الوصول إلى كفاية الأصول‏ - ج1

- السيد محمد الحسيني الشيرازي المزيد...
544 /
5

[مقدمة الشارح‏]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على محمد و آله الطاهرين، و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين من الآن الى قيام يوم الدين.

و بعد:

فيقول العبد الراجي عفو ربه الغني محمد بن المهدي الحسيني الشيرازي (بصره اللّه عيوب نفسه): هذا مختصر في شرح لفظ الكفاية للمحقق الكبير المولى الشيخ محمد كاظم الخراساني (طاب ثراه) كتبته تذكرة لنفسي و تبصرة للمبتدئ و أبتهل الى اللّه تعالى في أن يقرنه برضاه و يجعله خالصا لوجهه الكريم، و يوفقني للاتمام و يصيّره مقدمة للاحكام، انه ولي ذلك و هو المستعان.

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

[مقدمة المصنف‏]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الحمد للّه رب العالمين،

قال المصنف (ره):

(بسم اللّه الرحمن الرحيم‏) اى بهذا الاسم اقرأ و اعمل هذا العمل- كما في الخبر- (1) و من الممكن ان يكون ذكر الاسم اعتبارا للمقابلة، فان المشركين كانوا يقولون: باسم اللات و نحوه عند الشروع، قال سبحانه حكاية عن نبيه:

«تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَ لا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ» (2). و لا يبعد أن يكون ذكره تنويها لعظمة المسمى، كما في الدعاء: «و لاذ الفقراء بجنابك» مع ان اللوذ بنفسه تعالى، هذا على ان يكون متعلق الظرف استعين- كما في الخبر (3)- اما لو كان الملابسة فظاهر، اذ الملابسة بالاسم دون الذات.

(الحمد للّه رب العالمين)

اقتداء بالقرآن الكريم و لما روي‏ (4) عن النبي (صلى اللّه عليه و آله)

____________

(1) تفسير الامام (ع)- البرهان ج 1 ص 45 نقلا عن تفسير الامام (ع)

(2) المائدة 116

(3) البرهان ج 1 ص 45

(4) كل امر ذى بال لم يبدأ فيه بالحمد فهو اقطع- قال ابن اثير فى النهاية فى لغة «بتر» فى الحديث: كل امر ذى بال لا يبدأ فيه بحمد اللّه فهو ابتر- اى اقطع.

8

و الصلاة و السلام على محمد و آله الطاهرين، و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين الى يوم الدين‏

____________

من الندب الى تصدير الامور بالحمد.

و اللام فى الحمد للجنس كما هو الظاهر من التبادر، و لا حاجة الى تكلف الاستدلال.

و في لفظة اللّه كلام طويل و لقد أجاد المحقق‏ (1) الشريف حيث قال: كما ألهت العقول في كنه ذاته كذلك تحيرت فى لفظ اسمه‏ (2).

(و الصلاة و السلام على محمد و آله الطاهرين)

قال اللّه تعالى: «إِنَّ اللَّهَ وَ مَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً» (3) و ذكر الآل لئلا تكون الصلاة بتراء منهيا عنها (4)، و اختصاص لفظة الطاهرين بالذكر لكونه من اجلى صفاتهم. قال سبحانه: «إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً» (5). و لا يخفى ان الصلاة و السلام غلب عليهما التحية و ان كانا فى اللغة و أصل الاستعمال لشي‏ء آخر.

(و لعنة اللّه على اعدائهم اجمعين الى يوم الدين)

اللعنة العذاب و الخزي‏

____________

(1) هو المير سيد شريف الجرجانى على بن محمد الحسينى الأسترآباديّ المتوفى سنة 816 كان تلميذ القطب الرازى الامامى و استاذ المحقق الدوانى، و عده القاضى نور اللّه من حكماء الشيعة.

(2) حاشية البيضاوى فى اوائل الكتاب.

(3) الاحزاب 56.

(4) عن النبى (صلى اللّه عليه و آله و سلم): لا تصلوا علىّ صلاة مبتورة، بل صلوا الى اهل بيتى وسائل الشيعة ج 2 ص 1222.

(5) الاحزاب 33.

9

و بعد فقد رتبته على مقدمة و مقاصد و خاتمة.

____________

و البعد من الخير، و كأن وجه تذييل التصلية و التسليم بهذه الجملة اتمام التولي بالتبري، فانه احد دعائم اصول الايمان، و جعل يوم الدين غاية كناية عن الدوام كقوله تعالى: «ما دامَتِ السَّماواتُ وَ الْأَرْضُ» (1) على احد التفسيرين، و إلّا فلا وجه للاختصاص.

(و بعد)

اى بعد التقدمة للمقدمة

(فقد رتبته)

اى الكتاب‏

(على مقدمة)

في بيان موضوع العلم و غايته وحده اجمالا و امور أخر

(و مقاصد)

ثمانية:

الاوامر و النواهي، و المفاهيم، و العموم و لواحقه، و المطلق و لواحقه، و القطع، و الظن، و البراءة و لواحقها، و التعادل و الترجيح،

(و خاتمة)

فى الاجتهاد و التقليد.

____________

(1) هود 107 و 108.

10

[أما المقدمة]

(أما المقدمة) ففى بيان أمور: الاول.

____________

(أما المقدمة ففي بيان امور)

ثلاثة عشر: موضوع العلم، و الوضع، و كون المجاز بالطبع أم لا، و ارادة اللفظ من اللفظ، و كون دلالة الالفاظ لا تنبع الارادة، و انه هل للمركب وضع أم لا، و علامة الحقيقة و المجاز، و تعارض الاحوال، و الحقيقة الشرعية، و الصحيح و الاعم، و المشترك و جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى و المشتق.

«الامر الاول» [فى بيان موضوع العلم عامة و موضوع الاصول خاصة و بيان بعض ما له مسيس بالمطلب‏]

الامر

(الاول)

:

فى بيان موضوع العلم عامة و موضوع الاصول خاصة و بيان بعض ما له مسيس بالمطلب اعلم ان القدماء جعلوا أجزاء كل علم ثلاثة. و قالوا ان كل علم مركب منها:

(الاول)

الشي‏ء الذي يبحث في العلم عن خصائصه و الآثار المطلوبة منه.

و بعبارة اخرى الامر الذي يرجع جميع ابحاث العلم اليه، و هذا هو المسمى‏

11

..........

____________

بموضوع العلم كالكلمة و الكلام في علم النحو، و تلك الخصائص و الآثار هي الاعراض الذاتية كالرفع و النصب و الجر فى العلم المتقدم‏ (1).

(الثاني) القضايا التي يقع فيها البحث و هي المسمى بالمسائل كقولهم:

الفاعل مرفوع و المفعول منصوب و المضاف اليه مجرور.

ثم قالوا ان موضوع المسألة اما نفس موضوع العلم، او نوع منه، أو عرض ذاتي له، او مركب من الموضوع و العرض الذاتي.

و اختلفوا في محمولات المسائل: فالمشهور منهم انها أعراض ذاتية لموضوعاتها خارجة عنها، و ذهب بعضهم الى جواز كون المحمولات بالنسبة الى الموضوعات أعراضا عامة غريبة، و مثلوا بقول الفقهاء: «كل مسكر حرام» و قول النحاة: «كل فاعل مرفوع».

(الثالث) المبادئ، و هي التي يبتنى عليها المسائل، فان أفادت تصور أطراف المسألة سميت بالمبادئ التصورية، و ان أفادت التصديق بالقضية المأخوذة فى دليل المسألة سميت بالمبادئ التصديقية.

ثم ان العرض قسمان:

(الاول) الذاتي و هو على ثلاثة أقسام:

(الاول): ما يعرض للشي‏ء اولا و بالذات، كعروض التعجب للانسان.

(الثاني): ما يعرض للشي‏ء بواسطة أمر مساوي للمعروض خارج عن حقيقته كالضحك اللاحق للانسان لكونه متعجبا.

____________

(1) الرفع و النصب و الجر اعراض غريبة لا ذاتية كما سيصرح الشارح بعد صفحة بل بعد اسطر.

12

ان موضوع كل علم و هو الذى يبحث فيه عن عوارضه الذاتية.

____________

الثالث: ما يعرض بواسطة أمر مساو داخل فى المعروض كادراك الكليات العارض للانسان بواسطة كونه ناطقا.

(الثاني) الغريب و هو ثلاثة أيضا:

الاول: ما يعرض بواسطة امر مباين كالحرارة العارضة للماء بواسطة النار.

الثاني: ما يعرض بواسطة امر خارج أعم كالحركة العارضة للبياض لكونه جسما.

الثالث: ما يعرض بواسطة أمر خارج أخص كالضحك للحيوان بواسطة التعجب.

و أما العارض بواسطة الامر الاعم الداخل كالمشي العارض للانسان بواسطة كونه حيوانا ففيه خلاف.

«موضوع العلم»

و المصنف (ره) على‏

(ان موضوع كل علم)

نفس موضوعات المسائل، لا ما تقدم من انه قد يكون موضوع العلم و قد يكون نوعا منه- الخ.

(و)

اختار ان موضوع العلم‏

(هو الذي يبحث فيه عن عوارضه الذاتية)

لا ما سبق من ان المحمول قد يكون عرضا غريبا.

ثم لا يخفى ان الواسطة على ثلاثة أقسام:

الاول: الواسطة في الثبوت و المراد بها العلّة فى وجود المعروض لعروضه كعلية التعجب لعروض الضحك على الانسان، و عليّة تعفّن الاخلاط لعروض الحمّى عليه.

13

أى بلا واسطة فى العروض هو نفس موضوعات مسائله عينا، و ما يتحد معها خارجا و ان كان يغايرها مفهوما

____________

الثاني: الواسطة فى العروض و المراد بها ان العرض يعرض ابتداء للواسطة و نسبته الى المعروض من قبيل الوصف بحال المتعلق، كاللون العارض للجسم بواسطة السطح.

الثالث: الواسطة في الاثبات، و المراد بها سبب العلم و التصديق بكون المحمول للموضوع، كالتغير فى «العالم متغير و كل متغير حادث».

اذا عرفت هذا فاعلم ان المصنف (ره) جعل العرض الذاتي عبارة عن القسمين الاول و الثالث‏

(أى)

العرض الذي يعرض‏

(بلا واسطة فى العروض)

سواء كان مع واسطة فى الثبوت أو في الاثبات، و عليه فالعرض الغريب هو ما له واسطة في العروض خلافا لما تقدم من الميزان المشهور.

ان قلت: ما ذكرتم من ان موضوع العلم هو ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية غير تام، لما نرى من خروج اغلب العلوم عن هذه الضابطة. مثلا الرفع و النصب و الجر في النحو أعراض غريبة بالنسبة الى الكلمة، لانها انما تلحق الكلمة بواسطة أمر أخص خارج، كالفاعلية و المفعولية و كونها المضاف اليها، و كذلك الوجوب و الحرمة انما يلحقان الامر و النهي الواردين في الكتاب و السنة، بواسطة أمر خارج أعم و هو كون مطلق الامر للوجوب.

قلت: ان الموضوع في كل علم لا يكون مقيدا بشرط شي‏ء و لا بشرط لا بل‏

(هو نفس موضوعات مسائله عينا)

فيكون لا بشرط، و اللابشرط يجتمع مع الف شرط، فالكلمة عين تلك الثلاثة

(و)

هي‏

(ما يتحد معها خارجا و ان كان)

الفرق بين موضوع العلم و موضوعات المسألة هو ان موضوع العلم‏

(يغايرها مفهوما)

فان مفهوم الكلمة شي‏ء، و مفهوم الفاعل شي‏ء آخر، و مفهوم‏

14

تغاير الكلى و مصاديقه و الطبيعى و افراده.

(و المسائل‏

____________

الامر المطلق شي‏ء، و مفهوم الامر الوارد فى الكتاب شي‏ء آخر و هكذا.

