دخل في غير المشكوك من أفعال الوضوء) فقد قام الاجماع على انه اذا شك- مثلا- في غسل الوجه و قد دخل في غسل اليد اليمنى، أو شك في غسل اليد اليمنى و قد دخل‏

17

و حينئذ فقوله (عليه السلام): «إنّما الشك» مسوق لبيان قاعدة الشك المتعلّق بجزء من أجزاء عمل، و أنّه إنّما يعتبر اذا كان مشتغلا بذلك العمل غير متجاوز عنه.

هذا، و لكن الاعتماد على ظاهر ذيل الرواية

____________

في غسل اليد اليسرى، و غير ذلك، فانه يجب عليه الاعتناء به و اتيانه، و حيث ان ظاهر هذا الحديث مخالف لهذا الاجماع، فلا بد من ارجاع ضمير غيره الى الوضوء، لا الى ما هو ظاهر الحديث من الارجاع الى شي‏ء.

(و حينئذ) اي: حين كان الضمير عائدا الى الوضوء لا الى شي‏ء من الوضوء (فقوله) (عليه السلام): ( «إنّما الشك) اذا كنت في شي‏ء لم تجزه» (1) (مسوق لبيان قاعدة الشك المتعلّق بجزء من أجزاء عمل) من اعمال الوضوء (و أنّه) أي: الشك‏ (إنّما يعتبر) و يلتفت اليه‏ (اذا كان مشتغلا بذلك العمل غير متجاوز عنه) الى غيره، فيكون حينئذ مراد المصنّف من قوله: «ان حكم الوضوء من باب القاعدة لا خارج منها بناء على عود ضمير غيره الى الوضوء» هو ما سيشير اليه: من ان الوضوء امر بسيط و لا يعقل فيه التجاوز الّا بالفراغ منه.

(هذا) تمام الكلام في معنى الرواية و عدم الاعتماد على ظاهرها بارجاع الضمير في «غيره» الى الوضوء حتى لا يخالف الاجماع.

(و لكن الاعتماد على) ظاهرها و ارجاع الضمير في «غيره» الى الشي‏ء، لدلالة (ظاهر ذيل الرواية) القائل: «إنّما الشك اذا كنت في شي‏ء لم تجزه» عليه‏

____________

(1)- تهذيب الاحكام: ج 1 ص 101 ب 4 ح 111، السرائر: ج 3 ص 554، وسائل الشيعة: ج 1 ص 470 ب 42 ح 1244 و ج 8 ص 237 ب 23 ح 10524.

18

مشكل، من جهة أنّه يقتضي بظاهر الحصر: أنّ الشك الواقع في غسل اليد باعتبار جزء من أجزائه لا يعتنى به اذا جاوز غسل اليد مضافا الى أنّه معارض للاخبار السابقة، فيما اذا شك في جزء من الوضوء بعد الدخول في جزء من الوضوء بعد الدخول في جزء آخر قبل الفراغ منه، لأنّه باعتبار أنّه شك في وجود شي‏ء بعد تجاوز محلّه يدخل في الأخبار السابقة،

____________

(مشكل، من جهة أنّه يقتضي بظاهر الحصر: أنّ الشك الواقع في غسل اليد باعتبار جزء من أجزائه لا يعتنى به اذا جاوز غسل اليد) و قد عرفت: انه مخالف للاجماع.

و إن شئت قلت: ان ضمير «غيره» ان عاد الى الشي‏ء كما هو ظاهر الرواية خالف الاجماع و وافق أخبار التجاوز، و ان عاد الى الوضوء وافق الاجماع و خالف اخبار التجاوز، و لذلك قال: (مضافا الى أنّه معارض للاخبار السابقة فيما اذا شك في جزء من الوضوء بعد الدخول في جزء من الوضوء بعد الدخول في جزء آخر قبل الفراغ منه) و ذلك كما اذا شك في غسل الوجه حال كونه يغسل اليد اليمنى، و لم يفرغ بعد من الوضوء.

و إنّما يكون ذلك معارضا لأخبار التجاوز (لأنّه باعتبار أنّه شك في وجود شي‏ء بعد تجاوز محلّه يدخل في الأخبار السابقة) الدالة على التجاوز، حيث ان ظاهر تلك الاخبار هو: عدم الاعتناء بهذا الشك الذي قد تجاوزه و دخل في غيره.

هذا كله من جهة، و من جهة اخرى: ان الوضوء كلّه عمل واحد، و التجاوز لا يعقل فيه الّا بالفراغ منه، فيكون مشمولا للخبر القائل بالاعتناء بالشك و اتيان‏

19

و من حيث أنّه شك في أجزاء عمل قبل الفراغ منه يدخل في هذا الخبر.

و يمكن أن يقال لدفع جميع ما في الخبر من الاشكال: إنّ الوضوء بتمامه في نظر الشارع فعل واحد باعتبار وحدة مسبّبه، و هي الطهارة، فلا يلاحظ كلّ فعل منه بحاله حتى يكون موردا لتعارض هذا الخبر مع الأخبار السابقة، و لا يلاحظ بعض أجزائه، كغسل اليد- مثلا- شيئا مستقلا يشك في بعض أجزائه قبل تجاوزه أو بعده،

____________

المشكوك، كما قال: (و من حيث أنّه شك في أجزاء عمل) واحد (قبل الفراغ منه يدخل في هذا الخبر) القائل بالاعتناء بالشك قبل الفراغ من العمل و اتيان الأمر المشكوك.

(و يمكن أن يقال: لدفع جميع ما في الخبر من الاشكال) من معارضة الاجماع من جهة، و معارضة الاخبار من جهة أخرى: (إنّ الوضوء بتمامه في نظر الشارع فعل واحد) بسيط و ليست افعالا متعددة، و ذلك‏ (باعتبار وحدة مسبّبه و هي الطهارة).

و على هذا (فلا يلاحظ كلّ فعل منه) اي: من الوضوء (بحاله) اي: شيئا مستقلا برأسه كي يكون هناك ستة اعمال: غسل الوجه و غسل اليدين و المسح ثلاث مرات‏ (حتى يكون موردا لتعارض هذا الخبر مع الأخبار السابقة، و) هو: كون هذا الخبر دالا على عدم الاعتناء بالشك و الأخبار السابقة دالة على الاعتناء به.

كما (لا يلاحظ بعض أجزائه) اي: اجزاء الوضوء (كغسل اليد- مثلا- شيئا مستقلا يشك في بعض أجزائه) اي: اجزاء اليد من غسل الاصابع أو الكف أو الزند أو الذراع، و ذلك‏ (قبل تجاوزه) اي: قبل تجاوز غسل اليد كاملا (أو بعده)

20

ليوجب ذلك الاشكال في الحصر المستفاد من الذيل.

____________

أي: بعد غسل تمام اليد.

و عليه: فانه لو لوحظ الوضوء أجزاء ستة- مثلا- كان معناه: انه اذا غسل اليد اليمنى و شك في غسل الوجه كان اللازم عدم الاعتناء به و الحكم بانه قد غسل وجهه، و كذلك اذا لوحظ اليد أجزاء متعدّدة كان اللازم انه اذا شك في غسل الذراع و هو مشتغل بغسل الكف ان لا يعتني بغسل الذراع و يحكم بانه قد غسله، بل يلاحظ الوضوء كله عملا واحدا كما يلاحظ كل اليد شيئا واحدا، و اذا كان كذلك فلا يعقل التجاوز فيه الّا بالفراغ منه، و معه لا يكون القول بالاعتناء بالشك في الوضوء مخالفا للاجماع و لا معارضا لاخبار التجاوز.

و الحاصل: انا لا نقول بأن الوضوء أجزاء، و اليد أجزاء (ليوجب ذلك الاشكال في الحصر المستفاد من الذيل) اي: ذيل الرواية حيث قال (عليه السلام) فيه: «إنّما الشك اذا كنت في شي‏ء لم تجزه» (1).

فان مفهوم هذا الحصر هنا هو: انه اذا شك في جزء من عمل واحد أو شي‏ء واحد بعد تمامه لا يلتفت اليه، فلا يلاحظ للوضوء اجزاء، كما لا يلاحظ لليد اجزاء، و إنّما يلاحظ الوضوء عملا واحدا كما يلاحظ اليد شيئا واحدا، فاذا شك في غسل الذراع و هو في الكف، أو شك في غسل اليمنى و هو في اليسرى يلزم الاعتناء بهذا الشك لانه لم يجزه.

____________

(1)- تهذيب الاحكام: ج 1 ص 101 ب 4 ح 111، السرائر: ج 3 ص 554، وسائل الشيعة: ج 1 ص 470 ب 42 ح 1244 و ج 8 ص 237 ب 23 ح 10524.

21

و بالجملة: إذا فرض الوضوء فعلا واحدا لم يلاحظ الشارع أجزاءه أفعالا مستقلة يجري فيها حكم الشك بعد تجاوز المحلّ، لم يتوجّه شي‏ء من الاشكالين في الاعتماد على الخبر و لم يكن حكم الوضوء مخالفا للقاعدة، إذ الشك في أجزاء الوضوء قبل الفراغ ليس إلّا شكّا واقعا في شي‏ء قبل التجاوز عنه، و القرينة على هذا الاعتبار جعل القاعدة ضابطة لحكم الشكّ في أجزاء الوضوء قبل الفراغ عنه أو بعده.

____________

(و بالجملة: إذا فرض الوضوء فعلا واحدا) و ذلك بمعنى: انه‏ (لم يلاحظ الشارع أجزاءه أفعالا مستقلة) كي‏ (يجري فيها حكم الشك بعد تجاوز المحلّ، لم يتوجه شي‏ء من الاشكالين في الاعتماد على الخبر) من مخالفته للاجماع، و مخالفته لقاعدة التجاوز.

(و) على جعل الوضوء أمرا بسيطا (لم يكن حكم الوضوء مخالفا للقاعدة) اي: قاعدة التجاوز المستفادة من الأخبار، بل تكون هذه الرواية ايضا على نفس معنى قاعدة التجاوز، و إنّما يجب الاعتناء بالشك في أثناء الوضوء، لاعتبار الشارع الوضوء أمرا بسيطا لا يعقل فيه التجاوز الّا بالفراغ من تمام الوضوء، كما أشار اليه المصنّف بقوله: (إذ الشك في أجزاء الوضوء قبل الفراغ ليس إلّا شكّا واقعا في شي‏ء قبل التجاوز عنه) فيكون هذا الخبر حينئذ موافقا لسائر الأخبار.

