الوصول إلى كفاية الأصول‏ - ج3

- السيد محمد الحسيني الشيرازي المزيد...
472 /
5

[تقديم‏]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على محمد و آله الطاهرين، و لعنة اللّه على أعدائهم الى قيام يوم الدين.

و بعد: فهذا الجزء الثالث من (الوصول) في شرح كفاية الاصول للمحقق آية اللّه الخراساني ((قدس سره)) كتبته للايضاح، و اللّه اسأل التوفيق و التمام و الثواب، انه ولي ذلك، و هو المستعان.

كربلاء المقدسة

محمد بن المهدى‏

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

[المقصد الثالث فى المفاهيم‏]

المقصد الثالث فى المفاهيم‏

[ (مقدمة)]

(مقدمة) و هى ان المفهوم- كما يظهر من موارد اطلاقه- هو عبارة عن حكم انشائى أو اخبارى تستتبعه خصوصية المعنى الذى اريد من اللفظ بتلك الخصوصية

____________

«المقصد الثالث فى المفاهيم»

(مقدمة)

فى بيان معنى المفهوم‏

(و هي ان المفهوم- كما يظهر من موارد اطلاقه-)

لغة و عرفا

(هو عبارة عن حكم انشائي)

اذا كان المنطوق انشاء نحو «أكرم زيدا ان جاءك»

(أو اخباري)

اذا كان المنطوق خبرا نحو «ان كانت الشمس طالعة فالنهار موجود»

(تستتبعه)

أي تستتبع هذا الحكم‏

(خصوصية المعنى الذي أريد من اللفظ)

فعدم اكرام زيد على تقدير عدم المجى‏ء و عدم وجود النهار على تقدير عدم طلوع الشمس حكمان لازمان لخصوصية معنى ان الشرطية الذي أريد من أكرم زيدا الخ و ان كانت الخ‏

(بتلك الخصوصية)

متعلق بقوله «اريد من اللفظ».

قال السيد الحكيم مد ظله: يعني تكون تلك الخصوصية مدلولا اليها باللفظ و بذلك تخرج المداليل الالتزامية مثل وجوب المقدمة و حرمة الضد، فان اللفظ

8

و لو بقرينة الحكمة، و كان يلزمه لذلك وافقه فى الايجاب و السلب أو خالفه، فمفهوم ان جاءك زيد فأكرمه مثلا لو قيل به قضية شرطية سالبة بشرطها و جزائها

____________

انما يدل على ذي الخصوصية لا غير و هي تستفاد من خارج اللفظ، بخلاف خصوصية المنطوق المستتبعة للمفهوم فانها مدلول عليها باللفظ- انتهى.

(و لو)

كانت دلالة اللفظ على الخصوصية

(بقرينة الحكمة)

و مقدمات الاطلاق‏

(و كان)

المفهوم‏

(يلزمه)

أي يلزم اللفظ

(لذلك)

الامر الموجود في المنطوق المعبر عنه بالخصوصية.

فتحصل مما تقدم أن المفهوم حكم غير مذكور فى القضية و لكن لازم لها من جهة ان القضية مشتملة على خصوصية و لو بقرينة الحكمة تلازم ذلك الحكم غير المذكور سواء

(وافقه)

أي وافق المفهوم لفظ القضية

(في الايجاب)

نحو «صل من قطعك» فانه يدل على صلة الوصول بطريق أولى‏

(و السلب)

نحو قوله تعالى‏ «فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ» (1)، فانّه يدل على عدم ضربهما بطريق أولى.

و هذا القسم- أعني ما وافق المفهوم مع المنطوق ايجابا و سلبا- يسمى بمفهوم الموافقة و لحن الخطاب‏

(أو خالفه)

بأن كان المفهوم ايجابا و المنطوق سلبا نحو «ان لم يجئك زيد فأهنه» فان مفهومه ان جاءك فلا تهنه، أو بالعكس نحو «ان جاءك فأكرمه» فان مفهومه ان لم يجئك فلا تكرمه‏

(فمفهوم ان جاءك زيد فأكرمه مثلا لو قيل به قضية شرطية سالبة بشرطها و جزائها)

الجار متعلق بقوله «سالبة»، أي ان كلا من الشرط و الجزاء في المفهوم مقترن بحرف السلب، اذ المفهوم‏

____________

(1) الاسراء: 23.

9

لازمة للقضية الشرطية التى يكون معنى القضية اللفظية، و يكون لها خصوصية بتلك الخصوصية كانت مستلزمة لها، فصح أن يقال: ان المفهوم انما هو حكم غير مذكور

____________

ان لم يجئك فلا تكرمه.

و فيه تسامح لا يخفى، و من المحتمل أن يكون الضمير في قوله «بشرطها و جزائها» راجعا الى القضية في المنطوق، أي يكون الشرط و الجزاء في المفهوم بعين الشرط و الجزاء في المنطوق.

و كيف كان فهذه القضية الشرطية السالبة التي هي مفهوم‏

(لازمة للقضية الشرطية)

الموجبة فى المنطوق‏

(التي يكون معنى القضية اللفظية، و يكون لها)

أي للقضية الشرطية الموجبة في المنطوق‏

(خصوصية)

أما في مفهوم الموافقة فالخصوصية هي ان ثبوت الحكم فى الموضوع الاخف يستلزم ثبوته للموضوع الاشد، مثلا ثبوت الحرمة لكلمة اف يستلزم ثبوتها للضرب.

و أما في مفهوم المخالفة فالخصوصية هي كون الجزاء مترتبا على الشرط ترتب المعلول على العلة المنحصرة.

مثلا ترتب وجود النهار على طلوع الشمس بنحو ترتب المعلول على العلة المنحصرة يستلزم عدم وجود النهار عند عدم طلوع الشمس‏

(ب)

سبب‏

(تلك الخصوصية كانت)

القضية اللفظية

(مستلزمة لها)

أي للقضية المفهوميّة

(فصح)

تفريع على التعريف المتقدم للمفهوم، أي لما كان المفهوم عبارة عن حكم تستتبعه خصوصية المعنى- الظاهر في كون المفهوم هو الحكم فقط لا الموضوع- صح‏

(أن يقال: ان المفهوم انما هو حكم غير مذكور)

لموضوع مذكور، فان عدم اكرام زيد على تقدير عدم مجيئه حكم لم يذكر في منطوق اللفظ:

10

لا انه حكم لغير مذكور كما فسر به، و قد وقع فيه النقض و الابرام بين الاعلام مع انه لا موقع له كما أشرنا اليه فى غير مقام، لانه من قبيل شرح الاسم كما فى التفسير اللغوى.

و منه قد انقدح حال غير هذا التفسير مما ذكر فى المقام فلا يهمنا التصدى لذلك، كما لا يهمنا بيان‏

____________

و أما موضوعه- أعني زيدا- فهو مذكور في الكلام، و لهذا

(لا)

يصح أن يقال في تعريف المفهوم‏

(انه حكم ل)

موضوع‏

(غير مذكور)

في اللفظ

(كما فسر به)

و المفسر هو العضدي كما حكى‏

(و قد وقع فيه)

أي في هذا التفسير

(النقض و الابرام بين الاعلام)

فقد قيل بأن هذا التعريف غير مطرد لشموله لمقدمة الواجب، فان وجوب المقدمة المستفاد من وجوب ذيها حكم لغير مذكور، اذ المقدمة لم تذكر في القضية المفيدة لوجوب ذيها، و غير منعكس لخروج نحو «أكرم زيدا ان جاءك» فان مفهومها عدم وجوب اكرام زيد على تقدير عدم المجي‏ء و موضوع هذا الحكم المفهومي و هو زيد مذكور في القضية

(مع انه لا موقع له)

أي للنقض و الابرام‏

(كما أشرنا اليه في غير مقام ل)

ما تقدم من‏

(أنه من قبيل شرح الاسم كما في التفسير اللغوي)

فانهم انما هم في صدد شرح الاسم في اللغات و تبديل ألفاظها بألفاظ أظهر منها لدى العرف باعتقادهم، و مثل هذا النحو من التفسير قد يكون أعم و قد يكون أخص.

(و منه قد انقدح حال غير هذا التفسير)

المنسوب الى العضدي‏

(مما ذكر في المقام)

كما في التقريرات و غيره‏

(فلا يهمنا التصدى لذلك)

أي لغير هذا التفسير من سائر التفاسير

(كما)

تقدم من انه‏

(لا يهمنا بيان)

النقض و الابرام في تعريف العضدي.

11

انه من صفات المدلول أو الدلالة و ان كان بصفات المدلول أشبه،

____________

ثم ان هاهنا نزاعا آخر، و هو انه هل المفهوم من صفات المعنى و المدلول أو من صفات الدلالة؟ و أما القول بأنه من صفات الدال فلم يذهب اليه أحد، و توضيح ذلك يحتاج الى تمهيد مقدمة، و هي ان الصفات على ثلاثة أقسام:

«الاول» صفات المدلول كالكلية و الجزئية و الذاتية و العرضية و نحوها. مثلا لفظ الانسان ليس كليا و كذا دلالة الانسان على معناه ليست كلية و انما الكلي هو مدلول الانسان، و على هذا فلو اتصف لفظ الانسان أو دلالته على معناه بالكلية كان من قبيل الوصف بحال متعلق الموصوف، اذ الموصوف الحقيقي هو المعنى لا اللفظ و الدلالة.

«الثاني» صفات الدال كالثلاثية و الرباعية و المجردية و المزيدية، فانها صفات لفظ الانسان و نحوه لا صفات مدلوله و لا صفات دلالته، و لو اتصف أحدهما بهذا النحو من الاوصاف كان مجازا.

«الثالث» صفات الدلالة كالنصوصية و الظهور و الصراحة و نحوها، فانها صفات دلالة الانسان و نحوه على معناه، فان هذا اللفظ بما هو لفظ ليس نصا مثلا و المعنى بما هو معنى كذلك، و انما النص هو دلالة اللفظ على معناه حتى لو اتصف اللفظ أو المعنى باحدى هذه الاوصاف كان مجازا.

اذا عرفت ذلك قلنا: قد وقع النزاع في المفهوم و

(انه من صفات المدلول)

اذ المفهوم حكم ملازم لخصوصية المعنى، فلا بد و ان يكون صفة للمعنى و المدلول‏

(أو الدلالة)

حيث لا يتصف به المعنى من حيث هو و انما يتصف به بلحاظ الدلالة- بمعنى ان الدلالة لو كانت تابعة سميت مفهوما- و لا يهمنا التعرض للنزاع تفصيلا

(و ان كان بصفات المدلول أشبه)

كما ترى من انهم يفسرون المنطوق‏

12

و توصيف الدلالة أحيانا كان من باب التوصيف بحال المتعلق. و قد انقدح من ذلك ان النزاع فى ثبوت المفهوم و عدمه فى الحقيقة انما يكون فى ان القضية الشرطية أو الوصفية أو غيرهما هل تدل بالوضع أو بالقرينة العامة على تلك الخصوصية المستتبعة لتلك القضية الاخرى أم لا؟

____________

و المفهوم بالحكم، فيقولون المنطوق هو الحكم المستتبع و المفهوم هو الحكم المستتبع، و من البديهي ان الحكم هو المدلول لا الدلالة- فتأمل.

(و توصيف الدلالة)

بالمفهوم و المنطوق‏

(أحيانا)

كما يقولون الدلالة المنطوقية أقوى من الدلالة المفهومية

(كان من باب التوصيف بحال المتعلق)

لا من التوصيف بحال الموصوف‏ (1).

(و قد انقدح من ذلك)

الذي ذكرنا من ان المفهوم حكم تستتبعه خصوصية المعنى‏

(ان النزاع)

بين الاعلام‏

(في ثبوت المفهوم و عدمه في الحقيقة)

متعلق بالنزاع‏

(انما يكون في ان القضية الشرطية أو الوصفية أو غيرهما)

كالغائية و العددية

(هل تدل بالوضع أو بالقرينة العامة)

أي مقدمات الحكمة

(على تلك الخصوصية المستتبعة لتلك القضية الاخرى)

أي المفهوم‏

(أم لا)

و ليس النزاع في حجية المفهوم بعد ثبوته، فليس هذا النزاع من قبيل النزاع في حجية خبر الواحد.

و الحاصل: ان النزاع في أصل الدلالة لا في الحجية بعد الدلالة. و بهذا

____________

(1) يعنى الدلالة التى مدلولها منطوقى أو مفهومى كما ان معنى الانسان كلى الانسان معناه كلى.