و الحاصل: ان‏

(تغاير)

موضوع العلم و موضوعات المسائل من قبيل تغاير

(الكلي و مصاديقه و)

المراد بالكلي ليس مطلق الكلي و لا المنطقي و العقلي لعدم الاتحاد بينها و بين الافراد قطعا بل المراد به الكلي‏

(الطبيعي)

فهو

(و أفراده)

متحدان من وجه و متغايران من وجه.

ثم انه قد يشكل على ما تقدم بخروج مثل البدن الموضوع لعلم الطب، و المعقولات الثانية الموضوع لعلم المنطق، لعدم الاتّحاد بين الموضوع و موضوعات المسائل كاليد و الرجل و القلب فى الاول، و عدم الوجود الخارجي للافراد في الثاني.

و الجواب: أما عن الاول فبعدم تسليم صحة جعل البدن موضوعا فى علم الطب، بل موضوعه العضو، نعم يصح ذلك على مذهب المشهور كما تقدم.

و أما عن الثاني فبأن المراد بالخارج في قولنا ما يتحد معها خارجا نفس الامر الاعم من الخارج و الذهن.

«المسائل»

(و)

لما فرغنا عن موضوع العلم مطلقا شرعنا في الجزء الثاني من أجزاء العلوم، و هي القضايا التي تطلب في العلم المعبر عنها ب

(المسائل)

فنقول:

ان القوم و ان صرحوا بكون أجزاء العلوم ثلاثة: الموضوعات و المسائل و المبادي، لكن صرحوا ان حقيقة كل علم مسائله، و لا تنافي بينهما، فان ثلاثية

15

عبارة عن جملة من قضايا متشتتة جمعها اشتراكها فى الدخل فى الغرض الذى لاجله دون هذا العلم.

____________

الاجزاء بالنسبة الى التدوين، و أما بحسب الحقيقة فالعلم شي‏ء واحد، اذ المبادي مقدمة للمسائل، و الموضوع جهة اشتراك موضوعات المسائل و هي‏

(عبارة عن جملة من قضايا متشتتة)

متفرقة موضوعا أو محمولا، لكن حيث بيّن ان موضوعات مسائل العلم متحد مع موضوع العلم، فالاختلاف في الموضوع باعتبار الخصوصيات المأخوذة مع الجامع كالفاعلية و نحوها، و حيث كانت المسائل مختلفة فلا بد و أن يكون بينها جامعة تجعلها علما واحدا، و في الجامع خلاف، فالمصنف على ان الذي‏

(جمعها)

انما هو

(اشتراكها في الدخل في الغرض)

الواحد، مثلا الامر الذي أوجب الجمع بين قولهم الفاعل مرفوع و المفعول منصوب، و المضاف اليه مجرور و هكذا، هو ان جميعها معدات و أسباب لحفظ اللسان عن الخطأ في المقال، و هذا هو الغرض‏

(الذي لاجله دون هذا العلم)

و جعل له كتاب خاص و سمي بالنحو، و هكذا المنطق و الهندسة و الكلام و غيرها.

و دليل المصنف على ذلك هو ان جهة تحسين العقلاء لتدوين المسائل المختلفة موضوعا و محمولا علما واحدا هي وحدة الغرض، لا وحدة الموضوعات أو المحمولات، و لذلك نرى انه لو جمع شخص بين مسائل علوم متعددة، و جعلها علما لم يحسن و ان كانت لموضوعاتها جهة وحدة و جامعة، و أما المشهور فقد جعلوا الامر الجامع للمسائل المختلفة هو وحدة الموضوع و لذا قالوا: ان تمايز العلوم بتمايز الموضوعات.

ان قلت: لا فرق في القولين اذ الواحد لا يصدر إلّا من الواحد، و حينئذ فوحدة الموضوع و الغرض متلازمان.

16

فلذا قد يتداخل بعض العلوم فى بعض المسائل مما كان له دخل فى مهمين لاجل كل منهما دون علم على حدة فيصير من مسائل العلمين.

لا يقال: على هذا يمكن تداخل علمين فى تمام مسائلهما

____________

قلت: هذه القاعدة باطلة و قد بين العلامة (ره) في شرح التجريد (1) وجه بطلانها فراجع، على ان التلازم لا يصحح نسبة لازم أحدهما الى الآخر كما لا يخفى.

ثم انه حيث كان تعدد العلوم بتعدد الاغراض‏

(فلذا قد يتداخل بعض العلوم)

كعلم اللغة و الاصول‏

(في بعض المسائل)

كمسألة ان الامر للوجوب و نحوها، فلو كان تعدد العلوم بتعدد الموضوع لم يصح جعل المسألة من علمين، لعدم تعدد الموضوع فيها بديهة، و أما حيث ان التعدد بتعدد الغرض و المسألة المتقدمة

(مما كان له دخل في)

غرضين‏

(مهمين)

أحدهما غرض العلم بأوضاع لسان العرب، و الثاني غرض الوساطة في الاستنباط صح جعل تلك المسألة من مسائل علمين الاصول و اللغة اللذين‏

(لاجل كل منهما دون علم على حده)

و حينئذ

(فيصير)

هذه المسألة

(من مسائل العلمين)

فتحصّل مما تقدم امكان جعل مسألة من مسائل علمين، على أن يكون الجامع هو الغرض دون أن يكون هو الموضوع.

(لا يقال)

اذا كان مصحح جعل المسألة من علمين هو ترتب غرضين عليه يلزم صحة جعل جملة من المسائل مندرجة في علمين و

(على هذا)

المنوال الى أن ينتهي الى ما

(يمكن تداخل علمين في تمام مسائلهما)

فيكون العلمان المدون‏

____________

(1) شرح التجريد فى بحث العلة فى ذيل كلمة:

(مع وحدته يتحد المعلول)

.

17

فيما كان هناك مهمان متلازمان فى الترتب على جملة من القضايا لا يكاد انفكاكهما، فانه يقال مضافا الى بعد ذلك بل امتناعه عادة

____________

لاجلهما كتابان في الصورة و المسائل واحدا و ذلك‏

(فيما كان هناك)

غرضان‏

(مهمان متلازمان في الترتب)

أي في هذه الجهة أعني ترتبهما

(على جملة من القضايا)

بحيث‏

(لا يكاد انفكاكهما)

.

و الحاصل: أن يكون التلازم بين الغرضين من حيث الترتب، و ان لم يكن بينهما تلازم من سائر الجهات.

ثم ان هذا الاشكال يوجب عدم كون الغرض مائزا بين العلوم كما اختاره المصنف‏

(فانه)

لا يميز العلمين المتداخلين فى جميع المسائل، لكن يمكن أن‏

(يقال)

في الجواب: انه لما كان السر في تدوين المسائل المختلفة علما واحدا هو تحسين العقلاء و لو كان الغرضان متلازمين، قبح تدوين علمين عندهم نستكشف ان سبب تدوين علم واحد أحد الامرين: أما وحدة الغرض، و أما تلازم غرضين، و عليه فلا يكون هناك علمان حتى يستشكل بأن الغرض لا يميز العلمين.

نعم اختلاف الاغراض لا يستكشف عن اختلاف العلوم، و هذا ليس محل الايراد، فتبين انه مع وجود الغرض المذكور لا يرد الاشكال‏

(مضافا الى بعد ذلك)

الغرض، لعدم اتفاقه في الخارج كما هو المشاهد

(بل)

يمكن دعوى‏

(امتناعه عادة)

فان الممكن العادي يقع و لو مرة.

ثم ان نسبة كل غرض من أغراض العلوم الى الغرض الآخر أحد النسب الاربعة:

الاول: التباين كالنسبة بين الغرض من علم الطب و الغرض من علم النحو.

الثاني: العموم المطلق كالغرض من علم النحو بمعناه الاعم و الغرض من علم الصرف.

18

لا يكاد يصح لذلك تدوين علمين و تسميتهما باسمين بل تدوين علم واحد يبحث فيه تارة لكلا المهمين و اخرى لاحدهما، و هذا بخلاف التداخل فى بعض المسائل، فان حسن تدوين علمين كانا مشتركين فى مسألة أو أزيد فى جملة مسائلهما المختلفة

____________

الثالث: العموم من وجه كالغرض من علم الميزان و الغرض من علم الحكمة.

الرابع: التلازم كمعرفة المعربات و المبنيات المرتبتين على علم النحو اذا فرضا غرضين.

أما القسم الرابع فانه لا شبهة في انه‏

(لا يكاد يصح لذلك تدوين علمين)

متحدين في جميع المسائل‏

(و تسميتهما باسمين)

لان التدوين الاول كاف في حصول الغرضين، و لا مدخلية للقصد بأن يقصد من التدوين الاول أحد الغرضين و من التدوين الثاني الغرض الثاني‏

(بل)

اللازم‏

(تدوين علم واحد)

أي تدوين المسائل مرة واحدة و جعلها علما واحدا

(يبحث فيه تارة لكلا)

الغرضين‏

(المهمين)

و ذلك حيث كان غرض المدون الغرضين معا.

(و)

تارة

(اخرى)

يبحث في العلم‏

(لاحدهما)

حيث كان مقصوده أحد الغرضين، و هذا على تقدير ذكر الغرض في العلم، و إلّا فالتدوين الواحد لا يحتاج الى هذا التفصيل.

(و هذا)

القسم‏

(بخلاف)

الاقسام الثلاثة الاول، اذ لو كان بين الغرضين تباين فلا شبهة في وجوب تدوين علمين، اذ المفروض عدم ترتبهما أصلا، و كذا لو اشتركا في‏

(التداخل في بعض المسائل)

من الطرفين و هو العموم من وجه أو من طرف واحد و هو العموم المطلق‏

(فان حسن تدوين علمين)

فيما اذا

(كانا)

العلمان‏

(مشتركين في مسألة أو أزيد في جملة مسائلهما المختلفة)

19

لاجل مهمين مما لا يخفى.

____________

سواء كان بينهما عموم مطلق أو من وجه‏

(لاجل)

غرضين‏

(مهمين مما لا يخفى)

.

«المبادئ»

و لما فرغنا عن بيان جزءين من أجزاء العلوم أعني الموضوعات و المسائل نشرع في بيان الجزء الثالث أعني المبادئ فنقول: المبادئ عبارة عما يبتنى عليها مسائل العلم و هي قسمان: الاول المبادي التصورية، و الثاني المبادي التصديقية و جملة القول: ان المبادي عبارة عن تعاريف موضوعات المسائل اذا كان بسيطا كتعريف الفاعل و المفعول و المضاف اليه و الحال و غيرها في علم النحو، و اذا كان الموضوع مركبا لزم تعريف أجزاء الموضوع كالمقدار و الوسط في النسبة في قولهم كل مقدار وسط في النسبة فهو ضلع ما يحيط به الطرفان في علم الهندسة، و كالمصادرات و العلوم المتعارفة و الاصول الموضوعة. و حكى بعض الافاضل عن ابن الحاجب للمبادي معنى آخر فقال: هي ما يبدأ به قبل الشروع في مقاصد العلم سواء كان داخلا في العلم، فيكون من المبادي المصطلحة السابقة كتصور الموضوع و الاعراض الذاتية، و التصديقات التي يتألف منها قياسات العلم أو خارجا عنه يتوقف عليه الشروع، كمعرفة الحدود و الغاية و بيان الموضوع، و الامر سهل بعد معرفة المراد منها اجمالا.

و حيث عرفت ذلك فلنرجع الى المقصود فنقول: التمايز بين العلوم امّا بالامر الجامع بين الموضوعات المسمى بموضوع العلم، و اما بالامر الجامع بين المحمولات، و اما بالاغراض:

20

و قد انقدح بما ذكرنا ان تمايز العلوم انما هو باختلاف الاغراض الداعية الى التدوين لا الموضوعات و لا المحمولات و إلّا كان كل باب بل كل مسألة من‏

____________

اما الاول: فلا يمكن أن يكون مائزا لما تقدم من لزومه عدم التداخل في مسألة، فضلا عن التداخل في المسائل، مع لزوم كون المميز مجهولا اذا كان الموضوع مجهولا، كما قاله بعض بالنسبة الى علم الاصول و غيره.

