حاشية على كفاية الأصول‏ - ج2

- السيد محمد حسين الطباطبائي المزيد...
134 /
177

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏

في أحكام القطع‏

قوله لا شبهة في وجوب العمل على وفق القطع عقلا إلخ:

(1) كل ذي شعور عن الحيوان و نخص من بينها الإنسان بالقول مبدأ لأفعال نوعية يرجع عامتها إلى فعل أو ترك منتزع عن فعل مرتبطة بأمور حقيقية خارجية لا يجد فيها كلها الا الخارج من غير ان يحس بشي‏ء آخر.

غير انه ربما اشتبه عنده الأمر الخارجي بخفائه و تردده و ربما وجد الخطاء فيها فعندئذ يحس بالشك و الظن و الوهم فانتبه انه غير واجد للخارج بعينه بل ان بينه و بين الخارج عند وجدانه الخارج وصفا وجدانيا هو العلم و انه كان انما يتحرك و يسكن لا على طبق الخارج بلا واسطة بل على طبق الوصف المسمى بالعلم من غير ان يشعر و يحس بوجوده في البين حركة و سكونا اضطراريا.

و من المعلوم ان الإنسان لا يصدر عنه فعل و لا يقتحم امرا الا عن‏

178

إذعان لزومه و وجوبه لمكان الإرادة فهذا الحكم الاعتباري الّذي كان الإنسان يعتبره للأمور بما انها في الخارج انما كان يعتبره لها بما هي معلومة و هو يتوهمها خارجية عينية أي انه كان يعطى للأمر المعلوم بما هو معلوم حكم الأمر الخارجي بما هو موجود في الخارج و للعلم حكم الخارج و هذا هو الاعتبار فمطلق وجوب الجري على وفق الأحكام الخارجية الّذي ينحل إليه جميع التكاليف العامة العقلية و الخاصة المولوية ينتقل بحسب الوهم إلى المعلوم أو ان وجوب الجري ينتقل إلى مرحلة العلم انتقالا يضطر الإنسان إلى اعتباره فهذا الوصف الّذي للعلم أعني وجوب الجري على وفقه أعني الحجية تطرق إليه الاعتبار مرتين إحداهما من حيث نفسه حيث ان هذا الوجوب نفسه معنى اعتباري غير حقيقي و اتصاف الخارج بها وهمي لا حقيقي و ان كان الإنسان يصور لهذه المعاني الاعتبارية واقعية في نفس الأمر كما يجد الأمور الحقيقية موجودة ثابتة في الخارج و نفس الأمر.

و ثانيتهما من حيث إعطاء ما يعتقده حكما للواقع للعلم و حكم الموجود في ظرف الواقع للمعلوم الموجود في طرف العلم هذا.

فظهر بذلك ان حجية العلم اعتبارية مجعولة و من هنا تبين فساد الوجوه التي ذكروها على كون القطع حجة بالذات غير قابلة للجعل إثباتا و نفيا.

منها ان القطع طريق إلى الواقع كاشف عنه بنفس ذاته إذ القطع من حيث هو قطع مرآة محض لا استقلال له في قبال متعلقه.

179

و فيه انه خلط بين كاشفية القطع و حجيته إذ الحجية سواء فسرت بوجوب الجري على وفقه أو كونه قاطعا للعذر أو كونه وسطا لإثبات حكم متعلقه معنى اعتباري غير كون القطع انكشاف الواقع كما عرفت و اما كون القطع فانيا في متعلقه غير مستقل في قباله فسيجي‏ء ما فيه من الكلام في الأمر الثالث.

و منها ما ذكره المصنف (رحمه الله) انه لا يكون بجعل جاعل لعدم جعل تأليفي حقيقة بين الشي‏ء و لوازمه بل عرضا بتبع جعله بسيطا.

و فيه منع اللزوم حقيقة إذ الوصف اعتباري مرفوع عن الخارج حقيقة و الموصوف حقيقي خارجي و لا معنى للملازمة الحقيقية بين حقيقي و اعتباري.

و منها انه لو كان مجعولا صح المنع عن تأثيره و هو باطل لاستلزامه اجتماع الضدين اعتقادا مطلقا و حقيقة في صورة الإصابة.

و فيه منع الملازمة بجواز كون الجعل ضروريا لا يستغنى عنه بالفطرة كسائر الاعتبارات العامة الضرورية التي لا يستغنى عنها الإنسان في حياته كوجوب الحركة إلى الخير و المنافع الّذي لا غنى عنه.

قوله و ما لم يصر فعليا لم يكد يبلغ مرتبة التنجز اه:

(1) اعتبار الأمر كما مر بيانه في مباحث الألفاظ اعتبار تعلق الطلب بالمادة التي من الأفعال الإرادية للغير فيجب ان يكون بحسب طبعه مقدورا معلوما و من هنا كان من شروط صحة التكليف كون المكلف‏

180

عاقلا و عالما به و كونه مما يطاق و كونه غير مجهول في نفسه بحسب الطبع الأولى و اما لو صار غير مقدور بحسب الأسباب الاتفاقية أو مرددا ثانيا بحسبها فربما لم ينثلم بذلك تعلق التكليف كما سيجي‏ء بيانه و عين هذا الشرط موجود في الأمر بالنسبة إلى الآمر فيجب ان يكون مقدورا له معلوما عنده حيث انه مراده اعتبارا و كل مراد من حيث انه مراد يحتاج إلى مصلحة عقلائية هي ملاك الإرادة و الكلام في جانب النهي نظيره في جانب الأمر فما لم يستتم التكليف هذه الشروط لم يصر بالفعل امرا و نهيا بل بقي في مرتبة من شأنه ان يتم لو تمت شروطه فإذا استتم شروطه فهو تكليف موجود بالفعل يترتب عليه آثاره و منها ترتب العقاب على تركه هذا.

لكن اضطرار المكلف بالكسر في ربط تكليفه بالمكلف بالفتح و اضطرار المكلف بالفتح في تلقى تكليف المكلف بالكسر إلى جعل القطع أعني جعل التكليف الواقع في ظرف العلم هو التكليف الواقع في ظرف الواقع و بعبارة أخرى جعل العينية بين المعلوم و الواقع و لازمه الوجود عند الوجود و الارتفاع عند الارتفاع فما لم يتعلق بالتكليف علم لم يترتب عليه أثر و هذا هو الموجب لانتقال وصف التكليف المسمى بالتنجز و هو كونه بحيث يترتب على تركه العقاب من مرتبة الواقع إلى مرتبة متأخرة منه و هو العلم به. فظهر من ذلك كله:

أو لا ان للتكليف مراتب ثلثا مرتبة الشأنية و مرتبة الفعلية و مرتبة التنجز و بفقدان إحدى هذه المراتب عقم التكليف ان يترتب عليه اثره‏

181

فلو تعلق القطع بتكليف فاقد لأحد الشرائط العامة العقلية كالقدرة و التعين و تحقق الملاك لم يؤثر شيئا.

و ثانيا ان أثر التنجز حقيقة للتكليف دون العلم و انما الحق بالعلم و عد القطع علة تامة للتنجز لمكان الاعتبار المذكور.

و ثالثا ان لا مناقضة بين التكاليف المتدافعة من حيث نفسها الا في مرتبة التنجز فلا تدافع بين تكاليف فعلية غير منجزة أو تكليفين فعليين أحدهما منجز و الآخر غير منجز اللهم الا من حيث الملاك فلا يجوز اجتماع ملاكين لتكليفين فعليين متدافعين و ان لم يلزم محذور من ناحية التكليفين الفعليين نفسها.

قوله (ره) و الحق انه يوجبه لشهادة الوجدان اه:

(1) التأمل في ديدن العقلاء يعطى انهم بعد ما اعتبروا الأمر الإنشائي طلبا حقيقيا أحسوا بكونه أضعف تأثيرا من الإرادة الحقيقية فضموا إلى الامتثال اعتبار أمور مطلوبة مرغوبة فيها و إلى المخالفة اعتبار أمور محذور عنها لتقوية التأثير و تأكيدها و هي تتبع في العموم و الخصوص حال ما يلحق بها من التكليف فالتكاليف العامة العقلية الإرشادية التي تنحل أو تنطبق إلى أخرى مولوية تتبع المدح و الذم و التكاليف الخاصة المولوية تتبع آثارا خاصة تسمى بالثواب و العقاب و الرجوع إلى سيرة العقلاء في قوانينهم العامة المدنية و الخاصة المولوية و ما يلحق بها يعطى انهم لا يرتبون العقاب المترتب على عمل و كذا الثواب على صورة

182

الخطاء نعم ربما انطبق على مورد التجري مثلا عنوان ذو عقاب كالطغيان فيترتب عليه و اما الثواب فالامر فيه أوسع.

فتبين ان القطع لا يترتب عليه في صورة التخلف و الخطاء ما يترتب عليه في صورة الإصابة.

و اما المدح و الذم فانما يترتبان على حسن السريرة و سوئها لا على نفس الفعل و ذلك لتفرعهما على التكاليف و الأحكام العامة العقلية المنطبقة على المورد لدورانهما مدارها وضعا و رفعا فان الأحكام العقلية و ان انطبقت على الموارد لكنها تنحل إلى الأمر بحسن السريرة و النهي عن سوئها فافهم ذلك.

قوله يمكن ان يقال ان حسن المؤاخذة و العقوبة إلخ:

(1) و أنت بعد الرجوع إلى ما قدمناه في بحث الطلب و الإرادة و غيرها لا ينبغي ان ترتاب في ان للاعتبار نظاما تاما و للحقيقة نظاما آخر و ان أحد النظامين لا يبطل الآخر فان أفق المولوية و العبودية من نظام الاجتماع و ما فيه من الأمر و النهي و الحكم و الحسن و القبح و تبعاتهما من الثواب و العقاب انما اضطر الإنسان إلى اعتباره كله للنيل إلى الحقائق التي تحتها مما يحتاج إليه في حياته من سعادة مجذوبة و شقاوة مدفوعة فمسلك السعادة و الشقاوة الذاتيتين على ما فسرناه قبل و خلق الأعمال لا ينافى مسلك اختيارية الأعمال و مجازات الأعمال لاختلاف النظامين حكما و كون النسبة بينهما نسبة الظاهر و الباطن‏

183

فتبين بذلك ما في كلامه (رحمه الله) من وجوه الفساد.

منها عدو له عن سلك مجازات الأعمال إلى سلك كون الثواب و العقاب من لوازم الملكات و الأعمال و قد عرفت اتحاد المسلكين بحسب النتيجة.

و منها تقريبه (رحمه الله) السعادة و الشقاوة بالذاتي في باب الكليات الخمس و انها لا تعلل و قد عرفت انها من قبيل الذاتي في باب البرهان.

فان قلت: الذاتي في باب البرهان ما ينتزع من مقام الذات بعد انحفاظ الحد فلا يعلل أيضا.