13

فصل [في مفهوم الشرط]

فصل الجملة الشرطية هل تدل على الانتفاء عند الانتفاء كما تدل على الثبوت عند الثبوت بلا كلام أم لا؟ فيه خلاف بين الاعلام. لا شبهة فى استعمالها و ارادة الانتفاء عند الانتفاء فى غير مقام انما الاشكال‏

____________

ظهر ان النزاع انما هو في الصغرى لا في الكبرى، فقول بعض العلماء هل المفهوم حجة أم لا يراد به ما ذكرنا، فهو عبارة أخرى عن قولهم هل للقضية الشرطية مفهوم أم لا.

(فصل) في مفهوم الشرط

(الجملة الشرطية)

سواء كان بلفظة «ان» أم بغيرها من سائر أدوات الشرط نحو «من، و ما، و مهما» و غيرها

(هل تدل على الانتفاء عند الانتفاء كما تدل على الثبوت عند الثبوت بلا كلام)

متعلق بقوله «كما تدل» فكما أن نحو «ان جاءك زيد فأكرمه» يدل على ثبوت الجزاء و هو الاكرام عند ثبوت الشرط و هو المجي‏ء، يدل على انتفاء الجزاء عند انتفاء المجي‏ء

(أم لا)

يدل على المفهوم‏

(فيه خلاف بين الاعلام)

فذهب العلامة و ابنه و صاحب المعالم و جماعة من المحققين الى الدلالة.

و قال السيد المرتضى و ابن زهرة و جماعة أخرى بعدم الدلالة، و تحرير محل النزاع أنه‏

(لا شبهة في استعمالها)

أي الجملة الشرطية

(و ارادة الانتفاء عند الانتفاء في غير مقام)

واحد، و هذا لا اشكال فيه و لا خلاف و

(انما الاشكال‏

14

و الخلاف فى انه بالوضع أو بقرينة عامة بحيث لا بد من الحمل عليه لو لم يقم على خلافه قرينة من حال أو مقال، فلا بد للقائل بالدلالة من اقامة الدليل على الدلالة بأحد الوجهين على تلك الخصوصية المستتبعة لترتب الجزاء على الشرط، نحو ترتب المعلول على علته المنحصرة، و أما القائل بعدم الدلالة ففى فسحة فان له منع دلالتها على اللزوم بل على مجرد الثبوت عند الثبوت و لو من باب الاتفاق،

____________

و الخلاف في أنه بالوضع أو بقرينة عامة)

أي مقدمات الحكمة

(بحيث لا بد من الحمل عليه)

أي على المفهوم‏

(لو لم يقم على خلافه قرينة من حال أو مقال، فلا بد للقائل بالدلالة من اقامة الدليل على الدلالة بأحد الوجهين)

أي بالوضع أو بقرينة عامة

(على)

وجود

(تلك الخصوصية)

في لفظ المنطوق‏

(المستتبعة لترتب الجزاء على الشرط، نحو ترتب المعلول على علته المنحصرة)

حتى يكون بحيث لو انتفت العلة انتفى المعلول لفرض انحصارها

(و أما القائل بعدم الدلالة ففي فسحة)

عن اقامة الدليل على العدم‏

(فان له)

منع الدلالة من جهات عديدة:

الاول:

(منع دلالتها)

أي القضية الشرطية

(على اللزوم)

بأن يقول: لا نسلم الملازمة بين الشرط و الجزاء حتى يكون انتفاء الشرط سببا لانتفاء الجزاء

(بل)

الجملة الشرطية انما تدل‏

(على مجرد الثبوت)

أي ثبوت الجزاء

(عند الثبوت)

أي ثبوت الشرط

(و لو من باب الاتفاق)

نحو «ان كان الانسان ناطقا فالحمار ناهق» فان التلازم بين الطرفين من باب الاتفاق، يعني لا علية في البين، و عليه فلا يلزم الانتفاء عند الانتفاء.

15

أو منع دلالتها على الترتب أو على نحو الترتب على العلة أو العلة المنحصرة بعد تسليم اللزوم أو العلية، لكن منع دلالتها

____________

الثاني:

(أو منع دلالتها على الترتب)

بأن يقول: لا نسلم ترتب الجزاء على الشرط- و ان سلمنا الملازمة بينهما- بل الجملة الشرطية انما تدل على عدم الانفكاك بينهما، و من الممكن ان يكونا موجودين في عرض واحد نحو «ان كان الخمر حراما كان بيعها باطلا» مع ان كلا منهما معلول للاسكار مثلا- فتأمل‏ (1).

الثالث:

(أو)

منع دلالتها

(على نحو الترتب على العلة)

بعد تسليم الدلالة على الترتب، فيقال: لا نسلم دلالة القضية على كون الجزاء مترتبا على الشرط بنحو الترتب على العلة التامة بل انما تدل على كون المقدم علة، أما انها تامة فلا، اذ من المحتمل كونه علة ناقصة- و يعبر عنه بالتقدم بالطبع- كتقدم الخشب على السرير (2).

الرابع:

(أو)

منع دلالتها على ترتب الجزاء على الشرط نحو الترتب على‏

(العلة المنحصرة)

و ذلك‏

(بعد تسليم)

الامور الثلاثة الاول أعني‏

(اللزوم)

أو الترتب‏

(أو العلية)

، و ذلك لاحتمال أن يكون لشي‏ء واحد علل تامة متبادلة، نحو «اذا طلعت الشمس كانت الغرفة مضيئة» فانه لا يدل على عدم اضاءة الغرفة حين عدم طلوع الشمس لاحتمال كونها مضيئة بالسراج و النار و نحوهما

(لكن منع دلالتها

____________

(1) وجهه ان عدم الترتب على تقدير تسليم اللزوم غير رافع للمفهوم، اذ قوام المفهوم بالتلازم لا بالترتب.

(2) وجهه ما تقدم من ان الترتب على العلة الناقصة يستلزم الانتفاء عند الانتفاء نعم لا يستلزم الثبوت على الثبوت.

16

على اللزوم و دعوى كونها اتفاقية فى غاية السقوط، لانسباق اللزوم منها قطعا. و أما المنع عن انه بنحو الترتب على العلة فضلا عن كونها منحصرة فله مجال واسع، و دعوى تبادر اللزوم و الترتب بنحو الترتب على العلة المنحصرة مع كثرة استعمالها فى الترتب على نحو الترتب على الغير المنحصرة منها بل فى مطلق اللزوم‏

____________

على اللزوم و دعوى)

احتمال‏

(كونها اتفاقية)

كما ذكرناه في الامر الاول من وجوه المنع‏

(في غاية السقوط، لانسباق اللزوم منها)

أي من القضية الشرطية

(قطعا)

فانه لو لم يكن قرينة في البين و قال المولى «اذا جاء زيد أكرمه» فهم منه التلازم بين وجوب الاكرام و المجي‏ء.

(و أما)

ما ذكر من الوجوه الثلاثة الأخر للمنع، أعني‏

(المنع عن أنه بنحو الترتب)

أو المنع عن كون الترتب‏

(على)

نحو الترتب على‏

(العلة، فضلا عن كونها منحصرة فله مجال واسع)

اذ لا دلالة للجملة الشرطية الا على الملازمة، و الغالب تعدد العلة و كون الملازمة من جهة كونهما معلولين لعلة ثالثة.

(و دعوى تبادر اللزوم)

من الجملة الشرطية

(و الترتب)

للجزاء على الشرط

(بنحو الترتب على العلة المنحصرة)

حتى تكون مفيدة للمفهوم‏

(مع كثرة)

ما نرى من‏

(استعمالها في الترتب على نحو الترتب على)

العلة

(الغير المنحصرة منها)

أي من العلة نحو «اذا كانت الشمس طالعة فالغرفة مضيئة» فان اضاءة الغرفة مترتبة على طلوع الشمس لكنها غير منحصرة في الطلوع بل لها اسباب أخر

(بل)

كثيرا ما تستعمل الجملة الشرطية

(في مطلق اللزوم)

بلا ترتب بينهما أصلا، بل يكونان معلولين لعلة ثالثة نحو «كلما كان الضوء موجودا

17

بعيدة عهدتها على مدعيها.

كيف و لا يرى فى استعمالها فيها عناية و رعاية علاقة بل انما تكون ارادته كارادة الترتب على العلة المنحصرة بلا عناية كما يظهر على من أمعن النظر و أجال البصر فى موارد الاستعمالات و فى عدم الالزام و الاخذ بالمفهوم فى مقام المخاصمات و الاحتجاجات‏

____________

كانت الحرارة موجودة» و هما معلولان لوجود النار

(بعيدة)

خبر قوله:

«و دعوى»

(عهدتها على مدعيها)

فاللازم عليه اما الجواب عن هذه الموارد و اما رفع اليد عن الدعوى.

و

(كيف)

يمكن ادعاء التبادر المستلزم لكون الاستعمال في غيره مجاز

(و)

الحال أنه‏

(لا يرى في استعمالها)

أي الجملة الشرطية

(فيها)

أي في الترتب على العلة غير المنحصرة أو في مطلق اللزوم‏

(عناية و رعاية علاقة)

المجاز

(بل انما تكون ارادته)

أي ارادة كل واحد منهما

(كارادة الترتب على العلة المنحصرة بلا عناية)

و هذا كاشف عن عدم كون الجملة حقيقة فيه فقط

(كما يظهر)

كون الاستعمال في الجميع على حد سواء

(على من امعن النظر و اجال البصر في موارد الاستعمالات)

و قد حكى عن الفوائد الطوسية أنه استقصى ما يربو على مائة مورد من القرآن المجيد لا دلالة فيها على المفهوم‏

(و)

على من امعن النظر

(في عدم الالزام)

أي عدم الزام من تكلم بالجملة الشرطية على القصد

(و الاخذ بالمفهوم)

بأن يقال له: انك اعترفت بهذا المطلب مفهوما

(في مقام المخاصمات و الاحتجاجات)

مثلا لو قال المدعي لدين له على عمرو: أنه ان جئت بالصك فلي عليه كذا. ثم لم يجي‏ء به مستمرا في دعواه لا يقال له دعواك غير مسموعة لان مفهوم كلامك: الاعتراف بعدم الدين في صورة عدم الاتيان بالصك‏

18

و صحة الجواب بأنه لم يكن لكلامه مفهوم، و عدم صحته لو كان له ظهور فيه معلوم.

و أما دعوى الدلالة بادعاء انصراف اطلاق العلاقة اللزومية الى ما هو أكمل أفرادها و هو اللزوم بين العلة المنحصرة و معلولها ففاسدة جدا لعدم كون الاكملية موجبة للانصراف الى الاكمل، لا سيما مع كثرة الاستعمال فى غيره كما لا يكاد يخفى هذا، مضافا الى منع كون اللزوم بينهما

____________

فانت معترف بعدم الدين حينئذ.

(و)

لو قيل له ذلك احيانا نرى‏

(صحة الجواب بانه لم يكن لكلامه مفهوم، و عدم صحته)

أي صحة هذا الجواب‏

(لو كان له)

أي للكلام‏

(ظهور فيه)

أي في المفهوم‏

(معلوم)

لا يخفى.

(و أما دعوى الدلالة)

للجملة الشرطية على المفهوم‏

(بادعاء انصراف اطلاق العلاقة اللزومية الى ما هو أكمل أفرادها و هو اللزوم بين العلة المنحصرة و معلولها)

اذ بقية أقسام اللزوم- أعني اللزوم بين العلة غير المنحصرة و معلولها و بين المعلولين لعلة ثالثة ليست بهذه الشدة و الكمال‏

(ففاسدة جدا)

خبر قوله:

«و أما دعوى»

(لعدم كون الاكملية موجبة للانصراف الى الاكمل)

و انما سبب الانصراف هو كثرة الاستعمال بملاحظة انس اللفظ بهذا المعنى حينئذ

(لا سيما مع كثرة الاستعمال في غيره)

أي غير ما كان الترتب بنحو العلة المنحصرة

(كما لا يكاد يخفى)

بل لو كان هنا انصراف لكان في غيره لما ذكر من أن منشأه كثرة الاستعمال.

(هذا، مضافا الى منع كون اللزوم بينهما)

أي بين المعلول و العلة المنحصرة

19

أكمل مما اذا لم تكن العلة بمنحصرة، فان الانحصار لا يوجب أن يكون ذاك الربط الخاص الذى لا بد منه فى تأثير العلة فى معلولها اكد و أقوى.

ان قلت: نعم و لكنه قضية الاطلاق بمقدمات الحكمة كما ان قضية اطلاق صيغة الامر هو الوجوب النفسى.

