الوصول إلى كفاية الأصول‏ - ج5

- السيد محمد الحسيني الشيرازي المزيد...
456 /
5

[مقدمة الشارح‏]

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏

الحمد للّه رب العالمين، و الصلاة و السلام على محمد و آله الطاهرين، و لعنة اللّه على أعدائهم الى قيام يوم الدين.

و بعد: فهذا الجزء الخامس من (الوصول) في شرح كفاية الاصول للمحقق آية اللّه الخراساني ((قدس سره)) كتبته للايضاح، و اللّه اسأل التوفيق و التمام و الثواب، انه ولي ذلك، و هو المستعان.

كربلاء المقدسة محمد بن المهدى‏

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

[تتمة المقصد السابع‏]

فصل فى الاستصحاب و فى حجيته اثباتا و نفيا أقوال للاصحاب. و لا يخفى أن عباراتهم فى تعريفه، و ان كانت شتى إلّا انها تشير الى مفهوم واحد و معنى فارد، و هو الحكم ببقاء حكم أو موضوع ذى حكم.

____________

[فصل فى الاستصحاب‏]

(فصل فى الاستصحاب)

و هو مصدر باب الاستفعال، يقال: «استصحب الشي‏ء» أي لازمه و جعله في صحبته، فكأن المستصحب يجعل الشي‏ء المشكوك فيه في صحبته، فاذا شك في بقاء طهارته، و قد كان سابقا متطهرا لازم الطهارة و بنى على انها معه.

(و في حجيته اثباتا و نفيا أقوال للاصحاب)

تطلع على أهمها في المباحث الآتية.

(و لا يخفى ان عباراتهم في تعريفه)

أي في تعريف الاستصحاب‏

(و ان كانت شتى)

كقولهم: «انه اثبات الحكم في الزمان الثاني تعويلا على ثبوته في الزمان الاول» أو «انه اثبات حكم في زمان لوجوده في زمان سابق عليه» أو «انه ابقاء ما كان» أو امثال ذلك‏

(إلّا انها تشير الى مفهوم واحد و معنى فارد، و)

مراد موحد و

(هو الحكم ببقاء حكم)

كالطهارة

(أو موضوع ذي حكم)

كزيد

8

شك في بقائه، اما من جهة بناء العقلاء على ذلك في أحكامهم العرفية مطلقا، أو في الجملة تعبدا، أو للظن به الناشئ عن ملاحظة ثبوته سابقا، و اما من جهة دلالة النص أو دعوى الاجماع عليه كذلك، حسبما يأتى الاشارة الى ذلك مفصلا.

و لا يخفى أن هذا المعنى هو القابل لان يقع فيه النزاع و الخلاف فى نفيه و اثباته مطلقا أو فى الجملة، و فى‏

____________

فيما لو كان ذا حكم كوجوب النفقة على عياله‏

(شك في بقائه)

و انما قلنا بأن مراد الجميع واحد، لما يظهر من كلماتهم من انهم لا يعنون امورا متعددة.

ثم ان الحكم بالبقاء لاحد امور أربعة:

(اما من جهة بناء العقلاء على ذلك)

الابقاء

(في أحكامهم العرفية مطلقا)

في البيع و الشراء و الحركة و السكون و غيرها

(أو في الجملة)

في غير الاشياء الخطيرة- و سيأتي التفصيل-

(تعبدا)

من العقلاء و ان لم يورث الظن‏

(أو)

من جهة بناء العقلاء

(للظن به)

أي بالبقاء

(الناشئ)

هذا الظن‏

(عن ملاحظة ثبوته سابقا)

فلا تعبد في البين‏

(و اما من جهة دلالة النص)

مثل قوله (عليه السلام): «لا تنقض اليقين بالشك» (1)

(أو دعوى الاجماع عليه كذلك)

مطلقا أو في الجملة

(حسبما يأتي الاشارة الى ذلك مفصلا)

.

(و لا يخفى أن هذا المعنى)

و هو الحكم ببقاء حكم أو موضوع- الخ.

(هو القابل لان يقع فيه النزاع و الخلاف في نفيه و اثباته مطلقا)

بأن يدعي بعض نفيه مطلقا أو اثباته مطلقا.

(أو في الجملة)

كما يأتي‏

(و)

أن يقع النزاع‏

(في)

____________

(1) التهذيب ج 1 ص 8 عن الصادق (عليه السلام) انه قال: و لا ينقض اليقين ابدا بالشك، و لكن ينقضه بيقين آخر.

9

وجه ثبوته على أقوال: ضرورة انه لو كان الاستصحاب هو نفس بناء العقلاء على البقاء أو هو الظن به الناشئ من العلم بثبوته لما تقابل فيه الاقوال، و لما كان النفى و الاثبات واردين على مورد واحد بل موردين، و تعريفه بما ينطبق على بعضها، و ان كان ربما يوهم أن لا يكون هو الحكم بالبقاء بل ذاك الوجه، إلّا انه حيث‏

____________

(وجه ثبوته)

و انه الخبر أو بناء العقلاء أو الاجماع‏

(على أقوال)

بخلاف ما لو عرفنا الاستصحاب بأنه بناء العقلاء مثلا.

(ضرورة انه لو كان الاستصحاب هو نفس بناء العقلاء على البقاء أو)

كان‏

(هو الظن به)

أي بالبقاء

(الناشئ)

هذا الظن‏

(من العلم بثبوته)

سابقا

(لما تقابل فيه الاقوال)

فقول النافي لبناء العقلاء لا يقابل قول المثبت له، اذ لعلهما يثبتان الاستصحاب، لان النافي للبناء يثبت الاستصحاب للنص مثلا

(و لما كان النفي و الاثبات واردين على مورد واحد)

فالنافي للاستصحاب بمعنى بناء العقلاء لا ينصب كلامه على المورد الذي ينصب عليه المثبت للاستصحاب الثابت بالنص‏

(بل)

كان كلامهما واردا على‏

(موردين)

كما لا يخفى.

(و)

ان قلت: كيف تقولون ان جميع التعاريف تقصد شيئا واحدا و الحال ان بعضها لا ينطبق على ما ذكرتم من التعريف؟

قلت:

(تعريفه)

أي الاستصحاب‏

(بما ينطبق على بعضها)

أي بعض المباني التي ذكرنا انها ليست صحيحة

(و ان كان ربما يوهم أن لا يكون هو الحكم بالبقاء)

فلا ينطبق على تعريفنا

(بل)

يكون الاستصحاب‏

(ذاك الوجه)

المذكور في التعريف‏

(إلّا انه)

أي ذلك التعريف الموهم للخلاف‏

(حيث)

10

لم يكن بحد و لا برسم بل من قبيل شرح الاسم- كما هو الحال فى التعريفات غالبا- لم يكن له دلالة على انه نفس الوجه بل الاشارة اليه من هذا الوجه، و لذا لا وقع للاشكال على ما ذكر فى تعريفه بعدم الطرد أو العكس، فانه لم يكن به اذا لم يكن بالحد أو الرسم بأس فانقدح أن ذكر تعريفات القوم له و ما ذكر فيها من الاشكال بلا حاصل و تطويل بلا طائل. ثم‏

____________

(لم يكن بحد)

يذكر «الفصل» للاستصحاب‏

(و لا برسم)

يذكر «الخاصة» له‏

(بل من قبيل شرح الاسم)

و الاتيان بلفظ لايضاح معنى في النفس‏

(كما هو الحال في التعريفات غالبا)

حيث لا يقصدون إلّا التوضيح و شرح اللفظ

(لم يكن له)

أي لذلك التعريف الموهم للخلاف‏

(دلالة على انه)

أي ذلك التعريف‏

(نفس الوجه)

الذي يقصد المعرّف‏

(بل)

المقصود

(الاشارة اليه)

أي الى الاستصحاب الذي عرفناه‏

(من هذا الوجه)

الذي ذكره المعرف.

(و لذا)

أي حيث كان التعريف لشرح الاسم‏

(لا وقع للاشكال على ما ذكر في تعريفه بعدم الطرد)

أي المنع للاغيار

(أو)

بعدم‏

(العكس)

أي الجمع للافراد

(فانه لم يكن به)

أى بالتعريف الموهم للخلاف «بأس»

(اذا لم يكن بالحد أو الرسم)

و قوله:

(بأس)

فاعل «لم يكن» آخره استطرافا.

(فانقدح ان ذكر تعريفات القوم له)

أي للاستصحاب‏

(و ما ذكر فيها من الاشكال بلا حاصل و تطويل بلا طائل)

لكنه أشكل في كلام المصنف (ره) هذا غير واحد، و على كل فالامر سهل.

(ثم)

ان الحكم الفرعي هو ما يتعلق بالعمل بلا واسطة، و المسألة الاصولية هي التي تقع نتيجتها في طريق استنباط الاحكام الفرعية، فالوجوب و الحرمة و ما

11

لا يخفى أن البحث فى حجيته مسألة اصولية، حيث يبحث فيها لتمهيد قاعدة تقع فى طريق استنباط الاحكام الفرعية، و ليس مفادها حكم العمل بلا واسطة، و ان كان ينتهى اليه، كيف و

____________

أشبهها أحكام فرعية لانها تتعلق بالعمل، و ليست كالمسائل الاصولية التي تتعلق بالادلة لا بالعمل و تعلقها بالعمل بلا واسطة، و ليست كالمسائل الاعتقادية التي تتعلق بالعمل لكن بواسطة، و مسألة المقدمة و الضد و المطلق و المقيد و ما أشبهها مسائل اصولية لان نتائجها تقع في طريق الاستنباط.

اذا عرفت ذلك قلنا: ان الاستصحاب له قسمان:

«الاول» الاستصحاب الكلي كالحجية و ما أشبهها.

«الثاني» الاستصحاب الجزئي كطهارة اليد المسبوقة بالطهارة و نجاسة الماء المسبوق بالنجاسة و ما أشبهها.

[كون الاستصحاب من المسائل الاصولية]

لكن حيث ان الاستصحاب في الجملة يقع نتيجته في طريق استنباط الحكم عدّوه من المسائل الاصولية، فانه‏

(لا يخفى ان البحث في حجيته)

أي حجية الاستصحاب و انه هل هو حجة أم لا

(مسألة اصولية، حيث يبحث فيها لتمهيد قاعدة تقع في طريق استنباط الاحكام الفرعية)

فانه اذا تم كونه حجة انتج ذلك كثيرا من الاحكام المرتبطة بالعمل بلا واسطة، كما عرفت في تعريف المسألة الفرعية

(و ليس مفادها)

أي مفاد حجية الاستصحاب‏

(حكم العمل بلا واسطة)

فان كونه حجة يقع في طريق الحكم لا انه بنفسه حكم للعمل‏

(و ان كان ينتهي)

مفاد الحجية

(اليه)

أي الى حكم العمل بلا واسطة.

و

(كيف)

يكون البحث عن حجية الاستصحاب مسألة فرعية

(و)

الحال‏

12

ربما لا يكون مجرى الاستصحاب الا حكما اصوليا كالحجية مثلا هذا لو كان الاستصحاب عبارة عما ذكرنا، و أما لو كان عبارة عن بناء العقلاء على بقاء ما علم ثبوته أو الظن به الناشئ من ملاحظة ثبوته فلا اشكال فى كونه مسألة اصولية. و كيف كان فقد ظهر مما ذكرنا فى تعريفه اعتبار أمرين فى مورده القطع بثبوت شي‏ء و الشك فى بقائه.

____________

انه‏

(ربما لا يكون مجرى الاستصحاب الا حكما اصوليا)

بحتا

(كالحجية مثلا)

كما لو كان شي‏ء حجة سابقا ثم شككنا في سقوطه عن الحجية، فانه تستصحب حجيته السابقة مع وضوح ان الحجية ليست حكما فرعيا.

و

(هذا)

الذي ذكرنا من كون الاستصحاب من المسائل الاصولية

(لو كان الاستصحاب عبارة عما ذكرنا)

أي نفس الحكم ببقاء ما ثبت سابقا

(و أما لو كان)

الاستصحاب‏

(عبارة عن بناء العقلاء على بقاء ما علم ثبوته أو)

كان عبارة عن‏

(الظن به)

أي بالبقاء

(الناشئ من ملاحظة ثبوته)

أي ثبوت الشي‏ء المعلوم وجوده في الزمان السابق‏

(فلا اشكال في كونه مسألة اصولية)

لان بناء العقلاء و الظن لا يرتبطان بالعمل بلا واسطة بل يكون حينئذ من قبيل مباحث حجية خبر الواحد و أشباهه.

(و كيف كان)

الامر في تعريف الاستصحاب‏

(فقد ظهر مما ذكرنا في تعريفه)

من انه الحكم ببقاء ما شك في بقائه‏

(اعتبار أمرين في مورده)

أي في المورد الذي يجري فيه الاستصحاب، كالطهارة المشكوكة التي نريد استصحابها:

«الاول»-

(القطع بثبوت شي‏ء)

لان قولنا «ما شك في بقائه» يدل على انه سابقا كان مقطوعا به.

