حاشية على كفاية الأصول‏

- محمد علي الحائري القمي المزيد...
305 /
1

-

2

[افتتاحية:]

الحاشية على الكفاية للعبد محمّد على القمىّ عفى عنه‏ بسم اللّه الرّحمن الرّحيم‏ الحمد للّه ربّ العالمين و الصّلاة و السّلام على خير خلقه محمّد و آله الطّاهرين و لعنة اللّه على اعدائهم اجمعين من الآن الى يوم الدّين‏ امّا بعد فيقول العبد محمّد على القمى على عنه هذه حاشية علّقتها على الكفاية لشيخنا.

العلّام الخراسانى طاب ثراه رجاء لان ينتفع بها بعض اهل العلم من المشتغلين و يصير ذلك سببا لفوزى و فلاحى فى يوم الدّين و على اللّه توكّلى و به استعين‏

[في موضوع العلم:]

قوله: انّ موضوع كلّ علم و هو الّذى يبحث فيه عن عوارضه الخ‏

اقول‏ قالوا بالموضوع لكلّ علم و لاحظوه في تصنيفاتهم في العلوم المدوّنة و جعلوا ذلك من اجزاء العلم و الزموا بمعرفته مقدّمة للشروع في العلم لما ثبت و ظهر عندهم من انّ جهة وحدة العلم و تمايز العلوم كلّ منها من الآخر بعد أن كانت جميعها حقيقة واحدة او انّ كل قضيّة علما خاصّا هو الموضوع فيما يبحث فيه عن عوارض ذلك الموضوع عوارضه الذّاتيّة فهو علم كذائى فصار سببا لتمايز العلوم و عدّ بعض منها علما خاصا كالنّحو و الصّرف و المنطق و هكذا و ان قلنا بانّ تمايز العلوم و جهة امتياز بعضها من بعض هو الاشتراك في الفائدة فكلّ مسئلة فائدتها حفظ اللسان عن الخطأ في المقال هى من النّحو فمناط الوحدة هو ترتّب هذه الفائدة كما ربّما يظهر من بعض و اختاره المص ره فلا وجه بعد لذكر الموضوع للعلم و لا لبيان العوارض ذاتيها و غربيها فعلم النّحو هو العلم الّذي يحفظ به اللسان عن الخطأ في المقال فكلّ مسئلة يكون فائدتها ذلك هو من مسائل النّحو و جامع شتاتها هو تلك الفائدة و لو كان الموضوع مختلفة في تلك المسائل كالمحمول و لم يكن عرضا ذاتيا للموضوع‏

[أمور:]

نعم‏ على شرب القوم لا بدّ من تنقيح امور ليتضّح بها المرام‏

[الأمر الأوّل انّ موضوع العلم هو ما يبحث في ذلك العلم من عوارضه الذّاتيّة]

الأوّل: انّ موضوع العلم هو ما يبحث في ذلك العلم من‏

3

عوارضه الذّاتيّة و هذا ممّا صرّح به القوم في شرح الموضوع لكلّ علم و لا اشكال فيه و لا خلاف‏

[الأمر] الثّاني: انّ العرض الذّاتي ما يكون عارضا للشّي‏ء بلا واسطة

في العروض بان يكون العرض في الحقيقة عارضا لغيره ثمّ له بواسطته بل كان عارضا له حقيقة و إن كان له واسطة في الثّبوت اى يكون للعروض علة غير الذّات‏ لا يقال‏ انّ موضوعات المسائل مغايرة في الأغلب لموضوع العلم في العموم و الخصوص فالعوارض الثّابتة لها ليست ثابتة له بلا واسطة فكيف التوفيق لانّا نقول العوارض الثّابتة لموضوعات المسائل ثابتة لموضوع العلم حقيقة اذ هى مصاديق له و موضوع العلم كلّى طبيعى هو كلى في موطن الذّهن و جزئىّ في موطن الخارج و الجزئيّات و المصاديق في الحقيقة عين الكلّى الطّبيعى و يعرضه الكليّة و الجزئيّة المنطقيّان بحسب اختلاف الظّرف و الموطن و التّحقق و الّا فهما متحدّان فالعوارض لموضوعات المسائل هى العوارض لموضوع العلم‏

و [الأمر] الثّالث: المسائل على شرب الجماعة

هى القضايا الّتى يكون محمولاتها من العوارض الذّاتيّة لموضوع العلم فكلّ محمول يكون عرضا ذاتيّا لموضوع العلم المتّحد مع موضوع المسألة خارجا فهو من مسائل هذا العلم دون علم آخر و هكذا و امّا معرفة ان المسائل هى المحمولات المنتسبة او نفس النّسبة او نفس القضيّة فليس لها كثير نفع و زيادة فائدة

قوله: و المسائل عبارة عن جملة قضايا متشتّتة الخ‏

اقول‏ و لا يخفى عليك انّ اللّازم على المص في جريه ابتداء من ذكر الموضوع و بيانه ان ينتهى ببيان مسائل العلم الى ما ذكرنا و إن كان غرضه الجرى على ما هو مختاره من انّ وحدة العلم بلحاظ الغرض و الفائدة كما انتهى اليه في بيان المسائل كان الواجب ان يبتدأ بجهة وحدة العلم بالغرض و لم يتعرّض لموضوع العلم على ما ذكروه و توضيح مرام المصنّف و تنقيحه انّ الملاك في اتّحاد العلم و وحدته مع تشتّت العوارض و موضوعاتها هو وحدة الغرض منها بان يكون الغرض و المهم في الجميع امرا واحدا فلو كان المهم كذلك بعد الجميع علما واحدا و يفرد بالتّدوين لذلك و إن كان المحمولات كثيرة و متشتّتة و كذلك الموضوعات فلو كان الغرض متعدد او غير متّحد بتكثر العلم و إن كان موضوع المسائل واحدا فجهة التميّز انّما هى جهة البحث من جهة اختلاف الغرض و المهم فلذا قد يتداخل بعض المسائل فيكون من مسائل العلمين لما له دخل في المهمّين و يدوّن فيهما كبعض مسائل الأمر و النّهى حيث يدوّن في المعاني و الأصول و الفارق هو ما ذكرنا من جهة وحدة البحث فوحدة الموضوع و المحمول لا يفيد في اتّحاد العلم لو كان الغرض و المهم مختلفا و متكثرا كما انّ اختلافهما لا يتكثّر العلم مع وحدة المهم فاذا صار الغرض واحدا و اختلفت موضوعات المسائل فلو كان لها جهة وحدة طبيعية كان كان لها قدر مشترك حقيقة بان يكون اختلافها في الخصوصات مع وحدة الطّبيعة فذلك الطّبيعة هى موضوع العلم و العوارض المحمولة على الموضوعات عوارض لها حقيقة لاتّحادها معها و عينيّتها

4

في الخارج و لو لم يكن كذلك ينتزع منها مفهوم واحد و امر اعتبارى يصدق على الجميع و يكون هو الموضوع لا بلحاظ نفسه بل بلحاظ حكايته عن الموضوعات و مراتبيّة لها ففى الحقيقة لا موضوع للعلم الّا تلك الموضوعات و ذلك المفهوم انتزع منها مرآتا لها و جامعا لشتاتها و محدّد ذلك العلم و معيّن وحدته في الحقيقة ح هو الغرض و الفائدة دون الموضوع كما لا يخفى‏

[في وجه تمايز العلوم:]

و اعلم‏ انّ المعروف فيما بين القوم انّ تمايز العلوم انّما هو بتمايز الموضوعات و تمايزها انّما هو بتمايز الحيثيّات امّا وجه اختيارهم التّميز بينها بالموضوعات مع انّ التّميز يحصل بوحدة الغاية و الفائدة كما صرّحوا بذلك ايضا لأنّ الموضوع جهة وحدة المسائل نظرا الى ذاتها فهو مميّز ذاتى بخلاف الغاية و المنفعة فانّها لما كانت خارجة عنها فيكون الوحدة الحاصلة لها بها وحدة بالخارج عن الذّات و لا شبهة في انّ جعل الذّاتي سببا للوحدة و جامعا للشّمل اولى من جعل الخارج فلا يكون تمايز العلوم في نفسها و بالنّظر الى ذواتها الّا بحسب الموضوع و امّا المحمولات فلا يمكن جعلها ملاكا لوحدة العلم و كثرتها لأنّ اللّازم عليه ان يجعل كلّ مسئلة علما كما لا يخفى‏ فان قلت‏ لا يمكن جعل ملاك الوحدة و الكثرة بالموضوع وحدة و كثرة لأنّا نرى علمين متمايزين يكون موضوعهما امرا واحدا كالنحو و الصّرف مثلا حيث انّ موضوعهما الكلمة و هى موضوع احد قلت‏ نعم الّا انّها من حيثيّتين مختلفتين فهى من حيثيّة الصّحة و الاعتلال موضوع لعلم الصّرف و من حيث الأعراب و البناء موضوع لعلم النّحو فان قلت‏ لا يكفى ذلك في التّعدد لو اعتبر الحيثيّة تقييديّه لأنّ الكلمة حال تقييدها بحيثيّة الأعراب و البناء يبحث عنه في علم الفصاحة و البلاغة ايضا و لو اعتبرت تعليليّته لا معنى لها و لا يترتّب الغرض عليه‏ قلت‏ نعتبرها تقييديّه و نقول لا منافاة بين البحث عنه في علم الفصاحة حال تقييدها بحيثيّة الأعراب و عدم البحث عنه بشرط التّقييد فكأنّه اعتبر الكلمة في موضوع المعاني بشرط لا و في موضوع علم النّحو مقيّدة بقيد خاص و الفرق بينهما في غاية الوضوح فت جيّدا حيث انّ المحمولات في علم النّحو ليست عارضة للمقيّد بل انّما هى عارضة لذات الكلمة فتلخّص انّ الموضوعين لو تعدّدا ذاتا يصير سببا لتعدّد العلم و لو اتّحد بتعدّد بالحيثيّة فلم تصل النّوبة الى القول بان التّعدّد هنا من جهة اختلاف البحث النّاشى من اختلاف الغرض و المهم و من هنا ظهر انّه لا يتداخل بعض المسائل حيث انّ الموضوع فيهما و إن كان متّحدا الّا انّ الاختلاف بحسب اختلاف الحيثيّات على ما مرّ فان قلت‏ لو لم يكن تمايز العلوم بتمايز الغايات فكانت العلوم علما واحدا و يكون الجميع مندرجا تحت العلم الإلهي بالمعنى الأعم لكون موضوعه الموجود بما هو موجود فيكون العرض الذّاتي لأنواعه عرضا ذاتيّا له لمكان الاتّحاد بينها وجودا قلت‏ لا اشكال فى انّ الأعراض الذّاتيّة للنّوع ليس عرضا ذاتيا للجنس لأن عروضه انّما هو بسبب امر خارج اخص و هو الفصل‏

5

و ليس من قبيل عروض الفصل للجنس و الحاصل انّ المعتبر في العرض الذّاتي عروضه للمعروض من حيث ذاته من غير ان يتوقّف عروضه له على صيرورته نوعا معيّنا اوّلا ليعرضه ذلك العارض ثانيا و في المقام كذلك حيث انّ في ساير العلوم انّما يعرض الموجود بعد صيرورته نوعا معيّنا لا لما هو هو من غير توقّف و هذا هو المراد من قولهم في تعداد العرض الغريب او العارض لأمر خارج اخصّ فتبصّر فظهر ممّا ذكرنا انّه لا وجه للعدول عن الملاك الّذى ذكره القوم مع عدم محذور فيه‏

قوله: و الّا كان كلّ باب بل كلّ مسئلة الخ‏

اقول‏ الظّ انّه مترتّب على كلا الأمرين امّا ترتّبه على الثّاني فواضح اللازم عدّ المحمول هو الملاك في الوحدة و التعدّد ذلك كما ذكرنا و صرّح به القوم في كتبهم و امّا ترتّبه على الثّاني ففيه خفاء نعم هو واضح لو قلنا بانّ ملاك الوحدة و التعدّد هو موضوع المسألة لأنّه عليه موضوعات المسائل كمحمولاتها متعدّدة و لكنّه ليس بشي‏ء و لا يكاد يكون مرادا له للزوم التّهافت في كلامه و يمكن ان يقال في وجهه انّه لو كان ملاك التّعدّد تعدّد الموضوع لكان اللّازم عدّ كلّ مسئلة علما لأنّ الموضوع في كلّ مسئلة متعدّد و لكنّه ايضا ليس بشي‏ء لأنّ الموجب للتّعدّد هو تعدّد موضوع العلم و موضوعات المسائل مرجعها الى الوحدة لأنّ المعروض فيها امر واحد في الحقيقة و إن كان متعددا اعنى انّها مع تشتّتها واحد لأنّها بلحاظه يحكم عليها كما سبق‏ و قد يقال‏ في وجهه انّه لو كان الموضوع في علم النّحو مثلا هو جنس الكلمة هى اللّفظ العربى فيلزم اتّحاد جميع علوم العربيّة و إن كان هو خصوص الأشخاص في المسائل يلزم تعدّد العلوم و إن كان كلّ صنف و نوع يلزم ايضا ذلك و إن كان شيئا آخر فليس ببيّن و لا مبيّن و لمّا كان الشّق الأوّل و الأخير واضح الفساد ذكر الشقّ الممكن و رتّب عليه ما يترتّب عليه و لكن ذلك ايضا ليس بشي‏ء كما تقدّم اذا لموضوع هو الذّات المقيّد بالحيثيّة اذ التّمايز انّما هو بالحيثيّة و هذا هو الكلام المعروف من صاحب الفصول بانّ قيدا لحيثيّة غير مفيد و قد تقدّم البحث فيه و يمكن ان‏ يقال‏ بترتّبه على خصوص المحمولات و جعل فساد الأوّل بما تقدّم الإشارة اليه من لزوم رجوع العلوم المتأخرة الى العلم الالهى بالمعنى الأعم او الى ما تقدّم من صاحب الفصول من بطلان الحيثيّة و لزوم التميّز إلى حيثيّة البحث النّاشى عن الغرض على ما تقدّم‏

[في الإشكال على جعل الملاك الغاية:]

و لك‏ ان تقول بعدم امكان جعل ملاك الوحدة و التّعدد الغاية و المنفعة بوحدتها و تعدّدها لأنّ لكلّ مسئلة منفعة مترتّبه عليها فلو كان ملاك تعدّد العلم بتعددها يلزم تعدّد العلم الواحد بعلوم متعدّدة بحسب غايات مسائله و لك ان تفرض غاية واحدة لجميع علوم العربيّة و هى الاطّلاع على خصوصيات لفظ العرب فكلّ ما يقال في الموضوع يقال في الغاية حرفا بحرف فت‏

قوله: و قد انقدح بذلك ان موضوع علم الأصول‏

اقول‏ لما كان الملاك في اتّحاد العلم هو وحدة

6

الغرض كان الغرض من علم الأصول استنباط الأحكام او ما عليه العمل في مورد الاشتباه كان كل مسئلة يترتّب عليها تلك الفائدة من مسائل الأصول فيكون موضوعه هو الجامع لشتات تلك الموضوعات و الكلىّ المنطبق عليها بما هو مرآة لها هذا هو التّحقيق عند المص و لا اشكال عليه و امّا على ما افاد القوم من انّ موضوع العلم هو الأدلّة بما هى ادلّة كما هو ظاهرهم لو ذواتها لا بما هى أدلّة كما هو مختار بعض المتأخّرون فلا يكاد يتمّ بحيث ينطبق على جميع ما يذكر في العلم لخروج مباحث الألفاظ مع انّ البحث عنها عام في تعيين معناها بحسب اللّغة و هذا البحث غير مختص بالأدلّة و قد يوجه بانّ الغرض هو الألفاظ الواردة فى الكتاب و السّنة و البحث عنها بحث عن اجزاء الموضوع اذا جعل الكتاب و السّنة عبارة عن مجموع الألفاظ المدلول عليها بما بين الدفّتين و مجموع الأخبار المنقولة او عن جزئيّاته اذا جعلا عبارة عن القول المنزل للاعجاز و عن قول المعص او ما قام مقامه غاية الأمر انّه على بعض التقدير يكون عن عوارض الجزء الأعم و كذلك يخرج على الأوّل البحث عن حكم العقل مستقلّة و غير مستقلّة اذ ذلك ايضا بحث عن وجود الدّليل لا عن احواله بعد وجوده اذا البحث في ذلك عن وجود حكم العقل الكذائي او وجود الملازمة بين وجوب الواجب و مقدّماته و البحث في احوال الموضوع هو البحث عن الهليّة المركّبة لا البسيطة و كذلك‏ يخرج على القولين البحث عن غير واحد من المسائل كمبحث الخبر الواحد و عمدة مباحث التّعادل و التّرجيح و لا يفيد في ذلك التوجيه بانّ البحث فيها حقيقة بحث عن ثبوت السنّة و هو قول المعص بخبر الواحد في مسئلة حجيّته خبر الواحد او اىّ الخبرين في باب التّعارض فانّ في ذلك الباب يبحث عن حجيّة الخبر فعلا و ذلك‏ لأنّ البحث إن كان عن ثبوته واقعا كان البحث عن وجود الموضوع و البحث عن وجود الموضوع ليس بحثا عن عوارضه و هو خارج عن المسائل و إن كان البحث عن ثبوته تعبّدا فهو ليس بحثا عن قول المعص بل هى عارضة للحاكى عنه فانّ مرجع الثبوت التّعبدى الى وجوب العمل على طبقه كالسّنة المعلومة و لا معنى للبحث عن حجيّة قول المعص تعبّدا عند تحقّقه و وجوده و لو كان عارضا للقول المعص لكان الأمر كذلك‏ فان قلت‏ مرجع البحث الى انّ السّنة هل له وجود تنزيلى بحسب التعبّد او لا و البحث عن وجوده الكذائى بحث عن احوال السّنة قلت‏ معنى وجوده التّنزيلي وجود شي‏ء يجب العمل به فالّذى يبحث عنه في العلم اثباتا و عدما هو وجوب العمل و هو عارض للخبر لا للسّنة و بعبارة اخرى يكون البحث عن وجوده التّنزيلى البحث عن آثارها و آثارها انّما يكون عوارض لغيرها لا لنفسها كما هو واضح‏ ثمّ‏ انّه على هذا يخرج الأصول العمليّة لأنّه ليس بحثا عن احوال الأدلّة و ليس واقعا في طريق استنباط الأحكام و إن كان ينتهى الى الحكم الشّرعى في بعضها و هو الأصول الشرعيّة دون العقليّة منها فيلزم كونها استطرادا و لا وجه له مع انّ كتب الممهّدة مشحونة بتنقيحها و تحقيقها فنقول الغرض المهم للأصولى‏

7

في تدوين الأصول ذكر ما يفيد للفقيه في الاستنباط او كان مرجعه بعد العجز عنه فيكون جميعها داخلا في العلم و ليكشف عن ذلك ذكرهم ايّاها في الكتب الممهّدة من المسائل و ان اغمضوا عنه في مقام التّعريف بل و ان لم نستكشف ذلك عنهم نقول انّ اللّائق في العلم ان يكون كذلك لأنّ الفقيه محتاج اليهما بل احتياجه الى الثّاني اشدّ فتيقحه فيما هو بمنزلة المقدّمة و الأصل له اولى و احرى فيكون الأصول العمليّة ايضا من المسائل بل ما يتجدّد و يختلف من المسائل ايضا منه و ان لم يكن منه قبل ذلك فان قيل اىّ فرق بين الاستصحاب اذا قلنا باستفادته من الأخبار و البراءة الشرعيّة و قاعدة الطّهارة و قاعدة الضّرر حيث انّ الأوّلتان اصوليّتان و الأخيرتان فقهيّتان قلنا الفرق انّ الأوّلتان تستعملان في تحصيل الحكم و فيما اذا كانت الشّبهة حكميّة و تنقيح موارده مختصّ بالمجتهد بخلاف الأخيرتين اذ ليس بعد الحكم بهما الّا تطبيق الموارد بهما فيما اذا اشتبها فيكون جميع المكلّفين فيه شرع سواء و قد يختلف المقلّد مع مفتيه في مورد خاص و كيف كان كلّ ما يختصّ اعماله بالمجتهد في طريق الحكم و تعيين الحكم به فهو مسئول عنه في الأصول و ما لا دخل له في الحكم و إن كان يستعمل في تعيين افراده و موضوعاته و يكون الكل فيه مشتركا و ما كان له اختصاص بالمجتهد فهو مسئول عنه في الفقه كجميع المسائل مع كليّتها و ان شئت توضيحا في ذلك نقول انّ الاستصحاب مثلا فيما اذا كانت الشّبهة حكميّه لا بدّ له من يقين بالحكم سابقا و شكّ فيه لا حقا و هذا اليقين و الشّك وظيفة المجتهد اذ هو الّذى يعلم بثبوت الحكم من دليله و يرى عدم دلالة الدّليل على الحكم في الزّمان الثّانى و لا يرى دليلا آخر عليه في هذا الزّمان اثباتا و نفيا بعد التفحّص في الأدلّة فيستصحب و كذلك الحال في البراءة عند الشكّ في الحكم اذ هو الّذي لا بدّ له من الفحص عن الحكم من الأدلّة فبعد عدم وجدان دليل على وجوبه او حرمته يحكم بالبراءة و كذلك الحال في جميع ما كانت الشّبهة فيه حكميّه بخلاف ما اذا كانت الشّبهة موضوعيّة فانّه ليس من شغل الفقيه من غير فرق في ذلك بين الاستصحاب و غيره من القواعد الكلّية كما انّ قاعدة الطّهارة فيما كانت الشّبهة حكميّة لم يكن من المسائل الفقهيّة و كانت ممّا ينتهى اليها في مقام العمل على ما ذكره المص في اوّل البراءة و لكنّه لم يبحث عنها لكونها ثابتة بلا كلام و مختصّة ببعض من الأبواب و كيف كان فهذا هو الفرق بين المسائل الأصوليّة و الفقهيّة فظهر ممّا ذكرنا انّ موضوع علم الأصول لا وجه ان يجعل ذوات الأدلّة او بما هو ادلّة لخروج البحث عن الأصول العقليّة حيث انّه لم يستنبط منها حكم شرعى اذ ليس مفادها حكما شرعيّا و كذلك الظّن على تقدير الحكومة بل انّما هو عذر عند المخالفة و لا العمليّة منها لعدم وقوعها في طريق الاستنباط فتحصل من جميع ما ذكرنا انّ موضوع الأصول هو القدر المنتزع عن موضوعات المسائل بلحاظ مراتبيّة و حكايته عن حقيقة الموضوع اى يصير الموضوع في الحقيقة نفس موضوعات المسائل و نعبر عنها به من جهة

8

تعسّر العلم اجمالا بالمسائل و تميزها عن مسائل غيره و ان شئت عبر عنه بما يكون البحث عن عوارضه مفيدا في استنباط الحكم او فيما ينتهى اليه العمل فحصل انّ الأولى في تعريفه ان يقال هو العلم بالقواعد الّتى تقع في طريق استنباط الحكم الشّرعي او ينتهى اليه الأمر في مقام العمل فدخل الأصول العقليّة و الظنّ على تقدير الحكومة بل مفاد جميع حجج الشّرعيّة على ما هو التّحقيق عند المص من انّ امرها كأمر الحجج العقليّة من كون مفادها عذرا لو خالف الواقع و يصحّ العقوبة على مخالفة الواقع اذا خالفه من دون انشاء حكم من الش على وفقه فانّها على هذا الاحتمال ليس مفادها حكما و ليس ممّا ينتهى امرها الى الحكم الشّرعى كالظّن على تقدير الحكومة هذا ما استفدته في مجلس البحث و سيأتي تتميم هذا المقام فيما سيأتي انش‏

قوله: و امّا اذا كان المراد من السّنة ما يعم حكايتها

اقول‏ لا يخفى عليك انّه يكون من احوال السّنة اذا كان المراد من الأدلّة ذواتها لا هى بوصف الدّليليّة لأن البحث انّما يكون عن حجيّة الحاكى و دليليّته و ذلك ليس عارضا للدّليل بوصف دليليّته‏

قوله: الّا ان البحث في غير واحد الخ‏

اقول‏ ليس المقصود انّ خروج هذا المباحث انّما يكون على هذا التّقدير بل هذا خارج على كلا التّقديرين كما سبق مشروحا

[في تعريف علم الأصول:]

قوله: و يؤيّد ذلك تعريف الأصول‏

اقول‏ اشار بقوله ذلك الى انّ الموضوع في العلم ليس خصوص الأدلّة و وجه التّأيد لانّه يستفاد من التّعريف انّ كل قاعدة مهدت للاستنباط فهو من المسائل سواء كان من عوارض الأدلّة او لا و قيل في المراد منه غير ما ذكرنا و الأمر هيّن‏

قوله: و إن كان الأولى تعريفه بانّه صناعة يعرف بها الخ‏

[وجوه مغايرة تعريف المصنف علم الأصول لتعريف المشهور:]

اقول‏ لا يخفى عليك انّ التّعريف المذكور من المص مغاير لتعريف المشهور من وجوه ثلاثة

