جواهر الأصول / تقريرات - ج2

- محمد حسن المرتضوي اللنگرودي المزيد...
376 /
1

[هوية الكتاب‏]

[تتمة مقدمة الكتاب‏]

جواهر الاصول‏

الجزء الثانى‏

تقرير ابحاث الاستاذ الاعظم و العلامة الافخم‏

آية اللَّه العظمى السيد روح اللَّه موسوى‏

الامام الخمينى (قدس سره)

تأليف‏

آية اللَّه السيد محمد حسن المرتضوى اللنگرودى‏

مؤسسة تنظيم و نشر آثار الامام الخمينى (قدس سره)

2

هوية الكتاب‏

* اسم الكتاب: ... جواهر الاصول/ ج 2*

* المؤلف: ... السيّد محمّد حسن المرتضوي اللنگرودي*

* تحقيق و نشر: ... مؤسسة تنظيم و نشر آثار الإمام الخميني (قدس سره)*

* سنة الطبع: ... شهريور 1379- جمادى الثانية 1421*

* الطبعة: ... الاولى*

* المطبعة: ... مطبعة مؤسسة العروج*

* الكمية: ... 3000 نسخة*

* السعر: ... ريال*

جميع الحقوق محفوظة و مسجّلة

لمؤسسة تنظيم و نشر آثار الإمام الخميني (قدس سره)

3

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

4

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

اللهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد

اللهمّ كن لوليّك الحجّة بن الحسن العسكري، صلواتك عليه و على آبائه، في هذه الساعة و في كلّ ساعة، وليّاً و حافظاً و قائداً و ناصراً و دليلًا و عيناً؛ حتّى تسكنه أرضك طوعاً و تمتّعه فيها طويلًا.

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

بسم اللَّه الرحمن الرحيم‏

الحمد لوليّه، و الصلاة و السلام على أشرف بريّته، و على الأصفياء من عترته؛ سيّما القائم بإحياء شريعته، سيّدنا و مولانا حجّة بن الحسن العسكري. اللهمّ عجّل فرجه، و اجعلنا من أنصاره و أعوانه.

و بعدُ: ما بين يديك هو الجزء الثاني من كتاب «جواهر الاصول»، تقرير ما ألقاه سماحة استاذنا الأكبر آية اللَّه العظمى، نائب الإمام (عليه السلام)؛ الإمام الخميني (قدس سره) في مباحث الألفاظ.

نسأل اللَّه التوفيق و التسديد، و آخر دعوانا أن الحمد للَّه ربّ العالمين.

[المؤلّف‏]

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

الأمر الثاني عشر في الاشتراك‏ (1)

وقع البحث فيه تارةً في إمكانه، و اخرى‏ في وقوعه، و ثالثةً في كيفية وقوعه؛ فالكلام يقع في جهات:

الجهة الاولى: في إمكان الاشتراك‏

يظهر من بعض الوجوه التي استدلّ بها القائل بامتناع الاشتراك: أنّ الاشتراك ممتنع عقلًا.

كما أنّه يظهر من بعضها الآخر- الذي أشار إليه المحقّق الخراساني (قدس سرهم)ن لزوم اللغوية و الإجمال‏ (2)- أنّ امتناعه عقلاني.

و كيف كان: ما يمكن أن يستدلّ به القائل بامتناع الاشتراك عقلًا وجهان:

الوجه الأوّل: ما أشار إليه المحقّق العراقي (قدس سره) و أجاب عنه.

هذا الوجه ملتئم من مقدّمتين:

____________

(1)- كان تاريخ الشروع في هذا الأمر 23 رجب/ 1378 ه. ق.

(2)- كفاية الاصول: 51.

10

الاولى: أنّ في وضع اللفظ لمعنىً لا يكون شخص اللفظ موضوعاً لشخص المعنى؛ ضرورة أنّ تشخّص اللفظ باستعماله، و هو متأخّر عن الوضع، بل الوضع يتعلّق بطبيعي اللفظ بنحو القضية الحقيقية، بإزاء طبيعي المعنى أيضاً بنحو القضية الحقيقية؛ و لذا يكون كلّ فرد من أفراد طبيعي اللفظ موضوعاً بإزاء فرد من أفراد طبيعي المعنى.

الثانية: أنّ الوضع ليس جعل اللفظ علامة للمعنى، بل هو عبارة عن جعل اللفظ مرآة للمعنى و فانيةً فيه؛ بحيث لا يرى السامع وجود اللفظ في الخارج إلّا وجود المعنى؛ و لذا يسري استهجان المعنى إلى اللفظ، و يصير اللفظ مستهجناً.

إذا تمهّد لك هاتين المقدّمتين: فلازم تعدّد الوضع و الاشتراك هو كون لفظ من أفراد طبيعي اللفظ مرآةً و فانياً دفعةً واحدةً؛ فناءين في أمرين متباينين، و هو غير معقول كما لا يعقل أن يكون وجود واحد، وجود ماهيتين.

و لا يمكن أن يقال: إنّ الواضع خصّص طائفة من أفراد طبيعي اللفظ بمعنى، و طائفة اخرى‏ منها بمعنى آخر؛ لما قلنا في المقدّمة الاولى: أنّ الوضع يسري إلى جميع وجودات طبيعي اللفظ بنحو القضية الحقيقية- أي جميع الأفراد المقدّرة و المحقّقة- و معه كيف يعقل اختصاص طائفة من أفراد طبيعي اللفظ بمعنى، و الطائفة الاخرى منها بمعنى آخر؟! لأنّ التخصيص إن كان مع تمييز تلك الطائفة عن غيرها بمائز يتقوّم به اللفظ الموضوع خرج اللفظ عن الاشتراك، و إن كان المائز الاستعمال المتعلّق باللفظ فلا يعقل أن يتقوّم اللفظ الموضوع بما هو متوقّف على الوضع؛ لأنّ استعمال اللفظ الموضوع فيما وضع له متأخّر عن اللفظ و وضعه‏ (1) فتدبّر.

____________

(1)- بدائع الأفكار 1: 144.

11

يظهر من الجواب الثاني من المحقّق العراقي (قدس سره) عن الإشكال: بأنّه يرى تمامية المقدّمة الاولى و كبرى المقدّمة الثانية، و لكن ناقش في كون ما نحن فيه من صغرى تلك الكبرى؛ لأنّه قال: لا نسلّم أنّ وضع اللفظ للمعنى يوجب كونه مرآةً له بالفعل، بل الوضع يوجب استعداد اللفظ الموضوع للحكاية عن المعنى عند الاستعمال، و بالاستعمال يخرج من القوّة إلى الفعلية في الحكاية و المرآتية.

فعلى هذا: إذا استعمل اللفظ في المعنى الآخر ثانياً يوجد فرد جديد من طبيعي اللفظ، و يصير مرآةً للمعنى الآخر، فلم يكن لفظ واحد شخصي مرآتين لمعنيين، و لو في آنين‏ (1)

. و لكن الذي يقتضيه التحقيق: هو عدم استقامة كلتا المقدّمتين، مع عدم الاحتياج في أصل الإشكال إلى المقدّمة الاولى؛ و ذلك:

أمّا المقدّمة الاولى ففيها:

أوّلًا: أنّه لو كان وضع اللفظ للمعنى بالكيفية التي ذكرها يلزم أن يكون الوضع و الموضوع خاصّين في جميع الأوضاع- حتّى في أسماء الأجناس- و هو كما ترى‏.

بل الوضع عبارة عن جعل نفس طبيعي اللفظ لطبيعي المعنى، من دون لحاظ الكثرات؛ لا من ناحية اللفظ و لا من ناحية المعنى بنحو القضية الحقيقية.

أ لا ترى‏ أنّ في وضع لفظة «الإنسان» مثلًا للماهية المعلومة لم يلحظ في ناحية اللفظ كلّ ما يوجد للإنسان لفظة، و لا في ناحية المعنى كذلك، بل وضعت طبيعي تلك اللفظة لطبيعي تلك المعنى و الماهية فتدبّر.

____________

(1)- بدائع الأفكار 1: 145.

12

و ثانياً:- كما أشرنا و سيمرّ بك مفصّلًا- أنّ تفسير القضية الحقيقية بما ذكره لا تخلو عن إشكال، و أنّه غير ما اصطلحوا عليه فيها أرباب المعقول، الذين هم المأخذ فيها، فارتقب.

و ثالثاً: النقض بالأعلام الشخصية؛ بداهة أنّها لم تكن كذلك، كما لا يخفى‏.

و رابعاً: أنّ المستعمِل لا يستعمل شخص اللفظ في المعنى، بل يستعمل طبيعي اللفظ في طبيعي المعنى، مثلًا عند ما قال المستعمِل: «هذه حنطة» استُعملت طبيعي لفظة «الحنطة» في طبيعي المعنى، لكن حمل الطبيعي على الموضوع حملًا شائعاً يقضي بانطباق طبيعي المعنى على الهذية، لا استعمال اللفظة الشخصية في معنىً شخصي، كما لا يخفى‏.

و بالجملة: فرق بين تطبيق المعنى على المصداق و بين استعمال اللفظ الجزئي في المعنى الجزئي.

فظهر ممّا ذكرنا: أنّ المقدّمة الاولى مخدوشة. مع أنّها غير محتاجة إليها لإتيان الإشكال؛ بداهة أنّه يمكن تنظيم صورة الإشكال أيضاً على مذهبنا- من كون الوضع عبارة عن جعل طبيعي اللفظ لطبيعي المعنى- كما لا يخفى‏.

و أمّا المقدّمة الثانية ففيها: أنّه إن اريد بفناء اللفظ في المعنى فناء الكيف المسموع في المعنى، فلا يخفى أنّه لا محصّل له؛ لأنّ مرجعه إلى‏ فناء موجود خارجي في موجود آخر، و هو غير معقول.

و إن اريد بالفناء: أنّه عند الاستعمال يكون التوجّه و الالتفات إلى المعنى- كما لعلّ هذا هو الظاهر من قولهم بالفناء- ففيه: أنّ هذا في الحقيقة إشكال على استعمال اللفظ في أكثر من معنىً واحد، و سيظهر لك جلياً في الأمر التالي إمكانه، و أنّى له و للوضع لأكثر من معنىً واحد؟! ضرورة أنّ الوضع- كما تقدّم- هو جعل اللفظ قبال المعنى و علامة له، لا إفناء اللفظ في المعنى.

13

و لا يعقل الإفناء في ناحية الوضع؛ بداهة أنّ الواضع عند وضعه اللفظ للمعنى لا بدّ و أن يلاحظ كلًاّ من اللفظ و المعنى‏ مستقلًاّ، و منحازاً كلًاّ منهما عن الآخر، ثمّ يجعل اللفظ علامة للمعنى، و هذا المعنى غير حاصل فيما لو كان اللفظ فانياً في المعنى؛ ضرورة أنّه لم يلحظ الفاني إلّا مرآةً و تبعاً للمعنى.

فظهر: أنّ الواضع بوضعه- مع قطع النظر عن الاستعمال- لا يمكنه إفناء اللفظ في المعنى، و بلحاظ استعمال المستعملين اللاحق للوضع؛ حيث إنّه بمنزلة ملاحظة الشرط الخارج عن متن العقد لا يجب اتّباعه، كما لا يخفى.

مضافاً إلى أنّه سيمرّ بك: أنّ الاستعمال لا يكون إفناء اللفظ في المعنى؛ خصوصاً في أوائل الاستعمالات بعد الوضع.