____________

(أكمل مما اذا لم تكن العلة بمنحصرة، فان الانحصار)

في العلة

(لا يوجب ان يكون ذاك الربط الخاص الذي لا بد منه في تأثير العلة في معلولها آكد و أقوى)

من الربط الذي بين العلة غير المنحصرة و بين معلولها، فالعلاقة اللزومية في العلة المنحصرة و غيرها هي علاقة العلة و المعلول بدون تفاوت، بل يمكن ادعاء ان اللزوم لا يتصف بالكمال و النقص أصلا.

(ان قلت: نعم)

نسلم عدم دلالة الجملة الشرطية على المفهوم و صفا، للزوم كونه مجازا فيما اذا لم يقصد المفهوم‏

(و لكنه)

أي المفهوم‏

(قضية الاطلاق بمقدمات الحكمة)

أي اذا كان المولى في مقام البيان و اتى بالتعليق مطلقا نستكشف انحصار التعليق، لانه لو كان في البين تعليق آخر كان على المتكلم أن يبينه.

مثلا: لو قال المولى «أكرم زيدا ان جاءك» نفهم منه ان العلة المنحصرة للاكرام هو المجي‏ء، و إلّا فلو كان هناك علة اخرى توجب الاكرام لبينه المولى بأن قال مثلا: «أو اكرمك»

(كما)

تقدم من‏

(أن قضية اطلاق صيغة الامر هو الوجوب النفسي)

العيني التعييني بما تقدم من أنه لو كان غير ذلك لزم البيان و ان يقول كن على السطح و مقدمة له انصب السلم، أو اكرم زيدا ان لم يكرمه عمرو، أو اطعم ستين مسكينا أو صم ستين يوما فتحصل أن اطلاق التعليق و عدم‏

20

قلت: أولا هذا فيما تمت هناك مقدمات الحكمة و لا تكاد تتم فيما هو مفاد الحرف كما هاهنا و إلّا لما كان معنى حرفيا كما يظهر وجهه بالتأمل.

و ثانيا:

____________

تقييده بوجوب الشي‏ء في ظرف وجود العلة الاخرى يوجب المفهوم.

(قلت)

: قياس ما نحن فيه بالامر غير صحيح، اذ

(أولا هذا)

التمسك بالاطلاق انما يصح‏

(فيما تمت هناك مقدمات الحكمة، و لا تكاد تتم فيما هو مفاد الحرف كما هاهنا)

فان التعليق مفاد أداة الشرط، و من الواضح أن المعنى الحرفي لا يتصف بالاطلاق و التقييد، اذ هما انما يتصوران فيما يمكن لحاظه و هو المعنى الاستقلالي و أما المعنى الآلي الحرفي فلحاظه موجب لانقلابه الى المعنى الاسمي‏

(و إلّا)

فلو أمكن جريان مقدمات الحكمة هنا

(لما كان)

التعليق المستفاد من أداة الشرط

(معنى حرفيا كما يظهر وجهه بالتأمل)

.

و يمكن أن يستدل لعدم قابلية التعليق المستفاد من أداة الشرط للاطلاق بوجه آخر، و هو انه معنى حرفي و المعاني الحرفية جزئية- كما قرر في محله- و الجزئي غير قابل للاطلاق و التقييد، و انما الاطلاق و التقييد يجريان في المعاني الاسمية الكلية.

و لكن لا يذهب عليك ان كلا الجوابين خلاف الصواب عند المصنف (ره) اذ تقدم منه عدم الفرق بين المعنى الاسمي و الحرفي كما لا يخفى، مع انه لم يظهر وجه للفرق بين المقام و بين الامر، اذ الطلب الذي هو مدلول الامر أيضا معنى حرفي، فالكلام فيه كالكلام هنا طابق النعل بالنعل- فتأمل.

(و ثانيا:)

انه لو فرض جريان الاطلاق و مقدمات الحكمة في التعليق و لكن‏

21

تعينه من بين انحائه بالاطلاق المسوق فى مقام البيان بلا معين، و مقايسته مع تعين الوجوب النفسى باطلاق صيغة الامر مع الفارق، فان النفسى هو الواجب على كل حال بخلاف الغيرى فانه واجب على تقدير دون تقدير، فيحتاج بيانه الى مئونة التقييد بما اذا وجب الغير فيكون الاطلاق فى الصيغة مع مقدمات الحكمة محمولا عليه، و هذا بخلاف اللزوم و الترتب بنحو الترتب على العلة المنحصرة،

____________

(تعينه)

أي تعين كون العلة منحصرة الموجب للمفهوم‏

(من بين انحائه)

أي أنحاء الترتب على العلة

(بالاطلاق)

متعلق بتعينه‏

(المسوق في مقام البيان بلا معين)

بل الاطلاق بالنسبة الى ما كانت العلة منحصرة و الى ما كانت غير منحصرة على حد سواء لما يجى‏ء من قوله «ضرورة» الخ‏

(و مقايسته)

أي قياس تعين العلة المنحصرة- بالاطلاق- التعليق‏

(مع تعين الوجوب النفسي باطلاق صيغة الامر مع الفارق)

فلا يقاس الاطلاق هنا على الاطلاق ثمة

(فان النفسي هو الواجب على كل حال)

سواء وجب الغير أم لا، و عليه فاذا لم يعلم بتقيد الوجوب بغيره لزم عليه اتيانه‏

(بخلاف)

الواجب‏

(الغيري فانه واجب على تقدير دون تقدير، فيحتاج بيانه الى مئونة التقييد بما اذا وجب الغير)

أعني ذا المقدمة.

مثلا: اذا ورد أكرم زيدا و لم نعلم أنه واجب نفسي بحيث يجب اكرامه مطلقا أم واجب غيري بحيث يجب اكرامه اذا وجب اكرام عمرو، فاللازم الحمل على الاطلاق و ان وجوبه مطلقا على كل حال‏

(فيكون الاطلاق في الصيغة مع)

تمامية

(مقدمات الحكمة محمولا عليه)

أي على النفسي.

(و هذا بخلاف اللزوم و الترتب بنحو الترتب على العلة المنحصرة)

في‏

22

ضرورة ان كل واحد من أنحاء اللزوم و الترتب محتاج فى تعينه الى القرينة مثل الآخر بلا تفاوت أصلا كما لا يخفى. ثم انه ربما يتمسك للدلالة على المفهوم باطلاق الشرط بتقريب انه لو لم يكن بمنحصر يلزم تقييده، ضرورة انه لو قارنه أو سبقه الآخر لما أثر وحده، و

____________

المقام، اذ الاطلاق ليس قالبا لكون العلة منحصرة حتى يحمل الاطلاق عليه‏

(ضرورة ان كل واحد من انحاء اللزوم و الترتب)

أعني الترتب على العلة المنحصرة و الترتب على العلة غير المنحصرة

(محتاج في تعينه الى القرينة مثل الآخر بلا تفاوت أصلا كما لا يخفى)

.

و الحاصل: ان الظاهر من الجملة الشرطية مطلق اللزوم و الترتب الاعم من كونه على العلة المنحصرة و غير المنحصرة، فلا يكون الاطلاق قالبا الا للجامع و كل منهما يحتاج الى قرينة.

(ثم انه ربما يتمسك للدلالة على المفهوم باطلاق الشرط بتقريب)

آخر، و هو

(انه لو لم يكن)

المؤثر في الجزاء- أي العلة-

(بمنحصر يلزم تقييده)

أي تقييد المؤثر- أي العلة- فان مقتضى اطلاق قولنا «ان جاء زيد فأكرمه» تأثير مجي‏ء زيد وحده في وجوب الاكرام مطلقا، و هذا الاطلاق يستلزم الانتفاء عند الانتفاء

(ضرورة انه لو قارنه)

أي قارن هذا الشرط شرطا آخر، كأن يكون كل واحد واحد من المجي‏ء و طلب العلم سببا للاكرام ثم جاء زيد طالبا للعلم‏

(أو سبقه الآخر)

بأن طلب العلم أولا ثم جاء

(لما أثر)

هذا الشرط المذكور- أي المجي‏ء-

(وحده)

في وجوب الاكرام، بل تشاركا في صورة المقارنة، و كان المؤثر هو الاول في صورة السبق‏

(و)

هذا

23

قضية اطلاقه انه يؤثر كذلك مطلقا.

و فيه انه لا يكاد تنكر الدلالة على المفهوم مع اطلاقه كذلك، إلّا انه من المعلوم ندرة تحققه لو لم نقل بعدم اتفاقه.

فتلخص بما ذكرناه انه لم ينهض دليل على وضع مثل‏

____________

خلاف‏

(قضية اطلاقه)

أي اطلاق الشرط- أي المجي‏ء- اذ مقتضى اطلاق قوله «ان جاء زيد فأكرمه»

(انه يؤثر كذلك)

أي وحده‏

(مطلقا)

سواء قارنه آخر أو سبقه أم لا.

و الحاصل: ان الظاهر من الجملة الشرطية انه كلما وجد الشرط كان هو المؤثر و لو فرض ان هناك شرطا آخر يلزم عدم تأثير هذا الشرط كلما وجد، اذ لو سبقه الشرط الثاني أو قارنه كان التأثير للسابق أو تشاركا في التأثير، فاطلاق ان هذا الشرط مؤثر يقتضى عدم شرط آخر المستلزم لكون الشرط المذكور علة منحصرة.

ثم انه قد يفرق بين هذا الاطلاق و بين الاطلاق السابق بأن التمسك كان هناك باطلاق الهيئة و هنا باطلاق المادة، أو هناك باطلاق كلمة «ان» مع قطع النظر عن متعلقها و هنا بمجموع الجملة.

(و فيه انه لا يكاد تنكر الدلالة على المفهوم)

و الانتفاء عند الانتفاء

(مع اطلاقه كذلك)

بأن يفهم من الجملة الشرطية ان الشرط مؤثر في الجزاء مطلقا سبقه شرط آخر أو قارنه أم لا

(إلّا انه من المعلوم ندرة تحققه)

أي تحقق هذا النحو من الاطلاق‏

(لو لم نقل بعدم اتفاقه)

فان الغالب ان المتكلم بالجملة الشرطية في مقام تأثير الشرط في الجزاء، و ليس في نظره لحاظ أمر آخر أصلا، فلا يخطر بباله المقارنة بين هذا الشرط و أمر آخر.

(فتلخّص بما ذكرناه انّه لم ينهض دليل على وضع مثل)

كلمة

24

«ان» على تلك الخصوصية المستتبعة للانتفاء عند الانتفاء و لم تقم عليها قرينة عامة، اما قيامها أحيانا كانت مقدمات الحكمة أو غيرها مما لا يكاد ينكر، فلا يجدى القائل بالمفهوم انه قضيته الاطلاق فى مقام من باب الاتفاق، و اما توهم انه قضية اطلاق الشرط بتقريب ان مقتضاه تعينه كما ان مقتضى اطلاق الامر تعين الوجوب،

____________

(ان- على تلك الخصوصية المستتبعة للانتفاء عند الانتفاء، و)

كذلك تبين انّه‏

(لم تقم عليها)

أي على تلك الخصوصية المستتبعة

(قرينة عامة)

أي مقدمات الحكمة اللازمة بسبب شهرة أو غيرها

(أمّا قيامها)

أي القرينة

(أحيانا كانت)

تلك القرينة

(مقدمات الحكمة أو غيرها مما لا يكاد ينكر، فلا يجدي القائل بالمفهوم)

المريد اثباته كليا كلما وجد شرط

(انه)

أي المفهوم‏

(قضيته الاطلاق في مقام من باب الاتفاق)

فان الجزئي لا يكون كاسبا و لا مكتسبا.

(و أمّا توهم انه)

أي المفهوم‏

(قضية اطلاق الشرط بتقريب)

آخر و حاصله قياس ما نحن فيه بالواجب التعييني و التخييري.

بيان ذلك:

(ان)

اطلاق الشرط

(مقتضاه تعينه)

أي تعين هذا الشرط في المؤثرية دون غيره‏

(كما ان مقتضى اطلاق الامر تعين الوجوب)

لا التخيير بينه و بين غيره.

