الوصول إلى كفاية الأصول‏ - ج2

- السيد محمد الحسيني الشيرازي المزيد...
512 /
5

-

6

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

[تقديم‏]

الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على محمد و آله الطاهرين، و لعنة اللّه على أعدائهم الى قيام يوم الدين.

و بعد: فهذا الجزء الثاني من (الوصول) في شرح كفاية الاصول للمحقق آية اللّه الخراساني ((قدس سره)) كتبته للايضاح، و اللّه اسأل التوفيق و التمام و الثواب، انه ولي ذلك، و هو المستعان.

كربلاء المقدسة محمد بن المهدى‏

7

[تتمة المقصد الاول في الاوامر]

[فصل فى مقدمة الواجب‏]

فصل فى مقدمة الواجب و قبل الخوض فى المقصود ينبغى رسم أمور:

[الأمر الاول: الملازمة بين وجوب الشى‏ء و وجوب مقدمته‏]

(الاول) الظاهر ان المهم المبحوث عنه فى هذه المسألة البحث عن الملازمة بين وجوب الشى‏ء و وجوب مقدمته، فتكون مسألة أصولية، لا عن نفس وجوبها-

____________

«فصل فى مقدمة الواجب»

(و قبل الخوض في المقصود ينبغي رسم أمور)

الامر

(الاول)

في كون هذه المسألة أصولية أم لا، و على كل فهل هي عقلية أو لفظية فنقول:

(الظاهر ان المهم)

للاصولي‏

(المبحوث عنه في هذه المسألة البحث عن الملازمة بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدمته)

و هذه الجهة تقع في طريق الاستنباط، فيقال بعد ثبوت الوجوب: هذه مقدمة، و كل مقدمة تجب للملازمة بين وجوبها و وجوب ذيها مثلا

(فتكون مسألة أصولية)

لما تقدم من أن المسألة الاصولية ما تقع نتيجتها في طريق استنباط الحكم الشرعي، و

(لا)

يكون البحث في هذه المسألة

(عن نفس وجوبها)

أي وجوب المقدمة- بأن‏

8

كما هو المتوهم من بعض العناوين- كى تكون فرعية، و ذلك لوضوح أن البحث كذلك لا يناسب الاصولى، و الاستطراد لا وجه له بعد امكان أن يكون البحث على وجه تكون من المسائل الاصولية.

ثم الظاهر أيضا ان المسألة عقلية،

____________

يكون البحث في ان المقدمة واجبة أم لا-

(كما هو المتوهم من بعض العناوين)

من جعل مدار البحث وجوب المقدمة

(كي تكون)

مسألة

(فرعية)

و لا تكون مربوطة بعلم الاصول.

و ان شئت قلت: ان المسألة الفقهية موضوعها فعل المكلف، فلو كان البحث عن الوجوب كانت مسألة فقهية، بخلاف ما لو كان البحث عن الملازمة فان الملازمة ليست من عوارض فعل المكلف كما لا يخفى.

(و)

انما جعلنا البحث في‏

(ذلك)

التلازم دون الوجوب‏

(لوضوح أن البحث كذلك)

أي عن الوجوب الذي يجعل المسألة فقهية

(لا يناسب الاصولي)

اذ الاصولي محط نظره تنقيح مسائله دون مسائل الفقه.

(و)

ان قلت: يمكن جعل البحث في وجوب المقدمة و يكون ذكره في الاصول لاجل‏

(الاستطراد)

.

قلت: ذلك مما

(لا وجه له بعد امكان ان يكون البحث على وجه تكون من المسائل الاصولية)

اذ الاستطراد خلاف الاصل.

هذا تمام الكلام في بيان الجهة الاولي‏

(ثم الظاهر أيضا)

كظهور كون المسألة أصولية

(ان المسألة عقلية)

و ان العقل يحكم بالملازمة بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدماته و لو ثبت الوجوب بالاجماع و نحوه مما ليس بلفظ.

9

و الكلام فى استقلال العقل بالملازمة و عدمه، لا لفظية- كما ربما يظهر من صاحب المعالم- حيث استدل على النفى بانتفاء الدلالات الثلاث، مضافا الى أنه ذكرها فى مباحث الالفاظ، ضرورة أنه اذا كان نفس الملازمة بين وجوب الشى‏ء و وجوب مقدمته ثبوتا محل الاشكال‏

____________

(و)

الحاصل: ان‏

(الكلام في استقلال العقل بالملازمة و عدمه، لا)

ان المسألة

(لفظية)

و ان اللفظ الدال على وجوب الشي‏ء دال على وجوب مقدماته.

(كما ربما يظهر)

كون المسألة لفظية

(من صاحب المعالم)

و ان لم يكن كلامه صريحا في ذلك، وجه الظهور

(حيث استدل على النفي)

أي نفي وجوب المقدمة

(بانتفاء الدلالات الثلاث)

المطابقة و التضمن و الالتزام.

(مضافا الى انه ذكرها في مباحث الالفاظ)

و وجه عدم صراحة كلامه في كون المسألة لفظية احتمال ان يكون الاستدلال المذكور جزءا للدليل، بمعنى انه دليل لعدم دلالة اللفظ و يحتاج الى دليل آخر لعدم دلالة العقل.

و أما الذكر في مباحث الالفاظ فانما يكون تبعا للقوم فلا يدل على شي‏ء، كما ان المصنف «(رحمه اللّه)» ذكرها في مبحث الالفاظ. مضافا الى ان المعالم ليس مبوبا فباب للالفاظ و باب للادلة العقلية كما لا يخفى.

(ضرورة أنه)

تعليل لقوله «ثم الظاهر أيضا» و حاصل الدليل: ان وضع اللفظ للمعنى فرع ثبوت المعنى في الخارج، فاذا أردنا أن نثبت كون اللفظ موضوعا للملازمة بالمطابقة أو التضمن أو الالتزام فلا بد من ثبوت الملازمة في الخارج أولا حتى ينازع في ان اللفظ موضوع لها أم لا، و

(اذا كان نفس الملازمة بين وجوب الشي‏ء و وجوب مقدمته ثبوتا محل الاشكال)

بأن لم يتحقق بعد الملازمة

10

فلا مجال لتحرير النزاع فى الاثبات و الدلالة عليها باحدى الدلالات الثلاث كما لا يخفى.

[الامر الثانى أقسام المقدمة]

(الامر الثانى) انه ربما

____________

(فلا مجال لتحرير النزاع في الاثبات و)

البحث في أنه هل للفظ الامر

(الدلالة عليها)

أي على الملازمة

(باحدى الدلالات الثلاث)

أم لا

(كما لا يخفى)

.

و قد أورد عليه المشكيني «(رحمه اللّه)» بما لفظه: و فيه أولا: ان امكان المعنى لا يشترط في الوضع فضلا عن تحققه الخارجي، لما ترى من حصول الوضع للممتنعات و ثانيا: ان المقام ليس من قبيل تعيين الموضوع له، بل من قبيل تعيين المدلول الالتزامي، و يمكن تحقق الدلالة الالتزامية مع عدم الملازمة ثبوتا كما في موارد الملازمة العرفية- (1) انتهى.

ثم لا يذهب عليك ان الفرق بين دلالة الالتزام اللفظي و بين اللزوم العقلي- المدعى كونه محل النزاع- ما ذكره بعض الاعلام من ان الدلالة الالتزامية يعتبر فيها اما اللزوم العرفي أو العقلي البين بالمعنى الاخص، بحيث يلزم من تصور الملزوم تصور اللازم، و اللزوم العقلي في كلام المصنف أعم من ذلك و من البين بالمعنى الاعم و هو ما يجب معه الحكم باللزوم عند تصور الطرفين، و من غير البين و هو ما لا يكون كذلك.

«أقسام المقدمة»

(الامر الثاني)

من الامور المذكورة قبل الخوض في المقصود

(انه ربما)

____________

(1) حاشية المشكينى على الكفاية ج 1 ص 139.

11

تقسم المقدمة الى تقسيمات:

[المقدمة الداخلية و الخارجية]

منها تقسيمها الى الداخلية و هى الاجزاء المأخوذة فى الماهية المأمور بها، و الخارجية و هى الامور الخارجة عن ماهيته مما لا يكاد يوجد بدونه، و ربما يشكل فى كون الاجزاء مقدمة له و سابقة عليه بأن المركب ليس إلّا نفس الاجزاء بأسرها،

____________

(تقسم المقدمة الى تقسيمات)

عديدة باعتبارات شتى.

و لا يخفى ان المقدمة مأخوذة من مقدمة الجيش للجماعة المتقدمة، و يصح فيها كسر الدال اذا كانت من قدم بمعنى تقدم و فتحها اذا كانت من قدم المتعدي، و تاؤها للمح الاصل لانها صفة للجماعة و على كل حال فالمقدمة التي هي مصب التقسيمات المذكورة عبارة عن مطلق ما يتوقف عليه الشي‏ء.

«المقدمة الداخلية و الخارجية»

(منها: تقسيمها الى)

المقدمة

(الداخلية و هي الاجزاء المأخوذة في الماهية المأمور بها)

كالركوع و السجود بالنسبة الى الصلاة

(و)

الى المقدمة

(الخارجية و هي الامور الخارجة عن ماهيته)

مع ارتباط لتلك الامور بالماهية

(مما لا يكاد يوجد بدونه)

أي من الامور التي لا يكاد يوجد المأمور به بدون تلك الامور، و ذلك كالطهارة بالنسبة الى الصلاة، و كذا غيرها من سائر الشروط و المقتضيات و المعدات و نحوها.

(و ربما يشكل)

على ما حكى عن الشيخ محمد تقي صاحب الحاشية

(في كون الاجزاء مقدمه)

داخلية

(له)

أي للمأمور به‏

(و)

كونها

(سابقة عليه)

في الوجود الذهني و الخارجي كما هو شأن المقدمة

(بأن المركب ليس إلّا نفس الاجزاء بأسرها)

و تمامها، فيلزم من كون الاجزاء مقدمة للكل تقدم الشي‏ء

12

و الحل ان المقدمة هى نفس الاجزاء بالاسر، و ذو المقدمة هو الاجزاء بشرط الاجتماع، فيحصل المغايرة بينهما. و بذلك ظهر أنه لا بد فى اعتبار الجزئية أخذ الشى‏ء بلا شرط، كما لا بد فى اعتبار الكلية من اعتبار اشتراط الاجتماع،

____________

على نفسه.

بيانه: ان الاجزاء بما هي مقدمة يلزم تقدمها على ذيها، و بما هي نفس ذي المقدمة يلزم تأخرها فيلزم أن يكون الشي‏ء الواحد في حالة واحدة متقدما و متأخرا.

و ان شئت قلت: ان الاجزاء لما كانت نفس المركب لم يكن اثنينية بينها و بين المركب، و من البديهي لزوم الاثنينية بين المقدمة و ذيها.

(و الحل)

للاشكال‏

(ان المقدمة هي نفس الاجزاء بالاسر)

بمعنى لحاظها لا بشرط الانفراد و لا بشرط الاجتماع، اذ شرط الانفراد يخرجها عن المقدمة و شرط الاجتماع موجب لكونها عين الكل فلا تكون مقدمة أيضا،

(و ذو المقدمة هو الاجزاء بشرط الاجتماع)

و بشطر الاجتماع حتى يكون الاجتماع جزءا.

و على كل حال‏

(فيحصل المغايرة بينهما)

أي بين الاجزاء و الكل و يوجب تقدم الجزء على الكل، اذ الاجزاء لا بشرط الاجتماع مغاير مع الاجزاء بشرط الاجتماع و مقدم عليه.

(و بذلك)

الذي ذكرنا في وجه التغاير بين المقدمة الداخلية و ذيها

(ظهر انه لا بد في اعتبار الجزئية اخذ الشي‏ء بلا شرط، كما لا بد في اعتبار الكلية من اعتبار اشتراط الاجتماع)

و انضمام بعض الاجزاء الى بعض.

وجه الظهور: ان المقدمة الداخلية هى الاجزاء، و حيث تبين الفرق بين المقدمة الداخلية و الكلية ظهر الفرق بين الجزء و الكل، و بظهور الفرق بينهما ظهر

13

و كون الاجزاء الخارجية كالهيولى و الصورة هى الماهية المأخوذة بشرط لا لا ينافى ذلك، فانه انما يكون فى مقام الفرق بين نفس الاجزاء الخارجية و التحليلية من الجنس و الفصل، و ان الماهية اذا أخذت بشرط لا تكون هيولى أو صورة، و اذا أخذت لا بشرط تكون جنسا أو فصلا، لا باضافة الى المركب-

____________

خاصية كل منهما اجمالا.