[الوجه‏] الاوّل: انّه عبر بالصّناعة لا العلم حيث انّ‏

المراد من المحدود هو الفنّ المركّب من المسائل و غيرها و هو مغاير للعلم بمعانيه الممكنة في المقام لكنة يمكن ان يقال انّ الفنّ هو الأصول و المعرف هو علم الأصول فينطبق على الحد و هو العلم بالقواعد و إن كان الاحتياج في التعريف هو المضاف اليه الّا انّه لا يمنع الأولويّة

[الوجه‏] الثّانى: انّه عبر بقوله يمكن ان يقع في طريق استنباط الأحكام‏

مقام قولهم الممهّدة لاستنباط الأحكام و ذلك لأنّ المراد بالتّمهيد إن كان هو التّدوين فذكره مخلّ بالحد لأنّ لازمه خروج ما لم يمهّد بعد من المباحث اذ ربّما يظهر مسائل لم يتعرّض له في الكتب و من المعلوم تزايد العلوم بتزايد الأفكار بل قد يقال انّ حقايق العلوم امور تاصّليّة غير موقوفة على التّمهيد و العدوين؟؟؟ بل هى مركبّة من نسب واقعيّة واقعة بين قضايا فالنّحو مثلا هى نفس تلك القضايا نعم العلم به هو العلم بتلك القضايا و إن كان المراد بالتّمهيد الاستدلال و النّظر اىّ القواعد الّتى استدلّ عليها و يصير المراد هو العلم بالقضايا الواقعيّة الّتى عرفت بالنّظر و الاستدلال لمعرفة الأحكام الشّرعيّة فذكره ايضا مخلّ بالحديث انّ ظاهره هو الممهّدة في السّابق فيخرج المسائل المتجدّدة و اجاب من فسّر

9

التّمهيد بالاستدلال و النّظر عن الأشكال بانّ المراد بالممهّدة ما مهّده العالم بها يعنى القواعد الّتى من تنبّه بها استدلّ عليها للاستنباط سواء استدلّ عليها سابقا أو لا و لكنّ الأشكال في كون المراد بالتّمهيد هذا اذ التّمهيد مأخوذ من قولهم مهدت الفراش اى بسطتها و حقيقة معناه التهيّؤ لكنّه بالنّسبة الى كلّ شي‏ء بحسبه فتهيّة الفراش بسطها و تهيّة القواعد ذكرها و تدوينها و التّنبيه عليها و امّا الاستدلال عليها فهو لازم العلم بها اذ المراد بالعلم التّصديق و لا بدّ له من الاستدلال و النّظر و يمكن ان يقال انّ المراد من الممهّدة المستخرجة يعنى القواعد الّتي استخرجت للاستنباط اى كان غرض المتنبّه بها الاستنباط و لا خصوصيّة للمخرج فكل من تنبّه بها اخذها لوقوعها في الاستنباط فلا اشكال و كيف كان فهذا لو يدفع الأشكال لا يدفع الأولوّية

و [الوجه‏] الثّالث: زيادة

قوله او الّتى ينتهى اليها في مقام العمل‏

لشمول‏

مسئلة حجيّة الظّن على الحكومة و مسائل الأصول العمليّة في الشّبهات الحكميّة على ما قد مرّ توضيحه فعليه يكون المراد بالأولويّة التّعيينيّة كما في آية اولو الأرحام و لا يخفى عليك انّه لو كان المراد بالأحكام اعم من الواقعيّة و الظّاهريّة يكون الأصول العمليّة كاستصحاب الحكم مثلا داخلا في طريق استنباط الحكم الفرعى و لذا قال المص في مبحث الاستصحاب ما لفظه و لا يخفى انّ البحث في حجّيته مسئلة أصوليّة حيث يبحث فيها لتمهيد قاعدة تقع في طريق استنباط الأحكام الفرعيّة و ليس مفادها حكم العمل بلا واسطة و إن كان ينتهى اليه كيف و ربّما لا يكون مجرى الاستصحاب الّا حكما اصوليّا انتهى‏

[الوضع‏]

[في تعريف الوضع:]

قوله: الوضع‏

اقول‏ لا يخفى انّ الألفاظ نسبة كلّ واحد منها بالنّسبة الى كل واحد من المعاني واحدة لا تفاوت في واحد منها نعم على القول بكون دلالة الألفاظ ذاتيّة يكون لكلّ منها خصوصيّة بحسب ذاتها مع واحد من المعاني و ذلك فاسد بحسب وجداننا بل المشاهد خلافه نعم يمكن جعل الاختصاص بينهما بان يجعل اللّفظ بازاء المعنى بحيث اذا شوهد ذلك اللّفظ شوهد المعنى و يصير فانيا فيه و تحقّق هذا الاختصاص بالجعل فيما لا ينبغى النّزاع في و انّما النّزاع في انّه بم يحصل هذا الاختصاص‏

[في أن الوضع لا يحتاج إلى الإنشاء:]

فنقول هذا الاختصاص انّما يتّصف اللّفظ به في الذّهن دون الخارج و ليس من الموجودات الخارجيّة بل من الأمور الانتزاعيّة الّتى ينتزعها العقل و منشؤه انّما هو التّباني و الالتزام على كون اللّفظ الخاص مقابلا للمعنى الخاص بحيث كلّما اريد إراءة المعنى ارى ذلك اللّفظ و هذا الالتزام و التّباني قد يكون من واحد و قد يكون من جماعة خاصّة و هل يكفى ذلك في حصول ذلك الاختصاص بنظر العقلاء و به يحصل منشأ ذلك الاختصاص في طريقتهم و الغرض عدم الاحتياج الى انشاء الاختصاص في حصول الوضع و إن كان لا علام الغير بهذا البناء او علمه دخلا في حصول الغرض و هو الإفادة و الاستفادة كما لا يخفى او لا بدّ له من انشاء لفظى من ان يقول مثلا جعلت اللّفظ بازاء هذا المعنى كما ربّما بشاهد في بعض الأمور كجعل الولاية و

10

السّلطان و الهبة بحيث لا يكتفى في تحقّق هذا الأمور بمجرّد الالتزام القلبى و لا بدّلها من الإنشاء الخارجى و لو بالمعاطات الفعلي لا اللّفظ القولى‏ وجهان‏ نعم الظّاهر عدم كفاية مجرّد انشاء اللّفظى بلا التزام و تعهّد في البين يعنى يكون منشأ الانتزاع هو نفس الإنشاء بلا احتياج بان يكون ذلك من جدّه و كونه مرتبا من وجود المعنى بحسب نظره الواقعي كما انّ حصول الاختصاص بعد هذا البناء و الإنشاء لا يستلزم الاستعمال اى لا دخل له في منشئيته للانتزاع بل يكون الاستعمال بعد حصول ذلك الاختصاص و تابعا له نعم قد ينشأ بنفس الاستعمال على ما سيأتي الإشارة و لا يبعد ان يقال بعدم لزوم الإنشاء للّفظى كما يشاهد في الأعلام حيث انّ الأب لمّا راى اسم ولده زيدا و التزم انّه زيد يصحّ استعمال زيد اذا علم ذلك منه و لو لم ينشأ بعد و ليس منشأ اعتباره إلا روية من له الأمر انّ اللّفظ هو هذا المعنى بلا احتياج الى شي‏ء آخر و ليس ذلك مخالفا للمشهور الّذين قالوا بانّ الوضع تعيين اللّفظ بازاء المعنى حيث انّه لم يعلم منهم ذلك بالإنشاء و لعلّ مرادهم التّعيين و لو بحسب قلب الواضع و التزامه بانّ هذا ذاك اذ ذلك هو حقيقة التّعيين على ما لا يخفى‏

و الحاصل‏

انّه يكفى في الوضع الإنشاء القلبى الّذى هو الالتزام القلبي بانّ هذا ذاك لانتزاع الاختصاص بين اللّفظ و المعنى و هذا هو الوضع التّعيينى‏ فان قلت‏ هل يكون الاختصاص النّاشى عن البناء و الالتزام بين كلّى اللّفظ و المعنى الخاص او خصوص الألفاظ الصّادرة بخصوصيّتها فعلى الأوّل كيف يعقل ذلك و الحال انّه بما هو هو ليس الّا هو و في عالم تقررها ليست الّا هو و على الثّاني كيف يعقل التصرّف فيها مع انّها غير موجودة و الحاصل انّه لو لم يتصرّف في اللّفظ لم يكد يحصل الاختصاص و مع لزوم التصرّف لم يعقل في كلّيه و جزئيّاته لعدم قابليّتهما للتصرّف فيه‏ قلت‏ التّصرف فيه ليس بتصرّف خارجي فيه بحيث يكون تلك الخصوصيّة خارجيّة كما يكون الأمر كل في مثل الفوقيّة و امثالها بل التّصرف فيه بالاعتبار و ذلك الاعتبار ليس بلازم اعتباره في كلّ الفاظ خاصه بل انّما يعتبر في كل كليّة الطّبيعي الموجود بوجود اشخاصه بان يكون الالتزام يكون هذه الطّبيعة فانيا في هذا المعنى الخاص و هذه الطّبيعة كسائر الطّبائع قابلة لأن يلتزم به كذلك فينتزع الاختصاص بينه و بين المعنى و ليس اللازم ان يكون التصرّف الكذائي في كل واحد واحد من الألفاظ الصّادرة حتّى يكون نحوه من قبيل الفوقيّة الخارجيّة الّتى لا بدّ له من خصوصيّة خارجيّة في خصوص ما ينتزع منه ذلك و في الحقيقة كل لفظ خاص لما كان هو الطّبيعة بحسب الموطن الخارج بلا خصوصيّة للخصوصيّات فالالتزام على الفناء في الطّبيعة عين الالتزام في الفناء في الخصوصيّات من حيث انّها هى الطّبيعة و منشأ الانتزاع ايضا ينتزع من ذلك نعم لو كان لخصوصيّة الألفاظ دخلا في الفناء فلا بدّ ان ينضمّ الالتزام بتلك الخصوصيّة

11

فت جيّدا

قوله: نحو اختصاص اللّفظ بالمعنى و ارتباط خاص الخ‏

اقول‏ و لا يخفى عليك انّ المقصود بالتّكلم لما كان هو الألفاظ و بيان احوالها ممّا متعلّق بغرض الاستنباط كان المقدّمة بيان حال الوضع الثّابت لها فيكون الملحوظ منه هو المعنى الحاصل في الألفاظ و امّا حيث انتسابه الى الواضع الذي هو فعله فلا اثر متعلّق به و لذا لا يحتاج في ذلك الفنّ الى تعيين حال الواضع من انّه اللّه او غيره من المخلوقين او غير ذلك من المباحث المتعلّق به نعم ربّما يحتاج اليه بلحاظ انّه سبب لحصول ذلك الوصف فنقول ح لمعروف عند القوم في تعريف الوضع تعيين اللّفظ للدلالة على المعنى بنفسه و ربّما اقتصر على ما عدى بنفسه و الوضع بهذا المعنى لا يستقيم تقسيمه الى التّعييني و التعيّني و ذلك لوضوح انّ الوضع بهذا المعنى هو فعل المتكلّم و لا يكاد يشمل التعيّن الّذى هو من صفات اللّفظ و ذلك على تقدير ان يكون المراد من التعيين لإنشاء اللّفظى من الواضع واضح و على تقدير عدمه بان يكون المراد هو الإنشاء القلبى و الالتزام الجدّى ايضا معلوم حيث انّه بهذه الخصوصيّة ليس هو صفة اللّفظ و ربّما صار ذلك سببا للاشكال عليه بانّه غير شامل لوضع المنقولات و ربّما عمّم التّعيين بما يتناول التّعيين عن قصد و التّعيين من غير قصد فيكون مشمولا للمنقولات و لكنّه لا يخلو عن اشكال لأنّه إن كان من باب استعمال اللفظ التّعيين في القدر المشترك بين التّعيين و التّعين فهو غير متصوّر لنا اذ لا قدر مشترك بين الإنشاء الحاصل باللّفظ او الالتزام الجدّى و بين التعيّن و غيره استعمال اللّفظ في المعنيين نعم لو عرف الوضع كما في عبارة المص بانّه نحو اختصاص اللّفظ بالمعنى صح تقسيمه الى التعيّنى و التّعيينى و توضيحه ان الوضع نحو اختصاص للّفظ بالمعنى بحيث اذا اطلق ذاك اللّفظ يفهم ذلك المعنى بحيث صار اللّفظ فانيا فيه و مرتّبة من مراتبه بلا احتياج الى القرينة و ذلك او لم يستعمل اصلا فيحصل فيه هذا الاختصاص بجعله و وضعه و يسمّى بالوضع التّعيينى و قد يحصل من كثرة استعمال اللّفظ في ذلك المعنى من غير جعل من جاعل بل كان سبب حصول هذا الاختصاص هو كثرة الاستعمال و يسمّى ذلك بالوضع التعيّنى و هنا سبب ثالث لحصوله و هو ان يحصل ذلك في اللّفظ بسبب استعمال خاصّ نشأ به هذا الاختصاص فيه كما اذا اراد الوالد تسميته ولده فيقول خذ زيدا مريدا بهذا الاستعمال تسميته به و جعله بازائه و الفرق بينه و بين الأوّل واضح اذ فيه جعل لكلّى اللّفظ من دون نظر الى الاستعمال بل يترتّب عليه الاستعمال اى صحّته لا وجوده و هنا جعل بالاستعمال الخاص و ان شئت تجعله قسما من الأوّل و قد يقال بانتفاء الوضع التعيّنى و رجوعه الى الوضع التّعيينى بالمعنى الأخير و توضيح ذلك انّ الاستعمال‏

12

في المعنى المجازى ما دام مقارنا بالقرينة ايّاما كانت لم يستلزم الوضع و اختصاص الخاص و اوّل موضع استعمل اللّفظ فيه بلا قرينة ان كان يحصل الاختصاص و الوضع فيه بهذا الاستعمال بان قصده المستعمل بهذا الاستعمال فذلك هو الوضع التّعييني بالمعنى الأخير غايته ان سبب استعماله كذلك كثرة استعمال اللّفظ في ذلك المعنى فإن كان هناك فرق فهو الفرق في الدّواعى لا في اصل الوضع فان لم يكن كذلك اى لم يكن الاستعمال محصّلا للوضع و الاختصاص فالاستعمال غير صحيح الّا مع ملحوظيّة القرينة و وجودها حقيقة او تقديرا فيكون ذلك الاستعمال كالاستعمالات السّابقة عليه في عدم استلزامه الوضع و هلمّ جرّا حتّى ينتهى اليه و بعبارة اخرى الاستعمال ما دام مؤولا لا يكاد ان يكون حقيقة و لا يصير سببا لصحّة استعمال الأخر بلا تعويل و الّا فهو حقيقة إن كان مسبوقا بالوضع او كان نفسه مصداقا له و التّحقيق انّ الوضع على ما سبق و هو نحو الاختصاص قد يحصل من كثرة الاستعمال مؤولا على القرينة اللّفظيّة ثمّ بلا قرينة مؤولا على ظهورها و الشّهرة بحيث يصل الى مرتبة يظنّ انفهام المعنى من نفس اللّفظ و يصير القرينة منسيّة و المستعمل يستعمل لا بعنوان افادة الاختصاص بينهما بل بعنوان تحقّقه و ثبوته و هذا امر ممكن لا مجال لمنعه و لكن تحقّقه في المنقولات و الألفاظ المتداولة في غاية البعد بل فيها لما يكثر الاستعمال يستعمله المستعمل بلا تعويل مفيدا بنفسه المعنى بلا تعويل سواء هجر المعنى الأوّل الموضوع له او لا فيكون مشتركا على الأوّل و سمّه منقولا على الثّاني و لك ان تخرج هذا القسم من اقسام الوضع بان تقول لا بدّ من اختصاص المنتسب الى الوضع ان يكون منشؤه الجعل و هذا ليس منه حيث انّه ناش من امر مغاير له و هو الكثرة و ذلك لأنّ الالتزام الجدىّ الحاصل بانّ ذاك اللّفظ هو ذاك المعنى الحاصل في الذّهن انّما هو حاصل بعد ذلك الاختصاص القابل للانتزاع من الكثرة فلا يكون منشأ له لأنّه مؤخّر عند العقل نعم لو كان الكثرة سببا لاراءة و صار ذلك سببا لحصول الاختصاص يصير من اقسام الوضع لكنّ العقل و الوجدان لا يرى الأمر كذلك و يرى صحّة الانتزاع من نفس الكثرة و لذا مال جماعة الى انّ الوضع التعيّني ليس من اقسام الوضع و به صحّح تعريف القوم بانّه التّعيين و ينقطع ما صار سببا للمصنّف من العدول اللّهم الّا ان يمنع ذلك و يقال انّ المراد من الوضع ما كان للوضع دخل في حصول ذلك الاختصاص و هنا يكون الأمر كذلك حيث ان الكثرة انّما حصلت من الاستعمال في المعنى المجازي الحاصل بسبب الوضع اذ ذلك مقابل لما كان منشأ الدّلالة العقل او الطّبع اللّهم الّا ان يمنع ذلك و يقال دلالة اللّفظ على المعنى المجازى ايضا ليس بسبب الوضع بل انّما هو عقلي او طبعى فتدبّر جيّدا و لعلّه ينقطع الكلام في ذلك فيما بعد انش‏

قوله: ثمّ انّ الملحوظ اه‏

اقول‏ الوضع بمعناه المصدرى‏

13

و هو فعل الواضع لا بتحقّق الّا مع ملاحظة اللّفظ و المعنى و هو ينقسم بلحاظ تصوّر المعنى الى اقسام و ذلك لأنّه قد يلاحظ المعنى الجزئي في حال الوضع و يعيّن اللّفظ بازائه و قد يلاحظ المعنى الكلّى و يعيّن اللّفظ بازائه او بازاء الجزئيّات الّتى هذا المتصوّر كلّى له و وجهه انّ اللّازم في الوضع هو تصوّر الموضوع له في الجملة و لو بالوجه بحيث يمكن الوضع بازائه فاذا لاحظ الكلّى و هو القدر المشترك بين الجزئيّات و الأفراد كان كلّ من الجزئيّات و الأفراد متصوّرا في الجملة و بالوجه و نفس الكلّى متصورا بالكنه‏ و الحاصل‏ انّ معرفة الجزئى بمعرفة ما ينطبق عليه من الكليّات معرفة للجزئى بما هو جزئى لكن لا بكنهه و بخصوصية بل بوجه و في الجملة و لو لا ذلك لانسد معرفة الصّانع و لزم التّعطيل و هذا التّصور يكفى في مقام الوضع و هنا قسم آخر اختلف كلام القوم فيه و هو تصوّر المعنى الجزئي و جعل اللّفظ بازاء كلّى هذا المتصوّر و قد اثبته جماعة و الصّواب فيه المنع وفاقا لقدماء اهل العربيّة و ذلك لأن تصوّر الجزئي ليس تصوّرا للكلّى بوجه لأن الخاص بما هو خاصّ ليس وجها للعام كالعكس نعم ربّما ينتقل من الخاص الى القدر الجامع بينه و بين غيره بعنوان النّوعيّة و الجنسيّة فيوضع اللّفظ لخصوص نوعه او جنسه و لكنّه خارج عما نحن فيه و يصير من قبيل الوضع عامّا و الموضوع له عاما غاية الأمر انتقل الى هذا الكلّى من هذا الخاص و ذلك لا يضرّ كما ان اكثر المعقولات انّما يكتسب من المحسوسات‏ فان قلت‏ ما ذكرت من القسم الأوّل و هو كون الوضع عامّا و الموضوع له خاصّا ايضا كذلك لأنّ تصوّر الإنسان مثلا بما هو هو بلا تصوّر شي‏ء آخر معه لم يكن كافيا لجعل اللّفظ لأفراده مثلا حيث انّها لم يلتفت اليها بعد بوجه و لو بالوجه و لا بدّ من الالتفات بطرف الرّبط حتّى يتمكّن من ربطه كما هو واضح فح اذا التفت اليه كان متصوّرا بعنوان الفرديّة لهذا المتصوّر فيكون ذلك سببا للانتقال الى المعنى الّذى هو سبب للوضع كما في محل الكلام ايضا الأمر كذلك‏ قلت‏ نعم لا بدّ من الالتفات الى الأفراد الّتى هى طرف الرّبط الّا انّه يكفى في معرفة هذا المتصوّر من حيث انّه هو في الخارج و متّحد معه و لا يخرجه ذلك من ما تصوّرناه و هو كون الوضع عامّا و الموضوع له خاصّا لانّ كل ما انتقلنا اليه من الوجه هو العام و يكون من ما نحن فيه غايته انّه حصل له بواسطة ما تصوّره اولا من الكلّى و ذلك بخلاف القسم الممنوع لأن بعد الالتفات الى غير ما تصوّرت من الخاص لا يمكن من الاكتفاء و بهذا المتصوّر الخاص بل لا بد من ان تعقّله بعنوان عام كلّى ككلّى هذا الفرد و هو عام يشتمل جميع ما يقع عليه و على غيره في الجواب بما هو هو فيكون من قبيل الوضع العام و الموضوع له العام لا ما هو بصدده كما لا يخفى‏

قوله: و لعلّ خفاء ذلك على بعض الأعلام‏

اقول‏ لعلّ مراده من بعض الأعلام الفاضل‏ المحقّق‏ صاحب البدائع حيث انّه بذل غاية المجهود في توضيح هذا

14

القسم و قال انّه قسم برأسه و هو امر شايع ذائع و ليس ببديع و احتمل ان يكون من هذا القبيل المقادير بناء على كونها حقيقة في القدر المشترك بين التّام و النّاقص الّذي يساوق التّام في الفائدة المقصودة و عد منه وضع اكثر المركّبات بناء على اطلاقها على النّاقص و قال في توضيح مرامه انّ الواضع قد يلاحظ معنى و يضع اللّفظ بازائه من حيث كونه ذلك المعنى كما اذا وضع لفظا للانسان من حيث انّه انسان و يتّبع الوضع ذلك المعنى و قد يلاحظ معنى و يجد فيه معنى آخر و يضع اللّفظ بازائه لا من حيث كونه ذلك المعنى بل من حيث اشتماله على ذلك الأخر ثمّ شرع في المثال له من العرف و الشّرع و بالتامّل في كلامه يظهر صدق ما افاده المصنّف ره من انّه يتصوّر الفرد تصوّر معنى آخر و هو العام و وضع اللّفظ بلحاظه فت جيّدا

[في وضع الأعلام:]

قوله: لوضع الأعلام‏

اقول‏ المعروف عندهم انّ العلم ما وضع للشي‏ء مع جميع مشخصاته و قد اعترض انّ المشخّصات للشّي‏ء تختلف باختلاف الخصوصيات انّا فانّا من الهرم و السّمن و الهزال و غيرها فيلزم امّا ان يكون الأوضاع متعدّدا فيكون مشتركا لفظيّا لجميع تلك الخصوصيّات او يكون الموضوع له هو القدر المشترك بين جميعها فيكون الموضوع له كليّا فيخرج من القسم الخاص من الوضع و يدخل في تحت كليّة الموضوع له و قد يقال لدفع ما ذكر انّ الواضع لاحظ المشخّصات بما يمنع به تصوّر الشّخص عن وقوع الشّركة مثلا فوضع العلم لذلك الشّي‏ء مع تلك المشخّصات الّتى جعل هذا المفهوم الكلّى مرآتا لملاحظتها فلا يضرّ تفاوت المشخّصات زيادة و نقصانا فلا يلزم تعدّد الأوضاع و لا كليّة الموضوع له و لكنّه على هذا يصير العلم من قبيل القسم الأخر و هو كون الوضع عامّا و الموضوع له خاصّا و يمكن ان يقال انّ منشأ التوهم هنا هو توهّم انّ المشخص لزيد مثلا هو الخصوصيّات اللاحقة به و العوارضات الّتى تتجدّد عروضه له بتوالى السّاعات و الأزمان و قد يسمّى تلك العوارضات بما به التشخص و ليس شي‏ء منها داخلا في قوام الشّخص من حيث هو شخص بل هى عوارض خارجة من الشّخص يتوقّف عروضها على صيرورة الشّخص شخصا فلذا ترى بالضّرورة انّ هذه الاختلافات بتلك العوارضات انّما وقعت لزيد و كان الّذى وضع له اللّفظ متّحدا في جميع تلك الحالات بلا مسامحة عرفيّة بل العقليّة و كيف كان فلمّا كان الماهيّة من حيث هى هى نفس تصوّرها غير مانعة من الشّركة و الشّخص منها نفس تصوّرها مانعة فلا محاله يكون ذلك لدخل شي‏ء مع الماهيّة بسببه يكون المجموع كذلك و ليس هو الّا الوجود الخاص الّذى به يمتاز الماهيّة عن ساير وجوداته و يكون ذلك عينا له في الخارج و زائدا عليها في الذّهن و شخصيّته انّما هو بنفسه و ليس له كلّى و ماهيّة محتاجة في التشخّص الى شي‏ء آخر زائد على ذاته او يكون هنا شي‏ء آخر كالوجود و الغرض انّ كل ما يتوقّف الإنسان عليه من الجسميّة الخاصّة بوجود خاص هو الموضوع له للاعلام بلا خصوصية للعوارض الّتى بها يحصل الاختلاف في الخارج‏