توضيحه: ان العلة على قسمين منحصرة و غير منحصرة، و كذلك الواجب على قسمين تعييني و تخييري، و العلة المنحصرة كالواجب التعيني اذ كلاهما معين و غير المنحصرة كالواجب التخييري اذ كلاهما غير معين فكما ان الاطلاق في باب الواجب يحمل على التعييني كذلك الاطلاق في الشرط يحمل على المنحصرة

25

ففيه ان التعين ليس فى الشرط نحو يغاير نحوه فيما اذا كان متعددا كما كان فى الوجوب كذلك و كان الوجوب فى كل منهما متعلقا بالواجب بنحو آخر لا بد فى التخييرى منهما من العدل، و هذا بخلاف الشرط فانه واحدا كان أو متعددا كان نحوه واحدا و دخله فى المشروط بنحو واحد لا تتفاوت الحال فيه ثبوتا كى تتفاوت عند الاطلاق اثباتا و كان الاطلاق مثبتا لنحو لا يكون له عدل لاحتياج‏

____________

(ففيه)

انه فرق بين الواجب التعييني و العلة المنحصرة، اذ

(ان التعين ليس في الشرط نحو يغاير نحوه فيما اذا كان متعددا)

بل الشرط سواء كان واحدا أم متعددا لا يتفاوت الحال في التأثير في المعلول، بل الشرط المتعدد تأثيره في المعلول على نحو الشرط المنفرد في التأثير

(كما كان)

النحو

(في الوجوب كذلك)

بمعنى ان نحو التعييني يغاير نحو التخييري‏

(و كان الوجوب في كل منهما متعلقا بالواجب بنحو آخر)

بحيث كان كل واحد منهما نحوا من الوجوب و الطلب، اذ

(لا بد في التخييري منهما من العدل)

بأن يقول «أطعم أو أعتق» بخلاف التعييني فانه لا يكون فيه العدل بل يقول «أطعم» مثلا، فان في الاول تتعلق المصلحة بأحد الامرين و في الثاني تتعلق بشي‏ء واحد.

(و هذا بخلاف الشرط فانه واحدا كان أو متعددا كان نحوه واحدا و دخله في المشروط بنحو واحد)

بحيث‏

(لا تتفاوت الحال فيه)

أي في الشرط

(ثبوتا كي تتفاوت عند الاطلاق اثباتا)

.

ثم رجع المصنف (ره) الى الفرق بين التعييني و التخييري بقوله:

(و كان الاطلاق)

في الواجب‏

(مثبتا لنحو لا يكون له عدل)

أي الواجب التعييني‏

(لاحتياج‏

26

ما له العدل الى زيادة مئونة و هو ذكره بمثل- أو كذا- و احتياج ما اذا كان الشرط متعددا الى ذلك انما يكون لبيان التعدد لا لبيان نحو الشرطية، فنسبة اطلاق الشرط اليه لا تختلف- كان هناك شرط آخر أم لا- حيث كان مسوقا لبيان شرطيته بلا اهمال‏

____________

ما له العدل الى زيادة مئونة)

في اللفظ

(و هو ذكره بمثل- أو كذا-)

كما تقدم فحيث لم يذكر العدل كشف الاطلاق عن التعيين.

(و)

ان قلت: لا فرق من هذه الجهة بين المقام و بين الواجب ل

(احتياج ما اذا كان الشرط متعددا الى ذلك)

العدل أيضا، فكل من الواجب التخييري و الشرط المتعدد يحتاج الى العدل في اللفظ، فكما يلزم أن يقول في الواجب التخييري «صم أو صلّ» كذلك يلزم أن يقول في الشرط المتعدد «أكرم زيدا ان جاءك أو طلب العلم» و عليه فاذا لم يجي‏ء في اللفظ بالعدل كشف عن وحدة الشرط المستلزمة للمفهوم، فان مقام الاثبات تابع لمقام الثبوت كما ان مقام الثبوت مكشوف بمقام الاثبات.

و بهذا تبيّن عدم الفرق بين المقام و بين مقام الواجب التعييني و التخييري.

قلت: نعم نحتاج في كلا الموضعين الى ذكر العدل، و الفرق ان الاحتياج في الواجب لاجل بيان نحو الوجوب، و ليس كذلك في الشرط لان ذكر العدل فيه‏

(انما يكون لبيان التعدد)

و ان كل واحد منهما يؤثر في الجزء

(لا لبيان نحو الشرطية)

اذ الشرطية و التأثير لا تختلف باختلاف تعدد الشرط و وحدته، بل الشرط معناه التأثير في كل مكان بخلاف الوجوب، فان نحو الوجوب يختلف باختلاف التعيينية و التخييرية

(فنسبة اطلاق الشرط اليه لا تختلف- كان هناك شرط آخر أم لا- حيث)

متعلق بلا تختلف‏

(كان مسوقا لبيان شرطيته بلا اهمال‏

27

و لا اجمال بخلاف اطلاق الامر فانه لو لم يكن لبيان خصوص الوجوب التعيينى، فلا محالة يكون فى مقام الاهمال أو الاجمال تأمل تعرف.

____________

و لا اجمال)

اذ قوام الجملة الشرطية كون الشرط علة للجزاء، و هذا المعنى محقق في كل شرط من غير فرق بين وجود شرط آخر أم لا، و هذا

(بخلاف اطلاق الامر)

فان قوام الامر المطلق كونه بحيث يعاقب على تركه بأي وجه كان.

فهذا المعنى ان تحقق فيه بأن كان تعيينا لم يكن مهملا و لا مجملا بخلاف ما اذا اطلق الامر و لم يوجد فيه هذا القوام‏

(فانه لو لم يكن لبيان خصوص الوجوب التعييني، فلا محالة يكون في مقام الاهمال أو الاجمال)

بمعنى أنه في بيان وجوب هذا الشي‏ء في الجملة، و إلّا فلو كان في مقام البيان مطلقا للزم عليه ذكر العدل الآخر

(تأمل تعرف)

.

و ان شئت توضيح المقام فعليك بالمثال، فانه اذا قال المولى «ان سافرت يجب عليك القصر» و لم يذكر موجبا آخر للقصر- أعني الخوف- كان هذا الاطلاق صحيحا، اذ تبين فيه ايجاب السفر للقصر، فالسفر علة للقصر مطلقا، بمعنى أنه ليس هناك بعض أفراد السفر غير موجب للقصر. و هذا الاطلاق لا ينافي ايجاب الخوف للقصر أيضا، اذ شرطية الشرط موجودة حتى في صورة التعدد، و لا تتفاوت شرطية الشرط حين الوحدة مع شرطيته حين التعدد.

و هذا بخلاف الوجوب، فان المولى اذا كان في مقام البيان لا بد له أن يبين العدل- لو كان- فلو قال «أطعم» مطلقا فيما كان الواجب أحد الامرين الصيام أو الاطعام.

28

هذا، مع انه لو سلم لا يجدى القائل بالمفهوم، لما عرفت انه لا يكاد ينكر فيما اذا كان مفاد الاطلاق من باب الاتفاق. ثم انه ربما استدل المنكرون للمفهوم بوجوه:

(أحدها) ما عزى الى السيد من ان تأثير الشرط انما هو تعليق الحكم به و ليس يمتنع ان يخلفه و ينوب منا به شرط آخر يجرى مجراه و لا يخرج عن كونه شرطا.

____________

فلا بد و ان يكون في مقام الاهمال، اذ وجود العدل ينافي وجوب الاطعام مطلقا فانه لا يجب الاطعام في ظرف وجود العدل. فتحصل ان اطلاق الشرط لا ينافي وجود شرط آخر، و اطلاق الواجب ينافي وجود العدل، فاطلاق الشرط لا يدل على عدم شرط آخر حتى يدل على المفهوم، بخلاف الواجب فان اطلاقه يدل على عدم واجب آخر الموجب لكون الواجب تعيينيا.

(هذا، مع انه لو سلم)

كون اطلاق الشرط مثل اطلاق الواجب، فكما يقتضي في الواجب عدم العدل يقتضي في الشرط عدم شرط آخر، لكنا نقول:

(لا يجدي)

هذا التنظير

(القائل بالمفهوم لما عرفت)

من‏

(أنه لا يكاد ينكر)

المفهوم‏

(فيما اذا كان مفاد الاطلاق من باب الاتفاق)

اذ المتكلم في الغالب انما هو بصدد كون هذا الشرط مؤثرا، و ليس في مقام بيان أن لا مؤثر غيره.

(ثم انه ربما استدل المنكرون للمفهوم بوجوه)

ثلاثة:

(أحدها: ما عزى)

أي نسب‏

(الى السيد)

المرتضى (قدس اللّه سره)

(من ان تأثير الشرط)

و فائدته‏

(انما هو تعليق الحكم به)

بحيث يتوقف الحكم على وجوده‏

(و ليس يمتنع ان يخلفه و ينوب منا به شرط آخر يجري مجراه)

أي مجرى الشرط الاول في ترتب الحكم عليه ايضا

(و لا يخرج)

الشرط الاول‏

(عن كونه شرطا)

29

فان قوله تعالى:

«وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ» (1)

يمنع من قبول الشاهد الواحد حتى ينضم اليه شاهد آخر، فانضمام الثانى الى الاول شرط فى القبول ثم علمنا ان ضم امرأتين الى الشاهد الاول شرط فى القبول ثم علمنا ان ضم اليمين يقوم مقامه أيضا، فنيابة بعض الشروط عن بعض أكثر من أن تحصى مثل الحرارة فان‏

____________

حين ما نابه شرط آخر.

مثلا: لو قال المولى «ان جاءك زيد فأكرمه» افاد كلمة ان تعليق وجوب الاكرام على المجي‏ء و ليس ممتنعا ان يخلف المجي‏ء شرط آخر كطلب العلم فيعلق الحكم عليه ايضا، فيكون الحاصل من الشرطين: ان جاءك زيد أو طلب العلم فأكرمه.

ثم ان السيد (ره) مثل بالشرط اللغوي فقال:

(فان قوله تعالى‏

«وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجالِكُمْ»

)

يفيد تعليق الحكم- اعني قبول قول الشاهد الواحد بانضمام شاهد آخر اليه- بحيث‏

(يمنع من قبول الشاهد الواحد حتى ينضم اليه شاهد آخر)

و هذا معنى الاشتراط، اذ لو لاه لكفى الواحد

(فانضمام الثاني الى الاول شرط فى القبول ثم علمنا)

من الخارج عن هذا اللفظ

(ان ضم امرأتين الى الشاهد الاول شرط فى القبول)

فقام هذا الشرط مقام الشرط الاول.

(ثم علمنا ان ضم اليمين يقوم مقامه ايضا)

فيكون شرط قبول قول الشاهد الواحد احد امور ثلاثة ضم شاهد آخر أو امرأتين أو يمين‏

(فنيابة بعض الشروط عن بعض اكثر من ان تحصى مثل الحرارة، فان)

الشمس طلوعها شرط في‏

____________

(1) البقرة: 282.

30

انتفاء الشمس لا يلزم منه انتفاء الحرارة لاحتمال قيام النار مقامها، و الامثلة لذلك كثيرة شرعا و عقلا.

و الجواب: انه «قده» ان كان بصدد اثبات امكان نيابة بعض الشروط عن بعض فى مقام الثبوت، و فى الواقع فهو مما لا يكاد ينكر ضرورة

____________

وجود الحرارة فى العالم مع أنه يخلفها شرط آخر بحيث يؤثر تأثيرها، اذ

(انتفاء الشمس لا يلزم منه انتفاء الحرارة لاحتمال قيام النار مقامها)

فالشرط للحرارة احد الامرين وجود الشمس أو النار

(و الامثلة لذلك)

الذي ذكرنا من نيابة بعض الشروط مقام بعض- المستلزم لانتفاء المفهوم-

(كثيرة شرعا و عقلا)

و انما قلنا ان امثلة السيد من باب الشرط اللغوى لا الاصطلاحى لان المثال الاول- اعني الآية- لم يذكر فيها كلمة الشرط، مع ان الشاهد الثاني و نحوه انما هو جزء المقوم لا شرط له. و المثال الثاني مع ورود الاشكال الاول عليه أنه علة لا شرط و كم فرق بينهما.

و انما مثل بهما السيد (ره) بجامع المدخلية. و حاصله ان مدخلية أمر بالنسبة الى امر- سواء أديت بلفظ التعليق ام لا و سواء كان جزءا أو علة تامة أو شرطا- انما تكون في الوجود فقط، بمعنى تعليق وجود الشي‏ء بوجود غيره.

اما الانتفاء عند الانتفاء الذي هو محط الكلام فلا، لاحتمال قيام شي‏ء آخر مقام الشي‏ء الاول.

(و الجواب)

عن هذا الدليل‏

(انه «قده» ان كان بصدد اثبات امكان نيابة بعض الشروط عن بعض في مقام الثبوت، و فى الواقع فهو مما لا يكاد ينكر)

اذ ليس هذا من الممتنع الذاتي غير القابل للوجود اصلا حتى ينكره احد

(ضرورة

31

ان الخصم يدعى عدم وقوعه فى مقام الاثبات، و دلالة القضية الشرطية عليه و ان كان بصدد ابداء احتمال وقوعه فمجرد الاحتمال لا يضره ما لم يكن بحسب القواعد اللفظية راجحا أو مساويا، و ليس فيما أفاده ما يثبت ذلك أصلا كما لا يخفى.