(و)

ان قلت ذكر أهل المعقول ان الاجزاء الخارجية مأخوذة بشرط لا، و هذا ينافي ما ذكرتم من ان الجزء مأخوذ لا بشرط.

قلت:

(كون الاجزاء الخارجية كالهيولى)

و هى محل الصورة النوعية

(و الصورة)

التي هي حالة في الهيولى‏

(هي الماهية المأخوذة بشرط لا)

على ما يقوله أهل المعقول‏

(لا ينافي ذلك)

الذي ذكرناه- اعنى كون الجزء لا بشرط- فان جعلهم الجزء بشرط لا في مقام، و جعلنا الجزء لا بشرط في مقام آخر

(فانه)

أي جعلهم الجزء بشرط لا

(انما يكون في مقام الفرق بين نفس الاجزاء الخارجية)

من الهيولى و الصورة

(و)

بين الاجزاء

(التحليلة من الجنس و الفصل، و)

مقصودهم‏

(ان الماهية اذا أخذت بشرط لا تكون هيولى أو صورة و)

ذلك في قبال ما

(اذا أخذت لا بشرط)

التى‏

(تكون)

حينئذ

(جنسا أو فصلا)

فالجزء الخارجي بشرط لا الاعتبارى، و الجزء الداخلى لا بشرط الاعتباري‏

(لا باضافة الى المركب)

عطف على قوله: «انما يكون في مقام الفرق» الخ، يعنى ان جعلنا الجزء لا بشرط في مقام الفرق بين الكل و الجزء فلا تنافي بين جعلهم و جعلنا، اذ التنافي انما يحصل اذا كان قولهم بشرط لا و قولنا لا بشرط بالنسبة الى شي‏ء واحد.

مثلا: كون الصلاة بالنسبة الى الوضوء بشرط شي‏ء لا ينافي كون قراءة القرآن‏

14

فافهم.

[خروج الاجزاء عن المتنازع فيه‏]

ثم لا يخفى أنه ينبغى خروج الاجزاء عن محل النزاع كما صرح به بعض، و ذلك لما عرفت من كون الاجزاء بالاسر عين المأمور به ذاتا و انما كانت المغايرة بينهما اعتبارا،

____________

بالنسبة اليه لا بشرط، و انما تقع المنافاة لو كان فعل الصلاة بالنسبة الى الوضوء عند شخص لا بشرط و عند آخر بشرط لا كما لا يخفى. فالجزء لا بشرط بالنسبة الى الكل كما نقوله، و الجزء الخارجي بشرط لا بالنسبة الى الجزء الداخلى كما يقولونه و قد تقدم ما يفيد المقام فى التنبيه الثانى من مبحث المشتق فراجع.

(فافهم)

يمكن أن يكون اشارة الى ان أخذ أهل المعقول الجزء بشرط لا- حتى بالنسبة الى الكل- كما نسب الى ظاهرهم بل صريحهم، و من البديهي ان كون الجزء بشرط لا بالنسبة الى الكل كما يقولون ينافى كون الجزء لا بشرط بالنسبة الى الكل كما نقول، و العلامة الرشتي ذكر عند قوله «لا بالإضافة الى المركب» ما يوضح الفرق بين المادة و الجنس فراجع.

«خروج الاجزاء عن المتنازع فيه»

(ثم لا يخفى انه ينبغي خروج الاجزاء عن محل النزاع)

فى وجوب المقدمة و عدمه‏

(كما صرح به)

أي بالخروج‏

(بعض)

الاعلام، فلا يقع النزاع فى وجوب الاجزاء بالوجوب المقدمى الغيري، بل الاجزاء واجبة بالوجوب النفسى فقط

(و ذلك)

أي وجه خروج الاجزاء عن محل النزاع‏

(لما عرفت من كون الاجزاء بالاسر عين المأمور به ذاتا)

فذات الكل هي ذات الجزء

(و انما كانت المغايرة بينهما اعتبارا)

فقيد الاجتماع و الانضمام مأخوذ في الكل دون الجزء

15

فتكون واجبة بعين وجوبه و مبعوثا اليها بنفس الامر الباعث اليه، فلا تكاد تكون واجبة بوجوب آخر لامتناع اجتماع المثلين، و لو قيل بكفاية تعدد الجهة و جواز اجتماع الامر و النهى معه.

لعدم تعددها هاهنا، لان الواجب بالوجوب الغيرى لو كان انما هو نفس الاجزاء لا عنوان مقدميتها

____________

و على هذا

(فتكون)

الاجزاء

(واجبة بعين وجوبه)

أي وجوب الكل‏

(و)

تكون‏

(مبعوثا اليها بنفس الامر الباعث اليه)

لكونهما شيئا واحدا كما هو المفروض، و اذا كانت الاجزاء واجبة بالوجوب النفسى المتوجه الى الكل‏

(فلا تكاد تكون)

الاجزاء

(واجبة بوجوب آخر)

غيري مقدمي‏

(لامتناع اجتماع المثلين)

- أعني اجتماع الوجوب النفسى و الغيري فى الجزء-.

(و)

ان قلت: لا مانع من اجتماع المثلين‏

(لو قيل بكفاية تعدد الجهة و جواز اجتماع الامر و النهي معه)

أي مع تعدد الجهة، فاجتماع المثلين كاجتماع الامر و النهي، فمن يقول بجواز اجتماعهما فى ظرف تعدد الجهة جاز له أن يقول بجواز اجتماع الوجهين أيضا فيما اذا تعددت الجهة، و حيث ان فى الجزء تعدد الجهات من كونه مقدمة للكل و كون الكل منطبقا عليه أمكن القول بوجوبه الغيري و النفسى.

قلت: لا يفيد هذا فيما نحن فيه و لو قلنا بجواز الاجتماع مع تعدد الجهة

(لعدم تعددها)

أي الجهة

(هاهنا)

فى الجزء

(لان الواجب بالوجوب الغيري لو كان)

فمصبه‏

(انما هو نفس الاجزاء لا عنوان مقدميتها)

فان المقدمية علّة للوجوب لا ان الوجوب منصب على المقدمة، و من البديهى ان الوجوب النفسى أيضا مصبه نفس الجزء، فلم يتعدد محل الوجوب و جهته المصحح للاجتماع.

16

و التوسل بها الى المركب المأمور به، ضرورة ان الواجب بهذا الوجوب ما كان بالحمل الشائع مقدمة لانه المتوقف عليه لا عنوانها.

نعم يكون هذا العنوان علة لترشح الوجوب على المعنون.

____________

(و)

الحاصل: انه كما ان الواجب بالوجوب النفسى نفس الجزء كذلك الواجب بالوجوب الغيري، و ليس الواجب بالوجوب الغيري عنوان‏

(التوسل بها الى المركب المأمور به)

كما توهم‏

(ضرورة أن الواجب بهذا الوجوب)

الغيري‏

(ما كان)

أي الشي‏ء الذي كان‏

(بالحمل الشائع مقدمة لانه المتوقف عليه)

الواجب النفسى و هو نفس المقدمة

(لا عنوانها)

كي يتعدد جهة الوجوب.

(نعم يكون هذا العنوان)

أي المقدمية

(علة لترشح الوجوب على المعنون)

لكنه غير مفيد لتعدد الجهة المصحح للاجتماع.

ان قلت: ما الفرق بين الجهتين اللتين في المقدمة و الجهتين اللتين فى الصلاة فى الدار المغصوبة، فكما ان على القول بالاجتماع يجتمع فى الصلاة الحرمة لكونها غصبا و الوجوب لكونها صلاة كذلك فليكن الجزء واجبا نفسيا لكونه جزءا و مقوما للكل و واجبا غيريا لكونه مقدمة داخلية، فقول المصنف «لعدم تعددها» هاهنا غير مستقيم.

قلت: الفرق هو ان الوجوب و الحرمة في مسألة الصلاة فى الدار المغصوبة منصبّان على هذين العنوانين، اذ الدليل انما دل على وجوب الصلاة و حرمة الغصب، لا انه دل على وجوب الكون لكونه صلاة و حرمة الكون لكونه غصبا حتى يقال: ان الكون واجب و حرام و الجهتان تعليليتان فتتحد الجهة، فلا يمكن اجتماع الامر و النهي لان الاجتماع شرطه- عند القائل به- تعددها، بخلاف مسألة المقدمة، فان المقدمية جهة تعليلية لا تقييدية، فمصب الوجوب ذات المقدمة

17

فانقدح بذلك فساد توهم اتصاف كل جزء من أجزاء الواجب بالوجوب النفسى و الغيرى باعتبارين: فباعتبار كونه فى ضمن الكل واجب نفسى، و باعتبار كونه مما يتوسل به الى الكل واجب غيرى.

____________

لا عنوان المقدمية.

(فانقدح بذلك)

الذي ذكرنا من امتناع اجتماع المثلين الوجوب النفسي و الوجوب الغيري- و لو قلنا بكفاية تعدد الجهة في الاجتماع-

(فساد توهم اتصاف كل جزء من أجزاء الواجب بالوجوب النفسي و)

الوجوب‏

(الغيري باعتبارين)

:

أما وجه كلامه من جعله كذلك فهو ما ذكره بقوله:

(فباعتبار كونه)

أى الجزء

(فى ضمن الكل واجب نفسي)

لتوجه الوجوب اليه و انصبابه عليه‏

(و باعتبار كونه مما يتوسل به الى الكل)

و يتوقف عليه الكل‏

(واجب غيري)

.

و أما وجه الفساد فلانه حيث لا يمكن أن يكون اعتبار المقدمية مصبا للوجوب الغيري- اذ الذات مقدمة و واجبة لا العنوان- فلا بد من أن يكون نفس الذات موردا للوجوب الغيري، و منه يلزم اجتماع المثلين الذي هو مستحيل.

ان قلت: أولا ان اجتماع المثلين ليس كاجتماع الضدين في الاستحالة.

و ثانيا ليس الوجوب النفسي مماثلا للوجوب الغيري حتى يلزم من اجتماعهما اجتماع المثلين. و ثالثا على فرض المماثلة فلا مانع لا مكان كون أحدهما تأكيدا للآخر.

قلت: اما استحالة اجتماع المثلين فهو من أوضح الواضحات، لبداهة انه لا يعقل أن يجتمع أمران مماثلان فى الصفات و الخصوصيات في محل واحد،

18

اللهم إلّا أن يريد ان فيه ملاك الوجوبين، و ان كان واجبا بوجوب واحد نفسى لسبقه-

____________

لانه يلزم منه اتحاد الوجودين و هو بديهي البطلان، اذ بعد الاجتماع- كأن كان ورق مثلا ملونا ببياضين في عرض واحد- ان بقى المثلان موجودين بوجودين كان خلفا لان الفرض اجتماعهما لا بقائهما على استقلالهما، و ان عدما كان لا شي‏ء فلا يصح القول باجتماعهما أيضا، و ان بقى أحدهما و عدم الآخر لم يكن اجتماع بل شي‏ء واحد كما لا يخفى.

و أمّا عدم المماثلة بين الوجوبين فباطل، اذ معنى الوجوب- و هو المرتبة الاكيدة من الطلب- موجود فيهما، غاية الامر ان فى ترك الوجوب النفسي عقابا دون ترك الوجوب الغيري، و ذلك لكون الغرض منهما واحدا فلا تعدد في العقاب.

و امّا امكان كون أحدهما تأكيدا للآخر فهو- و ان كان في نفسه صحيحا كما ربما يقال في صلاة الظهر بالنسبة الى العصر فانها واجبة لنفسها و مقدمة لصلاة العصر- إلّا أن في المقام محذورا آخر أشرنا اليه من لزوم التقدم و التأخر- فتدبر.

(اللهم إلّا أن يريد)

القائل بكون الجزء واجبا نفسيا و واجبا غيريا

(ان فيه ملاك الوجوبين)

لا وجوبين فعليين‏

(و ان كان)

الجزء فعلا

(واجبا بوجوب واحد نفسي)

من دون الوجوب الغيري، كما يقال: ان صلاة الجماعة مثلا فيها ملاك الاستحباب لا انها مستحبة فعلا بحيث يكون الآتي بها آتيا بالمستحب و انما قلنا بفعلية الوجوب النفسي‏

(لسبقه)

على الوجوب الغيري اذ الجزء لم يمكن فيه اجتماع الوجوبين فلا بد من أحد الوجوبين، و حيث ان الوجوب النفسي‏

19

فتأمل.

