الوصول إلى كفاية الأصول‏ - ج4

- السيد محمد الحسيني الشيرازي المزيد...
514 /
7

[تتمة المقصد السادس‏]

[فصل فى حجية خبر الواحد]

فصل المشهور بين الاصحاب حجية خبر الواحد فى الجملة بالخصوص و لا يخفى ان هذه المسألة من أهم المسائل الاصولية و قد عرفت فى أول الكتاب‏

____________

فصل‏ فى حجية خبر الواحد

(المشهور بين الاصحاب)

قديما و حديثا

(حجية خبر الواحد)

و المراد به ما ليس بمتواتر و ان تعددت رواته، و انما يسمى خبر الواحد لغلبة ذلك فيه و إلّا فالمتعدد الذي لم يصل الى حد التواتر أيضا يقع فيه الكلام كما لا يخفى‏

(فى الجملة)

أى بشرط ان يكون الراوي عدلا أو ثقة و لم يكن موهونا باعراض الاصحاب مثلا و هكذا

(بالخصوص)

أى من جهة أدلة خاصة تدل على حجيته لا من باب حجية مطلق الظن من حيث الانسداد.

(و لا يخفى ان هذه المسألة)

أي حجية خبر الواحد

(من اهم المسائل الاصولية)

اذ على الخبر الواحد يدور رحى الفقه‏

(و قد عرفت فى أول الكتاب)

فى المجلد الاول ان هنا اشكالين:

«الاول» انه كيف يمكن جعل هذه المسألة من مسائل علم الاصول و الحال‏

8

ان الملاك فى الاصولية صحة وقوع نتيجة المسألة فى طريق الاستنباط و لو لم يكن البحث فيها عن الادلة الاربعة،

____________

ان التكلم فى هذه ليس عن امر عارض للادلة الاربعة بل عن دليلية الدليل، و البحث عن دليلية الدليل ليس بحثا عن عوارض الدليل كما لا يخفى.

«الثاني» انه كيف يمكن جعل البحث عن حجية الخبر الواحد من المسائل الاصولية و الحال ان موضوع المسألة يلزم ان يكون من صغريات موضوع العلم و ليس الخبر الواحد من صغريات موضوع الاصول؟

بيان ذلك: ان موضوع علم الاصول على المشهور هو الادلة الاربعة الكتاب و السنة و الاجماع و العقل، و الخبر الواحد ليس كتابا و اجماعا و عقلا كما هو واضح و لا سنة لان السنة عبارة عن قول المعصوم و فعله و تقريره و الخبر الواحد حاك للسنة و ليس هو السنة بذاتها.

و قد أجاب عن هذين الاشكالين كل من المصنف و الشيخ و صاحب الفصول و بعض آخر:

أما ذلك البعض فقد التزم بالاستطراد فى ذكر هذه المسألة فى الاصول، و لا يخفى ما فيه اذ لو كان مثل هذه المسألة استطرادا لم يبق للاصول شي‏ء يعتد به، بالاضافة الى انه لا وجه للاستطراد بعد امكان جعلها من الاصول.

و أما المصنف (ره) فقد أجاب ب

(ان الملاك فى)

المسألة

(الاصولية صحة وقوع نتيجة المسألة فى طريق الاستنباط)

للاحكام الشرعية

(و لو لم يكن البحث فيها عن الادلة الاربعة)

و من المعلوم ان نتيجة البحث عن حجية الخبر الواحد تقع فى طريق الاستنباط لان استنباط كثير من الاحكام يتوقف على الحجية و اللاحجية للخبر و قد تقدم سابقا انه لا دليل لكون موضوع الاصول الادلة الاربعة

9

و ان اشتهر فى ألسنة الفحول كون الموضوع فى علم الاصول هى الادلة. و عليه لا يكاد يفيد فى ذلك- أى فى كون هذه المسألة اصولية- تجشم دعوى ان البحث عن دليلية الدليل بحث عن أحوال الدليل‏

____________

(و ان اشتهر فى ألسنة الفحول كون الموضوع فى علم الاصول هي الادلة)

الاربعة.

و الحاصل: ان موضوع علم الاصول عند المصنف هو الجامع لمسائله التي تشترك فى كون نتائجها تقع فى طريق الاستنباط، سواء كان من الادلة الاربعة أو من غيرها فلا يرد عليه لزوم خروج مسألة حجية خبر الواحد عن مسائل الاصول.

(و)

حيث ذكر المصنف (ره) جوابه عن الاشكال شرع فى ابطال جواب صاحب الفصول بقوله: و

(عليه)

أي بناء على كون موضوع الاصول الادلة الاربعة

(لا يكاد يفيد فى ذلك أي فى كون هذه المسألة)

من المسائل‏

(الاصولية)

ما ارتكبه فى الاصول من‏

(تجشم دعوى ان البحث عن دليلية الدليل بحث عن أحوال الدليل)

.

و حاصل جواب الفصول عن الاشكال: ان موضوع علم الاصول ليس هي الادلة الاربعة بما هي أدلة، بل البحث فى هذا العلم عن ذات الادلة الاربعة حتى يكون البحث عن دليلية هذه الادلة و البحث عن عوارض هذه الادلة بعد اثبات دليليتها كلاهما بحثا عن موضوع العلم، لكن هذا التجشم يرد عليه:

أولا: انه خلاف ظاهر كلام العلماء حيث يجعلون الادلة الاربعة بما هي أدلة- لا بما هي هي- موضوع الاصول.

و ثانيا: انه جواب عن أحد الاشكالين- و هو الاشكال الاول- و يبقى الاشكال‏

10

ضرورة ان البحث فى المسألة ليس عن دليلية الادلة بل عن حجية الخبر الحاكى عنها، كما لا يكاد يفيد عليه تجشم دعوى ان مرجع هذه المسألة الى ان السنة- و هى قول الحجة أو فعله أو تقريره- هل تثبت بالخبر الواحد أولا تثبت إلّا بما يفيد القطع من التواتر أو القرينة فان التعبد بثبوتها مع الشك فيها لدى الاخبار بها

____________

الثاني بحاله‏

(ضرورة ان البحث فى المسألة ليس عن دليلية الادلة)

الاربعة

(بل عن حجية الخبر الحاكي عنها)

و الحاكي الذي هو الخبر مورد البحث و المحكي الذي هو قول المعصوم و فعله و تقريره موضوع علم الاصول.

و حيث فرغ عن جواب الفصول و عن الاشكال عليه أشار الى جواب الشيخ رحمة اللّه عليه عن الاشكال بقوله:

(كما لا يكاد يفيد عليه)

- أي بناء على ان موضوع الاصول الادلة الاربعة- ما ذكره الشيخ من‏

(تجشم دعوى ان مرجع هذه المسألة الى ان السنة- و هي قول الحجة أو فعله أو تقريره- هل تثبت بالخبر الواحد أولا تثبت إلّا بما يفيد القطع من التواتر أو القرينة)

و على هذا فيكون موضوع هذه المسألة السنة بما هي دليل، فلا يرد احد الاشكالين المتقدمين اذ البحث حينئذ عن عوارض الدليل الذي هو السنة.

لكن هذا الجواب أيضا غير تام‏

(ف)

انه يرد اولا

(ان)

قولنا «هل السنة تثبت بخبر الواحد أم لا» ليس المراد بالثبوت الثبوت الواقعي بل المراد الثبوت التعبدي الراجع الى وجوب العمل و ترتيب آثار الواقع. و من المعلوم ان هذا المعنى من الثبوت ليس من عوارض السنة، اذ لا اشكال فى وجوب العمل بالسنة الواقعية، بل هو من عوارض السنة المشكوكة التي هي الخبر الواحد، اذ

(التعبد بثبوتها)

أي ثبوت السنة

(مع الشك فيها)

أي فى السنة

(لدى الاخبار بها)

11

ليس من عوارضها بل من عوارض مشكوكها كما لا يخفى، مع انه لازم لما يبحث عنه فى المسألة من حجية الخبر، و المبحوث عنه فى المسائل انما هو الملاك فى انها من المباحث أو من غيره لا ما هو لازمه كما هو واضح.

و كيف كان، فالمحكى عن السيد

____________

أي بالسنة

(ليس من عوارضها بل من عوارض مشكوكها)

الذي هو الخبر فرجع الكلام حول الخبر- الذي هو ليس من الادلة الاربعة فى شي‏ء-

(كما لا يخفى)

على من تأمل.

(مع انه)

يرد على كلام الشيخ (ره) ثانيا ان المبحوث عنه ليس هو الثبوت بل هو الحجية، فانا نقول هل خبر الواحد حجة أم لا؟ و من لوازم الحجية الثبوت المذكور فى كلامكم و الملاك الذي تعد به المسألة من مسائل العلم كون نفس المبحوث عنه من عوارض الموضوع لا أن يكون لازمه من العوارض.

و الحاصل: ان الثبوت‏

(لازم لما يبحث عنه فى المسألة من حجية الخبر)

بيان «لما يبحث»

(و المبحوث عنه فى المسائل انما هو الملاك فى انها)

أي المسائل‏

(من المباحث أو من غيره لا ما هو لازمه)

كما ذكره الشيخ (ره)

(كما هو واضح)

.

و لا يخفى ان اسلوب جواب المصنف في هذا المقام مختلف عن اسلوب جوابه عن هذا الاشكال في أول الكتاب- فراجع.

(و كيف كان)

الامر سواء كانت مسألة حجية الخبر الواحد من المسائل الاصولية أم لا فقد وقع الخلاف في حجيته‏

(فالمحكي عن السيد)

المرتضى‏

12

و القاضى و ابن زهرة و الطبرسى و ابن ادريس عدم حجية الخبر و استدل لهم بالآيات الناهية عن اتباع غير العلم و الروايات الدالة على رد ما لم يعلم انه قولهم (عليهم السلام)

____________

(و القاضي)

ابن البراج‏

(و ابن زهرة و الطبرسي و ابن ادريس)

و بعض آخر

(عدم حجية الخبر)

فلا يصح الاستناد اليه في استفادة الحكم الشّرعي‏

(و استدل لهم ب)

الادلة الاربعة الكتاب و السنة و الاجماع و العقل:

اما العقل فواضح، اذ الاصل عدم حجية مشكوك الحجية، فان العقل يقبّح الاستناد الى ما لم يجعله المولى حجة بعنوان انه من المولى.

و اما الكتاب فيدل عليه‏

(الآيات الناهية عن اتباع غير العلم)

كقوله تعالى‏ «وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ» (1) و قوله‏ «إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً» (2) و قوله‏ «وَ لا تَقُولُوا لِما تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هذا حَلالٌ وَ هذا حَرامٌ» (3) و قوله‏ «بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ لا هُدىً وَ لا كِتابٍ مُنِيرٍ» (4) و قوله‏ «إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ» (5) و قوله‏ «وَجَدْنا آباءَنا عَلى‏ أُمَّةٍ» (6) و قوله‏ «أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ» (7) الى غيرها.

(و)

اما السنة فيدل عليه طوائف من‏

(الروايات)

مثل الرواية

(الدالة على رد ما لم يعلم انه قولهم (عليهم السلام))

كرواية محمد بن عيسى قال: اقرأني داود

____________

(1) الاسراء: 36.

(2) يونس: 36.

(3) النحل: 116.

(4) الحج: 8- لقمان: 20.

(5) الانعام: 116- يونس: 66.

(6) الزخرف: 22- 23.

(7) الحجرات: 6.

13

أو لم يكن عليه شاهد من كتاب اللّه أو شاهدان أو لم يكن موافقا للقرآن اليهم أو على بطلان ما لا يصدقه كتاب اللّه أو على ان ما لا يوافق كتاب اللّه زخرف‏

____________

ابن فرقد الفارسي كتابه الى أبي الحسن الثاني (عليه السلام) و جوابه بخطه (عليه السلام) فكتب:

نسألك عن العلم المنقول عن آبائك و أجدادك (عليهم السلام) أجمعين قد اختلفوا علينا فيه فكيف العمل به على اختلافه؟ فكتب (عليه السلام) بخطه و قرأته: ما علمتم انه قولنا فألزموه و ما لم تعلموه فردوه الينا (1).

(أو)

الرواية الدالة على رد ما

(لم يكن عليه شاهد من كتاب اللّه أو شاهدان)

كقوله (عليه السلام): اذا جاءكم حديث عنا فوجدتم عليه شاهدا أو شاهدين من كتاب اللّه فخذوا به و إلّا فقفوا عنده ثم ردوه الينا حتى نبين لكم‏ (2).

