جواهر الأصول / تقريرات - ج4

- محمد حسن المرتضوي اللنگرودي المزيد...
581 /
3

-

4

[هوية الكتاب‏]

* اسم الكتاب: ..... جواهر الاصول/ ج 4*

* المؤلف: ..... السيّد محمّد حسن المرتضوي اللنگرودي*

* تحقيق و نشر: ..... مؤسسة تنظيم و نشر آثار الإمام الخميني (قدس سره)*

* سنة الطبع: ..... 1383 ش/ 1425 ق*

* الطبعة: ..... الاولى*

* المطبعة: ..... مطبعة مؤسسة العروج*

* الكمية: ..... 3000 نسخة*

* السعر: ..... 30000 ريال*

جميع الحقوق محفوظة و مسجّلة

لمؤسسة تنظيم و نشر آثار الإمام الخميني (قدس سره)

5

[خطبة الكتاب‏]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

الحمد لوليّه، و الصلاة و السلام على أفضل أنبيائه محمّد (صلى الله عليه و آله و سلم) خاتم رسله، و على الأصفياء من عترته، و لا سيّما بقيّة اللَّه في أرضه المدّخر لإحياء شريعته الحجّة ابن الحسن المهدي، جعلني اللَّه من كلّ مكروه فداه.

اللهمّ عجّل فرجه، و سَهّل مخرجه، و اجعلنا ممّن يأخذ بحُجزته، و من أنصاره و أعوانه.

و بعدُ، فما بين يديك هو الجزء الرابع من كتاب «جواهر الاصول» تقرير ما ألقاه سماحة الاستاذ الأكبر آية اللَّه العظمى نائب الإمام (عليه السلام) الإمام الخميني (قدس سره) في النواهي إلى آخر مباحث الألفاظ في الدورة الأخيرة.

نسأل اللَّه التوفيق و التسديد، و الحمد للَّه ربّ العالمين.

6

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

7

المقصد الثاني في النواهي‏

و فيه مباحث:

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

حقيقة النهي‏

المبحث الأوّل في حقيقة النهي‏ (1)

يظهر من العلمين المحقّقين الخراساني و النائيني 0 أنّه لا فرق بين الأوامر و النواهي في أنّ متعلّقهما الطبائع الكلّية، و الفرق بينهما إنّما هو في متعلّق الطلب؛ حيث إنّه في باب الأوامر وجود الطبيعة، و في باب النواهي الترك و عدمها، فمعنى «لا تشرب الخمر» مثلًا: أطلب منك عدم شرب الخمر (2).

و لا يخفى ما في كلامهما من النظر:

فأوّلًا: أنّ الوجدان أصدق شاهد و حاكم، على أنّ لكلّ من الأمر أو النهي مبادئ، فكما يتصوّر المولى الطبيعة التي يريد الأمر بها، و يصدّق بفائدتها، فيشتاق إليها أحياناً، فيريدها، فيبعث نحوها ليحقّقها في الخارج؛ لما يرى من أنّ المصلحة تترتّب على وجودها الخارجي، فكذلك يتصوّر الطبيعة التي يريد النهي عنها، و يصدّق بأنّ لوجودها في الخارج مفسدةً، فربّما يكرهها فيزجر عنها؛ لئلّا

____________

(1)- تأريخ الشروع ربيع الثاني 1380 ه. ق.

(2)- كفاية الاصول: 182، فوائد الاصول 1: 394.

10

تتحقّق في الخارج، مثلًا يتصوّر طبيعة شرب الخمر، فيرى أنّ في شربها مفسدةً أكيدة، فيزجر عنه، و يمنع عن تحقّقه في الخارج بقوله: «لا تشرب الخمر» و يؤكّده بالتوعيد بأنواع العذاب.

فالمتصوّر في متعلّق الأوامر و النواهي و إن كان نفس الماهية و الطبيعة، إلّا أنّه حيث يرى في متعلّق الأمر صلاحاً يبعث نحوه، و يريد تحقّقه في الخارج، و أمّا في النهي فحيث يرى أنّ في وجود متعلّقه في الخارج مفسدةً، فيكره وجوده، فيزجر عنه، فالنهي هو الكراهة و الزجر عن الشي‏ء في الخارج، كما أنّ الأمر حَثّ و بعث إلى تحقّقه فيه.

و بالجملة: الوجدان أصدق حاكم على أنّه إذا كانت طبيعة مشتملة على المفسدة، فالمولى يزجر عنها، لا أنّه يطلب تركها و يبعث إلى استمرار العدم الأزلي و بقائه؛ حتّى يقال بإمكان أخذه في متعلّق النهي؛ لأنّ هذا أشبه شي‏ء بالأكل من القفا، كما لا يخفى.

و يشهد لما ذكرنا ما هو المعروف بين العدلية؛ من أنّ الأوامر و النواهي تابعة للمصالح و المفاسد في متعلّقاتهما (1)، فلو كان مفاد النهي طلب الترك، فلا بدّ و أن يكون في الطلب الكذائي مصلحة، فكان لهم أن يقولوا بأنّ جميع الأحكام- واجباتها و محرّماتها- تابعة للمصالح فقط كما لا يخفى، فتدبّر.

و ثانياً: أنّ العدم باطل الذات و نفي محض، و لا يكاد يتصوّر إلّا بالحمل الأوّلي، و من المعلوم أنّ باطل الذات و العدم الصرف لا يتصف بالمحبوبية و المبغوضية؛ لأنّهما تابعتان للأغراض و المصالح المترتّبة على الامور الوجودية، فالعدم لا يكاد تكون له مصلحة و لا مفسدة، فلا يكون متعلّقاً للطلب و البعث.

____________

(1)- كشف المراد: 322.

11

و بالجملة: العدم- حتّى العدم المضاف و عدم الملكة- باطل الذات و الهويّة، و ما اشتهر بين القوم «من أنّ لأعدام المضافة حظّاً من الوجود» (1)، لا أصل له؛ إذ الوجود لملكاتها، لا لأعدامها، فلا يكاد يترتّب على العدم أثر، فلا يكون مورداً للتصديق بالفائدة، فلا تكون له مصلحة يشتاق إليها أصلًا، فلا يكون متعلّقاً للإرادة.

نعم، في المحاورات العرفية ربّما يسند الحبّ و الطلب إلى العدم، مثلًا يقال:

«احبّ أن لا أرى الشخص الفلاني» أو «احبّ أن لا ينزل عليّ ذلك الشخص»، و لكنّه في الحقيقة تعبير مسامحي، و إلّا ففي الحقيقة هو يبغض ملاقاة الشخص المذكور أو نزوله عليه، كما لا يخفى.

و ثالثاً: أنّ ما ذكرنا هو الظاهر من النهي؛ و ذلك لأنّ لكلّ من الأمر و النهي هيئة و مادّة؛ و المادّة التي تكون تِلو الزجر هي التي تكون تِلو البعث، و هيئة النهي تدلّ على الزجر عنها، كما أنّ هيئة الأمر تدلّ على البعث نحوها، فأين الدالّ على العدم؟!

و يؤيّد ما ذكرنا- بل لعلّه يدلّ عليه- ملاحظة مرادفات الأمر و النهي في سائر اللغات، فإنّ مرادف قولنا: «اضرب» في الفارسية «بزن» كما أنّ مرادف قولنا:

«لا تضرب» فيها «نزن». و من المعلوم- بديهة- أنّ المتبادر من لفظة «بزن» و «نزن» هو الذي ذكرناه؛ و هو البعث إلى الضرب في الأوّل، و الزجر عنه في الثاني.

فظهر ممّا ذكرنا كلّه: أنّه لا وجه لنزاع القدماء في أنّ متعلّق الطلب في النهي هل هو الكَفّ أو نفس أن لا تفعل؟ لما عرفت من أنّ متعلّق النهي هو الماهية، و أنّ النهي زجر لا طلب.

____________

(1)- الحكمة المتعالية 1: 345- 352 و 2: 108، شرح المنظومة، قسم الحكمة: 47- 48.

12

سرّ الفرق بين مقتضى الأمر و النهي‏

المبحث الثاني في سرّ الفرق بين مقتضى الأمر و النهي‏

عرفت: أنّ متعلّقي البعث و الزجر نفس الطبيعة، و لكن اختلف مقتضاهما لدى العرف و العقلاء؛ لأنّه لا إشكال و لا خلاف عندهم في أنّه إذا تعلّق الأمر بطبيعة، يسقط بإيجاد مصداق منها في الخارج؛ لحصول الغرض بذلك، و يكتفون به، و لا يرون إيجادها ثانياً و ثالثاً إلّا إذا كانت هناك قرينة على ذلك، و أمّا إذا نهي عنها فيرون ترك جميع المصاديق في الخارج.

و بالجملة: يتميّز الأمر عن النهي لدى العرف في أنّ غاية ما يقتضيه البعث إلى طبيعة، إيجاد نفس الطبيعة، و هي تحصل بإيجادها مرّة من غير أن يكون للأمر دلالة على المرّة، بل لحصول الغرض بمجرّد ذلك، و أمّا مقتضى الزجر عن طبيعة فهو بخلاف ذلك في ذينك الأمرين؛ فإنّه يستفاد من الزجر عن طبيعة، ترك جميع الأفراد في عَرْض واحد؛ و أنّه لو خالف و أتى بمصداق منها في برهة من الزمان، يحرم عليه إتيانها ثانياً و ثالثاً و هكذا، فهم يرون أنّ للنهي اقتضاءً لترك المتعلّق في الأزمنة المتتالية، بخلاف الأمر.

13

فتحصّل: أنّه لا ريب و لا إشكال في وجود الفرق بين مقتضى الأمر و النهي مع أنّ متعلّقهما نفس الطبيعة.

نعم، وقع الكلام في سرّ ذلك و ما هو السبب فيه، فهل ذلك من ناحية حكم العقل و لو لأجل مقدّمات الحكمة، أو من ناحية اللغة، أو الفهم العرفي؟ وجوه:

ذهب المحقّق الخراساني (قدس سره) إلى أنّ ذلك بحكم العقل؛ حيث إنّه يحكم بأنّ الطبيعي يوجد بوجود فرد منه، و ينعدم بعدم جميع الأفراد (1)

. كما يظهر ذلك أيضاً من المحقّق العراقي (قدس سره) لكنّه بعبارة اخرى، حيث قال:

«و التحقيق أن يقال: إنّ مرجع الإطلاق الذي هو نتيجة مقدّمات الحكمة، ليس إلّا جعل الطبيعة المهملة المحفوظة في ضمن جميع صور الماهية- من المقيّدة، و العارية عن القيد، و غيرهما- تمام الموضوع للماهيّة مثلًا، و من المعلوم أنّ طبع تماميته للموضوع تحقّق تمامه بأوّل وجوده، و لازمه سقوط الأمر المقصود منه الوجود بذلك؛ إذ لا قصور في تماميّته لموضوع أمره، و أمّا في النهي حيث كان المقصود الأصلي إعدامه، فطبع إطلاق الماهية المهملة يقتضي عدم صدق الإعدام عليها إلّا بإعدام جميع أفرادها حتّى المتعاقبة منها؛ إذ بوجودها- و لو بعد وجوده- يصدق أيضاً وجود الطبيعة المهملة، فلا مجال لإعدامها إلّا بترك ذلك أيضاً. و هذه الجهة من الفرق بين الأمر و النهي إنّما جاءت من ناحية اختلافهما في المقتضى- بالفتح- لا من ناحية طبع إطلاق المادّة» (2)

. و لا يخفى ما في كلامهما من النظر؛ و ذلك لأنّه إذا كان متعلّق النهي عين متعلّق الأمر، و أنّ المتعلّق فيهما نفس الطبيعة القابلة للصدق على الكثيرين، غاية الأمر

____________

(1)- كفاية الاصول: 182- 183.

(2)- مقالات الاصول 1: 348- 349.

14

في جانب الأمر بعث إليها، و في جانب النهي زجر عنها، فمن الواضح أنّه بوجود أوّل فرد من الطبيعة يتحقّق تمام الموضوع، كما يتحقّق بوجود الفرد الثاني و الثالث ...