[المقدمة الخارجية]

هذا كله فى المقدمة الداخلية، و أما المقدمة الخارجية فهى ما كان خارجا عن المأمور به، و كان له دخل فى تحققه‏

____________

لا يتوقف على شي‏ء- بخلاف الوجوب الغيري فانه يتوقف على سبق وجوب- كان الجزء مصبا للوجوب النفسي.

و ان شئت قلت: حيث ان المترشح منه مقدم على المترشح عليه كان واجبا نفسيا، و اذا صار واجبا نفسيا امتنع فيه الوجوب الغيري، لاستحالة اجتماع المثلين كما تقدم‏

(فتأمل)

.

وجهه منع كون الجزء فيه ملاك الوجوب الغيري، لان المقدمية تتوقف على تعدد الوجود لها و لذيها، و حيث لا تعدد لا يكون ملاكان.

و قد أشار المصنف (ره) الى ما ذكرنا في وجه التأمل بقوله: «وجهه انه لا يكون فيه ملاك الوجوب الغيري حيث انه لا وجود له «أى للجزء» غير وجوده «أى غير وجود نفس الجزء الذي هو واجب نفسي» و بدونه «أى بدون تعدد الوجود» لا وجه لكونه «أى الجزء» مقدمة كي يجب «الجزء» بوجوبه «أى الوجوب الغيري» أصلا كما لا يخفى.

و بالجملة لا يكاد يجدي تعدد الاعتبار الموجب للمغايرة بين الاجزاء و الكل في هذا الباب و حصول ملاك الوجوب الغيري المترشح من وجوب ذي المقدمة عليها لو قيل بوجوبها- فافهم.

«المقدمة الخارجية»

(هذا)

الكلام‏

(كله في المقدمة الداخلية، و أما المقدمة الخارجية فهي ما كان خارجا عن)

حقيقة

(المأمور به و)

لكن‏

(كان له دخل في تحققه)

20

لا يكاد يتحقق بدونه، و قد ذكر لها أقسام و أطيل الكلام فى تحديدها، بالنقض و الابرام إلّا أنه غير مهم فى المقام.

____________

بحيث‏

(لا يكاد يتحقق بدونه)

فالتقيد داخل و القيد خارج‏

(و قد ذكر لها أقسام)

كالشرط و السبب و المعد و عدم المانع‏

(و أطيل الكلام فى تحديدها)

فقد عرف الشرط بأنه «ما يلزم من عدمه عدم المشروط و لا يلزم من وجوده وجوده» كالطهارة بالنسبة الى الصلاة فمع عدمها لا يمكن تحقق الصلاة أما مع وجودها لا يلزم وجود الصلاة كما لو تطهر و لم يصل.

و عرّف السبب بأنه «ما يلزم من وجوده الوجود و من عدمه العدم لذاته» كالصيغة بالنسبة الى العتق، فان مع وجود الصيغة يلزم وجود العتق و مع عدمها يلزم عدمه.

و قولنا في التعريف «لذاته» احتراز عن مقارنة وجود السبب عدم الشرط أو وجود المانع، فلا يلزم الوجود أو قيام سبب آخر حالة عدم الاول مقامه فلا يلزم العدم.

و عرّف المعدّ بأنه «ما يلزم من مجموع وجوده و عدمه الوجود» كالذهاب بالنسبة الى الكون في محل مخصوص فانّ ايجاد الخطوة و اعدامها موجب للوصول.

و عرّف المانع بأنه «ما يلزم من وجوده العدم و لا يلزم من عدمه الوجود» كاستدبار القبلة بالنسبة الى الصلاة فانه يلزم من وجوده عدم الصلاة و لا يلزم من عدمه وجودها.

و قد أطالوا

(بالنقض و الابرام)

في هذه التحديدات كما في التقريرات و غيره‏

(إلّا انه غير مهم فى المقام)

اذ التحديد لا ربط له بالوجوب و عدمه، و قد

21

[المقدمة العقلية و الشرعية و العادية]

(و منها) تقسيمها الى العقلية و الشرعية و العادية: فالعقلية هى ما استحيل واقعا وجود ذى المقدمة بدونه، و الشرعية- على ما قيل- ما استحيل وجوده بدونه شرعا و لكنه لا يخفى رجوع الشرعية الى العقلية، ضرورة انه لا يكاد يكون مستحيلا ذلك شرعا إلّا اذا أخذ فيه شرطا و قيدا،

____________

ذكر فى التقريرات بأن الموجب لهذا التفصيل بيان مراد المفصل بين السبب و غيره، يعني انه لا ربط له بالمقام في نفسه.

«المقدمة العقلية و الشرعية و العادية»

(و منها)

أي و من التقسيمات للمقدمة

(تقسيمها الى العقلية و الشرعية و العادية ف)

المقدمة

(العقلية هي ما استحيل واقعا)

تكوينا

(وجود ذي المقدمة بدونه)

أي بدون وجود المقدمة، و مثّل لها فى القوانين بالنظر المحصل للعلم الواجب.

و لا يذهب عليك ان الاستحالة أعم من الاستحالة العقلية كاجتماع النقيضين و الاستحالة الوقوعية كالطيران الى السماء.

(و)

المقدمة

(الشرعية- على ما قيل-)

هي‏

(ما استحيل وجوده)

أي وجود ذي المقدمة

(بدونه)

أي بدون وجود المقدمة

(شرعا)

كالطهارة بالنسبة الى الصلاة التي يستحيل وجودها بدونها

(و لكنه لا يخفى رجوع)

المقدمة

(الشرعية الى)

المقدمة

(العقلية ضرورة انه لا يكاد يكون مستحيلا ذلك شرعا)

أي وجود ذي المقدمة بدون مقدمته الشرعية

(إلّا اذا أخذ)

وجود المقدمة

(فيه)

أي في وجود ذي المقدمة

(شرطا و قيدا)

بحيث كان وجود الواجب‏

22

و استحالة المشروط و المقيد بدون شرطه و قيده يكون عقليا، و أما العادية

____________

مشروطا و مقيدا بها

(و)

اذا كان الواجب مقيدا اتضح رجوع الشرعية الى العقلية لان‏

(استحالة المشروط و المقيد بدون شرطه و قيده يكون عقليا)

، فلو توقفت الصلاة فى الشريعة على الطهارة حكم العقل بتوقّف الصلاة عليها مثلما يحكم بتوقف الصعود على نصب السلم نهايته ان الارتباط بين الصعود و نصب السلم مما لا يحتاج الى جعل شرعي، بخلاف الارتباط بين الصلاة و الطهارة فانه يحتاج الى جعل شرعي، و كأن النزاع لفظي فمن يفرق بين المقدمة العقلية و الشرعية يرى أصل الارتباط و انه تارة تكويني و اخرى جعلي و من لا يفرق بينهما يرى بعد الارتباط. هذا كله في المقدمة العقلية و الشرعية.

(و أما)

المقدمة

(العادية)

فتنقسم الى ثلاثة أقسام:

«الاول» أن يكون التوقف على الجامع عادة لا عقلا كتوقف الكون فى محل بعيد على ركوب الحمار، فان التوقّف على الجامع بين الحمار و غيره- أعني مركوب ما- عادي، اذ يمكن الذهاب بالرجل.

«الثاني» أن يكون التوقف على الخصوصية عادة و على الجامع عقلا، كتوقف الكون في محل بعيد وراء البحر على الركوب فى سفينة خاصة، فان خصوصية الركوب فى سفينة كذا عادي، و أما الجامع- أعني طي المسافة و لو فى سفينة اخرى- عقلي.

«الثالث» أن يكون التوقف على الفرد عقلا كنصب السلّم و نحوه للصعود على السطح، فهذا و ان كان عقليا فهو عادي أيضا.

و الحاصل: ان التوقف على الفرد اما عقلي و اما عادي. و على التقدير الثاني‏

23

فان كانت بمعنى أن يكون التوقف عليها بحسب العادة بحيث يمكن تحقق ذيها بدونها إلّا أن العادة جرت على الاتيان به بواسطتها فهى و ان- كانت غير راجعة الى العقلية- إلّا انه لا ينبغى توهم دخولها فى محل النزاع، و ان كانت بمعنى ان التوقف عليها- و ان كان فعلا واقعيا كنصب السلم و نحوه للصعود على السطح-

____________

فالتوقف على الجامع اما عقلي و اما عادي، فالاول كنصب السلّم فجامعه الاعم من الطيران و الصعود، و الثاني كالحركة مع هذه السفينة و الجامع هو العبور مع مطلق السفن، و الثالث هو السير مع الحمار و الجامع هو السير مع مطلق المركوب- فتدبر.

اذا عرفت الاقسام فنقول:

(فان كانت)

المقدمة العادية المعدة فى أقسام المقدمة من القسمين الاولين‏

(بمعنى أن يكون التوقف عليها)

جامعا أو فردا

(بحسب العادة بحيث يمكن تحقق ذيها بدونها)

كعدم التوقف على الجامع فى الاول و على الفرد فى الثانى‏

(إلّا ان العادة جرت على الاتيان به)

أي بذي المقدمة

(بواسطتها)

كالاتيان بواسطة جامع الركوب في القسم الاول و خصوصية الركوب فى الثانى‏

(فهي)

جواب ان‏

(و ان كانت)

هذه المقدمة العادية

(غير راجعة الى العقلية)

لعدم التوقف على الجامع فى الاول و على الخصوصية فى الثانى‏

(إلّا انه لا ينبغي توهم دخولها)

أي دخول هذه المقدمة العادية المنقسمة الى القسمين الاولين‏

(فى محل النزاع)

لعدم وجوبها قطعا

(و ان كانت)

المقدمة العادية القسم الثالث‏

(بمعنى ان التوقف عليها و ان كان فعلا)

فى ظرف عدم القدرة على غيرها

(واقعيا)

بحيث لا يتحقق ذوها بدونها

(كنصب السلّم و نحوه للصعود على السطح)

.

24

إلّا انه لاجل عدم التمكن عادة من الطيران الممكن عقلا فهى ايضا راجعة الى العقلية، ضرورة استحالة الصعود بدون مثل النصب عقلا لغير الطائر فعلا و ان كان طيرانه ممكنا ذاتا- فافهم.

[مقدمة الوجود و الصحة و الوجوب و العلم‏]

(و منها) تقسيمها الى مقدمة الوجود

____________

اذ النصب فى ظرف العجز عن الطيران واقعى عادي‏

(إلّا انه)

أي التوقف فعلا

(لاجل عدم التمكن عادة من الطيران الممكن عقلا)

بالجناح و نحوه‏

(فهي أيضا راجعة الى العقلية)

لكن على نحو الاستحالة الوقوعية لا الاستحالة العقلية كما تقدم‏

(ضرورة استحالة الصعود بدون مثل النصب عقلا لغير الطائر فعلا)

فى ظرف عدم امكان الطيران‏

(و ان كان طيرانه ممكنا ذاتا)

و ليس من قبيل اجتماع النقيضين و نحوه من المستحيلات الذاتية-

(فافهم)

يمكن أن يكون اشارة الى أن الفرق بين المقدمة العقلية و العادية هو ان العقلية يستحيل ذاتا وجود ذيها بدونها، و العادية ما يستحيل عادة مع الامكان ذاتا، فالنزاع بين المصنف الملحق للمقدمة العادية بالعقلية و بين غيره لفظي.

و يمكن ان نتحصل من جميع هذا المبحث ان المقدمة الشرعية ما كان الارتباط شرعيا و العقلية ما كان التوقف عقلا بحيث لا يمكن خلافه كاجتماع النقيضين، و العادية ما كان التوقف عقلا بحيث يمكن خلافه امكانا و لكن لا وقوع له- فتدبر جيدا.

«مقدمة الوجود و الصحة و الوجوب و العلم»

(و منها)

أي و من التقسيمات للمقدمة

(تقسيمها الى مقدمة الوجود)

25

و مقدمة الصحة و مقدمة الوجوب و مقدمة العلم. لا يخفى رجوع مقدمة الصحة الى مقدمة الوجود- و لو على القول بكون الاسامى موضوعة للاعم- ضرورة ان الكلام فى مقدمة الواجب لا فى مقدمة المسمى بأحدها كما لا يخفى.

____________

و هي التي يتوقف عليها وجود الواجب كنصب السلّم بالنسبة الى الكون في السطح‏

(و مقدمة الصحة)

و هي التي يتوقف عليها صحة الواجب كالطهارة للصلاة على القول بأن العبادات اسامي للاعم. فان ذات الصلاة على هذا القول لا تتوقف على الطهارة و انما صحتها متوقفة عليها.

(و مقدمة الوجوب)

و هي التي يتوقف عليها وجوب الشي‏ء كالنصاب بالنسبة الى الزكاة

(و مقدمة العلم)

و هي التي يتوقف عليها العلم بوجود الواجب كتوقف العلم بالاتيان بالصلاة الى القبلة عند اشتباهها على الاتيان بأكثر من صلاة واحدة.