(ثانيها) انه لو دل لكان باحدى‏

____________

ان الخصم)

القائل بعدم المفهوم لا ينكر امكان التعدد في الواقع، بل انما

(يدعى عدم وقوعه في مقام الاثبات و دلالة القضية الشرطية عليه)

لانه يقول بدلالتها على الانتفاء عند الانتفاء، لا دلالتها على عدم الامكان حتى يعارض بالامكان‏

(و ان كان)

السيد

(بصدد ابداء احتمال وقوعه)

بعد الفراغ عن اصل الامكان، بمعنى أنه يحتمل ان يكون الشرط متعددا، فلا دلالة للفظ على الانتفاء عند الانتفاء

(فمجرد الاحتمال لا يضره)

أي لا يضر القائل بالمفهوم، اذ هو يدعى الظهور في المفهوم و الظهور لا يصادمه الاحتمال. مثلا: العام الظاهر في العموم لا يصادمه احتمال التخصيص‏

(ما لم يكن)

هذا الاحتمال‏

(بحسب القواعد اللفظية راجحا)

على احتمال المفهوم‏

(أو مساويا)

له‏

(و ليس فيما افاده)

السيد

(ما يثبت ذلك)

الرجحان أو المساواة

(اصلا)

.

و توضيح الجواب بمثال العام و الخاص: انه لو ورد عام بلا قرينة للتخصيص كان لنا التمسك بظهوره و القول بعدم التخصيص، و ليس لاحد ان يرد ذلك و يقول بعدم استفادة العموم منه لامكان التخصيص في نفسه أو لامكان عدم ارادة هذا الظاهر لان الامكان غير منكر، و عدم ارادة هذا الظاهر غير مضر إلّا اذا عارضه ما يساويه أو يرجح عليه‏

(كما لا يخفى)

فتبصر.

(ثانيها: انه لو دل)

الشرط على الانتفاء عند الانتفاء

(لكان باحدى‏

32

الدلالات و الملازمة كبطلان التالى ظاهرة. و قد اجيب عنه بمنع بطلان التالى و ان الالتزام ثابت، و قد عرفت بما لا مزيد عليه ما قيل أو يمكن أن يقال فى اثباته أو منعه فلا تغفل.

(ثالثها) قوله تبارك و تعالى‏

«وَ لا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً» (1)

. و فيه ما لا يخفى ضرورة ان استعمال الجملة الشرطية فيما لا مفهوم له- أحيانا

____________

(الدلالات)

الثلاث المطابقة و التضمن و الالتزام‏

(و الملازمة كبطلان التالي ظاهرة)

أما الملازمة فلان الدلالة تنحصر في هذه الثلاثة فلو كانت فى المقام دلالة لكانت باحداها، و اما بطلان التالى فلان الانتفاء عند الانتفاء ليس عين الثبوت عند الثبوت و لا جزئه و لا لازمه، اذ شرط الالتزام الملازمة عقلا أو عرفا و لا يوجد احدهما في المقام.

(و قد اجيب عنه بمنع بطلان التالي و ان الالتزام ثابت)

كما تقدم بيانه في ادلة المثبتين و أنه اما بالوضع أو بالقرينة العامة- اعني مقدمات الاطلاق-

(و)

حيث ان هذا الجواب ليس موافقا لمبنى المصنف (ره) من عدم المفهوم اشار الى رده بقوله: و

(قد عرفت بما لا مزيد عليه ما قيل أو يمكن ان يقال في اثباته)

أي اثبات التلازم‏

(أو منعه فلا تغفل)

و تدبر.

(ثالثها: قوله تبارك و تعالى:

«وَ لا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً»

)

فانه قد استعملت الجملة الشرطية في هذه الآية الكريمة و لا مفهوم لها، اذ لو كان لها مفهوم لكان المعنى جواز الاكراه حين عدم ارادة التحصن، و من المعلوم حرمة الاكراه على البغاء و الزنا مطلقا اردن التحصن ام لا.

(و فيه ما لا يخفى ضرورة ان استعمال الجملة الشرطية فيما لا مفهوم له- احيانا

____________

(1) النور: 33.

33

و بالقرينة- لا يكاد ينكر كما فى الآية و غيرها، و انما القائل به انما يدعى ظهورها فيما له المفهوم وضعا أو بقرينة عامة كما عرفت.

بقى هنا امور:

(الاول) ان المفهوم هو انتفاء سنخ الحكم المعلق على الشرط عند انتفائه لا انتفاء شخصه،

____________

و بالقرينة-)

الخارجية أو الداخلية

(لا يكاد ينكر كما في الآية و غيرها)

و انما تكون فائدة الشرط حث الموالي على عدم الاكراه، فانهن مع قلة عقولهن لو اردن التحصن فالمولى احق بهذه الارادة

(و انما القائل به)

أي بالمفهوم‏

(انما يدعي ظهورها)

أي الجملة الشرطية

(فيما له المفهوم)

أي ظهور الجملة في معنى يشتمل على خصوصية مستتبعة للمفهوم‏

(وضعا أو بقرينة عامة كما عرفت)

و لا يضره استعمالها في بعض الموارد فيما لا مفهوم له، اذ لا عبرة بالاستعمال المقرون بالقرينة و انما العبرة بالظهور. و ربما يقال: ان الشرط في الآية لتحقق الموضوع، و فيه تأمل.

(بقي هنا امور)

ثلاثة:

الامر

(الاول)

في تحقيق معنى المفهوم و ان المنتفى عند انتفاء الشرط ما هو، فنقول: الحكم قد يلاحظ شخصيا كالاكرام الذي هو معلول للمجي‏ء و قد يلاحظ نوعيا كالاكرام المطلق، لا نزاع بين القائلين بالمفهوم و عدمه في الاول و انما النزاع فى الثاني.

بيان ذلك:

(ان المفهوم)

عند مثبته‏

(هو انتفاء سنخ الحكم)

اعني انتفاء الاكرام الذي هو سنخ الاكرام‏

(المعلق على الشرط عند انتفائه)

أي انتفاء الشرط

(لا انتفاء شخصه)

أي شخص ذلك الحكم المعلق على الشرط، فانه لا نزاع‏

34

ضرورة انتفائه عقلا بانتفاء موضوعه و لو ببعض قيوده و لا يتمشى الكلام- فى ان للقضية الشرطية مفهوما أو ليس لها مفهوم- الا فى مقام كان هناك ثبوت سنخ الحكم فى الجزاء و انتفائه عند انتفاء الشرط ممكنا و انما وقع النزاع فى ان لها دلالة

____________

في انتفاء هذا الحكم بانتفاء الشرط

(ضرورة انتفائه عقلا بانتفاء موضوعه و لو)

كان انتفاء موضوعه‏

(ب)

سبب انتفاء

(بعض قيوده)

كأن يقول «اكرم زيدا ان جاءك ليلا» فانتفاء مجى‏ء زيد ليلا- و لو جاء نهارا- موجب لانتفاء الاكرام المعلق على المجى‏ء.

و لنوضح ذلك بمثال فنقول: قولنا «ان طلعت الشمس كانت الغرفة مضيئة» اذا كان لها مفهوم يلزم منه انتفاء اضاءة الغرفة مطلقا عند انتفاء طلوع الشمس، و ان لم يكن لها مفهوم كان ساكتا عن ذلك، و أمّا عدم اضاءة الغرفة بالاضاءة الشمسية فمقطوع به سواء قلنا بالمفهوم أم لا، فالكلام في المفهوم انما هو في الاضاءة التي هي سنخ الاضاءة الشمسية لا الاضاءة التي هي مستندة الى الشمس و مثل هذا جميع الجمل الشرطية، فان قولنا «ان جاء زيد فأكرمه» يقع الكلام في ان الاكرام مطلقا ينتفي عند انتفاء المجي‏ء أم لا يدل على ذلك، امّا انتفاء الاكرام المعلول للمجي‏ء عند انتفاء المجي‏ء فمما لا شك فيه لاحد.

(و)

مما ذكرنا من ان النزاع انما هو في الدلالة على انتفاء سنخ الحكم تعرف أنه‏

(لا يتمشى الكلام- في ان للقضية الشرطية مفهوما أو ليس لها مفهوم- الا في مقام كان هناك ثبوت سنخ الحكم في الجزاء)

أي الحكم الذي هو الجزاء

(و انتفائه)

عطف على ثبوت سنخ الحكم‏

(عند انتفاء الشرط ممكنا)

بأن كان هناك سنخ الحكم‏

(و انما وقع النزاع في ان لها)

أي للجملة الشرطية

(دلالة

35

على الانتفاء عند الانتفاء أو لا يكون لها دلالة و من هنا انقدح انه ليس من المفهوم و دلالة القضية على الانتفاء عند الانتفاء فى الوصايا و الاوقاف و النذور و الايمان كما توهم، بل عن الشهيد فى تمهيد القواعد: انه‏

____________

على الانتفاء عند الانتفاء)

كما يدعيه القائل بالمفهوم‏

(أو لا يكون لها دلالة)

كما يدعيه من لا يقول بالمفهوم.

فتحصل مما ذكر ان الجزاء لو كان شخصيا لم يعقل النزاع في المفهوم، اذ الحكم الشخصي تابع لموضوعه، فحيث ما ارتفع بلا خلاف، و ليس ارتفاعه حينئذ لأجل المفهوم بل لأجل ارتفاع الحكم الشخصي برفع موضوعه كارتفاع الحرارة المستندة الى الشمس برفع الشمس.

و هذا بخلاف ما لو كان الجزاء كليا فانه يمكن أن يقع النزاع في ان هذا اللفظ المعلق فيه الكلي على الشرط هل يدل على انتفاء الكلي أم لا يدل بل ساكت عن وجوده و عدمه كما لو علقت الحرارة الكلية بالشمس- أي علق عليها الحرارة غير المقيدة بالمستندة-.

(و من هنا)

الذي ذكرنا من انّه لا يتمشى الكلام الّا فيما كان ثبوت سنخ الحكم ممكنا

(انقدح أنه ليس من المفهوم و دلالة القضية على الانتفاء عند الانتفاء في الوصايا و الاوقاف و النذور و الايمان)

و في بعض النسخ:

«دلالة القضية» الخ.

و كيف كان فلو أوصى باعطاء داره لسكنى العلماء أو نذر ذلك أو أوقفه كذلك أو حلف بذلك لم يجز التخطي عنه باعطائها لغيرهم، فانه ربما يقال بأن عدم الجواز من باب المفهوم‏

(كما توهم، بل عن الشهيد فى تمهيد القواعد: انه‏

36

لا اشكال فى دلالتها على المفهوم، و ذلك لان انتفاءها عن غير ما هو المتعلق لها من الاشخاص التى تكون بألقابها أو بوصف شى‏ء أو بشرطه مأخوذة فى العقد أو مثل العهد ليس بدلالة الشرط أو الوصف أو اللقب عليه، بل لأجل انه اذا صار شى‏ء وقفا على أحد أو أوصى به أو نذر له الى غير ذلك لا يقبل أن يصير وقفا على غيره أو وصية أو نذرا له و انتفاء شخص الوقف أو النذر أو الوصية عن غير مورد المتعلق قد عرفت انه عقلى مطلقا،

____________

لا اشكال في دلالتها على المفهوم)

و لكن لا يخفى بطلان استناد عدم الجواز الى المفهوم‏

(و ذلك لان انتفاءها)

أي انتفاء دلالة القضية على الانتفاء عند الانتفاء

(عن غير ما هو المتعلق لها من الاشخاص)

بيان ما

(التي تكون)

تلك الاشخاص‏

(بألقابها)

نحو وقفت داري للفقير

(أو بوصف شي‏ء)

نحو للرجل العادل‏

(أو بشرطه)

نحو بشرط أن يكون مسلما

(مأخوذة في العقد)

أي عقد الوصية و الوقف و نحوهما

(أو مثل العهد)

كالنذر و اليمين و العهد

(ليس بدلالة الشرط أو الوصف أو اللقب عليه)

أي على الانتفاء.

و هذا خبر أن في قوله «لان انتفائها» الخ فانتفاء جواز السكنى لغير الفقير و العادل و المسلم ليس من باب المفهوم‏

(بل لأجل أنه اذا صار شي‏ء وقفا على أحد أو أوصى به أو نذر له)

أو حلف عليه أو عهد مع اللّه فيه‏

(الى غير ذلك لا يقبل أن يصير وقفا على غيره أو وصية أو نذرا له)

لان المعلق شخصي لا كلي‏

(و انتفاء شخص الوقف أو النذر أو الوصية عن غير مورد المتعلق قد عرفت أنّه عقلي)

اذ ينتفى الشي‏ء بانتفاء موضوعه‏

(مطلقا)

و فسّره‏

37

و لو قيل بعدم المفهوم فى مورد صالح له.