و هكذا؛ قضاءً لحقّ الطبيعة اللابشرط، حيث إنّها تتكثّر بتكثّر الأفراد، فتكون لها وجودات كثيرة، و لكلّ وجود منها عدم يخصّه، فللطبيعة أعدام كثيرة بعدد الوجودات، فكما أنّ الطبيعة اللابشرط توجد بوجود فرد ما تَنْعدم بانعدام فرد أيضاً، فالتفرقة بينهما بحكم العقل لا محصّل له.

نعم، إن كان المتعلّق الطبيعة السارية، فهي و إن كانت لا تنعدم بعدم فرد ما، إلّا أنّها لا توجد أيضاً إلّا بوجود جميع مصاديقها، فلا يقضي العقل- و لو بجريان مقدّمات الحكمة- فرقاً بينهما. و منشأ الاشتباه خلط الماهية اللابشرط بالطبيعة السارية، فاخذت الماهية اللابشرط في جانب الأمر، و الطبيعة السارية في جانب النهي.

و بالجملة: إن كان المراد بالطبيعة الماهية المهملة و الماهية اللابشرط، فهي كما توجد بفرد ما تنعدم بانعدام فرد ما أيضاً، و إن اريد بها الطبيعة السارية في مصاديقها- حسبما يراه القوم- فهي لا توجد إلّا بوجود جميع الأفراد، كما تنعدم بانعدام جميع الأفراد، فحكم العقل بالتفرقة بينهما في جانبي الأمر و النهي، ممّا لا يرجع إلى محصّل، فتدبّر.

و قد يقال بأنّ سِرّ الفرق بينهما من جهة دلالة النهي على ما ذكر لغة و بالوضع.

و لكن فيه أيضاً: أنّه لو كان بالوضع فلا بدّ و أن يكون إمّا من ناحية مادّة النهي، أو من ناحية هيئته، و لا ثالث لهما؛ لما تقدّم من أنّه ليس للمجموع- من حيث المجموع- وضع على حدة، و من الواضح أنّ المادّة موضوعة للطبيعة المجرّدة، و الهيئة موضوعة للزجر عنها، فما الدالّ على ما ذكر؟!

15

و بالجملة: متعلّق هيئة النهي بعينه هو متعلّق الأمر بلا زيادة و نقيصة، و حيث إنّه نفس الطبيعة اللابشرط، فواضح أنّها توجد بوجود فرد ما و تنعدم بعدم فرد ما.

و قال المحقّق النائيني (قدس سره) في ذلك ما حاصله: أنّ مقتضى مقابلة النهي للأمر و إن دلّ على أنّ مفاد النهي السلب الكلّي على نحو العامّ المجموعي؛ بحيث يتحقّق عصيانه بأوّل وجود الطبيعة، و يسقط النهي حينه رأساً؛ لأنّ المطلوب في باب الأوامر هو صِرْف وجود الطبيعة و خروجها عن كتم العدم إلى عرصة الوجود، و ذلك يتحقّق بأوّل وجود للطبيعة، إلّا أن تقوم قرينة على إرادة مطلق الوجود، و الإيجاب الجزئي إنّما يقابل السلب الكلّي؛ لأنّ نقيض الموجبة الجزئية هو السالبة الكلّية، إلّا أنّ الظاهر من النهي أن يكون النهي لأجل مبغوضية متعلّقه بقيام مفسدة فيه، لا أنّ المطلوب خلوّ صفحة الوجود عنه، و حيث إنّ مبغوضية الطبيعة تسري إلى جميع أفرادها فينحلّ النهي حسب تعدّد الأفراد، و يكون لكلّ فرد معصية تخصّه.

و بالجملة: لا ينبغي التأمّل في أنّ الظاهر في باب النواهي، هو أن يكون المطلوب فيها هو ترك كلّ فرد فرد على نحو العامّ الاستغراقي‏ (1).

و فيه أوّلًا: أنّ المبغوضية و المحبوبية من وادٍ واحد، فإن كانت المبغوضية تسري إلى الأفراد بالبيان الذي أفاده، فينبغي أن تكون المحبوبية أيضاً كذلك، مع أنّها لا تكون كذلك، فالمبغوضية و المحبوبية ترتضعان من ثَدْي واحد؛ فإن كانت المبغوضية تسري إلى الأفراد فلتكن المحبوبية كذلك، مع أنّها ليست كذلك.

و ثانياً: تقدّم أنّه على مسلك العدلية، تكون الأحكام تابعة للمصالح و المفاسد في المتعلّقات، و واضح أنّه لا طريق لنا- في الغالب- لفهم المحبوبية أو المبغوضية إلّا

____________

(1)- فوائد الاصول 1: 395.

16

بالأمر أو النهي، فكلّ ما تعلّق به الأمر يستكشف منه المحبوبية، كما أنّه إن تعلّق به النهي يستكشف منه المبغوضية، و من الواضح أنّه كما يمكن أن يكون المبغوض في جانب النهي صرف الوجود- كما هو الشأن في جانب الأمر فكذلك يمكن أن يكون المبغوض الطبيعة السارية في أفرادها، فبمجرّد النهي عن طبيعة و مبغوضيتها، لا طريق لنا إلى استكشاف سراية المبغوضية إلى الأفراد (1).

و ثالثاً: أنّ ما ذكره غير مختصّ بباب الأوامر و النواهي و الإنشاءات، بل يجري في الإخبارات أيضاً؛ لأنّه إذا قيل: «رأيت إنساناً» فإن كان قد رأى فرداً منه يصحّ منه ذلك، و يكون قوله ذلك صادقاً، و لا يصدق قوله: «ما رأيت إنساناً» إلّا إذا لم يَر أحداً من الناس، فلم يكن سرّ ذلك ما ذكره من مبغوضية الطبيعة بأفرادها المستظهرة من تعلّق النهي بها.

فظهر أنّ الفرق بين الأمر و النهي لم يكن بحكم العقل و لو بمقدّمات الحكمة، و لا من اللغة، و لا من ناحية مبغوضية النهي السارية في جميع الأفراد.

و الذي يمكن أن يقال في ذلك: هو أنّ ذلك بحكم فهم العرف و العقلاء من المادّة الواقعة تِلو السلب؛ سواء كانت إنشاءً، أو إخباراً، فإن كانت نهياً فلا بدّ و أن لا يوجد فرد منه، و إن كانت إخباراً فإنّما يصدق إذا لم يتحقّق منه فرد في الخارج، فالمسألة عقلائية لا عقلية. و لو عدّت عقلية فلا بدّ و أن تعدّ عقلية مسامحية لا دقّية.

و إن كان في خاطرك فيما ذكرنا ريب و شبهة، فانتظر هُنَيئة إلى أن نشير إلى ما في مقال المحقّق الأصفهاني (قدس سره) و ما ذكره بعض الأعاظم دام ظلّه.

____________

(1)- قلت: لعلّه يمكن إرجاع كلام هذا المحقّق (قدس سره) إلى ما سيذكره سيّدنا الاستاذ- دام ظلّه- من أنّ ظاهر النهي عن طبيعة هو ذلك، و لكن يتوجّه عليه الإشكال الثالث كما لا يخفى، فتدبّر. [المقرّر حفظه اللَّه‏]

17

حكم النهي بالنسبة إلى الأفراد الطولية

و لا يخفى: أنّ ما ذكرناه إنّما هو في دلالة النهي على ترك جميع الأفراد العرضية للطبيعة، و أمّا بالنسبة إلى الأفراد الطولية و أنّه إذا عصى و أتى بمصداق من الطبيعة المنهيّ عنها؛ فهل يجوز أن يأتي به ثانياً و ثالثاً و هكذا، أم لا؟

قال المحقّق الأصفهاني (قدس سره) في حلّ ذلك ما حاصله: أنّ المنشأ حقيقة ليس شخص الطلب المتعلّق بعدم الطبيعة كذلك، بل سنخ الطلب الذي لازمه تعلّق كلّ فرد من الطلب بفرد من طبيعة العدم عقلًا، و تعلّق كلّ فرد من الطلب بفرد من العدم تارة:

بلحاظ الحاكم، و اخرى: بحكم العقل لأجل جعل الملازمة بين سنخ الطلب و طبيعي العدم بحدّه.

و بالجملة: ينشئ طبيعي الطلب و يعلّقه بطبيعي العدم، فكأنّه أوقع الملازمة بين الطلب و العدم، فالعقل يحكم بأنّ كلّ مصداق من العدم له نهي يخصّه، فإن عصى و أتى بمصداق منه يكون الطلب باقياً بحاله‏ (1).

و فيه:- مضافاً إلى أنّه دعوى بلا برهان- أنّه أسوأ ما قيل في المقام؛ لأنّ إيقاع البعث أو الزجر- نظير إيقاع الإشارة في البعث- يكونان إيقاعين جزئيين، فكما أنّ الإشارة إيقاع جزئي، فكذلك البعث أو الزجر إيقاع جزئي، غاية الأمر أنّه في إشارة الأخرس يكون تكوينياً، دون ما هنا، فحديث أنّ المنشأ سنخ الطلب لا شخصه، لا أساس له‏ (2).

____________

(1)- نهاية الدراية 2: 291.

(2)- قلت: و قد ردّه سماحة الاستاذ- دام ظلّه- في الدورة السابقة- مضافاً إلى ما ذكرناه- بأنّ النهي ليس طلباً، و المتعلّق ليس عدماً، و أنّ ما ذكره (قدس سرهم)نقوض بمثله؛ إذ لقائل أن يقول: إنّ الأمر حقيقة في جعل الملازمة بين سنخ الطلب و طبيعي الفعل، مع أنّه باطل. [المقرّر حفظه اللَّه‏]

18

ثمّ إنّه لو أراد أنّ الماهية و إن وضعت لإيقاع البعث و الزجر الجزئيين، لكنّها في النواهي لم تستعمل في ذلك، بل استعملت فيها في إيقاع نفس الطبيعة الكلّية، و لازمه العقلي الانحلال.

ففيه: أنّه لو تمّ فغايته أن تكون أمراً مجازياً، فلا يصار إليه إلّا بالقرينة العامّة، و هي غير موجودة في المقام.

و بالجملة: ديدن العقلاء غير مرهون بالقرينة، كما لا يخفى.

و مع الالتزام بذلك فالأهون ما ذهب إليه المحقّق النائيني (قدس سره)- و إن كان على خلاف التحقيق- من أنّ المنشأ و إن كان شخص الطلب، لكنّه حيث تعلّق بالطبيعة، نلتزم بالعموم الاستغراقي في جانب النهي حتّى ينحلّ النهي بتبعه‏ (1).

نعم، يرد عليه عدم استعمال المادّة في الأفراد وجداناً، كما لم تستعمل الهيئة في الطبيعي على ما ادّعاه المدّعي، فتدبّر.

و لبعض الأعاظم دام ظلّه‏ (2) كلام في مقتضى النهي بالنسبة إلى كلّ من الأفراد العرضية و الطولية، لكنّه لا يخلو من النظر؛ لأنّه قال: «إنّ الأمر و النهي يشتركان في أنّ متعلّقهما وجود الطبيعة، لكنّهما يختلفان بحسب الحقيقة، و المبادئ، و الآثار، فحقيقة الأمر هو البعث و التحريك نحو المتعلّق، و يعبّر عنه بالفارسية (واداشتن) و حقيقة النهي عبارة عن الزجر و المنع عن المتعلّق، و يعبّر عنه بالفارسية (بازداشتن)

____________

(1)- فوائد الاصول 2: 395.

(2)- عنى به سماحة استاذنا الأعظم البروجردي- دام ظلّه العالي-. [المقرّر حفظه اللَّه‏]

19

و مقتضى البعث نحو وجود الطبيعة تحقّق الامتثال بإيجاد فردٍ ما، فيسقط الأمر بذلك، و مقتضى الزجر عن وجودها كون الإتيان بكلّ فرد عصياناً على حدة؛ إذ كلّ فرد من الأفراد وجود للطبيعة، و قد زجر عنه المولى من جهة كون الوجود مشتملًا على مفسدة نشأت من قبلها المبغوضية، فهناك و إن كان نهي واحد متعلّق بوجود الطبيعة، و لكنّه يَنحلّ إلى نواهٍ متعدّدة بعدد الأفراد المتصوّرة للطبيعة، و بعددها يتصوّر له الامتثال و العصيان. و بالجملة: اقتضاء النهي ترك كلّ فرد فرد، إنّما هو لأمرين: كون المتعلّق الطبيعة اللابشرط، و كون النهي عبارة عن الزجر عن وجودها، فلو لم يكن واحد منهما لما اقتضى النهي ذلك».