(و)

«الثاني»-

(الشك في بقائه)

كما صرح بذلك في‏

13

و لا يكاد يكون الشك فى البقاء الا مع اتحاد القضية المشكوكة و المتيقنة بحسب الموضوع و المحمول، و هذا مما لا غبار عليه فى الموضوعات الخارجية فى الجملة، و أما الاحكام الشرعية

____________

التعريف.

اذا تبين هذا فنقول: انه لا بد أن يكون الشك منصبا على ما كان اليقين السابق منصبا عليه حتى يصح التعريف المتقدم- انّه الحكم ببقاء ما شك- اذ لو كان المشكوك غير المتيقن لم يصح التعريف. فمثلا: اذا شككنا في وجود زيد في الدار بعد ما علمنا بذلك كان مصب الشك «وجود زيد» و هو مصب اليقين السابق.

أما اذا شككنا في بقاء الكرية بالنسبة الى ماء أخذوا نصفه لم يكن مصب الشك بعينه مصب اليقين، اذ اليقين قد كان تعلق بمجموع الماء و الشك تعلق بنصف الماء، و هما شيئان لا شي‏ء واحد.

و الى هذا أشار بقوله:

(و لا يكاد يكون الشك في البقاء الا مع اتحاد القضية المشكوكة و)

القضية

(المتيقنة)

سواء كانا مفاد كان التامة أو الناقصة أو مفاد ليس التامة أو الناقصة، نحو «كان زيد» و «كان زيد عادلا» و «لم يكن زيد» و «لم يكن زيد عادلا»، فانها

(بحسب الموضوع و المحمول)

واحد و انما حدث الشك في الآن اللاحق و انه هل كما كان في السابق أم لا؟

(و هذا)

الذي ذكرنا من لزوم اتحاد القضيتين‏

(مما لا غبار عليه في الموضوعات الخارجية)

كالامثلة الاربعة

(في الجملة)

و انما قيده بهذا لانه قد يختلف الموضوع الخارجي أيضا، كمثال الكرية المتقدمة، فانه موضوع خارجي و قد تبدل، و هكذا غيره مما لا يعلم ببقاء الموضوع فيه.

(و أما الاحكام الشرعية)

كالوجوب و الحرمة و كالطهارة و النجاسة و غيرها

14

...........

من الاحكام الوضعية و التكليفية، فربما يشكل في صحة استصحابها من جهة ان القضية المشكوكة غير القضية المتيقنة، و ذلك لان موضوعات الاحكام نفس المفاهيم الكلية، و من المعلوم ان الشك لا يحدث الّا بسبب اختلاف القيود في السابق و اللاحق و باختلاف القيود يختلف المفهوم الكلي، و بذلك يكون الموضوع السابق الذي تيقنا انصباب الحكم عليه غير الموضوع اللاحق الذي شككنا في بقاء الحكم بالنسبة اليه و مع الاختلاف لا يجوز الاستصحاب.

مثلا: اذا علمنا بوجوب الجهاد في زمن الامام (عليه السلام) ثم شككنا في بقاء وجوبه عند غيبته لم يجز لنا الاستصحاب، لان موضوع الوجوب كان الجهاد الكلي المقيد بزمن الامام، و هذا الموضوع حال الشك منتف، اذ ليس الموضوع الموجود فعلا و هو «الجهاد الكلي حال الغيبة» عين ذلك الموضوع الموجود سابقا.

و هكذا اذا أردنا استصحاب وجوب التمام حال الشك فى التجاوز عن محل الترخص- فى السفر- فانه غير تام، اذ الموضوع للتمام كان الحضر، و بعد ذهاب مسافة مجهولة نشك فى بقاء الحضر.

و مثل ذلك الاحكام الوضعية، كما لو أردنا استصحاب نجاسة الماء بعد زوال تغيره- فيما كان سبب النجاسة التغير- فان الموضوع للنجاسة سابقا كان هو الماء المتغير و الآن الموضوع الموجود غير ذلك الموضوع، لانه ماء غير متغير.

و الجواب: ان الموضوع يلاحظ على ثلاثة انحاء: الموضوع الدقي العقلي، و الموضوع الدليلي اللفظي، و الموضوع الخارجي العرفي، و المناط في بقاء الموضوع في باب الاستصحاب هو الموضوع العرفي، و هو باق و ان كان الموضوع الدقي العقلي و اللفظي الدليلي منتف. ففي مثال المتغير مثلا الموضوع العقلي منتف، اذ الماء بقيد التغير غير الماء بقيد عدم التغير، و كذلك الموضوع الدليلي، لان‏

15

سواء كان مدركها العقل أم النقل فيشكل حصوله فيها، لانه لا يكاد يشك فى بقاء الحكم الا من جهة الشك فى بقاء موضوعه بسبب تغير بعض ما هو عليه مما احتمل دخله فيه حدوثا أو بقاء.

____________

الدليل قال «الماء المتغير نجس» و أما الموضوع العرفي فهو باق، اذ العرف يرى أن النجاسة عارضة للماء و الماء باق حال الشك، و يرى ان التغير من الحالات لا المقومات.

[استصحاب الحكم‏]

و على هذا فكلما كان موضوع الحكم العرفى باقيا كان كافيا فى جريان الاستصحاب لاتحاد القضية المشكوكة و المتيقنة.

و الى هذا الاشكال و الجواب أشار المصنف (ره) بقوله: و أما الاحكام الشرعية

(سواء كان مدركها العقل)

كوجوب المقدمة- مثلا-

(أم النقل)

كالاحكام المنصوصة في الشريعة

(فيشكل حصوله)

أي اتحاد القضيتين‏

(فيها)

أي فى تلك الاحكام‏

(لانه لا يكاد يشك في بقاء الحكم الا من جهة الشك في بقاء موضوعه)

اذ لو لم يشك في بقاء الموضوع لم يكن وجه للشك في بقاء الحكم، فالشك في بقاء الحكم ناشئ عن زيادة قيد أو نقص قيد من الموضوع يكون ذلك سببا للشك في بقاء الحكم، كنقص قيد «زمن الامام» فى الشك في وجوب الجهاد و نقص قيد «التغير» في الشك في نجاسة الماء المتغير، فيكون الشك‏

(بسبب تغير بعض ما هو عليه)

أي بعض القيود التي كان الموضوع على تلك القيود

(مما)

أي من القيود التي‏

(احتمل دخله فيه)

أي فى الموضوع‏

(حدوثا أو بقاء)

فان بعض الاشياء يشك في دخله حتى حدوثا، كالاعلمية في مرجع التقليد، فلو قلده و هو أعلم ممن عداه ثم صار غيره أعلم فالاعلمية مما يحتمل دخله حدوثا، و بعض الاشياء يشك في دخله بقاء مع القطع بدخله حدوثا، كالتغير بالنسبة الى‏

16

و إلّا لا يتخلف الحكم عن موضوعه إلّا بنحو البداء بالمعنى المستحيل فى حقه تعالى. و لذا كان النسخ بحسب الحقيقة دفعا لا رفعا. و يندفع هذا الاشكال بأن الاتحاد فى القضيتين بحسبهما

____________

الماء، فانه مما يشك في دخله بقاء و ان قطع في دخله حدوثا.

(و إلّا)

يكن الشك في الموضوع بل علم ببقاء الموضوع بتمام شروطه و قيوده فبقاء الحكم واضح لا يشك فيه، اذ

(لا يتخلف الحكم عن موضوعه)

فان الموضوع علة تامة للحكم و لا يتخلف المعلول عن العلة

(إلّا بنحو البداء)

و اذ كان للبداء معنيان: أحدهما ممكن و هو اظهار المخفي لمصلحة، و الآخر مستحيل و هو أن يظهر للحاكم الخطأ في حكمه فيعدل مما حكم به أولا بدون أي اختلاف في الموضوع قيد المصنف ذلك بقوله:

(بالمعنى المستحيل في حقه تعالى)

اذ مع بقاء الموضوع لا يمكن رفع الحكم عنه و ان اختلف الزمان.

(و لذا)

الذي ذكرنا من ان هذا القسم من البداء مستحيل في حقه سبحانه‏

(كان النسخ)

للحكم- و هو أن ينسخ الحكم بعد الامر به-

(بحسب الحقيقة)

و الواقع‏

(دفعا)

فلم يكن الحكم واقعا شاملا لما بعد وقت النسخ و ان كان فى الظاهر شاملا له‏

(لا رفعا)

بأن يكون الحكم شاملا ثم يرفع، فان الرفع مستلزم للجهل و هو محال فى حقه سبحانه.

هذا خلاصة الاشكال في استصحاب الحكم، و انه كيف يكون مع ان الشك انما يطرأ بعد تغير الموضوع، و اذا تغير الموضوع لا مجال لبقاء الحكم السابق‏

(و يندفع هذا الاشكال بأن الاتحاد فى القضيتين)

القضية المتيقنة و القضية المشكوكة

(بحسبهما)

أي بحسب الموضوع و المحمول بأن يكون موضوع القضيتين واحدا و محمولهما واحدا.

17

- و ان كان مما لا محيص عنه فى جريانه- إلّا انه لما كان الاتحاد بحسب نظر العرف كافيا فى تحققه و فى صدق الحكم ببقاء ما شك فى بقائه و كان بعض ما عليه الموضوع من الخصوصيات التى يقطع معها بثبوت الحكم له مما يعدّ بالنظر العرفى من حالاته، و ان كان واقعا من قيوده و مقوماته كان جريان الاستصحاب فى الاحكام الشرعية الثابتة لموضوعاتها عند الشك فيها لاجل طرو انتفاء بعض ما احتمل دخله فيها مما عدّ من حالاتها

____________

(و ان كان مما لا محيص عنه)

أي عن الاتحاد

(في جريانه)

أي جريان الاستصحاب‏

(إلّا أنه لما كان الاتحاد بحسب نظر العرف)

لا العقل و لا لسان الدليل‏

(كافيا في تحققه)

أي تحقق الاتحاد

(و)

كافيا

(في صدق الحكم ببقاء ما شك في بقائه)

فانه يصدق «انا حكمنا ببقاء ما كان» اذا اتحد الموضوع و المحمول بنظر العرف‏

(و كان بعض ما عليه الموضوع من الخصوصيات)

بيان «ما»

(التي يقطع معها)

أي مع تلك الخصوصيات‏

(بثبوت الحكم له)

أي للموضوع، كالتغير الذي هو خصوصية للماء، و معه يقطع بثبوت النجاسة للماء

(مما يعد بالنظر العرفي من حالاته)

أي حالات الموضوع.

و هذا خبر «كان بعض»

(و ان كان)

تلك الخصوصية

(واقعا)

و بالنظر الدقي العقلي‏

(من قيوده و مقوماته)

أي قيود الموضوع‏

(كان)

هذا جواب قوله: «إلّا انه لما كان» أي أن النظر العرفي لما كان كافيا كان‏

(جريان الاستصحاب فى الاحكام الشرعية الثابتة لموضوعاتها)

كوجوب الجهاد عند الغيبة، و نجاسة الماء عند زوال التغير

(عند الشك فيها)

أي فى تلك الاحكام‏

(لاجل طرو انتفاء بعض ما احتمل دخله فيها)

أي في الموضوعات‏

(مما عدّ من حالاتها)

أي‏

18

لا من مقوماتها بمكان من الامكان، ضرورة صحة امكان دعوى بناء العقلاء على البقاء تعبدا أو لكونه مظنونا و لو نوعا، أو دعوى دلالة النص أو قيام الاجماع عليه قطعا بلا تفاوت فى ذلك بين كون دليل الحكم نقلا أو عقلا:

أما الاول: فواضح. و أما الثانى: ف

____________

حالات تلك الموضوعات‏

(لا من مقوماتها)

كحضور الامام (عليه السلام) و التغير

(بمكان من الامكان)

فالموضوع بنظر العرف هو الموضوع، و بقاؤه العرفي كاف في ترتب الحكم عليه و ان تبدل بعض أحواله مما لا يضر بالصدق.