[اشكال و دفع‏]

(اشكال و دفع) لعلك تقول: كيف يكون المناط فى المفهوم هو سنخ الحكم لا نفس شخص الحكم فى القضية، و كان الشرط فى الشرطية انما وقع شرطا بالنسبة الى الحكم الحاصل بانشائه دون غيره، فغاية قضيتها انتفاء ذاك الحكم بانتفاء شرطه لا انتفاء سنخه‏

____________

بقوله:

(و لو قيل بعدم المفهوم في مورد صالح له)

ممّا علّق الكلي على الموضوع.

و الحاصل: ان مورد النزاع هو ما علق الجنس لا الشخص، أما لو علّق الشخص فلا اشكال في الانتفاء عند الانتفاء لكنه ليس من باب المفهوم، بل من جهة حكم العقل.

«اشكال و دفع» أما الاشكال فهو انا لا نسلم كون المفهوم انتفاء نوع الحكم المعلق بل انتفاء شخصه، اذ الشرط انما هو شرط لهذا الحكم المذكور المنشأ شخصيا و ليس هذا الشرط شرطا للجنس حتى يستلزم من انتفائه انتفاء سنخ الحكم، اذ ليس في القضية ذكر عن الجنس، فلا بد و أن يلزم من انتفاء هذا الشرط انتفاء هذا الحكم الشخصي المنشأ لا انتفاء جنسه‏

(لعلك تقول: كيف يكون المناط في المفهوم هو)

انتفاء

(سنخ الحكم لا)

انتفاء

(نفس شخص الحكم)

المنشأ

(في القضية و)

الحال أنه‏

(كان الشرط في)

القضية

(الشرطية انما وقع شرطا بالنسبة الى)

هذا

(الحكم)

الشخصي‏

(الحاصل بانشائه دون غيره، فغاية قضيتها)

أي مقتضى الجملة الشرطية

(انتفاء ذاك الحكم)

الشخصي‏

(بانتفاء شرطه لا انتفاء سنخه)

38

و هكذا الحال فى سائر القضايا التى تكون مفيدة للمفهوم، و لكنك غفلت عن ان المعلق على الشرط انما هو نفس الوجوب الذى هو مفاد الصيغة و معناها

____________

اذ ليس من السنخ في القضية الشرطية عن و لا أثر، فمن اين يدل المفهوم على انتفائه؟

(و هكذا الحال في سائر القضايا)

الشرطية

(التي تكون مفيدة للمفهوم)

فمقتضى «ان كانت الشمس طالعة كان النهار موجودا، أو كانت الغرفة مضيئة» عدم وجود النهار و اضاءة الغرفة المستندين الى طلوع الشمس، أما غير المستند اليه فلا يدل المفهوم على انتفائه، و مثله قولنا «ان كان زيد فقيها كان مستنبطا» فان استنباط زيد ينتفي عند انتفاء فقاهته، لا أن سنخ استنباطه ينتفي عند انتفاء فقاهته. و بهذا الاشكال اتضح عدم الفرق بين الجملة الشرطية و بين الوقف و النذر و الحلف و امثالها فالحكم الشخصي في الجميع ينتفي عند انتفاء الموضوع، و أما وجود سنخ الحكم و عدمه فهو مسكوت عنه.

(و لكنك غفلت عن)

دفع هذا الاشكال و حاصله: انا نسلم كون الشرط شرطا لهذا الحكم المنشأ و ان انتفاء الشرط لا يستلزم إلّا انتفاء نفس هذا الحكم المنشأ لا غير و لكن لا نسلم جزئية الحكم المنشأ بل المنشأ جنس، اذ

(ان المعلق على الشرط انما هو نفس الوجوب الذي هو مفاد الصيغة و معناها)

اذ قد حققنا سابقا ان المعاني الحرفية- و منها الهيئات- مثل الاسماء في الموضوع له طابق النعل بالنعل فمعنى «فأكرمه» وجوب الاكرام المطلق، و الانشاء انما تعلق بهذا الوجوب الكلي المساوق لكلمة «واجب» فكما ان في قولنا: «ان جاءك زيد فاكرامه واجب» يكون المعلق على المجي‏ء جنس وجوب الاكرام، كذلك في قولنا: «أن جاءك زيد فأكرمه»

39

و أما الشخص و الخصوصية الناشئة من قبل استعمالها فيه فلا تكاد تكون من خصوصيات معناها المستعملة فيه كما لا يخفى، كما لا تكون الخصوصية الحاصلة من قبل الاخبار به من خصوصيات ما اخبر به و استعمل فيه اخبارا لا إنشاء و بالجملة كما لا يكون المخبر به المعلق على الشرط خاصا بالخصوصيات الناشئة من قبل الاخبار به كذلك المنشأ بالصيغة المعلق عليه. و

____________

المعلق جنس الوجوب.

(و أما الشخص و الخصوصية الناشئة من قبل استعمالها)

أي الصيغة

(فيه)

أي في الوجوب‏

(فلا تكاد تكون)

تلك الخصوصية الاستعمالية

(من خصوصيات معناها)

أي معنى الصيغة

(المستعملة)

تلك الصيغة

(فيه)

أي في هذا المعنى الخاص‏

(كما لا يخفى)

فان الانشاء كالاخبار انما هما من خصوصيات الاستعمال لا من خصوصيات المستعمل فيه، و

(كما لا تكون الخصوصية الحاصلة من قبل الاخبار به)

في قولنا «أن جاءك زيد فاكرامه واجب»

(من خصوصيات ما اخبر به و استعمل فيه اخبارا لا إنشاء)

كذلك لا تكون الخصوصية الحاصلة من قبل الانشاء من خصوصيات المستعمل فيه.

(و بالجملة)

لا فرق بين الانشاء و الاخبار و لا دخل لهما في تخصيص المستعمل فيه، ف

(كما لا يكون المخبر به)

كقولنا «فاكرامه واجب»

(المعلق على الشرط)

و هو قولنا «ان جاءك زيد»

(خاصا بالخصوصيات الناشئة من قبل الاخبار به)

بل هو على حاله قبل الاستعمال من الكلية و الاستقلال‏

(كذلك المنشأ بالصيغة المعلق عليه)

أي على الشرط.

(و)

ان قلت: الهيئة المنشأة في الصيغة حرف و المعاني الحرفية جزئية

40

قد عرفت بما حققناه فى معنى الحرف و شبهه ان ما استعمل فيه الحرف عام كالموضوع له، و ان خصوصية لحاظه بنحو الآلية- و الحالية لغيره- من خصوصية الاستعمال كما ان خصوصية لحاظ المعنى بنحو الاستقلال فى الاسم كذلك، فيكون اللحاظ الآلي كالاستقلالى من خصوصيات الاستعمال لا المستعمل فيه‏

____________

على مذاق القوم، فالحكم المعلق على الشرط جزئي لا كلي. قلت:

(قد عرفت بما حققناه في معنى الحرف و شبهه)

عدم تمامية كون المعنى الحرفي جزئيا، بل الصحيح‏

(أن ما استعمل فيه الحرف عام كالموضوع له، و)

قد تقدم‏

(أن خصوصية لحاظه)

أي لحاظ الحرف‏

(بنحو الآلية- و الحالية لغيره- من خصوصية الاستعمال)

و هذا النحو من اللحاظ و الخصوصية لا يسبب جزئية المعنى‏

(كما ان خصوصية لحاظ المعنى بنحو الاستقلال في الاسم كذلك)

لا يصير سببا لجزئية المعنى، فالمعنى في كليهما عام و اللحاظ لا يسبب جزئيته‏

(فيكون اللحاظ الآلي)

في الحرف‏

(كالاستقلالى من خصوصيات الاستعمال لا المستعمل فيه)

و كأن القائل بالجزئية توهم كون الوجوب في الجزاء مقيدا بقيد الانشاء، و عليه فالوجوب المقيد بهذا القيد جزئي اذا أنشأ الوجوب بمعنى ايجاده- على مذاق المصنف (ره) و جماعة- و من المعلوم أن كل موجود جزئي حقيقي، اذ الشي‏ء ما لم يتشخص لم يوجد.

و قد غفل المتوهم عن أن الانشاء كالاخبار ليس قيدا للموضوع له «افعل» بل من كيفية الاستعمال، فان الانسان قد يستعمل الوجوب بلباس الانشاء فيقول «افعل» و قد يستعمله بلباس الاخبار فيقول «يجب عليك» أو واجب، و إلّا فلو لوحظ الوجوب المقيد بقيد الانشاء في افعل يلزم ملاحظته بقيد الاخبار في واجب، فيكون كلاهما

41

و بذلك قد انقدح فساد ما يظهر من التقريرات فى مقام التفصى عن هذا الاشكال من التفرقة بين الوجوب الاخبارى و الانشائى بأنه كلى فى الاول و خاص فى الثانى، حيث دفع الاشكال بأنه لا يتوجه فى الاول لكون الوجوب كليا، و على الثانى بأن ارتفاع مطلق الوجوب فيه من فوائد العلّية المستفادة من الجملة الشرطية، حيث كان ارتفاع شخص الوجوب ليس مستندا الى ارتفاع العلة المأخوذة فيها، فانه‏

____________

جزئيا- فتدبر.

(و بذلك)

الذي ذكرنا من كون المعنى في الجزاء كليا، و انما خصوصية الانشائية مربوطة بالاستعمال لا المستعمل فيه‏

(قد انقدح فساد ما يظهر من التقريرات في مقام التفصي عن هذا الاشكال من التفرقة بين الوجوب الاخباري)

المعلق على الشرط نحو «ان جاء زيد وجب اكرامه»

(و الانشائي)

نحو «أكرمه»

(بأنه كلي في الاول و خاص)

و جزئي‏

(في الثانى، حيث دفع الاشكال)

الذي تقدم في قولنا «لعلك تقول»

(بأنه لا يتوجه في الاول)

و هو ما كان المعلق على الشرط جملة خبرية

(لكون الوجوب كليا، و على الثاني)

و هو ما كان المعلق على الشرط جملة إنشائية أجاب بعد تسليم كون الوجوب المعلق جزئيا

(بأن ارتفاع مطلق الوجوب فيه)

في هذا القسم الثاني عند ارتفاع المقدم‏

(من فوائد العلّية المستفادة من الجملة الشرطية)

بمعنى أنه حيث وقع هذا الوجوب الجزئي الشخصي جزاء للشرط، و بعد انتفائه كان اللازم انتفاء جنس الحكم و سنخ الوجوب عند انتفاء الشرط، و لا يمكن أن يكون مفيدا لانتفاء شخص الوجوب و إلّا لم يكن لاداة الشرط فائدة أصلا

(حيث كان ارتفاع شخص الوجوب ليس مستندا الى ارتفاع العلة)

التي هي الشرط

(المأخوذة فيها)

أي في الجملة الشرطية

(فانه)

أي‏

42

يرتفع و لو لم يوجد فى حيال أداة الشرط كما فى اللقب و الوصف و أورد على ما تفصى به عن الاشكال بما ربما يرجع الى ما ذكرناه بما حاصله ان التفصى لا يبتنى على كلية الوجوب لما أفاده‏

____________

شخص الوجوب‏

(يرتفع و لو لم يوجد في حيال أداة الشرط كما)

ترى يرتفع المحمول‏

(في اللقب و الوصف)

فلو قال «زيد قائم» أو «العالم يجب اكرامه» انتفى القيام الشخصي و وجوب الاكرام الشخصي بانتفاء زيد و العالم.

و الحاصل: ان شخص الوجوب ينتفي بانتفاء الموضوع و لو لم يعلق بان الشرطية و نحوها، ضرورة انتفاء الحكم بانتفاء موضوعه، فاللازم ان يكون التعليق بالشرط مفيدا لفائدة لم تكن لو لا الشرط، و لا تتصور فائدة الا انتفاء سنخ الحكم عند انتفاء الشرط و بهذا ظهر ان صاحب التقريرات يسلم كون الوجوب في الانشاء شخصيا، و انما يرى انتفاء سنخ الحكم من فوائد أداة الشرط كي يبقى فرق بين المعلق على الاداة و غيره.

(و)

قد

(أورد)

صاحب التقريرات‏

(على ما تفصى به عن الاشكال بما ربما يرجع الى ما ذكرناه)

يعني أن بعضهم أجاب عن الاشكال المتقدم في قولنا «اشكال و دفع» بجواب يرجع حاصله الى جوابنا السابق في قولنا «و لكنك غفلت» الخ الذي كان حاصله أن الجزاء في الجملة الشرطية كلي اخبارا كان أم إنشاء

(بما حاصله)

متعلق بأورد

(أن التفصى)

عن الاشكال‏

(لا يبتني على كلية الوجوب)

في الانشاء المعلق على الشرط

(لما أفاده)

صاحب التقريرات، و هذا وجه عدم الابتناء- أي يمكن التخلص عن الاشكال بما ذكرناه- من أن ارتفاع مطلق الوجوب من فوائد العلية الخ، و حينئذ لا نحتاج الى جعل الوجوب كليا.