(و القرينة على هذا الاعتبار) اي: اعتبار الشارع الوضوء عملا واحدا هو:

(جعل القاعدة) الكلية للتجاوز في ذيل الرواية (ضابطة لحكم الشكّ في أجزاء الوضوء) و هو: عدم الالتفات للشك سواء كان‏ (قبل الفراغ عنه أو بعده) و حينئذ فلا يكون المراد من هذه الضابطة: ان الشك قبل الفراغ يوجب الاتيان بالمشكوك و بعد الفراغ لا يوجبه، و ذلك لورود الاشكالين، فاذا قلنا به للاجماع تبيّن‏

22

ثمّ إنّ فرض الوضوء فعلا واحدا لا يلاحظ حكم الشك بالنسبة الى أجزائه ليس أمرا غريبا، فقد ارتكب المشهور مثله في الأخبار السابقة بالنسبة الى افعال الصلاة، حيث لم يجروا حكم الشك بعد التجاوز في كلّ جزء من أجزاء القراءة حتى الكلمات و الحروف، بل الأظهر عندهم كون الفاتحة فعلا واحدا

____________

انّ الشارع اعتبر الوضوء كله عملا واحدا بسيطا.

هذا، و لكن لا يخفى: إنّ الخبر بنظرنا ظاهر في معارضته للاجماع، لا انه ظاهر في نفس المعنى المجمع عليه، و حينئذ فلو أخذنا بالاجماع لزم طرح هذا الخبر و الّا لم نعمل بالاجماع المنقول، و يكون حال الوضوء بالنسبة الى قاعدة التجاوز حال سائر الاعمال، سواء قبل الفراغ منه ام بعده، من جهة الغسلات و المسحات، أم من جهة أجزاء الغسلات و المسحات.

(ثمّ إنّ فرض الوضوء فعلا واحدا) لا أفعالا متعددة بحيث‏ (لا يلاحظ حكم الشك بالنسبة الى أجزائه) و إنّما يلاحظ حكم الشك بالنسبة الى مجموعة من حيث هو مجموع‏ (ليس أمرا غريبا) في الفقه‏ (فقد ارتكب المشهور مثله) اي:

مثل هذا الفرض‏ (في الأخبار السابقة) الحاكمة بعدم اعتبار الشك بعد التجاوز، و ذلك‏ (بالنسبة الى افعال الصلاة، حيث لم يجروا حكم الشك بعد التجاوز في كلّ جزء من أجزاء القراءة حتى الكلمات و الحروف، بل الأظهر عندهم كون الفاتحة فعلا واحدا) فاذا شك في انه هل قرء الحمد أم لا و هو في آخرها؟

لا يجرون قاعدة التجاوز، فكيف بالشك في الكلمة الاولى و هو في الثانية؟ أو الشك في الحرف الأوّل و قد بدأ بالحرف الثاني؟.

نعم، قال المحقق الأردبيلي- كما حكي عنه- بجريان قاعدة التجاوز في هذه‏

23

بل جعل بعضهم القراءة فعلا واحدا.

و قد عرفت النصّ في الروايات على عدم اعتبار الهويّ للسجود و النهوض للقيام.

و ممّا يشهد لهذا التوجيه إلحاق المشهور الغسل و التيمّم بالوضوء في هذا الحكم إذ لا وجه له ظاهرا، إلّا ملاحظة كون الوضوء امرا واحدا يطلب منه أمر واحد غير قابل للتّبعيض، أعني: الطهارة.

____________

الامور أيضا.

و كيف كان: فانه لم يكن الاظهر عند المشهور جعل الفاتحة عملا واحدا فحسب‏ (بل جعل بعضهم) كما يحكى عن الشيخ و الشهيد الثاني كل‏ (القراءة فعلا واحدا) لا افعالا متعدّدة.

هذا (و قد عرفت النصّ في الروايات على عدم اعتبار الهويّ للسجود و النهوض للقيام) لصريح: حتى يسجد و حتى يقوم، و الّا لم يكن من قاعدة التجاوز اذا شك في السجود و هو في حال النهوض، أو شك في الركوع و هو في حال الهويّ الى السجود، فيظهر من ذلك كله انه لا بعد في عدم اعتبار الدخول بجزء آخر من الوضوء، و وجوب الاتيان بالمشكوك ما لم يحصل الفراغ من كل الوضوء، فلا تجري إذن قاعدة الفراغ في أجزاء الوضوء، كما لا تجري في أجزاء الوجه و اليد.

(و ممّا يشهد لهذا التوجيه) و هو اعتبارهم الوضوء شيئا واحدا، لا شيئا ذا أجزاء (إلحاق المشهور الغسل و التيمّم بالوضوء في هذا الحكم) فلا يجرون قاعدة الفراغ في الغسل و التيمم الّا بعد الفراغ من الجميع.

و إنّما يشهد له هذا الالحاق‏ (إذ لا وجه له) اي: للالحاق هنا وجها (ظاهرا، إلّا ملاحظة كون الوضوء امرا واحدا يطلب منه أمر واحد غير قابل للتّبعيض، أعني: الطهارة)

24

الموضع الخامس:

ذكر بعض الأساطين: «أنّ الشك في الشروط بالنسبة الى الفراغ عن المشروط، بل الدخول فيه، بل الكون على هيئة الداخل، حكم الأجزاء في عدم الالتفات.

____________

و بتنقيح المناط في الوضوء أجروا حكمه في الغسل و التيمم.

لكن لا يخفى: انّ كل ما ذكره المصنّف (قدّس سرّه) هو أشبه شي‏ء بالاستيناس، و الّا فاللازم العمل بالرواية، و الاجماع المدّعى لا يمكن الاستناد اليه الّا من باب الاحتياط.

[الموضع الخامس في انه هل يجري التجاوز و الفراغ بالنسبة الى الشرط ايضا]

(الموضع الخامس:) في انه هل يجري التجاوز و الفراغ بالنسبة الى الشرط ايضا، أو ان القاعدتين مختصتان بالجزء فقط؟.

(ذكر بعض الأساطين) و هو الشيخ جعفر كاشف الغطاء: ( «أنّ الشك في الشروط بالنسبة الى الفراغ عن المشروط) كما اذا شك بعد ان فرغ من الصلاة في انه كان متطهّرا ام لا؟ (بل الدخول فيه) اي: في المشروط كما اذا شرع في الصلاة ثم شك في انه دخلها بطهارة ام لا؟ (بل الكون على هيئة الداخل) في الصلاة كما اذا رأى نفسه مستقبل القبلة متهّيئا، فشك في انه هل كبّر حتى يكون داخلا في الصلاة أو لم يكبّر حتى لا يكون داخلا فيها؟ و في نفس الوقت شك في انه متطهر أم لا؟ ففي كل هذه الصور من الشك في الشروط، قال: بأن الحكم فيها (حكم) الشك في‏ (الأجزاء في عدم الالتفات) اليها ايضا.

و استدل عليه: بأنّ الروايات لبيان اعتبار ظاهر حال العاقل، حيث ان العاقل لا يقدم على عمل و هو يريد ابراء ذمته الّا بعد احراز ما يعتبر فيه، و هذه قاعدة

25

فلا اعتبار بالشك في الوقت و القبلة و اللباس و الطهارة بأقسامها و الاستقرار و نحوها بعد الدخول في الغاية، و لا فرق بين الوضوء و غيره»، انتهى.

و تبعه بعض من تأخّر عنه، و استقرب في مقام آخر: إجراء الغاء الشك في الشرط بالنسبة الى غير ما دخل فيه من الغايات.

و ما أبعد ما بينه و بين ما ذكره بعض الأصحاب‏

____________

عقلية صدّقها الشارع، و حينئذ (فلا اعتبار بالشك في الوقت و القبلة و اللباس و الطهارة بأقسامها) حدثية و خبثية، و الحدثية غسلا كان ام وضوءا ام تيمما (و الاستقرار) و هو الطمأنينة (و نحوها) من الشروط (بعد الدخول في الغاية، و) هي هنا الصلاة علما بانه‏ (لا فرق بين الوضوء و غيره») من الشروط.

(انتهى) كلام كاشف الغطاء (و تبعه) اي: تبع كاشف الغطاء في جعل حكم الشك في الشرط حكم الشك في الجزء من عدم الالتفات‏ (بعض من تأخّر عنه) كما يحكى عن الشيخ مهدي النوري في حاشيته على كشف الغطاء.

(و استقرب) الشيخ كاشف الغطاء ايضا، و لكن‏ (في مقام آخر: إجراء الغاء الشك في الشرط) حتى‏ (بالنسبة الى غير ما دخل فيه من الغايات) كالصلاة، فانه لا يلتفت الى الشك في شي‏ء من شروطها حتى بالنسبة الى الصلاة و الثانية، فاذا شك- مثلا- بعد صلاة الظهر في انه هل كان متوضئا ام لا؟ أجرى قاعدة الفراغ و حكم بصحة صلاة الظهر و كان له ان يأتي بصلاة العصر بدون ان يجدّد الوضوء.

ثم قال المصنّف: (و ما أبعد ما بينه) اي: ما بين الشيخ كاشف الغطاء القائل بالغاء الشك في الشرط حتى للصلاة الثانية (و بين ما ذكره بعض الأصحاب)

26

من اعتبار الشك في الشرط حتى بعد الفراغ عن المشروط، فأوجب اعادة المشروط.

و الأقوى التفصيل بين الفراغ عن المشروط، فيلغوا الشك في الشرط بالنسبة اليه، لعموم لغويّة الشك في الشي‏ء بعد التجاوز عنه.

أمّا بالنسبة الى مشروط آخر لم يدخل فيه، فلا ينبغي الاشكال في اعتبار الشك فيه،

____________

مثل صاحب المدارك و الفاضل الهندي‏ (من اعتبار الشك في الشرط حتى بعد الفراغ عن المشروط، فأوجب اعادة المشروط) و قال: بانّه اذا شك بعد ان صلّى الظهرين- مثلا- في انه هل كان متوضئا أم لا؟ فاللازم عليه ان يتوضأ و يعيد صلاة الظهرين.