و قد علل (ره) كفاية الاتحاد العرفي بقوله:

(ضرورة صحة امكان دعوى بناء العقلاء على البقاء)

للحكم على موضوعه‏

(تعبدا)

أي و لو لم يظن بالبقاء فالابقاء تعبد من العقلاء

(أو لكونه)

أي البقاء

(مظنونا و لو نوعا)

أي ظنا نوعيا، فان الغالب يظنون بالبقاء اذا كانت له الحالة السابقة

(أو دعوى دلالة النص)

على كفاية الاتحاد العرفي‏

(أو قيام الاجماع عليه)

أي على البقاء

(قطعا بلا تفاوت في ذلك)

البقاء

(بين كون دليل الحكم)

السابق الذي يراد استصحابه‏

(نقلا أو عقلا: اما)

استصحاب‏

(الاول)

و هو الحكم النقلي‏

(فواضح)

لما تقدم من شمول أدلة الاستصحاب له‏

(و أما الثاني)

و هو استصحاب الحكم العقلي‏

(ف)

ربما اشكل فيه بأن العقل لا بد و ان يلاحظ الموضوع بجميع قيوده و شروطه حتى يحكم عليه بحكم، فاذا انتفى قيد أو شرط لم يحكم العقل فكيف يمكن ابقاء الحكم العقلي- بالاستصحاب- بعد فقد بعض خصوصيات الموضوع. فمثلا:

العقل يحكم بقبح الكذب الضار غير المتدارك، فاذا انتفى أحد القيدين لا يحكم العقل بالقبح، فكيف يجوز استصحابه بعد انتفاء أحدهما؟

19

لان الحكم الشرعى المستكشف به عند طرو انتفاء ما احتمل دخله فى موضوعه مما لا يرى مقوما له كان مشكوك البقاء عرفا، لاحتمال عدم دخله فيه واقعا، و ان كان لا حكم للعقل بدونه قطعا. ان قلت:

كيف يكون هذا مع الملازمة بين الحكمين؟ قلت:

____________

و الجواب انه لا بأس بانتقاء بعض القيود

(لان الحكم الشرعي المستكشف به)

أي بسبب هذا الحكم العقلي، كالحرمة المستكشفة من القبح في باب الكذب‏

(عند طروّ انتفاء ما احتمل دخله)

الضمير يعود الى «ما» أي عند طرو انتفاء قيد احتمل دخله‏

(في موضوعه)

أي موضوع الحكم العقلي‏

(مما لا يرى مقوما له)

أي للموضوع.

و «مما» وصف لقوله «ما احتمل»

(كان)

ذلك الحكم الشرعي المستكشف‏

(مشكوك البقاء عرفا)

فانا اكتشفنا من قبح الكذب عقلا حرمته شرعا، و عند انتفاء بعض القيود نقطع بذهاب الحكم العقلي الذي هو القبح، لكن نشك في ذهاب الحكم الشرعي الذي هو الحرمة

(لاحتمال عدم دخله)

أي دخل ذلك القيد

(فيه)

أي في الحكم الشرعي‏

(واقعا، و ان كان لا حكم للعقل بدونه)

أي بدون ذلك القيد

(قطعا)

قيد لقوله: «لا حكم».

(ان قلت: كيف يكون هذا)

الذي ذكرتم من عدم الحكم العقلى مع وجوب الحكم الشرعي‏

(مع)

انه قد ثبتت‏

(الملازمة بين الحكمين)

فكلما لم يحكم العقل لم يحكم الشرع، و ذلك مقتض لعدم الحكم الشرعي أيضا.

(قلت)

: المقدار الذي دل دليل الملازمة عليه هو الاثبات عند الاثبات- أي كلما حكم به العقل حكم به الشرع- لا النفي عند النفي حتى يكون كلما لم يحكم‏

20

ذلك لان الملازمة انما تكون فى مقام الاثبات و الاستكشاف لا فى مقام الثبوت، فعدم استقلال العقل الا فى حال غير ملازم لعدم حكم الشرع فى تلك الحال، و ذلك لاحتمال أن يكون ما هو ملاك حكم الشرع من المصلحة أو المفسدة التى هى ملاك حكم العقل كان على حاله فى كلتا الحالتين، و ان لم يدركه الا فى احداهما، لاحتمال عدم دخل تلك الحالة فيه أو احتمال أن يكون معه‏

____________

به العقل لم يحكم به الشرع، و

(ذلك لان الملازمة انما تكون في مقام الاثبات)

للحكم الشرعي من الحكم العقلي‏

(و الاستكشاف لا في مقام الثبوت)

فاذا ثبت الحكم الشرعي لم يدل دليل على الملازمة

(فعدم استقلال العقل)

بالحكم‏

(الا في حال)

و هو حال جمع القيود و الشروط في الموضوع‏

(غير ملازم لعدم حكم الشرع فى تلك الحال)

حتى لا يكون للشارع حكم في حال انتفاء بعض القيود و الشروط.

(و ذلك لاحتمال ان يكون)

ملاك حكم العقل باقيا لكن العقل لم يطلع عليه و الشرع عالم به فلذا حكم بالبقاء، ف

(ما هو ملاك حكم الشرع من المصلحة)

فى الواجب‏

(أو المفسدة)

فى المحرم‏

(التي هى ملاك حكم العقل كان على حاله)

باقيا

(في كلتا الحالتين)

حالة وجود قيد الموضوع و حالة انتفائه‏

(و ان لم يدركه)

أي لم يدرك العقل ذلك الملاك‏

(الا في احداهما)

و هي حالة وجود القيد.

و علل قوله «و ذلك لاحتمال» بقوله:

(لاحتمال عدم دخل تلك الحالة)

التي كانت سابقا ثم زالت- كالتغير مثلا-

(فيه)

أي في ملاك حكم الشرع، فالحكم الشرعي باق مع ذهابها

(أو احتمال أن يكون معه)

أي مع الملاك الموجود في‏

21

ملاك آخر بلا دخل لها فيه أصلا، و ان كان لها دخل فيما اطلع عليه من الملاك. و بالجملة حكم الشرع انما يتبع ما هو ملاك حكم العقل واقعا لا ما هو مناط حكمه فعلا، و موضوع حكمه كذلك مما لا يكاد يتطرق اليه الاهمال و الاجمال مع تطرقه الى ما هو موضوع حكمه شأنا و هو ما قام به ملاك حكمه واقعا،

____________

حال التغير

(ملاك آخر)

بأن كان لنجاسة الماء المتغير ملاكان أحد الملاكين ملازم للتغير حتى انه يذهب بذهابه، لكن يبقى الملاك الثاني‏

(بلا دخل لها)

أي لتلك الحالة الزائلة

(فيه)

أي فى الملاك الآخر

(أصلا، و ان كان لها)

أي لتلك الحالة

(دخل فيما اطلع عليه من الملاك)

أي فى الملاك الاول.

و الحاصل انا علمنا بثبوت الحكم الشرعي ثم شككنا في زواله: اما للشك في زوال الملاك المنفرد، و أما للشك في عدم ملاك آخر بعد العلم بزوال الملاك المعلوم، فاللازم ان نستصحب الحكم لصدق أدلته في المقام، و ان لم نتمكن من استصحاب الحكم العقلي لانه يزول بزوال كل قيد و شرط.

(و بالجملة حكم الشرع)

المستكشف من حكم العقل‏

(انما يتبع ما هو ملاك حكم العقل واقعا)

و ذلك مشكوك الزوال و

(لا)

يتبع‏

(ما هو مناط حكمه)

أي حكم العقل‏

(فعلا)

المناط الفعلي الذي هو الموضوع بشروطه و قيوده‏

(و موضوع حكمه كذلك)

أي فعلا

(مما لا يكاد يتطرق اليه الاهمال و الاجمال)

اذ العقل انما يحكم على موضوع يعلم جميع خصوصياته‏

(مع تطرقه)

أي الاهمال‏

(الى ما هو موضوع حكمه شأنا و هو)

أي موضوع حكم العقل شأنا

(ما قام به ملاك حكمه واقعا)

مثلا العقل يحكم بوجوب اطاعة الآمر غير المعزول، فاذا شك في عزله لم ير العقل وجوب الاطاعة، لكنه لو لم يكن معزولا واقعا كان ملاك‏

22

فرب خصوصية لها دخل فى استقلاله مع احتمال عدم دخله، فبدونها لا استقلال له بشى‏ء قطعا مع احتمال بقاء ملاكه واقعا. و معه يحتمل بقاء حكم الشرع جدا لدورانه معه وجودا و عدما- فافهم و تأمل جيدا.

ثم انه لا يخفى اختلاف آراء الاصحاب فى حجية الاستصحاب مطلقا و عدم حجيته كذلك، و التفصيل بين الموضوعات و الاحكام أو بين ما كان الشك فى الرافع و ما كان فى المقتضى الى غير ذلك من التفاصيل‏

____________

حكمه موجودا.

(فرب خصوصية لها)

أي لتلك الخصوصية

(دخل في استقلاله)

بالحكم‏

(مع احتمال عدم دخله)

واقعا

(فبدونها)

أي بدون تلك الخصوصية

(لا استقلال له)

أى للعقل‏

(بشي‏ء)

أى بحكمه‏

(قطعا مع احتمال بقاء ملاكه واقعا)

كما في المثال‏

(و معه)

أي مع احتمال بقاء الملاك‏

(يحتمل بقاء حكم الشرع جدا لدورانه)

أى حكم الشرع‏

(معه)

أى مع الملاك‏

(وجودا و عدما فافهم و تأمل جيدا)

.

و حيث انتهى عن صحة استصحاب الحكم حتى العقلى منه شرع في بيان دليل الاستصحاب فقال‏

(ثم انه لا يخفى اختلاف آراء الاصحاب في حجية الاستصحاب مطلقا و عدم حجيته كذلك)

مطلقا

(و التفصيل بين الموضوعات)

فحجة فيها

(و الاحكام)

فليس بحجة فيها

(أو بين ما كان الشك في الرافع)

فهو حجة، كما لو شك في موت زيد بسبب‏

(و ما كان في المقتضى)

فليس بحجة، كما لو شك في بقاء المصباح للشك في اقتضاء زيته للبقاء

(الى غير ذلك من التفاصيل)

23

الكثيرة على أقوال شتى لا يهمنا نقلها و نقل ما ذكر من الاستدلال عليها، و انما المهم الاستدلال على ما هو المختار منها و هو الحجية مطلقا على نحو يظهر بطلان سائرها، فقد استدل عليه بوجوه:

(الوجه الاول استقرار بناء العقلاء من الانسان، بل ذوى الشعور من كافة أنواع الحيوان على العمل على طبق الحالة السابقة، و حيث لم يردع عنه الشارع كان ماضيا.

____________

(الكثيرة)

التي أنهاها الشيخ (ره) في الرسائل الى أحد عشر قولا

(على أقوال شتى لا يهمنا نقلها و نقل ما ذكر من الاستدلال عليها)

فانه اطالة بغير طائل‏

(و انما المهم الاستدلال على ما هو المختار منها)

أى من هذه الاقوال‏

(و هو)

القول الاول- أعني‏

(الحجية مطلقا)

- فاللازم أن نستدل لذلك‏

(على نحو يظهر بطلان سائرها، فقد استدلّ عليه)

أى على هذا القول‏

(بوجوه)

:

[أدلة حجية الاستصحاب‏]

[الوجه الاول: استقرار بناء العقلاء على العمل على طبق الحالة السابقة]

(الوجه الاول: استقرار بناء العقلاء من الانسان بل ذوي الشعور من كافة أنواع الحيوان)

مما نشعر بحركاته و سكناته و تصرفاته‏

(على العمل على طبق الحالة السابقة)

فانا نرى ان الانسان اذا عهد بوجود مدرسة في المحلة الفلانية أو كان له صديق في دار مخصوصة ثم سافر فاذا رجع و أرادهما قصد تلك المحلّة و ذيك الدار مع احتماله عدمهما لخراب أو انتقال، و كذلك الحيوان فانه اذا تعاهد محلا للماء أو مريضا أو ما أشبه فانه يقصد نحوه في حال الاحتياج.

و هذا واضح لا غبار عليه‏

(و حيث لم يردع عنه الشارع)

اذ لم يرد في آية أو رواية الردع عن العمل على طبق الحالة السابقة

(كان ماضيا)

بل ربما

24

و فيه:

أولا: منع استقرار بنائهم على ذلك تعبدا بل اما رجاء و احتياطا أو اطمينانا بالبقاء أو ظنا و لو نوعا أو غفلة، كما هو الحال فى سائر الحيوانات دائما و فى الانسان أحيانا.

____________

أيد ذلك بأن أصحاب النبي (صلى اللّه عليه و آله) كانوا يعملون بالاوامر و النواهي حتى يعلموا بالنسخ بدون سؤال و استفسار عن الناسخ، و لو لم يكن العمل على طبق الحالة السابقة ممضى من الشارع لزم تنبيههم، و انه لا يجوز ذلك بدون سؤال مستمر و استعلام دائم.

(و فيه أولا: منع استقرار بنائهم)

أي بناء العقلاء

(على ذلك)

العمل على طبق الحالة السابقة

(تعبدا)

بأن يكون مجرد وجود حالة سابقة كافيا في العمل لاحقا على طبقها بدون رجاء أو احتياط أو اطمينان أو ظن‏

(بل)

كان عملهم‏

(اما رجاء و احتياطا)

فوجه العمل الاحتياط، و ذلك لا ينفع المستدل، اذ هو لا يريد الحجية و باب الاحتياط غير بابها

(أو اطمينانا بالبقاء)

كما هو الغالب في الاستصحابات العقلائية بالنسبة الى الاشياء المستقرة، كاستصحاب بقاء مدرسة أو نحوها

(أو ظنا)

بالبقاء

(و لو نوعا)

فهم يتبعون الظن لا الحالة السابقة بما هي هي و لو ظنوا بالعدم‏

(أو غفلة)

عن الالتفات الى احتمال تبدل الحالة السابقة، و الغفلة ليست من العمل العقلائي حتى يكون معتمدا و متكئا

(كما هو)

أي العمل عن غفلة و اعتياد

(الحال في سائر الحيوانات دائما و في الانسان أحيانا)

مما تحركه العادة بدون وعي و التفات.