نعم، قد توجب كثرة الاستعمال و انس الذهن غفلة الشخص عن اللفظ و توجّهه إلى المعنى، و هذا غير إفناء اللفظ في المعنى، كما لا يخفى.

و بما ذكرنا تظهر: المناقشة في جواب المحقّق العراقي (قدس سره)؛ فإنّه لم يكن باب الاستعمال باب إفناء اللفظ في المعنى، بل لو كثرت الاستعمالات توجب ذلك غفلة المستعمل عن اللفظ، و قد أشرنا أنّه غير الفناء، فتدبّر.

الوجه الثاني: أنّ الوضع عبارة عن جعل الملازمة الذهنية بين اللفظ و المعنى‏ أو ما يستلزمها؛ فإذن بوضع اللفظ لمعنيين يوقع ملازمتين مستقلّتين:

إحداهما ملازمة بين اللفظ و معنىً.

و الاخرى‏ ملازمة اخرى بين ذلك اللفظ و معنىً آخر.

فعليه: لو تصوّر ذلك اللفظ يلزم انتقالان مستقلّان، و حضور المعنيين دفعةً واحدةً في الذهن، و هو محال‏ (1).

____________

(1)- انظر تشريح الاصول: 47/ السطر 19.

14

و فيه أوّلًا: أنّ غاية ما يقتضيه وضع اللفظ لمعنىً هو جعل اللفظ قبال المعنى و علامةً له، و لم يكن هناك من الملازمة عين و لا أثر.

و ثانياً: أنّه لو سلّم ذلك، و أنّ الواضع بوضعه اللفظ للمعنى يوقع ملازمة ذهنية بينهما فنقول: مرادكم بعدم إمكان حضور المعنيين إن كان عدم إمكان تصوّر معنيين أو أكثر دفعةً واحدةً فالحقّ- كما يتّضح في الأمر التالي- عدم امتناعه.

و إن كان أنّه بعد الوضع لا بدّ و أن يوجد كلّ من المعنيين مستقلًاّ بدون الآخر كما كانا حال الوضع.

ففيه: أنّ معنى استقلال المعنى هو أن لا يكون معناه مرتبطاً بالآخر، و هذا لا ينافي حصول المعنى الآخر مقارناً لحصوله.

و بالجملة: فرق بين الاستقلال و الانحصار، و الأوّل لا ينافي حضور المعنى الآخر مقارناً له بخلاف الثاني، و هو أوّل الكلام، فتدبّر.

و الحاصل: أنّه لم يقم دليل على كون الاستقلال بمعنى‏ عدم وجود انتقال آخر معه- الذي هو معنى الانحصار- بل معناه أنّ معناه لم يكن مرتبطاً بالمعنى الآخر؛ فلا ينافي حصول المعنى الآخر مقارناً لحصوله.

مضافاً إلى أنّ مرجع هذا الإشكال إلى عدم جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنىً واحد، و هذا غير الوضع للكثير الذي نحن بصدد إثبات إمكانه فعلًا؛ لأنّ غاية ما يقتضيه ذلك هي صيرورة اللفظ مجملًا.

فظهر ممّا ذكر: أنّه لا محذور عقلًا في الاشتراك.

و لكن ربّما يظهر من بعضهم‏ (1): أنّ الاشتراك واجب، بلحاظ أنّ الألفاظ

____________

(1)- انظر كفاية الاصول: 52، بدائع الأفكار 1: 145.

15

و التراكيب المؤلّفة منها متناهية؛ لتركّبها من الحروف الهجاء، و هي متناهٍ، و المركّب من المتناهي متناهٍ. و أمّا المعاني فغير متناهية، و الحاجة ماسّة إلى‏ تفهيم المعاني جميعاً بالألفاظ؛ فلا بدّ من الاشتراك لئلّا يبقى معنىً بلا لفظ دالٍّ عليه‏ (1)

. و فيه: أنّه إن اريد من عدم التناهي معناه الحقيقي فيرد عليه:

أوّلًا: أنّه لا معنى لعدم تناهيها في نفس الأمر، كما لا يخفى‏ (2)

. و ثانياً: لو سلّم عدم تناهي المعاني في نفس الأمر و إمكان صدور الوضع لها من اللَّه تعالى‏ غير المتناهي فنقول: بعدم الحاجة إلى‏ تفهيمها جميعاً؛ لأنّ الحاجة إلى‏ تفهيمهم ما يتعلّق بأغراضهم متناهية (3)

. و إن اريد بعدم التناهي: معناه العرفي- و هو الكثير كما هو الظاهر- فنمنع كون الألفاظ من المعاني و الطبائع الكلّية كذلك.

نعم بالنسبة إلى المعاني الجزئية، كانت المعاني كثيرة بالنسبة إلى الألفاظ؛ و لذا يوجد الاشتراك في الأعلام الشخصية.

فتحصّل ممّا ذكر: أنّه لا دليل على امتناع الاشتراك، كما لا دليل على وجوبه.

فالحقّ إمكان الاشتراك.

____________

(1)- قلت: و ربّما يضاف على ذلك بأنّه لو قلنا بتناهي المعاني و لكنّها كثيرة تزيد على الألفاظ و تراكيبها بكثير، فلا بدّ من الاشتراك [المقرّر حفظه اللَّه‏].

(2)- قلت: و بعبارة اخرى‏- كما افيد- أنّ وضع الألفاظ بإزاء المعاني غير المتناهية غير معقول؛ لاستلزامه أوضاعاً غير متناهية، و صدورها من واضع متناهٍ محال [المقرّر حفظه اللَّه‏].

(3)- قلت: و بالجملة- كما افيد- إن أمكن ذلك منه تعالى و لكن المقدار الواقع منه تعالى‏ في الخارج بالمقدار الممكن؛ لأنّ الوضع إنّما يكون بمقدار الحاجة إلى الاستعمال، و هو متناهٍ؛ فالزائد عليه لغو لا يصدر من الواضع الحكيم [المقرّر حفظه اللَّه‏].

16

الجهة الثانية: في وقوع الاشتراك‏

لا ينبغي الإشكال في وقوع الاشتراك، و هو من الوضوح بمكان لا يستريب فيه أحد؛ لما ترى‏ من وجود ألفاظ مشتركة في اللغات الحية العالمية؛ خصوصاً في لغة العرب، التي هي المقصد الأسنى و الغاية القصوى من هذه المباحث. و لعلّه لوضوح الأمر لم يتعرّض سماحة الاستاذ- دام ظلّه- لهذه الجهة.

الجهة الثالثة: في كيفية وقوع الاشتراك و منشأ حصوله‏

و يظهر فيها سرّ وقوع الترادف.

قد يشكل في وقوع الاشتراك و الترادف في اللغة: بأنّه لأيّ سببٍ وضعت لفظة «العين» مثلًا لسبعين معنىً، و لم توضع لفظة اخرى‏ إلّا لمعنىً واحد، مع أنّ دلالة الألفاظ لم تكن ذاتية؟ و لأيّ سببٍ وضعت للأسد أو الجَمَل- مثلًا- ألفاظ كثيرة، و لم توضع للإنسان، مع أنّه أشرف المخلوقات؟ و الاعتبار يساعد وضع ألفاظ كثيرة لما يكون أشرف.

و الذي أظنّه في ذلك: هو أنّ الامم- و منهم الأعراب مثلًا- كانوا في ابتداء الأمر طوائف و قبائل منتشرة في فسيح الأرض لم ترتبط إحداها بالأُخرى‏، فلم تكونوا مرءوسي رئيس واحد و مطاع أمير فارد، بل كانوا ملوكاً و طوائف متعدّدين، و كان لكلّ طائفة و قبيلة واضع أو واضعون تخصّها. فوضع كلّ طائفة ألفاظاً لمعاني بمقدار احتياجاتها إلى‏ تفهيمها و تفهّمها؛ قلّةً و كثرةً.

ثمّ بعد لحوق الطوائف بعضها ببعض، و مقهورية طائفة و قاهرية الاخرى،

17

و اختلاط بعضها ببعضٍ مدى الأعوام و القرون، بل لحوق غير الأعراب بهم و اختلاطهم و امتزاجهم معهم اورثت وقوع ألفاظ متعدّدة لمعنىً واحد، أو لفظة واحدة لمعاني متعدّدة.

و يحتمل وجه آخر لحدوث الاشتراك: و هو أنّ لفظة واحدة قد وضعت لمعنىً واحد، و لكنّه استعملت- مجازاً- في غير ما وضعت له؛ لعلاقة بينهما أو مناسبة طبيعي حاكمة بينهما، و استعملت فيها كثيراً إلى أن وصلت حدّ الحقيقة؛ فحصل الاشتراك.

و يمكن تقريب هذا الوجه بنحوٍ لحصول الترادف أيضاً، كما لا يخفى.

و الحاصل: أنّ وقوع الاشتراك و الترادف إمّا لاختلاط الطوائف و امتزاج بعضها ببعض، أو لكون الاستعمال في ابتداء الأمر مجازياً إلى أن صار حقيقيّاً، أو لكلا الأمرين‏ (1).

____________

(1)- قلت: و قريب ممّا أفاده سماحة الاستاذ- دام ظلّه- ما في «أجود التقريرات»؛ حيث قال: إنّه يظهر من بعض المؤرّخين: أنّهما- أي الاشتراك و الترادف- حدثا من خلط بعض اللغات ببعض. مثلًا كان يعبّر عن معنىً في لغة الحجاز بلفظٍ، و يعبّر عن ذلك المعنى في لغة العراق بلفظٍ آخر، و بذلك اللفظ عن معنىً آخر، و من جمعهما أخيراً و جعل الكلّ لغة واحدة حدث الاشتراك و الترادف، انتهى (أ). [المقرّر حفظه اللَّه‏].

-

أ- أجود التقريرات 1: 51.

18

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

19

الأمر الثالث عشر استعمال اللفظ في أكثر من معنىً واحد (1)

الحقّ: جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنىً واحد.

و لكن ذهب جماعة إلى امتناعه عقلًا (2)، كما ذهب بعضهم إلى امتناعه بحسب القواعد الأدبية (3)

. و ليعلم: أنّ محلّ البحث و ما ينبغي أن يكون مورداً للنقض و الإبرام- كما أشار إليه المحقّق الخراساني (قدس سره)(4)- هو أن يستعمل اللفظ و يراد به كلّ من المعنيين أو المعاني مستقلًاّ و منفرداً؛ بحيث يكون كلّ من المعنيين أو المعاني متعلّقاً للنفي أو الإثبات بحياله.

فاستعمال اللفظ في الجامع القابل للانطباق على أفراد متكثّرة، أو في المركّب ذي أجزاء- نظير العامّ المجموعي- خارج عن محلّ البحث.

____________

(1)- كان تاريخ الشروع في هذا الأمر يوم 23 رجب 1378 ه. ق.

(2)- كفاية الاصول: 53، حاشية كفاية الاصول، المشكيني 1: 207، نهاية الدراية 1: 152.

(3)- معالم الدين: 33، قوانين الاصول 1: 67/ السطر 23.

(4)- راجع كفاية الاصول: 53.

20

و لا يخفى: أنّ عدم جواز استعمال اللفظ في الأكثر- نظراً إلى اعتبار الوحدة في المعنى الموضوع له، أو كون الوضع تحقّق في حال الوحدة و استعمال اللفظ في الأكثر استعمال له في غير ما وضع له، أو في خلاف ما هو المعهود من الوضع- ممّا لا يعتنى به؛ لما تقرّر في محلّه: أنّه لا دليل على اعتبار الواضع قيد الوحدة في المعنى الموضوع له، كما لا دليل على أنّ تحقّق الوضع حال وحدة المعنى لا يمنع عن استعماله في الأكثر.