(أو)

الرواية الدالة على رد ما

(لم يكن موافقا للقرآن اليهم)

كقول أبي جعفر (عليه السلام) ما جاءكم عنا فان وجدتموه موافقا للقرآن فخذوا به و ان لم تجدوه موافقا فردوه، و ان اشتبه الامر عندكم فقفوا عنده و ردّوه الينا حتى نشرح من ذلك ما شرح لنا (3).

(أو)

الرواية الدالة

(على بطلان ما لا يصدقه كتاب اللّه)

كقوله (عليه السلام):

ما جاءكم من حديث لا يصدقه كتاب اللّه فهو باطل‏ (4).

(أو)

الرواية الدالة

(على ان ما لا يوافق كتاب اللّه زخرف)

كقول الصادق‏

____________

(1) السرائر ص 479.

(2) الكافى ج 2 ص 222.

(3) جامع الاحاديث ج 1 ص 259 عن الوسائل.

(4) تفسير العياشى ج 1 ص 9.

14

أو على النهى عن قبول حديث الا ما وافق الكتاب أو السنة الى غير ذلك و الاجماع المحكى عن السيد فى مواضع من كلامه بل حكى عنه انه جعله بمنزلة القياس فى كون تركه معروفا من مذهب الشيعة.

و الجواب‏

____________

(عليه السلام) كل شي‏ء مردود الى كتاب اللّه و السنة، و كل حديث لا يوافق كتاب اللّه فهو زخرف‏ (1).

(أو)

الرواية الدالة

(على النهي عن قبول حديث الا ما وافق الكتاب أو السنة)

كالمروي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) لا تقبلوا علينا حديثا الا ما وافق الكتاب و السنة أو تجدون معه شاهدا من أحاديثنا المتقدمة (2)

(الى غير ذلك)

من الاخبار الكثيرة الواردة بهذه المضامين.

(و)

أما

(الاجماع)

ف

(المحكي عن السيد)

المرتضى (ره)

(في مواضع من كلامه)

دعواه صريحا

(بل حكى عنه انه جعله بمنزلة القياس في كون تركه معروفا من مذهب الشيعة)

فاذا قامت الادلة الاربعة على حرمة العمل بالخبر الواحد لم يجز الاستناد اليه في استنباط الاحكام الشرعية، و كأن الشيخ رضي اللّه عنه و المصنف لم يذكرا دليل العقل لانهما نقلا أدلة القائلين بالمنع و لم يكن فيها ذلك.

(و الجواب)

اما عن دليل العقل فبأنه ليس استنادا الى المولى بدون دليل بل بناء العقلاء كافة في الاعتماد على خبر الثقة كاف في الحجية و يكون من الاستناد

____________

(1) الكافى ج 1 ص 69.

(2) رجال الكشى ص 23.

15

اما عن الآيات فبأن الظاهر منها أو المتيقن من اطلاقها هو اتباع غير العلم فى الاصول الاعتقادية لا ما يعم الفروع الشرعية، و لو سلم عمومها لها فهى‏

____________

بالدليل، و

(اما عن الآيات فبأن الظاهر)

المنصرف‏

(منها أو المتيقن من اطلاقها)

بناء على عدم ظهورها فيما ذكر

(هو اتباع غير العلم في الاصول الاعتقادية لا ما يعم الفروع الشرعية)

فان قوله تعالى في سورة النجم‏ «إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثى‏ وَ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ» (1) ظاهر في الاصول، إلّا ان الانصاف ان بعض الآيات لا وجه للقول بذلك فيها، بل اطلاقها يشمل جميع أقسام الظن، فان قوله‏ «وَ إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً» (2) له اطلاق قوي في الشمول، كما ان قوله تعالى‏ «وَ لا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا» (3) كذلك، بل استدلال الامام (عليه السلام) بهذه الآية على حرمة استماع الغناء مما يؤيد الاطلاق.

لكن الانصاف ان مثل العمل بخبر الواحد الجامع للشرائط لا يعد من اتباع غير العلم فهو خارج موضوعا. أ لا ترى ان المولى لو قال لعبده «لا تعمل بأوامري حتى تعلم بها» ثم أخبره الثقة بأنه قال كذا لم يكن عند العقلاء معذورا لو ترك الامر معتذرا بأنه لا يعلم و قد نهاه المولى عن اتباع غير العلم.

(و لو سلم عمومها)

أي عموم الآيات‏

(لها)

أي للفروع الشرعية

(فهي)

____________

(1) النجم: 28.

(2) النجم: 28.

(3) الاسراء: 36.

16

مخصصة بالادلة الآتية على اعتبار الاخبار.

و أما عن الروايات فبأن الاستدلال بها خال عن السداد، فانها أخبار آحاد.

لا يقال: انها و ان لم تكن متواترة لفظا و لا معنى إلّا انها متواترة اجمالا

____________

(مخصصة بالادلة الآتية)

الدالة

(على اعتبار الاخبار)

من الكتاب و السنة و الاجماع و العقل.

(و أما)

الجواب‏

(عن الروايات)

المتقدمة التي قد ذكر المانعون دلالتها على عدم حجية الاخبار

(فبأن الاستدلال بها خال عن السداد، فانها أخبار آحاد)

فانها ليست حجة لا عندنا و لا عند الخصم: أما عندنا فلانا نرى حجية الخبر الواحد و أما عند الخصم فبأنه لا يرى حجية الخبر الواحد، فكيف يستدل بالخبر الواحد لاثبات كلامه؟.

ان قلت: يصح استدلال الخصم بها جدلا فيقول انكم ترون حجية الخبر الواحد فهذا حجة، و اذا ثبت حجية هذا الخبر اقتضى ذلك عدم حجية سائر الاخبار الواردة في مختلف أبواب الفقه. قلت: ما يلزم من وجوده عدمه باطل و لو ثبت حجية هذه الاخبار لزم عدم حجيتها، فالاخبار المانعة لا يمكن العمل بها سواء قلنا بحجية الخبر أم بعدم حجيته، اذ لو كان الخبر الواحد حجة لم تكن هذه الاخبار المانعة بحجة، و لو لم يكن الخبر الواحد حجة كانت هذه الاخبار المانعة غير حجة لانها أخبار آحاد- فتأمل.

(لا يقال)

: ان الاخبار المانعة ليست من الخبر الواحد حتى يلزم الاشكال المتقدم، ف

(انها و ان لم تكن متواترة لفظا و لا معنى إلّا انها متواترة اجمالا)

17

للعلم الاجمالى بصدور بعضها لا محالة.

فانه يقال: انها و ان كانت كذلك‏

____________

و الفرق بين هذه الاقسام ان التواتر اللفظي هو اخبار جماعة يفيد قولهم العلم بلفظ واحد، كاخبار جماعة كثيرة ان الرسول (صلى اللّه عليه و آله) قال يوم الغدير «من كنت مولاه فهذا علي مولاه»، و التواتر المعنوى هو اخبار جماعة يفيد قولهم العلم بألفاظ مختلفة مما يؤدى الى معنى واحد، كما لو أخبر أحدهم بأنه رأى زيدا يقتل أسدا و الثاني بأنه رآه يصارع نمرا و الثالث بأنه رآه يحارب فئة و هكذا، فهؤلاء و ان لم يتفقوا في اللفظ و الواقعة إلّا انهم متفقون جميعا على انه شجاع، و هو المعنى المتحصل عن جميع هذه الاخبارات الآحادية. و التواتر الاجمالي هو اخبار جماعة بأخبار متعددة نعلم اجمالا بصحة أحدها و هذا يوجب العلم بالمعنى الاخص من الجميع، كما لو قال أحدهم «جاء زيد راكبا فرسا» و قال الآخر «جاء زيد مع عمرو» و قال الثالث «جاء زيد يوم الجمعة» و هكذا علمنا بمجي‏ء زيد و هو المعنى المتفق عليه، فان صدق أحد المخبرين في الجملة كاف لاثبات ذلك و ان لم يثبت سائر الخصوصيات.

و الاخبار الواردة الدالة على عدم حجية الخبر الواحد كذلك- أى متواترة اجمالا-

(للعلم الاجمالي بصدور بعضها لا محالة)

و هذا العلم حاصل من جهة كثرة هذه الاخبار، و انتشارها في كتب الحديث و تمسك الفقهاء بها قديما و حديثا و مطابقة مضمون بعضها لما هو ضروري كعدم حجية الخبر المخالف للقرآن و ما أشبه.

(فانه يقال)

: فى جواب الاخبار الدالة على عدم حجية الخبر الواحد

(انها)

أى تلك الاخبار المانعة

(و ان كانت كذلك)

أى متواترة اجمالا

18

إلّا انها لا تفيد الا فيما توافقت عليه و هو غير مفيد فى اثبات السلب كليا كما هو محل الكلام و محل النقض و الابرام، و انما تفيد عدم حجية الخبر المخالف للكتاب و السنة و الالتزام به ليس بضائر، بل لا محيص عنه فى مقام المعارضة،

____________

(الّا انّها لا تفيد)

المنع عن حجية مطلق الخبر الواحد الذي كان مراد السيد و من تبعه‏

(الا فيما توافقت)

تلك الاخبار

(عليه)

لما عرفت من انه مقتضى التواتر الاجمالي‏

(و هو غير مفيد فى اثبات السلب كليا)

أى عدم حجية الاخبار مطلقا

(كما هو محل الكلام)

بيننا و بين السيد و من تبعه‏

(و محل النقض و الابرام)

.

و الحاصل: ان الاخبار المانعة لا يفيد عدم حجية الخبر الواحد بقول مطلق‏

(و انما تفيد عدم حجية الخبر المخالف للكتاب و السنة)

لانه الامر الجامع بين تلك الاخبار المانعة، فأي منها كان صادرا من المعصوم كان دليلا على ذلك لما عرفت من مقتضى التواتر الاجمالي‏

(و الالتزام به)

أى بكون الخبر المخالف للكتاب و السنة ليس بحجة

(ليس بضائر)

بالنسبة الى من يدعي حجية الخبر الواحد، اذ المدعي لا يريد حجية مطلق الاخبار حتى المخالفة منها للكتاب و السنة و انما يريد اثبات الحجية فى الجملة، و ذلك مما لا ينافيه اخبار المانعين‏

(بل لا محيص عنه)

أى عن الالتزام بعدم حجية الخبر المخالف للكتاب و السنة

(فى مقام المعارضة)

أى معارضة ذلك الخبر للكتاب و السنة على نحو تعارض التباين، و ان كان فى غير تعارض التباين يمكن التزام حجية الخبر المخالف لهما.

و لا يخفى ان عبارة المصنف (ره) تحتمل معنيين.

19

و أما عن الاجماع فبأن المحصل منه غير حاصل‏

____________

توضيحه: ان الاخبار المانعة التي تقول بعدم حجية الخبر المخالف للكتاب و السنة يمكن ان تريد بالمخالفة مخالفة العموم و الخصوص- بأن كان الكتاب عاما و الخبر المخالف خاصا- و يمكن ان تريد مخالفة التباين، و يمكن ان تريد المخالفة مطلقا، و أي الامور كان مرادا لا تضر الاخبار المانعة لان فى الاخبار طائفة كبيرة جدا ليست مخالفة للكتاب و السنة اطلاقا لا عموما و خصوصا و لا تباينا.

فالاخبار المانعة لا تفيد عدم حجية الخبر الواحد مطلقا كما هو مراد المانعين و انما تفيد عدم حجية المخالف تباينا أو المخالف عموما و خصوصا أو المخالف مطلقا، و لا بأس بالالتزام بذلك بأي المعاني كان.

فمراد المصنف (ره) بقوله «المخالف للكتاب» ان كان المخالف مطلقا أعم من التبايني و العمومي كان قوله «بل لا محيص» ترقيا بالنسبة الى المخالف التبايني، و ان كان المخالف العمومي و الخصوصي كان قوله «بل لا محيص» ترقيا بالنسبة الى الاخبار المتعارضة، بمعنى ان الخبر المخالف للكتاب عموما و خصوصا ليس بحجة خصوصا اذا كانت الاخبار متعارضة، و كان احد المتعارضين مخالفا للكتاب بطور العموم و الخصوص.

و لا يمكن ان يرد المصنف (ره) بقوله «المخالف للكتاب» المخالفة التباينية لانه لا يبقى مجال للترقي كما لا يخفى.

(و أما)

الجواب‏

(عن الاجماع)

الذي ادعاه السيد على عدم حجية الخبر الواحد

(فبأن المحصل منه غير حاصل)

اذ نحن لم نحصل على الاجماع بل وجدنا الخلاف الكبير، و على فرض تحصيل الاجماع ليس بحجة لانه محتمل‏

20

و المنقول منه للاستدلال به غير قابل، خصوصا فى المسألة كما يظهر وجهه للمتأمل.

____________

الاستناد.