و

(لا يخفى رجوع مقدمة الصحة الى مقدمة الوجود و لو على القول بكون الاسامي موضوعة للاعم)

من الصحيح و الفاسد: أما على القول بكون الاسامي موضوعة للصحيح فقط فواضح، اذ لا وجود للماهية الا و هي صحيحة، فالطهارة التي هي مقدمة ان تحققت تحققت الصحة و الوجود و ان لم تتحقق لم تكن صحة و لا وجود، فمقدمة الصحة على القول بالصحيح مقدمة للوجود، فهما أمر واحد لا أمران، فلا معنى لجعل أحدهما في قبال الآخر. و أما على القول بكون الاسامى موضوعة للاعم فواضح أيضا

(ضرورة ان الكلام في مقدمة الواجب لا في مقدمة المسمى بأحدها)

أي أحد الاسامي‏

(كما لا يخفى)

.

و الحاصل: انه- و ان كانت الطهارة مقدمة للصحة و ليست مقدمة للوجود- لكن الكلام حيث كان فى مقدمة الواجب و ليس العمل بدون الطهارة واجبا لم‏

26

و لا اشكال فى خروج مقدمة الوجوب عن محل النزاع و بداهة عدم اتصافها بالوجوب من قبل الوجوب المشروط بها. و كذلك المقدمة العلمية و ان استقل العقل بوجوبها إلّا انه من باب وجوب الاطاعة ارشادا، ليؤمن من العقوبة على مخالفة الواجب المنجز لا مولويا

____________

يتحقق مورد الافتراق بأن تكون مقدمة للصحة دون الوجود، لتصادقها في الواجب دائما، و بهذا كله سقط مقدمة الصحة.

(و لا اشكال في خروج مقدمة الوجوب عن محل النزاع)

في مبحث مقدمة الواجب‏

(و)

ذلك‏

(بداهة عدم اتصافها)

أي مقدمة الوجوب كالنّصاب‏

(بالوجوب)

المقدمي المترشح‏

(من قبل الوجوب)

لذي المقدمة

(المشروط بها)

أي بهذه المقدمة.

و الحاصل: انه قبل حصول النصاب لا وجوب للزكاة حتى يترشح منه الوجوب على حصول النصاب، و بعد وجوب الزكاة فالنصاب حاصل لا يعقل وجوبه بعد حصوله. و بهذا كله سقط مقدمة الوجوب أيضا.

(و كذلك)

ليست‏

(المقدمة العلمية)

محلا للنزاع‏

(و ان استقل العقل بوجوبها إلّا انه)

فرق بين الوجوبين أي وجوب المقدمة الذي هو محل البحث و وجوب الاتيان باطراف العلم الاجمالى المسمى بالمقدمة العلمية، فان ملاك وجوبها غير ملاك وجوب المقدمة لان وجوب المقدمة العلمية

(من باب وجوب الاطاعة ارشادا)

فالعقل يرى الملازمة بين الوجوبين أي الوجوب الارشادي للاطاعة و الوجوب المقدمي فحكم الاطاعة عقلى، و حيث لا يتمكن من الاتيان على طبق هذا الوجوب العقلي يرى وجوب الاتيان بالاطراف‏

(ليؤمن من العقوبة على مخالفة الواجب المنجز لا مولويا)

عطف على «ارشادا» يعني ليس وجوب المقدمة

27

من باب الملازمة و ترشح الوجوب عليها من قبل وجوب ذى المقدمة.)

[تقسيم المقدمة الى المتقدم و المقارن و المتأخر]

(و منها) تقسيمها الى المتقدم و المقارن و المتأخر بحسب الوجود بالاضافة الى ذى المقدمة، و حيث انها كانت من أجزاء العلة و لا بد من تقدمها بجميع اجزائها على المعلول‏

____________

العلمية من باب انه مقدمة للوجوب المولوي‏

(من باب الملازمة)

بين الوجوب المولوي النفسي.

(و)

الوجوب الغيري فليس وجوبها من باب‏

(ترشح الوجوب عليها)

أي على المقدمة العلمية

(من قبل وجوب ذي المقدمة)

فتبين الفرق بين الملازمتين و ان الملازمة فى المقدمة العلمية بين الوجوب العقلي الارشادي و الوجوب الغيري، و الملازمة في مقدمة الوجود بين المولوي و الغيري. و بهذا أيضا سقط مقدمة العلم، فانحصرت المقدمة المبحوث عنها في مقدمة الوجود.

«تقسيم المقدمة الى المتقدم و المقارن و المتأخر»

(و منها)

أي و من التقسيمات للمقدمة

(تقسيمها الى المتقدم)

كالوضوء بالنسبة الى الصلاة

(و المقارن)

كالاستقبال لها

(و المتأخر)

كغسل الليلة الآتية بالنسبة الى صوم اليوم الماضي.

ثم حيث ان للتقدم و أخويه كان اقساما بين ان المراد هنا بالتقدم و التقارن و التأخر

(بحسب الوجود)

لا بالشرف و الرتبة و نحوهما، و حيث انها من الامور الاضافية المحتاجة الى المضاف اليه قال:

(بالاضافة الى ذي المقدمة)

كالصلاة و الصوم في المثال‏

(و حيث انها)

أي المقدمة

(كانت من أجزاء العلة و)

قد تقرر في المعقول ان العلة

(لا بد من تقدمها بجميع أجزائها على المعلول)

رتبة

28

أشكل الامر فى المقدمة المتأخرة كالاغسال الليلية المعتبرة فى صحة صوم المستحاضة عند بعض، و الاجازة فى صحة العقد على الكشف كذلك بل فى الشرط أو المقتضى المتقدم على المشروط زمانا.

المتصرم حينه كالعقد فى‏

____________

و ان وجب تقارنهما زمانا، و السر في وجوب التقدم الرتبي انه لولاه لم يكن احدهما اولى بالعلية و الآخر بالمعلولية من العكس.

و وجه وجوب التقارن الزماني ما أشار اليه العلامة المشكيني (ره) بقوله:

و السر فيه انه لو تقدم زمانا أو تأخر يكون حين وجود المعلول معدوما، فحينئذ ان فرض عدم تأثيره فيه لزم الخلف، اذ المفروض انه مؤثر او جزء مؤثر أوله دخل فى التأثير. و ان فرض التأثير لزم تأثير المعدوم فى الموجود و بداهة العقل تحكم ببطلانه‏

(اشكل الامر)

خبر حيث‏

(فى المقدمة المتأخرة كالاغسال الليلية)

الآتية

(المعتبرة في صحة صوم المستحاضة)

لليوم السابق‏

(عند بعض)

ممن اشترط صحة صوم اليوم الماضي بغسل الليلة الآتية.

(و)

كذلك‏

(الاجازة)

المتأخرة

(في صحة العقد)

الواقع فضولا بناء

(على الكشف)

الحقيقي، اذ بعضهم ذهب الى النقل و ان الاجازة المتأخرة موجبة لايجاد العلقة ابتداء، و بعضهم ذهب الى الكشف الحقيقي و ان الاجازة المتأخرة مؤثرة في انعقاد العقد المتقدم، و ذهب جمع من المحققين الى الكشف الحكمي. و التفصيل مذكور في مكاسب الشيخ (ره) و غيره‏

(كذلك)

أي عند بعض.

(بل)

يشكل الامر

(في الشرط أو المقتضي المتقدم على المشروط زمانا المتصرم)

أي المنقضي ذلك الشرط

(حينه)

أي حين المشروط

(كالعقد في)

29

الوصية و الصرف و السلم. بل فى كل عقد بالنسبة الى غالب أجزائه لتصرمها حين تأثره مع ضرورة اعتبار مقارنتها معه زمانا، فليس اشكال انخرام القاعدة العقلية مختصا بالشرط المتأخر فى الشرعيات كما اشتهر فى الالسنة، بل يعم الشرط و المقتضى المتقدمين المتصرمين حين الاثر.

____________

(الوصية)

فان ملك الموصى له بعد الموت فالعقد مقدم و الملك متأخر

(و)

كذلك العقد في بيع‏

(الصرف)

و هو بيع الاثمان‏

(و)

فى‏

(السلم)

و هو مقابل النسيئة، فان ملك المشتري متوقف على القبض، فالعقد فيها مقدم و الملك متأخر.

(بل)

يشكل الامر

(في كل عقد بالنسبة الى غالب اجزائه لتصرمها)

أي انقضاء تلك الاجزاء

(حين تأثره)

أي تأثير العقد. مثلا: لو قال البائع للمشتري «بعتك هذا الكتاب بدينار» فقال المشتري «قبلت» وقع الملك بعد التاء في القبول مع ان ما قبلها قد انصرم و مضى، فيدور الامر حينئذ بين القول بعدم تأثيره فليزم عدم انعقاد البيع و هو باطل، و بين الانعقاد فليزم تأثير المعدوم في الموجود

(مع ضرورة اعتبار مقارنتها)

أي مقارنة العلة

(معه)

أي مع الاثر

(زمانا)

كما تقدم في كلام المشكيني (ره)

(فليس اشكال انخرام القاعدة العقلية)

و هي لزوم تقدم العلة رتبة و تقارنها زمانا مع المعلول‏

(مختصا بالشرط المتأخر في الشرعيات كما اشتهر)

هذا الاختصاص‏

(في الالسنة، بل يعم)

الاشكال‏

(الشرط و المقتضى المتقدمين المتصرمين حين الاثر)

كما يعم غير الشرعي منهما. و لا يذهب عليك انه لا مجال للقول بالامكان الشرعي بعد ثبوت الاستحالة العقلية، اذ المحالات التكوينية لا تصير ممكنة تشريعا.

30

و التحقيق فى رفع هذا الاشكال أن يقال: ان الموارد التى توهم انخرام القاعدة فيها لا تخلو اما أن يكون المتقدم أو المتأخر شرطا للتكليف أو الوضع أو المأمور به:

أما الاول: فكون أحدهما شرطا له ليس إلّا ان للحاظه دخلا فى تكليف الامر كالشرط المقارن بعينه‏

____________

(و التحقيق فى رفع هذا الاشكال)

عن جميع الموارد

(ان يقال: ان الموارد التي توهم انخرام القاعدة فيها لا تخلو)

عن ثلاثة امور: لانه‏

(اما ان يكون المتقدم أو المتأخر شرطا للتكليف)

بمعنى انه دخيل في أمر الامر به‏

(أو الوضع)

بمعنى انه دخيل في صحة انتزاعه لدى الحاكم بالوضع‏

(أو المأمور به)

بمعنى انه بسبب هذا الشرط يحصل لمتعلق الامر خصوصية بحيث لو لا هذه الخصوصية لم تقع متعلقة للامر. هذا و في بعض نسخ الكتاب عطف الوضع بالواو و هذا هو الانسب بما سيفصله من القسمين و جعل الوضع في الامر الاول:

(أما الاول)

و هو ما كان المتقدم أو المتأخر شرطا للتكليف أو الوضع‏

(فكون أحدهما شرطا له)

أي للتكليف‏

(ليس إلّا أن للحاظه)

أي للحاظ ذلك الشرط

(دخلا فى تكليف الامر)

بصيغة الفاعل، بمعنى ان الوجود العيني للشرط المتقدم أو المتأخر ليس دخيلا فى المشروط حتى يستشكل بلزوم تأثير المعدوم في الموجود، بل المراد بكون المتقدم أو المتأخر شرطا ان أمر الامر انما تعلق بهذه الذات لوجود ذلك الامر المتقدم أو المتأخر، بحيث لو لم يكن لم تتعلق الارادة، فيكون الشرط المتقدم أو المتأخر

(كالشرط المقارن بعينه)

من غير فرق بينهما.

31

فكما ان اشتراطه بما يقارنه ليس إلّا ان لتصوره دخلا فى أمره- بحيث لولاه لما كاد يحصل له الداعى الى الامر- كذلك المتقدم أو المتأخر.

و بالجملة حيث كان الامر من الافعال الاختيارية كان من مبادئه بما هو كذلك تصور الشى‏ء بأطرافه ليرغب فى طلبه و الامر به، بحيث لولاه لما رغب فيه و لما أراده و اختاره فيسمى كل واحد من هذه الاطراف التى لتصورها دخل فى حصول الرغبة فيه‏

____________

(فكما ان اشتراطه)

أي التكليف‏

(بما يقارنه ليس إلّا)

بمعنى‏

(ان لتصوره)

أي تصور ذلك المقارن‏

(دخلا في أمره)

بمعنى ان العلم بكونه في الخارج صار سببا للامر بالمشروط لا أن وجوده يؤثر في المشروط

(بحيث لولاه)

أي لو لا وجود الشرط خارجا

(لما كاد يحصل له الداعي الى الامر كذلك)

يكون حال الشرط

(المتقدم أو المتأخر)

فالشرط الشرعي ليس من صغريات العلة التكوينية حتى يلزم تقارنه مع المعلول زمانا، بل ان وجوده في الخارج كان سببا لامر المولى.