43

و كون الموضوع فى الانشاء عاما لم يقم عليه دليل لو لم نقل بقيام الدليل على خلافه حيث ان الخصوصيات بأنفسها مستفادة من الالفاظ و ذلك لما عرفت من ان الخصوصيات فى الانشاءات و الاخبارات انما تكون ناشئة من الاستعمالات بلا تفاوت أصلا بينهما. و لعمرى لا يكاد ينقضى تعجبى كيف تجعل خصوصيات الانشاء من خصوصيات المستعمل فيه مع انها كخصوصيات الاخبار تكون ناشئة من الاستعمال و لا يكاد يمكن أن يدخل فى المستعمل فيه ما ينشأ من قبل الاستعمال‏

____________

(و)

هذا مضافا الى أن‏

(كون الموضوع في الانشاء عاما لم يقم عليه دليل لو لم نقل بقيام الدليل على خلافه)

فان الدليل قام على كون الموضوع في الانشاء جزئيا

(حيث ان الخصوصيات)

الانشائية

(بانفسها مستفادة من الالفاظ)

و ذلك مما يدل على دخلها في الموضوع له، اذ لو لم تكن تلك الخصوصيات دخيلة في الموضوع له لم تكن تستفاد من الالفاظ، بل اللازم أن تستفاد من الخارج و القرائن، فصيغة «افعل» موضوعة للوجوب الخاص الانشائي لا أنها موضوعة للوجوب المطلق و الخصوصية مستفادة من الخارج‏

(و ذلك)

أي بيان ذلك الذي ذكرنا من انقداح فساد ما في التقريرات‏

(لما عرفت)

غير مرة

(من أن الخصوصيات في الانشاءات و الاخبارات انما تكون ناشئة من الاستعمالات)

لا دخلية في الموضوع له، فالانشاء و الاخبار من هذا الحيث سيان‏

(بلا تفاوت أصلا بينهما)

.

(و لعمري لا يكاد ينقضي تعجبي كيف تجعل)

بالبناء للمفعول‏

(خصوصيات الانشاء من خصوصيات المستعمل فيه)

المقتضى لجزئية المعنى‏

(مع أنها)

أي خصوصيات الانشاء

(كخصوصيات الاخبار تكون ناشئة من الاستعمال، و لا يكاد يمكن أن يدخل في المستعمل فيه ما ينشأ من قبل الاستعمال)

اذ المستعمل فيه‏

44

كما هو واضح لمن تأمل.

(الامر الثانى) انه اذا تعدد الشرط مثل «اذا خفى الاذان فقصر» و «اذا خفى الجدران فقصر» فبناء على ظهور الجملة الشرطية فى المفهوم لا بد من التصرف و رفع اليد عن الظهور، اما بتخصيص مفهوم كل منهما بمنطوق الآخر فيقال بانتفاء وجوب القصر

____________

لا بد و ان يوجد قبل الاستعمال حتى يستعمل فيه اللفظ، فالانشائية و الاخبارية اللتان تتحققان مع الاستعمال لا يعقل دخلهما في المستعمل فيه‏

(كما هو واضح لمن تأمل)

هذا و لكن المصنف (ره) لم يجب عما ذكره التقريرات من استفادة سنخ الوجوب من أداة الشرط، مع أن فيه ما فيه- فتدبر.

(الامر الثاني)

في بيان وجه الجمع بين الشرطين الواردين على جزاء واحد

(انه اذا تعدد الشرط)

و اتحد الجزاء

(مثل «اذا خفى الاذان فقصر» و «اذا خفى الجدران فقصر»)

سواء كانا في كلام واحد أم في كلامين‏

(فبناء على ظهور الجملة الشرطية في المفهوم لا بد من التصرف)

بأحد وجوه أربعة

(و رفع اليد عن الظهور)

في الجملة، اذ الاخذ بظهور كليهما موجب للتنافي بينهما، فان مفهوم اذا خفى الاذان عدم القصر اذا لم يخف سواء خفى الجدران أم لا، و مفهوم اذا خفى الجدران عدم القصر اذا لم تخف سواء خفى الاذان أم لا، فلو خفى أحدهما و لم يخف الآخر تعارض الدليلان فمنطوق المخفي يحكم بالقصر و مفهوم غير المخفي يحكم بالتمام:

1-

(اما بتخصيص مفهوم كل منهما بمنطوق الآخر)

كأن يقال: اذا خفى الاذان فقصر، و اذا لم يخف لم يجب القصر إلّا اذا خفى الجدران، و كذا في اذا خفى الجدران‏

(فيقال)

في نتيجة الجمع بهذا النحو

(بانتفاء وجوب القصر

45

عند انتفاء الشرطين، و اما برفع اليد عن المفهوم فيهما فلا دلالة لهما على عدم مدخلية شى‏ء آخر فى الجزاء. بخلاف الوجه الاول فان فيهما الدلالة على ذلك، و اما بتقييد اطلاق الشرط فى كل منهما بالآخر

____________

عند انتفاء الشرطين)

فكلما حصل أحد الشرطين وجب القصر، و حيث لم يحصلا وجب التمام، فخفاء الجدران وحده كاف و ان لم يخف الاذان، و خفاء الاذان وحده كاف و ان لم يخف الجدران، و خفاء كليهما بطريق أولى. أما لو لم يخفيا بل كانا بارزين وجب التمام.

2-

(و اما برفع اليد عن المفهوم فيهما)

فيكون كل منهما من قبيل زيد قائم، يعنى أن خفاء الجدران موجب للقصر و خفاء الاذان موجب للقصر

(فلا دلالة لهما على)

المفهوم الذي مفاده‏

(عدم مدخلية شي‏ء آخر فى الجزاء)

بل كل منهما يشتمل على حكم ايجابي فقط. ثم ان الفرق بين هذا الوجه و الوجه الاول- مع اشتراك كليهما في النتيجة- هو ان هذا الوجه لا يقول بالمفهوم أصلا، فلا يقع بينهما تعارض و تقييد أصلا

(بخلاف الوجه الاول فان فيهما الدلالة على ذلك)

أي على عدم مدخلية شي‏ء آخر فى الجزاء، فيقع التعارض و يقيد مفهوم كل بمنطوق الآخر. مثال ذلك: ان وجه الاول من قبيل: أكرم زيدا و لا تكرم غيره، أكرم عمروا و لا تكرم غيره، و الوجه الثاني من قبيل أكرم زيدا أكرم عمروا.

3-

(و اما بتقييد اطلاق الشرط)

أي المنطوق‏

(في كل منهما بالآخر)

فيكون معنى اذا خفى الاذان: اذا خفى الاذان بشرط خفاء الجدران، و اذا خفى الجدران بشرط خفاء الاذان.

و على هذا فيكون القصر واجبا حيث يخفى الاذان و الجدران كلاهما،

46

فيكون الشرط هو خفاء الاذان و الجدران معا، فاذا خفيا وجب القصر و لا يجب عند انتفاء خفائهما و لو خفى أحدهما، و اما بجعل الشرط هو القدر المشترك بينهما، بأن يكون تعدد الشرط قرينة على ان الشرط فى كل منهما ليس بعنوانه الخاص بل بما هو مصداق لما يعمهما من العنوان، و لعل العرف يساعد على الوجه الثانى‏

____________

و لا يجوز في الصور الثلاثة الأخر- أعني خفاء الجدران فقط أو خفاء الاذن فقط أو عدم خفاء كليهما- و عليه فهذا عكس الاولين في النتيجة

(فيكون الشرط)

في القصر

(هو خفاء الاذان و الجدران معا، فاذا خفيا وجب القصر و لا يجب)

بل لا يجوز القصر

(عند انتفاء خفائهما و لو خفى أحدهما)

كما تقدم.

4-

(و اما بجعل الشرط)

في وجوب القصر

(هو القدر المشترك بينهما، بأن يكون)

الشرط في الواقع أمرا واحدا جامعا بينهما و

(تعدد الشرط)

في الدليل‏

(قرينة على ان الشرط في كل منهما)

خفاء الاذان و الجدران‏

(ليس بعنوانه الخاص)

مؤثرا

(بل)

مؤثريته في القصر

(بما هو مصداق لما يعمهما من العنوان)

بيان ما كأن يكون المقدار الخاص من البعد عن البلد سببا للقصر و تحققه بأحد من خفاء الجدار و خفاء الاذان.

ثم ان كل واحد من الامرين اما كاشف بغير مدخلية نفسه، و اما دخيل بسبب الجامع الموجود في ضمنه، و عليه فهذا القسم يطابق القسمين الاولين في النتيجة و ان خالفهما في ان الشرط هو الجامع أو المكشوف- في هذا القسم- و كل واحد من الامرين- في القسمين-

(و لعل العرف يساعد على الوجه الثاني)

لان الجملة

47

كما ان العقل ربما يعيّن هذا الوجه بملاحظة ان الامور المتعددة بما هى مختلفة لا يمكن أن يكون كل منهما مؤثرا فى واحد، فانه لا بد من الربط الخاص بين العلة و المعلول، و لا يكاد يكون الواحد بما هو واحد مرتبطا بالاثنين بما هما اثنان، و لذلك أيضا

____________

الشرطية تكون ظاهرة في المفهوم لديهم حيث لم تقم قرينة على الخلاف، لانهم يفهمون حينئذ انحصار السبب المستلزم للمفهوم، اما اذا كانت هناك قرينة على خلاف الانحصار- و من القرائن تعدد الشرط- فلا، فتدبر.

(كما ان العقل ربما يعيّن هذا الوجه)

الرابع، و هو أن يكون المؤثر في الجزاء هو القدر المشترك بين الشرطين لا كل شرط على حياله و استقلاله‏

(بملاحظة ان الامور المتعددة بما هي)

امور

(مختلفة لا يمكن أن يكون كل)

واحد

(منهما مؤثرا في)

شي‏ء

(واحد، فانه لا بد من الربط الخاص)

و السنخية

(بين العلة و المعلول)

اذ لو لا السنخية لزم امكان تأثير كل شي‏ء في كل شي‏ء، و حيث ان هذا غير معقول لزم وجود السنخية و المناسبة، فكلما وجدت أمكن التأثير و كلما لم توجد لم يمكن.

ثم لا يذهب عليك أن هذا الدليل على تقدير تماميته انما يجرى في الفاعل بالجبر كما لا يخفى.

(و)

حيث اعتبرنا السنخية لا بد و أن يكون علة كل معلول أمرا واحدا و

(لا يكاد يكون)

المعلول‏

(الواحد بما هو واحد مرتبطا بالاثنين)

أي علتين‏

(بما هما اثنان)

بأن لا يكون بينهما جهة جامعة بها تؤثران في المعلول‏

(و لذلك)

البرهان المتقدم من لزوم السنخية بين العلة و المعلول تنعكس القضية

(أيضا)

فيقال:

48

لا يصدر من الواحد الا الواحد. فلا بد من المصير الى ان الشرط فى الحقيقة واحد، و هو المشترك بين الشرطين بعد البناء على رفع اليد عن المفهوم و بقاء اطلاق الشرط فى كل منهما على حاله،

____________

(لا يصدر من)

العلة

(الواحد)

ة

(الا)

المعلول‏

(الواحد)

و هذه القضية عكس ما تقدم من انه لا يصدر المعلول الواحد الا من العلة الواحدة.

و الحاصل: ان المعلول الواحد لا بد و أن يصدر من العلة الواحدة، كما و ان العلة الواحدة لا يصدر منها الا معلول واحد

(فلا بد)

حينئذ

(من المصير)

في مسألة الشروط المتعددة

(الى ان الشرط في الحقيقة واحد، و هو المشترك بين الشرطين)

فهو المؤثر في الجزاء كما تقدم من مثال البعد عن البلد في اشتراط القصر.

ثم ان القول بأن الشرط هو الجامع انما يكون‏

(بعد البناء على رفع اليد عن المفهوم و بقاء اطلاق الشرط في كل منهما على حاله)

قال السيد الحكيم مد ظلّه في قوله «فلا بد» تفريع على قوله «و لعل العرف» و قوله «كما ان العقل ...» الخ يعني بعد مساعدة العرف على الثاني، و بناء العقل على امتناع تأثير كل من الشرطين بخصوصه في الجزاء، لا بد من الجمع بين القول بعدم المفهوم للقضية الشرطية عند التعدد و القول بأن الشرط هو الجامع بين الشرطين‏ (1) انتهى.