ثم بعد أن ذكر المصنّف القولين و البعد بينهما أبدى نظره قائلا: (و الأقوى) حسب المستفاد من الأدلة قول ثالث و هو: (التفصيل بين الفراغ عن المشروط فيلغوا الشك في الشرط بالنسبة اليه) فاذا فرغ من صلاة الظهر- مثلا- ثم شك في انه هل كان متوضئا ام لا؟ لغى شكه فيما فرغ منه و صح ظهره، و ذلك‏ (لعموم لغويّة الشك في الشي‏ء بعد التجاوز عنه) فان الغاء الشك الأمرة به روايات التجاوز يعمّ الشك في مثل هذا الشرط بعد الاتيان بالمشروط.

هذا بالنسبة الى المشروط الأوّل الذي فرغ منه، و (أمّا بالنسبة الى مشروط آخر) الذي هو صلاة العصر- مثلا- اذا (لم يدخل فيه) بعد (فلا ينبغي الاشكال في اعتبار الشك فيه) اي: الالتفات الى الشرط المشكوك و الاتيان به ثم الدخول في المشروط، بمعنى: انه اذا أراد أن يصلّي العصر لزم عليه ان يتوضأ لها.

27

لأنّ الشرط المذكور من حيث كونه شرطا لهذا المشروط لم يتجاوز عنه، بل محلّه باق، فالشك في تحقّق شرط هذا المشروط شك في الشي‏ء قبل تجاوز محلّه.

و ربما بنى بعضهم ذلك على أنّ معنى عدم العبرة بالشك في الشي‏ء بعد تجاوز المحلّ هو: البناء على الحصول‏

____________

و إنّما يعتبر الشك فيه و يلزم الاتيان به‏ (لأنّ الشرط المذكور) اي: الطهارة (من حيث كونه شرطا لهذا المشروط) الذي هو صلاة العصر- في المثال- (لم يتجاوز عنه، بل محلّه) اي: محل الشرط الذي هو الوضوء- في المثال- (باق، فالشك في تحقّق شرط هذا المشروط) الآخر ما دام لم يدخل فيه و لم يفرغ منه هو (شك في الشي‏ء قبل تجاوز محلّه) فيلزم إذن ان يأتي بالشرط أولا ثم يأتي بالمشروط.

لا يقال: كيف تقولون بصحة الظهر و لزوم الطهارة للعصر، مع انه ان كان متوضئا حين أتى بالظهر صح اتيانه بالعصر بدون الطهارة، و ان لم يكن متوضئا بطل ظهره فلا يتمكن من الاتيان بالعصر حتى بعد التطهير لاشتراط الترتب بين العصر و الظهر؟.

لأنّه يقال: التفكيك بين المتلازمين في الشرع غير عزيز كما تقدّم أمثلة كثيرة لذلك ممّا لا حاجة الى اعادتها.

هذا (و ربّما بنى بعضهم) اي: علّق بعض الفقهاء (ذلك) اي: القول بلغوية الشك و عدم لغويته بالنسبة الى سائر الغايات المستقبلة (على أنّ معنى عدم العبرة بالشك في الشي‏ء بعد تجاوز المحلّ) هل‏ (هو: البناء على الحصول) اي:

حصول الشي‏ء المشكوك و تحققه حتى يكون معنى قاعدة التجاوز فيما نحن فيه:

انه ابن على حصول الطهارة، و حينئذ تتساوى فيه الغايات السابقة و اللاحقة.

28

أو يختص بالدخول.

أقول: لا اشكال في أنّ معناه البناء على حصول المشكوك فيه، لكن بعنوانه الذي يتحقق معه تجاوز المحلّ لا مطلقا.

و لو شك في أثناء العصر في فعل‏

____________

(أو يختص بالدخول) و في بعض النسخ: «بالمدخول» و كلاهما. بمعنى واحد و هو: أو يختص عدم الاعتبار بالشك في الشي‏ء الذي دخل فيه فقط، دون ما لم يدخل فيه، حتى يكون معنى قاعدة التجاوز فيما نحن فيه: لا تلفت الى الشك في الطهارة بالنسبة الى الظهر الذي دخلت فيه، دون العصر الذي لم تدخل فيه، و حينئذ تختص الصحة بالظهر فقط؟.

(أقول:) هذا الذي ذكره بعض الفقهاء غير تام، اذ (لا اشكال في أنّ معناه) اي: معنى قاعدة التجاوز بحسب فهم العرف هو: (البناء على حصول المشكوك فيه) و هو الطهارة فيما نحن فيه‏ (لكن بعنوانه الذي يتحقق معه تجاوز المحلّ) يعني: ان الوضوء المشكوك إنّما يكون محكوما بالحصول بعنوان شرطيته للظهر، فان الوضوء بعنوان شرطيته للظهر قد تجاوز محله‏ (لا مطلقا) اي: حتى بعنوان شرطيته للعصر ممّا لم يأت به بعد.

و بعبارة اخرى: ان الشارع من خلال قاعدة التجاوز كأنه قال: اني أقبل منك الظهر متطهرا، و ليس معنى ذلك انه يقبل منه العصر الذي لم يأت به بعد مع شكه الآن في انه متطهر أم لا؟.

(و) عليه: فان هذا الذي ذكرناه من العنوانين في الطهارة، هو نظير وجوب تحقق الظهر قبل العصر، حيث ان له عنوانين: عنوان كونه واجبا في نفسه، و عنوان كونه شرطا لصحة العصر، و حينئذ (لو شك في أثناء العصر في فعل‏

29

الظهر، بنى على تحقق الظهر بعنوان أنّه شرط للعصر، و لعدم وجوب العدول اليه لا على تحقّقه مطلقا حتى لا يحتاج الى إعادتها بعد فعل العصر.

فالوضوء المشكوك فيما نحن فيه، إنّما فات محلّه من حيث كونه شرطا للمشروط المتحقق، لا من حيث كونه شرطا للمشروط المستقبل.

و من هنا يظهر: أنّ الدخول في المشروط أيضا لا يكفي‏

____________

الظهر، بنى على تحقق الظهر) و حصوله مقيّدا (بعنوان أنّه شرط للعصر، و) انه شرط ايضا (لعدم وجوب العدول اليه) اي: الى الظهر، لان الظهر مقيدا بهذا العنوان قد تحقق التجاوز عنه‏ (لا على تحقّقه مطلقا) اي: تحقق الظهر و حصوله، سواء بعنوان وجوبه المقدّمي ام بعنوان وجوبه النفسي‏ (حتى لا يحتاج الى إعادتها بعد فعل العصر).

و الحاصل: انه اذا شك في أثناء العصر بأنه هل أتى بالظهر ام لا؟ فحيث انه تجاوز محلها، بنى على حصولها، لكن لا مطلقا، بل بعنوان وجوبها المقدّمي للعصر فقط، لا حتى بعنوان وجوبها النفسي، و لذلك لا يلزم عليه العدول الى الظهر، بل يتم صلاته عصرا و بعد اتمام العصر يلزم ان يأتي بالظهر، لانه لا يعلم هل انه أتى بالظهر ام لم يأت بها؟ فالاصل الاشتغال.

و على هذا: (فالوضوء المشكوك فيما نحن فيه، إنّما فات محلّه من حيث كونه شرطا للمشروط المتحقق، لا من حيث كونه شرطا للمشروط المستقبل) فصح ظهره المتحقق و أتى بالوضوء للعصر المستقبل.

(و من هنا) اي: من انه يحكم بحصول المشكوك بعنوانه الذي يتحقق معه التجاوز، لا بعنوانه المستقبلي‏ (يظهر: أنّ الدخول في المشروط أيضا لا يكفي‏

30

في الغاء الشك في الشرط، بل لا بد من الفراغ عنه، لأنّ نسبة الشرط الى جميع أجزاء المشروط نسبة واحدة و تجاوز محلّه باعتبار كونه شرطا للأجزاء الماضية، فلا بدّ من إحرازه للأجزاء المستقبليّة.

نعم، ربما يدّعى في مثل الوضوء أنّ محلّ إحرازه لجميع أجزاء الصلاة قبل الصلاة، لا عند كلّ جزء.

و من هنا: قد يفصّل بين ما كان من قبيل الوضوء، ممّا يكون محلّ‏

____________

في الغاء الشك في الشرط) فاذا شك في أثناء الظهر بانه هل توضأ للصلاة بعد ان كان محدثا أو لم يتوضأ؟ لا يصح له اتمام الصلاة (بل لا بد من الفراغ عنه) اي:

عن المشروط مثل: ان يفرغ عن الظهر فيحكم بصحته و انه قد أتى به متطهرا لقاعدة الفراغ.

و إنّما يشترط الفراغ من المشروط (لأنّ نسبة الشرط) و هي الطهارة فيما نحن فيه‏ (الى جميع أجزاء المشروط) و هي الصلاة في المثال‏ (نسبة واحدة) و هي الشرطية (و تجاوز محلّه) اي: محل الشرط عند الشك في الاثناء إنّما هو (باعتبار كونه شرطا للأجزاء الماضية، فلا بدّ من إحرازه للأجزاء المستقبليّة) و حيث انه ليس بمحرز فلا بد من ابطال الصلاة و التطهر للاتيان بها من أولها ثانية.

(نعم) هنا قول آخر يقول بالتفصيل بين الشرط المتقدّم و الشرط المقارن و هو انه: (ربما يدّعى في مثل الوضوء) الذي هو شرط متقدّم للصلاة (أنّ محلّ إحرازه لجميع أجزاء الصلاة قبل الصلاة، لا عند كلّ جزء) فاذا دخل في الصلاة فهو من الشك بعد تجاوز المحل، فيبنى معه على الوضوء في بقية الصلاة.

(و من هنا) اي: من حيث تحقق التجاوز عن محل الشرط المتقدّم بسبب الدخول في الصلاة (قد يفصّل بين ما كان من قبيل الوضوء، ممّا يكون محلّ‏

31

إحرازه قبل الدخول في العبادة و بين غيره مما ليس كذلك، كالاستقبال و النيّة، فانّ إحرازهما ممكن في كلّ جزء، و ليس المحلّ الموظّف لاحرازهما قبل الصلاة بالخصوص بخلاف الوضوء.

و حينئذ: فلو شك في أثناء الصلاة في الستر أو السائر وجب عليه احرازه في أثناء الصلاة للأجزاء المستقبلة.