و قد عرفت فى بحث الاجماع ان محتمل الاستناد منه لا يمكن الاعتماد عليه‏

(و المنقول منه للاستدلال به غير قابل)

لما عرفت فى مبحث الاجماع ان الاجماع المنقول لم يقم دليل على حجيته مضافا الى ان السيد شخص واحد نقل الاجماع و خبر الواحد باعتراف السيد بنفسه ليس حجة

(خصوصا فى)

هذه‏

(المسألة)

لعل وجه الخصوصية ما ذكرنا من انه خبر واحد ينقل الاجماع، و الخبر الواحد ليس بحجة عند ناقله‏

(كما يظهر وجهه للمتأمل)

.

فانه يقال للسيد: هل يجوز لنا الاخذ بالخبر الواحد فيقول لا فنقول و لذا لا نتمكن من الاخذ بقولك الذي تنقل الاجماع لانه خبر واحد، لكن للسيد أن يقول انتم تقولون بحجية الخبر الواحد فخذوا بخبري لانه من الخبر الواحد الذي هو حجة عندكم.

و لا يخفى ان الحق مع المجيب لا مع السيد فى هذا البحث، لان حجية قول السيد الذي هو خبر واحد يلزم من وجوده عدمه و ما يلزم من وجوده عدمه محال تكوينا و محال حجة، و قد يشبه هذا البحث ما يقال: ان احد الفلاسفة كان يأخذ اجرا كبيرا لان يعلم تلاميذه الجدل حتى يغلبوا على كل مجادل محقا كان أم مبطلا، و لما تعلم منه بعض تلاميذه و اكمل أراد الفيلسوف ان يأخذ منه الاجر قال التلميذ: اني اجادلك على عدم استحقاقك للاجر، فان غلبت عليك كنت اثبت عدم استحقاقك بالدليل، و ان غلبت علي كنت لا تستحق الاخذ لعدم تعليمي حسب الشرط الذي هو أن لا يغلبني احد.

21

مع انه معارض بمثله و موهون بذهاب المشهور الى خلافه. و قد استدل للمشهور بالادلة الاربعة:)

[فصل فى الآيات التى استدل بها]

فصل فى الآيات التى استدل بها:)

[فمنها آية النبأ:]

(فمنها) آية النبأ:

____________

قال الفيلسوف: اني اجادلك على الاستحقاق، فان غلبتك كنت مستحقا للاخذ لما أقمت من الحجة على الاستحقاق، و ان غلبتني كنت مستحقا للاخذ لما وفيت من الشرط و هو تعليمك بحيث لا يغلبك احد.

أقول: لكن مقتضى القاعدة استحقاق الاستاذ لو غلبه التلميذ فى الجدل- لوفاء الاستاذ بالشرط- و عدم استحقاق الاستاذ لو غلب على التلميذ- لعدم وفائه بالشرط- كما هو ظاهر

(مع انه)

أى الاجماع الذى ادعاه السيد

(معارض بمثله)

لدعوى جماعة منهم الشيخ الاجماع على حجية الخبر الواحد

(و موهون بذهاب المشهور الى خلافه)

و كيف يستقيم اجماع يخالفه المشهور.

و حيث اتممنا الكلام فى أدلة القائلين بعدم حجية الخبر الواحد و الجواب عنها فلنشرع فى أدلة المشهور القائلين بالحجية:

(و قد استدل للمشهور)

القائلين بالحجية

(بالادلة الاربعة)

الكتاب و السنة و الاجماع و العقل.

فصل‏

(فى الآيات التي استدل بها)

على حجية خبر الواحد

(فمنها آية النبأ)

و سميت آية النبأ لاشتمالها على كلمة «النبأ» و هذا هو السبب فى تسمية غالب الآيات و السور بأسامي خاصة.

22

قال اللّه تبارك و تعالى:

«إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا» (1)

____________

(قال اللّه تبارك و تعالى)

«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا

(إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا)

أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى‏ ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ» (2).

قال فى مجمع البيان: نزل فى الوليد بن عقبة بن ابي معيط بعثه رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) فى صدقات بني المصطلق، فخرجوا يتلقونه فرحا به و كانت بينهم عداوة فى الجاهلية، فظن انهم هموا بقتله فرجع الى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) و قال: انهم منعوا صدقاتهم و كان الامر بخلافه فغضب النبي (صلى اللّه عليه و آله) و همّ ان يغزوهم فنزلت الآية (3).

و لا يخفى ان ما ظهر عند بعض الاصحاب من غضب النبي (صلى اللّه عليه و آله) و همه بغزوهم لعله كان خلاف الواقع، بأن كان غضب النبي (صلى اللّه عليه و آله) على الوليد لكنهم لم يعرفوا مصبه كما ان الهمّ لعلهم فهموه من مثل قوله «لو صدق الامر لغزوتهم» أو ما أشبه مما ليس بهمّ حقيقي و انما همّ تعليقي، و قد انزل اللّه الآية فاضحة له و اعلاما للمؤمنين، كما يشهد بذلك كون الخطاب لهم، و لعلهم وجدوا على بني المصطلق و أحبوا غزوهم.

و يشهد لهذا الاحتمال سياق الآية الذي هو فى مقام ردع المؤمنين عن الاعمال غير الصالحة مع وجود النبي (صلى اللّه عليه و آله)، اذ قبل هذه الآية قوله تعالى‏ «إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ. وَ لَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَ اللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (4) و بعدها قوله تعالى‏ «وَ اعْلَمُوا أَنَ‏

____________

(1) الحجرات: 6.

(2) الحجرات: 6.

(3) مجمع البيان ج 9 ص 132 ط المعارف الاسلامية بطهران.

(4) الحجرات: 5.

23

و يمكن تقريب الاستدلال بها من وجوه أظهرها انه من جهة مفهوم الشرط، و ان تعليق الحكم بايجاب التبيّن عن النبأ

____________

فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ» (1) مما تدل على انهم ارادوا الغزو أو ما أشبه.

(و يمكن تقريب الاستدلال بها من وجوه)

ذكرها المشكيني (ره) خمسة من غير جهة مفهوم الشرط، و هي مفهوم الوصف، و دلالة الايماء و ظهور التبيين في الرجحان المطلق فيدل على حجية كل خبر مفيد للظن الفعلي، و ظهور تعليل عدم شي‏ء فى وجود الشي‏ء الاول بعدم الثاني، و ظهور الآية فى الردع عن كل خبر غير حجة. و حيث اقتصرت على خبر الفاسق دلت على حجية خبر العادل، و التفصيل توضيحا وردا موكول الى محله‏

(اظهرها انه من جهة مفهوم الشرط)

.

ثم انه من الممكن ان يجعل الموضوع فى القضية الشرطية المستفادة من الآية «مجى‏ء الفاسق بالنبإ» حتى تكون القضية هكذا «مجى‏ء الفاسق بالنبإ موجب للتبين» و يمكن ان يكون الموضوع «النبأ» حتى تكون القضية هكذا «النبأ ان جاء به الفاسق يجب التبين عنه» لكن اذا جعل المستفاد على الطريقة الاولى لا مفهوم للقضية اذ عند انتفاء مجى‏ء الفاسق لا موضوع، و يكون حال القضية حينئذ حال قولنا «ان رزقت ولدا فاختنه» حيث لا موضوع للاختتان ان لم يرزق ولدا، و لذا جعل المصنف المستفاد من الآية الطريقة الثانية.

(و)

يستفاد حينئذ المفهوم ل

(ان تعليق الحكم بايجاب التبين عن النبأ)

____________

(1) الحجرات: 7.

24

الذى جى‏ء به على كون الجائى به الفاسق يقتضى انتفاؤه عند انتفائه و لا يخفى انه على هذا التقرير لا يرد ان الشرط فى القضية لبيان تحقق الموضوع فلا مفهوم له أو مفهومه السالبة بانتفاء الموضوع-

____________

(الذي جى‏ء به)

أي بذلك النبأ

(على كون الجائي به الفاسق)

«على» متعلق بقوله «تعليق»

(يقتضي)

هذا التعليق‏

(انتفاؤه)

أي انتفاء ايجاب التبين‏

(عند انتفائه)

أي انتفاء كون الجائي به الفاسق.

و الحاصل: ان الآية تقول «النبأ اذا جاء به الفاسق يلزم التبين عنه» و مفهومه ان «النبأ اذا لم يجئ به الفاسق لم يلزم التبين عنه» و هذا هو المطلوب، اذ يستفاد منها حجية خبر الواحد اذا كان المخبر عادلا، و يكون المفهوم فى هذه الآية مثل المفهوم فى قولنا «زيد ان جاءك فأكرمه» الذي يستفاد منه عدم وجوب الاكرام عند عدم المجي‏ء.

(و لا يخفى انه على هذا التقرير)

الذي ذكرنا من جعل الموضوع هو «النبأ» المطلق لا «نبأ الفاسق»

(لا يرد)

ما ذكره الشيخ من‏

(ان الشرط فى القضية)

و هو «ان جاءكم فاسق»

(لبيان تحقق الموضوع)

مثل قوله: ان رزقت ولدا فاختنه، أو ان تزوجت اقم بحقوقها

(فلا مفهوم له)

ان جعلنا الشرط داخلا فى الموضوع حتى يكون هكذا مجي‏ء الفاسق بالنبإ موجب للتبين‏

(أو مفهومه السالبة بانتفاء الموضوع)

ان جعلنا الشرط خارجا عن الموضوع حتى يكون هكذا: نبأ الفاسق ان جى‏ء به يجب التبين عنه، و الفرق واضح، فان الاول من قبيل زيد قائم الذي لا مفهوم له، و الثاني من قبيل ان الولدان رزقته فاختنه الذى مفهومه ان لم ترزقه فلا تختنه، و لكن عدم الاختتان حينئذ لعدم الموضوع الذي هو الولد

25

فافهم.

نعم لو كان الشرط هو نفس تحقق النبأ و مجى‏ء الفاسق به كانت القضية الشرطية مسوقة لبيان تحقق الموضوع، مع انه يمكن أن يقال ان القضية و لو كانت مسوقة لذلك إلّا انها

____________

(فافهم)

لعله اشارة الى انه لو امكن تصوير الآية الكريمة على صورتين فلا معنى لما ذكره المصنف من جعل الموضوع هو النبأ حتى يكون للآية مفهوم. و لذا قال السيد الحكيم لم يتقدم منه الا تصوير التقرير بلا تعرض لاثباته و بيان ما يوجب كونه ظاهر الآية- (1) انتهى.

اللهم إلّا ان يقال: ان قوله «بنبإ» نكرة لا وجه لتخصيصها بنبإ الفاسق بعد ما كان الشرط ظاهرا فى انه شرط لشي‏ء، و مجرد وجود مثل ان رزقت ولدا مما صيغ لتحقيق الموضوع لا يوجب الخروج عن ظاهر الشرط فى سائر الاماكن المحتمل للامرين.

(نعم لو كان الشرط هو نفس تحقق النبأ و مجى‏ء الفاسق به)

حتى يكون حاصل مفاد الشرطية: اذا تحقق نبأ الفاسق فتبينوا

(كانت القضية الشرطية)

المذكورة فى قوله تعالى: «إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ»

(مسوقة لبيان تحقق الموضوع)

و يكون حال الشرط فى الآية حاله فى قولك: ان رزقت ولدا، و ان تزوجت امرأة. فلا مفهوم للمقام، و لا تكون الآية على هذا مفيدة لحجية خبر الواحد العادل.

(مع انه يمكن ان يقال: ان القضية و لو كانت مسوقة لذلك)

أي لتحقق الموضوع كما يقول الشيخ‏

(إلّا انها)

مع ذلك تفيد حجية خبر العادل بالمفهوم،

____________

(1) حاشية الحكيم ج 2 ص 116.

26

ظاهرة فى انحصار موضوع وجوب التبين فى النبأ الذى جاء به الفاسق، فيقتضى انتفاء وجوب التبين عند انتفائه و وجود موضوع آخر- فتدبر. و

____________

ببيان ان الموضوع لو كان منحصرا فيه افاد سلب المحمول عن سائر المواضيع، فلو قلنا: أولاد الصديقة الطاهرة (عليهم السلام) هم المعصومون افاد العلية المستفادة من الكلام سلب العصمة عن سائر أولاد الناس، و هنا كذلك فان القضية الشرطية فى قوله تعالى: «أَنْ جاءَكُمْ»

(ظاهرة فى انحصار موضوع وجوب التبين فى النبأ الذي جاء به الفاسق)

و معنى ذلك انه ليس مجال للتبين اذا انتفى هذا الموضوع‏

(فيقتضي انتفاء وجوب التبين عند انتفائه و وجود موضوع آخر)

الذي هو نبأ العادل‏

(فتدبر)

لعله اشارة الى أنه لا وجه لادعاء الانحصار، فالآية ليست فى هذا المقام و انما في مقام التبين لدى خبر الفاسق الذي هو مورد نزول الآية، و استفادة المفهوم منها على هذا التقريب تكون كاستفادة انه ليس في ابل المعلوفة زكاة من قوله في الغنم السائمة زكاة.