قلت فسره بذلك بعضهم و هو خلط بين الذاتي و لازم الذات و الحق ما عرفت من مساوقة الذاتي في باب البرهان مع العرض الذاتي.

و منها أخذه المعاصي غير اختيارية و قد قرره (ره) في حاشية منه بقوله كيف لا و كانت المعصية الموجبة لاستحقاق العقوبة غير اختيارية فانها هي المخالفة العمدية و هي لا تكون بالاختيار ضرورة ان العمد إليها ليس بالاختياري و انما تكون نفس المخالفة اختيارية و هي غير موجبة للاستحقاق و انما الموجبة له هي العمدية منها كما لا يخفى على أولى- النهي انتهى. و فيه مخالفة ظاهرة إذ عدم اختيارية العمد لا يستلزم عدم اختيارية المخالفة المنسوبة إليه إذا لعمد غير العمدي و عدم اختيارية أحدهما لا ينافى اختيارية الآخر.

و منها جعله (رحمه الله) بعث الرسل و إنزال الكتب و غيرها لانتفاع السعداء

184

و تمام الحجة على الأشقياء و فيه فساد ظاهر إذ بعد فرض كون ما يترتب على الإطاعة و المعصية من السعادة و الشقاوة ذاتيا لا يعلل و الذاتي لا يختلف و لا يتخلف كان وجود هذا النافع الممد و عدمه على السواء و هل يتصور تأثير شي‏ء خارج عن ذات الإنسان مثلا في كونه حيوانا أو ناطقا أو في كيفية اتصافه بهما من تقديم و تأخير أو تعجيل و تأجيل أو شدة و ضعف أو خفاء و ظهور و هل يتصور إتمام حجة عليه في ذلك و أي حجة تتصور للإنسان على ربه في كونه إنسانا مثلا حتى تمس الحاجة إلى دفعه بأنه إنسان و بذاته لا بجعل جاعل يتوسط بينه و بين ذاته و هو ظاهر.

قوله (رحمه الله) ليس في المعصية الواحدة الا منشأ واحد إلخ:

(1) قد عرفت وجه ترتب الثواب و العقاب و ان منشأه غير منشأ ترتب المدح و الذم.

قوله (رحمه الله) من دون ان يؤخذ شرعا في خطاب (اه):

(2) مما قام عليه البرهان في محله ان العلم عين المعلوم بالذات و ان المعلوم بما هو معلوم لا وجود له باستقلاله بل هو موجود بوجود العالم و مقتضى هاتين القضيتين ان العلم ليس ذا وجود مستقل على حد ساير الأوصاف و الكيفيات الحقيقية المحمولة بالضميمة فلا معنى لكونه وصفا مرآتيا فانيا في المعلوم على انا قدمنا في بحث الوضع ان الفناء في الأمور الحقيقية لا معنى له لاستلزامه كون الشي‏ء موجودا غير موجود.

185

و بذلك يظهر ما في قوله ان القطع لما كان من الصفات الحقيقية ذات الإضافة إلى آخر ما ذكره هذا ما عليه الأمر في نفسه لكنك قد عرفت في البحث عن حجية القطع ان الإنسان يعتبره بحسب الفطرة وصفا متوسطا بينه و بين المعلوم فانيا فيه غير ملحوظ استقلالا فله عنده بحسب هذا الاعتبار حيثيتان مختلفتان الوصفية و الطريقية فله ان يعتبره طريقا محضا أي لا يلتفت إليه أصلا أو من حيث انه وصف ما كاشف اما من جهة وصفيته أو كشفه بعض الموضوع أو تمامه فيصير الأقسام خمسة على ما ذكره (رحمه الله) في الكتاب.

قوله (رحمه الله) لا ريب في قيام الطرق و الأمارات إلخ:

(1) التأمل في بناء العقلاء و ان كان يعطى انهم يبنون في إحراز الواقع على الإحراز العلمي لكنهم لبنائهم على تسرية الحد و الحكم في جميع الموارد الممكنة يرون الإدراك الغير العلمي إدراكا علميا إذا لم يظهر نقيضه ظهورا يعتد به إذ فرض الاقتصار في باب العمل على العلم المانع من النقيض حقيقة على فرض وجوده يوجب اختلال نظام العمل أساسا فالحاجة الأولية ماسة باعتبار غير العلم مما لا يظهر نقيضه ظهورا معتدا به مثل العلم حجة و بعبارة أخرى اعتبار حجية الوثوق بإحراز الواقع سواء كان بالعلم الحقيقي لو كان له تحقق في مقام العمل أو بالظن الاطمئناني و الوثوق فحاجة الإنسان إلى العمل بالظهور اللفظي أو الخبر الموثوق به مثلا في عرض الحاجة إلى العمل بالعلم الحقيقي‏

186

على انهم يرون جميع ذلك علما.

و من هنا يظهر انها جميعا حجج مجعولة في عرض القطع لا في طوله فالقول بان جعل حجية ساير الطرق يوجب قيامها مقام القطع الطريقي لا وجه له بل هي في عرضه و على هذا فلا موجب لاحتمال قيامها مقام القطع الموضوعي في موضوعيته لأحكامها الخاصة بل هو كالقول بان جعل حجية الخبر هل يوجب ترتب حكم الشهادة عليه.

فان قلت لا يتم جعل الحجية في غير العلم إلّا بإلغاء احتمال الخلاف الّذي في مورده مضافا إلى أصل اعتبار مدلوله نفس الخارج فهو في جعله يقام أو لا مقام القطع ثم ينزل مدلوله منزلة الواقع نفسه و هذا معنى قيامه مقام القطع الطريقي.

قلت إلغاء احتمال الخلاف في غير القطع عند جعل حجيته انما هو في تطبيقه على الخارج لا في تطبيقه على القطع ضرورة انه لو لوحظ فيه القطع ثبت الخلف إذ لحاظ القطع يوجب أخذه من حيث وصفيته و إقامته مقامه في جعل الحجية يوجب أخذه من حيث طريقيته فافهم ذلك فسائر الحجج غير القطع واقعة في مرحلة الجعل في عرض القطع لا في طوله.

قوله (ره) للزوم الدور إلخ:

(1) قد ظهر لك مما قدمناه كرارا ان المحذور الوحيد في باب الأمور الاعتبارية هو لزوم اللغو أو ما يئول إليه و اما أمثال الدور و التسلسل و اجتماع المثلين أو الضدين أو النقيضين فمحالات حقيقية لا تتعدى القضايا

187

الحقيقية الغير الاعتبارية.

قوله (ره) و اما الظن بالحكم فهو و ان كان كالقطع إلخ:

(1) مراده (رحمه الله) بالظن هو الظن من حيث هو انكشاف ما للواقع لا من حيث هو حجة بداهة ان فرض حجيته يوجب جريان المحذورات المذكورة في القطع فيه بعينها إذ لو فرض قيام الظن المعتبر على حكم ثم جعل موضوعا لمثله أو ضده كان لازمه اجتماع حكمين فعليين منجزين في موضوع واحد و هو ظاهر و كيف يمكن جعل الحجية بإلغاء احتمال الخلاف ثم اعتباره و عدم العامة بعينه.

قوله (ره) لا بأس باجتماع الحكم الواقعي الفعلي بذاك إلخ.

(2) و سيأتي ما يلائم ما سلكناه في جعل الحجية في القطع و ساير الحجج.

قوله (ره) اما في باب منع الملازمة إلخ.

(3) يشير إلى قاعدة الملازمة ان كل ما حكم به العقل حكم به الشرع و هي و ان منع عنها عدة من الأخباريين و غيرهم اتّكالا إلى ما ورد عنهم ((عليهم السلام)) ان دين اللّه لا يصاب بالعقول و انه لا شي‏ء أبعد من دين اللّه من عقول الرّجال إلى غير ذلك لكن الحق ان المراد بالعقل في القاعدة بقرينة الحكم و هو القضاء هو الإنسان من حيث انه يقضى بحسن شي‏ء و قبحه أو بوجوب شي‏ء و عدم وجوبه أي يعتبرها اعتبارا فهو العقل العملي و حيث لم يتقيد فيها بفرد دون فرد و بصنف دون صنف فالمراد به ما لا يتوقف‏

188

في الحكم عليه إنسان عاقل و مصداقه الأحكام العامة العقلائية التي لا يختلف فيها اثنان من حيث انهما ذوا عقل كحسن الإحسان و قبح الظلم إلّا ان يختلفا في انطباقه على المورد و من الضروري ان الشريعة لا تناقض الفطرة الطبيعية فما حكم به العقل حكم به الشرع.

و ان كان المراد من الحكم مطلق الإدراك و من العقل ما هو أعم من العملي أو النظريّ فكذلك أيضا فان مصداقه اما حكم عام عملي و قد عرفت الملازمة بينهما فيه و اما حكم نظري قام عليه البرهان فكذلك أيضا إذ البرهان و هو القياس المفيد لليقين حيث كان مؤلفا من مقدمات بديهية أو نظرية منتهية إليها أي منحلة بالاخرة إلى بديهيات و من الضروري ان ما يستنتج من تألف بديهيات لا يتصور في قباله الا امتناع ما يناقضه فالشرع لا ينافيه بالضرورة.

قوله (ره) و ما تهده من الدقيقة إلخ:

(1) محصله ان العلوم منها حسية أو قريبة منها كالرياضيات و لا يقع فيها خطأ و منها بعيدة إلى الحس و يكثر فيها الخطأ و القانون العاصم عن الخطأ يعنى المنطق انما يتكفل الخطأ من جهة الصورة و اما من حيث المادة فلا فلا عاصم من الخطأ في الموارد إلّا ان يرجع إلى ما ورد عن أهل العصمة ((عليهم السلام)) انتهى.

أقول و هو من الدعاوي الباهتة فان قانوني التحليل و التركيب بإنهاء النظريات إلى مباديها الضرورية ثم تأليفها لإنتاج النظريات‏

189

لا يتكفلان غير ذلك و ما أدري كيف خفي عليه حتى زعم انه أتى بما خفي على مهرة الفن على انه في كلامه محجوج بعين كلامه فانه مقلوب عليه في دعواه فتدبر

العلم الإجمالي‏

قوله (ره) فهل القطع الإجمالي كذلك فيه إشكال إلخ:

(1) محصل الإشكال و الجواب على ما في حاشية منه ان القطع الإجمالي و ان انكشف به المتعلق إلّا ان بقاء التردد و الشك هناك هو موضوع الحكم الظاهري موجب لانحفاظ مرتبته فمن الممكن ان يرد من الشارع إجازة في اقتحامه و حديث منافاته مع المعلوم الإجمالي عين المنافاة المدعاة بين الحكم الظاهري و الواقعي و الجواب الجواب فتأثير القطع الإجمالي في التنجز مراعى بعدم ورد رخصة من الشارع بالمخالفة الاحتمالية في أحد أطراف الشبهة أو التفصيلي في جميع أطرافها فالعلم الإجمالي مقتض للتنجز لا علة تامة.