و قال دام ظلّه: في مقتضى النهي بالنسبة إلى الأفراد الطولية: «إنّ سقوط التكليف إمّا بالامتثال، أو بانتفاء الموضوع، أو موت المكلّف، و لا يمكن أن يكون العصيان مسقطاً للتكليف و إن اشتهر ذلك بينهم؛ لأنّ العصيان بما هو عصيان، ليس فيه ملاك الإسقاط، و سقوط الموقّتات بمضي أوقاتها- إذا تركها العبد في أوقاتها- إنّما هو من جهة أنّه لا يقدر على إتيانها بعد مضيّ الوقت، و تخرج عن تحت قدرته، لا من جهة العصيان، فبعد إيجاد فرد من الطبيعة المنهيّ عنها يتحقّق عصيان للنهي، و لكنّه مع ذلك يقع الفرد الثاني و الثالث إلى غير ذلك، مصاديق للعصيان لو اتي بها، و يقع ترك كلّ واحد منها امتثالًا على حدة لو تركت بداعي نهي المولى ...» (1).

أقول أوّلًا: أمّا ما أفاده دام ظلّه بالنسبة إلى الأفراد العرضية، ففيه: أنّ استفادة ذلك ليست مرهونة بكون مدلول النهي الزجر عن الطبيعة، كما يراه دام ظلّه و هو

____________

(1)- لمحات الاصول: 207- 210، نهاية الاصول: 248- 249.

20

الحقّ عندنا كما تقدّم، بل لو قيل بأنّ مفاد النهي طلب الترك يستفاد ذلك أيضاً، مثلًا لو قال المولى لعبده: «أطلب منك ترك شرب الخمر» يفهم منه لزوم ترك جميع أفراد طبيعة الخمر، فما يراه من أنّ استفادة ترك جميع الأفراد العرضية من ناحية كون مدلول النهي الزجر عن الطبيعة، كما ترى‏ (1).

و ثانياً: أنّ استفادة ذلك لم تكن مختصّة بالنهي، أو اشتمال وجود الطبيعة المنهيّ عنها على المفسدة، كما زعمه دام ظلّه بل يجري في الإخبارات أيضاً.

و بالجملة: قد أشرنا آنفاً إلى أنّ فهم العرف و العقلاء من وقوع الماهية تلو السلب- نفياً كان أو نهياً- هو عدم تحقّق فرد منها في الخارج في النفي، و الزجر عن إيجاد فرد منها في النهي.

و أمّا ما أفاده‏ بالنسبة إلى الأفراد الطولية- و هو عدم سقوط النهي بعصيانه بإيجاد فرد من الطبيعة المنهيّ عنها- فلا نسلّمه إذا كان متعلّق النهي عين متعلّق الأمر؛ بأن كان متعلّق النهي صرف وجود الطبيعة، و حيث إنّه غير قابل للتكثّر، فيتحقّق عصيانه بصرف وجود الطبيعة المنهيّ عنها، و يسقط المنهيّ عنه حقيقة، فلا بدّ من تحديد حدود متعلّق النهي، و أنّه هل هو صِرف وجود الطبيعة، أو شي‏ء آخر؟

مضافاً إلى أنّه لو كان متعلّق التكليف في الأمر و النهي، الطبيعة اللابشرط و صرف وجودها، و توجّه خطاب الأمر و خطاب النهي لشخص في آنٍ واحد مقتضٍ لامتثالهما في آنٍ واحد أيضاً، فلازمه أن يسقط كلا الخطابين، فكيف يصحّ أن يقال بصدق الامتثال بأوّل وجود الطبيعة في جانب الأمر دون النهي؟!

____________

(1)- قلت: مع أنّ الزجر عن الطبيعة و البعث إليها، يرتضعان من ثدي واحد، فإذا اقتضى الزجر عنها ذلك فليكن البعث إليها كذلك، فالتفرقة بينهما لا وجه لها. [المقرّر حفظه اللَّه‏]

21

فظهر ممّا ذكرنا: أنّ النكتة في الفرق بين الأمر المتعلّق بالطبيعة و النهي المتعلّق بها، ليست ما ذكره الأعلام، بل النكتة الوحيدة في ذلك هي الفهم العرفي المتّبع في أمثال المقام في كلتا المرحلتين؛ فإنّهم يرون أنّ الطبيعي يوجد بوجود فرد ما، و ينعدم بعدم جميع الأفراد، و معروفية هذا المعنى في أذهانهم بنحو ربما يوجد في كلمات بعض الفلاسفة أيضاً (1)، و يرون انحلال النهي المتعلّق بالطبيعة إلى نواهٍ؛ بحيث لو اتي بالمنهيّ عنه لا يرون سقوطه.

إن قلت: إنّ هذا هو المعنى العرفي الذي صرّح به المحقّق الخراساني (قدس سره) و لم تقبلوه منه!!

قلت: المحقّق الخراساني (قدس سره) أراد إثبات ذلك من ناحية حكم العقل، و قد عرفت ضعفه‏ (2)، و أمّا نحن فنريد إثبات ذلك بالتشبّث بالفهم العرفي و النظر العقلائي، و كم فرق بينهما!! و هم يرون انحلال النهي إلى نواهٍ متعدّدة، فيفهمون مبغوضية الأفراد، بعكس ما يراه المحقّق النائيني (قدس سرهم)ن أنّ مبغوضية الطبيعي تَسري إلى الأفراد، كما سبق‏ (3)، و من غير فرق في ذلك بين كون النهي زجراً، كما يراه بعض الأعاظم دام ظلّه‏ (4)، أو طلب الترك، بل يجري ذلك في الطبيعة الواقعة تلو السلب؛ نفياً كان، أو نهياً، و إنكار الفهم العرفي بالنسبة إلى ما ذكرنا في المرحلتين، لعلّه مكابرة. و أمّا معرفة سرّ فهم العقلاء فلا يضرّ جهله بعد ذلك.

____________

(1)- الحكمة المتعالية 2: 217 و 8: 15.

(2)- تقدّم في الصفحة 13.

(3)- تقدّم في الصفحة 15.

(4)- لمحات الاصول: 208، نهاية الاصول: 248- 249.

22

و بالجملة: لم يتمّ شي‏ء ممّا أفادوه في افتراق الطبيعي الواقع تلو النهي، عن الطبيعي الواقع تلو الأمر، فالأولى أن يتشبّث في ذلك في جانب النهي؛ بذيل فهم العرف و العقلاء المُتبع في أمثال المقام، فإنّهم- كما أشرنا إليه غير مرّة- يرون بالنسبة إلى الأفراد العرضية، أنّ الطبيعي ينعدم بانعدام جميع الأفراد، و بالنسبة إلى الأفراد الطولية، يرون أنّ النهي إذا تعلّق بطبيعة فينحلّ إلى نواهٍ، فإذا عصى و أتى بالمنهيّ عنه فلا يرون سقوطه، بل يرون أنّه إذا أتى بالمنهيّ عنه مراراً، استحقّ العقوبة بعدد الأفراد. و لا يهمّنا بعد ذلك عدم معرفة سِرّ ذلك منهم، فافهم، و كن من الشاكرين.

23

اجتماع الأمر و النهي‏

المبحث الثالث في اجتماع الأمر و النهي‏ (1)

اختلفوا في جواز اجتماع الأمر و النهي و عدمه في شي‏ء واحد على أقوال؛ فذهب بعض إلى الجواز مطلقاً، و بعض آخر إلى المنع كذلك، و فصّل ثالث فقال بالجواز عقلًا، و الامتناع عرفاً ... إلى غير ذلك من الأقوال. و تنقيح الأمر في ذلك‏

يقتضي تمهيد امور (2):

الأمر الأوّل: في عنوان البحث‏

المعروف بينهم قديماً و حديثاً في عنوان البحث: «هو أنّه هل يجوز اجتماع الأمر و النهي في شي‏ء واحد، أم لا؟»، و لا يخفى ما فيه؛ لأنّ المراد ب «الواحد» إمّا الواحد الشخصي، أو الجنسي، أو النوعي، أو الأعمّ من الشخصي و منهما:

____________

(1)- تأريخ الشروع يوم الاثنين 23/ ربيع الثاني/ 1380 ه. ق.

(2)- قلت: و ليعلم أنّ بعض هذه الامور التي نذكرها دخيل في مقدّمية البحث، و بعضها من تنبيهات المسألة جرى ذكره في خلالها للمناسبة، فتدبّر. [المقرّر حفظه اللَّه‏]

24

لا سبيل إلى إرادة الواحد الشخصي؛ لأنّ شخصية الشي‏ء إنّما هي بالوجود، و هو قبل الوجود كلّي، و بالوجود يصير جزئياً، فيلزم أن يكون البحث في أنّه هل يجوز اجتماع الأمر و النهي في الصلاة الخارجية مثلًا الواقعة في الدار الغصبية، أم لا؟ و من الواضح أنّ الخارج ظرف سقوط التكليف لا ثبوته، فاجتماع الأمر و النهي لا معنى له.

و بالجملة: الواحد الشخصي- بلحاظ كون الخارج ظرف سقوط التكليف لا ثبوته- لا يعقل أن يتعلّق به تكليف واحد، فضلًا عن تكليفين، لأنّ الشي‏ء بعد وجوده الخارجي لا يكاد يمكن أن يتعلّق به أمر أو نهى، فاجتماع الأمر و النهي في الواحد الشخصي لا معنى له.

و لو اريد ب «الواحد» الواحد الجنسي- بأن يراد أنّ الواحد الذي له أنواع مختلفة، متعلّق للأمر و النهي، كجنس الحركة الجامعة بين الحركة الصلاتية و الحركة الغصبية- أو الواحد النوعي الذي له أصناف متعدّدة كالحركة، لكنّها بعناية اخرى، ففيه:

أوّلًا: أنّ الواحد الكذائي- الجامع الجنسي أو النوعي- لم يتعلّق به أمر و لا نهي؛ لأنّ الأمر تعلّق بعنوان «الصلاة» مثلًا، و النهي تعلّق بعنوان «الغصب» أو «التصرّف في مال الغير بغير رضاه» و بعد تعلّق الأمر و النهي كذلك، يمكن انتزاع جامع جنسي أو نوعي منهما، و لكنّه غير ما تعلّق به التكليف.

و ثانياً: لا معنى لتعلّق الأمر و النهي بالواحد الجنسي مع قطع النظر عن التصادق على الواحد الشخصي؛ لأنّ الحركة في ضمن الصلاة تكون مأموراً بها، كما أنّها في ضمن الغصب و التصرّف في مال الغير، تكون منهيّاً عنها مع قطع النظر عن تصادقهما في الخارج.

25

و بالجملة: يجوز الأمر بالحركة المتحصّصة بالصلاة، و النهي عن الحركة المتحصّصة بالغصب، بلا إشكال و ريب، و كالأمر بالسجود للَّه تعالى، و النهي عنه للصنم، فلا معنى للنزاع في الواحد الجنسي أو النوعي مع قطع النظر عن التصادق على الواحد الشخصي.

إذا تمهّد لك حال إرادة الواحد الشخصي أو الواحد الجنسي أو النوعي، يظهر لك الأمر في إرادة الأعمّ من الشخصي و منهما.