لكن الانصاف ان منع بناء العقلاء خلاف المشاهد، فان غالب حركات العقلاء الاستمرارية مستند الى الاستصحاب، حتى انهم يعدّون من لا يبني عليه خارجا عن‏

25

(و ثانيا)

- سلمنا ذلك لكنه لم يعلم ان الشارع به راض، و هو عنده ماض، و يكفى فى الردع عن مثله ما دل من الكتاب و السنة على النهى عن اتباع غير العلم، و ما دل على البراءة أو الاحتياط فى الشبهات، المتعارف.

(و ثانيا: سلمنا ذلك)

و هو كون بنائهم على الاستصحاب بدون احتياط و اطمينان و غفلة، بل من باب ان الجري على الحالة السابقة بما هو هو عمل عقلائي متبع لديهم‏

(لكنه لم يعلم ان الشارع به راض و هو عنده ماض)

حتى يكون حجة شرعية

(و يكفي في الردع عن مثله ما دل من الكتاب و السنة على النهي عن اتباع غير العلم)

كقوله سبحانه: «إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَ إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً» (1) و قوله: «بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ لا هُدىً وَ لا كِتابٍ مُنِيرٍ» (2).

و قوله: «قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ» (3) و قوله (عليه السلام): «من أفتى الناس بغير علم» (4) و قوله (عليه السلام): «رجل قضى بالحق و هو لا يعلم» (5) و أشباه ذلك.

(و)

كذلك يكفي في الردع‏

(ما دل على البراءة أو الاحتياط)

كقوله:

«كل شي‏ء مطلق» (6) و قوله: «أخوك دينك فاحتط لدينك» (7)

(في الشبهات)

فاذا

____________

(1) النجم: 28.

(2) الحج: 8* * * لقمان: 20.

(3) يونس: 59.

(4) بحار الانوار ج 2 ص 116 ط بيروت.

(5) فروع الكافى ج 7 ص 407.

(6) جامع الاحاديث ج 1 ص 328.

(7) بحار الانوار ج 2 ص 258.

26

فلا وجه لاتباع هذا البناء فيما لا بد فى اتباعه من الدلالة على امضائه فتأمل جيدا.

(الوجه الثانى) ان الثبوت فى السابق موجب للظن به فى اللاحق و فيه منع اقتضاء مجرد الثبوت للظن بالبقاء فعلا و لا نوعا، فانه لا وجه له أصلا الا

____________

كان مقتضى الحالة السابقة الوجوب كان دليل البراءة رافعا له، كما لو وجب عليه سابقا الانفاق على أبيه لكونه فقيرا، ثم شك في انه هل استغنى أم لا كان قوله (عليه السلام) «كل شي‏ء مطلق» دليلا على عدم الوجوب، و بالعكس لو كان في السابق متطهرا و شك في الحدث كان «احتط لدينك» مقتضيا للتوضي و عدم الاكتفاء بالوضوء السابق.

(فلا وجه لاتباع هذا البناء)

العقلائي‏

(فيما لا بد في اتباعه)

أي فيما يتبعه العقلاء

(من الدلالة على امضائه)

بيان قوله: «لا وجه» أي لا دليل على امضاء بناء العقلاء

(فتأمل جيدا)

و ان كان فيه ان أدلة البراءة و الاحتياط و الآيات الناهية لا تصلح للردع كما تقدم في بحث خبر الواحد.

[الوجه الثاني: انّ الثبوت في السابق موجب للظن به في اللاحق‏]

(الوجه الثاني)

من أدلّة حجّية الاستصحاب‏

(انّ الثبوت في السابق موجب للظن به في اللاحق)

فاتباع الحالة السابقة انّما هو اتباع للظن‏

(و فيه)

أولا- ان الثبوت في السابق لا يوجب الظن به في اللاحق مطلقا كما لا يخفى، ل

(منع اقتضاء مجرد الثبوت)

في السابق‏

(للظن بالبقاء فعلا)

أي ظنا فعليا

(و لا نوعا)

أي ظنا نوعيا، و ان لم يظن به هذا المستصحب الشخصي حتى يكون حجيته من باب الظن النوعي‏

(فانه لا وجه له)

أي للاقتضاء

(أصلا)

فانه لما لا يكون الثبوت السابق موجبا للظن اللاحق‏

(الا)

27

كون الغالب فيما ثبت أن يدوم مع امكان أن لا يدوم و هو غير معلوم و لو سلم فلا دليل على اعتباره بالخصوص، مع نهوض الحجة على عدم اعتباره بالعموم.

(الوجه الثالث) دعوى الاجماع عليه، كما عن المبادئ حيث قال: الاستصحاب حجة لاجماع الفقهاء على أنه متى حصل حكم ثم وقع الشك فى أنه طرأ ما يزيله أم لا وجب الحكم ببقائه على ما كان أولا، و لو لا القول بأن الاستصحاب حجة لكان‏

____________

(كون الغالب فيما ثبت أن يدوم مع امكان أن لا يدوم)

فان كان الغلبة سببا للاقتضاء قلنا ان ذلك ليس كليا، اذ كثيرا يكون ما ثبت لا يدوم، كما فيما لو كان الشك في المقتضى.

و الى هذا أشار بقوله:

(و هو غير معلوم)

بل لو كان الرافع غالبيا لم يبق وجه للاقتضاء أيضا.

(و لو سلم)

ان مجرد الثبوت مقتض للبقاء غالبا

(ف)

نقول ثانيا-

(لا دليل على اعتباره)

أي اعتبار هذا الظن المستند الى الغلبة

(بالخصوص)

أي بدليل خاص مقابل الظن الانسدادي اذا تمت مقدمات الانسداد

(مع نهوض الحجة على عدم اعتباره)

أي الظن‏

(بالعموم)

لما دل من الآيات و الروايات على عدم حجية الظن.

[الوجه الثالث: دعوى الاجماع عليه‏]

(الوجه الثالث)

من أدلة حجية الاستصحاب‏

(دعوى الاجماع عليه كما عن المبادئ)

و في الرسائل نسبة الى غاية المبادئ‏

(حيث قال: الاستصحاب حجة لاجماع الفقهاء على انه متى حصل حكم)

في الزمان السابق‏

(ثم وقع الشك في انه طرأ ما يزيله أم لا وجب الحكم ببقائه على ما كان أولا)

.

ثم استدل على ذلك بقوله:

(و لو لا القول بأن الاستصحاب حجة لكان)

28

ترجيحا لاحد طرفى الممكن من غير مرجح- انتهى.

و قد نقل عن غيره أيضا، و فيه: ان تحصيل الاجماع فى مثل هذه المسألة مما له مبان مختلفة فى غاية الاشكال و لو مع الاتفاق فضلا عما اذا لم يكن، و كان مع الخلاف من المعظم حيث ذهبوا الى عدم حجيته مطلقا أو فى الجملة، و نقله موهون جدا لذلك و لو قيل بحجيته لو لا ذلك.

____________

الحكم بالبقاء

(ترجيحا لاحد طرفي الممكن من غير مرجح)

اذ كل من الطهارة و الحدث- مثلا- ممكن في الآن اللاحق، فالحكم بالطهارة- لمن كان حاله السابق ذلك- ترجيح لاحد طرفي الممكن بلا مرجح، و ذلك لا يكون، فالترجيح انما هو بحجة و هو الاستصحاب‏

(انتهى)

.

(و قد نقل)

هذا الدليل‏

(عن غيره أيضا)

كالنهاية و غيرها

(و فيه:

ان تحصيل الاجماع)

الكاشف عن قول المعصوم (عليه السلام)

(في مثل هذه المسألة مما له مبان مختلفة)

من الغلبة و الظن و بناء العقلاء و الروايات‏

(في غاية الاشكال و لو مع الاتفاق)

القطعي من جميع الفقهاء، اذ الاجماع اذا كان محتمل الاستناد سقط عن الحجية، كما تقرر في مباحث الاجماع‏

(فضلا عما اذا لم يكن)

اتفاق من الكل‏

(و كان)

دعوى الاجماع‏

(مع الخلاف من المعظم حيث ذهبوا الى عدم حجيته مطلقا أو في الجملة)

كما فيما لو كان الشك في المقتضى- مثلا-.

(و)

ان قلت: لا ندعي الاجماع المحصل بل الاجماع المنقول. قلت:

(نقله موهون جدا لذلك)

الخلاف الذي عرفت‏

(و لو قيل بحجيته)

أي حجية الاجماع المنقول‏

(لو لا ذلك)

الخلاف العظيم، يعني انا لو قلنا بحجية الاجماع المنقول فانما نقول به فيما لم نعلم خلافا من الفقهاء، أما لو علمنا ذلك فلا مجال للذهاب الى‏

29

(الوجه الرابع) و هو العمدة فى الباب الاخبار المستفيضة:

(منها) صحيحة زرارة قال: قلت له: الرجل ينام و هو على وضوء أ يوجب الخفقة و الخفقتان عليه الوضوء؟ قال: يا زرارة قد تنام العين و لا ينام القلب و الاذن، و اذا نامت العين و الاذن و القلب فقد وجب الوضوء.

قلت: فان حرك فى جنبه شي‏ء و هو لا يعلم؟ قال: لا حتى يستيقن انه قد نام حتى يجى‏ء من ذلك أمر بيّن و إلّا فانه على يقين من وضوئه و لا ينقض اليقين بالشك أبدا و لكنه ينقضه بيقين آخر

(1)

.

____________

الحجية.

[الوجه الرابع: الاخبار المستفيضة]

(الوجه الرابع)

من أدلة حجية الاستصحاب‏

(و هو العمدة في الباب)

لما عرفت من الاشكال في سائر الادلة

(الاخبار المستفيضة (منها) صحيحة زرارة)

ابن أعين (ره)

(قال: قلت له: الرجل ينام و هو على وضوء أ يوجب الخفقة و الخفقتان عليه الوضوء؟)

و قوله: «ينام» أراد به الخفقة، و هي حالة نعاس تسبق النوم يذهب قسم من حواس الرأس معها. فيسقط الرأس غالبا لعدم الحس الكامل‏

(قال: يا زرارة قد تنام العين و لا ينام القلب و الاذن، و اذا نامت العين و الاذن و القلب فقد وجب الوضوء.

قلت: فان حرك في جنبه شي‏ء و هو لا يعلم؟)

أي هل يكون هذا دليلا على نوم الثلاثة أم لا

(قال: لا حتى يستيقن انه قد نام حتى يجي‏ء من ذلك أمر بين و إلّا)

يستيقن و يأت أمر بيّن‏

(فانه على يقين من وضوئه، و لا ينقض اليقين بالشك أبدا و لكنه ينقضه بيقين آخر)

هذه تمام رواية زرارة.

____________

(1) التهذيب ج 1 ص 8- و الاستبصار ج 1 ص 80.

30

و هذه الرواية و ان كانت مضمرة إلّا ان اضمارها لا يضر باعتبارها، حيث كان مضمرها مثل زرارة، و هو ممن لا يكاد يستفتى من غير الامام (عليه السلام)، لا سيما مع هذا الاهتمام‏

____________

(و هذه الرواية و ان كانت مضمرة)

لعدم ذكر الامام المروى عنه صريحا فيها بل اشير اليه بالضمير بقوله: «قلت له»، و المضمرة غالبا ليست بحجة اذ ليس من المعلوم ان الضمير يعود الى الامام أو غيره‏

(إلّا أن)

هذه الرواية

(اضمارها لا يضر باعتبارها حيث كان مضمرها)

بصيغة اسم الفاعل- أي الذي أضمرها

(مثل زرارة)

و هو من أعاظم أصحاب الباقرين (عليهما السلام)

(و هو ممن لا يكاد يستفتي من غير الامام (عليه السلام)، لا سيما مع هذا الاهتمام)

في السؤال و الجواب.

هذا مضافا الى قرب احتمال ان وقع الاضمار فيها من جرّاء تقطيع الروايات فانه كان غالبا يسأل الراوي الامام و يصدّر سؤاله باسمه (عليه السلام) ثم يأتي بالضمير في سائر الاسئلة استفتاء، كأن يقول: «سألت الصادق (عليه السلام) عن الصلاة، و سألته عن الزكاة، و سألته عن النكاح» و هكذا، كما يظهر ذلك لمن راجع كتب الحديث الاصول ثم لما بوب الفقهاء و اصحاب الحديث الروايات و جعلوا كل فقرة من الرواية في الباب المناسب لها وقع هذا الاضمار.