(و بالجملة حيث كان الامر من الافعال الاختيارية)

للمولى‏

(كان من مبادئه)

أي مبادئ الامر

(بما هو كذلك)

اختياري‏

(تصور الشي‏ء)

المأمور به‏

(باطرافه)

المقدم منه و المؤخر و المقارن‏

(ليرغب في طلبه)

اذ بدون ملاحظة الاطراف لا يعلم الفائدة غير المزاحمة بالمفسدة، فيتوقف الرغبة

(و الامر به)

على ملاحظة الاطراف‏

(بحيث لولاه لما رغب فيه و لما أراده و اختاره)

إلّا اذا كان سفيها

(فيسمى كل واحد من هذه الاطراف)

الثلاثة

(التي لتصورها)

أي وجودها في الخارج المتعلق للتصور

(دخل في حصول الرغبة فيه)

أي الرغبة

32

و ارادته شرطا لاجل دخل لحاظه فى حصوله كان مقارنا له أو لم يكن كذلك متقدما أو متأخرا، فكما فى المقارن يكون لحاظه فى الحقيقة شرطا كان فيهما كذلك فلا اشكال.

____________

في الطلب‏

(و ارادته)

عطف على حصول‏

(شرطا)

مفعول يسمى.

و انما يسمى الاطراف الدخيلة شرطا

(لاجل دخل لحاظه في حصوله)

أي حصول الطلب و الارادة و الرغبة سواء

(كان)

ذلك المتصور في الخارج‏

(مقارنا له)

أي للمأمور به‏

(أو لم يكن كذلك)

أي مقارنا، و حينئذ كان‏

(متقدما أو متأخرا)

عنه‏

(فكما في)

الشرط

(المقارن يكون لحاظه في الحقيقة شرطا)

لا أن وجوده الخارجي مؤثر في المشروط

(كان فيهما)

أي المتقدم و المتأخر

(كذلك)

لحاظهما شرطا لا وجودهما

(فلا اشكال)

على القاعدة العقلية القائلة بلزوم تقارن المعلول مع العلة. هذا كله في شرط التكليف اذا كان متقدما أو متأخرا.

و لا يذهب عليك انه قد يعبر بكون الشرط الوجود العلمي و التصور الذهني، و قد يعبر بكون الشرط نفس الوجود الخارجي، بمعنى انه لولاه لم يأمر المولى، و المراد بالعبارتين واحد اذ المقصود نفي كون الشرط علة فاعلية للمشروط، و هذا يؤدى بكل من العبارتين و ان كان التعبير الاول أولى اذ الوجود العلمي هو المدار في الامر. بيان ذلك: ان المولى انما يأمر اذا علم بوجود ذلك الشرط سواء كان واقعا موجودا أم لا، و كذلك لا يأمر اذا علم بعدم ذلك الشرط سواء كان موجودا واقعا أم لا. و الحاصل ان بين الشرط العلمي و الشرط الخارجي عموما من وجه، و المدار على العلم لا على الخارج- فتدبر.

33

و كذا الحال فى شرائط الوضع مطلقا و لو كان مقارنا، فان دخل شى‏ء فى الحكم به و صحة انتزاعه لدى الحاكم به ليس إلّا ما كان بلحاظه يصح انتزاعه و بدونه لا يكاد يصح انتزاعه عنده فيكون دخل كل من المقارن و غيره بتصوره و لحاظه و هو مقارن، فأين انخرام القاعدة العقلية فى غير المقارن؟ فتأمل تعرف.

____________

(و كذا الحال في شرائط الوضع مطلقا)

أي‏

(و لو كان مقارنا)

للمشروط اذ الوضع كالملكية و الزوجية و الطهارة و النجاسة و نحوها اعتبارات من المعتبر، و الاعتبار أيضا فعل اختياري ينشأ عن الارادة الناشئة عن تصور المصلحة، و ذلك يتحقق بعد تحقق الوجود العلمي للشرط

(فان دخل شي‏ء)

من الشروط

(في الحكم به)

أي بالوضع‏

(و)

في‏

(صحة انتزاعه لدى الحاكم به)

الذي لوضعه اعتبار عقلائي‏

(ليس)

ذلك الدخل‏

(الا ما)

أي الشرط الذي‏

(كان بلحاظه)

و وجوده العلمي‏

(يصح انتزاعه)

أي انتزاع ذلك الامر الوضعي كالملكية

(و بدونه)

أي بدون اللحاظ

(لا يكاد يصح انتزاعه عنده)

أي عند الحاكم.

و الحاصل: ان وجوده العلمي دخيل في الانتزاع، لا أن وجوده الخارجي علة حتى يشكل لزوم تخلف العلة عن المعلول‏

(فيكون دخل كل من)

الشرط

(المقارن و غيره)

من المتقدم و المتأخر

(بتصوره)

أي ان الدخيل هو تصور الشرط

(و لحاظه و هو)

أي اللحاظ

(مقارن)

للمشروط، فما كان علة للحكم مقارن له و ما كان غير مقارن ليس علة

(فأين انخرام القاعدة العقلية)

القائلة بلزوم التقارب بين العلة و المعلول‏

(في)

الشرط

(غير المقارن)

في التكليف و الوضع؟

(فتأمل)

فى المقام‏

(تعرف)

حقيقة المرام.

34

و أما الثانى: فكون شى‏ء شرطا للمأمور به ليس إلّا ما يحصل لذات المأمور به بالاضافة اليه وجها و عنوانا به يكون حسنا أو متعلقا للغرض، بحيث لولاها لما كان كذلك.

____________

و لا يخفى أن ما ذكرناه في الجواب لا يفرق فيه بين كون المكلف و الواضع هو الشارع أو غيره. نعم سوق الكلام في الشارع غير سوقه في غيره.

ثم ان اللّه سبحانه لما كان منزها عن التصور و اللحاظ كان ما ذكر بالنسبة اليه سبحانه مثل الارادة بالنسبة اليه تعالى.

(و أما الثاني)

و هو ما كان المتقدم أو المتأخر شرطا للمأمور به‏

(فكون شي‏ء شرطا للمأمور به ليس)

بمعنى ان له دخلا فى تحقق ذات المأمور به، بحيث لو لا هذا الشرط لم يتحقق الذات، مثل المحاذات بالنسبة الى الاحراق فانه شرط لحصول ذات الاحراق، بل المراد بكون الشي‏ء شرطا للمأمور به ليس‏

(إلّا ما)

أي الشي‏ء الذي‏

(يحصل لذات المأمور به بالاضافة)

و النسبة

(اليه)

أي الى ذلك الشي‏ء

(وجها و عنوانا به يكون حسنا)

على قول العدلية

(أو)

به يكون‏

(متعلقا للغرض)

و ان لم يكن حسن بناء على قول الاشعري‏

(بحيث لولاها)

أي لو لا هذه الاضافة و النسبة

(لما كان)

المأمور به‏

(كذلك)

حسنا و متعلقا للغرض.

ثم ان هذه الاضافة الحاصلة بواسطة أمر خارج عن الشي‏ء- التي بسببها صار الشي‏ء حسنا و متعلقا للغرض- على ثلاثة انحاء:

«الاول» ان تكون الاضافة الى أمر متقدم، مثل أن الضرب المسمى بالقصاص المسبوق بالاعتداء حسن، فالحسن طرأ على الضرب لاضافته الى أمر متقدم عليه.

35

و اختلاف الحسن و القبح و الغرض باختلاف الوجوه و الاعتبارات الناشئة من الاضافات مما لا شبهة فيه و لا شك يعتريه.

و الاضافة كما تكون الى المقارن تكون الى المتأخر أو المتقدم بلا تفاوت أصلا

____________

«الثاني» أن تكون الاضافة الى أمر متأخر مثل أن الغسل بماء الحمام الملحوق باعطاء الدرهم للحمامي حسن، فالحسن طرأ على الغسل لاضافته الى أمر متأخر عنه.

«الثالث» أن تكون الاضافة الى أمر مقارن، مثل أن التطهير المقارن لصحة البدن حسن، فالحسن طرأ على التطهير لاضافته الى أمر مقارن له أعني صحة البدن.

(و)

ان قلت: هل الحسن و القبح كما هما ذاتيان في بعض الموارد كذلك يكونان بالوجوه و الاضافات في بعض الموارد أم لا؟

قلت:

(اختلاف الحسن و القبح و)

كذلك اختلاف‏

(الغرض)

التابع لهما

(باختلاف الوجوه و الاعتبارات الناشئة من الاضافات مما لا شبهة فيه و لا شك يعتريه)

لبداهة ان ضرب اليتيم لغير التأديب قبيح و للتأديب حسن، مع ان الضرب و الضارب و المضروب و آلة الضرب و زمانه و مكانه و سائر أطرافه واحد.

(و)

اذا تحققت هاتان المقدمتان- أعني اختلاف الوجوه باختلاف الاضافة و اختلاف الحسن و القبح و الغرض باختلاف الوجوه- فنقول:

(الاضافة كما تكون الى المقارن تكون الى المتأخر أو المتقدم)

كما تقدم من الامثلة

(بلا تفاوت)

في الاضافات الثلاثة

(أصلا)

فكل من المتقدم و المتأخر و المقارن يوجب الاضافة و الاضافة توجب الوجه و الوجه يوجب الحسن مثلا و بالحسن‏

36

كما لا يخفى على المتأمل، فكما تكون اضافة شى‏ء الى مقارن له موجبا لكونه معنونا بعنوان يكون بذلك العنوان حسنا و متعلقا للغرض كذلك اضافته الى متأخر أو متقدم، بداهة ان الاضافة الى أحدهما ربما توجب ذلك أيضا، فلو لا حدوث المتأخر فى محله لما كانت للمتقدم تلك الاضافة الموجبة لحسنه الموجب لطلبه و الامر به، كما هو الحال فى المقارن أيضا، و لذلك اطلق عليه الشرط مثله بلا انخرام للقاعدة أصلا،

____________

يتعلق الغرض و ذلك يوجب الامر به‏

(كما لا يخفى على المتأمل)

قليلا.

و من الواضح أنه لا يفرق في ذلك المتقدم و أخواه‏

(فكما تكون اضافة شي‏ء الى)

أمر

(مقارن له موجبا لكونه)

أي ذلك الشي‏ء

(معنونا بعنوان يكون بذلك العنوان)

أي بسببه‏

(حسنا و متعلقا للغرض)

الموجب للامر به‏

(كذلك اضافته الى متأخر أو متقدم)

موجب لكون ذلك الشي‏ء موجها بوجه يكون بسبب ذلك الوجه حسنا و متعلقا للغرض من غير فرق‏

(بداهة ان الاضافة الى أحدهما ربما توجب ذلك)

العنوان الحسن‏

(أيضا، فلو لا حدوث المتأخر في محله)

كاعطاء الدرهم للحمامي‏

(لما كانت للمتقدم)

كالغسل بماء الحمام‏

(تلك الاضافة)

بأن يقال: انه غسل ملحوق بإعطاء الدرهم‏

(الموجبة لحسنه)

ذلك الحسن‏

(الموجب لطلبه و الامر به)

بأن يقول اغتسل،

(كما هو الحال في)

الامر

(المقارن أيضا)

فانه موجب للعنوان الحسن مثلا

(و لذلك)

الذي قلنا من حصول الحسن لحصول الوجه الحاصل من الاضافة الى المتقدم أو المتأخر

(اطلق عليه)

أي على كل واحد من المتقدم و المتأخر

(الشرط مثله)

أي مثل المقارن‏

(بلا انخرام للقاعدة)

العقلية المتقدمة

(أصلا)

كما لا يخفى، و ذلك‏

37

لان المتقدم أو المتأخر كالمقارن ليس إلّا طرف الاضافة الموجبة للخصوصية الموجبة للحسن.