15

فالموضوع له على ما ذكرنا مركّب من كل ما يتقوّم به قوام الإنسان و خصوصيّة الوجود و لا تتخيّل كما ربّما ينسب الى التّخيل من انّ الأعلام الشخصيّة ليست موضوعة للمركّبات بل انّما هى موضوعة للنّفوس النّاطقة المتعلّقة بالأبدان حتّى قيل في ردّه انّ من المعلوم كون زيد حيوانا ناطقا و لازمه ان يكون جسما و ليس زيد من المجرّدات و لعلّ الى هذا يرجع ما يقال انّ المراد من الكثرة هو الكثرة الفردى دون الكثرة الأحوالي فزيد مثلا موضوع لمعنى لا يقبل التعدّد الفردى و هى الذّات المتشخّصة الخارجيّة و إن كان قابلا للتّعدد من حيث الأحوال من حيث الصحّة و المرض و نحوهما من الأحوالات المتخالفة و الحاصل انّ الموضوع له الخاص فى الأعلام ليس الّا حيث خصوصيّتها الممتنعة من جهتها الصّدق على الكثرة و لا دخل لها في تلك الأعراض و انّما تلك الأعراض معتورة على المعنى الخاص كما قد يتصوّر ذلك في اسماء الأجناس بالنّسبة الى الخصوصيّات المعتبرة بالنّسبة اليها لا بشرط كما لا يخفى و الى ما ذكر اشار المصنّف ره في مبحث الصّحيح و الأعم حيث قال فيه الأعلام انّما يكون موضوعه للاشخاص و التشخّص انّما يكون بالوجود الخاص و يكون التّشخص حقيقة باقيا ما دام وجوده باقيا و ان تغيّرت عوارضه من الزّيادة و النقصان و غيرهما من الحالات و الكيفيّات و كما لا يضرّ اختلافها في التشخّص لا يضرّ اختلافها في التّسمية انتهى و من جهة الأشكال و استصعاب دفعه التزم بعض المحقّقين بما ربّما يستصعب تصوّره حيث قال في مبحث الصّحيح و الأعم في ذكر الوجوه المتصوّرة لقول الأعم الثّالث ان يكون اللّفظ موضوعا للمركّب من جميع الأجزاء لكن لا من حيث هو بل من حيث كونه جامعا لجملة اجزاء هى ملاك التّسمية و مناطها فاذا فقد بعض الأجزاء و صدق الاسم عرفا يعلم منه ان مناط التّسمية باق نظير الأعلام الشّخصية الّتى يوضع للاشخاص فانّ زيدا اذا سمّى بهذا الاسم في حال صغره كان الموضوع له هذه الهيئة الخاصّة لكن لا من حيث انّها تلك الهيئة الخاصّة و لذلك لا يفترق في التّسمية مع طريان حالات عديدة و هيئات غير متناهية بين الرّضاع و الشيخوخيّة و ليس ذلك باوضاع جديدة بل تلك الاستعمالات في تلك المراتب من توابع الوضع الأوّل انتهى و لا يخفى عليك انّ هذا امّا راجع الى كون الموضوع له امرا عامّا لا يضرّ زيادة بعض المشخّصات و نقيصته فيكون الموضوع له كليّا بحيث لو استعمل في مجموع التشخّصات الّتى يعرف الصّدق مع القاء بعض منها كان مجازا او راجعا الى مسامحة عرفيّة في الاستعمال من حيث انّ العرف يرى الناقص هو الزّائد فت و لعلّه ياتى زيادة توضيح في ذلك فيما سيأتي انش‏

[في بيان الوضع و المعنى الحرفي:]

قوله: و امّا الوضع العام و الموضوع له الخاص الخ‏

اقول‏ توضيح كلامه انّهم مثلوا للوضع العام و الموضوع له الخاص بمثل الحروف و الأسماء المشابه لها كأسماء الإشارة و الضّمائر و الموصولات و غيرها ممّا يتضمّن معانى الحروف فانّ الواضع لاحظ حين وضعها المعانى الكلّية

16

ثم وضع اللّفظ بازاء كلّ جزئى من خصوصيّاتها و قال بعضهم انّ الموضوع له فيها ايضا عام كالوضع لكنّ المستعمل فيه اللّفظ خاص فيكون من الوضع العام و الموضوع له عام الّا انّ المستعمل فيه خاص و قد يقال بانّه لا وجه لهم في ان يجعلوا الموضوع له فيها خاضا اى جزئيّا خارجيّا او المستعمل فيه كذلك مع كون الموضوع له عامّا مع أنّها كثيرا ما يستعمل في المعنى العام كما في نحو سر من البصرة الى الكوفة حيث لا خصوصة في ابتداء السّير منها بل يصدق على كل نقطة يبدأ بها و كذا حال الى و لو استعمل في موضع في الخصوصيّة فهو من باب الاتّفاق كما في سرت من البصرة كما انّ ذلك قد يتّفق في الأسماء مثل ابتداء سيرى من البصرة و لا وجه لهم ايضا في ان يجعلوه جزئيّا ذهنيّا بان يلاحظ المعنى آلة للغير و حالة له و انّه معنى حاصل في غيره فيجعل اللّفظ موضوعا لذلك المعنى مع هذا اللّحاظ فيكون جزئيّا ذهنيّا لأنّ فيه اوّلا انّ هذا اللّحاظ موجود في المعنى الاسمي و هو لحاظ المعنى بنفسه و لا يكون في الغير فكما انّ بسبب هذا اللّحاظ لا يخرج ذات المعنى عن الكليّة و لا يصير جزئيا ذهنيّا فكك ملاحظته بكون حالة للغير و معنى لا يخرجه عن الكليّة و لا يصير جزئيّا و ثانيا انّ هذا اللحاظ لا يكاد ان يصحّ جزءا للموضوع له لأنّه لحاظ للمعنى و تصوّر له و لا بدّ منه في حال الوضع و لو كان جزئيا للموضوع له فلا بدّ له من لحاظ آخر حال الوضع و هكذا لا يصحّ ان يكون جزء للمستعمل فيه و الّا يلزم لحاظ آخر و تصوّرات آخر عند الاستعمال لأنّه لا بدّ للمستعمل من تصوّر المستعمل فيه اذا للّفظ انّما هو موضوع لذوات المتصوّرات لا لها بوصف تصوّرها و حصولها في الذّهن و كذلك الاستعمال انّما يكون في حاق المعنى لا بوصف انّها لوحظ كذلك عند المستعمل و هذا كما ترى اذ لا نجد في انفسنا ذلك و ليس هنا تعدّد لحاظ و قد يقال في وجه لزوم التصوّر و اللّحاظ غير ما هو جزء للمعنى انّ الاستعمال و الوضع من الأمور الاختياريّة و هى تتوقّف على تعقّل متعلقاتها و تصوّرها كما لا يخفى مع أنّه يصير ح من قبيل الكلّى العقليّ الّذي لا موطن له الّا الذّهن لأن اللّحاظ هو التّشخص للمعنى ذهنا و به يصير المعنى جزئيّا ذهنيّا بحيث لو لاحظه كذلك ثانيا يكون جزئيّا آخر فلا يكاد يصدق على المعنى الخارجى لأنّ الوجود الذّهني بما هو وجود ذهنى لا يصير وجودا خارجيّا و الحاصل انّه لا فرق بين الموضوع له و المستعمل فيه في كون كليهما عامّا كالوضع امّا الموضوع له فلانه لو كان خاصا بالخصوصيّة الخارجيّة ففيه انّه كثيرا ما يكون المستعمل فيه كليّا بلا عناية في الاستعمال و هو لا يناسب مع خصوصيّة الموضوع له و لو كان خاصا بالخصوصيّة الذّهنيّة فيردّ عليه ما مرّ من الإشكالات الثلاثة و امّا المستعمل فيه لو كان خاصّا مع كون الموضوع له عامّا ففيه مع ما مرّ من انّه يكون المستعمل فيه كثير امّا كليّا بلا عناية انّه يلزم ان يكون دائما مجازا و هو مخالف للوجدان و انّه يلزم ان لا يستعمل فيما وضع له اصلا هذا لو كانت الخصوصيّة هى الخارجيّة

17

و يرد عليه ما عرفت آنفا فان قلت‏ فعلى هذا يتّحد المعنى الحرفى و الاسمي حيث انّ الموضوع له فيهما و المستعمل فيه كذلك ذات المعنى بما هو هو قلت‏ نعم لا فرق بينهما بحسب الموضوع له نعم انّما يتفاوت حالهما في الوضع و انّ الواضع لاحظ المعنى الواحد بلحاظين مختلفين فيصير بحسب هذا اللّحاظ الموضوع له في الحروف هو ذات المعنى الّذى هو حالة للغير و معنى حاصل فيه و المعنى الاسمي هو ذات المعنى الّذى ليس بحالة للغير و ملحوظ في نفسه و يترتّب عليه الاستعمال فلا بدّ ان يكون مستعملات معانى الحروف ذوات المعاني في هذه الحال لا انّ هذا الحال جزء للمعنى بحيث لو استعملت فيها بنفسها يصير مستعملة في غير معانيها بل انّها لمّا لاحظها الواضع حين الوضع كذلك و كان ذلك غاية وضعه لأبدان يراد منها كذلك فاذا استعملت فيها بنفسها صارت مستعملة في الموضوع له لا باللّحاظ الّذى لاحظه فهو مجاز كذائي لو سميته مجازا و بعبارة اخرى الواضع قد يضع اللّفظ ليراد منه المعنى بما هو هو و يتصوّر المعنى كذلك عند الوضع و قد يضع اللّفظ ليراد منه المعنى بما هو حالة للغير و معنى فيه و يتصوّر المعنى كذلك و في كلنا الصّورتين لا بدّ ان يجعل اللّفظ بازاء ذات المعنى لا مع لحاظه تصوّره و بقيد متصوريّته و الاختلاف بين الطّائفتين انّما هو في كيفية الوضع و غايته فاسماء الإشارة وضعت للذّات لأن يشار اليها في الخارج اشارة حسيّة لا للذّات المشار اليها بوصف الإشارة و لا لمفهوم الإشارة و الإشارة الكذائية مستلزمة لمعروفيّة خارجا و جزئيّته و الّا فالموضوع له هو طبيعة المفرد المذكّر مثلا لا بما هو هو بل في حال يشار اليها على ما عرفت و كذلك الضّمائر المخاطبات موضوعات للذّوات لأنّ يخاطب بها و الموصولات للطّبائع بلحاظ ان يشار اليها بالصّلات ففى جميع ذلك كاسماء الأجناس الموضوع له هو ذات المعنى و الاختلاف في كيفية الوضع و غايته فلو كان اللّحاظ جزء للموضوع له في هذه فلا بدّ في اسماء الأجناس ايضا كذلك اذ الواضع لاحظها بما هو هو كما انّ هنا لاحظها بخصوصيّة اخرى مع ظهور فساده لأنّه عليه لا مجال لوقوعه خارجا الّا مع التّجريد فلا بدّ في مقام الحمل من التّجريد في جميع الاستعمالات على ما هو ظاهر غير خفى فظهر ممّا ذكرنا انّ الجزئيّة و المعروفيّة انّما نشأ من قبل طور استعمالاتها لا انّ معانيها كذلك‏

[في المعنى الحرفي على مختار المصنف:]

و امّا ما نتصوّر في ذلك المقام انّ لنا في الخارج سوى معانى الحدثيّة و الغير الحدثيّة من المفاهيم المستقلّة نسيا و ارتباطات خاصّة و امورا رابطيّة تعتبر بين تلك المفاهيم من المستقلّات و المعانى الحدثيّة مثلا يلاحظ زيد في الخارج و القيام في الخارج و امر رابطى هنا بين القيام و زيد و هو اعتبار صدوره عنه او تحقّقه منه او قيامه به او غير ذلك و كذلك يلاحظ السّير و البصرة و بينهما تعلق خاص من ابتدائه منه الى غير ذلك فكما انّ لكلّ من المعانى الحدثيّة و المعانى المستقلّة الفاظ خاصّه تدلّ عليهما كذلك لتلك الرّوابط و الخصوصيّات و الإضافات الفاظ خاصّه او هيئات خاصّه تدلّ عليها و

18

تلك الرّوابط انّما هى حالات و خصوصيّات في متعلّقاتها فإن كانت تلك المتعلّقات في الخارج فهى لها في الخارج فان كانت في الذهن فهى لها فى الذّهن بنحو قيامها بها في الخارج ففى نحو سرت من البصرة الى الكوفة انّما اعتبرت الخصوصيّات للسّير الخارجى و في نحو سر من البصرة الى الكوفة اعتبرت في السّير الملحوظ ذهنيّا بحيث يحب ايجاده كذلك في الخارج و تلك الإضافات حيث لا يتصوّر الّا بتبديلها الى المعانى المستقلّة بالمفهوم لا بدّ للواضع في مقام الوضع ان يتصوّرها كذلك و ذلك المراد من العموم في مورد الوضع و يكون الموضوع له هى الخصوصيّات الّتى لا بدّ من تحقّقها في متعلّقاتها و لا محالة يكون خاصّا و بعبارة اخرى يكون الموضوع له هى المصاديق من ذلك المفهوم الكلّى المغاير له مفهوما و إن كان مصداقا له بحسب الحمل الشائع و ما ذكرنا ممّا يقتضيه التدبّر و نقول بعد ذلك انّه لا اشكال عندهم و لا خلاف في انّ الحروف مستعملة في المعانى الخاصّة قال في البدائع انّ ظاهر الفريقين الاتّفاق على انّ هذه الألفاظ دائمة الاستعمال في جزئيّات ذلك المعنى العام الملحوظ في حال الوضع فلا يجوز استعمالها في ذلك المعنى العام ابدا و لا ينبغى التأمل في انّ تلك الاستعمالات لا يحتاج الى عناية و الوجدان شاهد على انّ استفادتها من تلك الحروف لا من القرائن و الخصوصيّات فتلك شاهدة على انّها الموضوع له اذ لو لم تكن كذلك لما كاد يكون كذلك كما هو ظاهر مع انّه لا يكاد تستعمل في تلك المعاني الملحوظة حال الوضع و لا يوافقه اللّسان في الاستعمال و لم يدع جوازه احد و لو مع القرينة و لو كان ذلك من جهة شرط الواضع فمع انّ دعواه على الواضع دعوى بلا بيّنة تمنع توقّف الاستعمال على اذنه و عدم منعه و يجوز الاستعمال بمجرّد الوضع و لو كان يمنعه مع انّه لو اراد عدم الاستعمال فيه لم يكن يوضع اللّفظ بازاه ففعله ح يعدّ سفها عبثا و كذلك ما قد يقال من انّ عدم الاستعمال انّما هو من جهة قصور تلك المعانى الكليّة عن صلاحيّة الاستعمال و ذلك لوضوح فساد ذلك حيث انّ حالها كحال ساير المعاني مع انّ هنا الفاظ خاصّة تستعمل فيها كلفظ الابتداء و اللّفظ لا يوجد القابليّة في المعنى و لعمرى ذلك واضح للمتأمّل‏

[أمور توضيحية:]

ثم‏ انّه لتوضيح الحال و تتميم المقال نذكر امورا

[الأمر] الأوّل: انّ معانى الحروف على ما ذكرنا

عن النّسب الخاصّة لا مجالة يختلف باختلاف متعلّقاتها فباختلافها يختلف معنى من مثلا فيكون من متعدّدا المعنى غاية الأمر انّ ذلك بوضع واحد اجمالي لا باوضاع متعدّدة و تقسيمهم المتعدّد المعنى الى المشترك و المنقول و الحقيقة و المجاز بنحو الحصر في ذلك لا ينافي ما ذكرنا لإمكان كون المشترك في كلامهم اعم مع انّ هذا التّقسيم وقع في كلام جماعة ليس حصرهم في ذلك دليلا علينا و ليس اجماعيّا لأهل العربيّة مع تحقيق جماعة بمثل ما ذكرنا و لم يعرف من القائلين بهذا التّقسيم انّ مرادهم من المشترك ما لا يشمل ما ذكرنا فتدبّر

[الأمر] الثاني: الوضع للجزئيّات الخاصّة مع كونها

متكثّرة جدّا و خارجة عن حد الحصر و الضّبط لما كان بوضع واحد عام كان ذلك بمكان من الإمكان فلا وقع لما قد

19

يقال انّ الوضع للجزئيّات يستلزم احضار ما لا يتناهى‏

[الأمر] الثّالث: لا يخفى عليك انّ الجزئي‏

معناها كونها ممتنعة الصّدق على الكثرة و المعنى منه ان لا يكون قابلا للتّعدد الفردى كما انّ الكلّى قابل للتّعدد الفردى اى يكون فردا واحدا و إن كان قابلا لتوارد الحالات الكثيرة الّتى لا ربط لها بفرديّته على ما عرفت في العلم الشّخصى فزيد مع جزئيّته يختلف حالاته من كونه في هذا المكان او ذاك المكان او جاهلا او عالما او باكيا او ضاحكا او قائما او جالسا الى غير ذلك من الحالات الكثيرة المعتورة عليه و يكون زيدا في جميع تلك الواردات بلا خدش في جزئيّة و ذلك واضح و لكنّه قد يؤخذ مع حال واحد بحيث لا يمكن توارد الحالات الأخر فيكون خاصّا من تلك الجهة ايضا فنقول‏ ح البصرة بوجودها الخاص الواحد الغير الصّادق على البلدان الأخر مع كونها ذو اجزاء يكون نحو زيد في كونه علما شخصيّا جزئيا حقيقيّا خارجيّا و كذلك السّير منه المنتهية الى الكوفة يكون شخصا خاصّا من السّير و النّسبة الخاصّة الحاصلة من ملاحظة السّير و البصرة ايضا جزء حقيقى بمعنى انّه لا تعدّد لهذه الحالة الخاصّة و لا يصدق في الخارج على المتعدّد حيث انّ الملحوظ في تشخّصه هو كون مبدأ السّير البصرة بوجودها الخاص فكلّ جزء من اجزاء البصرة بلحاظ انّه البصرة موجود بوجود واحد و لا يكون متعدّدا بل وجوده عين وجود الكل و هو وجود البصرة و النّسبة الحاصلة في كلّ جزء جزء بلحاظ انها البصرة وجود واحد خاص و النّسبة الحاصلة فيها بملاحظة السير الخاص نسبة واحدة غير متعددة اصلا فامكان وجود السّير بانحاء مختلفة لا يضرّ بوحدة الحالة الحاصلة هنا غايته انّه كالحالات الواردة على وجود خاصّ شخصى فيكون كلمة من في جميع الاستعمالات مستعملة في المعنى الخاص الجزئى الحقيقي فما قد يتوهّم من انّها كثيرا ما تكون مستعملة في المعنى الكلّى بحيث مال بعض المحقّقين الى انّ الموضوع له أعمّ من الجزئيّات الحقيقيّة و الإضافيّة حيث قال و لا يجرى ما زعموه من كون الموضوع له جزئيّا حقيقيّا في كثير ممّا جعلوه من هذا القسم كالحروف فانّها و ان وضعت عندهم لخصوص المعاني المتعيّنة بمتعلّقاتها الّا انّها مع ذلك قد يكون مطلقة قابلة الصّدق على كثيرين كما في قولك كن على السّطح و كن في البلد و نحوهما فانّ كلّا من الاستعلاء و الطّرفيّة المتعيّنتين لمتعلّقاتهما في المثالين قد استعمل فيها لفظة على و في لكنّهما مع ذلك صادقان على افراد كثيرة لا يحصى انتهى و فيه ما لا يخفى بداهة ان المستعمل فيه في جميع المقامات هو نفس المصاديق الخاصّة و ليست الّا الجزئيّات الحقيقيّة و امّا الجزئيّة الإضافي فليس الّا المفهوم لا المصداق فلا يكاد بوضع يوضع واحد لذوات المصاديق و المفهوم الكلّى الخاص كما لا يخفى‏

[الأمر] الرّابع: ظهر ممّا ذكرنا انّ المعانى الخاصّة الكذائيّة

قابلة للاطلاق و التّقييد لأن الإطلاق يتحقّق مع الجزئى كما يتحقّق مع الكلّى و لهذه الجهة صحّ ان يقيّد امّا بنفسه او بتبع متعلّقه و لعلّه سيجي‏ء توضيح ذلك فيما بعد انش‏

[الأمر] الخامس: لا يخفى عليك انّ المفهوم من كلمة من‏

20

ليس هو المفهوم من لفظ الابتداء الّا انّه في الأوّل لوحظ مرآتا و حالة لبيان حال المتعلّقات بخلاف الثّاني حيث انّه لوحظ مستقلّا لا بحيال ذاتها فيكون الفرق بينهما بحسب اللّحاظ فقط مع وحدة المفهوم بل المفهوم من كلمة من هو الخصوصيّة الخاصّة و النّسبة المحفوظة بين المتعلّقين المباين لمفهوم الابتداء بحسب المفهوم و إن كان ذاتها من مصاديق الابتداء و ذلك لأنّ الماخوذ في المعنى الحرفي هو نفس الخصوصيّات الغير الملحوظة في مفهوم الابتداء مثلا زيد ليس هو الإنسان الملحوظ مع الخصوصيّة فيكون الفرق بين زيد و الإنسان انّ الثّانى ملحوظ بحيال ذاته و الأوّل بلحاظ حال الغير بل هما متغايران مفهوما و إن كان الأوّل مصداقا للثّاني و متّحدا بحسب الذّات فت و من هذه الجهة ربّما يقال بانّ المعنى الحرفى بما هو هو جزئى حقيقى غير قابل لتعدّد اصلا و قد تقدّم توضيح ذلك سابقا و ما قد اشتهر بينهم من انّ المعاني الحرفيّة لا تتّصف بالكلّية و الجزئيّة بحسب الاصطلاح فلعلّ مرادهم انّ المعنى الحرفى بما هو معنى حرفى ليس الّا متّصفا بالجزئيّة و ليس بقابل للاتّصاف بالكلّية فالمعنى القابل للاتّصاف بهما هو المعنى الاسمي و ليس المراد انّه لا يتّصف بالجزئيّة ايضا قال الفاضل الأمير سيّد على في حاشيته على القوانين عند عبارة القوانين فلا يتّصفان بالكلّية و الجزئيّة في الاصطلاح اذ لم يعهد اطلاق الكلّى و الجزئى عليهما و هل هذا من باب التّخصيص في الألفاظ لنكتة و ان اتّصف معانيهما بهما او لعدم اتّصاف معانيهما بهما ليتّصف بهما الألفاظ تبعا لها وجهان غير انّ عبارته الآتية اظهر في الثّاني بل صريحة فيه و الأظهر عندنا هو الوجه الأوّل و لعلّ النكتة في التّخصيص ح انّه لا غرض لهم في هذا الاصطلاح الّا تشخيص موردى الحقيقة و المجاز اللّاحقين للالفاظ.