و لكن هذا انما يتم مع بقاء اطلاق الشرط، بحيث يؤثر كل شرط بسبب وجود الجامع في ضمنه بلا اعتبار انضمام الشرط الآخر اليه. أما لو لم نقل ببقاء هذا الاطلاق فاللازم القول بتأثير الشرطين معا، فلا يستقيم قول المصنف (ره):

____________

(1) حقايق الاصول ج 1 ص 461.

49

و ان كان بناء العرف و الاذهان العامية على تعدد الشرط و تأثير كل شرط بعنوانه الخاص- فافهم.

و اما رفع اليد عن المفهوم فى خصوص أحد الشرطين و بقاء الآخر على مفهومه فلا وجه لان يصار

____________

«فلا بد من المصير» الخ- فتدبر.

(و ان كان بناء العرف و الاذهان العامية على تعدد الشرط و تأثير كل شرط بعنوانه الخاص)

فانهم يرون أن كل واحد من خفاء الاذان و خفاء الجدران سببا مستقلا للقصر، لا ان الجامع الموجود في كل واحد منهما سبب‏

(فافهم)

يمكن أن يكون اشارة الى عدم تمامية البرهان الذي استندوا اليه للقضيتين- أعني الواحد لا يصدر» الخ و عكسه- فان السنخية لم يقم على لزومها دليل حتى في الفاعل بالجبر، فانه من المعقول قطعا أن يؤثر شي‏ء في شي‏ء بلا سنخية، فان المؤثرية انما هي بجعل اللّه تكوينا و لا مانع من جعله امورا متعددة متباينة الماهية مؤثرة في أمر واحد كالعكس بأن يجعل أمرا واحدا مؤثرا في امور متعددة.

هذا كله في غير الامور الاعتبارية و أما الاعتباريات فالامر فيها أوضح، اذ لا تأثير في الحقيقة.

هذا تمام الكلام في الوجوه الاربعة التي بها يمكن الجمع بين الشرطين‏

(و أما)

الوجه الخامس في الجمع و هو

(رفع اليد عن المفهوم في خصوص أحد الشرطين و بقاء الآخر على مفهومه)

كما حكى عن الحلي (ره) في مسألة الاذان و الجدران، فجعل المناط في القصر هو خفاء الاذان فقط المستلزم لبقاء مفهوم اذا خفى الاذان، و رفع اليد عن مفهوم اذا خفى الجدران، و كأنه استظهر عدم مدخلية خفاء الجدران و انما هو من علامات خفاء الاذان‏

(فلا وجه لان يصار

50

اليه إلّا بدليل آخر إلّا أن يكون ما أبقى على المفهوم أظهر فتدبر جيدا.

(الامر الثالث) اذا تعدد الشرط و اتحد الجزاء فلا اشكال على الوجه الثالث.

و أما على سائر الوجوه فهل اللازم لزوم الاتيان بالجزاء متعددا حسب تعدد الشروط أو يتداخل و يكتفى باتيانه دفعة واحدة

____________

اليه إلّا بدليل آخر)

خارج عن الجملتين، اذ هذا الجمع ترجيح بلا مرجح كما لا يخفى‏

(إلّا أن يكون ما أبقى على المفهوم أظهر)

مما رفع اليد عن مفهومه و يكون المراد برفع اليد حمله على العرفية كما تقدم‏

(فتدبر جيدا)

و في بعض النسخ ليس قوله: «و أما رفع اليد» الخ موجودا و كأنه لما حكى من شطب المصنف (ره) عليه.

(الامر الثالث- اذا تعدد الشرط و اتّحد الجزاء)

كأن يقول اذا بلت فتوضأ و اذا نمت فتوضأ، فان موضوع الجزاء- و هو الوضوء- أمر واحد

(فلا اشكال على الوجه الثالث)

من الوجوه المتقدمة في الامر الثاني، و هو تقييد كل من المنطوقين بالآخر حتى يكون المجموع شرطا واحدا، و يكون معنى الجملتين: اذا بلت و نمت فتوضأ، حتى لا يكون كل واحد من الشرطين كافيا في وجوب الجزاء، بل الامران معا سبب له بحيث يصير كل واحد جزء سبب.

(و أمّا على سائر الوجوه)

الثلاثة الأخر التي كان كل واحد منها شرطا مستقلا لوجود الجزاء بحيث كان يؤثر بلا احتياج الى انضمام الآخر

(فهل اللازم لزوم الاتيان بالجزاء متعددا حسب تعدد الشروط)

كأن يجب على من بال و نام الوضوء مرتين‏

(أو يتداخل و يكتفي باتيانه دفعة واحدة)

فلا يجب الا

51

فيه أقوال، و المشهور عدم التداخل، و عن جماعة منهم المحقق الخوانساري (ره) التداخل، و عن الحلى التفصيل بين اتحاد جنس الشروط و تعدده. و التحقيق انه لما كان ظاهر الجملة الشرطية حدوث الجزاء عند حدوث الشرط بسببه أو بكشفه عن سببه و كان قضيته تعدد الجزاء عند تعدد الشرط، كان الاخذ بظاهرها اذا تعدد الشرط حقيقة أو وجودا محالا،

____________

وضوء واحد، أو يفصل بين ما اتحد الجنس كما لو بال مرتين فيتداخل و بين ما اختلف كما لو بال و نام فيتعدد

(فيه أقوال، و المشهور)

بين العلماء

(عدم التداخل، و عن جماعة منهم المحقق الخونساري (ره) التداخل، و عن الحلي)

(قدس سره)

(التفصيل بين اتحاد جنس الشروط)

فيتداخل‏

(و تعدده)

فلا يتداخل.

و من البديهي أن هذا النزاع انما يجرى فيما أمكن التعدد في الجزاء، و أما ما لم يمكن كما لو أتى بأسباب القتل- كما لو ارتد و لاط و قتل- فلا خفاء في التداخل، و ان كان في نحو هذه المسألة كلام- فتدبر.

(و التحقيق انه لما كان ظاهر الجملة الشرطية حدوث الجزاء عند حدوث الشرط بسببه)

أي بسبب الشرط

(أو بكشفه عن سببه)

أي كشف الشرط عن سبب الجزاء كأن يكون البول هو بنفسه سببا للوضوء أو كاشفا عن طريان حالة نفسانية مظلمة هي سبب للوضوء

(و كان قضيته)

أي مقتضى كون الشرط سببا أو كاشفا عن سبب‏

(تعدد الجزاء عند تعدد الشرط)

اذ لا يعقل توارد علتين تامتين على معلول واحد

(كان الاخذ بظاهرها)

أي ظاهر الجملة الشرطية

(اذا تعدد الشرط حقيقة)

كأن نام و بال‏

(أو وجودا)

كأن بال مرتين‏

(محالا)

52

ضرورة ان لازمه أن يكون الحقيقة الواحدة- مثل الوضوء- بما هى واحدة، فى مثل «اذا بلت فتوضأ و اذا نمت فتوضأ» أو فيما اذا بال مكررا أو نام كذلك محكوما بحكمين متماثلين، و هو واضح الاستحالة كالمتضادين، فلا بد على القول بالتداخل من التصرف فيه اما بالالتزام بعدم دلالتها فى هذا الحال على الحدوث عند الحدوث بل على مجرد

____________

خبر كان.

و بيّن وجه الاستحالة بقوله:

(ضرورة ان لازمه)

أي لازم كون الجملة الشرطية ظاهرة في الحدوث عند الحدوث‏

(أن يكون الحقيقة الواحدة- مثل الوضوء- بما هي واحدة، في مثل: «اذا بلت فتوضأ. و اذا نمت فتوضأ» أو فيما اذا بال مكررا أو نام كذلك)

مكررا

(محكوما بحكمين متماثلين و هو)

أي اجتماع المثلين‏

(واضح الاستحالة ك)

اجتماع‏

(المتضادين)

.

و الحاصل: ان ظاهر كل جملة من الشرطيتين حدوث الجزاء عند وجود كل شرط فاذا بال أولا حدث وجوب الوضوء، فاذا بال أو نام ثانيا لم يعقل حدوث وجوب الوضوء أيضا، اذ الطبيعة الواحدة لا يجتمع فيها وجوبان‏

(فلا بد على القول بالتداخل من التصرف فيه)

أي في ظاهر الجملة الشرطية. أما القائل بعدم التداخل فلا يلزم عليه هذا الاشكال، لانه يقول بوجوب فردين من الوضوء حين التعدد جنسا أو فردا.

ثم ان التصرف فى ظاهر الجملة- على القول بالتداخل- بوجوه:

(اما بالالتزام بعدم دلالتها)

أي الجملة الشرطية

(فى هذا الحال)

أي حال اجتماع سببين متقارنين أو متلاحقين‏

(على الحدوث عند الحدوث بل على مجرد

53

الثبوت، أو الالتزام بكون متعلق الجزاء و ان كان واحدا صورة إلّا انه حقائق متعددة حسب تعدد الشرط متصادقة على واحد، فالذمة و ان اشتغلت بتكاليف متعددة حسب تعدد الشروط إلّا ان الاجتزاء بواحد لكونه مجمعا لها كما فى اكرم هاشميا و أضف عالما، فاكرم العالم الهاشمى بالضيافة، ضرورة انه بضيافته بداعى الامرين يصدق انه‏

____________

الثبوت)

فالجملة الشرطية تقول بثبوت الجزاء عند حدوث الشرط، فلو لم يكن موجودا من قبل وجد و ان كان موجودا لم يوجد بعد.

و على هذا لا يلزم اجتماع المثلين، و قد تصرفنا فى الشرط الذي ظاهره الحدوث لا الثبوت‏

(أو الالتزام‏

(1)

بكون متعلق الجزاء و ان كان واحدا صورة)

اذ قال فى كل من الجملتين «فتوضأ»

(الّا انّه حقائق متعددة حسب تعدد الشرط متصادقة على)

جزاء

(واحد)

فلو بال و نام مرارا ثم توضأ وضوءا واحدا فهذا الوضوء و ان كان شيئا واحدا صورة إلّا انه حقائق متعددة حسب تعدد الشرط.

مثلا: ان وجد الشرط مرتين كان هذا الوضوء حقيقتين، و ان وجد الشرط ثلاث مرات كان الوضوء حقائق ثلاث و هكذا

(فالذمة)

حين تعدد الشرط

(و ان اشتغلت بتكاليف متعددة حسب تعدد الشروط إلّا ان الاجتزاء بواحد لكونه مجمعا لها)

أي للتكاليف المتعددة

(كما فى أكرم هاشميا و أضف عالما فأكرم العالم الهاشمي بالضيافة)

فان الذمة و ان اشتغلت بتكاليف متعددة لكن يجتزي فعل واحد عنها

(ضرورة انّه بضيافته بداعي الامرين يصدق انّه‏

____________

(1) و هذا التصرف انما هو فى ظاهر الجزاء عكس التصرف الاول.

54

امتثلهما. و لا محالة يسقط الامر بامتثاله و موافقته و ان كان له امتثال كل منهما على حدة كما اذا أكرم الهاشمى بغير الضيافة و أضاف العالم الغير الهاشمى.

ان قلت: كيف يمكن ذلك- أى الامتثال بما تصادق عليه العنوانان، مع استلزامه محذور اجتماع الحكمين المتماثلين فيه.

قلت: انطباق عنوانين واجبين على واحد لا يستلزم اتصافه بوجوبين، بل غايته ان انطباقهما عليه يكون منشئا لاتصافه‏

____________

امتثلهما)

فتدبر

(و لا محالة يسقط الامر بامتثاله و موافقته و ان كان له)

أي للمكلف‏

(امتثال كل منهما على حدة كما اذا أكرم الهاشمي بغير الضيافة و أضاف العالم الغير الهاشمي)

.

«تنبيه» قد تقدم في بعض المباحث السابقة أن دخول اللام على كلمة «غير» في مثل هذا المقام غير موافق لما ذكروه قال اللّه تعالى‏ «غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ».

(ان قلت: كيف يمكن ذلك)

الذي ذكرتم‏

(أي)

حصول‏

(الامتثال بما تصادق عليه العنوانان، مع استلزامه محذور اجتماع الحكمين المتماثلين فيه)

أي في مورد الاجتماع، فيلزم أن يكون ضيافة العالم الهاشمي واجبا بوجوبين و هو مستحيل كما تقدم.

(قلت: انطباق عنوانين واجبين على)

شي‏ء

(واحد لا يستلزم اتصافه بوجوبين، بل غايته)

أي غاية الامر

(ان انطباقهما عليه يكون منشئا لاتصافه‏