و قد حقق فى محله أنه بالوجوه و الاعتبارات، و من الواضح أنها تكون بالاضافات، فمنشأ توهم الانخرام اطلاق الشرط على المتأخر، و قد عرفت أن اطلاقه عليه فيه كاطلاقه على المقارن انما يكون لاجل كونه طرفا للاضافة الموجبة للوجه الذى يكون بذلك الوجه مرغوبا و مطلوبا كما كان فى الحكم‏

____________

(لان)

الامر

(المتقدم أو المتأخر كالمقارن ليس)

وجودها علة فاعلية للمأمور به حتى يلزم التقارن الزماني، بل لا يكون كل واحد منها

(الا طرف الاضافة)

للمأمور به‏

(الموجبة للخصوصية الموجبة)

تلك الخصوصية

(للحسن)

أو القبح مثلا.

(و قد حقق في محله)

كعلم الكلام و الحكمة

(أنه بالوجوه و الاعتبارات، و من الواضح انها)

أي الاعتبارات و الوجوه‏

(تكون بالاضافات)

كما تقدم في مثال التأديب و غيره،

(فمنشأ توهم الانخرام)

للقاعدة العقلية

(اطلاق الشرط على المتأخر)

فيتوهم ان المراد به العلة

(و قد عرفت)

انه ليس كذلك و

(ان اطلاقه)

أي الشرط

(عليه)

أي على المتأخر

(فيه)

أي فيما كان شرطا للمأمور به‏

(كاطلاقه)

أي الشرط

(على المقارن انما يكون لاجل كونه طرفا للاضافة الموجبة للوجه الذي يكون)

الشي‏ء

(بذلك الوجه مرغوبا و مطلوبا)

فالمتقدم أو المتأخر ليس مؤثرا في الذات بل هما مؤثران في الاضافة فقط، و حيث انها خفيفة المئونة فلا بأس بكون المتأخر أو المتقدم سببا لانتزاع عنوان حسن أو قبيح يوجب تعلق الغرض به أمرا أو زجرا

(كما كان)

اطلاق الشرط

(في الحكم)

الوضعي‏

38

لاجل دخل تصوره فيه. كدخل تصور سائر الاطراف و الحدود التى لو لا لحاظها لما حصل له الرغبة فى التكليف أو لما صح عنده الوضع و هذه خلاصة ما بسطناه من المقال فى دفع هذا الاشكال فى بعض فوائدنا و لم يسبقنى اليه أحد فيما أعلم- فافهم و اغتنم.

____________

و التكليفي المتقدم في الامر الاول‏

(لاجل دخل تصوره)

أي ذلك المتقدم أو المتأخر

(فيه)

أي في الحكم.

و الحاصل: ان دخلهما في الحكم‏

(كدخل تصور سائر الاطراف و الحدود التي لو لا لحاظها)

حين ارادة الحكم‏

(لما حصل له الرغبة في التكليف أو لما صح عنده الوضع)

و قوله «كدخل» الخ من تتمة المشبه به- اعني الحكم- لا المشبه، أعني المأمور به.

قال العلامة الرشتي (ره): مثلا اذا فرض اشتراط صوم المستحاضة بالاستحاضة الكبرى بغسل الليلة الآتية يكون دخل الغسل حينئذ في الصوم عبارة عن انه بملاحظة الغسل المزبور يحصل لصومها خصوصية بها يصير ذا مصلحة مقتضية لايجابه عليها بهذه الخصوصية فيأمر بذلك الخاص، فيجب عليها الصوم في النهار و الغسل في الليلة الآتية- (1) الخ.

(و هذه خلاصة ما بسطناه من المقال في دفع هذا الاشكال في بعض فوائدنا)

المطبوعة مع حاشيتنا على رسائل الشيخ (ره)

(و لم يسبقني اليه أحد فيما أعلم)

و ان أجاب عن هذا الاشكال جماعة آخرون إلّا انه ليس بهذه الكيفية

(فافهم و اغتنم)

ذلك.

فالمتحصل من الاشكال ان الشرط من أجزاء العلة الحقيقية فلا يعقل تقدمها و لا

____________

(1) شرح الكفاية للعلامة الرشتى ج 1 ص 130.

39

و لا يخفى انها بجميع أقسامها داخلة فى محل النزاع، و بناء على الملازمة يتصف اللاحق بالوجوب كالمقارن و السابق، اذ بدونه لا يكاد يحصل الموافقة و يكون سقوط الامر باتيان المشروط به مراعى باتيانه، فلو لا اغتسالها فى الليل على القول بالاشتراط لما

____________

تأخرها. و حاصل الجواب ان العلة في التكليف و الوضع الصورة الذهنية و هي مقارنة، و في المأمور به الوجه و العنوان و هما مقارنان و ان كان منشأهما مقدما أو مؤخرا.

(و لا يخفى انها)

أي شرائط المأمور به‏

(بجميع أقسامها)

من المتقدم و المتأخر و المقارن‏

(داخلة في محل النزاع)

في انها واجبة أم لا؟ فمن ذهب الى وجوب المقدمة قال بوجوبها، و من ذهب الى العدم قال بعدم وجوبها.

قال المشكيني: و أما شروط التكليف فلا يعقل اتصافها بالوجوب كما سيأتي، و شروط الوضع خارجة أيضا لعدم وجوبه حتى تتصف مقدماته به على الملازمة نعم ربما يتعلق به الامر فيدخل في محل النزاع‏ (1).

(و)

من كل ما تقدم ظهر أن مقدمات المأمور به و شرائطه‏

(بناء على الملازمة يتصف اللاحق)

منها

(بالوجوب كالمقارن و السابق)

فانها من مقدمات المأمور به‏

(اذ بدونه لا يكاد يحصل الموافقة)

له‏

(و يكون سقوط الامر)

المتوجه الى المكلف‏

(باتيان)

المأمور به‏

(المشروط به)

أي بهذا الشرط

(مراعى باتيانه)

قبلا أو بعدا أو مقارنا

(فلو لا اغتسالها في الليل)

المتقدم و اليوم و الليل الآتي‏

(على القول بالاشتراط)

بالغسل في الليل الآتي أيضا

(لما)

____________

(1) حاشية المشكينى على الكفاية ج 1 ص 148.

40

صح الصوم فى اليوم.

[الامر الثالث: فى تقسيمات الواجب:]

الامر الثالث: فى تقسيمات الواجب:

[الواجب المطلق و المشروط]

(منها) تقسيمه الى المطلق و المشروط، و قد ذكر لكل منهما تعريفات و حدود تختلف بحسب ما أخذ فيها من القيود.

____________

(صح الصوم في اليوم)

المتقدم، و لو لا الاجازة اللاحقة و القبض اللاحق لما صح العقد المتقدم.

«الامر الثالث»

(الامر الثالث)

من الامور التي لا بد من بيانها قبل الخوض في المقصود من مقدمة الواجب‏

(في تقسيمات الواجب)

و انما قدمها لدخالتها في المقصد.

قال في التقريرات: قد عرفت تحقيق القول في تقسيم المقدمة و ما هو ينبغي أن يكون محلا للخلاف من تلك الاقسام، فيعرف الآن محل الخلاف من الواجب الذي اضيف اليه لفظ المقدمة- انتهى.

«الواجب المطلق و المشروط»

(منها تقسيمه الى)

الواجب‏

(المطلق و المشروط، و قد ذكر لكل منهما تعريفات و حدود تختلف)

تلك التعريفات‏

(بحسب ما أخذ فيها من القيود)

:

فعن بعض تعريف الواجب المطلق بأنه ما لا يتوقف وجوبه على أمر زائد على الامور المعتبرة في التكليف من العلم و العقل و القدرة و البلوغ و المشروط بخلافه و قال صاحب الحاشية ما لفظه: ان الواجب باعتبار ما يتوقف عليه في الجملة قسمان:

41

و ربما أطيل الكلام بالنقض و الابرام فى النقض على الطرد و العكس مع أنها- كما لا يخفى- تعريفات لفظية لشرح الاسم و ليست بالحد و لا بالرسم، و الظاهر انه ليس لهم اصطلاح جديد فى لفظ المطلق و المشروط بل يطلق كل منهما بما له من معناه العرفى،

____________

«احدهما» ان يتوقف وجوده عليه من غير أن يتوقف عليه وجوبه كالصلاة بالنسبة الى الطهارة.

«و ثانيهما» أن يتوقف وجوبه عليه سواء توقف عليه وجوده كالعقل بالنسبة الى العبادات الشرعية او لم يتوقف عليه كالبلوغ بالنسبة اليها، بناء على القول بصحة عبادات الصبي.

و عن بعض آخر: ان الواجب المشروط ما يتوقف وجوبه على ما يتوقف عليه وجوده، و الواجب المطلق ما لا يتوقف وجوبه على ما يتوقف عليه وجوده.

(و ربما اطيل الكلام بالنقض و الابرام في النقض على الطرد)

و عدم منع الاغيار

(و العكس)

بعدم جمع الافراد. و حاصل معنى العبارة انهم نقضوا و اشكلوا على طرد التعاريف و عكسها، ثم بعض آخر أشكلوا على الاشكال و بعضهم صححوا الاشكال،

(مع)

انه لا وقع لهذه الاشكالات أصلا اذ

(انها- كما لا يخفى- تعريفات لفظية لشرح الاسم)

اجمالا نحو «سعدانة نبت»

(و ليست بالحد)

المبين للجنس و الفصل‏

(و لا بالرسم)

المبين للجنس و الخاصة.

(و الظاهر)

بحسب تعريفاتهم‏

(انه ليس لهم اصطلاح جديد في لفظ المطلق و المشروط)

يريدون بيان ذلك الاصطلاح بهذه التعريفات، اذ لو كان هناك اصطلاح لم يكن وقع للاشكال، اذ لا مشاحة فيه- فتدبر

(بل يطلق كل منهما)

في السنة الفقهاء و الاصوليين‏

(بما له من معناه العرفي)

المطابق للمعنى‏

42

كما أن الظاهر ان وصفى الاطلاق و الاشتراط وصفان اضافيان لا حقيقيان و إلّا لم يكد يوجد واجب مطلق، ضرورة اشتراط وجوب كل واجب ببعض الامور لا أقل من الشرائط العامة كالبلوغ و العقل.

فالحرى أن يقال: ان الواجب مع كل شى‏ء يلاحظ معه ان كان وجوبه غير مشروط به فهو مطلق بالاضافة اليه و إلّا

____________

اللغوي و أحد صغرياته- اعني ما كان الوجوب غير منوط بشي‏ء و ما كان منوطا به-.

(كما ان الظاهر)

بحسب تتبع مطلقات الشرع و مشروطاته التي انصب عليها كلام الفقهاء و الاصوليين‏

(ان وصفي الاطلاق و الاشتراط وصفان اضافيان)

فالواجب بالنسبة الى مقدمة مطلق و بالنسبة الى مقدمة اخرى مشروط.

مثلا: الصلاة بالنسبة الى الطهارة مطلق و بالنسبة الى العقل مشروط، و كذا الحج بالنسبة الى الاستطاعة مشروط و بالنسبة الى السير مطلق‏

(لا حقيقيان)

بحيث يكون واجب مطلقا من جميع الجهات، و واجب مشروطا من جميع الجهات‏

(و إلّا)

يكن الوصفان اضافيين لم يكن وجه للبحث عن الواجب المطلق أصلا، اذ

(لم يكد يوجد واجب مطلق)

من جميع الجهات‏

(ضرورة اشتراط وجوب كل واجب ببعض الامور)

و

(لا أقل من الشرائط العامة كالبلوغ و العقل)

فان كل واجب مشروط بالنسبة اليها. و الشرائط العامة أربعة و هي ما ذكره المصنف (ره) باضافة القدرة و العلم- فتأمل.

و على كل حال‏

(فالحرى أن يقال: ان الواجب مع كل شي‏ء)

من مقدماته الذي‏

(يلاحظ)

الواجب‏

(معه ان كان وجوبه غير مشروط به)

بأن كان المولى يريد الواجب على كل حال‏

(فهو مطلق بالاضافة اليه)

أي الى ذلك الشي‏ء- أعني المقدمة-

(و إلّا)

يكن كذلك- بأن كان وجوب الواجب بشرط وجود

43

فمشروط كذلك، و ان كان بالقياس الى شى‏ء آخر بالعكس.

ثم الظاهر ان الواجب المشروط كما أشرنا اليه نفس الوجوب فيه مشروط

____________

تلك المقدمة-

(فمشروط كذلك)

بالاضافة الى تلك المقدمة.

(و ان كان)

كل من الواجبين المطلق بالاضافة و المشروط بالاضافة

(بالقياس الى شي‏ء آخر)

من المقدمات‏

(بالعكس)

فالمطلق مشروط و المشروط مطلق فالصلاة بالاضافة الى الطهارة واجب مطلق و الحج بالاضافة الى الزاد مشروط، و ان كانت الصلاة بالاضافة الى شي‏ء آخر كالوقت مشروطا و الحج بالاضافة الى شي‏ء آخر كالسير مطلقا.