و الجواب على ما في حاشية منه ان ما قررناه في الجواب عن اجتماع حكمين فعليين متماثلين أو متضادين في مورد الحكم الظاهري و الواقعي غير جار هاهنا فان أحد الفعليين و هو الحكم الواقعي هناك باق على عدم تنجزه ما لم يتعلق به علم و الآخر و هو الحكم الظاهري فعلى منجز و لا تنافي بين منجز و غير منجز و لو كانا فعليين و اما فيما نحن فيه من مورد العلم الإجمالي فمجرد تعلق العلم بالتكليف يوجب تنجزه لاستقلال العقل بصحة العقاب على الترك بالعلم فلا يبقى مجال لجعل‏

190

تكليف آخر في مورده فالعلم و لو إجمالا علة تامة للتنجز نعم يمكن ان يقع اختلال في ناحية المعلوم كلزوم اختلال النظام في الشبهة الغير المحصورة و كإذن الشارع في الاقتحام في الشبهة المحصورة فالقصور في ناحية المعلوم دون العلم انتهى ملخصا.

أقول قد عرفت في الكلام على الأمر الأول ان التنجز و هو كون التكليف بحيث يترتب العقاب على مخالفته من آثار التكليف نفسه و ان فائدة القطع انما هي تحقق الموضوع فنسبته إليه انما هي نسبة الوجود الخارجي إلى لوازم الوجود فإحراق النار من آثار النار غير ان ترتبه عليها يحتاج إلى وجودها و تحققها و لا فرق في ذلك بين العلم التفصيلي و العلم الإجمالي فان الإجمال ليس في ناحية العلم بل من حيث الانطباق على المورد فما لم يختل امر فعلية التكليف في مرتبة قبل مرتبة العلم لم ينثلم ترتب أثر التنجز عليه بتعلق العلم و ح فلو فرض عروض تعدد على متعلق العلم لأسباب خارجية اتفاقية بعد تحقق أصل الفعلية كما إذا تمت فعلية حرمة الخمر ثم ترددت في المصداق بين إناءين مثلا كان تعلق العلم بهذا التكليف بحسب طبعه موجبا للتنجز كالعلم التفصيلي لكن التأمل في بناء العقلاء يعطى انهم لا يأبون من تجويز المخالفة في الأطراف و ينتج ذلك إمكان إلحاق الجهل الحادث بعد تمام الفعلية إذا لم يستند إلى المكلف إلى الجهل الحادث قبل تمام الفعلية المانع عن الفعلية و يستنتج من ذلك ان القطع المفروض سبب‏

191

في نفسه للتنجز فان لم يرد رخصة الاقتحام من ناحية المولى كان سببا تاما و ان ورد بقي على اقتضائه من غير تأثير فالقطع الإجمالي و ان شئت قل التكليف المتعلق به القطع مقتض للتنجز لا سبب تام و لو كان القطع علة تامة في التنجز و الخلل في ناحية المعلوم كما ذكره (رحمه الله) كان موضوع التنجز هو القطع في نفسه دون التكليف و قد عرفت فساده.

مبحث الظن‏

قوله (ره) لا ريب في ان الأمارة الغير العلمية ليست كالقطع اه.

(1) ان أراد بغير العلم ما ليس بمانع عن النقيض عند العقلاء و هو الّذي يحتمل الخلاف احتمالا يعتد به فما ذكره من احتياج حجيته إلى جعل خاص أو ثبوت مقدمات موجبة لحجيته بحكم العقل حق لكن يرد عليه ان لا مصداق لمثل هذه الحجة الغير العلمية عند العقلاء فان الحجج التي يسميها حججا ظنية يعدها العقلاء من العلم فالإدراك الّذي لا يعتنى باحتماله الخلاف علم عندهم لا يرتاب فيه من تأمل جرياناتهم في باب العمل فترى أحدهم يقول لصاحبه ان كذا كذا فيقول له صاحبه من أين علمت ذلك فيقول هو أخبرني به زيد أو قاله لي زيد فيعد الخبر دليلا علميا و الظهور اللفظي كذلك و ان أراد بغير العلم ما ليس بمانع عن النقيض حقيقة و ان عده العقلاء علما مانعا من النقيض لعدم اعتنائهم بالخلاف المحتمل معه ففيه ان حاله عند العقلاء حال العلم فان كان العلم لا يقبل الجعل لعدم إمكان سلب الحجية عنه‏

192

فغيره من الأمارات التي يسميها غير علمية عند العقلاء بعد كونهم لا يعتنون باحتمال الخلاف فيه كذلك و كيف يمكن استقرار نظام- الاجتماع من غير حجية ظهور لفظي أو من غير حجية خبر موثوق به.

بل الإنصاف انا إذا قسنا العلم الحقيقي المانع من النقيض حقيقة إلى نظام الاجتماع و كذا الاعتقاد الحاصل من ظهور اللفظ أو خبر الثقة إليه وجدنا الأخيرين ألزم مساسا و أوسع نطاقا من الأول بما لا يقاس و من المعلوم ان جعل الحجية و ما يتلوها هو من المعاني القائمة باعتبار العقلاء بما هم واقعون في نظام الاجتماع و الاستكمال و ان ما اعتمد عليه الشارع من هذه الأصول انما هو إمضاء لا تأسيس و قد عرفت حق القول في حجية القطع و ساير الأمارات فيما مر.

قوله (ره) و ليس الإمكان بهذا المعنى بل مطلقا أصلا إلخ:

(1) توضيحه ان الإمكان مادة عقلية في مقابل الوجوب و الامتناع و هي جميعا من مقتضيات ذوات الموضوعات بحسب نفس الأمر فكما يحتاج إثبات الوجوب و الامتناع إلى برهان كذلك الإمكان فلا معنى لثبوت الإمكان عند الشك و ارتفاعه عند عدمه.

و اما الاستدلال عليه باستقرار سيرة العقلاء على ترتيب آثاره عند الشك فيه فمدفوع بمنع ثبوت السيرة أو لا و منع حجيته مع فرض الثبوت و كذا الاستدلال عليه بقولهم كلما قرع سمعك فذره في بقعة الإمكان مندفع بان مرادهم به الاحتمال العقلي دون الإمكان الذاتي و إلى ذلك يشير ما ذكره بعض الأساطين من مشايخنا ان المراد بالإمكان في المقام‏

193

هو الإمكان التشريعي دون الذاتي العقلي.

أقول الإمكان حيثية استواء نسبة الماهية الحقيقية إلى الوجود الحقيقي و العدم و الحجية على ما عرفت امر اعتباري لا نسبة له إلى الوجود و العدم حقيقة و لا معنى لوجوبه و لا لامتناعه من حيث هو كذلك فاصل البحث عن إمكانها و امتناعها و تأسيس الأصل فيه كل ذلك مغالطة من باب وضع ما ليس بماهية حقيقية موضعها و هو ظاهر.

نعم لما كانت الاعتباريات يحاذى بها الحقائق لترتيب آثارها عليها بإعطاء حدود الحقائق و أحكامها لغيرها صح ان يعتبر لغير الماهيات الحقيقية مواد الماهيات الحقيقية من إمكان و امتناع و وجوب بالنظر إلى ضرورة الاعتبار لمساس الحاجة الضرورية وجودا و عدما و هو الوجوب و الامتناع الاعتباريان أو عدم ضرورة موجبة لأحد الطرفين و هو الإمكان الاعتباري إلّا ان الاعتبار حيث كان مقامه العمل و لا يترتب على سلب الضرورتين أثر كان اعتبار الإمكان الذاتي لغوا فالتحقق بالممتنع من هذه الجهة و ان صح أصل الاعتبار تصورا.

و لذا كان الإمكان المعتبر عندهم الدائر في أعمالهم هو الإمكان العام بمعنى سلب الضرورة عن الجانب المخالف كما يشير إليه عنوان البحث و قوله و عدم لزوم محال منه عقلا في قبال دعوى استحالته انتهى.

فيرجع معنى إمكان التعبد إلى ان العقلاء لا يأبون عن أخذه حجة و لا يمنعون عن سلوكه أي لا مانع من إلغاء احتمال الخلاف الموجود عنده‏

194

بحسب طبعه و تبين بذلك:

أولا ان الأصل عند الشك فيه هو الإمكان إذ الشك فيه يلازم الشك في المانع عن الحجية و عدم ثبوت الامتناع عند الشك و ستعرف ان لازم جعل حجية العلم جعل الواقع مرتفعا عند ارتفاع العلم فيرتفع بذلك الامتناع و هو عين ثبوت الإمكان العام المطلوب فلو ثبت هناك دليل على جعل الحجية ثبتت الحجية و لو لم يثبت دليل على جعل الحجية بقيت على إمكانها العام لكن لم يجز سلوكه إذ من المحتمل ان لا يكون حجة عند المكلف (بالكسر) و ان انكشف به الواقع عند المكلف (بالفتح) بلغوية احتمال الخلاف عنده إذ المكلف (بالكسر) انما يريد منه تكليفه و لا يرى التكليف الثابت عند المكلف (بالفتح) تكليف نفسه الّذي امر به.

و ثانيا ان الطرق التي لم يثبت من حالها إلّا إمكان التعبد يحتاج سلوكها إلى دليل مثبت و مع عدمه فعدم الدليل دليل عدم الحجية و اما الطرق الثابتة عند العقلاء فمجرد عدم ثبوت دليل على العدم و عدم الردع عن السلوك دليل على إمضاء الحجية و إنفاذها.

قوله (ره) أحدها اجتماع المثلين إلى قوله أو الضدين اه:

(1) فرض كون ظرف الطريق غير ظرف الواقع يستلزم كون مظروف الطريق غير مظروف الواقع فلا مجال للقول بان التماثل بين الحكمين يوجب تأكد الحكم الواقعي كما ذكره بعض الأساطين من مشايخنا

195

رحمهم اللّه و لا ان التضاد بينهما يوجب الكسر و الانكسار فلا يبقى إلّا أحدهما و ذلك لأن المفروض بقاء الواقع على ما هو عليه و هو ظاهر.

و اما الإيراد بان التضاد و التماثل من أحكام الأمور الحقيقية دون الاعتبارية فلا تضاد و لا تماثل بين الأحكام. فمدفوع بان المراد مطلق التنافي ذاتا أو وجودا مجازا لا ما هو اصطلاح الحكيم.

قوله (ره) و الجواب ان ما ادعى لزومه إلخ:

(1) توضيحه ان هذه الإشكالات على قسمين:

أحدهما ما يلزم من جهة خطابين متنافيين فعلا كطلب الضدين.

و ثانيهما ما يلزم من جهة تحقق ملاكين متنافيين كاجتماع المصلحة و المفسدة الملزمتين و كاجتماع الإرادة و الكراهة و كتفويت المصلحة و لإلقاء في المفسدة.