و لا يبعد أن يكفي في الحجية ذكر اصحاب الحديث الموثقين المضمرة في كتب حديثهم في الابواب المرتبطة، فانه شاهد على كون الرواية من الامام (عليه السلام)، و اذا اعتبرنا هذه القرينة- كما لا يبعد- استرحنا من السند من هذه الجهة في كثير من الروايات.

هذا بالاضافة الى أن مضمر زرارة المتقدم قد قامت شواهد أخرى على اعتبارها

31

و تقريب الاستدلال بها انه لا ريب فى ظهور قوله (عليه السلام): «و إلّا فانه على يقين» الخ- عرفا- فى النهى عن نقض اليقين بشي‏ء بالشك فيه، و انه (عليه السلام) بصدد بيان ما هو علة الجزاء المستفاد من قوله (عليه السلام) «لا» فى جواب: «فان حرك فى جنبه» الخ،

____________

و صحتها، كما تجد ذلك في الحقائق‏ (1) و غيره- فراجع.

هذا كله من جهة السند

(و)

أما من جهة الدلالة ف

(تقريب الاستدلال بها انه لا ريب)

في ان الامام (عليه السلام) بصدد ادراج هذا الشك في الوضوء- بعد ما كان يعلم به سابقا- في كلية ارتكازية هي قوله (عليه السلام): «و ما ينقض اليقين بالشك أبدا» فهي اذا كلية تجري في جميع موارد الاستصحاب.

و توضيحه: انه لا ريب‏

(في ظهور قوله (عليه السلام) «و إلّا فانه على يقين» الخ- عرفا- في النهي عن نقض اليقين بشي‏ء بالشك فيه)

أي في ذلك الشي‏ء

(و انه (عليه السلام))

في ذكره لهذه الفقرة «فانه على يقين»

(بصدد بيان ما هو علة الجزاء المستفاد)

ذلك الجزاء

(من قوله (عليه السلام) «لا» في جواب: «فان حرك في جنبه» الخ)

يعني ان السائل لما سأل عن وجوب اعادة الوضوء أجاب الامام (عليه السلام) بأنه لا يجب، ثم علل الامام عدم الوجوب بأن المورد داخل في قضية كلية ارتكازية شرعية على عدم نقض بالشك.

____________

(1) قال فى الحقائق: رواها الشيخ عن الحسين بن سعيد عن حماد عن حريز عن زرارة .... و اثبات الشيخ و الحسين لها فى كتب الحديث و اثبات حماد لها فى أصله راويا لها عن حريز شهادة قطعية على كونها رواية عن معصوم- الحقائق ج 2 ص 400.

32

و هو اندراج اليقين و الشك فى مورد السؤال فى القضية الكلية الارتكازية غير المختصة بباب دون باب‏

____________

(و هو)

أي ما هو علة الجزاء

(اندراج اليقين)

بالوضوء سابقا

(و الشك)

فيه لاحقا

(في مورد السؤال)

في هذه الرواية

(في القضية الكلية الارتكازية غير المختصة بباب دون باب)

فان المرتكز في أذهان العقلاء ان هذه الكلية هي علة الحكم بعدم اعادة الوضوء كارتكازهم بأنه لو قال المولى «أكرم زيد لانه عالم» كون العلة في الاكرام هو العلم، و من المعلوم ان هذه القضية الكلية لا تختص بباب الوضوء دون سائر الابواب حتى نقول بحجية الاستصحاب في هذا الباب فقط دون غيره.

و حيث كان في المقام احتمالان آخران يسببان عدم التمكن من الاستدلال على الاستصحاب مطلقا بهذه الرواية ذكرهما المصنف (ره) مع الايراد عليهما:

«الاول»- احتمال ان يكون قوله (عليه السلام) «فانه على يقين من وضوئه» جواب الشرط، و يكون قوله «و لا ينقض اليقين» عطفا تفسيريا له، فيكون المعنى: فان حرك الى جنبه شي‏ء فانه متيقن بالوضوء و لا ينقضه بالشك، و حينئذ يختص الكلام بباب الوضوء لانه لم يذكر قاعدة كلية تنطبق على كلى الاستصحاب في جميع الابواب.

«الثاني»- احتمال أن يكون قوله (عليه السلام): «و لا ينقض اليقين» جوابا للشرط، و يكون قوله «فانه على يقين» تمهيدا للجواب، فيكون المعنى أنه لا يستيقن بأنه نام، فبعد ما كان على يقين من وضوئه لا ينقض يقينه بالشك في النوم. و على هذا الاحتمال لا يكون للرواية كلية تشمل جميع الاستصحابات، بل يكون خاصا بالوضوء.

33

و احتمال أن يكون الجزاء هو قوله «فانه على يقين»- الخ، غير سديد، فانه لا يصح إلّا بارادة لزوم العمل على طبق يقينه، و هو الى الغاية بعيد و أبعد منه كون الجزاء قوله «لا ينقض الخ» و قد ذكر «فانه على يقين» للتمهيد.

و قد انقدح بما ذكرنا ضعف احتمال اختصاص قضية «لا تنقض الخ» باليقين و الشك فى باب الوضوء

____________

اذا عرفت ذلك قلنا قد أشار المصنف (ره) الى ابطال الاحتمال الاول بقوله:

(و احتمال أن يكون الجزاء هو قوله «فانه على يقين» الخ غير سديد)

لانه اما خبر و اما انشاء بلسان الخبر، نحو «الطواف بالبيت صلاة»، أما لو كان خبرا فلا وجه له، لان السائل كان يعلم أنه على يقين سواء استيقن بالنوم أم لم يستيقن، فلا وجه لتعليقه على عدم الاستيقان بالنوم، و أما لو كان إنشاء حتى يكون معناه اعمل على يقينك، فهو انشاء للزوم العمل بلسان جعل موضوعه و هو اليقين، فهو بعيد اذ الاتيان بالخبر و ارادة الانشاء خلاف الظاهر.

و الى هذا أشار بقوله:

(فانه)

أي هذا الاحتمال‏

(لا يصح إلّا بارادة لزوم العمل على طبق يقينه)

بأن يكون حكما انشائيا أتى بصورة الخبر

(و هو الى الغاية بعيد)

لما عرفت من ان الاتيان بالخبر و ارادة الانشاء خلاف الظاهر.

(و أبعد منه)

الاحتمال الثاني، و هو

(كون الجزاء قوله «لا ينقض الخ» و قد ذكر «فانه على يقين» للتمهيد)

و انما كان أبعد لان الجزاء لا يدخله الواو، و قوله: «و لا ينقض» مصدّر بالواو.

(و قد انقدح بما ذكرنا)

من بعد الاحتمالين‏

(ضعف احتمال اختصاص قضية «لا تنقض الخ» باليقين و الشك في باب الوضوء)

حتى يكون الاستصحاب‏

34

جدا، فانه ينافيه ظهور التعليل فى انه بأمر ارتكازى لا تعبدى قطعا، و يؤيده تعليل الحكم بالمضى مع الشك فى غير الوضوء- فى غير هذه الرواية- بهذه القضية أو ما يرادفها فتأمل جيدا. هذا مع أنه لا موجب لاحتماله إلّا احتمال كون اللام فى اليقين للعهد اشارة الى اليقين فى «فانه على يقين من وضوئه»،

____________

حجة في هذا الباب فقط، بل اللازم كونه خاصا بباب الشك الناشئ من النوم لا مطلق الشك، فانه ضعيف‏

(جدا، فانه ينافيه)

أي ينافي الاختصاص‏

(ظهور التعليل)

في قوله «فانه على يقين»

(في انه بأمر ارتكازي لا تعبدي قطعا)

اذ لو كان هذا الشي‏ء خاصا بباب الوضوء لم ير العرف له وجها، و كان من قبيل أن يعلل بقاء وضوئه بأن كان مسمى ب

(زرارة)

مما لا يرتبط في العرف مع المعلل.

(و يؤيده)

أي يؤيد كون التعليل عاما لا خاصا

(تعليل الحكم بالمضي مع الشك في غير الوضوء- في غير هذه الرواية- بهذه القضية)

فان الامام (عليه السلام) علل المعنى على طبق اليقين السابق و عدم الاعتناء بالشك الحادث، بأنه على يقين و لا ينقضه بالشك‏

(أو ما يرادفها)

فانه يأتي في صحيحة زرارة الثانية قوله (عليه السلام): «ليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبدا».

و في صحيحة ثالثة «و لا ينقض اليقين بالشك»، فان ذلك كله دليل على ارتكازية التعليل و عدم اختصاصه بباب الوضوء

(فتأمل جيدا. هذا)

تمام الكلام في وجه استظهار العموم من الرواية

(مع انه لا موجب لاحتماله)

أي احتمال الاختصاص بباب الوضوء

(إلّا احتمال كون اللام في اليقين)

في قوله (عليه السلام):

«و لا ينقض اليقين بالشك»

(للعهد)

الذكرى حتى يكون‏

(اشارة الى اليقين في)

قوله (عليه السلام)

(فانه على يقين من وضوئه)

فيكون قضية «و لا ينقض‏

35

مع ان الظاهر انه للجنس كما هو الاصل فيه، و سبق «فانه على يقين الخ» لا يكون قرينة عليه مع كمال الملاءمة مع الجنس أيضا فافهم.

مع انه غير ظاهر فى اليقين بالوضوء لقوة احتمال أن يكون «من وضوئه» متعلقا بالظرف‏

____________

اليقين» خاصة بيقين الوضوء لا كلية تشمل جميع أنواع اليقين و الشك‏

(مع ان الظاهر انه)

أي «اللام» في اليقين‏

(للجنس)

لا للعهد

(كما هو)

أي كون اللام للجنس‏

(الاصل فيه)

كما لا يخفى على من راجع علوم العربية.

(و)

ان قلت: قد سبق قوله (عليه السلام) «فانه على يقين من وضوئه» و ذلك قرينة على ارادة العهد من اللام في قوله: «لا ينقض اليقين».

قلت:

(سبق «فانه على يقين الخ» لا يكون قرينة عليه)

أي على كون اللام للعهد

(مع كمال الملاءمة)

للام‏

(مع الجنس أيضا)

و قد عرفت ان الجنس هو الاصل‏

(فافهم)

لعله اشارة الى ان كمال الملاءمة مع الجنس لا يقتضي الحمل عليه بعد ظهور اللام في العهد اذا سبقه ما يدل عليه، لكن لا يخفى ان الجنس أقوى، و المؤيدات الخارجية و الداخلية تؤيده أيضا كما سبق‏

(مع انه)

لو أخذنا اللام في «لا ينقض اليقين» للعهد، لم ينفع الاختصاص أيضا، لان المعهود ذو احتمالين:

الاول‏

(يقين)

، الثاني‏

(يقين من وضوئه)

و العهد انما يوجب الاختصاص اذا كان المعهود الثاني لا الاول، فانه على الاول يكون مطلق اليقين معهودا، فالمعهود

(غير ظاهر في اليقين بالوضوء لقوة احتمال أن يكون «من وضوئه»)

في قوله (عليه السلام) «فانه على يقين من وضوئه»

(متعلقا بالظرف)

و هو «على يقين»

36

لا بيقين، و كان المعنى: فانه كان من طرف وضوئه على يقين. و عليه لا يكون الاصغر الا اليقين لا اليقين بالوضوء كما لا يخفى على المتأمل.

و بالجملة لا يكاد يشك فى ظهور القضية فى عموم اليقين و الشك خصوصا بعد ملاحظة تطبيقها فى الاخبار على غير الوضوء أيضا.

ثم لا يخفى‏

____________

و

(لا)

يكون الظرف متعلقا

(بيقين و)

على هذا

(كان المعنى: فانه كان من طرف وضوئه)

أي من جهة وضوئه‏

(على يقين)

.

(و عليه)

أى بناء على هذا الاحتمال‏

(لا يكون الاصغر)

في القياس الواقع في الرواية

(الا اليقين لا اليقين بالوضوء)

فيكون المعنى: انه من جهة وضوئه على يقين، و لا ينقض اليقين‏

(كما لا يخفى على المتأمل)

فاللام و ان كان للعهد لكنه لا يوجب الاختصاص.

(و بالجملة لا يكاد يشك في ظهور القضية)

الواقعة في الرواية

(في عموم اليقين و الشك)

لكل مورد

(خصوصا بعد ملاحظة تطبيقها في)

سائر

(الاخبار على غير الوضوء أيضا)

و اللّه العالم.

(ثم لا يخفى)

أن مقتضى اطلاق هذا الخبر كون الاستصحاب حجة مطلقا سواء كان في الامور العدمية أو الوجودية من الاحكام الوضعية أو التكليفية في الموضوعات أو في الاحكام طالت المدة بحيث يظن بالخلاف أم لا ... الى غير ذلك لكن الشيخ (ره) فصل بين كون الشك في المقتضى فالاستصحاب ليس بحجة، و كونه في المانع فهو حجة.