و المسألة لا تخلو عن اشكال،

____________

إحرازه قبل الدخول في العبادة) لأنّه شرط متقدّم لها، صلاة كانت أو طوافا أو نحوهما (و بين غيره) من الشرائط (ممّا ليس كذلك) اي: لم يكن شرطا متقدما (كالاستقبال و النيّة، فانّ إحرازهما ممكن في كلّ جزء) من اجزاء الصلاة (و ليس المحلّ الموظّف لاحرازهما قبل الصلاة بالخصوص) و لذا فاذا شك في النية أو الاستقبال في الأثناء لا يتمكن من اجراء قاعدة التجاوز (بخلاف الوضوء) و الغسل و التيمم، حيث ان محل هذا الشرط قبل الصلاة و متقدّم على المشروط.

(و حينئذ) اي: حين كان الاستقبال و النية من الشرط المقارن و ليس كالوضوء من الشرط المتقدّم‏ (فلو شك في أثناء الصلاة في الستر أو السائر) و انه هل هو مستور العورة ام لا؟ أو ان الساتر الذي عليه هل يجوز فيه الصلاة ام لا؟ أو غير ذلك من الشرط المقارن‏ (وجب عليه احرازه في أثناء الصلاة للأجزاء المستقبلة) و لا يكفي احرازه لها بقاعدة التجاوز، لعدم تحقق التجاوز بالنسبة اليها من الأجزاء المستقبلة.

هذا (و المسألة) بعد (لا تخلو عن اشكال) و ذلك من حيث ان الوضوء هل هو شرط متقدّم فقط حتى يصدق التجاوز اذا كان داخلا في الصلاة و شك فيه، فيصح له ان يأتي ببقية الصلاة، أو هو شرط مقارن أيضا حتى يجب احرازه‏

32

إلّا أنّه ربما يشهد لما ذكرنا من التفصيل: بين الشك في الوضوء في أثناء الصلاة، و فيه بعده- صحيحة علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يكون على وضوء، ثمّ يشكّ على وضوء هو أم لا؟ قال: إذا ذكرها و هو في صلاته انصرف و أعادها، و إن ذكر و قد فرغ من صلاته أجزأه ذلك».

بناء على أنّ مورد السؤال: الكون على الوضوء باعتقاده ثمّ شك في ذلك.

____________

للاجزاء الباقية، فاللازم ان يرفع يده عن الصلاة و يتوضأ و يستأنف؟.

(إلّا أنّه ربما يشهد لما ذكرنا من التفصيل: بين الشك في الوضوء في أثناء الصلاة) فيستأنف بعد ان يتوضأ (و) بين الشك‏ (فيه): اي: في الوضوء (بعده) اي: بعد الفراغ من الصلاة فيبني على صحة الصلاة (صحيحة علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) قال: «سألته عن الرجل يكون على وضوء، ثمّ يشكّ على وضوء هو أم لا) فما ذا يفعل؟ (قال: إذا ذكرها) اي ذكر الطهارة فشك فيها (و هو في) أثناء (صلاته انصرف) عن الصلاة فتطهّر (و أعادها، و إن ذكر و قد فرغ من صلاته أجزأه ذلك») (1).

لكن دلالة هذه الرواية على ما نحن فيه إنّما هو (بناء على أنّ مورد السؤال:

الكون على الوضوء باعتقاده) أولا (ثمّ شك في ذلك) الذي اعتقده أولا، و انه هل كان في محله صحيحا أم لا؟ يعني: كان شكه من الشك الساري الراجع الى قاعدة اليقين، لا من الشك الطاري الراجع الى الاستصحاب، فانه بناء على الشك الساري تكون الرواية مؤيدة لما ادعاه في مثل الطهارة من التفصيل: بين الشك في الأثناء فاللازم الاستيناف، و بين الشك بعد الفراغ فلا يحتاج الى الاستيناف،

____________

(1)- مسائل علي بن جعفر: ص 206، وسائل الشيعة: ج 1 ص 473 ب 44 ح 1253.

33

الموضع السادس:

انّ الشك في صحّة المأتي به حكمه حكم الشك في الاتيان، بل هو هو، لأنّ مرجعه الى الشك في وجود الشي‏ء الصحيح.

____________

و ذلك لمكان قاعدة الفراغ في الثاني دون الأوّل.

أقول: لكن من المحتمل ان تكون الرواية مؤيدة للقول بالتفصيل فيما نحن فيه حتى بناء على كون الشك من الشك الطاري الراجع الى الاستصحاب، و ذلك بأن يكون الشخص قد دخل في الصلاة و هو متطهر قطعا، ثم شك في أثناء الصلاة في بقاء طهارته، فان مقتضى القاعدة و الذي يؤيّده الفتوى هو استصحاب طهارته و صحة صلاته، لكن الرواية تقول برفع اليد عن الصلاة و الاستيناف من باب الاستحباب فتكون الرواية اذا حملت على الاستحباب مؤيدة للتفصيل المذكور ايضا.

[الموضع السادس انّ الشك في صحّة المأتي به حكمه حكم الشك في الاتيان‏]

(الموضع السادس: انّ الشك في صحة المأتي به) بعد الفراغ من اصل وجوده: و ذلك كما لو علم بأنه أتى بالشي‏ء لكن لم يعلم هل انه أتى به صحيحا أم لا؟ كالشك في صحة القراءة، أو في مراعاة الترتيب بين الكلمات و الآيات، أو في رعاية الموالاة بين أفعال الصلاة، أو غير ذلك، فان‏ (حكمه حكم الشك في) اصل‏ (الاتيان) و الوجود، فكما انه لو شك، و هو في حال الركوع بأنه هل قرء الحمد و السورة أو لم يقرأها؟ تجري قاعدة التجاوز، فكذلك اذا شك و هو في الركوع بانه هل قرأهما صحيحا ام لا؟.

(بل هو هو) اي: ان الشك في الصحة هو عبارة أخرى عن الشك في اصل الاتيان و الوجود (لأنّ مرجعه) اي: مرجع الشك في صحة الذي أتى به‏ (الى الشك في وجود الشي‏ء الصحيح) فقاعدة التجاوز إذن تشمل الشك في الصحة،

34

و محلّ الكلام ما لا يرجع فيه الشك الى الشك في ترك بعض ما يعتبر في الصحة، كما لو شك في تحقق الموالاة المعتبرة في حروف الكلمة أو كلمات الآية.

لكنّ الانصاف: أنّ الالحاق لا يخلو عن اشكال، لأنّ الظاهر من أخبار الشك في الشي‏ء مختصّ بغير هذه الصورة، إلّا أن يدّعى تنقيح المناط،

____________

لانه من أفراد الشك في الوجود، اذ من المعلوم: ان الصلاة الباطلة و عدمها سيّان.

(و محلّ الكلام) في هذا البحث: (ما لا يرجع فيه الشك الى الشك في ترك بعض ما يعتبر في الصحة) فإن الشك قد يرجع الى انه هل جاء بالشي‏ء كاملا أو غير كامل؟ كما لو شك بانه هل ترك البسملة أو لم يتركها؟ و قد يعلم انه أتى به كاملا لكن لا يعلم هل انه كان متصفا بوصف الصحة ام لا؟ و ذلك‏ (كما لو شك في تحقق الموالاة المعتبرة في حروف الكلمة أو كلمات الآية) فانه يعلم بانه أتى بجميع الأجزاء، لكن يشك في وصف الصحة، و الفرق بينهما: ان الشك في انه هل جاء بالبسملة ام لا هو شك في اصل وجود الشي‏ء و عدم وجوده؟ بينما الشك في مثل الترتيب و الموالاة و غير ذلك ممّا لا يعدّ مغايرا للقراءة هو شك في وصف الصحة، و هذا القسم الأخير هو محل الكلام هنا.

(لكنّ الانصاف أنّ الالحاق) اي: الحاق الشك في الصحة بالشك في الوجود في كونه مجرى لقاعدة التجاوز (لا يخلو عن اشكال، لأنّ الظاهر من أخبار الشك في الشي‏ء مختصّ بغير هذه الصورة) لظهورها عند المصنّف في الشك في الوجود و العدم، لا في وصف الصحة و عدم وصف الصحة.

(إلّا أن يدّعى تنقيح المناط) فمناط عدم العبرة بالشك بعد تجاوز المحل في الوجود و العدم، آت في الشك بعد تجاوز المحل في الصحة و عدم الصحة، فيعمّ‏

35

أو يستند فيه الى بعض ما يستفاد منه العموم، مثل: موثّقة ابن أبي يعفور، أو يجعل أصالة الصحة في فعل الفاعل المريد للصحيح أصلا برأسه، و مدركه ظهور حال المسلم.

____________

أخبار التجاوز بالمناط الموردين: الشك في الوجود، و الشك في الصحة، و هذا المناط هو الذي يستفيده العرف من أخبار التجاوز.

(أو يستند فيه) اي: في الالحاق‏ (الى بعض ما يستفاد منه العموم مثل: موثّقة ابن أبي يعفور) التي جاء فيها: «اذا شككت في شي‏ء من الوضوء و قد دخلت في غيره فشكك ليس بشي‏ء، إنّما الشك اذا كنت في شي‏ء لم تجزه» (1) فالشي‏ء في الموثقة كما يشمل الشرط و الجزء، كذلك يشمل وصف الموالاة و الترتيب و نحوهما فيعم أخبار التجاوز لاجلها الموردين: الشك في الوجود و في الصحة.

(أو يجعل أصالة الصحة في فعل الفاعل المريد للصحيح أصلا برأسه) و ذلك من دون التمسك بقاعدة التجاوز المحتملة الاختصاص بالشك في الوجود، و إنّما اذا شك في الترتيب و الموالاة بعد تمام القراءة يتمسك بأصالة الصحة (و مدركه) اي: مدرك أصل الصحة (ظهور حال المسلم) في انه لا يأتي الّا بالعمل الصحيح، و قد ذكرنا فيما سبق: ان حال الكافر بالنسبة الى أعماله كذلك، فانه أيضا يبنى عمله على الصحيح في مثل المعاملات، و لذا يرتّب المسلمون أثر الصحة على معاملات الكفار، و يتعاملون معهم بالبيع و الاجارة و الرهن و المضاربة و غيرها.

هذا أو يؤيّد كون أصل الصحة أصلا برأسه و انه غير قاعدة الفراغ كلام بعض‏

____________

(1)- تهذيب الاحكام: ج 1 ص 101 ب 4 ح 111، السرائر: ج 3 ص 554، وسائل الشيعة: ج 1 ص 470 ب 42 ح 1244 و ج 8 ص 237 ب 23 ح 10524.