الموضوعة للمفاهيم الكلّية او الجزئيّة باعتبار كليّة تلك المفاهيم او جزئيّتها و ظاهر انّه يكفى في حصول هذا الغرض جعل الاصطلاح في الألفاظ الّتى يدرك كلّيته او جزئيّة معانيها بدون تكلّف ملاحظة الغير على انّه واسطة في الثّبوت او العروض فليتدبّر انتهى فليت في كلامه‏

تكملة [في الإشكالات الواردة على مختار المصنف في المعنى الحرفي‏]

في بيان ما اورد على المص فيما اطّلعت عليه او يمكن ان يورد عليه و هو امور

الأوّل: ان قوله و ذلك لأنّ الخصوصيّة المتوهّمة الخ‏

بعد قوله و التّحقيق حسبما يؤدى اليه النّظر الدقيق انّ حال المستعمل فيه و الموضوع له فيهما حال الأسماء يفيد انّ ببطلان كل من المحتملين يثبت ما دامه من التّحقيق و الحال ان ما ابطل به الوجه الأوّل انّ المستعمل فيه كثيرا ما يكون كليّا و ذلك لا يستلزم كون الموضوع له تابعا للوضع من كونه عامّا كالوضع لأحتمال كون الوضع عامّا و الموضوع له هو جزئيّاته الإضافيّة فيختلف حال الوضع و الموضوع له‏

الثاني: انّ قوله كثيرا ما لا يكون المستعمل فيه‏

امّا يفيد انّه من المسلم عنده كون المستعمل فيه هو الجزئى الحقيقي في بعض الاستعمالات فيكون المستعمل فيه كليّا تارة و جزئيّا اخرى فكما انّ مجرّد ذلك يمنع من كون الموضوع له خاصّا كذلك يمنع من كونه عامّا فذلك‏

21

دليل لأبطال كلا من الدّعوتين و لا يمكن ان يقال انّ ذلك منه مماشاة للخصم و الّا فلا يسلّم كونه جزئيّا خارجيا ابدا لأنّ من الظّاهر الواضح كون المستعمل فيه في قولك اكون في مكانى هذا خاص بحيث لا يمكن الإنكار

الثالث: قوله حيث لا يكاد يكون المعنى حرفيّا اه‏

ظاهره تسليم ان المعنى الحرفي لا بدّ ان يكون كذلك فيورد عليه بانّه لو سلّمت انّ المعنى الحرفي لا بدّ ان يكون لوحظ المفهوم بما هو حالة لمعنى آخر و من خصوصيّاته القائمة به و يكون حاله كحال العرض فكيف تمنع ذلك في مقام الوضع و الموضوع له و تقول بانّ معنييهما واحد و إن كان الأمر كذلك بحسب الوضع و الموضوع له فليس الحرف معنى مقابلا للاسم و انّه ما دلّ على معنى في غيره اذ ما دلّ الّذى هو مصداق الحرف ليس الّا ما دلّ على معنى في نفسه‏

و الحاصل‏

اختلاف المعنى الحرفي و الاسمي انّما يجي‏ء من قبل اختلاف مدلوليهما فلو كان اختلافهما بما هما مسلّما فلا بدّ لك من تسليم اختلافهما في الموضوع له و ان قلت باتّحادهما فلا بد من ان تمنع الحرفي بما ذكروه في تعاريفهم فتدبّر حتّى لا يختلط عليك بما سيجي‏ء من المص ره‏

الرّابع: انّ جزئيّة المعنى في الذّهن إن كان بلحاظ

وجوده في الذّهن فيكون المعنى بلحاظ وجوده الخاص في الذّهن جزئيّات اذ كلّ موجود جزئى سواء في الذهن او الخارج فيكون تعليله ح بقوله حيث انّه لا يكاد يكون المعنى حرفيّا الّا اذا لوحظ حالة لمعنى آخر الخ بلا وجه اذ لا دخل لذلك في الجزئيّة الحاصلة من نفس وجوده في الذهن و إن كان جزئيّة المعنى لا بهذه الملاحظة بل بلحاظ ملاحظته حالا لمعنى آخر و من خصوصيّاته القائمة به فذات الملحوظ المقيّد لا يخرج عن الكليّة بزيادة القيد فضمّ القيد الى المفهوم الكلّى يصير كليّا اخصّ لا جزئيّا و لو كان ذلك التّقييد بوجود شي‏ء آخر ذهنا او خارجا كما انّ تقييد غلام بوجود زيد لا ينافى كليّته و كذلك ابتلاء الخاص المقيّد بوجود السّير كما لا يخفى‏

الخامس: قوله الّا انّ هذا اللّحاظ

لا يكاد يكون ماخوذا في المستعمل فيه و الّا فلا بدّ من لحاظ آخر متعلّق بما هو ملحوظ بهذا اللّحاظ الخ اورد عليه اوّلا انّ مجرّد تحقّق اللّحاظ الألى الموجب لتحقّق ذات المستعمل فيه كاف لصحّة الاستعمال و هذا يكفي في كون الاستعمال داخلا تحت القدرة و معدودا من الأفعال الاختياريّة لأنّ الفعل الاختياري و إن كان يحتاج في تحقّقه الى تصوّر متعلّقه الّا انّ المراد منه حضوره عند الذّهن و هذا المعنى يتحقّق بتحقّق ذات المستعمل فيه و توهّم انّ اللّحاظ الموجب لصيرورة الفعل اختياريّا (2) لأن اللّحاظ الألى فانّه في الملحوظ و مندك تحته مدفوع بان المستعمل فيه لما لم يكن سوى المعنى الألى الفاني في الغير لم يحتج صيرورته اختياريّا الى زيادة تصوّره على حسب نحو وجوده و فناء اللّحاظ و آليّته لا يضرّ بما نحتاج اليه من الحضور عند الذهن الّذى هو مقدّمة لاختياريّة الفعل و بعبارة اخرى المعتبر صيرورة الاستعمال في المعنى الألى اختياريّا و كونه كذلك لا يحتاج الى ازيد من لحاظ المعنى كذلك كما لا يخفى و ثانيا

____________

(2) يجب ان يكون لحاظا استقلاليّا و هذا اللحاظ التّبعى المحقّق بعنوان المستعمل فيه و ان قلنا بأنّه كاف في تحقّق نفسه الّا انّه تبعىّ و مجرّده غير كاف في صيرورة الفعل اختياريّا

22

ما ذكر من الاحتياج الى تعدّد اللّحاظ لو سلم لزومه فلا يندفع بجعل اللّحاظ الألى من طور الاستعمال و اعتباراته كما هو مختاره على ما سيشير اليه فانّ تحقّق هذا اللّحاظ عند الاستعمال لازم لغرض كونه من اعتباراته اللّاحقة له و الاستعمال كما يتوقّف اختياريّته على لحاظ المستعمل فيه كذلك يتوقف اختياريّة طوره و اعتباره على اللّحاظ و الّا لم يكن اختياريّا بالنحو المزبور و ملاحظة هذا اللّاحق يعنى طوره و اعتباره موجب لتعدّد اللّحاظ و هو عين ما جعله باطلا و ثالثا اللّحاظ الآلي التّبعى لا يمكن ان يلاحظ استقلاليا نفسيّا و الّا لا نقلّب استقلاليّا و ذلك لما عرفت من فناء اللّحاظ الآلي تحت ما جعل آلة لتعرّفه و حالة له و مع كونه فانيا لا يمكن لحاظه و تصوّره و لا يخفى ان هذا اشكال عليه على الزامه بلزوم اللّحاظ الأخر على قوله من كونه من طوارى الاستعمال فيكون في الطّول من الإشكالين لا في عروضهما و في الحقيقة هذا وجه آخر بفساد لحاظ آخر للحاظ الآلي سواء كان ذلك اللّحاظ الآلي جزء للمستعمل فيه او من طوارى الاستعمال و يستفاد من كلامنا سابقا و لاحقا الى هنا فساد اللّحاظ للّحاظ من وجوه ثلاثة فتدبّر

السّادس: قوله مع انّه يلزم ان لا يصدق‏

على الخارجيّات لامتناع صدق الكلّى العقلى عليها حيث لا موطن له الّا الذّهن فامتنع امتثال مثل سر من البصرة الخ و فيه اوّلا انّ الموضوع له و المستعمل فيه ليس الّا الابتداء الذّهنى الملحوظ آلة للغير بحيث يكون الذهنية ماخوذة فيه على وجه مقوّمية و فصلا مقسما مقابلا للابتداء الخارجى‏ (2) اى طبيعته الملحوظة في الذّهن على وجه يكون قيد اللّحاظ الذهنى خارجا و إن كان التّقييد به داخلا و هو بذاك المعنى قابل للايجاد في الخارج ضرورة امكان الامتثال بالنّسبة الى السّير الخارجى الّذى جعل المستعمل في لحاظه ابتدائه الخارجى آلة له و آلة لتصوّره بل الملحوظ هو الابتداء الّذي وجد في الخارج يعنى الطبيّعة المقيّدة بمطلق الوجود و الماتى به في الخارج هو ذلك و الحاصل انّ الموجود في الذهن إن كان قيد وجوده في الذّهن بخصوصيّة ملحوظا مع الموجود فيه لا يكاد يصير مامورا به لامتناع وجوده بهذا الوجه في الخارج و امّا إن كان لوحظ نفس الموجود فيه من غير اعتبار للوجود فيه و إن كان مقيّدا به فهو عين الموجود في الخارج و امّا إن كان لوحظ نفس الموجود فيه من غير اعتبار للوجود فيه و إن كان مقيّدا به فهو عين الموجود في الخارج و ممّا يكن الأمر به كما هو واضح و ثانيا لو سلمنا انّ المأخوذ فيه هو اللّحاظ الذّهنى على وجه يكون الموضوع له للفظة من صرف الابتداء التّصورىّ الذي لا تحقّق له الّا في ظرف الذّهن و التصوّر لكنّه لا نسلّم وقوعه متعلّقا للتّكليف بخصوصيّة الخاصّة الدّاخلة في معناه الموضوع له و إن كان مستعملا فيها الّا انّه لا يراد التّكليف بها بل متعلّق التّكليف هو متعلّق هذا المعنى الّذى جعل فانيا فيه و آلة له كما انّه في قولنا جئنى بهذا ليس متعلق التّكليف الّا الذات المشار اليه لا بعنوان تعلّق الإشارة الذّاتيّة اليه بحيث يكون الخصوصيّة جزء

____________

(2) و إن كان الأمر على الفرض كما ذكره من امتناع وجوده الخارجى بل هو الابتداء الخارجى‏

23

او شرطا لمتعلّق التّكليف بل اعتبر معرفا لذات المكلّف به و شخصه و دخله دخل المعرّف و إن كان الموضوع له لهذا و المستعمل فيه هو الذّات المشار اليها بالقيد و الحاصل انّ الألفاظ الواردة في متعلّق التّكاليف قد يكون اخذ خصوصيتها من حيث المعرفية لمتعلّق التّكليف لا انّ لها مدخليّة فيه جزء او شرطا كما هو المشاهد في المثال فلا منافاة بين كون معناه بحسب الوضع مع خصوصيّة خاصّه خارجة عنه حال تعلّق التّكليف به و ثالثا لو سلّمنا انّ مدلولها هو لحاظ الابتداء الموجود في الذّهن بقيد وجود في الذّهن و تصوّره و انّه ايضا ماخوذ في متعلّق التّكليف لكن لا نسلّم كونه بهذا المعنى ممّا يمتنع التّكليف به اذ غاية الأمر تقييد السّير المتعلّق للهيئة بمدلول كلمة من في قولنا سر من البصرة الى الكوفة و المفروض انّ كلمة من ليس الّا الابتداء المقيّد بالوجود الذّهني و لحاظه فيكون المكلف به هو السّير المقيّد بالابتداء الكذائي فلو جعل القيد هو لحاظ المخاطب و ذهنه مع انّه ليس كذلك فواضح انّه يمكن التّكليف به و ان جعل لحاظ المستعمل و المكلّف كما هو الواقع فعدم جواز تعلّق التّكليف به اما لكونه فعلا للغير و لا يمكن ان يكلف به الغير و امّا لكونه حاصلا و طلب حصوله موجب لطلب تحصيل الحاصل و شي‏ء منهما لا يوجب كون متعلّق التّكليف محالا اذ المقيّد بفعل الغير و الأمر الحاصل قابل لأنّ يكلّف به فيكون مفاد مجموع التّكليف بالمقيّد هو الأمر بالسّير المبدوّ بتصوّر المستعمل مفهوم الابتداء و لحاظه و هو ليس امرا خارجا عن قدرة المكلّف و الحاصل انّ السّير الخارجى المقيّد بامر ذهني بحيث كان القيد ايضا داخلا في متعلّق التّكليف غير ممتنع ايجاده فى الخارج اذ بعد تحقّق القيد و حصوله لتحقّق التصوّر يتحقّق متعلّق الأمر بعد الإتيان بالجزء الأخر

السّابع: قوله لامتناع صدق الكلّى العقلى عليها

حيث لا موطن له الّا الذّهن لا يخفى عليك انّ الكلّى العقلى بحسب الصناعة عبارة عن نفس المعروض و العارض اعنى المفهوم المتّصف بالصّدق على الكثيرين مع ذلك الوصف و ظاهر انّ مجرد اتّصاف الابتداء بالأمر الذّهني لا يوجب ان يكون كليّا عقليّا كيف و هو مصرّح بانّه بالاعتبار المزبور جزئىّ ذهني فمفهوم الابتداء مع قطع النّظر عن الخصوصيّة كلّى منطقى و بلحاظ الخصوصيّة جزئى ذهنى و المجموع منهما و من الخصوصيّة ليس بكلّى عقلى فالكلّى العقلى عبارة عن مجموع المتّصف و الوصف الكلّية لا عنه و خصوصيّاته المتّصف بسببها بالجزئيّة في الذّهن فالكلّى العقلى لا بدّ ان يقطع النّظر معه عن الخصوصيّات المشخّصة الذهنيّة و يلاحظ معه الصّدق على الكثرة و الجزئيّة لا بدّ ان يلحظ بلحاظها فيهما متغايران او متنافيان بحسب المفهوم بل الجزئىّ الذّهنى بوصف الجزئيّة اى مع خصوصيّاتها لا يكاد يكون مصداقا للكلّى العقلى اذا الكلّى العقلى لا مصداق له لا ذهنا و لا خارجا نعم ما يتصوّر و يتعقّل بكونه كليّا عقليّا جزئىّ ذهنى الّا انّه لا يصير مصداقا له فظهر ممّا ذكرنا انّ الابتداء الجزئى الخاص بخصوصيّاته الذّهنية لا يكاد يكون كليّا عقليّا لا مفهوما و لا مصداقا و يمكن ان يكون مراده من الكلّى العقلى هو مطلق ما انحصر تحقّقه في الذّهن بحيث لا يكاد يوجد في الخارج و الابتداء مقيّدا باللّحاظ من قبيل ذلك فيكون‏

24

من الكلّيات العقليّة و ان لم يكن له افراد بوجه لا خارجا و لا ذهنا حيث انّ الملحوظ ثانيا مغاير للملحوظ اوّلا الّا انّ اطلاق الكلى عليه مسامحة و الكلى العقلى مسامحة في المسامحة لا ينبغى ارتكابه بلا وجه‏

الثامن: قوله انّه ليس لحاظ المعنى حالة لغيره في الحروف‏

الّا كلحاظه في نفسه في الأسماء و كما لا يكون هذا اللّحاظ معتبرا في المستعمل فيه الخ لا يخفى عليك انّه لا وجه لما ذكره لو كان مراده مجرد قياس حال الحرف بالاسم بمعنى انّه كما في الأسماء لم يؤخذ في الموضوع له و و المستعمل فيه فكذلك في الحروف و ذلك لأنّ الأخذ و عدمه انّما هو بيد الواضع و بارادته فاعتباره في احد و بما لا يقتضى اعتباره في الأخر و كذا العكس مع انّه في نفسه فاسد اذ الموضوع له في الحروف لما كان امرا غير قابل للاستقلال لا بدّ ان يلحظ كذلك و يجعل له بخلاف المعنى الاسمي فانه معنى قابل للاستقلال و ليس هو الّا ذات المعنى بلا لحاظ و خصوصيّة فيكون الافتراق بينهما من هذه الجهة

التّاسع: قوله في الفرق بين الاسم و الحرف‏

انّه هو اختصاص كلّ منهما بوضع لا يخفى عليك انّه اراد الاختلاف بين الوضعين بالغاية بمعنى انّ غرض الواضع لوضع من الابتداء الكلّى هو ان يستعمل في مقام لوحظ آلة للغير و حالة فيه و وضع لفظ الابتداء له بغرض ان يستعمل فيما لوحظ بنفسه و مستقلّا فيكون الاستعمال الكذائي الخاص غرضا لفعل الواضع و هو الوضع بالمعنى المصدرى مترتّبا على الوضع بالمعنى الاسم المصدرى و لعلّه الظاهر من قوله ليراد منه استعمالا للّام فيما هو الظّاهر منه و فيه انّ الغرض من الوضع ليس هو الاستعمال الفعليّ الّذي هو فعل للغير بالبداهة بل الغرض هو التمكّن من الاستعمال فالاستعمال قد لا يترتّب على الوضع اصلا نعم يترتب عليه صلاحيّة اللّفظ للاستعمال و تلك الصّلاحيّة معلول للاختصاص الحاصل بين اللّفظ و المعنى و الاختصاص الموجود بسبب الوضع لما كان امرا واحدا بلا مغايرة بينهما لا محاله يكون الترتّب عليه هو الصّلاحيّة المطلقة لا خصوص الاستعمال الخاص و الحاصل انّ الغرض لو كان هو الصّلاحيّة للاستعمال الخاص بمعنى ان لا يكون قابلا لغيره و صالحا لاستعماله فيه بوجه فمن الواضح انّه لا يكاد يترتّب لأن معلول الاختصاص الحاصل بسبب الوضع هو صلاحيّة الاستعمال المطلق و عدم ترتّبه مستلزم لتخلّف المعلول عن العلّة و إن كان الغرض هو الصّلاحيّة الخاصّة و إن كان الحاصل في الخارج اعمّ منه و يكون يترتّب عليه صلاحيّة للغير ايضا و لكنّه ليس بغرض بل هو فائدة من الفوائد المترتّبة عليه فلا يكاد يكون ذلك نافعا في مقام الفرق بل هو تسليم التّرادف و صحّة استعمال كلّ منهما موضع الأخر و ان اراد الاختلاف بينهما بحسب شرط من الواضع تعبّدا يعنى انّ الواضع اشترط ان لا يستعمل المستعمل الّا في مورد خاص فيكون اختلافهما بحسب ذلك الشّرط اختلافا في الوضع و هذا مع كونه خلاف المتبادر من العبارة واضح الفساد و لا وجه للزوم متابعة الشّرط الواضع و يترتّب على وضعه قهرا صحّة الاستعمال المطلق على ما هو ظاهر هذا و قد يقال‏ انّ الأمر فيما نحن فيه حال الأوامر المتعلّق بالعبادة حيث انّ متعلّق الطّلب و الهيئة عامّ مع عدم الأجزاء الّا بالخاص و الحاصل‏

25

انّ الأمر بما هو الأعم مع انّ المحصّل للغرض هو الخاص و الوجه انّ القيود ربّما لا يمكن دخلها في متعلّق الطّلب و الوضع فلا محالة يصير المتعلّق مطلقا مع كون المطلوب خاصّا و لا يخفى عليك انّ الفرق بين المقامين واضح حيث انّ العقل مستقل بتحصيل غرض المولى و المكلّف بالكسر و لا دليل على وجوب متابعة غرض الواضع بل لو نهى عن الاستعمال او وضع بقصد ان لا يستعمل لا يجب متابعته في ذلك بوجه بل ذلك تابع لحصول العلقة كلّما حصل مع ان تقييد المتعلّق بما يكون النّتيجة خاصّا ممّا هو بمكان من الإمكان و يعلم وجه الإمكان ممّا تقدّم في كلامنا و هنا وجه ثالث‏ لعلّه المستفاد من كلمات المص ره في مجلس البحث و قد ذكرناه في طىّ تقريراته سابقا و حاصله انّه تصوّر الابتداء آلة لتعرف حال غيره و وضع اللّفظ له في هذا الحال بان يكون القيد و التّقييد خارجا و يكون الموضوع له هو ذات الابتداء في هذا الحال فيكون هذا شرطا في الوضع ينتفى الوضع بانتفائه من غير ان يكون قيدا للموضوع له فيكون الغاية ح هو الوضع للابتداء ليراد منه الابتداء آلة لتعرّف حال الغير فيكون الغاية خاصّا انّما يكون لهذه الجهة و المتوجّه عليه انّ الموضوع له لو كان ذات الابتداء يكفى في صحّة الاستعمال و لو لم يلحظ آلة لأن صحّة الاستعمال كذلك لا يتوقّف على كون الموضوع له هو الابتداء المقيّد بل يتوقّف على الوضع لماهية ذات الابتداء كما لا يخفى كما انّ باقى الخصوصيّات الحاصلة في حال الوضع لا يصير سببا لاختلاف الوضع و عدم جواز الاستعمال و إن كان الوضع حاصلا في حالها و قد ذكر نبذا من الكلام في ذلك في مسئلة استعمال المشترك في اكثر من المعنى‏ و ما ذكرنا من الاشكالات‏ قريب ممّا افادة شيخنا لمحقّق المدقق الميرزا محمّد تقى ادام اللّه تعالى تأييداته و توفيقاته‏ و جمع القول في المعانى الحرفيّة هو انّ الابتداء الّذى لوحظ حالة للغير اذا تصوّره الواضع قد يضع اللّفظ لمصاديقه الخارجيّة و قد يضعه للطّبيعة بما هى هى و قد يضعه للطّبيعة بما هى هى و قد يضعه للطّبيعة في حال كونها حالة للغير و قد يضعه لها مع كون التّقييد داخلا و القيد خارجا اولها و القيد بمعنى ان يكون القيد داخلا ايضا

قوله: و لذا التجأ بعض الفحول الى جعله الخ‏

اقول‏ و ذلك لأنّه لو اراد انّ معنى الحرف‏ (2) يكون جزئيّا اضافيّا فهو باطل عند المص لأنّه بما هو كذلك معانى آلية ملحوظة ربطا بين المتعلّقات فتكون متقيّدة باللّحاظ و معه لا يكاد يصدق على كثيرين بل لو لوحظ ثانيا كما لوحظ اولا كانّ الملحوظ غير الملحوظ اوّلا و إن كان اراد انّ ذات المعنى الموضوع له اللّفظ جزئىّ اضافى‏ (2) لا بما هو معنى حرفي فواضح انّه لا يصحّح مراد المتكلّم حيث ان مراده انّه بما هو يكون مفهوما حرفيّا جزئيّا لا بما هو يكون اسميّا

و الحاصل‏

انّ القول بالجزئىّ الإضافي لا يصحّح كلام القائلين بالجزئيّة و لا يكون تفسيرا للمعنى الحرفي ايضا فهو كما ترى و يحتمل ان يكون اشارة الى بطلانه من حيث كونه توجيها للقول يكون الموضوع له خاصا اذ المراد منه خصوصيّة المعنى و عموميّته بلا اصطلاح و نزاع في اللّفظ سواء قيل له الكلّى او الجزئي الإضافي و ليس‏

____________

(2) بما هو معنى الحرف‏

26

النّزاع في لفظ الجزئى حتّى يرفع الأشكال بتخصيصه و تفسيره بالجزئى الإضافي‏

قوله: ليس المعنى في كلمة من و لفظ الابتداء الخ‏

اقول‏ لعلّك ممّا ذكرنا سابقا تعلم انّ الابتداء و كلمة من مختلفان بحسب المفهوم و إن كان مدلولهما مصداقا للّفظ الابتداء و مدلول قولك سرت من البصرة الى الكوفة لا يكاد يؤدى بلفظ الابتداء مثل قولك ابتداء سيرى من البصرة و انتهاؤه الكوفة اذ المدلول في الأوّل هو الأخبار عن السّير الخاص و في الثّاني هو الأخبار عن خصوصيّة السّير لا عن السّير الخاص و من راجع الى وجدانه يعرف انّ مفهوم الابتداء لا يكاد ينطبق على المفهوم من كلمة من و إن كان قد يعبّر عنه به بلحاظ انّه وجهه كما لا يخفى‏

قوله: انّما هو في اختصاص كل منها بوضع‏

اقول‏ المراد بنوع من الوضع مغاير للآخر نوعا و الّا فالتّغاير الشّخصى مما هو ثابت لا محالة بل كلّ من المترادفين يكون كل منهما مختصّا بوضع كما لا يخفى‏

قوله: و قد عرفت بما لا مزيد عليه‏

اقول‏ حاصله انّ لحاظ المعنى آلة للغير انّما هو من طوارى المعنى في حال اعتباره و النّظر اليه و اعماله و استعماله لا من طوارى ذات المعنى من غير دخل الاعتبار و النّظر اذ ذات المعنى ليس الّا هو كما هو المشاهد في المرآة حيث انّها ليست الّا هى و إن كان معتبرها قد يعتبرها بما هى هى و قد يعتبرها آلة لملاحظة الصّورة فاللّحاظ كذلك انّما هو نحو ارادة المعنى و لا يكاد يمكن ان يكون من خصوصيّاته و مقوّماته و اختصاص ذلك المعنى بالحرف انّما كان من جهة الوضع بمعنى انّ الواضع وضع الحرف لهذا المعنى ليراد منه معناه آلة للغير فهذه الخصوصيّة المرادة منه حال الاستعمال الناشي من قبل الاستعمال و النّظر المستعمل لا يكاد يمكن قيدا للمعنى المستعمل فيه‏

قوله ثمّ لا يبعد ان يكون الاختلاف في الخبر و الإنشاء

اقول‏ الأخبار و الإنشاء فعلان للمتكلّم يتحققان بالكلام الخاص و لذا يتّصف الكلام بهما فهما من قبيل التكلّم و التلفّظ الحاصلان بمطلق الكلام و ليسا معينين استعمل فيهما اللّفظ اى ليسا داخلين في مدلول اللّفظ جزءا او قيدا و لم يستعمل فيهما بوجه و انّما ينتزعان من الخصوصيّة الحاصلة للاستعمال بتوسّط الغرض فالهيئات موضوعات لأصل الرّبط و النّسبة الصّالحة لأن ينشأ بها او بخير عنها فلا بدّ ان يعرف كلّ منهما من الخارج و القرائن و لكنّه قد ظهر من المحاورات انّ الأخبار مراد فيما اطلق اللّفظ و جرد عن الخصوصيّات الّتى تصرف الى الإنشاء فيكون الإطلاق كذلك من القرائن الدّالة الى الأخبار و لو كان الإطلاق مخدوشا في مقام فلا بد من التامّل و لا مجال للحمل على احدهما بحسب اصالة الحقيقة و نحوها و ذلك من جهة انّه لا اصل لنا يعيّن انّ استعمال الكلام لهذا الغرض او لذلك نعم لو كان من المداليل و المستعمل فيه اللّفظ يكون للتمسّك بها مجال و الحاصل انّ حال الإنشاء و الأخبار حال التعجب و التّخشّع و الضّعف و التحسّر و غيرها ممّا يراد من الجملة من حيث انّها ليست موضوعة بازائها بل هى اغراض سيقت الجملة لها كما هو الحال في مثل التهديد و التّعجب و غيرهما مما يراد من استعمال صيغة الأمر على ما سيأتي التّعرض عنها انش و لعلّ ممّا ذكرنا يظهر لك وجه دفع ما ربّما يتوهم عن استعمال الجملة في معانى مختلفه مثل‏