و اما الثاني: فمع انه لم يذكره أحد يرد الاشكالان الاولان عليه، فتعين كون المائز بين العلوم الاغراض لا غير

(و قد)

أشار اليه المصنف سابقا بقوله:

«و المسائل عبارة عن جملة من قضايا متشتتة جمعها اشتراكها في الدخل في الغرض الذي لاجله دوّن هذا العلم» و ترتيب البرهان أن يقال:

(انقدح بما ذكرنا ان تمايز العلوم انما هو)

بالمسائل، و تمايز المسائل‏

(باختلاف الاغراض الداعية الى التدوين)

فتمايز العلوم بتمايز الاغراض و

(لا)

يعقل أن يكون التمايز بموضوع العلم كما تقدم.

و ما ذكره بعض من ان الموضوع داخل في العلم، فهو أولى بأن يكون مائزا من الغرض الذي هو خارج عن العلم استبعاد لا يرجع الى محصل، و

(الموضوعات)

للمسائل لا يصح جعلها مائزة.

(و)

كذلك‏

(لا)

يصح جعل‏

(المحمولات)

مائزة

(و إلا)

فان كانت الموضوعات مائزة

(كان كل باب)

علما على حدة لاختلاف الموضوعات فيها، فلباب الفاعل موضوع، و لباب المفعول موضوع آخر.

و هكذا ان كانت المحمولات مائزة، لان المحمول في باب الفاعل شي‏ء، و المحمول في باب المفعول شي‏ء

(بل)

يلزم ان يكون‏

(كل مسألة من)

21

كل علم علما على حدة كما هو واضح لمن كان له أدنى تأمل، فلا يكون الاختلاف بحسب الموضوع أو المحمول موجبا للتعدد، كما لا يكون وحدتهما سببا لان يكون من الواحد.

ثم انه ربما لا يكون لموضوع العلم و هو الكلى المتحد مع موضوعات المسائل عنوان خاص و اسم مخصوص، فيصح‏

____________

ابواب‏

(كل علم علما على حدة)

اذ لكل مسألة محمول خاص، مثلا: المحمول فى قولهم «المبتدأ لا يكون نكرة» مغاير للمحمول فى قولهم «المبتدأ يجب تقديمه في صورة حصر الخبر»

(كما هو واضح لمن كان له أدنى تأمل)

و على هذا

(فلا يكون الاختلاف)

بين العلوم إلّا

(بحسب)

اختلاف الاغراض لا بحسب‏

(الموضوع)

للعلم‏

(أو)

المسألة و لا بحسب‏

(المحمول)

للمسألة فان شيئا منها لا يكون‏

(موجبا للتعدد كما لا يكون وحدتهما)

أي وحدة الموضوع أو المحمول‏

(سببا لان يكون)

العلمان المختلفان من حيث الغرض المتحدان موضوعا او محمولا

(من)

العلم‏

(الواحد)

.

«موضوع الاصول»

(ثم انه)

لما بين المصنف موضوع العلوم في اول المقدمة اراد أن يبين موضوع علم الاصول، و لا بد في بيان ذلك من تقديم مقدمة و هي انه‏

(ربما لا يكون لموضوع العلم و هو)

كما تقدم‏

(الكلي المتحد مع موضوعات المسائل عنوان خاص و اسم مخصوص)

و ذلك لان الملاك في موضوعية الموضوع لا يفرق بعرفان اسمه و عدمه، سواء كان الموضوع متحدا مع موضوعات المسائل كما اختاره المصنف، أولا كما تقدم نقله عن المشهور

(فيصح)

حين جهل اسم‏

22

أن يعبر عنه بكل ما دل عليه، بداهة عدم دخل ذلك فى موضوعيته أصلا، و قد انقدح بذلك ان موضوع علم الاصول هو الكلى المنطبق على موضوعات مسائله المتشتتة، لا خصوص الادلة الاربعة بما هى أدلة،

____________

الموضوع‏

(ان يعبر عنه بكل ما دل عليه)

كأن يقال «موضوع العلم الفلاني هو الجامع لموضوعات مسائله» و لا يضر الجهل باسم الموضوع‏

(بداهة عدم دخل ذلك فى موضوعيته اصلا)

هذا احد قسمي موضوع العلم، و القسم الثاني هو الذي له اسم خاص و عنوان مخصوص، فيعبر عنه باسمه كما يصح أن يعبر عنه بكل ما دل عليه كالقسم الاول.

(و)

اذا عرفت هذا قلنا

(قد انقدح بذلك)

المذكور فى اول المقدمة من تعريف موضوع مطلق العلوم‏

(ان موضوع علم الاصول هو الكلي المنطبق على موضوعات مسائله المتشتتة)

و وجه الانقداح بذلك ان معرفة الكلي مستلزم لمعرفة جزئياته، فمعرفة موضوع مطلق العلم مستلزم لمعرفة موضوع النحو و الصرف و الحكمة و الاصول و غيرها، لكن المعرفة بوجه مالا بالحقيقة، اذ العام وجه للافراد و لا يبين خصوصياتها كما لا يخفى.

ثم انه قد اختلف فى شخص موضوع علم الاصول و اسمه الخاص فالمصنف ذهب الى انه غير معلوم بشخصه، لان ما ذكروه‏

(لا)

يصلح للموضوعية، لعدم اتحاده مع موضوعات مسائله، خلافا للمحقق القمي «قده» حيث جعل موضوع الاصول‏

(خصوص الادلة الاربعة)

: الكتاب و السنة و الاجماع و العقل فانه (ره) يرى هذه‏

(بما هي أدلة)

و بوصف دليليتها موضوعا و على هذا فيخرج البحث عن حجية احدها عن الاصول، و يكون من المبادي التصديقية، و كذلك يخرج‏

23

بل و لا بما هى هى، ضرورة ان البحث فى غير واحد من مسائله المهمة ليس من عوارضها.

____________

اكثر مباحث الالفاظ، كالاوامر و النواهي و العموم.

(بل و)

غيرها، لان البحث فيها ليس بحثا عن الاعراض الذاتية للادلة الاربعة، اذ البحث فى الاصول ليس عن خصوص الامر الوارد فى الكتاب مثلا و حيث رأى صاحب الفصول ذلك تعذر عنه بما

(لا)

يغنى فجعل الموضوع الادلة الاربعة

(بما هي هي)

أي بذواتها من دون نظر الى كونها أدلة.

و هذا و ان سلم عن الاشكال الاول، لكن يرد عليه أمران: الاول: خروج مباحث الالفاظ كما تقدّم. و الثاني: دخول ما ليس من الاصول فيه كالتفسير و التجويد و علم الحديث، لان هذه العلوم تبحث عن احوال الكتاب و السنة كما لا يخفى.

ثم انه يرد عليهما أيضا خروج بعض المسائل الأخر

(ضرورة ان البحث في غير واحد من مسائله المهمة ليس من عوارضها)

أي عوارض الادلة الاربعة و قد تقدم كون موضوع العلم هو ما يكون الابحاث بحثا عن عوارض ذاتية له.

و حيث كان هذا المبحث من مهام المباحث لزم بيانه أولا حتى يتضح المتن فنقول لو كان موضوع الاصول الادلة الاربعة بما هي أدلة أو بما هي هي، لزم خروج عمدة مباحث التعادل، و مبحث خبر الواحد عن الاصول، و ذلك لان الترجيح و التعادل و الحجية من عوارض الخبر، و الخبر لا يكون من السنة، و لا من الكتاب و الاجماع و العقل فهو خارج عن الاصول، أما عدم كون الخبر من الثلاثة الاخيرة فظاهر، و أما عدم كونه من السنة، فلان السنة عبارة عن قول المعصوم و فعله و تقريره و الخبر حاك لاحدها و ليس هو بأحدها.

ان قلت: يمكن ارجاع هذين البحثين الى السنة بأن يقال: مرجع مسألة

24

..........

____________

التعادل و الترجيح الى ان السنة و هي قول المعصوم و فعله و تقريره، هل تثبت بهذا الخبر أو بذاك، و مرجع مسألة الخبر الواحد الى ان السنة هل تثبت بخبر الواحد أم لا تثبت إلّا بما يفيد القطع؟

قلت: «أولا» ان بيان البحث بهذه الكيفية و ان كان أقل محذورا، إلّا ان القوم لم يبينوه هكذا، و نحن الآن فى صدد التعرض لما بينوه «و ثانيا» ان هذا البيان لا يدفع الايراد أيضا و هو يتوقف على تمهيد مقدمة، و هي ان‏

(كان)

على قسمين:

الاول التامّة و هي ما يخبر عن وجود الشي‏ء فقط نحو كان اللّه و كان زيد أي وجد. الثاني الناقصة و هي ما يخبر عن أوصاف الشي‏ء بعد ثبوت وجوده نحو «كان زيد قائما» فالوجود في الاول محمول و في الثاني رابطة. و مثل كان‏

(هل)

و هي قسمان: الاول البسيطة و هي مثل كان التامة الثاني المركبة و هي مثل كان الناقصة.

اذا تمهدت المقدمة قلنا: ان كان المراد بالمحمول فى قولكم ان السنة تثبت بخبر الواحد الثبوت الواقعي، أي ان السنة موجودة ثابتة فيكون مفاد كان التامة ففيه: اولا ان البحث عن وجود الدليل ليس من مباحث العلم، لانه بحث عن وجود الموضوع، و انما أبحاث العلم عبارة عن مباحث أعراض الموضوع التي هي مفاد كان الناقصة. و ثانيا ان السنة الواقعية معلوم الوجود فلا معنى للبحث عنه و ان كان المراد بالمحمول الثبوت التعبدي، أي ان خبر الواحد الذي هو سنّة تعبدية حجة أم لا ففيه ان الحجية و وجوب العمل لم يعرض للسنة أي قول المعصوم و فعله و تقريره، و انما عرض على حاكي السنة، و هو الخبر الواحد، و حينئذ فهو عارض لغير موضوع العلم، هذا حاصل الكلام فى المقام.

و اذا أحطت خبرا بما ذكرناه فلنرجع الى المتن فنقول: البحث عن كثير من‏

25

و هو واضح لو كان المراد بالسنة منها هو نفس قول المعصوم أو فعله أو تقريره كما هو المصطلح فيها، لوضوح عدم البحث فى كثير من مباحثها المهمة كعمدة مباحث التعادل و الترجيح، بل و مسألة حجية الخبر الواحد لا عنها و لا عن سائر الادلة و رجوع البحث فيهما

____________

مباحث الاصول ليس من عوارض الادلة الاربعة

(و هو واضح)

و كفاك شاهدا في ذلك خروج مسألة خبر الواحد و أكثر مباحث التعادل فانه‏

(لو كان المراد بالسنة منها)

أي السنة التي هي أحد الاربعة المجعولة موضوعا للاصول‏

(هو نفس قول المعصوم أو فعله أو تقريره)

و كلمة أو للتقسيم نحو الكلمة اسم أو فعل أو حرف لا للترديد

(كما هو المصطلح فيها)

فقد جرى اصطلاح الفقهاء على تسمية الثلاثة بالسنة، و هناك معنى آخر للسنة يعم الثلاثة و الاخبار المروية كما سيأتي.

و انما خرج بعض المسائل عن الاصول على هذا الاصطلاح‏

(لوضوح عدم البحث في كثير من مباحثها المهمة كعمدة مباحث التعادل و الترجيح)

عن السنة، فان تلك المباحث لا تلحق السنة، كما لا تلحق الكتاب و الاجماع و العقل و انما خص الخارج بأكثر مباحثه لا الجميع، لان بعض مباحثه يكون من مباحث الكتاب و السنة مثل تعارض الآيتين أو السنتين.