(ثم)

ان في الواجب المشروط نزاعا بين الشيخ الاعظم (قدس سره) و بين المصنف (ره) و بيان ذلك يتوقف على مقدمة، و هي: ان للامر مثلا هيئة تفيد الوجوب و مادة هي متعلق الوجوب، فاذا قيد الامر بقيد كان حتما ظرف الفعل فى زمان حصول ذلك الشرط.

اذا تبين ذلك فنقول: مبنى الشيخ (ره) على ان القيد ينصب على المادة و الهيئة تبقى على اطلاقها، فالوجوب فى الحال و انما الواجب متأخر، فاذا قال «حج ان استطعت» وجب على المكلف فى الحال الحج الواقع بعد الاستطاعة و مبنى المصنف على ان القيد ينصب على الهيئة و المادة تتقيد بتبعها، فالوجوب كالواجب متأخر فلا يجب في الحال و انما بعد الاستطاعة يجب الحج. و الفرق بين القولين يظهر فى بعض المواضع.

و على هذا كان‏

(الظاهر)

عند المصنف‏

(ان الواجب المشروط كما أشرنا اليه)

بقولنا: «ان كان وجوبه غير مشروط به» الخ‏

(نفس الوجوب فيه مشروط)

44

بالشرط، بحيث لا وجوب حقيقة و لا طلب واقعا قبل حصول الشرط كما هو ظاهر الخطاب التعليقى، ضرورة أن ظاهر خطاب «ان جاءك زيد فاكرمه» كون الشرط من قيود الهيئة، و ان طلب الاكرام و ايجابه معلق على المجى‏ء، لا أن الواجب فيه يكون مقيدا به بحيث يكون الطلب و الايجاب فى الخطاب فعليا و مطلقا و انما الواجب يكون خاصا و مقيدا و هو الاكرام على تقدير المجى‏ء،

____________

(بالشرط بحيث لا وجوب حقيقة)

فى الحال‏

(و لا طلب واقعا قبل حصول الشرط)

بل الواجب و الوجوب متأخران‏

(كما هو ظاهر الخطاب التعليقي)

الذي يعلق الجملة الانشائية بالشرط.

(ضرورة ان ظاهر خطاب «ان جاءك زيد فأكرمه» كون الشرط)

أي ان جاءك‏

(من قيود الهيئة)

الجزائية، أي اكرم فان اكرم عند التحليل «وجوب الاكرام».

و من البديهي انه لو قيل وجوب الاكرام مشروط بالمجي‏ء فهم العرف منه ان المضاف- أعني لفظ وجوب- مقيد بالمجي‏ء، لا ان المضاف اليه- أعني لفظ أكرم- مقيد به.

(و)

الحاصل الظاهر عند العرف‏

(ان طلب الاكرام و ايجابه معلق على المجي‏ء)

فمع عدم المجي‏ء لا ايجاب و لا وجوب‏

(لا ان الواجب)

أي الاكرام‏

(فيه)

أي في هذا الطلب‏

(يكون مقيدا به)

أي بالمجي‏ء

(بحيث يكون الطلب و الايجاب في الخطاب)

الصادر من المولى‏

(فعليا و مطلقا)

كما يقول الشيخ‏

(و انما الواجب يكون خاصا)

أي مخصوصا بزمان المجي‏ء

(و مقيدا)

به‏

(و هو)

أي كون الواجب المقيد

(الاكرام على تقدير المجي‏ء)

45

فيكون الشرط من قيود المادة لا الهيئة كما نسب ذلك الى شيخنا العلامة أعلى اللّه مقامه مدعيا لامتناع كون الشرط من قيود الهيئة واقعا و لزوم كونه من قيود المادة لبا، مع الاعتراف بأن قضية القواعد العربية انه من قيود الهيئة ظاهرا، أما امتناع كونه من قيود الهيئة فلانه لا اطلاق فى الفرد الموجود من الطلب المتعلق بالفعل المنشأ بالهيئة

____________

(فيكون)

على هذا

(الشرط من قيود المادة)

أي الاكرام‏

(لا الهيئة)

أي الوجوب‏

(كما نسب ذلك)

أي رجوع الشرط الى المادة، و الناسب هو التقريرات‏

(الى شيخنا العلامة أعلى اللّه مقامه مدعيا لامتناع كون الشرط من قيود الهيئة واقعا)

في مقام الثبوت.

(و لزوم)

عطف على امتناع‏

(كونه)

أي الشرط

(من قيود المادة لبا)

يعني ان العقل حاكم بلزوم كون الشرط من قيود المادة لا الهيئة، كما أشار اليه بقوله:

(مع الاعتراف)

من الشيخ‏

(بأن قضية القواعد العربية انه)

أي الشرط

(من قيود الهيئة ظاهرا)

أي بحسب ظاهر اللفظ.

و قوله «باقتضاء القواعد العربية» يمكن أن يكون لما تقدم من أن الامر عند الانحلال يكون مضافا و مضافا اليه، و الحال و سائر القيود يرجع الى المضاف بل لا يجوز الاتيان بالقيد للمضاف اليه الا مع القرينة، كما قال ابن مالك: «و لا تجز حالا من المضاف له» الخ.

(أما امتناع كونه من قيود الهيئة فلانه)

كان هذا الطلب فردا من مطلق الطلب، و

(لا اطلاق في الفرد الموجود من الطلب)

المطلق‏

(المتعلق بالفعل)

أي المادة

(المنشأ بالهيئة)

اذ هيئة الامر موضوعة بالوضع النوعي العام و الموضوع له الخاص لخصوصيات أفراد الطلب، فالموضوع له و المستعمل فيه‏

46

حتى يصح القول بتقييده بشرط و نحوه، فكلما يحتمل رجوعه الى الطلب الذى يدل عليه الهيئة فهو عند التحقيق راجع الى نفس المادة.

و أما لزوم كونه من قيود المادة لبا، فلان العاقل اذا توجه الى شى‏ء و التفت اليه فأما أن يتعلق طلبه به أو لا يتعلق به طلبه أصلا، لا كلام على الثانى و على الاول فاما أن يكون ذاك الشى‏ء موردا لطلبه و أمره مطلقا على اختلاف طواريه أو

____________

فرد خاص من الطلب و لا اطلاق فيه‏

(حتى يصح القول بتقييده بشرط و نحوه)

من الغاية و الصفة.

و الحاصل: انه حال الاطلاق أي قبل التشخص لا طلب انشائيا و بعد الطلب الانشائي المتشخص لا اطلاق حتى يقيد، و على هذا

(فكلما يحتمل رجوعه الى الطلب الذي يدل عليه الهيئة)

اذ مفاد الهيئة هو الطلب‏

(فهو عند التحقيق راجع الى نفس المادة)

التي هي متعلق الطلب‏

(و أما لزوم كونه من قيود المادة لبا)

هذا دليل ثان على أصل الطلب لا انه جزء الدليل الاول، اذ بعد دوران الامر بين الرجوع الى المادة أو الهيئة و امتناع الرجوع الى الهيئة يتعين الرجوع الى المادة كما لا يخفى.

و يمكن أن يجعل الدليلان طوليين بأن يكون المدعي أولا امتناع الرجوع الى الهيئة، و ثانيا انه لو فرض عدم الامتناع و كون الهيئة قابلا للتقييد وجب أيضا القول بتقييد المادة

(فلان العاقل اذا توجه الى شي‏ء)

و تصوره‏

(و التفت اليه فاما ان يتعلق طلبه به أو لا يتعلق به طلبه أصلا لا كلام على الثاني)

و هو صورة عدم تعلق الطلب،

(و على الاول)

- أعني تعلق الطلب-

(فاما أن يكون ذاك الشي‏ء)

المتصور

(موردا لطلبه و أمره مطلقا على اختلاف طواريه أو)

لا يكون‏

47

على تقدير خاص، و ذلك التقدير تارة يكون من الامور الاختيارية و أخرى لا يكون كذلك، و ما كان من الامور الاختيارية قد يكون مأخوذا فيه على نحو يكون موردا للتكليف و قد لا يكون كذلك- على اختلاف الاغراض الداعية الى طلبه و الامر به- من غير فرق فى ذلك بين القول بتبعية الاحكام للمصالح و المفاسد و القول بعدم التبعية كما لا يخفى.

____________

موردا لطلبه مطلقا بل‏

(على تقدير خاص)

لا كلام فيما كان موردا للطلب مطلقا.

(و)

انما الكلام فيما كان موردا للطلب على‏

(ذلك التقدير)

الخاص، و هو

(تارة يكون من الامور الاختيارية)

كالطهارة بالنسبة الى الصلاة و الاستطاعة بالنسبة الى الحج فيما كانت اختيارية

(و اخرى لا يكون)

ذلك التقدير

(كذلك)

أي من الامور الاختيارية كالوقت بالنسبة الى الصلاة، لا كلام في هذا القسم و انما الكلام في الاول‏

(و)

هو

(ما كان من الامور الاختيارية)

للمكلف، و هذا الامر الاختياري‏

(قد يكون مأخوذا فيه)

أي في الطلب‏

(على نحو يكون موردا للتكليف)

بحيث يتوجه التكليف الى هذا المورد الخاص، فيجب تحصيل ذلك الشي‏ء مقدمة و هو الواجب المطلق‏

(و قد لا يكون كذلك)

فلا يتوجه التكليف الى المقدمة.

بل يجب الاتيان بالواجب على تقدير حصول المقدمة و هو الواجب المشروط

(على اختلاف الاغراض الداعية الى طلبه و الامر به)

فربما يكون الغرض طلبه مطلقا و ربما يكون مشروطا

(من غير فرق في ذلك)

الدليل الذي ذكرناه‏

(بين القول بتبعية الاحكام للمصالح و المفاسد)

كما يقوله العدلية

(و القول بعدم التبعية)

كما يقوله الاشاعرة

(كما لا يخفى)

اذ الفرق في وجود المصلحة

48

هذا موافق لما أفاده بعض الافاضل المقرر لبحثه بأدنى تفاوت و لا يخفى ما فيه: أما حديث عدم الاطلاق فى مفاد الهيئة فقد حققناه سابقا أن كل واحد من الموضوع له و المستعمل فيه فى الحروف يكون عاما كوضعها و انما الخصوصية من قبل الاستعمال كالاسماء، و انما الفرق بينهما انها وضعت لتستعمل و تقصد بها المعنى بما هو هو، و الحروف وضعت لتستعمل و تقصد بها معانيها بما هى آلة و حالة لمعانى المتعلقات، فلحاظ الالية كلحاظ الاستقلالية ليس من طوارئ المعنى بل من مشخصات‏

____________

و عدمها لا في تعلق الطلب، اذ الطلب متعلق على كلا القولين لكن العدلية تقول بتبعيته للمصلحة و الاشعري لا يقول بها.

(هذا موافق لما أفاده بعض الافاضل المقرر لبحثه بأدنى تفاوت)

يظهر ذلك لمن راجع التقريرات.

(و لا يخفى ما فيه: أما)

في الدليل الاول و هو

(حديث عدم الاطلاق في مفاد الهيئة)

فهو مبني على كون الهيئة من الحروف و كون الموضوع له في الحروف خاصا، و لا نسلم المقدمة الثانية

(فقد حققناه سابقا)

مكررا

(أن كل واحد من الموضوع له و المستعمل فيه في الحروف يكون عاما كوضعها)

الذي هو عام‏

(و)

قلنا:

(انما الخصوصية من قبل الاستعمال كالاسماء)

الذي كان الوضع و الموضوع له و المستعمل فيه عاما فيها

(و انما الفرق بينهما)

في شرط الواضع و

(انها وضعت لتستعمل و تقصد بها المعنى بما هو هو)

و في نفسه‏

(و الحروف وضعت لتستعمل و تقصد بها معانيها بما هي آلة و حالة)

و مرآة

(لمعاني المتعلقات، فلحاظ الالية)

في الحروف‏

(كلحاظ الاستقلالية)

في الاسماء

(ليس من طوارئ المعنى)

حتى يكون جزئيا

(بل من مشخصات)

49

الاستعمال كما لا يخفى على اولى الدراية و النهى. و الطلب المفاد من الهيئة المستعملة فيه مطلق قابل لان يقيد، مع انه لو سلم انه فرد فانما يمنع عن التقيد لو أنشأ أولا غير مقيد، لا ما اذا أنشأ من الاول مقيدا، غاية الامر قد دل عليه بدالين و هو غير انشائه أولا ثم تقييده ثانيا- فافهم.