اما الجواب عن اجتماع الخطابين المتنافيين فهو ان المختار في جعل الأمارات هو الطريقية المحضة فليس في مورد الأمارات الا نفس الواقع فقط لو أصاب و اما عند الخطاء فالعذر و لازم ذلك ان يكون في مورد الإصابة حكم واحد في الواقع و الظاهر و اما في صورة الخطاء فليس هناك إلّا حكم واحد في الواقع و اما الظاهر فليس فيه إلّا صورة حكم للعذر.

و بهذا يندفع الإشكال أيضا عن الأحكام الثابتة بالأصول المحرزة.

و اما الأصول الغير المحرزة كأصالة الإباحة الشرعية فلان الثابت‏

196

في مواردها و ان كانت أحكام فعلية غير ناظرة إلى الواقع بل في مقابلها لكن الحكمين الفعليين بما هما فعليان لا تنافي بينهما الا من حيث التنجز و حيث كان المنجز هو الحكم الّذي في مورد الأصل دون الحكم الواقعي لتحقق الجهل به فلا تنافي بينهما و هذا حال الأمارات لو قلنا بحجيتها الواقعي من باب السببية فتحصل ان محذور اجتماع الحكمين اما غير لازم و اما غير مضر و بمثل ذلك يندفع محذور طلب الضدين.

و اما الجواب عن اجتماع الملاكين المتنافيين كالمصلحة و المفسدة و الإرادة و الكراهة فواضح إذ على المختار من الطريقية المحضة ليس هناك إلا ملاك واحد من المصلحة و المفسدة إذ ليس إلّا حكم واحد و هو الحكم الواقعي و كذا ليس هناك من الإرادة و الكراهة الا واحدة منهما و هي المتعلقة بالواقع هذا على الطريقية و اما على السببية و ما في حكمها فالملاك و ان تعدد إلّا ان أحدهما طريقي و الآخر نفسي و لا تنافي بينهما و كذلك الإرادة و الكراهة.

و اما حديث تفويت المصلحة و الإلقاء في المفسدة فلا محذور فيه إذ يمكن ان يكون في جعل الطريق مصلحة غالبة على مصلحة الواقع فيتدارك به المصلحة الفانية عند الخطاء هذا كله في الأمارات و الأصول المحرزة و اما الأصول الغير المحرزة فهي و ان استلزمت ملاكين في موردها لكن يمكن ان تكون المصلحة في مورد الأصل قائمة بالإذن دون متعلق الاذن و هو الفعل و مصلحة الواقع قائمة بالمتعلق فلا منافاة

197

و اما الإرادة و الكراهة فنلتزم فيها بعدم تعلق الإرادة و الكراهة بالنسبة إلى الحكم الواقعي و لا ينافى ذلك فعليته إذا لحكم الواقعي بحيث إذا تعلق به العلم لتنجز و ان كانت الكراهة المتعلقة بالفعل معلقة على عدم تعلق الاذن بالترك و بعبارة أخرى الإرادة أو الكراهة المتعلقة بالواقع معلقة على عدم تعلق أخرى بالظاهر هذا محصل ما أفاده ره.

أقول و أنت خبير بان ذلك كله تصويرات من غير شاهد و انما دعاهم إليها ذهابهم إلى نفى التصويب لتظافر الاخبار بوجود حكم واقعي في كل واقعة يشترك فيها العالم و الجاهل و المخطئ و المصيب.

على ان قيام المصلحة و المفسدة بنفس الاذن دون المأذون فيه كما صوره في موارد الأصول الغير المحرزة كقيامها بنفس الأمر كما صوره أيضا في موارد آخر حيث ان الأمر و هو الطلب الإنشائي موجود بوجود ربطي بتبع غيره لا يستقيم قيام الملاك به لاستلزامه الاستقلال اللهم إلّا ان يلاحظ الطلب نفسه بلحاظ استقلالي فيتعلق به الطلب الحقيقي دون الطلب الإنشائي و إلّا لزم إرادة الإرادة إنشائيتين و هو باطل و يرجع تعلق الإرادة الحقيقية بالإرادة الإنشائية من غير تعلق جدي بمتعلق الطلب إلى تحقق فعل من المولى كسائر أفعاله الخارجية يتعلق به غرض من الأغراض المتعلقة بالمكلف كالامتحان و الإهانة و التعجيز و غير ذلك و كذلك الاذن فكل ذلك نسب بين الأمر و المأمور و المتعلق.

و يستنتج من جميع ذلك ان التكليف ح صورة تكليف لا حقيقة

198

تكليف و هو مع ذلك ليس حكما ظاهريا مترتبا على حكم واقعي إذ الحكم الظاهري ما يتعلق بالمتعلق بما هو واقع في ظرف الشك و المفروض ان لا ملاك فيه حتى يتعلق به تكليف حقيقة لا في صورة الخطاء و لا في صورة الإصابة بل هناك في الحقيقة حكم واقعي مجهول و فعل من افعال المولى فافهم ذلك.

على ان الالتزام بعدم تعلق الإرادة و الكراهة بالنسبة إلى التكليف الواقعي موجب لزوال فعليته فيرد عليه ما سيورده و هو (قدس سره) على من التزم في موارد الأصول و الأمارات بالحكم الواقعي الشأني دون الفعلي و ما اعتذر به ان ذلك لا يوجب زوال فعلية الحكم الواقعي فان البعث و الزجر فعلى و الإرادة متعلقة لو لا انقداح الاذن في الترك لأجل مصلحة في نفس الاذن تثبيت للإشكال إذ ليس للعلم الا التنجيز و اما فعلية البعث و الزجر فمن الواجب ان تتحقق قبل تحقق التنجز و لا معنى للبعث بالفعل مع عدم الإرادة بالفعل و اما الواجب المعلق فهو و ان كان متأخر الثبوت لكن وجوبه و الإرادة المتعلقة به كلاهما بالفعل.

فالحق في المقام ان يقال ان الّذي استقر عليه بناء العقلاء ان التكليف انما يصير تكليفا فعليا بملاك فعلى إذ الطلب العقلائي لا يكون إلّا عن غرض عقلائي و حيث ان الغرض انما يتحصل بالبلوغ و الوصول أوجب ذلك جعل حجية العلم أعم من القطع و ساير الطرق التي يعدها العقلاء من العلم كما عرفت و حيث كان العلم عين المعلوم فجعله جعل‏

199

المعلوم أي ان في مورد العلم حكما مطابقا لمؤداه بدعوى انه هو الواقع و ملاكه الّذي هو عين ملاك طريقية العلم ملاك طريقي بالضرورة منبعث عن ملاك الحكم الواقعي و منحفظ به كما هو ظاهر بحيث يتحد به عند المصادفة و يتدارك به بمعونة ما انبعث عنه مفسدة المخالفة.

ثم ان لازم جعل العينية بين المعلوم و الواقع هو اعتبار العينية بين العدمين أي جعل عدم المعلوم عدما للواقع أي اعتبار انه ليس في صورة الشك حكم واقعي مشكوك و هذا هو الأصل العملي الموجب للإذن و هو أيضا حكم مجعول في الظاهر في مورد الأصل بملاك منبعث عن ملاك الحكم الواقعي و هو و ان لم يكن طريقيا مثل ملاك الحجة العلمية لكنه منبعث عن ملاك الحكم الواقعي و تبعي بالنسبة إليه يتحد معه عند المطابقة و يتدارك به المفسدة عند المباينة إذا عرفت ذلك علمت ان الحكم الواقعي في جميع الصور الأربع فعلى تام و الحكم الموجود الفعلي في مورد الأمارة بملاكه الطريقي و في مورد الأصل بملاكه التبعي في صورة الإصابة و الموافقة هو المنجز و يعد هو الواقع و الحكمان الموجودان في موردي الأمارة و الأصل في صورة الخطاء أيضا حكمان فعليان منجزان دون الواقع فانه باق على فعليته من غير تنجز و ملاكاهما لا ينافيان ملاك الواقع لكونهما طريقيا أو تبعيا منبعثين عن الملاك الواقعي منحفظين به فلا ينافيانه فاندفع بذلك جميع المحاذير.

200

اما محذور اجتماع الحكمين فلاختلافهما بالتنجز و عدمه و كذلك محذور طلب الضدين.

و اما محذور اجتماع الملاكين فلاختلافهما بالنفسية و الطريقية أو بالاستقلال و التبعية فيتحد ملاك الحكم الظاهري مع ملاك الحكم الواقعي عند الموافقة و يتدارك به المفسدة عند المخالفة.

و اما محذور الإرادة و الكراهة فكك أيضا على ان لنا فيه كلاما قد أسلفناه في بحث الطلب و الإرادة و سيجي‏ء إليه إشارة.

و اما محذور تفويت المصلحة أو الإلقاء في المفسدة فبالتدارك إذ الملاك الأصلي بين الجميع حيث كان واحدا و هو ملاك الحكم الواقعي المنبعث عنه جميع الملاكات الطريقية أو التبعية الموافقة أو المخالفة و يمتنع ان ينبعث عن الشي‏ء الا ما يلائمه فالمفسدة في مورد الخطاء متداركة بنفس الملاك الواقعي فافهم ذلك.

قوله (ره) إلّا انه إذا أوحى بالحكم الشأني إلخ:

(1) إشكال و جواب توضيحهما ان الحكم لا يتحقق من غير امر و نهى و لا يتحققان إلّا مع إرادة نفسانية أو كراهة كذلك و من البين ان لا معنى لتحققهما في المبدأ الأعلى عزّ علوه فلا يصح إضافة الحكم إلى اللّه سبحانه الا مجازا.

و الجواب ان الحكم لا يقتضى أزيد من وجود إرادة أو كراهة متعلقة بمتعلقه و اما قيامها بالمبدإ الأعلى عزّ اسمه فيما نسب إليه من‏

201

الحكم فلا فمن الجائز ان يقوم ببعض المبادي المتأخرة عنه سبحانه المتوسطة بينه و بين المكلفين كالنص النبوية بان يوحى إليه (صلى اللَّه عليه و آله) الحكم فيتحقق في نفسه المقدسة الإرادة و الكراهة في موارد البعث و الزجر.