هذا تمام الكلام فى الاشكال الاول على دلالة الآية على المفهوم، و كان حاصله ان الشرط لتحقق الموضوع فلا مفهوم له‏

(و)

هنا اشكال ثان ذكره شيخنا المرتضى تبعا للعدة و الذريعة و الغنية و مجمع البيان و المعارج و غيرها، و هو انه لو سلمنا دلالة المفهوم على قبول خبر العادل غير المفيد للعلم لكن نقول: ان مقتضى عموم التعليل- فى قوله: «أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى‏ ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ» (1)- وجوب التبين فى كل خبر لا يؤمن الوقوع فى الندم من العمل به ان كان المخبر عادلا، فيقع التعارض بين عموم التعليل المفيد لوجوب التبين عند كل خبر لا يؤمن‏

____________

(1) الحجرات: 6.

27

لكنه يشكل بأنه ليس له هاهنا مفهوم، و لو سلم ان أمثالها ظاهرة فى المفهوم لان التعليل باصابة القوم بالجهالة المشترك بين المفهوم و المنطوق يكون قرينة على انه ليس لها مفهوم، و لا يخفى ان الاشكال‏

____________

الوقوع فى الخطأ و بين المفهوم الذي يفيد عدم لزوم التبين عند خبر العادل، لكن اللازم تقديم العلة لانها حاكمة على المعلل، و لذا لو قال المولى «صل خلف العلماء لانهم عدول» افادت العلة عدم جواز الصلاة خلف الفاسق العالم و ان كان عموم «العلماء» يشمله.

و الى هذا أشار المصنف (ره) بقوله:

(لكنه يشكل)

استفادة حجية خبر العادل من الآية

(بأنه ليس له هاهنا مفهوم، و لو سلم ان امثالها ظاهرة فى المفهوم)

و ذلك‏

(لان التعليل)

المذكور فى الآية

(باصابة القوم بالجهالة)

لدى عدم التبين‏

(المشترك بين المفهوم و المنطوق)

اذ خبر العادل أيضا محتمل للخطإ، فان العادل و لو لم يتعمد الكذب إلّا انه محل السهو و النسيان‏

(يكون)

هذا التعليل‏

(قرينة على انه ليس لها مفهوم)

اذ بعد التعارض و تقديم التعليل لا يبقى للمفهوم مجال.

(و لا يخفى)

ان الجهالة لها معنيان:

«الاول» عدم العلم كما تقتضي ذلك مادة اللفظ، مشتقة من الجهل الذي هو خلاف العلم.

«الثاني» السفاهة التي هي فعل ما لا ينبغي من العقلاء، و هذا هو المنصرف من لفظة الجهالة كقوله تعالى: «ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهالَةٍ» (1).

اذا عرفت ذلك قلنا:

(ان الاشكال)

المذكور و هو كون العلة في الآية-

____________

(1) النحل: 119.

28

انما يبتنى على كون الجهالة بمعنى عدم العلم، مع ان دعوى انها بمعنى السفاهة و فعل ما لا ينبغى صدوره من العاقل غير بعيدة.

____________

و هي‏ «أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ» (1) شاملة لخبر العادل كما تشمل خبر الفاسق‏

(انما يبتنى على كون الجهالة بمعنى عدم العلم)

اذ لا فرق بين خبر العادل و خبر الفاسق في ان المخبر به لا يعلم الواقع‏

(مع ان)

المحتمل ان لا تكون الجهالة بمعنى عدم العلم، بل تكون بمعنى السفاهة، فتكون مفاد الآية تفحصوا عن خبر الفاسق لئلا تعملوا عملا سفاهيا، فان‏

(دعوى انها)

أي الجهالة

(بمعنى السفاهة و فعل ما لا ينبغي صدوره من العاقل غير بعيدة)

و حينئذ لا يرد الاشكال على المفهوم، اذ الاقدام على خبر الفاسق جهالة و سفاهة لا الاقدام على خبر العادل، فتكون الآية بمعنى لا تتبعوا خبر الفاسق لان اتباعه سفاهة، اما خبر العادل فلا بأس باتباعه لانه ليس سفاهة.

لكن ربما يورد على هذا بأمرين:

«الاول» ان كون الجهالة بمعنى السفاهة خلاف معناه اللغوي. و الجواب ان هذا المعنى هو المنصرف من لفظ الجهالة و لو بمعونة الهيئة، و لا منافاة بين ان تكون للهيئة مفادا و بين ان تكون للمادة مفادا، و يكون المنصرف من احدهما غير المنصرف من الآخر.

«الثاني» انه لا يمكن ان يكون لفظ الجهالة في الآية بمعنى السفاهة، لان الآية وردت ردعا للنبي (صلى اللّه عليه و آله) و اصحابه الذين عزموا غزو اولئك، و من المعلوم ان النبي و اصحابه لا يعزمون عملا سفهائيا حتى يردعهم اللّه تعالى، فلا بد ان تكون الآية بمعنى عدم العلم.

____________

(1) الحجرات: 6.

29

ثم انه لو سلّم تمامية دلالة الآية على حجية خبر العدل ربما أشكل شمول مثلها للروايات الحاكية لقول الامام (عليه السلام) بواسطة أو وسائط،

____________

و الجواب ان اقدامهم للغزو لم يكن سفاهيا، لانهم- حسب الظاهر- لم يكونوا يعلمون فسق الوليد المخبر للخبر، فنبههم اللّه تعالى بأنه من موارد كون الاقدام على وجه السفاهة، و ذلك مثل ان تريد عملا لما سمعت من صوت من وراء جدار ثم قال لك شخص «لا تعمل هذا العمل السفهائى» فان الناطق كان مسجلة لا انسانا.

(ثم انه لو سلم تمامية دلالة الآية على حجية خبر العدل)

فانها انما تشمل الاخبار بلا واسطة، كما لو اخبر زرارة بأن الصادق (عليه السلام) قال كذا، أما الاخبار المشتملة على واسطة- كما لو اخبر محمد بن مسلم بأن زرارة روى عن الصادق (عليه السلام) كذا- فلا تشملها الآية، فانه‏

(ربما اشكل شمول مثلها)

أي مثل آية النبأ من كل ما دل على حجية خبر العادل‏

(للروايات الحاكية لقول الامام (عليه السلام) بواسطة أو وسائط)

كما لو روى زيد عن عمرو عن بكر عن خالد عن الامام (عليه السلام).

و حاصل الاشكال: انه لو اخبر الصدوق عن الصفار عن العسكري (عليه السلام) بوجوب نفقة الزوجة لم يكن قول الصدوق مشمولا لآية النبأ لانه خبر مع الواسطة، و ذلك لان صدّق العادل- المستفاد من الآية- لا يشمل الخبر مع الواسطة. بيانه: ان «صدّق العادل» يشمل خبر العادل الذي يكون ذا أثر، فان وجوب التصديق بملاحظة ترتيب الاثر، و إلّا فلو اخبر العادل بأن النهر الفلاني عرضه خمسة اذرع لم يكن معنى لوجوب تصديقه فلا يشمل صدّق العادل خبر الصدوق، لانه لا أثر لخبر الصدوق.

30

فانه كيف يمكن الحكم بوجوب التصديق- الذى ليس إلّا بمعنى وجوب ترتيب ما للمخبر به من الاثر الشرعى- بلحاظ نفس هذا الوجوب‏

____________

ان قلت: أثره ثبوت خبر الصفار. قلت: لا يمكن ان يكون ذلك أثره، اذ يشترط ان يكون الخبر ذا أثر قبل وجود صدق العادل حتى يكون صدق العادل واردا على الخبر ذي الاثر، و خبر الصدوق لا أثر له قبل وجود صدق العادل، اذ اثر خبر الصدوق ان الصفار اخبره بذلك، و هذا لا اثر له الا بعد ان يلحق به «صدق العادل» حتى يكون الصفار صادقا فى اخباره عن العسكري، و لا يمكن ان يكون «صدق العادل» في مرتبة الحكم لخبر الصدوق و في مرتبة الموضوع له.

و هذا الاشكال بعينه يرد فيما لو اخبرنا رجل عادل بأن زيدا الراوي عادل فان «صدق العادل» يقول صدق الرجل حتى يثبت ان زيدا عادل، لكن كون زيد عادلا لا اثر له الا لحوق «صدق العادل» به ليثبت الخبر الذي يرويه زيد، و حينئذ يكون «صدق العادل» في مرتبة الحكم لاخبار الرجل و في مرتبة الموضوع له. و من المستحيل ان يكون شي‏ء واحد فى مرتبة الحكم و في مرتبة الموضوع، لانه بما هو حكم متأخر و بما هو موضوع متقدم، و لا يمكن ان يكون شي‏ء متأخرا و متقدما في زمان واحد.

اذا ظهر لديك الاشكال نقول: ان المصنف اشار الى هذا الاشكال بقوله:

(فانه كيف يمكن الحكم بوجوب التصديق- الذي ليس إلّا بمعنى وجوب ترتيب ما للمخبر به من الاثر الشرعي- بلحاظ نفس هذا الوجوب)

حتى يكون الموضوع لوجوب التصديق هو نفس وجوب التصديق فان أثر اخبار الصدوق بأن الصفار اخبره ليس إلّا وجوب تصديق الصفار، فوجوب التصديق مقدم على اخبار الصدوق-

31

فيما كان المخبر به خبر العدل أو عدالة المخبر، لانه و ان كان أثرا شرعيا لهما إلّا انه بنفس الحكم فى مثل الآية بوجوب تصديق خبر العدل حسب الفرض. نعم لو أنشأ هذا الحكم ثانيا فلا بأس فى‏

____________

لانه اثر اخبار الصدوق- و مؤخر عن اخباره لانه حكم لاخبار الصدوق‏

(فيما كان المخبر به)

بصيغة المفعول‏

(خبر العدل)

بأن قال الصدوق: اخبرني الصفار

(أو عدالة المخبر)

بأن قال الصدوق: الصفار عادل‏

(لانه)

أي وجوب التصديق.

(و ان كان اثرا شرعيا لهما)

أي لخبر العدل أو لعدالة المخبر

(إلّا انه)

أي ان هذا الاثر- الذى هو صدق العادل الملحق بخبر الصفار- بعد ثبوت عدالته بعد ثبوت اخباره‏

(بنفس الحكم)

بصدق العادل‏

(في مثل الآية)

الواردة في بناء الوليد و غيرها من كل ما دل على حجية خبر العادل، فان الحكم‏

(بوجوب تصديق خبر العادل)

لا يكون حكما لخبر العدل متأخرا عنه و موضوعا متقدما

(حسب الفرض)

الذي ذكرنا من انه لا اثر للمخبر الا وجوب تصديقه، فلو كان الصدوق اخبر بوجوب النفقة قلنا «خبر الصدوق الذي اثره وجوب النفقة صدقه» اما لو اخبر الصدوق بأن الصفار اخبره بكذا صار الحاصل: خبر الصدوق الذي اثره صدق الصفار صدقه، فصدق صار في مرتبة الحكم و في مرتبة الموضوع و هذا مستحيل.

(نعم لو انشأ هذا الحكم)

الذي هو وجوب التصديق‏

(ثانيا)

كأن قال «صدق العادل» ثم قال «و صدق العادل مرة ثانية»

(فلا بأس في)

ان يكون كل واحد من الحكم و الاثر تصديق العادل، لانه انشأ «صدق» أولا فجعله اثرا لخبر

32

أن يكون بلحاظه أيضا، حيث انه صار أثرا بجعل آخر فلا يلزم اتحاد الحكم و الموضوع، بخلاف ما اذا لم يكن هناك إلّا جعل واحد- فتدبر.

____________

الصدوق، ثم انشأه ثانيا و جعله حكما على خبر الصدوق، فجاز

(ان يكون)

الاثر

(بلحاظه)

أي بلحاظ وجوب التصديق‏

(أيضا)

كما كان الحكم هو وجوب التصديق‏

(حيث انه)

أي وجوب التصديق‏

(صار)

حكما بجعل و صار

(اثرا بجعل آخر)

اذ المفروض انه انشأه مرتين‏

(فلا يلزم اتحاد الحكم و الموضوع)

الذي هو بديهي الاستحالة

(بخلاف ما اذا لم يكن هناك إلّا جعل واحد)

الذي لا يمكن ان يكون فى مرتبة الحكم و الموضوع معا

(فتدبر)

جيدا حتى لا تتوهم انه يحتاج كل واسطة الى جعل، و ذلك لان جعلين كاف فى الخبر مع الواسطة و لو كان هناك أكثر من واسطتين، اذ جميع تلك الوسائط تنحل الى حكم و موضوع، فأحد الجعلين يقوم مقام الموضوع و الجعل الثاني يقوم مقام الحكم، فلا حاجة الى اكثر من إنشاءين.