و عمدة ما يمكن أن يناقش في الجواز: هو الإشكال العقلي الذي أشار إليه المحقّق الخراساني (قدس سره) و غيره:

حاصله: أنّ الاستعمال ليس مجرّد جعل اللفظ علامة لإرادة المعنى، بل عبارة عن إفناء المستعمِل اللفظ في المعنى؛ بحيث يكون اللفظ عنواناً للمعنى، بل بوجهٍ نفسه؛ و لذا يسري قبح المعنى و حسنه إلى اللفظ، كما لا يخفى.

فإذا كان اللفظ وجهاً و فانياً في معنىً لا يمكن أن يكون فانياً في معنىً آخر في نفس الوقت؛ لاستلزام ذلك إلى‏ جمع اللحاظين في زمان واحد، و لا يكاد يمكن أن يكون في استعمال واحد أن يلاحظ لفظ واحد وجهاً لمعنيين و فانياً في اثنين إلّا أن يكون اللاحظ أحول العينين‏ (1)

. و يمكن تقريب الإشكال بوجوه، و إن كان بعضها لا يساعد ظاهر هذا الكلام:

التقريب الأوّل- و لعلّه الظاهر من هذا الكلام- و هو: أنّ الاستعمال جعل اللفظ فانياً في المعنى، ففي استعمال اللفظ في المعنى يلاحظ اللفظ تبعاً لملاحظة المعنى الملحوظ مستقلًاّ. فلو جاز استعمال اللفظ في أكثر من معنىً واحد يلزم اجتماع اللحاظين التبعيين، و هما- كلحاظ الأمرين المستقلّين- محال.

التقريب الثاني: هو أنّه لا بدّ في استعمال اللفظ في المعنى أن يلاحظ كلّ من‏

____________

(1)- كفاية الاصول: 53.

21

اللفظ و المعنى‏، غاية الأمر يلاحظ اللفظ آلةً لملاحظة المعنى، و المعنى‏ ملحوظ مستقلًاّ.

فلو استعمل لفظ واحد في معنيين يلزم لحاظ اللفظ مرّتين؛ فيجتمع اللحاظان في زمان واحد.

و الفرق بين التقريبين واضح؛ فإنّ لحاظ اللفظ تبعاً لملاحظة المعنى عبارة عن اندكاك لحاظه في لحاظ المعنى، و هذا بخلاف لحاظ اللفظ آلةً لملاحظة المعنى؛ فإنّه يلحظ اللفظ مستقلًاّ، كما يلحظ المعنى، غايته: أنّ لحاظه آلة و واسطة للحاظ المعنى.

و كيف كان: وجه استحالة الجمع بين اللحاظين هو أنّ الملحوظ بالذات في الذهن قبل الاستعمال هو المعنى، و بعد تصوّر المعنيين فالملحوظ بالذات اللفظ بوجوده الذهني.

و الملحوظ بالذات يتشخّص باللحاظ، كما أنّ اللحاظ يتعيّن بالملحوظ. نظير ما في الخارج؛ فإنّ الماهية في الخارج تتشخّص بالوجود حقيقةً، و الوجود يتعيّن بالماهية عرضاً.

و بالجملة: وزان الماهية الذهنية وزان الماهية الخارجية؛ فكما أنّ الماهية الخارجية تتشخّص بالوجود فكذلك الماهية الذهنية تتشخّص باللحاظ. فنفس اللحاظ توجد الشي‏ء في الذهن، لا أنّ هناك شيئاً تعلّق به اللحاظ، فإذا اجتمع لحاظان في شي‏ء واحد يلزم أن يكون شي‏ء واحد شيئين.

هذا في المعلوم بالذات.

و كذلك بالنسبة إلى المعلوم بالعرض؛ و ذلك لأنّ المعلوم بالعرض تابع للمعلوم بالذات في الانكشاف؛ فيلزم أن يكون الموجود الخارجي منكشفاً بانكشافين:

أحدهما بلحاظٍ، و الآخر بلحاظٍ آخر في آنٍ واحد، و هو محال.

التقريب الثالث: هو أنّ استعمال اللفظ في المعنى إفناؤه فيه؛ فلو أفنى اللفظ في معنيين يلزم أن يكون شي‏ء واحد موجوداً بوجودين.

22

و بعبارة اخرى‏: استعمال اللفظ في المعنى هو إفناؤه بتمامه في المعنى؛ فلو استعمل في معنيين يلزم إفناؤه بتمامه في آنٍ واحد في معنيين، و هو غير معقول.

التقريب الرابع: هو أنّ اللفظ وجود تنزيلي للمعنى و لذا يقال: إنّ للشي‏ء وجودات: 1- وجود عيني 2- وجود ذهني 3- وجود كتبي 4- وجود لفظي فلو استعمل اللفظ في معنيين- مثلًا- يلزم أن يكون لفظ واحد وجوداً تنزيلياً لاثنين؛ فكما لا يعقل لشي‏ء واحد وجودين خارجيين فكذلك ما هو منزّل بمنزلته.

و لكن الإشكال- بتقاريره الأربعة- غير وجيه؛ لأنّه لم يكن للاستعمال ذلك المقام. و حديث فناء اللفظ في المعنى أجنبي عن باب الاستعمال؛ لأنّ الاستعمال جعل اللفظ علامة للمعنى، و المتلفّظ بلفظٍ يتوجّه إليه؛ توجّهاً تامّاً، كما يكون متوجّهاً إلى المعنى كذلك.

نعم، قد توجب كثرة الاستعمال و الممارسة الغفلة عن اللفظ و عدم الالتفات إليه حين التلفّظ به؛ و لذا قد يعدّ بعض الألفاظ قبيحاً أو حسناً، و هذا غير الفناء.

و إلّا لو كان ذلك لأجل السراية و فناء اللفظ في المعنى ينبغي أن يسري كلّ ما للمسمّى إلى اللفظ؛ مثلًا لا بدّ و أن تسري نجاسة العذرة أو الكلب و الخنزير و قذارتها إلى ألفاظها، و هو كما ترى‏.

و بالجملة: الاستعمال لم يكن إفناء اللفظ في المعنى حتّى تلزم تلك المحاذير المتوهّمة، بل حين الاستعمال يكون اللفظ و المعنى‏ ملحوظين؛ خصوصاً في ابتداء تعلّم لغة و تمرّنها، و هو من الوضوح بمكان. فيجعل اللفظ علامة لمعنىً و كاشفاً عنه؛ بسبب وضع الواضع اللفظ للمعنى، أو كثرة استعمال اللفظ في معنىً، و من الواضح إمكان جعل شي‏ء علامة لأشياء متعدّدة.

فإذن: لا يجتمع اللحاظان؛ لا من جانب المتكلّم، و لا من جانب المخاطب:

23

أمّا من جانب المتكلّم؛ فلأنّه يرتّب المعاني في ذهنه أوّلًا، ثمّ ينتقل منها إلى الألفاظ، فيعبّر عن مقصوده بالألفاظ.

و أمّا من جانب المخاطب: فهو بعكس المتكلّم؛ فهو يتوجّه أوّلًا إلى الألفاظ، ثمّ إلى المعاني. فإذا كان للفظ واحد معنيان فالانتقال من كلّ من المعنيين إلى اللفظ نظير الانتقال من لازمين إلى ملزوم واحد، كالحرارة و الضوء بالنسبة إلى الشمس؛ فكما أنّه تارة ينتقل من ملاحظة كلّ من اللازمين مع الغفلة عن الآخر إلى الملزوم، فكذلك فيما نحن فيه قد ينتقل المتكلّم من ملاحظة معنىً إلى اللفظ كما ربّما ينتقل من ملاحظة المعنيين إلى اللفظ.

هذا حال الانتقال من المعنى إلى اللفظ.

و كذا الانتقال من اللفظ إلى المعنى، نظير الانتقال من الملزوم إلى اللازم؛ فكما أنّه ينتقل تارة من ملزوم إلى لازم واحد، و اخرى منه إلى لازميه، فكذلك ينتقل المخاطب من اللفظ تارة إلى معنىً واحد، و اخرى‏ ينتقل منه إلى معنييه دفعة واحدة.

فبعد ما أحطت خبراً بما ذكرنا: ظهر لك الخلل في التقريبين الأوّليين، بل يظهر لك الخلل في التقريب الثالث أيضاً؛ لأنّ الاستعمال- كما أشرنا- هو إلقاء اللفظ و إرادة المعنى، لا إفناؤه فيه.

و بعبارة اخرى: الاستعمال طلب عمل اللفظ لإفهام المعنى، و من الممكن ذكر لفظ و إرادة معنيين، أو إفهام معنيين.

و أمّا التقريب الرابع: فهو أشبه بالخطابة من البرهان؛ لأنّه إن اريد بذلك:

أنّ اللفظ وجود تنزيلي للمعنى غير كون اللفظ موضوعاً للمعنى فلا نسلّمه؛ بداهة أنّه أنّى للفظ «زيد» و أن يكون وجوداً تنزيلياً للمسمّى بزيد؟! و بينهما من المباينة ما لا يخفى‏.

24

و إن اريد بذلك: أنّ اللفظ بعد وضعه للمعنى يحكي عنه فواضح أنّه لا يمتنع أن يحكي لفظ واحد عن معنيين، و لو لا ذلك لامتنع وضع اللفظ للأكثر من معنىً واحد، و قد فرغنا عن إمكانه و وقوعه.

فتحصّل ممّا ذكرنا كلّه: أنّ الوجدان حاكم بعدم محذور عقلي في استعمال اللفظ في أكثر من معنىً واحد. مضافاً إلى وقوع ذلك في كلمات الادباء و الشعراء.

إذا أحطت خبراً بما ذكرنا: يظهر لك الضعف في التفصيل الذي ذكره المحقّق العراقي (قدس سره)؛ و هو عدم جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنىً بحسب القواعد الأدبية لو كان كلّ من المعنيين أو المعاني ملحوظاً بلحاظ خاصّ به، و الجواز لو كان المعنيين أو المعاني ملحوظاً بلحاظ واحد؛ بحيث يكون اللفظ حاكياً عن مفهومين ملحوظين بلحاظ واحد (1)، انتهى.

و هو من عجيب القول في المسألة و خروج عن موضوع البحث، فلا ينبغي التعرّض لردّه بعد ما أشرنا، و قد أشرنا بوقوع استعمال اللفظ في الأكثر في كلمات الشعراء و البلغاء.

فالحقّ- كما أشرنا إليه- جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنىً واحد مطلقاً.

____________

(1)- انظر بدائع الأفكار 1: 146 و 150.

25

الأمر الرابع عشر في المشتق‏ (1)

اختلفوا في أنّ المشتقّ حقيقة في خصوص المتلبّس بالمبدإ في الحال، أو الأعمّ منه و ممّا انقضى عنه المبدأ. و أمّا بالنسبة إلى ما يتلبّس بعد في المستقبل فاتّفقوا على مجازيته.