و توضيحه: انه قد يشك في الاستمرار لاحتمال عدم اقتضاء المقتضى للثبات و الدوام، كما لو شك في انارة المصباح من جهة احتمال كون الزيت الذي‏

37

حسن اسناد النقض- و هو ضد الابرام-

____________

فيه قليلا لا يدوم الى هذا الوقت، و قد يشك لاحتمال وجود الرافع، كما لو علمنا بأن الزيت كان كافيا للانارة الى الصباح لكن احتملنا هبوب الريح المطفئة له.

و قد تبع الشيخ في هذا الاشكال و التفصيل المحقق الخونساري، و قد استدل لذلك بأن قوله (عليه السلام) «لا ينقض اليقين بالشك» حيث يتعذر حمله على معناه الحقيقي اذ ليس بالفعل يقين يراد نقضه- لفرض الشك في الحكم- لا بد حمله على المجاز، و هنا مجازان:

«الاول» أن يراد رفع اليد عن الامر الثابت الذي وجد مقتضيه مما له صلاحية البقاء و الدوام.

«الثاني» رفع اليد عن الامر الثابت مما لم يعلم وجود المقتضى له، و حيث ان المجاز الاول أقرب الى الحقيقة كان أولى بالارادة.

و على هذا فالاستصحاب ليس بحجة اذا كان الشك في المقتضى، و حجيته خاصة بما اذا كان الشك في الرافع، لكن المصنف (ره) تبعا للمشهور لم يقل بهذا التفصيل.

و أجاب عن الشيخ (ره) بما حاصله: ان صحة استناد النقض الى اليقين انما هو بلحاظ كون اليقين بذاته أمرا مبرما، و ذلك لا يفرق فيه بين أن يكون المتيقن مما له اقتضاء البقاء أم لم يعلم حاله، فليس أحد المجازين أولى من الآخر لانهما بلحاظ اليقين على حد سواء.

و الى هذا أشار بقوله: لا يخفى‏

(حسن اسناد النقض- و هو ضد الابرام-)

38

الى اليقين و لو كان متعلقا بما ليس فيه اقتضاء البقاء و الاستمرار، لما يتخيل فيه من الاستحكام بخلاف الظن فانه يظن انه ليس فيه ابرام و استحكام، و ان كان متعلقا بما فيه اقتضاء ذلك، و إلّا لصح ان‏

____________

كما في قوله تعالى: «وَ لا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً» (1) و قوله‏ «وَ لا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها» (2)

(الى اليقين)

لانه قال «لا ينقض اليقين»

(و لو كان)

اليقين‏

(متعلقا بما ليس فيه اقتضاء البقاء و الاستمرار)

كما لو كان الشك في المقتضى، كما لو لم يعلم بأن زوج المرأة الغائب هل كان في بنيته اقتضاء البقاء الى ثمانين سنة حتى تجب النفقة من ماله على زوجته و حتى يحرم لها النكاح برجل آخر أم لا.

و انما حسن هذا الاسناد

(لما يتخيل فيه)

أي في اليقين‏

(من الاستحكام)

فان اليقين شي‏ء مستحكم‏

(بخلاف الظن فانه يظن انه ليس فيه ابرام و استحكام و ان كان)

الظن‏

(متعلقا بما فيه اقتضاء ذلك)

.

و الحاصل: ان العبرة باليقين و الظن لا بمتعلقهما، فلو تيقن بعمر زيد كان فيه أحكام لانه يقين، و لو ظن عمر الملائكة لم يكن فيه أحكام لانه ظن، و لا ينظر الى أن احدهما عمر زيد الذي لا اقتضاء فيه للبقاء، و الآخر عمر الملائكة الذي فيه اقتضاء البقاء.

(و الّا)

يكن وجه صحة النقض كونه مستندا الى اليقين، و انّما كان الوجه كون المتيقّن ما فيه اقتضاء البقاء- كما يقوله الشيخ-

(لصحّ أن))

____________

(1) النحل: 92.

(2) النحل: 91.

39

يسند الى نفس ما فيه المقتضى له مع ركاكة مثل نقضت الحجر عن مكانه، و لما صح أن يقال: انتقض اليقين باشتعال السراج فيما اذا شك فى بقائه للشك فى استعداده مع بداهة صحته و حسنه.

و بالجملة لا يكاد يشك فى ان اليقين كالبيعة و العهد انما يكون حسن اسناد النقض اليه بملاحظته لا بملاحظة متعلقه، فلا موجب لارادة ما هو أقرب الى الامر المبرم أو أشبه بالمتين المستحكم مما فيه اقتضاء البقاء لقاعدة- اذا تعذرت الحقيقة فأقرب المجازات أولى-

____________

(يسند)

النقض‏

(الى نفس ما فيه المقتضى له)

أي للبقاء

(مع ركاكة مثل نقضت الحجر عن مكانه)

مع ان كونه في مكانه مما فيه اقتضاء البقاء، اذ لا ينفصل عن مكانه إلّا برافع‏

(و لما صح أن يقال: انتقض اليقين باشتعال السراج)

بنسبة النقض الى اليقين‏

(فيما اذا شك في بقائه)

أي بقاء نور السراج‏

(للشك في استعداده)

لعدم العلم بمقدار الزيت الكائن فيه‏

(مع بداهة صحته و حسنه)

.

و من هذا يعرف ان المعيار انما هو اليقين لا متعلقه.

[الشك فى المقتضى و المانع‏]

(و بالجملة لا يكاد يشك في أن اليقين كالبيعة و العهد انما يكون حسن اسناد النقض اليه)

بأن يقال نقض اليقين، كما يقال نقض العهد أو نقض البيعة

(بملاحظته)

أي بملاحظة نفس اليقين‏

(لا بملاحظة متعلقه فلا موجب ل)

ما ذكره الشيخ (ره) من‏

(ارادة ما هو أقرب الى الامر المبرم أو أشبه بالمتين المستحكم)

و هو ما كان الشك في الرافع‏

(مما فيه اقتضاء البقاء)

لو لا الرافع، و قوله «مما» بيان لقوله «ما هو»

(لقاعدة- اذا تعذرت الحقيقة فأقرب المجازات أولى-)

تعليل‏

40

بعد تعذر ارادة مثل ذاك الامر مما يصح اسناد النقض اليه حقيقة فان قلت: نعم و لكنه حيث لا انتقاض لليقين فى باب الاستصحاب حقيقة فلو لم يكن هناك اقتضاء البقاء فى المتيقن لما صح اسناد الانتقاض اليه بوجه و لو مجازا، بخلاف ما اذا كان هناك، فانه و ان لم يكن معه أيضا انتقاض حقيقة إلّا انه‏

____________

لقوله «ارادة» أى المنفي لا النفي‏

(بعد تعذر ارادة مثل ذاك الامر)

أي مثل الامر المبرم الحقيقي، لما عرفت من مجازية نسبة النقض الى اليقين في مثل المقام الذي ليس هناك يقين فعلي‏

(مما يصح اسناد النقض اليه حقيقة)

قوله «مما» بيان لقوله «ذاك الامر».

و الحاصل انه لا وجه للقول: بأنه لما تعذر نسبة النقض الى اليقين- حقيقة- لا بد و أن ينسب الى ما فيه اقتضاء البقاء.

(ان قلت:)

لا يقين في مقام الشك- و هذا واضح- فاذا لم يعتبر في المتيقن الابرام و الاقتضاء كان نسبة النقض غلطا، اذ لا يقين حتى تكون النسبة حقيقة و لا أمر مبرم حتى تكون النسبة مجازا، فانه‏

(نعم)

كما ذكرتم يصح اسناد النقض باعتبار اليقين‏

(و لكنه حيث لا انتقاض لليقين في باب الاستصحاب حقيقة)

حيث ان المفروض كون الحكم مشكوكا فعلا

(فلو لم يكن هناك اقتضاء البقاء في المتيقن)

بأن كان المتيقن غير معلوم الاقتضاء

(لما صح اسناد الانتقاض اليه)

أي الى اليقين‏

(بوجه)

أصلا.

(و لو مجازا)

لما عرفت من عدم الحقيقة و عدم الابرام في المتيقن المصحح للمجازية

(بخلاف ما اذا كان هناك)

اقتضاء البقاء في المتيقن‏

(فانه و ان لم يكن معه)

أي مع المتيقن المقتضى للبقاء

(أيضا انتقاض حقيقة إلّا انه‏

41

صح اسناده اليه مجازا فان اليقين معه كأنه تعلق بأمر مستمر مستحكم قد انحل و انفصم بسبب الشك فيه من جهة الشك في رافعه. قلت:

الظاهر ان وجه الاسناد هو لحاظ اتحاد متعلقى اليقين و الشك ذاتا و عدم ملاحظة تعددهما زمانا، و هو كاف- عرفا- فى صحة اسناد النقض اليه و استعارته له بلا تفاوت فى ذلك أصلا- فى نظر أهل العرف- بين ما كان هناك‏

____________

صح اسناده)

أى النقض‏

(اليه)

أي الى اليقين‏

(مجازا فان اليقين معه)

أى مع المتيقن الذي فيه اقتضاء البقاء

(كأنه تعلق)

حينما تعلق سابقا

(بأمر مستمر مستحكم قد انحل و انفصم بسبب الشك فيه)

أي في ذلك الامر

(من جهة الشك في رافعه)

و على هذا فاللازم تخصيص الاخبار بحجية الاستصحاب فيما كان الشك في الرافع لا ما اذا كان الشك في المقتضى.

(قلت:)

ان الشك و اليقين اعتبرا و كأنهما في زمان واحد، و لذا كان لازم الاعتناء بالشك رفع اليد عن اليقين، و على هذا كان النقض لليقين- مسامحة- و ذلك حسن عرفا، فان‏

(الظاهر ان وجه الاسناد)

أي اسناد النقض الى اليقين‏

(هو لحاظ اتحاد متعلقي اليقين و الشك)

فان الشك قد تعلق بما تعلق به اليقين‏

(ذاتا و عدم ملاحظة تعددهما)

أي اليقين و الشك‏

(زمانا)

بأن تعلق أحدهما بالطهارة صباحا و الآخر قد تعلق بها عصرا

(و هو)

أي اتحاد المتعلقين ذاتا

(كاف- عرفا- في صحة اسناد النقض اليه)

أي الى اليقين.

(و)

صحة

(استعارته)

أي النقض‏

(له)

أي لليقين، فان النقض الذي يكون حقيقته فيما اذا تعلق باليقين قد استعير لان يتعلق بما كان سابقا متعلقا لليقين‏

(بلا تفاوت في ذلك)

الاسناد

(أصلا- في نظر أهل العرف- بين ما كان هناك‏

42

اقتضاء البقاء و ما لم يكن، و كونه مع المقتضى أقرب بالانتقاض و أشبه لا يقتضى تعيينه لاجل قاعدة اذا تعذرت الحقيقة فان الاعتبار فى الاقربية انما هو بنظر العرف لا الاعتبار، و قد عرفت عدم التفاوت بحسب نظر أهله. هذا كله فى المادة و أما الهيئة

____________

اقتضاء البقاء)

و كان الشك في الرافع‏

(و ما لم يكن)

له اقتضاء البقاء و كان الشك في المقتضى‏

(و كونه)

أي اليقين السابق‏

(مع)

وجود

(المقتضى)

في المتيقن‏

(أقرب بالانتقاض)

لانه ينتقض ما كان له صلاح البقاء

(و أشبه)

بذات اليقين‏

(لا يقتضي تعيينه)

دون ما كان الشك في المقتضى‏

(لاجل قاعدة اذا تعذرت الحقيقة)

فأقرب المجازات أولى، و هذا تعليل ل «يقتضي» لا للنفي، كما لا يخفى‏

(فان الاعتبار في الاقربية)

للمجاز الى الحقيقة

(انما هو بنظر العرف لا)

بحسب‏

(الاعتبار)

العقلي، اذ الظواهر حجة و هي امور عرفية لا اعتبارية

(و قد عرفت عدم التفاوت بحسب نظر أهله)

أي أهل العرف.

(هذا كله)

بيان كون مادة «ن ق ض» انما يناسب «اليقين» كما ذكره المصنف لا «المتيقن» كما ذكره الشيخ، و بذلك تبين عدم الفرق بين كون اليقين متعلقا بما فيه اقتضاء البقاء حتى يكون من قبيل الشك في الرافع، أو بما ليس فيه اقتضاء البقاء حتى يكون الشك في المقتضى، خلافا لما ذكره الشيخ من اختصاص ذلك بالشك في الرافع.