و قد يقرر الاشكال المذكور على وجه آخر كما فصل فى الشروح و الحواشي، لكن حيث كان بيانه خارجا عن شرح اللفظ و كان سببا لتشويش المبتدى آثرنا تركه.

و قد تبين ان المتحصل من الاشكال ان أدلة حجية خبر الواحد انما تشمل ما اذا كان الخبر بدون واسطة و كان المخبر به حكما شرعيا كما لو اخبرنا زرارة ان الامام (عليه السلام) قال كذا، اما لو كان الخبر مع الواسطة كما لو اخبرنا الصدوق ان الصفار اخبره عن العسكري (عليه السلام) بكذا، أو كان المخبر به عدالة الراوي كما لو اخبر الصدوق ان الصفار عادل فلا تشملهما أدلة حجية خبر الواحد.

33

و يمكن الذب عن الاشكال بأنه انما يلزم اذا لم يكن القضية طبيعية و الحكم فيها بلحاظ طبيعة الاثر بل بلحاظ أفراده، و إلّا فالحكم بوجوب التصديق يسرى‏

____________

(و يمكن الذنب عن الاشكال)

بأن نقول: ان أدلة حجية الخبر تشمل الخبر ذي الوسائط و تشمل الاخبار بالعدالة كما تشمل الخبر بدون الوسائط و الخبر بالحكم، و ذلك‏

(ب)

احد وجوه ثلاثة: «الاول» ان القضية على قسمين:

الاول: القضية الخارجية نحو زيد قائم، و من المعلوم انه لا يمكن ان يؤخذ ما في مرتبة «زيد» الموضوع في مرتبة «قائم» الحكم.

الثاني: القضية الطبيعة نحو «كل خبري صادق» فان الحكم بالصدق ليس على اثر الخبر الخارجي حتى يلزم وجود تلك الاخبار مقدمة على هذه الجملة- أي «كل خبرى صادق»- و انما يكون الحكم بالصدق على طبيعة الخبر الصادر من المتكلم، و من المعلوم ان طبيعة الخبر تشمل جميع اخباره التي منها هذا الخبر الذي هو «كل خبرى صادق»، فهذا الخبر ايضا من مصاديق «كل خبرى» و ما نحن فيه من هذا القبيل ف

(انه انما يلزم)

الاشكال المتقدم‏

(اذا لم يكن القضية طبيعية)

بان كانت خارجية، فانه لا يمكن حينئذ أن يكون صدق العادل اثرا و ان يكون حكما.

(و)

اذا لم تكن القضية طبيعية بأن لم يكن‏

(الحكم فيها بلحاظ طبيعة الاثر بل)

كان‏

(بلحاظ افراده)

ورد الاشكال المتقدم‏

(و إلّا)

يكن كذلك، بأن كانت القضية طبيعية بأن كان مفاد «صدق العادل» تصديق كل خبر ذي اثر في الجملة و لو كان الاثر ناشئا من نفس صدق العادل‏

(فالحكم بوجوب التصديق يسرى)

34

اليه سراية حكم الطبيعية الى أفراده بلا محذور لزوم اتحاد الحكم و الموضوع.

هذا مضافا الى القطع بتحقق ما هو المناط فى سائر الآثار فى هذا الاثر- أى وجوب التصديق‏

____________

(اليه سراية حكم الطبيعية الى افراده بلا محذور لزوم اتحاد الحكم و الموضوع)

و السر أن الطبيعى بهذا المعنى لا مرتبة له حتى يكون التأخر الرتبي فى بعض افراده ينافى التقدم الرتبي فى بعض افراده الآخر، فكأنه خارج عن عالم الرتب، كما ان الشي‏ء الذي لا زمان له خارج عن محيط الزمان، فلا يصح ان يقال: انه مقدم على الشى‏ء الفلاني و مؤخر عن الشي‏ء الفلاني، اذ التقدم و التأخر انما يصحان في الموضوع القابل.

و ان شئت قلت: ان الرتبة امر اعتبارى له صقع خاص فى الاعتبار و لم يعتبر لمثل «كل خبرى صادق» و «صدق العادل» و اشباههما رتبة حتى لا يشمل «كل خبرى ..» لنفسه و حتى يستحيل ان يكون «صدق ..» اثرا و حكما في آن واحد.

(هذا)

تمام الكلام في الجواب الاول عن الاشكال‏

(مضافا الى)

الجواب الثاني، و هو انا نعلم ان صدق العادل لا يمكن ان يكون اثرا و حكما في ظرف واحد للاستحالة المذكورة، لكن حصول‏

(القطع بتحقق ما هو المناط)

كاف في شموله للاخبار بالواسطة.

كما ان القطع بأنه ليس خصوصية لسائر اخبار القائل «كل خبرى صادق» كاف في القول بأن خبر هذا ايضا صادق، ففيما نحن فيه نقطع بتحقق ما هو المناط

(في سائر الآثار)

المترتبة على الاخبار بلا واسطة

(في هذا الاثر)

الخاص‏

(أي وجوب التصديق)

فكما ان كون الخبر ذا أثر عملي كاف في وجوب تصديقه‏

35

بعد تحققه بهذا الخطاب- و ان كان لا يمكن أن يكون ملحوظا لاجل المحذور، و الى عدم القول بالفصل بينه و بين سائر الآثار فى وجوب الترتيب لدى الاخبار بموضوع صار أثره الشرعى وجوب التصديق و هو خبر العدل و لو بنفس الحكم فى الآية فافهم. و لا يخفى‏

____________

- بسبب شمول صدق العادل له- كذلك كون اثر الخبر تصديق العادل كاف في وجوب تصديقه- بسبب شمول مناط صدق العادل له-

(بعد تحققه)

أي تحقق ذلك الاثر

(بهذا الخطاب)

أي بخطاب «صدق العادل» فاذا تحقق اثر التصديق في خبر ذى الواسطة كان مناط «صدق العادل» شاملا له.

(و ان كان لا يمكن ان يكون)

هذا الاثر الناشئ من نفس صدق العادل‏

(ملحوظا)

عند التكلم ب «صدق العادل»

(لاجل المحذور)

المذكور، و هو لزوم اتحاد مرتبة الحكم و الموضوع.

(و)

هذا تمام الكلام في الجواب الثاني مضافا

(الى)

الجواب الثالث و هو

(عدم القول بالفصل)

فلو سلمنا ان صدق العادل لا يشمل الاثر الناشئ من نفسه، و سلمنا انه لا قطع بالمناط نقول: لا قول بالفصل‏

(بينه)

أي بين هذا الاثر الناشئ من صدق العادل‏

(و بين سائر الآثار في وجوب الترتيب)

أي ترتيب هذا الاثر

(لدى الاخبار بموضوع صار اثره الشرعي وجوب التصديق، و هو)

أي ذلك الموضوع‏

(خبر العدل)

فيجب ترتيب الاثر على خبر الصدوق اذا اخبر بموضوع هو خبر الصفار لانه ذو اثر شرعي‏

(و لو)

كان ذلك الاثر الشرعي‏

(بنفس الحكم)

بوجوب التصديق‏

(فى الآية)

المباركة النازلة بشأن الوليد

(فافهم)

فان المقام دقيق‏

(و)

ان كان الخارج واضحا، حتى ان مثل هذه الشبهة تعد في مقابل البديهة كما

(لا يخفى)

.

36

انه لا مجال بعد اندفاع الاشكال بذلك الاشكال فى خصوص الوسائط من الاخبار، كخبر الصفار المحكى بخبر المفيد مثلا بأنه لا يكاد يكون خبرا تعبدا الا بنفس الحكم بوجوب تصديق العادل الشامل للمفيد، فكيف يكون هذا الحكم المحقق‏

____________

ثم‏

(انه لا مجال بعد اندفاع الاشكال)

المتقدم الذي كان يقول: يلزم ان يكون الخبر ذا أثر مع قطع النظر عن «صدق العادل» فكيف يمكن ان يكون صدق العادل أثرا و حكما

(بذلك)

الجواب الذي ذكرنا من ان قضية «صدق العادل» طبيعية أو نقطع بالملاك أو لا قول بالفصل، فانه بعد هذه الاجوبة

(للاشكال في خصوص الوسائط من الاخبار)

و ذلك‏

(كخبر الصفار المحكي بخبر المفيد مثلا)

فيما لو حكى لنا المفيد عن الصفار عن الامام خبرا

(بأنه)

كيف يمكن شمول صدق العادل للوسائط، اذ كون الصفار اخبر بهذا الخبر لم يثبت عندنا وجدانا، و انما «صدق العادل» المنصب على كلام الصدوق هو الذي اثبت لنا ان الصفار قال كذا، فقول الصفار انما ثبت بصدق العادل، و لازمه تقدم صدق العادل على قول الصفار لان صدق علة كونه تعبديا، فكيف يمكن ان يكون «صدق» حكما لقول الصفار.

و ان شئت قلت: ان «صدق» علة قول الصفار فمقدم عليه، فلا يمكن ان يكون صدق حكما له و مؤخرا عنه، فلا يمكن ان يكون بانشاء واحد ايجاد الموضوع تعبدا و الحكم عليه بوجوب التصديق، اذ

(لا يكاد يكون)

قول الصفار

(خبرا تعبدا الا بنفس الحكم بوجوب تصديق العادل الشامل للمفيد)

فان صدق العادل المتوجه الى المفيد هو الذي اثبت قول الصفار

(فكيف يكون هذا الحكم المحقق)

37

لخبر الصفار تعبدا مثلا حكما له أيضا و ذلك لانه اذا كان خبر العادل ذا أثر شرعى حقيقة بحكم الآية وجب ترتيب أثره عليه عند اخبار العدل به كسائر ذوات الآثار من الموضوعات،

____________

على صيغة الفاعل‏

(لخبر الصفار تعبدا مثلا حكما له ايضا)

أي لخبر الصفار حتى نثبت ب «صدق العادل» ان الصفار صادق فيما يرويه عن الامام (عليه السلام).

و لا يخفى الفرق بين هذا الاشكال و الاشكال السابق، فان الاشكال السابق كان يقول: الخبر يلزم ان يكون ذا اثر حتى يشمل صدق، ففى الاخبار ذات الوسائط لا يمكن ان يكون صدق أثرا و حكما، و هذا الاشكال يقول: ان الخبر يلزم ان يكون اولا حتى يحكم عليه بصدق، فاذا كان صدق موجدا للخبر تعبدا فلا يمكن ان يكون حكما لهذا الخبر الذي اوجده.

لكن من جواب الاشكال الاول يتبين جواب هذا الاشكال ايضا

(و ذلك لانه اذا كان خبر العادل ذا اثر شرعي حقيقة بحكم الآية)

الظرف متعلق بما بعده، أي قوله‏

(وجب)

الخ يعنى ان خبر العادل اذا كان ذا أثر شرعي وجب بحكم الآية، أي قوله تعالى: «إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ» الآية (1)-

(ترتيب أثره عليه عند اخبار العدل به)

فاذا ثبت خبر الصفار- بحكم صدق المتوجه الى خبر المفيد- صار خبر الصفار من افراد الخبر ذي الاثر، و حينئذ يتوجه اليه صدق، لما عرفت من ان صدق العادل على نحو القضية الطبيعية، فحيثما ثبت هذه الطبيعة و لو بواسطة نفس صدق توجه الحكم اليها

(كسائر ذوات الآثار من الموضوعات)

فكما يشمل صدق خبر زرارة بوجوب النفقة و خبر ابن مسلم باستحباب غسل الجمعة و خبر بريد بكراهة نوم بين الطلوعين كذلك يشمل خبر الصفار- الذي صار بنفسه‏

____________

(1) الحجرات: 6.

38

لما عرفت من شمول مثل الآية للخبر الحاكى للخبر بنحو القضية الطبيعية أو لشمول الحكم فيها له مناطا و ان لم يشمله لفظا أو لعدم القول بالفصل فتأمل جدا.)

[و منها آية النفر]

(و منها) آية النفر، قال اللّه تبارك و تعالى:

فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ (1)

الآية.

____________

خبرا تعبدا بحكم صدق- لان خبر الصفار ايضا من الاخبار ذوات الاثر

(لما عرفت من شمول مثل الآية للخبر الحاكي للخبر)

كخبر المفيد الحاكي لخبر الصفار

(بنحو القضية الطبيعية)

متعلق «بشمول».