27

المذكورات بعضها محتاجة الى القرينة و بعضها غير محتاجة اليها و ذلك آية كونها موضوعة لذلك المعنى الّذي لا يحتاج الى القرينة فتدبّر و امّا كونهما مما يحصلان باللّفظ و من افعال المتكلّم كالتلفّظ و ليسا من الكيفيّات النفسانيّة فلانّ الخبر و الأخبار ممّا هو ظاهر في ذلك و لم يتوّهم احد انّ الأخبار صفة نفسانيّة كذائيّة و إن كان قد توهم في الإنشاء و قبل انّه من الكيفيّات النفسانيّة الحاصلة عند التكلّم بلفظ بعت مثلا و الإنشاء ممّا هو مقابل له فهما صفتان متقابلتان يجب اتّحاد محلّهما فمنهما يتواردان في محل واحد ايضا و الوجدان شاهد بانّ الأخبار و الإنشاء ليسا من قبيل العلم و الجهل و الحبّ و البغض فقد يحصلان بغير اللّفظ اعنى بفعل آخر من افعال الإنسان كخفض الراس و حركة اليد و غير ذلك فيكون الأخبار و الإنشاء حاصلان بذلك الفعل و يتّصف بهما الفاعل كما يتّصف بهما فعله‏ و امّا انّهما ليسا داخلين في مدلول اللّفظ فلأنّ اجزاء القضيّة و المركّب من المحكوم عليه و المحكوم به و الدّالّ على النّسبة كلّها موضوعة للواقعيّات من مداليلها بتوسّط الاعتقاد فالنّسبة اللّفظيّة دالّة على الواقعيّة بعبريّة النّسبة الذهنيّة و ليست موضوعة لخصوص النّسبة الذّهنيّة لظهور أن ما يفهم من الألفاظ هو المعانى الواقعيّة و هى المتبادر منها و الخصوص الواقعيّة فقط لوضوح انّا ننسب مضمونها الى اعتقاد المتكلّم و غرض المتكلّم إراءة الواقع بقنطرية اعتقاده و الّا يلزم عدم صحّة انتساب مضمون القضيّة الى اعتقاد المتكلّم و لذا فيما اذا لم يكن معتقدا و علمنا ذلك لا يسمّى الكلام الملقى منه خبرا و لا انشاء بل يكون الكلام لغوا نحو كلام الهاذل و اللّاهى فإراءة النّسبة اللّفظيّة الكاشفة عن الواقعيّة الخاصّة قد يكون غرض المتكلّم ذلك الكشف و الإراءة بحسب الذّهن و الاعتقاد فيكون لا محالة هنا نسب ثلاثة لفظيّة و ذهنيّة و واقعيّة و من الممكن توافقها و تخالفها فباعتبار الموافقة تسمّى صدقا و المخالفة يسمّى كذبا و الكلام ح خبر و قد يكون غرضه من الإراءة المعنى الحاصل بفعله و هو الارتباط الموجود الّذى أوجده و بعبارة اخرى قولك بعت مشتمل على امرين‏ احدهما ايجاد النّسبة من المتكلّم و انّه اوقع النّسبة اللّفظية كإيقاعه النّسبة في ذهنه‏ و ثانيهما تحقّق النّسبة و إراءتها النّسبة الذّهنيّة و الواقعيّة فإن كان الغرض منه ممحّضا في الأوّل و هو ايقاع النّسبة و الرّبط كاشفا عن ايقاعه في النّفس فلا نظر له الى غيره يكون ذلك انشاء و إن كان الغرض متعلّقا بنفس المعنى الاسم المصدرى و كشفه كان خبرا و امّا ان مثل هذا لا يمكن دخله في الموضوع له فلانّ الأغراض الحاصلة من كيفيّة الاستعمال متوقف على الوضع و الاستعمال فلا يمكن توقّف الاستعمال عليه للدّور

و اشباع الكلام في المقام في ضمن أمور

[الأمر الأوّل في انّ الخبر هو الّذي لوحظ فيه الحكاية عن الواقع و الإنشاء هو الّذى لم يلاحظ فيه ذلك‏]

الأوّل: انّه لا اشكال في انّ الخبر هو الّذي لوحظ فيه الحكاية عن الواقع و الإنشاء هو الّذى لم يلاحظ فيه ذلك بل المقصود منه امر يحصل بالكلام فهذا الفرق بين المفهومين كالفرق بين الاسم و الحرف في انّ الحرف ما دلّ على معنى غير مستقل لوحظ آلة و حالة للغير و الاسم ما دلّ على معنى مستقل لوحظ فيه الاستقلال و لكنّ الكلام في انّ ذلك الفرق و الخصوصيّة داخلة في موضوع له‏

28

الخبر و الإنشاء حتّى يكون الموضوع له في الجملة الخبريّة مغايرا لما هو الموضوع له في الإنشاء او ان تلك الخصوصيّة انّما هى خارجة عن الموضوع له و نشأت من غرض الاستعمال بلا دخل له في الموضوع له و المستعمل فيه‏ و الأوّل‏ يتصوّر على وجهين الأوّل ان يكون مدلول الجملة الخبريّة اى النّسبة او الهيئة هو الأعلام و الحكاية عن الواقع فيكون مفاد زيد قائم احكى قيام زيد في الخارج او اعلم به و اخبر عنه و نحوها من المفاهيم و مفاد الهيئة الإنشائيّة نحو اضرب أنشئ الطّلب او اوجده و نحوهما في المفاد و لسنا نلتزم في ذلك المقام ان لا يكون ذلك لوضع التّركيبى بل لك ان تجعله من وضع المركّب و الثّاني ان يقال انّ النّسبة الخبريّة موضوعة بازاء النّسبة الذّهنيّة بوصف كشفها عن الواقع فيكون الموضوع له النّسبة الذّهنيّة الكاشفة عن الخارج بوصف كشفها و النّسبة الإنشائيّة موضوعة للالتزام الذّهني بتحقّق مدلول الكلام و يمكن ان يقال بانّ في الإنشاء يكون النّسبة موضوعة بازاء التزام القلبى بخلاف النّسبة الخبريّة فانّ الحكاية خارجة عنه‏ و كيف كان لك‏ ان تقول انّ الأوّل من الوجهين ممّا ينكره الوجدان و التّبادر حيث ان الحكاية و الأعلام بمفهومهما ممّا لا يستفاد من الجملة لا من الجملة لا من الموضوع و لا من المحمول و لا من النّسبة و لا من الهيئة التركيبيّة و الّذى يمكن ان يقال‏ انّ النّسبة اللّفظيّة انّما هى موضوعة بازاء النّسبة النّفس الأمريّة كلفظ الموضوع و المحمول حيث انّهما ايضا موضوعان بازاء ذات المعنى القابل لأن يتّصف بالوجود و العدم بان يقال انّه موجود او معدوم و النّسبة كذلك فيقال انّ النّسبة ثابتة او ليست بثابتة فليس موضوعا للصّور الذّهنيّة و لا للمعانى المعلومة فالعلم و الجهل و التّصور و غير ذلك خارج عن حقيقة المعنى و انّما تضاف تلك الأمور اليه لوضوح ان يقال المعنى مجهول او معلوم متصوّر او غير متصوّر موجود في الخارج او معدوم فيه فذات المعنى الموضوع له هو الّذي يضاف اليه تلك الأمور بلا مدخليّة لشى‏ء منها في ذات المعنى الموضوع له و خصوصيّة كلّ منها خارج عنه ففى قولك زيد قائم و ليس زيد بقائم يكون واحدا و لو كان مفاد النّسبة نفس الوجود لكان اللّازم التّناقض في مدلول زيد قائم اذ هو مثبت و كلمة ليس الدّاخلة عليه يكون منفيّا فيلزم التّناقض فينتج انّ زيد قائم مدلوله ليس الّا نفس الرّبط الحاصل بين القيام و زيد القابل لأن يثبت و ينفى فبكلمة ليس و امثالها يستفاد النّفى و بالإطلاق يستفاد الأثبات فاذا قيل زيد قائم و في الواقع ليس بقائم يكون المعنى المستفاد من النّسبة معدوما في الخارج و دلّلت عليه بوجوده في اللّفظ فالمعنى المستفاد من اللّفظ معدوم في الخارج الّا انّه ليس للّفظ هنا معنى و يكون اللّفظ ح خاليا عن المعنى اذ فرق واضح بين كون معنى اللّفظ معدوما في الخارج و بين عدم المعنى له اصلا فالقضيّة الكاذبة لا يكون فيها اخلاء اللّفظ عن المعنى بل معنى اللّفظ متلبّس بخلاف ما يستفاد من الكاشف و ذلك واضح بعد ما ذكرنا و امّا النّسب الإنشائيّة فهى على قسمين قسم من قبيل اضرب ممّا هو ممحّض في الإنشائيّة فهو لسنا بصدده فعلا و امّا النّسب الإنشائيّة من نحو الجمل الاسميّة و

29

الفعليّة ممّا تستعمل تارة في الإنشاء و تارة في الأخبار فنقول‏ انّهما من الأعراض الّتى يتعلّق بالاستعمال فتارة يقصد من استعمالها كشفها و حكايتها عن النّسبة الواقعيّة و تارة يكون الغرض غير جهة الكشف فالأوّل هو الأخبار و الثّاني هو الإنشاء و على هذا لا يكون استعمال الجملة في الإنشاء من المجاز اصلا خلافا لظ كلام بعض المحقّقين حيث التزم بالمجازيّة مع القول بكونها في المفردات لا في اصل الجملة اى المركّب‏ الثاني‏ انّ الجملة اذا كان المقصود منها جهة كشفها يختلف الغرض منها من حيث ان يكون الغرض منها تارة نفس الحكم و تارة لازمه و تارة غير ذلك و لا يخفى عليك ان جهة الحكاية ليست مختصّة في الجملة بل تأتي ذلك في استعمال المفردات ايضا اذ كلّ لفظ موضوع له جهة حكاية و كشف عن معناه‏ الثالث‏ انّ الجملة اذا كان المقصود منها غير جهة الكشف يكون على انحاء منها ان يكون الغرض منها البعث او الطّلب او اظهار الطّلب ممّا فيل في هيئة اضرب على ما سيجي‏ء الكلام انش و ذلك مثل يرحمك اللّه يعنى اللّهمّ ارحمه حيث انّ المفاد منها مفاد صيغة الأمر كما هو الغالب في موارد استعمالاتها في الأخبار و ذلك القسم يترتّب عليه ما يترتّب على صيغة افعل من اختلاف الأعراض في البعث او الطّلب كالتّهديد و التّعجيز و غيرهما من الأغراض المترتّبة عليها على ما سيجي‏ء توضيحه انش‏ و منها ان يكون الغرض منها مجرّد الالتزام بالفعل كما في الوعد مثل قولك في مقام الوعد اعطيك حيث ان مفاده انشاء الوعد اى الالتزام بالفعل‏ و منها ان يكون الغرض منها تحقّق المسند في الخارج و حدوثه كما في قولك بعتك او انكحتك و امثالهما حيث ان المستفاد منها احداث المحمولات في الخارج و إن كان باتيان منشأ انتزاعهما و هو نفس الألفاظ الصّادرة بقصد احداثها اذ تلك الألفاظ المقرونة بالقصد الكذائى منشأ الانتزاع لتلك الأمورات الانتزاعيّة عنه العقل او العرف فان قلت كيف يقصد جعلها مع انّها غير مجعولة الّا بالتّبع قلت لا مانع منه بعد الإمكان من الجعل و لو بالتّبع اذ يعلم انّها يحصل بذلك القصد و لو كان بسببيّة اللّفظ الصّادرة منه في المقاوم صحّة نسبة الجعل الى الأمر الانتزاعي ممّا لا يقبل الإنكار

[الأمر] الثّاني: انّ الإنشاء كما يكون غرضا في الجملة كذلك قد يكون غرضا في المفردات‏

كما لعلّ الأمر يكون كذلك في مثل حروف النّداء و عدّ بعض المحقّقين من هذا القسم الأسماء الإشارة و الأفعال الإنشائيّة بالنّسبة الى وضعها النّسبى و الحروف المشبّهة بالفعل و نحوها فانّ كلّا من الإشارة و النّسبة الخاصّة و التّأكيد حاصل من استعمال هذا و اضرب و انّ في معانيها فمفاد تلك الألفاظ ايجاد معانيها الأفراديّة في الخارج نظير الإنشاءات في المعانى التّركيبيّة انتهى فت‏

[الأمر] الثالث: قد ظهر ممّا مرّ ما هو التّحقيق في وضع الألفاظ

و هو انّه موضوعة بازاء المعاني النّفس الأمريّة و المراد بها هى الحقائق الواقعيّة بما لها من الوعاء و توضيح ذلك انّ الواقعيّات و الماهيّات القابلة للوجود و العدم الّتى قد تكون موجودة و قد تكون معدومة بحسب وعائها لأنّ و عائها مختلفة فمنها وعاءها الخارج فوجودها الذّهنى و ان قلنا بانّ الأشياء بحقايقها موجودة في الذّهن غير موضوع له و كذا لو وجد في وعاء آخر غير الذّهن و منها

30

وعاؤها العقل و غيره من المدركات كالكليّات و منها وعائها التّقدير و الفرض كشريك البارى‏

و الحاصل‏

انّ الواقعيّات و الماهيّات بحسب اوعيتها المختلفة القابلة لأن يوجد في ذلك الوعاء و القابلة لأن يتّصف بالعدم فيه هى الموضوع لها للالفاظ بلا دخل شي‏ء فيه من الوجود في الخارج او في الذّهن بحيث كان تمام الموضوع او جزئه او قيده و لا نقول بانّ الموضوع له هو المعانى المهملة المعرّات بما هى هى حتّى يكون الموضوع له هو الماهيّة حتّى في حال وجودها في الذّهن اعنى القدر المشترك في الوعاءين كما قد يقال لأنّ المتبادر من الموضوع ممّا يكون وعائه الخارج هو الماهيّة الخارجيّة القابل لأن يوجد فيها و ان لا يوجد لا الاعمّ منه و من الوجود في الذّهن حتّى يكون فهم الوعاء من القرينة او الخارج مثلا لو قلنا ان زيدا شي‏ء فالمراد بالموضوع ليس الماهيّة أعمّ من الذّهن او الخارج بل نعلم ان طرف الحمل هو الخارج من ذات الموضوع من غير قرينة و ذلك واضح لمن تامّل و راجع وجدانه و كذلك ليس الموضوع له هى المعلومات منها و لا دخل للعلم فيه بوجه و قد اختلف كلمات القوم في الموضعين‏ الموضع الأوّل‏ قد يقال بانّها موضوعات للماهيّات بما هى هى الّتى قد تكون موجودة في وعاء الخارج و قد يكون معدومة في ذلك الوعاء و قد يكون موجودة و معدومة في وعاء الذّهن و لا يخفى عليك انّه على هذا القول لا بدّ ان يستفاد ظرف الحمل من الخارج او الذّهن و هو خلاف المتبادر حتّى في مثل لو قلنا زيد موجود لا يتوهّم متوهّم انّ مفاده زيد موجود في الذّهن اى متصوّر او انّه اعم منه و من الخارج و المكابر مكابر لوجدانه‏ و قد يقال بوضعها للماهيّات الموجودة بدخل الوجود فيها و ذلك قد يكون الوجود الّذى له دخل في الموضوع له هو الوجود الذّهنى بان يكون الموضوع له هو الصّور الذّهنيّة و سبب هذه الدعوى وجوه ذكرها بعض المحقّقين‏ احدها انّ وضع الألفاظ للمعانى انّما هو لأجل التّفهيم و التّفهم و من البين انّ ذلك انّما يكون لحصول الصّور في الذّهن فليس المفهوم من الألفاظ الّا الصّور الحاصلة و هى الّتى ينتقل اليها من الألفاظ فتكون الألفاظ موضوعة بازائها و هى مرآة لملاحظة الأمور الخارجيّة و آلة لمعرفتها و لا يخفى عليك‏ انّ التّفهيم و التفهّم انّما هو بحضور الصّور في ذهن المخاطب لا المتكلّم اذ ايجادها الصّورة فى ذهنه انّما يكون بلحاظ الموجد تفهيما و بلحاظ الأخر تفهّما لأنّ الفهم كالعلم هو الصّورة الحاصلة في ذهن المخاطب لا الحاصلة في ذهن المتكلّم‏ ثمّ لا يخفى عليك‏ ان كون الصّور موضوعا له تارة تكون من حيث انفسها و تارة تكون بلحاظ كونها آلة و مرآة للامور الخارجيّة و على الثّاني يكون الموضوع له هو الصّورة بلحاظ فنائها في الأمر الخارجي و ظاهر هذا الاستدلال كونها موضوعا لها على الوجه الثّاني دون الأوّل و ح يردّ عليه انّا سلّمنا المقدّمتين اى وضع الألفاظ للتّفهيم و التفهّم و يكون ذلك بحصول الصّورة الّا انّها لا ينتج المقصود لأنّ المراد تفهيم و تفهّم المعانى الخارجيّة الواقعيّة و ذلك يكون بايجاد صورها فهنا امران المعنى الواقعى الّذى فهمه بالمراة

31

و الصّورة و نفس تلك الصّورة من حيث فنائها فايّهما من الصّورة او ذى الصّورة يكون موضوعا له فغير مبرهن فلا مثبت لأحدهما و لقائل‏ ان يقول ان حصول الصّورة في الذّهن عبارة عن العلم و الموجب لحصول الصورة قد يكون رؤية المعنى الخارجي بان يدركه البصر فينتقش في الذّهن فيسمّى هذا بالعلم او يبصر او يسمع ما يكون بمنزلته و مرتبة من وجوده اعنى اللّفظ فاللّازم اوّلا جعل العلقة بين نفس اللّفظ و المعنى الخارجى بحيث من مشاهدته يشاهد المعنى فكلّ من مشاهدة المعنى يحصل العلم به و هو الصّورة فكذلك من مشاهدته فكون الغرض التّفهيم و التفهّم موجب لأن يكون الموضوع له و الّذى يكون اللّفظ فانيا فيه هو المعنى الخارجي و من الواضح انّ العلم ليس سببا للامور الخارجيّة بل مشاهدة الأمر الخارجى موجب لحصول الصّورة نعم‏ لو كان الموضوع له هو الصّورة الحاصلة في ذهن المتكلّم يكون له وجه الّا انّ من العلم بحصول الصّورة في ذهن المتكلّم لا يحصل التّفهيم و التّفهم بالنّسبة الى الخارجيّات اذ لا سببيّة واقعيّة بينهما نعم يحصل التّفهيم و التفهّم بالنّسبة الى الصّورة لا بالنّسبة الى ذى الصّورة و ذلك واضح فتلّخص انّ تماميّة المقدّمتين موجب لعدم تماميّة دليل الخصم بوجه‏ ثانيها انّ التسمية تدور مدار الصّور مع عدم اختلاف الشّي‏ء في الخارج بوجه فلو لا انّ الموضوع له هو الصّور لما اختلفت التّسمية امّا الأوّل فانّك اذا رايت شبحا أ فظننت انّه انسان سمّيته بالإنسان و اذا زال الظّن و اعتقدت انّه شجر سمّيته بالشّجر فالشّبح مع كونه واحدا غير مختلف فيه اختلفت التّسمية و امّا الثّاني فلانّه لا اشكال في انّ التّسمية مختلفة و ليس هنا اختلاف في الواقع‏ نعم‏ اختلاف في الصّور الذّهنيّة فلا بدّ ان يكون الموضوع له هو الصّور لأنّ الألفاظ غير مترادفة و لا مجاز هنا بالفرض فالمعانى المختلفة لا بدّ ان يكون تلك الصّور و يتلوه ما قد يقال بانّه ثالث الوجوه و هو انّها لو كانت موضوعة بازاء الأمور الخارجيّة لزم امتناع الكذب بل الصّدق في الأخبار اذ ليس ما وضع له اللّفظ ح الّا الأمور الموجودة في الخارج و اذا كان اللّفظ مستعملا في معناه و كان ذلك موجودا في الخارج كان ذلك عين معناه و الّا فلا معنى له اصلا و على اىّ حال لا يكون هنا صدق و لا كذب و هو مطابقة المعنى للخارج و عدمها اذا لمطابقة و عدمها انّما هى بين الشّيئين و لا معنى لمطابقة الشي‏ء لنفسه و عدم مطابقتها و الجواب انّ استعمال الألفاظ في معانيها لا بدّ من كشف المعنى عند المستعمل و لو بطريقيّة الاعتقاد اذ ما دام لم يعتقد المعنى و لم يره لا يعقل الاستعمال اى اعماله و افناه في المعنى و ذلك لا يستلزم دخله في الموضوع له و لا يستلزم ايضا كون المعتقد واقعا لأن اعتقاد وقوع الشى‏ء في الخارج لا يستلزم واقعيّته كما لا يخفى فلو كان الموضوع له هو الوجود الخارجي ففي صورة المخالفة و ان لم يكن الموضوع له محقّقا الّا انّه مستعمل في المعنى الواقعي لأن الاستعمال فيه و ارادته لا يستلزم واقعيّته على ما تقدّم فوجود الخارجى الّذي هو

32

الموضوع له المستعمل فيه اللّفظ غايته انّه بحسب الاعتقاد و مجوز الاستعمال هو الواقعيّة بحسب اعتقاده و عدمه في الواقع لا يضرّ بحسب الاستعمال و لا يلزم خلوّ اللّفظ عن المعنى على فرض المخالفة اذ معناه خارجىّ و المطابقة و عدمها انّما هو بالاعتبار و يكفى ذلك في صدق المطابقة و عدمها كما لا يخفى و لو قلنا بانّ الموضوع هو ذات الماهيّة الّتى نسبة الوجود و العدم اليه على نحو سواء فالأمر واضح اذ الوجود في الخارج و عدمه لا مدخل له في الموضوع له و المستعمل فيه اذ هو ليس جزء و لا قيدا للموضوع له حتّى بعدمه كشفا او واقعا و لو لم يكشف يلزم اخلاء اللّفظ عن المعنى او كان استعمال اللّفظ في غير ما وضع له اللّفظ حتّى يكون الاستعمال مجازا بل المستعمل فيه من المعنى هو نفس الماهيّة القابلة لجميع المحمولات فإن كانت الماهيّة محمولا فلا يلزم الّا الكذب في النّسبة و إن كان موضوعا فلا يلزم الّا عدم مطابقة اعتقاده و ملخّص الكلام في هذا المقام انّه على ما هو الثّابت عند كون الألفاظ موضوعات للماهيّات بحسب ما لها من الوعاء بحيث لا دخل للوجود فيه اصلا فاذا استعمل اللّفظ في المعنى بحسب الاعتقاد و خالف الواقع سواء في المفردات او في الجملة و هى النّسبة الخبريّة كان اللّفظ مستعملا في حاق معناه الواقعى غاية الأمر انّ معناه غير موجود لا انّه ح لا معنى له و الثّبوت و اللّاثبوت خارج عن المعنى يدلّ عليه بالقرينة او اللّفظ الأخر و قد يقال‏ بوضعها للمعانى المهملة المعرّاة عن لحاظ تخصيصها في الخارج او الذّهن و لا يخفى عليك انّه لو اريد بها الهيئة من حيث هى هى حتّى يكون الإنسان حقيقة في الماهيّة المتصوّرة بحيث لو قلنا الإنسان موجود يكون صادقا و لو كان موجودا في الذّهن فهو خلاف المتبادر من اللّفظ و يصحّ ان يقال ليس الإنسان بموجود مع الالتفات الى وجوده في الذّهن و يصحّ سلب الإنسان عن المتصوّر بل المتبادر من الموضوع هو الماهيّات بحسب وعائها الخارجى في غير ما كان وعائها غير الخارج من اللّاشي‏ء و اللّاموجود او وعائها الذهن كالجنس و الفصل و نحوهما و قد يقال‏ هنا بالتّفصيل بين الكليّات و الجزئيّات فالكليّات موضوعة بازاء المفاهيم الكليّة مع قطع النّظر عن الوجود و الجزئيّات الخارجة موضوعة بازاء الموجودات الخارجيّة و الجزئيّات الذّهنيّة بازاء الموجودات الذّهنيّة و الوجه فيه انّ الأشخاص كزيد و عمرو موضوعة بازاء الوجودات الخارجة اذ مع قطع النّظر عن الوجود ليس الّا ماهيّة الإنسان فالشخصيّة انّما تكون من جهة الوجود الخاص دون باقي العوارض الخارجيّة كما عرفت نبذا من الكلام فيه في السّابق و ستعرف ايضا و اجاب عنه في البدائع وفاقا لغير واحد من افاضل المحقّقين نقلا و تحصيلا انّ المفاهيم بنفسها تنقسم الى جزئىّ و كلّى من غير ملاحظة الوجود الخارجى لانّ امتناع الصّدق على الكثيرين قد تحصل من ملاحظة تعيّنات المفاهيم بالفصول المنوّعة و الخصوصيّات المصنّفة و المشخّصات المفردة و الحاصل‏ انّ امتناع الصّدق على الكثيرين و ان لم يحصل من صمّ المفاهيم بعضها مع بعض من دون عروض الوجود لها الّا انّ نفس العارض خارج عن حقايق تلك المفاهيم‏