فظهر ممّا ذكرنا: أنّ الواحد الشخصي لم يكن محلّاً للبحث؛ لعدم معقوليته، و لا الواحد الجنسي أو النوعي؛ لعدم محذور فيه، بل لا ينبغي البحث و النزاع فيه لوضوحه، فالبحث في الحقيقة إنّما هو في انطباق عنواني المأمور به و المنهيّ عنه و تصادقهما في الموجود الخارجي، فالحري عقد عنوان البحث هكذا: هل يجوز اجتماع الأمر و النهي على عنوانين متصادقين خارجاً على واحد شخصي؛ بحيث يكون الموضوع الخارجي مجمع العنوانين، أم لا؟

فعلى هذا، يكون النزاع في هذه المسألة كبروياً لا صغروياً، خلافاً للعلمين الخراساني و النائيني 0 لأنّه يظهر منهما أنّ النزاع في المسألة صغروي، فقد قال المحقّق الخراساني (قدس سره) في الأمر الثاني عند بيان الفرق بين هذه المسألة و مسألة النهي في العبادة: «إنّ الجهة المبحوث عنها في هذه المسألة، هي أنّ تعدّد الوجه و العنوان في الواحد، هل يوجب تعدّد متعلّق الأمر و النهي؛ بحيث يرتفع به غائلة استحالة الاجتماع في الواحد بوجه واحد، أو لا يوجبه، بل يكون حاله حاله‏ (1)؟

____________

(1)- قلت: يعني يكون حال ذي الجهتين حال الشي‏ء الواحد ذي الوجه الواحد في استحالة اجتماع الأمر و النهي فيه. [المقرّر حفظه اللَّه‏]

26

فالنزاع في سراية كلّ من الأمر و النهي إلى متعلّق الآخر؛ لاتحاد متعلّقيهما وجوداً، و عدم سرايته؛ لتعدّدهما وجهاً ...» (1).

فقال المحقّق النائيني (قدس سره): «إنّ ظاهر عنوانهم البحث- بأنّه هل يجوز اجتماع الأمر و النهي في شي‏ء واحد؟- كون النزاع في تضادّ الأمر و النهي و عدمه، مع أنّ تضادّ الأحكام بأسرها، أمر مفروغ عنه غير قابل للنزاع فيه، فليس ظاهر العنوان مراداً قطعاً، فالبحث إنّما هو في أصل لزوم الاجتماع و عدمه، لا جوازه و عدمه، فالأولى تبديل عنوان البحث هكذا: إذا اجتمع متعلّق الأمر و النهي من حيث الإيجاد و الوجود، فهل يلزم من الاجتماع الكذائي أن يتعلّق كلّ من الأمر و النهي بعين ما تعلّق به الآخر، كما هو مقالة القائل بالامتناع، أو لا يلزم ذلك، كما هو مقالة القائل بالجواز؟ ...» (2).

فترى أيّها الخبير أنّهما 0 بصدد تحرير محطّ النزاع بنحو لا يلزم القائلين بالجواز، اجتماع الأمر و النهي في شي‏ء واحد، فنزاع القوم في الحقيقة في أنّه هل يلزم اجتماع الأمر و النهي في شي‏ء واحد، أم لا؟ فيكون النزاع صغروياً.

و واضح‏ أنّه لا داعي إلى عقد عنوان البحث صغروياً بعد إمكان عقد البحث كبروياً؛ أي في جواز اجتماع الأمر و النهي على عنوانين كلّيين متصادقين في الخارج على أمر واحد شخصي و عدمه، فمن لم يجز ذلك يرى أنّ الأمر و النهي المتعلّقين بالعنوانين، يسريان إلى الخارج، و من جوّزه يرى عدم سراية الحكم المتعلّق بالعنوان إلى الخارج، و ما ذكره العلمان 0 دليل أحد شقّي المسألة، و واضح أنّه لا بدّ من عقد عنوان البحث بنحو قابل للردّ و القبول.

____________

(1)- كفاية الاصول: 184.

(2)- فوائد الاصول 1: 396- 397.

27

و بالجملة: لزوم التوالي الفاسدة من لزوم اجتماع الأمر و النهي في شي‏ء واحد و اجتماع الضدّين، إنّما هو دليل أحد طرفي الترديد، فلا معنى لجعله معقداً للبحث، فتدبّر.

إذا تمهّد لك ما ذكرنا يظهر لك: أنّ المراد ب «الواحد» هو الواحد الشخصي؛ إبقاءً لما ورد من السلف إلى الخلف، خلافاً للمحقّق الخراساني (قدس سره) حيث قال: «إنّ المراد بالواحد مطلق ما كان ذا وجهين و مندرجاً تحت عنوانين: بأحدهما كان مورداً للأمر، و بالآخر للنهي؛ و إن كان كلّياً مقولًا على كثيرين، كالصلاة في المغصوب. و إنّما ذكر هذا لإخراج ما إذا تعدّد متعلّق الأمر و النهي، و لم يجتمعا وجوداً و لو جمعهما واحد مفهوماً، كالسجود للَّه تعالى، و السجود للصنم، لا لإخراج الواحد الجنسي أو النوعي، كالحركة و السكون الكلّيين المعنونين بالصلاتية و الغصبية ...» (1).

و أنت خبير: بأنّ الصلاة في الدار المغصوبة لم تكن أمراً واحداً، و لم تكن متعلّقة للأمر، و لا النهي، بل الأمر تعلّق بعنوان «الصلاة» و النهي تعلّق بعنوان «الغصب» و «التسلّط على مال الغير بغير رضاه» و هما في عالم العنوانية متغايران، غاية الأمر يتحدان باعتبار الوجود الخارجي.

ثمّ إنّه لا يخفى: أنّه لو لم يلحظ الواحد بلحاظ وجوده الخارجي، فلا ينبغي الإشكال و الخلاف في جواز تعلّق الأمر و النهي به، كالسجود للَّه تعالى، و للصنم، و إنّما الإشكال و الخلاف فيما إذا لوحظ اجتماعهما و تصادقهما على موجود خارجي، فالأولى أن يتحدّد عنوان البحث بما ذكرنا، فتدبّر.

____________

(1)- كفاية الاصول: 183.

28

الأمر الثاني في الفرق بين هذه المسألة و مسألة النهي عن العبادة أو المعاملة

إذا أحطت خبراً بما ذكرناه في الأمر الأوّل، يظهر لك الفرق بين هذه المسألة و مسألة النهي عن العبادة أو المعاملة التي سيجي‏ء ذكرها؛ و أنّه في الموضوع و المحمول معاً، أعني بتمام الذات؛ لوضوح أنّ موضوع هذه المسألة هو اجتماع الأمر و النهي على عنوانين متصادقين على موضوع واحد، و محمولها هو الجواز أو عدمه، و موضوع تلك المسألة تعلّق النهي بالعبادة أو المعاملة، و محمولها إيجاب الفساد أو عدمه، فامتازت كلّ من المسألتين عن الاخرى بتمام الذات؛ لأنّ الامتياز الذاتي بين المسألتين إمّا بالموضوع، أو المحمول، أو مجموعهما، فالتمايز بالموضوع و المحمول تمايز بتمام الذات.

فإن كان الامتياز بين المسألتين بأمر ذاتي بل بتمام الذات، فلا تصل النوبة إلى الامتياز بغير الذات و الذاتيات، كالامتياز بالأغراض، فما أفاده المحقّق الخراساني (قدس سره):

«من أنّ الجهة المبحوث عنها المميّزة لهذه المسألة عن تلك المسألة؛ هي أنّ الجهة المبحوث عنها في هذه المسألة، هي أنّ تعدّد الوجه و العنوان هل يوجب تعدّد متعلّق الأمر و النهي، أم لا؟ فالنزاع في سراية كلّ من الأمر و النهي إلى متعلّق الآخر؛ لاتحاد متعلّقيهما وجوداً، و عدم سرايته؛ لتعدّدهما وجهاً، و الجهة المبحوث عنها هناك في أنّ النهي عن العبادة أو المعاملة يوجب فسادها بعد الفراغ عن التوجّه إليها» (1)، لا يخلو من النظر؛ و ذلك:

____________

(1)- كفاية الاصول: 184.

29

أوّلًا: لأنّه إذا اختلفت مسألتان في بعض الذات أو تمام الذات- أعني الموضوع و المحمول، كما فيما نحن فيه- فلا تصل النوبة إلى التمييز بينهما بالجهات الخارجية و الأغراض الخارجة عن حريم الذات، و لا يصار إليها بعد إمكان الامتياز بما يكون دخيلًا في الذات و الذاتيات.

و ثانياً: أنّ الجهة المبحوث عنها في هذه المسألة ليست ما ذكره؛ لأنّ ما ذكره من المبادئ التصديقية.

و البرهان على المسألة؛ أي أنّه إذا اجتمع عنوانان تعلّق بواحد منهما أمر، و بالآخر نهي، و تصادقا على موضوع واحد شخصي، هل يجوز، أم لا؟

و بالجملة: تمايز مسألة عن اخرى إنّما هو بموضوعها و محمولها، أو بأحدهما، فإذا كانت المسألة متميّزة عن اخرى بتمام ذاتها- كما في المقام- فلا معنى للتمسّك بما هو خارج عن مرتبة الذات؛ كسراية كلّ من الأمر و النهي إلى متعلّق الآخر و عدمها في المقام، و كون النهي- بعد تسليم السراية- هل يوجب الفساد أم لا في غير المقام؟

مضافاً إلى أنّ الجهة المبحوث عنها في المقام، ليست هي كون التعدّد في الواحد يوجب تعدّد المتعلّق، أو لا، و أنّه هل يسري كلّ منهما إلى متعلّق الآخر، أو لا؟

الأمر الثالث في كون المسألة اصولية

ظهر لك ممّا ذكرنا: أنّه يمكن عقد عنوان المسألة بنحوين:

النحو الأوّل: بما ذكرناه من جواز اجتماع الأمر و النهي على عنوانين متصادقين في الخارج، و قد أشرنا إلى أنّه مراد من عنون المسألة من السلف إلى الخلف: «بأنّه‏

30

هل يجوز اجتماع الأمر و النهي في شي‏ء واحد؟» (1). مع تسامح في تعبيرهم، كما أشرنا و قلنا: إنّ النزاع على ذلك كبروي‏ (2).

النحو الثاني: بما عنونه المحقّق الخراساني (قدس سره) و تبعه في ذلك غيره و هو: «أنّ تعدّد الجهة في شي‏ء واحد، هل يوجب رفع غائلة اجتماع الأمر و النهي و الضدّين، أم لا؟» و قلنا: إنّ النزاع عليه صغروي‏ (3).

و على كلا التقديرين وقع الخلاف في كون المسألة من المسائل الاصولية، أو من المسائل الكلامية، أو الفقهية، أو من المبادئ الأحكامية، أو من المبادئ التصديقية لمسألة اخرى.

ربّما يظهر من بعضهم‏ عدّها مسألة فقهية بتوهّم: أنّ البحث عنها في صحّة الصلاة في الدار المغصوبة مثلًا و عدمها.

و فيه: أنّ البحث في المسألة عقلي؛ إذ هو في جواز الاجتماع و إمكانه و عدمه على النحو الذي ذكرناه، و في لزوم ذلك على النحو الآخر، و من الواضح أنّ البحث عليهما لا يكون بحثاً في مسألة فقهية؛ حيث إنّ المسألة الفقهية ما تتعلّق بفعل المكلّف بلا واسطة من حيث الصحّة و الفساد، و ليست هذه المسألة متكفّلة لذلك.

نعم، نتيجة هذه المسألة تنتهي إلى الفقه؛ و هي صحّة الصلاة في الدار المغصوبة و عدمها مثلًا، و لكن من الواضح أنّ مجرّد ذلك لا يوجب عدّ المسألة فقهية، و إلّا يلزم أن يكون جلّ المسائل الاصولية- إن لم تكن كلّها- فقهية؛ لانتهاء الأمر فيها إلى عمل المكلّف، و هو كما ترى.

____________

(1)- تقدّم في الصفحة 23.

(2)- تقدّم في الصفحة 25.

(3)- تقدّم في الصفحة 26.

31

و ربما يظهر من بعضهم‏ عدّ المسألة من المسائل الكلامية (1)؛ بلحاظ أنّ المسألة عقلية؛ و يبحث فيها عمّا يصحّ و يمتنع عليه تعالى، لأنّ مرجع النزاع فيها إلى فعله تعالى؛ و أنّه هل يجوز عليه تعالى جعل حكمين متخالفين بعنوانين متصادقين على واحد؟ و أنّه هل تجتمع إرادته تعالى و كراهته في واحد كذلك، أم لا؟

و بالجملة: هل يصحّ من المولى الحكيم الأمر و النهي بعنوانين متصادقين على واحد، أم لا؟

و فيه: أنّ مجرّد كون المسألة عقلية لا يوجب عدّها مسألة كلامية؛ و إلّا يلزم أن تكون مسائل المنطق و سائر العلوم العقلية، مسائل كلامية، و هو كما ترى، و مجرّد إمكان إرجاع البحث فيها بنحو- كما ذكر- إلى المسائل الكلامية، صرف للمسألة عن مسيرها من دون داعٍ، و لعلّ البحث على ما ذكر أشبه شي‏ء بالأكل من القفا (2).