أقول و المسألة خارجة عن الفن و الحق في المقام ان يقال: ان الإرادة مثلا كما مرت إليه الإشارة في بحث الطلب و الإرادة لا تتخطى الفعل المباشري و لا تتعلق بفعل الغير البتة نعم ربما يعتبر فعل الغير متعلقا لإرادة الآمر كفعل نفسه اعتبارا فيراد بإرادة اعتبارية و هو الأمر مثلا و كما ان الإرادة الحقيقية معنى رابط غير مستقل قائم بالفاعل و الفعل نسبة بينهما على حد ساير الموجودات النسبية المتوسطة بين شيئين كذلك الإرادة الاعتبارية لكن لمكان اعتباريته و تقومه بحقيقة في محله كسائر الاعتبارات يمكن ان يلاحظ مستقلا و يراد بإرادة حقيقية فيفعل فيكون على حد ساير الأفعال الخارجية فللأمر اعتباران اعتبار توسطه بين الآمر و الفعل المأمور به و هو بهذا الاعتبار معنى حرفي و مدلول لصيغة افعل و اعتبار كونه فعلا من الأفعال ملحوظا بالاستقلال و بهذا الاعتبار تتعلق به إرادة الآمر لكونه فعلا مباشريا له و إرادة الآمر كما ترى متعلقة به بالاعتبار الثاني دون الاعتبار الأول لعدم الاستقلال بوجه.

و من هنا يظهر سقوط الإشكال من أصله فان أوامره تعالى من حيث انها أوامر و إرادات إنشائية لا تتعلق بها إرادة حقيقية و من حيث انها افعال‏

202

له تعالى تحتاج إلى إرادات حقيقية حالها حال ساير أفعاله التكوينية المنسوبة إليه فلا تختص بإشكال تجري فيها دون غيرها بل الإشكال في ارتباط الأحكام و هي أمور اعتبارية به تعالى و قد أشرنا إلى فكه فيما مر من بحث الطلب و الإرادة فليرجع إليه.

و قد تبين من هذا البيان ما في جوابه (رحمه الله) ففيه:

أولا ان محذور قيام الإرادة به تعالى موجود في ساير المبادي المجردة بعينه فان الحكم واحد و التفصيل في محل آخر.

و ثانيا انا سلمنا جواز قيام هذه الإرادة في غيره تعالى من ساير المبادي المتوسطة لكن لازم ذلك إضافة الحكم إلى من قامت الإرادة به دونه تعالى فلا يصح نسبة الحكم إليه تعالى حقيقة.

و ثالثا سلمنا تصحيح هذا الانتساب إليه تعالى بنحو العلم بالمصلحة و المفسدة لكن الإشكال في نفس هذا العلم و هو علم اعتباري لا يقوم بموجود حقيقي على الإطلاق فافهم.

و منه يظهر ان ما سلكه بعضهم في التخلص عن إشكال الإرادة ان الأوامر و النواهي عناوين ظاهرية للأحكام المجعولة شرعا فانها مجعولة من غير امر و نهى بل بنحو جعل القوانين الكلية و إنشاء الأحكام لموضوعاتها كقوله: «كتب عليكم الصيام و للّه على الناس حج البيت و أحل اللّه البيع و حرم الربا و البيعان بالخيار ما لم يفترقا» و هكذا غير نافع فان عمدة الإشكال في قيام الاعتبار المحض بالحقيقة المحضة و لا يفيد فيه‏

203

إرجاع الأمر و النهي إلى جعل القوانين كما لا يخفى.

قوله: ان الأصل فيما لا يعلم اعتباره إلخ:

(1) مراده (رحمه الله) على ما يصرح به بعد بقوله فمع الشك في التعبد به يقطع بعدم حجيته و عدم ترتب شي‏ء من الآثار عليه للقطع بانتفاء الموضوع معه (اه) ان الشك في الحجية يوجب عدم الحجية حقيقة و هو الأصل.

و توضيحه ان الشك في حجية طريق و ان كان لازمه الشك في ترتب آثار الحجية عليه لأن الشك في الموضوع يوجب الشك في آثاره لكن العقل مستقل بعدم ترتب آثار الحجية عليه ح كالمؤاخذة على المخالفة و نحوها و لازم ارتفاع الأثر حقيقة ارتفاع موضوعه حقيقة فمجرد الشك في الحجية يوجب القطع بعدم الحجية بمعونة حكم العقل.

أقول و لازم ارتفاع الموضوع بعروض الشك أخذ العلم في جانب الموضوع إذ لو لم يؤخذ فيه كان الموضوع محفوظا في الواقع و العلم و الجهل من حالاته الطارية عليه فالعلم مأخوذ فيه و قد حكموا بامتناع أخذ القطع في موضوع متعلقه.

فان قلت من الممكن ان يؤخذ القطع ببعض مراتب الحكم موضوعا لمرتبة أخرى منه فالقطع بحرمة الخمر فعلا يمتنع ان يؤخذ موضوعا لحرمة الخمر فعلا بخلاف القطع بحرمته شأنا فانه يمكن ان يؤخذ موضوعا لحرمته فعلا و اثره ارتفاع الحرمة بعروض الشك فليكن‏

204

القطع بحجية الحجة حاله هذا الحال.

قلت لازم ذلك اتحاد مرتبتي الفعلية و التنجز في جميع الطرق المجعولة لعموم حكم العقل فيها و لازم ذلك اتحاد الرتبتين في نفس الأحكام الواقعية لاقتضاء طريقيتها كون ما لها من الحكم لمكشوفها و هذا بخلاف أخذ العلم في موضوع حكم من الأحكام الواقعية النفسيّة كالحرمة و النجاسة و نحوهما.

ثم أقول و هذا الحكم من العقل دليل على ما ذكرناه سابقا ان جعل حجية العلم و العلميات يلازم جعلا آخر في مورد الشك أعني كون ارتفاع العلم موضوعا لارتفاع الحكم إذ كان معنى جعل الحجية جعل العينية بين العلم و الواقع و ان شئت قل جعل العينية بين مؤدى الطريق و الواقع و لازم العينية بين شيئين مفروضين كون ثبوت أحدهما ثبوتا للآخر و كذا ارتفاعه ارتفاعا للآخر فارتفاع العلم بالحجية أي الشك فيها عين انتفاء الحجية جعلا و موضوع لارتفاع حكمها أعني عدم جواز المؤاخذة على المخالفة فالموضوعات بواقعيتها موضوعات من غير تقييد بعلم و لا جهل و هي في مرتبة الشك موضوعات لأحكام سلبية تنطبق عليها اقدام الأحكام الواقعية فافهم.

و اعلم ان دعواه (قدس سره) هاهنا استقلال العقل على عدم ترتب العقاب على المخالفة مع الشك في الحجية و مرجعه استقلاله بذلك مع عدم إحراز المعصية ينافى ما سيذكره في الدليل الأول من أدلة حجية الظن‏

205

المطلق ان العقل و ان لم يستقل على استحقاق العقاب بمخالفة التكليف المظنون لعدم إحراز موضوع المعصية إلّا انه لا يستقل على عدم الاستحقاق أيضا بل يحتمله فهو ضرر محتمل و دفع الضرر المحتمل واجب فراجع.

حجية الظواهر

قوله لاستقرار طريقة العقلاء:

(1) الأمر على ما ذكره (قدس سره) إلّا ان هاهنا نكتة يجب التنبيه عليها و هو ان التمسك ببناء العقلاء انما يكون في مورد حكم لم يكن تشخيصا لصغرى حكم آخر كحكمهم بصحة بيع المنابذة و الربوي لتشخيصه صغرى لمطلق النقل أو البيع و إلّا فيمكن ان يختلف فيه الأنظار فلا يتحقق بناء منهم فبناء العقلاء انما يتحقق في حكم لم يستند إلى شي‏ء آخر غير نفسه و بعبارة أخرى إذا كان ذلك كبرويا غير صغروي و يدل ذلك على ان الحكم مما لا يستغنى عنه في نفسه أي تحقق البناء من العقلاء بما هم عقلاء واقعون في ظرف الاجتماع و طريق الاستكمال فلا يخالفه إنسان بالفطرة و لو فرضت هناك مخالفة كانت موافقة في عين انها مخالفة و هو ظاهر عند التأمل مثال ذلك ان الإنسان مفطور على العمل على طبق العلم و لو فرضنا ان إنسانا قال لصاحبه لا تعمل بما وصل إليك منى بالعلم بل بخلافه فقط لمصلحة اقتضت ذلك كان عمل صاحبه بخلاف علمه في كل مورد مورد في عين انه طرح للعمل بالعلم و أخذ بخلافه عملا بالعلم من حيث امتثال تكليفه الأول فافهم.

206

ثم انك عرفت في بحث الوضع ان اعتبار الوضع و الدلالة اللفظية ما يقتضى به الفطرة الإنسانية و نظام الاجتماع فهو ما بنى عليه العقلاء و لا معنى للردع عنه كما عرفت نعم يمكن تصوير الردع عنه بحيث يكون من حيث انه ردع أخذا كما مر.

و من هنا يظهر أولا ان بناء العقلاء حجة بالذات بمعنى انه ليس حجة يوسط.

و به يتبين فساد ما ذكره المصنف (رحمه الله) في مسألة أصالة إمكان التعبد بالظن ان سيرة العقلاء على أصالة الإمكان عند الشك في التعبد على تقدير ثبوتها ممنوعة لعدم قيام دليل قطعي على اعتبارها انتهى.

و ثانيا ان حجية الظهور غير مقيدة بالظن به فعلا أو بعدم الظن بالخلاف و لا بكون الإفهام مقصودا على ان حجية الظهور لو كانت مقيدة بأحد الثلاثة صح الاعتذار به عند المخالفة كان يقول العبد معتذرا عن المخالفة لسيده انى ما كنت ظانا بالفعل أو انى كنت ظانا بالخلاف أو ان وجه الكلام كان مع غيري و لم يقصد به تفهيمي مع انها غير مسموعة عند العقلاء فالحجية ليست مقيدة بأحدها.

قوله: و لا فرق في ذلك بين الكتاب اه:

(1) ينبغي ان يقيد بما سيذكره في أواخر الفصل من عدم حجية غير آيات الأحكام إلّا ان يقال ان سقوط ظهورها عن الحجية من جهة الاقتران بالمانع.

207

قوله: فان الظاهر ان المتشابه هو خصوص المجمل اه:

(1) المجمل و يقابله المبين لو كان هو المتشابه و يقابله المحكم لمكان المحكم هو المبين و هو باطل فان خصوصية المحكم ليست وضوح ظاهره و بيانه بل أحكامه و قد قال سبحانه منه آيات محكمات هن أم الكتاب (الآية) فوصفها و عرفها بأنها أم الكتاب و الأم المرجع فهي محكمة تامة في نفسها ترجع إليها بقية آيات الكتاب مما لا أحكام و لا ثبات في ظواهرها.

و من هنا ان التشابه و يقابله الأحكام عدم ثبات الظهور و وهنها و مشابهة المعنى المعنى.

ثم اعلم ان هذا و ان صلح للجواب عنهم لكن الأحسن ان يقال ان آية المحكم و المتشابه يجب ان تكون محكمة و ان كانت جميع الكتاب متشابهة الآيات و الآية نفسها تنقسم القرآن إلى محكم و متشابه و من الواضح ان المحكم لا غبار على معناه و قد عرفت بأنهن أم الكتاب فمن اللازم رجوع باقي الآيات إليها و صيرورتها محكمة بواسطتها فالقرآن ينقسم إلى محكم بالذات و إلى محكم بالعرض و بالغير.