هذا تمام الكلام في الجواب الاول من الاشكال‏

(او)

نجيب بالجواب الثاني و هو ان المناط الذي كان فى الخبر بلا واسطة موجود فى الخبر ذي الوسائط

(لشمول الحكم فيها)

أى في الآية

(له)

أي للخبر ذى الوسائط

(مناطا و ان لم يشمله لفظا)

لما تقدم من انه لا يمكن ان يكون موجدا للموضوع و حكما له في حال واحد

(أو)

نجيب بالجواب الثالث بأنه لا فرق بين الخبر بدون الواسطة و الخبر مع الواسطة

(لعدم القول بالفصل)

فمن قال بحجية أحدهما قال بحجية الآخر، فالتفكيك بينهما بأن يكون الخبر بدون الواسطة حجة و الخبر مع الواسطة ليس حجة خرق للاجماع المركب.

(و منها)

أي من الآيات التي استدل بها لحجية خبر الواحد

(آية النفر)

سميت به لوجود كلمة النفر فيها

(قال اللّه تبارك و تعالى)

في سورة البراءة: «وَ ما كانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً

(فَلَوْ لا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طائِفَةٌ)

- و تمام‏

(الآية)

-

____________

(1) التوبة: 122.

39

و ربما يستدل بها من وجوه:

(أحدها) ان كلمة لعل‏

____________

لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ» (1) و قد فسرت الآية الكريمة بثلاث تفاسير:

«الاول» ان جماعة من كل قبيلة يخرجون الى الغزو و يبقى الباقون عند النبي (صلى اللّه عليه و آله) ليتعلموا منه، فاذا رجع الغزاة علمهم القاعدون ما نزل على النبي (صلى اللّه عليه و آله) ابان غيابهم عن المدينة.

«الثاني» ان المراد تفقه النافرين، و ذلك بتبصرهم آيات اللّه تعالى من الظهور على المشركين و نصرة المؤمنين ثم يخبروا قومهم الكافرين لعل القوم يؤمنون بالاسلام.

«الثالث» ان يأتي من البلاد الى النبي (صلى اللّه عليه و آله) جماعة من كل قبيلة ليتعلموا العلم ثم يرجعون الى بلادهم منذرين قومهم بما تعلموا.

أقول: و لا يخفى ان الآية تحتمل أكثر من هذه الوجوه التي فسرت بها.

(و ربما يستدل بها)

لحجية الخبر الواحد

(من وجوه)

ثلاثة:

(أحدها: ان كلمة لعل)

الواردة في آخر الآية في قوله‏ «لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ» انما تكون لا نشاء الترجي، و انشاء الترجي قد يكون بداعي الرجاء الحقيقي و قد يكون بداعي افادة المطلوب لما تقدم في المجلد الاول ان أمثال هذه الامور انما تنشأ بها مضامينها، و الداعي الى الانشاء اما افادة معانيها لقيام معانيها الحقيقية بالنفس و اما اظهار بعض الامور الأخر كصيغة الامر التي تنشأ لاظهار الطلب فقد يكون الداعي الى هذا الاظهار الطلب الحقيقي و قد يكون الداعي السخرية و الامتحان‏

____________

(1) التوبة: 122.

40

و ان كانت مستعملة على التحقيق فى معناه الحقيقى- و هو الترجى الايقاعى الانشائى- إلّا ان الداعى اليه حيث يستحيل فى حقه تعالى أن يكون هو الترجى الحقيقى كان هو محبوبية التحذر عند الانذار و اذا ثبت محبوبيته ثبت وجوبه شرعا لعدم الفصل‏

____________

و هكذا.

و على هذا فاستعمال لعل في انشاء الترجى استعمال في الموضوع له و لو كان المراد بها افادة المطلوبية لا كما زعمه البعض بأنها لو لم تستعمل في الترجي الحقيقي تكون مجازا، فهذه الكلمة

(و ان كانت مستعملة على التحقيق في معناه الحقيقي- و هو الترجي الايقاعي الانشائي-)

أي انشاء ايقاع الرجاء

(إلّا ان الداعي اليه حيث يستحيل في حقه تعالى أن يكون هو الترجي الحقيقي)

لاعتبار جهل المترجى بوقوع المرجو و اللّه سبحانه عالم بالعواقب.

(كان هو)

أي الداعي‏

(محبوبية التحذر عند الانذار)

و بهذه المقدمة ثبت ان التحذر عقيب الانذار محبوب، و بالمقدمة الثانية يثبت ان معنى المحبوبية وجوب الحذر، فهاتان المقدمتان تفيدان وجوب قبول القوم خبر المنذرين، و لا يكون ذلك إلّا اذا كان خبر الواحد حجة، اذ لو لا الحجية لم يجب قبول خبر المنذرين.

(و)

على كل‏

(اذا ثبت محبوبيته)

أي محبوبية التحذر

(ثبت وجوبه)

أي التحذر

(شرعا لعدم الفصل)

بين المحبوبية و الوجوب عند العلماء، فكل من قال بمحبوبية التحذر أوجبه لانه يرى حجية خبر الواحد، و كل من لا يقول بوجوب التحذر لا يقول بمحبوبيته لانه لا يرى حجية خبر الواحد، لكن الآية تقول بمحبوبيته.

41

و عقلا لوجوبه مع وجود ما يقتضيه و عدم حسنه بل عدم امكانه بدونه.

(ثانيها) انه لما وجب الانذار لكونه غاية للنفر الواجب كما هو قضية كلمة لو لا التحضيضية وجب التحذر و إلّا لغى وجوبه.

____________

فاللازم القول بوجوبه‏

(و عقلا)

عطف على قوله «شرعا»

(لوجوبه مع وجود ما يقتضيه)

أي ان المقتضى للحذر لو كان موجودا، بأن كان هناك ما يكره وجب التحذر

(و عدم حسنه)

أي التحذر

(بل عدم امكانه بدونه)

أي بدون وجود المقتضى لانه اذا كان المكروه مأمونا لا معنى للحذر فلا وجه لحسنه.

(ثانيها)

أي ثاني تلك الوجوه التي استدل بها لحجية خبر الواحد من الآية الكريمة: ان النفر واجب لانه وقع عقيب التخصيص، و الانذار واجب لانه غاية للنفر الواجب، و التحذر واجب لانه غاية للانذار الواجب، و لا يكون التحذر واجبا إلّا اذا كان خبر الواحد حجة.

و الحاصل:

(انه لما وجب الانذار لكونه غاية للنفر الواجب)

و استدل لكون الانذار واجبا بقوله:

(كما هو قضية)

أي مقتضى‏

(كلمة لو لا التحضيضية)

فان لو لا اذا دخلت على المضارع افادت طلب الفعل و الحث عليه و اذا دخلت على الماضي افادت التوبيخ على ترك الفعل كما ذكره النحاة و اللغويون‏

(وجب التحذر)

مرتبط بقوله «لما وجب الانذار»

(و إلّا)

يجب التحذر كان وجوب الانذار عبثا و

(لغى وجوبه)

.

اذ لا بد للايجاب من غرض في نفسه أو في متعلقه و الانذار لا غرض في نفسه كما هو واضح، فاذا لم يجب التحذر عند الانذار لم يكن غرض في متعلقه أيضا فيكون لغوا، و يكون مثل ان يقول المولى بعده آمر فلانا فيسأل العبد هل‏

42

(ثالثها) انه جعل غاية للانذار الواجب و غاية الواجب واجب.

و يشكل الوجه الاول بأن التحذر لرجاء ادراك الواقع و عدم الوقوع فى محذور مخالفته من فوت المصلحة أو الوقوع فى المفسدة حسن، و ليس‏

____________

في نفس الامر فائدة فيقول لا ثم يسأل هل يجب أو يستحب على المأمور شي‏ء فيقول لا، فانه حينئذ يكون قد أمر بشي‏ء لغو و ذلك لا يصدر من الحكيم.

(ثالثها)

أي الثالث من الوجوه التي استدل بها لدلالة آية النفر على حجية خبر العادل‏

(انه)

أي الحذر

(جعل غاية للانذار الواجب)

فانه قال سبحانه‏ «لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ» (1)

(و غاية الواجب واجب)

اذا المغيّى لا يجب إلّا اذا كانت غايته واجبة فانه يترشح الحكم من الغاية الى المغيى فانه لا يعقل أن يقول المولى «جى‏ء بالماء لسقي البستان ثم ان شئت سقيته أو لم تسقه» و لا يخفى ان هذا الوجه قريب من الوجه الثاني.

(و)

لكن هذه الوجوه الثلاثة كلها مخدوشة اذ

(يشكل الوجه الاول)

الذي كان يقول الحذر محبوب فهو واجب لانه لا معنى لحسن الحذر

(بأن التحذر)

يمكن أن يكون حسنا و ليس بواجب، فانه‏

(لرجاء ادراك الواقع و عدم الوقوع في محذور مخالفته)

و قوله:

(من فوت المصلحة أو الوقوع في المفسدة)

بيان لمحذور المخالفة، فان الواقع اذا كان واجبا ثم لم يحذر المأمور فاتت منه تلك المصلحة الموجودة في المأمور به، و اذا كان الواقع حراما ثم لم يحذر المنهى وقع في تلك المفسدة الموجودة في المنهى عنه.

و لا يخفى ان التحذر واجب اذا كان هناك حجة على التكليف و

(حسن و ليس)

____________

(1) التوبة: 122.

43

بواجب فيما لم يكن هناك حجة على التكليف، و لم يثبت هاهنا عدم الفصل غايته عدم القول بالفصل و الوجه الثانى و الثالث بعدم انحصار فائدة الانذار بالتحذر تعبدا لعدم‏

____________

(بواجب فيما لم يكن هناك حجة على التكليف)

فاذا كانت الشبهة مثلا طرفا للعلم الاجمالي وجب التحذر لوجود الحجة على التكليف الذي هو العلم الاجمالي و اما اذا كانت الشبهة بدوية فان التحذر حسن و ليس بواجب لانه لم يقم حجة على التكليف.

اذا فمن الممكن حسن التحذر و عدم وجوبه، فلا يستفاد من مادة التحذر الموجودة في الآية الكريمة ان الحذر واجب حتى يستدل بذلك لحجية خبر الواحد لانه اذا لم يكن الخبر حجة لم يجب التحذر.

(و)

ان قلت: قد مر فى الوجه الاول انه لا فصل شرعا بين محبوبية التحذر و بين وجوبه، و اذا ثبت بالآية محبوبيته ثبت وجوبه للاجماع. قلت:

(لم يثبت هاهنا)

فى مقام التحذر

(عدم الفصل)

ليكون اجماعا فان العلماء لم يجمعوا على انه لا فصل‏

(غايته عدم القول بالفصل)

أى كل من قال بالحسن قال بالوجوب و من لم يقل بالوجوب لم يقل بالحسن، و هذا لا يكفي في اثبات الاجماع، مضافا الى ان المحصل من الاجماع غير حاصل و المنقول غير تام و الى انه محتمل الاستناد و ليس بحجة و لا يخفى ان الاشكال الآتي فى الوجهين الثاني و الثالث يأتي فى هذا الوجه أيضا.

(و)

يشكل‏

(الوجه الثاني و الثالث)

القائلان بأن التحذر واجب لانه غاية للانذار الواجب‏

(بعدم انحصار فائدة الانذار بالتحذر تعبدا)

حتى انه بمجرد قيام خبر المنذر وجب التحذر تعبدا و لو لم يحصل للمنذر- بالفتح- العلم‏

(لعدم)

44

اطلاق يقتضى وجوبه على الاطلاق.

ضرورة ان الآية مسوقة لبيان وجوب النفر لا لبيان غايتية التحذر و لعل وجوبه كان مشروطا بما اذا افاد العلم لو لم نقل بكونه مشروطا به، فان النفر انما يكون لاجل التفقه و تعلم معالم الدين و معرفة ما جاء به سيد المرسلين كى ينذروا بها المتخلفين او النافرين على‏

____________

(اطلاق)

فى الآية

(يقتضى وجوبه)

أى وجوب التحذر

(على الاطلاق)

سواء حصل العلم أم لم يحصل.

(ضرورة ان الآية مسوقة لبيان وجوب النفر لا لبيان غايتية التحذر)

حتى يكون لها اطلاق من جهة الغائية، كي يستفاد منها ان التحذر واجب مطلقا اذا حصل الانذار

(و لعل وجوبه)

أى التحذر

(كان مشروطا بما اذا أفاد العلم)

فالحذر واجب عقيب الانذار فى الجملة

(لو لم نقل بكونه)

أى الحذر

(مشروطا به)

أى بالعلم مع ان مقتضى ظاهر الآية الحذر عند العلم، اذ لا يصدق الحذر إلّا اذا علم الانسان بالمنذر به.