(بل و)

يخرج أيضا

(مسألة حجية الخبر الواحد)

عن الاصول لانه‏

(لا)

يكون بحثا

(عنها)

اي عن السنة

(و لا عن سائر الادلة و)

ذلك بعين ما تقدم من الدليل فيكون هذان البحثان من المبادي التصديقية لا مسائل العلم.

فان قلت: يمكن‏

(رجوع البحث فيهما)

الى كيفية خاصة حتى يكونا من‏

26

فى الحقيقة الى البحث عن ثبوت السنة بالخبر الواحد فى مسألة حجية الخبر كما افيد، و بأى الخبرين فى باب التعارض، فانه أيضا بحث فى الحقيقة عن حجية الخبر فى هذا الحال غير مفيد، فان البحث عن ثبوت الموضوع و ما هو مفاد كان التامة ليس بحثا عن عوارضه فانها

____________

مباحث الاصول، اذ مرجع الكلام‏

(في الحقيقة الى البحث عن ثبوت السنة بالخبر الواحد في مسألة حجية الخبر كما افيد)

و المفيد هو شيخ الاعاظم الشيخ المرتضى الانصاري (قدس سره) في مسألة حجية خبر الواحد. هذا وجه دخول مسألة الخبر في مباحث الاصول.

(و)

أما وجه دخول مسألة التعادل و الترجيح، فلان مرجع الكلام في الحقيقة الى البحث عن ثبوت السنة

(بأي الخبرين فى باب التعارض)

و تغيير البحث بهذه الكيفية لا يضر بعنوان البحث في كلام القوم‏

(فانه أيضا بحث في الحقيقة عن حجية الخبر)

.

و الحاصل: ان العبارة مختلفة و المطلب واحد، اذ كلا العنوانين بحث عن حجية الخبر

(في هذا الحال)

الذي تعارض فيه الخبران، و بهذا التبويب يدخل بحث حجية الخبر و بحث التعادل في الاصول.

قلنا: ارجاع المبحثين الى ما ذكرتم‏

(غير مفيد)

في دفع الاشكال‏

(فان البحث عن ثبوت الموضوع)

اعني السنة و لا ثبوته.

(و)

بعبارة اخرى البحث عن‏

(ما هو مفاد كان التامة)

و هل البسيطة أي وجود الشي‏ء و لا وجوده‏

(ليس بحثا عن عوارضه)

الذاتية حتى يكون من المسائل بل هو من المبادئ التصديقية كما تقدم‏

(فانها)

انما تكون من المباحث‏

27

مفاد كان الناقصة.

لا يقال: هذا فى الثبوت الواقعى و أما الثبوت التعبدى كما هو المهم فى هذه المباحث فهو فى الحقيقة يكون مفاد كان الناقصة.

فانه يقال: نعم، لكنه مما لا يعرض السنة بل الخبر الحاكى لها،

____________

اذا كانت‏

(مفاد كان الناقصة)

و هل المركبة أي اثبات العوارض للموضوع.

فتحصّل: ان تغيير البحث الى هاتين الكيفيتين انما يخرج المسألتين عن الاجنبية و يجعلهما من المبادئ التصديقية فيلزم منه الاستطراد أيضا.

(لا يقال: هذا)

الذي ذكرتم من صيرورة المسألتين من المبادئ التصديقية غير صحيح لان كلامنا لم يكن‏

(في الثبوت الواقعي)

الحقيقي اذ هو معلوم الوجود، فلا مجال للبحث عنه أصلا حتى يكون من مفاد كان التامة، و لا يكون من المسائل.

(و أما)

البحث عن‏

(الثبوت)

الجعلي‏

(التعبدي)

الذي هو عبارة عن ترتيب الآثار الشرعية على الخبر

(كما هو المهم في هذه المباحث)

أى مبحث الخبر الواحد و التعادل و الترجيح و لواحقها

(فهو في الحقيقة)

بحث عن عوارض الموضوع و

(يكون مفاد كان الناقصة)

، فتكون المسألتان من مسائل العلم، و حينئذ فيكون عنوان المسألتين هكذا هل السنة التعبدية- أي الخبر- يجب العمل بها، و هل السنتان التعبديتان المتعارضتان يجب العمل بكلتيهما تخييرا أم بالراجح منهما أم تتساقطان.

(فانه يقال: نعم)

هذا بحث عن مفاد كان الناقصة

(لكنه مما لا يعرض السنة)

حتى يكون من المسائل‏

(بل)

يعرض‏

(الخبر الحاكي لها)

أي للسنة

28

فان الثبوت التعبدى يرجع الى وجوب العمل على طبق الخبر كالسنة المحكية به، و هذا من عوارضه لا عوارضها كما لا يخفى.

و بالجملة: الثبوت الواقعى ليس من العوارض و التعبدى و ان كان منها إلّا انه ليس للسنة بل للخبر، فتأمل جيدا.

____________

فتكون المسألتان أيضا خارجتين عن الاصول و ذلك‏

(فان الثبوت التعبدي)

الجعلي من قبل الشارع معناه جعل الحجية و الطريقية للخبر، و هو

(يرجع الى وجوب العمل على طبق الخبر)

و الحركة و السكون على وفقه، و بهذا الجعل يكون الخبر

(كالسنة المحكية به)

لا يفرقان الا من حيث الحاكية و المحكية.

(و)

من المعلوم ان‏

(هذا)

أي وجوب العمل المجعول للخبر الواحد

(من عوارضه)

و

(لا)

ربط له بالسنة فلا يكون من‏

(عوارضها)

فالبحث عن هذا الوجوب لا يكون من مسائل الاصول‏

(كما لا يخفى)

على الخبير.

(و بالجملة)

نقول في جواب الشيخ: ان كان مرادكم بالثبوت‏

(الثبوت الواقعى)

فهو

(ليس من العوارض)

الذاتية للسنة، لكونه مفاد كان التامة، فتكون المسألة من المبادئ التصديقية

(و)

ان كان مرادكم بالثبوت الثبوت‏

(التعبدي)

فهو

(و ان كان منها)

أي من العوارض الذاتية

(إلّا انه ليس)

يعرض‏

(للسنة)

حتى تكون من المسائل‏

(بل)

يعرض‏

(للخبر)

الحاكي فلا يكون من المسائل و لا المبادئ‏

(فتأمل جيدا)

حتى لا يشتبه عليك و تقول: ان الخبر سنة تنزيلية فالمحمول عليه محمول عليها فيكون هذا البحث من المسائل.

فتحصل من جميع ذلك ان المراد من السنة لو كان قول المعصوم أو فعله أو تقريره ورد اشكال خروج مسألة الخبر و التعادل عن الاصول.

29

و أما اذا كان المراد من السنة ما يعم حكايتها فلان البحث فى تلك المباحث و ان كان عن أحوال السنة بهذا المعنى، إلّا ان البحث فى غير واحد من مسائلها كمباحث الالفاظ و جملة من غيرها لا يخص الادلة، بل‏

____________

(و امّا اذا كان المراد من السنة ما يعم)

قول المعصوم و فعله و تقريره و

(حكايتها)

أي الخبر الواحد، فهذا و ان أوجب دخول المسألتين في علم الاصول اذ الحجية مما تعرض الحاكي، و المفروض ان الحاكي من السنة التي هي أحد جزئيات موضوع العلم، لكن فيه ان ظاهر المشهور كون الادلة الاربعة بما هي أدلة موضوع العلم، فالبحث عن دليلية الدليل انما يكون من المبادئ التصديقية و المهم كون المسألتين من مسائل العلم لا مطلق الدخول. نعم تكونان من المسائل على قول الفصول الذي جعل الموضوع ذوات الادلة.

ثم انه بقي اشكال آخر على تقدير كون الموضوع الادلة الاربعة، و لو ارتفع الاشكال الاول بجعل المراد من السنة معنى يشمل الخبر

(فلان البحث في تلك المباحث)

التعادل و الترجيح و الخبر الواحد

(و ان كان عن أحوال السنة بهذا المعنى)

فيرتفع اشكال خروج المسألتين‏

(إلّا)

أن أكثر المسائل يبقى خارجا عن الاصول أيضا و ذلك ل

(أن البحث في غير واحد من مسائلها)

المهمة

(كمباحث الالفاظ)

عامة

(و)

كذلك‏

(جملة)

من المباحث‏

(من غيرها)

كبعض مباحث الادلة العقلية

(لا يخص الادلة)

الاربعة فان البحث عن الامر، و النهي، و العام، و الخاص، و المطلق، و المقيد، و المجمل، و المبين و المفاهيم، فى مبحث الالفاظ، و مبحث الاجتهاد و التقليد، و بعض أقسام الاجماع، و بعض الاحكام العقلية فى الادلة العقلية لا يخص بالادلة الاربعة

(بل)

30

يعم غيرها و ان كان المهم معرفة أحوال خصوصها كما لا يخفى.

و يؤيد ذلك تعريف الاصول بأنه العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الاحكام الشرعية

____________

(يعم غيرها)

فان قولهم: «الامر ظاهر فى الوجوب» مثلا لا يختص بالامر الوارد فى الكتاب أو السنة و كذلك البواقي، و أما مثل مسألة الاجتهاد و التقليد فخروجها بديهي.

و الحاصل: ان أغلب المسائل اما أجنبية، و أما أعم‏

(و ان كان المهم معرفة احوال خصوصها)

أي خصوص الادلة الاربعة حتى تكون اعراضا ذاتية، و أما العارض بواسطة الاعم فلا يكون عرضا ذاتيا.

و قد تقدم منا ما يشير الى ميزان العرض الذاتي ضمنا، و عليه فلا يرد اشكال الاعمية

(كما لا يخفى)

و بما ذكر تبين ان موضوع الاصول هو الكلي المنطبق على موضوعات مسائله.

«تعريف الاصول»

(و يؤيد ذلك)

قولهم في‏

(تعريف)

علم‏

(الاصول)

و بيان حدّه‏

(بأنه العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الاحكام الشرعية)

وجه التأييد ان القواعد جمع محلى باللام فيقتضي العموم، فيكون المستفاد من هذا التعريف ان كل مسألة يمكن ان تقع فى طريق الاستنباط داخلة فى علم الاصول، سواء دونت أم لم تدون، و سواء كان موضوعها أحد الادلة الاربعة أم لم يكن، و من البديهي ان بين صدق هذا التعريف و صدق موضوعية الادلة الاربعة عموما من وجه،

31

و ان كان الاولى تعريفه بأنه صناعة يعرف بها القواعد التى يمكن أن تقع فى طريق استنباط الاحكام، أو التى ينتهى اليها فى مقام العمل‏

____________

لا مكان الجمع بينهما فيما اذا كانت مسألة موضوعها أحد الادلة و تقع فى طريق الاستنباط، و افتراقهما فيما اذا صدق أحدهما بدون الآخر.

و أما ما ذكرناه من الموضوع فلا يعقل الافتراق، اذ كل مسألة تقع في طريق الاستنباط تكون من صغريات الكلي المنطبق على موضوعات المسائل. هذا تعريف الاصول على مذاق القوم.

(و ان كان الاولى تعريفه بأنه صناعة يعرف بها القواعد التي يمكن أن تقع فى طريق استنباط الاحكام)

الشرعية الفرعية

(أو التي ينتهي اليها)

الفقيه‏

(في مقام العمل)

عند يأسه عن الظفر بالدليل الاجتهادي.

و بيان أولوية هذا التعريف يحتاج الى تمهيد مقدمة و هي: ان من المسائل المبحوث عنها فى علم الاصول حجية مطلق الظن المعبر عنها بدليل الانسداد، و لهذا الدليل مقدمات:

الاولى: وجود العلم الاجمالي بتكاليف كثيرة فى الشريعة المطهرة.

الثانية: انسداد باب العلم و العلمي الى كثير منها.

الثالثة: عدم جواز اهمال تلك الاحكام.

الرابعة: عدم وجوب الاحتياط و عدم جواز الرجوع الى فتوى المجتهد أو الاصول العملية.

الخامسة: قبح ترجيح المرجوح على الراجح، و بعد تمامية المقدمات يكون الظن فى الاحكام الشرعية حجة.