و اذ أتممنا الكلام‏

(في المادة)

نقول:

(و أما الهيئة)

أي هيئة النهى- و هي «لا تنقض»- فهي أيضا تؤيد مقالة المصنف (ره) من كون النقض أعم من كونه في الشك في المقتضى أو في الشك في الرافع، خلافا للشيخ فانه ربما

43

فلا محالة يكون المراد منها النهى عن الانتقاض بحسب البناء و العمل‏

____________

يستدل له بالهيئة لكون المراد الشك في الرافع فقط.

و تقريب الاستدلال بالهيئة: ان الحرمة التي هي مفاد الهيئة لا تكون متعلقة إلّا بالمقدور، و نقض اليقين بعد وقوع الشك أمر قهري غير قابل للنهي، فلا بد و ان يراد منه المتيقن، و حيث ان الاقرب للمعنى الحقيقي للنقض رفع اليد من الشي‏ء المستمر- و هو ما أحرز فيه المقتضى و شك في الرافع- انحصر معناه في ذلك.

و الجواب: انه كما لا يمكن نقض اليقين- لان ذهاب اليقين حين الشك أمر قهري- كذلك لا يمكن نقض المتيقن، لان المتيقن سواء كان حكما أو موضوعا ليس نقضه باختيار المكلف، فان الحكم نقضه بيد الشارع و الموضوع نقضه بيد التكوين، اذا فنسبة النقض الى كليهما مجاز، لكن ما صنعه الشيخ من أخذ «اليقين» في الرواية بمعنى «المتيقن» مجاز، ثم جعله «المتيقن» بمعنى آخر يناسبه النقض مجاز آخر، أما نحن فلا نصنع الا مجازا واحدا هو جعل اليقين بمعنى يناسب النقض، بدون احتياج الى المجاز الاول و هو جعل اليقين بمعنى المتيقن.

و بهذا تبين ان الهيئة أيضا تؤيد الاطلاق، و عدم الفرق بين أن يكون الشك في المقضى أو في الرافع.

[المراد من نقض اليقين‏]

اذا عرفت ذلك قلنا و أما الهيئة

(فلا محالة يكون المراد منها النهي عن الانتقاض بحسب البناء و العمل)

أي لا تنقض بناءك على اليقين السابق و عملك على طبق ذلك اليقين بسبب الشك، فكما كنت تبني حين كنت مستيقنا بالطهارة- من الصلاة و الطواف و مس كتابة القرآن- ابن الآن و أنت شاك في انه هل‏

44

لا الحقيقة، لعدم كون الانتقاض بحسبها تحت الاختيار سواء كان متعلقا باليقين كما هو ظاهر القضية أم بالمتيقن أم بآثار اليقين بناء على التصرف فيها بالتجوز أو الاضمار بداهة انه كما لا يتعلق النقض الاختيارى القابل لورود النهى عليه بنفس اليقين، كذلك لا يتعلق بما كان على يقين منه أو أحكام اليقين،

____________

أنت مطهّر أم لا

(لا)

بحسب‏

(الحقيقة)

.

اذ قد عرفت أن النهي عن النقض حقيقة غير مقدور

(لعدم كون الانتقاض بحسبها)

أي بحسب الحقيقة

(تحت الاختيار)

حتى ينهى عنه‏

(سواء كان متعلقا باليقين كما هو ظاهر القضية)

لانه قال لا تنقض اليقين‏

(أم بالمتيقن)

كما أوله الشيخ (ره) اليه‏

(أم بآثار اليقين)

حتى يكون المعنى لا تنقض آثار اليقين، فان آثار اليقين هي أحكامه، و الاحكام وضعها و نقضها بيد الشارع لا بيد المكلف‏

(بناء على التصرف فيها)

أي في الرواية في اليقين‏

(بالتجوز)

بأن يراد من اليقين آثاره على نحو المجاز في الكلمة، كما يقال «أسد» و يراد به الرجل الشجاع‏

(أو الاضمار)

بأن يقدر لفظ «الآثار» فتقدير «لا تنقض اليقين» لا تنقض آثار اليقين على نحو المجاز في الاسناد.

و انما قلنا بأن النقض ليس مقدورا بأي معنى أخذ اليقين، ل

(بداهة انه كما لا يتعلق النقض الاختياري القابل لورود النهي عليه بنفس اليقين)

اذ اليقين أمر تكويني يأتي بأسبابه و يذهب بذهاب تلك الاسباب، سواء أراد المكلف أم لم يرد

(كذلك لا يتعلق)

النقض الاختياري‏

(بما كان على يقين منه)

أي المتيقن كالطهارة- فيما يتيقن بها-

(أو أحكام اليقين)

كجواز الصلاة و الطواف و مس كتابة القرآن.

45

فلا يكاد يجدى التصرف بذلك فى بقاء الصيغة على حقيقتها، فلا مجوّز له فضلا عن الملزم كما توهم. لا يقال: لا محيص عنه، فان النهى عن النقض بحسب العمل لا يكاد يراد

____________

و بهذا تبين ان ما ذكره الشيخ (ره) منظور فيه. قال: ثم لا يتوهم الاحتياج الى تصرف في اليقين بارادة المتيقن منه، لان التصرف لازم على كل حال، فان النقض الاختياري القابل لورود النهي عليه لا يتعلق بنفس اليقين على كل تقدير، بل المراد نقض ما كان على يقين منه، و هو الطهارة السابقة أو أحكام اليقين‏ (1)- انتهى.

لكنك قد عرفت عدم الفرق بين التعليقات الثلاثة

(فلا يكاد يجدي التصرف بذلك)

أي بأخذ اليقين بمعنى المتيقن، أو بمعنى أحكام اليقين‏

(في بقاء الصيغة)

أي صيغة النهي‏

(على حقيقتها، فلا مجوز له)

اذ التصرف المخالف للظاهر لا يجوز

(فضلا عن الملزم كما توهم)

.

و ربما اشكل على المصنف (ره) بأن ايراده على الشيخ غير وارد، اذ آخر كلام الشيخ يعطي امكان ذلك، لانه أراد النقض العملي. و كيف كان فلا داعي الى أخذ اليقين بمعنى المتيقن بالاضافة الى أنه خلاف الظاهر.

(لا يقال:)

لا بدوان نتصرف في لفظ «اليقين» في الرواية بارادة «المتيقن» منه، اذ مورد الرواية «الوضوء»، و من المعلوم أنه متعلق اليقين لا نفس اليقين، و بهذا تبين انه‏

(لا محيص عنه)

أي عن التصرف بارادة المتيقن من اليقين‏

(فان النهي عن النقض بحسب العمل)

أي لا تنقض اليقين عملا

(لا يكاد يراد)

____________

(1) فرائد الاصول ص 336 ط قم- المصطفوى.

46

بالنسبة الى اليقين و آثاره لمنافاته مع المورد.

فانه يقال: انما يلزم لو كان اليقين ملحوظا بنفسه و بالنظر الاستقلالى لا ما اذا كان ملحوظا بنحو المرآتية و بالنظر الآلي، كما هو الظاهر فى مثل قضية «لا تنقض اليقين» حيث تكون ظاهرة عرفا فى انها كناية عن لزوم البناء و العمل بالتزام حكم مماثل للمتيقن تعبدا اذا كان حكما

____________

(بالنسبة الى اليقين و آثاره)

و ذلك‏

(لمنافاته مع المورد)

فان الاحكام مترتبة على الطهارة المشكوكة لا على اليقين بها.

(فانه يقال:)

لو أخذ اليقين في قوله «لا تنقض اليقين» استقلاليا لم يكن محيص الا عن التصرف فيه- كما ذكرتم- ف

(انما يلزم)

التصرف في «اليقين»

(لو كان اليقين)

المأخوذ في الرواية

(ملحوظا بنفسه و بالنظر الاستقلالي)

اذ لا يلائم نسبة النقض اليه‏

(لا ما اذا كان)

اليقين‏

(ملحوظا بنحو المرآتية و بالنظر الآلي)

فان النقض العملي لليقين يعتبر اليقين- فيه- آلة و مرآتا للمتيقن، كما هو كذلك دائما في باب العلم و الظن و اليقين و ما أشبه، فانها لو أطلقت يراد بها في الاغلب متعلقاتها لا انها بما هي صفات نفسية.

(كما هو الظاهر)

عرفا

(في مثل قضية «لا تنقض اليقين» حيث تكون ظاهرة عرفا في انها)

أي هذه القضية

(كناية عن لزوم البناء و العمل)

و لا يكون ذلك البناء العملي إلّا

(بالتزام حكم مماثل للمتيقن تعبدا)

فيما

(اذا كان)

المتيقن‏

(حكما)

فلو علمنا في السنة الماضية بوجوب اعطاء النفقة لزيد لكونه حيا، ثم شككنا في هذه السنة في الوجوب كان معنى «لا تنقض اليقين» التزم بوجوب‏

47

و لحكمه اذا كان موضوعا، لا عبارة عن لزوم العمل بآثار نفس اليقين بالالتزام بحكم مماثل لحكمه شرعا، و ذلك لسراية الالية و المرآتية من اليقين الخارجى الى مفهومه الكلى، فيؤخذ فى موضوع الحكم فى مقام بيان حكمه مع عدم دخله فيه أصلا

____________

مماثل لذلك الوجوب المتيقن‏

(و)

بالتزامه حكم مماثل‏

(لحكمه)

أي لحكم المتيقن‏

(اذا كان)

المتيقن‏

(موضوعا)

ذا حكم، فلو علمنا صباحا بالوضوء ثم شككنا ظهرا فيه كان معنى «لا تنقض اليقين» التزم بجواز الصلاة الذي هو مماثل لجواز الصلاة الذي كان حكما للوضوء المتيقن صباحا

(لا عبارة)

هذا عطف على قوله «كناية» أي ليس «لا تنقض» عبارة

(عن لزوم العمل بآثار نفس اليقين بالالتزام بحكم مماثل لحكمه)

أي حكم اليقين‏

(شرعا)

حتى اذا كان لليقين بما هو صفة نفسية حكم، كما لو نذر أنه لو كان متيقنا بالوضوء تصدق بدينار- لزم ترتيب ذلك الاثر بمجرد قوله «لا تنقض».

و الحاصل انه اذا كان للمتيقن حكم و لليقين حكم فهم العرف من قوله «لا تنقض» ترتيب آثار المتيقن لا آثار نفس اليقين‏

(و ذلك)

الذي ذكرنا من اليقين في «لا تنقض» أخذ آليا لا استقلاليا

(لسراية الالية و المرآتية من اليقين الخارجي الى مفهومه الكلي)

يعني ان اليقين الخارجي القائم بنفس الانسان لا شك و انه مرآة للمعلوم الخارجي، فمفهوم الكلي لليقين الذي ورد في قوله «لا تنقض اليقين» أيضا كذلك يراد به اليقين الآلي لا اليقين الاستقلالي‏

(فيؤخذ)

مفهوم اليقين آليا

(في موضوع الحكم في مقام بيان حكمه)

فحيث يحكم على اليقين بقوله «لا تنقض» يريد باليقين «الآلي» لا «الاستقلالي»

(مع عدم دخله)

أي اليقين استقلاليا

(فيه)

أي في الحكم‏

(أصلا)

فيكون الحكم‏

48

كما ربما يؤخذ فيما له دخل فيه أو تمام الدخل- فافهم.

ثم انه حيث كان كل من الحكم الشرعى و موضوعه مع الشك قابلا للتنزيل بلا تصرف و تأويل- غاية الامر تنزيل الموضوع بجعل مماثل حكمه و تنزيل الحكم بجعل مثله كما أشير اليه آنفا- كان قضية

____________

للمتيقن فقط.

(كما ربما يؤخذ)

اليقين‏

(فيما له دخل فيه)

أي في موضوع لليقين- الاستقلالي- دخل في ذلك الموضوع، بأن يكون الموضوع مركبا من اليقين و المتيقن‏

(أو تمام الدخل)

بأن يكون اليقين الاستقلالي تمام الموضوع‏

(فافهم)

لعله اشارة الى أن جعل «اليقين» في قوله «لا تنقض اليقين» آليا و مرآتا الى المتيقن خلاف ظاهر جعل اليقين في الرواية عدلا للشك، حيث قال: «و لا ينقض اليقين بالشك».

(ثم)

ان الرواية دلت على استصحاب كل من الحكم و الموضوع، ف

(انه حيث كان كل من الحكم الشرعي)

التكليفية و الوضعية

(و موضوعه)

أي موضوع الحكم، سواء كان موضوعا مخترعا كالوضوء أم لا كوجود زيد

(مع الشك)

في بقاء ذلك الحكم أو الموضوع‏

(قابلا للتنزيل)

بأن ينزل الشارع المشكوك منهما منزلة المتيقن‏

(بلا تصرف و تأويل)

على خلاف ظاهر الكلام‏

(غاية الامر)

يكون‏

(تنزيل الموضوع ب)

معنى‏

(جعل مماثل حكمه)

فلو قال «نزّل زيدا المشكوك منزلة المتيقن» كان معناه رتب آثار وجود زيد فعلا و ان كنت شككت فيه‏

(و)

يكون‏

(تنزيل الحكم ب)

معنى‏

(جعل مثله)

فمعنى نزل الوجوب المشكوك منزلة المتيقن التزم بالوجوب المماثل للوجوب المتيقن‏

(كما اشير اليه آنفا)

في قولنا «حيث تكون ظاهرة عرفا»

(كان قضية)

هذا

49

لا تنقض ظاهرة في اعتبار الاستصحاب فى الشبهات الحكمية و الموضوعية، و اختصاص المورد بالاخيرة لا يوجب تخصيصها بها.