36

قال فخر الدين في الايضاح في مسألة الشك في بعض أفعال الطهارة:

«إنّ الأصل في فعل العاقل المكلّف الذي يقصد براءة ذمته بفعل صحيح و هو يعلم الكيفيّة و الكميّة الصحّة»، انتهى.

و يمكن استفادة اعتباره من عموم التعليل المتقدّم في قوله: «هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشكّ» فانّه بمنزلة صغرى لقوله، فاذا كان أذكر فلا يترك ممّا يعتبر في صحّة عمله الذي يريد براءة ذمته، لأنّ الترك سهوا خلاف فرض الذكر، و عمدا خلاف إرادة الابراء.

____________

الفقهاء في ذلك، فقد (قال فخر الدين في الايضاح في مسألة الشك في بعض أفعال الطهارة: «إنّ الأصل) اي: ظاهر الحال، لا الأصل بمعنى الاستصحاب‏ (في فعل العاقل المكلّف الذي يقصد براءة ذمته بفعل صحيح) اي: لانه يعتقد انه لو فعل الشي‏ء صحيحا برئت ذمته، و الّا لم تبرأ ذمته‏ (و هو يعلم الكيفيّة و الكميّة) ككمية ركعات الصلاة و كيفيتها هو: (الصحّة») و هذا خبر قوله: «ان الاصل» (انتهى) كلام الايضاح.

هذا (و يمكن استفادة اعتباره) اي: اعتبار أصل الصحة في فعل الفاعل‏ (من عموم التعليل المتقدّم في قوله) (عليه السلام): ( «هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشكّ» (1)) و إنّما يستفاد ذلك منه، لانه كما قال: (فانّه بمنزلة صغرى لقوله: فاذا كان أذكر فلا يترك مما يعتبر في صحّة عمله الذي يريد براءة ذمته) منه شيئا (لأنّ الترك سهوا خلاف فرض الذكر) الذي أشار اليه بقوله (عليه السلام): «أذكر» (و عمدا خلاف إرادة الابراء) التي هي ظاهر حال كل عاقل، فان ظاهر حال العاقل انه يريد

____________

(1)- تهذيب الاحكام: ج 1 ص 101 ب 4 ح 114، وسائل الشيعة: ج 1 ص 471 ب 42 ح 1249.

37

الموضع السابع:

الظاهر أنّ المراد بالشك في موضع هذا الاصل هو الشك الطارئ بسبب الغفلة عن صورة العمل، فلو علم كيفية غسل اليد و أنّه كان بارتماسها في الماء، لكن شكّ في أنّ ما تحت خاتمه ينغسل بالارتماس أم لا، ففي الحكم بعدم الالتفات،

____________

ابراء ذمته، لا اللعب و العبث و ما أشبه ذلك، فان الترك امّا عمدي و اما سهوي، و كلاهما ممنوع لما ذكرناه، فالعمل يكون صحيحا.

[الموضع السابع الظاهر أنّ المراد بالشك في موضع هذا الاصل هو الشك الطارئ بسبب الغفلة عن صورة العمل‏]

(الموضع السابع): لو التفت الى وجود شي‏ء في اعضائه و شك في مانعية الموجود، و ذلك حال الوضوء أو الغسل أو التيمم، فلم يفحص عنه و اتى بالعمل مع ذلك الشك، فقاعدة الشك بعد الفراغ لا تشمله، لان ظاهر الشك في القاعدة ان يكون العامل شاكا بعد العمل في انه هل غفل حال العمل ام لم يغفل؟ لا ان يعلم انه كان ملتفتا حال العمل، و إنّما كان شكه في مانعية الموجود، و ذلك لأن‏ (الظاهر أنّ المراد بالشك في موضع هذا الاصل) أي: قاعدة الفراغ‏ (هو الشك الطارئ) اي: الحادث‏ (بسبب الغفلة عن صورة العمل) بأن شك بعد الوضوء- مثلا- في انه هل غفل عند العمل فلم يأت بالوضوء صحيحا، أو لم يأت بجزء أو شرط منه اصلا، أو انه لم يغفل حتى جاء بوضوء صحيح؟.

و عليه: (فلو علم كيفية غسل اليد و أنّه كان بارتماسها في الماء، لكن شكّ في) مانعية الموجود حين الغسل لانه شك- مثلا- في‏ (أنّ ما تحت خاتمه ينغسل بالارتماس أم لا) أو ان شيئا كان على يده لكن لا يعلم هل ان له جرما حتى يبطل وضوءه، أو ليس له جرم حتى يصح وضوءه؟ (ففي الحكم بعدم الالتفات) الى الشك، و اجراء قاعدة الفراغ، أو اللازم الالتفات الى الشك و عدم اجراء قاعدة

38

وجهان: من إطلاق بعض الأخبار، و من التعليل بقوله: «هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك»؛ فانّ التعليل يدلّ على تخصيص الحكم بمورده مع عموم السؤال، فدلّ على نفيه عن غير مورد العلّة.

____________

الفراغ‏ (وجهان) كالتالي:

(من إطلاق بعض الأخبار) مثل: قول الإمام الصادق (عليه السلام): «اذا شككت في شي‏ء من الوضوء و قد دخلت في غيره، فشكك ليس بشي‏ء» (1) حيث ان اطلاق الشك يشمل القسمين من الشك فتجري قاعدة الفراغ فيه.

(و من التعليل بقوله) (عليه السلام): ( «هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك» (2)) فلا يشمل مثل هذا الشك‏ (فانّ التعليل يدلّ على تخصيص الحكم بمورده) اي:

بمورد التعليل الذي هو الأذكرية حتى‏ (مع عموم السؤال).

إذن: فالشك بعد الوضوء الذي هو مسئول عن حكمه من الإمام الصادق (عليه السلام) هنا و ان كان يعم كل شك، الّا ان العلة في الجواب تضيّق دائرة السؤال، و ذلك لأن العلة مضيّقة و موسّعة حسب القرائن الخارجية، فاذا قال- مثلا-: لا تأكل الرمان لأنّه حامض، وسّعت العلة دائرة الرمان الى كل حامض، فيجب الاجتناب عن كل حامض، كما انّ العلة نفسها تضيّق دائرة الرمان الى الرمان الحامض فقط، فلا بأس بأكل الرمان الحلو (فدلّ) التعليل بالأذكرية في قاعدة الفراغ‏ (على نفيه) اي: نفي حكم الفراغ‏ (عن غير مورد العلّة) و هو مورد الشك في مانعية الموجود، فلا تجري قاعدة الفراغ فيه.

____________

(1)- تهذيب الاحكام: ج 1 ص 101 ب 4 ح 111، السرائر: ج 3 ص 554، وسائل الشيعة: ج 1 ص 470 ب 42 ح 1244 و ج 8 ص 237 ب 23 ح 10524.

(2)- تهذيب الاحكام: ج 1 ص 101 ب 4 ح 114، وسائل الشيعة: ج 1 ص 471 ب 42 ح 1249.

39

نعم، لا فرق بين أن يكون المحتمل ترك الجزء نسيانا، أو تركه تعمّدا، و التعليل المذكور بضميمة الكبرى المتقدّمة يدلّ على نفي الاحتمالين.

و لو كان الشك من جهة احتمال وجود الحائل على البدن، ففي شمول الأخبار له الوجهان.

نعم، قد يجري هنا أصالة عدم الحائل، فيحكم بعدمه‏

____________

(نعم، لا فرق) في جريان قاعدة الفراغ‏ (بين أن يكون المحتمل ترك الجزء نسيانا، أو تركه تعمّدا) و كذلك بالنسبة الى ترك الوصف‏ (و) ذلك لأنّ‏ (التعليل المذكور) في الرواية بالأذكرية (بضميمة الكبرى المتقدّمة) التي ذكرها المصنّف آخر الموضع السادس بقوله: «فاذا كان أذكر، فلا يترك ممّا يعتبر في صحة عمله الذي يريد براءة ذمته، لأنّ الترك سهوا خلاف فرض الذكر، و عمدا خلاف ارادة الابراء» (يدلّ على نفي الاحتمالين) الترك نسيانا، أو تركه تعمدا، اذ مورد التعليل هو: من يريد الابراء و هو متذكر حال الوضوء و ليس بغافل أو ساه أو ناس أو مغمى عليه أو ما أشبه ذلك، فهو اذا كان أذكر لا يترك شيئا عمدا و لا نسيانا- على ما عرفت- فتجري القاعدة فيهما معا.

هذا (و لو كان الشك من جهة احتمال وجود الحائل على البدن) لا مانعية الموجود، كما اذا شك في انه هل يوجد على ظهره شي‏ء لاصق به يوجب عدم وصول الماء الى البدن في الغسل ام لا؟ (ففي شمول الأخبار له الوجهان) اللذان تقدما في احتمال مانعية الموجود من جريان قاعدة الفراغ و عدم جريانها.

(نعم، قد يجري هنا أصالة عدم الحائل فيحكم بعدمه) من باب الاستصحاب، لانه لم يكن قبل ان يتوضأ أو يغتسل حائل على اعضائه، فاذا شك‏

40

حتى لو لم يفرغ عن الوضوء، بل لم يشرع في غسل موضع احتمال الحائل، لكنّه من الاصول المثبتة، و قد ذكرنا بعض الكلام في ذلك في بعض الامور المتقدّمة.

____________

في انه هل وجد حائل ام لا؟ يستصحب عدمه، و ذلك‏ (حتى لو لم يفرغ عن الوضوء، بل) حتى و لو (لم يشرع في غسل موضع احتمال الحائل) فانه مع ذلك لا يلزم التحقيق و التدقيق‏ (لكنّه من الاصول المثبتة) و هو غير حجة، لوضوح: ان وصول الماء الى البشرة من اللوازم العادية لعدم الحائل.

و ربّما يفصّل بين ما كان الشك في وجود الحائل عقلائيا، كشك من يعمل في القير و الصبغ و شبههما، فلا تجري القاعدة و يلزم التحقيق عند ارادة الغسل و نحوه، و بين ما كان الشك فيه غير عقلائي، كشك من لا ربط له بالقير و ما أشبه، فلا يلزم التحقيق، و لو شك بعد ذلك تجري القاعدة، و حيث ان المسألة مفصلة في الفقه نكتفي بهذا المقدار من بيانها.