فيقال هل بعد المقدمات نكشف عن جعل الشارع الظن حجة أو يستقل‏

32

بناء على ان مسألة حجية الظن على الحكومة، و مسائل الاصول العملية فى الشبهات الحكمية من الاصول‏

____________

العقل و يحكم بحجيته حينئذ. و بعبارة اخرى حجية الظن حينئذ على الكشف أو على حكومة العقل.

و اذا تمهدت المقدمة قلنا: الاولى ما ذكرناه من التعريف‏

(بناء على ان مسألة حجية الظن على الحكومة)

من الاصول، لانه يخرج هذا المبحث عن التعريف الاول، فيلزم ان لا يكون من مباحث الاصول، اذ لا استنباط للحكم الشرعي حينئذ بخلاف التعريف الثاني، فانه يشمل هذه المسألة لانها مما ينتهي اليها الفقيه في مقام العمل.

أمّا لو قلنا ان مقدمات الانسداد تنتج حجية الظن على الكشف فلا يخرج المبحث عن التعريف الاول، لان المقدمات كاشفة عن جعل الشارع الظن حجة فيكون هذا المبحث من القواعد الممهدة لاستنباط الحكم الشرعي.

(و)

كذلك يخرج بناء على التعريف الاول‏

(مسائل الاصول العملية في الشبهات الحكمية من الاصول)

الاصول العملية عبارة عن البراءة و الاحتياط و الاستصحاب و التخيير، و الشبهة الحكمية عبارة عما كان سبب الشبهة فقدان النص أو اجماله أو تعارض النصين، و الشبهة الموضوعية عبارة عما كان سبب الشبهة فيه الامور الخارجية.

و بعبارة اخرى: الشبهة التي نحتاج في رفعها الى استطراق باب الشارع هي الشبهة الحكمية و الشبهة التي نحتاج في رفعها الى استطراق باب اللغة و العرف هي الشبهة الموضوعية.

اذا عرفت هذا فنقول: وجه تقييد الشبهات بالحكمية اشارة الى كون الجارية

33

كما هو كذلك، ضرورة انه لا وجه لالتزام الاستطراد فى مثل هذه المهمات.

(الامر الثانى) الوضع: هو نحو

____________

منها في الشبهات الموضوعية ليست من المسائل الاصولية بل هي من المسائل الفقهية، فخروجها عن تعريف الاصول غير مضر، و أما وجه خروج هذه المسائل عن تعريف المشهور فانما هو لعدم وقوعها في طريق الاستنباط، بخلاف تعريف المصنف فهي داخلة فيه، لوضوح ان الاصول العملية مما ينتهي اليه الفقيه في مقام العمل.

فتحصّل ان مسألة حجية الظن على الحكومة و كذلك مسائل الاصول العملية من علم الاصول على تعريف المصنف‏

(كما هو كذلك)

بحسب الواقع‏

(ضرورة)

بخلاف تعريف القوم، فان هاتين المسألتين خارجتان عنه مع‏

(انه لا وجه لالتزام الاستطراد في مثل هذه المهمات)

لاعتماد كثير من الاحكام الفرعية الظاهرية عليها، كما لا يخفى على من راجع الفقه، و قد أشكل على تعريف المصنف بما لا مجال لذكره، و لا يذهب عليك انه تبين من تعريف علم الاصول غايته أيضا كما هو شأن تعاريف العلوم.

«الامر الثانى» فى «الوضع»

و المشهور انه تعيين اللفظ للدلالة على المعنى بنفسه، و لا وجه لقول بعض أن معنى الوضع هو الموضوعية، اذ معنى الوضع كما هو المأخوذ عن اللغة و العرف مرادف لقولنا في الفارسية «نهادن»، و حيث أشكل على التعريف المتقدم بأنه لا يشمل الوضع التعيني عدل المصنف عنه و عرف الوضع بأنه‏

(هو نحو)

34

اختصاص اللفظ بالمعنى و ارتباط خاص بينهما ناش من تخصيصه به تارة و من كثرة استعماله فيه اخرى و بهذا المعنى صح تقسيمه الى التعيينى و التعينى كما لا يخفى.

____________

(اختصاص اللفظ بالمعنى)

و علقة

(و ارتباط خاص بينهما)

و اشكل عليه بأن الوضع مصدر كما تقدم فتفسيره بالاختصاص خلاف الظاهر. و اجيب بأن لفظ المصدر مطلقا مشترك بينه و بين اسمه. مثلا القتل مشترك بين «كشتن و كشتار» و القول مشترك بين «گفتن و گفتار» و هكذا فتأمل.

ثم ان الوضع على قسمين: الاول ما كان الارتباط بين اللفظ و المعنى حاصلا من جعل شخص خاص اللفظ بازاء المعنى فهو

(ناش من تخصيصه به)

بحيث لو لا التخصيص لم يكن بينهما ارتباط و علاقة أصلا. و هذا القسم يسمى بالوضع التعييني و يكون‏

(تارة)

من اللّه تعالى، و أخرى من الناس كما لا يخفى على المتتبع.

(و)

الثاني: ما كان الارتباط بين اللفظ و المعنى حاصلا

(من كثرة استعماله فيه)

نحو تأبط شرا الذي صار اسم رجل بالغلبة، و أصمت الذي صار اسم واد كذلك، و هذا القسم يسمى بالوضع التعيني تارة و الوضع الغلبي‏

(اخرى)

و سيجي‏ء قسم ثالث للوضع.

(و بهذا المعنى)

الذي ذكرنا للوضع‏

(صح تقسيمه الى التعييني و التعيني)

بخلاف المعنى الذي ذكره المشهور، فانه لا يشمل الوضع التعيني كما تقدم، لكن يمكن أن يقال: ان تعريف المشهور شامل للثاني أيضا، اذ هو كما يحصل بالدفعي يحصل بالتدريجي‏

(كما لا يخفى)

.

ثم انه قد اختلف في هذا المقام في امرين:

35

ثم ان الملحوظ حال الوضع إما يكون معنى عاما فيوضع اللفظ له تارة و لافراده و مصاديقه أخرى.

____________

الاول في منشأ الارتباط، و فيه أقوال خمسة فقال بعض بأنه ذاتي و بعض بأنه جعلي و ثالث جعله بين الذاتية و الجعلية و الرابع جعله من لوازم الجعل و خامس جعله من الامور الاعتبارية، و لما كان الكلام فيها يحتاج الى بسط خارج عن وضع الشرح وكلناه الى مواضعه المبسوطة.

الثاني في تعيين الواضع فبعضهم قال بأنه اللّه تعالى، و آخرون قالوا بأنه البشر، و فصّل ثالث فجعل بعضه من اللّه تعالى و بعضه من البشر، و حيث لم يكن هناك دليل تطمئن اليه النفس على أحدها تركنا تفصيلها

(ثم ان)

الوضع لما كان عبارة عن الارتباط بين اللفظ و المعنى كان على الواضع ملاحظة اللفظ و المعنى قبل الوضع، فالمعنى المتصور قبل الوضع يسمى «وضعا» مجازا، اذ الوضع- كما تقدم- عبارة عن الارتباط، و تسمية المعنى به وصف باعتبار المتعلق، و اللفظ يسمى موضوعا و معنى اللفظ يسمى موضوعا له.

اذا عرفت هذا فاعلم ان الوضع بحسب التصور العقلي على أقسام أربعة، لان‏

(الملحوظ حال الوضع اما يكون معنى عاما)

و حينئذ

(فيوضع اللفظ له)

أي لذلك المعنى العام‏

(تارة)

و هذا هو القسم الاول المعبر عنه بالوضع العام و الموضوع له العام.

و ذلك كوضع لفظ الكلي بإزاء معناه الكلي، مثل وضع لفظ الحيوان بازاء النامي المتحرك بالارادة

(و)

بوضع اللفظ

(لافراده و مصاديقه)

تارة

(اخرى)

و هذا هو القسم الثاني المعبر عنه بالوضع العام و الموضوع له الخاص، و ذلك كأسماء الاشارة عند بعض، مثلا المعنى الملحوظ عند الوضع‏

36

و اما يكون معنى خاصا لا يكاد يصح الا وضع اللفظ له دون العام، فيكون‏

____________

هو كل مفرد مذكر مشار اليه، و هذا معنى كلّي عام لكن لفظة «هذا» لم يوضع لذاك و الا صح استعماله و ارادة ذلك المعنى الكلّي بل انّما وضع لافراد هذا الكلّي، و مثل أسماء الاشارة الحروف و الموصولات و الضمائر و نحوها.

(و أما)

ان‏

(يكون)

الملحوظ حال الوضع‏

(معنى خاصا)

و جزئيا حقيقا و هذا أيضا قسمان:

الاول: ان يوضع اللفظ لذلك المعنى الخاص، و هذا هو القسم الثالث المعبر عنه بالوضع الخاص و الموضوع له الخاص، و ذلك كالاعلام الشخصية، فان المعنى الملحوظ حين الوضع هو الشخص الخاص، و وضع لفظ زيد مثلا بازائه.

الثاني: ان يوضع اللفظ لمعنى أعم من ذلك الخاص الملحوظ، و هذا هو القسم الرابع المعبر عنه بالوضع الخاص و الموضوع له العام، و ذلك مثل ما لو رأى شبحا من بعيد فيضع لفظ الحيوان مثلا لجامعه القريب، فان المعنى الملحوظ حال الوضع هو الشبح المتحرّك، و وضع لفظ الحيوان بازاء الاعم منه.

ثم ان هذا كله بحسب التصور، و أما بحسب الامكان العقلي ففيه قولان:

فبعضهم قال بامكان الاربعة و بعضهم قال بعدم امكان القسم الرابع، و هذا مختار المصنف و لهذا قال:

(لا يكاد يصح)

اذا كان الملحوظ معنى خاصا

(الا وضع اللفظ له)

فقط

(دون)

أن يوضع للمعنى‏

(العام)

و على هذا

(فيكون‏

37

الاقسام ثلاثة، و ذلك لان العام يصلح لان يكون آلة للحاظ افراده و مصاديقه بما هو كذلك فانه من وجوهها، و معرفة وجه الشى‏ء معرفته بوجه، بخلاف الخاص فانه بما هو خاص لا يكون وجها للعام و لا لسائر الافراد، فلا يكون معرفته و تصوره معرفة له‏

____________

الاقسام ثلاثة)

لا أربعة.

(و)

حيث كان هنا مظنة سؤال الفرق بين القسم الرابع و القسم الثاني بأن يقال: كيف جوزتم الوضع العام و الموضوع له الخاص و لم تجوزوا الوضع الخاص و الموضوع له العام، مع ان الوضع لو أمكن لغير المعنى المتصور جاز فيهما، و لو لم يمكن لم يجز فيهما؟ بيّن الفرق بأن‏

(ذلك)

القسم الثاني انما يجوز

(لان)

المعنى‏

(العام)

الملحوظ حين الوضع‏

(يصلح لان يكون)

مرآة و

(آلة للحاظ أفراده و مصاديقه)

لكونه كليا و الكلي‏

(بما هو كذلك)

عين الافراد، فلحاظه لحاظ الافراد كما هو شأن سائر المتحدين، فيمكن الوضع للافراد حين لحاظ العام‏

(فانه من وجوهها)

و اذا ثبتت المقدمتان- الاولى: ان العام وجه الافراد.

(و)

الثانية: أن‏

(معرفة وجه الشي‏ء)

و صورته هي عرفانه اجمالا و

(معرفته بوجه)

ما- ثبت المطلوب، و هو كفاية لحاظ العام في وضع اللفظ للافراد، و هذا

(بخلاف)

القسم الرابع أي الوضع‏

(الخاص)

و الموضوع له العام‏

(فانه)

مع قطع النظر عن لحاظ العام الذي في ضمنه بل‏

(بما هو خاص)

و محدود

(لا)

يمكن أن‏

(يكون وجها للعام و)

مرآة له حتى يتصور الخاص و يوضع للعام كما انه‏

(لا)

يكون مرآة

(لسائر الافراد)

المشخصة

(فلا يكون معرفته)

أي الخاص‏

(و تصوره)

بما هو خاص و محدود

(معرفة له)

أي‏

38

و لا لها أصلا و لو بوجه نعم ربما يوجب تصوره تصور العام بنفسه فيوضع له اللفظ، فيكون الوضع عاما كما كان الموضوع له عاما،

____________

للعام‏

(و لا لها)

أي لسائر الافراد.