تحقيق الكلام فيه يستدعي التكلّم في جهات:

الجهة الاولى: في أنّ النزاع في هذه المسألة لغوية

الظاهر: أنّ النزاع في كون المشتقّ حقيقة في خصوص المتلبّس بالمبدإ أو الأعمّ منه و ممّا انقضى عنه نزاع في أمر لغوي، لا في أمر عقلي؛ أعني أنّ النزاع في أنّ الموضوع له للفظ المشتقّ هو معنىً لا ينطبق إلّا على‏ خصوص المتلبّس فعلًا أو على الأعمّ منه و ممّا انقضى عنه، لا في عدم معقولية صدق المشتقّ إلّا على من تلبّس بالمبدإ، أو على الأعمّ منه و ممّا انقضى عنه؛ بداهة أنّه لا يكاد

____________

(1)- كان تاريخ الشروع في هذا الأمر 25 رجب 1378 ه. ق.

26

يعقل صدق عنوان المشتقّ عقلًا على الفاقد للمبدإ بعد ما كان واجداً له.

و أمّا إذا كان البحث لفظياً فللنزاع فيه مجال، بلحاظ أنّ للواضع تحديد حدود الموضوع له سعةً و ضيقاً؛ فله الوضع لخصوص المتلبّس بالمبدإ، أو للأعمّ منه و ممّا انقضى عنه.

و لكن يظهر من المحقّق النائيني (قدس سره): أنّ النزاع فيه في أمر عقلي؛ لأنّه قال في الأمر الأوّل ما حاصله: إنّ السرّ في اتّفاقهم على المجازية في المستقبل و الاختلاف فيما انقضى عنه: هو أنّ المشتقّ لمّا كان عنواناً متولّداً من قيام العرض بموضوعه- من دون أن يكون الزمان مأخوذاً في حقيقته- أمكن النزاع و الاختلاف فيما انقضى عنه، دون من يتلبّس بعد؛ لتولّد عنوان المشتقّ في الأوّل؛ لمكان قيام العرض بمحلّه في الزمان الماضي. فيمكن أن يقال فيما تولّد عنوان المشتقّ: إنّ حدوث التولّد في الجملة- و لو فيما مضى- يكفي في صدق العنوان على وجه الحقيقة. كما يمكن أن يقال ببقاء التولّد في الحال في صدق العنوان على وجه الحقيقة، و لا يكفي حدوثه مع انقضائه.

و أمّا فيما لم يتلبّس بعد: فحيث إنّه لم يتولّد له عنوان المشتقّ- لعدم قيام العرض بمحلّه- فلا مجال للنزاع في أنّه على نحو الحقيقة، بل لا بدّ و أن يكون على وجه المجاز بعلاقة الأول و المشارفة (1)

. و يظهر منه (قدس سره) أيضاً: كون النزاع في أمر عقلي في الأمر الثاني؛ حيث تشبّث باختصاص النزاع بالعناوين العرضية المتولّدة من قيام أحد المقولات بمحالّها، و خروج العناوين التي تتقوّم به الذات، و ما به قوام شيئيته بالصورة النوعية، و أنّ إنسانية الإنسان- مثلًا- بالصورة النوعية، و لا يكاد يصدق على ما لا يكون متلبّساً بالإنسانية فعلًا (2)، فلاحظ.

____________

(1)- فوائد الاصول 1: 82.

(2)- نفس المصدر: 83.

27

و كيف كان: لا سبيل إلى كون النزاع في المشتقّ في أمر عقلي؛ و ذلك لأنّ صدق العنوان و عدمه عقلًا دائر مدار اشتماله على المبدأ و عدمه، و لا يعقل صدقه على الفاقد في الواقع و نفس الأمر؛ بداهة أنّ الاتّصاف بصفة كالعالمية- مثلًا إنّما هو لمن وجد صفة العلم، و أمّا من لم يكن متّصفاً بالعلم- سواء كان متّصفاً به فيما مضى، أو لم يتلبّس به بعد، و يتلبّس به في المستقبل- فلا يتّصف بصفة العلم عقلًا.

فاشترك كلّ ما انقضى عنه و ما يتلبّس بعد في عدم معقولية الصدق. هذا على تقدير كون البحث عقلياً.

و أمّا على كون البحث لفظياً: فللواضع تحديد دائرة الموضوع سعةً و ضيقاً، فكما يمكنه وضع المشتقّ للمتلبّس بالمبدإ فعلًا أو للأعمّ منه و ممّا انقضى عنه، يمكنه الوضع للأعمّ منهما و ما يتلبّس بعد.

و سرّ عدم نزاعهم و اتّفاقهم في عدم الوضع للأخير لأجل أنّهم علموا أنّ المشتقّ لم يوضع لما يتلبّس بالمبدإ في المستقبل، لا لأجل عدم الاتّصاف به واقعاً، و إلّا لا بدّ و أن لا يتّصف واقعاً بالمبدإ ما انقضى عنه المبدأ؛ ضرورة أنّ الاتّصاف بحسب الواقع دائر مدار واجدية المبدأ فعلًا، و من لم يكن واجداً له- سواء كان متلبّساً به و انقضى عنه، أو يتلبّس به بعد- لا يعقل الاتّصاف به.

و لعلّ سرّ عدم نزاعهم بالنسبة إلى ما يتلبّس بعد و نزاعهم بالنسبة إلى‏ ما انقضى هو إمكان انقداح الصدق بالنسبة إلى‏ ما انقضى عنه؛ و لذا قد يصدق المشتقّ- و لو انقضى عنه المبدأ- فيما لو كان ذا ملكة فانقضى عنه؛ فصار محلّا للبحث. و أمّا بالنسبة إلى‏ ما يتلبّس بعد فلم ينقدح في ذهن، و لا يقبله الذوق السليم أصلًا، كما لا يخفى.

و لعلّ ما ذكرنا هو مراد المحقّق النائيني (قدس سره)، و إن كانت عباراته قاصرة عن إفادته، و اللَّه العالم.

28

ذكر و تعقيب‏

إذا أحطت خبراً بما تلونا عليك- من كون البحث في المشتقّ في أمر لغوي لفظي، لا في أمر عقلي- تعرف النظر فيما يظهر من العلّامة المدقّق الطهراني صاحب «المحجّة» (قدس سره)؛ فإنّه- على ما حكى عنه المحقّق الأصفهاني (قدس سره)- قال:

«إنّ وجه الخلاف في أنّ المشتقّ حقيقة في خصوص ما تلبّس بالمبدإ أو في الأعمّ- مع عدم الاختلاف في المفهوم و المعنى‏- هو الاختلاف في الحمل:

فإنّ القائل بعدم صحّة الإطلاق على ما انقضى عنه المبدأ يرى وحدة سنخ الحمل في المشتقّات و الجوامد.

فكما لا يصحّ إطلاق الماء على الهواء، بعد ما كان ماء و زالت عنه صورة المائية فانقلبت هواء، كذلك لا يصحّ إطلاق المشتقّ على ما زال عنه المبدأ بعد تلبّسه به؛ فإنّ المعنى الانتزاعي تابع لمنشإ انتزاعه حدوثاً و بقاءً، و المنشإ مفقود بعد الانقضاء، و الانتزاع بدونه على حدّ المعلول بلا علّة.

و القائل بصحّة الإطلاق يدّعي تفاوت الحملين فإنّ الحمل في الجوامد حمل هو هو؛ فلا يصحّ أن يقال للهواء: إنّه ماء. و الحمل الاشتقاقي حمل ذي هو و حمل الانتساب، و يكفي في النسبة مجرّد الخروج من العدم إلى الوجود؛ فيصحّ الحمل على المتلبّس و على من انقضى عنه، دون ما لم يتلبّس» (1) انتهى.

فإنّ ظاهر كلامه (قدس سره) هذا يعطي كون النزاع في مسألة المشتقّ في أمر عقلي؛ خصوصاً قوله (قدس سره): «و الانتزاع بدونه على حدّ المعلول بلا علّة ...» إلى آخره؛ حيث تشبّث لإثبات مرامه بأمر عقلي؛ فإنّه لا يلائم لفظية البحث‏

____________

(1)- نهاية الدراية 1: 164- 165.

29

كما لا يخفى. فإن أمكن إرجاع مقالته- بوجه- إلى‏ ما ذكرنا فبها.

فظهر و تحقّق: أنّ الظاهر أنّ النزاع في المشتقّ لغوي و في أمر لفظي و هو أنّ زِنَة المشتقّ هل وضعت للمتلبّس بالمبدإ فعلًا أو للأعمّ منه و ما انقضى عنه أو للأعمّ منهما و ما يتلبّس بعد؟ و لا يكون النزاع في أمر عقلي حتّى يتشبّث بأُمور عقلية، فتدبّر.

الجهة الثانية في تعيين محلّ النزاع من العناوين‏

إنّ العناوين الجارية على الذوات و المحمولة عليها على أقسام:

منها: ما يكون عنواناً مأخوذاً من الذات؛ بحيث لا يحتاج انتزاعه عنها إلى لحاظ أمر وجودي أو عدمي، بل ذاته بذاته يكفي للانتزاع، كعنوان الحيوان و الإنسان و الناطق و انتزاع مفهوم الوجود عن نفس الوجود الخارجي.

و بعبارة اخرى: العنوان الذي ينتزع من حاقّ الذات من غير دخالة شي‏ء أصلًا؛ سواء كان الخارج مصداقاً ذاتياً له كالأجناس و الأنواع و الفصول، أو كالمصداق الذاتي له كما في انتزاع الوجود عن الموجود الخارجي.

و منها: ما لا بدّ في انتزاعه من لحاظ أمر وجودي- سواء كان حقيقياً أو اعتبارياً أو انتزاعياً- أو أمر عدمي.

و الأوّل: كانتزاع عنوان العالم و الأبيض- مثلًا- من زيد؛ فإنّه بملاحظة مبدئهما- و هو العلم و البياض- فيه، و هما أمران حقيقيان.

و الثاني: كانتزاع الملكية و الرقّية و الزوجية و نحوها من الامور الاعتبارية التي لا وجود لها إلّا في وعاء الاعتبار من محالّها.

و الثالث: كانتزاع الإمكان من الماهيات الممكنة، بناءً على أنّ المراد بالإمكان تساويها بالنسبة إلى الوجود و العدم، و إن اريد بالإمكان سلب ضرورة الطرفين عن‏

30

الماهية- سلباً تحصيلياً- فيكون الإمكان مثالًا لما يكون بواسطة أمر عدمي، و نظيره الأعمى و الامّي.

و منها: ما يكون من العناوين الاشتقاقية كالناطق و الممكن و الموجود، و قد لا يكون كذلك بل من الجوامد كالإنسان و الماء و الهواء و النار و الزوج.

و منها: ما يكون ملازماً للذات؛ إمّا في الخارج و الذهن أو في أحدهما، و قد لا يكون كذلك كالأعراض المقارنة.

و منها: غير ذلك من الأقسام التي لا يهمّ ذكرها.

و بالجملة: العناوين الاشتقاقية لا تخلو:

إمّا أن تكون لوازم الذات كعنوان العالم بالنسبة إلى ذاته تعالى،

أو لازم له في بعض الأحيان كعنوان العالم بالنسبة إلى‏ غيره تعالى‏،

أو لا ينفكّ العنوان عن المصاديق أصلًا كالممكن؛ فإنّه لا يمكن إزالة صفة الإمكان من المصاديق الخارجية أصلًا.

عدم دخول العناوين المنتزعة عن مقام الذات في محلّ البحث‏

و كيف كان: فهل جميع هذه العناوين داخلة في محلّ النزاع أو بعضها؟ و على الثاني أيّ البعض منها محلّ النزاع؟

قالوا: إنّ العناوين غير الاشتقاقية المنتزعة عن مقام الذات و الذاتيات الصادقة على الذوات بذاتها لا بلحاظ أمر- كعنوان الإنسان أو الماء أو النار أو الحجر إلى‏ غير ذلك- خارجة عن حريم النزاع، و هو كذلك.