هذا (و قد ذكرنا بعض الكلام في ذلك) اي: في الاصل المثبت، و ذلك‏ (في بعض الامور المتقدّمة) اي: في الأمر السادس من الامور التي قال المصنّف فيها: «و ينبغي التنبيه على امور» حيث تقدّم هناك أمثلة لهذا الاصل مثل:

أصالة بقاء زيد في اللفاف المثبت للقتل، و ذلك فيما اذا ضرب عمرو بالسيف على اللفاف و شك في انه هل كان زيد باقيا فيه حتى يكون مقتولا ام لا؟ و قلنا:

انه لاعتبار بالاصل المثبت بناء على كون الاصل حجة من باب الاخبار، بخلاف ما اذا كان حجة من باب الظن، الّا اذا اختفت الواسطة و ذلك على التفصيل المتقدّم.

41

المسألة الثالثة:

في أصالة الصحّة في فعل الغير و هي في الجملة من الاصول المجمع عليها فتوى و عملا بين المسلمين، فلا عبرة في موردها بأصالة الفساد.

إلّا أنّ معرفة مواردها و مقدار ما يترتّب عليها من الآثار و معرفة حالها عند مقابلتها لما عدا أصالة الفساد من الاصول‏

____________

(المسألة الثالثة: في أصالة الصحّة في فعل الغير)

سواء كان عملا من الاعمال أم قولا من الاقوال‏ (و هي في الجملة من الاصول المجمع عليها فتوى و عملا بين المسلمين) بل و بين غيرهم، كما ان الامر كذلك اذا كان احد الطرفين مسلما و الطرف الآخر غير مسلم، و قول المصنّف: «في الجملة» اشارة الى بعض الصور التي سيأتي الكلام حولها ان شاء اللّه تعالى.

و عليه: (فلا عبرة في موردها) اي: في كل مورد جرت أصالة الصحة فيه لا عبرة (بأصالة الفساد) في ذلك المورد، لان الاستصحاب الموجود في مورد أصالة الصحة و ان اقتضى عدم انعقاد المعاملة و فسادها، لكن أصالة الصحة حاكمة على أصالة الفساد.

(إلّا أنّ معرفة مواردها) اي: موارد أصالة الصحة، و هذا اشارة الى ما ذكره المصنّف قبل سطر بقوله: «في الجملة» (و مقدار ما يترتّب عليها من الآثار) كما سيأتي الكلام حوله ان شاء اللّه تعالى في الأمر الخامس من المسألة الثالثة التي نحن فيها (و معرفة حالها عند مقابلتها لما عدا أصالة الفساد من الاصول) مثل:

أصالة عدم البلوغ فيما لو شك في بلوغ البائع أو المشتري أو الراهن أو المرتهن‏

42

يتوقّف على بيان مدركها من الأدلة الأربعة.

و لا بدّ من تقديم ما فيه اشارة الى هذه القاعدة في الجملة من الكتاب و السنّة.

أمّا الكتاب:

فمنه آيات:

منها: قوله تعالى:

وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً

____________

أو ما أشبه، فان معرفة كل ذلك‏ (يتوقّف على بيان مدركها من الأدلة الأربعة) ليعرف ان اصل الصحة في ايّ مورد يجري حتى يسقط في ذلك المورد الاستصحاب، لان هذا البحث هو بحث التعارض بين الاستصحاب و بين أصل الصحة.

(و لا بدّ من تقديم ما فيه اشارة الى هذه القاعدة في الجملة من الكتاب و السنّة) و قوله هنا: «في الجملة» اشارة الى ما سيأتي قريبا ان شاء اللّه تعالى: من ان مفاد الكتاب و السنة هو: حرمة سوء الظن بالمؤمن، بمعنى: حرمة حمل فعله و قوله على الحرام و ترتيب الاثر عليه، لا وجوب حمل ما صدر منه من قول أو فعل على الحسن بمعنى: وجوب ترتيب آثار الصحة عليه، حتى اذا شك في انه سلّم أو شتم وجب عليه أن يرد السلام، الى غير ذلك ممّا سيأتي تفصيل الكلام فيه إن شاء اللّه تعالى.

[ذكر ما فيه اشارة الى هذه القاعدة]

[الأول الكتاب‏]

(أمّا الكتاب: فمنه آيات، منها: قوله تعالى: وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً (1)) و القول الحسن الذي امر به تعالى هنا، له معنيان: معنى الكلمة و الكلام الحسن، و معنى الظن و الاعتقاد الحسن، و هنا بناء على المعنى الثاني كالأول، و ذلك‏

____________

(1)- سورة البقرة: الآية 83.

43

بناء على تفسيره بما في الكافي من قوله (عليه السلام): «لا تقولوا إلّا خيرا حتى تعلموا ما هو»، و لعلّ مبناه على إرادة الظنّ و الاعتقاد من القول.

و منها: قوله تعالى:

اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ،

فانّ ظنّ السوء إثم،

____________

- كما قال- فان هذه الآية إنّما تكون دليلا على أصالة الصحة في فعل الغير (بناء على تفسيره بما في الكافي من قوله (عليه السلام): «لا تقولوا) اي: لا تظنوا باحد (إلّا خيرا حتى تعلموا ما هو» (1)) فيكون معنى الآية: انه اذا رأى الانسان من احد عملا، أو سمع منه قولا لا يعلم انه خير أو شر، حمله على الخير لا على الشر، فاذا رآه يشرب مائعا مشبوها و لم يعلم هل انه يشرب الماء أو يشرب الخمر؟ حمله على انه يشرب الماء، و كذا اذا سمعه يقول له شيئا و لم يعلم هل انه يسبّه أو يسلّم عليه؟ حمله على الصحيح الحسن.

و الى هذا المعنى أشار المصنّف حيث قال: (و لعلّ مبناه) اي: مبنى هذا التفسير (على إرادة الظنّ و الاعتقاد من القول) و ذلك بان يظن بالناس خيرا، فالقول على ذلك يكون مرادا به خصوص الامر القلبي، لكن الظاهر- و حسب بعض التفاسير- ان قوله تعالى: وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً (2) يعني: عاملوهم بخلق جميل، فيكون المراد بالقول الأعم من القول و الفعل.

(و منها: قوله تعالى: اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ‏ (3) فانّ ظنّ السوء إثم) و اذا كان ظن السوء اثما، فالعمل بذلك الظن و ترتيب الاثر عليه يكون إثما بطريق أولى، و قد ذكرنا سابقا: ان هذه الآية تدل على وجوب الاجتناب‏

____________

(1)- الكافي (اصول): ج 2 ص 164 ح 9، وسائل الشيعة: ج 16 ص 341 ب 21 ح 21710.

(2)- سورة البقرة: الآية 83.

(3)- سورة الحجرات: الآية 12.

44

و إلّا لم يكن شي‏ء من الظنّ اثما.

و منها: قوله تعالى:

أَوْفُوا بِالْعُقُودِ

بناء على أنّ الخارج من عمومه ليس إلّا ما علم فساده، لأنّه المتيقّن.

و كذا قوله تعالى:

إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ.

____________

عن اطراف العلم الاجمالي، فانه لمّا كان بعض الظن اثما حرّم الشارع كثيرا من الظن، و المراد بالكثير في مقابل الظن القليل الذي يعلم بانه ليس باثم.

هذا، و لا يخفى ان المراد من النهي عن ظن السوء هو النهي عن تحصيل مقدمات مثل هذا الظن و تنميته في النفس حتى يكون الشي‏ء اختباريا للانسان، فيترتب التكليف عليه، و ذلك لأنّ نفس الظن أمر قهري و لا يترتب عليه التكليف.

(و إلّا) بان لم يكن المراد من الظن المنهي عنه ظن السوء الذي هو اقبح الظنون‏ (لم يكن شي‏ء من الظنّ اثما) اي: لم يبق هناك مورد يكون مصداقا للظن الاثم حتى يتعلق به الأمر بالاجتناب عنه.

(و منها: قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1) بناء على أنّ الخارج من عمومه ليس إلّا ما علم فساده، لأنّه المتيقّن) اي: ان المتيقن الفساد هو الذي يكون خارجا قطعا من عموم: «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ»، و اما مشكوك الفساد، فيحمل على الصحة و لا يكون خارجا من عموم: «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» فالآية إذن تدل على لزوم الوفاء بالعقد اذا علم بصحته، بل و حتى اذا شك في صحته و فساده، فيكون معنى لزوم الوفاء بالعقد عند الشك في الصحة حمله على الصحيح.

(و كذا قوله تعالى: إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ‏ (2)) و ذلك بتقريب: ان المتيقن خروجه من الآية المباركة هو معلوم البطلان باحراز الكرة و عدم الرضا

____________

(1)- سورة المائدة: الآية 1.

(2)- سورة النساء: الآية 29.

45

و الاستدلال به يظهر من المحقق الثاني، حيث تمسّك في مسألة بيع الراهن مدّعيا بسبق إذن المرتهن، و أنكر المرتهن السبق؛ إنّ الاصل: صحّة البيع و لزومه و وجوب الوفاء بالعقد.

لكن لا يخفى ما فيه من الضعف.

و أضعف منه دعوى دلالة الآيتين الاولتين.

____________

فيه، اما مشكوكه فيحمل على الرضا و الصحة و لا يكون خارجا من عموم:

«تِجارَةً عَنْ تَراضٍ» فالآية تدل إذن على الحمل على الصحة بالتقريب المتقدّم في الآية السابقة.

هذا (و الاستدلال به) اي: بقوله تعالى: «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» و «تِجارَةً عَنْ تَراضٍ» على أصالة الصحة (يظهر من المحقق الثاني) صاحب جامع المقاصد ايضا (حيث تمسّك في مسألة بيع الراهن) العين المرهونة (مدّعيا) ذلك الراهن‏ (بسبق إذن المرتهن، و أنكر المرتهن السبق) قائلا: باني لم آذن لك في البيع قال المحقق‏ (إنّ الاصل: صحّة البيع و لزومه و وجوب الوفاء بالعقد) فمع ان الاستصحاب مع المرتهن حكم للراهن لأن أصل الصحة مع الراهن.

(لكن لا يخفى ما فيه) اي: في هذا الاستدلال‏ (من الضعف) لان اثبات صحة هذا البيع بعموم: «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» و «تِجارَةً عَنْ تَراضٍ» مع الشك في انه من مصاديق الخارج من تحت العام، أو الباقي تحته؟ من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، و قد ثبت في الاصول عدم جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، مثل التمسك بعموم النهي عن الخمر في وجوب الاجتناب عن مشكوك المائية و الخمرية.