و الحاصل: أنه لا يكون تصور الجزئي موجبا لمعرفة الجزئي و لا الكلي‏

(اصلا و لو بوجه)

ما كما لا يخفى. هذا هو الذي ادعاه المصنف من الفرق بين القسمين.

و فيه: أولا: ان العام لما كان متحدا مع الافراد كما هو المفروض لكونه كليا طبيعيا كان معرفة الفرد معرفته كما ان معرفته معرفة الفرد، فكما ان لحاظ العام كاف في الوضع للخاص كذلك لحاظ الخاص كاف في الوضع للعام، اذ المفروض فناء كل منهما في الآخر.

و ثانيا: انه لا يعقل الوضع للخاص من دون لحاظه منحازا عن لحاظ العام، فان ارادة الوضع للافراد عبارة عن لحاظ الافراد بعد لحاظ العام، كما ان ارادة الوضع للعام عبارة عن لحاظ الفرد. و الحاصل أن هذين القسمين فى الاستحالة من دون لحاظ ثانوي و الامكان معه سواء، و لا يذهب عليك ان ما ذكرنا من الجوابين طولي لا عرضي.

هذا و لما فرغ المصنف من بيان الفرق شرع في بيان وجه اشتباه من لم يفرق بينهما بقوله:

(نعم ربما يوجب تصوره)

أي الخاص‏

(تصور العام بنفسه)

و بما هو هو بأن ينتقل الذهن من الخاص الى العام اتفاقا أو لكون المتصور مريدا لتصور جميع الخصوصيات و منها العام‏

(فيوضع له)

أي للعام المتصور

(اللفظ)

و على هذا

(فيكون الوضع)

أي المعنى المتصور حينه‏

(عاما كما كان الموضوع له عاما)

لكن تصور الخاص صار سببا لتصور العام‏

39

و هذا بخلاف ما فى الوضع العام و الموضوع له الخاص فان الموضوع له- و هى الافراد- لا يكون متصورا الا بوجهه و عنوانه و هو العام و فرق واضح بين تصور الشى‏ء بوجهه، و تصوره بنفسه و لو كان بسبب تصور أمر آخر، و لعل خفاء ذلك على بعض الاعلام و عدم تمييزه بينهما كان موجبا لتوهم امكان ثبوت قسم رابع، و هو أن يكون الوضع خاصا مع كون الموضوع له عاما

____________

بخلاف الوضع العام و الموضوع له العام الذي تقدم سابقا، فان تصور العام كان ابتدائيا.

(و هذا)

الذي ذكرناه من ان العام متصور بنفسه و ان كان منشأ تصوره الخاص‏

(بخلاف ما في الوضع العام و الموضوع له الخاص فان الموضوع له)

في هذا القسم‏

(و هي الافراد لا يكون متصورا)

للواضع بتصور تفصيلي ثانوي فانه لم يتصور

(الا بوجهه و عنوانه و)

الوجه المتصور

(هو العام و فرق واضح بين تصور الشي‏ء بوجهه)

كما في الوضع العام و الموضوع له الخاص‏

(و)

بين‏

(تصوره بنفسه و)

بما هو هو، كما

(لو)

كان الوضع عاما و الموضوع له عاما سواء

(كان)

تصور العام ابتداء أو

(بسبب تصور أمر آخر)

كالخاص الذي يكون سببا لتصور العام.

(و لعل خفاء ذلك)

الفرق‏

(على بعض الاعلام)

أي الحاج ميرزا حبيب اللّه الرشتي «(قدس سره)»

(و عدم تمييزه بينهما)

أي بين القسم الثاني و الرابع أي بين ما اذا كان العام متصورا ابتداء أو بواسطة الخاص‏

(كان موجبا لتوهم امكان ثبوت قسم رابع، و هو أن يكون الوضع خاصا مع كون الموضوع له عاما)

40

مع انه واضح لمن كان له أدنى تأمل، ثم انه لا ريب فى ثبوت الوضع الخاص و الموضوع له الخاص كوضع الاعلام، و كذا الوضع العام و الموضوع له العام كوضع أسماء الاجناس.

و أما الوضع العام و الموضوع له الخاص فقد توهم انه وضع الحروف و ما الحق بها من الاسماء

____________

و قد بينا عدم الفرق و خفائه عليه (قدس سره)

(مع انه واضح لمن كان له أدنى تأمل)

و اللّه العالم.

(ثم)

ان هذا كله بحسب الامكان العقلي و أما بحسب الوقوع الخارجي فنقول‏

(انه لا ريب في ثبوت)

القسم الثالث أعني‏

(الوضع الخاص و الموضوع له الخاص)

و ذلك‏

(كوضع الاعلام)

الشخصية، فان المعنى المتصور حين الوضع جزئي حقيقي، و اللفظ موضوع بإزاء ذلك المعنى الجزئي.

(و كذا)

لا ريب في ثبوت القسم الاول أعنى‏

(الوضع العام و الموضوع له العام)

و ذلك‏

(كوضع أسماء الاجناس)

فان المعنى المتصور حين الوضع كلي، و اللفظ موضوع بإزاء ذلك المعنى، و قد تقدم استحالة القسم الرابع، أعني الوضع الخاص و الموضوع له العام، على رأي المصنف، فلا مجال للكلام في وقوعه.

«المعنى الحرفى»

(و أما)

القسم الثاني أعني‏

(الوضع العام و الموضوع له الخاص)

ففي وقوعه خلاف‏

(فقد توهم أنه وضع الحروف و)

كذا

(ما الحق بها من الاسماء)

المبهمة كاسماء الاشارة و الموصولات الاسمية و نحوها، فالواضع‏

41

كما توهم أيضا ان المستعمل فيه فيها خاص مع كون الموضوع له كالوضع عاما

____________

مثلا لاحظ كلي المفرد المذكر المشار اليه لكن وضع لفظة «هذا» بازاء الافراد، و كذلك لاحظ كلي الابتداء و وضع لفظة «من» بازاء جزئياته، و هذا القول ذهب اليه المحقق الشريف و جماعة

(كما توهم أيضا ان المستعمل فيه فيها)

أي في الحروف و المبهمات‏

(خاص)

للخصوصية الناشئة من الاستعمال‏

(مع كون الموضوع له كالوضع عاما)

فالواضع لاحظ كلى الابتداء مثلا و وضع لفظة «من» لذلك المعنى الكلي، لكن حين الاستعمال يكون خاصا لخصوص الاشارة التي هي من شئون الاستعمال، و هذا القول منسوب الى التفتازاني و جماعة.

و توضيح الكلام في المقام يحتاج الى بيان أمرين: الاول في كيفية وضع الحروف، و الثاني في امتياز معاني الحروف عن معاني الاسماء.

أما الاول فنقول: ذهب جمع الى أن الوضع و الموضوع له في الحروف عامان و المستعمل فيه خاص، و حيث أشكل عليهم بلزوم المجاز بلا حقيقة، اذ الموضوع له لو كان عاما و استعمل في الخاص كان من باب استعمال الجزء في الكل، و ذهب آخرون الى أن الوضع عام و الموضوع له و المستعمل فيه خاصان حتى لا يلزم المجاز بلا حقيقة، و حيث ورد عليهم الاشكالات الآتية عدل آخرون و قالوا بأن الوضع و الموضوع له و المستعمل فيه كلها عامة فلا يلزم المحذور المتقدم و أشكل عليه بأن المستعمل فيه لو كان عاما لزم المجاز أيضا، اذ المراد منها الاشخاص فلو استعمل لفظة «هذا» مثلا في كلي المفرد المذكر المشار اليه فان اريد منه الكلي لم يكن خارجيا و ان اريد الخارجي لزم المجازية أيضا،

42

..........

____________

و ردّ بأن الجزئية انما تكون من ناحية الاشارة الخارجية لا من ناحية الموضوع له أو المستعمل فيه، فكما ان الرجل مثلا موضوع لمعنى عام، و الخصوصية انما تكون من ناحية الاشارة كذلك لفظة «هذا» فالخصوصية لا دخل لها بالموضوع له و المستعمل فيه، و انما هي من باب تعدد الدال و المدلول.

و أما الثاني فنقول: الاقوال فيه ثلاثة:

الاول: انه لا فرق بين مفهوم الاسماء و الحروف أصلا لا في الوضع و لا في الموضوع له و لا في المستعمل فيه، و الالية و الاستقلالية لا تكونان جزء المعنى أصلا، و انما ذلك بحسب شرط الواضع، بأن يستعمل لفظ الابتداء مثلا كلما أريد المعنى المستقل و لفظة من كلما أريد غيره، و قد يحكى هذا القول عن نجم الائمة (1).

الثاني: انه لا معنى للحروف أصلا بل هي علامة لارادة المعنى الخاص من مدخولها، فيكون حالها حال الاعراب، فكما ان الرفع في زيد في قولك «جاءني زيد» علامة انه اريد من كلمة زيد المسند اليه، كذلك كلمة في من قولك «زيد في الدار» علامة انه أريد من كلمة «الدار» الاينية لا العينية.

الثالث: الفرق بين مفاهيم الاسماء و الحروف، و بيان ذلك ان الوجود، اما استقلالي و هو ما كان موجودا لنفسه و في نفسه كالجوهر، و اما رابطي و هو ما كان موجودا في نفسه لغيره كالاعراض بالنسبة الى موضوعاتها، و أما رابط و هو ما يتوقف وجوده على وجود الطرفين، بحيث لولاهما لم يوجد لا في الذهن‏

____________

(1) شرح الكافية ج 1 ص 10 ط بيروت- لنجم الائمة رضى الدين محمد بن الحسن الأسترآباديّ المتوفى 686.

43

و التحقيق حسبما يؤدى اليه النظر الدقيق ان حال المستعمل فيه و الموضوع له فيها حالهما فى الاسماء، و ذلك لان الخصوصية المتوهمة ان كانت هى الموجبة لكون المعنى المتخصص بها جزئيا خارجيا فمن الواضح ان كثيرا ما لا يكون المستعمل فيه فيها كذلك‏

____________

و لا في الخارج، فمفهوم الاسماء من قبيل الاولين، و مفهوم الحروف من قبيل الثالث و أما الافعال فهي حرفية الهيئة اسمية المادة.

(و التحقيق حسبما يؤدي اليه النظر الدقيق)

في كيفية وضع الحروف و نحوها عند المصنف‏

(ان حال المستعمل فيه و الموضوع له فيها)

أي في الحروف و سائر المبهمات مثل‏

(حالهما في الاسماء)

فالوضع و الموضوع له و المستعمل فيه فيها عام كأسماء الاجناس‏

(و ذلك لان الخصوصية المتوهمة)

جزءا للمعنى الموضوع له أو للمستعمل فيه التي بسببها صار المعنى جزئيا

(ان كانت هي)

الجزئية الخارجية بأن وضع الواضع اللفظ بإزاء المعنى الخارجي أو بإزاء المعنى المطلق لكن في حال الاستعمال يقيد بالخارج، و بعبارة اخرى ان كانت الخصوصية

(الموجبة لكون المعنى المتخصص بها جزئيا)

أمرا

(خارجيا)

لا ذهنيا بأن تكون كلمة «من» مثلا موضوعة للابتداء المقيد بكونه من نقطة معينة مثلا

(فمن الواضح)

بطلانه اذ من البديهي‏

(ان كثيرا ما لا يكون المستعمل فيه فيها)

أي في الحروف و نحوها

(كذلك)

جزئيا خارجيا فقول المولى لعبده «كن على السطح» لا يريد نقطة خاصة من السطح، و كذا في غيره من الحروف الواقعة تلو الاوامر و النواهي، و لو كان المستعمل فيه خاصا لخصوصية الموضوع له أو كليهما لم يحصل الامتثال الا في نفس ذلك‏

44

بل كليا، و لذا التجأ بعض الفحول الى جعله جزئيا اضافيا، و هو كما ترى، و ان كانت هى الموجبة لكونه جزئيا ذهنيا، حيث انه لا يكاد يكون المعنى حرفيا إلّا اذا

____________

الخاص مع انا نرى ان المستعمل فيه لا يكون خاصا و جزئيا

(بل كليا)

يصح انطباقه على جزئيات كثيرة، و يحصل الامتثال بكل جزئي منه.