فان قلت ان ظاهر الآية ان المتشابهات لها تأويل لا يعلمه إلّا اللّه سبحانه أو الا هو و الراسخون في العلم من أوليائه و لا معنى للتأويل الا خلاف الظاهر.

قلت الّذي يظهر من كلامه تعالى ان التأويل لا يختص بالمتشابه‏

208

بل جميع القرآن لها تأويل و ان التأويل ليس هو المعنى المخالف للظاهر و لا من سنخ المعنى بل من سنخ الحقائق الخارجية نسبته إلى المعنى نسبة الممثل إلى المثال و الباطن إلى الظاهر و قد أشبعنا القول فيه في التفسير.

قوله: و دعوى العلم الإجمالي بوقوع التحريف اه:

(1) هذا إشكال سادس على حجية ظاهر الكتاب بدعوى وقوع التحريف فيه بالتصحيف و النقيصة فيوجب سقوط ظاهره عن الحجية بالعرض من جهة العلم الإجمالي و ان كان حجة بحسب اقتضاء طبعه و هذا النزاع صغروي.

و ظني ان الكتاب العزيز يكفى مئونة دفع هذه الإشكالات برمتها قال تبارك و تعالى أ فلا يتدبرون القرآن و لو كان من عند غير اللّه لوجدوا فيه اختلافا كثيرا (الآية) و هي في مقام التفريع و التعريض مع الذين لا يذعنون بكون القرآن من عند اللّه تعالى من الكافرين و المنافقين و لا معنى لإرجاعهم إلى تفاسير النبي (صلى اللَّه عليه و آله) و حملة الكتاب من أهل بيته فيقول سبحانه لهم ان كلام غيره لا يخلو من اختلاف كثير و لو كان القرآن لا اختلاف فيه أصلا بحسب بادئ النّظر لكان حق الكلام ان يقال أ فلا يرون و نحو ذلك دون ان يقال أ فلا يتدبرون اه.

فيندب إلى التدبر فيه و هو أخذ الشي‏ء دبر الشي‏ء و تعاهد بعضه بعد بعض و لو لم يكن له ظهور يحتج به لم يكن لذلك معنى فجميع الاحتمالات المتصورة المحتملة في القرآن مرتفعة بنفسه فبعضه يفسر

209

بعضا فهذا المقدار من الفهم لا يختص ببعض دون بعض فاندفع الإشكال الأول و لا تماس له بما فيه من العلوم العالية التي لا يمسها إلّا المطهرون فاندفع الإشكال الثاني و لا يتحقق ذلك الا بكون كل آية اما محكمة بنفسها أو بالإرجاع إلى المحكمات فاندفع الإشكال الثالث و من المعلوم ان قضاء حق التدبر في مثل قوله تعالى ما آتاكم الرسول فخذوه و ما نهاكم عنه فانتهوا (الآية) و نظراتها يوجب الفحص عما وقع في كلامه (صلى اللَّه عليه و آله) و كلام أوصيائه من المخصص البيان المتعلق بالآيات و خاصة آيات الأحكام فاندفع الإشكال الرابع.

و من المعلوم ان التفسير المدعو إليه في الآية ليس من التفسير بالرأي المنهي عنه في قوله (صلى اللَّه عليه و آله) «من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار» لأن الآية في مقام التحدي و إثبات الإعجاز الباقي ببقاء الدهر فلا يقبل تخصيصا و لا تقييدا فالتفسير بالرأي أيا ما كان هو غير ما يترتب على التدبر من الحكم فاندفع الإشكال الخامس و هذا المعنى بعينه أعني ارتفاع كل اختلاف متراءى كيف ما كان بالتدبير فيه يوجب حجية ظهور جميع الآيات من غير استثناء و انه لو فرض وقوع تصحيف أو إسقاط لم يوجب ذلك بالاخرة ما يلزم منه اختلاف ظهور فاندفع الإشكال السادس و الحمد للّه سبحانه.

قوله بناء على حجية أصالة الحقيقة من باب التعبدات:

(1) لا معنى لهذا التعبد سواء فسر بالتعبد العقلائي أو التعبد الشرعي.

210

قوله و هو يكفى في الفتوى اه:

(1) بل قد عرفت منا مرارا ان الواقع في طريق الاستنباط هو الظاهر دون الحقيقة من حيث هي حقيقة و هو الّذي ينبغي للأصولي ان يقتصر بحثه عليه.

حجية خبر الواحد

قوله ان الملاك في الأصولية اه:

(2) قد قدمنا في أول الكتاب ما يتعلق بالمقام فلا نطيل بالإعادة.

قوله و استدل لهم بالآيات الناهية عن اتباع غير العلم.

(3) قد عرفت في أوائل بحثي القطع و الظن ان الحجية عند العقلاء لا تتجاوز العلم غير ان العلم عندهم لا ينحصر في الاعتقاد الجازم الّذي يمتنع نقيضه حقيقة بل كل إذعان موثوق به بحيث لا يعتنى باحتمال خلافه علم عندهم حجة فيما بينهم و منها خبر الواحد إذا أفاد الوثوق و سيجي‏ء ان الملاك في حجية خبر الواحد ذلك.

و من هنا يظهر عدم نهوض ما احتج به النافون كتابا و سنة و إجماعا على خلافه فان القدر المشترك في مدلولها عدم جواز العمل بغير العلم مؤيدة لا منافية.

قوله فانها اخبار آحاد إلخ:

(4) يمكن ان يدعى الخصم ان الاحتجاج لإثبات لزوم التناقض على تقدير حجية خبر الواحد بتقريب انه لو كانت اخبار الآحاد حجة كانت هذه حجة و هو تنفي الحجية فيلزم من وجود الحجية عدمها و كيف كان‏

211

فقد عرفت عدم وروده على ما قربناه من كيفية الحجية.

قوله و المنقول منه للاستدلال غير قابل اه:

(1) فان حجية الإجماع انما هو لكونه من مصاديق خبر الواحد.

و اعلم انه يمكن توجيه الإشكال على نحو ما مر في خبر الواحد.

قوله ان تعليق الحكم بإيجاب التبين اه:

(2) محصله أخذ النبأ الّذي جي‏ء به موضوعا ثابتا ثم إيجاب التبين على بعض تقاديره كتقدير كون الجائي به فاسقا و من الواضح ان ارتفاع التقدير يلازم ثبوت تقدير آخر ليس معه الحكم المرتفع فيئول محصل مفاد الآية إلى قضية حملية مرددة المحمول بأداة الشرط هذا لكن هذا التقريب على تقدير سلامته من الإشكال لا دليل عليه من ناحية ظهور الآية.

و الظاهر ان يقال في تقريب دلالة الآية ان الجهالة على ما يستفاد من العرف بمعنى السفاهة و هو العمل على خلاف ما يقتضيه روية العقلاء فتعليله سبحانه قوله ان جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا» اه بقوله ان تصيبوا قوما بجهالة» اه يقضى بكون المعلل من مصاديق الأفعال العقلائية فالامر بالتبين الموجود فيه إرشاد إلى حكم العقلاء فهو المرجوع إليه و حكمهم هو الأخذ بالخبر الموثوق به و التوقف و التبين في الخبر الغير الموثوق به كخبر الفاسق الّذي لا يبالي في قوله و لا يحترز الكذب في خبره.

و من هنا يظهر ان المراد بالفاسق هو الفاسق في خبره لا كل‏

212

فاسق و ان كان محترزا للكذب متقنا في الخبر هذا فتكون الآية إمضاء لما حكم به العقلاء من حجية خبر الواحد الموثوق به.

قوله ربما أشكل شمول مثلها اه:

(1) التعبير بالمثل لكون الإشكال عام الورود على جميع أدلة حجية خبر الواحد.

قوله و قضيته و ان كان حجية خبر اه:

(2) و يبقى الكلام في ثبوت مصداق هذا الخبر بين الاخبار الواردة فيها.

قوله و هو دعوى استقرار سيرة العقلاء:

(3) و هي حجة صحيحة عليها المعول من بين الحجج المقامة على حجية خبر الواحد الموثوق بصدوره من الأدلة الأربعة و تقريبه ان العقلاء في جميع الأعصار و الأقطار يبنون على العمل بالخبر الموثوق بصدوره بحيث ينكرون على من أقدم خلاف ذلك مع ثبوته و ينقطعون إذا احتج عليهم بذلك و يعدون الركون إليه ركونا إلى العلم فإذا سأل أحدهم صاحبه من أين علمت كذا كذا قال أخبرني به فلان و لا يقال من أين ظننت ان كذا كذا و لا يرد عليه السائل ان سألتك عن العلم فأجبتني بالظن.

و بالجملة فبناؤهم على ذلك مستقر استقرارا متصلا قبل ظهور الشرع و بعده و لم يرد منه ردع بالنسبة إليه و لو كان لبان فيكشف عن رضاء الشارع به و إمضائه.

213

قوله ان قلت يكفى في الردع اه.

(1) حيث قرر (ره) السيرة حجة على حجية الخبر من حيث هو ظن توجه إليه الإشكال بالآيات الناهية عن اتباع غير العلم لكن على ما قربناه من الوجه لا يرد عليه شي‏ء من الآيات إذ هي تنهى عن اتباع غير العلم و العمل بخبر الواحد من اتباع للعلم.

قوله مضافا إلى انها وردت إرشادا:

(2) عليه منع ظاهر فانه مدفوع بإطلاق الآيتين و خصوصا الأولى.

قوله و لو سلم فانما المتيقن.

(3) الانصراف ممنوع و مع عدمه و تحقق الإطلاق لا وجه للأخذ 0 بالمتيقن.

قوله لا يكاد يكون الردع بها الا على وجه دائر اه:

(4) لا محذور فيه لكون هذا الدور معيا لوضوح ان الردع و التخصيص وصفان متنافيان في موضوعين يلازم تحقق كل منهما عدم تحقق الآخر في موضوعه و لا علية حقيقة بين وجود أحدهما و عدم الآخر و لا بالعكس و هو ظاهر.

قوله فافهم و تأمل اه:

(5) أفاد (رحمه الله) في حاشية منه انه إشارة إلى كون خبر الثقة متبعا و لو قيل بسقوط كل من السيرة و الإطلاق عن الاعتبار بسبب دوران الأمر بين ردعها به و تقييده بها و ذلك لأجل استصحاب حجية الثابتة

214

قبل نزول الآيتين انتهى.

و فيه مصادرة واضحة فان الاستصحاب حجة عنده (قدس سره) بسبب الاخبار فالاستدلال به على حجيتها مصادرة على المطلوب.

الكلام في أصالة البراءة:

قوله بعد الفحص و اليأس عن الظفر بدليل اه:

(1) سيأتي بعض ما يتعلق به و قد مر بعض الكلام فيما مر.