يظهر من المحقّق النائيني (قدس سره) أنّ النزاع في المسألة من المبادئ التصديقية لموضوع مسألة التعارض أو التزاحم؛ و ذلك لأنّه (قدس سره) غيّر عنوان البحث عن ظاهره إلى أنّه إذا اجتمع متعلّق الأمر و النهي من حيث الإيجاد و الوجود، فهل يلزم من الاجتماع كذلك أن يتعلّق كلّ من الأمر و النهي بعين ما تعلّق به الآخر، أو لا؟

ثمّ قال: إنّ الكلام في المسألة يقع في مقامين:

____________

(1)- قوانين الاصول: 140/ السطر 19.

(2)- قلت: و لعلّه ممّا ذكرنا يظهر النظر في عدّ المحقّق النائيني (قدس سره) المسألة كلامية إذا كان البحث في إمكان اجتماع الأمر و النهي و امتناعه؛ بزعم أنّ علم الكلام هو المتكفّل لبيان حقائق الأشياء من واجباتها و ممكناتها و ممتنعاتها (أ)، فتأمّل في ما ذكره و ما ذكرناه. [المقرّر حفظه اللَّه‏]

أ- فوائد الاصول 1: 399.

32

المقام الأوّل: في لزوم ذلك و عدمه، فإن لزم منه تعلّق الأمر بعين ما تعلّق به النهي- و لو لمكان إطلاق كلّ منهما لمتعلّق الآخر- فيمتنع تشريع الأمر و النهي معاً بلحاظ حال الاجتماع، و يكون بين الدليلين المتكفّلين لذلك تعارض العموم من وجه، و إن لم يلزم منه ذلك فلا يمتنع تشريع مثل هذا الأمر و النهي، و لا يكون بينهما تعارض.

المقام الثاني: في أنّه بعد ما لم يتعلّق الأمر بعين ما تعلّق به النهي، فهل وجود المندوحة للمكلّف و تمكّنه من إيجاد الصلاة خارج الدار الغصبية، يجدي في رفع غائلة التزاحم بين الأمر و النهي، و يكفي في انطباق المأمور به و المنهي عنه على الجامع؛ و هو الصلاة في الدار الغصبية، فتصحّ الصلاة فيها، أو لا يجدي وجود المندوحة في ذلك، و لا ينطبق المأمور به على المجمع؟

و البحث في مسألة اجتماع الأمر و النهي و إن كان راجعاً إلى باب الملازمات العقلية للخطابات الشرعية، كالبحث عن مقدّمة الواجب، و مسألة الضدّ، مع فرق بينهما؛ حيث إنّ البحث في تلك المسائل عن لازم خطاب واحد، و في هذه المسألة عن لازم خطابين، و لازم ذلك في بادئ النظر و إن كان عدّ المسألة من المسائل الاصولية كما كانت تلك المسائل كذلك، و لكن حيث إنّ مجرّد كون البحث عن الملازمات، لا يكفي في عدّ المسألة اصولية إلّا إذا كانت الكبرى المبحوث عنها بنفسها، واقعةً في طريق الاستنباط؛ بحيث يصلح أن تكون كبرى لقياس الاستنباط، و يستنتج حكم فرعي كلّي، و الكبرى المبحوث عنها في المقام لا تصلح لذلك، بخلاف كبريات تلك المسائل؛ و ذلك لأنّ المبحوث عنها فيها هو عن اقتضاء الأمر بالشي‏ء النهي عن ضدّه، و اقتضاء إيجاب الشي‏ء إيجاب مقدّماته، و كلّ واحد منهما بنفسه يقع كبرى لقياس الاستنباط، و يستنتج منه حكم كلّي؛

33

و هو فساد الضدّ إذا كان عبادة، و وجوب مقدّمة الواجب.

و أمّا فيما نحن فيه فليس كذلك؛ لأنّ المبحوث عنه في المقام الأوّل في استلزام تعلّق الأمر و النهي بعين ما تعلّق به الآخر عند اتحاد المتعلّقين، فيكون الأمر و النهي متعارضين، أو عدم استلزام ذلك، فلا تعارض، و من الواضح أنّ ثبوت التعارض و عدمه، لا يقع بنفسه كبرى القياس ما لم ينضمّ إليه قواعد التعارض من الترجيح أو التخيير.

و في المقام الثاني إنّما هو في كفاية وجود المندوحة في رفع غائلة التزاحم، و عدم كفايته، فيكون بحثاً عمّا يقتضي وجود التزاحم و عدمه، و هو أيضاً ليس بنفسه كبرى القياس ما لم تنضمّ إليه قواعد التزاحم.

فالإنصاف: أنّ البحث في المسألة أشبه شي‏ء بالبحث عن المبادئ التصديقية؛ لرجوع البحث فيها إلى البحث عمّا يقتضي وجود الموضوع لمسألة التعارض و التزاحم، و ليس بحثاً عن المسألة الاصولية، و لا عن المبادئ الأحكامية (1)، انتهى كلامه محرّراً.

و ما أفاده (قدس سره) غير وجيه‏، و لتوضيح بعض الإشكال فيه ينبغي الإشارة الإجمالية إلى معنى المبدأ التصوّري و المبدأ التصديقي، و أنّ المبادئ الأحكامية ليست أمراً خارجاً عنهما، بل اصطلاح محض فيما يرجع إلى الأحكام الشرعية.

فنقول: لكلّ مسألة موضوع، و محمول، و نسبة حكمية، و حكم، فما يكون دخيلًا في تصوّر موضوع المسألة أو محمولها- بل النسبة بينهما- يكون مبدأً تصوّريّاً بالنسبة إليها، و أمّا ما يكون دخيلًا في التصديق بالمسألة- أي في التصديق بثبوت المحمول للموضوع- فيكون مبدأً تصديقياً.

____________

(1)- فوائد الاصول 1: 397- 400.

34

مثلًا: «الأمر يدلّ على الوجوب» مسألة، فكلّ ما يكون دخيلًا في تصوّر الأمر و أنّه ما ذا؟ و في أنّ الوجوب ما هو؟ و في النسبة بينهما؟ يكون مبدأً تصوّريّاً بالنسبة إليها، و أمّا ما يكون دخيلًا في التصديق بأنّ الأمر يدلّ على الوجوب، فيكون مبدأً تصديقياً بالنسبة إليها، فلكلّ مسألة جهة تصديقية، و جهات تصوّرية.

و بما ذكرنا يظهر: أنّ المبادئ الأحكامية- كما يلهج به بعض الألسنة- ليست شيئاً آخر وراء ما ذكرنا، و التعبير بها مجرّد اصطلاح؛ لأنّ كلّ ما يكون دخيلًا في موضوع الحكم الشرعي أو محموله أو النسبة بينهما، يكون مبدأً تصوّريّاً للحكم الشرعي، و ما يكون دخيلًا في الحكم الشرعي يكون مبدأً تصديقياً بالنسبة إليه، فليس هنا أمر وراء ما ذكرنا نسمّيه ب «المبادئ الأحكامية» نعم وقع الاصطلاح في تسمية ما يكون دخيلًا في الحكم الشرعي ب «المبادئ الأحكامية» و لا مضايقة فيه.

فظهر لك المراد ب «المبدأ التصوّري» و «التصديقي» و أنّ الأوّل عبارة عن كلّ ما يكون دخيلًا في تصوّر أطراف القضية، و أنّ الثاني عبارة عمّا يكون دخيلًا في التصديق بأنّ المحمول للموضوع.

و أمّا ما يكون دخيلًا في التصديق بوجود موضوع المسألة أو محمولها- أي ما يكون دخيلًا في تحقّق أطراف المسألة- فاختلف في كونه مبدأً تصوّريّاً أو تصديقياً، و الحقّ كما أفاده بعض، أنّ ما يكون دخيلًا في التصديق بالهوهوية و أنّ المحمول هو الموضوع، مبدأ تصديقي، و أمّا غيره- سواء كان دخيلًا في تصوّر الأطراف، أو كان دخيلًا في تحقّقها- فمبدأ تصوّري‏ (1)، و التفصيل يطلب من محلّه.

إذا تمهّد لك ذلك فنقول: فيما أفاده مواقع للنظر:

____________

(1)- راجع الإشارات و التنبيهات (حاشية المحقّق الطوسي) 1: 299- 300، شرح المقاصد 1: 171، الحاشية على تهذيب المنطق: 115.

35

فأوّلًا: أنّ النزاع- كما أشرنا إليه- في مسألة جواز الاجتماع كبروي لا صغروي؛ و في سراية كلّ من الأمر و النهي لعين ما تعلّق بالآخر و عدمها، حتّى يتوهّم كون البحث فيها عن مبدأ تصديقي لموضوع مسألة التعارض على وجه، أو لموضوع مسألة التزاحم على وجه آخر.

و ثانياً: لو سلّم كون النزاع في ذلك، و لكن ستعرف قريباً أنّ هذه المسألة لا تكون محقّقة لموضوع مسألة باب التعارض أو التزاحم، فارتقب حتّى حين.

و ثالثاً: لو سلّم ذلك أيضاً؛ و أنّ هذه المسألة محقّقة لموضوع مسألة التعارض أو التزاحم، و لكن لا يوجب ذلك أن تكون هذه المسألة مبدأً تصديقياً بالنسبة إليهما، بل لا تكون مبدأً تصوّريّاً لهما أيضاً:

أمّا عدم كونها مبدأً تصديقياً لهما؛ فلما أشرنا إليه من أنّ المبدأ التصديقي لمسألة، هو الذي يكون دخيلًا في التصديق بنفس المسألة. و لو تنزّلنا فيمكن أن يعدّ ما يكون دخيلًا في التصديق بوجود الموضوع أو المحمول، مبدأً تصوّريّاً، و من المعلوم أنّ محقّق موضوع المسألة غير دخيل في تصديقها، و لا في التصديق بوجود الموضوع أو المحمول.

و أمّا عدم كونها مبدأً تصوّريّاً لها؛ فلما أشرنا إليه أيضاً من أنّه عبارة عمّا يكون دخيلًا في تصوّر أطراف القضية، أو دخيلًا في التصديق بوجود الموضوع أو المحمول، و من الواضح أنّ ما يكون محقّقاً لموضوع مسألة، هو الذي إن لم يتمّ البحث فيه لا يكون وقْع للبحث فيها، و بعبارة اخرى: محقّق موضوع مسألة هو علّة وجودها، و كم فرق بين علّة وجود الشي‏ء، و بين ما يكون دخيلًا في تصوّره، أو التصديق بوجوده، بل في التصديق بنفس القضية!! أ لا ترى أنّه تعالى علّة وجود الموضوعات و تحقّقها، و ليس مبدأً تصوّريّاً و لا تصديقياً لشي‏ء من العلوم!!

36

فتحصّل: أنّ مسألة الاجتماع- لو سلّم كونها محقّقة لموضوع مسألة التعارض أو التزاحم- لا تكون مبدأً تصديقياً و لا تصوّريّاً لهما، بل من علل وجودها، فتدبّر.

و رابعاً: أنّ مجرّد كون مسألة مبدأً تصديقياً لمسألة، لا يوجب أن لا تكون المسألة اصولية؛ لأنّه من الممكن أن تكون المسألة مع كونها مسألة اصولية، مبدأً تصديقياً لمسألة اخرى، أ لا ترى أنّ مسألة حجّية خبر الواحد مسألة اصولية، بل من مهمّاتها، مع أنّها بزعمه (قدس سره) تكون مبدأً تصديقياً لموضوع مسألة التعارض!! و مسألتنا هذه كذلك؛ لأنّها لو تمّت تكون مبدأً تصديقياً لموضوع مسألة التعارض أو التزاحم‏ (1).