(و لذا)

الذي ذكرنا من كلية المعنى‏

(التجأ بعض الفحول‏

فصول الشيخ فى كتب الاصول‏-- بمنزلة الربيع من الفصول‏

(1)

) في فصوله‏ (الى جعله) أي جعل معنى الحرف و سائر المبهمات‏ (جزئيا اضافيا و هو) ما يكون فوقه كلي أوسع، و لم يجعله جزئيا شخصيا، مثلا كلمة «من» في قولنا «سر من البصرة» مستعملة في جزئيات الابتداء الحاصلة من البصرة لا من جميع العالم، لكن هذا الكلام‏ (كما ترى) غير صحيح، اذ الجزئي الاضافي كلي فلا يفيد كلامه كون الموضوع له خاصا.

هذا كله على تقدير كون الخصوصية الموجبة لجزئية المعنى خارجيا (و ان كانت) الخصوصية المتوهمة التي كانت‏ (هي الموجبة لكونه جزئيا) أمرا (ذهنيا) بأن تكون كلمة «من» مثلا موضوعة للابتداء الملحوظ في الذهن فهنا مقامان: الاول في وجه كون الجزئية بسبب اللحاظ الذهني، و الثاني في بطلان كون الموضوع له خاصا لكونه جزئيا ذهنيا.

أما وجه الاول‏ (حيث انه لا يكاد يكون المعنى حرفيا) و آليا (إلّا اذا

____________

(1) هو العلامة الاصولى الشيخ محمد حسين بن محمد رحيم الاصفهانى المتوفى 1254 له آثار قيمة أشهرها «الفصول» الذى قيل فى حقه:

فصول الشيخ فى كتب الاصول‏* * * بمنزلة الربيع من الفصول‏

45

لوحظ حالة لمعنى آخر و من خصوصياته القائمة به و يكون حاله كحال العرض، فكما لا يكون فى الخارج الا فى الموضوع، كذلك هو لا يكون فى الذهن الا فى مفهوم آخر، و لذا قيل فى تعريفه بأنه «ما دل على معنى فى غيره» فالمعنى و ان كان لا محالة يصير جزئيا بهذا اللحاظ بحيث يباينه اذا لوحظ ثانيا كما لوحظ أولا و لو كان اللاحظ واحدا إلّا ان هذا اللحاظ لا يكاد يكون مأخوذا فى‏

____________

لوحظ حالة لمعنى آخر)

و مبينا له‏

(و من خصوصياته القائمة به)

كما تقدم من أن كلمة في من خصوصيات الدار و مبينة لأينيّتها

(و)

حينئذ

(يكون)

الحرف‏

(حاله)

في الذهن‏

(كحال العرض)

في الخارج‏

(فكما لا يكون)

العرض و لا يوجد

(في الخارج الا في الموضوع)

الخارجي‏

(كذلك هو)

أي المعنى الحرفي‏

(لا يكون في الذهن الا في مفهوم آخر)

و حالة له.

(و لذا)

الذي ذكرنا من كون الحرف حالة لغيره‏

(قيل في تعريفه بأنه ما دل على معنى في غيره)

ذهنا كالعرض في موضوعه خارجا، و على هذا

(فالمعنى)

الحرفي‏

(و ان كان لا محالة يصير جزئيا)

و كان جزئيته‏

(بهذا اللحاظ)

الذهني‏

(بحيث يباينه)

أي يباين المعنى الملحوظ أولا المعنى‏

(اذا لوحظ ثانيا كما لوحظ أولا و لو كان اللاحظ واحدا)

و الحاصل ان اللحاظ و لو كان سببا لجزئية المعنى لو اخذ فيه‏

(إلّا ان)

أخذ

(هذا اللحاظ)

جزءا للمعنى باطل و هذا هو المقام الثاني الذي تقدمت الاشارة اليه.

و البطلان من وجوه ثلاثة:

الاول: انه‏

(لا يكاد يكون)

اللحاظ الذهني جزء المعنى و

(مأخوذا في)

46

المستعمل فيه، و إلّا فلا بد من لحاظ آخر متعلق بما هو ملحوظ بهذا اللحاظ، بداهة ان تصور المستعمل فيه مما لا بد منه فى استعمال الالفاظ و هو كما ترى، مع انه يلزم أن لا يصدق على الخارجيات لامتناع صدق الكلى العقلى عليها، حيث لا موطن له الا الذهن، فامتنع امتثال مثل «سر من البصرة»

____________

(المستعمل فيه)

بحيث يكون المعنى الحرفي مركبا من أصل المعنى و لحاظه‏

(و إلّا)

فلو كان المعنى مركبا

(فلا بد)

للمستعمل‏

(من لحاظ آخر)

حين الاستعمال‏

(متعلق)

بلحاظه الاول و

(بما هو ملحوظ بهذا اللحاظ)

و هو أصل المعنى، فيلزم اجتماع لحاظين في كل استعمال اللحاظ الاول جزء المعنى و اللحاظ الثاني لاجل الاستعمال‏

(بداهة أن تصور)

المعنى‏

(المستعمل فيه مما لا بد منه في استعمال الالفاظ)

و حينئذ فان كان اللحاظ الثاني عين اللحاظ الاول لزم الدور، اذ اللحاظ الثاني متوقف على المعنى، و المعنى متوقف على اللحاظ الثاني، و ان كان اللحاظ الثاني غير الاول، لزم تعدد اللحاظ في كل استعمال‏

(و هو كما ترى)

تكلّف من غير ضرورة

(مع)

انه خلاف البديهة، اذ المستعمل للحروف لا يلحظ الّا مرة واحدة كالمستعمل للاسماء من غير فرق.

الثاني:

(انه يلزم)

على تقدير كون اللحاظ جزءا لمعنى الحرف‏

(ان لا يصدق على الخارجيات)

اذ المعنى المقيد باللحاظ ذهني، و الذهني لا يصدق على الخارجيات‏

(لامتناع صدق الكلي العقلي)

أي الامر العقلي‏

(عليها حيث لا موطن له)

أي للامر العقلي‏

(الا الذهن)

و على هذا

(فامتنع)

على العبد

(امتثال مثل سر من البصرة)

من الاوامر و النواهي التي تضمنت حرفا

47

إلّا بالتجريد و القاء الخصوصية، هذا مع أنه ليس لحاظ المعنى حالة لغيره فى الحروف الا كلحاظه فى نفسه فى الاسماء، و كما لا يكون هذا اللحاظ معتبرا فى المستعمل فيه فيها، كذلك ذاك اللحاظ فى الحروف كما لا يخفى،

____________

أو اسما مبهما، اذ الامر المقيد بالذهن يمتنع ايجاده في الخارج‏

(إلّا بالتجريد)

عن اللحاظ الذهني‏

(و القاء الخصوصية)

الذهنية المأخوذة في المعنى، فيكون الاستعمال مجازا دائما، لكونه من استعمال اللفظ الموضوع للكل في الجزء.

و حاصل الكلام ان أحد الامرين لازم امّا عدم امكان الامتثال و هو باطل ضرورة، و أما المجازية و هي تحتاج الى عناية في الاستعمال، مع ان الاستعمالات العرفية ليست بتلك العناية قطعا، و اذا بطل اللازم بطل كون اللحاظ جزءا و هو المطلوب.

و

(هذا)

الاشكال‏

(مع)

الاشكال الاول جوابان حلا. ثم ان هنا جوابا آخر نقضيا و هو الثالث من وجوه البطلان، و تقريبه:

(انه ليس لحاظ المعنى حالة لغيره في الحروف الا كلحاظه فى نفسه في الاسماء)

فان الواضع و المستعمل يلحظان المعنى حين الوضع و الاستعمال‏

(و كما لا يكون هذا اللحاظ)

الذهني الاستقلالي من الواضع و المستعمل‏

(معتبرا في المستعمل فيه فيها)

أي في الاسماء حتى يكون سببا لجزئية المعنى‏

(كذلك)

لا يكون‏

(ذاك اللحاظ)

الذهني الآلي من الواضع و المستعمل معتبرا في المستعمل فيه‏

(في الحروف)

حتى يكون سببا لجزئية المعنى‏

(كما لا يخفى)

.

و الحاصل ان لحاظ المعنى لو كان سببا لجزئيته لزم أحد الامرين: أما القول‏

48

و بالجملة ليس المعنى فى كلمة من و لفظ الابتداء مثلا الا الابتداء، فكما لا يعتبر فى معناه لحاظه فى نفسه و مستقلا، كذلك لا يعتبر فى معناها لحاظه فى غيرها و آلة، و كما لا يكون لحاظه فيه موجبا لجزئيته فليكن كذلك فيها.

____________

بجزئيّة معنى الاسم و الحرف كليهما، مع انّهم لا يقولون بجزئية المعنى الاسمي، و أما القول بعدم دخل اللحاظ في المعنى أصلا حتى في الحرف كما هو المطلوب.

(و بالجملة ليس المعنى في كلمة من)

الابتدائية

(و)

في‏

(لفظ الابتداء مثلا الا)

شيئا واحدا و هو مفهوم‏

(الابتداء)

مجردا من غير تقييد باللحاظ في الاول‏

(فكما لا يعتبر في معناه)

الاسمى‏

(لحاظه في نفسه و مستقلا)

بحيث يكون اللحاظ دخيلا في المعنى‏

(كذلك لا يعتبر في معناها)

أي معنى كلمة من الحرفي‏

(لحاظه في غيرها و آلة)

بحيث يكون اللحاظ جزءا للمعنى‏

(و كما لا يكون لحاظه فيه)

أي لحاظ الاستقلال في لفظ الابتداء

(موجبا لجزئيته)

أي لجزئية المعنى‏

(فليكن)

لحاظ الالية في لفظة من‏

(كذلك)

غير موجب لجزئية المعنى‏

(فيها)

أي في كلمة من.

و حيث فرغ المصنف من بيان كيفية وضع الحروف شرع في المقام الثاني و هو بيان أنه هل يكون امتياز بين المعنى الحرفي و الاسمي أم لا؟ فنقول: ذهب بعض محققي المتأخرين الى تمييز الاسماء من الحروف تمييزا ذاتيا، فالمعاني الحرفية بهوياتها و ماهياتها مباينة لمعاني الاسماء، و ان قوام المعنى الحرفي يكون بامور أربعة:

الاول: أن يكون المعنى ايجاديا بمعنى توقفه على الاستعمال و وجوده به‏

49

ان قلت: على هذا لم يبق فرق بين الاسم و الحرف فى المعنى و لزم كون مثل كلمة من و لفظ

____________

كالهيئة و الربط، لا اخطاريا بمعنى خطور المعنى بالبال بمجرد التلفظ، بدون أن يذكر في طي تركيب من التراكيب كالمعنى الاسمى.

الثاني: أن يكون المعنى قائما بغيره لا بنفسه، بخلاف الاسماء فانها تدل على معاني تحت مفهومها.

الثالث: ان لا يكون للمعنى موطن غير الاستعمال لا ذهنا و لا خارجا، بخلاف الاسماء، فان معانيها موجودة ذهنا أو خارجا استعمل أم لم يستعمل.