أ لا ترى انه لو أخبرك طفل بأن الشي‏ء الفلاني مضر لم يكن تركك له حذرا عرفا بل سفها، و انما يصدق الحذر فيما كان العقلاء يحذرون فيه و لا يكون ذلك إلّا بحصول العلم أو ما أشبهه‏

(فان النفر انما يكون لاجل التفقه و تعلم معالم الدين و)

تحصيل‏

(معرفة ما جاء به سيد المرسلين (صلى اللّه عليه و آله) كي ينذروا بها المتخلفين)

اذا كان المراد ان النافر الذي رأى آيات اللّه فى الجهاد ينذر المتخلف‏

(أو)

ينذروا بها

(النافرين)

اذا كان المراد ان المتخلف عند النبي (صلى اللّه عليه و آله) الذي تعلم المسائل عند غياب النافر ينذر النافر حين رجوعه من الجهاد

(على)

45

الوجهين فى تفسير الآية لكى يحذروا اذا انذروا بها، و قضيته انما هو وجوب الحذر عند احراز ان الانذار بها كما لا يخفى، ثم انه اشكل ايضا بأن الآية لو سلم دلالتها على وجوب الحذر مطلقا فلا دلالة لها على حجية الخبر بما هو خبر

____________

(الوجهين فى تفسير الآية)

كما عرفت فى اول الآية

(لكي يحذروا اذا انذروا بها)

أى بمعالم الدين و انما كان تعليم معالم الدين انذارا و قبولها حذرا لان من لم يعمل بها استحق العقاب.

(و قضيته)

أي مقتضى كون الحذر عقيب الانذار بالمعالم‏

(انما هو وجوب الحذر عند احراز ان الانذار بها)

أى بمعالم الدين، اذ لو لا الاحراز لم يعلم الشخص ان الانذار انما هو بالمعالم حتى يجب الحذر، فيكون حاله حال ما اذا قال «اذا جاء زيد فأكرمه» فان مقتضى ذلك احراز مجى‏ء زيد فى وجوب اكرامه، اذ لو لا الاحراز لم تتحقق الشرطية التي هي مقدمة للحكم، و هذا وجه ثان لاشتراط الاحراز فى الموضوع‏

(كما لا يخفى)

و ان كان ربما يخدش فيه انه لا يحتاج الى الاحراز، بل يكفي صدق الانذار الحاصل بما يعتني بمثله العقلاء و ان لم يحرز الشخص احرازا وجدانيا.

(ثم انه اشكل أيضا)

فى دلالة آية الانذار على حجية خبر الواحد مطلقا

(بأن الآية لو سلم دلالتها على وجوب الحذر مطلقا)

سواء حصل العلم أم لم يحصل من الانذار

(فلا دلالة لها على حجية الخبر بما هو خبر)

خال عن الانذار و التخويف اذا الآية تقول بحجية خبر المنذر و ليس ذلك إلّا اذا قارن الخبر مع الانذار، كأن يقول «من لم يصلّ كان جزاؤه جهنم» و من المعلوم ان كل خبر مروي‏

46

حيث، انه ليس شأن الراوى الا الاخبار بما تحمّله لا التخويف و الانذار، و انما هو شأن المرشد أو المجتهد بالنسبة الى المسترشد أو المقلد.

قلت: لا يذهب عليك انه ليس حال الرواة فى الصدر الاول فى نقل ما تحمّلوا من النبى- صلى اللّه عليه و على أهل بيته الكرام- أو الامام (عليه السلام) من الاحكام الى الانام الا كحال نقلة الفتاوى الى العوام،

____________

عن الرسول و الائمة (عليهم السلام) ليس كذلك‏

(حيث انه ليس شأن الراوي الا الاخبار بما تحمّله)

من النبي (صلى اللّه عليه و آله) أو الامام (عليه السلام)

(لا التخويف و الانذار)

و الآية تضمنت حجية الخبر المشتمل عليهما و لا يكونان فى كل خبر

(و انما هو شأن المرشد)

الواعظ

(أو المجتهد بالنسبة الى المسترشد أو المقلد)

بل ليس شأن كل مجتهد كما لا يخفى.

(قلت)

: من المسلم ان الآية انما تدل على وجوب قبول الخبر المقترن بالتحذير و التخويف، لكن لا نسلم ان الاخبار لم تكن مقرونة بذلك بل بالعكس، اذ

(لا يذهب عليك انه ليس حال الرواة فى الصدر الاول فى نقل ما تحملوا من النبي- صلى اللّه عليه و على أهل بيته الكرام- أو)

ما تحملوا من‏

(الامام (عليه السلام) من الاحكام)

بيان ما تحملوا

(الى الانام)

متعلق بقوله «نقل»

(الّا كحال نقلة الفتاوى الى العوام)

فى الحال الحاضر.

و قد كان لحن الروايات فى زمن الرسول (صلى اللّه عليه و آله) كلحن الآيات التي لا تخلو من التحذير و الانذار غالبا، و لذا جعل الانذار فى الآية الكريمة عقيب التفقه فقال‏ «لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَ لِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ» مما دل على ان الانذار انما هو

47

و لا شبهة فى انه يصح منهم التخويف فى مقام الابلاغ و الانذار و التحذير بالبلاغ فكذا من الرواة، فالآية لو فرض دلالتها على حجية نقل الراوى اذا كان مع التخويف كان نقله حجة بدونه أيضا لعدم الفصل بينهما جزما فافهم.

____________

بما تفقه.

(و لا شبهة في انه يصح منهم)

أي من نقلة الفتاوى‏

(التخويف في مقام الا بلاغ و الانذار و)

في مقام‏

(التحذير بالبلاغ)

و اذا ثبت ذلك بالنسبة الى النقلة

(فكذا)

يصح‏

(من الرواة)

لما عرفت من استوائهما في الجملة، منتهى الامر ان الرواة ينقلون عن النبي و الامام و النقلة ينقلون عن المجتهدين، و على هذا تفيد آية الانذار وجوب الحذر عند التحذير بنقل الخبر المشتمل على الوعظ و التخويف‏

(فالآية لو فرض دلالتها على حجية نقل الراوي اذا كان مع التخويف كان نقله حجة بدونه أيضا)

و ذلك‏

(لعدم الفصل بينهما)

أي بين الخبر مع التخويف و بين الخبر بدونه‏

(جزما)

.

لكن ذكر الشيخ ما حاصله: ان الآية تدل على وجوب الحذر عقيب الانذار، و الانذار هو الابلاغ بقصد التخويف، و التخويف انما يكون بأعمال النظر الذي هو من وظيفة المجتهد، فمفاد الآية حجية فتوى المفتى بالنسبة الى مقلديه.

و لعل قول المصنف‏

(فافهم)

اشارة الى ذلك، لكن لا يخفى ما فيه، اذ التخويف ليس باعمال النظر و ان كان من أحد أفراده، فالرواة الذين رووا الاخبار المقترنة بالتحذير كانوا بذلك محذرين و ان لم يكونوا مجتهدين، بالاضافة الى ان وقت نزول الآية كان غالب الرواة كالنقلة لا كالمجتهدين.

ثم انه يمكن أن يجاب عن أصل الاشكال بأن معنى انذار القوم ليس نقل‏

48

[و منها آية الكتمان‏]

(و منها) آية الكتمان‏

«إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا (1)

الآية، و تقريب الاستدلال بها ان حرمة الكتمان تستلزم القبول عقلا للزوم لغويته بدونه. و

____________

الاخبار المشتملة على التخويف، بل نقل الاحكام المشتمل على الانذار، اذ الاحكام حدود للّه تعالى و من يتعد حدوده فان له نار جهنم، و يقرب ذلك بالاضافة الى ان ذلك هو السابق من الآية الى الذهن عرفا تعقيب التفقه بذلك مما يبين ان الانذار انما هو بمطلق ما تفقه و من المعلوم ان ما يتفقه الانسان فيه يكون على قسمين قسم مقترن بالانذار و قسم خال عنه.

(و منها)

أي من الآيات التي استدل بها لحجية خبر العادل‏

(آية الكتمان)

و سميت به لاشتمالها على مادته، و هي قوله تعالى:

( «إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا)

مِنَ الْبَيِّناتِ وَ الْهُدى‏ مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَ يَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ» (2) فان‏

(الآية)

دلت على حرمة كتمان ما يعلم من امور الدين.

(و تقريب الاستدلال بها)

لحجية خبر الواحد

(ان حرمة الكتمان)

المستفادة من الآية بمعونة لعنة اللّه و لعنة اللاعنين‏

(تستلزم القبول)

من السامع‏

(عقلا)

بدلالة الاقتضاء، و ذلك‏

(للزوم لغويته)

أي لغوية وجوب الاظهار المستفاد من حرمة الكتمان‏

(بدونه)

أي بدون قبول السامع، فانه انما أمر بالاظهار ليقبل السامع و إلّا فما فائدة الاظهار المأمور به.

(و)

الشيخ أورد على هذه الآية بما لفظه: و يرد عليها ما ذكرنا عليها من‏

____________

(1) البقرة: 159.

(2) البقرة: 159.

49

لا يخفى انه لو سلمت هذه الملازمة لا مجال للايراد على هذه الآية بما أورد على آية النفر من دعوى الاهمال أو استظهار الاختصاص بما اذا أفاد العلم، فانها تنافيهما كما لا يخفى.

لكنها ممنوعة فان‏

____________

الايرادين الاولين في آية النفر من سكوتها و عدم التعرض فيها لوجوب القبول و ان لم يحصل العلم عقيب الاظهار أو اختصاص وجوب القبول المستفاد منها بالامر الذي يحرم كتمانه و يجب اظهاره، فان من أمر غيره باظهار الحق للناس ليس مقصوده الا عمل الناس بالحق، و لا يريد بمثل هذا الخطاب تأسيس حجية قول المظهر تعبدا.

لكن‏

(لا يخفى انه لو سلمت هذه الملازمة)

العقلية بين حرمة الكتمان و لزوم القبول‏

(لا مجال للايراد على هذه الآية بما أورده)

الشيخ (ره)

(على آية النفر من دعوى الاهمال)

و ان الآية ليست في صدد القبول و انما في صدد حرمة الكتمان في الجملة

(أو)

دعوى‏

(استظهار الاختصاص)

لوجوب القبول‏

(بما اذا أفاد)

الاظهار

(العلم)

.

فالآية ظاهرة في وجوب قبول قول من أظهر الحق اذا علمنا بأنه الحق و لم يكن الحق مشكوكا فيه بعد اظهاره‏

(فانها)

أي الملازمة التي ذكرناها بين الاظهار و بين وجوب القبول‏

(تنافيهما)

أي تنافي هذين الاشكالين‏

(كما لا يخفى)

على من تأمل.

(لكنها)

أي الملازمة التي هي قوام دلالة الآية

(ممنوعة)

اذ ما ذكر من تقريب الدلالة- من انه لو لا لزوم القبول كان وجوب الاظهار لغوا- غير تام‏

(فان)

50

اللغوية غير لازمة لعدم انحصار الفائدة بالقبول تعبدا و امكان أن تكون حرمة الكتمان لاجل وضوح الحق بسبب كثرة من أنشأه و بيّنه لئلا يكون للناس على اللّه حجة بل كان له عليهم الحجة البالغة.)

[و منها آية أهل الذكر:]

(و منها) آية السؤال عن أهل الذكر:

فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ‏ (1)

____________

(اللغوية غير لازمة)

و ان لم يجب القبول‏

(لعدم انحصار الفائدة بالقبول تعبدا)

بمجرد الاظهار

(و امكان أن تكون حرمة الكتمان لاجل وضوح الحق بسبب كثرة من أنشأه و بيّنه)

اذ الحق يعرفه عدد كثير من الناس، فاذا بينه الكل وضح الحق و علم به السامع.

و الحاصل: انه يجب الاظهار حتى يوضح الحق و يعرفه الناس‏

(لئلا يكون للناس على اللّه حجة بل كان له عليهم الحجة البالغة)

و هذا غير قبول خبر الواحد كما لا يخفى.

(و منها)

أي من الآيات التي استدل بها لحجية خبر الواحد

(آية السؤال عن أهل الذكر)

و هي قوله تعالى:

(فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ)

و تقريب الاستدلال بها: ان أهل الذكر عام يشمل كل عالم و الراوي من أهل العلم، و وجوب السؤال يستلزم وجوب قبول الجواب و إلّا لغى وجوب السؤال، و اذا وجب قبول الجواب وجب قبول كل ما يصح أن يسأل عنه و ان قاله بدون السؤال، لوضوح عدم دخل السؤال في وجوب القبول، فاذا روى الراوي روايات عن الامام وجب قبولها بمقتضى الآية.