ربما يظهر من بعض الأعاظم (دام ظلّه) (2): نفي كون مسألة الاجتماع مسألة اصولية؛ لأنّ موضوع علم الاصول هو الحجّة في الفقه، كما عليه الشافعي خرّيت فنّ الاصول، و موضوع العلم ما يبحث فيه عن عوارضه الذاتية، فلا بدّ و أن يكون البحث في مسائل علم الاصول عن عوارض الحجّة، و من الواضح أنّ مسألة جواز اجتماع الأمر و النهي و عدمه، لم تكن بحثاً عن عوارض الحجّة في الفقه‏ (3).

____________

(1)- قلت: لعلّ التدبّر في مقاله (قدس سره) يرشد إلى عدم توجّه هذا الإشكال عليه؛ لأنّه (قدس سره) لم يدّعِ ذلك، بل صرّح بعدم المنافاة بينهما، و غاية ما ذكره هي أنّ الكبرى المبحوث عنها إذا لم تقع بنفسها كبرى القياس- كهذه المسألة- لا تعدّ مسألة اصولية، فالنقض بحجيّة خبر الواحد لعلّه في غير محلّه؛ لأنّها بنفسها تقع كبرى لقياس الاستنباط و إن كانت مع ذلك عنده محقّقة للموضوع. [المقرّر حفظه اللَّه‏]

(2)- يعني به استاذنا الأعظم البروجردي- دام ظلّه-. [المقرّر حفظه اللَّه‏]

(3)- لمحات الاصول: 215- 216.

37

و قد تقدّم‏ الكلام مفصّلًا في مقاله دام ظلّه في صدر الكتاب‏ (1)، و قلنا بأنّه لا دليل على لزوم أن يكون لكلّ علم موضوع؛ حتّى يبحث فيه عن عوارضه الذاتية، و أنّه لا نسلّم كون الوجوب و الحرمة من عوارض فعل المكلّف لو سلّم كونهما من العوارض، و لا دليل على كون موضوع علم الاصول الحجّة في الفقه، و لو سلّم كون موضوع علم الاصول ما أفاده دام ظلّه فغاية ما يقتضيه الاعتبار و يمكن تسلّمه، هو ما يكون حجّة في الفقه بالحمل الشائع و ما يحتجّ به الفقيه في الفقه، لا ما هو الحجّة بالحمل الأوّلي، و من المعلوم أنّه كما أنّ البحث عن مسألة حجّية خبر الواحد مسألة اصولية؛ لكون البحث فيها عمّا يكون حجّة بالحمل الشائع، و يستنتج منها الفقيه حكماً كلّياً آلياً فرعياً، فكذلك مسألتنا هذه؛ فإنّه يبحث فيها عمّا يكون مصداقاً للحجّة، و يُثبِت بها حكماً كلّياً آلياً فرعياً.

و بالجملة: لو أراد دام ظلّه أنّ موضوع علم الاصول مفهوم الحجّة في الفقه، فيلزم خروج جلّ المسائل الاصولية عنه لو لم يخرج كلّها؛ لعدم كون البحث فيها عن عنوان «الحجّة في الفقه» إلّا مع تكلّفٍ و تعسّف، أ لا ترى أنّ مسألة مقدّمة الواجب مسألة اصولية، و كذا مسألة الضدّ مسألة اصولية، و هكذا غيرهما، مع أنّ البحث فيها لم يكن عن عنوان «الحجّة» و لا موجب للالتزام بكون موضوع علم الاصول هو مفهوم «الحجّة في الفقه» حتّى يتكلّف في إدراج بعض المسائل الاصولية فيه، كما لا موجب لالتزام بعض أرباب المعقول‏ (2) بأخذ الوجود موضوعاً لعلم الفلسفة لإدراج بعض المسائل العقلية فيه.

نعم، لو أراد بذلك ما يكون مصداقاً للحجّة و ما يحتجّ به الفقيه في استنباط

____________

(1)- تقدّم في الجزء الأوّل: 27.

(2)- الشفاء، الإلهيات: 10، الحكمة المتعالية 1: 23.

38

الحكم الشرعي من الدليل، فيمكن الالتزام به، و لعلّ الشافعي أيضاً يرى أنّ موضوع علم الاصول ما يكون حجّة بالحمل الشائع، و واضح أنّ مسألتنا هذه ممّا يصحّ الاحتجاج بها في الفقه، و يستنتج منها حكم فرعي؛ و هو جواز الصلاة في الدار المغصوبة.

فظهر ممّا ذكرنا: أنّ مسألة الاجتماع- على ما ذهبنا إليه من كون النزاع فيها كبروياً، أو كما ذهب إليه بعضهم من صغروية النزاع- مسألة عقلية اصولية.

و لقد أحسن و أجاد المحقّق الخراساني (قدس سره) في المقام، حيث قال: «إنّ نتيجة هذه المسألة حيث تقع في طريق الاستنباط، كانت المسألة من المسائل الاصولية، لا من مبادئها الأحكامية، و لا التصديقية، و لا من المسائل الكلامية، و لا من المسائل الفرعية- و إن كانت فيها جهاتها، كما لا يخفى- ضرورة أنّ مجرّد ذلك لا يوجب كونها منها إذا كانت فيها جهة اخرى يمكن عقدها معها من المسائل، و قد عرفت في أوّل الكتاب: أنّه لا ضير في كون مسألة واحدة يبحث فيها عن جهة خاصّة من مسائل علمين؛ لانطباق جهتين عامّتين على تلك الجهة؛ كانت بإحداهما من مسائل علم، و بالاخرى من آخر» (1).

الأمر الرابع في عدم اعتبار وجود المندوحة

اختلفوا في اعتبار قيد المندوحة في محطّ البحث و عدمه، و المراد ب «المندوحة» تمكّن المكلّف من إتيان المأمور به في غير المجمع؛ بأن يمكنه إتيان الصلاة مثلًا في مقام الامتثال في غير المكان المغصوب.

____________

(1)- كفاية الاصول: 185.

39

ربما يظهر من بعضهم‏ اعتبارها في محطّ البحث‏ (1) بتوهّم: أنّه لا بدّ و أن يتمكّن من إتيان الصلاة في غير المكان المغصوب، و إلّا فلو لم تكن هناك مندوحة يلزم التكليف بالمحال؛ لعدم قدرة المكلّف على امتثال الأمر، فلا بدّ من القول بالامتناع.

و لكن‏ الذي يقتضيه النظر عدم اعتبارها في محطّ البحث؛ سواء كان النزاع صغروياً، أي في أنّه هل يوجب تعدّد العنوان رفع غائلة اجتماع الضدّين، أم لا؟ أو كبروياً؛ أي في أنّه هل يجوز اجتماع الأمر و النهي على عنوانين متصادقين على أمر واحد، و كان البحث أعمّ من لزوم اجتماع الضدّين الذي هو تكليف بالمحال، أو التكليف المحال:

أمّا على كون النزاع صغروياً؛ فلأنّ محطّ البحث على هذا في أنّ تعدّد العنوان، هل يرفع غائلة اجتماع الضدّين، أم لا؟ فالأمر يدور مدار تعدّد العنوان، فإن كفى ذلك لرفع غائلة الاجتماع، فوجود المندوحة و عدمها سيّان، و إن لم يكفِ ذلك لرفعها، لما كان لوجود المندوحة و عدمها فائدة أصلًا.

و بالجملة:- كما في «الكفاية» (2)- وجود المندوحة و عدمها لا يرتبط فيما هو المهمّ في محطّ النزاع؛ من إمكان اجتماع الحكمين و استحالته.

و أمّا على كبروية النزاع كما هو المختار، و كون النزاع أعمّ من التكليف بالمحال، أو التكليف المحال، فتوهّم اعتبار المندوحة إنّما نشأ من خلط الأحكام و الخطابات الكلّية القانونية؛ بالأحكام و الخطابات الجزئية و الشخصية، مع أنّه قد أشرنا غير مرّة إلى أنّ لكلّ منهما ملاكاً و ضابطةً تخصّه؛ بداهة اعتبار احتمال الانبعاث في الخطاب‏

____________

(1)- الفصول الغروية: 124/ السطر 32، وقاية الأذهان: 333- 334، درر الفوائد، المحقّق الحائري: 148.

(2)- كفاية الاصول: 187.

40

الشخصي بالنسبة إلى المخاطب، و عدم اعتبار ذلك في الخطاب القانوني، و غاية ما يعتبر فيه هو إمكان انبعاث طائفة منهم.

فعلى هذا نقول: العنوانان اللّذان تعلّق بأحدهما الأمر و بالآخر النهي، إمّا غير مرتبطين و يفترق كلّ منهما عن الآخر بحسب نوع حالات المكلّفين في الأعصار و الأمصار، كعنواني الصلاة و الغصب، حيث إنّ عامّة الناس في الأعصار و الأمصار، يتمكّنون غالباً من إتيان الصلاة في غير الدار المغصوبة، نعم ربما يتّفق لبعضهم و يتضيّق عليه الأمر نادراً؛ بحيث لا يتمكّن إلّا من الصلاة في الدار المغصوبة، و إمّا أن يكونا متلازمين و غير منفكّين بحسب التحقّق الخارجي.

و قد أشرنا إلى أنّ فعلية الأحكام القانونية، لا تكون مرهونة بملاحظة حالات آحاد الأفراد؛ حتّى يكون الحكم بالنسبة إلى واحد منهم إنشائياً بلحاظ عدم تحقّق شرط التكليف فيه، و فعلياً بالنسبة إلى واجد الشرط، بل حتّى يكون الحكم فعلياً و إنشائياً بالنسبة إلى حالات شخص واحد؛ بأن يكون الحكم بالنسبة إلى النائم و الساهي إنشائياً، و يصير فعلياً إذا استيقظ و تذكّر، بل الحكم فعلي بالنسبة إلى جميع آحاد المكلّفين و حالاتهم، بل بالنسبة إلى حالات شخص واحد. و غاية ما يقتضيه العقل هي معذورية ذوي الأعذار عن القيام بامتثال الحكم الفعلي.

فعلى هذا فالحكم الإنشائي هو الحكم الذي يرى المقنّن صلاحاً في إنشائه و جعله على موضوع كلّي، فإن لم يكن عن إجرائه مانع فيجعله و يصير الحكم فعلياً، و إن كان عن إجرائه مانع فلن يصل إلى مرتبة الفعلية (1).

____________

(1)- قلت: و حيث إنّه لم يكد يمكن تبليغ الأحكام بعد ارتحال النبي الأعظم (صلى الله عليه و آله و سلم) لانقطاع الوحي، لذا أنشأ الحكم على العنوان و بلّغه، و أخبر الوصيّ بعده بموانع إجرائه، فكلّما ذهبت الموانع تصير الأحكام المعلّقة على العناوين فعلية، و لذا نقول بوجود أحكام عند وليّ اللَّه الأعظم جعلني اللَّه من كلّ مكروه فداه، و لم تكن شروط فعليتها موجودة إلى الحال، نعم تصير فعلية عند تحقّق شروطها. [المقرّر حفظه اللَّه‏]

41

و بالجملة: المعتبر في جعل الأحكام القانونية، هو انبعاث أو انزجار طائفة منهم في الأعصار و الأمصار، و لا يعتبر فيها ملاحظة حالات كلّ واحد من الأفراد مع ما هم عليه من الاختلاف؛ فبعضهم عاجز، و بعضهم جاهل ... إلى غير ذلك من الأعذار، و غاية ما يقتضيه العقل عند طروّ الجهل أو العجز أو غيرهما، هي معذورية المتلبّس بها، لا تقييد الحكم بعدمها، فإذا تعلّق الحكم بعنوان و ابتلى الشخص بأعذار- منها ابتلاؤه بعدم القدرة عليه بلحاظ انطباق عنوان حكم آخر عليه- لا يصير الحكم إنشائياً، بل فعلياً، و غاية ما يقتضيه حكم العقل هي معذورية الشخص عن القيام بامتثال الحكم الفعلي.