(و أضعف منه دعوى دلالة الآيتين الاولتين) يعني قوله تعالى:

46

و أمّا السنّة:

فمنها: ما في الكافي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك ما يقلّبك عنه، و لا تظنّنّ بكلمة خرجت من أخيك سوءا و انت تجد لها في الخير سبيلا».

و منها: قول الصادق (عليه السلام) لمحمّد بن الفضل: «يا محمّد كذّب سمعك و بصرك عن أخيك،

____________

وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً (1) و اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِ‏ (2) على اصالة الصحة، و ذلك لان غاية مدلولهما حرمة سوء الظن بالناس ممّا يظهر أثره العملي على لسانهم و فعلهم، و هذا لا يثبت دلالة الآيتين على أصالة الصحة المبحوث عنها حتى نرتّب على هذه الأصالة أثرها.

[الثاني السنّة]

(و أمّا السنّة: فمنها: ما في الكافي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «ضع أمر أخيك على أحسنه حتى يأتيك ما يقلّبك عنه) يعني؟ يقلبك الى اليقين بالقبح، و من هذا المعنى يظهر ان المراد بالأحسن هنا هو: الحسن مثل قوله سبحانه: اتَّبِعُوا أَحْسَنَ ما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ‏ (3) و قوله تعالى: وَ أْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِها (4) و منه ايضا يعلم معنى تتمة الحديث‏ (و لا تظنّنّ بكلمة خرجت من أخيك سوءا و انت تجد لها في الخير سبيلا» (5)) فاللازم الحمل على الخير، الّا اذا تعذّر.

(و منها: قول الصادق (عليه السلام) لمحمّد بن الفضل: «يا محمّد كذّب سمعك و بصرك عن أخيك) اي: خطّئهما فيما سمعا أو رأيا منه من سوء، و قل:

____________

(1)- سورة البقرة: الآية 83.

(2)- سورة الحجرات: الآية 12.

(3)- سورة الزمر: الآية 55.

(4)- سورة الاعراف: الآية 145.

(5)- الكافي (الاصول): ج 2 ص 362 ح 3 (بالمعنى)، وسائل الشيعة: ج 12 ص 302 ب 161 ح 16361، شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد: ج 12 ص 10.

47

فان شهد عندك خمسون قسامة أنّه قال، و قال: لم أقل فصدّقه و كذّبهم».

و منها: ما ورد مستفيضا: «إنّ المؤمن لا يتّهم أخاه، و أنّه إذا اتّهم أخاه‏

____________

انه لم يقل و لم يعمل سوءا (فان شهد عندك خمسون قسامة) بفتح القاف و المراد منه: خمسون شخصا يحلفون على‏ (أنّه قال) قولا سيئا أو فعل فعلا سيئا (و) لكنه‏ (قال: لم أقل) أو لم افعل سوءا (فصدّقه و كذّبهم» (1)) اي: لا ترتب اثرا على ما قالوا في اخيك من سوء، و هذا من آداب الاسلام الاجتماعية، و اخلاق المعاشرة مع الناس، حيث ان له تاثيرا كبيرا في نشر الثقة و حفظ الالفة و المحبة بين افراد المجتمع، و هو ما يحثّ الاسلام عليه بقوله: «هل الدين الّا الحبّ» (2) و غير ذلك.

و معلوم ان هذا في غير مسئلة الدعاوي و المخاصمات، كما انه ليس في مسئلة أخذ الحذر ممّن تناله الألسن بالسوء، فان اخذ الحذر لازم كما في قصة اسماعيل بن الإمام الصادق (عليه السلام) و مضاربته مع من نالته الالسن بانه يشرب الخمر (3)، و ذلك لان اخذ الحذر مسئلة غير مسئلة حسن المعاشرة مع الناس، و هو واضح.

(و منها: ما ورد مستفيضا: «إنّ المؤمن لا يتّهم أخاه، و أنّه إذا اتّهم أخاه‏

____________

(1)- الكافي (روضة): ج 8 ص 147 ح 125، ثواب الأعمال و عقاب الأعمال: ص 295 ح 1، وسائل الشيعة: ج 12 ص 295 ب 157 ح 16343، أعلام الدين: ص 405، بحار الانوار: ج 75 ص 214 ب 65 ح 11 و ص 255 ب 66 ح 40.

(2)- الكافي (روضة): ج 8 ص 79 ح 35، الخصال: ص 21، دعائم الاسلام: ج 1 ص 71 و 72، اعلام الدين: ص 449، تفسير العياشي: ج 1 ص 167 ح 27، المحاسن: ص 262 ح 327، مشكاة الانوار: ص 120.

(3)- انظر الكافي (فروع): ج 5 ص 299 ح 1، وسائل الشيعة: ج 19 ص 83 ب 6 ح 24207.

48

انماث الايمان في قلبه، كانمياث الملح في الماء، و أنّ من اتّهم أخاه فلا حرمة بينهما، و أنّ من اتّهم أخاه فهو ملعون ملعون»، إلى غير ذلك من الأخبار المشتملة على هذه المضامين أو ما يقرب منها.

____________

انماث) اي: ذاب‏ (الايمان في قلبه كانمياث الملح في الماء) (1) و معنى ذلك:

لزوم اجتناب تهمة الاخ بحمل قوله و فعله على الصحيح.

(و) منها: ما ورد من‏ (أنّ من اتّهم أخاه فلا حرمة بينهما) (2) لانه بادر الى نقض حرمة اخيه باتهامه له، و معنى ذلك: لزوم الاجتناب عن اتهام الاخ بحمل قوله و فعله على الصحيح.

(و) منها: ما ورد من‏ (أنّ من اتّهم أخاه فهو ملعون ملعون» (3)) فاستحقاقه اللعنة إنّما هو لأجل الاتهام، فيلزم عليه اجتنابا من اللعنة ان يحمل قول اخيه و فعله على الصحيح.

(إلى غير ذلك من الأخبار المشتملة على هذه المضامين) مثل: تحريم إضمار السوء على الأخ المسلم، فان حمل قول الاخ و فعله على الفاسد هو نوع من اضمار السوء له.

(أو ما يقرب منها) اي: من هذه المضامين، مثل مضمون قوله (عليه السلام): «المؤمن وحده جماعة» (4) و كما ان خبر الجماعة يحمل على الصدق، فكذلك خبر

____________

(1)- انظر الكافي (اصول): ج 2 ص 361 ح 1، وسائل الشيعة: ج 12 ص 302 ب 161 ح 16359، مشكاة الانوار: ص 319.

(2)- الكافي (اصول): ج 2 ص 361 ح 2، وسائل الشيعة: ج 12 ص 302 ب 161 ح 16360، كشف الريبة: ص 21.

(3)- وسائل الشيعة: ج 12 ص 231 ب 13 ح 16165.

(4)- الكافي (فروع): ج 3 ص 371 ح 2، وسائل الشيعة: ج 8 ص 297 ب 4 ح 10710، الخصال:

ص 584 ح 10 و فيه (عن الرسول)، دعائم الاسلام: ج 1 ص 154.

49

هذا، و لكنّ الانصاف: عدم دلالة هذه الأخبار إلّا على أنّه لا بدّ من أن يحمل ما يصدر من الفاعل على الوجه الحسن عند الفاعل و لا يحمل على الوجه القبيح عنده.

و هذا غير ما نحن بصدده، فانّه إذا فرض دوران العقد الصادر منه بين كونه صحيحا أو فاسدا، لا على وجه قبيح،

____________

المؤمن الواحد، فمضمون هذه الاخبار ايجابا و سلبا يدل على حمل فعل المسلم و قوله على الصحيح.

(هذا) غاية ما يستدل به من السنة على حمل فعل المسلم و قوله على الصحيح‏ (و لكنّ الانصاف) بنظر المصنّف‏ (عدم دلالة هذه الأخبار إلّا على) الحسن الفاعلي، بمعنى: (أنّه لا بد من أن يحمل ما يصدر من الفاعل) قولا و فعلا (على الوجه الحسن عند الفاعل) و ان كان ذلك القول أو الفعل الصادر غير حسن في نفسه‏ (و لا يحمل على الوجه القبيح عنده) اي: عند الفاعل لقبح الصادر من قول أو فعل منه‏ (و هذا) المعنى‏ (غير ما نحن بصدده) من حمل فعل المسلم و قوله على الصحيح شرعا، و ترتيب الأثر عليه.

و إنّما كان هذا المعنى غير ما نحن بصدده لانه كما قال المصنّف‏ (فانّه إذا فرض دوران العقد الصادر منه) اي: من المسلم‏ (بين كونه صحيحا أو فاسدا، لا على وجه قبيح) فان بين الفساد و القبح عموما من وجه، اذ قد يكون الشي‏ء فاسدا، لكنه لا يكون قبيحا، و الروايات المتقدّمة تقول: لا تحمل فعل اخيك المسلم و قوله على القبيح، و لا تقول: احمله على الصحيح، فمن اين يستفاد من هذه الروايات حمل فعل المسلم و قوله على الصحيح مع ان بينهما عموما من وجه؟.

50

بل فرضنا الأمرين في حقّه مباحا، كبيع الراهن بعد رجوع المرتهن عن الاذن واقعا أو قبله، فانّ الحكم بأصالة عدم ترتّب الأثر على البيع- مثلا- لا يوجب خروجا عن الأخبار المتقدّمة الآمرة بحسن الظنّ بالمؤمن في المقام، خصوصا إذا كان المشكوك فعل غير المؤمن أو فعل المؤمن الذي يعتقد بصحة ما هو الفاسد عند الحامل.

____________

(بل) لو (فرضنا الأمرين) اي: فرضنا كلا من الصحيح و الفاسد (في حقّه) اي: في حق الفاعل كان‏ (مباحا، كبيع الراهن بعد رجوع المرتهن عن الاذن) و هو لا يعلم برجوعه، فيكون البيع فاسدا (واقعا، أو قبله) اي: قبل رجوعه، حتى يكون البيع صحيحا واقعا، لكن في الصورتين لا قبح، لان بيعه كان مباحا (فانّ الحكم) في هذا البيع المباح بالفساد، اي: (بأصالة عدم ترتّب الأثر على البيع- مثلا- لا يوجب خروجا عن الأخبار المتقدّمة الآمرة بحسن الظنّ بالمؤمن في المقام) لان البيع المذكور و ان كان فاسدا واقعا الّا انه مباح و حسن.