33

الموجودة فبعد وجود الماهيّة يعرض لها صفة الامتناع على حدّ عروض الوجود لها فالماهيّة تتّصف بامتناع الصّدق على الكثيرين حال الوجود لا بشرطه و حاصله انّ العقل اذا نظر الى موجود خارجى انتزع منه مفهوما يستحيل صدقه على موجود آخر و هذا معنى خروج الوجود عن مفهوم الجزئي و يدلّ عليه مضافا الى عدم الدّليل على اعتبار الوجود فى مداليلها ما مرّ من الحكم عليها تارة بالوجود و اخرى بالعدم مع بعد الالتزام بالتجوّز في الثّاني كما في قولك زيد معدوم نعم لما كان المعنى الجزئى لا يتعلق به غرض الّا بعد وجوده فلا جرم جرت العادة على تأخّر الوضع عن الوجود حتى صار منشأ لتوهّم دخول نفس الوجود الخارجي في المسمّى و لا فرق فيما ذكرنا بين القول بانّ الأصيل في الخارج هى الماهيّة او الوجود انتهى كلامه و تأمّل جيّدا

تنبيه‏

الأوّل‏ انّ ما ذكرنا من البيان في توضيح حال معانى الألفاظ بما هى هى مع قطع النّظر عن تعيين مراد القوم و تشخيص مرامهم و تصدّى بعض المحقّقين لبيان انّ مورد كلمات القوم نفيا و اثباتا هو الموجودات الخارجيّة و مخلص بحثهم في انّ الموضوع له هو الصّورة حيث انّ المرئى بالبصر من الأشياء و الموجود في الذهن منها هو الصّورة بل الإفادة و الاستفادة انّما هما بهما او هو ذو الصّورة حيث انّ تلك الصّورة انّما هى تبع للمواد الخارجيّة و انّ الملحوظ بالذّات انّما هى دون الصّور فمحلّ البحث مقصور على ذلك من دون نظر الى ساير الألفاظ الّتي موضوعات للكليّات و كذا دخل الوجود قيدا او شرطا و كذا تعميم النّزاع الى الكليّات الفرضيّة قال و الشاهد على ذلك حصر القول في القولين بين القدماء و اقتصار كلّ منهم في اثبات مذهبه على ابطال مذهب خصمه و ما حكى عن البعض من بناء الخلاف على الخلاف في انّ المعلوم بالذّات هل هو الصورة او ذو الصّورة فيكون الزّيادة بعض الأقوال او التّفصيل خروجا عن المبحث‏

قوله: و لذا ليس في كلام القدماء الخ‏

اقول‏ قال السّيد المحقّق الكاظمى في محصوله على ما حكى عنه بعد ذكر الوضع الخاص و الموضوع له الخاص و الوضع العام و الموضوع له العام و لا يعرف علماء العربيّة متقدّمهم و متاخّرهم و كل من يرجع اليهم من اهل الأصول و غيرهم سواهما الى ان جاء المحقّق العضدى فابان من ضرب آخر من الوضع و هو ما يكون الوضع فيه عامّا و الموضوع له خاصّا و ذلك انّه وجد الحروف و الضّمائر و اسماء الإشارة و نحوها خارجة عنهما امّا عن الأوّل فظاهر و امّا عن الثّاني فلانّها لو وضعت العام لاستعملت فيه يوما لكنّها لا تستعمل الّا في الخصوصيّات اجماعا و ظاهرا لاستعمال المستمر الحقيقة بل الاجتماع منعقد على انّها ليست بمجازات فلم يبق الّا ان يكون وضعت للجزئيّات بملاحظة انتهى و المص لما كان يرى الخصوصيّة الذّهنيّة في مقام الوضع قال في مقام توهّم العضدى بما قال و هذا هو الّذى قال به في الفصول و اختاره كما ان ما ذكره في المحصول في وجه توهّم العضدى لعلّه يرجع بما اخترناه‏ ثمّ‏ ان ما اورد شيخنا المص على القول بهذا التّوهم تمام لا مجال لإنكاره ظاهر كما حقّقناه و امّا صاحب المحصول فردّ ما ذكر

34

من التوهّم بقوله و الحق انّ دعوى الوضع و التعيين لكلّ جزئي جزئى دفعة واحدة بملاحظة الكلّي كما يزعم هؤلاء حتّى يكون الوضع عامّا لخاصّ بمكان من البعد عن طريق الوضع و اقصى ما علم من ذلك انّها لا تستعمل الّا في الجزئيّات و ذلك كما يحتمل ان يكون الوضع لها ابتداء على ما يقول هؤلاء كذلك يحتمل ان يكون للقدر المشترك بينهما و خصّ بها لداع كما يقول الباقون بل الظّاهر ذلك فانّ المشتبه يلحق بالأعم الأغلب مع انّ ائمّة اللّغة و العربيّة لا يعرفون سواه و هو قولهم انا للمتكلّم وحده و من للابتداء و لذلك لم يعدّوه في متكثّر المعنى فكيف يدعى مع قيام هذا الاحتمال بل ظهوره انّها موضوعة للجزئيّات و هل هذا الّا ترحّم على الواضع و كيف يثبت الوضع بمجرّد الاحتمال بل ظهوره و انّما طريقة النّقل و ما يوجب العلم انتهى المحكى عنه و الكلام معه نقضا و ابراما ممّا لا نحتاج اليه خصوصا مع ما قدّمناه نبذا منه و النّاظر يكفيه النّظر و التامّل خصوصا مع ما ذكره في البدائع من انّ النّزاع في هذه المسألة عديمة الجدوى علما و عملا

[في كيفية الاستعمال فيما يناسب الموضوع له:]

قوله: الثّالث صحّة استعمال اللّفظ فيما يناسب ما وضع له الخ‏

اقول‏ مصحّح الاستعمال بالنّسبة الى المعنى الغير الموضوع له هو المناسبة الطّبيعيّة بينه و بين الموضوع له بلا احتياج الخ وضع و تعيين من الواضع نوعا و لا يتوقّف صحّة الاستعمال على نقل النّوع و لا نقل الشّخص بل جوازه طبيعى يحكم به طبع اهل المحاورة للمناسبة الّتى يراها بينه و بين الموضوع له و ان لم يكن تلك المناسبة ناشية عن العلاقات المعروفة المدوّنه و المنقول عن الأكثر انّ المجاز لا بدّ له من وضع نوعى و نقل عن البعض بلزومه للوضع الخاص بحيث لا بدّ ان ينقل آحاد الغير الموضوع عن الواضع و عليه فالمجازات الخاصّة الّتى لم ينقل من الواضع من الأغلاط و ان وقعت في السّنة الفصحاء من المتأخّرين و حصرت العلاقة في لسانهم في خمسة و عشرين‏

[وجوه الدّليل على عدم الاحتياج إلى وضع من الواضع:]

و التّحقيق وفاقا لجماعة من المحقّقين هو ما ذكرنا من عدم الاحتياج الى وضع من الواضع و لو نوعا و الدّليل من وجوه‏

[الوجه‏] الأوّل: انّا نرى بالوجدان جواز استعمال اللّفظ الموضوع للشّمس في الوجه الحسن‏

في اىّ لغة كانت بلا توقّف على اذن من الواضع و ان شئت توضيح ذلك اختبر في حال نفسك بالنّسبة الى ما كنت واضعه من الأعلام و اسماء المخترعات حيث انّه لم يخطر في ذهن الواضع ما يناسبه و يشابهه و يستعمل المستعمل في المشابه بلا نكير فلو احتياج الاستعمال الى ملاحظة الواضع النوع او الشّخص لا يكاد يصحّ الاستعمال قبل ملاحظة الواضع و لا قبل العلم به بل ذلك صحيح مع منع الواضع عن الاستعمال لا يخفى عليك انّ الدّليل على المطلوب يتمّ بما ذكرنا من جواز الاستعمال مع عدم وضع الواضع سواء منع عن الاستعمال ايضا ام لا و لو وضع المعنى المجازى يصحّ مع المنع عنه ايضا اذ منعه لا يكاد يثمر بعد تحقّق الوضع و العلاقة فالمنع لا مدخليّة له في الاستدلال على منع التوقّف لو كان مع عدم الوضع فقول المص بشهادة الوجدان بحسن الاستعمال فيه و لو مع منع الواضع عنه ان اراد المنع مع وضعه‏

35

المعنى المجازي نوعا فلا يكاد يثمر في مدّعاه ان لا يدلّ ذلك على الجواز فيما لم يكن ثبت منه وضع اصلا و ان اراد ذلك مع عدم وضعه فمستدرك اذ يتمّ الاستدلال مع عدم المنع ايضا بل مع الأذن على ما لا يخفى‏

[الوجه‏] الثّاني: انّا نرى الاستهجان فيما لم يكن هناك مناسبة طبعيّة

و لو كان ذلك فيما رخصه الواضع و لذا كانت العلاقات غير مطردة

[الوجه‏] الثّالث: انّه لو كان الاستعمال بحسب الوضع للزم تساوى المعاني المجازيّة

لكون نسبة الوضع اليها على نحو واحد مع وضوح كون المجازات بعضها اقرب من بعض و قد شاع قولهم اذا تعذّرت الحقيقة فالحمل على اقرب المجازاة متعيّن و على هذا فالملاك مناسبة بين اللّفظ و المعنى يرى الطّبع استعماله فيه حسنا و مقبولا سواء كان هناك احدى العلاقات او لم يكن و ربّما يكون احدى العلاقات و مع ذلك لا يرى استعماله فيه حسنا بحسب الطّبع‏

[وجوه تصحيح الاستعمال في المعنى المجازي:]

و توضيح‏ الكلام بحيث يرفع الإبهام و يوضح المرام انّ المصحّح للاستعمال في المعنى المجازى من ما قيل او يمكن ان يقال وجوه‏

[الوجه‏] الأوّل: [حصول علاقة و نحو اختصاص طبيعي بين اللفظ و المعنى المجازي‏]

انّ اللّفظ و ان لم يكن بينه و بين المعنى المجازي في حدّ نفسه مناسبة طبعيّة اى مناسبة يدركها الطّبع و الذّوق الّا انّه لما كان وضع للمعنى و صار فانيا فيه و قالبا له و كان بين المعنى الحقيقى و المعنى المجازي مناسبة طبيعيّة حصل بين اللّفظ بما هو مرتبه من مراتب المعنى الحقيقى و بين المعنى مناسبة طبعيّة و علاقة و نحو اختصاص طبيعى يدرك الطّبع اعنى طبع اهل المجاورة فكان ذلك مصحّحا للاستعمال كما انّه حصل علاقة بين اللّفظ و المعنى الحقيقى و نحو اختصاص صار ذلك الاختصاص مصحّحا للاستعمال غايته انّ هذا بالوضع و ذاك بالطّبع و العلاقة الطبعيّة قد يكون حاصلة بين اللّفظ و المعنى بلا احتياج الى امر خارجى كان ذلك سببا لحصول العلاقة الطبعيّة كما في استعمال اللّفظ في نوعه او مثله على ما سيأتى و لعلّ هذا مراد المص كما سبق توضيحه‏

[الوجه‏] الثاني: ان يكون مصحّح الاستعمال علاقة وضعيّة بين المعنى المجازي و المعنى الحقيقى‏

بان يكون الواضع وضع اللّفظ بمقابل المعنى المجازى كوضعه اللّفظ بمقابل المعنى الحقيقى غايته انّ الوضع هنا نوعىّ يعنى وضع اللّفظ الموضوع بمقابل الملزوم في مقابل لازمه و سببه و جزئه و كلّه و غيرها و عيّنوا المعانى الموضوع لها اللّفظ نوعا في امور من انواع العلاقات حدّدوها و عيّنوها و قد ينسب ذلك الى الأشهر

[الوجه‏] الثالث: كون مصحّح الاستعمال الوضع الشّخصى‏

بين اللّفظ و المعنى الغير الموضوع له و قالوا بانّ اللّازم نقل المعنى المجازي من الواضع و لا يصحّ الاستعمال في المعنى المجازي الّذى لم ينقل من الواضع و يكون غلطا و ربّما فصل بعض بانّ الالفاظ الّتى جرت عادتهم على ضبط معانيها المجازيّة كالحروف و صيغ الأمر و النّهى يقتصر فيها على القدر المنقول المضبوط عندهم بخلاف ساير الألفاظ حيث يكتفى فيها بالوضع النّوعي‏

[الوجه‏] الرابع: انّ مصحّح الاستعمال في غير ما وضع له انّما هو

بتعويله و اوله الى ما وضع له بان يظنّ او يتخيّل او يدّعى انّه هو مثلا يطلق الشّمس على الوجه الحسن بتخيّل انّه الشّمس او بارادة

36

القاء ذلك في ذهن المخاطب انّه هو و اذا قيل جاءنى اسد كان ذلك بتوهّم انّه فرد من الأسد او هذا اسد ففى كلّ موارد المعنى المجازى فيما اذا كان المجازي في الكلمة لا بدّ ان يكون هنا تاويل المعنى المجازى الى المعنى الحقيقى و ان شئت عمّم ذلك بما اذا يتسامح العرف في الموضوع له بشموله لذلك و لو من باب التّسامح و التّجوز و هذا التأويل انّما يكون بحسب الاستقراء في مواضع العلاقات المعروفة في محل يصحّ التّأويل منها فالحصر في موارد العلاقات حصر استقرائى لا حصر حقيقىّ عقلى و البحث عن العلاقة انّما هو للبحث عن مصحّح التّأويل فمصحّح الاستعمال انّما هو الوضع اعنى ذلك الوضع الخاص الّذي طرفيه خاص غايته انا اولنا المعنى الغير الموضوع له الى المعنى الموضوع له و لا نبالي بان تقول انّ مصحّح التّأويل انّما هو الطّبع و الذّوق اذ اعتبار كون الشّي‏ء هو ذاك انّما يكون فيما اذا كان منشأ النّزاع له طبعا او ذوقا لبداهة عدم امكان ذلك الاعتبار و التّأويل في كلّ شي‏ء كما لا يخفى و لذا يكون الدّلالة دلالة وضعيّة و معنى المجاز و حقيقته ما ذكرنا و لعلّه يشير الى ما ذكرنا قولهم في تعريف المجاز استعمال اللّفظ في غير ما وضع له و يظهر ممّا ذكرنا انّه ليس المصحّح للاستعمال ثبوت المناسبة الطّبعيّة و لا يكاد يكون حيث لم يلاحظ التّأويل اليه بل المناسبة مصحّحة للتّأويل و الاعتبار لا انّها يكفى و لو لم يلاحظ ذلك و لعلّه يظهر الأثر فيما لو كانت واقعا الّا انّ المستعمل يجهلها او لم يكن و قد ظنّ المستعمل صحّة التّأويل و الحاصل انّه على الأوّل يصحّ الاستعمال بلا ملاحظة مناسبة و علاقة سواء كانت موجودة او لا بخلاف هذا الوجه فانّه لا بدّ من لحاظ التّأويل و اعتبار انّه هو المعنى الحقيقي و قد يقال هنا بوجه آخر و هو

خامس الوجوه و هو انّ الجواز مبنى على المسامحة و التّجوز في الأوضاع الأصليّة

بان يتّسع دائرة الوضع تسامحا و تجوزا غايته ما يراه الطّبع او العرف موجبا للتّسامح و لعل الفرق بين الوجهين في انّ التّسامح تارة في الوضع و تارة في الموضوع له و الوضع هنا كسائر الموضوعات الّتى يتسامح العرف فيها و معنى التّسامح فيه بان يجعلونه في لوازم الموضوع له ايضا

[الوجه‏] السّادس: هو ان يقال‏

انّ اللّفظ لما كان و الّا على جزء المعنى و لوازمه بالدلالة الالتزاميّة و التّضمنية فكان حصل بين اللّفظ و جزء المعنى و لوازمه اختصاص ما فكان هذا الاختصاص الحاصل بينهما بسبب الوضع موجبا و باعثا للاستعمال بلا احتياج الى وضع آخر حيث انّ الغرض من الوضع ليس الّا جعل العلقة بين اللّفظ و المعنى بعد ما كانا اجنبيّين غير مرتبطين و هاهنا الارتباط و الاختصاص موجود فيستعمل فيه اللّفظ بواسطة هذا الاختصاص غاية الأمر يحتاج في مقام الإفادة الى القرينة المعيّنة لوجود الارتباط الأقوى و هو الارتباط الحاصل بينه و بين ما وضع له و ليس هذا الاستعمال كاستعمال اللّفظ غلطا مع نصب القرينة كقولك خذ هذا الفرس مشيرا الى الكتاب فان القرينة كانت مفهمة للمعنى و لم يكن لفظ الفرس دالّا على شي‏ء فالفرس و ان اعملته في الكتاب الّا انّه لم يستعمل للمباينة فيكون الاستعمال غلطا و هذا بخلاف ما اذا كان مستعملا و دالّا و لو جزء او التزاما فانه ح ان اعمل استعمل‏

37

الّا انّه لما لم يكن بنحو الاختصاص صار الاحتياج الى نصب القرينة فتدبّر و لا يخفى عليك‏ انّ الواضع كثيرا ما يوضع اللّفظ بازاء المعنى و ليس يخطر بباله المعاني اللّازمة له لو علم الملازمة و ربّما يعلم بعدم الملازمة بينهما فلم يمكن له التفات بغير ما وضع له فلم يتحقق منه وضع بالنّسبة الى الغير اصلا بوجه‏ و القول‏ بانّ الواضع صرّح كليّا بانّي وضعت كلّ لفظ وضعته لمعنى في لوازمه و ملزوماته و هكذا قول بلا بيّنة و برهان مع ما نرى من الوجدان عدمه فيما اذا كنّا نحن الواضع كما في الأعلام اذا وضعناه لأبنائنا و مخترعاتنا و ليس ثبت لنا وضع آخر و لا التفات الى وضع كذلك اعنى الوضع النّوعي لفظا و معنى مع وضوح صحّة الاستعمال و وحدته مع استعمال لفظ لسنا بواضعه بلا فرق بينهما و من هنا ظهر فساد القولين الوسطين مع معلوميّة انّ ثانيهما افسد من الأوّل و يبعّد الوجه الأوّل ما شاع و ظهر من دلالة الألفاظ على معانيها المجازيّة بالوضع و بناء على الأوّل لا مدخليّة للوضع فيه اصلا و انّما الوضع معتبر في تحقّق الموضوع لا انّه سبب للدّلالة كما لا يخفى و ما تقدّم من الوجوه لاثبات الوجه الأوّل انّما يصلح لرفع القولين الأخيرين لا الوجوه الأخيرة و يعدّ الاقرب‏ الى الاعتبار هو الوجه الرّابع و لا يخفى عليك انّ حسن الاستعمال انّما هو بلحاظ صحّة فناء اللّفظ و جعله مرآتا له و فناء اللّفظ فى المعنى و دلالته عليه قد يحصل بالوضع و قد يحصل بغيره و ما ذكره من حسن الاستعمال بالطّبع إن كان ان الطّبع يحسنه بعد تماميّة الدّلالة فذلك امر مرغوب عنه و لا بدّ ان يقال على هذا انّ حسن الاستعمال فيما وضع له اللّفظ ايضا بالطّبع و إن كان المقصود ان حصول الدّلالة و فناء اللّفظ في المعنى سببه الطّبع كما انّ سببه الوضع فيما وضع له و ذلك ايضا غير معلوم لأنّ ذلك الفناء و الدّلالة امّا بواسطة طبع اللّفظ او المتكلّم او المخاطب كما قالوا بذلك في الدّلالة الطبعيّة مثل الأح الأح الدالّ على الوجع و القول بوجودها بسببه ليس بواضح المعنى كما لا يخفى فت جيّدا

[في أن دلالة المجازات ذاتية:]

نعم‏ يمكن ان يقال انّ اللّفظ بواسطة الوضع لما صار فانيا في المعنى و كان ما بين المعنى المناسب للموضوع له اللّفظ مناسبة ذاتيّة بينهما بحيث ينتقل الذّهن من احدهما الى الأخر حصل هذه المناسبة بين اللّفظ و المعنى و يمكن اطلاق اللّفظ عليه بتلك المناسبة فيتلخّص من دلالة الألفاظ على معانيها المجازيّة دلالة ذاتيّة غاية الأمر حصولها بسبب الوضع فافهم‏

قوله: و ايضا انّ صحّة استعمال اللّفظ الخ‏

القول‏ مقابل الظّ ما سيجي‏ء في كلامه بعد ذلك من احتمال ان لا يكون ذلك من الاستعمال في شي‏ء و لا يخفى عليك انّ صحّة الاستعمال لا يكاد يكون الّا في موضع تماميّة الدّلالة و الدّلالة في المجازاة المناسبة لما وضع له انّما يكون بواسطة الوضع و لو بالواسطة حيث انّها بتبعيّة الموضوع له و لا محالة ح يكون الدلالة وضعيّة على المص و امّا استعمال اللّفظ في نوعه و صنفه لما كانت الدّلالة بلحاظ الاتّحاد بالحقيقة و الهوهويّة كانت الدّلالة لو كانت عقليّة صرفة

38

فلا تتّصف بالحقيقة و لا بالمجاز و لعلّ هذا اوجه المفارقة بينهما و جعلها من القبيل فافهم‏

قوله: او مثله‏

اقول‏ او مثله معطوف على نوعه اى لا شبهة في اطلاق اللّفظ و ارادة مثله و صحّة هذا الاستعمال ايضا بالطّبع من دون توقّف على رخصة من الواضع و ملاحظة علاقة لتحقّقه في المهملات مع عدم وجود وضع في البين و عدم ملاحظة العلاقة بوجه و إن كان هناك علاقة و مناسبة فعلى هذا هذا الاستعمال لا يكون حقيقة كما هو واضح و لا مجازا لتحقّقه و حسنه فيما لا وضع له اصلا

قوله: و الّا كانت المهملات موضوعة

اقول‏ لا يخفى انّه قد يكون المحمول ما هو محمول بلحاظ الوضع و الّا لا يمكن الحمل كقولك ضرب فعل ماض او زيد فاعل فانّ الحمل او الفاعليّة انّما يترتّب على الموضوع و لا يكون ذلك الّا بلحاظ الوضع و لا يكاد يجي‏ء ذلك فى المهملات الّا انّ ذلك لا يتفاوت في حقيقة الدّلالة و الاستعمال لثبوتها بين اللّفظين و لا ربط في الوضع في هذه و من الواضح صحّة الدّلالة في غير هذه المحمولات لوضوح عدم انحصار المحمول في مثل ذلك‏

قوله: ففي صحّته بدون تاويل نظر

اقول‏ قال في الفصول و امّا لو اطلق و اريد به شخص نفسه كقولك زيد لفظ اذا اردت به شخصه ففى صحّته بدون تاويل نظر لاستلزامه اتّحاد الدالّ و المدلول او تركّب القضيّة من جزءين انتهى و لا يخفى انّ اللّازم عليه ان يلقى الرّابطة ايضا لعدم تعقّلها بلا تحقّق الموضوع مع انّه يمكن القول بتغاير الدّالّ و المدلول بالاعتبار فانّ زيدا دالّ من حيث صدورها للافظه و مدلول من حيث انّه يراد شخصه و نفسه مع انّه يمكن ان يقال انّ المراد من ذكر اللّفظ و ارادة شخصه ان بذكره و ايجاده لفظا اوجدت المعنى بلا واسطة شي‏ء و الفرق بين هذه القضيّة و ساير القضايا انّ الموضوع في تلك القضيّة ذات الموضوع و القيته الى السّامع بدون واسطة بخلاف ساير القضايا فانّ الموضوع فيها ملقى بواسطة شي‏ء آخر و هذا الفرق لا يصير منشأ لعدم صحّة هذه القضية لو لم يكن مقوّما للصّحة اذا الموضوع في الحقيقة في جميع القضايا هو الحقيقة الّتى يرشد اليها اللّفظ و الواسطة و هو المقوّم للقضيّة حقيقة المحمول و المتعلق للرّبط دون الواسطة الحاكية على ما لا يخفى على ذي بصيرة غايته انّ الموضوع هنا متعقّل بنفسه بخلاف ساير القضايا من الموضوع و المحمول و الرّابط

قوله: مثل ضرب فعل ماض‏

اقول‏ و ذلك لأنّ شخص اللّفظ اسم مبتدا لا فعل ماض فلا يعمّه الحكم في هذه القضيّة

[في عدم تبعية الدلالة للإرادة:]

قوله:

لا ريب فى كون الألفاظ

اقول‏ لا يخفى على المتتبّع انّ هذه المسألة ليست معنونة في كلام القدماء و انّما نشأ عنوان ذلك بعد زمان الشيخ ابي على و المحقّق نصير الدّين و سبب ذلك انّهما قالا في بيان عدم انتقاض حدود دلالات المطابقة و التضمّن و الالتزام بالآخر بعدم الاحتياج الى زيادة قيد الحيثيّة كما اعتبروه جماعة لدفع ذلك و بينا ما ادعياه بانّ الدلالة تابعة للارادة الخ ما ذكراه في ذلك الباب و اورد عليهما بانّ الدلالة ليست بتابعة للارادة