و الكلام في وجه خروجها:

يظهر من المحقّق النائيني (قدس سره): أنّ وجه خروجها لأمر عقلي؛ حيث قال: إنّ إنسانية الإنسان- مثلًا- ليست بالتراب، بل إنّما تكون بالصورة النوعية التي بها يمتاز

31

الإنسان عن غيره، بل التراب لم يكن إنساناً في حال من الأحوال؛ حتّى في حال تولّد الإنسان منه، فضلًا عن حال عدم التولّد؛ فلا يمكن أن يقال الإنسان لما انقضى عنه.

و بالجملة: حال كون الإنسان إنساناً لم يكن إنسانيته بالتراب- الذي هو أحد عناصره- بل إنسانيته إنّما هي بالصورة النوعية. فإذا لم يكن التراب حال كونه عنصر الإنسان ممّا يصحّ إطلاق اسم الإنسان عليه فكيف يصحّ إطلاق اسم الإنسان عليه في غير ذلك الحال‏ (1)

؟! و ظاهر كلامه (قدس سره) يعطي بعدم صدق العناوين الذاتية على ما انقضى عنه؛ لا حقيقة و لا مجازاً، بخلاف العناوين الاشتقاقية العرضية كالضارب؛ فيمكن صدقه عليه بلحاظ ما انقضى عنه؛ لأنّ المتّصف به هو الذات، و هو باقٍ بعد انتفاء وصفه.

و بالجملة: يظهر من كلامه- حيث تشبّث بالصور النوعية- كون النزاع عنده في العناوين الذاتية إلى أمر عقلي؛ بداهة أنّه لو كان النزاع عنده في أمر لغوي فيمكن أن يقال بوضعها للأعمّ، كما صحّ أن يقال بوضعها لخصوص المتلبّس بالعنوان؛ لأنّ عنان الوضع بيد الواضع سعةً و ضيقاً؛ لعدم دوران التسمية مدار الهوية.

مثلًا كما يصحّ أن يقال: إنّ اسم «الكلب» موضوع لخصوص ما يكون واجداً لصورة الكلبية فعلًا، فكذلك يصحّ أن يقال: إنّه موضوع للأعمّ منه و ما استحال منه إليه و صار ملحاً.

و كيف كان: الحقّ- كما أشرنا إليه آنفاً- أنّ النزاع في أمر لغوي، و لا وجه للتمسّك بذيل المطالب العقلية في تحكيم المعاني اللغوية؛ بأنّ شيئية الشي‏ء بصورتها النوعية، و أنّ فعلية الشي‏ء بصورته لا بمادّته.

و الدليل القويم لإخراج العناوين الذاتية عن محلّ البحث هو التبادر، و هو أصدق شاهدٍ بخروج تلك العناوين عن محلّ البحث.

____________

(1)- فوائد الاصول 1: 83.

32

أضف إلى‏ ذلك: أنّ انقضاء المبدأ لا يوجب مطلقاً زوال الصورة النوعية- و لو عرفاً- كما في تبدّل الخمر خلًّا؛ فإنّهما ليسا حقيقتين مختلفتين بالجنس و الفصل، بل هما متّحدان في الذاتيات متفارقان في الأوصاف عرفاً. و مثلهما الماء و الثلج؛ فإنّهما أيضاً ليسا حقيقتين متباينتين، بل الاختلاف بينهما من ناحية الوصف؛ و هو اتّصال أجزائهما و عدمه.

فظهر ممّا ذكرنا: أنّ العناوين المأخوذة من ذات الشي‏ء و ذاتياته خارجة عن محلّ البحث. و وجهه التبادر، لا التشبّثات العقلية.

دخول هيئات المشتقّات في محلّ البحث‏

و أمّا هيئات المشتقّات فهل هي داخلة في محلّ البحث مطلقاً، أو فيه تفصيل؟

وجهان، بل وجوه:

ذهب المحقّق العراقي (قدس سره) إلى أنّه لا بدّ في محلّ البحث من فرض كون الذات التي تلبّست بالمبدإ ممّا يمكن أن تبقى‏ شخصها بعد انقضاء المبدأ عنها، أو كون المبدأ ممّا ينقضي عن الذات، مع بقائها بشخصها.

ضرورة أنّ البحث لا يتمشّى في هذه المسألة إلّا مع تحقّق هذا القيد فيها؛ إذ لو كانت الذات التي يكون المشتقّ عنواناً حاكياً عنها و جارياً باعتبار تلبّسها بمبدئه باقية بشخصها ما دامت متلبّسة بالمبدإ و فانية بانقضائه، أو أنّ المبدأ الذي اشتقّ منه العنوان الجاري على الذات باقٍ ببقائها، لما أمكن النزاع في أنّ المشتقّ هل هو حقيقة في خصوص المتلبّس بمبدئه، أو في الأعمّ منه و ممّن انقضى عنه المبدأ.

و من هنا ظهر: خروج العناوين الاشتقاقية الذاتية مثل «الناطق» و «الضاحك» عن محلّ النزاع؛ لأنّ بقاء الهيولى في ضمن الصور المتواردة عليها لا يحقّق بقاء الذات التي كانت متلبّسة بالمبدإ؛ فإنّ شيئية الشي‏ء بصورته‏

33

النوعية، و مع فناء تلك الصورة لا تبقى‏ شي‏ء يشار إليه.

و بالجملة: يعتبر في دخول العناوين في محلّ البحث و خروجها عنه إمكان فرض الذات بعد انقضاء المبدأ عنها و عدمه؛ من غير فرق بين كون ذلك العنوان مشتقّاً من ذلك المبدأ حسب الاصطلاح، كعنوان العالم من العلم و القائم من القيام، أم جامداً بحسبه، كعنوان الزوج و الرقّ.

و لذا خرج عن محلّ البحث مثل «الناطق» و «الضاحك» ممّا يندرج تحت عنوان المشتقّ. و دخل فيه ما لا يندرج تحته، ك «الزوج» و «الرقّ» (1)

. و فصّل المحقّق الأصفهاني (قدس سره) بين عنوان لا يطابق له إلّا ما هو ذاتي، كالموجود و المعدوم؛ حيث إنّ مطابقهما بالذات نفس حقيقة الوجود و العدم، دون الماهية؛ فإنّها موجودة أو معدومة بالعرض.

و بين ما يكون بعض مصاديقه ذاتياً له و بعضها غير ذاتي له، كالعالم فإنّ بعض مصاديقه- كاللَّه تعالى‏- تكون ذاته بذاته و لذاته مطابقاً لصفاته بلا حيثية تعليلية و لا تقييدية. و بالنسبة إلى‏ غيره تعالى‏ لا يكون ذاتياً له‏ (2)

. فقال بخروج الأوّل عن حريم النزاع، و لا مجال للنزاع فيه؛ لأنّ مطابق‏

____________

(1)- بدائع الأفكار 1: 160.

(2)- قلت: و ليعلم أنّ هذا التفصيل منه (قدس سره) بعد أن دفع ما ذهب إليه المحقّق العراقي (قدس سره)؛ بأنّ جميع الأسماء الحُسنى و الصفات العليا الجارية عليه تعالى‏، و بعض الأوصاف الاخر كالإمكان و نحوه و إن لم يكن لها زوال عن موردها؛ فيلغوا النزاع بالنسبة إليها، إلّا أنّ المفهوم بما هو غير مختصّ بما لا زوال له؛ كي يلغوا النزاع فيصحّ النزاع باعتبار ما هو غير ذاتي له (أ). [المقرّر حفظه اللَّه‏].

-

أ- نهاية الدراية 1: 167.

34

الموجود- مثلًا- نفس حقيقة الوجود لا الماهية؛ لأنّها موجودة أو معدومة بالعرض.

بل لا يمكن النزاع فيه حتّى بالإضافة إلى الماهية؛ فإنّ الماهية إنّما توصف بالموجودية بالعرض، فما لم يكن الموجود بالذات لا موجود بالعرض، و مع ثبوته لا انقضاء هناك، فتدبّر جيّداً.

و أمّا الثاني فقال بوقوعه في محلّ البحث؛ لأنّ النزاع في المفهوم، و هو غير مختصّ بما لا زوال له؛ كي يلغوا النزاع باعتبار ما هو ذاتي له‏ (1)، انتهى محرّراً.

و يظهر من المحقّق النائيني (قدس سره) هذا التفصيل أيضاً، لاحظ «فوائد الاصول» (2) و «أجود التقريرات» (3)

. و لكن التحقيق يقتضي دخول جميع هيئات المشتقّات غير هيئة اسم الزمان في محلّ النزاع مطلقاً، من غير فرق بين كون الصفة منتزعة من نفس الذات- كالموجود من الوجود- أو لا. و سواء كان المبدأ لازماً للذات؛ بحيث ينتفي بانتفائه كالممكن، أو مقوّماً للموضوع كالوجود بالنسبة إلى الماهية، أم لا. و كذا لو كانت الصفة منتزعة من مرتبة الذات في بعض مصاديقه- كالعالم بالنسبة إلى الباري تعالى‏- أو لا.

و لا يختصّ النزاع بالذات التي تلبّست بالمبدإ ممّا يمكن أن يبقى شخصها بعد انقضاء المبدأ عنها، أو كون المبدأ ممّا ينقضي عن الذات مع بقائها بشخصها.

و السرّ في وقوع جميع الهيئات في محلّ النزاع هو أنّ النزاع في هيئة المشتقّ- أي زنة الفاعل أو المفعول أو غيرهما- نفسها في أيّ مادّة كانت، لا في الهيئة المقرونة بالمادّة حتّى يتوهّم ما ذكر.

و من الواضح أنّ وضع هيئات المشتقّات نوعي، مثلًا وضعت زنة الفاعل أو زنة

____________

(1)- نهاية الدراية 1: 166- 167.

(2)- فوائد الاصول 1: 83- 84.

(3)- أجود التقريرات 1: 53.

35

المفعول- وضعاً نوعياً- لاتّصاف خاصّ، من غير نظر إلى الموارد و خصوصيات المصاديق. فبطل القول بخروج الناطق و الممكن و ما أشبههما ممّا ليس له معنون باقٍ بعد انقضاء المبدأ عنها، أو لا يكون له انقضاء أصلًا.

و بالجملة: جميع هيئات المشتقّات يكون محلّ النزاع؛ لأنّ النزاع في وضع نوعي هيئاتها أنفسها، لا في هيئاتها المقرونة بالموادّ حتّى يتوهّم خروج مثل الناطق و الممكن و نحوهما- حيث لا يكون هناك معنون باقٍ بعد انقضاء المبدأ عنها، أو فيما لا يكون لها البقاء- عن محلّ النزاع.

فإذن يصحّ النزاع في زنة الفاعل- مثلًا- أنّها هل وضعت وضعاً نوعياً لعنوان لا ينطبق إلّا على المتلبّس بالمبدإ فعلًا، أو لما هو الأعمّ منه و ما انقضى عنه.

نعم، الموضوعات الخارجية و المصاديق على قسمين: فقد يكون العنوان و المبدأ لازم ذات جميعها أو بعضها، و قد لا يكون لازماً لها كذلك.