أقول: لكن الظاهر العرفي هو: التلازم بين الحسن و الصحيح، لأنّ المنصرف منهما الواقعيان، لا عند الفاعل- كما قاله المصنّف- و لذا فهم المشهور من تلك الاحاديث الحمل على الصحة.

و كيف كان: فانه لا يلزم من الحكم بالفساد مخالفة للروايات المتقدمة- على ما عرفت- (خصوصا إذا كان المشكوك فعل غير المؤمن) لانه ليس بأخ واقعا و ان كان أخا ظاهرا، و المنصرف من الأخ هو الأخ الواقعي‏ (أو فعل المؤمن الذي يعتقد بصحة ما) يقوله و يفعله هو اجتهادا أو تقليدا، لكن كان‏ (هو الفاسد عند الحامل) اجتهادا أو تقليدا، فالحكم بالفساد الذي هو عدم ترتيب الاثر في الصورتين الاخيرتين أوضح من غيرهما في عدم استلزامه مخالفة الروايات المتقدّمة.

51

ثمّ لو فرضنا أنّه يلزم من الحسن ترتيب الآثار و من القبيح عدم الترتيب، كالمعاملة المردّدة بين ربويّة و غيرها، لم يلزم من الحمل على الحسن بمقتضى تلك الاخبار الحكم بترتّب الآثار، لأنّ مفادها الحكم بصفة

____________

لكن الظاهر عدم تمامية هذا الوجه الذي ذكره المصنّف بقوله: «خصوصا اذا كان المشكوك فعل غير المؤمن» لانه، كما قد تقدّم: ان الحمل على الصحيح لا فرق فيه بين الاخوّة الاسلامية و الاخوّة الايمانية، بل يحمل فعل الكافر على الصحيح ايضا، و ذلك امّا باعتبار كونه أخا نوعيا، كما قال (عليه السلام): «أو نظير لك في الخلق» (1) و اما باعتبار كونه اخا اجتماعيا، كما قال سبحانه: وَ إِخْوانُ لُوطٍ (2) و قال سبحانه: وَ إِلى‏ ثَمُودَ أَخاهُمْ صالِحاً (3) و امّا باعتبار السيرة القائمة من زمان الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الى هذا اليوم من التعامل مع الكفار.

(ثمّ لو فرضنا أنّه يلزم من الحسن) الشرعي الذي جاء في قوله (عليه السلام): «ضع أمر أخيك على احسنه» (4) (ترتيب الآثار) الشرعية على الاقوال و الافعال‏ (و من القبيح) الذي هو خلاف الحسن‏ (عدم الترتيب) للآثار الشرعية عليها (كالمعاملة المردّدة بين ربويّة و غيرها) فانه‏ (لم يلزم من الحمل على الحسن بمقتضى تلك الاخبار) المتقدّمة (الحكم بترتّب الآثار).

و إنّما لم يلزم منه ذلك، لانه لا تلازم بين الحسن و الصحة- على ما عرفت- و ذلك‏ (لأنّ مفادها) اي: مفاد تلك الأخبار (الحكم بصفة

____________

(1)- تحف العقول: ص 127، بحار الانوار: ج 33 ص 600 ب 30 ح 744، شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد: ج 17 ص 32 ح 53.

(2)- سورة ق: الآية 13.

(3)- سورة الاعراف: الآية 73، سورة هود: الآية 61، سورة النمل: الآية 45.

(4)- الكافي (اصول): ج 2 ص 362 ح 3، وسائل الشيعة: ج 12 ص 302 ب 161 ح 16361، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 13 ص 10.

52

الحسن في فعل المؤمن، بمعنى: عدم الجرح في فعله، لا ترتيب جميع آثار ذلك الفعل الحسن.

أ لا ترى أنّه لو دار الأمر بين كون الكلام المسموع من مؤمن بعيد سلاما أو تحيّة أو شتما، لم يلزم من الحمل على الحسن وجوب ردّ السلام.

و مما يؤيّد ما ذكرنا جمع الإمام (عليه السلام)، في رواية محمد بن الفضل بين تكذيب خمسين‏

____________

الحسن في فعل المؤمن، بمعنى: عدم الجرح) اي: عدم الطعن‏ (في فعله، لا ترتيب جميع آثار ذلك الفعل الحسن) عليه، اذ ليس كل شي‏ء حسن صحيح أيضا.

(أ لا ترى أنّه لو دار الأمر بين كون الكلام المسموع من مؤمن بعيد سلاما) حتى يجب جوابه‏ (أو تحيّة) و ثناء حتى يستحب جوابه‏ (أو شتما) و سبّا حتى يكون لا جواب له‏ (لم يلزم من الحمل على الحسن وجوب ردّ السلام) و كذلك لا يستحب ايضا لعدم ثبوت الموضوع فيه، لكن لا يخفى: ان المنصرف من الحسن عرفا هو الصحيح شرعا، فاذا شك في كونه سلّم أو شتم، لزم حمله على السلام، فيلزم جوابه، فهو كما اذا لم يعلم المشتري بأن هذا البائع، هل يبيع عليه بضاعة مغصوبة كان قد سرقها، أو بضاعته التي امتلكها ملكا صحيحا؟ فانه يلزم عليه اعطاؤه الثمن- لا انه يكون من مجهول المالك- و ذلك لان معنى الصحة:

ترتيب الآثار عرفا.

(و مما يؤيّد ما ذكرنا) من ان مراد الروايات المتقدّمة- بنظر المصنّف- هو حمل فعل الاخ و قوله على الحسن صورة، لا الحسن الواقعي حتى يرتّب عليه آثاره‏ (جمع الإمام (عليه السلام) في رواية محمد بن الفضل بين تكذيب خمسين‏

53

قسامة، أعني: البيّنة العادلة، و تصديق الأخ المؤمن فانّه مما لا يمكن إلّا بحمل تصديق المؤمن على الحكم بمطابقة الواقع، المستلزم لتكذيب القسامة، بمعنى: المخالفة للواقع مع الحكم بصدقهم في اعتقادهم، لأنّهم أولى بحسن الظنّ بهم من المؤمن الواحد.

فالمراد من تكذيب السمع و البصر: تكذيبهما فيما يفهمان‏

____________

قسامة (1)، أعني: البيّنة العادلة، و تصديق الأخ المؤمن) فيما اذا قال هو: ما قلت، و قالوا: قال، أو قال هو: ما فعلت، و قالوا: فعل‏ (فانّه) اي: الجمع المذكور (مما لا يمكن إلّا بحمل تصديق المؤمن على الحكم بمطابقة) كلامه صورة مع‏ (الواقع، المستلزم) هذا التصديق الصوري‏ (لتكذيب القسامة، بمعنى:

المخالفة) اي: مخالفة كلامهم‏ (للواقع) و عدم ترتيب الاثر عليه، لكن‏ (مع الحكم بصدقهم في اعتقادهم) و إنّما نحكم بصدقهم في اعتقادهم‏ (لأنّهم أولى بحسن الظنّ بهم من المؤمن الواحد).

و من المعلوم: ان في هذا الكلام من رواية الفضل حكمة رفيعة، فان الغالب على المجتمعات البشرية هو: ان الناس فيها- ما لم يهذّبوا انفسهم- يلمز بعضهم البعض و ينبزه، و ينتقص بعضهم بعضا و يتّهمه، فلو أخذنا بذلك و رتّبنا عليه اثره، لزم تفكّك الاجتماع و تفسّخه، و وقاية لسلامة المجتمع أمرتنا الرواية بتصديق الاخ ما لم تتم موازين الشهادة، فاذا تمت موازين الشهادة لزم اجراء الحدود درءا للفساد و قمعا للمفسدين.

و عليه: (فالمراد من تكذيب السمع و البصر: تكذيبهما فيما يفهمان‏

____________

(1)- انظر الكافي (روضة): ج 8 ص 147 ح 125، وسائل الشيعة: ج 12 ص 295 ب 157 ح 16343، بحار الانوار: ج 75 ص 214 ب 65 ح 11، ثواب الاعمال: ص 295 ح 1، اعلام الدين: ص 405.

54

من ظواهر بعض الافعال من القبح، كما اذا ترى شخصا ظاهر الصحة يشرب الخمر في مجلس يظنّ أنّه مجلس الشرب.

و كيف كان: فعدم وفاء الأخبار بما نحن بصدده أوضح من أن يحتاج الى البيان حتى المرسل الأوّل، بقرينة ذكر الأخ و قوله: «و لا تظنّنّ، الخبر».

____________

من ظواهر بعض الافعال من القبح) اي: تخطئتهما فيما سمعاه و ما رأياه، و ذلك‏ (كما اذا ترى شخصا ظاهر الصحة يشرب) ما يظن انه‏ (الخمر في مجلس يظنّ أنّه مجلس الشرب) فتكذب بصرك عنه و تقول: انه يشرب السكنجبين لا الخمر، و كذلك اذا سمعت شخصا يتكلم في مجلس يظن انه يغتاب فتكذّب سمعك عنه و تقول: انه لا يغتاب و إنّما ينقل القصة.

(و كيف كان: فعدم وفاء) دلالة (الأخبار بما نحن بصدده) من اثبات الملازمة بين الحسن و بين ترتيب الآثار الشرعية (أوضح من أن يحتاج الى البيان) عند المصنّف، لظهورها بنظره في اكرام المؤمن و عدم اتهامه‏ (حتى المرسل الأوّل) و هو: «ضع أمر أخيك على أحسنه» (1) لانه- بنظره- ليس بلازم وضعه على الأحسن، حتى يقال: إنّ الأحسن هو: ما ترتّب عليه الاثر، بل يكفي فيه عدم اتهامه، و ذلك‏ (بقرينة ذكر الأخ) فان ذكره قرينة على ان الرواية تريد عدم اتّهامه حتى لا تنقطع الاخوّة بينهما (و) بقرينة (قوله: «و لا تظنّنّ) بكلمة خرجت من أخيك سوءا ...» (2) الى آخر (الخبر») فانه صريح بنظر المصنّف في نفي ظن السوء عن الاخ و ليس اكثر من ذلك.

____________

(1)- الكافي (اصول): ج 2 ص 362 ح 3، وسائل الشيعة: ج 12 ص 302 ب 161 ح 16361، شرح نهج البلاغة لابن ابي الحديد: ج 12 ص 10.

(2)- الكافي (اصول): ج 2 ص 362 ح 3، وسائل الشيعة: ج 12 ص 302 ب 161 ح 16361، شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: ج 12 ص 10.