39

و قد كثر ذلك الإيراد منهم حتّى صار سببا لبيان عنوان لذلك في كلام بعض المتأخّرين بتخيل انّ تماميّته انّما يكون بصيرورة الإرادة جزءا او قيدا للموضوع له و لكلامهما بيان آخر نتكلّم فيه بعد ذلك انش و لم يعهد قول منهم بذلك و لقد اجاد في البدائع حيث قال الإرادة غير داخلة في الموضوع له و ما رايت و لا سمعت مخالفا في ذلك نعم نقل عن ابن سينا و العلّامة الطّوسي انّ الدلالة تابعة للارادة و هذا كلام آخر كيف و استحالته ممّا يقضى بها صريح العقل لأنّ الإرادة تابعة للاستعمال و الاستعمال تابع للوضع فالوضع مقدّم على الإرادة فلو كانت معتبرة في الموضوع له كانت مقدّمة على الوضع تقدّم الموضوع على الحكم فيلزم تقدّم الشي‏ء على ما يتقدّم عليه و انّ هذا دور واضح انتهى‏

و توضيح المقام‏

بعد ما هو المعروف عندهم من انّ الوضع نحو اختصاص بين اللّفظ و المعنى او العلقة الحاصلة بينهما بحيث يصير ذلك سببا لفهم المعنى و العلم به عند احساس اللّفظ و هو المقصود من الدّلالة و يكون ذلك المعنى هو الموضوع له و اللفظ هو الموضوع و الدلالة تحصل من الاختصاص الحاصل بينهما بسبب الجعل و الوضع المصدرى و هذا الّذى هو طرف العلقة لا يكاد يمكن ان يكون المراديّة و الإراديّة صفة له بحيث يكون المجموع موضوعا له و طرفا للعلقة و ذلك لأنّ الإرادة لا بدّ ان يراد منها ارادة المستعمل و اللّافظ اذ ارادة غيره لا يصحّح الاستعمال بناء على ان يكون الإرادة لها دخلا في الموضوع فالمراد هو ارادة المستعمل ثم انّه لا ينبغي التّامل في انّ المراد بالإرادة ليس هو مفهومها هى المعنى المتصوّر منها بل المراد مصداقها الخارجى و ح كان المراد منها خصوص شخص الإرادة الخاصّة بحيث يكون في كلّ مورد من موارد الاستعمال و اشخاص المستعملين ارادة خاصّه داخلة في الموضوع له بحيث يصير المعنى بسبب ربطه بتلك الإرادة الخاصّة جزئيّا حقيقيّا كما هو الشّأن فى اسماء الإشارة و الحروف على ما تقدّم و ايضا الظّاهر ان يكون الدّاخل في الموضوع له هو الإرادة عن اللّفظ لا مطلق الإرادة و لو من غير اللّفظ فاذا كان الأمر كذلك فلا محالة يكون هنا محذورات الأوّل ما اشير اليه في كلام البدائع من لزوم الدّور لأنّ ارادة المستعمل ذات المعنى من اللّفظ انّما يكون و يحصل بالاستعمال بل هى نفس الاستعمال و لا اقل من كونه داخلا في قوامه فدخلها في الموضوع له و المستعمل فيه الّذى لا بدّ من تقدّمه على الاستعمال و يكون الاستعمال متوقّفا عليه دور واضح‏

قوله: لما عرفت بما لا مزيد عليه الخ‏

اقول‏ ظاهره الإشارة الى هذا الوجه الّا ان ما تقدّم منه في بيان ذلك الّذى اشار اليه بقوله لما عرفت قد يتوهّم منه خلاف ذلك حيث انّ جهة الفساد المتقدّم هو تعدّد اللّحاظ المعلوم عدمه لا الدّور و لكنّه توهّم اذا الدّور ايضا جهة الفساد فيما تقدّم حيث انّ اللّحاظ مأخوذ في الاستعمال بذلك القيد يمتنع اخذه في المستعمل فيه و لو القى الخصوصيّة و اخذ اللّحاظ في المستعمل فيه و لو لا بذلك القيد فمع لزوم لحاظ آخر للزم تعدّد اللّحاظ و ما ذكرنا مستفاد من كلامه فيما سبق‏

40

و ما نحن فيه لو كان المراد من اللّفظ لكان ذلك مستلزما للدّور على ما عرفت و لو كان المراد مطلق المعنى المراد للّافظ بالقاء قيد من اللّفظ موجب ذلك لتعدّد الإرادة حيث انّه يتوجّه اوّلا بالمعنى ثم ثانيا به بالوصف و هو كما ترى‏ لا يقال‏ نحن و ان قلنا يكون الموضوع له هو المعنى المراد الّا انّ لنا ان نقول انّ المستعمل فيه ذات المعنى لا بالوصف و لو كان في حال الوصف فح لا يلزم الدّور قلنا نعم و ان لم يلزم الدّور الّا انّه يوجب مجازيّة جميع الاستعمالات حيث انّ اللّفظ مستعمل ح في غير ما وضع له و هو فاسد بالبداهة

قوله: هذا مضافا الى ضرورة صحّة الحمل الخ‏

اقول‏ هذا هو المحذور الثّاني و توضيحه انّ البداهة قاضية بانّ المحمول على زيد في قولك زيد قائم هو نفس القيام لا القيام المراد من اللّفظ او بالقاء قيد اللّفظ و لو كان المعنى مقيّدا يلزم كون المحمول كذلك و لا يصحّ الّا بالتزام التّجريد فيحتاج الحمل على عناية التّجريد و هو خلاف المشاهد و العيان و كذلك المسند اليه و الموضوع هو نفس زيد لا هو بوصف المراديّة

قوله: مع انه يلزم كون وضع الخ‏

اقول‏ هذا هو المحذور الثّالث و توضيحه انّ المعنى لو كان مقيّدا بالإرادة الخاصّة اى بما هو بالحمل الشّائع الصّناعى ارادة لا محالة يصير خاصّا لكونه المقيّد بالخاص فمعه خاص فيكون اللّفظ الموضوع بازائه داخلا في قسم ما كان وضعه عامّا و الموضوع له خاصّا و هو فاسد و لعلّ هنا وجه رابع و هو صيرورة جميع الألفاظ من قبيل الكلّى العقليّ الممتنع صدقها على الخارجيّات فافهم‏ و الخامس‏ انّا نرى بالوجدان دلالة الألفاظ على معانيها مع عدم ارادة المستعمل كما في كلام السّاهى و النّائم و الهاذل و كما في مدلول التضمّنى و الالتزامي حيث انّ المراد هو المعنى المطابقى فقط و السّادس‏ ما ذكره شيخنا المرتضى ره كما نسب اليه بعض من انّ ذلك يقتضى انسداد باب الإفادة و الاستفادة من الألفاظ لأنّ العلم بارادة اللّافظ إن كان لدلالة اللّفظ بعينه فهو دور او لدلالة لفظ آخر فيتوقّف ايضا على الإرادة و هكذا يدور او يتسلسل‏

قوله: و هكذا الحال في طرف الموضوع‏

اقول‏ هذا مربوط بالمحذور السّابق و معطوف على جملة بداهة انّ المحمول على زيد في زيد قائم كما اشرنا اليه فيما تقدّم آنفا و حقّ الكلام ان يقدّم على المحذور الثّالث‏

قوله:

و امّا ما حكى عن العلمين الشّيخ الخ‏

اقول‏ و لتوضيح المرام نقول قال العلّامة في شرح منطق التّجريد بعد ما اورد الأشكال المعروف على حدود الدلالات الثّلاث و لقد اوردت هذا الأشكال على المصنّف (قدّس اللّه روحه) فاجاب بانّ اللّفظ لا يدلّ بذاته على معناه بل باعتبار الإرادة و القصد و اللّفظ حين يراد منه معناه المطابقى لا يراد منه معناه التضمّنى فهو انّما يدلّ على معنى واحد لا غير انتهى و قال المحقّق الطّوسي في شرح الإشارات في بيان معنى المفرد و المركّب و تثليث بعض المتأخّرين الى المفرد و المركّب و المؤلّف و السّبب في ذلك سوء الفهم و قلّة الاعتبار لما ينبغى ان يفهم و يعتبر ذلك لأنّ دلالة اللّفظ لو كانت وضعيّة كانت متعلّقة بارادة المتلفّظ الجارية على‏

41

قانون الوضع فما يتلفّظ به و يراد به معنى ما و يفهم عنه ذلك المعنى لا يقال له انّه دالّ على ذلك المعنى و ما سوى المعنى ممّا لا يتعلّق به ارادة المتلفّظ و إن كان ذلك اللّفظ او جزء منه بحسب تلك اللّغة او لغة اخرى او بارادة اخرى يصلح لأن يدلّ به عليه فلا يقال له انّه دالّ عليه الخ كلامه و لا يخفى عليك ان غرضه (قدس سرّه) انّ الدلالة الوضعيّة انّما يتحقّق بعد الاستعمال فيكون اللّفظ الدّال هو المستعمل فما لم يكن مستعملا لا دلالة له اصلا و معنى الاستعمال و حقيقته اعمال اللّفظ في المعنى و افنائه فيه فالوضع سبب لإمكان الاستعمال و الاستعمال مرتبة الفعليّة من الوضع فما لم يكن الوضع لا يكاد يكون شي‏ء من الدلالة اصلا و ما لم يستعمل لم يحصل فعليّة الدّلالة في اللّفظ ففعليّة الدّلالة في اللّفظ و كاشفيّته منه انّما يتحقّق بالأعمال و افنائه فيه و اعمال اللّفظ و افنائه في المعنى ليس الا ارادة المعنى منه و جعله بحيث يكون مرتبة من مراتب المعنى بحيث اذا سمع كانّه سمع المعنى فتحقّق فعليّة الدّلالة في اللّفظ انّما يكون بعد الاستعمال المتوقّفة على الإرادة و امّا الانتقال الى المعنى بمجرّد سماع اللّفظ الغير المستعمل فانّما هو بلحاظ العلم بالوضع اذ بعد العلم بالوضع الّذى لا يتحقّق الّا بالعلم بالطّرفين عند احساس احد الطّرفين لا محالة ينتقل الى الأخر و هذا ليس من دلالة اللّفظ و لا من الدلالة الوضعيّة و لذا ترى المحقّق ينحصر المقال في الدّلالة الوضعيّة و يوضح ذلك الأمر انّ الانتقال بالمعنى بهذا اللّحاظ انّما يحصل في غرض العلم بالوضع اذ من اجزاء العلم بالوضع بل حصوله مقدّم طبعا على حصول العلم بالوضع ضرورة و حصول الدّلالة الوضعيّة لا محالة يكون متأخّرة عنه و مسبّبة عنه و ليس ذلك الّا باستعماله و افنائه الّذى يتحقق بالإرادة و هذا كما ترى ليس القول بكون الإرادة جزءا و قيدا من الموضوع له اللّفظ كما ربّما يتوهّم و به تقدر على دفع ما يورد عليه من الإيرادات الّتى لا يهمّ لنا نقلها و التكلّم فيها

قوله: بل ناظر الى انّ دلالة الخ‏

اقول‏ اراد المص ايضاح مراد ما ذكره العلمان و انّه بمراحل ممّا فهمه البعض و اوضح مرادهما بانّ الدّلالة على قسمين التّصوريّة و التّصديقيّة و المراد بالأول هو تصوّر المعنى و حصوله عند الذّهن بمجرّد سماع اللّفظ و بالثّاني هو التّصديق بكونه مقصودا للمتكلّم و مراد آلة فالأولى من الدّلالتين ليست مقصودة لهما و انّما قصدهما الى الثّانية و هى اعنى الدّلالة على كون المعنى مرادا للمتكلّم تابعة لواقعيّة ارادة المتكلّم لها فاذا وجدت الإرادة من المتكلّم يكون الدلالة موجودة ايضا مع عدم الإرادة لا دلالة هنا و ان توهّمت الدلالة فليس بحقيقتها بل هى ضلالة و جهالة و هذا نظير ما ربّما يتوهّم من انّ الخبر اذا لم يطابق الواقع كان اخلاء عن المعنى فقولك زيد قائم انّما يكون له المعنى اذا كان له في الخارج ما يطابقه و امّا اذا لم يكن في الخارج ما يطابقه يكون اللّفظ خاليا عن المعنى اذ تبعيّة المعنى الملفوظ هنا للواقع تبعته الكشف من المكشوف كتبعيّة الدّلالة على الإرادة بل ازيد

42

و انت بعد التأمّل في هذا الكلام في حدّ ذاته و نظيره و ما سبق منافي توضيح كلام العلمين يظهر لك المراد و لا يحتاج الى مزيد بحث و ايراد

قوله: و لذا لا بد الخ‏

اقول‏ اللّفظ الموضوع انّما يدلّ على المعنى الموضوع له بمعنى حصول العلم بارادته منه او الظنّ اعنى الدّلالة التّصديقيّة بمقدّمات منها العلم بوضعه له و منها العلم بمتابعة المستعمل له في استعماله هذا او الظنّ و منها العلم او الظنّ بانّ المتكلّم بصدد الإفادة و افهام ما هو ظاهر كلامه حدّا او على نحو ضرب القاعدة

قوله: في اثبات ارادة الخ‏

اقول‏ الجار متعلّق بقوله لا بدّ يعنى لا بدّ من احراز ما تقدّم في اثبات ما أراده من ظاهر كلامه يعنى لا بدّ لمثبت ارادة المتكلم ما هو ظاهر كلامه انّ يحرز ما تقدّم‏

قوله: و دلالته على الإرادة

اقول‏ عطف على الأثبات و المعنى ظاهر

قوله: و تهيئاتها المخصوصة الخ‏

اقول‏ لا يخفى عليك انّ المعنى المفرد قد يختلف عليه حالات و خصوصيّات كالتّصغير و التّعظيم و غيرها من الخصوصيّات منها التثنية و الجمع و نحوهما فوضع بازائها نوعيّا ما يدل عليه من الهيئة او الحروف كهيئة رجيل و التّصغير مثلا و التّنوين و الألف و النّون و نحوهما لكنّه هذا في المفرد فقط من دون لحاظ تركيب اصلا و قد يختلف عليه حالات بلحاظ التّركيب ايضا كخصوصيّة الفاعليّة و المفعوليّة و الظّرفيّة للفعل و غيرها من العوارض من خصوصيّات الإضافات و انواعها فوضع بازائها ما يدلّ عليهما نوعا من الهيئة و غيرها ثمّ اعلم‏ انّ في قولك ضرب زيد مثلا نسبة بين ضرب زيد و خصوصيّة ثابتة لزيد و هى فاعليّته للضّرب و كونه صادرا منه و الموضوع بازاء الثّانية هو الرّفع اللّاحق به فلذا قالوا الرّفع علامة الفاعليّة و الموضوع بازاء النّسبة هى الهيئة العارضة للجملة او شي‏ء آخر غير مذكور يستعار له هو و نحوه من الضّمائر كما صرّح به اهل الميزان و قد يكفي الفاعليّة و نحوها من الخصوصيّات و يقيد بها النّسبة و يقال النّسبة هنا خاصّة و هى النّسبة الصّدوريّة كالنّسبة الوقوعيّة بين الفعل و المفعول فح قد يقال انّ الموضوع بازائها هو الأعراب او شي‏ء آخر يستعار له الضّمائر و بهذا الاعتبار قسمت القضيّة الى الثّلاثية و الثّنائيّة او الهيئة على الاختلاف فتلخّص انّ الموضوع بالوضع النّوعى قد يكون عارضا و لا حقا للمفرد في حدّ ذاته و نفسه و قد يكون عارضا له بنفسه بلحاظ تركيبه او عارضا له و لغيره فت جيدا و بعد ثبوت تلك الأوضاع بخصوصيّاتها يكون التّركيب بيد المستعمل و راجعا اليه فيركّب الألفاظ بخصوصيّاتها و مهيئاتها فيما اذا اراد المعاني الخاصّة و ليس لمجموع الألفاظ المتهيّئة بالهيئة الخاصّة وضع آخر بمقابل المجموع من المعاني و لذا قد يختلف التّراكيب مع افادة المعنى الواحد بلحاظ تفاوت المفردات توضيحا و خفاء و قد يكون تفاوت مراتب البيان كثيرة و كثيرا يمدح المستعمل بلحاظ تركيبه بحيث من المعلوم عدم اقتدار غيره عليه و لا ينبغى لأحد ان يقول بوضع آخر لكلّ من هذه الجملات‏

قوله: و لعلّ المراد من العبارات الخ‏

اقول‏ الأمر كذلك بعد

43

المراجعة الى عبارات القائلين بالوضع المركّب بل ذلك هو المصرّح به في كلام بعضهم و راجع كلام نجم الأئمّة في مواضع منها في تعريف الكلمة و كلام صاحب القوانين‏

[في التبادر:]

قوله: لا يخفى انّ تبادر المعنى من اللّفظ الخ‏

اقول‏ التّبادر من المبادرة بمعنى المسابقة و قد يعرف كما فى كلام المص بسبق المعنى الى الذهن و قد يعرف بسبق الذّهن من اللّفظ الى المعنى و قد يقال الأنسب بالنّسبة الى السّبق الّذى هو التقدّم هو التّعريف الثّاني لا نسبة السّبق الى شي‏ء يلزم كونه منتقلا و هو مناسب للذّهن لأنّه ينتقل من حال الغفلة الى الالتفات و المراد سبق الذّهن الى المعنى الخاص من بين المعاني الّا انّه لا مسبوق عليه على هذا التقدير لأن السبق يلزمه المسبوق عليه و هو مثلا ساير الأذهان له سبق على الأذهان الأخر الى هذا المعنى فيكون الأسناد من هذه الجهة مجازا و هذا لا يلزم بالنّسبة الى المعنى الأخر لأنّ المسبوق عليه ساير المعانى فالمعنى الخاص يسبق على ساير المعانى الى الذّهن المتكلّم و يمكن ان يقال انّه من باب تنزيل الفعل المتعدّى منزلة اللّازم اذ لا يراد هنا حيث المسبوق عليه اصلا فكان المسابقة هنا استعمل في نفس التّوجه اليه و ليس هذا مجازا بل النّظر الى هذه الحيثيّة فكيف كان فلكلّ منها وجه فتدبّر

قوله: لا يقال كيف يكون علّامة الخ‏

اقول‏ توضح المطلب انّ انسباق المعنى من بين المعاني لا بدّ له من سبب و ليس السّبب الّا الوضع لأنّ المناسبة الذّاتيّة لا نقول بها فلا محالة يكون سببه الوضع فيكون ذلك للعالم بالوضع اذ مع عدم العلم لا يكاد ينسبق المعنى فلو كان العلم بالوضع متوقّفا على ذلك يلزم الدّور

[وجوه الإجابة عن الدور:]

و قد يجاب عن ذلك بوجوه‏

[الوجه‏] الاول: ان انسباق المعنى لا يتوقّف على الوضع‏

لأنّ ذلك استيناس قد يحصل من كثرة الاستعمالات و آل الأمر بفهمه من اللّفظ كذلك و لا يخفى عليك انّ الاستعمال مع القرينة و ان صار بمرتبة المشهرة لا يصير سببا لفهم المعنى من حاق اللّفظ بلا قرينة الّا اذا صار حقيقة بالوضع التعيّنى‏

[الوجه‏] الثّاني: ما اشار اليه بقوله فانّه يقال الموقوف‏

عليه غير الموقوف عليه يعني الموقوف على التّبادر غير الموقوف عليه فانّ العلم التّفصيلى بكونه موضوعا موقوف على التّبادر و هو اى التّبادر موقوف على العلم الإجمالي الارتكازي لا التّفصيلى و هذا نظير ما ذكروه فى دفع الدّور من الشّكل الأوّل من الفرق بالإجمال و التّفصيل و قد يشكل ذلك بانّ المقام لا ربط له بما ذكره في الشّكل الأوّل من الإجمال و التّفصيل لأنّ الإجمال فيه انّما هو لكليّة الكبرى اللّازم منها العلم بجميع جزئياته و التّفصيل انّما هو بسبب ضمّ الصّغرى فمع قطع النّظر عن الصّغرى يكون العلم بحدوث العالم بكليّة الكبرى فيكون العلم به غير مفصّل و اذا التفت الى الصّغرى اعنى العالم متغيّر يكون العلم الحاصل بحدوث و العالم مفصّلا و امّا في المقام فليس الّا فهم المعنى من ذلك اللّفظ الخاص و ذلك لا يمكن الّا مع العلم بكونه موضوعا له و لا يكاد يصير هذا تفصيلا بضمّ خصوصة اخرى كما في الصّغرى من الشّكل الأوّل و لذا قيل برجوع هذا الجواب‏

44

الى‏

جواب ثالث [أو الوجه الثالث‏]: و هو انّ المتوقّف على التّبادر هو العلم بالعلم بالوضع‏

و انّ الّذى يتوقّف عليه التّبادر هو العلم بالوضع و قد يشكل ذلك بانّ الالتفات الى ذلك العلم لا يمكن ان يكون سببه ذلك العلم و لا ما يتوقّف عليه لأنّ العلم بالعلم ليس الّا العلم بالنّسبة الجزئية بين الموضوع و المحمول فاذا كان ذلك متوقّفا على التّبادر المتوقّف على العلم بتلك النّسبة مستلزم للدّور الواضح و لا يخفى عليك انّ فهم المعنى من اللّفظ و إن كان متوقّفا على العلم بالوضع الّا انّه متوقّف على حقيقته لا على الالتفات به فربّما لا يخطر الوضع في قلبه بل ربّما ان سئل عنه معنى اللّفظ يصير متامّلا الّا انّه لو فرغ ذهنه و سمع اللّفظ انتقل الى المعنى فالّذى يتوقّف عليه التّبادر هو العلم بالوضع و لو كان ذلك بنحو الارتكاز و المتوقّف على التّبادر هو الالتفات الفعلى الى ما وضع له اللّفظ فالفرق بين العلمين بالفعليّة و القويّة و الشّأنيّة و لا باس بتسميته بالتّفصيلى و الإجمالي و ان كان الإجمال و التّفصيلى هنا مختلفا مع الإجمال و التّفصيل الكائنتان فى الشّكل الأوّل الّا انّ كل ما كان من الاختلاف بينهما كان يرفع به الدّور ثمّ اعلم‏ انّ من التّبادر ما يسمّى بالتّبادر الإطلاقي و هو ما يكون التّبادر بسبب اطلاق اللّفظ كما في انصراف المطلق و سبب الانصراف قد يكون غلبة الوجود و قد يكون اكمليّة بعض الأفراد و قد يكون كثرة الاستعمال و غلبته فيه و سببيّة الأوّلين للانصراف ممنوع و الأخير مسلّم و لكنّه يكون ذلك بتوسّط القرينة و بعبارة اخرى كثرة استعمال المطلق في بعض افراده إن كان لا لاجل خصوصيّة الفرديّة فلا يكاد ان يكون مستعملا في الفرد و إن كان مستعملا في خصوصيّة الفرد فلا محاله يكون ذلك لأجل القرينة فكثرة الاستعمال مع القرينة لو وصل بمرتبة النّقل لا نقلب الأمر الى الحقيقة و الّا فلا يكاد بصير سببا للتّبادر من حاق اللّفظ في غير مورد القرينة و حال المطلق حال المجاز المش في ذلك و توضيح المقام كما عن بعض المحقّقين انّ المطلقات المنصرفة الى الأفراد الشّائعة ليست موضوعة لها بل باقية على وضعها للطّبيعة الكليّة و مع ذلك تتبادر منها تلك الأفراد و فيها اقوالا ثلاثة الأوّل‏ انّ المطلق ظاهر في ارادة الأفراد الشّائعة الثاني‏ انّ المطلق ظاهر في الطّبيعة الّا انّ انفهام كون الأفراد الشّائعة مراده بقرينة الغلبة بمعنى انّ الغلبة دالّة عليها و بعبارة اخرى انّ انصراف المطلقات الى الأفراد الشّائعة من باب دالّين و مدلولين فانّ المطلق مستعمل في الطّبيعة و اريد الخصوصيّة اعنى خصوصيّة الأفراد الشّائعة من الخارج عن اللّفظ الثّالث‏ التّوقف بمعنى انّ غلبة ارادة الأفراد الشّائعة من المطلقات اوجبت فيها الإجمال و اسقطتها عن ظهورها في الطّبيعة المعراة لكن لما كانت الأفراد الشّائعة متيقّنة الدّخول في المراد فحمل المطلق عليها فاذا عرفت الأقوال فلا ريب انّ التبادر من الأصل ممنوع في الأخيرين امّا على الثّاني فلكون المطلق ظاهرا في معناه الحقيقى و هى الطّبيعة لا في الأفراد الشّائعة و امّا على الثّالث فلانّه لا ظهور اصلا فينحصر التّبادر في الأول و هو ايضا مستند الى الغلبة لا الى‏