و لا يخفى: أنّ ذلك من الامور الطارئة على الموادّ، و قد أشرنا أنّ الموادّ خارجة عن حريم النزاع، و النزاع إنّما هو في زنة الفاعل أو المفعول أو نحوهما فقط، فتدبّر جيّداً حتّى لا يختلط لديك ما اختلط على الأعلام.

الجهة الثالثة في دخول بعض العناوين الجامدة في حريم النزاع‏

قد عرفت: أنّه لا إشكال في دخول هيئات اسم الفاعل و اسم المفعول و نحوهما من العناوين المشتقّة الجارية على الذوات بلحاظ أمر وجودي أو عدمي في حريم النزاع.

و أمّا العناوين العرضية التي لا تكون من العناوين الاشتقاقية، لكنّها منتزعة من الذات بعناية أمر حقيقي أو اعتباري أو عدمي، كالزوجية و الرقّية و نحوهما- سواء

36

كانت موضوعة بالوضع الشخصي أو النوعي، كهيئة الانتساب، كالقمي و السلماني و الحمّامي و نحوها- فيظهر منهم دخولها في محلّ النزاع أيضاً، و هو كذلك.

و قد مثّلوا لذلك بما عن فخر المحقّقين و الشيخ الشهيد 0 (1) في مسألة من كانت له زوجتان أرضعتا زوجته الصغيرة مع الدخول بإحداهما:

قال فخر المحقّقين في «إيضاح الفوائد»: «تحرم المرضعة الاولى و الصغيرة مع الدخول بإحدى الكبيرتين بالإجماع. و أمّا المرضعة الأخيرة ففي تحريمها خلاف.

و اختار والدي المصنّف‏ (2) و ابن إدريس‏ (3) تحريمها؛ لأنّ هذه يصدق عليها أنّها امّ زوجته؛ لأنّه لا يشترط في صدق المشتقّ بقاء المعنى المشتقّ منه، فكذا هنا» (4)

. و من هنا قالوا: إنّ الزوجية و نحوها داخلة في حريم النزاع.

تذنيب‏

حيث يظهر من كلام فخر المحقّقين (قدس سره): أنّ تحريم المرضعة الاولى لا يبتني على كون المشتقّ و ما يلحق به حقيقة في المتلبّس بالمبدإ، دون المرضعة الثانية، صار كلامه معركة للآراء؛ فلا بأس بعطف عنان الكلام نحوه، و تحقيق الأمر في ذلك:

يظهر من المحقّق الأصفهاني (قدس سره): أنّ وزان المرضعة الاولى وزان المرضعة الثانية ملاكاً و حكماً؛ فإنّه قال: تسليم حرمة المرضعة الاولى و الخلاف في الثانية مشكل؛ لاتّحادهما في الملاك؛ و ذلك لأنّ امومة المرضعة الاولى و بنتية المرتضعة متضايفتان متكافئتان في القوّة و الفعلية، و بنتية المرتضعة و زوجيتها متضادّتان شرعاً،

____________

(1)- مسالك الأفهام 7: 268.

(2)- قواعد الأحكام 2: 11/ السطر 22.

(3)- السرائر 2: 556.

(4)- إيضاح الفوائد في شرح القواعد 3: 52.

37

ففي مرتبة حصول امومة المرضعة تحصل بنتية المرتضعة، و تلك المرتبة مرتبة زوال زوجية المرتضعة. فليست في مرتبة من المراتب امومة المرضعة مضافة إلى‏ زوجية المرتضعة حتّى تحرم بسبب كونها امّ الزوجة (1)

. و بعبارة اخرى‏- لعلّها أوضح ممّا ذكره (قدس سره)-: أنّه إذا تمّت الرضعات تتحقّق في الخارج عناوين ثلاث:

1- امومة المرضعة الاولى.

2- بنتية المرتضعة، و هما متضايفتان، و المتضائفتان متكافئتان قوّةً و فعلًا.

3- ارتفاع زوجية المرتضعة في رتبة تحقّق البنتية؛ ضرورة أنّ بنتية المرتضعة مضادّة مع زوجيتها، ففي رتبة تحقّق البنتية ترتفع و تزول زوجيتها، و إلّا يلزم اجتماع الضدّين. فصدق عنوان الامومة على الزوجة المرضعة ملازم لعدم صدق عنوان الزوجية على المرتضعة؛ فلا يمكن صدق عنوان الامومة على الزوجة المرضعة في فرض صدق عنوان الزوجية على المرتضعة إلّا على القول بوضع المشتقّ و ما يلحق به للأعمّ.

فابتناء فخر المحقّقين (قدس سره) حرمة المرضعة الثانية على مسألة المشتقّ دون الاولى غير وجيه، بل كلتاهما مبتنيان على مسألة المشتقّ.

و قد أجاب المحقّق العراقي (قدس سره) عن هذا الإشكال؛ انتصاراً عن فخر المحقّقين (قدس سره): بأنّ الرضاع المحرّم علّة لتحقّق عنوان الامومة و عنوان البُنوّة، و تحقّق عنوان البنوّة للزوجة المرتضعة علّة لانتفاء عنوان الزوجية عنها.

فانتفاء عنوان الزوجية عن المرتضعة متأخّر رتبةً عن عنوان البنوّة لها، و لا محالة أنّها تكون زوجة في رتبة عنوان البنوّة؛ لاستحالة ارتفاع النقيضين في تلك الرتبة.

____________

(1)- نهاية الدراية 1: 168.

38

و بما أنّ عنوان امومة المرضعة ملازم لعنوان بُنوّة المرتضعة و في رتبته تكون المرضعة امّاً للزوجة المرتضعة في رتبة بنوّتها، لا في رتبة انتفاء زوجيتها المتأخّرة عن رتبة البُنوّة؛ فيصدق أنّها امّ زوجة في رتبة بنوّتها، و هذا القدر من الصدق كافٍ في شمول دليل تحريم امّ الزوجة لمثل الفرض‏ (1)

. و بالجملة: الرضاع المحرّم علّة لتحقّق الامومة و البنتية، و هما متضايفتان متكافئتان قوّةً و فعلًا، و البنتية علّة لارتفاع الزوجية. فارتفاع الزوجية متأخّرة عنهما؛ تأخّر المعلول عن علّته.

فإذا لم يكن عدم الزوجية في رتبة البنتية فلا بدّ و أن تكون الزوجية متحقّقة هناك؛ لأنّ ارتفاع النقيضين محال؛ فاجتمعت الامومة و البنتية و الزوجية في رتبة واحدة. و هذا المقدار كافٍ في شمول دليل تحريم امّ الزوجة؛ فلا يبتني حلّ المسألة على مسألة المشتقّ.

و التحقيق في أصل المطلب هو أن يقال: إنّ فتوى فخر المحقّقين (قدس سره) بحرمة المرضعة الاولى و البنت، و الإشكال في المرضعة الثانية ليست مبتنية على النزاع في مسألة المشتقّ حتّى يشكل بعدم الفرق بينهما في الابتناء على وضع المشتق أو يجاب عن الإشكال بوجود الفرق بينهما، بل فتواه جزماً بالنسبة إلى المرضعة الاولى إنّما هو لقيام الإجماع و الاتفاق عليه، بل لا يبعد ورود صحيح الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) في مورده قال (عليه السلام):

«لو أنّ رجلًا تزوّج جارية رضيعة فأرضعتها امرأته فسد النكاح»

(2)

. فإنّه كما يحتمل رجوع الضمير في قوله (عليه السلام)

«فسد النكاح»

إلى نكاح الصغيرة، فكذلك يحتمل رجوعه إليها و إلى امرأته الكبيرة معاً، و لا يبعد الأخير.

____________

(1)- بدائع الأفكار 1: 161.

(2)- الكافي 5: 444/ 4، وسائل الشيعة 14: 302، كتاب النكاح، أبواب ما يحرم بالرضاع، الباب 10، الحديث 1.

39

و أمّا إشكاله (قدس سره) في حرمة المرضعة الثانية: فلعدم ثبوت الإجماع فيها، و استشكاله في النص الوارد فيها؛ لعدم خلوّه عن الإرسال‏ (1)، و ضعف السند (2) المصرّح بحرمة المرضعة الاولى، دون الثانية (3)؛ و لذا لم يعتني به العلّامة و ابن إدريس 0، و أفتيا بخلافه. فلم تكن المسألة عند فخر المحقّقين (قدس سره) إجماعية، و لا منصوصة؛ و لذا تصدّى‏ لتحليل هذه المسألة من طريق المشتقّ، فتدبّر.

فظهر و تحقّق: أنّه لم يرد فخر المحقّقين (قدس سره) تصحيح حكم المرضعة الاولى على مسألة المشتقّ أصلًا، بل بالإجماع و النصّ. و لم يظهر منه (قدس سره) خروجها عن بحث المشتقّ لو لا النصّ و الإجماع.

فإشكال المحقّق الأصفهاني (قدس سره) بتسليم حرمة المرضعة الاولى و الخلاف في الثانية غير وجيه، كما أنّ دعواه وحدة الملاك غير مسموعة.

كما أنّ ما أفاده المحقّق العراقي (قدس سره) في توجيه التفرقة بينهما غير سديد؛ لعدم‏

____________

(1)- قلت: لقول ابن مهزيار «قيل له»؛ أي لأبي جعفر (عليه السلام) و لم يعلم القائل به، الظاهر: أنّ المراد بالإرسال هو هذا، لا ما وقع في تعليقة مناهج الوصول 1: 195، فلاحظ. [المقرّر حفظه اللَّه‏].

(2)- لوقوع صالح بن أبي حمّاد في السند، و أمره- كما عن النجاشي- مُلبّس يعرف و ينكر. رجال النجاشي: 198/ 526.

(3)- قلت: و إليك نصّ الخبر: عن علي بن مهزيار، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قيل له: إنّ رجلًا تزوّج بجارية صغيرة؛ فأرضعتها امرأته، ثمّ أرضعتها امرأة له اخرى. فقال ابن شبرمة: حرمت عليه الجارية و امرأتاه.

فقال أبو جعفر (عليه السلام): «أخطأ ابن شبرمة، تحرم عليه الجارية و امرأته التي أرضعتها أوّلًا، فأمّا الأخيرة فلم تحرم عليه، كأنّها أرضعت ابنته» (أ). [المقرّر حفظه اللَّه‏].

-

أ- الكافي 5: 446/ 13، وسائل الشيعة 14: 305، كتاب النكاح، أبواب ما يحرم بالرضاع، الباب 14، الحديث 1.

40

كون البنتية علّة تكوينية لرفع الزوجية، و هو واضح.

مع أنّه لا معنى لعلّية شي‏ء لأمر عدمي، كعدم الزوجية في المثال؛ لما تقرّر في محلّه: أنّه لا علّية بين الأعدام. و غاية ما يستفاد من الأدلّة الشرعية هو التمانع الوجودي و التضادّ الاعتباري بين البنتية و الزوجية و عدم اجتماعهما، و أنّى له و لعلّية أحدهما لانتفاء الآخر؟! بل هما في رتبة واحدة.

أ لا ترى: أنّ الضدّين الحقيقيين لا يجتمعان في موضوع واحد، و بوجود أحد الضدّين يرتفع الآخر، و لكن مع ذلك لا يقال: إنّ وجود الضدّ سبب لانتفاء الآخر؟!

مضافاً إلى أنّ استفادة العلّية الاعتبارية التي مرجعها إلى‏ موضوعيتها للحكم مرهونة بالمراجعة إلى لسان الدليل الشرعي، و غاية ما يستفاد من الدليل هي عدم اجتماع الزوجية مع الامومة.