قوله فان مثل قاعدة الطهارة اه:

(2) قد مر في مباحث القطع و سيجي‏ء أيضا ان بناء العقلاء على حجية القطع بناء منهم على البراءة في مورد الشبهة البدوية بالملازمة و ان البناء الكلي منهم لا يتغير و ان ما ربما يتراءى منهم من وقوع التغير في البناء فهو وضع من حيث انه رفع مثال ذلك قول المولى لعبده لا تعمل بالقطع بأحكامي البالغة إليك بالكتابة فان سقوط القطع في موارد الأحكام المكتوبة ثبوت للقطع بهذا البيان الشفاهي كما لا يخفى و ح فمن الجائز ان يثبت في موارد الأحكام الكلية من هذا القبيل أحكام آخر جزئية موافقة أو مخالفة فانما هي صغريات على كل حال كما

215

عرفت إذا تمهد هذا فالطهارة ان كانت معنى عدميا نسبته إلى النجاسة نسبة العدم و الملكة أو ما يئول إلى ذلك بان يكون المجعول الشرعي الابتدائي هو النجاسة التي هي معنى اعتباري اثره عدم جواز أكله و شربه و الصلاة معه مثلا كانت قاعدة الطهارة المستفادة من قوله (عليه السلام) «كل شي‏ء طاهر حتى تعلم انه قذر (الحديث) في الحقيقة صغرى من صغريات أصالة البراءة بالاستقامة و ان كان الأمر عكس ذلك بان تكون الطهارة اعتبار معنى ثبوتي و النجاسة عدمية كانت أصلا مجعولا امتنانا كالاحتياط المجعول في مورد الدماء و الاعراض هذا و نظير الكلام جار في قاعدة الحلية المستفادة من قوله (عليه السلام): «كل شي‏ء حلال حتى تعلم انه حرام» (الخبر).

و هذا كله بناء على إفادة أمثال هذه الظواهر حكما ظاهريا في مورد الشك لما يظهر من سياق هذه الروايات انها في مقام التوسعة على المكلفين فان اشتمال الغاية فيها على العلم المتعلق باتصاف الموضوع بوصفه الخاصّ به ينبئ ان الحكم مسبوق باحكام مختلفة متقابلة لموضوعات مختلفة فإذا فرض صدور مثل قوله الميتة نجسة و البول و العذرة و الدم و المني من غير المأكول لحمه نجس و ما وراء ذلك طاهر ثم صدور مثل قوله كل شي‏ء طاهر حتى تعلم انه قد رأى حتى تعلم ان ذلك الشي‏ء موضوع لوصف القذارة كان ظاهره ان الموضوع في الصدر هو الشي‏ء من حيث لا يعلم كونه موضوعا لحكمه المعلوم و هو القذارة

216

فيكون الغاية غاية للموضوع دون الحكم و يئول المعنى إلى ان الشي‏ء ما لم يعلم نجاسته فهو طاهر.

و يشهد بذلك أيضا أخذ الموضوع هو الشي‏ء المجرد عن عنوان خاص من العناوين الموضوعة للطهارة و تعميمه بلفظ كل و خاصة في مثل قوله (الماء كله طاهر حتى تعلم انه نجس) و كذلك ذيل رواية (كل شي‏ء طاهر حتى تعلم انه قذر) فإذا علمت فقد قذر و ما لم تعلم فليس عليك (الخبر) حيث ان العدول عن مثل قولنا فهو طاهر إلى قوله فليس عليك اه تلويح ظاهر للتوسعة المذكورة.

و بالجملة فمعنى خبر الطهارة ان كل شي‏ء مجهول النجاسة فهو طاهر ما دام مجهول النجاسة و نظيره معنى خبر الحلية و اما استفادة الاستصحاب من هذه الاخبار كما سيشير إليه المصنف في ضمن أدلة الاستصحاب أو كون العلم مثلا جزءاً من موضوع النجاسة و الحرمة أو تمام الموضوع فغير مستقيم البتة و سيأتي بعض الكلام في ذلك فيما سيأتي.

قوله و فيه ان نفى التعذيب اه:

(1) لازمه الالتزام بوجود حكم إلزاميّ مع انتفاء المؤاخذة على تركه و هو كما ترى.

قوله (ره) منها حديث الرفع اه:

(2) تقريب الاستدلال بهذه الرواية الشريفة ان تقييد الرفع بقوله‏

217

(صلى اللَّه عليه و آله) عن أمتي اه يدل على اختصاص هذا الرفع بهذه الأمة و هو مع ما يشتمل عليه هذه الأمور من المشاق و رفعها من التسهيل يدل على كون الكلام واردا في مقام الامتنان على الناس بما انهم أمة له (صلى اللَّه عليه و آله) فالكلام مسوق للامتنان التشريعي في موارد عروض هذه العناوين لذوات هذه الأمور و من الواضح ان الطريق إلى الرفع الّذي فيه امتنان تشريعي و تسهيل ديني فيما له آثار شرعية انما يتصور برفع آثاره الشرعية بان لا توضع في ظرف التشريع كما في ما لا يعلمون مثلا و فيما له آثار تكوينية بتعليم ما يرتفع به آثاره التكوينية الشاقة كما في مثل الطيرة بتعليم التوكل على اللّه سبحانه و تلقين ان غيره تعالى لا يملك نفعا و لا ضرا.

فالحاصل ان الرواية تدل على ارتفاع نفس هذه الأمور التي لها آثار شرعية عن ظرف التشريع و يلزمه ارتفاع جميع آثارها الشرعية التي يوجب الامتنان ارتفاعها أو الآثار الظاهرة فيها.

إلّا ان في الرفع فرقا فان العنوان المأخوذة في كل واحد منها كما مر يدل على كونه هو المنشأ للرفع الامتناني لكن ارتفاع العنوان في غير ما يعلمون اه مثل ما لا يطيقون و ما استكرهوا عليه مثلا يوجب ثبوت الواقع بحكمه بخلاف ما لا يعلمون اه فان ارتفاع عنوان الجهل يوجب ثبوت عنوان العلم و هو عنوان آخر مثل الجهل و كلاهما طارئان على الواقع بواقعيته فثبوت الجهل و عدم العلم يوجب ارتفاع الحكم‏

218

الثابت بالعلم و هو مرتبة التنجز من الحكم لا أصل الحكم أو فعليته فرفع الحكم عن غير ما لا يعلمون يوجب رفعه عن أصله فينتج حكما ثانويا في قبال الحكم الواقعي الأولى بخلاف رفع الحكم عن ما لا يعلمون فهو انما يوجب رفعه بما هو منجز لا من أصله فالحكم الواقعي باق بفعليته في صورة الجهل مرفوع التنجز فينتج حكما ظاهريا لا حكما واقعيا ثانويا فالرواية مع وحدة السياق دالة على ارتفاع الآثار التكوينية في الطيرة و على الحكم الظاهري فيما لا يعلمون و على الحكم الواقعي الثانوي في غيرهما.

قوله (ره) فهو مرفوع فعلا و ان كان ثابتا واقعا اه:

(1) ظاهر الرواية الرفع المطلق من غير تخصيص برفع خاص كما في غير ما لا يعلمون و لعل الاختصاص بمعونة ضميمة اخبار اشتراك العالم و الجاهل في التكليف بدعوى كون النسبة بين القبيلين نسبة الحكومة و البيان دون التعارض هذا و قد عرفت عدم الحاجة إلى ذلك في تقريب الاستدلال.

قوله (ره) فلا مؤاخذة عليه قطعا اه:

(2) كان التقريب تاما من غير حاجة إلى حديث نفى المؤاخذة كما سيجي‏ء لكنه (قدس سره) ضمه إليه جريا على ما جرى عليه القوم في الاستدلال و توطئة لما بعده من نفى إيجاب الاحتياط فان رفع التكليف الواقعي من حيث انه مجهول يقبح الإلزام به عند العقلاء لا ينافى إثباته من طريق‏

219

الاحتياط لو لا منافاته لقضية الامتنان.

قوله (ره) فانه ليس ما اضطروا و ما استكرهوا إلخ:

(1) ان أراد بالحقيقة ما يقابل الاعتبار أي انها غير مرفوعة من الأمة تكوينا ففيه انه حق لكنه لا يوجب المصير إلى التقدير أو المجاز و ان أراد به ما يقابل المجاز ففيه ان الرفع الاعتباري بحسب ظرف التشريع فيها حقيقي لا مجازي كما ان الرفع فيما لا يعلمون أيضا كذلك من غير فرق.

قوله (ره) و اما العقل فانه قد استقل اه:

(2) توضيح المقام على ما مرت إليه الإشارة في مبحث القطع ان يقال ان الاعتبار العقلائي الضروري في العلم بجعله حجة يوجب اعتبار العينية بين التكليف الواقعي و التكليف المعلوم كما يوجب العينية بين الواقع و العلم و من الضروري ان نتيجته الارتفاع عند الارتفاع إذ ارتفاع أحد العينين ارتفاع للآخر فلازم اعتبار العينية بين المعلوم و الواقع اعتبار العينية بين ارتفاع المعلوم و ارتفاع الواقع فالتكليف الواقعي مرفوع في صورة الجهل بحكم العقلاء هذا.

و من ذلك يظهر ان ارتفاع حكم الجهل بارتفاع الجهل و تحقق العلم ليس من قبيل الورود إذ موضوع الحكم المعلوم ليس هو العلم بل هو الموضوع الواقعي بواقعيته و الواقع غير مرفوع بارتفاع العلم حقيقة بل اعتبارا كما عرفت فعروض الوجوب و الجواز للموضوع الواقعي‏

220

في صورتي العلم و الجهل ليس نظير عروض الحكم الاختياري و الاضطراري مثلا لموضوعهما في الأحكام الواقعية الأولية و الثانوية فليست النسبة هي الورود بل لو كانت فهي الحكومة.

و من هنا يظهر أيضا ان الثابت بهذا الاعتبار ارتفاع الحكم لا ثبوت حكم كالإباحة بمعنى مساواة الطرفين بل لو لحقت الإباحة فانما تلحق باعتبار آخر عقلائي فهذا ما يقتضيه أصل الاعتبار العقلائي ثم الأدلة الشرعية ما تم منها في دلالته كحديث الرفع فهو إمضاء لحكمهم الا في موارد خاصة استثناء كموارد الدماء و الاعراض و اما قاعدة قبح العقاب بلا بيان فهي من فروع الكلية المذكورة على ما لا يخفى هذا ما يقتضيه نحو البحث الأصولي على ما قدمناه في أول الكتاب.

قوله (ره) و احتج للقول بوجوب الاحتياط اه:

(1) قد ادعى الإجماع على عدم وجوب الاحتياط في الشبهة الوجوبية و سيدعيه المصنف (رحمه الله) أيضا فإطلاق القول في تقرير قول المخالف ليس في محله و منه يظهر ما في تحرير محل النزاع في صدر البحث من حيث الإطلاق.