و السرّ في ذلك- كما أشرنا إليه- هو عدم انحلال التكليف الواحد بعدد رءوس آحاد المكلّفين؛ حتّى يكون كلّ فرد مخصوصاً بخطاب يخصّه، حتّى يستهجن خطابه بالبعث نحو الصلاة مثلًا، و بالزجر عن الغصب، حتّى يصير المقام من التكليف بالمحال، أو التكليف المحال من المولى الحكيم، بل تكليف واحد بإرادة واحدة؛ و هي إرادة التشريع و جعل الحكم على العنوان ليصير حجّة على كلّ من أحرز دخوله تحت العنوان.

فإذا تمهّد لك ما ذكرنا فنقول: إنّ العنوانين إمّا أن يكونا من قبيل القسم الأوّل؛ أي غير مرتبط أحدهما بالآخر في الوجود الخارجي غالباً، و إنّما يتصادقان أحياناً، فإن لم يكن محذور في تعلّق الحكمين بالعنوانين الكذائيين- كما هو كذلك- أو كان محذور، فوجود المندوحة و عدمها سيّان في ذلك. هذا عين سابقه إذ ما هو الفرق بين‏

42

أن يكون وجود المندوحة كعدمها و بين أن لا يكون لها أثر أصلًا.

و إمّا أن يكونا من قبيل القسم الثاني- أي متلازمين وجوداً- فلا يحتاج إلى التقييد بالمندوحة أيضاً؛ لاستحالة صدور الحكمين الكذائيين من المولى الحكيم المقنّن، لأنّ الإرادة الجدّية من المولى الحكيم، إنّما تتمشّى في مورد يقدر المكلّف على امتثاله، و في صورة تلازم العنوانين في الوجود، لا يكاد تصدر إرادة البعث لأحدهما، و إرادة الزجر عن الآخر، فالتكليف محال من المولى الحكيم؛ لأجل التكليف المحال، فضلًا عن التكليف بالمحال، فعند ذلك لا بدّ و أن يقيّد أحد الحكمين بعدم الآخر؛ إمّا بتقييد جانب الأمر بعدم النهي لو كانت له مزيّة، أو بالعكس إذا كان للنهي مزيّة، و إذا لم يكن لأحدهما مزيّة على الآخر فالتخيير.

فتحصّل ممّا ذكرنا بطوله: أنّ اعتبار قيد المندوحة غير محتاج إليه؛ لا على كون النزاع صغروياً، و لا على كونه كبروياً، فافهم.

الأمر الخامس في جريان النزاع حتّى مع تعلّق الأوامر و النواهي بالأفراد

قد يقال: إنّ النزاع في هذه المسألة، مبني على مسألة تعلّق الأحكام بالطبائع أو الأفراد؛ بحيث إنّ كلّ من قال بتعلّق الأحكام بالطبائع، فلا بدّ له و أن يقول هنا بجواز الاجتماع، و من قال بتعلّقها بالأفراد فلا بدّ له من اختيار امتناع الاجتماع.

أو يقال: إنّ النزاع في هذه المسألة، إنّما يتمشّى لو قيل بتعلّق الأحكام بالطبائع، و أمّا لو قيل بتعلّقها بالأفراد فلا مناص في هذه المسألة من اختيار الامتناع.

و لكن الذي يقتضيه التأمّل، عدم ابتناء النزاع في هذه المسألة على ذلك إلّا

43

بإرادة بعض معاني الفرد؛ و ذلك لأنّه يحتمل- بحسب التصوّر- أن يكون مراد القائلين بتعلّق الأحكام بالأفراد، أحد هذه المعاني:

الأوّل: أن يراد بالفرد المصداق و الفرد الخارجي الذي يصدر من المكلّف.

الثاني: أن يراد عنوان الفرد الجامع لكلّ ما يلحقه؛ سواء كانت ملازمة له، أو مفارقة إيّاه؛ بحيث يكون متعلّق الأمر مثلًا الصلاة المتعانقة مع تلك اللواحق، فتكون تلك الامور مأخوذةً في الموضوع، و كذا في جانب النهي تكون طبيعة الغصب مع ما يقارنها، متعلّقةً للنهي.

و بعبارة اخرى: يراد ب «تعلّقها بالفرد» تعلّقها به مع كلّ ما يلازمه و يقارنه حتّى الاتفاقيات منه، مثلًا تكون الصلاة مع جميع ما يقارنها- حتّى وقوعها في الدار الغصبية- متعلّقة للأمر؛ بحيث اخذت هذه الامور في الموضوع، و تكون طبيعة الغصب مع ما يقارنها حتّى وقوعها في حال الصلاة، متعلّقة للنهي.

الثالث: أن يراد بتعلّقها بالفرد عنوان إجمالي الفرد؛ بأن يكون معنى «صلّ» مثلًا: أوجد فرد الصلاة، و معنى «لا تغصب»: لا توجد فرداً من الغصب.

الرابع: أن يراد بالفرد الحصّة الملازمة لأين ما، و مكان ما، و هكذا بالمعنى الذي يراه المحقّق العراقي (قدس سره)(1).

و بعبارة اخرى: يراد ب «الفرد» الطبيعة الملازمة للعناوين المشخّصة و أمارات التشخّص، كطبيعي الأين، و المتى، و الوضع، و هكذا سائر العناوين، فيكون الواجب طبيعة الصلاة مع مكان كلّي، و هكذا سائر العناوين، و الحرام الطبيعة الغصبية المتصفة بالوضع و المكان الكلّيين و غيرهما.

____________

(1)- نهاية الأفكار: 385 و 421.

44

الخامس: أن يراد بالفرد الوجود الخاصّ قبال الوجود السّعِي الذي فسّره به المحقّق الخراساني (قدس سره)(1)؛ يعني وجود الصلاة و الغصب في مقابل الوجود السّعِي.

فإذا عرفت المحتملات في إرادة الفرد:

فإن كان‏ مراد القائل بتعلّق الأحكام بالأفراد أحد المعنيين الأوّلين، لما كان للنزاع في هذه المسألة مجال؛ لاستلزامه تعلّق الأمر بعين ما تعلّق به النهي، و تكون طبيعة واحدة متعلّقةً للأمر و النهي، فيخرج عن محطّ النزاع الذي هو في تعدّد العنوانين و اتحاد المعنون، و يدخل في موضوع باب التعارض.

و لكن الذي يسهّل الخطب؛ هو أنّه لم يكن شي‏ء من المعنيين، مراد القائلين بتعلّق الأحكام بالأفراد.

مضافاً إلى أنّ المعنى الأوّل ضروري البطلان؛ لما أشرنا من أنّ الخارج ظرف السقوط لا الثبوت، فيدور أمرها بين المعاني الثلاثة الباقية.

فإن اريد المعنى الأوّل منها فيمكن أن يقال: إنّ المولى لاحظ عنوان «الصلاة» مثلًا، و علّق الأمر بإيجاد فرد منها، و لاحظ عنوان «الغصب» و علّق النهي بفرد منه، فتكون الصلاة في الدار الغصبية مجمع العنوانين؛ لانطباق عنواني فرد الصلاة و الغصب عليها، نظير ما لو تعلّق الأمر بعنوان «الصلاة» و النهي بعنوان «الغصب» و انطبقا على معنون واحد، فيصحّ أن ينازع في جواز الاجتماع و عدمه.

و بالجملة: على إرادة هذا المعنى من الفرد يصحّ النزاع، كما يصحّ النزاع على القول بتعلّق الأحكام بالطبيعة؛ لأنّ فرد الصلاة و فرد الغصب عنوانان كلّيان‏

____________

(1)- كفاية الاصول: 171.

45

منطبقان على معنون واحد، كما أنّ نفس طبيعة الصلاة و نفس طبيعة الغصب، تنطبقان على معنون واحد.

و أولى من ذلك‏ بجريان النزاع لو اريد المعنى الثاني منها؛ لأنّ الحصّة من الصلاة الملازمة لأين ما و كم ما، غير عنوان الحصّة من الغصب التي هي كذلك، و لم تكن الصلاتية و الغصبية من مشخّصات الاخرى، فاختلف العنوانان، و اتحد المعنون.

كما أنّه لو اريد ب «الفرد» المعنى الثالث- أعني الفرد الخاصّ مقابل الوجود السّعِي- يصحّ النزاع أيضاً، فيكون متعلَّق الأمر وجوداً خاصّاً من الصلاة، و متعلّق النهي وجوداً خاصّاً من الغصب، فيختلف العنوانان، فيصحّ النزاع.

فتحصّل: أنّه لو قلنا في تلك المسألة بتعلّق الأحكام بالأفراد، فقد عرفت صحّة النزاع هناك على تقدير إرادة أحد المعاني الثلاثة الأخيرة التي يدور أمر القائل بتعلّقها بالأفراد بواحد منها.

صحّة النزاع في هذه المسألة على القول بتعلّق الأحكام بالطبائع‏

و أمّا لو قلنا في تلك المسألة بتعلّقها بالطبائع، فلا يلزم القائل بها الحكم بجواز الاجتماع، كما توهّم، بل يمكنه القول بامتناع الاجتماع، فهذا المحقّق الخراساني (قدس سرهم)ع أنّه قائل بتعلّق الأحكام بالطبائع‏ (1)، ذهب في مسألتنا هذه إلى الامتناع؛ زعماً منه أنّ النهي المتعلّق بالطبيعة يسري إلى الأفراد (2).

فظهر ممّا ذكرنا صحّة النزاع في جواز الاجتماع و عدمه من القائلين بتعلّق الأحكام بالأفراد أو الطبائع.

____________

(1)- كفاية الاصول: 171.

(2)- نفس المصدر: 196.

46

كلام المحقّق النائيني (قدس سره) في المقام و نقده‏

فمن هنا يظهر النظر فيما ذكره المحقّق النائيني (قدس سره) في المقام؛ لأنّه نفى أوّلًا كون مراد القائل بتعلّق الأحكام بالأفراد، تعلّقها بالأفراد الشخصية، أو تعلّقها بها على وجه يكون التخيير بينها شرعياً؛ بحيث تكون الخصوصيات الشخصية مطلوبة على البدل شرعاً.

ثمّ قال: «فالذي يصحّ النزاع المعقول في تعلّق الأوامر بالطبيعة أو الفرد، هو أن يكون النزاع في سراية الأمر بالطبيعة إلى الأمر بالخصوصيات و لو على النحو الكلّي؛ أي خصوصية ما، بحيث تكون الخصوصية داخلة تحت الطلب تبعاً نظير تعلّق الإرادة التبعية بالمقدّمة و إن لم يكن من ذلك فالقائل بالفرد يدّعي السراية، و القائل بالطبيعة يدّعي عدم السراية؛ و أنّ المأمور به هو الطبيعة المعرّاة عن كلّ خصوصية، أي الساذجة غير الملحوظة معها خصوصية أصلًا، فعلى هذا فالحقّ أنّ النزاع في مسألة الاجتماع، إنّما يجوز إذا قلنا هناك بتعلّق الأمر بالطبيعة، و أمّا إن قلنا بتعلّقه بالفرد بالمعنى الذي ذكر فلا؛ لاستلزامه تعلّق الأمر بعين ما تعلّق به النهي و لو بالتبعية، فيمتنع الاجتماع ...» (1).

توضيح الضعف:

هو أنّه أراد (قدس سره) ب «السراية» السراية إلى الخصوصيات الفردية، و قد نفاه، و لو قطع النظر عنه و اريد من «الفرد» أحد المعاني الثلاثة الأخيرة، فقد عرفت صحّة النزاع على إرادة كلّ واحد منها.

فظهر ممّا ذكرنا كلّه: أنّ النزاع في جواز الاجتماع و عدمه جارٍ؛ سواء قلنا بتعلّق الأحكام بالطبائع، أو الأفراد.

____________

(1)- فوائد الاصول 1: 417.

47

الأمر السادس في عدم ابتناء النزاع على إحراز المناط في المجمع‏

ربما يتراءى من بعض العبارات‏ (1)، ابتناء النزاع في هذه المسألة على وجود المناط في كلّ واحد من الأمر و النهي مطلقاً حتّى في مورد التصادق؛ بحيث يكون على جواز الاجتماع محكوماً بحكمين فعليين، و على الامتناع محكوماً بحكم أقوى المناطين، و أمّا إذا لم يكن لمتعلّق الأمر و النهي مناط كذلك، فلا يكون من هذا الباب، بل من باب التعارض.