أضف إلى ذلك كلّه: أنّه لم تترتّب الأحكام الشرعية على الرتب العقلية التي لا حظّ لفهم المتتبّع في ذلك.

و أمّا ما أفاده صاحب «الجواهر» (قدس سره) في حرمة المرضعة: بأنّ ظاهر النصّ و الفتوى الاكتفاء في الحرمة بصدق الامّية المقارنة لفسخ الزوجية بصدق البنتية؛ إذ الزمان و إن كان متّحداً بالنسبة إلى الثلاثة- أي: البنتية و الامّية و انفساخ الزوجية- ضرورة كونها معلولات لعلّة واحدة، لكن آخر زمان الزوجية متّصل بأوّل زمان صدق الامّية؛ فليس هي من مصاديق «امّ من كانت زوجتك». بل لعلّ ذلك كافٍ في الاندراج تحت «امّهات النساء» بخلاف من كانت زوجتك‏ (1)

. ففيه: أنّه إن أراد (قدس سره) الصدق الحقيقي فنمنع صدقه، و إن أراد الصدق المسامحي فنمنع كفايته؛ فلا بدّ من تتميم المسألة من طريق كون المشتقّ موضوعاً للأعمّ من المتلبّس، فتدبّر.

____________

(1)- جواهر الكلام 29: 329.

41

إيقاظ

لا يذهب عليك أنّ الظاهر: أنّ الحكم في لسان الدليل إنّما علّق على «امّهات النساء»، لا على عنوان امّ الزوجة؛ فتحليل المسألة من طريق المشتقّ فرضي ساقط من أصله.

و القول بجريان النزاع في المشتقّ في «امّهات نسائكم» باعتبار كونها بمعنى‏ امّهات زوجاتكم كما ترى‏.

فتحصّل ممّا ذكرنا في الجهتين: أنّ العناوين المنتزعة عن مقام الذات و الذاتيات الصادقة عليها من دون لحاظ شي‏ء خارجة عن حريم النزاع.

و أمّا هيئات المشتقّات- سواء كانت الصفة لازمة للذات أو مقارنة معها، و سواء كانت ملازمة لجميع الأفراد أو بعضها- فداخلة في محلّ النزاع؛ لما أشرنا أنّ البحث و النزاع في هيئتها وزنتها أنفسها، لا في الهيئات المقارنة للموادّ.

و كذا العناوين الانتزاعية التي لم تكن من العناوين المشتقّة، كالزوجية و الرقّية و نحوهما فداخلة في حريم البحث.

42

الجهة الرابعة في خروج أسماء الزمان عن حريم البحث‏

و ليعلم: أنّ محطّ البحث في المشتقّ لا بدّ و أن يكون فيما تكون الذات هناك باقية و محفوظة، و لكن انقضى عنه المبدأ.

و لا يتصوّر ذلك في اسم الزمان؛ لأنّ جوهر ذاته و حقيقته متصرّمة متقضية، لا يتصوّر فيه بقاء الذات مع انقضاء المبدأ- حتّى في الواهمة- و لا معنى لحفظ ذاته مع تصرّمه و تقضّيه بالذات؛ فلا يتصوّر له مصداق- لا في الخارج و لا في الذهن- حتّى يوضع له هيئة اسم الزمان‏ (1)

. نعم، غاية ما يمكن أن يقال فيه: هو إمكان وضع اللفظ للمعنى الأعمّ عقلًا، و إن لم يكن عقلائياً؛ لعدم ترتّب ثمرة عليه؛ فلم ينفع البحث فيه للُاصولي من حيث هو اصولي الباحث عن مسائل تنفعها في الفقه، و لو ارتكازاً و تصوّراً.

إن قلت: ما الفرق بين اسم الزمان و بين لفظي الممكن و الموجود و نحوهما؟

حيث قلتم بدخولها في حريم النزاع، مع كون الإمكان صفة لازمة للماهيات الممكنة لا يكاد يفارقها، و صفة الموجود ملازم لجميع الأفراد غير منفكّ عنها.

____________

(1)- قلت: و بعبارة اخرى: محطّ النزاع في الشي‏ء إنّما هو بعد تصوير النزاع فيه؛ حتّى يمكن ذهاب أحد إلى طرفٍ و الآخر إلى طرفٍ آخر، و لا يتصوّر ذلك في اسم الزمان؛ لأنّ الذات المأخوذة فيه هو الزمان نفسه، و هو متصرّم، لا دوام و لا بقاء له مع انقضاء المبدأ حتّى يصحّ أن يقال: إنّ الذات المتّصفة بالمبدإ حقيقة في خصوص المتلبّس بالحال، أو فيما يعمّه و ما انقضى عنه. و ما هذا شأنه لا يصحّ النزاع فيه [المقرّر حفظه اللَّه‏].

43

قلت: قد أنبهناك على أنّ النزاع في الأوزان و هيئات المشتقّات، لا في الموادّ و لا في الهيئات المقرونة بالموادّ؛ و لذا قلنا بدخول الممكن و الموجود و نحوهما في محطّ البحث؛ لأنّ وجه توهّم خروجهما عنه هو ملاحظة مادّتهما لا زنتهما و هيئتهما.

و هذا بخلاف اسم الزمان؛ فإنّ له زنة و هيئة خاصّة، و لا بقاء للزمان حتّى يتصوّر له الانقضاء، فلا يمكن إدخال زنة اسم الزمان في محطّ النزاع.

و بهذا يظهر الضعف فيما أفاده العلّامة القوچاني (قدس سره) في «تعليقته على الكفاية»؛ حيث قال: إنّ النزاع فيما نحن فيه لم يقع في خصوص اسم الزمان، بل في مطلق المشتقّات. فلا بأس بانحصار بعض مصاديقها في الفرد (1)، انتهى.

توضيح الضعف: هو أنّ النزاع ليس في مفهوم المشتقّ، الصادق على زنة الفاعل و المفعول و اسم الزمان و غيرها؛ حتّى يتمّ ما أفاده، بل في زنة كلّ واحد من المشتقّات؛ من زنة الفاعل وزنة المفعول وزنة اسم الآلة و هكذا. و واضح: أنّه لا يتصوّر لزنة اسم الزمان مصداق تكون الذات فيه باقية و انقضى عنه المبدأ.

ذكر و تعقيب‏

و قد تصدّى‏ جملة من الأعاظم لدفع الإشكال و دخول اسم الزمان في محطّ البحث بوجوه، لا تخلو جميعها عن الإشكال:

منها: ما أفاده المحقّق الخراساني (قدس سره)(2)- و هو أحسن ما اجيب به عن الإشكال- و هو: أنّ انحصار مفهوم عامّ بفرد- كما في المقام- لا يوجب أن يكون وضع اللفظ بإزاء الفرد دون العامّ، و إلّا لما وقع الخلاف فيما وضع له لفظ الجلالة، مع أنّ‏

____________

(1)- حاشية كفاية الاصول، العلّامة القوچاني 1: 34/ التعليقة 67.

(2)- كفاية الاصول: 58.

44

الواجب موضوع للمفهوم العامّ مع انحصاره فيه تعالى‏ (1)

. و فيه: أنّ غاية ما تقتضيه مقالته هو إمكان وضع اللفظ لمعنىً لا يكون له مصداق لا في الخارج و لا في الذهن.

و أنت خبير: بأنّ مجرّد ذلك لا يقتضي كون الوضع كذلك عقلائياً؛ ضرورة أنّ الوضع لا بدّ و أن يكون لغرض الإفادة و الاستفادة، فإذا لم يكن للزمان مصداق خارجي و لا ذهني فيكون الوضع له لغواً و عبثاً.

و أمّا تنظير المقام بالواجب ففي غير محلّه؛ لعدم انحصار مفهوم الواجب فيه تعالى‏؛ ضرورة أنّه كما يصدق على الواجب بالذات- و هو ذاته المقدّسة- فكذلك يصدق على ما يكون واجباً للغير و بالقياس إلى الغير.

نعم، مفهوم الواجب بالذات مصداقه منحصر فيه تعالى، و لكن لم يكن للمركّب من اللفظين- أعني الواجب بالذات- وضع على حدة، فتدبّر.

إن قلت: ما تقول في لفظتي الشمس و القمر؛ حيث إنّهما موضوعتان للمعنيين الكلّيين، و مع ذلك لا يكون لهما في الخارج إلّا مصداق واحد؟ فليكن اسم الزمان كذلك.

قلت: لا يبعد أن تكون لفظة الشمس و القمر اسمين للجرمين النيّرين المعلومين، نظير الوضع في الأعلام الشخصية، كلفظ «اللَّه» حيث تكون عَلَماً لذاته المقدّسة.

____________

(1)- قلت: و إن شئت توضيحه فنقول: إنّ الموضوع له في اسم الزمان عامّ- و هو الزمان الذي يقع فيه الحدث- فالمقتل موضوع لزمان يقع فيه القتل، فهو بمفهومه يعمّ المتلبّس و ما انقضى عنه، لكنّه في الخارج حيث إنّه غير قارّ الذات فله مصداق واحد، فانحصاره في الفرد المتلبّس خارجاً لا يضرّ بعمومه. كما هو الشأن في لفظ الجلالة؛ حيث يكون موضوعاً للمفهوم العامّ مع انحصاره فيه تعالى‏ [المقرّر حفظه اللَّه‏].

45

و لو سلّم كونهما موضوعين للمفهومين الكلّيين، و لكن نقول بالفرق بينهما و بين اسم الزمان؛ و ذلك لأنّ الوضع فيهما لعلّه للاحتياج إلى إفهام معانيهما العامّة أحياناً، فملاك الوضع موجود هناك. بخلاف الزمان فإنّه ذات متصرّمة آبية عن البقاء مع انقضاء المبدأ عنه عند العقل و العرف، فالفرق بينهما واضح.

و منها: ما أفاده المحقّق النائيني (قدس سره)، و قد سبقه إلى ذلك المحقّق صاحب «الحاشية» (قدس سره) في أحد وجهيه‏ (1): و هو أنّ اسم الزمان كالمقتل- مثلًا- عبارة عن الزمان الذي وقع فيه القتل؛ و هو اليوم العاشر من المحرّم. و اليوم العاشر لم يوضع بإزاء خصوص ذلك اليوم المنحوس الذي وقع فيه القتل، بل وضع لمعنىً كلّي متكرّر في كلّ سنة، و كان ذلك اليوم الذي وقع فيه القتل فرداً من أفراد ذلك المعنى العامّ المتجدّد في كلّ سنة.

فالذات في اسم الزمان إنّما هو ذلك المعنى العامّ، و هو باقٍ حسب بقاء الحركة الفلكية، و قد انقضى عنه المبدأ، الذي هو عبارة عن القتل. فلا فرق بين الضارب و بين المقتل؛ إذ كما أنّ الذات في مثل الضارب باقية و قد انقضى عنها الضرب، فكذلك الذات في مثل المقتل، الذي هو عبارة عن اليوم العاشر من المحرّم؛ لتجدّد ذلك اليوم في كلّ سنة، و قد انقضى عنها القتل‏ (2)، انتهى.

و فيه أوّلًا: أنّ ما أفاداه من باب خلط مفهوم بمفهوم آخر؛ لأنّ الكلام في مفهوم المقتل- الذي هو اسم الزمان- لا في اليوم العاشر من المحرّم، و واضح: أنّ مفهوم المقتل هو زمان الذي وقع فيه الحدث، لا مفهوم اليوم العاشر.