خصوصا بعد ملاحظة انها قضية كلية ارتكازية قد أتى بها فى غير مورد لاجل الاستدلال بها على حكم المورد فتأمل.

و منها صحيحة أخرى لزرارة قال: قلت له: أصاب ثوبى دم رعاف أو غيره أو شى‏ء من المنى فعلّمت أثره الى أن أصيب له الماء فحضرت الصلاة و نسيت ان بثوبى شيئا و صليت ثم انى ذكرت بعد ذلك؟

____________

خبر قوله «حيث كان»، أي كان قوله (عليه السلام)

(لا تنقض ظاهرة في اعتبار الاستصحاب في الشبهات الحكمية و الموضوعية)

على أقسامها.

(و)

ان قلت: كيف تعممون الرواية للاستصحاب الحكمي و الحال ان موردها هو الاستصحاب الموضوعي لانها في باب الوضوء؟ قلت:

(اختصاص المورد بالاخيرة)

و هي الشبهة الموضوعية

(لا يوجب تخصيصها)

أي الرواية

(بها)

أي بالشبهة الموضوعية

(خصوصا بعد ملاحظة انها)

أي قضية لا تنقض‏

(قضية كلية ارتكازية)

عند العقلاء

(قد أتى بها)

في الروايات‏

(في غير مورد لاجل الاستدلال بها على حكم المورد)

فلا يكون المورد مخصصا

(فتأمل)

لعله اشارة الى ان العموم المستفاد انما هو بالنسبة الى ما هو من سنخ المورد، و هو سائر الموضوعات لا مطلقا، و لو لم يكن من سنخ المورد كالاحكام.

(و منها)

أي من الاخبار التي استدل بها الاستصحاب‏

(صحيحة أخرى لزرارة قال: قلت له: أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره)

أي دم غير رعاف‏

(أو شي‏ء من المني فعلّمت أثره)

أي جعلت له علامة

(الى أن أصيب له الماء فحضرت الصلاة)

أي جاء وقتها

(و نسيت ان بثوبي شيئا و صليت ثم اني ذكرت بعد ذلك؟

50

قال: تعيد الصلاة و تغسله. قلت: فان لم أكن رأيت موضعه و علمت انه قد أصابه فطلبته و لم أقدر عليه فلما صلّيت وجدته؟ قال (عليه السلام): تغسله و تعيد. قلت: فان ظننت انه قد أصابه و لم اتيقن ذلك فنظرت فلم أر شيئا فصليت فرأيت فيه؟ قال: تغسله و لا تعيد الصلاة. قلت: لم ذلك؟ قال: لانك كنت على يقين من طهارتك فشككت. فليس ينبغى لك أن تنقض اليقين بالشك أبدا. قلت: فانى قد علمت انه قد أصابه و لم أدر أين هو فأغسله؟ قال: تغسل من ثوبك الناحية التى ترى أنه قد أصابها حتى تكون على يقين من طهارتك. قلت: فهل على أن شككت فى أنه اصابه شي‏ء أن انظر فيه؟ قال: لا و لكنك انما تريد أن تذهب الشك الذى وقع فى نفسك.

____________

قال)

(عليه السلام):

(تعيد الصلاة و تغسله. قلت: فان لم أكن رأيت موضعه و علمت انه قد أصابه فطلبته و لم أقدر عليه فلما صليت وجدته؟ قال (عليه السلام): تغسله و تعيد. قلت فان ظننت انه قد أصابه و لم أتيقن ذلك فنظرت فلم أر شيئا فصليت فرأيت فيه؟

قال: تغسله و لا تعيد الصلاة. قلت: لم ذلك؟)

أي عدم اعادة الصلاة في صورة الظن بالنجاسة

(قال: لانك كنت على يقين من طهارتك فشككت فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبدا. قلت: فاني قد علمت انه قد أصابه و لم أدر أين هو فاغسله؟)

أي فما ذا أصنع؟

(قال: تغسل من ثوبك الناحية التي ترى انه قد أصابها حتى تكون على يقين من طهارتك. قلت: فهل علي ان شككت في انه أصابه شي‏ء ان انظر فيه؟)

أي هل أتحقق انه أصابه أم لا؟

(قال: لا، و لكنك انما تريد أن تذهب الشك الذي وقع في نفسك)

يعني (عليه السلام) انه لا بأس بهذا النظر المذهب للشك.

51

قلت: ان رأيته فى ثوبى و أنا فى الصلاة؟ قال: تنقض الصلاة و تعيد اذا شككت فى موضع منه ثم رأيته، و ان لم تشك ثم رأيته رطبا قطعت الصلاة و غسلته ثم بنيت على الصلاة، لانك لا تدرى لعله شى‏ء أوقع عليك فليس ينبغى لك أن تنقض اليقين بالشك‏

(1)

.

و قد ظهر مما ذكرنا فى الصحيحة الاولى تقريب الاستدلال بقوله: «فليس ينبغى لك أن تنقض اليقين بالشك» فى كلا الموردين، و لا نعيد.

____________

(قلت: ان رأيته في ثوبي و أنا فى الصلاة؟ قال: تنقض الصلاة و تعيد اذا شككت في موضع منه ثم رأيته، و ان لم تشك ثم رأيته رطبا قطعت الصلاة و غسلته ثم بنيت على الصلاة)

و المراد بقطع الصلاة الكف عن أعمالها ثم غسل الثوب ثم اتمام الصلاة من موضع الكف، بقرينة قوله (عليه السلام) «ثم بنيت»

(لانك لا تدري لعله شي‏ء أوقع عليك)

أي فى أثناء الصلاة

(فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك)

و المراد باليقين اليقين بالطهارة حالة الشروع فى الصلاة، ثم فى الاثناء لما رأى النجاسة شك في أنها هل هي حادثة أم سابقة، فليس له أن ينقض يقينه السابق بالطهارة بشكه الحادث وسط الصلاة.

(و قد ظهر مما ذكرنا فى الصحيحة الاولى تقريب الاستدلال)

للاستصحاب‏

(بقوله)

(عليه السلام)

( «فليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك» في كلا الموردين)

في أول الرواية و آخرها

(و)

لذا

(لا نعيد)

تقريب الاستدلال:

ثم لا يخفى ان فى المقام قاعدتين.

____________

(1) التهذيب ج 1 ص 119- الاستبصار ج 1 ص 91.

52

...........

____________

«الاولى» قاعدة الشك الطارئ و هى الاستصحاب، بأن يطرأ الشك على الشي‏ء بعد العلم به مع كون العلم محفوظا في محله، و انما يكون متعلق الشك غير متعلق اليقين كما لو علمت بأن زيدا كان عادلا يوم السبت و أشك في انه هل بقى عادلا في هذا اليوم و هو يوم الاحد أم لا؟

«الثانية» قاعدة الشك الساري، و هي قاعدة اليقين، بأن يسري الشك الى متعلق العلم فيقلع العلم عن موضعه، كما لو علم يوم السبت بأن زيدا عادل ثم شك يوم الاحد في مستند علمه حتى كان ذلك شكا في نفس محل العلم، و يسمى الشك السارى بهذه المناسبة لانه يسري الى موضع العلم. و هذه القاعدة محل كلام بين الاعلام كما يأتي.

اذا عرفت هذا قلنا: ان قول الامام (عليه السلام) فى المورد الاول: «لانك كنت على يقين من طهارتك» الخ يحتمل وجهين:

«الاول» أن يكون لبيان الاستصحاب اذا كان المراد من اليقين اليقين الحاصل قبل ظن الاصابة، و المراد من الشك الشك الحاصل حال الصلاة لاحتمال الاصابة، لانه يقين سابق و شك طار لاحق، و قد قال الامام (عليه السلام) بأنه لا ينقض ذلك اليقين بهذا الشك.

«الثاني» أن يكون لبيان قاعدة اليقين اذا كان المراد من اليقين اليقين بالطهارة الحاصل بالنظر- بعد أن ظن انه أصابه- بأن يحمل قوله «فلم أر شيئا» على معنى علمت بأنه لم يكن شي‏ء، و المراد من الشك الشك حال الصلاة بوجود النجاسة حال النظر حتى يكون الشك قالعا لليقين عن موضعه، لكن الاحتمال الاول أقرب لان الاحتمال الثاني مبنى على أن يحمل قوله «فلم أر شيئا» على اليقين بعدم الاصابة، و هو خلاف الظاهر، فان المنصرف من اليقين الوارد فى الرواية

53

نعم دلالته فى المورد الاول على الاستصحاب مبنى على أن يكون المراد من اليقين فى قوله (عليه السلام) «لانك كنت على يقين من طهارتك» اليقين بالطهارة قبل ظن الاصابة كما هو الظاهر، فانه لو كان المراد منه اليقين الحاصل بالنظر و الفحص بعده الزائل بالرؤية بعد الصلاة كان مفاده قاعدة اليقين كما لا يخفى. ثم‏

____________

اليقين قبل ظن الاصابة لا اليقين بعده.

و لذا قال المصنف (ره):

(نعم دلالته)

أي الخبر

(في المورد الاول)

من الموردين اللذين قال (عليه السلام) فيهما «لا تنقض اليقين»

(على الاستصحاب مبني على أن يكون المراد من اليقين في قوله (عليه السلام) «لانك كنت على يقين من طهارتك»)

فشككت‏

(اليقين بالطهارة قبل ظن الاصابة كما هو الظاهر)

.

و قد عرفت وجهه‏

(فانه لو كان المراد منه)

أي من «اليقين» المذكور

(اليقين الحاصل بالنظر و الفحص بعده)

أي بعد ظن الاصابة

(الزائل)

ذلك اليقين‏

(بالرؤية بعد الصلاة)

المشكوك في أثناء الصلاة، بحيث اقتلع اليقين- بسبب الشك- عن أصله‏

(كان مفاده)

أي مفاد المورد الاول‏

(قاعدة اليقين)

أي الشك الساري‏

(كما لا يخفى)

لكن لو قيل بأن هذا المورد من الرواية يفيد قاعدة اليقين لم يكن ذلك ضارا بالرواية لدلالة المورد الثاني على الاستصحاب قطعا.

(ثم)

ان الامام (عليه السلام) علل عدم وجوب الاعادة بأنها نقض لليقين بالشك، فأشكل الامر بأنه ليس من نقض اليقين بالشك، بل هو نقض اليقين باليقين، لان‏

54

انه أشكل على الرواية بأن الاعادة بعد انكشاف وقوع الصلاة ليست نقضا لليقين بالطهارة بالشك فيها، بل باليقين بارتفاعها فكيف يصح أن يعلل عدم الاعادة بأنها نقض اليقين بالشك؟ نعم انما يصح أن يعلل به جواز الدخول فى الصلاة كما لا يخفى. و لا يكاد يمكن التفصى عن هذا الاشكال إلّا بأن يقال:

____________

الاعادة مستندة الى وجدان النجاسة بعد الصلاة.

و الجواب: انّ احراز الطهارة- و لو بالاستصحاب- كاف في صحة الصلاة فلو جرى الاستصحاب كان كافيا في الحكم بصحة الصلاة، فلو أمر بالاعادة كان معناها عدم جريان الاستصحاب، فتكون الاعادة نقضا لليقين بالشك.

و الى هذا أشار بقوله:

(انه أشكل على الرواية بأن الاعادة بعد انكشاف وقوع الصلاة)

مع النجاسة

(ليست نقضا لليقين بالطهارة بالشك فيها)

أي في الطهارة

(بل)

هي نقض للطهارة

(باليقين بارتفاعها)

لانه علم بعد الصلاة انه لم يكن متطهرا

(فكيف يصح أن يعلل عدم الاعادة بأنها نقض اليقين بالشك؟)

، فانه من نقض اليقين باليقين.

(نعم)

لو كانت الرواية عللت جواز الدخول في الصلاة- بأنه لو لم يدخل لكان نقضا لليقين بالشك- لكان ذلك صحيحا، لانه كان على يقين من الطهارة ثم شك فدخل في الصلاة مستصحبا الطهارة، و عليه فالاستصحاب‏

(انما يصح أن يعلل به جواز الدخول في الصلاة كما لا يخفى)

لا عدم وجوب الاعادة- كما صنعته الرواية.

(و لا يكاد يمكن التفصي عن هذا الاشكال إلّا بأن يقال)

: ليس الشرط