و لكنّ التحقيق‏ يقتضي عدم ابتناء النزاع في هذه المسألة- بحسب الواقع- على وجود المناط في متعلّق كلّ واحد من الأمر و النهي في مورد التصادق؛ لا في مقام الثبوت، و لا في مقام إحرازهما في مقام الإثبات، من غير فرق بين كون النزاع في مسألة الاجتماع صغروياً، كما يظهر من بعضهم، منهم المحقّق الخراساني (قدس سره)(2) أو كبروياً، كما هو المختار (3).

____________

(1)- كفاية الاصول: 189.

(2)- نفس المصدر: 184.

(3)- قلت: أضف إلى ذلك- كما افيد- عدم اختصاص النزاع في المسألة بالإمامية و المعتزلة القائلين بالمصالح و المفاسد في متعلّقات الأحكام، بل يجري حتّى على مذهب الأشعري المنكر لتبعية الأحكام للمصالح و المفاسد، فاعتبار اشتمال كلّ من متعلّقي الأمر و النهي على مناط الحكم في مورد التصادق في اندراجهما في مسألة الاجتماع، غير ظاهر، بل مرجع النزاع فيها إلى أنّ مورد الاجتماع، واحد وجوداً و ماهية، أو متعدّد كذلك، فعلى الأوّل لا بدّ من الامتناع مطلقاً و لو على مذهب الأشعري، و على الثاني لا بدّ من القول بالجواز بناءً على عدم سراية حكم الملزوم إلى لازمه. [المقرّر حفظه اللَّه‏]

48

أمّا على صغروية النزاع فواضح؛ لأنّ مرجع البحث حينئذٍ إلى أنّ تعدّد الجهة مع وحدة الموضوع، هل يوجب رفع التنافي و التضادّ، أم لا؟ و هذا لا يتوقّف على وجود المناط واقعاً و إحرازه إثباتاً.

و بعبارة اخرى: النزاع على هذا حيثي؛ أي في أنّ تعدّد العنوان هل يوجب تعدّد المعنون، أم لا؟ و اشتمالهما على المناط و عدمه لا يوجب تعدّد المعنون، و لا وحدته.

و أمّا على كبروية النزاع- و أنّه هل يجوز اجتماع الأمر و النهي في عنوانين متصادقين على موضوع واحد- فعدم اعتبار المناط أوضح؛ لأنّ البحث على ذلك في الإمكان و عدمه، لا في الوقوع و عدمه، فلم يرتبط بوجود المناط واقعاً و إحرازه إثباتاً، فأخذ وجود المناط في كلّ منهما ثبوتاً و إحرازهما في مقام الإثبات في عنوان البحث- على أيّ تقدير- مستدرك، كما كان عدم اعتبار المندوحة في مقام الإثبات كذلك، فلا بدّ في عنوان البحث من أخذ قيود يكون لها دخل تامّ في عنوان البحث.

و من هنا يظهر: أنّ ما ذكره المحقّق الخراساني (قدس سره) في الأمر الثامن و التاسع: «من أنّه إنّما تكون المسألة من باب الاجتماع، إذا كان لكلّ من الأمر و النهي، مناط حكمه مطلقاً حتّى في مورد التصادق و الاجتماع في مقام الثبوت، و احرز كذلك في مقام الإثبات، و إلّا فإن لم يكن لهما مناط كذلك فيكون من باب التعارض» (1)، على ظاهره ليس على ما ينبغي. و لعلّه (قدس سره) لا يريد ظاهره، بل بصدد بيان دفع إشكال ربما يتوهّم في المقام، و ليس ببعيد عن مساق بعض عبارته، فتدبّر.

____________

(1)- كفاية الاصول: 189.

49

إشكال و دفع‏

أمّا الإشكال المتوهّم فحاصله: أنّ القوم ذكروا لمسألة الاجتماع مثالًا تكون النسبة بين دليلي الأمر و النهي، عموماً من وجه، كالصلاة و الغصب، فاختار جمع الجواز؛ و أنّه لا تعارض بينهما في محلّ التصادق، و لمّا وصل القائلون بالجواز إلى باب التعارض، ذكروا أنّ أحد وجوه التعارض ما كانت النسبة بين الدليلين عموماً من وجه، و أخذوا بمرجّحات باب التعارض، و لم يجمع أحد بينهما معتذراً بجواز الاجتماع، مع أنّ الاعتبار يساعد على وحدة المقال في البابين.

فتصدّى المحقّق الخراساني (قدس سره) لدفع الإشكال بالفرق بين البابين؛ بأنّ العامّين من وجه إنّما يكونان من باب الاجتماع إذا احرز وجود المناط لكليهما حتّى في مورد التصادق، و إلّا فإن كان لأحدهما مناط دون الآخر فهذا داخل في مسألة التعارض.

و الحاصل: أنّه (قدس سره) تصدّى لبيان الفرق الواقعي بين البابين، لا ابتناء مسألة الاجتماع على وجود مناط كلّ منهما في مورد التصادق.

و قد دفع المحقّق النائيني (قدس سره) الإشكال المتوهّم بوجه آخر: «و هو أنّ التركيب في مسألة الاجتماع انضمامي، دون التركيب في مسألة التعارض، فإنّه اتحادي، فكلّ مورد يكون التركيب فيه انضمامياً، يكون من باب مسألة الاجتماع، و كلّ مورد يكون التركيب فيه اتّحادياً، يكون من باب التعارض» (1).

و الذي يقتضيه دقيق النظر: أنّه لا جهة مشتركة بين المسألتين حتّى يحتاج إلى بيان الفصل بينهما، و لا ترتبط إحدى المسألتين بالأخرى حتّى يحتاج إلى التفرقة بينهما؛ و ذلك لأنّ ما يذكر في مسألة التعارض: «هو أنّ الجمع بين‏

____________

(1)- فوائد الاصول 1: 428.

50

الدليلين أولى من الطرح» و قالوا: «ليس المراد بالجمع كلّ جمع ممكن حتّى العقلي منه، بل المراد الجمع العرفي العقلائي» فإذا لم يمكن التوفيق بينهما فيكون أحدهما مخالفاً أو معارضاً للآخر، و الأخبار العلاجية الواردة في مقام بيان الوظيفة عند ذلك، بين ما علّق على عنوان «الخبرين المتعارضين» كما في مرسلة زرارة (1) فقط، و بين ما علّق على عنوان «الخبرين المتخالفين» كما هو لسان أكثر الأخبار العلاجية (2)، فكلا العنوانين أو أحدهما- بعد إرجاع الآخر إليه- هو موضوع البحث هناك، فإذا ورد من الشرع مثلًا: «إذا اختلف الخبران ... فكذا» فلا بدّ من أخذ موضوع هذا الدليل من العرف و العقلاء، كما هو الشأن في أخذ موضوعات سائر الأدلّة الواردة في الكتاب و السنّة منهم، فكما يُؤخذ مفهوم «الصعيد» أو «الوطن» و غيرهما من العرف و يترتّب عليه الأثر، فكذلك يؤخذ مفهوم «الخبرين المختلفين» أو «المتعارضين» منهم فكلّ خبرين تعارضا أو اختلفا عند العرف و العقلاء و لا يمكن الجمع بينهما في محيطهم، يدخل في موضوع باب التعارض و إن أمكن الجمع بينهما بنحو من التعمّل العقلي، فمسألة التعارض مسألة عرفية عقلائية.

و هذا بخلاف مسألة الاجتماع، فإنّها مسألة عقلية لا سبيل للعرف إلى نيلها و دركها، أ لا ترى أنّ العرف لا يرى تعارضاً بين «صلّ» و «لا تغصب» ضرورة أنّ الحكم فيهما تعلّق بعنوانين غير مرتبط أحدهما بالآخر، مع أنّ العقل يرى بينهما نحو تنافٍ في تصادقهما في موضوع واحد.

____________

(1)- عوالي اللآلي 4: 133/ 229، مستدرك الوسائل 17: 303، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9، الحديث 2.

(2)- راجع وسائل الشيعة 27: 106، كتاب القضاء، أبواب صفات القاضي، الباب 9.

51

فإذن كلّ دليلين لا يمكن الجمع العرفي بينهما و يكون بينهما تنافٍ في محيط العرف و العقلاء- و إن أمكن الجمع بينهما بنحو من أنحاء الجمع العقلي- فهو داخل في موضوع أخبار التعارض و لو احرز وجود المناطين في مورد التصادق، و أمّا إذا تعلّق حكمان بعنوانين مختلفين في عالم العنوانية غير مرتبط أحدهما بالآخر في محيط العرف و العقلاء، مثل «صلّ» و «لا تغصب» لتعلّق كلّ واحد منهما بعنوان غير ما تعلّق به الآخر، و لكن تصادقا في موضوع واحد، فيدخل في موضوع مسألة الاجتماع؛ سواء احرز المناط لكليهما، أو لأحدهما.

و بالجملة: كلّ دليلين عُدّا في محيط العرف و العقلاء مختلفين أو متعارضين- و إن احرز المناط فيهما- فهما داخلان في باب التعارض، و لا بدّ فيه من إعمال قواعده من الجمع، أو الترجيح، أو التخيير، أو الطرح، كما أنّه إذا لم يرَ العرف بين دليلين تخالفاً و تنافياً، و لكنّ العقل يرى بينهما نحو تخالف، فهو من باب الاجتماع و إن لم يحرز المناط فيهما.

فإذن موضوع باب التعارض هو الخبران المتخالفان أو المتعارضان، و المناط في فهم التخالف و التعارض هو الفهم العرفي، و الجمع هناك عرفي، بخلافه في باب الاجتماع، فإنّ المسألة عقلية محضة، فلا ارتباط بين البابين أصلًا.

فظهر: أنّ مسألة الاجتماع غير مسألة التعارض، و غير مبتنيتين على وجود المناط في الدليلين في الاولى، و لا وجود المناط في أحدهما في الثانية، فالفرق الذي ذكره المحقّق الخراساني (قدس سره) بينهما (1)، ليس بسديد.

____________

(1)- تقدّم في الصفحة 48.

52

و أمّا الفرق الذي قاله المحقّق النائيني (قدس سره)(1)، ففيه كلام سيجي‏ء بيانه و دفعه؛ و أنّ التركيب الانضمامي لا ثمرة له هنا، بل لا ترتبط الاتّحادية و الانضمامية بهاتين المسألتين، فارتقب حتّى حين.

الأمر السابع في ثمرة بحث الاجتماع على القول بالجواز (2)

قد يقال: إنّه لا ملازمة بين القول بجواز الاجتماع و صحّة الصلاة في الدار المغصوبة؛ لأنّها مبنية على أمر آخر؛ و هو أنّ حيثية الصلاتية و حيثية الغصبية، حيثيتان خارجيتان، فهل أنّ حيثية الصلاتية عين حيثية الغصبية، أم لا؟

فإن قلنا بالأوّل؛ و أنّ العنوانين موجودان بوجود واحد، و أنّ التركيب بينهما اتحادي، فمحال أن يتقرّب بما يكون مبغوضاً و مبعّداً إلّا إذا كان الشخص جاهلًا بالموضوع، أو غير ملتفت، أو جاهلًا بالحكم قصوراً، فتصحّ صلاته.

و أمّا إن قلنا بالثاني؛ و أنّ حيثية الصلاتية غير حيثية الغصبية وجوداً و إن جمعهما موضوع واحد، فتصحّ صلاته؛ لأنّه يتقرّب بالجهة المحسّنة المنفكّة وجوداً عن الجهة المقبّحة و إن قارنتها أو لازمتها؛ لعدم إخلال المقارنة أو الملازمة بعبادية الصلاة (3).

____________

(1)- تقدّم في الصفحة 49.

(2)- قلت: قال سيّدنا الاستاذ- دام ظلّه-: و لا يخفى أنّ هذا الأمر- كالأمر الآتي- كان ينبغي أن يذكر بعد ذكر أدلّة الطرفين في تنبيهات مسألة الاجتماع، و لكن حيث جرى ذكرهما في المقام في الدورة السابقة، فلم نغيّر ما جرينا عليه في الدورة السابقة. [المقرّر حفظه اللَّه‏]

(3)- لمحات الاصول: 224.