و ثانياً: أنّ كلّي عاشر المحرّم غير وعاء الحدث، و ما يكون وعاؤه هو مصداق منه- الذي تحقّق فيه القتل؛ و هو عاشر محرّم سنة 61 هجرية- و من الواضح: أنّه‏

____________

(1)- حاشية كفاية الاصول، العلّامة القوچاني 1: 34/ التعليقة 67.

(2)- فوائد الاصول 1: 89.

46

غير باقٍ قطعاً، و ما يوجد في كلّ سنة هو مصاديقه الآخر؛ فلم تكن الذات باقية.

و لازم ما أفاداه: أنّه لو ارتكب زيد قتلًا- مثلًا- فيصدق على طبيعي الإنسان أنّه قاتل باعتبار ارتكاب مصداق منه، فبعد موته فحيث يصدق على عمرو طبيعي القاتل؛ فلا بدّ من قصاصه، و هو كما ترى‏.

و منها: و هو وجه آخر للمحقّق صاحب «الحاشية» (قدس سره)(1)، و قاله بعض‏ (2) حاصله: أنّ الزمان له اعتباران:

1- الزمان المنطبق على الحركة القطعية، و هي متصرّمة الوجود.

2- الآن السيّال المعبّر عنه بالحركة التوسّطية.

و الإشكال إنّما يتوجّه لو اخذ الزمان بنحو الحركة القطعية المتصرّمة. و أمّا لو اخذ بنحو الآن السيّال فله بهذا الاعتبار تحقّق و بقاء، و بهذا اللحاظ يجري الاستصحاب في الزمان و الزمانيات على ما يأتي- إن شاء اللَّه- في الاستصحاب.

فإذا اتّصف جزء من النهار بحدث كالقتل- مثلًا- صحّ أن يقال بلحاظ ذلك الجزء: يوم القتل، مع أنّ الآن المتّصف بذلك العرض قد تصرّم و انعدم.

و فيه أوّلًا: أنّ الآن السيّال و إن قاله بعض و لكن لم نفهمه، بل لا وجود له في الخارج.

و ثانياً: لو سلّم تعقّل الآن السيّال، لكنّه كلّي يصدق على الآنات المتبادلة.

فالآنات متصرّمة متبادلة، لا استقرار لها و لا ثبات. فالآن الذي وقع فيه الحدث غير باقٍ.

و هذا نظير بقاء الإنسان من لدن خلق اللَّه تعالى آدم- على نبينا و آله و (عليه السلام)- إلى‏ زماننا هذا؛ حيث إنّ المراد ببقاء الإنسان لم يكن بقاء الفرد

____________

(1)- حاشية كفاية الاصول، العلّامة القوچاني 1: 34/ التعليقة 67.

(2)- حاشية كفاية الاصول، المشكيني 1: 225.

47

منه إلى زماننا، بل معناه: أنّ للإنسان في عمود هذه الأزمان مصداقاً في الخارج.

و لا يخفى: أنّ هذا الوجه عبارة اخرى‏ من الوجه السابق، و لكنّه بوجه معقول فلسفي، و قد عرفت ضعفه، إجماله: أنّ الآنات متصرّمة، و الآن الذي وقع فيه الحدث قد تصرّم، و الآنات المتبادلة لا استقرار لها.

و منها: ما أفاده بعض المحقّقين (قدس سرهم)ن أنّ الزمان هوية متصلة باقية عرفاً و عقلًا:

أمّا بقاؤه عرفاً فواضح.

و أمّا عقلًا: فلأنّه لو لم يكن باقياً بالوحدة الوجودية يلزم تتالي الآنات، و استحالته معلومة مقرّرة في محلّه، كاستحالة الأجزاء الفردية و الجزء الذي لا يتجزأ.

فمع بقاء الزمان عرفاً و عقلًا فإذا وقعت حادثة في قطعة منه يصحّ أن يقال:

إنّ الوجود الباقي تلبّس بالمبدإ و انقضى عنه. فكما إذا وقع القتل- مثلًا- في حدّ من حدود يوم يرى بقاء اليوم إلى الليل و متلبّساً بالمبدإ و منقضياً عنه مع بقائه، فكذلك يطلق المقتل على اليوم بعد انقضاء التلبّس، كإطلاق العالم على زيد بعد انقضاء العلم‏ (1)

. و فيه: أنّ العرف- كالعقل- كما يحكم بالوحدة الاتّصالية للزمان يرى له تجدّد و تصرّم و انقضاء. فللزمان هوية اتّصالية متصرّمة متقضّية؛ فإذا وقعت حادثة في جزء منه- كما إذا وقعت في أوّل النهار- لا يرى زمان الوقوع باقياً و قد انقضى عنه المبدأ، بل يرى انقضاءه، نعم يرى اليوم باقياً. و كم فرق بينهما! و المعتبر في بقاء الذات في المشتقّ هو الأوّل، و قد عرفت عدم بقائه، دون الثاني.

و بالجملة: البقاء الذي يعتبر في المشتقّ هو بقاء الشخص الذي يتلبّس بالمبدإ عيناً، و هو غير باقٍ في الزمان، و البقاء التصرّمي التجدّدي لا يدفع الإشكال، فتدبّر.

____________

(1)- بدائع الأفكار 1: 162- 164.

48

و منها: ما قاله بعض، و هو أنّ اسم الزمان موضوع لوعاء الحدث، من دون ملاحظة خصوصية الزمان و المكان؛ فيكون مشتركاً معنوياً موضوعاً للجامع بينهما.

فالمقتل- مثلًا- موضوع لوعاء القتل، من دون لحاظ خصوص الزمان و المكان. فعلى هذا: عدم صدقه على ما انقضى عنه المبدأ في خصوص الزمان لا يوجب لغوية النزاع‏ (1)

. و فيه: أنّه لا جامع ذاتي بين الزمان و المكان، و كذا بين وعائيتهما للمبدإ؛ لأنّ الوقوع في كلٍّ على نحوٍ يباين الآخر، فلا بدّ و أن يكون الجامع المتصور بينهما جامعاً انتزاعياً؛ و هو مفهوم الوعاء أو الظرف مثلًا.

و الالتزام بوضعه لذلك خلاف المتبادر؛ بداهة أنّه لا ينقدح في ذهن أحد من اسمي الزمان و المكان مفهوم الوعاء أو الظرف، و لا يكاد يفهم من لفظ المقتل مفهوم وعاء القتل أو مفهوم ظرفه، و هو من الوضوح بمكان.

مضافاً إلى أنّ وعائية الزمان إنّما هي بضرب من التشبيه و المسامحة، بدعوى‏ كون الزمان كالمكان محيطاً بالزماني؛ إحاطة المكان بالمتمكّن؛ لعدم كون الزمان ظرفاً للزماني حقيقة، بل هو منتزع أو متولّد من تصرّم الطبيعة و سيلانها، توضيحه يطلب من محلّه.

فتحصّل ممّا ذكرنا: خروج أسماء الزمان عن محطّ البحث؛ لعدم وجود ملاك البحث فيها، فتدبّر.

____________

(1)- نهاية الاصول: 72.

49

الجهة الخامسة في كيفية وضع المشتقّات‏

وقع الخلاف في أنّه هل وضع كلّ من المادّة و الهيئة وضعاً مستقلًاّ، أو أنّهما وضعتا معاً.

لا ينبغي الإشكال في أنّه من لاحظ المشتقّات يرى أنّ هيئة واحدة- كزنة الفاعل مثلًا- جارية في موادّ، كالضاحك و التاجر و القادر و نحوها؛ فإنّها تشترك في أنّ هيئتها واحدة؛ و هي زنة الفاعل، و تختلف من حيث الموادّ، و هو واضح.

كما أنّه يرى لهيئات مختلفة مادّة واحدة كضرب و يضرب و ضارب و مضرب و هكذا؛ فإنّها تشترك في مادّة واحدة؛ و هي «الضاد و الراء و الباء».

و بالجملة: إنّا بعد ملاحظة المشتقّات نرى هيئة واحدة سارية في الموادّ المختلفة، و مادّة واحدة مندكّة في هيئات متعدّدة.

و معنى وضع المادّة و الهيئة معاً هو وضع كلّ من المشتقّات وضعاً على حدة، نظير وضع الجوامد. فلكلّ من الضاحك و التاجر و القادر، و المضروب و المقدور و المشكور، إلى غير ذلك وضع يخصّه، كما يخصّ ذلك كلّ من زيد و عمرو و بكر و غيرهم.

فعلى هذا: لا بدّ من تخلّل أوضاع شخصية بعدد المشتقّات، من دون أن يكون هناك اشتقاق، بل تكون المادّة و الصورة فيها نظير المادّة و الصورة في ألفاظ الجوامد؛ فكما أنّ لفظة زيد- مثلًا- وضعت بمادّته و صورته لمعنىً، فكذلك ضارب وضع بمادّته و هيئته لمعنىً.

كما أنّ معنى وضع كلّ من المادّة أو الهيئة لمعنىً هو أنّه لكلّ من المادّة أو الهيئة

50

وضع يخصّه، فعليه يقع البحث في ما وضع له المادّة أو الهيئة؛ بأنّ المادّة لأيّ شي‏ء وضعت؟ و الهيئة لأيّ أمرٍ وضعت؟

فنقول: لا يخلو في مقام الثبوت:

إمّا أن نقول بوضع المادّة عارية عن جميع الجهات إلّا عن جهة ترتّب حروفها لمعنىً لا بشرط، أو لم نقل كذلك. و على الثاني لا بدّ من تجشم وضع المادّة في ضمن كلّ هيئة لمعنىً؛ لأنّ دلالة الألفاظ بعد ما لم تكن ذاتية تكون تابعة للوضع، و واضح: أنّ مادّة «ضرب» مثلًا تدلّ على معنىً غير ما تدلّ عليه مادّة «يضرب»؛ لعدم محفوظية ما تدلّ على المادّة لو لا وضعها للمادّة المشتركة.

و أمّا لو قلنا بوضع المادّة لمعنىً لا بشرط فلا نحتاج إلى تكلّف الوضع لكلّ واحدٍ واحدٍ منها، بل لو أمكن الوضع كذلك يكون الوضع على النحو الآخر لغواً مستهجناً.

فيقع الكلام: في إمكان الوضع لكلّ من المادّة و الصورة، بعد عدم انفكاك إحداهما عن الاخرى، بل يكون احتياج إحداهما إلى الاخرى نظير احتياج الهيولى إلى الصورة في الحقائق الخارجية.

فكما أنّ كلًاّ من الهيولى و الصورة محتاجة إلى الاخرى في التحقّق، و لا يمكن أن يقال إنّ وجود الصورة مقدّم على الهيولى أو بالعكس، فكذلك المادّة و الهيئة فيما نحن فيه؛ فلا يصحّ أن يقال إنّ المادّة مع الهيئة الموضوعة وضعت لمعنىً، أو الهيئة مع المادّة الموضوعة وضعت لكذا.

بل يمكن أن يقال: إنّ المحذور فيما نحن فيه أشدّ من المحذور في باب الهيولى و الصورة؛ لأنّه يمكن أن يقال هناك: إنّ الهيولى و الصورة وجدتا معاً، من دون تقدّم و تأخّر، و أمّا فيما نحن فيه فحيث إنّ الغرض إرادة الوضع لكلّ من المادّة و الهيئة على حدة و مستقلًاّ فلا يمكن أن يقال إنّهما وضعتا معاً، و هو واضح.