____________

(الاستعمال كما لا يخفى على اولي الدراية و النهي)

.

و بهذا تبين أن المعنى الحرفي كلي طبيعي قابل للتقييد كما كان المعنى الاسمي كذلك،

(و)

حينئذ فنقول في جواب الشيخ (ره) القائل بعدم قابلية تقييد الهيئة ان‏

(الطلب المفاد من الهيئة المستعملة فيه مطلق قابل لان يقيد)

و ليس بفرد حتى لا يكون قابلا للتقييد،

(مع)

ان لنا جوابا آخر عن دليله الاول، و هو

(انه لو سلم انه)

أي الطلب المفاد من الهيئة

(فرد)

و ليس بمطلق لكن نقول: ان كل كلي يقبل الانشاء مثل الزوجية و الطلب اذا أنشأ أولا من دون لحاظ تقييد فيه فلا يمكن عروض التقييد له ثانيا، اذ بمجرد الانشاء يتشخص بتشخص خاص و لا يعقل انقلاب الشخص. بخلاف ما اذا انشأ من أول الامر مقيدا بحيث يلحظ القيد و المقيد فيصب عليهما الانشاء مرة واحدة.

و هذا هو المراد بقوله:

(فانما يمنع عن التقيد لو أنشأ أولا غير مقيد، لا ما اذا أنشأ من الاول مقيدا، غاية الامر قد دل عليه)

أي المقيد

(بدالين)

:

الاول الهيئة و هي تدل على المطلق، و الثاني الشرط و هو يدل على التقييد

(و هو)

أي ما ذكرنا من الانشاء أولا مقيدا

(غير)

ما يرد عليه ايراد الشيخ، اذ لا يلزم منه محذور

(انشائه أولا ثم تقييده ثانيا)

الذي سبق أنه يلزم منه الانقلاب-

(فافهم)

لعله اشارة الى ان هذين الايرادين انما يردان لو كان مراد الشيخ من الجزئية

50

فان قلت: على ذلك يلزم تفكيك الانشاء من المنشأ حيث لا طلب قبل حصول الشرط.

قلت: المنشأ اذا كان هو الطلب على تقدير حصوله فلا بد أن لا يكون قبل حصوله طلب و بعث و إلّا لتخلف عن انشائه، و انشاء أمر على تقدير كالاخبار به بمكان من الامكان كما يشهد به الوجدان.

____________

الذهنية، أما لو كان مراده الجزئية الخارجية- كما استظهر من كلام التقريرات فلا يردان.

(فان قلت: على ذلك)

الذي ذكرت من كون الشرط قيدا للطلب‏

(يلزم تفكيك الانشاء من المنشأ حيث لا طلب)

على قولكم‏

(قبل حصول الشرط)

و التفكيك مستحيل لان الانشاء علة تامة لحصول المنشأ، فلو كان الطلب مقيدا بقيد فلازمه حصوله بعده فيتخلف عن الانشاء زمانا.

(قلت: المنشأ اذا كان هو الطلب على تقدير حصوله)

اذ المفروض ورود الانشاء على القيد و المقيد جميعا كان الامر بعكس ما زعم‏

(فلا بد أن لا يكون قبل حصوله)

أي حصول الشرط

(طلب و بعث و إلّا)

فلو كان طلب قبل حصول الشرط

(لتخلف)

المنشأ

(عن انشائه)

اذ انشاء الطلب بعد الشرط لا قبله.

(و)

ان قلت: تقييد المنشأ بالشرط يستلزم تقييد الانشاء، و الانشاء حيث كان نحوا من الوجود لا يعقل تقييده كالايجاد التكويني، فكما لا يعقل الايجاد في الحال بشرط كذا كذلك لا يعقل الانشاء في الحال بشرط كذا.

قلت: ليس التعليق فى الانشاء بل هو حالي و انما التعليق في المتعلق، اذ

(انشاء أمر على تقدير كالاخبار به بمكان من الامكان كما يشهد به الوجدان)

فكما يصح التعليق في متعلق الاخبار بأن يقول «ان جاء زيد يكرمه عمرو» و لا يستلزمه‏

51

فتأمل جيدا.

و أما حديث لزوم رجوع الشرط الى المادة لبا ففيه: ان الشى‏ء اذا توجه اليه و كان موافقا للغرض بحسب ما فيه من المصلحة أو غيرها كما يمكن أن يبعث فعلا اليه و يطلبه حالا لعدم‏

____________

تعليق الاخبار كذلك الانشاء طابق النعل بالنعل‏

(فتأمل جيدا)

يمكن ان يكون إشارة الى اشكال و جواب: فالاول ان المنشأ اذا كان بعد حصول الشرط يلزم تأثير المعدوم في الموجود، اذ الانشاء حين وجود الشرط معدوم. و الثاني أولا بالنقض، و هو أن المنشأ اذا كان قبل حصول الشرط يلزم تأثير المعدوم في الموجود، اذ المفروض أن الشرط أيضا جزء من العلة فلولاه لم يكن وجوب. و ثانيا بالحل، و هو أن المنشأ أمر اعتباري فيصح أن يكون منشؤه متقدما كما تقدم بيانه في تصوير الشرط المتأخر.

هذا كله في الجواب عن الدليل الاول للشيخ‏

(و أما)

الجواب عن دليله الثاني و هو

(حديث لزوم رجوع الشرط الى المادة لبا)

كما تقدم مستوفى‏

(ففيه)

ان صرف التوجه لو كان كافيا صح ما ذكر، اذ التوجه حاصل بمجرد الالتفات و التصور، و لا يعقل تقييد التوجه بزمان حصول الشرط فلا بد أن يكون المتوجه اليه مقيدا بزمان حصول الشرط بأن يتوجه في الحال الى الامر الاستقبالي، لكن صرف التوجه ليس تكليفا و إنشاء بل لا بد من البعث و الطلب و هو قابل للاطلاق و للتقييد، اذ

(أن الشي‏ء اذا توجه)

المولى‏

(اليه و كان موافقا للغرض بحسب ما فيه من المصلحة)

كما يقوله العدلية

(أو غيرها)

من مطلق الجهة الموجبة للطلب- كما يقوله الاشعري-.

(كما يمكن أن يبعث فعلا اليه و يطلبه حالا)

من غير تقييد بشرط

(لعدم)

52

مانع عن طلبه كذلك يمكن أن يبعث اليه معلقا و يطلبه استقبالا على تقدير شرط متوقع الحصول لاجل مانع عن الطلب و البعث فعلا قبل حصوله- فلا يصح منه الا الطلب و البعث معلقا بحصوله لا مطلقا و لو متعلقا بذاك على التقدير فيصح منه طلب الاكرام بعد مجى‏ء زيد و لا يصح منه الطلب المطلق الحالى للاكرام المقيد بالمجى‏ء.

هذا بناء على تبعية الاحكام لمصالح فيها فى غاية الوضوح،

____________

(مانع عن طلبه)

فعلا

(كذلك يمكن أن يبعث اليه معلقا)

بحصول الشرط

(و يطلبه استقبالا على تقدير شرط متوقع الحصول)

و انما لم يبعث اليه فعلا

(لاجل مانع عن الطلب و البعث فعلا قبل حصوله)

أي حصول الشرط

(فلا يصح منه)

أي من المولى‏

(الا الطلب و البعث معلقا بحصوله لا مطلقا)

عطف على معلقا، أي لا يصح الطلب المطلق‏

(و لو)

كان هذا الطلب المطلق‏

(متعلقا بذاك)

الشي‏ء المأمور به‏

(على التقدير)

أي تقدير حصول الشرط، أي يلزم الطلب المقيد حينئذ و لا يصح الطلب المطلق و لو كان منصبا على المادة المقيدة

(فيصح منه طلب الاكرام)

المقيد هذا الطلب بكونه‏

(بعد مجي‏ء زيد، و لا يصح منه الطلب المطلق الحالي للاكرام المقيد)

هذا الطلب‏

(بالمجي‏ء)

.

و لا يذهب عليك أن الاقسام أربعة لان المصلحة اما مطلقا و اما في الاطلاق و اما في التقييد، و على الثالث فاما في التقييد قبل حصول القيد و اما بعده، و حكم الاقسام الاربعة واحد.

(هذا بناء على تبعية الاحكام لمصالح فيها)

أي في نفس الاحكام‏

(في غاية الوضوح)

لوضوح امكان كون المصلحة في الاطلاق و امكان كونها في التقييد،

53

و أما بناء على تبعيتها للمصالح و المفاسد فى المأمور بها و المنهى عنها فكذلك، ضرورة ان التبعية كذلك انما تكون فى الاحكام الواقعية بما هى واقعية لا بما هى فعلية فان المنع عن فعلية تلك الاحكام غير عزيز كما فى موارد الاصول و الامارات على خلافها، و فى بعض الاحكام فى أول البعثة،

____________

بأن يكون مانع عن الاطلاق مثلا.

(و أما بناء على تبعيتها للمصالح و المفاسد في المأمور بها و المنهي عنها)

أي في متعلق الاحكام‏

(فكذلك)

في غاية الوضوح، و ان كان ربما يتوهم أنه بناء على ذلك يستقيم ما ذكره الشيخ (ره) من كون القيود راجعة الى المادة، و تقريره: أن الحكم تابع للمتعلق و هو حسن أو قبيح بحسب ذاته فلا معنى لمنع المانع، لكن هذا توهم فاسد.

(ضرورة أن التبعية كذلك)

للمصلحة في المتعلق‏

(انما تكون في الاحكام الواقعية بما هي واقعية لا)

أن التبعية لمصلحة المتعلق في الاحكام‏

(بما هي فعلية)

بل الاحكام الفعلية تابعة لما فيها من المصالح، و عليه فقد يمنع من فعلية الطلب مانع فلا يكون الحكم فعليا بل معلقا، فلا يتم مدعى الشيخ (ره).

و مما يدل على جواز تقييد الفعلية بوجودات متأخرة أمور ثلاثة

(فان المنع عن فعلية تلك الاحكام)

الواقعية

(غير عزيز)

في الشريعة المقدسة، و أما الامور الثلاثة فقد أشار المصنف الى الاول منها بقوله:

(كما في موارد الاصول و الامارات على خلافها)

أي خلاف الاحكام الواقعية، فان مصلحة التسهيل أو غيره مانعة عن فعلية الحكم الواقعي و الى الثاني بقوله:

(و في بعض الاحكام في أول البعثة)

فانها لم تكن فعلية لعدم استعداد المكلفين، و قد أشار النبي (صلى اللّه عليه و آله) في بعض الاخبار الى ذلك، و كذلك في بعض أخبار الخمر الدال على بناء اللّه‏

54

بل الى يوم قيام القائم (عجل اللّه فرجه)، مع ان «حلال محمد (صلى اللّه عليه و آله) حلال الى يوم القيامة و حرامه حرام الى يوم القيامة»، و مع ذلك ربما يكون المانع عن فعلية بعض الاحكام باقيا مر الليالى و الايام الى أن تطلع شمس الهداية و يرتفع الظلام، كما يظهر من الاخبار المروية عن الائمة (عليهم السلام).

فان قلت: فما فائدة الانشاء اذا لم يكن المنشأ به طلبا فعليا و بعثا حاليا؟

____________

تحريم الخمر اذا أكمل الدين. و الى الثالث بقوله:

(بل الى يوم قيام القائم (عجل اللّه فرجه))

فانها بعد ظهوره تكون فعلية بعد ما لم تكن.

أن قلت: لعل ذلك زمان أصل الحكم؟ قلت: ينافي هذا

(مع)

ما تواتر مضمونا بل لفظا من‏

(أن «حلال محمد (صلى اللّه عليه و آله) حلال الى يوم القيامة و حرامه حرام الى يوم القيامة» و مع ذلك)

الاستمرار من أول البعثة في الواقع‏

(ربما يكون المانع عن فعلية بعض الاحكام باقيا مر الليالي و الايام الى أن تطلع شمس الهداية و يرتفع الظلام، كما يظهر من الاخبار المروية عن الائمة (عليهم السلام))

كما يظهر ذلك لمن راجع الاخبار.

(فان قلت:)

اذا كان الطلب مطلقا كما يقوله الشيخ يصح إنشاء الطلب فعلا قبل زمان الشرط لما فيه من فائدة وجوب المقدمة و نحوه، و أما اذا كان الطلب مقيدا بما بعد وجود الشرط كما تقولون به‏

(فما فائدة الانشاء)

في الحال‏

(اذا لم يكن المنشأ به)

أي بهذا الانشاء

(طلبا فعليا و بعثا حاليا)

بل اللازم حينئذ تأخير الطلب الى وقت وجود الشرط.