قوله (ره) إلّا انها تعارض بما هو أخص اه:

(2) بل حديث الرفع بما يشتمل عليه من لسان الامتنان نسبته إلى اخبار الاحتياط نسبة الحكومة و التفسير.

221

قوله (ره) لوروده عليها كما يأتي تحقيقه اه:

(1) كونه من باب الورود و ان كان مستقيما بحسب بادئ النّظر لكنه بحسب الدقة غير مستقيم لما سيجي‏ء ان حقيقة الاستصحاب اعتبار الأمر المشكوك فيه معلوما و معلوم ان الأمر المعلوم بالعلم الحقيقي الغير الاعتباري ليس واردا على المشكوك حقيقة إذ الحكم الواقعي أو الموضوع الواقعي يجامع المشكوك و الّذي يرفع موضوع الشك انما هو المعلوم من حيث انه معلوم فاستصحاب عدم تحقق التذكية في الحيوان المشكوك في طهارته و نجاسته و ان جعله غير مذكى بحسب الاعتبار الشرعي لكنه في الحقيقة يجعله غير معلوم التذكية اعتبارا و غير معلوم التذكية حتى بحسب الحقيقة ليس موضوعا للنجاسة و انما الموضوع لها غير المذكى واقعا فافهم.

قوله (ره) لا شبهة في حسن الاحتياط اه:

(2) سيجي‏ء ما فيه من الكلام.

قوله (ره) لا يبعد دلالة بعض تلك الاخبار اه:

(3) كل ذلك لو لا ظهور البلوغ في الوصول بحجة معتبرة

دوران الأمر بين المحذورين‏

قوله (رحمه الله) لعموم النقل و حكم العقل اه.

(4) تقريبه ان التكليف و ان كان متعلقا بالطبيعة بالمعنى الّذي تقدم في بحث الأوامر لكنه حيث كان اعتبار تعلق إرادة المولى بفعل المكلف يختص تعلقه بالافراد الممكنة من الطبيعة و اما الافراد الممتنعة.

222

الوجود فخارجة عن حيطة شموله و لا فرق في ذلك بين الافراد الممتنعة الغير الموجودة من رأس و الافراد المجهولة عند المكلف و قد عرفت ان نسبة تنجز التكليف بالعلم به إلى التكليف نسبة الوجود إلى الماهية فالأفراد التي لا يمكن فيها الموافقة القطعية حالها حال الافراد الممتنعة و ان كان بينهما فرق من حيث ارتفاع ذات الفرد عن الخارج حقيقة في الأول و اعتبارا في الثاني و فيما نحن فيه من دوران الأمر بين المحذورين و ان كان المفروض تمامية ما يرجع إلى المولى من التكليف و بيانه و انما القصور ناش من الخارج و هو كون المورد غير ممكن الموافقة القطعية و المخالفة القطعية فلا مورد للتمسك بقاعدة قبح العقاب بلا بيان لكن عدم إمكان الموافقة القطعية حيث ألحقه بالافراد الممتنعة الغير المشمولة لأصل التكليف كان مقتضاه كون ترتب العقاب عليه من قبيل ترتب الأثر من غير مؤثر إذ لا تكليف فلا عقاب و هذا معنى البراءة العقلية إذ قد مر ان ارتفاع التكليف إذا استند بنحو إلى ارتفاع العلم انتج ذلك الحكم الظاهري و إذا استند إلى ارتفاع الموضوع الحقيقي انتج الحكم الواقعي الثانوي هذا كله بالنسبة إلى حكم العقل.

و من ذلك يظهر ان لا مانع من شمول أدلة البراءة الشرعية للمورد أيضا.

قوله (ره) لأنها مخالفة عملية قطعية اه:

(1) قد عرفت ان لا تكليف حتى يترتب عليه مخالفة قطعية نعم يمكن‏

223

ان يتولد في المورد حكم عقلي بوجوب الانقياد على كل من تقديري الفعل و الترك قضاء لحق العلم به في صورة الدوران بين التعبديين فقط أو مطلقا و لو كان أحد الطرفين توصليا إلحاقا بالمتباينين فتأمل.

قوله (ره) لا يخفى ان التكليف المعلوم بينهما اه:

(1) كلامه (رحمه الله) كما ترى بعضه يلائم كون العلم الإجمالي مقتضيا للتنجز و بعضه يلائم كونه علة تامة لذلك و ان القصور في موارد عدم التنجز في ناحية المعلوم عقلا أو شرعا لا في ناحية العلم و قد عرفت هناك ان لكل من الوجهين وجه صحة.

و توضيحه ان العلم بما هو علم يجعل معلومه نفس الواقع عند العقلاء فما للمعلوم من الأثر من حيث نفسه يترتب عليه بتعلق العلم به فمع فرض استتمام التكليف شرائط فعليته عند المولى مثلا سوى العلم يتنجز بالعلم و يترتب عليه اثره و مع فرض انتفاء شي‏ء من شرائط فعليته كطرو اضطرار أو اختلال نظام و بالجملة كل ما يوجب عدم فعليته عقلا لم يوجب العلم الإجمالي تنجزه كما لا يوجبه العلم التفصيلي أيضا و هذا هو قصور المعلوم في نفسه و اما مع استتمامه شرائط فعليته و صيرورته تكليفا فعليا ففرض عروض القصور عليه من ناحية المولى بتجويز الاقتحام في بعض أطرافه مستلزم للتناقض بحسب الواقع نعم العقلاء ربما يرون عدم التعين الطاري على المكلف به كعدم التعين السابق على العلم فيجوزون الاقتحام في المورد بعين الملاك الّذي يجوزونه في‏

224

مورد إبهام أصل التكليف بوجه فلكل من القول بالاقتضاء و العلية التامة وجه و ان كان الثاني أسلم و أصدق.

و من هنا يتبين ان عدم جريان الأصول في أطراف العلم انما هو للتخصص لمكان المناقضة لا لتعارض الأصلين و تساقطهما.

نعم لو فرض اختصاص أحد الأطراف بأصل لا بأس بجريانه لكنه لا ينفك عن بطلان العلم كما إذا ترددت النجاسة بين إناءين ثم وقعت نجاسة في أحدهما المعين فأصالة الطهارة في الآخر في محلها كما سيجي‏ء.

قوله و لو كانت أطرافه غير المحصورة اه:

(1) فالحق تفسير الشبهة الغير المحصورة بما يبلغ أطرافه من الكثرة إلى حد يخرج به بعض أطرافه عن الابتلاء بالطبع.

قوله لعدم عروض الاضطرار إلى متعلقه اه:

(2) أفاد (ره) في الحاشية انه لا يخفى ان ذلك انما يتم فيما كان الاضطرار إلى أحدهما لا بعينه و اما إذا كان إلى أحدهما المعين فلا يكون مانعا عن تأثير العلم للتنجز لعدم منعه عن العلم بفعلية التكليف المعلوم إجمالا المردد بين ان يكون التكليف المحدود في هذا الطرف أو المطلق في الطرف الآخر ضرورة عدم ما يوجب عدم فعلية مثل هذا المعلوم أصلا و عروض الاضطرار انما يمنع عن فعلية التكليف لو كان في طرف معروضه بعد عروضه لا عن فعلية المعلوم بالإجمال المردد بين التكليف المحدود في طرف المعروض و المطلق في الآخر بعد العروض‏

225

و هذا بخلاف ما إذا عرض الاضطرار إلى أحدهما لا بعينه فانه يمنع عن فعلية التكليف في البين فافهم و تأمل انتهى.

أقول لحوق أي قيد بأحد طرفي الترديد يوجب لحوق مقابله بالطرف الآخر و يوجب ذلك خلو المقسم المعلوم أعني المتيقن منهما جميعا فلحوق التحديد بالطرف المضطر إليه و الإطلاق بالطرف الآخر يوجب خلو الحكم المعلوم عن الإطلاق و التحديد جميعا فليس بتكليف فعلى مطلق فلا يوجب تعلق العلم به تنجزا و ليس حال العلم الإجمالي مع عروض الاضطرار بأحد طرفيه بعد تحقق العلم بأقوى من العلم التفصيلي إذا تعلق بأمر ثم عرض الاضطرار إليه بعينه.

قوله (ره) حيث ان فقد المكلف به ليس من قيود حدود التكليف به اه:

(1) لا يخفى ان معنى كون الاضطرار من حدود التكليف و قيوده ليس هو كون التكليف متصفا بقيد الاختيارية بعد اتصافه في نفسه بالإطلاق بل هو من القيود المقومة التي يتقوم بها اعتبار التكليف فان التكليف اعتبار قائم بالفعل الاختياري الممكن من الغير و على هذا فلا فرق بين الاضطرار و الفقد فان التكليف قائم إلى ان يتصف الفعل بالامتناع كما انه قائم إلى ان يتصف الفعل بالاضطرار إليه و كما ان التكليف يسقط عن الفعلية بعروض الاضطرار على المكلف به كذلك يسقط عن الفعلية بعروض الامتناع عليه بوجه و لا فرق في ذلك بين عروض الفقد

226

قبل تحقق العلم أو بعده.

و اما ان قضية الاشتغال اليقينيّ البراءة اليقينية فانما يقتضى ذلك ما دام العلم بالتكليف الفعلي موجودا سواء كان علما إجماليا أو تفصيليا و اما مع سقوط العلم بالتكليف الفعلي فلا اشتغال يقيني حتى يقتضى البراءة اليقينية.

و من هنا يظهر عدم جريان الاستصحاب في الطرف الباقي أو غير المضطر إليه.

نعم فيما إذا كان الاضطرار أو الفقد العارضان بعد تحقق العلم الإجمالي مستندين إلى اختيار المكلف فالعقل قاض ببقاء التكليف على ما تقدم الكلام فيه في بحث امر الأمر مع العلم بانتفاء شرطه هذا.

و ربما يقال ان الشبهة إذا فرض خروج أحد طرفيها عن الابتلاء رجع المعلوم الإجمالي إلى معلوم مردد بين فردين مقطوع الارتفاع و مشكوك الحدوث و لا يجري مع ذلك الاستصحاب قطعا و هذه الشبهة و ان ابدئت في مورد خاص و هو مورد الخروج عن الابتلاء إلّا انها أعم جريانا تشمل موارد الخروج عن الابتلاء و طرو الاضطرار.

و لكنها مزيفة بان المعلوم بالنسبة إلى الطرفين ليس من قبيل الكلي بالنسبة إلى فرديه بل الفرد بالنسبة إلى حاليه و إلا لعاد جميع موارد الاستصحابات الشخصية إلى استصحاب الكلي فان الطهارة المستصحبة عند الشك في الحدث مثلا مرددة بين الطهارة المقارنة بالحدث المقطوع‏