و بهذا تبين ان الاشكال في دلالة الآية بأن تفسيرها في أهل الكتاب لانها كما

____________

(1) النحل: 43.

51

و تقريب الاستدلال بها ما فى آية الكتمان. و فيه ان الظاهر منها ايجاب السؤال لتحصيل العلم لا للتعبد بالجواب،

____________

في سورة النحل‏ «وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّناتِ وَ الزُّبُرِ» و في سورة الانبياء «وَ ما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» بمعنى السؤال عن أهل الكتاب عن صدق هذه المقالة، و تأويلها في الائمة الطاهرين (عليهم السلام) فهم المراد من أهل الذكر كما في عدة أحاديث، فلا ربط للآية بمطلق أهل الذكر حتى تشمل الرواة ليس في محله اذ المورد غير مخصص بعد فهم عدم الخصوصية و انما هو شي‏ء ارتكازي احيل عليه، و لذا لا تنافي بين التأويل و التفسير و ان كان الائمة (عليهم السلام) من أظهر المصاديق.

و قد حقق في محله ان تفسير الآيات بما هو خارج عن ظواهرها لدى الدقة ليس إلّا بيان بعض المصاديق أو المصاديق البارزة أو ذكر الاشباه كتأويل فرعون و هامان بالاول و الثاني.

(و)

كيف كان فقد عرفت‏

(تقريب الاستدلال بها)

و انها مثل‏

(ما في آية الكتمان)

المتقدمة و ان كانت بحاجة الى مقدمات اكثر

(و)

مع ذلك‏

(فيه ان الظاهر منها ايجاب السؤال لتحصيل العلم لا للتعبد بالجواب)

سواء حصل العلم ام لا، فانه تعالى قال: «فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ» (1) فتعليق السؤال على عدم العلم يدل بالدلالة العرفية على كونه لاجل حصول العلم، و لا شك في انه اذا حصل العلم من السؤال أو من الرواية المجردة كان حجة و ليس ذلك مما نحن فيه الذي هو حجية خبر العادل مطلقا.

____________

(1) النحل: 43.

52

و قد أورد عليها بأنه لو سلم دلالتها على التعبد بما أجاب أهل الذكر فلا دلالة لها على التعبد بما يروى الراوى، فانه بما هو راو لا يكون من أهل الذكر و العلم، فالمناسب انما هو الاستدلال بها على حجية الفتوى لا الرواية.

و فيه:

____________

أقول: لكن فيه ان الظاهر من هذه العبارة كون الجواب من اهل الذكر كاف في اعطاء الواقع للسير على وفقه، حتى انه لو لم يسر معتذرا- بانه لم يحصل له العلم- عد مخالفا.

أ لا ترى ان المولى لو قال لعبده «سر الى النجف و ان لم تعلم طريقه فاسأل عن السائقين» ثم لم يذهب العبد معتذرا بأنه لم يحصل له العلم من قولهم كان مخالفا و حسن عقابه، و لو كان المعيار حصول العلم القطعي لم يكن وجه لتخصيص اهل الذكر بالسؤال الا غلبة كونهم علماء بالجواب، و هو خلاف الظاهر.

(و قد أورد عليها ب)

ما ذكره الشيخ في الرسائل من‏

(انه لو سلم دلالتها على التعبد بما اجاب اهل الذكر فلا دلالة لها على التعبد بما يروى الراوي، فانه بما هو راو لا يكون من اهل الذكر و العلم)

فانه يصح سلب هذا العنوان عن مطلق من احس شيئا بسمعه و بصره، اذ ليس كل من يرى موضوعا أو يسمع كلاما يقال له اهل الذكر حتى تشمل الآية كل راو و ان روى حديثا واحدا

(فالمناسب انما هو الاستدلال بها على حجية الفتوى)

و لذا تمسك بها جماعة على وجوب التقليد على العامي‏

(لا)

الاستدلال بها على حجية

(الرواية)

التي جاء بها العدل.

(و فيه:)

مضافا الى عدم الخصوصية فان المفهوم من الآية حجية قول من يعلم شيئا بالنسبة الى من لا يعلم و لو كان معلومه شيئا واحدا، و لو كان هناك انصراف‏

53

ان كثيرا من الرواة يصدق عليهم انهم أهل الذكر و الاطلاع على رأى الامام (عليه السلام) كزرارة و محمد بن مسلم و مثلهما و يصدق على السؤال عنهم انه السؤال عن أهل الذكر و العلم.

و لو كان السائل من أضرابهم فاذا وجب قبول روايتهم فى مقام الجواب بمقتضى هذه الآية وجب قبول روايتهم و رواية غيرهم من العدول مطلقا لعدم الفصل جزما فى وجوب القبول بين المبتدئ‏

____________

فهو بدوى يزول بأدنى تأمل‏

(ان كثيرا من الرواة يصدق عليهم انهم اهل الذكر و الاطلاع على رأى الامام (عليه السلام) كزرارة و محمد بن مسلم و مثلهما. و)

على هذا

(يصدق على السؤال عنهم انه السؤال عن أهل الذكر و العلم)

.

(و)

ان قلت: هب ان سؤال الجهال عن مثل زرارة يعد سؤالا عن اهل الذكر، اما سؤال مثل محمد بن مسلم عن زرارة أو العكس مما يكون السائل هو من العلماء لا يكون مشمولا للآية لظهورها في سؤال الجهال عن اهل الذكر لا سؤال العلماء منهم و بذلك تسقط جملة كبيرة من الرواة عن كونها مشمولة للآية، اذ الرواة كثير منهم علماء يسأل بعضهم من بعض و يروى بعضهم عن بعض.

قلت: لا خصوصية في سؤال الجهال، فان المعيار كون المسئول عنه اهل الذكر فقوله حجة

(لو كان السائل من اضرابهم)

و لو ادعى الانصراف فهو بدوى كما لا يخفى.

و على هذا

(فاذا وجب قبول روايتهم في مقام الجواب بمقتضى هذه الآية)

المباركة

(وجب قبول روايتهم و رواية غيرهم من العدول)

و انما قيدناه بالعدول لما يستفاد من آية النبأ

(مطلقا)

سواء كان الراوي من يعد من اهل العلم كزرارة ام غيره‏

(لعدم الفصل جزما فى وجوب القبول بين المبتدئ)

بالرواية كما هو

54

و المسبوق بالسؤال و لا بين أضراب زرارة و غيرهم ممن لا يكون من أهل الذكر و انما يروى ما سمعه أو رآه فافهم.)

[و منها آية الاذن‏]

(و منها) آية الاذن‏

«وَ مِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَ يَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ» (1)

____________

الغالب‏

(و المسبوق بالسؤال و لا بين اضراب زرارة و غيرهم ممن لا يكون من اهل الذكر و انما يروي ما سمعه أو رآه)

و لو كان خبرا واحدا، و لا بين كون مدركه الحواس الظاهرة أو الحواس الباطنة. و لا ينافي شمول الآية للرواية شمولها للفتوى ايضا فان ذلك ايضا من السؤال عن اهل الذكر.

و الحاصل: ان الآية عامة تشمل جميع انواع اخبار المطلع، سواء كان أهل كتاب أم نبي أم امام، و سواء كان راويا أو مفتيا، و سواء كان فى الاصول أو الفروع و انما نقول بوجوب العلم في الاصول لدليل آخر، و سواء كان علمه حاصلا من الحواس الظاهرة أو الباطنة و كل تقييد في الآية يحتاج الى دليل‏

(فافهم)

لعله اشارة الى ان الآية ليست في صدد القبول اطلاقا، و انما هي ارشاد الى طريقة عقلائية في السؤال عن اهل العلم فلا تعبد شرعي في المقام لقبول قول الراوي مطلقا.

(و منها)

أي من الآيات التي استدل بها لحجية خبر العادل‏

(آية الاذن)

بضمتين على وزن «عنق»، و هو قوله تعالى:

( «وَ مِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَ يَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ»)

وجه النزول- كما عن القمي في تفسيره- انه نمّ منافق على النبي (صلى اللّه عليه و آله) فأخبره اللّه ذلك فأحضره النبي (صلى اللّه عليه و آله) و سأله فحلف انه لم يكن شي‏ء مما ينم عليه فقبل منه النبي، فأخذ هذا الرجل بعد

____________

(1) التوبة: 61.

55

فانه تبارك و تعالى مدح نبيه بأنه يصدّق المؤمنين و قرنه بتصديقه تعالى.

و فيه: أولا: انه انما مدحه بأنه اذن و هو سريع القطع لا الاخذ بقول الغير تعبدا.

____________

ذلك يطعن على النبي (صلى اللّه عليه و آله) و يقول انه يقبل كل ما يسمع اخبره اللّه اني انم عليه و انقل اخباره فقبل فأخبرته اني لم افعل فقبل، فرده اللّه تعالى بقوله لنبيه (صلى اللّه عليه و آله):

«قل اذن خير لكم» (1)

(فانه تبارك و تعالى مدح نبيه بأنه يصدق المؤمنين و قرنه بتصديقه تعالى)

فيكون تصديق الانسان للمؤمنين قرينا لتصديقه للّه تعالى حسنا و اذا كان حسنا كان واجبا، كما ان تصديق اللّه واجب، و هذا يدل على وجوب قبول خبره فتدل على حجية خبر العادل.

(و فيه: أولا: انه)

سبحانه‏

(انما مدحه بأنه اذن)

بالضمتين‏

(و هو سريع القطع لا الاخذ بقول الغير تعبدا)

.

و لا يخفى ان هذا الجواب في غير محله، فان النبي (صلى اللّه عليه و آله) لم يكن سريع القطع من الاشياء الموهومة بل بالعكس انه (صلى اللّه عليه و آله) كان فطنا كيسا ملتفتا مما ينافي سرعة القطع و خصوصا في مورد الآية لم يكن النبي (صلى اللّه عليه و آله) قاطعا بقول النمام، كيف و قد اخبره سبحانه بأنه ينم عليه. و من المحتمل ان يكون مراد المصنف ما ذكره المشكيني (ره) من ان المدح له (صلى اللّه عليه و آله) انما كان على ابرازه نفسه الشريفة بمنزلة السريع القطع.

____________

(1) تفسير على بن ابراهيم ج 1 ص 300 ط النجف الاشرف و قد نقل بتصرف.

56

و ثانيا: انه انما المراد بتصديقه للمؤمنين هو ترتيب خصوص الآثار التي تنفعهم و لا تضر غيرهم، لا التصديق بترتيب جميع الآثار كما هو المطلوب فى باب حجية الخبر، و يظهر ذلك من تصديقه للنمّام بأنه ما نمّه و تصديقه للّه تعالى بأنه نمّه‏

____________

(و ثانيا: انه انما المراد بتصديقه للمؤمنين هو ترتيب خصوص الآثار التي تنفعهم و لا تضر غيرهم)

فان التصديق قد يراد به التصديق الوجداني المصاحب للقطع الحاصل للنفس، و قد يراد به ترتيب جميع الآثار و ان لم يحصل قطع الوجدان.

و قد يراد به ترتيب الآثار النافعة للمخبر فقط، فاذا شهد انسان بأن زيدا نم عليك فقد يحصل لك العلم بالنميمة و قد ترتب الآثار عليها بأن تجانب زيدا، و قد ترتب بعض الآثار بالتصديق الصوري لذلك الانسان المخبر، و ليس المراد عن الآية القطع لانه خلاف ظاهرها، كما ليس المراد منها ترتيب جميع الآثار، كيف و يلزم من ذلك الذم، اذ تصديق الانسان لكل مخبر يوجب الهرج و المرج، فلا بد و ان يراد بها من التصديق ترتيب الآثار التى تنفع المخبر و لا تضر غيره.

و على هذا، ف

(لا)

يمكن ان يكون المراد

(التصديق بترتيب جميع الآثار كما هو المطلوب فى باب حجية الخبر)

الواحد

(و يظهر ذلك)

الذي قلنا من انه ليس المراد ترتيب جميع الآثار

(من تصديقه)

(صلى اللّه عليه و آله)

(للنمام بأنه ما نمه، و تصديقه للّه تعالى بأنه نمه)

فالجمع بين التصديقين المتناقضين ليس إلّا بأن يكون المراد ترتيب الآثار النافعة لكل من الخبرين، فقد صدق الرسول اللّه سبحانه كما صدق النمام بمعنى انه لم يعاقبه على نميمته، و ليس تصديقه للّه سبحانه كتصديقه للنمام كما لا يخفى بل بينهما بون شاسع، اذ التصديق للنمام كان فى مجرد عدم عقابه و ترتيب آثار الصدق النافعة بالنسبة الى النمام على اخباره.