45

حاق اللّفظ و من هنا ظهر انّ التّبادر في مثل هذا لا يكون علامة للوضع و لا يرد عليه اشكال على التّبادر بانّه قد يكون و لا وضع فلا يصحّ جعلها من علائم الوضع و ممّا ذكر يظهر الأمر في المجار المشهور و ان التّبادر المدعى فيه ليس بشي‏ء حيث انّ التّبادر فيه في المعنى المجازي لو كان لكان بواسطة الشّهرة و قرينتها لا من حاق اللّفظ و جوهره و قد يقال فيه بانّ المتبادر منه في مورد عدم القرينة هو المعنى الحقيقى و لو بلغ كثرة الاستعمال في المعنى المجازي ما بلغ و قد يقال بالتوقّف و الحاصل انّه لا يرد النّقض على التّبادر بالتّبادر في المطلقات و المجازات المش كما عرفت‏

قوله: و اما فيما احتمل استناده الخ‏

اقول‏ قد عرفت ان التّبادر الّذي هو علامة الحقيقة هو التّبادر من حاق اللّفظ و عدم مدخليّة قرينة في ذلك و الفهم كذلك امر غامض جدّا فلا يتّفق العلم بذلك و كثيرا ما يشكّ في انّ المتبادر هل هو من حاق اللّفظ حتّى يكون علامة للوضع و كون المعنى هو الموضوع له او انّه من جهة القرينة من شهرة الاستعمال او غلبة الوجود او نحو ذلك فيكون التّبادر على هذا خاليا عن الفائدة لعدم حصول العلم كذلك و ح قد يقال ان الأصل هو عدم وجود قرينة يستند اليها التّبادر فيثبت بذلك الأصل انّ فهم المعنى مستند الى حاق اللّفظ ببيان انّ اصالة العدم ممّا اطبق العقلاء فى مباحث الألفاظ على اعتباره فيكون التّبادر مع ذلك الأصل دليلا على الوضع فيقوم الأصل مقام العلم لحجيّته و قد صرّح بحجيّة الأصل هنا و قيامه مقام العلم المحقّق القمّى في القوانين و شيخنا المحقّق الأنصاري في رسالة حجيّة الظّن الّا انّ ذلك تارة يشكل بان حجيّة مثل هذا الأصل و اعتباره من بناء العقلاء و المسلّم من بنائهم انّما هو اجرائه في تعيين المراد لا فيما اذا كان المراد معلوما و شك في الاستناد الى شي‏ء او عدمه فاجراء الأصل في تعيين حال الاستناد و الحاصل انّ ما نشك في المقام هو انّ المتكلّم استند الى القرينة في مقام افادة المعنى المعلوم ارادته فيكون ذلك المعنى غير ما وضع له اللّفظ او لم يستند اليه فيكون المعنى هو الموضوع له و اصل عدم القرينة اى عدم وجودها انّما يفيد فيما لو لم يعلم المراد من جهة احتمال وجود القرينة فيكون المراد هو الموضوع له لا فيما اذا كان المراد معلوما و شك في انّ هذا من جهة القرينة او لا فباصالة القرينة يستكشف انّها الموضوع له و ذلك لأنّ دليل اعتبار هذا الأصل هو بناء العقلاء و لا يعلم بنائهم على اعتباره في هذا المقام و قد يدعى انّ بنائهم على الاعتبار أ ترى من نفسك انّه لو فهمت مراد مولاك من لفظ و لم تعلم استناده الى القرينة في ذلك و خاطبك مولاك بهذا الكلام في غير هذا الوقت لم تفهم معناه او تحمّله على ذلك المعنى الّذى علمته سابقا او ان الأطفال اذا علموا معنى من لفظ يحملوا اللّفظ على ذلك المعنى في غير ذلك المورد و قد يدعى ايضا انّ ذلك بالأخرة يرجع الى تعيين المراد و لو في غير ذلك الاستعمال و حاصل هذا الجواب انّ اصالة عدم الاستناد الى القرينة يبيّن كون هذا المعنى مرادا في الاستعمالات الأخر بلا قرينة فيكون جازيا في تعيين المراد و هذا المقدار يكفى في جريان الأصل الّا انّ ذلك لا يثمر حيث انّه ليس لنا لفظ خاص تنازع‏

46

في معناه بل نقول انّ في مثل هذا ليس بناء العقلاء على اعتبار الأصل و لو كان بالأخرة يثبت مراديّة المعنى في كلام آخر و تارة يشكل بمعارضته مع اصالة عدم الوضع لهذا المعنى و يرد بانّ الوضع معلوم في الجملة امّا لهذا او لغيره فالأصل في جانبه معارض فاصالة عدم القرينة باقية بلا معارض‏ نعم‏ لو علم وضعه لمعنى آخر فاصالة عدم الوضع لهذا المعنى بلا معارض فيتعارض مع اصالة عدم القرينة و لم يرجح عليها الخيريّة المجاز من الاشتراك اذ اصالة عدم القرينة يثبت الاشتراك و اصالة عدم الوضع يثبت المجازيّة

تكملة [في أن تبادر الغير علامة المجاز:]

قد يقال كما انّ تبادر المعنى من اللّفظ علامة للحقيقة كذلك عدم التّبادر علامة للمجازيّة و قد يعبر بتبادر الغير نظرا الى انّ في المشترك لا يتبادر شي‏ء من معانيه عند تجرّده عن القرينة و لا يكون مع عدم تبادره مجازا و لا يخفى عليك‏ انّ في المشترك يتبادر معانيه اللّغويّة اى يتصوّر المعاني بتمامها عند تصوّر اللّفظ و كذلك يحصل له التّصديق بكون واحد من المعاني مرادا هذا او هذا او هذا فكل منها مراد على سبيل البدليّة فيتبادر معناه الى الذهن؟؟؟

يصدق بمراديّته الّا انّه على نحو البدليّة و التّبادر الّذي هو علامة الوضع اعم من ان يكون متبادرا على نحو العينيّة او على نحو البدليّة فلا نقض بالمشترك بل سبب المجازيّة اوّلا و بالذّات هو عدم تبادره لا تبادر الغير لأنّه علامة حقيقة و كونه حقيقة فيه لا يثبت مجازيّة ذلك الّا بلحاظ عدم تبادره فيكون هو الدّال عليه فافهم و المصنّف لم يتعرض لكونه علامة المجاز كما تعرّض في طرف صحّة السّلب و عدم الاطراد و لعلّه لأجل عدم تماميّته عنده‏ امّا عدم التّبادر فلعلّه كان من جهة عدم العلم بالوضع او لأجل ثبوته في المشترك مع ثبوت الوضع‏ و امّا تبادر الغير فلانّه بالنّسبة الى غير المتبادر ليس الّا عدم التّبادر و قد عرفت ما فيه‏

و الحاصل‏

انّ عدم التّبادر قد يكون سببه انتفاع المقتضى و هو العلم بالوضع اذ هو علّة للتّبادر اذ مجرّد الوضع مع عدم العلم به لا يوجب التّبادر او لمجرّد وجود المانع اى يعلم الوضع و لكنّه مانع عنه و في كليهما لا يثبت المجازية و كونه غير ما وضع امّا على الثّاني فواضح و امّا على الأول فلانّ معنى عدم العلم بالوضع لا تقضى عدم ثبوت الوضع في الواقع و مرجع تبادر الغير الى عدم التّبادر فت فيما تقدّم هنا لعلّك تطّلع على الحقيقة و ذلك لأنّ الكلام انّما هو في استعمل اللّفظ فيه عند المحاورة و عرف المستعمل فيه فاذا كان اهل المحاورة لا يتبادر الى ذهنهم هذا المعنى من حاق اللّفظ فيكشف ذلك من عدم الوضع له لأنّ الفرض انّ اهل المحاورة هم العالمون باوضاع الألفاظ فعند عدم عليهم يكشف من انّه لم يكن بموضوع له فت‏

[في صحّة السلب و علاميتها:]

قوله: ثم انّ عدم صحّة سلب الخ‏

اقول‏ و عدّوا من علائم المجاز صحّة سلب المعانى الحقيقيّة عن مورد الاستعمال و عن علائم الحقيقة عدم صحّتها و قد يزاد في التّعريف و يقال صحّة السّلب بحسب نفس الأمر من غير بناء على المسامحة و الادّعاء لأن صحّة السّلب بحسب الادّعاء لا يثبت المجازيّة و الأولى عدم‏

47

لزوم الزّيادة لاستفادته من التّعريف فيكون مستدركا و ذلك لأنّ فيد في نفس الأمران لوحظ بحسب القضايا السّلبيّة مثل قولك للشّادى ليس بانسان اذ بهذه القضيّة سلب الإنسان عن الشّادي و يقال ان هذا السّلب كان بحسب الواقع لا بحسب الادّعاء و التّأويل كان صحيحا بلا احتياج الى قيد لأن القضيّة ظاهرة في السّلب بحسب نفس الأمر و الواقع بلا ادّعاء و تاويل و إن كان لوحظ ذلك القيد الى القول الواقع في التعريف اعنى صحّة سلب المعنى الحقيقى اى يكون الصّحة و السّلب و المعنى بحسب نفس الأمر فكذلك غير محتاج اليه لأصالة الحقيقة فان قيل استعمال الأسد في الرّجل الشّجاع بادعاء انّه الحيوان المفترس حقيقة و ليس بمجاز لأنّ المستعمل فيه هو الحيوان المفترس غاية الأمر انّه حيوان مفترس واقعى بادّعاء قال شيخنا المرتضى في خطاب المشافهة في التقريرات و ما يتوهّم من انّ الأسد مجاز ح لأنّه موضوع للحيوان المفترس الحقيقى لا الادّعائي فهو غلظ فانّ ادعاء كونه من الأسد ليس من وجوه المعنى حتّى يقال انّه موضوع لغيره و الحاصل انّ اللّفظ مستعمل في ذات المعنى الحقيقى بادعاء و لا يمكن تقييد الموضوع له بما يخرج مثل ذلك‏ قيل‏ سلمنا ذلك الّا انّه نقول لا يكاد يفيد على هذا التّقدير قيد في نفس الأمر لأنّ المدّعى يدعى انّه مستعمل في معناه النّفس الأمري و يصحّ السّلب بحسب نفس الأمر فتامّل‏

قوله: كذلك‏

اقول‏ لو كان متاخّرا عن المعنى كان العبارة افيد

قوله: في الجملة

اقول‏ امّا قيد للعلامتين او مختصّ في الأخير و هو مقابل للتّفصيل المذكور

قوله: بالحمل الأولى الذّاتي‏

اقول‏ الحمل الذّاتى عبارة عن حمل الحقيقة على الحقيقة او بعض الذّاتيّات على بعض كحمل حيوان ناطق على انسان او حمل الحيوان عليه او النّاطق فانّ الحمل في الجميع ذاتىّ و معنى الحمل الذّاتي الاتّحاد بحسب الحقيقة كما انّ الحمل الشّائع هو الاتّحاد بنحو من انحاء الوجود و لا يجوز في الحمل الذّاتىّ سلب بعض الذّاتيّات عن الذّات لاتّحاد الحقيقة حقيقة و التّركيب انّما هو بحسب تحليل العقل و الّا الإنسان بما هو بسيط و المراد بالحمل الذّاتي في المقام ان يكون مفهوم الحدّ المسلوب عين مفهوم المسلوب عنه‏

[في الإشكالات الواردة على أمارية عدم صحة السلب:]

فاعلم‏ انّه اورد في امارية عدم صحّة السّلب للحقيقة الشّح المحقّق في حاشيته على المعالم‏

[الإشكال الأول:] بانّ المعنى المسلوب و المسلوب عنه‏

ان كانا متّحدين فلم يتصوّر حمل لا اثباتا و لا سلبا و إن كانا متغايرين لم يكن عدم صحّة السّلب دليلا على الحقيقة قال لا ترى انّ استعمال الكلّى في خصوص الفرد مجاز مع انّه لا يصحّ سلبه عنه و كذا لا يصحّ سلب شي‏ء من المفاهيم المتّحدة في المصداق عن بعض آخر كالإنسان و الضّاحك و النّاطق و الحيوان او الجسم و الجوهر مع انّ شيئا من تلك الألفاظ لم يوضع بازاء المفهوم الّذى وضع له الأخر و لا حقيقة فيه اذا اريد عند الإطلاق خصوص ذلك منه‏

و الجواب عنه‏

اوّلا باختيار الشقّ الأوّل و القول باتّحادهما قولك لم يتصوّر حمل قلنا اوّلا لا يحتاج الى تصحيح الحمل انّه الماخوذ علامة انّما هو عدم صحّة السّلب و من البين حصوله لعدم صحّة سلب الشي‏ء عن‏

48

نفسه و ثانيا نمنع عدم صحّة الحمل بالحمل الذّاتي و المسلّم عدم صحّته بالحمل الشائع الصّناعي و ثانيا نختار الشّق الثّاني و نقول بكون المراد من العلّامة تشخيص المصداق المستعمل فيه اللّفظ انّه هل هو من مصاديق الحقيقة ام لا فبعدم صحّة سلب المعنى المنساق من اللّفظ حال الإطلاق عند العارفين باللّفظ او خصوص المعنى الموضوع له للّفظ يعرف انّه من مصاديق المعنى الحقيقى و لا اشكال و يكون المراد بالحمل الحمل الشّائع كما انّه يكون الأمر كذلك اذا اريد من المسلوب مفهوم المسمّى او ما وضع له و من المعنى المسلوب عنه نفس مفهومه فبعدم صحّة سلب مفهوم المسمّى او الموضوع له اللّفظ يعرف انّه ممّا وضع اللّفظ له و الحمل ايضا حمل شايع و هذا هو ملخّص ما اجاب فقد يعرف بصحّة الحمل الأولى الذّاتى الّذى كان ملاكه الاتّحاد مفهوما علامة كونه نفس المعنى كما فيما اذا كان المراد بالمسلوب نفس المفهوم الموضوع له و بالمسلوب عنه ايضا نفس المفهوم المستعمل فيه و قد يعرف بصحّة الحمل الشّائع الصّناعى الّذى ملاكه الاتّحاد وجودا بنحو من انحاء الاتّحاد علامة كونه من مصاديقه و افراده الحقيقيّة كما فيما اذا كان المراد من العلّامة تشخيص المصداق المستعمل فيه اللّفظ انّه هل هو من مصاديق الحقيقة ام لا فبعدم صحّة سلب المعنى المنساق من اللّفظ حال الإطلاق عند العارفين باللّفظ او خصوص المعنى الموضوع له اللّفظ او كان المراد منها تشخيص ذات المعنى الموضوع و اريد من المسلوب مفهوم المسمّى او ما وضع له اللّفظ فعلاميّة صحّة الحمل بالحمل الشّائع يكون موردها ثلاثة و بالحمل الذّاتي موردها واحد و في عطف قوله و صحّة الحمل على قوله عدم صحّة السّلب عنه اشارة الى لزوم اعتباره في الأماريّة او عدم التّفكيك بينهما واقعا و قد تقدّم اعتباره عن الشّيخ المحقّق صاحب الحاشية و لمزيد الإيضاح لما سبق نقول انّه قد يشكل تلك العلامة اعنى عدم صحّة السّلب من جهة انّ علامة الشّى‏ء لا بدّ ان يكون من خواصّه اللّازمة بحيث لا يوجد في غيره و عدم صحّة السّلب ليس امره كذلك لتحقّقه مع عدم الحقيقة كما فيما اذا استعمل اللّفظ الموضوع للكلّ في الجزء كالإنسان المستعمل في الناطق او اللّفظ الموضوع للملزوم في اللّازم كالإنسان في الضّاحك فانّه مع كونه مجازا لا يصحّ السّلب بان يقال الإنسان ليس بناطق او ليس بضاحك و يمكن الجواب عنه بانّ المراد سلب المعنى الحقيقى عن مورد الاستعمال و المعنى المستعمل فيه اللّفظ و اللّفظ المستعمل في الجزء او اللّازم إن كان مستعملا في نفس المفهوم بما هو هو لكان صحّة السّلب ممّا لا خفاء فيه و إن كان مستعملا في المصداق بما هو مصداق اللّازم او الجزء كان اللّفظ مستعملا ايضا في المفهوم و يصحّ السّلب عنه و اذا استعمل فى الخاص بما هو خاص بالخصوصيّة كان المستعمل فيه بما هو مستعمل فيه مغايرا للمعنى الحقيقى و يصحّ السلب عنه‏

و الحاصل‏

انّ عدم صحّة السّلب و صحّته انّما يعتبر بالنّسبة الى المعنى المستعمل فيه بما هو مستعمل فيه و لا اشكال و ممّا ذكرنا في الجواب ظهر انّه لا نحتاج الى ما ذكره في الفصول من الجواب زاعما انّه مستفاد من كلمات القوم و هو انّه انّما يتوجّه اذا اعتبر السّلب بالحمل المتعارف و امّا اذا اعتبر بالحمل الذّاتي اعنى ما يكون مفاده الاتّحاد

49

في الحقيقة فلا اشكال اذ يصدق في تلك الأمثلة انّ مفهوم الإنسان ليس نفس مفهوم النّاطق و الضّاحك و انّ مفهوم العام ليس نفس مفهوم الخاص فيكون حاصل الجواب انّ عدم صحّة السّلب فيما ذكر انّما هو بالحمل الشّائع و ليس بهذا الاعتبار علامة على الحقيقة و انّما العلامة هو عدم صحّة السّلب بالحمل الذّاتي و في الأمثلة يصحّ السّلب كذلك فعلامة الحقيقة صارت من خواصّه اللّازمة و فى اختصاص العلامة بالحمل الذّاتى دون الشّائع خلاف الشّائع و لهذا عمّمه المص ره بحمل الذّاتي و الشّائع‏ و ذلك‏ مورد اعمال هذه العلامة غالبا تعيين حال مورد الاستعمال من حيث كونه مصداقا للمعنى الحقيقى و المجازى على ما سيأتي و كذا لا نحتاج الى ما حقّقه من انّ عدم صحّة السّلب علامة للحقيقة في الجملة لا مط بل لا طائل تحته لأنّ المقصود من العلامة تعيين حال المستعمل فيه هى اللّفظ الكلّى المستعمل في الفرد بما هو فرد و لا يصحّ السّلب عنه فعدم صحّة السّلب و إن كان يستلزم كونه حقيقة فيما اذا استعمل فيه بلحاظه الّا انّه لا يعرف به حال الاستعمال الخاص من كونه حقيقة ام لا

قوله: علامة كونه من مصاديقه و افراده‏

اقول‏ المعنى المستعمل فيه اللّفظ الّذي اردنا اختبار كون اللّفظ فيه حقيقة ام لا بعدم صحّة السّلب إن كان السّلب بالحمل الذّاتي اى سلب مفهوم المعنى الحقيقى عن المفهوم المستعمل فيه فبعدم صحّة هذا السّلب يعرف انّه هو المعنى الحقيقى بخصوصية و ان كان بالحمل الشّائع بالمعنى الأخص يعنى يعلم انّهما متغايران مفهوما و لكنّهما متّحدان في الوجود الخارجي فبعدم صحّة السّلب الكذائي يعرف انّه من مصاديقه و افراده لأنّ المستعمل فيه اللّفظ بما هو معنى مستعمل فيه اللّفظ إن كان لا يصحّ السّلب بهذا الحمل لا محالة يكون من مصاديقه و افراده اذ لو كان مستعملا فيه اللّفظ بالخصوصيّة او باعتبار كونه مصداقا لكلى آخر يكون المستعمل فيه بما هو كذلك يصحّ سلب المعنى عنه بذلك الحمل و إن كان لا يصحّ السّلب عنه بما هو مصداق لذاك المعنى فعدم صحّة السّلب بالحمل الشّائع علامة لكون اللّفظ حقيقة فيه مط اى كلّما استعمل فيه اللّفظ يكون حقيقة و إن كان بالحمل الشّائع بالمعنى الأعم اى ما يكون مفاده مجرّد الاتّحاد في الخارج فلا يخلو عدم صحّة سلبه و صحّة حمله عن احد الحملين السّابقين فإن كان صحّة حمله بالحمل الذّاتي كان حقيقة فيه بخصوصيّة و إن كان بالحمل الشّائع كان حقيقة و يكون المستعمل فيه من افراده و مصاديقه فلا يكون الحمل بالمعنى الأعم مؤثّرا في المقام فصحّ قول المص و بالحمل الشّائع الصّناعي الى قوله كونه من مصاديقه و افراده الحقيقيّة مع اطلاقه و بطل ما ذكره في الفصول حيث خصّ عدم صحّة السّلب بالحمل المتعارف المقابل للحمل الذّاتي بكونه علامة لكونه حقيقة فيه ان اطلق عليه باعتباره و جعل عدم صحّة السّلب بالحمل المتعارف بالمعنى الأعم علامة لكون اللّفظ حقيقة فيه بالجملة و الحاصل‏ انّ انقسام الحمل الى اقسام منها الاتّحاد مفهوما و هو الحمل الأولى و منها الاتحاد فى الوجود على نحو يكون المحمول و المحمول عليه كليّا و فردا و منها مجرد الاتحاد في الوجود على نحو لم يكن كليّا و فردا نحو الإنسان ضاحك فعدم صحّة سلب الإنسان عن الضّاحك بالحمل الشّائع و صحة حمله عليه بالحمل الشّائع لا يفيد كون المحمول‏

50

عليه فردا من افراد المحمول غير مضر فيما نحن فيه اى ممّا نريد تعيين حال المستعمل فيه لأنّ مستعمل فيه لفظ الإنسان فيما اذا اطلق على الضّاحك امّا مفهوم الضّاحك او مصداقه بما هو مصداق الضّاحك او مصداقه بخصوصيّاته الخاصّة او بما هو مصداق الإنسان لا الضّاحك فعلى الأوّل لا يصحّ الحمل لبينونة مفهوميهما و صحّة الحمل ليس باعتبار المعنى المستعمل فيه اللّفظ و على الثّاني كذلك لأنّه في الحقيقة لم يستعمل في المفهوم و على الثّالث فكذلك و على الرّابع فهو حقيقة لعدم صحّة السّلب و هو من المصاديق فالشّبهة نشأ من انّ الإنسان لا يصحّ سلبه عن الضّاحك مع انّه ليس فردا و مصداقا له هذا و ان اوضحنا المقام بما لا مزيد عليه الّا انّه وردنا على حاشية من المص على قوله و افراده الحقيقة قال ما لفظه فيما اذا كان المحمول و المحمول عليه كليّا و فردا لا فيما اذا كان كلّيين متساويين او غيرهما كما لا يخفى فت جيّدا

قوله: من انحاء الاتّحاد

اقول‏ من الحلول و الانتزاع و الصّدور و الإيجاد على ما سيصرّح به في المشتق‏

قوله: كما انّ صحّة سلبه كذلك الخ‏

اقول‏ اذا صحّ السّلب بالحمل الذّاتي عن المستعمل فيه اللّفظ فيما اذا كان مستعملا فى المفهوم كان ذلك علامة لكونه مجازا فيه فان صحّ السّلب بالحمل الشّائع عن المستعمل فيه كان علامة لكون اللّفظ مجازا فيه و انّه ليس بما هو كذلك من المصاديق و الأفراد للمعنى الحقيقى و الغرض انّه مغاير مفهوما قال في الفصول و امّا ان اعتبرت بالحمل المتعارف المقابل للحمل الذّاتي فلا تصلح علامة للمجاز لأن الإنسان يصحّ سلبه عن الحيوان النّاطق بهذا الحمل و ليس مجازا فيه قطعا انتهى و فيه ما لا يخفى لأنّ الحيوان النّاطق الّذي يراد استعمال لفظ الإنسان فيه إن كان هو مفهومه فليسا بمتغايرين فلا يصحّ السّلب بالحمل الذّاتي و ليس هنا مجال للحمل الشّائع لأنّه في شيئين متغايرين مفهوما فإن كان يراد استعماله في بعض مصاديقه بما هو مصداق له فلا يصحّ السّلب بالحمل الشّائع هذا لو قلنا بانّ مفهوم الإنسان متحد مع مفهوم الحيوان النّاطق و لو كانا متغايرين و كان لفظ الإنسان مستعملا في نفس المفهوم فيصحّ السلب بالحمل الذّاتي و اعترف بانّه علامة للمجازيّة و لو اعتبرت بالحمل الشّائع بالمعنى الأعم كان السّلب علامة لكونه مجازا فيه فيصحّ قول المص بان صحّة السّلب كذلك علامة انّه ليس منها و قد يورد على صاحب الفصول بانّه من الغرائب لأنّه تفكيك عجيب اذ صحّة السّلب اذ كانت اعم من المجاز و الحقيقة لم يكن عدمها مساويا للحقيقة و مع عدم التّساوى و لا يكون علامة و لوضوح انّ عدم صحّة السّلب بالحمل المتعارف اذا كان علامة الحقيقة بمعنى الكشف عن كون مورد الاستعمال فردا او مصداقا للحقيقة فلا جرم يكون صحّة السّلب بهذا الحمل علامة المجاز بمعنى الكشف عن عدم كون مورد الاستعمال مصداقا للحقيقة و يلزمه ان يكون مصداقا للمعنى المجازى فلا وجه للالتزام بالأوّل و انكار الثّاني و الذى اوقعه في الشّبهة عدم وصوله الى كنه الحملين حيث زعم انّهما متباينان في الحقيقة و الذّات و هو سهو و اشتباه فانّ الحمل الذّاتي و هو العينيّة ينحلّ الى امرين احدهما الاتّحاد في الحقيقة