الرابع: ان يكون المعنى حين ايجاده مغفولا عنه غير متوجه اليه، كالصور العلمية حين التوجه الى ذي الصورة، و كنفس اللفظ حين الاستعمال.

أما المصنف (قدس سره) فقد ذهب الى عدم الفرق بين المعاني الاسمية و الحرفية أصلا، كما ذهب الى عدم الفرق بين وضعهما.

(ان قلت: على هذا)

الذي ذكرتم- من عدم مدخلية اللحاظ الذهني في المعنى الحرفي، كعدم مدخليته في المعنى الاسمى-

(لم يبق فرق بين الاسم و الحرف في المعنى)

. و لا يذهب عليك ان هذا الاشكال خلط بين مبحثين:

فالبحث الاول عن مدخلية اللحاظ في المعنى الحرفي، و البحث الثاني في اختلاف المعنى الحرفي و الاسمى في الالية و الاستقلالية و عدمه. و معلوم ان لا مدخلية لاحدهما بالآخر، اذ بين البحثين عموم من وجه، فلكل ممن اختار في المبحث الاول شيئا ان يختار في المبحث الثاني شيئا، من غير تلازم بين الاختيارين، لكن المصنف حيث قصد الاختصار أورد المبحث الثاني بهذه الصورة.

(و)

على كل فانه‏

(لزم)

من عدم الفرق‏

(كون مثل كلمة من و لفظ)

50

الابتداء مترادفين، صح استعمال كل منهما فى موضع الآخر، و هكذا سائر الحروف مع الاسماء الموضوعة لمعانيها، و هو باطل بالضرورة كما هو واضح.

قلت: الفرق بينهما انما هو فى اختصاص كل منهما بوضع، حيث انه وضع الاسم ليراد منه معناه بما هو هو و فى نفسه، و الحرف ليراد منه معناه لا كذلك، بل بما

____________

(الابتداء مترادفين)

من جميع الجهات و

(صح استعمال كل)

واحد

(منهما في موضع الآخر)

فيقول «سر ابتداء بغداد انتهاء الكوفة» كما يصح «سر من بغداد الى الكوفة» و كذلك العكس، فيقول من خير من الى- من دون نقل الى المعنى الاسمى- كما يصح قولك الابتداء خير من الانتهاء.

(و هكذا)

يكون حال‏

(سائر الحروف مع الاسماء الموضوعة لمعانيها)

كالانتهاء و الى، و الاستعلاء و على‏

(و هو)

أي اللازم المذكور

(باطل بالضرورة)

من لسان العرب فالملزوم باطل مثله‏

(كما هو واضح)

لمن له اطلاع باللسان.

(قلت)

: نعم لا فرق بينهما من حيث أخذ اللحاظ، و لا من حيث الامتياز الوضعي بل‏

(الفرق بينهما انما هو في اختصاص كل منهما بوضع)

خاص به، فوضع لفظ الابتداء لمفهوم الابتداء مرة، و وضع لفظة من لذلك المفهوم اخرى‏

(حيث انه وضع الاسم)

لمجرد مفهوم الابتداء مثلا، لكن كان داعي الواضع حين الوضع‏

(ليراد منه معناه)

استقلالا

(بما هو هو و في نفسه)

من غير نظر الى الغير حين استعماله.

(و)

وضع‏

(الحرف)

لمجرد مفهوم الابتداء مثلا أيضا لكن كان داعي الواضع حين الوضع‏

(ليراد منه معناه)

أيضا

(لا كذلك بل)

آلة و

(بما)

51

هو حالة لغيره، كما مرت الاشارة اليه غير مرة، فالاختلاف بين الاسم و الحرف فى الوضع يكون موجبا لعدم جواز استعمال أحدهما فى موضع الآخر، و ان اتفقا فيما له الوضع،

____________

(هو حالة لغيره)

و يكشف عن هذا الداعي اختلاف الاستعمال مع وضوح وحدة المعنى، اذ كما يفهم الابتداء من لفظ الابتداء يفهم من لفظة من و لو كانت مجردة، و انكاره مكابرة، و الرواية (1) المروية لا تدل على أزيد من الاختلاف، و هو كما يحصل بما ذكروه يحصل بما ذكرنا.

نعم كون الاختلاف بينهما ناشئا من اختلاف الداعي أو بشرط الواضع أو بإنشاء جديد منه أو لغلبة الاستعمال غير معلوم، و ان كان ظاهر عبارة المصنف مشعرا بالاول‏

(كما مرت الاشارة اليه غير مرة)

و بالنتيجة

(فالاختلاف بين)

معنى‏

(الاسم و)

معنى‏

(الحرف)

في اختلاف الداعي‏

(في الوضع يكون موجبا لعدم جواز استعمال أحدهما في موضع الآخر)

بل قد يستعمل كما في «ألام على لوّ»

ألام على لو و ان كنت عالما

باذناب لو لم تفتنى أوائله‏

(2) و في «ليت يقولها المحزون»

ليت شعرى مسافر بن أبى‏

عمرو و ليت يقولها المحزون‏

(3) و نحوهما، و لا داعي الى ما تكلفه النحاة من التوجيهات، و على تقدير التسليم فهو لاختلاف الداعي‏

(و ان اتفقا فيما له الوضع)

أي في المعنى الموضوع له.

____________

(1) هى ما رواها الزجاجى فى اماليه مسندا عن أمير المؤمنين (عليه السلام) انه قال:

الاسم ما انبأ عن المسمى، و الفعل ما انبأ عن حركة المسمى، و الحرف ما أنبأ عن معنى ليس باسم و لا فعل.

(2) بعض من بيت و تمامه:

ألام على لو و ان كنت عالما* * * باذناب لو لم تفتنى أوائله‏

(3) بعض من بيت قاله أبو طالب بن عبد المطلب و تمامه:

ليت شعرى مسافر بن أبى‏* * * عمرو و ليت يقولها المحزون‏

52

و قد عرفت بما لا مزيد عليه ان نحو ارادة المعنى لا يكاد يمكن أن يكون من خصوصياته و مقوماته، ثم لا يبعد أن يكون الاختلاف فى الخبر و الانشاء أيضا كذلك،

____________

(و قد عرفت بما لا مزيد عليه ان نحو ارادة المعنى)

و كونه استقلاليا أو آليا

(لا يكاد يمكن أن يكون من خصوصياته و مقوماته)

المأخوذة فيه. فلا اختلاف بين المعنى الحرفي و الاسمي من حيث أخذ اللحاظ، كما لا اختلاف بينهما من حيث الوضع كما تقدم.

«الخبر و الانشاء»

(ثم)

لا يخفى ان الجمل على ثلاثة أقسام:

الاول: الجمل الخبرية التي لا يمكن استعمالها في الانشاء نحو ضرب زيد عمروا، و زيد قائم.

الثاني: الجمل الانشائية التي لا يمكن استعمالها في الخبر، نحو اضرب زيدا و ليت زيدا قائم.

الثالث: الجمل التي تستعمل تارة في الانشاء و تارة في الخبر، نحو أيده اللّه، و بعت، و أنكحت، و نحوها.

أما الاولان فلا خلاف في تغايرهما، لبداهة عدم استعمال أحدهما في مقام الآخر نعم‏

(لا يبعد أن يكون الاختلاف في)

القسم الثالث بين‏

(الخبر و الانشاء)

بالقصد، و بينهما اشتراك معنوي و الجامع هو نسبة المحمول الى الموضوع، كنسبة البيع الى المتكلم في بعت، و عليه فالاختلاف بينهما مثل اختلاف الاسم و الحرف‏

(أيضا)

كما ان الجامع بينهما

(كذلك)

و قد ذهب الى هذا المعنى‏

53

فيكون الخبر موضوعا ليستعمل فى حكاية ثبوت معناه فى موطنه، و الانشاء ليستعمل فى قصد تحققه و ثبوته و ان اتفقا فيما استعملا فيه فتأمل. ثم انه‏

____________

جماعة من شراح البيان و على هذا

(فيكون الخبر موضوعا)

لمعنى نسبة المحمول الى الموضوع لكن‏

(ليستعمل في حكاية ثبوت معناه في موطنه)

ماضيا أو مستقبلا أو حالا خارجا أو ذهنا

(و)

يكون‏

(الانشاء)

موضوعا لذلك المعنى بعينه لكن‏

(ليستعمل في قصد تحققه)

و وجوده‏

(و ثبوته)

بنفس هذا الاستعمال فاختلفا من هذه الحيثية

(و ان اتفقا فيما)

وضعا له و

(استعملا فيه)

كما لا يخفى‏

(فتأمل)

حتى لا يرد انه يجب الاتفاق بينهما في المعنى و لم قال المصنف لا يبعد؟

(ثم)

ان هنا كلاما له مسيس بما نحن فيه لا يخلو عن فائدة، و هو

(انه)

قد اشتهر فيما بين القوم ان الخبر هو المحتمل للصدق و الكذب و الانشاء لا يحتملهما، و فيه اشكال مشهور أورده التفتازاني في المطول و أجاب عنه بما لا يغنى.

و لقد أجاد بعض الاعلام في الافصاح عنهما، و هذه عبارته تقريبا: قد ظن بعض ان بعض الانشاءات توصف بالصدق و الكذب، كما لو استفهم شخص عن شي‏ء يعلمه، أو سأل الغني سؤال الفقير، أو تمنى انسان شيئا هو واجد له، فان هؤلاء نرميهم بالكذب، و في عين الوقت نقول للمستفهم الجاهل و السائل الفقير و المتمنى الفاقد اليائس انهم صادقون، و من المعلوم ان الاستفهام و الطلب بالسؤال و التمني من أقسام الانشاء، و لكنا اذا دققنا هذه الامثلة و أشباهها يرتفع هذا الظن، لاننا نجد ان الاستفهام الحقيقي لا يكون إلّا عن جهل، و السؤال‏

54

قد انقدح مما حققناه أنه يمكن أن يقال: ان المستعمل فيه فى مثل أسماء الاشارة و الضمائر أيضا عام و ان تشخصه انما نشأ من قبل طور استعمالها، حيث ان أسماء الاشارة وضعت ليشار بها الى معانيها، و كذا بعض الضمائر و بعضها ليخاطب بها المعنى، و الاشارة

____________

لا يكون إلّا عن حاجة، و التمني لا يكون إلّا عن فقدان و يأس، فهذه الانشاءات تدل بالدلالة الالتزامية على الاخبار عن الجهل أو الحاجة أو اليأس، فيكون الخبر المدلول عليه بالالتزام هو الموصوف بالصدق أو الكذب لا ذات الانشاء

أقول: و يشهد لما ذكره انهم يقولون للغني المستعطي «يكذب لان له مالا» فيعلّلون كذبه بوجدانه المال، فالتكذيب يرجع اليه لا الى الانشاء و هكذا غيره.

و

(قد انقدح مما حققناه)

من عدم الفرق بين الاسم و بين الحرف و أخواته في الموضوع له‏

(انه يمكن أن يقال: ان المستعمل فيه في مثل أسماء الاشارة و الضمائر)

و سائر المبهمات‏

(أيضا عام)

كما كان الموضوع له عاما

(و ان تشخصه)

الذي يشاهد حين الاستعمال‏

(انما نشأ من قبل طور استعمالها)

من دون كونه جزء الموضوع له أو المستعمل فيه.

و الحاصل: ان اللفظ وضع لمعنى عام، و استعمل في ذلك المعنى العام أيضا و التشخص انما يفهم من دال آخر. بيان ذلك:

(حيث ان أسماء الاشارة)

مثلا

(وضعت ليشار بها الى معانيها)

الكلية، كما وضع «هذا» لان يشار به الى المفرد المذكر

(و كذا)

وضع‏

(بعض الضمائر)

- كضمائر الغائب- ليشار بها الى العين الغائبة السابقة ذكرها

(و بعضها)

الآخر- كضمائر المخاطب- وضع‏

(ليخاطب بها المعنى)

المراد و بعضها الثالث ليتكلم بها

(و الاشارة)